المثقف - قراءات نقدية

من أنثولوجيا الشاعر سامي العامري (3)

khalidjawad shbaylأعترف أنني منحاز الى عالم سامي العامري، شعراً وشاعراً، لأكثر من سبب هام ومنها أن عالم هذا الشاعر الموهوب عالم واسع وبمقدار ما هو واسع هو متنوع. هو عالم لا زيف فيه ولا رياء ولا تصنع ولا تبجح، شعر سامي مرآته، في عفويته وانطلاقته وجماله وحتى ما قد يلمسه الدارس من تداخل بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر واعتماد القافية أحياناً إضافة الى إيقاع الثانية تجده مطبوعاً لا مصنوعاً؛ وتنوع هذا الشاعر مدهش، فيه البوهيمية وفيه التصوف وفي الحالتين هوالمتأمل الثائر بلا ضجديج ضد الترويض والتدجين والنفاق والتزلف والكسب الذاتي هو قديس على طريقته..

الحياة البوهيمية عاشها الشاعر وفتن بها وفتن بحياة الغجر، ولا غرابة في ذلك فقد استلهمت غيره من الشعراء، منذ أن اجتاح الغجر مقاطعة بوهيميا قادمين من رومانيا في منتصف القرن التاسع عشر وأول ما الهمت حياتُهم هنري موجيه "مشاهد من الحياة البوهيمية" التي حولها لاحقا الموسيقار الإيطالي بوتشيني عام 1896 الى اوبرا "البوهيمية"، وانعكست في كثير من الأعمال.. والشاعر سامي العامري قرأ للبوهيمين الكبار أمثال: هنري ميللر، وجان جينيه، وقبلهما فيكتور هوغو.. ولكنه نسي قصيدة "بوهيميتيma boheme " التي كتبها إرثر رامبو حين هجر العائلة مشيا على الأقدام وهو المراهق ليقابل الشعراء في باريس، أما لوركا فقد خصص للغجر قصائد أغاني الغجر!

من قصيدته "أغصان غجرية" يقول الشاعر سامي العامري:

غصنٌ خطفَ قبّعتي

ورفعها إليه وهو يقهقه ..

غصونٌ غجرية لا تستقر على شجرة

إلا لتقفز كالسناجب إلى شجرة أخرى

والطينُ ترابٌ أذابَهُ عشقُ الجذور !

وهو الماضي يميسُ بزِيّ عصفورٍ

منقارُهُ ذبالةُ شمعةٍ

وجناحاه خيطا بخور

وفي بالي

ضاحيةٌ ذات طرازٍ ليليٍّ

كنتُ قد

طويتُ جدرانها ككتاب

عندما يعيش الشاعر حياته البوهيمية يجد نفسه جزءً من الطبيعة في حركتها مثلما يرى أن قبعته التي علقت بغصن متدل ٍّوانداحت عن رأسه هي استفزاز بوهيمي مقصود من الغصن، ويرى أن الطير على الأغصان تنشد وتغني له، فهو يفهم لغتها وكأنه سليمان عصره، بل هو اتخذ العصفور والسنجاب أصدقاء، والأغصان التي تعبث بها الريح بديلا عن بني البشر الذين هم ليسوا أحرارا كالغجر، وهم ليسوا منسجمين انسجام عناصر الطبيعة التي أتت عليها المفردات النابضة في القصيدة! ومن الملفت أن هذه القصيدة المتفردة وهذه اللغة الصافية وهذا التوصيف الذي هو أقرب الى التصوير الحسي لم يحظَ بما حظيت به قصائد أخرى للعامري من كثرة المداخلات والمجاملات إلا القليل! ومن ناحية أخرى ما زلت أتذكر أغنية شاعت ذات زمن أجدها مستوحاة من عالم الغجر الجميل: عشِقتُ في الأندلس صبية من غجر؛ مع أيقاعات ولحن الفلامنكو!

للعامري قصيدة "وصايا سامي العامري" في مجموعته "أستميحُك ورداً" الصادرة في القاهرة، دار سندباد2010، أهمية هذه القصيدة أنها من قصائده القديمة نسبيا والتي نشرت عام 1993 في مجلة الناقد اللبنانية، في أنها تتيح لنا أطلالة على تطور شعرية سامي العامري:

أوصيك أيها الْجرُحُ/ وأنت تشق طريقك نحو صدري/ أن تتخفى بهيأة زورق/ وإذا صادفت بجعات/ تنظف ريشها على ضفاف دمي/ أوصيك ألا تخبرها/ بما حصل في الخارج/ دعها في منأى عن الفظاظات/وإذا توسل إليك غصن أن تصف له الفصول فاعتذر له...إزعم ان هناك شموساً ضاحكةً/ وبلابل تبني أعشاشها/ على دواليب الهواء/ ولا تقل لأي بساط/ يحوم حول روحي طليقاً/ بأني الآن سجين.

يكشف سامي العامري بهذه النثرية الشعرية، عن بدايات تفاعله مع الطبيعة، ورسمه للوحة ناطقة تجعل من عناصر هذه اللوحة تتعدى النطق الى الحوار والألفة، والانسجام، في هذه اللوحة يظهر الشاعر قدرة فائقة على السرد الحكائي وعلى تبادل الحوار الداخلي بين ذات الشاعر المتكلم وبين عناصر الطبيعة التي تشكل تبادلا للمواقع بشكل هارموني يمزج بين المناجاة والسرد الحكائي الشعري فالذات المجروحة حاضرة وعناصر الطبيعة آسية؛ وبالرغم من الالتياع الوجداني إلا أن الشاعر يدخلنا الى عالم الجمال والانسجام المدهش.. لي ملاحظتان أذكرهما لعل في ذكرهما فائدة، أن "هيأة" رسمها الصحيح "هيئة" حيث أن همزتها مسبوقة بياء ساكنة تعمل عمل الكسرة ومثلها مثل "حطيئة"، والثانية هي أن لا جمع للمصدر، لذا فان "فظاظة" لا تُجمع "فظاظات"، لأن المصدر يجمع إذا أخذ معنى المرة كأن نقول زيارة زيارات: لذا صحيح العبارة الشعرية أن يكون: دعها في منأىً عن الفظاظة؛ على أن هذا لا يقلل من جمال النص الرائع.

وفي قصيدة "زيتيات" يرسم الشاعر سامي العامري لوحة أخرى بطلتها الحمامة المتطامنة، التي تنقر في إناء خزفي على سطح بيت في برلين، أوحت له كما أوحت عصفورتان عاشقتان لأبي تمام، وكما أوحت حمامة نائحة للأسير الشاعر أبي فراس الحمداني، فلنر ما أوحت حمامة برلين للشاعر العامري من خواطر؟ في هذه اللوحة التي وجد العامري نفسه أحد عناصرها فلنتامل أيضاً:

تكثر أعوامُ الجنون

تنقضي الغبرةُ في برلين

خمسين أم تسعين بات العمر

لا يهمُّ

والليلُ في العشرين!

أرسلَ من شباكه ابتسامة لبرج هولدرين

***

حمامةٌ في السطح

وقتَ الأصيلْ

تلتقطُ الحبَّ ببطء

وإناء مثلها يلتقط الحَبَّ

ويعلو في الفضاءات هديلْ

شكراً للشاعر الجميل وتحية للإنسان المرهف سامي العامري ولا شك أن عالمَ سامي وفضاءَه الشعري رحبٌ جميل، وما كتبته عنه هو مرور ووقفات ليس إلا!

 

رام كم هنغ 7 تشرين2/نوفمبر 2014

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (8)

This comment was minimized by the moderator on the site

الناقد الجاد خالد جواد شبيل
ودا ودا

كأن الناقد أراد التلميح والأشارة الى ان سامي العامري شاعر قد اختار
عوالمه الأثيرة منذ ريعان شعـره , ولهذا فهو يستقصيها في كل جديد
يكتبه ويتوسع بالتفاصيل وهكذا حتى تكتمل البانوراما في النهاية والقصائد
التي اختارها الناقد أراد منها ايضا الأشارة الى ان أطول فصول العامري
الشعرية تتجلى في نثره الشعري وهو فعلا واسع التفاصيل في شعره
المنثور بينما يختار التفعيلة أحيانا ليترنم بجملة شعرية مموسقة يراها
ربما ستفقد كثيرا من
شعريتها إذا عولجت نثرا ولكن العامري كما يبدو لي وأظن ان الناقد يشير
ضمنا الى ذلك , هو شاعر فكرة شعرية بالأساس , فكرة شعرية يخلع
عليها صياغة مناسبة وليس شاعر صياغة شعرية يبحث لها عن فكرة تتلبسها
وبما ان الناقد قد امتدح القدرة السردية للعامري فلا بأس ان نشير الى ان
للعامري كتابا سرديا هو : حديث مع ربة الشفاء .
قرأ الناقد هنا سامي العامري مواربة ليجعل من القارىء مشاركا في الرأي
أو صاحب تأويل وليس متلقيا فقط .
للناقد والشاعر محبتين خالصتين

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر المبدع جمال مصطفى
أحييك، مؤيداً كل حرف صدر منك، أقول وقلت منذ البدء أن مضمار الشاعر العامري هو قصيدة النثر، أكثر من أي مضمار آخر حين ينطلق جواده الشعري الرشيق الأنيق،، ولا يعدم الجري في مضاميره الأخرى..وهذا أمرٌ طبيعي فلكل شاعر تجليه وبراعته في مملكة الشعر، لا ازعم أنني وفيت الشاعر حقه، ولا وفيت حقك فلكل شاعر عالمه المترامي الأطراف..يطيب لي أن أحيي الشاعر سامي العامري وأن أحيي الشاعر جمال مصطفى على حسن الكلم؛ وشكرا للمثقف/خالد

خالد جواد شبيل
This comment was minimized by the moderator on the site

محبتي للأديب وللناقد العميق خالد جواد شبيل ومعذرة حيث إني حصلتُ على لابتوب جديد وكان عليَّ تنظيمه ومن ثم الإستعداد لعناق الجديد وها أنا أمام جديد بهيٍّ لم أقرأه كله بل قليل منه وسأعود لكم بعد قراءة متأنية له بصحبة قهوة الصباح التي أحتسيها بصحتك وصحة الشعر والجمال واسلم

سامي العامري
This comment was minimized by the moderator on the site

نعم العديد من الأصدقاء والقراء الرائعين أثنوا على أسلوبي النثري وكان هذا الأمر يسبب لي بعض الضيق أو الحزن ! لأني كنت أكثر ترديداً لقصائد عمودية وتفعيلة لي ولعدد من شعراء الماضي والحاضر غير أن هذه الحالة لم تستقر طويلاً بل على العكس جعلتني لا شعورياً أمعن في كتابة ما اصطلح عليه بقصيدة النثر والقص بأسلوب الشعر المنثور وهكذا وكان ما أقلقني هو حذري من أن أسمّى ناثراً أو قاصاً وليس شاعر ! ولاحقاً قرأت للراحل الكبير الماغوط قوله قبل وفاته بفترة وجيزة ( لا يهمني ألاّ يُطلَق عليَّ شاعراً، فليسمّوني كاتب نصوص ) وبما أني من محبي الماغوط ناثراً وناقداً متميزاً لتناقضات مجتمعنا العربي فقد أراحني رأيه ورغم هذا مازلتُ منساقاً وراء مزاج عنيد لا يكف عن عشقه لكل الأجناس التعبيرية وتوقه للإنغماس في موجها فأحياناً أغوص لشهور عديدة في بحيرة النثر دون أن اخرج لاستنشاق أوكسجين وتارة أفعل الشيء نفسه مع العمودي وشعر التفعيلة ، والناقد هنا كما في كتاباته النقدية السابقة سبّاح ماهر وخبير في الغوص في النصوص النثرية والموزونة على السواء وبارع في تفكيك القصيدة شكلاً وبنية لغوية إيقاعية ولفظية، وجوهراً من خلال تحيليه المائز للدلالات واستبطان ما قد يبدو خفياً من معانٍ ورموز وأشارات تلوح له أنها ذات قيمة لفهم النص والتوغل فيما ينطوي عليه من أبعاد تشكل مع الأبعاد الأخرى الظاهرة نسبياً روحَ النص ولبابه ومن هنا جاءت قراءته الرائعة هذه وإذا أريد أن أسجل ملاحظة أخرى حول طبيعة الناقد الأصيلة الأخرى هو اهتمامه الواضح باللغة والنحو وتوكيده على دورهما في جعل النص أجمل وأكثر استمالة لتعاطف القارىء وهو هنا إذ يشير إلى البديع في الكتابة الشعرية لا يغفل التنويه إلى ما يعيق تدفق النص وهذا شأن كل ناقد أصيل جليل ... أحلى تحيات الصباح للأستاذ الرائع خالد جواد شبيل وللشاعر الثرّ جمال مصطفى وتعليقه الفطن الندي

سامي العامري
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر المبدع سامي العامري
طاب يومك
سعيد جدا بما تفضلت به، وهو يدل على وعيك وفهمك الممتاز لموهبتك الشعرية، بمقدار ما يدل على تقديرك العالي للأراء الواردة بالمقالة، وكم يبهجني أن أراك متفقا منشرح الصدر، وهذا ما كنت متأكداً منه..للشاعر الجميل والإنسان العذب سامي العامري كل تحية ومحبة وأمنية صادقة في أن يواصل مسيرة الابداع التي هو جديرٌ بقطعها؛ شكراً للمثقف/خالد

خالد جواد شبيل
This comment was minimized by the moderator on the site

سعيد جدا بما تفضلت به، وهو يدل على وعيك وفهمك الممتاز لموهبتك الشعرية، بمقدار ما يدل على تقديرك العالي للأراء الواردة بالمقالة، وكم يبهجني أن أراك متفقا منشرح الصدر، وهذا ما كنت متأكداً منه..للشاعر الجميل والإنسان العذب سامي العامري كل تحية ومحبة وأمنية صادقة في أن يواصل مسيرة الابداع التي هو جديرٌ بقطعها؛ شكراً للمثقف/خالد

خالد جواد شبيل
This comment was minimized by the moderator on the site

الباحث والناقد القدير صديقي العزيز خالد جواد شبيل المحترم
السلام عليكما أينما حللتم ، وكيفما أبدعتم
لقد أجدت الاختيار يا صديقي العزيز ، وأبدعت في النقد ، وسلطت الضوء النثري بعين ، والشعري بلأخرى ، وكنتما حقاً في بودقة الشاعرية الإبداعية نقدا وشعراً
الطينُ ترابٌ أذابَهُ عشقُ الجذور !
وهو الماضي يميسُ بزِيّ عصفورٍ
منقارُهُ ذبالةُ شمعةٍ
وجناحاه خيطا بخور
وفي بالي
ضاحيةٌ ذات طرازٍ ليليٍّ
سامي العامري له عالمه الخاص ، يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيما
احتراماتي ومحبتي لكما ، ولا بد لي من إضافة صديقي الناقد الشاعر جمال المصطفى لي وليس لكل تاعالمين هههههههه احتراماتي ومحبتي

كريم مرزة الأسدي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ الشاعر الكبير والباحث الثبت كريم مرزة الاسدي
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
أستاذي الكريم دعني أبارك لك بحوثك السديدة وإني لمتابع إياها معجبا بيراعك وحصافة فكرك، وأناة صبرك في مسالكك البحثية الوعرة..أن يعجبك ما أكتب فهو مدعاة لغبطتي وسروري، وهو فضل منك، اشكرك علية، فإن يرضى الاستاذ كريم مرزة الاسدي فهذا شرف ووسام ..للشاعر حامل لواء المدرسة النجفية في الشعر كريم مرزة الاسدي أسمى ايات الحب والتقدير، والشكر موصول لموقع المثقف الأغر ورجاله محررين وكتابا وقراءأً دمتم جميعا بخير/خالد

خالد جواد شبيل
This comment was minimized by the moderator on the site

الباحث والناقد القدير صديقي العزيز خالد جواد شبيل المحترم
السلام عليكما أينما حللتم ، وكيفما أبدعتم
لقد أجدت الاختيار يا صديقي العزيز ، وأبدعت في النقد ، وسلطت الضوء النثري بعين ، والشعري بلأخرى ، وكنتما حقاً في بودقة الشاعرية الإبداعية نقدا وشعراً
الطينُ ترابٌ أذابَهُ عشقُ الجذور !
وهو الماضي يميسُ بزِيّ عصفورٍ
منقارُهُ ذبالةُ شمعةٍ
وجناحاه خيطا بخور
وفي بالي
ضاحيةٌ ذات طرازٍ ليليٍّ
سامي العامري له عالمه الخاص ، يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيما
احتراماتي ومحبتي لكما ، ولا بد لي من إضافة صديقي الناقد الشاعر جمال المصطفى لي وليس لكل تاعالمين هههههههه احتراماتي ومحبتي

كريم مرزة الأسدي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ الشاعر الكبير والباحث الثبت كريم مرزة الاسدي
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
أستاذي الكريم دعني أبارك لك بحوثك السديدة وإني لمتابع إياها معجبا بيراعك وحصافة فكرك، وأناة صبرك في مسالكك البحثية الوعرة..أن يعجبك ما أكتب فهو مدعاة لغبطتي وسروري، وهو فضل منك، اشكرك علية، فإن يرضى الاستاذ كريم مرزة الاسدي فهذا شرف ووسام ..للشاعر حامل لواء المدرسة النجفية في الشعر كريم مرزة الاسدي أسمى ايات الحب والتقدير، والشكر موصول لموقع المثقف الأغر ورجاله محررين وكتابا وقراءأً دمتم جميعا بخير/خالد

خالد جواد شبيل
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2985 المصادف: 2014-11-07 09:26:52


Share on Myspace