عمار عبدالكريم البغداديمن وحي شهريار وشهرزاد (4)

شهرزاد: قلتَ آنفا إن لمغاليق القلوب مفاتيح كثيرة وذكرت منها التواضع، ولاأظنك تغفل عن القول المشهور: إن التكبر على المتكبرين تواضع؟

شهريار: لاينطبق هذا القول إلا على الداخلين في دائرة الهموم، وإني لاجدها ثلاثة عوالم تحيط بنا وليست محيطين اثنين كما يقول ستيفن آر كوفي وغيره من عباقرة علوم النفس البشرية وتنميتها الذين يؤكدون "أننا نعيش بين دائرة الهموم ودائرة التأثير، وكلما اتسعت دائرة التأثير انحصرت دائرة الهموم "،وأستند في مخالفتي لهم الى أن الإهتمام يختلف تماما عن الهموم، وأن دائرة التأثير تنحصر عند عامة الناس بالخواص وخواص الخواص،أمّا العارفون المتخصصون فإنهم يعممون هذا المحيط على جميع الناس، ولهم الحق في ذلك لتسلحهم بعلومٍ وسلوكياتٍ تجعلهم قادرين على توسيع دائرة تأثيرهم، وحينما يكون المتكبر من الجهلاء والأغنياء في دائرة الهموم، وهم خارج عالمنا الحقيقي، ولا نلتقيهم إلا صدفة في محفل أو مناسبة إجتماعية، وهم يحاولون استعراض مظاهرهم الخاوية من كل روح، فالنبادرهم بالسلام والإبتسامة، فإن أحسوا بلذة التسلط فإن قمة التواضع - كما أرى - بالتجاهل وليس برد التكبر بمثله،نحن بتجاهلنا نحافظ على سلامة القيم العليا في نفوسنا حيث يتربع التواضع على عرشها المنير في أعماق نفوسنا .

إن دائرة الهموم تشمل العالم كله، وإنها لذات سطوة على الإنفعاليين أكثر من غيرهم، هم يجعلونها شماعة عريضة لتعليق إخفاقاتهم،أو النظر الى الدنيا وكأنها كابوس عظيم لا أول له ولا آخر، نعم.. نحن نتعاطف مع ضحايا الكوارث في كل بقاع الأرض لكننا لا نمتلك أن نمنع (تسونامي جديد) يضرب ساحلا، او بركانا يلتهم مدينة،أو ثلوجا وعواصف تقتل الآلاف في كل عام، علينا أن نقلص دائرة همومنا ما استطعنا فإن مافيها من حزن عالمي يمنع تركيزنا على عالمنا الخاص، مافائدة أن نذرف الدموع على مشهد عاطفي في أحد الأفلام الأجنبية ويصيبنا الإحباط بموت البطل ونحن في غاية القساوة  بلفظ: (أس)، أو (صه أو مه) نقولها لأحد أبنائنا الصغار، وهو يحاول أن يشاركنا همه في درس يجد صعوبة في فهمه، او سعادته بنجاح باهر في أحد الفصول؟ .

إن المنغمسين في دائرة الهموم أكثر الناس تعاسة، وإنهم ليتصدرون لها،وينشغلون فيها بوجوه متجهمة في الليل والنهار، وهم من حيث يدرون أو لا يشعرون يهمّشون واقعهم،ويخسرون أنفسهم ومن يحبونهم.

اما دائرة الإهتمام وسر تعلقنا جميعا بان نكون مهمين فهي فطرة انسانية تشعرنا باهميتنا في هذا العالم، إننا من حيث نعلم  أو لا نعلم نشعر بالمرض والأسى حينما نتلفت من حولنا فلا نجد من ينظر او يتحدث إلينا، او يبدي اهتماما بأفعالنا، أو ما تخطه أفكارنا، وتنتجه أيدينا، وربما يكون إحساسنا بالتجاهل سببا مباشرا لتمارضنا، وهي خدعة فطرية يلجأ اليها المشاهير قبل البسطاء لأستجداء إهتمام الناس .

أن نكون في موضع الإهتمام ياشهرزاد فذلك غاية المنى، كأنها وصفة سحرية تجبر القلوب المنكسرة، وتسكنُ إليها النفوس الثائرة، وترتقي بالأمال الضامرة، وتُسعِدُ العقول الحائرة.

يقول المع فلاسفة أميركا جون ديوي:" إن أعمق حافز في الطبيعة الإنسانية هو الرغبة في أن يكون مهما".

ولنا أن نتخيل عِظَمَ السعادة التي يشعر بها إنسان فقير حينما ندعوه الى مائدة الطعام بدلا من أن نعطيه بعضا منه بعيدا عن أصحاب البزّات اللامعة،والكروش الساطعة، أو تلك الإبتسامة العريضة التي ترتسم على وجه عامل النظافة حينما نثني على عمله،ونعامله بوقار بدلا من محاسبته على بقايا سقطت من بين يديه، وهو يخلصنا من أوزار بيوتنا، وفضلات إسرافنا في الطعام والشراب .

دائرة الإهتمام ياشهرزاد أحد مفاتيح المحبة لمغاليق قلوب الناس وقلوبنا نحن،فهي تشعرنا جميعا بالأهمية التي تسري فينا من غير توقف، كأنها الأمل الذي يغذي كل جزئية في نفوسنا قبل مسامات أجسادنا.

 

بقلم : عمار عبد الكريم البغدادي

...............

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

 

صادق السامرائيهل إنتهت أشكال الإبداع؟

سؤال يفرض حضوره في الساحة الثقافية المعاصرة، فهل يا ترى إنتهى ما نسميه قصيدة، قصة، رواية، مسرحية، وغيرها من الأشكال التي إعتدنا عليها في القرن العشرين وما قبله؟

هل سيسود في هذا القرن التعبير الحر المطلق عن الأفكار والمشاعر في نصوص بلا ملامح متعارف عليها، لكل منها ما يريد رسمه وتأكيده تطابقا مع فحواه؟

وهل لكل نص ليلاه؟!!

القراءة المتمعنة للواقع الإبداعي تشير إلى أنه يمضي في مسارات مبتكرة ومتسعة، لا تعرف التمركز والتكاثف في هيأة ذات قواسم مشتركة مع غيرها، فلكل إبداع كينونته التي يصعب تحديد ملامحها، وكأنها هلامية تبحث عن مأوى في فضاء متسع.

فالشعر، شعر، ولا تسأل عن شكله!!

والنثر، نثر، ولا تسأل عن إسمه؟

وبين الشعر والنثر تسميات وتوصيفات لا نهاية لها ولا مرفأ!!

فاكتب ما شئت، وابني عمارات رؤاك فوق رمال العصر، الذي يصطلي بنيران العلم الأجّاج، وتنعم بمطاردة سراب المعنى، وتوهم بأنك أصيل العطاء!!

فالعلم منبع الإبداع وبرهانه المُطاع!!

فهل ما بعد العلم إبداع؟!!

سقطت أوهامٌ والغيب صراع!!

 

د. صادق السامرائي

 

صادق السامرائيإبراهيم بن عبدالرحمن بن أبي بكر، عالم بالطب، يماني، عاش في القرن التاسع الهجري .

 إشتهر بكتابه (تسهيل المنافع في الطب والحكمة)، وهذا الكتاب تعود مخطوطاته للقرن الخامس عشر ميلادي، كتب فيه عن الإستطباب بالبذور والحبوب، بالإضافة إلى أطعمة أخرى وقيمتها الغذائية.

ينقسم الكتاب إلى خمسة أجزاء: (أشياء من علم الطبيعة، الحبوب وطبائع الأغذية والأدوية ومنافعها، ما يصح البدن في حال الصحة، علاج الأمراض الخاصة بكل عضو من أعضاء الجسم، علاج الأمراض العامة).

وإعتمد في الكتاب على مصادر مَن سبقه ككتب: الرحمة، برء الساعة، شفاء الأجسام، تذكرة السويدي.

مؤلفاته:

مغني اللبيب حيث لا يوجد الطبيب، تسهيل المنافع في الطب والحكمة.

لايُعرف كثيرا عن حياته وأساتذته وتلاميذه، لكنه إشتهر بكتابه المذكور أعلاه، وتميز عن أقرانه به، ويبدو أنه كان يميل إلى نشر الثقافة الطبية بين الناس، ومعاونتهم على معالجة أمراضهم بإعتمادهم على ما يذكره في كتابه، وذلك لندرة الأطباء، وعدم قدرة العامة للوصول إليهم.

وبهذا فهو من رواد التثقيف الطبي وإشاعة المعرفة الطبية الضرورية للحفاظ على صحة الأبدان.

ومن الواضح أنه لم يكتب للأطباء، أو كما نسميه كتبا أكاديمية، وإنما إستهدف تنمية الوعي الصحي وتقديم الدليل العلاجي للناس، فيرجعون إلى كتابه في مداواة أمراضهم، فكتابه هو الطبيب بغياب الطبيب.

وأنه من الذين مارسوا العلاج بالغذاء، وكما هي الحال في المجتمعات المعاصرة حيث الإهتمام الفائق بالأطعمة التي يمكنها أن تساعد في العلاجات، وبالعودة إلى كتبه يمكننا إستحضار الأدوية النباتية الطبيعية اللازمة لمعالجة العديد من الأمراض الشائعة.

وبهذا نرى السبق الحضاري عند العرب، ويأنهم من الرواد في ميادين العلوم والمعارف المتنوعة، وعلينا أن نكشف عن الجواهر العربية المطمورة في بطون الكتب، وخزائن المتاحف الساعية لتغيبها عن أنظار أهلها، فيتوهمون بأنهم عالة على الحضارات!!

فهل من يقظة حضارية ذات سطوغ؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

صادق السامرائيأبو محمد موسى بن المهدي بن المنصور (147 - 170) هجرية، عاش (23) سنة، وحكم سنة وأشهر (169 - 170)هجرية.

تواصل في قتل الزنادقة وقتل منهم خلقا كثيرا، وكان يُسمى (موسى أطبق) "لأن شفته العليا كانت تقلص، فأوكل إليه أبوه خادما، كلما رآه مفتوح الفم قال له : موسى أطبق.

"كان يتناول المسكر ويلعب، ويركب حمارا فارها، ولا يقيم أبهة الخلافة، وكان مع ذلك فصيحا، قادرا على الكلام، أديبا، تعلوه هيبة، وله سطوة"

(نحن نتكلم عن شاب عمره 22 سنة!!)

مات مبكرا جدا، ويُقال أن أمه الخيزران قد سمته، وهناك حادثة أخرى تروى عن موته أو مقتله، لأنه كان يتصرف بطيش وربما لتناول المسكرات دورها في نهايته.

وحاول عزل أخيه الرشيد ويُقال كان عازما على قتله.

تولى الخلافة في عمر (22) . لديه عاهة، يتناول الخمر، تعادى مع أمه وأخيه، يتصرف بطيش مع خدامه، ولا يعي معنى المسؤولية الملقاة على عاتقه، ولم يكن ناضجا نفسيا ولا عقليا لتولي الخلافة.

فماذا يُرتجى منه؟

حاول أن يتجبر ويتكبر، لكنه يفتقد المهارت والخبرات، ويلجأ إلى المسكرات، ويبدو أن العاهة التي يعاني منها قد أثرت على سلوكه، وجعلته في حالة ثوران، وتوجه نحو سفك الدماء، وفقا للقميص الذي بموجبه تتأكد القوة والبطش وهو (الزندقة).

حاول قتل أمه، وكذلك أخية لينفرد بالسلطة التي لايعرف منها سوى ملذاتها وما يحيطه من أبهة وتكريم، وإمتثال الآخرين من حوله لأمره مهما كان ساذجا أو غريبا، فهو الخليفة المطاع الذي لا يجوز لأحد أن يعترض على مشيئته.

وكان منشغلا بملذاته وجواريه، وخلف سبعة من البنين وهو في هذا العمر.

وما أنجز شيئا مهما، وإنتهت خلافته بسرعة.

 

د. صادق السامرائي

 

نجيب طلالعلى التوالي؛ ينعـدم الاحتفال باليوم الوطني للمسرح (14مايو) بحكم إسدال الستار على القاعات والمسارح؛ وبحكم الإغلاق الشامل لأبوابها التي ربما تغير أو سيتغير طلاؤها نتيجة الظروف الاستثنائية جدا جراء الوباء [الكوفيدي 19] الذي طبعا تسبب في شل جميع القطاعات على المستوى العالمي وليس المسرح وحده؟ وإن كان في واقع الأمر؛ لم يكن هنالك احتفال حقيقي وعملي قبل الجائحة؛ بقـدر ما كانت هناك قبل الوباء، بعض الومضات و الرشات هنا وهناك؛ ورغم ذلك سيظل اليوم الوطني للمسرح، يوما له قدسيته و محتفظا بقيمته الرمزية .

لكن ما حدانا لتجديد - قول - قيل في صيغ مختلفة أعقاب هـذا اليوم؛ تلك النعرة والغيرة الدفينة في أعماقنا؛ وما نراه خلال ما أفرزته الجائحة من ظواهر سلبية وقاتلة في المشهد الفني والإبداعي؛ وبالتالي قولنا نلقيه على كل الفنانين المهووسين حقيقة باللذة السيزيفية؛ وإن أمست قلة قليلة؛ هَـذا لا يعـدم أن يتم القول؛ وإن كانت والبقية تهرول نحو الأموال؛ ولا يهمها غير ذلك؛ ومعطيات الجائحة في أوج هجومها على العالم؛ قدمت لنا صورة مجسدة على الفنان؛ كيف يفكر؟ وكيف يتضامن؟ وكيف ينظر للعالم؟ وماهي فلسفته؟ وهذا ناتج عن التحولات التي عرفها المشهد الفني والإبداعي؛ وساهمت فيه عوامل متعَـددة أبرزها الوضع الوبائي؛ بحيث لم يتوحَـد صف الفنانين للبحث عن سبل الإنتعاشة الفنية؛ عبر وسائل التواصل الإجتماعي؛ بل كان الهم الوحيد عند الأغلب الأعَـم ! التفكير في لقمة عيش كيف ينالها؟ هـذا حَـق مشروع؛ ولكن على أسس عملية وفـعلية؛ بحيث ما أهَـمية الشركات والتعاونيات والفرق التي تتهافت على الدعـم وينخرط فيها الفنان من أجل دريهمات الدعْـم؟ وما أهمية بطاقة (الفنان)؟ وما أهمية تعدد النقابات المهنية؟ وما أهمية الغرف المهنية؟ وهناك أصوات متعددة من رجالات الفن والفرجة ارتفعت وصرخت تجاه ما تعانيه من الحاجة والعطالة، وقلة الحيلة؛ بحيث في ظل الجائحة لم تطالب إلا بتوفير المصروف اليومي لنفسها ولعيالها؛ مقابل هذا نجد شلة أو شرذمة تستفيد من الإنتاج التلفزي؛ في ظل (الجائحة) !! ولا يقف الحد هاهنا بل يلاحظ بالملموس والمكشوف؛ نوع من الاستحواذ والهيمنة (أي) نجد ممثلا (ما) يشخص في عدة مسلسلات كما ورد في شهر الصيام المبارك؛ هل من حقه أم لا؟ ففي سياق النقد الفني؛ لو كان ذاك الممثل تنوع ظهوره وتغيرت ملامحه وهيئته طبقا للشخصية التي يلبسها؛ والتي أسندت له من لدن (المخرج/ المنتج) فمن حقه . لكن حينما نجده بلباسه وشعره ولكـْنته وحركاته هنا وهناك؛ ولا يضيف شيئا لظهوره الفني؛ فالمسألة تناقش؛ فمن سيناقشها؟ أليس اليوم الوطني فرصة سانحة للتعبير عما يختلج الفنانين من هموم ومعاناة؛ ومن حيف وإقصاء ... طبعا الظرفية لا تسمح؛ لكن وسائل التواصل الإجتماعي سند أساس للتحاور والتشاور الهادف للدفاع عن مهنيي الفنون الدرامية بكل مشاربها ومواقفها؛ شريطة البوح الصادق في حدود المعقول خدمة للفن والفنانين؛ وذلك لملامسة ووضع اليد على مكامن الخلل، نحو استشراف فعال لممارسة إبداعية حقيقية، وليست مزيفة !

فلماذا لم تستطع أي نقابة مهنية/ فنية؛ لحد الآن أن تنشئ موقـعا إلكترونيا؛ واسع الانتشار. لخلق كوة عملية للتواصل الفعال بين الفنانين والمنخرطين والمريدين؟ إذ المثير نتكلم ونصهلل عن المسرح أكثر من ممارسته والبحث عن سبل إنعاشه فعليا وانتعاشة ممارسيه تقنيين وفنيين ومشخصين؛ وليست هنالك بادرة لإنشاء موقع مسرحي فعال ونشيط بشكل مستمر وتحييني؛ وإن كان الواقع الرقمي سيفرضه على المسرح عاجلا أم آجـلا . أليست بعض النقابات المهنية (عندنا) لها اتفاقيات مع الهيئة العربية للمسرح؟ وكيف يمكن أن يوثق من تطاولوا على التوثيق المسرحي؛ حسب لجنة التوثيق التي أنشأتها (الهيئة)؟ هنا لن ندخل في حسابنا (موقعين إلكترونيين للمسرح) لأسباب من داخل الموقعين(؟؟) وهذا نقاش آخــر. لا حاجة لنا به؛ من قريب أو بعيد؛ بل أثرته (فقط)؛ حتى لا يعتقد القارئ المفترض؛ أنني أمارس الإقصاء؛ أو نملك نوايا مبيته تجاههما .

وبالتالي فما دورنا إن لم نبحث عن طرق عملية للخروج من الأزمة؛ أليست لدينا القدرة على تفعيل قنوات التواصل الإجتماعية؛ كما فعلت عدة دول عربية؛ كما أشرنا إليها في مواضيع مختلفة؛ وللتذكير أثرنا قضية العروض المسرحية بدون جمهور التي أبدعتها وفرضتها وزارة الثقافة والشباب على (المدعمين)؛ من أجل النقاش وتبادل الرأي والقضية؛ فالعجيب لا أحد ممن يتكلمون عن المسرح باستسهال مفرط في الموائد المستطيلة والمربعة؛ بادر للنقاش؛ فليس الموضوع فيه عملية اللامبالاة؛ أو كما يقال (عـدم رمي الملح على الطعام) بل المسألة وما فيها وفيها أن الأغلبية من المسرحيين لايقرأون؛ والذين يقرأون يتهربون من المواجهة؛ لآنهم يستفيدون من الوضع كيفما كانت تقلباته؛ ولهذا السبب سيظل مسرحنا أو إبداعنا ينهار وسينهار للحضيض؛ وها نحن أمام إبداع التفاهة؛ والأغلب الأعم من المواطنين؛ صرحوا بذلك بمصطلح(الحموضة) أليس هذا الاتهام يمس كل الفنانين؟ ألا يمس الجسد الفني برمته؟ رغم أن هنالك بعض من حاول شراء أصوات للتعبير عن الاستثناء في الكوميديا؛ حتى أنه وقع تهجم عبر (الفيديوهات) على من أدلى برأيه وتصوراته تجاه إحدى (السيكومات) وهناك فنانين كانوا مقصيين لأسباب (خاصة) أشادوا بالكوميديا وأطنبوا مدحا وشكرا لإتاحة لهم الفرصة كمشاركين فيها (أليس هذا استهتار بقيمة ذات الفنان) حينما يتم تناوب أقداح المدح؟؟ ولاسيما أننا نلاحظ هاته السنة تحديدا؛ غياب يوتوبات (فيديوها) تشرح أخطاء المسلسلات وتفاهتها؟ هنا لنتفق ف[ التفاهة] بدورها إيديولوجيا؛ هل ننخرط فيها جميعا ونؤمن بها؛ كما كان الإيمان في عقود خلت الفن للفن؛ وإن كان أي فعل كيفما كان نوعه وشكله؛ هو أساسا (مؤدلج) بقصد أو دونه . أثرت (مسألة التفاهة) كموضوع للنقاش؛ لتلافي الاصطدامات والمشاحنات بين الفنانين أنفسهم والفنانين والجمهور؟ ولنؤمن فيما بعد أن (التفاهة) تيار فني له رواده وعشاقه ! ففي هذا اليوم الوطني أليس مناسبة أكيدة لنقاش مثل هاته القضايا بروح عالية؛ وتقبل الرأي الآخر بأريحية وبدون التشنجات أو تعصب؛ يزج بنا في صراعات خفية بين الإفراد؛ لأننا مقبلين عن فرجة رقمية طواعية أو قسرا؛ وما تقديم عروض مسرحية بدون جمهور؛ ماهي إلا عتبة أكيدة لما يسمى – [الهايبر دراما/ Drama hyper ] – أوالدراما الترابطية. كما هي عند. (تشارلز ديمر/ Charles deemer)ونلاحظ أن هنالك بوادر رائدة يقوم بها بعض الشباب بحماسة عبر الوسائط الإجتماعية؛ وهناك بعض الفنانين المرموقين اقتحموا هذا العالم بأفلامهم ومسلسلاتهم ومنولوجاتهم؛والمتتبع للشأن الإبداعي عن كتب وليس عن السماع؛ سيعرف عمن أتحدث. لأن هيمنة تكنولوجيات الاتصال الحديثة فرضت نفسها بغير رجعة؛ وإن حاول المسرح فرض سحره وجاذبيته وجانبه الحميمي؛ فلم يعد له جمهور كما كان في عقود خلت؛ لأسباب متعددة ومعقدة جدا. لأن الغلبة ستكون الآن للمسرح الشبكي/ الرقمي/ التفاعلي/ هنا لست متحمسا لذلك ولا منظرا له؛ بل طبيعة المواكبة التكنولوجية تفرض نفسها؛ ومن خلالها نطرح الموضوع للنقاش العام؛ وليس في الكواليس. ولندلي بمثال شاهده الجميع وتعايش معه؛ عبر الهواتف الذكية؛ أو اللوحة الإلكترونية . فأغلب أفلام [ شارلي شابلين ] اقتحمت الفضاء الأزرق واليوتوبات، وحققت تفاعلا روحيا غريبا؛ مبدؤه التمعن في طروحات (شارلي) وأفكاره الجمالية؛ والاستمتاع بحركاته وأحداث الشريط؛ وآخره الضحك من الإعماق على درامية الصورة، ومؤخرا اقتحمتنا الكاميرا الخفية juste Gags)) واخترفت الفايس بوك . بكل وثوقية ومهنية؛ كما كنا نشاهدها تلفزيا . فمن سمح لها بذلك؟ أليست الشركة المنتجة هي التي وضعت ملفها وفتحت حسابا لذلك؟ هنا المنتوج الإبداعي والفني يبحث عن تسويق وانتشار بصيغ أخرى؛ وتلك عتبة الاكتساح الرقمي التي فرضتها تصورات العولمة والكوننة؛ فهل مسرحيونا لهم الجرأة والشجاعة للانخراط في عوالم الشبكة العنكبوتية بكل وثوقية؟ هنا نعيد السؤال: أي نقاش مناسب لليوم الوطني للمسرح من أجل استمرار التعطش للفرجة الحية؛ رغم اكتساح الرقمي في حياتنا اليومية؛ وفي إبداعنا؟

 

نجيب طلال

 

عمار عبدالكريم البغداديمن وحي شهريار وشهرزاد (3)

شهرزاد: تعرفنا في حوارنا السابق على الأسباب التي تدفع من يدعي العلم ولا يملكه نحو الغرور فما بال الجهلاء يتعالون على الناس من حولهم ؟!

شهريار: أجد أن المتكبر بغير علم يصنع من حوله هالة يختبئ خلف ضوئها الخافت ظنا منه أنها تخفي عيوب شخصيته السطحية، وهو من حيث يدري أو لا يدري يتصنع تجهما مذموما على وجهه، ويحيط نفسه بإعجاب مكذوب،وهو ذاك المتغطرس في عيون الناس الذي يتتبع العثرات ليقول لنفسه قبل أن يحدث من حوله: (هاهو من تظنونه فطنا ذكيا يخطئ ويتعثر،وأنا أفضل منه بكثير).

وإني لأنظر الى الواحد من هؤلاء بعين الرأفة لا الإشمئزاز،فهو ممن قال فيهم حكماء العرب: (إنه لا يدري ويدري أنه يدري وذلك جاهل فعلموه)، غير أن إحساسه بالفارق بينه وبين المتعلمين، واتكاءه على مال كثير،أو جاه قديم، أو سمعة عائلة طيبة يزيد من حماقته وتكبره على الناس ، هو يردد دائما: (أعلم ذلك قبل أن تنطق به)، وهكذا يعيش داخل هالة الثناء لذاته المنكسرة،وبهاء صورته الذي لا يراه غيره ليبقى جوهره هشا،وتذكّره نفسه اللوامة بحقيقته دائما، ليتعالى على نفسه قبل أن يتكبر على الناس، ولي صديق منذ أيام طفولتي انبرى لسوق المال والأعمال منذ صغره، وتحاشى إكمال دراسته وهو يحظى بحب أبيه التاجر، ولم تنقطع علاقتنا حتى الساعة، وكلما زاد ماله زاد غروره بنفسه التائهة في ظلام الجسد، وهي لبعيدة كل البعد عن أنوار المعرفة،وأسرار التواضع والمحبة، لكنني بلافخر كنت أمتلك مفاتيح محبة خافتة،وتواضع كسيح في جوفه منذ ذلك الحين، وإنني لأتعرض الى لوم شديد من الأصدقاء والمقربين،غير أنني مازلت غير مبالٍ بكل كلمات النقد والعتاب،وأحاول جاهدا أن أنمي فيه حب المعرفة والتعلم والتواضع، وإنني لأجد فرقا عظيما بين (بهلول زمانه) في صحبتي، والرجل نفسه اذا حدث الناس،واستعرض قواته وأمواله وحكمته العرجاء، وإنه ليتلذذ بكبريائه الهوجاء، وما إنْ فارق الناس وجاء حتى حدثني بتواضع شديد، وأستنهض في أعماقه شبح عقل رشيد، يقول لي بهلول زمانه: أنت الوحيد الذي لا أخشى أن أتعلم منه فأنت تحبني .

والسر في ذلك يا شهرزاد أنني أنظر إليه بعين العطف والمحبة،وأزيد تواضعا كلما دنوت منه،ناصحا له، داعما لبعض صفاته الطيبة، علّني أرتقي به من وادي الكبرياء الى قمم التواضع .

وقبل أن تتهمينني بتحميل الناس مسؤولية أوضاع المغرورين، دعيني أقول: إنْ آمنا بأن التغيير يأتي من داخلنا دائما،فعلينا أولا أن نغير تصوراتنا الذهنية التي نعامل بها هؤلاء، ونبحث عن آثر بذرة الخير فيهم لنسقيها، فإن فعلنا أزهرت أرواحهم وأقرّوا بضعفهم وبدأوا من جديد، الخير فينا يدلنا عمّا يماثله في دهاليز النفوس المظلمة، فلنعلمْ أننا بحاجة الى أن نلتمسه في نفوسنا أولا، فاقد الشيء لا يعطيه عبارة لا أجدها متكاملة المعنى، وعلينا أن نقول: فاقد الشيء لا يعرف مكامنه في نفسه حتى يجده في نفوس الآخرين .

بقلم : عمار عبد الكريم البغدادي

.............................

* مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

 

 

صادق السامرائيأبو عبدالله محمد بن المنصور (127 - 169) هجرية، عاش (42 أو 43) سنة، وتولى الخلافة في عمر (31 أو 32)، ولمدة (11) سنة، (158 - 169) هجرية.

"كان جوادا ممدحا مليح الشكل محببا إلى الرعية، حسن الإعتقاد، تتبع الزنادقة وأفنى منهم خلقا كثيرا"

"أول من أمر بتصنيف كتب الجدل للرد على الزنادقة والملحدين"

قبل الخلافة، كان أميرا على طربستان وما والاها، وتأدب، وجالس العلماء وتميز.

ومن خطبته عندما بويع بالخلافة: "... ولقد فارقتُ عظيما، وقُلِدْتُ جسيما، وعند الله أحتسب أمير المؤمنين، وبه أستعين على خلافة المسلمين..."

وفي سنة (159) هجرية، أوصى بولاية العهد، لإبنيه موسى الهادي ومن بعده هارون الرشيد.

وفي سنة (166) هجرية، وفيما بعدها جدّ المهدي في تتبع الزنادقة وإبادتهم والبحث عنهم في الآفاق والقتل على التهمة.

توفى سنة (169) هجرية، ساق خلف صيد، فاقتحم الصيد خربة، فتبعه الفرس فدق ظهره في بابها، فمات لوقته، وقيل أنه مات مسموما.

يبدو أنه كان متعلقا بوالده ومعجبا ومتأثرا به ولا يستطيع مقارنة نفسه به، مما دفع به إلى أن يحتذي خطاه بما يستطيع إليه سبيلا، وكأنه لم ينل قسطا كافيا من التدريب والتثقيف على إدارة الحكم، فلديه بعض التردد وعدم الثقة بالنفس.

وهذه المشاعر وما يتصل بها، دفعت به إلى تسويغ سفك الدماء بقميص (الزندقة)، الذي إتخذه منهجا لحكمه، ومضى عليه إلى آخر آيامه . فأصبحت تهمة الزندقة سهلة وتفضي إلى قتل المتهم بها فورا.

ومن أخطائه التي حتمها عليه الخوف من الموت أن دعى بولاية العهد من بعده لولديه في أول سنة من حكمه، مما تسبب بتفاعلات خفية بين الإبنين، وبينه وبينهما، وربما يكون إحتمال موته بالسم من نتائج ذلك.

ومن الواضح أن لزوجته الخيزران دورها الكبير في مسيرة حكمه، وقصتها معه معروفة، فهي الجارية التي تمكنت منه، وأنجبت ولديه اللذين عهد لهما بالخلافة من بعده.

فهو برغم فتوحاته وإنجازاته وإزدهار بغداد بعصره، يتميز بخصال إعتمادية، وبمخاوف جاثمة على وعيه، وحتى في قصة موته المزعومة ما يشير إلى أنه كان يطارد صيده، فوقع صيدا لما كان يعتمل فيه من الأحاسيس والمشاعر التي أذهبت بصيرته، وأفقدته السيطرة على جواده الغائر نحو موته!!

 

د. صادق السامرائي

 

عبد اللطيف الحسينيالكمان من أرقى الآلات الوترية ذات القوس، جسمُه من خشب القيقب والقوسُ من عود الخيزران مشدودٌ عليه خيوط من شَعر الخيل وصوتُه من أحنّ الأصوات. ذاك تعريف للكمان الذي كنتُ أتدرّبُ عليه قبلَ أكثر من أربعة عقود، واقتنيتُ واحداً منه لأعيد بذاكرتي لتلك السنوات التي انطفأت من حياتي، غيرَ أنّي تذكرتُ ابنتي دارين التي طلبت مني ذات يوم تلك الآلةَ ...فأهديتُها إياها.

سمعتُ والدي يقرأُ شعراً يتوهّج بالخيال ثم مُستدرِكاً لأخي عبدالرحمن عفيف..ثم مرشداً له: "النثرُ يُقرأ أكثرَ من الشعر، فالشعرُ متكلّفٌ مهما كان ناثرُه أو ناظمُه خبيراً بعوالم النثر والنظم، أمّا القصةُ أو الحكايةُ فيفهمها الكلُّ ....حتى البسطاء دون إعمال واجهاد الفكر.

هذا ما دار بين والدي وعبدالرحمن المستمع إليه وأنا المتلصّص عليهما. سرقتُ نصيحة والدي مُذّاك أي قبلَ أكثرَ من ثلاثة عقود، وبقي عبد الرحمن أميناً لفضاء الشعر الخصب المتوهّج" وادي الديازيبام و نجوم مؤلمة تحت رأسي" ويبدو أنّ الزمن آنذاك كان زمنَ شعر فقط، فاستحوذ الزمن على أزمنة وأمكنة عبدالرحمن في مغتربه منذ ربع قرن، وبعد ربع قرن خطف عبدالرحمن ذاكرتَه القصصية للخلف ليكتب مناخَ القصَّ الكردي..... أو السوري في العموم، غيرَ أن الخصوبةَ تجلّت في منبته"عامودا وما حولَها"حيث المكانُ الأليف الذي يُعيد القاريء لألفته المفتقَدة ولأعشاش الطفولة والشباب الأوّل، هذا إن حوّرنا اسم البيت واستبدلناه بالعُش بحسب باشلار، فقرّاءُ في سيارة ابن صراف يفهم تفاصيل الكتاب ودقّة المكان وشخوص الحوادث، هذا إن كان القرّاء من جيل عبدالرحمن وما بعدَه وما قبلَه، فهؤلاء القرّاء هم المشاركون معَه في الحدث أو هم الذين أَمْلوا عليه، وإن شطح بيَ الخيالُ لقلتُ هم الذين كتبوا أجزاءَ و خلعوا وركّبوا قِطعاً لسيارة ابن صراف، أتذكر دوستويفسكي حين أنهى إحدى رواياته جمع أصدقاءَه وقال لهم"أنتم كتبتم هذه الرواية ....لا أنا". عبدالرحمن جرّب ذاكرتَه التي عادت به إلى عامودا الثمانينيّات.للصدق ما كان لعبدالرحمن ليكتبَ تفاصيل الحياة اليوميّة إلا لأنه بعيدٌ عن المكان، فالأمكنةُ تُستعَاد أدقَّ إن ابتعدَ عنها مدوّنُها.

2438 سر النور

لو قرأ جيلُ الألفين هذا الكتاب فلن يستوعبَه ...فالمعالمُ كلُّها تغيّرت أو اضمحلّت أو اختفت من المدينة نهائيّاً....إنها المدينةُ... الأطلالُ، سأتخيّلُ عبدالرحمن زائراً مدينتَه عامودا الآن فلن يعرفَ أحداً فيها أو لن يعرفَه أحدٌ فيها...أتخيّلُه واقفاً على الأطلال حيث لا صديقَ يُستوقَفُ ليشكو له عبدالرحمن شهقاتِه و زفراتِه.

تلك المدينةُ التي كانت موّارةً بالشعر والسياسة والأدب باتت الآنَ قبضَ ريح.

عظمةُ أبي تمّام تكمن أنّه الناطق باسمنا: "فكأنّني ـ مذ غبتَ عنّي ـ غائبُ".

 

عبداللطيف الحسيني - هانوفر.

 

 

شاكر فريد حسنلم تحظ مدينة في الدنيا، ما حظيت به مدينة القدس من حضور لافت في الشعر والأدب العربي المعاصر، وذلك لأهميتها التاريخية، بقدسيتها وتراثها، وباعتبارها قلب فلسطين النابض وعاصمتها، وإننا لعلى ثقة ويقين أنها على كل لسان فلسطيني وعربي.

فالقدس تمثل في الأدب موتيفًا ومركب من خاصيات تاريخية وثقافية ومكانية وأسطورية ترتبط بها كمكان إنساني معيش، وكرمز كنعاني وفلسطيني وتاريخي وديني، وما تثيره هذه الخاصيات من انطباعات ولواعج وأحاسيس ومشاعر وجع وألم، وما تعنيه من ايحاءات ودلالات ذهنية تلتحم بوعي المبدع والشاعر الفنان، وتشكل جماليات الصورة للمكان.

والقدس ليست فكرة فحسب، بل هوية وانتماء، وارتباطنا بها وجدانيًا، ويحمل أبعادًا وطنية وقومية وسياسية واجتماعية ودينية. ولا أظن أن أي شاعر فلسطيني لم يذكر القدس في شعره، ولم يتغنَ بها وبمجدها. ولعل الأرض الفلسطينية تنبت شعراء يحملون الهم الوطني والوجع الفلسطيني، والقدس تمثل كل ذلك في مشاعرهم وأحاسيسهم ووجدانهم.

وتقف شاعرتنا الفلسطينية المبدعة ابنة طرعان الجليلية د. روز اليوسف شعبان متألقة بقصيدتها الرائعة "زهرة المدائن" التي تضمنها ديوانها الشعري "أحلام السنابل"، حيث تمزج فيها التاريخ الماضي والحاضر والمستقبل بكل صوره، وتصف فضلًا عن البعد التاريخي، المعاناة الخاصة لهلها، والصورة الذهنية، فتقول:

في غنجٍ ودلالٍ تمخطرتْ

أمام تاريخٍ مضى وتاريخٍ آت

حمرةٌ مشوبةٌ بخجلِ العذارى 

يخطُفُ الأبصارَ

وجديلةٌ مطوقّةٌ بتاجٍ ذهبيَ

يأخذُ بمجامع الألباب 

في غنجٍ ودلالٍ تمخطرتْ

تنتصبُ أمامَها أشجارُ الزّيتون 

تعلو فوق أسوارٍ 

تمتدُّ بعيدًا في الآفاق

تروي قصصًا مضتْ

وقصصًا ستُروى 

لتاريخٍ آت!!

في غنجٍ ودلالٍ تمخطرتْ

في شموخها رائحةُ البخور والعنبرِ

تعبَقُ في فضاء الأسواق

تخترقُ الكنائسَ

والمساجدَ والآفاق 

تنشُدُ مزمورًا 

مُلفّعًا بالأماني والأشواق 

في إبائها تمضي 

تروي حكاياتٍ جسامًا 

يبوس وأورسالم وإلياء 

المسيحُ بنورهِ

وأحمدُ في معراجِهِ إلى السّماء

صلواتٌ للمحبّةِ والإخاء 

في عَليائها تسمو 

ترنو إلى ذُخْرِ الأمجاد

تطوي قصصًا 

تعبقُ 

بتاريخٍ مضى وتاريخٍ آت!!

تنشدُه

في سكينةٍ واعتداد!!

هذه القصيدة التي تقدم وتشرح نفسها دون عناء، بمنتهى الروعة والفتنة، وتتبدى فيها ملامح الأصالة، والشعور الوطني العفوي الصادق، وقد أبدعت الشاعرة في مبانيها، ومعانيها، وسبكها في نسيج متكامل الترابط، متسلسل الصور، متتابع الأسلوب، سهل اللفظ، رقيق التعبير، خفيف التلقي. إنها قصيدة عذبة وحريرية وشفافة إلى أبعد الحدود، تثبت وتؤكد على شاعرية روز شعبان، وعلى موهبة غير متكلفة، وذات إحاطة بما تريد قوله والبوح به، من المعاني والصور والأبعاد التاريخية والمكانية والجمالية والفنية.

أستاذة روز اليوسف شعبان، أجدت الوصف والتعبير، فبورك حرفك ويراعك وإحساسك الوطني الباذخ، ودمت في عطاء وتألق متواصل، ودامت القدس في شموخٍ وإباء.

 

بقلم: شاكر فريد حسن 

 

 

صادق السامرائيأبو إسحاق إبراهيم بن بكس المتوفي سنة (393) هجرية، كان يدرِّس في البيمارستان العضدي منذ سنة (360) هجرية، وكف بصره في أواخر عمره، فانقطع للتدريس دون التطبيب.

وهو من سريان بغداد، وكان يترجم من السريانية للعربية .

مؤلفاته: " الأقرباذين، مقالة في الجدري، كتاب في الطب (الكناش)، مقالة الماء القراح أبرد من ماء الشعير، ترجمة كتاب ثيوقراسطس في النبات"

وفي طبقات الأطباء: "كان من الأطباء المشهورين وترجم كتبا كثيرة إلى لغة العرب، ونقله أيضا مرغوب فيه"

وإبنه أبو الحسن علي بن إبراهيم كان طبيبا ومترجما وكف بصره كذلك.

ولا يُذكر عن أساتذته وتلاميذه، وكيف تعلم الطب ومارسه، ويبدو أن لبيت الحكمة دور كبير في تعليمه وتطوير إهتماماته بالطب.

كما أن لمعاصريه من الأطباء المشاهير دورهم في تعليمه وتأهيله للمارسة الطبية البارعة، لهذا إكتسب شهرته وقابليته التدريسية والعلاجية، وتمكن من العمل في المستشفى العضدي الذي كان من المستشفيات الكبرى والمتميزة بالأطباء المشاهير المهرة في مهنة الطب.

إضافة إلى أنه أثرى عقول الأمة بما نقله من ترجمات من السريانية إلى العربية، وبهذا قام بدور تنويري وأسهم بنشر المعارف الإنسانية وتلاقحها بين الأجيال والأمم.

وهو كغيره من أطباء ذلك العصر العربي المشرق، كان يتمتع بمكانة إجتماعية عالية ومن المكرمين في الدولة، والمعززين في المستشفى التي يطبب فيها ويدرّس الطب.

والعمل في المستشفى العضدي آنذاك يُحسب إعترافا بتميز الطبيب وإمتلاكه القدرات الفذة النادرة، والنبوغ في علوم الطب.

ولهذا فهو من كبار الأطياء الموسوعيين الذين أغنوا المعارف العربية برؤاهم وترجماتهم ودراساتهم وبحوثهم العملية القيّمة.

فتحية للطبيب إبراهيم بن بكس البغدادي المنير!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

الحسين بوخرطةفي نهاية القرن التاسع عشر، نزل العمالق اﻠﺷﱡقر بترسانتهم المعرفية في ضوء النهار في أقطار الأرض العالية، وشخصوا الآثار، ودونوا حقائق الحفريات الترابية والثقافية والتراثية. استعانوا مرارا بالأهالي الأبرياء، وانتشلت مركباتهم الضخمة من أوحال الأدغال المجهولة، التي تنتشر على المجال الترابي الأبرك والأوسع والأغنى كونيا. طمست هوية أهل المنطقة، وأضاعت ويلات الانحطاط سجلات الأمجاد.

توالت الزيارات والكشوفات بانتظام مدروس. عمقوا الحفر، وغاصوا في الأعماق بسواعد محلية، واستخرجوا المعادن النفيسة، وخصبوا الأراضي، واستخلصوا الاستنتاجات واحتكروا الأرباح. يغمر الأهالي فرح وابتهاج السذاجة. تلذذ الوافدون أطعمة الكرم العربي، وأباريق الشاي والقهوة المعطرة، ورغيف النساء المطلي بالزبدة والعسل. خططوا ودبروا، وتفاعلوا في فضاءات براءة أهل الدار. اطمأن رؤساء القبائل لدفئ المعاشرة، وكأنها حماية رسمية، لتتوافد الفيالق العسكرية المدججة بالعتاد الحربي.

مرت الأيام، واشتد قنوط وذهول رجال ونساء أقطار الأرض العالية، وتجمدت لغة تواصلهم، وانفصلت عن تاريخ أمجادها. انبجست الدموع من العيون. اشتدت الحيرة والحسرة، وتوانى الزعماء في التفكير والحركة. بعيون شاخصة إلى العمالق وبدلاتهم الخارقة خاكية اللون وآلاتهم المتطورة الغريبة، اصطف الأهالي بحواشي الطرقات والممرات يخالجهم إحساس مزيج إعجاب وحقد دفين.

توﺟﱠمت الأفواه، صرخت أرواح الأوطان، لتثور الأصابع والسواعد هنا وهناك. كثفت النخب المفاوضات مع الدخلاء. تم استعجال خروج العمالق الشقر، وتنادﱠت الجماعات، واستفحل الداء الوبيل. تعددت الانقلابات، فتوجست النفوس إذلالا، وزامن الأذى بصائر الأجيال المتعاقبة، وطالت واشتدت مزامنته، وتراكمت الكتابات والأطروحات في موضوع النهضة المؤجلة.

 

الحسين بوخرطة

صادق السامرائيعبد الرحمن بن علي، كنيته  أبو القاسم، ويعرف بإبن ابي صادق، ولد في نيسابور (995 - 1068) ميلادية، وبعض المصادر تذكر أنه عاش أكثر من ثمانين سنة.

درس الطب على إبن سينا وصار عالما بأفكاره والأفكار اليونانية ولقب بأبقراط الثاني

ومن مؤلفاته: شرح على كتاب تقدمة المعرفة لأبقراط، شرح كتاب الفصول لأبقراط، شرح مسائل حنين، إختصار شرحه الكبير لمسائل حنين، شرح كتاب منافع الأعضاء لجالينوس، شرح شكوك الرازي على كتب جالينوس.

ومما ذكره عنه إبن أبي أصيبعة: "هو طبيب فاضل بارع في العلوم الحكمية، كثير الدراية بالصناعة الطبية، له حرص بالغ في التطلع إلى كتب جالينوس، وما أودعه فيها من غوامض الطب وأسرار العلم، شديد الفحص عنها، وكان فصيحا، بليغ الكرم، وما فسره من كتب جالبنوس في نهاية الجودة والإتقان، كما فعل في كتاب منافع الأعضاء لجالينوس، فإنه أجهد نفسه فيه، وأجاد تلخيص معانيه".

"كان طبيبا ماهرا وصيدلانيا بارعا، ومن مفسري المخطوطات التأريخية، فقد شرح مجلدات العلماء والأطباء الأقدمين تسهيلا للرسالة وتبليغا إياها للأجيال".

ومما يلاحظ عنه أنه إجتهد في تبسيط العلوم الطبية، فانهمك بشرح المخطوطات القديمة بلغة عربية معاصرة تساهم في فهمها والإنطلاق بها ومنها إلى آفاق علمية جديدة.

وهذه خطوة معرفية ثورية ذات رؤية مستقبلية سبّاقة لعصرها، فهو يقدم رسالة للأجيال المتوافدة من بعده ويعينها على فهم وإستيعاب التراث الطبي وهضمه، وإستخلاص ما فيه من مهارات علاجية وأدوية ذات فائدة شفائية للآمراض.

ولا نعرف كثيرا عن حياته وممارسته للطب، لكنه إتصل بإبن سينا، وإستوعب أفكاره، وإجتهد في فهم ما كتبه جالينوس، وقدم شروحات وافية للمنطلقات العلمية التي إستخلصها منهما.

وبهذا يكون قد أسهم في إرساء الدعائم القوية للعلوم الطبية عند العرب.

فتحية لإبن أبي صادق الطبيب اللامع!!

 

د. صادق السامرائي

 

صادق السامرائيإسحاق بن عمران، ويُقال أنه مولود في سامراء، المتوفي (294) هجرية، طبيب مشهور وعالم يُعرف بلقب (سم الساعة) .

وإن صح مولده في سامراء فأنه قد ولد بعد (222) هجرية.

ويعتبر من أوائل الذين وصفوا الحالات الإكتئابية البسيطة والمعقدة، ومن رواد أطباء النفس الذين إهتموا بدراسة الأحوال النفسية والعقلية، والذين أحدثوا تحولات حقيقية في الطب بالقيروان.

كان طبيبا حاذقا متميزا بتأليف الأدوية المركبة، بصيرا بتفرقة العلل، إشتهر بعلمه وجودة قريحته، واستوطن القيروان حينا.

ذكر إبن جلجل:

" إن إسحاق ين عمران مسلم النحلة بغدادي الأصل، رحل إلى أفريقيا في دولة زياد الله بن الأغلب التميمي (290 - 304) هجرية ..."

ويُذكر أن الأمير إبراهيم الثاني الأغلبي (235 - 289) هجرية .هو الذي إستقدمه لإفريقيا سنة (264) هجرية، وهذا أكثر قبولا فربما قدم أفريقيا في العقد الرابع من عمره.

قتله زياد الله بفصده في ذراعه فسال دمه حتى مات وصلبه لفترة بعد ذلك.

وكان عليه أن يتقي شر من أحسن إليه، وأن لا يقترب من الكراسي لأنها غادرة ملعونة مجنونة.

مؤلفتنه:

العروف بنزهة النفس، داء المالنخوليا، الفصد، النبض، الأدوية المفردة، العنصر والتمام في الطب، مقالة في الإستسقاء والقولنج، تدبير الأمراض الحادة، وكتاب في البول، وكتب ومقالات أخرى.

ويُذكر أنه المؤسس الأول للمدرسة الطبية في ربوع أفريقيا.

ومن تقييم سلوك زياد الله مع إسحاق بن عمران، أنه كان مصابا بداء الشك الشدسد، البرانويا، وما فطن إسحاق إلى ذلك فكان ضحية سهلة لهذا الأمير المثاب بلوثة عقلية.

تلاميذه:

علي بن إسحاق، زياد بن خلدون، إسحاق بن سليمان الوافد، أبا بكر محمد بن الجزار.

وقال عنه إبن أبي أصيبعة:

" وبه ظهر الطب في المغرب وعرفت الفلسفة، وكان طبيبا حاذقا متميزا بتاليف الأدوية المركبة، بصيرا بتفرقة العلل، أسبه الأوائب في عمله وجودة قريحته".

مسألتان

التقرب من السلطان والطمع من أخطر ما يواجه العقول المبدعة، لأن الكراسي فيها أسخاص غادرة وطائشة ومستبدة ولا ترحم، وذات أمزجة حادة لا تقبل العذر، وترى الأمور بمنظار الزور والشك الأثيم.

وتفسر السلوكيات وحتى النظرات وفقا لمنطوق المؤامرة والعدوان عليها.

وهذا ما أدى إلى النهاية المأساوية لإبنن عمران.

الطبيب النفسي

إبن عمران طبيب نفسي وضع الأسس لأمراض الإكتئاب والوسواس ومعالجاتها، وقد أخطأ في فهم نفسية قاتله، وما تحذر منه وتوقاه، وما فطن لمرضه وقسوته ونزقه لسفك الدماء.

فكان ضحية علمه وجهله من شدة علمه وتوهج ذكره.

 

د. صادق السامرائي

 

ضياء نافعاطلعت على بحث علمي (يتناول تاريخ الادب الروسي) بعنوان – (لقاءآت غوغول الايطالية مع اللاجئ غوركي)، وقد كتبته عام 2005 الباحثة الروسية بيلونوفا، الاستاذة المساعدة في جامعة نوفغورد السفلى (نيزني نوفغورد) الحكومية، والباحثة حاصلة على شهادة مرشح علوم فيلولوجية (اي شهادة دكتوراه فلسفة في علم اللغة وآدابها) . عنوان البحث غريب جدا (ومثير جدا ايضا)، ويمكن القول انه حتى لا يتناسب اصلا مع طبيعة عناوين البحوث العلمية (التي يجب ان تكون دائما دقيقة و محددة وصارمة، اي دون اضافات فنيّة مثلما نجد في النتاجات الابداعية).

النقطة الاولى، التي تثير دهشة القارئ بشأن هذا العنوان هي كلمة (لقاءآت)، اذ كيف يلتقي غوغول، الذي توفي عام 1852 في الامبراطورية الروسية، مع غوركي، الذي ولد في نفس تلك الامبراطورية عام 1870، اي بعد(18) سنة من وفاة غوغول ؟ النقطة الثانية هي لقاء اديبين كبيرين من روسيا في بلد اوربي بعيد جدا عنها هو ايطاليا، والنقطة الثالثة هي تسمية غوركي ب (اللاجئ غوركي). كل هذه النقاط (الغريبة !) تؤدي بالقارئ، بل وتدفعه الى الاسراع بقراءة هذا البحث طبعا وبكل دقّة، كي يجد الجواب الشافي عن تلك الاسئلة المثيرة، التي يطرحها عنوان هذا البحث غير الاعتيادي، وهذا ما فعلته أنا، وأظن، ان القارئ العربي المتابع لتاريخ الادب الروسي يريد (ويرغب ايضا) الاطلاع على تلك الآراء الجديدة في دنيا الادب الروسي، والتي تظهر في وطن هذا الادب نفسه (بعد كل التغيّرات الجذرية الهائلة التي حدثت هناك) ومن قبل الباحثين الروس انفسهم، وذلك، لأن الاطلاع على تلك الآراء و الافكار تعني اغناء المعرفة وتوسيع آفاقها حول الادب الروسي لدى القارئ العربي هذا، ومن نافل القول طبعا التذكير- مرة اخرى - هنا، الى ان الاطلاع على الافكار شئ، والموافقة عليها او مساندتها شئ آخر تماما.

لا يمكن (اختزال او تلخيص!) البحوث العلمية بشكل عام، اذ ان عملية الاختصار قد تشوّه الفكرة الاساسية في البحوث هذه، ولكن يمكن الحديث عن الانطباعات، التي تثيرها تلك البحوث العلمية لدى القراء، والانطباعات هذه ترتبط بطبيعة البحوث، اي انها (الانطباعات) تكون متناسقة ومتطابقة مع تلك الافكار في البحث المذكور . الانطباع الاول، الذي كان لديّ عند بداية قراءة البحث، جاء نتيجة تسمية غوركي ب (اللاجئ غوركي)، اذ اني توقعت (نتيجة لهذه التسمية) ان تقارن الباحثة الوضع الاقتصادي الصعب جدا لغوغول في ايطاليا (وهو لم يكن لاجئا !)، مع الوضع الباذخ جدا لغوركي هناك، رغم انه (لاجئ !) كما أسمته، وكنت أظن، ان الباحثة ستحاول هنا ان تتحدث سلبا عن غوركي، بل وكنت أخشى ان تتحول الى (منظّرة !)، وتصب (جام غضبها !) عليه، وانه قال كذا لفلان وأعلن كيت لفستان، الى آخر هذه التصريحات والثرثرات الباهتة (وما أكثرها مع الاسف في هذا الزمن الفيسبوكي !)، والتي تنطلق عادة من مواقف سياسية بحتة و مضادة للاتحاد السوفيتي وتاريخه بشكل عام، و بغض النظر عن كل شئ، وهو ما نجده طبعا عند البعض من الروس (وغير الروس ايضا)، الذين يكتبون عن الادب الروسي في المرحلة السوفيتية، ولكني وجدت منذ السطور الاولى لهذا البحث موقفا موضوعيا وعقلانيّا يختلف جدا عن كل توقعاتي تلك، اذ تكلمت بيلونوفا في بحثها هذا عن قضايا متنوعة ترتبط بغوغول وغوركي معا، بما فيها انطباعاتهما عن ايطاليا، ويجب القول انها استطاعت وبشكل ذكي جدا، ان تجد تفصيلات دقيقة (وحسب مصادر معتمدة ومحددة تشير اليها في البحث) بشأن موقع غوغول واهميته في فكر غوركي، واريد ان اتوقف هنا عند نقطة واحدة فقط (من بين تلك النقاط) التي أشارت اليها الباحثة، وهي نقطة مهمة جدا – حسب رأيّ الشخصي – في تاريخ الادب الروسي بعد انتصار ثورة اكتوبر 1917 في الامبراطورية الروسية، وتحوّل هذه الامبراطورية الى الاتحاد السوفيتي، نقطة رأيت حتى (بقايا !) آثارها و انعكاساتها في بداية وصولنا للدراسة في موسكو بستينيات القرن الماضي . ترتبط هذه النقطة بالنظرة السوفيتية، التي كانت سائدة في بدايات السلطة السوفيتية، وهي تقسيم مسيرة الادب الروسي الى (بوشكيني، اي نسبة الى بوشكين، وغوغولي، اي نسبة الى غوغول)، وكانت هذه النظرة السوفيتية تؤكد، ان الغوغولية (اي واقعية غوغول) هي التي (انتصرت !) على البوشكينية لاحقا .

ان تقسيم الادب الروسي الى بوشكيني وغوغولي، هو تقسيم مبسّط وساذج جدا، بل وحتى يمكن ان نعتبره غير صحيح بتاتا، و تبيّن بيلونوفا في بحثها المذكور، بعدم وجود اي علاقة لغوركي بهذه النظرة الساذجة، بل انها تثبت، ان غوركي لم يكن اصلا موافقا بشأنها، اذ كيف يمكن لغوركي ان يجد تنافرا وصراعا بين بوشكين وغوغول ؟

نعم، غوغول وغوركي التقيا فكريّا معا، في ايطاليا وفي روسيا، رغم تباعد سنين حياتهما، وأبقيا بصمات هذه اللقاءآت على الارض الروسية، وشكرا للباحثة بيلونوفا، التي اكتشفت هذه البصمات وذكّرتنا بها .....

 

أ.د. ضياء نافع

 

عمار عبدالكريم البغداديالتواضع مفتاح مغاليق القلوب

قالت شهرزاد: ألا تجد صعوبة بوصف كل أنسان من حولنا بأنه غاية في الذكاء ؟

شهريار: دعيني أضرب لك مثلا في قصة يتناقلها العارفون بعلوم النفس البشرية، ففي احدى المدارس الغربية إرتأت الإدارة أن تجعل تلاميذها الناجحين الى مرحلة جديدة في صفين أحدهما  للاذكياء والآخر لمن تَعتقد أنهم من الأغبياء، وشاءت الأقدار بعد إختبارات روتينية أن يحصل خطأ في توثيق البيانات على الحاسوب، فكُتِب في أعلى قائمة الأذكياء (أغبياء) والعكس صحيح في القائمة الثانية، وعلى هذا الأساس تعامل المعلمون مع تلاميذ الصفين، فتراجعت درجات الأذكياء وارتقت معدلات (الأغبياء)، وبعد اكتشاف الخطأ قررت إدارة المدرسة إلغاء الإختبار ونتائجه واعتماد مبدأ (الجميع في منتهى الذكاء)، وماحصل أن المعلمين إنتقصوا من قدرات بشر يشهد لهم معلمون سابقون بأنهم من الأذكياء، وتعاملوا بتقدير مع قدرات آخرين كل ماكانوا يحتاجون إليه إنسان يعلم تماما أنهم اذكياء كبقية التلاميذ يستنهض طاقاتهم، ويعاملهم بمحبة واحترام، ليثبتوا قدرتهم الفطرية على الإبداع.

يقول الأديب والفيلسوف رالف والدو إمرسون: " إن كل إنسان ألتقي به هو أفضل مني بطريقة ما، ومن هنا أستطيع أن أتعلم منه".

واعرف يشهرزاد  انك تجدينه صعب التطبيق على أرض الواقع وهذا يدفعنا الى السر الاول في فتح مغاليق القلوب من حولنا، تلك هي صفة التواضع فان المعنى الذي وصل إليه إمرسون إنما اعتراف بالطاقات الهائلة في عقل ونفس كل إنسان مهما قل شانه بين الناس، ذلك التواضع هو صفة العلماء والعباقرة والمفكرين والملهَمين، وكل عظيم أدرك مكامن الأسرار المودعة في النفس البشرية، ولأنه يعرف قدره، ويقدِر صفاته، فقد امتلات نفسه بكل خير،ولم تعد في هرج ومرج بين الجسد والروح .. أثقلتها المحبة، ولجمت جماحها المعرفة، فانحنت بتواضع لكل الناس، فصار محبا محبوبا، وجميع هؤلاء كإمرسون يتعلمون من عامل النظافة،ويدرسون على يد البائع المتجول، وينحنون للفقير بقلوبهم قبل أيديهم ليضعوا بين يده مساعدة مالية، ويتعلموا من إبتسامته مزيدا من دروس العطاء والإنسانية.

وفي شعر الحكمة العربية:

 ملآى السنابل تنحني بتواضع .. والفارغات رؤوسهن شوامخ

غير أنني أدرك تماما أنه ليس كل من يُطلق عليه مسمى عالم، أو أكادمي كبير يكون متواضعا،بل إن الكثير منهم غير محبوبين بين الناس،،فإن المعرفة التي لا تلامس ثنايا النفس،وتبقى مخزونة في العقل الظاهر،ولا تنتقل الى عقلنا الباطن الذي يرسم خارطة سلوكنا، ويوقد الأنوار في قلوبنا، هي علم فارغ صَنع لصاحبه قلعة عاجية يقف في أعلاها لينظر الى الناس بفوقية  وهو يعتقد أن علمه أوصله الى أعلى المراتب حتى صار فوق الناس جميعا، وهو غير محتاج الى أي منهم، وقد يسعده أن الملتمسين لعلمه المزعوم ينظرون إليه بدونية، ولو رفع الغشاوة عن عينيه قليلا لأدرك أن تلك النظرة لأعلى القلعة لها بقية تفحص الى أسفلها، ويعلم علم اليقين أن في النظرة من الاعلى الى الاسفل دلالة ازدراء لامثيل لها، وأنهم  كانوا يبحثون عن مبعث نور في قلعة عاجية لا روح فيها، ولسان حالهم يقول:ماذا يمكن أن نتعلم من هذا وهو عاجز عن أن يعلم نفسه ؟!.

 

بقلم : عمار عبد الكريم البغدادي

....................

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

 

عدنان عويدأكثر من مرة وصديقي الفنان التشكيلي (عبد الجبار) يدعوني لزيارة مرسمه، وأنا أعده بهذه الزيارة التي لم تتحقق شروط قيامها لأكثر من سنتين، لا أقول أن السبب هو كثرة مشاغلي، ولكن لطبع سيئ عندي هو تقصيري بحق أصدقائي أحيانا، وربما هذا يعود لأسباب خاصة بي ليس هنا مجال للبوح بها.. فجأة قررت أن أزوره بعد أن لفتت نظري لوحة جميلة له معلقة على جدار غرفة الضيوف، قدمها لي منذ سنتين هديّة من باب الذكرى وطبعه الوفي لصداقتنا..

نظرت إلى اللوحة بتمعن شديد وكأني أراها لأول مرة... منظر طبيعي لجزيرة تقع في وسط نهر الفرات، جمعت في تكنيكها المدرسي بين الانطباعيّة والرومانسيّة، فجاءت ألوانها متناسقة في حرارتها وحياديتها وزهوها، حيث جاءت ألوانها مطابقة تماماً لألوان أشجار الجزيرة وتربتها والمياه المحيطة بها، وبالتالي في الوقت الذي غاب عنها التكلف في مزج وتنسيق ألوانها، إلا أنك تجد فيها حرفية عالية من حيث ضربات ريشته وانسيابيتها ودقتها في تصوير معالم المشهد، الأمر الذي يشعرك حقيقة وكأنك أمام لوحة فوتوغرافيّة... لقد أدهشتني اللوحة، وبعثت بداخلي شعورا لا يخلو من حمولة معرفيّة نبهتني إلى تلك القدرات الهائلة التي تكمن في عالم الإنسان الداخلي، وكيف تتجلي هذه الحمولة من خلال إنتاجه لخيراته الماديّة والروحيّة بشكل عام... هذه القدرات غير المحدودة في تحقيق إبداعات، تؤكد تلك القوّة التي يمتلكها الإنسان، ومن خلالها يقوم  بصناعة عالمه الذي يريده، وتكييفه مع حاجاته من جهة، ثم تفجير مكامن الحريّة التي في داخله وتصعيده لحالات إبداعيّة تتجلى بكل وضوح بما يقوم بإنتاجه أو إبداعه من جهة ثانية.

إن هذا الشعور الذي كونته عندي اللوحة جعلني اتلفن لصديقي مباشرة لأقول له:

- لقد أدهشتني  اليوم لوحتك فهزني الشوق لزيارتك...

سرّ كثيراً بشعوري هذا وقال بلهفة :

- أنا بانتظارك يا صديقي.

ارتديت ملابسي وحملت نفسي إلى منزله.. استقبلني بحفاوة وهو يقول لي:

- والله زمان يا صديقي، أين تحب أن نجلس.؟.

قلت: في المرسم يا صديق.

ضحك وقال:

- ليكن، فأنا أشتغل الآن على لوحة تعبيريّة لم تكتمل بعد، وأريد رأيك فيها.

دخلنا المرسم... كانت اللوحة معلقة على سلمها، لم تكتمل ملامحها بعد، ولكنها في نهاياتها، لوحة للجسر المعلق في دير الزور وقد تدمر الجزء الشماليّ منه.. شابُ في مقتبل العمر يقف في الطرف الجنوبي من الجسر وقد تجهم وجهه بطريقة غاب عنها التناسق الطبيعي لمفردات الوجه، بحيث يشعرك عدم تناسقها هذا وكأنك أمام تشوه أصاب مفردات هذا الوجه من عالمه الداخلي (الجيني) بغعل تاريخه المشبع بالقهر والظلم والاستلاب والتشيىء... أنف كبير، وشفتان صغيرتان غائرتان إلى حد ما في فم واسع امتلكته الدهشة التي تؤكدها عينان كبيرتان شاخصتان.. ويد طويلة تشير إلى الطرف المهزوم من الجسر... وتفاصيل جسد غير متناسقة الأعضاء أيضاً ما بين اليدين والقدمين والجذع حتى تشعر وكأنك أما إنسان من عالم آخر لا يمت لعالم الإنسان الطبيعي بصلة. أما ألوان اللوحة فأكثرها حياديّة وباردة كاللون البني والرمادي وقد صفت هذه الألوان على لوحته بطريقة فجة خارجة عن عالم التناسق والتناسج اللوني في فن الرسم، حيث تشعرك بكآبة المشهد كله.

طلبت من صديقي أن يتابع الرسم بعد أن أحضرت زوجته لنا الشاي وخرجت...أمسك ريشته بيده اليمنى وحاملة ألوانه بيده اليسرى، وراح ينظر إلى لوحته بعينين ثاقبتين كعيني صقر تبحت عن فريستها.. انحناءة بسيطة لرأسه نحو الشمال، بينما يده اليمنى قد ارتفعت قليلاً نحو الأعلى .. أحاسيسه ومشاعره وحركات جسده كلها انشدّت باتجاه لوحته وتحولت إلى قوة فجرتها حريته الداخليّة الراغبة في تجسيد تصورات عالمه الإنساني المشبع بالقهر والظلم... عالم حوصرت فيه حريّة الإنسان من قبل محيطه الخارجي، ولم يبق له فيه سوى حريته الداخليّة وأدواته المعرفيّة وأحاسيسه وعواطفه، التي يريد عبرها أن يجسّد قهره وظلمه وتشيئه واغترابه في لوحة يشعر بأنه قادر أن يقول لمن مارس عليه القهر والظلم والتشيىء والاغتراب من الخارج، أنا قادر على التحدي. بالرغم من أن هذا التحدي في حالته التي تكمن وراءه هذه الحريّة الداخليّة الفطريّة، حاصرها الخوف، فاضطرت أن تلجأ للرمز بأشكاله التعبيريّة أوالسورياليّة أوالعبثيّة .. الخ.

هكذا تتجلى حريّة الإنسان الداخليّة لدى الإنسان بشكل عام، ولدى المبدعين بشكل خاص، فلولا هذه الحريّة الداخليّة لما كان هناك إبداع، ولا ثورة على التقليد وحصار العقل والجسد، ولما كانت هناك ثورات سياسيّة لمقاومة الظلم، ولما كان هناك استمرار لهذا الإنسان ذاته في هذه الحياة.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية.

 

 

صادق السامرائيالإيمان: التصديق، وهو مصدر آمن، الإعتقاد بالله ورسوله، "الذين أوتوا العلم والإيمان " الروم 56

"الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره"

"الإيمان ما وقَرَ في القلب وصدّقه العمل"

"الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان"

الإيمان طاقة نفسية ذات تأثيرات روحية فائقة التعبير عن القدرات الخارقة، الكفيلة بإنجاز ما لا يمكن تحقيقه بدونه.

وهو العمود الفقري للوجود الحي، فبدون قوة الإيمان تنتفي مسيرة الحياة، وتتعطل إرادة الوجود الفاعلة في الكينونات الترابية الساعية فوق التراب.

وكل مخلوق يمر بأزمات حرجة قد يواجه فيها مصيره المحتوم، وفي أثنائها لابد أن يتدرع بالإيمان ويستحضر عناصره، ويتفاعل مع آلياته المعززة للروح والمؤازرة للنفس، فتتوفر عنده طاقة المقاومة والتحدي والإصرار على ديمومة الحياة.

والحياة بجوهرها لا تستقيم إذا تجرّدت من الإيمان، ولهذا فهو ضرورة جوهرية وحاجة حتمية، يتوجب على المخلوق العاقل التمسك بها والبحث عنها، والتفاعل بها لتوطيد أركان صيرورته الإنسانية، وإطلاق ما فيه من كوامن الطيبات والساميات، ليكون في تواشج مع علياء الوجود المطلق.

والذين يفقدون الإيمان يعيشون حالة الخوار والتيهان والضياع المدمر لكينونتهم الإنسانية، ومصيرهم الترابي المعلوم، فالإيمان يمنح الحياة معانيها، ويحببها إلى الخلائق الساعية فيها، والجارية كالأمواج في تيار المصير.

فالعلاقة بين الحياة والإيمان لها أبعادها التفاعلية الإيجابية، الآخذة إلى آفاق النبل والعزة والكرامة، والقدرة على تأكيد الذات والتواصل الواعي مع الموضوع.

وفي لحظات المواجهة الجادة مع إرادة الموت، تتمسك الحياة بالإيمان وتتجسم صورتها في مفرداته وعناصره المتراكمة في أعماقها، والفاعلة فيها أثناء مروقها بواقعها الزماني والمكاني، وعندما تستحضر ينابيع الإيمان ومشاعل اليقين فأن الحياة تمتلك قدرات الإنتصار على الموت، وتواصل مسيرتها المظفرة بالعطاء النبيل.

وربما يساهم الإيمان في تقوية القدرات المناعية والدفاعية في الأبدان، ويولد طاقة فعّالة للقضاء على نشاطات الخلايا السرطانية والحد من جنونها، لكنه على ما يبدو في حالات متنوعة يكون له دور واضح في تأمين آليات الشفاء والإنتصار على أخبث الآفات التي تصيب البشر.

والأمراض الخبيثة تضع الشخص في مواجهة حقيقية مع الموت، لأن الخيارات محدودة والإمكانيات ليست مؤكدة، لكن التفاعل مع الإيمان وما يولده في البدن من قِوى يساهم بتقوية إرادة الشفاء والمعافاة.

ولهذا تلجأ العديد من المراكز العلاجية لتقوية الإرادة الإيمانية، وبث المشاعر الإيجابية، وتأهيل النفس للمجابهة والتحدي والتواصل مع الحياة.

فالإيمان إدراك عميق لقدرات ذاتية مطمورة في دنيا البشر، يمكن التنقيب عنها وإستخراجها وإستخدامها للتعبير عن مشاريع مستقبلية متصلة بتيار العطاء والبقاء.

والعلاج بتحفيز طاقة الإيمان الكامنة له نتائجه الإيجابية وقوته الشفائية، التي تؤكدها الممارسات الإيمانية المتصلة بالتفاعل مع الأزمات الصحية.

فهل أن الإيمان طاقة خفية ذات تأثيرات هرمونية ونفسية تفعِّل قدرات المناعة والمقاومة وإنتاج الأجسام المضادة لأعداء الحياة؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

مصطفى النبيهللمخرج المبدع "حسام أبو دان" وللسيناريست المتألق "زكريا أبو غالي"

غزة كعادتها تخرج من الرمضاء واثقة الخطى تنتصر للحياة، تدرك دور السينما في رسم واقع جديد يسهم في إعادة صياغة الرواية الفلسطينية بشكلها الطبيعي ونفضها من الحالة الضبابية إلى النور، فغزة، المدينة المغلقة، معجونة بالمآسي والبطولات والتضحيات، فلا أبالغ لو قلت إن كل بيت وشارع وزقاق في هذه المساحة الضيقة يحتوي على عمل درامي، يفتح شهية صناع السينما لينهلوا من خيراته. والحديث عن الشهداء والأسرى وتجربتهم النضالية وتضحياتهم وعطائهم اللامحدود يؤهلنا أن نصنع مئات الأفلام والمسلسلات، فهم نماذج مشرّفة في الحكاية الفلسطينية، وعلى الأجيال أن تستسقي من تجاربهم.. وُجدت السينما لتصنع لنا فضاءات من الجمال والمعرفة والتشويق وتثقفنا وطنيا وإنسانيا. ومن خصائص سينما المقاومة، أولا: أن تتحرر من الأنا والحزبية. ثانيا: أن تكون حاضنة للشعب الفلسطيني. ثالثا: أن تكون مقنعة للعالم في معالجتها الفنية والبصرية.  وعندما تتوفر هذه الشروط ستكون وسيلة من وسائل النضال التي ستخدم القضية في كافة المحافل وستسهم بتغذية الأجيال بالأفكار البناءة والمعرفة التي تحتكم للعقل وتخاطب الأفئدة.

السمة الأساسية التي تميز صناعة السينما، العمل الجماعي، الأنا والنرجسية لا يصنعان سينما، فلن ينضج أي عمل فني ما دمنا نعتمد على الخطابة والتنظير ونبصر من ثقب إبرة ولا نرى من الكون إلا لونا واحدا، فلا يُعقل على صنّاع الإبداع أن يحصروا فعل النضال الفلسطيني بحزب بعينه. أنا لا أعارض أن يفتخر كل فصيل بأبنائه ويصنع عنهم مئات الأفلام، هذا من واجبه، ولكنَّ الأجمل عندما نسلط الضوء على فئة معينة أو مرحلة زمنيه وتاريخية، ألا نهمش الآخرين. علينا أن نبتعد عن الفئوية والحزبية وألا نحصر المقاومة بالجهة المنتجة ونتناسى باقي المجتمع، وفي النهاية نخرج بتجزئة باقي المجزء ونغذي الفئوية. والنتائج للآسف ستكون سلبية ولن تمنح العمل قوة، وسيكون الجمهور المستهدف هو الشخصيات التي تنتمي  لنفس الحزب المنتج  وبهذا تضيق الدائرة ، فالمَعيب دوما  لو تخيلنا  بأننا نتميز عندما تستعبدنا الأنا وننفرد بالتغريد المنفرد  ونتجاهل الكل الفلسطيني، سر الجمال الحياة لا يكون بالانفراد والتهميش بل بالمنافسة الشريفة، فالحديث بالشكل الجمعي يمنحنا قوة، وقلوبا متفتحة تستوعب الكل الفلسطيني .  فأتمنى على كتّاب السيناريو في المرحلة القادمة عندما يتحدثون عن التجربة النضالية ومراحل تاريخية مازالت حاضرة في الذاكرة ألّا يهمشوا الآخرين، فعلى الأقل أن يتم استعراض الأجواء العامة وطبيعة الحياة والمرحلة الزمنية والتاريخية.

  "ميلاد الفجر" مسلسل يتناول قصة حقيقية لهروب ستة فلسطينيين من حركة الجهاد الإسلامي في شهر رمضان في السابع عشر من آيار عام 1987.

  حيث تبدأ الرواية من خلال ابن شهيد يعمل في داخل الأراضي المحتلة، يعود إلى بيته أثناء منع التجوال، فيكتشف أن ابنه الوحيد يعاني من ارتفاع بدرجة حرارته، فيقرر أن يكسر منع التجوال ويأخذه للمستشفى. وفي الطريق يلتقي بجنود الاحتلال فيمنعونه من مواصلة سيره ويطلبون منه أن يلقي ابنه على الأرض، ويتم اعتقاله وتعذيبه بشكل وحشي همجي. وبعد فترة يطلق سراحه فيبحث عن سلاح والده الشهيد المدفون تحت الشجرة فيشاهده أحد العملاء ويشي به فيتم اعتقاله ويعود للتعذيب للمرة الثانية بنفس الطريقة الوحشية. وأثناء سجنه يلتقي مع فصيل من فصائل المقاومة ويتم تكليفه بعمل جهادي وهو أن يساعدهم حتى يتمكنوا من الهروب من سجن غزة المركزي. وتتواصل الأحداث وتبدأ عملية المقاومة في المحافظات الجنوبية والشمالية من إعداد مقاتلين وتدريبهم وتنفيذ عمليات حتى يأتي يوم ويستشهد الأسرى الذين فروا من السجن، ويواصل "جهاد " المقاومة.

يستعرض المسلسل أيضا حادثة استشهاد العمال من قبل إسرائيلي متطرف قام بدهسهم واندلاع انتفاضة الحجر عام 1987 وتستمر العمليات البطولية خلال الحلقات ...

 قبل قراءة المسلسل والحديث عن التفاصيل وخاصة مقومات البناء، أقولها وبصراحة، نحن أمام كاتب سيناريو مبدع، الأستاذ زكريا أبو غالي والذي يبشر بالخير. قدّم خطا دراميا واضح المعالم وتجربة فنية رائعة رغم بعض الهفوات التي ظهرت في سياق العمل وخاصة في المعالجة الفنية، وأحيانا في البناء والحوار الخَطابي وجغرافيا المكان بين المحافظات الشمالية والجنوبية، وتنقّل قائد الاحتلال بين غزة والضفة، وكأن الاحتلال مجرد أشخاص.

 فمثلا في الحلقة الأولى يأتي "جهاد "الذي يعمل داخل الأراضي المحتلة في منع التجوال ليكتشف أن ابنه مريض فيأخذه للمستشفى للعلاج، وفي طريقه يلتقي بجنود الاحتلال، وبشكل همجي وسريع يفرض عليه أن يلقي ابنه على الأرض ويتم اعتقاله ويترك خلفه ابنه ملقىً على الأرض. الهدف من ذلك إظهار وحشية المحتل، وهذا جيد ولكن، بخصوص المعالجة للمشهد كانت ضعيفة لم تقنع المشاهد، فنحن نتحدث عن عامل يخرج أثناء منع التجوال وهذا إن دل فهو يدل على أنه يملك تصريح خروج للعمل، وهذا يفقد مصداقية المشهد والسؤال المحير لماذا كل هذا التعذيب بعد اعتقاله؟!

 كان بالإمكان أن يبدأ المشهد داخل البيت...  الابن مريض والأب والأم في حيرة من أمرهما وهم يصغون إلى حركة العربات الإسرائيلية التي تقتحم المخيم وصوت الجندي وهو يعلن منع التجوال، يتصاعد التوتر النفسي للأسرة مع ارتفاع درجة حرارة الابن، فيقرران كسر المنع لمعالجة ابنهما. وفي الطريق تحاصرهما قوة إسرائيلية ويمنعونهما من الحركة. يسخرون من الأب والأم ويقومون بحركات استفزازية تغضبهم، يتلذذون بمعاناة الطفل، تتعالى ضحكاتهم كلما زادت حالة الطفل سوءا. وفي النهاية يثور الأب، يدفع الجندي ويواصل سيره لينقذ ابنه فيتم اعتقاله. ونشاهد التعذيب الوحشي داخل السجن وبهذا يكون الأمر مبررا ومبنيا على نتيجة.

ثانيا: مشهد السائق الذي يرقص ويطلب الجندي من أمه أن تصفعه، مشهد مؤثر جدا. من عاش هذه الفترة الزمنية يذكّره الوجع بتفاصيله.

المعالجة لهذا المشهد كانت ضعيفة ،على صعيد الشكل والمضمون، كنا بحاجة أن نرى عبقرية الممثل وقدرته على تفجير المخزون العاطفي ليؤثر في المتلقي وكذلك فلسفة المخرج بالتقطيع وبناء اللقطات، فنحن نتحدث عن امتهان آدمية الإنسان، فلو تم معالجة هذا المشهد بحرفية سيبقى في الذاكرة حتى بعد نهاية المسلسل.

ثالثا: بخصوص مشهد الطفل المريض الذي استشهد على الحاجز، يحتاج لإعادة معالجته حتى   يوثّق جريمة تستهدف الطفولة ويبرر قتل جنود الاحتلال وهم نائمون داخل الخيمة بالبلطات والسلاح الأبيض.

رابعا: حادثة استشهاد العمال بعد دهسهم، الحدث الذي أسهم في انتفاضة الحجر، تم معالجته بشكل سريع، لم نعش لحظة مع معاناة العمال، لم نر كيف كان يتربص بهم المتطرف الإسرائيلي ويراقبهم وهم ما بين اليقظة والنوم، وآلية تنفيذ الجريمة فما شاهدناه كان حدث عابر وسريع، حتى الحديث عن انتفاضة 87 مرت بشكل هامش وكأنها حدث عادي. للأسف كان التركيز أكثر على مزايا الحزب في المقاومة وتناسينا الجميع 

خامسا: استشهاد الأسرى المحررين في الحلقة الثامنة عشرة بعد اشتباكهم مع الاحتلال.

رغم أنه من المشاهد القوية المؤثرة إلا أن المعالجة كانت هزيلة. فهل يعقل أن نرى عربتين للمقاومة ولشخصيات مستهدفة من قبل الاحتلال تقف في الشارع العام وتنتظر فترة من الزمن وكأنهم ينتظرون قدوم الاحتلال لينهوا المشهد. فحتى لحظة مفاجأتهم من قدوم دورية الاحتلال   كانت مفبركة. الحلقة 18 من الحلقات المميزة بصريا وإيقاعياً، تخيلت للحظة أن هذه الحلقة ستكون نهاية العمل بعد استشهاد الأسرى المحررين وهروب "جهاد " والذي يرمز لاستمرار المقاومة. ما السر خلف استشهاد كافة الأسرى المحررين في الحلقة 18 واستمرار العمل؟! كان بالإمكان أن يكون استشهادهم في نهاية الحلقة الثلاثين ويبقى العمل محوره هروب الأسرى والمقاومة إلا إذا كان الهدف توثيقا تاريخيا لعمليات الحزب.

السؤال الذي يراودني بعد قراءة أي عمل فني، من الفئة المستهدفة من العمل؟ هل رسالتنا محصورة محليا، أم نريد أن نتحرر ونروي للعالم واقعنا اليومي، لينتصر لقضيتنا العادلة؟

مسلسل "ميلاد الفجر" التجربة الثانية للمخرج المبدع حسام أبو دان، والذي بدأ يتطور بشكل ملحوظ على الصعيد البصري، حيث تجاوز الهفوات التي سقطت منه في العمل السابق. وهذا يبشر بميلاد فجر لمخرج جميل يمتلك أدواته ويلتف حوله مجموعة من المبدعين انتصرت للشكل وأغمضت أعينها لحظات عن المضمون، فالتكوين البصري للقطات جميل والمَشاهد تسير بانسيابية يحلق بها مجموعة من الممثلين المحترفين، بداية من بطل المسلسل الفنان "غسان سالم " الذي قام بدور "جهاد " الشخص الغامض الذي يعتمد على الإيماءات في التعبير، ورغم طاقة الفنان الإبداعية إلا أن انفعالاته من بداية العمل حتى نهايته سارت بوتيرة واحدة، وهذا خلل واضح يتحمله المخرج، وأيضا هناك خلل في بناء العمل..  فمثلا بعد اعتقاله للمرة الثانية أصبح في دائرة الشبهات، وهذا بناء على حديث الشيخ الذي قام بدوره الفنان " بلال الزيني " حيث خاطب الفنان الجميل "لؤي نجم الذي قام بدور " أسامة " وصرح له بهذه المعلومة،  وبعد ذلك  أصبح "جهاد " محور المقاومة ومضت الأحداث بشكل طبيعي وهذا يعد شرخ في البناء فالمفردة لا بد أن تكون مفتاح للحدث والشخصية ، رغم الاختلاف بالمواقف لم تتغير ملامح  "جهاد " وانفعالاته ولم تتطور شخصيته،  وهذا الانطباع تكرر أيضا بشخصية الفنان القدير "جواد حرودة"  الذي قام  بدور "فكتور" ، فهو شخصية مسطحة تعتمد على الصراخ  والانفعال الواحد، وهذا ضعف يتحمله المخرج .  جميل أن نهتم بجماليات التكوين واختيار المواقع والزوايا وبناء اللقطات المعبرة ولكن من المهم أيضا أن نهتم بالممثل ونرسم إيقاعا خارجيا وداخليا للشكل والمضمون من خلال تقطيع الحوار بشكل هندسي وكأننا نكتب قصيدة على بحر من البحور، وأي خلل في الوزن يكسر الإيقاع.  تكرر مشهد العنف بنفس الطريقة والشكل يضعف المضمون لدى المتلقي، فالعين تحب التنوع. مسلسل ميلاد الفجر يحمل نماذج من المبدعين   وعلى رأسهم الفنان القدير على أبو ياسين الذي أبدع بتلقائيته في تمثيل دور الأب. ولا أعلم لماذا اختفى بعد الحلقة السابعة عشرة... وجود وغياب الممثل لا يكون بشكل عبثي فالعمل الفني بنيان مرصوص يشد بعضه بعضا وأي خلل في الشكل الداخلي والخارجي يساهم بالانهيار. في هذا العمل أبدع الفنان المخضرم زهير البلبيسي بدور الخال، والفنان المتألق محمد أبو كويك بدور " الدكتور "، والفنان المبدع "على مهنا " الذي تألق بدور سراج، حتى تخيلنا للحظة أنه شخصية المقاوم الحقيقية، والفنان الموهوب "سيف أبو سيف " والذي جسّد بفن وإتقان شخصية بطل السلاح الأبيض الفنان، كما ابدع الفنان "برنج المدهون " و الفنان "حسن الأشرم "، والعديد من الفنانين المشاركين في العمل.

 ما يميز هذا المسلسل، المشاركة النسائية المميزة التي تركت انطباعا جميلا لدى المشاهدين، بداية من الفنانة القديرة "كاميليا أبو سمك "التي قامت بدور أم جهاد، والفنانة المتميزة "لينا الأسطل" التي قامت بدور الدكتورة، والفنانة " ديانا الأيوبي " التي قامت بدور زوجة جهاد، والعديد من الشخصيات النسائية المبدعة.  جمال هذا المسلسل يكمن بما يقدمه لنا من طاقات شابة متميزة.

 أي عمل في الكون لا يصل لمرحلة الكمال... نحن نجتهد بالقراءة عندما نجد عملا جميلا، والهدف من ذلك أن نبحث عن الأجمل في تجاربنا القادمة. لذا سنتحدث عن بعض الملاحظات في بناء الشخصية، فهناك شخصيات نامية وشخصيات مسطحة، وعلى المخرج أن يغوص في عمق الشخصية ويدرس نفسيتها ولا يكتفى بالشكل الخارجي، وخاصة عندما نتناول شخصية العدو المتمثلة بشخصية " فكتور" الانفعالي المتوتر الذي يعتمد في أدائه على الصراخ، فجميل أن تظهر ذكاء المقاومة ولكن من غير المستحب أن تظهر غباء العدو المطلق، فإن كان بهذا الغباء فما سر وجوده؟ فلا يعقل أنه لا يتقن إلا فن الضرب، فغالبية الشعب تعرض للاعتقال، والجميع يعلم أن هناك وسائلَ قذرة كان يتّبعها المحقق وخاصة التأثير النفسي للحصول على أية معلومة، فالتعذيب لا يقتصر على التعذيب الجسدي بل هناك أساليب نفسية فتكرر نفس مشهد التعذيب أفقده قيمته الإنسانية. علينا أن نركز جيدا ونحن نبني المشهد، فمثلا عندما قام الاحتلال بتشغيل المروحة على الخال الفنان المبدع "زهير البلبيسي" والذي أوحى لنا أنه يرتعش من البرد، بعد ذلك نشاهد المقاومة أمام المغارة في المحافظات الشمالية وهي تلبس ملابس صيفيه...! هذا الهفوة يجعل العمل بدون مصداقيه.

هناك سؤال محير...!

لماذا اختار الكاتب والمخرج شخصية العميل الذي قام بأدائها الفنان الكوميدي ثائر أبو زبيدة، عبارة عن شخصية مرحة متسامحة، إنسان يعيش بأسرة نموذجية ويمتلك إمكانية مادية وعلاقات اجتماعية ثم يتطوع ليخدم الاحتلال وكأنه يريد أن يظهر أنَّ الفلسطيني يسقط بناء على رغبته...!  وهل يعقل أن إنسانا خائنا يتجسس على أسرته ويبيع وطنه يحاول حماية أخيه أمام المحتل المتمثل بشخصية "فكتور"؟

لقد عانينا من تشويه الشخصية الفلسطينية واتهامها بالخيانة رغم أن من يتابع ملف من سقطوا بالعمالة يعلم أنهم كانوا ضحايا قام المحتل باستغلالهم واستدراجهم بأسلوب أو بآخر.

وأخيرا.. نحن أمام عمل جميل راقٍ يروي الحكاية الفلسطينية وانتماء الفلسطيني لأرضه وشعبه، من أبطال هذا العمل الفنان الموسيقار المبدع "جبر الحاج " الذي أمتعنا بموسيقى تجسد الواقع. فكل الاحترام والتقدير لكل من أسهم في هذا التجربة الجميلة وإلى الأمام دوماً.

 

بقلم / مصطفى النبيه

 

 

صادق السامرائيإهتم أبناء العربية بجمع مفرداتها في كتب تسمى المعاجم، ورائدهم الخليل بن أحمد الفراهيدي صاحب أول معجم للغة العربية إسمه "العين"، وبعده توالت معاجم متعددة ألفها جهابذة العربية في عز توهج الأنوار المعرفية الحضارية لأمتنا.

وكنز المفردات العربية ثري وقابل للزيادة والنماء والتوالد والإشتقاق المتوافق مع عصره، فهي لغة خالدة ومن ضرورات الخلود التواكب والتجدد والإبداع الأصيل.

والعجيب في أبجديات اللغة أنها لا تنضب عندما تتفاعل مع بعضها، فتأتينا بما هو جميل ودال على معنى أو إسم.

وقد تولعت بالكلمة ومعناها منذ الصغر، وتحولت لعبة الكلمات إلى هواية أمارسها وأتمتع بما أتعلمه منها، وكيف أنها تحفز قدرات التفكير والربط والإشتقاق والتنوير.

فلكل كلمة تأريخ ومعنى وقدرة على التفاعل مع محيطها الذي ولدت أو تواجدت فيه، وخلفها سيل دافق من المعارف والقصص والحكايات، والأحداث الممتعة المذكية لمشاعل الإبداع.

فالغوص في بحر الكلمات يساهم بصيد الجمان الإبداعي النفيس، الذي يغذي الروح والعقل والقلب والنفس، ولا يمكن لثقافة أن تترعرع وتتنامى إذا لم تنهل من فيض الكلمات، وتتنعم بالثراء اللغوي، ويكون لصاحبها معجمية تؤهله ليفكر بقدرات إستثنائية وطاقات فريدة.

وتجدنا في واقعنا التعليمي والتربوي نغفل هذه المهارة المعرفية، ونهمل التركيز على الكلمة ومعناها، وأساسها وإشتقاقها وما يتصل بها من أطياف معرفية، وتفرعات ثقافية ذات طاقة تنويرية ساطعة.

بينما الأمم الحية المتقدمة على غيرها، تهتم بتزويد مواطنيها بذخيرة لغوية تؤهلهم للتعبير والتفكير الجاد الواضح المبين والدقيق عمّا يريدونه ويتطلعون إليه.

بل وتمضي بضخهم بالمفردات حتى نهاية التعليم الجامعي، ولهذا تجد من أهم إمتحانات القبول بالجامعات هو التعرف على الذخيرة المعجمية لدى المتقدمين، وهناك حدود يجب أن يتخطاها المتقدم لكي يحصل على القبول، ذلك أن المفردة اللغوية من أدوات التفكير المهمة، والتي عليها أن تتوفر بغزارة ليتمكن العقل من الإنتاج السليم.

فهل لدينا القدرة على تنمية معجمياتنا الذاتية لنكون؟!

 

د. صادق السامرائي

 

 

عبد الخالق الفلاح  يجب أن تخضع الكتابة للضوابط الفنية والعقلية والواقعية والشروط المحددة في أصول الكتابة بحيث لا يُترك المجال الى تجاوز الخطوط الحمراء التي تحفظ قيم الإنسان وفي عدم التجاوز على الحقوق والحريات الأساسية للأفراد وينبغي أن تكون الاخلاق سيدة المواقف، أيا كان الاختلاف السياسي وبدون ذلك لن تكون هناك ميزة تنافسية في الساحة السياسية والحرية مرتبطة بالمسؤولية، والمسؤولية لاتقف فقط عند التحري عند المعطيات والأخبار ولكن لها تُعد أخلاقي خاصة لدى الفاعلين السياسيين خاصة أولئك الذين ينطلقون من المرجعيات السياسية ويتكلمون عن تخليق العمل السياسي وهناك عوامل تحدد أسلوب الكتابة وطريقة إبراز الحجة عن الأطراف، أهمها طبيعة الموضوع، وأهدافه، ونوعية المناقش ذاته وهل ذلك الذي يتبناه الكاتب نهجاً علمياً معيناً وأسلوباً ثقافياً ذا صبغة عقلانية أم عاطفية؟ والاهم درجة قَبول المخاطَب لهذا الاسلوب، ويجب رفع شعار تخليق الحياة السياسية والارتقاء بالخطاب السياسي" نحو الأفق ولا يمكن لأي كاتب أو صاحب اي رسالة إنسانية، أن يكون مشهوداً من دون مروره بالأصول السياسية ومعرفة مواقفها الخلافية وعادة تكون لفهم الواقع لا لفرض الإرادات؟ وهذا يتبع مدى فهم المشارك في النقاش لطرح وجهات النظر في المناقشة ولو تأملنا شهرة وتأثير لدخول “ س “ مثلاً في كنفرانس معين أو الاشتغال بمركزاً سياسياً معيناً فعلينا ان ننظر الى كفائته قبل كل شيئ، لان في الحقيقة ان الحوار جزء من المسؤولية على فهم الأحداث وتبسيط الرؤى، سواء عبر التحليل أو الشرح أو تناول المواضيع من زوايا مختلفة،والهدف هو توسيع زاوية النظر ومدى استيعاب المشارك في الحوار بالوسائل الضرورية ولكي يتمكن (س) من ايصال التحليل وفهم ما يجري وبالتالي الوصول الى اقل ما يراه مناسباً له في المواقف .

أن الخلط اليوم أصبح كبيرا لدرجة أن الإنسان لم يعد يستطيع أن يميز بسهولة بين الفواصل الإيجابية والسلبية ممادفع البعض في التماهي بيلعبوا دور السياسي الخاطئ وان المفهوم السياسي يتميز بشحنة إضافية من التتبع للشأن السياسي والنقد للمواقف السياسية، على أهميته القصوى والحاسمة ومُسار فهمهم في أغلب الاحيان عند الكثير من العامة وظل العمل السياسة أمرا غير مستحب، ومخيفا رغم كل التطور العلمي والثقافي، وأمست الكثير من المجتمعات تعاني من تدن خطير في مدى الوعي السياسي لمواطنيها. ولا يتجلى هذا التدني في الجهل السياسي وحسب، بل يتعداه لإساءة فهم المصطلحات والمفاهيم السياسية السائدة عالميا وما لاحظنا خلال متابعتنا لحياة العديد من كبار السياسيين نجد ان الكثير منهم قد انحرف عن الخط الذي عمل عليه بأقل اهتزاز سياسي وسقط في مستنقع الرذيلة، وهنا تكمن مأساة كبرى،لا يحس بوجودها إلا قلة من المثقفين. وللبعض تفسيرات أقل ما يقال عنها إنها كانت غير واعية، أني أرى اليوم بوضوح كيف يمكن للأيديولوجية الغير واقعية أن تفسد ذائقة الإنسان وتجعله متبلدا وعديم الذكاء، كل همه هو البحث في المقالات والكتابات عما يؤيد وجهة نظره في شعر بالنشوة والارتخاء، أو يعارضها فاستل سيفه للهجوم والانقضاض، معتقدا أنه بهذه الطريقة قد أدى واجبه وأدى خدمته للقضية التي يعمل لها ليكتشف بعد سنوات بأن الأمر ربما لم يكن على النحو الذي تصوره .الكتابة السياسية هي من الظواهر الاجتماعية التي ينبثق عنها إمّا توافق أو تعارض معها في النقل لا محال، فأحياناً تكون هذه الظواهر عن تحرر أو تنمية، فتقوم الكتابة السياسية برسم تصور لهذه الأفعال السياسية إمّا برؤية مرجعية أو برؤية مستقبلية فيجب على الكاتب أن يكون مثقّف سياسياً؛ لأنه في حال لم يكن مثقف سياسي سيكون خلافه مع هذه الظواهر عن طريق العنف وتعبيره عنها بأهواء شخصية ليست محايدة، أن الثقافة السياسية توحّد فكر الشخص بحيثتحدّد قناعات الشخص ومبادئ التي تواجهه وتوعيه نحو حقوقه وواجباته إذا ما درسها بحكمته ويقظته حتى لا يقع بجب الارتداد.الكتابة في السياسة في كثير من الأحيان تدفع إلى تطبيق فنون المراوغة والتستر في تجنب العدالة الرقابية وعدم تسمية الأشياء بأسمائها، ما يحدّ من نفع الكتابة في تمليك ألادوات لاستيعاب شروط والتحكم فيها وكذلك أفسدتها أيضا عبر إنتاج معرفية مموهة، عمومية، لا تقول شيئا مما تحتاج إلأ بفهم حقيقي للترجمة إلى لغة أكثرعينية مبسطة، لقد فسدت النظم السياسية من قبول النقد وسهلت فرصة المتواطئة مع الكتابة والتعامل معها بدلاً من نقد اخطائها، وتتعدد أنواع وأساليب النقد السياسي فهناك النقد العام والنقد الخاص والنقد الذاتي والنقد الموضوعي والأساليب تختلف من كاتب إلى أخر حسب وجهة النظر للناقد فإنه يعبر عن شخصيته واستيعابه وفهمه للأمور قبل إن يعبر عن رأيه في الشخص أو الجهة المنتقدة كل ذلك يوجب على الكاتب السياسي أن يكون صادقا وحاذقا... يقدم المصلحة العامة على كل ما عداها. فلا بد أن تكون المصلحة العامة غايته الأولى والأخيرة، وأن يتجنب الانحرافات وراء الأخطاء... كي لايلحق أذى بالآخرين ممن يكتب لهم، وعلى الكاتب أن يتذكر دائما أن هذا الميزان قد أصبح المعيار الأساسي والأول، الذي يقاس به بناءاً على أداؤه، من قبل المتلقي. أن البعض ممن يتحدثون عن غيرهم هم في الحقيقة يسترون عن عيوبهم بإظهار نواقص الآخرين وهو مهرب نفسي أكثر منه جهد فكري بناء، فليس أيسر من رؤية النقص عند الناقصين، وحتما سيكتب يوماً نقد عميق عن مرحلة فكرية قادها مرضى مصابون بالهلوسة قضوا حياتهم يعيقون غيرهم عن التقدم.

 

عبد الخالق الفلاح