نبيل عبدالامير الربيعيانتشرت المسيحية الشرقية بين عدة قبائل عربية في العراق منذ القرن الأول الميلادي، إذ أسس مار ماري حوالي سنة (49م) كرسيه في العاصمة المدائن، والذي امتدت بشارته إلى الراذان، وكسكر، ومن بين القبائل التي انتشرت فيها المسيحية، قبائل الحيرة والأنبار وعين تمر وميشان وعاقولا (الكوفة)، وجرجاريا، وكلواذي، والموصل، والبصرة، وحدياب، والمرج (مركا) وكرخ سلوخ (كركوك) وتكريت، وغيرها من الأماكن العديدة في العراق. فضلاً عن قبائل العباديون في الحيرة، وبنو عجل من قبائل بكر بن وائل، والاياديون، والمضريون، والتنوخيون، وبنو لخم، والطائيون، وبنو سُلَيم، وقبيلة تغلب الشهيرة، والشيبانيون، وبني عقيل والأزديون، إضافة إلى متنصرة الآراميين (السريان الشرقيين النساطرة، والسريان الغربيين اليعاقبة)(1).

أما الحيرة التي أقامها الفرس إمارة على الضفة اليمنى من نهر الفرات، وعرفوا باللخميين أو المناذرة، لتكون همزة وصل بينهم وبين العرب، وكان الرومان قد أسسوا إمارة الغساسنة العربية في بلاد الشام للهدف نفسه، وفي القرن الخامس أصبحت الحيرة أبرشية مشرقية ولها أسقف اسمه هوشع، اشترك في مجمع اسحق عام 410م(2).

كان للمناذرة أثر ٌ كبير في بناء الأديرة، وانتشرت المسيحية في شبه الجزيرة العربية وبلدان الخليج، وخصوصاً بلدان الشاطئ الغربي التي كانت تعرف ببيت قطرايا، وأعطت كتاباً مشهورين، كأيوب القطري واسحق النينوي وجبرائيل وإبراهيم. فضلاً عن تمتع أبناء الديانة المسيحية في الخلافة الإسلامية بسقف من الحرية، وفرَّ لهم الاسهام في بناء صرح الحضارة العربية والإسلامية، التي عدوها جزءاً من تراثهم وتفاعلوا معها، لا سيما في حكم العباسيين الأوائل، وبوساطتهم نقلت الثقافة والفلسفة العالمية آنذاك إلى العربية، ومنها إلى الغرب(3).

عندما جاء العرب المسلمون إلى ما يسمى اليوم بالعراق، كان تقريباً نصف سكانه من مسيحيين، وظلت المسيحية مزدهرة في العراق وصارت فيها مؤسسات من مدارس ومستشفيات (بيمارسانات) وأديرة، ذكر الأب هنري لامنس اليسوعي عن انتشار لغة السريان قائلاً: "من عجيب الأمور أن انتشار لغة الآراميين بلغ في عهد السلوقيين مبلغاً عظيماً، فأصبحت اللغة السائدة في كل آسيا السامية، أعني في سوريا وما بين النهرين وبلاد الكلدان وجزيرة العرب... وكان العرب المسلمون ايضاً يدرسونها لكثرة فوائدها.. ولا نظن أن لغة أخرى، حتى ولا اليونانية، جارت السريانية في اتساع انتشارها، اللهم إلا الانكليزية في عهدنا". أما سليم مطر، فيبين مدى تأثير السريانية على العربية قائلاً: "اللغة العربية طورت نفسها، وكونت نحوها من خلال تجربة اللغة السريانية... كما أسهم المسيحيون في بغداد اسهاماً واسعاً في خلافة بني العباس عند تشييد بغداد مدينة السلام عام 762م في الرصيد الحضاري والاقليمي والعالمي مع العرب، وكان لهم الدور الكبير في دواوين الخلافة، وشكلّوا حالة متميزة في تاريخ التفاعل الثقافي في العراق، كما كانوا عنصر إبداع حقيقي من خلال خبرتهم ومعارفهم في تطوير العلوم، كما ساهموا في الإلهيات والفقه والفلسفة والمنطق والطبيعة والرياضيات وعلم الفلك والطب والفيزياء والكيمياء والهندسة والبناء والموسيقى والأدب والزراعة والتجارة، ويشهد على أهمية هذا الدور اتساعاً وتنوعاً ما جاء في كتاب ابن جلجل الاندلسي (طبقات الاطباء والحكماء) وفي (الفهرست) لأبن النديم، وفي باب الفلسفة والعلوم القديمة، كما اسهم المسيحيون في عهد الخليفة العباسي المأمون في الاتصال بـ(بيت الحكمة) الذي كان يتردد إليه المسلمون والمسيحيون بجميع مللهم"(4).

2821 المسيحيون في العراق

ما زل المسيحيون جزءاً من النسيج الاجتماعي والسياسي والتاريخي العراقي، ولعلَّ واحداً من سرّ جمال التكوينات الثقافية العراقية، لكن كان واحداً من المشاهد الدرامية التي زادت الصورة قتامة في العراق بعد عام 2003م، هو تفجير أربع كنائس مسيحية في بغداد، وكنيستين في كركوك، راح ضحيتها العشرات من المواطنين الأبرياء والعزّل.

لقد تعرّض المسيحيون في العراق إلى أنواع شتّى من التمييز والاضطهاد، فقد عانوا لكونهم جزءاً لا يتجزأ من النسيج العراقي المسالم، الذي يعاني من تمزّق طائفي واحتلال وإرهاب، ومن جهة أخرى لكونهم مسيحيين إذ ينظر إليهم باعتبارهم (فئة أدنى) بعيداً عن حقوق المواطنة والمساواة، خصوصاً في ظل الاحتقان الطائفي والإثني والمحاصصات والتقسيمات التي جاء بها بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق بعد الاحتلال(5).

وتعرّضت الكنائس المسيحية، لا سيما في بغداد وكركوك إلى تفجيرات، وتعرض المسيحيون في البصرة والموصل إلى ضغوط شتى، حين جرت محاولات لإجبار النساء على ارتداء الحجاب أو قتل رجال الدين أو إغلاق الكنائس، أو صدور فتاوى زائفة من بعض رجال الدين المتأسلمين لإجبار المسيحيين على دفع الجزية (250) دولار شهرياً مقابل السماح لهم البقّاء في بيوتهم كونهم من أهل الذمة، أو عليهم إشهار إسلامهم. وبسبب هذه الأعمال هاجر آلاف المسيحيين العراق إلى دول الجوار أو الهجرة إلى أوربا لغرض الاستقرار والحفاظ على حياتهم.

يشمل الكتاب الأهداء ومدخل ومقدمة وثمان فصول وخاتمة،  تضمن الفصل الأول الجذور التاريخية للديانة المسيحية في بلاد الرافدين، والفصل الثاني العبادات من ما يشمل الصلاة وقبلة الصلاة لدى المسيحيون، وأعيادهم، والصيام، والفرق بين النصرانية والمسيحية، والأناجيل الأربعة، والأناجيل المنحولة، والطوائف المسيحية في العراق.

أما الفصل الثالث قد احتوى الكنائس والأديرة المسيحية في العراق، والأقوام التي تبَنت الديانة المسيحية، والتبشير المسيحي في مملكة حدياب، والتبشير المسيحي في مدينة الرها (أورهاي)، والتبشير المسيحي في مملكة الحيرةـ وسياسة الساسانيين تجاه المسيحية، ودور النصارى في نشر الخط العربي، وموروث الكنيسة في بلاد الرافدين.

أما الفصل الرابع فقد شملَ المسيحية في ظل الإسلام، والمسيحيين في عهد الخلفاء الراشدين، والدرجات الكنسية للكنيسة الشرقية، والمسيحيين في عهد الخلافة الأموية، والمسيحيون في عهد الخلافة العباسية، والمسيحية في عهد المغول، والمسيحية في العهد الجلائري.

أما الفصل الخامس فقد أحتوى على دور المسيحية في ظل الدولة العثمانية، وحياة المسيحيين في الموصل، والكنيسة الشرقية وواقع حال الطوائف المسيحية، ومعالم الحياة الاجتماعية لمسيحيي العراق، واضطهاد المسيحيين في الإمبراطورية العثمانية، والمذابح العرقية للأرمن، وأماكن تواجد مسيحيي العراق.

أما الفصل السادس فقد تضمن دور مسيحيي العراق في العهد الملكي، وما حصل من اضطهاد للآشوريين في العراق، من معركة ديرا بون، ومجزرة قرية سُميّل. ومسيحيي العراق ودورهم في المجلس النيابي.

وقد شملَ الفصل السابع مسيحيي العراق في العهد الجمهوري الأول والثاني والثالث، ومذبحة صوريا 1969م في عهد نظام البعث، والمسيحيون في عهد صدام حسين 1979م.

واحتوى الفصل الثامن والأخير وضع المسيحيين بعد عام 2003م وما تعرضوا له من اختطاف وتفجير لكنيسة سيدة النجاة، وتهديد ورعب من قبل الارهاب وداعش عندما اجتاح الموصل، وتأثير زيارة البابا الأخيرة للعراق.

استعانت الدراسة والتوثيق على العديد من المصادر ولا سيما الدراسات والكتب العربية والمترجمة التي تناولت تاريخ مسيحيي العراق منذُ القرن الول الميلادي، فضلاً عن المقالات المنشورة في الصحف والمجلات. على الرغم من الجهود المضنية لغرض انجاز هذه الدراسة وتقديمها في الوقت المناسب بصورة لائقة، أرجو أن أكون قد وفقت فيما اصبوا إليه، وفي بلوغ ما رميت في جهدي هذا، الشكر موصول لكل من أبدى المساعدة في اتمام هذا الكتاب.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

....................

[1] شيماء عبد الباقي محمود. المسيحيون في العراق حتى أواخر القرن السابع الميلادي. دار الحكمة. بغداد. 2014. ط1. ص4.

[2] سعد سلوم. المسيحيون في العراق. التاريخ الشامل والتحديات الراهنة. مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والإعلامية. بغداد. بيروت. 2014. مقال لبطريك الكلدان الكاثوليك في العراق والعالم. تحت عنوان مسيحيو العراق في ظل الحكم العربي الإسلامي. ص157.

[3] المرجع السابق. ص158.

[4] المرجع السابق. ص160.

[5] عبد الحسين شعبان. أغصان الكرمة المسيحيون العراق. مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية. ط1. 2015. ص213

 

 

صدر عن دار غيداء بالاردن 2021 بعنوان كتاب جديد للباحث الفلسفي الاستاذ علي محمد اليوسف، بعنوان: (مأزق التحول اللغوي في الفلسفة المعاصرة). وقد اشتمل على:

المحتويات

الفصل الاول

المادة وجود غير موجود

الفصل الثاني

اشكالية الادراك الاصل والصورة

الفصل الثالث

قضايا لغوية فلسفية ج 1

الفصل الرابع

قضايا لغوية فلسفية ج 2

الفصل الخامس

افلاطون الزمان والطبيعة

الفصل السادس

افلاطون والتحقيب الزماني للتاريخ

الفصل السابع

الوعي:سجالات فلسفية

الفصل الثامن

جاستون باشلار: المعرفة والمكان

الفصل التاسع

سايكلوجيا المادة وازلية الجوهر

الفصل العاشر

شوبنهاور وبؤس الارادة

الفصل الحادي عشر

مادية ومثالية المنهج الابستمولجي

الفصل الثاني عشر

المعرفة الفطرية والمعرفة المكتسبة

الفصل الثالث عشر

الاخلاق / الايمان الديني والفلسفة

الفصل الرابع عشر

شذرات فلسفية: تحليل نقدي

الفصل الخامس عشر

الوعي الفلسفي

الفصل السادس عشر

الوعي القصدي والمعنى اللغوي

الفصل السابع عشر

الادراك في المنظورالفلسفي

الفصل الثامن عشر

موضوعات فلسفية: تحليل نقدي ج1

الفصل التاسع عشر

موضوعات فلسفية: تحليل نقدي ج2

الفصل العشرون

موضوعات فلسفية: تحليل نقدي ج 3

الفصل الواحد والعشرون

موضوعات فلسفية: تحليل نقدي ج 4

الفصل الثاني والعشرون

موضوعات فلسفية: تحليل نقدي ج5

الفصل الثالث والعشرون

موضوعات فلسفية: تحليل نقدي ج 6

الفصل الرابع والعشرون

النزعتان المادية والمثالية في مذهب وحد الوجود

الفصل الخامس والعشرون

الذات: ادراك المتناهي واللامتناهي

الفصل السادس والعشرون

قطوعات نقدية في فلسفة العقل

الفصل السابع والعشرون

مغالطات الفلسفة المثالية

الفصل الثامن والعشرون

كلمات فلسفية في مأثور القول

2820 مأزق التحول اللغوي

المقدمة

التيه العدمي الذي وضع نيتشة الانسان فيه منذ نهايات القرن التاسع عشرفي مقولته الاستفزازية الملغمّة موت الاله أستقبلته البنيوية في أعتمادها مرتكزين الاول أن الانسان كوجود مأزوم قلق ليس من المتاح أنقاذه في المدى المنظور بل ولا أهمية تسترعي الاهتمام به كبؤرة مركزية تدور في فلكها الفلسفة والعلم والمعرفة واللغة والحياة ، والمرتكز الثاني هو علم اللغة كمفهوم مستحدث خارج منظومة الحياة مستقل لا علاقة تربطه بما أصطلح تسميته السرديات التاريخية الكبرى من ضمنها سردية الدين... كلاهما الانسان كوجود ومنظومة اللغة في إنفصالها عن الانسان والواقع جرى أقصائهما العمد على لسان دي سوسير مخترع لعبة اللغة القائمة على إزدواجية المفهوم وليس أزدواجية المعنى التي كانت مفتتح تجربة جديدة في إستقبال الايديولوجيا الفلسفية المستمدة من نيتشة في توظيف اللغة كأداة هدم وتقويض زادت عليه البنيوية تطرفا أسلوب (القوة الناعمة) بالفلسفة اللغوية والتاويل وهو مصطلح نحته لأول مرة بضوء هذا الترسيم الفلسفي الذي أرادته البنيوية عسى أن يحظى بمطابقة الإحالة الصحيحة في التقويض البنيوي- التفكيكي لعالم الانسان من دون الانسان كجوهر في الطبيعة والحياة..

وبهذا الترسيم العدمي البعيد جدا عن إعتماد إيديولوجيا السياسة التي إستهلكت نفسها على هامش نقد الفلسفة الفضفاض إذ لم تعد أيديولوجيا السرديات الكبرى وسيلة هدم وبناء كما هو المرجو منها فأستأثرت الفلسفتان البنيوية - التفكيكية تحديدا ملء فراغ الهدم والتقويض دونما البناء في إعتمادهما أسلوب قوة اللغة الناعمة في تنفيذها المطلوب،وسرعان ما تبنّى أقطاب البنيوية كلا من بارت وفوكو ولاكان والى حد ما على صعيد ما نقصده منطلقات فلسفة اللغة الناعمة في المراجعة والتقويض إنضمام كلا من شتراوس في الانثروبوجيا(اثنولوجيا الاقوام البدائية) تاريخ وكلام، والتوسير في إستهدافه السردية الماركسية الكبرى الشاخصة في كتاب رأس المال..وبارت على صعيد الادب في موت المؤلف، ولاكان في نقده علم النفس الفرويدي ، وفوكو في أستهدافه كل شيء يطاله بدءا من إلغائه الانسان والعقل وليس انتهاءا بالجنسانية والجنون وسلطة القمع والمنع والسجون..

إذا ما سمحنا لأنفسنا تجاوز المسار الفلسفي المعقد المتشعب لأقطاب البنيوية سنجد أنفسنا نتوقف أمام تداخلاتهم مع أبرز إمتداد فلسفي لتطويرمفهوم علم اللغة واللسانيات في مشروع بول ريكور فلسفة التاويل الذي يقوم بالاساس الاشتغال على تطوير منحى التاويل البنيوي الذي جاء تتويجه حين وجد ريكور مشروعه التاويلي اللغوي يستثمر أتجاهات الفلسفات الغربية الحديثة جميعا، البنيوية،الوجودية،التاويلية،الماركسية ، العدمية ،ونظرية الثقافة، والتفكيك، والتحليل اللغوي ونظريات علم اللغة، وأخيرا انثروبولوجيا الدين .  وقد أفاد ريكور في منهجه البنيوي التأويلي أيضا من ميراث فلاسفة التاويل غادمير، وشلاير ماخر، وأخيرا دلتاي..

الإنفصامية المرضية فلسفيا التي وضعت الانسان كوجود مركزي طارد في مأزق الإحتضار السريري التي كانت البنيوية أضطلعت بالمهمّة الكبرى تنفيذه في حقنها ذلك المريض المحتضر(الانسان بالحياة) الذي خرج من محنة الحداثة وما بعدها في تقويضهما كل مكتسباته التي حققها له عصر النهضة والانوار والحداثة، نقول عمدت البنيوية  تشييئها الانسان الإلغائي كوجود محوري تدور في فلكه كل ماسمّي بالمعارف والعلوم والسرديات الكبرى على ما شابها من قصور لم يكن الانسان مرتكز ذلك القصور كسبب ولكن كان المساهم الاكبر الوحيد الذي ناء بحمله عواقب ذلك القصور لزمن طويل الى اليوم...

هذا الإنفصام المرضي الفلسفي الذي تبنته البنيوية بضراوة كان إعتمادها مفهوم الاكتفاء الذاتي في منظومة اللغة الانفصال التام عن الواقع الانساني بغية الوصول الى معرفة حقيقية للعالم على وفق قراءة لغوية بنيوية نسقية جديدة تنقذ اللغة من إحتكار علاقتها بالواقع وإستئثارها التعبير عنه وحدها.. ..ولم تعد اللغة مرتهنة وظيفيا وسيليا في تجسير فهم الواقع بتعبير اللغة السطحي المعتاد على حد سوق ذرائع البنيوية كفلسفة حضور لمفاهيم ما بعد الحداثة..وهذا الإنفصام جعل من الأنظمة اللغوية في البنيوية وتأويلية بول ريكور أنظمة مغلقة مكتفية ذاتيا تنطوي ضمنا على جميع العلاقات الممكنة بداخلها، وبالتالي لا يبقى من علاقة ضرورية تجمع اللغة بالعالم الخارجي في تمثّلات اللغة له.

واضح المقصود بالخارج اللغوي هو العالم الواقعي الخارجي للانسان بما هو الحياة في تمثّلات اللغة التعبيرية عنه تداوليا كلام تحاوري مجتمعي.. وليس بالمعنى الفلسفي الذي عّبر عنه دي سوسير أن اللغة تمتلك نظامها الداخلي الخاص بها ولا حاجة للواقع الخارجي التعريف بها ،وكذا الحال معكوسا أن الواقع بكل منظوماته التكوينية له يحقق الكفاية الذاتية  بمعزل عن أهمية اللغة الاسهام بهذا التوضيح..وعندما تبطل وسيلية توظيف اللغة ويجري إنسحابها من ميدانها ألمألوف في مهمة التمثلات الواقعية للعالم الخارجي فهي تكون أنساقا لغوية خاصة بما هي منظومة علائقية تجريدية قائمة داخليا بعالمها الخاص بها خارج مهمتها التعبير عن الواقع ما يرتّب ذلك أن الواقع الانساني الحيوي يكون التعبير عنه بالكلام الشفاهي وليس باللغة المكتوبة التي تكون لوحدها خطابا يبحث في العلاقات النسقية للاشياء بما هي صيرورات متداخلة متنوعة داخل بناها اللغوية وليس في عالمها الخارجي المرتبط بالانسان الذي أصبح لا يمتلك سوى اللغة في توكيد وجوده الانساني..

هذه الواقعة المعتمدة بنيويا بموجبها تعتبر نفسها فلسفة نمطية نسقية كليّة من التفكير الجوّاني الذي يعتمل ويتكوّن داخل السيرورة اللغوية بما هي نسق معرفي مستقل يهتم بعوالمه المخترعة لغويا ولا قيمة للواقع والانسان في علاقة الربط بينهما وبين اللغة...هذا النمط النسقي اللغوي ( يكون تفكيرا يتخطى جميع الاشتراطات المنهجية، حينها لم تعد اللغة وسيطا بين العقول والاشياء) على حد تعبير ريكور. فقد تم إغتيال الواقع الحياتي ملاذ الانسان الاخيربأستعداء اللغة عليه وركنه جانبا خارج إهتمامات الفلسفة..بعيدا عن كل إشتراط منهجي عقلي مخالف لهذا التوجه المنحرف..

هناك حقيقة متداولة عمرها عشرات القرون هي أن اللغة تفكير العقل المدرك في معرفة الاشياء والتعريف بها، واللغة هي الوسيط التعريفي بين العقل والاشياء في تعالقهما معرفيا.. هذا الفهم إعتبرته البنيوية ومن بعدها التفكيكية في إعتمادهما منظومة علوم اللغة واللسانيات والتاويل والتحليل والإحالة والإرجاء مرتكزا فلسفيا في فهم العالم والانسان في عالمه الخارجي لم يعد له تلك القيمة المطلقة التسليم بصحتها وحقيقة الانسان خارج المنظومة اللغوية لاشيء كما هي اللغة من دون الانسان لا معنى لها لا معرفيا ولا فلسفيا.. هذا التوجه في أخراج الانسان من الحياة والتاريخ قاد مأزق الانسان الوجودي بالحياة الى أكبر منه ، فاللغة هي تجريد علاماتي خطابي في فهم الانسان وعالمه الخارجي، فكيف باللغة عندما تكون في الفلسفة البنيوية والتفكيكية تجريدا مضافا لتفسير تجريد سابق عليه في الإنفصال التام التعبير عن الواقع الانساني والحياة؟

فنجشتين فيلسوف اللغة المعروف أراد إخراج اللغة من عنق الزجاجة كما يقال الذي هو النفق الذي أدخلته البنيوية ومن بعدها التفكيكية فيه حين أعتبرتا النظام اللغوي المكتفي بصنع عوالمه الذاتية المستقلة كنسق يسير في توازيه مع الواقع المعيش هو منظومة اللغة أو الخطاب الواجب الإهتمام به... وليس من مهمة هذا الخطاب اللغوي المنعزل عن تفسير العالم الخارجي ومركزية الانسان فيه الذي بشّرت به الحداثة لأكثر من قرن... ولا أهمية يمتلكها إنسان ما بعد الحداثة ليحتكر محورية التفكير بالحياة والوجود والتاريخ فلسفيا وعلميا وسياسيا ايضا....

أمام هذا الفهم الفلسفي البنيوي التهميشي الذي زرع بذرته الاولى فينجشتين في كتيبّه (رسالة منطقية فلسفية) عن قصور فهم وليس عن خطأ متعمّد مقصود حاول تصحيحه لاحقا لكن تلك الأخطاء التي تضمنتها المخطوطة مهدّت لبروز ظاهرة التطرف اللغوي في البنيوية والتفكيكية من بعده، وأستثمرته البنيوية والتفكيكية والعدمية بعد وفاة فينجشتين إستثمارا سلبيا بشعا حتى بعد طرح فينجشتين في كتيبه الاخير (تحقيقات فلسفية) الذي حاول فيه تصحيح أخطائه في رسالته المنطقية... ويبدو بفضل نقودات عديدة وجهت لمخطوطته الفلسفية الاولى في الرسالة المنطقية تراجع فينجشتين وأراد التصحيح في كتابه التالي تحقيقات فلسفية قائلا ما معناه أن تمثّلات اللغة للواقع هو تلك الحيوية الخلاقة التي تبعثها اللغة في جسد ذلك الواقع المعيش في الوقت نفسه التي تكتسب هي- اللغة - حيويتها الحضورية في تطوير نظامها اللغوي بتأثير من الواقع الذي تحكمه الصيرورة أيضا كما تحكم الواقع بذات الحين..

وفي حال العجز من تحقيق هذه المهمة فسوف لن يكون للغة معنى يمكن حضوره وعليه يكون صمت اللغة في العجز أجدى وأكثر حيوية من التعبير عن اللامعنى في التشبث بنحو وشكلانية اللغة من حيث هي لغة فقط على حساب إلغاء المضمون الفلسفي المرجو تحقيقه في حل إشكاليات مفاهيم الفلسفة العالقة بوسيلية تعبير اللغة الإلتباسي وليس حل مشاكل نحو اللغة بما هي تجنيس في الادب على حساب تنحية مفاهيم الفلسفة عن طريق ماسمّي التحول اللغوي .هذا التحذير الذي نادى فينجشتين به أن اللغة لا تستمد فعاليتها القصوى إلا في صيرورة الحياة وجريانها المتدفق والانسان جزء هام في هذه المنظومة التي هي مصنع الحيوية البشرية للحياة والوجود..

والذي تبنته الفلسفة التحليلية الانجليزية عّبررفضها والتقاطع مع رائد فلسفة التاويل اللغوي بول ريكورالذي هو أمتداد وتطوير منطلقات البنيوية في اللغة قوله ( لم تعد اللغة بوصفها صورة الحياة كما أراد لها فينجشتين ، بل صارت نظاما مكتفيا بذاته يمتلك علاقاته الخاصة به) . وكان سبق لأقطاب البنيوية أن أخرجوا اللغة بوصفها خطابا لا تتحدد مقاصده في تعابير المفردات اللغوية المنفصلة التي لا ينتظمها سياق الجملة وموقعها في بنية النسق الخطابي داخليا..وعبّر عن هذا المعنى دي سوسير(أرجحية الكلام على اللغة بأعتبار الكلام فردي تعاقبي وعارض، واللغة أو اللسان هو الاجتماعي والتزامني والنسقي لذا يكون الخطاب بدلا من الكلام).

منطق دي سوسير هو تنحية الكلام عن مهمته واسطة التعامل المتحاور مع الواقع الحياتي، في أزاحته التنافسية عن طريق فهم اللغة أنها منظومة خطاب متكامل مكتف ذاتيا في تصنيعه عوالمه اللغوية، ويرى سوسيرالكلام فرديا تعاقبيا عارضا، أي أنه محاورة مجتمعية من الكلام الشفاهي ، تسمه بصمة فردية المتكلم، والتعاقب الحواري في تنوع المصدر الفرد المتكلم وما يحمله من محمولات الحديث العابر، وهو أي الكلام أخيرا عارض مؤقت زائل لإنتهاء دوره الإستعمالي التوظيفي في التواصل الحواري التخاطبي التداولي مع إنتهاء وتفرّق المتحادثين المشاركين في إنتاجية وإستهلاك الكلام الجماعي في التحاور.فالكلام يختلف عن اللغة الصوتية أنه لا يصلح لتدوين مكتوب يلازمه ملازمة تدوين الكتابة اللغوية.

بينما تكون اللغة حسب فهمنا عن دي سوسير خطابا تدوينيا ثابتا مكتوبا في الغالب حين يكون نصّا.. يحكم ذلك الخطاب نسق من العلاقات الداخلية التي تجعل منه بؤرة مركزية ثابتة الفهم والقيمة على المدى البعيد على خلاف الكلام الذي يستهلك نفسه في الشفاهية التحاورية في وقتية زمنية زائلة يطالها التزامن العرضي..

نعود الآن الى مبتدءات فهمنا معنى الكلمة أو المفردة هو أنها لفظ صوتي مسموع دال وصوري مكتوب خال من المعنى ما لم يكن متضمّنا دلالته المحمولة بمعناه القصدي سلفا،وفي هذا تجد البنيوية تبسيطا مخّلا عندما لا يكون معنى المفردة مستمدا من سياقها المنتظم في جملة نسقية تشي عن عبارة تحمل معنى متكاملا ونجد تعبير ريكور بهذا المعنى (الجملة وحدة الخطاب الاساسية التي تشمل وحدات أكثر تعقيدا، وتعاقب الكلمات بالجملة لا معنى ينتظمها ما لم تكن ضمن وحدة نسقية تحمل الدلالة بلا قطوعات معاني المفردات المنفردة التي هي الجملة). هذه المفارقة التي حاولت البنيوية تكريسها إنما وجدت ضالتها في التماهي الهيدجري معها الذي أيّد منطلق أن تكون اللغة أصبحت فلسفيا حقيقتها مكفولة في إنفصالها عن الواقع وتمّثلاته ويؤثر هيدجر ويفضّل (الشاعر – ويقصد به شاعره الاثير هولدرين الذي يمتلك نفس الحفاوة لدى فوكو – كونه يقول الوجود بلغة الوجود الاصيلة). لنا شرح مفصل في مبحث منفصل لوحده من هذا الكتاب.  هنا الوجود الاصيل الذي يقصده هيدجر هو الذي ينفرد التعبير عنه بمكنة خاصيّة لغة الشاعر التعبير عن (اللاوجود)، أي بمعنى الوجود القائم على تصورات التهويم الخيالي في تفكيك نسق اللغة التداولي الذي يقصي سلطة العقل على المعنى تماما في رقابة اللغة الشاعرية، فيكون بهذا تعبيرالشاعر الشعري عن الوجود الاصيل إنما هو تداعيات الخيال في اللاشعور الذي تتفكك اللغة فيه وتخرج عن نظامها الدلالي المألوف الى حد طغيان اللاشعورفي محاولة الوصول تخوم العبث اللغوي في التعبير..

هذا يشبه تماما إحياء نسخة سريالية مستهلكة كان أندريه بريتون رائدها الاول في قول الشعر معتبرا القصيدة الشعرية هي حطام العقل الذي مصدره غياب الشعوروالكتابة الشعرية بنمط من تفكيك اللغة المطلق في تداعيات لاشعورية تماما وابعادها عن رقابة العقل وأستلهم بيان بريتون سلفادور دالي وأقطاب السريالية وما تبقى من أقطاب الدادائية والبرناسية في الشعر وفي التشكيل الفني الجمالي ورسم اللوحة التي كانت بحق تحطيما للعقل وقول القصيدة في سيولة لغوية لاشعورية إلغاءا له.

هذه الميزة المتفردة التي خلعها هيدجر على الشاعر أنه الوحيد القادر ومعه المجنون لدى فوكو التعبير عن الوجود الاصيل الذي هو اللاوجود في حقيقته جعلت حمّى وطيس التجاوب لدى فوكو الإستجابة المتماهية مع هيدجر في أعلى مستوياتها، وذهب أبعد منه في أهمية إنفصال اللغة تمّثلاتها الواقع العياني فوجد هو الآخر في لغة الشاعر التهويمية المفككة المتقافزة في وصاية تداعيات اللاشعور عليها.. معتبرا هيدجر وفوكو لغة الشاعر هي اقرب بنية لغوية من الفلسفة بخاصة حين يكون مصدر تلك الشعرية هو مجنون.

وإضافة فوكو المتطرفة الجديدة أنما جاءت على صعيد وشم الثقافة الغربية المعاصرة في لقاء(الشعر والجنون) والجنون هنا لا يأتي( بمعنى المرض العقلي وأنما هو تجربة جديدة في إدراك اللغة والاشياء ).ويؤكد فوكو تطرفه في إعتباره (الانسان ليس أكثر من تمزّق في نظام الاشياء وتشكيلا مستحدثا رسمه الوضع الجديد في الثقافة الغربية).

لا جدوى التعليق أن اللغة كنظام تعبير دلالي معرفي في تفسير وفهم الواقع يمكنه الخروج على هذه المواضعات التي تكون اللغة فيه نظاما توليديا متطورا في مواكبته الحياة الانسانية في جريانها..ولا غرابة اذا ما وجدنا أن لغة الشعر التي تلتقي بهذاءات الجنون في تفكيك تماسك معنى الدلالة اللغوية حسب رغبة فوكوفي التعبير عن حقيقة الوجود الاصيل تخرج عن تلك المواضعات تماما..بأعتباره لغة الشاعر وهذاءات المجنون رغم التباين والاختلاف الشاسع (لغتان) من نوع خاص يتحكم بهما اللاشعور في تغييب رقابة العقل الذي تتصف اللغة عندهما بميزات التداعي والتفكك والسيولة اللاشعورية وعدم الإنتظام وإبهام المعنى وغيرها.. والجملة بالمنظور البنيوي هي خروج على المألوف وسمة التجديد فيها أنها تلغي دلالة المفردة من المعنى من جهة وخروج الجملة أو العبارة المألوفة قدرتها التعبير عن الواقع والحياة بل في وجوب الإنفصال عنهما..

أما أن يكون التفكيك والتحليل والتقويض هو إستجابة محاكية للتماثل مع تمزّقات الانسان كونه شيئا طارئا في وجوده بين نظام الاشياء في الوجود الاصيل الذي ينشده ويبتغيه هيدجر خارج وجود الانسان الزائف الذي يعيشه، وأن لغة التعبير الحقيقية عن الوجود الاصيل معقودة على الشاعر وهذاءات الجنون فهي تفلسف يحمل أكثر من علامة إستفهام عديدة متروكة النهايات بلا إجابات مقنعة إلا بمنطق العبث والعدمية في التفلسف البنيوي – التفكيكي المزدوج..

أختم بملاحظة أن كلامي في أدانتي لغة الشاعرالسريالية في تفكيك النسق اللغوي التي لا تعبر عن حقيقة الواقع  في تفكيك النسق اللغوي المألوف، إنما ناقشت أدانته بهذه المقالة من منطلق بنيوي فلسفي تفكيكي تحليلي، وهذا يختلف عن تناول خروج لغة الشاعر عن المألوف لغويا في قول الشعر والنقد الادبي الذي يدرس تفكيك خطاب اللغة الشعرية (جماليا) وليس تعبيرا (فلسفيا)..مما يبيح للشاعر الخروج عن النظام النسقي المالوف للغة في كتابة الشعر كتعبير أدبي وليس كتعبير فلسفي.. حجّتهم المقنعة لهم أن حقيقة الشعر المميزة هي بمقدار مغادرته لغة المباشرة الواقعية الدارجة في قول الشعر.

بعد هذا التمهيد لمأزق فلسفة اللغة والتحول اللغوي أكون وضعت أو فرشت الارضية التي تقف مواضيع هذا الكتاب مع المنظور المستحدث في تعالق غالبية مباحث الفلسفة مع اشكاليات اللغة في الفلسفة، بمعنى لم يعد اليوم متاحا الخوض في مباحث فلسفية أصبحت تاريخا تفقد قيمتها المعرفية بمرور الوقت.

كعادتي بهذا الكتاب لا أتمركز في مواضيع هذا الكتاب معالجة مبحث فلسفي محوري واحد يكون في الغالب الأعم  شروحات هامشية فلسفية تدور حول فيلسوف معين بدءا من ميلاده الى نهاية قصة حياته دون غيره يمتلك بصمة تستضيء بمنجزات فلسفية تقوم على فلسفة اللغة والتحول النظري ونظرية ملاحقة فائض المعنى في النص.

سيجد القاريء كالعادة 28 مبحثا فلسفيا موزعا بين تنوعات ومتعددات من مباحث وقضايا فلسفية تمتلك كل الجّدة في تناولها، هي بمجملها تغطية مواضيع فلسفية غربية معاصرة هي في ارتباط تعالقي وثيق بفلسفة اللغة والتحول اللغوي ونظرية المعنى.

 

علي محمد اليوسف

الموصل / نيسان 2021

 

 

محمود محمد علي1- تقديم: منذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين، وبالذات في حقبتي الخمسينات والستينات، صعدت كثير من الأفكار والإيديولوجيات العلمانية والماركسية، حيث احتضنها عدد كبير من المتعلمين والمثقفين آنذاك، والذين وجدوا من  خلالها أنه بإمكانهم أن يخوضوا من خلالها صراعاً إيديولوجياً عنوانه الأنا والآخر، وقد كان الدكتور البهي واحدا من هؤلاء الذين دخلوا في مواجهة فكرية مستمرة مع تلك الإيديولوجيات  (1)، وهذه المواجهة أشبه ما يمكن تسميتها بالقنبلة الموقوتة.

ففي كتابه "الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي" الصادر عام 1957م، حيث اعتبره في مقدمة الطبعة الثامنة الصادرة عام 1975م، بأنه حسب قوله كتاب "مواجهة مباشرة لتيارات فكرية مستترة، وراء عناوين خادعة، وهي في جوهرها محاولات عنيفة لفصل المسلمين عن دينهم، ووضعهم في مجالات التبعية لغيرهم... ويواجه تيار الماركسية الإلحادية، المتخفي وراء اسم العدالة الاجتماعية، وبهذا دخل الكتاب في طرح لا يهدأ مع الدافعين لهذا التيار أو ذاك، خارج المجتمعات الإسلامية أو داخلها" (2).

ولشهرة الكتاب فقد تُرجم إلى اللغات الإنجليزية والتركية والإندونيسية والأردية. ويعد من أكثر مؤلفات البهي التي يرجع إليها الدارسون والباحثون في ميادين الفكر الإسلامي.

وبذلك يمكن قراءة أهداف الدكتور البهي في هدفين أساسيين، أو جعلهما في دافعين:

الدافع الأول:  نظري معرفي يقوم على أن الاستعمار الغربي له صلة وثيقة بالفكر الإسلامي منذ بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر، سواء في خلق أو معاونة ما يسند من اتجاه، أو في إثارة ما يقاومه من اتجاه آخر. وأن الفكر الإسلامي في الفترة التي بلغت قرناً كاملاً منذ النصف الثاني من القرن التاسع شعر إلى النصف الثاني من القرن العشرين، هو مرآة لهذين الاتجاهين؛ ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر ظهرت حركة السيد أحمد خان، وحركة ميرزا غلام أحمد كحركتين ممالئتين للاستعمار الغربي، يقابلهما حركة السيد جمال الدين الأفغاني، وحركة الشيخ محمد عبده كحركتين مقاومتين للاستعمار نفسه.

الدافع الثاني: عملي واقعي، يقوم علي الكشف عن طبيعة الصراع الإيديولوجي الذي كان حامياً ومتصاعداً في حقبتي الخمسينات والستينات من القرن الماضي. وقد تغيرت فيما بعد موازي واتجاهات وأبعاد هذا الصراع الإيديولوجي، فلم يعد الإسلام والفكر الإسلامي في قفص الاتهام كما كان الاعتقاد سائداً آنذاك، ولم تعد الشيوعية تمثل ذلك الزحف الأحمر المخيف، بعد انهيار قلعتها العظمى في الاتحاد السوفيتي، وتصدع الماركسية، وهي الإيديولوجية التي كانت الأكثر والأشد تحدياً وصداماً مع الإسلام والفكر الإسلامي، في تلك الفترة. كما لم يعد الإسلام والفكر الإسلامي في موقف الضعف أو الدفاع عن الذات، وذلك بعد أن تغيرت وتبدلت تلك السياقات والأرضيات الفكرية والثقافية حين شهد الفكر الإسلامي يقظة وانبعاثاً منذ حقبة ثمانينات القرن العشرين.

ولأكثر من سبب فقد جعل الدكتور البهي مضمون الكتاب وفحواه ومادته في الاستدلال  على الهدف الأول، أي علي الجانب النظري المعرفي، مستغلا كلّ فرصة للتعليق بالسلب  على أصحاب الدافع الثاني، بين نقد أو نقض.

من هنا، كانت مهمّة الدكتور البهي في مقدمة كتابه أن يعرّف القارئ بمقصوده بإشكاليّات الفكر الإسلامي الحديث وصلتة بالاستعمار الغربي"، وأن يبيّن أنّ الاستعمار الغربي له صلة وثيقة بالفكر الإسلامي منذ بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر، سواء في خلق أو معاونة ما يسند من اتجاه، أو في إثارة ما يقاومه من اتجاه آخر. وأن الفكر الإسلامي في الفترة التي بلغت قرناً كاملاً منذ النصف الثاني من القرن التاسع شعر إلى النصف الثاني من القرن العشرين، هو مرآة لهذين الاتجاهين. ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر ظهرت حركة السيد "أحمد خان"، وحركة "ميرزا غلام أحمد" كحركتين ممالئتين للاستعمار الغربي، يقابلهما حركة السيد جمال الدين الأفغاني، وحركة الشيخ محمد عبده كحركتين مقاومتين للاستعمار نفسه.

ويتضح لنا ذلك حين وجدنا الدكتور البهي يخصَّص أكبر فصل في كتابه «الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي» للحديث عن التجديد في الفكر الإسلامي، وحين يشرح رؤيته حول هذا الموضوع يرى أنه منذ القرن التاسع عشر نشأ في التفكير الإسلامي اتجاهان:

الأول: اتجاه يتناغم مع الاستعمار الغربي في تقريب الإسلام من المسيحية، أو في تبديله إلى توجه ديني يرضى عنه المستعمر.

الثاني: اتجاه يقاوم الاستعمار الغربي، ويرفض نهجه في تبديل التوجه الديني، ويدعو إلى احتفاظ المسلمين بإسلامهم كما يصوره القرآن والسنة، وإلى إعادة تماسك الجماعة الإسلامية، والسعي إلى استقلالها، وعدم انصهار المسلمين في غيرهم.

وبانتهاء القرن التاسع عشر تبلور هذان الاتجاهان، وعرفت أسسهما في العالم الإسلامي، وأصبح لكل منهما أتباع وأنصار.

ومع القرن العشرين استمرت هذه الثنائية في اتجاه التفكير الإسلامي، وعرف الاتجاه الأول -كما يقول الدكتور البهي - باسم التجديد، بينما عرف الاتجاه الثاني باسم الاتجاه الإصلاحي أو اتجاه تجديد المفاهيم الدينية.

ويعتقد الدكتور البهي أن حركة التجديد في الفكر الإسلامي التي ظهرت في الشرق الإسلامي منذ القرن العشرين تعتبر تقليداً للدراسات الإسلامية في تفكير المستشرقين الغربيين. ومن بعد الحرب العالمية الثانية تأثرت حركة التجديد في الفكر الإسلامي بالتفكير الوضعي والماركسي.

ثانيا: التعريف بالمؤلف:

جري تحول كبير في الفكر الإسلامي تجاه الاستشراق الغربي منذ عصر النهضة  العربية في القرن التاسع الميلادي، فمن الإصلاحية الإسلامية ذات النظرة المنفتحة علي العالم التي كانت إشكاليتها الرئيسية فكرة "التقدم"، إلى الإحيائية الإسلامية التي استبدلت مفهوم الهوية بمفهوم التقدم وغدت نظرتها متشككة تجاه الاستشراق والنقافة الغربية عموما (3).

وقد ظل الاستشراق الميدان الرئيسي الذي استهدفه الإحيائيون في نقدهم في سياق سعيهم إلي حماية الهوية الذاتية، مما اعتبروه " العدوان الثاني الغربي" ! فقد تميز الإسلاميون الإحيائيون بين الثلاثينيات والخمسينيات بعدائهم لثقافة الغرب وسياسته، حتي وصل المر عام 1944م، مع عمر فروخ، ومصطفي الخالدي في كتابهما " التبشير والاستعمار في البلاد العربية إلي الهجوم الشامل علي الاستشراق بربطه بالاستعمار، والنعي على مادية الغرب ووحشيته، واعتبار الاستشراق شاهداً علي عدوانية الغرب وعنصريته. وقد اتخذ من "لويس ماسينون" نموذجاً علي الارتباط المزعوم بين التبشير والاستشراق والاستعمار، وصبوا جام غضبهما على ماسينون، وقد ظنا أن عماد عبقريته في الدعوة إلى أن يحمل المسلمون على ترك دينهم . واتهم فروخ جوستاف فون جروينباوم بسوء الطوية، والتقليل من أهمية الإنجاز الثقافي الإسلامي (4).

شاع بعد ذلك الربط بين الاستشراق والاستعمار على نحو أكثر قطيعة مع الثقافة الغربية، وهذا ما يتجلى في خمسينات القرن الماضي عند الدكتور "محمد البهي"  في كتابه:" الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي"، الذي تلازم لديه نقد الاستشراق بنقد الفئة المتأثرة بالحداثة من العرب، على صلته بالاستعمار، فارتبط نقد الخارج (الاستشراق) بنقد الداخل ( الحداثيين العرب) . وما عادت أفكار الاستشراق لدي فروخ، والبهي، أفكاراً خارجية، فهي نشرت شرورها في داخل مجتمعاتنا،وتهاوي الطابع العلمي لنقد الإستشراق حتي وصل الأمر عند البهي إلى أنه لم يعد يفرق بين مستشرق وآخر، وإن كان كما سنري في ثنايا الكتاب قد صنفهم إلى فئات تبعاً لتحيزهم ضد المسلمين والإسلام، إذ إنه يضع في الفئة الأولي أسماء المعاصرين، وفي الفئة الثانية أسماء الخطرين منهم، وفي الثالثة أسماء بعض الكتب الخطرة  (5)... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.....................

الهوامش

1- زكي الميلاد: محمد البهى والفكر الإسلامي الحديث وصلتة بالاستعمار الغربي، مجلة الكلمة، منتدى الكلمة للدراسات والأبحاث، س 14 , ع54، 2007، ص 18.

2- المرجع نفسه، ص 19.

3- شمس الدين الكيلاني: الفكر الإسلامي ونقد الاستشراق: رشيد رضا، شكيب أرسلان، محمد كرد علي، محمد البهي، أنور الجندي،  مركز دراسات الوحدة العربية، المجلد الأول، 2018، ص 822.

4-  المرجع نفسه، ص 824.

5- المرجع نفسه، ص 825.

 

 

 

 

عبد الرضا حمد جاسممقدمة: 

1ـ مركز علي الوردي للدراسات والبحوث/27تموز2013 لماذا لا يكون بيت الوردي متحفاً؟ 

 زينب أكرم/ جريدة المؤتمر -العدد 2788 ليوم 24 تموز 2013 الرابط في الهامش

 [تقول السيدة سيناء الوردي ابنة الدكتور علي الوردي لقد تم تأليف نص عن حياة والدي وبيعه دون العودة الى عائلته وهم ابنائه الخمسة او اخذ موافقتنا علما ان اغلب ما ورد من معلومات عن قصة حياة والدي كانت مغلوطة وفيها اجحاف بحقه وبحق ارثه الادبي والعائلي كون من الف النص لم يكن شخص مقرب من والدي بل كان مجرد صديق وفوجئنا نحن عائلته بتصريح منه في احدى وسائل الاعلام عن انه يملك حوالي 300 مخطوطة وقصاصة بخط يد والدي وهنا اتساءل من اين لهذا الشخص الـ 300 مخطوطة هذه والتي تعد من الاشياء الشخصية للعلامة الوردي وان كان يملكها ابي اما كان حريا به ان يوصي بها لاحد ابنائه وهم جميعا على درجة من الوعي والدراية ما يمكنهم من معرفة القيمة الحقيقية لمثل هذه المخطوطات]انتهى

2ـ المدى/العمود الثامن: [علي الوردي يستنجد بوزارة الثقافة] علي حسين بتاريخ 23.09.2020

[(يكتب الدكتور موفق التكريتي في الفيسبوك أن ابنة علي الوردي "الدكتورة سيناء الوردي"، كتبت له رسالة تقول فيها "سُرِقَ بيتنا وسُرقت حقوق الوردي الفكرية، فلا دار النشر تدفع لعائلته حقوق النشر المستحقة ولا حتى تسمح لهم بنشر الأجزاء التي لم تنشر من كتاب ملامح اجتماعية من تاريخ العراق... في هذه البلاد السعيدة حاصرنا علي الوردي حتى في قبره حين طمسنا معالمه، ولم نكتف بذلك بل ان البعض استولى على داره في الكاظمية وعدم تسليمها للورثة، وما بين المشهدين المحزنين، هناك الموضوع الاكثر سخرية، ألا وهو حقوق الملكية الفكرية والتي لا يريد احد في هذه البلاد يعترف بها). ويُكملْ الكاتب: (اخبرتنا وزارة الثقافة انها ستقيم مؤتمرا دوليا يحمل اسم الوردي، وفي رأيي المتواضع ان تحويل بيت على الوردي الى متحف أصبح ضرورة وطنية، فيما تظل مهمة تقديم كتبه للأجيال مسؤولية وزارة الثقافة)] انتهى

*[أقول: لا اعرف دقة الطرح لكن يبدو من قول السيد سيناء الوردي انهم يملكون/ يحتفظون بما تبقى من مخطوطات عن: (ملامح اجتماعية من تاريخ العراق) ...حيث تقول ان دور النشر لا تسمح لهم بنشر الأجزاء التي لم تُنشر من ملامح تاريخية...شخصياً اشك في دقة هذا الطرح واشك في دقة موضوع الاستيلاء على دار الوردي في الكاظمية لأن الدار يبدو انها قائمة وان عائلة الوردي عائلة كبيرة ومعروفة ومؤثرة وتستطيع انتزاع حقوقها من أي فرد او جهة مهما كان تأثير وثقل تلك الجهة في الكاظمية او السلطة/ الحكومة. 

3ـ كَتَبْتُ التالي في: [الراحل الوردي في ميزان (1-8): الضائع من تراث الوردي] بتاريخ 15.08.2018 الرابط

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=930077&catid=288&Itemid=601

[أهم ما في كل ذلك تلك المخطوطات المفقودة التي سَّماها بعض القريبين من الوردي بأسماء مختلفة منها (سينما بغداد) او (كتاب العمر) و(مذكرات) و(ريشة في مهب الريح) و(أخلاق أهل العراق) او بقية كتابه متعدد الاجزاء (لمحات تاريخية) التي صدرت منها ستة اجزاء مع ملحقين والباقي اختفى كما اُعلن ونُشِر علماً ان هناك تأكيدات من محبيه/المقربين منه على أنهم اطلعوا على تلك المخطوطات او شاهدوها في مكتبته لكنها اختفت بعد وفاته. ومن الذين اشاروا الى ذلك الاستاذ الفاضل محمد عيسى الخاقاني في كتابة المعنون مئة عام مع الوردي/ والسيد سلام الشماع في كتابه من وحي الثمانين] انتهى 

4ـ كَتَبْتُ التالي في: [الراحل الوردي في ميزان (2-8): تراث مفقود] بتاريخ 17.08.2018 الرابط  

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=930126&catid=288&Itemid=601

وهنا أقف باحترام وتقدير للدكتور الأستاذ قاسم حسين صالح الذي سبق البعض في الدعوة الى الاهتمام بتراث الراحل علي الوردي و كان مثالاً بأن قدم مخطوطة بخط يد الراحل الوردي كما عرفت من مقالته التي نشرها في موقع الحوار المتمدن بتاريخ 28/11/2013 تحت عنوان: [اهداء مخطوطة بيد الدكتور علي الوردي الى كلاويز] انتهى

..............................

وانا في متابعة عبر النت لهذا الموضوع عرفت ان دكتور قاسم حسين صالح كان قد عرض تلك المخطوطة (في 4 أعلاه) للبيع في مزاد علني بتاريخ 25.11.2008 ولم يتقدم أحد للاهتمام بها وعرفتُ ان هناك كتاب صدر من جمع وتأليف سلام الشماع بعنوان:[ الرسائل المتبادلة/علي الوردي 1946 ـ 1950] قيل انها(100) رسالة واطلعتُ على دعوات لإقامة مركز خاص بإرث/ تراث علي الوردي و اطلعت على مقالة فيها شكوى بهذا الخصوص من عائلة الوردي (السيدة سيناء الوردي) في صفحة مركز علي الوردي للدراسات والبحوث على الفيسبوك تشير الى هناك من يدعي امتلاكه (300) رسالة بخط يد الراحل الوردي.

ومع استمرار المتابعة عبر أرشيف الانترنيت لم أجد ان هناك من أهتم جاداً بموضوع تراث/ أرث الوردي وبالذات من محبيه او الراغبين في دراسة أثر وآثار الدكتور علي الوردي من باحثين وطلبة دراسات عليا وأساتذة متخصصين بعلم النفس والمجتمع او الدارسين للمجتمع العراقي او وزارة التعليم العالي/ كافة الجامعات العراقية و ما أكثرها اليوم وكذلك وزارة الثقافة او الصحافة وبالذات المدى والزمان او الفضائيات وبالذات التي أنْجَزَتْ وعَرَضَتْ مسلسل عن الراحل الوردي ولا مركز كلاويز الثقافي /سليمانية الذي أهدى له الأستاذ قاسم حسين صالح مخطوطة بخط يد الوردي. 

ولم أجد مدخلاً مناسباً لإثارة الموضوع من جديد وتحفيز الباحثين على متابعته أحسن من الانطلاق من المخطوطة المتوفرة و المعلن عنها و التي لها أرشيف تلك التي أهداها الدكتور قاسم حسين صالح الى كلاويز، لاعتبارها نموذج يُنظر له بجدية عسى ان يستدعي مخطوطات أخرى من خلال التدقيق فيها وطرح الأسئلة عليها وآمُلْ ان تكون بداية لتنشيط البحث في ارث/ تراث/مخطوطات الوردي المفقودة/ المسروقة وبقايا اشياء الراحل علي الوردي الشخصية و العامة العراقية منها و العربية والعالمية منها اضبارته في الجامعة الامريكية في بيروت وجامعة تكساس والجامعة البولونية وجامعة بغداد والامن العامة العراقية وما تم تسجيله من احاديث ومحاضرات وصور في المجالس العلمية التي كان يرتادها ويشارك في نشاطاتها وبالذات مجلس الخاقاني. وما تفضل بذكره الدكتور سلمان محمد رشيد الهلالي حيث نشر التالي: 

1ـ [ بيلوغرافيا علي الوردي (الكتب والدراسات التي ذكرت الوردي ومشروعه الفكري والاجتماعي)]  بتاريخ 11.07.2019 الرابط

 https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=643110

كتب فيها: وسنقوم بتقسيم البيلوغرافيا الى ثلاثة اقسام فقط:

أولاً: الكتب الخاصة به. وكان عدد الكتب التي ذكرها (35) كتاب.

ثانياً: الكتب التي ذكرته. وكان عدد الكتب التي ذكرها(36) كتاب.

ثالثاً: البحوث والمقالات والدراسات الجامعية. وكان عددها(134) دراسة ومقالة وبحث.

وأثار الدكتور سلمان نشاط مهم للوردي وهو مساهمته في حملة تأسيس جامعة الكوفة في 18 ت2 1966 مع شخصيات من بيت مكية والحكيم وشبر وال ياسين وكمونه وغيرهم وحصل المشروع على تأييد جامعة شيكاغو في الولايات المتحدة كما يقول...وقال أيضاً ان المشروع حصل على تأييد من الفيلسوف المعروف برتراند رسل والبروفسور ادمس وغيرهم...وأعتقد ان هذا الموضوع مهم وحساس ربما يسلط ضوء على أمور في مسيرة الراحل الوردي العلمية والاجتماعية والسياسية.

2ـ [علي الوردي ومشروع جامعة الكوفة] بتاريخ 20.06.2019 الرابط 

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=640883

حيث أعتقد أن ما قام به الدكتور سلمان الهلالي فيه الكثير من النفع وفيه جهد كبير جداً ...له الشكر على ذلك.

ولا يمكن ان اقفز على حالة وجدتها غريبة وذلك في قول الدكتور الشاعر عبد الأمير الورد حيث ذكر التالي في ص12 من مقدمة الطبعة الثانية لكتاب (من وحي الثمانين) /سلام الشماع التالي: [وقيل ان كتابه عن طبيعة المجتمع العراقي تُرجم في فينزويلا ووضع موضع التدريس لتشابه ما بين المجتمعين!؟ والراحل الدكتور الشاعر عبد الأمير الورد وهو أقارب الدكتور الراحل علي الوردي وصديقه ومُتابِعُهْ

 أما أنا فقد كَتَبْتُ التالي في: [الراحل الوردي في ميزان (1-8): الضائع من تراث الوردي] بتاريخ 15.08.2018 الرابط 

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=930077&catid=288&Itemid=601

 [[ملاحظة: من كتاب (مئة عام مع الوردي) محمد عيسى الخاقاني (التسلسل الوارد حسب ما مثبت في المقالة الاصلية)

1ـ في ص28 كتب التالي:(وقد أراني الرجل مخطوطة رائعة أطلق عليها سينما بغداد، كانت تحوي مذكراته الشخصية، كتب في صفحتها الأولى تنشر بعد موتي، وعندما سألته لماذا؟ قال:(اريد أطلعهم من بيت هيوا) انتهى.

2ـ في متابعته لنفس الموضوع ذكر التالي:(وقد سألت انا شخصيا الدكتور(الطبيب)حسان الوردي الابن الأكبر للدكتور علي الوردي عن المخطوطة التي شاهدتها بعيني في مكتبة والده المرحوم ما مصيرها؟ فقال انهم سمعوا عنها ايضاً، ولكن بعد وفاة الوالد بحثنا في مكتبته ولم نجدها، ادعوا العلي القدير أن يأخذ بيدهم ليعثروا عليها يوماً ما، أن شاء الله تعالى وينشروها) انتهى

4ـ في ص202 اشار الى تتمة لمحات تاريخية حيث كتب التالي:(أن الوردي اتمم كما اعرف منه شخصياً لمحاته الاجتماعية، وكان منشغلاً بها وطلب مني بعض المصادر واتيت له بها من خارج العراق، لكنه لسوء الحظ لم تظهر للعيان الى يومنا هذا) انتهى

[[أما التالي فهو من كتاب (من وحي الثمانين) سلام الشماع]] و[التسلسل حسب ما ورد في المقالة الاصلية]

1ـ في ص 60 كتب:(الجدير بالذكران الوردي زودني بمجموعة من مقالاته المنشورة في الصحف في احدى سفراتي الى عمان وخولني بإخراجها بالشكل الذي اراه مناسبا، لكن الفكرة لم تتحقق لضيق المجال ولقصر المدة التي قضيتها في عمان) انتهى

6ـ في هامش نفس الصفحة كتب: (في هذه السفرة طرح عليّ السيد سعد البزاز وكان يملك دار نشر في عمان أن اجلب له المقالات التي نشرها الوردي في جريدة الجمهورية مقابل ألف دولار، وعندما عدت الى بغداد أخبرني الوردي بأنه سيسافر الى عمان للعلاج وأنه لا يملك (عملة ذهبية) فأخبرته بعرض البزاز فأخذ معه مجموعة المقالات وباعها له، فأخرج البزاز كتاباً يحمل اسم الوردي لكنه تصرف في محتوى المقالات بشكل أخل بها وحولها الى مقالات تبحث عن غرض سياسي علماً انها مقالات علمية اجتماعية) انتهى

8ـ يقول السيد الشماع في ص132 / الهامش:(كان الوردي كثيرا ما يشير في أحاديثه الى هذه المذكرات التي كان يقول عنها بانها ستصدر بعد موته. وكان يهدد بفحواها مسؤولين حكوميين...) انتهى

9ـ كتب في نفس الصفحة: (ومن المؤسف ان هذه المذكرات ضاعت منهم من يقول إنها موجودة عند أحد ابنائه الذي تعمد إخفاءها لما فيها من معلومات خطرة، ولكن أحد ابنائه لم يؤيد وجودها أو العثور عليها بعد وفاته، ومنهم من يقول إن الوردي أخفاها عند: [صديقة بولونية له تعيش في بولونيا، ومنهم من وجه الاتهام إليّ شخصياً بحيازتها واخفائها ولا يعرف أحد أين هي الأن، وربما ستظهر هذه المذكرات في المستقبل مع كتاب (طبيعة البشر) المفقود هو الأخر والمأمول ممن يملكها أن يُظهرها للناس لما فيها من اهمية تاريخية كبرى) انتهى

................................

كيف اختفت مخطوطات الوردي من مكتبته في دار سكن الوردي وعائلته؟ أو من سرقها وكيف؟ والسيد سيناء الوردي تكلمت عن سرقة دارهم/بيتهم.

أقول: من خلال اطلاعي على ما كُتِبَ عن الراحل الوردي و بالذات من قالوا انهم كانوا قريبين/ملازمين له/ منه/ عليه  وما قالو عنه وعن طِباعِهْ وحركته استطيع أن أقول أنه ما سمح إلا لنفر محدود جداً جداً جداً من ملازمته او دخول بيته او التواجد لبعض الوقت في مكتبته /صومعته وهؤلاء معروفين بدقة لأفراد عائلة الوردي وبعض أقاربه، يمكن أن أجزم ان هناك مُبالغة في وصف تلك المخطوطات كان الراحل الوردي يتعمد تمريرها على هؤلاء وهو يعرف احوالهم واعمالهم ومستوياتهم واستطيع ان أجزم ووفق عدم العثور على أي مخطوطة من مخطوطاته بعد وفاته ان هذه المخطوطات قد سُرقت خلال ساعات الوردي الأخيرة وساعات بعد الموت وساعات التشييع والدفن ومن شخص يعرف أين يحتفظ بها الوردي حيث كما اُشيع عنها انه سجل فيها اراءه بشخصيات واشخاص وحالات معروفة و مسيطرة... الخلاصة هي أن مخطوطات الوردي قد سُرقت من داره/ مكتبته والسارق ليس غريب على/ عن الوردي وليس من الصعوبة تحديد اسم المشتبه به فالكتابات والتبجح بصداقة الوردي وملازمته اللصيقة كثيرة وعائلة الوردي تعرف من يدخل على الوردي بدون استاذان وهو المنعزل عن العالم والناس حيث لا يسمح لأي شخص بزيارته مهما كانت الظروف وحتى خلال فترة مرضة في أيامه الأخيرة في تموز1995... وهناك إشارات كثيرة وردت عن مثل هؤلاء الأشخاص يمكن لأي محقق جمعها بسهولة ومواجهة البعض بها ويمكن ان يعتمد على ما اوردناه أعلاه من اراء واقوال السيدين محمد عيسى الخاقاني وسلام الشماع وكذلك اقوال السيدة سيناء الوردي. والسارق ربما كان حاضراً في لحظات الوردي الأخيرة واكيد بعد انتشار خبر وفاة الوردي له الرحمة، ويمكن أن تكون الرواية هي: أنه استغل انشغال عائلة الوردي ومن بعدها اصدقاءه في صدمة وفاة الوردي والانشغال بجثمانه ونفذ جريمته الكبرى. ((وجهة نظر)) وقد المحت ولَّمحت السيدة سيناء الوردي الى هذه الحالة لكنها لم تتكلم بصراحة ووضوح ربما بسبب من حذرها القانوني في ظروف اليوم في العراق. 

كيف لا يعرف أفراد عائلة الراحل الوردي من أن هناك مخطوطات مهمة في مكتبة والدهم وهم العارفين بكثرة كتاباته وهم اكيد من العارفين بوجود مسودات/ مخطوطات او ملاحظات تخص كتبه وحتى المطبوعة منها او نسخ منها؟

يمكن وكما أتصور بكل يسر لعائلة الوردي تقديم طلب للمحاكم بخصوص فقدان هذه المخطوطات وكذلك طلب مساعدة محامين ورجال قضاء من داخل العراق وخارجة للتطوع لمتابعة الموضوع وانا على يقين من أن الكثير من أساتذة القانون في العراق سيتطوعون لمتابعة ذلك قضائياً ويمكن للعائلة الكريمة تشكيل مجموعة متطوعين لمتابعة ذلك من غير رجال القانون لدعم رجال القانون في حركتهم وانا على يقين ايضاً من ان الآلاف من الأساتذة والمثقفين والكتاب والسياسيين وحتى المواطنين العاديين من داخل العراق وخارجه سيتضامنون مع العائلة واعتقد سيساهم في ذلك حتى رجال دين او شخصيات دينية من كافة الأديان  و رجال اقتصاد  ومفكرين من كل الطوائف ومن كل الأديان وربما منظمات ونقابات وجمعيات غير عراقية ستساهم في ذلك وسبق لي ان طرحت مثل هذا الطرح في:

[الراحل الوردي في ميزان (1-8): الضائع من تراث الوردي] بتاريخ 15.08.2018 الرابط 

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=930077&catid=288&Itemid=601

 

 عبد الرضا حمد جاسم

 

محمود محمد عليقراءة  في كتاب: نحو تأسيس عصر ديني جديد للدكتور محمد عثمان الخشت

في هذا الكتاب الماثل بين يدينا يتساءل الخشت : هل نحن بحاجة إلى تجديد خطاب ديني فقط، أم أننا بحاجة الى تغيير الخطاب الثقافي العام سواء السياسي أو الاقتصادي أو العلمي؟ .. إذن نحن بحاجة في رأي الخشت إلي تغيير الخطاب بشكل عام بكل أنواعه، ومن وجهة نظر الخشت إذا أردنا أن نطور العقل العام المصري علينا أن نطور طريقة التفكير وذلك من خلال الرجوع للطبقة السفلي الفقيرة، ولذلك فإن مشروع الخشت لتأسيس خطاب ديني جديد مرتبط بتطوير العقل المصري وتغيير طرق التفكير، ونظرا إلي أن هناك كثير جدا من الالتباس وكثير جدا من الشكوك وربما بعض الاتجاهات الخاطئة والتي تصور للناس أفكار خاطئة لكثير من الأفكار، فهل تأسيس خطاب ديني جديد معناه إنشاء دين جديد؟ وهنا يجيبنا الخشت بالنفي وأنه ليس هذا دينا جديدا وإنما هو محاولة لتأسيس فهم جديد للدين .. وهل هذا الفهم الجديد هو بدعة أو ابتداع؟.. ويخبرنا الخشت بالنفي فهو في نظره دعوة إلي الرجوع للمنابع الصافية من خلال القرآن والسنة الصحيحة، كما الـاسيس يقتضي تغيير منهجيات الطريقة الدينية الحنبلية وأعلن عن فكرة إحياء علوم الدين من خلال تطوير علوم الدين .

إن ما طرحه "محمد الخشت" في كتابه نحو تأسيس عصر ديني جديد يفتح باب الحوار علي مصرعيه حول تجديد الخطاب الديني بهدف الوصول إلي خطاب جديد من نوع مختلف ربما يتجاوز عصر الجمود الفقهي الذي طال أكثر من اللازم للخروج من دائرة الكهنوت وأراء أصحاب العقول المغلقة والنفوس الضيقة التي لا تستوعب رحابة الدين قبل رحابة العالم وبالتالي علينا جميعا علماء ومفكرين تطوير علوم الدين بالابتعاد عن الخطاب التقليدي والبنية العقلية التي تقف ورائه مع الاخذ في الاعتبار أن هناك فرقاً بين الخطاب الديني والنص الديني ....فالنص الديني هو القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة أما الخطاب الديني فهو من صنع البشر في فهم القرآن والسنة وبالتالي فإن تجديد الفكر بات ضرورة مع إيماننا الشديد بان التجديد صناعة دقيقة لا يحسنها إلا الراسخون في العلم .

من هنا تأتي أهمية تأسيس خطاب ديني جديد مختلف وعدم الاكتفاء بتجديد الخطاب التقليدي بهدف إظهار سماحة الدين ودعوة الناس إلي الفضيلة بالحكمة والموعظة الحسنة ونشر ثقافة التسامح وقبول الأخر بدلا من سكب البنزين علي النار من قبل بعض المتربصين في محاولة للوقيعة بين الدكتور محمد الخشت رئيس جامعة القاهرة وبين شيخنا وإمامنا الدكتور احمد الطيب وتصوير الأمر علي انها مبارزة او معركة شخصية بينهما مع ان واقع الامر عكس ذلك تماما فلكل منهما تقديره واحترامه ومقامه الرفيع ورؤيته التي تحترم  وكلاهما في الأساس مؤمنان بفكرة تجديد الخطاب الديني وأن اختلفت الأليات

إن كتاب "نحو تأسيس عصر ديني جديد" يُعد من أفضل الكتب التي طرحها الدكتور الخشت في هذا العصر، وذلك لكونه يعالج فيه موضوعا حساسا، متعلقاً ليس فقط بكيفية تجديد الخطاب الديني التقليدي، بل بالكيفية التي من خلالها يمكن للمسلمين أن يؤسسوا خطابا دينيا جديدا، ويدخلوا الزمن المعاصر بفاعلية كاملة. والتجديد عند المؤلف هو ليس مجرد ترميم للبناء القديم، بينما الأجدى هو إعادة البناء من جديد، وذلك لن يتأتى قط إلا بإقامة عمارة جديدة قوامها: مفاهيم ولغة جديدتان.

ويتأسف عثمان الخشت بداية على كون حركة الإصلاح التي ظهرت في مطلع العصور العربية الحديثة، لم تنتج علوما جديدة ولا واقعا جديدا، بل كل ما فعلته هو استعادة عصور الشقاق وحرب الفرق العقائدية والسياسية التي ضربت الأمة بعد مقتل عثمان رضي الله عنه. وفشلت حركة النهضة من وجهة نظره في لم شمل الأمة، بل هي زادت من تمزقها، والواقع واضح. لهذا لا يطالب الخشت بـ«إحياء» علوم الدين بل بـ«تطوير» علوم الدين، فمشكلتنا منهجية بالأساس، ولا قائمة لنا دون تغيير «ماكينة التفكير» كليا والعمل بمسح الطاولة والبدء من جديد. وهنا يستلهم التجربة الغربية وكيف أنها دخلت العصور الحديثة حينما غيرت طريقة التفكير، خاصة مع الفيلسوف ديكارت، الأمر الذي دفع المؤلف إلى تخصيص فصل من الكتاب عن الشك المنهجي وضرورته للانطلاق، ليبين لنا، أن هذا الشك المنهجي ليس ضرورة علمية فقط، بل هو ضرورة إيمانية أيضا وصالح لكل العصور، متى استبدت الأبائية والتقليد وذيوع الاتباع. فعمل ديكارت، الذي افتتح عصر الحداثة بكتاب حول المنهج يدعو فيه إلى سحق كل غموض يواجه العقل، أو على الأقل تعليق الأحكام في حال العجز إلى أجل غير مسمى، والعمل على تدريب العقل على الوضوح في مجال العلوم، هو نفسه العمل الذي قام به أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام، حينما رفض إسكات عقله تجاه مألوف كبار قومه، فهو أيضا قام بإعمال مطرقة الشك، التي امتدحها القرآن الكريم. فالشك المنهجي دعوة أصيلة ينبغي تشغيلها ضد كل موروث فاسد ومستبد. وطبعا يريد المؤلف أن يعلن من خلال دعوته إلى الشك المنهجي إلى ضرورة تنقية الإسلام من شوائب التاريخ التي علقت به وشوهت نقاءه وصفاءه الأصلي، أي العمل على العودة إلى "الإسلام المنسي" لا المعاش، أو بعبارة أخرى وجب تخليص الإسلام من الموروث الاجتماعي الغريب على جوهره، وإنقاذه أيضا من الرؤية الأحادية (36).

كتاب " نحو تأسيس عصر ديني جديد" للدكتور محمد عثمان الخشت، أستاذ فلسفة الدين والمذاهب الحديثة والمعاصرة ورئيس جامعة القاهرة، وفيه يدعو الكاتب إلي تجاوز "عصر الجمود الديني" الذى طال أكثر من اللازم فى تاريخ أمتنا العربية، من أجل تأسيس عصر ديني جديد، نخرج فيه من دائرة الكهنوت الذى صنعه البشر بعد اكتمال الوحى الإلهي، وتلقفه مقلدون أصحاب عقول مغلقة ونفوس ضيقة لا تستوعب رحابة العالم ولا رحابة الدين (37).

هكذا يقدم الدكتور محمد عثمان الخشت أستاذ فلسفة الدين والمذاهب الحديثة والمعاصرة، ورئيس جامعة القاهرة، لكتابه القيم «نحو تأسيس عصر دينى جديد»، ويرى الدكتور الخشت أنه من غير الممكن «تأسيس عصر دينى جديد» دون تفكيك «العقل الدينى التقليدي» وتحليله للتمييز بين المقدس والبشرى فى الإسلام، . ويقتضى الدخول إلى عصر دينى جديد مجموعة من المهام العاجلة يحددها المؤلف فى تفكيك الخطاب الديني، وتفكيك العقل المغلق، ونقد العقل النقدي، وفك جمود الفكر الإنسانى الدينى المتصلب والمتقنع بأقنعة دينية، حتى يمكن كشفه أمام نفسه وأمام العالَم. (38).

يحاول الخشت في هذا الكتاب أن يطرح رؤية يعتقد أنها رؤية جديدة فيرى: «أن الإسلام الذي نعيشه اليوم هو خارج التاريخ ومنفصل عن واقع حركة التقدم، ولذلك باتت من الضرورات الملحة اليوم العودة إلى الإسلام المنسي لا الإسلام المزيف الذى نعيشه اليوم، ولا يمكن هذا إلا بتخليص الإسلام من (الموروثات الاجتماعية) و(قاع التراث) و(الرؤية الأحادية للإسلام".

ويدين الخشت حركة الإصلاح الديني التي ظهرت في الفكر العربي فيقول: «والجديد مع حركة الإصلاح الديني الحديثة منذ القرن التاسع عشر أنها أنتجت أجيالاً وجماعات تتكالب من الداخل على أمتها ووطنها، وهم شركاء أصليون في حالة الضعف التي تعيشها، وهم فاعلون بامتياز في بذل الوسع في هدم المعبد على كل من فيه من خصومهم» (39) ونحن نتساءل ما مدى مسؤولية أعلام الفكر الإصلاحي أمثال خير الدين التونسي، والطهطاوى، ومحمد عبده، والكواكبي، ومالك بن نبي، وأمين الخولي وغيرهم ممن قدموا فكراً إصلاحياً مستنيراً، عن هدم المعبد؟ فليس لهؤلاء علاقة بتخلق حركات وجماعات العنف والإرهاب، بل المسؤولية تقع على الأنظمة السياسية والقوى العالمية التي شاركت في صناعة هذه الجماعات، وهو ما لم يشير إليه الخشت في كتابه.

ويرفض الدكتور محمد الخشت، في كتابه، تجديد الخطاب الديني التقليدي، فهو يرى أن تجديد الخطاب الديني عملية أشبه ما تكون بترميم بناء قديم، والأجدى هو إقامة بناء جديد بمفاهيم جديدة ولغة جديدة ومفردات جديدة إذا أردنا أن نقرع أبواب عصر ديني جديد. (40)..

ويرى الخشت في قسم آخر من الكتاب، أنه لا دخول إلى عصر ديني جديد دون تفكيك الخطاب الديني التقليدي الذي كرس تصورا للتفكير قائما على «العقل النقلي» الذي استند إلى الجمود والتطرف إلى حد توقف الاجتهاد في العلوم، فأصبح الحفظ والمقاربة الإنشائية المفرطة هي أساس التعلم. والأنكى أن هذه العلوم تم تغليفها بقداسة لا تستحقها، فهي علوم إنسانية سعت إلى فهم الوحي الإلهي. لقد تم نسيان أن القرآن إلهي، بينما علوم التفسير والفقه وأصول الفقه هي من إنشاء البشر، وهي قابلة للتكذيب والمراجعة وإعادة النظر الدائمة،  فمهما اجتهد فيها واضعوها فهي لا ترقى إلى المطلق أبدا، وتظل رهينة بالظروف السياسية والمصالح وصراع القوى التي أنجبتها. لهذا نجد المؤلف يلح في كتابه على وجوب تكريس «العقل النقدي» الذي يورث الفكر والتفكر بدلا عن «العقل النقلي» الذي لا يورث سوى الوعظ والإدهاش، والإيقاف الفوري للخلط بين المقدس والبشري (41).

وطرح الخشت مهام عاجلة لتأسيس خطاب دينى يتلاءم مع التحديات الراهنة التى تواجه العالم الإسلامي مؤكدا اننا بحاجة إلى خطاب دينى جديد وليس تجديد الخطاب التقليدى، وآن الأوان لنقد شامل للتيارات أحادية النظرة التي تزيف الإسلام، ويدعو الدكتور الخشت، إلى العودة إلى الإسلام النقي المنسي قرآنا وسنة صحيحة، مشيرا إلى أن الإسلام الذى نعيشه اليوم مزيفا بسبب التيارات المتطرفة  والجماعات الإرهابية ومجتمعات التخلف الحضارى، ويؤكد أنه لا يمكن هذا إلا بتخليص الإسلام من «الموروثات الاجتماعية» و«قاع التراث»، و"الرؤية الأحادية للإسلام" (42).

لم يكتف الخشت بذلك بل عمل في كتابه على مجموعة من المهام العاجلة شكلت رؤيته نحو الدخول إلى عصر ديني جديد، مثل؛ تفكيك الخطاب الديني، وتفكيك العقل المغلق، ونقد العقل النقلي، وفك جمود الفكر الديني المتصلّب، وقد الخشت لعملية لعملية التفكيك مجموعة من المراحلٍ؛ أوّلها الشك المنهجي، والثانية التمييز بين المقدس والبشري في الإسلام، والثالثة إزاحة المرجعيات الوهمية التي تكوّنت في قاع التراث. وقال “بعد التفكيك يأتي التأسيس وركنه الأول؛ تغيير طرق تفكير المسلمين، والثاني؛ تعليم جديد منتج لعقول مفتوحة وأسلوب حياة وطريقة عمل جديدة، والثالث تغيير رؤية العالم وتجديد المسلمين، والرابع العودة إلى الإسلام الحر "الإسلام المنسي"، والسادس نظام حكم يستوعب سنن التاريخ. ولن يتحقق كل هذا دون توظيف مجموعة من الآليات لتحقيق حلول قصيرة ومتوسطة المدى” تشمل التعليم والإعلام والثقافة والاقتصاد والاجتماع والسياسة.

ويختتم الخشت، مؤلفه بتساؤل "ماذا يجب أن نفعل؟"، يحدد فيها عدة مهام، قائلًا: المهمة العاجلة هي العمل على تغيير ماكينة التفكير عند الناس، وتجديد فهم المسلمين للدين عن طريق ثورة في التعليم والإعلام، حتى تحل الرؤية العلمية للدين والعالم محل الرؤية اللاهوتية والسحرية القائمة على النقل والحفظ والإتباع الأعمى، وتوعية جديدة في التعليم تعتمد على التعلم والبحث بدلًا من النقل، وطرق تدريس جديدة قائمة على التربية الحوارية، والتوسع في تعليم الفنون، وإزاحة كل المرجعيات الوهمية وتكوين مرجعيات جديدة، والمواجهة الشاملة، والتحول من مرحلة الوعظ والإدهاش إلى مرحلة الفكر والتفكر.

تحيةً للدكتور محمد عثمان الخشت، ذلك الرجل الذي يمثل بالفعل قيمة فلسفية ووطنية وشخصية موسوعية، ما جعل زملاءه وتلاميذه من المفكرين والكتاب والأساتذة الجامعيين يعترفون له بريادته في تنوير العقول ومكافحة الجمود والتعصب.. فأطلقوا عليه فى حفل تكريمه (المفكر الأبرز في القرن العشرين مكملاً لكانط).

وتحيةً مني لرجل آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً . بارك الله لنا في محمد عثمان الخشت قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه السفهاء، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطننا، بهدف الكشف عن مثالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليه ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة اسيوط.

.........................

الهوامش

36- محسن المحمدي: المطلوب تفكيك «العقل المغلق- نحو تأسيس عصر ديني جديد» لمحمد الخشت، الشرق الأوسط، الخميس - 23 شهر ربيع الثاني 1439 هـ - 11 يناير 2018 مـ رقم العدد [ 14289]

37- محمد صبحى: نفاذ النسخة الأولي من كتاب الخشت نحو تأسيس عصر ديني جديد بمعرض الكتاب، جريدة اليوم السابع، الثلاثاء، 04 فبراير 2020 11:35 ص.

38- د. حسين علي : نحو تأسيس عصر ديني جديد، البوابة نيوز، الأربعاء 10/يناير/2018 - 07:43 م.

39- محمد عثمان الخشت: المصدر نفسه، ص 39.

40- محمد صبحى: المرجع نفسه.

41-  محسن المحمدي: المطلوب تفكيك «العقل المغلق- نحو تأسيس عصر ديني جديد» لمحمد الخشت، الشرق الأوسط، الخميس - 23 شهر ربيع الثاني 1439 هـ - 11 يناير 2018 مـ رقم العدد [ 14289]

42- محمد صبحى: المرجع نفسه.

43- محمد الحمامصي: ضرورة صياغة خطاب ديني جديد، أدب ونقد، حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، ع366، 2018، ص 109.

 

محمود محمد عليقراءة  في كتاب" نحو تأسيس عصر ديني جديد " للدكتور محمد عثمان الخشت

في هذا المقال نعود ونكمل حديثنا عن مواجهة التطرف من خلال قراءتنا النقدية كتاب "نحو تأسيس عصر ديني جديد" للدكتور محمد عثمان الخشت فنقول:" ينتقد الخشت سيادة العقل المغلق الأحادي التفكير «لأن صاحب العقل المغلق لا يستطيع أن يتجاوز ذاته أو عالمه الخاص، ومن المستحيل أن يرى شيئاً خارج عقله، ولا يستطيع أن يتجاوز أفكاره المظلمة، ولا يمكنه أن يرى غير أفكاره هو، ويعدها يقينية قطعية لا تقبل المناقشة، بل يصل به الحد إلى الاعتقاد بأنها ذات طابع إلهي، وأن الله تعالى معه، بل إنه ممثل الله على الأرض، والله ليس رب العالمين بل ربه هو فقط" (21).

وتحت عنوان "حتى لا نعيد إنتاج عقول مغلقة" أرجع الدكتور الخشت ما نعانيه من انغلاق لأسباب منها مناهج التعليم القائمة على التلقين التى لا تصنع عقولاً إيجابية منفتحة وفعالة بل تصنع عقولاً غير فعالة، ويرى أن عدم تطوير التعليم سيجعل البديل هو الإرهاب (22).

هذا الإرهاب الغشوم الذي لم يعرفه المسلمون الأوائل قوة بارعة منفلته خارج قواعد الحرب، ولا تلتزم بأي أخلاق للمواجهة، إرادة لا عقلانية لا أخلاقية خارجة من متاهات الرفض والكراهية ومهما دمر الإرهاب وفجر وروع وقتل يظل حفارا لقبره قبل قبور من يراهم خصوما عاجزا عن الفعل والإنجاز

ولذلك يوضح الخشت في هذا الكتاب كيف يري الإرهابيين مسرفين في الأرض .. مسرفين في الدماء وأنهم أصحاب دين الخوارج الذي هو جبر وجبروت وإجبار، ومن ثم ينتقد الخشت الرؤية الأحادية للإسلام لأنها تنظر إلى الإسلام من زاوية محدودة وضيقة، ولذا ينتقد الخشت أحادية النظرة الإسلامية المتشددة، وكذلك أحادية التوجهات العلمانية فى موقفها من الدين، ويرى الخشت أن التيارين على رغم تعارضهما يشتركان فى مجموعة من الصفات التي تجعل الصراع بينهما صراعاً عقيماً، وأهم صفة مشتركة بينهما هي «وهم امتلاك الحقيقة المطلقة» فكلاهما يزعم أنه وحده الذي يعرف الحقيقة، ويمتلك مفاتيح الخلاص، ولذلك فكلاهما متعصب وكلاهما دوغماطيقى، وكلاهما يجرنا إلى حافة الهوية» (23))، ولكن على رغم نقد الخشت للعقل المغلق، ونقده للنظرة الأحادية للإسلام، فهو نفسه يروج بعقل مغلق سلفي، ونظرة أحادية لفترة صدر الإسلام على أنها الحلم الذي ينبغي أن نعود إليه لنستقي رؤيتنا للإسلام (24) .

ويمضى الفصل الرابع من الكتاب، وعنوانه حتى لا نعيد إنتاج عقول مغلقة فى بيان أهمية التعليم، وأثره فى تنمية منهج التفكير، والقضاء على الانغلاق الفكرى، وينظر (الخشت) إلى تطوير التعليم والبحث العلمى وسيلة وغاية لتحقيق الأمن القومى المصرى والتنمية فى المجالات المختلفة (25).

إن التخطيط الواضح لمستقبل العلم الحديث أساس للنهضة والتقدم نحو التجديد والابتكار وبناء الشخصية المصرية القوية . ويضع (الخشت) تصورا جادا لتطوير التعليم، وتحقيق غاياته الثقافية والحضارية فى إطار استراتيجي لحساب المشاكل والحلول. استراتيجية قومية واضحة ومحددة ذات فلسفة اجتماعية فى التربية والتعليم والبحث العلمي، حتى يكون التعليم هو البوابة الذهبية لبناء مصر المستقبل. حيث التعليم القائم على الحوار والفكر والابتكار لا الحفظ والتلقين، التعليم من أجل الوعى النقدي، وممارسة الحرية. (26).

وكذلك تطوير المحتوى التعليمى ليتناسب مع متطلبات إعادة بناء مصر ثقافيا وسياسيا، واحتياجات المجتمع وسوق العمل. وذلك لمعرفة الحقائق، وتربية الفرد، وتكوين المجتمع الديمقراطى، باعتباره ضرورة من ضرورات الحياة. فالتعليم هو صانع الموارد البشرية، والنهضة الصناعية والزراعية والتنمية الشاملة (27)، القائمة على التكنولوجيا الحديثة. والقدرة على صنع هذه التكنولوجيا، لا استيرادها، والعمل على ربطها بالثقافة والتعليم الذكي الحديث القائم على هذه التكنولوجيا، لا الوسائل القديمة (27)، ويحلم (الخشت) بهذه الثورة العلمية التعليمية قائمة على الجهد والعمل، لا الشعارات الجوفاء. وكذلك العمل على إتاحة الموارد المالية للإنفاق على البحث العلمي، والنهوض به. ويجب وضع خريطة عمل من أجل أن يكون العلم في قلب المشروع القومي لمصر، وانفتاحه على الآفاق العلمية العالمية الحديثة. (28).

وعنوان الفصل الخامس تجديد المسلمين وبحث الفجوة بين الإسلام بمثاليته الرفيعة، وبين المسلمين وواقعهم المتردي، فالإسلام يقدم نموذجا عالميا للدين الذى يلائم الطبيعة الإنسانية، ويعترف بالتنوع الكوني والإنساني، ويؤكد أن التعددية سنة إلهية، ويميز بوضوح بين البشرى والإلهى (29).

أما الفصل السادس، وعنوانه: الإسلام الحر فيتجه إلى تقديم نماذج من الفقه الإسلامي الحر الذى جابه الجمود والانغلاق والتعصب فى كل زمان ومكان، فى تمييز راجح بين الثوابت والمتغيرات، فالعدل، مثلا، قيمة مطلقة، لكن الإجراءات الضامنة له متغيرة. والمجال مفتوح –دوما- للاجتهاد الذى يدور حول المصلحة المجتمعية، المحكومة بمعايير الشرع ومقاصده . والإسلام الحر عودة لمنابع النهر الصافية، القرآن والسنة الصحيحة. والاجتهاد واجب دون فرض رأى، وادعاء أفضلية على رأى آخر. ولابد من السعي إلى التخلص من الشبهات والشوائب التي تشوه الإسلام (30).

والإسلام الحر هو الجوهر الخالص من الشوائب، القائم على تعدد الرأي، المتسم بالأصالة  والحرية مسئولية لا فوضى فى إطار الالتزام بتطبيق القانون . والحرية هي الحق في فعل كل ما تسمح به القوانين. ومضى (الخشت) يوضح معالم الحرية الخاصة، وحرية العقيدة وفق منهج ديني عقلي رشيد. ويتناول الخشت الإبداع والفن والسينما، ودور ذلك فى الرقى الإنسانى بعيدا عن الابتذال والانحطاط الأخلاقي. وتذوق الجمال – حسب مفهوم أحد أدباء أوربا- ينشأ من الشعور بالاحترام والعرفان بالجميل، والسرور النابع من إدراك صنعة الخالق في الطبيعة والطريق إلى الفن هو القلب.، والفن الأصيل تطهير للنفس الإنسانية، اتساقا مع الدين الذى يرسخ قيم الحق والخير والجمال، ويعيد للإنسان نقاءه العقلي وتصالحه مع ربه ونفسه وعالمه، بتعبير (الخشت) (32).

وعنوان الفصل السابع، وهو الفصل الأخير الحاكم الناجح بين قوانين القرآن وسنن التاريخ. وهو قراءة ضافية لقصة ذى القرنين فى القرآن الكريم. وينطلق منها إلى العبر والدروس المستفادة فى قراءة التاريخ ومعرفة قوانينه، لتكون منهاجا للفرد والمجتمع نحو حياة أفضل (33).

من ذلك الجمع بين التفكير الديني الصحيح، والتفكير العلمي المنضبط، مما تمثل فى شخصية ذى القرنين حاكما عادلا عاملا. ولنهوضنا يجب امتلاك الإرادة والتفكير المنظم، وإقامة الدولة على أساس العدالة والصدق، ومواجهة الإرهاب بكل قوة، والإعداد للقضاء عليه بكل عدة، وإرادة النصر على التخلف والإرهاب، والأخذ بالأسباب والتخطيط، الأخذ بأسباب التمكين والتنمية ومواجهة الإرهاب بكل قوة، وهى الأيقونة التى نستخلصها – مع الخشت- من قصة (ذى القرنين)، بل من قصة الدين والعلم والحياة (33).

6- الخاتمة:

وختاما نقول إن كتاب عنوان " نحو تأسيس عصر ديني جديد"، سياحة فكرية قامت علي نظرية جديدة في الفكر الإسلامي تقوم علي النسخ والتفكيك لكل ما هو قديم، ثم إعادة تأسيس واقع ديني جديد، وطريق الخلاص عند الخشت يقوم علي العودة إلي الإسلام النقي، أو الإسلامي المنسي حسب تعبيره، وأن الإسلام الحالي شوهته وزيفته الأفكار المتشددة والمتطرفة، ومن هنا تأتي الحاجة إلي تأسيس منظومة كلها جديدة من المرجعيات والفقه والحديث والتفسير.

ولذلك رأينا الخشت يدعونا إلي تجاوز عصر الجمود الديني والذي يعتبره انه طال أكثر من اللازم، ويعترض علي مفهوم التجديد في الفكر الإسلامي، لأنه ترميم لبناء قديم ومتهالك حسب رأيه .

والواقع أن كتاب الخشت الجديد "نحو تأسيس عصر ديني جديد" على رغم أنه يحمل على الحركة الإصلاحية العربية، إلا أنه لم يخرج في إطاره العام عن آراء تلك الحركة، ولكنه فقط اختلف عنها فى القالب اللغوي الذي عرض به أفكاره حيث قام بتوظيف بعض المفاهيم الجديدة في المنهجيات الحديثة عند ديكارت، وجاك دريدا، وغيرهما، فالكتاب هو دعوة قديمة في قالب جديد، وإن كان لا يخلو من ومضات ثاقبة أحياناً، كما يحسب له أنه كتب بلغة مبسطة  لأن الكتاب في الأصل هو مجموع مقالات كتبها الخشت في جريدة "الوطن".

وعلي هذا النحو يترسم الخشت في كتابه " نحو تأسيس عصر ديني جديد " طريقا هادفا إلي استئصال شأفة التطرف الغارق في رواسب المضي وكل ما يتمخض عنه من مزاعم إرهابية تشوه الحاضر وتحاول يائسة أن تغلق أبواب المستقبل من دون أن ينزلق إلي التطرف المضاد : دعاوي استئصال الظاهرة الدينية المستحيل، أو تجحيمها الخاسر في واقعنا الأنثروبولوجي الذي يسهم الدين بالنصيب الأكبر في تشكيل ثقافته، أي رؤية للعالم وتوسم بأنها الدائرة الإسلامية مما يجعل تأسيس عصر ديني جديد وخطاب ديني جديد فرض عين علي المثقفين جميعا (35)

ويخلص الخشت في جميع مؤلفاته ومشاريعه الفكرية إلي أن الأمة الإسلامية تكون في خير إذا خلت الرؤية العلمية للدين محل الرؤية اللاهوتية السحرية القائمة علي النقل والخفظ والاتباع الأعمى .... وللحديث بقية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة اسيوط.

الهوامش

21- د. محمد عثمان الخشت : المصدر نفسه، ص 61.

22- المصدر نفسه، ص 64.

23- المصدر نفسه، ص 75-76.

24- المصدر نفسه، ص 76.

25- عوض الغبارى: المرجع نفسه،  ص 389.

26- المرجع نفسه،  ص 390.

27- المرجع نفسه،  والصفحة نفسها.

28- المرجع نفسه،  والصفحة نفسها.

29- المرجع نفسه،  ص 91.

30- المرجع نفسه،  ص 92.

31- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

33- المرجع نفسه،  ص 93.

34- المرجع نفسه،  ص 93.

35- يمني طريف الخولي : مواجهة التطرف .. قراءة في كتاب الخشت نحو تأسيس عصر ديني جديد.

 

 

محمود محمد عليقراءة  في كتاب: "نحو تأسيس عصر ديني جديد" للدكتور محمد عثمان الخشت

نعود ونكمل حديثنا عن مواجهة التطرف من خلال قراءتنا النقدية كتاب" نحو تأسيس عصر ديني جديد " للدكتور محمد عثمان الخشت فنقول:" يشغل الدكتور الخشت حاليًا منصب رئيس جامعة القاهرة، كرمته جامعة القاهرة في عيد العلم 2013 نظرًا لإسهاماته الأكاديمية والإدارية في الدراسات العليا والبحوث والمشروعات الثقافية، وحصد مئات شهادات التقدير والدروع من جامعات ومُؤسسات دولية وإقليمية ومحلية عبر أربعة عقود".

ومحمد الخشت هو صاحب نظرية جديدة في تطور الأديان قدمها في كتابه تطور الأديان، وفيه تمكن الخشت من تقديم أول مُقارنة شاملة بين الأديان والفلسفات من منظور نظريات التطور، تجمع بين الوصف العلمي والتحليل الفلسفي والنقد العقلي المُلتزم بمعايير المنطق، ونجح في توظيف تلك المعايير في أشكالها الأكثر تطورًا في عصر الحداثة وما بعد الحداثة.

تتميز كتاباته بالوسطية والعقلانية، وتكشف هذه الكتابات عن تعمق كبير في العلوم الإنسانية والعلوم الشرعية، ويتميز أسلوبه بالوضوح والمنطقية. وهو مستشار جامعة القاهرة الثقافي.

وقدم الخشت مشروعًا جديدًا لتجديد الفكر الديني قائم على العقلانية النقدية، حيث يرى ضرورة تطوير علوم الدين، وليس إحياء علوم الدين القديمة. ودعا الخشت إلى صياغة خطاب ديني جديد بدلًا من تجديد الخطاب الديني القديم، وأعاد الخشت كتابة علوم الحديث في صيغة عصرية، كما أعاد تأويل موقف الشريعة من قضايا المرأة منذ ثمانينات القرن العشرين.

3- التعريف بالكتاب:

كتاب " نحو تأسيس عصر ديني جديد" للدكتور محمد عثمان الخشت، صدر في عام 2017 عن دار "نيو بوك للنشر والتوزيع"، وعدد صفحاته (246 ورقة)، وهذا الكتاب في الأصل كان يمثل كان مجموعة من المقالات الفكرية للدكتور محمد الخشت، والتي تم نشرها في جريدة الوطن في الفترة من 2013 إلى 2015، وتمت استعادتها وفق تصنيف مختلف يتلاءم مع طبيعة مفهوم الكتاب.

في هذا الكتاب يشخص الخشت داء الأمة الذي أدي إلي تخلفها في كلمتين، هما "الانغلاق العقلي"؛ فإذا كانت الأمم الناهضة تسلك في حاضرها واضعة عيونها علي المستقبل، فإن أمتنا الإسلامية، هي الوحيدة بين الأمم، التي تسلك وعيناها علي الماضي، تراعيه وتهتدي به وتلتزم بخبراته !! لذلك يشبه الخشت العقل المغلق بالجنين في رحم أمه، لا يود أن يفارقه، ولا يعلم من عالم الأشياء شيئاً (8).

ثم يغوص الخشت إلى مستوي أعمق في تشخيص الداء، فُيرجع هذا الانغلاق العقلي إلي أسباب فلسفية وواقعية ونفسية، ويصف محصلة هذه الأسباب  بأن "المجتمع ينجب حفار قبره"، فيولد الإرهابيين الذي يسفكون الدماء ويمزقون الأشلاء، مثلما يولد الظلاميين الذين يئدون مستقبل الأمة (9) .

والكتاب يقع في سبعة فصول ضافية، يقدم لها " الخشت" بجوهر فلسفته، حيث يفتتح كتابه بالتأكيد علي أن الإسلام الذي نعيشه اليوم هو خارج التاريخ ومنفصل عن واقع حركة التقدم، ومن ثم بات من الضروري العودة إلي "الإسلام المنسي" لا الإسلام المزيف الذي نعيشه، ورأى أن ذلك لا يمكن أن يكون دون تخليص الإسلام من الموروثات الاجتماعية وقاع التراث، والرؤية الأحادية، فالنظرة إلى الإسلام من زاوية واحدة ضيقة تزيف الإسلام، ولذا من الفرائض الواجبة توجيه النقد الشامل لكل التيارات أحادية النظرة سواء كانت إرهابية أو غير إرهابية (10)

ورأي الخشت تكوين خطاب ديني جديد وليس تجديد الخطاب الديني، لأن تجديد الخطاب الديني عملية أشبه بترميم بناء قديم، والأجدى هو إقامة بناء جديد بمفاهيم جديدة ولغة جديدة ومفردات جديدة وتهجينها بلغة ومفردات العلوم الاجتماعية والإنسانية وفق متغيرات العصر وطبيعة التحديات التي تواجه الأمة، ونشر وممارسة مفاهيم التنوع والتعددية وقبول الآخر، وإعداد كوادر واعية بصحيح لا فقط بدراسة العلوم الشرعية بل بدراسة العلوم الإنسانية والاجتماعية (11).

وعمل محمد الخشت في كتابه علي مجموعة من المهام العاجلة، شكلت رؤيته نحو الدخول إلى عصر ديني جديد، مثل تفكيك الخطاب الديني، وتفكيك العقل المنغلق، ونقد العقل النقلي، وفك جمود الفكر الديني المتصلب (12).

ولذلك المسلمون – الآن- في حاجة إلي النقد والمراجعة والفقهاء والعلماء في حاجة إلى نبذ الجمود في فهم الإسلام وإلى التحرر الفكري علي أساس التمييز بين المقدس والبشري في الإسلام، وتغيير طرق التفكير، وتغيير رؤية العالم، وتطوير التعليم لبناء مجتمع قوى من كل النواحي الاجتماعية والثقافية والإنسانية والعودة إلي المنابع الصافية للإسلام، وللقرآن والسنة الصحيحة (13).

والفصل الأول من الكتاب وعنوانه " الشك المنهجي وتأسيس عصر ديني جديد"، وفي هذا الفصل اعتمد الدكتور الخشت على قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام فى الإيمان وطريقته فى البحث عن الله، وبناء عليه طالب الخشت أن نتبنى "الذات المفكرة" التي تتبنى فكرة الشك المنهجي واستشهد بما فعله الفيلسوف الشهير ديكارت للوصول إلى الحقيقة، مؤكد أننا في عالمنا الإسلامي نحتاج بشدة إلى الشك المنهجي للخروج من دوامة التضليل لا من أجل فوضى الأفكار، يقول الخشت :" هنا رفض إبراهيم عليه السلام إسكات العقل وهناك رفض ديكارت ورفاقه إسكات عقولهم، مع إبراهيم بدأ دين جديد يرفض التقليد، ومع ديكارت ورفاق عصره تم الشروع في تأسيس عصر جديد وخطاب ديني جديد تراجع فيه لاهوت العصور الوسطى الذي كان يحتكر فيه رجال الدين في أوروبا الحقيقة الواحدة والنهائية" (14).

ورأى الخشت أن إبراهيم استخدم عقله فمرّ بمرحلة شك ضرورية امتدحها القرآن الكريم، ومنها وصل إلى رفض القديم، فالشك المنهجي ضروري للإيمان المنضبط، والشك المنهجي ضروري للعلم، والشك المنهجي ضروري لتأسيس خطاب ديني جديد في كل العصور. وليست وظيفة الفكر الخروج من الشك إلى اليقين فقط، ولكن أسمى وظائفه هي التفكير والتدبّر وإخضاع كل شيء للفحص (15).

وقال :"تحرير الإيمان من الشك يستلزم رفض الوسطاء، وهنا يكمن أحد أهم مداخل تكوين خطاب ديني جديد، فلقد رفض إبراهيم سلطة الكهنة والمتحدثين باسم الألوهية، وهنا وجد الحقيقة الإلهية وجها لوجه، بعد أن وصل إلى حقيقة وجود الله عن طريق التفكير المنهجي والهداية الإلهية" (16).

أما عنوان الفصل الثاني من هذا الكتاب فهو تفكيك الخطاب الديني التقليدي  بمعنى تطوير علوم الدين لا إحيائها، وإن كان (الخشت) قد غلبته رغبة التناص مع الكتاب الفذ للغزالي، وهو كتاب إحياء علوم الدين فغمط المفهوم الأصيل للإحياء من حيث هو عملية ضرورية للنقد المنهجي بغرض تجديد الخطاب الديني، إذ الإحياء -هنا – استعارة تنتقى من الخطاب الديني القديم ما يتوافق مع الواقع الجديد، ولا يعنى الإحياء – بالضرورة- التقليد أو الاتباع في غير طائل (17)  .

وفي هذا الفصل ناقش الخشت  "تفكيك الخطاب الديني التقليدي"، ورأى أن الهدف من هذا التفكيك "تطوير" علوم الدين لا "إحياء" علوم الدين، موضحًا أن الدين نفسه لا يتجمد لكن الذى يتجمد هو عقول فسرت النصوص القرآنية والنبوية الواضحة والمباشرة بأيديولوجيات عقيمة تجمدت معها المنومة العقائدية والتشريعية فى كهنوت بشرى يتخفى في ثوب إلهى، ومن هنا يطالب الخشت بتفكيك ينقد البشرى ولا يتنكر للإلهي، ويكون هدفه الوصول إلى الدين في حالته الطبيعية الأولى، كما يشير إلى أن الأزمة أكبر مما تبدو فإن ضياع المعنى والعقل يكون في التيارات الدينية المغلقة ويكون في حركات ما بعد الحداثة أيضًا  (18).

ويبلور الخشت منهجه في تفكيك الخطاب الديني التقليدي، وإحلال الجديد مكانه في هذا النص المهم: فعملية التفكيك لابد أن تسبق عملية إعادة البناء، لكنه ... ليس تفكيكاً على شاكلة المشككين الذين يساهمون في استمرار عملية السيولة التي تهدد الأوطان... التفكيك الذى ندعو إليه هو النقد والتحليل العقلاني... ولا ينكر الحقيقة الموضوعية... ولا ينكر وجود قيم مطلقة، بل يتحرى في الوصول إليها بمعايير علمية صارمة. ولا يتنكر للإلهي، بل يقصد إليه شعوريا في عملية توحيد خالية من الشرك.. ومن ثم تمييز الإلهي عن البشرى في الفكر والعلوم، ونزع القداسة الإلهية عن المرجعيات البشرية التي تنتحل الصوت الإلهي، وتتحدث باسم الحقيقة المطلقة، ومن دون هذه العملية لن يمكن فتح باب الاجتهاد والتجديد الحقيقيين (19).

وعنوان الفصل الثالث من الكتاب "العقل المنغلق" وصف الخشت فيه الانغلاق الفكري المؤدى إلى العنف والتطرف"، حيث تحدث الخشت عن آفة  أصبحت مستشرية، وهي ذيوع ما يسميه بـ"العقل المغلق" الذي يشبهه بالحجرة المظلمة التي لا نوافذ لها ولا ترى النور قط، ومن بداخلها لا يرى شيئا، لا في الداخل أو الخارج، ولا يتنفس إلا القديم والفاسد من الهواء. وقد قدم لنا الخشت وصفاً لهذا العقل المغلق فهو «يستأثر بالحقيقة ولا يرغب في فتح قنوات الحوار إلا إذا كان مضطرا، ولكن دون تقديم تنازلات، كما أنه لا يدخل عهداً إلا إذا كان ضعيفاً ما يلبث أن ينقضه حالما يقوى، فالتقية سلاحه الذهبي في خداع الآخرين، وهو ينغلق على نظام قيم معينة بتجمد، ولا يبحث عن الأرضية المشتركة مع التيارات الأخرى، متشبعاً بثقافة السلطة، يسعى إلى نفي المختلف ويسمه بنعوت قدحية، يرى أن الله ليس رب العالمين بل ربه هو فقط، يؤمن أن الحق يُعرف بالرجال وليس لأنه حق... وكما يبدو بأن العقل المغلق ليس حكراً على الأصولية الدينية بل هي طابع يوجد حتى عند الأيديولوجيات المتطرفة (20)... وللحديث بقية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة اسيوط.

........................

الهوامش

8- د. عمرو شريف (تصدير) : تجديد العقل الديني في مشروع الخشت الفكري، تحرير د. غيضان السيد علي ن مراجعة د. هشام زغلول، روابط للنشر وتقنية المعلومات، ص 16

9- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

10-د. محمد عثمان الخشت : نحو تأسيس عصر ديني جديد، نيو بوك للنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 2017، ص 11.

11- محمد الحمامصي: ضرورة صياغة خطاب ديني جديد، أدب ونقد، حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، ع366، 2018، ص 109.

12- المرجع نفسه، ص 110.

13- عوض الغبارى: نحو تأسيس عصر دينى جديد، بحث منشور ضمن كتاب تجديد العقل الديني في مشروع الخشت الفكري، تصدير، د. عمرو شريف، تحرير د. غيضان السيد علي ن مراجعة د. هشام زغلول، روابط للنشر وتقنية المعلومات، ص 356

14- د. محمد عثمان الخشت : المصدر نفسه، ص 14.

15- المصدر نفسه، ص 15.

16- المصدر نفسه، ص 16.

17- عوض الغباري: المرجع نفسه، ص 358.

18- د. محمد عثمان الخشت : المصدر نفسه، ص 32.

19-عوض الغبارى: المرجع نفسه،  ص 386.

20- محسن المحمدي: المطلوب تفكيك «العقل المغلق- نحو تأسيس عصر ديني جديد» لمحمد الخشت، الشرق الأوسط، الخميس - 23 شهر ربيع الثاني 1439 هـ - 11 يناير

 

محمود محمد عليقراءة  في كتاب" نحو تأسيس عصر ديني جديد " للدكتور محمد عثمان الخشت

1- تقديم: ما زلت أومن، بل ربما أكثر من ذي قبل، بأن ظاهرة التطرف، أضحت ظاهرة بارزة في واقعنا المعاصر، واتخذت أبعاد دينية وسياسية ومجتمعية خطيرة، كانت لها أعراف وخيمة، ونتائج سيئة، وانعكاسات سلبية علي وطنا العربي بصفة خاصة، والإنسانية بصفة عامة، علي جميع المجالات والميادين والأصعدة والمستويات، وقد أدت هذه الظاهرة غير الصحية، أو الظاهرة الدخيلة علي واقعنا العربي المعاصر إلى ظهور مجموعة من السلوكيات الشائنة غير الشرعية وغير المقبولة قانوناً، مثل العنف، والغدر، والتعصب، والإرهاب، والترويع، والتخويف، والتقتيل، وزرع الفتنة،، وتهجير الساكنة الآمنة، وطردها من بلادها الأصلية، ورفض الحوار والاختلاف والحجاج، والميل نحو عدم التسامح والتعايش مع الغير أو الآخر (1).

ولا يعني هذا أن ظاهرة التطرف مرتبطة ببعض الأفراد والجماعات المتشددة والمغالبة في مجتمعنا العربي – الإسلامي فحسب، بل هي ظاهرة بارزة ومنتشرة كذلك في المجتمعات الغربية، والمجتمعات الإنسانية كلها، منذ بداية التاريخ الإنساني، وبالضبط مع قتل قابيل لهابيل تعبيراً عن فكره " المتطرف"، وتعصبه لرأيه المتشدد قصد الاستحواذ بأخته الجميلة للتزوج بها، دون أخيه الذي فضله الله عليه بسبب تواضعه الجم، وسماحته النيرة، وتدينه الصادق، وسخاء قرابينه، وبهذا يكون قابيل قد ارتكب أول جريمة في تاريخ البشرية والإنسانية باسم الغلو، والتشدد، والتنطع،، ولكن لا علاقة بالتطرف، بأي حال من الأحوال، بالأديان والشرائع السماوية التي منعت التطرق والتشدد والغلو بشكل واضح وجلي، ونهت عنه جملة وتفصيلاً (2).

وأما عن  التطرف الفكري فقد برز في وقت مبكر من تاريخ المجتمع البشري، حتي قبل أن تنعقد التركيبة الاجتماعية، سواء في منظومتها الفكرية أو في وسائلها الحياتية، لأن في أسباب التطرف الفكري ما ليس رهنا بالتركيبة الاجتماعية المتطرفة، وإنما يتجسد في البيئة الساذجة علي وجه التحديد. ولطالما وجد التطرف الفكري لا كحالة في الفرد والمجتمع وإنما كظاهرة اجتماعية تتسع وتضيق حسب عوامل نشوئها، وحجم تفاعل هذه العوامل وتأثيرها، ولم يقتصر ذلك علي صعيد معين من أصعدة الحياة، وإنما يكاد يشمل أو يشمل بالفعل جميع الأصعدة، لأن التطرف الفكري يتحقق أينما تحقق سببه وعلي أي صعيد (3).

إن للتطرف الفكري وجهين، أحدهما مكشوف والآخر مقنع، فكما يوجد التطرف الفكري المكشوف، والذي يمكن تشخيصه  دون تعقيد، وكذلك هناك التطرف الفكري المقنع الذي تضيع معه البصلة، لا سيما إذا أتخذ صيغة علمية، وظهر بوجه حضاري، فيترك تأثيراً كبيراً وخطيراً في الشعوب والمجتمعات، وربما يصل إضلاله حد تصور أنه النهج الصحيح، وما عداه هو الشذوذ والخطأ (4).

ولقد عرف الخطاب العربي – الإسلامي المعاصر أشكالاً متعددة عن التطرف الفكري، وتناولته وجهات نظر فكرية، وإيديولوجية مختلفة باختلاف المراحل التاريخية التي مرت بها الثقافة  العربية- الإسلامية، ولأن الخطاب هو المقول عن القول الذي أسسته قراءة تحتاج إلي تعددية النقد والتأويل والتعامل معها إيجاباً وسلباً، فقد تأسس الخطاب منذ عصر النهضة مع الإمام "محمد عبده" إلي اليوم علي مقولتي " الأصالة والمعاصرة"، ورغم أنه يظهر نظرياً أعمق تفاعلاً مع نصوصه وأكثر انفتاحاً علي الآخر، ورغم ضخامة المشروع النهضوي، وأهمية أسئلته، فإنه لم يحقق المأمول والمقاصد، لأن الأخذ عن الغرب العلماني كان يقابله التمسك بخطاب إسلامي متضخم متصل بالنموذج الإسلامي المطلق، ذلك أنه عندما ينطلق هذا الخطاب من المستقبل ليولي وجهه نحو الماضي، فإنه إنما يعبر عن عجزه عن ممارسة السياسة في الحاضر الشئ الذي يفقده القدرة علي بناؤ حلم مطابق، علي إضفاء نوع من الواقعية علي طموحاته (5).

ولهذا، لم يتحقق خلم النهضة الإسلامية وما تلاها من محاولات التحرير والتنوير ولم يتمكن الخطاب الديني من فهم الواقع الإسلامي والإجابة عن أسئلة المرحلة، فظل مغلقاً متعثراً دون أن يستجيب لنداء  التغيير، أو ينفتح نفق النقد والتأسيس لخطاب ديني جديد، يمكن أن يكون أفقاً للتعبير عن روح المشروع الإسلامي، من عمق هذه الأزمات المتلاحقة، كان مطلب التجديد مطلباَ ملحاً علي الفكر الإسلامي، ليس لأجل التجديد، وإنما لأجل ملء الفراغ الروحي والمادي، وتخطي اللوث الميتافيزيقي الذي أحاط بالعقل ورمي به إلي هاوية الانحطاط والسقوط، يصبح التجديد هو الغاية وهي المساهمة في تطوير الواقع وحل مشكلاته والقضاء علي أسباب معوقاته وفتح مغاليقه التي تمنع أي محاولة لتطويره (6).

لماذا لم يتمكن الخطاب الديني الإسلامي من تجديد أفقه المعرفي، وتأسيس رؤية أنطولوجية تقوم علي النقد والمجاوزة، وعلي تحرير النص من لوث القديم الذي لم يعد قادراً علي الإبداع والتعبير عن أسئلة الواقع الإسلامي، ولم تكن المشاريع التجديدية منذ النهضة ترفع تجديداًَ ثورياً يأتي علي كل شئ ويسأل كل المقدسات ويقوضها ويفكك أيقوناتها، وينشد السعي إلى تغيير كل شئ من أساسه، وضمن هذه المشاريع النهضة إلى التجديد الفكري، وإلى تحرير الخطاب الديني الإسلامي من الرشح الأصولي الميتافيزيقي، ومن اغترابه في حداثة غربية معطوبة متمركزة حول ذاتها، خلعته عن واقعه واسقطت وجوده في النسيان، يسعي الفيلسوف المصري الأستاذ الدكتور "محمد عثمان الخشت" إلى المساهمة في نقد العقل الفقهي اٌلإسلامي وتفكيك خطابه الأصولي مستفيدا من الرجوع للينابيع الأولي من الكتاب والسنة وما اتفق عليه فيه السلف والخلف الصالح، متسلحا بسلاح خبرته الطويلة في مجال الفلسفة الحديثة والمعاصر وفلسفة الدين ومقارنة الأديان.

2- التعريف بالمؤلف:

يعد الأستاذ الدكتور محمد عثمان الخشت، واحداً من كبار المفكرين المصريين المتخصصين في فلسفة الدين القلائل الذين تعاملوا مع الفلسفة بروح تجديدية منفتحة، وهو من الفلاسفة الذين لا يثيرون الجدل بكتاباتهم بقدر ما يثيرون الإعجاب، ويدفعون إلى التأمل (7)، وهو يشغل الآن رئيس جامعة القاهرة، وهو رائد في فلسفة الأديان في العالم العربي، وأول من وضع يده علي العناصر العقلانية وغير العقلانية في الدين من خلال كتابه المعقول واللامعقول في الأديان، قال عنه المفكر الكبير الدكتور " حسن حنفي" (في مقدمته لكتاب العقل وما بعد الطبيعة)  قال:" إن روح الفارابي تعود من جديد في محمد عثمان الخشت"، وهو موسوعي الثقافة، يجمع بين التعمق في التراث الإسلامي والفكر الغربي. تتميز مؤلفاته بالجمع بين المنهج العقلي والخلفية الإيمانية. له كتابات مرجعية في أصول الدين والمذاهب الحديثة والمعاصرة.

ولد الدكتور محمد عثمان الخشت  في الأول من يناير لسنة 1964م، ودخل قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة، ثم أصبح الخشت مُعيدًا بدايةً من عام 1986م، وترقى إلى درجة مُدرس مُساعد بعدها بأربع سنوات عقب حصوله على درجة الماجستير. ثم في عام 1993م، نال درجة الدكتوراه وأصبح مُدرسًا بالكلية ذاتها. إلى أن أصبح أستاذًا مُساعدًا عام 2003 م عقب قيامه بأبحاث الترقي، إلى أن وصل إلى الأستاذية عام 2008 م بعد استيفائه مُتطلبات الدرجة.

كان محمد الخشت متميزاً في دراسة فلسفة الدين في مصر، والعالم العربي؛ حيث استطاع ببحوثه ومؤلفاته أن ينقل لنا البحث في فلسفة الدين من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلى مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارماً إلى أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

علاوة علي أن محمد الخشت يجمع بين التعمق في التراث الإسلامي والفكر الغربي. وتقدم أعماله رؤية جديدة لتاريخ الفلسفة الغربية تتجاوز الصراع التقليدي منذ بداية العصور الحديثة؛ وتتميز مُؤلفاته بالجمع بين المنهج العقلي والخلفية الإيمانية ونسج منهجًا جديدًا في فنون التأويل يجمع بين التعمق في العلوم الإنسانية والعلوم الشرعية وتاريخ الأديان والفلسفة.

وبلغت مُؤلفات الخشت (من آخر تصنيف موسوعة ويكبيديا) عدد (41) كتابًا منشورًا و(24) كتابا مُحققًا من التراث الإسلامي، مع عدد (28) من الأبحاث العلمية المُحكمة المنشورة، و(12) دراسات منشورة في مجلات عربية؛ ونذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر: روجيه جارودي: نصف قرن من البحث عن الحقيقة، حركة الحشاشين: تاريخ وعقائد أخطر فرقة سرية في العالم الإسلامي، مدخل إلى فلسفة الدين، مقارنة الأديان: الفيدية، البرهمية، الهندوسية، الدين والميتافيزيقا في فلسفة هيوم، فلسفة العقائد المسيحية، أقنعة ديكارت العقلانية تتساقط، العقل وما بعد الطبيعة بين فلسفتي هيوم وكنط، فقه النساء في ضوء المذاهب الفقهية والاجتهادات المعاصرة، المعقول واللامعقول في الأديان بين العقلانية النقدية والعقلانية المنحازة، الشخصية والحياة الروحية في فلسفة الدين عند برايتمان، تطور الأديان، نحو تأسيس عصر ديني جديد ...الخ. وكان قد صدر أول كتاب منشور له عام 1982، كما صدرت أربعة كتب عن فكره وإسهاماته العلمية باللغة العربية والإنجليزية، كتبها عشرات من أساتذة الجامعات المصرية والعربية ومُحررون أجانب، فيما صدر عنه وحول فكره أكثر من 78 بحثًا علميًا مُحكمًا، وقد تُرجمت بعض أعماله إلى لغات أخرى مثل الألمانية والإنجليزية والإندونيسية.

ثم تولى الخشت الكثير من المناصب القيادية بجامعة القاهرة، من بينها المُستشار الثقافي للجامعة (2002- 2013)؛ ومُدير مركز جامعة القاهرة للغات والترجمة (2010- 2013)؛ وعُضو اللجنة الدائمة لاختيار الوظائف القيادية بجامعة القاهرة (2013-2013)؛ ومُسئول التدريب والتثقيف للجامعات المصرية بوزارة التعليم العالي (2013)؛ ومُستشار الدراسات العليا بجامعة القاهرة عضو المكتب الفني (2009 - 2013)؛ ومُسئول جودة الأنشطة الطلابية في مشروع تطوير الأنشطة بوزارة التعليم العالي عن جامعة القاهرة (2007-2008)؛ والمُؤسس والمُشرف على مشروع جامعة القاهرة للترجمة (2010- 2017)؛ والمُشرف على تحرير مجلة هرمس (2010- 2013)، وهي مجلة علمية مُحكمة في الدراسات الأدبية واللغوية ومُعتمدة من أكاديمية البحث العلمي ولجان ترقيات الأساتذة والأساتذة المُساعدين في مُختلف تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية في الجامعات المصرية، كما شارك في تأسيس مجلة الجامعة الدولية؛ ونائب رئيس جامعة القاهرة لشئون التعليم والطلاب (2016- يوليو 2017). كما شغل منصب المُستشار الثقافي المصري لدى المملكة العربية السعودية (2013- 2015).

وأشرف الخشت على أكثر من 50 رسالة ماجستير ودكتوراه، وكان أخرها منذ سنوات مضت "النزعة التنويرية عند محمد عثمان الخشت.. دراسة في فلسفة الدين، وتُناقش الدراسة رؤيته لتطوير العقل الديني وتأسيس فلسفة جديدة للدين. كما قام الخشت أيضًا بتحكيم ومُناقشة عشرات رسائل الماجستير والدكتوراه والأبحاث وترقيات الأساتذة والأساتذة المساعدين بمصر والعالم العربي. كما شارك في أكثر من 40 مُؤتمر علمي ودولي، ونظم وشارك في تنظيم 100 مُؤتمرًا دوليًا ومحليًا.. وللحديث بقية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة اسيوط.

الهوامش

1- حمداوي، جميل: التطرف بين الواقع الاجتماعي والمناخ الفكري، شؤون عربية، جامعة الدول العربية - الأمانة العامة، العدد 171، 2017،ص 202.

2-المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

3- بدر بنت عبد الله قبلان العصيمي: التطرف الفكري: تعريفه، أسبابه، مظاهره، آثاره وسبل القضاء عليه، مجلة كلية التربية، جامعة بنها - كلية التربية، مج29 ,ع115، 2018، ص 225.

4- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

5- علي الحبيب الفريوي،: قراءة الخطاب الديني عند محمد أركون من النقد إلى التجديد، أعمال ندوة: في ضرورة تجديد الخطاب الديني، اتحاد كتاب المغرب ووزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية، اتحاد كتاب المغرب، 2015، ص 163.

6- علي الحبيب الفريوى،: قراءة الخطاب الديني عند محمد أركون من النقد إلى التجديد، أعمال ندوة: في ضرورة تجديد الخطاب الديني، اتحاد كتاب المغرب ووزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية، اتحاد كتاب المغرب، 2015، ص 163.

7-ماهر عبد المحسن: محمد عثمان الخشت وألعاب الفلسفة، أوراق فلسفية، العدد 57، 2018، ص 51.

 

محمود محمد عليأثار كتاب ” من هنا نبدأ” ضجة الأوساط الدينية، حتى أن لجنة الفتوى بالأزهر أصدرت قرارا بمصادرة الكتاب، وحظر توزيعه، باعتباره عملاً يهاجم الدين، بل وطالبت بمحاكمة كاتبه ؛ وكان ” خالد محمد خالد” عقب انتهائه من تأليف الكتاب قد اختار عنوانا آخر للكتاب وهو “بلاد من؟”، غير أن الكاتب السعودي “عبد الله القصيمي”، اقترح عنوانا آخر للكتاب، وهو العنوان الذى صدر به “من هنا نبدأ”، وفى الكتاب تساءل “خالد”: “بلادنا هذه لمن؟ وهى وطن من؟ أهي بلاد (الكهانة)، أم بلاد الإسلام الخالص والمستنير؟، أهي بلاد الأغنياء المترفين أم هي- أيضاً- بلاد الجياع المسحوقين؟ أهي بلاد التعصب ووطن الطائفية أم بلاد التسامح ووطن الجميع؟ أهي بلاد الرجال من دون النساء أم هي بلاد الفريقين؟” (23).

والكتاب في مجمله يتناول ثلاثة محاور رئيسة يمكن رصدها في كتاب “من هنا نبدأ”، وهي: الدولة الدينية، الفقر وقضية العدالة الاجتماعية، وأخيراً التمكين السياسي للنساء، والمحور الأول: يتجلى هذا المحور من خلال فصلين؛ فصل بعنوان “الدين لا الكهانة”، والآخر بعنوان “قومية الحكم”، ولا شك في أنّ المؤلف فتح على نفسه النيران الصديقة حين شبّه احتكار المشايخ لتفسير الدين الإسلام بالكهانة، لكن يبدو أنّ قلمه كان يخضع للرقابة الذاتية، فلم يرد على لسانه لفظ الكهانة الإسلامية، وإنما أسماها الكهانة المصرية؛ حيث انتقد خطاب المشايخ الذين دعوا العامة إلى الرضوخ للفقر بحجة الزهد والقناعة، وانتقد المشايخ الذين تمسكوا بجمود التفسيرات فأصبحوا سجناء الماضي (24). أما في فصل “قومية الحكم”؛ فيذهب ” خالد محمد خالد” إلى خطورة العلاقة بين الدين والدولة، فيتساءل: أنمزج الدين بالدولة؟ فنفقد الدين ونفقد الدولة؟ أم يعمل كل منهما في ميدانه فنربحهما معاً، ونربح أنفسنا ومستقبلنا؟”(25)، ورأى أنّ “الحكومة الدينية تمنح نفسها قداسة زائفة”(26).

المحور الثاني: تناول المؤلف الفقر وإشكالية العدالة الاجتماعية، في فصل بعنوان “الخبز هو السلام”، وقام من خلاله بنقد النظام الإقطاعي الذي يستغل العمالة، في منظومة مجحفة أسماها منظومة “رقيق الأرض”(27).

المحور الثالث: تبنّى “خالد محمد خالد”، مؤلف كتاب “من هنا نبدأ”، قضية حقوق المرأة السياسية، ووصف غياب النساء عن البرلمان بـ “الرئة المعطلة”، وفي وصف آخر قال: إنّ “الأمر أشبه بالتحرش بحقوق النساء”(28).

هكذا انتقد خالد محمد منظومة الدين والاقتصاد والتمييز ضدّ النساء في مطلع خمسينيات القرن الماضي، فتعرض كتابه للمصادرة، واستمعت النيابة إلى أقواله، ثم وجهت إليه ثلاثة اتهامات، ألا وهي: التعدي على الدين الإسلامي، التحريض على تغيير النظام الاجتماعي، وازدراء الرأسمالية مما يكدّر السلم العام (29).

أما اتهام مؤلف كتاب “من هنا نبدأ”؛ بأنه “يزدري الرأسمالية، ويكدر السلم العام”، فجاء بمقتضى المادة (176) من قانون العقوبات، وهذا الاتهام ينفي الصورة الذهنية بأنّ الاقتصاد الحرّ كان قائماً على الفكر الليبرالي الحرّ؛ لأنّ الليبرالية لا تتهم المختلف معها في الرؤية الاقتصادية بتكدير السلم العام، أو بازدراء الرأسمالية؛ فالاتهام بازدراء الرأسمالية في العهد الملكي لا يختلف عن الاتهامات التي وجهتها منظومة الحكم في العهد الناصري، فيما بعد، لمن ارتفع صوته معترضاً على الخطاب والتوجه الاشتراكي. إنّ التمعن في تفاصيل محاكمة كتاب “من هنا نبدأ”، العام 1950، من الأمثلة التي تكشف لنا أنّ القراءة الجزئية لبعض العناصر التاريخية دون غيرها، أو خارج سياقها، قد يؤدي إلى تصورات مبتورة (30).

كذلك كتاب من هنا نبدأ يعول علي أن الحرية هى القيمة المركزية فى مشروع خالد محمد خالد الفكري، كما أشرنا، لهذا نراه يؤكد أن “الاستبداد هو الأب الشرعى للمقاومة، وأن الرأى المكظوم يتحول داخل النفس إلى قذيفة خطرة، وأن أيسر الطرق لحضارة خصيبة هو فتح منافذ الملاحة الفكرية والقضاء على كل بواعث التهيب فى الشعب” ومن هذا المنظور يتعامل مع الدين بوصفه اختيارا قائما على الإرادة الحرة تطبيقا لقوله تعالى “لا إكراه فى الدين” وقوله “من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” وخطابه للرسول بقوله جل وعلا “لست عليهم بمسيطر” و”أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين” وفى هذا تحرير للإنسان وللدين نفسه من سلطة الكهنوت. ففي الفصل الأول من كتابه “من هنا نبدأ” يقول: “ليس ثمة ما ينفر الناس من دينهم مثل إبرازه فى صورة قوة عائقة مناهضة لحقوقهم مخذلة لطموحهم» وهو تحديدا ما فعلته الكهانة حين جعلت من نفسها قوة متسلطة على الناس مفتشة في ضمائرهم. (31)

وقد لقي كتاب خالد محمد خالد نقداً شديداً من الأستاذ “محمد العزالي”، حيث ألف كتاباً يرد  فيه علي “خالد محمد خالد” بعنوان “من هنا نعلم” حيث رد عليه مخطئا ما ورد فيه بالأدلة والبراهين التي يملكها الغزالي، حيث عن إسلام الوحي والنبوة، فكل عيب أصاب التجربة السياسية الإسلامية ينبع جراء ابتعاد المسلمين عن الإسلام الحقيقي النقي، والإسلام كما يقول الشيخ الغزالي: مثل الشعوب موتور من صنيعهم به واستغلالهم لنصوصه، وأما أن نحمل الإسلام آثام هؤلاء، فذلك خطأ بعيد وكذلك الحدود التي أمر الإسلام بها؛ فالمشكلة تكمن في ملابسات التنفيذ وليست في قسوة ولا معقولية الحد ذاته (32).

ثم يري “محمد الغزالي” بأن الصراع بين إسلام التاريخ وإسلام الوحي والنبوة حَكم تاريخ العلاقة بين جناحي الأمة: أتباع المشروع الإسلامي وأنصار المشروع المدني، فكل فصيل ركز على إسلام بعينه بناء على خبراته الشخصية مع هذا الإسلام، فالإسلام عند قطاعات من الجناح المدني هو فقهاء السلاطين والكُتْاب ومحفظ القرآن والمقرعة والشيخ الأزهري الجاف الذي يكرر التراث، ويردد متن المتن بدون نقد أو تجديد وتجربة “طه حسين” دليل على ذلك، في حين الإسلام عند الجناح الديني هو الله والقرآن والنبي (33).

ولم يكتف “محمد العزالي” بذلك ، بل نراه يرد باستماته على فكرة دنيوية التجربة السياسية الإسلامية؛ حيث يري أن جميع تجارب التاريخ أكدت على أن الأزمة في الإنسان والدين يبرأ منها، وهو إذن بريء لا يتحمل مسئولية ما تجاه تأجيج العنف والدين الإسلامي ديمقراطية حرة في المجال السياسي واشتراكية معتدلة في المجال الاقتصادي وفقا لتعبيره ، بمعنى أن الإسلام جمع أفضل مميزات الأيدولوجيات الغربية في بناء واحد، ليرسل إلى القارئ رسالة أن الإسلام لا يحتاج إلى الشرق الملحد أو الغرب الصليبي؛ فهو مكتفي بذاته ليسحب البساط من تحت أقدام أتباع الأيدولوجية الشرقية والغربية؛ فالحلول موجودة ومتاحة بين دفتي القرآن وما على المسلم سوى التزام النهج القرآني والشيخ – برغم مواقفه الجادة والحادة من غلاة المتشددين – فإنه أحجم عن تحديد مجال مسئولية الدين عن الأزمة العميقة التي تضرب أركان الأمة الإسلامية بشكل مباشر (34).

و”محمد العزالي” حين يرد على “خالد محمد خالد” بشأن فصل الدين عن الدولة، يقدم مجموعة من الأسباب التي ترى استحالة ذلك، فالإسلام بدون دولة تؤسس دعائم الإسلام وتدافع عنه وترسخ مفاهيمه لدى جمهور المسلمين، وتجند المجاهدين دفاعا عن الإسلام والمسلمين لن يدوم، فالدولة مقدمة لصعود الإسلام وحركته في المجتمع وتجربة الدولة النبوية واضطلاع الرسول بمهام السياسي طاعة للوحي دليل على تلازم الديني والسياسي في التجربة الإسلامية ويرى كاتب السطور أن احتماء الغزالي بالدولة هو حل سهل لمسألة عويصة، فما أسهل أن يلقي المفكر أعباء وأزمات المجتمع على كاهل الدولة المحملة أصلا بالأعباء؛ فالدولة إن آمنت واعتمدت دستورا إسلاميا لا صَلُح الحال في تكرار لفكرة أن الإسلام يمثل عصا سحرية، لحل أزمات تاريخية معقدة وتجاهُل للمفارقة التاريخية التي جعلت الرسول قائدا للدولة، وهو ما لم يتكرر بعد وفاته (35).

ولا يخلو أسلوب “محمد العزالي” من خطابة لإثارة غضب القارئ واستيائه متحدثا عن هدم الإسلام وعملاء الغرب والحرب الصليبية ضد الإسلام ومبالغات أخرى، فيذكر على سبيل المثال أن أينشتين قد وجه رسالة إلى أخطر المؤتمرات العلمية يطالبهم فيها بمحاربة فكرة الألوهية لنفيها من الأذهان!(36).

لم يكتف “محمد العزالي” بذلك بل نراه يرفض الشيخ حرية المرأة المطلقة وأنصار حقوقها في المساواة، فيقتبس الشيخ فقرة لمحامية مصرية تشكو إرهاق المهنة وعنتها ومن محاربتهن للطبيعة كدليل على ضعف المرأة الفطري، دون نظر لواقع المرأة الجديد (37).

ونتيجة لتقدم الشديد الذي قدمه الشيخ “الغزالي” لكتاب خالد محمد خالد ” من هنا نبدأ ” ، رأينا يؤلف كتاباً في عام 1982 بعنوان (الدولة في الإسلام) وقد أعلن فيه بكل وضوح أنه أخطأ مرتين، مرة حين اعتبر الدولة الإسلامية دولة دينية كتلك الدولة الكهنوتية المسيحية التي ظهرت في أوروبا، ومرة حين عمم أخطاء الحكام المسلمين وبعض الذين أساءوا فهم الدين علي الإسلام. ثم أوضح في جلاء مبين أن علينا نحن المسلمين أن نعيد القرآن العظيم إلي مكانه السامي في قلوبنا وحياتنا، ونشد علي راية الإسلام بسواعد قوية متفانية، وأن نستفيد من كل فرص التقدم النظيف دون أن نسلم رقابنا للأغلال وديننا للضياع، وروحانيتنا للجفاف، وأن دورنا مع حركة التاريخ وصنع الحضارة لا يزال قائما، وأن الإسلام الذي نحمل لواءه لم ينته ولن ينتهي دوره في ترشيد الحياة، وهداية البشرية إليه، لأن عظمته الفريدة ماثلة في أنه يقدم مع حضارة المادة حضارة الروح، وأخيرا علينا أن نعمق إيماننا بأن الإسلام دين ودولة، حق وقوة، ثقافة وحضارة، عبادة وسياسة.

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي هذا الأستاذ التنويري حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا الأستاذ التنويري، فتحية طيبة للأستاذ “خالد محمد خالد” الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر المبدع التنويري الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

رحم الله الأستاذ “خالد محمد خالد” التنويري ، الذي صدق فيه قول الشاعر: رحلتَ بجسمِكَ لكنْ ستبقى.. شديدَ الحضورِ بكلِّ البهاءِ.. وتبقى ابتسامةَ وجهٍ صَبوحٍ.. وصوتًا لحُرٍّ عديمَ الفناءِ.. وتبقى حروفُكَ نورًا ونارًا.. بوهْجِ الشّموسِ بغيرِ انطفاءِ.. فنمْ يا صديقي قريرًا فخورًا .. بما قد لقيتَ مِنَ الاحتفاء.. وداعًا مفيدُ وليتً المنايا.. تخَطتْكَ حتى يُحَمَّ قضائي.. فلو مِتُّ قبلكَ كنتُ سأزهو.. لأنّ المفيدَ يقولُ رثائي.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

الهوامش

23- ماهر حسن: المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

24- خالد محمد خالد: المصدر نفسه، ص 36-37.

25- المصدر نفسه، ص 147.

26- المصدر نفسه، ص 172.

27- المصدر نفسه، ص 125.

28- المصدر نفسه، ص 184-185.

29- رباب كمال: المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

30- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

31- خالد محمد خالد: المصدر نفسه، ص 42-43.

32- محمد الغزالي: من هنا نعلم، القاهرة ،دار نهضة مصر، 2013، الطبعة العاشرة، ص24

33- حاتم زكي: من هنا نعلم … دراسة نقدية لخطاب الإسلاميين: محمد الغزالي أنموذجا، ديسمبر 2020.

34- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

35- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

36- محمد الغزالي: المرجع نفسه، ص 123.

37- حاتم زكي: المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

 

 

محمود محمد عليكان هناك القصر متمثلا في الملك فاروق، والذي أحس بأنه محاصر، فبمن يستعين؟ .. هنا لجأ إلي استخدام قوة كبيرة يدفع بها هذا الطوفان المقبل، فلجأ إلي استخدام الدين، ففوجئنا بفتوي أحد مشايخ الطرق الصوفية يثبت فيها ان الملك فاروق من سلالة النبي محمد وذلك عن طريق أمه .

بيد أن هذا الأمر قد لقي استهجانا بالغاً، وهنا لجأ الملك فاروق من خلال القصر إلي تسخير بعض كبار رجال الدين ليدعموا سلطة القصر بحجة أن التيار الذي يتحدي القصر وسلطاته، هو تيار شيوعي، والشيوعية ليست من الإسلام، (وأن الإسلام دين يحث علي القناعة، وعلي الزهد إلي آخره) (11)، وهنا رأينا خالد محمد خالد في الفصل الأول أن يقوم بعملية عزل أمام الرأي العام آنذاك لهذه الأفكار المغرضة والمريبة، بحيث يعزلها عن الوعي الشعبي الثوري العام، فكان عنوان الفصل ” الدين لا الكهانة”، حيث أخبرنا خلال هذا الفصل بأن الإسلام هو دين العدالة الاجتماعية بأوسع مفهوم، وهذا وضح جيدا في التاريخ الإسلامي نظرياً وعملياً، والناس الآخرون والذين باسم الدين يدعون الشعب إلي الصبر الممرور ويعدونه بالجنة لقاء استكانته وصبره وخنوعه، والذين يصنعون هذا، لا يصنعونه باسم الدين، فالدين بريئ من كل ذلك، والإسلام كان ثورة للحرية والعدالة الاجتماعية . إذن فأولئك الذين يرفعون عقائرهم وأصواتهم باسم الإسلام لتخدير الأمة، هؤلاء يمثلون الكهانة ولا يمثلون الدين في حقيقته (12).

وأما الفصل الثاني وهو كما قلنا بعنوان ” الخبز هو السلام”، وهذا الفصل كان عرض لمساوئ وبلايا الإقطاع سواء كان احتكار الأرض أو رؤوس الأموال، وكيف كان ذلك يهدد إلي أبعد مدي حياة الشعب في حاضره، وفي مستقبله، وفي مسيره، وفي مصيره (13)، كما عرض “خالد محمد خالد” في هذا الفصل ايضا حالة المجتمع من خلال أن الأرض الزراعية في مصر، حيث تملك 90 % منها والباقي يعيش علي 10 %، والتفاتيش وكيف تسوم الناس سوء العذاب، حتي أنه كان في بعض التفاتيش كما يقول “خالد محمد خالد” وهو تفتيس تقع قريته (وهي العدوة وتقع ضمن محافظة الشرقية) ضمن زمامة، حيث كان الفلاح يُؤجر بخمسة قروش في اليوم، وحماره يؤجر بعشرة قروش في اليوم، ثم مضي خالد محمد خالد بالبحث في هذا الفصل إلي أن زكي وهتف مع الذين كانوا يومئذ يهتفون من إخوانه الكتاب والصحفيين بالعدل الاجتماعي، والذي يدعي في عصره بـ ” الاشتراكية”، (والاشتراكية في نظر خالد محمد خالد شئ مختلف عن الماركسية، فالاشتراكية في تطبيقها الواعي والعادل والمحايد هي أقرب إلي العدل الاجتماعي، أو هي الصورة العملية للعدل الاجتماعي بخلاف الماركسية) (14).

وأما الفصل الثالث والذي جاء بعنوان ” قومية الحكم”، حيث كان هناك في زمن خالد محمد خالد هيئة إسلامية كبري سرت في وجدان الشعب المصري آنذاك سريان الدم في العروق، وكانت ستُوفق كثيراً جداً لولا أن أُقحم عليها ما سُمي بالنظام السري الذي قام باغتيالات مشؤومة حتي الجماعة التي تقوم بذلك نفسها (15)، وهنا وجدنا “خالد محمد خالد” في الفصل يدير خواطره حول هذه الظروف، وهذه الأنشطة، وكانت هذه الهيئة تنادي بأن الإسلام هو دين ودولة، وهنا يقول “خالد محمد خالد” بأن النظام السري (ويقصد هنا جماعة حسن البنا الإخوانية) أُقحم عليها حتي لا يظلمها حين يحملها ككل مسؤولية ما حدث . وهذا الطموح المستهتر من التنظيم السري في نظر “خالد محمد خالد” جعله يخشي كثيراً علي الإسلام نفسه لو وصل إلي الحكم ناس من أمثال هذا التنظيم، والذي جعل وسيلته للوصول إلي الاغتيالات، وهذه واحدة، وكان “خالد محمد خالد” قد قرأ كثيراً عن الحكومة الدينية في أوربا في العصور الوسطي، عندما كانت الكنيسة والبابوية هي التي تحكم، فتأثر “خالد محمد خالد” بهذين الوجهين من المشكلة (16).

وقد جاءت تسمية ” خالد محمد خالد” لـ ” قومية الحكم” بدلاً من الحكومة الدينية، لأنه كان يرى أن في ذلك مجازفة بالدين تعرض نقاءه للكدر وسلامته للخطر، ورأى أن الحكومة تحقق الغرض من قيامها فقط من خلال المنفعة الاجتماعية العامة، وإذا كانت الحكومات الإسلامية الأولى توفر لها ذلك فإن مرده لأسباب شخصية وإيمانية لدى قوادها، وهو أمر لا يمكن أن يشمل البشر الآن، ولم يلبث الأمر أن انتهى فعلاً إلى تنافس دموي على الحكم وفتنة للناس وقادتهم ولم يعد يميز الحكم أي صلة دينية، وإن زعم أصحابه أنه حكم يؤسسه الدين، وأن الحكومة الدينية لم تكن تستلهم مبادئها وسلوكها من كتاب الله ومن سنة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، بل من نفسية الحاكمين وأطماعهم ومنافعهم الذاتية، ولأن القرآن حمال أوجه، كما قال الإمام على، فقد استغله أصحاب المنافع، فكل فريق منهم يستخدم السند نفسه فى ضرب وقتل الخصوم (17).

وكان ” خالد محمد خالد” أيضاً قد فرق بين الطعن في دعاة الدين والدين نفسه، وهو الأمر الذى تأسس عليه مفهوم الحاكمية، لأن الدين حقائق خالدة وثابتة، أما هؤلاء الدعاة وأصحاب الحكومات فهم بشر يصيبون ويخطئون، ونَقد بقسوة التوظيف السياسي للدين واستخدامه أداة أيديولوجية تسعى لتوريط الدين فى مسائل اجتماعية، وخروج طبقة كبار الملاك بجناحيها الزراعي والصناعي حينها من تلك الورطة، وأن الإسلام دين لا دولة، وأن الدين علامات تضيئ الطريق إلى الله وليس قوة سياسية تتحكم في الناس وتأخذهم بالقوة إلى سواء السبيل، وأنه ما على الدين سوى البلاغ، وذكر أن الحكومة الدينية عبء على الدين (18).

لم يكتف ” خالد محمد خالد” بذلك، بل قال بأن الإسلام ليس بحاجة بأن يكون دولة، وحسبه أن يظل ديناً، وهذا ما أثار ضحة بالأزهر آنذاك، حيث أن لجنة الفتوي قالت بأن هذا الكتاب ضد الإسلام، وطلبت من النيابة التحقيق، وهنا قرأت النيابة مذكرة الأزهر والكتاب فزادت الطين بلة، حيث أضافة النيابة إلي “خالد محمد خالد” بأنه “شيوعي”، وتم التحقيق مع “خالد محمد خالد”، وكان رأي الأزهر والنيابة آنذاك عير صحيح، وانعقدت جلسة سرية للمحاكمة، وهنا لا بد وجدنا “خالد محمد خالد” يذكر بكل الخير الرجل العظيم رئيس محكمة مصر يومئذ والذي باشر القضية، وحكم فيها، وهو المستشار ” حافظ سابق”، حيث كتب حيثيات مذهلة في القضية لتبرئة “خالد محمد خالد”، حيث دحض تهمة الأزهر والنيابة، حيث قال المستشار :” هذا الكتاب تمجيد لدين الله، ودفاعاً عن حقوق الشعب”، وذلك في سيطرة وهيمنة الملكية آنذاك (19).

وهكذا انتقد “خالد محمد خالد” منظومة الدين والاقتصاد والتمييز ضدّ النساء في مطلع خمسينيات القرن الماضي، فتعرض كتابه للمصادرة، واستمعت النيابة إلى أقواله، ثم وجهت إليه ثلاثة اتهامات، ألا وهي: التعدي على الدين الإسلامي، التحريض على تغيير النظام الاجتماعي، وازدراء الرأسمالية مما يكدّر السلم العام. نال خالد محمد البراءة في حكم تاريخي، غلبت على مفرداته روح العدالة، خاصة فيما يخص مبدأ العدالة الاجتماعية في مواجهة النظام الإقطاعي، ورغم أنّ منطوق الحكم يعدّ انتصاراً لحرية الرأي، إلا أنّ دراسة جوانب القضية برمتها قد تثبت فساد الروايات التي تصنع من الماضي صورة مثالية. نقد المؤلف النظام الإقطاعي الملكي الذي يستغل العمالة في منظومة مجحفة أسماها منظومة “رقيق الأرض” (20).

أما الفصل الرابع والذي كان بعنوان بعنوان ” الرئة المعطلة “، وكان خالد محمد خالد يعني بالرئة المعطلة ” المرأة”، حيث قال إن المجتمع بتنفس برئتين كالإنسان، فيه الآن رئة معطلة، حيث رئة الرجل تعمل، بينما رئة المرأة معطلة ولا تعمل، وهذا حديث نسوقه بإيجاز عن قضية المرأة المصرية، وإنه لمن توفيق الله وأنعمه أننا لم نعد نتحدث عنها نطالب بحقها في الثقافة والعلم، فقد كسبت هذا الحق لنفسها، وبدأت الطلائع تتدفق كضياء الفجر حاملات معرفة المعاهد وثقافة الجامعات ليفدن بها بلادهن الظمأى إلي جهدهن وجهادهن . نعم لم نعد بحاجة إلي المطالبة بتعليم الفتاة وننح نبصر كل صباح تلك الرؤوس التي تشق شوارع القاهرة، والمدن المصرية، كأنها شموع مضاءة، تلقي وهي في طريقها إلي معاهد العلم نوراً كاشفاً علي ذكرى أولئك النفر الخالدين … قاسم أمين ومحمد عبده، وسعد زغلول، وهدى شعراوي، الذين شادوا فوق كثبان الرجعية المنهارة، نهضة المرأة النامية . بعد أن أنضوا عنها قيودها، وجعلوا لها من الجهالة والانحطاط مخرجاً (21).

ثم يستطرد “خالد محمد خالد” فيقول : ” سنتحدث إذن حديثاً مباشراً عن حقوق المرأة السياسية التي يتساءل بعض الناس عن قيمتها وفائدتها لمجتمع لم يحسن رجاله حتى اليوم ممارسة حقهم الانتخابي- كما يتساءلون عن إمكان تحقيق ذلك، وللمجتمع دينه وتقاليده اللذان يقفان دون تمرس هذه الحقوق .. وكما يتساءلون – وما أكثر تساؤلهم – عن وظيفة المرأة التي خلقها الله لها، وهي رعاية البيت وتربية الأولاد .. من سيقوم بها بعد أن تصبح هي ناخباً، ونائباً، ووزيراً ! .. وهي أسئلة تدل أن أصحابها من السذاجة بحيث لا ينبغي أن تكون معارضتهم واستنكارهم عائقين عن تحقيق هذا الهدف المفعم بالاحتمالات الحسنة النافعة (22).. وللحديث بقية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.............

11- خالد محمد خالد: من هنا نبدأ، ص 65.

12- المصدر نفسه، ص 98-100.

13- المصدر نفسه، ص 122-124.

14- المصدر نفسه، ص 168.

15- المصدر نفسه، ص 177.

17- المصدر نفسه، ص 189.

18- المصدر نفسه، ص 191.

19- ماهر حسن: كتب وحكـايات.. “من هنا نبدأ”، الجمعة 02-06-2017 18:06 |.. جريدة المصري

20- رباب كمال: “من هنا نبدأ”: الكتاب الذي اتُّهم بازدراء الدين والرأسمالية.. 03/02/2019.

21- خالد محمد خالد: المصدر نفسه، ص 212.

22- المصدر نفسه، ص 213.

 

 

 

علجية عيش- لماذا فشل العرب في المشرق والمغرب في بناء نموذج الدولة القطرية؟

- (هل لمسألة الصحراء الغربية شأن إقليمي أم إفريقي أم عربي؟ ومتى ينتهي الصراع الجزائري مغربي)

لقد فشل العرب في المشرق والمغرب في بناء نموذج الدولة القطرية وهم الذين تحدثوا عن الوحدة وكرسوا الإقليمية والحدود بين الأقطار العربية، ولذلك سقط مشروع النهضة العربية، بدليل ما نشهده الآن في الساحة العربية وعملية التطبيع مع إسرائيل، بافافة إلى الصراع المغارب حول الصحراء الغربية التي لا تزال قائمة في التاريخ المعاصر وقد خص لها المؤلف فصلا خاصا في آخر الكتاب حيث ترك سؤالا مكروحا إن كان النزاع في الصحراء على الأرض أم الشعب أم الموارد؟ يرى صاحب الدراسة أن هناك مصالح استراتيجية حيوية في منطقة المغرب العربي والقارة الإفريقية يحددها موقف الدول الغربية والشرقية هذا الوضع سببه ضعف الجامعة العربية وعدم قدرتها على اتخاذ قرارات في ظل الخلافات العربية وتردي ألأوضاع في الوطن العربي

 قليلون هم الذين تطرقوا إلى إشكالية العلاقة بين المشرق والمغرب العربيين  وتطوّرها والوقوف على ومضاتها وإيجالياتها، وما الأسباب الأخرى للإشكالية؟ سياسية واجتماعية وهل المسألة ثقافية بحتة أم دخلت بها ومعها عناصر، فكانت هذه الدراسة التي أجراها الباحث عبد المالك خلف التميمي الذي عرض رؤيته من خلال كتابه "أضواء على المغرب العربي"، والدكتور عبد المالك خلف التميمي من مواليد الكويت خريج جامعة إنجلترا قسم التاريخ وتمكن من صياغة تصور تاريخي متكامل للتاريخ العربي المعاصر، ولكونه عايش الغزو العراقي للكويت فقد كرس قلمه وفكره الأكاديمي في معالجة الواقع العربي مشرقا ومغربا، كان من بين الذين ـأثروا بالثورة الجزائرية فكان له أن يفتح نافذة على المغرب العربي، إلا أن النظرة كانت عربية مشرقية ولم تكن مغاربية.

 بدأ الكاتب هذا الجزء من دراسته بالوقوف على الخلفية التاريخية لهذه العلاقات التي كانت في أعقاب الفتوحات الإسلامية عندما تمت اسلمت الشمال الأفريقي وتعريبه في القرن الأول الهجري وكانت الهجرات القبلية من المشرق العربي أن تصل وتستقر في المغرب العربي كما ساهمت التجارة في تطوير هذه العلاقات إلى أن كان هناك تبادل عائلي في إطار الإنصهار والحج، أصبح المغرب الغعربي عغربيا مسلما هوية وانتماءً، من لشهر الهجرت الشرقية يذكر الكاتب الهجرة الهلالية في مناصف القرن الخامس الهجري، بحثا عن الذهب والفضة التي كانت تزخر بهما افريقيا، متخذين الطريق الصحراوةي عبر مصر والسودان إلأى مناطق الصنهاجيين في الشمال الأفريقي، وثقافية، وقد قدم الصنهاجيون تسهيلات للتجار المشارقة وفتحوا لهم طريق التجارة، كان للرحالة من العلماء دورا في تطوير العلاقات، تركات آثارا عندما تبنى المشترقة فمكرة القومية العربية على أساس علماني في مرحلة الإستعمار وبعيد الإستقلال لأسباب موضوعية.

وقد كان الكاتب منصفا عندما أضاف أن في المغر ب العربي كان هناك اندماج كبير للعروبة بالإسلام في النشاط الثقافي قام به أفراد ومؤسسات تعليمية وثقافية، وكان طابع التعليم والثقافة دينيا حتى نهاية القرن التاسع عشر، والفضل يعود للرحالة على غرار ابن حوقل في القرن العاشر والبكري في القرن الحادي عشر والإدريسي وابن بطوطة في القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر والعمري وابن خلدون في القرن الرابع عشر والحسن الوزان في القرن السادس عشر وغيرهم، وحول رحلات المشارقة إلى الجزائر ورحلات الجزائريين إلى المشرق، كان محمد عبده أول شخصية مشرقية دينية تقوم برحلة إلى الجزائر أواخر القرن التاسع عشر وألقى خلالها عدة دروس في قسنطينة ومدينة الجزائر وكان لها أثر كبير في اوساط المثقفين الجزائريين لما كان يتمتع به محمد عبده من أفكار متحررة وآراء مستنيرة، ثم رحلة ابن باديس إلى الشام والحجاز للإطلاع على حركة النهضة في المشرق واتصاله بالمفكرين المشارقة مثل رشيد رضا والبيطار وغيرهم، فكان هناك وعي للنخبة المثقفة بالواقع وأحوال الأمة.

كان لمحمد عبده والأفغاني دور في ان تستقي حركة الإصلاح الجزائرية أصولها الأولى، ما يؤكد أن المسألة الثقافية والفكرية تمتد جذورها في التاريخ لعدة قرون، هل كان الدكتور خلف التميمي منصفا عندما قال أن الفكر العربي تاريخا هو فكر مشرقي، وهل كان يريد القول أن المغرب العربي كان تابعا للمشرق العربي فكرا وثقافة؟ أو أنه اقتبس ثقافته منه؟، إن مثل هذا الكلام يجعل القارئ المغاربي يتساءل إن كانت فعلا هناك تبعية فكرية أو ثقافية للمشرق العربي، وهل لا يوجد مفكرون وعلماء مغاربة؟ وهل لم يكن هناك إنتاج إبداعي فكري ثقافي مغاربي؟ فما نقرأه عن فكر المغاربة من علماء ومؤرخين وإبداعهم لا صلة له بالتبعية الفكرية، أما قول الكاتب بأن المركزية المشرقية سيطرت على الثقافة العربية، فهذا راجع كما أردف هو إلى احتكاك المشارقة بالغرب، بالإضافة إلى أن نضج الحركة القومية العربية مشرقيا سببها اتفاقية سايس بيكو اثناء الحرب العالمية الأولى وظهور الحركة الصهيونية ونشاطها لإقامة الوطن القومي حيث عجلت في تقسيم المشرق العربي، ثم أن الظروف التي عاشها المغرب العربي طيلة فترة الإستعمار تسببت في ضعف وتدمير المراكز العلمية والثقافية، فكان من الصعب أن يستعيد ثقافته ة تراثه في وقت قصير.

هل لمسألة الصحراء الغربية شأن إقليمي أم إفريقي أم عربي؟

لم تقف نخبة المغرب العربي مكتوفة الأيدي بل عملت على استعادة موروثها الثقافي، ولذا عمل المغاربة على إنشاء "جبهة وطنية مغاربية" (تونسية- جزائرية - مغاربية) خلال عقدهم مؤتمر لهم في القاهرة في فيفري 1947 لمواجهة الإستعمار والعمل من أجل الإستقلال ووحدة أقطار المغرب العربي، ولم يتوقف المغاربة عند الإهتمام بقضيتهم الوطنية، بل تفاعلوا مع القضايا العربية الأخرى وبالأخص القضية الفلسطينية التي كانت تواجه الإستعمار الصهيوني الذي كان يسعى لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، إلا أنهم انقسموا وتحولوا من اشقاء إلى أعداء بسبب ملف الصحراء الغربية التي تبعته مسألة التطبيع، ورفع الأشقاء المغاربة (الجزائر والمغرب) شعار الكراهية والعدائية ولم يعد لمشروع اتحاد المغرب العربي حديث ولا حتى مشروع الدولة القطرية، حيث فشل العرب في المشرق والمغرب في بناء نموذج الدولة القطرية ولذلك سقط مشروع النهضة العربية، بدليل ما نشهده الآن في الساحة العربية وعملية التطبيع مع إسرائيل، ويختم صاحب الكتاب دراسته بالقول أن العرب عادوا إلى عصر القبلية والطائفية والعشيرة والعائلة فلم ينجحوا في بناء الدولة القطرية الحديثة، إن الأزمة التي وقع فيها المشارقة والمغاربة كما يضيف تتمثل في انقسامهم إلى تيارات فكرية بعضها أصولي تقليدي وبعضها تحديثي تقدمي، فضلا عن الأطروحات التي دفعتهم إلى إلغاء الآخر، والأزمة كذلك تتمثل في غياب الوعي في معالجة القضايا كملف الصحراء الغربية، وقد خص لها المؤلف فصلا خاصا في آخر الكتاب.

و دون التطرق إلى موقع الصحراء الغربية وعدد سكانها فقد تطرق إليها الكاتب في الصفحتين 244-245 من كتابه والإحصائيات التي قدمتها لجنة الوصاية للأمم المتحدة وهي طبعا أرقاما قديمة، فالأرقام التي ذكرها الكاتب أعطيت في منتصف السبعينات ثم أن الكتاب طبع في 2011، لكن من الضروري التطرق باختصار إلى تاريخ شعب الصحراء الغربية، حيث يرجع وجودهم إلى القرن الثاني بعد الميلاد عندما رحل عدد من البربر الصنهاجيين باتجاه الصحراء بحثا عن مستقر آمن، حيث اسس فيها ابناؤهم الدولة المرابطية، وفي القرن التاسع الميلادي بدأت القبائل العربية الحسانية تصل إلى الصحراء، والشعب الصحراوي يتكون من عنصرين هما العرب والبربر، لم تكن هناك حدود معترف بها بين الشعبين الصحراوي والمغربي، يقول الدكتور خلف التميمي الذي يعتبر شاهدا أن التطورات التي حدثت في عصر المرابطين قد تثير قضية الحق التاريخي بعكس ما يطالب به المغرب اليوم وهو أن المراطبين قد خرجوا من الصحراء الغربية وحكموا المنطقة كلها بما فيها المغرب، ولذلك كانت المغرب في ذلك الوقت وبذلك المعنى تابعة للصحراء وليس العكس، مما يفسر عدم تبعية الصحراء الغربية للمغرب لأنه لم يكن هناك دمج ترابي بين المغرب والصحراء الغربية ويتضح ذلك من خلال الإتفاقية المغربية الإسبانية التي وقعت بين الطرفين في عام 1767م، ثم تلتها اتفاقية بين فرنسا واسبانيا لتحديد الحدود عام 1902 .

 ربما يقف القارئ مع موقف الكاتب حينما قال أن هذا الحق التاريخي الذي يثيره المغرب في مطالبته بالصحراء يحتاج إلى مناقشة وإعادة نظر، خاصة وأن هذه المطالب واجهتها معارضة إقليمية وأفريقية ودولية، منها تاييد الجزائر للصحراء الغربية وتقرير مصير الشعب الصحراوي واعتراف موريتانيا بالشعب الصحراوي بعد انسحابها من الصحراء، ثم قبول منظمة الوحدة الإفريقية الصحراء الغربية كعضو والإعتراف بها كجمهورية ديمقراطية وغير ذلك، أما الجانب الجزائري يرى الدكتور خلف التميمي فإن الجزائر تخشى إن نجحت المغرب في افستيلاء على الصحراء أن تعود المغرب للمطالبة بإقليم تندوف في جنوب الجزائر الغني بمعدن الحديد، كما أن الخلافات السياسية والحدودية وافيديولوجية بين المغرب والجزائر لها تاثيرها على العلاقات بين البلدين وعلى موقف الجزائر من قضية الصحراء، وهذا الخلاف السياسي والإيديولوجي مع المغرب يجعل الجزائر في موقف معارض لسياسة المغرب ومؤيد للثورة في الصحراء.

ماذا عن الموقف الخارجي ( الغربي والشرقي)؟

يرى صاحب الدراسة أن هناك مصالح استراتيجية حيوية في منطقة المغرب العربي والقارة الإفريقية يحددها موقف الدول الغربية والشرقية، فالأسطول السادس يرابط قرابة السواحل الإفريقية الشمالية، وإن الغرب يستورد الغاز الجزائري والنفط من أكثر من بلد كما ان بعض الدول الغربية تحصل على الفوسفات من لمغرب والصحراء الغربية، ما جعل ىالولايات المتحدة ألأمريكية تدخل طرفا في قضية الصحراء الغربية منذ عام 1975 كوسيط يسهم في حل المشكلة، أما عن العرب فقد انقسموا بين مؤيد ومدعم لقضية الصحراء الغربية وبين معارض حيث وقفت بعض الدول العربية إلى جانب المغرب في مطالبها بضم الصحراء بعضها بدافع قومي وبعضها الآخر من أجل خلق كيانات جديدة، يضاف إلى هذا الوضع ضعف الجامعة العربية وعدم قدرتها على اتخاذ قرارات في ظل الخلافات العربية وتردي الأوضاع في الوطن العربي.

 

قراءة علجية عيش

 

محمود محمد عليشهدت الثقافة المصرية في عهدها الذهبي، ظهور مجموعة من الرموز التي شكلت العقل المصري بصورة حضارية، وفكرية، مستنيرة، وفتحت للوجدان المصري، آفاقاً جديدة من الترفع والجمال في مصر ظهرت صحوة فنية رائدة، وتصدرت الساحة مجموعة من المبدعين الكبار في كل التخصصات غناءً وفناً ومسرحاً، ومع هذا هناك مجموعة من رجال الدين الذين فتحوا أبواباً للاجتهاد والحوار (1)

وكان في مقدمة هذه النخبة مفكرنا الجليل الأستاذ “خالد محمد خالد”، والذي يقول عنه الأستاذ “فاروق جويده “:” عرفته سنوات طويلة، وكنت أزوره في شقة متواضعة في حي منيل الروضة، وكانت في الدور السادس بدون أسانسير، وكانت الشقة متواضعة في كل شيء مساحة وأثاثاً، وكان يأنس كثيراً لها، ويحب الحياة فيها، وحين انتقل إلى فيلا صغيرة في المقطم مرض مرضاً شديداً، وكان يتصور أنه لو عاد إلى شقة المنيل لتحسنت صحته “(2).

بدأ “خالد محمد خالد ” مشواره الفكري يسارياً، ثم إسلامياً، وانتهى به المشوار إلى أن يكون من رموز الحريات الفكرية، فكان ليبرالياً مدافعاً بضراوة عن الديمقراطية، وخاض معارك كثيرة مع كل أصحاب الاتجاهات المتطرفة (3).

كان الكاتب والمفكر الإسلامي “خالد محمد خالد”، هو صاحب قلم رشيق وأسلوب أدبى رفيع يفيض بالبلاغة والحجة، وخاطبت كتاباته العقل المعاصر، كما كان واحدا ممن تخرجوا في الأزهر وحملوا عالميته، وعاش في رحاب الجمعيات الدينية، حيث تخرج من كلية الشريعة بجامعة الأزهر، وعمل مدرساً، ثم عمل بوزارة الثقافة، كان عضواً بالمجلس الأعلى للآداب والفنون.

وكان رحمه الله قد ولد يوم الثلاثاء 27 رمضان سنة 1339هـ الموافق 15 يونيو سنة 1920م ميلادية، في “العدوة” إحدى قرى محافظة الشرقية بمصر وتوفي منذ عقود ودفن في قريته (4)؛ وكان خالد محمد خالد قد أتم حفظ القرآن كله في وقت قياسي وهو خمسة أشهر – كما بين ذلك مفصلاً في مذكراته “قصتي مع الحياة” – ثم التحق بالأزهر في سن مبكرة، وظل يدرس فيه على مشايخه الأعلام طيلة ستة عشر عاماً حتى تخرج فيه، ونال الشهادة العالية من كلية الشريعة سنة 1364هـ – 1945م، وكان آنذاك زوجاً وأباً لأثنين من أبنائه. عمل بالتدريس بعد التخرج من الأزهر عدة سنوات حتى تركه نهائياً سنة 1954م، حيث عين في وزارة الثقافة كمستشار للنشر، ثم ترك الوظائف نهائياً بالخروج الاختياري على المعاش عام 1976 (5).

وفي أحد المؤتمرات الهامة كما يحدثنا فاروق جويدة دارت مناقشة طويلة بينه وبين الزعيم الراحل جمال عبد الناصر ويومها كان “خالد محمد خالد” جريئاً ومقنعاً وهو يقول للرئيس دع الزهور تتفتح مطالباً بالحرية والديمقراطية لأبناء وطنه.. كتب خالد محمد خالد عشرات الكتب مدافعا عن الحرية من هنا نبدأ، مواطنون لا رعايا، الديمقراطية أبدا، أزمة الحرية، لكى لا تحرثوا في البحر، وتناول حياة الرسول عليه الصلاة والسلام فى أكثر من كتاب وكان أمينا صادقا وهو يكتب معا على الطريق محمد والمسيح، إنسانيات محمد.. ومن أعظم ما كتب خالد محمد خالد كتابه الأشهر رجال حول الرسول تناول فيه سيرة عدد كبير من الصحابة وكيف كان الرسول عليه الصلاة والسلام يختار الرجال حوله.. كانت بيننا جلسات طويلة وكان خالد محمد خالد مترفعاً في كل شيء وقد شاهدته بنفسي وهو يرفض أشياء كثيرة وعاش راضيا قانعا بفكره وعلمه وثقافته.. طاف في كل مدارس الفكر وعاش معها وعايشها ورفض منها ما رفض واقتنع بما اقتنع لكنه كان في كل الحالات عقلاً مضيئاً وكانت لغته العربية التي أحبها لغة أدبية ساحرة في رصانتها وجمالياتها وعمق معانيها (6).

ولخالد محمد خالد كتابات كثيرة  أخري تميزت بجمال الأسلوب وطريقة التناول، وأشهرها “رجال حول الرسول ” الذي تحدث فيه عن سيرة ستين من أصحاب رسول الله، وخلفاء الرسول ” الذي ضم بين دفتيه خمسة كتب عن الخلفاء الراشدين: وجاء أبوبكر، بين يدي عمر، وداعا عثمان، في رحاب علي، معجزة الإسلام عمر بن عبد العزيز، ومن كتبه أيضاً: “أبناء الرسول في كربلاء” و” والموعد الله” و"لقاء مع الرسول ” و” كما تحدث الرسول ” و” كما تحدث القرآن” وإنسانيات محمد ” وعشرة أيام في حياة الرسول ” وغيرها.. أما كتبه السياسية والإنسانية والاجتماعية والفلسفية فهي عديدة كتب منها ثلاثة كتب في موضوع الديمقراطية وحدها، وهي: “الديمقراطية أبدا” و” دفاع عن الديمقراطية” و” لو شهدت حوارهم لقلت“…. وكتب – أيضاً – مذكراته في كتاب “قصتي مع الحياة (7) ؛ وهلم جرا..

إن كتاب “من هنا نبدأ” الذي بين يدينا ظهر في مارس عام 1950 ، وكان هناك وجدان الشعب وتفكيره يموجان بثورة عارمة بلغت ذروتها وقمتها في عام 1950 ، وعام 1951، إلي منتصف عام 1952، والذي تمت فيه الجريمة التي لا تزال مجهولة الهوية وهي حريق القاهرة .

في سنة 1950 كان “خالد محمد خالد” كان قد انتهي من كتابه ” من هنا نبدأ ” ، وهناك لفته عجيبة بصدد هذا الكتاب ، وهذه اللفتة تجسدت في خالد محمد خالد وهو في مرحلة الهم والعزم بتأليف الكتاب ، قال “خالد محمد خالد” أنه رأي في المنام رؤية في منامه شجعته بقدر ما أسعدته ، حيث قال رأيت رجلا من أولياء الله ، يحمل في يمينه كتاب ، ثم اتجه إلي وقال أخذ هذا الكتاب ، وهذا الكتاب كان بعنوان ” توالي العطاءات” ، فاستبشرت خير ، وبدأت الشروع في كتابة مقدمة الكتاب إلي أن فرغت منه وتم بحمد الله ، وكانت هناك عقبات أمام نسخه ذللتها قدرة الله وفضله ، إلي أن ظهرت طبعته الأولي في مارس من عام 1950 (8).

والكتاب كان ينتظم أربعة فصول ، يقول المؤلف في مقدمة كتابة : إنّ “أيسر الطرق للحضارة هو الانفتاح الفكري”، ويتجلى عبر الكتاب مدى تأثره بالفلسفة الغربية، سيما فلسفة عصر التنوير في أوروبا، فيستشهد في مقدمة كتابه بفلسفة الولاء للإنسانية التي صاغها الفيلسوف الفرنسي “جان جاك روسو”، كما اقتبس مقولة للفيلسوف الفرنسي “فولتير”، المدافع عن حرية العقيدة والحقوق المدنية، التي قال فيها: إنّ “الذي يقول لك اعتقد ما أعتقده، وإلا لعنك الله، لا يلبث أن يقول لك اعتقد ما أعتقده وإلا قتلتك”.

وفي الفصل الأول وهو بعنوان ” الدين لا الكهانة” ، وأما الفصل الثاني وكان عنوانه” الخبز هو السلام” ، في حين جاء الفصل الثالث من خلال عنوان” قومية الحكم ” وأخيراً يجيئ الفصل الرابع بعنوان” الرئة المعطلة”.

فأما عن الفصل الأول وهو ” الدين لا الكهانة” ، فقد كان “خالد محمد خالد” والتي ظهر فيها الكتاب وقبلها منذ منتصف الأربعينات أو الأربعينيات أن قد بدأ الإرهاص الشديد ، والمحاولات الدائبة لإنجاز تغيير سياسي في مصرنا ليحقق ما هو حق لنا من الحرية ومن العدل الاجتماعي (9) ... وللحديث بقية

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.........................

الهوامش

1- فاروق جويدة : هوامش حرة خالد محمد خالد، الأهرام .. الخميس 15 من رمضان 1439 هــ 31 مايو 2018 السنة 142 العدد 48023,

2- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

3- خالد محمد خالد: من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة.

4- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

5- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

6- فاروق جويدة : المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

7- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

8- البرنامج الإذاعي׃ زيارة لمكتبة فلان ˖˖ خالد محمد خالد.. يوتيوب.

9- خالد محمد خالد: من هنا نبدأ ، دار الكتاب العربي ، ط11، بيروت ، لبنان، 1969، ص 74-49.

 

جواد بشارةentre le cinema et la literature

جون كليدير Jean Cléder

ترجمة د. جواد بشارة


 إن تاريخ العلاقة بين الأدب والسينما هو بطريقة ما تم شطبه برقابة رصينة، وعدم التأكد من الحقوق، والذي مورس حتى الآن على عدة مستويات من استقبال الأفلام ؛ من الصحافة السائدة إلى أكثر التخصصات الجامعية صرامة، بينما يميل عدم الثقة، الذي يكون حادًا إلى حد ما اعتمادًا على الفترة الزمنية، إلى تثبيط التفكير في التفاعلات بين الفنون: دراسات الأفلام تنحرف قدر الإمكان عن جوار الأدب (وخبراته)، بينما تستمر الدراسات الأدبية في النظر إلى السينما بدونية على نحو ملحوظ في الوقت نفسه، يرحب النقاد بأكبر قدر من الشك بإنتاج الكتاب الذين شرعوا في صناعة الأفلام (والعكس صحيح)، بينما يستمر تكييف وإعداد الأعمال الأدبية في السينما وتحويلها إلى أفلام، في إثارة النقاشات، ولم تتغير المصطلحات والقضايا المثارة منذ منتصف الخمسينيات - على الرغم من الاندفاع نحو الانتاج الأنجلو ساكسوني الذي كان يحظى بالاهتمام الكبير [1]. يتم تفسير هذه المقاومة للتجارة بشكل عام بواسطة التقسيم الانضباطي لثقافتنا الفرنسية ــ الأوروبية[2]، وعن طريق نوع من عقدة الدونية للسينما فيما يتعلق بالأدب [3]: من أصل متأخر، عامية وأميّة، انتصرت السينما بفضل استقلاليتها واستردت كرامتها الفنية ضد الأدب من خلال اختراع خصوصيتها [ 4]. علاوة على ذلك، يمكن تفسير ازدراء المثقفين للسينما بعدم الثقة في ثقافتنا فيما يتعلق بالصور، والتي تتجلى بقوة ووضوح في قوة الالتقاط والانغماس الخيالي في الجهاز السينمائي نفسه: تحت ذرائع مختلفة (نقص عمق الصورة، تسهيلات المشهد)، من الواضح أنها القوة العاطفية غير اللائقة للسينما التي تحتفظ بها الثقافة التقليدية [5]. يمكننا أيضًا أن نفترض أن هذه الثقافة نفسها (الوقائية والتحفظية) كانت لها مصلحة في الحفاظ على مستوى الفنون الثانوية (أو التقنيات المتبقية) وهي ممارسة مقلقة للغاية لأنها أثبتت أنها قادرة على تطوير وسائل التعبير. : في الخمسينيات والستينيات، أكملت الموجة الجديدة الفرنسية، ثم السينما الحرة البريطانية، وبشكل أعم، السينما المستقلة - ولكن أيضًا تحت الأرض أو التجريبية الأمريكية- البادرة التي حددتها الطليعة التاريخية: تمزيق التفسير المسبق للستارة [6] لتعديل تصورنا ووضعنا على اتصال مع الجانب الآخر من العالم الذي لم يلاحظه أحد [7]. لا شك في أننا يجب أن نكون حريصين على عدم إعادة كتابة تاريخ السينما من خلال منظور التقدم أو المقاومة أو الاحتجاج الوحيد الذي قد يرقى إلى وضع الفن (وشذوذاته) ضد الصناعة (وتوحيدها). – وبالرغم من ذلك فإن هذه المعارضة ليست كذلك وظيفية للغاية. ومع ذلك، فإن هذه العملية للسينما بذاتها تم إنجازها باللغة السينمائية نفسها وأدت إلى تعديل ثلاثي فيما يتعلق بالعلاقة بالمرجع، وطرق تشكيل الصور، واستخدام اللغة - اللفظي . تحدد هذه البيانات السياقية جزئيًا ثراء وصعوبة التبادلات بين الأدب والسينما، والتي لا تزال تشهد عليها تعليقات الكتاب على الفن السابع في النصف الأول من القرن العشرين [8]. ومع ذلك، فإن مسألة التكيف أو الإعداد السينمائي للأدب، التي نادرًا ما يتم تناولها وجهاً لوجه، ودائمًا ما يتم تناولها من نفس النقطة، قد أشعلت نقاشات مثمرة في فترات معينة من التاريخ. في الواقع، يمكن للمرء أن يستنكر خنوع كتاب السيناريو فيما يتعلق بالأدب، حيث إن جهلهم بالسينما دفعهم إلى تحييد قوى العمل الأدبي مع تعقيم الإبداع السينمائي [9] ؛ لكننا نعرف الآن، ولفترة طويلة، رهانات التعاون الابتكاري لكليهما - يتم اختبارها في بعض الأحيان بشكل مباشر، ويمكن أن يزيد تعاون المؤلفين دون خسارة أو إتلاف سينما الأدب، والعكس بالعكس. لكن إذا كان من الضروري التحدث عن التبادلات، فيمكن للمرء أن يتساءل ما هي طبيعة هذا التبادل، وما هو جوهر ما يتم تبادله: ويمكننا طرح السؤال بطريقة مبسطة، ما هو الأدب، في السينما؟ يمكن أن تكون القصة: لكن هل الهيكل السردي، على الرغم من أن بعض المقاطع قابلة للاعتراف، تنجو من تغيير الوسيط؟ على الرغم من المظاهر، لا يوجد شيء أقل تأكيدًا، ومن ناحية أخرى، من المحتمل أن تشير قابلية نقل البيانات الهيكلية إلى أنها ليست أدبية بشكل خاص. يمكن أن يكون إدخال نص من أصل أدبي في الفيلم - بطاقات، اقتباسات، حوارات، إدخالات على كتاب أو مخطوطة ؛ ولكن هل يحتفظ النص بنفس الوضع والوظيفة بينما تحده الصور التي لا تدين بأي شيء للأدب وتستمر في إظهار ما كان النص يحاول إخفاءه بشكل طبيعي؟ في السينما، كانت الظروف ذاتها للفعالية أو بالأحرى ظروف كفاءة القراءة (وتخصيص العلاقة بالخيال) هي التي يتم التخلي عنها لصالح شيء آخر تمامًا. أخيرًا، يمكن أن يكون ذلك مصدر إلهام، جو تمنحه القصص نفسها - في الأفلام التي تسمى فيما بعد أدبية ؛ لكننا نفهم بسرعة أن هذا الاسم هو مجرد راحة ؛ إنها مفيدة أو مجازية، ولا تشير إلى أي شيء متسق للغاية أيضًا، وتتخذ بسهولة دلالات ازدراء: لكي تكون مؤهلًا كأدبي، ألا ينبغي أن يكون الفيلم قليل الكلام، وثابتًا قليلاً، وغبيًا؟ تحترم النحو - اللفظي وقواعد اللغة السينمائية؟ إن النظرة الأولى إلى طرق التعامل بين الأدب والسينما تدعونا إلى أن نلاحظ - فيما وراء المعابر العرضية أو السطحية - عدم تعددية الممارسات واستحالة المواجهة. ومع ذلك، فمن الواضح أن الاجتماعات تظهر قوة جاذبية الأدب للسينما و أن الأدب في السينما يمارس على مستوى الأشياء نفسها:  وُلد تكييف النصوص الأدبية للسينما بعد ولادة هذه الأخيرة بسنوات قليلة ؛ ما يعطي صوت المعلق من خارج الكادر والمربعات التي تحتوي نصوص مكتوبة للحوارات التي لا نسمعها لأن السينما كانت صامتة ولاحقًا صوت التعليق للراوي الشفهي، ويمنح حيوية ملموسة للأدب، وهو أيضًا نشط جدًا في الحوارات في الكثير من إنتاج الأفلام. بين الخطابات المرموقة التي تم حفرها بواسطة محولات الخمسينيات، والاكتشافات الشعرية لجاك بريفير، وكلمات مؤلفين مثل ساشا غيتري أو ميشيل أوديارد، والمحادثات المعقدة للغاية لإريك رومر، أو خليط من الاقتباسات عند جان لوك غودار، تُقاس الأهمية المعطاة للنص في السينما أولاً وقبل كل شيء بتنوع ممارسات الكتابة التي تسببها أو تثيرها تلك الممارسات- والتي تُعلم، كما يمكن للمرء أن يحكم، وتكشف عن اختلافات كبيرة جدًا في الأسلوب. يمكن أن تؤدي العلاقات بين الأدب والسينما أيضًا إلى لقاءات جسدية: بعض أشكال التعاون بين الكتاب وصانعي الأفلام تترك بصمة على تاريخ السينما، والتي لا يمكن أن ترتبط حصريتها بالسينما أو بالأدب، ولكنها تنطلق على عكس من التفاعل بين لغتين وتفويض مزدوج للسلطة يمكن أن يكون مثمرًا للغاية. ربما يكون أفضل ممثل لهذه الاجتماعات هو آلان رينيه Alain Resnais، لأن عمله مع جان كايرول Jean Cayrol، ومارغريت دوراس Marguerite Duras، وآلان روب غرييه Alain Robbe-Grillet، وجورج سيمبرون Jorge Semprun، وآلان أيكبورن Alan Aycbourn، فتح آفاقًا جديدة جدًا للأدب والسينما. يمكننا أيضًا التفكير في فيم ويندرز Wim Wenders و Peter Handke  و بيتر هاندكه[10] أو Sam Shepard و سام شيبارد[11] ومانويل دي أولفييرا Manoel de Oliveira و Agustina Bessa Luis [12]أوغسطين بيسا لويس، لأن تعاونهم جذب بانتظام المخرج السينمائي والكاتب إلى أرضية لم تكن موجودة من قبل، أي قبل التقائهم. يحدث أيضًا أن يكون الكاتب والمخرج شخص واحد أو نفس الشخص: الكتاب الذين أصبحوا صانعي أفلام لا يُستقبلون بالضرورة بصورة جيدة وبترحاب في فضاء ثقافي مجزأ للغاية، لكن البعض قد رسم لنفسه منطقة في تاريخ السينما ؛ نتذكر أنه خلال مناقشة مع مارغريت دوراس، قام جان لوك غودار Jean-Luc Godard بجمعهم معًا لتشكيل "عصابة من أربعة" تضم جان كوكتو Jean Cocteau ومارسيل بانيول Marcel Pagnol وساشا غيتري Sacha Guitry ومارغريت دوراس Marguerite Duras [13] ؛ هذا التجمع، غير المتجانس إلى حد ما، كان يتحمل قبل كل شيء خطأ إخفاء خصوصية السينما التي ربما لا تشبه فضيلتها الرئيسية شيئًا: لأن الحياة المهنية لمؤلفيها صنعت في مكان آخر، أي في الأدب، أفلام جان كوكتو ومارغريت دوراس، ولكن أيضًا غي ديبورد Guy Debord، ألان روب غرييه، صامويل بيكيت Samuel Beckett، جورج بيريك Georges Perec وبيتر هاندكه Peter Handke يمزقون بلا مبالاة لوائح النظرة التي تفرضها الاتفاقيات السينمائية لمنح الذات حرية التنقيب. بعد العملية العكسية لدمج الأدب والسينما هذا، نلاحظ رفعًا مشابهًا للرقابة بين صانعي الأفلام الذين بدأوا في كتابة ونشر نصوصهم أمثال: شانتال أكرمان Chantal Akerman، صوفي كال Sophie Calle، جان لوك غودار، عباس كياروستامي Abbas Kiarostami، آن ماري مييفيل Anne- Marie Miéville، فاليري مريجين Valérie Mréjen، تنشر نصوصًا غير عادية في أسلوبها، ثمينة بحداثة اللغة التي يكوّنونها، و ... يصعب تصنيفها في الفئات العامة المعتادة للأدب[14]. هذه هي الطريقة التي تحدث بها المواجهات المثمرة - لا تزال تدرس قليلًا جدًا على هذا النحو: اتباع الفكرة الخاطئة القائلة بأن علاقات تحديد البرامج ذات الأولوية الكمية والتسلسل الزمني مع نوع أو نمط إنتاج، أقل أهمية لنصوص جان لوك غودار من أفلامه ... بين الأدب والسينما، تحدث المعابر أيضًا عمل المناهج النقدية. أصبحت متزامنة مع الساعة السيميائية عندما اتخذت دراسة السرد كموضوع لها، في نفس الوقت، السرد الأدبي والسرد السينمائي ؛ يمكننا القول أنه في بداية الستينيات ولعدة سنوات، في مياه السرد المتحركة للغاية، أبحر منظرو الأدب والسينما العظماء من يحافظ على التعلم من بعضهم البعض حول نتائجهم ومواقفهم. وقد أدى هذا المجتمع من النوايا والمصالح النقدية إلى اجتماعات تحريرية مهمة. يمكننا أن نفكر في العدد 8 الشهير من مجلة Communications:إتصالات المكرسة للتحليل الهيكلي للقصة، استضافت مقالات من قبل Roland Barthes  رولاند بارت وأمبرتو إيكو Umberto Eco وجيرار جينيت Gérard Genette، ولكن أيضًا بقلم كريستيان ميتز Christian Metz - نص بعنوان "العبارات النسقية والنحوية العظيمة للفيلم "La grande syntagmatique du film" أو السرد الفيلمي"[15]. لن نتوقف هنا عند نتائج هذا البحث، لكن من الضروري الإشارة إلى صعوبة بعض المعاملات. في الواقع، كانت هناك محاولة في ذلك الوقت (في أعقاب تجارب ما قبل البنيوية) لتقليل دراسة السرد السينمائي مقارنة بدراسة السرد الأدبي - مجهزًا بالفعل بمفردات الإلهام البصري (وجهة نظر، تركيز، تقييد المجال على سبيل المثال) الذي اقترح أن التحويل من لغة إلى أخرى سوف يتم بسلاسة. لكنها لم تكن كذلك: فقد استخدمت الكلمات نفسها لتعيين أشياء أو عمليات لا يمكن اختزالها في بعضها - حتى لو كان لابد من مراعاة قرابة معينة فيما بينها. في هذا الصدد، فإن الجهود النظرية لبيير باولو بازوليني Pier Paolo Pasolini هي بلا شك الأكثر أهمية، ولكنها أيضًا الأكثر صعوبة في الاستخدام [16]. من حيث المقاربات النقدية، يمكننا القول إن التبادل بين الأدب والسينما قاوم علم السيمولوجيا - يوافق رولان بارت Roland Barthes على ذلك دون صعوبة: "إن الجانب الفيلمي le filmique، موجود في الفيلم، وإن ما لا يمكن وصفه هو التمثيل الذي لا يمكن أن يمثل. فالفيلمي يبدأ فقط عندما تتوقف اللغة واللغة الفوقية المفصلية le  métalangage”[17]. من الواضح إذن بين الأدب والسينما أن التبادل لا يقتصر على مسألة التكييف والإعداد. تتضاعف نقاط الالتقاء من خلال التشتت، لإعادة ترتيب نفسها في تكوين يصعب تحديده بلا شك، لأنه يحدث عند تقاطع الممارسات الأكاديمية أو المؤسساتية، ولكنه بلا شك مثير للتساؤل: إنه أمر جيد بين الأدب والسينما، في الفاصل الزمني الذي يفصل ويوحد الفضاءين غير المتجانسين، اللذين يحققان بعض إمكانات السينما والأدب التي لا تنتمي إلى أي منهما. والعلاقة كقوة من القوة اللامركزية décentrement هي التي ستجذب انتباهنا - بعد تحفيز الجديد، وإذا جاز القول، فإن الكتابات التي لا يمكن التنبؤ بها هي التي تطورت خلال السنوات القليلة الماضية. لهذا السبب، في إطار هذا النص، ومن أجل إعادة التفكير في العلاقات بين السينما والأدب، يجب أن نبدأ بالتشويش على مسار تبادلهما، وتفكيك التراتبية والتصنيفات، التي تحافظ على الفصل بينهما حتى نترك. أخيرًا كل تخصص لنفسه، والتخلى عن ذكاء الأعمال للتخصصات التأديبية: لكن هذه الأقسام تمنع التمكين الحقيقي للممارسات كتفسير حقيقي للتبادلات والتدخلات لتؤدي، على المدى الطويل، إلى حبس الفكر السينمائي أيضًا كأدب [18]. من الواضح أنها لن تكون مسألة استبدال رسم خرائطي وأحد طرق التحقيق بأخرى، بل بالأحرى اقتراح إعادة ترتيب الحقول وتكوين شكل جديد للنظر في العلاقات بينهما. من وجهة نظر منهجية، من السهل تحديد رهانات هذا النهج: إلى شبكات التفسير المفروضة على العمل، إلى الأدوات التفسيرية الخارجية وأحادية التخصص (التاريخية، والجمالية، والسردية)، والفلسفية، إلخ. ) التي نسند إليها عادة عمل اقتحام العمل (بهدف إخضاعه لنظام كهذا أو ذاك، كذا أو ذاك الأسلوب)، يمكن أن تستجيب لربط الأدب بالسينما من خلال قضايا متداخلة (وضوح الرؤية التمثيلات، ومفهوم السلطة، والأهمية المعطاة للحبكة mise en intrigue، وتدوين القصص، والتخصيب المتبادل للنصوص والأفلام، وتهجين اللغات، وما إلى ذلك). بدلاً من تشكيل نسخة نهائية من النص أو الفيلم بالألوان، سيكون الأمر بعد ذلك مسألة دراسة علاقاتهم بشكل مباشر أكثر: إعادة العمل إلى حياة المرء من خلال محاولة فهم السينما من خلال امتداداته السينمائية والعكس صحيح.

 

..........................

[1] في هذا الصدد، من اللافت للنظر أن أعمال كاميلا إليوت Kamilla Elliott، ليندا هوتشيون Linda Hutcheon، بريان ماك فارلين Brian Mac Farlane، جولي ساندرز Julie Sanders، ما زالت غير متوفرة باللغة الفرنسية ...

[2] حول هذه النقطة، انظر Laurent Jullier: "نظريات السينما والفطرة السليمة: السؤال المحاكي. "، في السينما (مجلة دراسات الأفلام) المجلد. 17، ربيع 2007 / رقم 2-3:نظرية السينما La Théorie du cinema، أخيرًا في أزمة (المجلد منسق بواسطة روجر أودين، كندا)، ص. 97-115. [3]. انظر إلى هذه النقطة: André S. Labarthe: Essay on Young French Cinema، منشورات Le Terrain Vague Paris، 1960). [4]. ترى على هذه النقطة: أندريه بازان: "مع الإعداد السينمائي التكيف أو ضده Pour ou contre l’adaptation "، فصل من كتاب ما هي السينما Qu’est-ce que le cinéma ؟ (باريس، إصدارات دو سيرف، كول. "الفن السابع"، 1959، 1983، ص. 81-106). [5]. حول خصوصية هذه الإجراءات في السينما، انظر على سبيل المثال  السينما أو الرجل الخيالي لإدغار موران، Edgar Morin :  l’homme imaginaire   Le Cinéma ou، جان لوي شيفر: الإنسان العادي في السينما (باريس، غاليمار / Cahiers du Cinéma،كراسات السينما Jean-Louis Schefer :L’homme ordinaire du cinéma (Paris, Gallimard/Cahiers du Cinéma, 1980)  1980) ؛ لكن أيضًا: كريستيان ميتز Christian Metz: الدلالة المتخيلة أو الخيالية. التحليل النفسي والسينما Le Signifiant imaginaire ; Psychanalyse et cinéma (UGE، 1977،وأعاد نشره كرستيان بورجوا Christian Bourgois Éditeur، 1984، 1993)

[6]. شاهد ميلان كونديرا: الستار: "ستارة سحرية منسوجة بالأساطير، معلقة أمام العالم. أرسل سيرفانتس دون كيشوت في رحلة ومزق الستارة. انفتح العالم أمام الفارس الضال في كل العري هزلي لنثره. »(باريس، غاليمارد، 2005، ص 110). Voir Milan Kundera : Le Rideau : « Un rideau magique, tissé de légendes, était suspendu devant le monde. Cervantès envoya Don Quichotte en voyage et déchira le rideau. Le monde s’ouvrit devant le chevalier errant dans toute la nudité comique de sa prose. » (Paris, Gallimard, 2005, p. 110).

  [7]. في العرض التجميعي الذي قدمته حول العلاقات بين الأدب والسينما، جين ماري كليرك تؤكد بقوة على هذه النقطة: "لقد كشفت الرؤية الحديثة عن شبكات إدراكية جديدة من خلالها يتم تقديم أي تخوف آخر من العالم للفرد، والذي يتنافس مع سلفه حيث فرضت عليه الكلمات. فجأة يظهر وعي أكثر أو أقل وضوحًا من الكلمات، والذي، منذ ذلك الحين، يمنعه دائمًا من الرؤية "(جان ماري كليرك: الأدب والسينما، باريس، ناثان، كول. ناثان جامعة 1993، ص. 200

Dans la synthèse qu’elle propose sur les relations entre littérature et cinéma, Jeanne-Marie Clerc souligne fortement ce point : « La visualité moderne a révélé de nouvelles grilles perceptives à travers lesquelles une autre appréhension du monde s’offre à l’individu, et qui rivalise avec celle, ancestrale, que lui imposaient les mots. Soudain se fait jour la conscience plus ou moins claire que les mots, depuis toujours, empêchaient de voir » (Jeanne-Marie Clerc : Littérature et cinéma, Paris, Nathan, coll. Nathan Université, 1993, p. 200).

[8]. حول هذا السؤال، انظر جان ماري كليرك: الكتاب والسينما Écrivains et cinéma ؛ من الكلمات إلى الصور والصور للكلمات الإعدادات السينمائية والروايات السينمائية 

 Des mots aux images, des images aux mots, adaptations et ciné-romans،

 Presses Universitaires de Metz, 1985) 

و Le Cinéma, témoin de l’imaginaire dans le roman français contemporain،

أنظر أيضاً : السينما شاهد على الخيال في الرواية الفرنسية المعاصرة (بروكسل، بيتر لانج، 1984) ؛ Bruxelles, Peter Lang, 1984

جيروم بريور Jérôme Prieur: المتفرج الليلي الكتاب في السينما، Le Spectateur nocturne ; les écrivains au cinéma, une anthologie, 1993  مختارات (باريس، منشورات كراسات السينماÉditions de l'Etoile / Cahiers du، 1993) ؛

Alain et Odette Virmaux:آلان و أوديت فيرمو: نوع جديد: الرواية السينمائية Un genre nouveau : le ciné-roman  مكتبة الوسائط المتعددة"  Paris, Edilig, coll. Médiathèque1983

[9]. في المجال الفرنسي، تم الكشف بقوة عن شروط المشكلة من قبل فرانسوا تروفو Truffaut François   في نص لا يزال مشهورًا: "اتجاه معين في السينما الفرنسية" Une certaine tendance du cinéma français،نشر  في مجلة كراسات السينما  Cahiers du Cinéma عدد 31، كانون الثاني 1954، ص. 15-29، مكرر في  " متعة العيون Le Plaisir des yeux ؛ كتابات عن السينما (باريس،منشورات، مكتبة Cahiers du Cinéma الكتيبات الصغيرة، 2000، ص. 293-314

[10]. كتب بيتر هاندكه بشكل ملحوظ  سيناريوهات أفلام مثل معاناة حارس المرمى في لحظة ركلة الجزاء (يموت Angst des Tormanns beim Elfmeter، 1972)، The Wings of Desire أجنحة الرغبة Les Ailes du désir ـــ(Der Himmel über Berlin، 1987 .

[11] سام شيبرد كتب سيناريو باريس، تكساس Paris, Texas (1983)  و لا تأتي لتطرق Don’t come knocking (2005)

[12] كتبت الكاتبة البرتغالية، الغالبية من سيناريوهات نصوصها الخاصة:

  Francisca Val (1981), Abraham (Val Abrao, 1991), Le Couvent الدير(O Convento, 1995), Inquiétude  القلق(1998), Le Principe d’incertitude مبدأ اللايقين(O Principio da Incerteza, 2002), Espelho Magico (2005).

[13] جان لوك غودار: دوراس / غودار، 2 أو 3 أشياء قالوها لبعضهم البعض، نص، برنامج Océaniques، 28 ديسمبر 1987، أعيد طبعه في جان لوك غودار بقلم جان لوك غودار، المجلد الثاني (1984-1998)، باريس، المجلة السينما، 1998، ص. 140-147 Jean-Luc Godard : Duras/Godard, 2 ou 3 choses qu’ils se sont dites, Texto, émission Océaniques,

28 décembre 1987, repris dans Jean-Luc Godard par Jean-Luc Godard, tome II (1984-1998), Paris, Cahiers

du Cinéma, 1998, p. 140-147.

 ....................... 

 

. [14]. Quelques exemples : Marguerite Duras : Le Navire Night, Césarée, Les Mains négatives, Aurélia 

Steiner, Aurélia Steiner, Aurélia Steiner (Paris, Mercure de France, 1979) ; Jean-Luc Godard : JLG/JLG ; 

phrases (Paris, P.O.L. éditeur, 1996) ; Allemagne neuf zéro ; phrases (sorties d’un film) (Paris, P.O.L. 

éditeur, 1998) ; 2 x 50 ans de cinéma français ; phrases (sorties d’un film) (Paris, P.O.L. éditeur, 1998) ; 

Éloge de l’amour ; phrases (sorties d’un film) (Paris, P.O.L. éditeur, 2001) Abbas Kiarostami : Avec le vent 

(Paris, P.O.L. éditeur, 2002) ; Anne-Marie Miéville : Images en parole (Paris, farrago, Éditions Léo Scheer, 

2002) ; Valérie Mréjen : Eau sauvage (Paris, Éditions Allia, 2004) ; L’Agrume (Paris, Éditions Allia, 2004). 

بعض الأمثلة القارب الليلي : Marguerite Duras: Le Navire Night والقيصرية Césarée والأيدي السالبة Les Mains Negatives وأورليا شتاينر Aurélia شتاينر، أوريليا شتاينر، أوريليا شتاينر (باريس، ميركيور دو فرانس، 1979) ؛ جان لوك غودار: JLG / JLG ؛ عبارات (Paris، P.O.L. Editor، 1996)؛ ألمانيا تسعة أصفار ؛ جمل (خرجت من فيلم) (باريس، P.O.L. محرر، 1998) ؛ 2 × 50 سنة من السينما الفرنسية ؛ عبارات (إصدارات من فيلم) (باريس، محرر P.O.L.، 1998) ؛ مدح الحب؛ عبارات (من فيلم) (باريس، محرر P.O.L.، 2001) عباس كياروستامي: مع الريح (باريس، محرر P.O.L.، 2002) ؛ Anne-Marie Miéville: Images en parole (Parisآن ماري ميفيل : صور عل هيئة كلام، farrago، Éditions Léo Scheer، 2002) ؛ Valérie Mréjen: Eau sauvage (Parisألمياه البرية لفاليري ميرجين، Éditions Allia، 2004)؛ L’Agrume (Paris، Éditions Allia، 2004 

[15]. الاتصالات، 8، 1966،  أعيد نشرها في منشورات سويLe Seuil، Coll. "نقاط الأدب" 1981 

[16] انظر في هذه النقطة إلى التجربة الزنديقة  : Pier Paolo Pasolini: The Heretic Experienceبيير باولو بازوليني؛ اللغة والسينما (Empirismo eretico، Aldo Garzanti Editore، 1972، Paris، Éditions Payot، coll. "آثار"، 1976 للترجمة الفرنسية آنا روكي بولبرغ 

[17 رولان بارت ]. Roland Barthes:الحاسة الثالثة ؛ ملاحظات بحثية على بعض الصور الفوتوغرافية لسيرغي آيزنشتاين Eisenstein "، في Obvie and the Obtus ؛ المقالات النقدية الثالثة L’Obvie et l’obtus ; essais critiques III (، Paris Le Seuil، Coll. "Tel quel"، 1982، p. 58). [18]. يمكن طرح السؤال بشكل ملموس: ما الذي نفهمه من قصة (قصص) السينما جان لوك غودار؟ إذا رفضنا اعتبار أنهما موجودان معًا ومنفصلًا في شكل ما بالفيديو، في شكل صوت وفي شكل كتاب؟ La question pourrait se poser concrètement : que saisit-on des Histoire(s) du cinéma de Jean-Luc Godard si on refuse de considérer qu’elles existent ensemble et séparément, sous une forme vidéographique, sous une forme sonore, et sous la forme d’un livre ?

 

 

 

2765 اعلام الكوفةلا تزال كتابة التاريخ عامة والتاريخ الاسلامي خاصة ضربا من المحاولة الخطرة وخاصة اذا كانت الفترة الزمنية ضاربة في عمق التاريخ، التي تقتصر فيها الكتابة والتدوين والامانة في سرد الاحداث والوقائع وتخليد الشخصيات الثانوية في المشهد التاريخي كتابة متأخرة. وهي الفترة التي تناولها سماحة السيد مضر الحلو من تأسيس الكوفة سنة سبعة عشر للهجرة الى القرن الرابع هي فترة يصعب بها جمع المصادر والوثائق والشهود، لكونها فترة لم تخضع للنقد والقياس والاستنتاج الا ماندر.

لذلك يعتبر الخوض بها والنهوض بأعبائها تحدٍ كبير ومحاولة جريئة من قبل الباحثين والدارسين في مضمار التاريخ والأعلام، ومع ذلك إنفردت موسوعة اعلام الكوفة للإستاذ الباحث المتنور السيد مضر الحلو بتسعة اجزاء وهي الطبعة الأولى – عن دار المؤرخ العربي /بيروت /٢٠١٤م.

تناولت الاجزاء فترة صاخبة بالاحداث السياسية التي تشابك تداعيات احداثها الى يومنا هذا. وقد أنشأت مدينة الكوفة لتكون دار هجرة وعاصمة للمسلمين بدل المدائن وهي ثاني مدينة مصرت في الاسلام بعد الفتح. وقد أسسها سعد بن أبي وقاص سنة سبع عشر للهجرة بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب .

ولعلنا لا نعدو جانب الحقيقة إذا قلنا إن السيد الحلو في موسوعته الموسومة يعد أهم من وثق أعلام الكوفة، لم يسبق مثل هذا الكتاب الموسوعي الجامع والشامل الذي يستغرق بين دفتيه تاريخ أعلام الكوفة منذ سنة سبع عشر للهجرة إلى نهايات القرن الرابع الهجري.

رغم وعورة البحث في قلب الاحداث ورجالاتها وتداخلاتها الزمنية وإرهاصاتها السياسية وتفاعلاتها الاجتماعية وانفعالاتها الثقافية. التي واجهت احداث مثيرة ومروعة، ومن أهمها الاحداث التي جرت على الخليفة عثمان وانتهت بالإطاحة به ومقتله، وانتخاب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) للخلافة، واتخاذ (الكوفة) عاصمة الدولة الإسلامية.

ويقول السيد الحلو في الجزء الاول من الموسوعة (هكذا ظلت الأحداث تتفاعل في الكوفة، إذ هي مركز العالم الإسلامي وقلبه النابض، وهي عاصمة دولة الخلافة، وشاءت الأقدار أن يتعرض الإمام علي ع للإغتيال المشؤوم في الكوفة نفسها، فيتقلد الإمام الحسن ع الخلافة فيها أيضا، ويهدد معاوية بغزو الإمام الحسن “ع” فجهز له الإمام جيشا من الكوفيين وحصلت الهدنة بعد ذلك ودخل معاوية الكوفة).

2764 اعلام الكوفة

إلا أن الباحث وفق وتفوق في جمع تاريخ أعلام الكوفة لمدة خمسة وعشرين عاماً من البحث والعناء والتقصي والاستدلال، لفترة زمنية تمتد لأربعة قرون صاخبة وغائرة في عمق التاريخ. وهذه الفترة تعتبر من أهم وأخصب الفترات التي عاشتها مدينة الكوفة من حيث النضوج الفكري والثقافي والصراع السياسي. وتعتبر موسوعة اعلام الكوفة موسوعة شاملة لمختلف الميادين المعرفية والسياسية والدينية والثقافية والادبية والفنية.

وللكوفة دور علمي وفكري بارز في حركة التاريخ فيقول السيد الباحث: (أما على الصعيد الفكري، فمنذ أن نزل الكوفة ثلثمائة وسبعون من صحابة الرسول ص منهم ثلثمائة من أصحاب الشجرة وسبعون من أهل بدر، والحركة العلمية فيها مستمرة لم تفتر، ففيها ولدت ونشأت المذاهب الفقهية والتيارات العقائدية والإتجاهات التفسيرية وعلوم القرآن وعلوم اللغة والأدب) وهذا الحراك المعرفي منح الكوفة طابعا ثقافيا وفكريا مميزاً، جعلها نقطة ارتكاز سياسي وعلمي ومركز اشعاع فكري وحضاري.

ويكفي الكوفة فخراً أنها كانت عاصمة الخليفة الرابع الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) حيث يقول الباحث :(في الكوفة نثر الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) درر بلاغته وجواهر حكمته التي عكس لنا بعضها أثره الخالد (نهج البلاغة)، وفيها أسس الإمام جعفر بن محمد الصادق ع (ت١٤٨هجرية) مدرسته ذات الأربعة آلاف طالب علم، والتي ظلت آثارها فيما بعد)

ومما لا شك فيه أن موضوع الموسوعة من أهم المواضيع التاريخية التي تستحق الكتابة بكلمات مضيئة وبنور المعرفة وبمداد العارفين.

لذلك جاءت مقدمتها الافتتاحية من قبل العلامة العارف والمؤرخ السيد حسن الأمين (رحمه الله) في الثامن والعشرين من آذار سنة ٢٠٠٢م.

حيث يقول ((عندما لقيت الإستاذ البحاثة السيد مضر الحلو وعلمت أنه عاكف على تدوين تاريخ الكوفة بالطريقة التي دون فيها تاريخ بغداد وتاريخ دمشق، اغتبطت بذلك كل الإغتباط. لأن الكوفة العظيمة التي ناضلت ما ناضلت في سبيل الحق، وقدمت من قدمت من الشهداء، وأبرزت من أبرزت من الأبطال ثم كانت مدرسة الإسلام الكبرى علماً وأدباً وشعراً. وإن الكوفة هذه كانت جديرة بالدراسات الكثيرة والمؤلفات العديدة التي توضح تاريخها وتجلو ماضيها، وتري الأجيال ما كانت عليه هذه المدينة من حياة مزدهرة بالعلم والعلماء والشعر والشعراء والشهادة والشهداء، ولكنها لم تظفر بشيئ من ذلك، ولم يولها أحد ما يستحق تاريخها من تدوين، وأفذاذها من ذكر وتسجيل، حتى جاء هذا العالم الكاتب والمؤرخ عازما على الوفاء للكوفة التي طالما وفت للجهاد والعلم والبحث والتدريس، وإذا كان هذا (الحلو) حلوا في كل شيئ في إسمه وحديثه وسيرته، فإن أحلى ما فيه هو أنه مؤرخ الكوفة الذي سيخلد خلود الكوفة حسبه ذلك))

والاجزاء التسعة من موسوعة أعلام الكوفة اعتمدت الاحداث والشخصيات حسب أهميتها وتأثيرها في مسارات التاريخ، حيث تناول الأئمة من أهل البيت عليهم السلام ومن ثم الصحابة والتابعين والعلماء والمحدثين والمفسرين والمؤرخين والمصنفين والشعراء والادباء واللغوين والنحاة والقراء والاطباء والمغنين والملحنين والخلفاء والولاة والقضاة كل حسب الحروف الابجدية وكذلك محتوى الاجزاء. وقد ضمن فهارس مجدولة لكل كتاب وجعل الجزء الاخير فهرس جامع للموسوعة.

وربما تعجز تلك الدراسة النقدية عن الوفاء لهذا الجهد الموسوعي الكبير التي تشكل دراما تاريخية متنوعة، في مواضيعها السردية المتينة والثمينة. والتي اخذت من الباحث الجهد الكبير والوقت الطويل في البحث والتدوين، لكي تشق طريقها الى القارئ وتأخذ شكلها الانيق ومحتواها الثمين. لترفد المكتبة العربية التي تساهم وتساعد الطلبة والباحثين حول تاريخ الكوفة بكل احداثها وحوادثها ومساراتها ومجاراتها السياسية ورجالها المؤسسين وقادة الرأي والمجتمع وفنونها وآدابها ومنابرها ومدارسها وحوزاتها وحاراتها.

 

الكاتب ناجي الغزي

 

 

عز الدين عنايةيحظى التصوّف الإسلامي بتقدير لافت في مجال الدراسات الغربية المعاصرة، وهو تقدير نابعٌ بالأساس من فرادة تعاليمه وممّا يطفح به نهجه من محبّة ورأفة واحتضان للخَلق أجمعين. وبوجه عام تترافق موجة الانجذاب للتقاليد الروحيّة الإسلاميّة مع هدوء نسبي في دراسات الإسلام الحديث، بعد أن خفتت موجة النظرة المتوتّرة والعُصابية، التي غالبا ما تحكّمت بمقاربة الدارس الغربي لقضايا الإسلام السياسية والتاريخية. في غمرة هذه الأجواء المتداخلة يحضر التصوّف مدخلا تصحيحيا لتلك العلاقة المأزومة جراء القلاقل السياسية. والمتابع لمسار اكتشاف العمق الروحي الإسلامي في الغرب يرصد مرور مقارَبة التصوف بعمليات تصحيح، حتى بلغ إلى ما هو عليه. نشير إلى أنّ جملة من الدراسات الغربية المبكّرة، التي انشغلت بالتصوّف الإسلامي، قد اعتبرتْ المبحثَ دخيلا عن المكوَّن الحضاري الإسلامي ولا يمتّ له بصلة؛ ولكن مع تطوّر الأبحاث، تراجعت تلك الأطروحة المنكِرة والجاحدة لتفسح المجال لرؤية أكثر اتّزانا.

وكتاب "العلم اللدني الإسلامي" الذي نعالجه، يندرج ضمن دراسات التصوّف والروحانيات الإسلامية بشكل عام، وهو من تأليف أستاذ الدراسات الإسلامية الإيطالي ألبيرتو فينتورا (من مواليد روما 1953). فهو في الوقت الحالي يدرّس في جامعة كالابريا، وقد سبق له أن نشر مجموعة من الأعمال في الشأن، نذكر منها: (حكمة المتصوّفة: المذاهب والرموز والباطنيات، منشورات الميديترانيه)؛ (الإسلام، مؤلّف مشترك مع خالد فؤاد علام وكلاوديو لوياكونو، منشورات لاتيرسا)، (تاريخ الحلاّج الشهيد، منشورات مورشيليانا)؛ كما نقل بعض نصوص الحلاج إلى الإيطالية بعنوان: (مسيح الإسلام، منشورات موندادوري) وترجم (ديوان الحلاج، الصادر عن دار مارييتي)، وأشرف على كتاب جماعي بعنوان: (حياة محمد وأقواله، موندادوري). وقد سلك الباحث فينتورا في سائر أعماله مسلكا متّزنا يذهب إلى أنّ التصوف الإسلامي بلغاته المتعدّدة، وبمدارسه المتنوّعة، هو نابع من عمق الفلسفة التصوريّة الإسلامية، وأنّ مقولاته ومصطلحاته ومساراته هي وليدة منهج ديني حضاري عاش في أحضان الحضارة الإسلامية وتطوّر داخلها.

2763 عالم اللدنيجاء الكتاب بعنوان "العلم اللدني الإسلامي" أو لربّما صحّ أيضا عنونته بـ"العلم الإشاري الإسلامي" أو كذلك "علم الباطن الإسلامي"، وقد حاول فيه صاحبه عرضَ بواطن فلسفة التصوف الإسلامي، وبِنْية الرمزيات الدينية الإسلامية، من خلال التطرّق إلى أصولها ومبادئها الرئيسة بالشرح والتحليل. حيث وزّع المؤلّف كتابه إلى مقدّمة وخاتمة إضافة إلى تسعة معنونات تابعت قضايا الوحدة والمغايرة، والجواهر الخالدة، والمغايَرة والمشابَهة، والمادة الأولى وصورة الكون، والإنسان وعلاقته بالميتافيزيقا وغيرها من المواضيع. فعلم البواطن والأسرار والخفايا والرمزيات، على ما يرى الكاتب، هو بناءٌ رؤيويٌّ قائم الذات وفق أصول، تجد لها مشتَركا وتقارُبا مع تقاليد دينية شرقية أخرى في الهند والصين أساسا. فليس الكتاب دراسة سوسيولوجية ولا تاريخية لمبحث الرمزيات، بل هو دراسة ماهوية لتجارب تلامس مجال العرفان والتأويليات الباطنية. يحاول فيه المؤلف استدراج اللغة الصوفية القائمة على البعد التأويلي والباطني ليُقدِّم عرضا لجوهر فلسفة الباطن ودلالاتها الخفية في الإسلام.

وللذكر تجد هذه النوعية من الدراسات الباطنية هوى في الفكر الغربي الحديث والمعاصر، سيما بين المولَعين بعوالم الروحانيات والأسرار، حيث التقارب بين مجالات الروحانيات والرموز والتصوف، وهي ضربٌ من النظر يستهوي العديد في رؤية العالم والظواهر الكونية. يحاول ألبيرتو فينتورا الغوص في هذا الجانب من منظور اللغة الصوفية الإسلامية سعيًا للإمساك بالدلالات الخفية، سيما وأنّ موضوع التأويليات والباطن هو من المواضيع المطروقة في التقليد الصوفي.

صحيح أنّ الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي بمقولاته الفاتنة هو مصدر إغراء كبير لشرائح غربية مثقّفة تلج باب التصوف؛ ولكن تأثير الفرنسي رينيه غينو (عبدالواحد يحيى) (1886-1951م) يبقى لافتا أيضا في المحافل الروحية الغربية. فغينو من ذلك الصنف الآسر، لا سيما في أوساط المولَعين بالمدخل الرمزي والباطني الذي يلحّ عليه المؤلف المعروض، وألبيرتو فينتورا، ضمن هذا السياق، أحد المأسورين بتلك الرؤية. نشير إلى أن نهج رينيه غينو يُعَدّ مؤثرا في المجال الروحي عامة، بما تخلّله من تجوال بين تقاليد روحية كونية، تراوحت بين المسيحية والهندوسية والطاوية والبوذية وغيرها، إلى أن انتهى به المطاف عند التقليد الروحي الإسلامي الذي وجد فيه ضالته اعتقادا وإيمانا. فقد سبق أن تناول المفكر غينو قضايا علم الباطن في الإسلام، وذلك في مؤلف كلاسيكي بعنوان: "كتابات حول علم الباطن الإسلامي والطاوية"، فضلا عما تطرق إليه في مجموعة كتب أخرى، لقيت صدى واسعا في أوساط المولَعين بالأسرار ودراسات الباطن، ثم تناول المسألة لاحقا الفرنسي أيضا هنري كوربان من زاوية العرفان الفارسي خاصة؛ لكن في إيطاليا تخلو المكتبة الإيطالية من كتاب في المجال، ومن هنا يُعتبر مؤلَّف الإيطالي ألبيرتو فينتورا أوّل عمل باللسان الإيطالي على صلة بثنائية التصوف والباطن.

وبموجب هذا النقص في التطرق إلى المسائل الرمزية والباطنية ضمن دراسات الظاهرة الإسلامية في إيطاليا، يُعدّ الموضوع جديدا ورياديا، ولعلّ ذلك ما جعل المؤلّف يلقى حفاوة ورواجا سريعين، سيما وأنّ صاحبه يحظى بتقدير في أوساط الدارسين للمجال الروحي في الإسلام. والكتاب من حيث تركيزه على موضوع الباطن فيه من الطرافة والجدة، فهو دراسة تنحو للتأمل والتفكر في القضايا المعالَجة بعمق وروية، فضلا عمّا يحيل إليه من مَراجع ومَصادر. نذكر أنّ النوادي المنشغلة بالدراسات الباطنية والروحية والصوفية في إيطاليا قد احتفت بالكتاب، لِما يسلّطه من ضوء في جانب معتم عن التصورات الإسلامية مقارنة بغيرها من التراثات الشرقية الأخرى. والكتاب يمكن إدراجه ضمن فلسفة التصوف عامة، وإن كان معنيا بموضوع محدد وهو مسألة التأويلات الإشارية. عموما يأتي الكتاب متسقا مع المقاربة الرمزية والروحية التي ينظر منها فينتورا إلى التراث الديني الإسلامي.

لقد كرّس ألبيرتو فينتورا مجمل أبحاثه لدراسة التصوف الإسلامي وتناول الروحانيات وأدب الأسرار، وهو مرجعٌ في إيطاليا في هذا الحقل. يأتي كتابه الذي نعالجه ضمن مجال اهتمامه العام. ولا شك أنّ دراسة التصوف الإسلامي هي إحدى التفرعات المغرية اليوم في الغرب لما تثيره من سحر وافتتان. وبوجه عام غالبا ما ينزع دارسو التصوف منحى مغايرا لزملائهم في فروع الدراسات الإسلامية والعربية الأخرى، يتميز بالهدوء والرصانة وقلة الضجيج والإحجام عن الأحكام المسبَقة والمتنطّعة. ومن هنا يحاول فينتورا في مؤلفه الدفاع عن أطروحة أن "المظاهر الروحية الناعمة" المشوبة بالمحبّة واللّطف في التراث الصوفي الإسلامي، هي مما يعبّر عن وجه أصيل من وجوه الإسلام. لقد تميزت الرؤية المعرفية لألبيرتو فينتورا في التعاطي مع الفكر العربي ومع الأدبيات الدينية برصانة وروية، خلت من التنطّع أو الأحكام المستعجلة. فهو غالبا ما ينحو في مؤلفاته باتجاه التحليل الهادئ والموثّق. ولم يجار الادعاءات المغرضة التي تتّهم الحضارة الإسلامية، أو تلك التي تشكك في قيمة المخزون الروحي الإسلامي المنفتح على الآخر والمحتضن للمغاير، فغالبا ما سعى جاهدا في حواراته وكتاباته إلى التنبيه إلى هذا الوجه المغيَّب من الحضارة الإسلامية. وكان دائما حريصا على عرض رؤية محايدة عن الإسلام مستلهِما مقوماتها من المقولات الصوفية التي يرتئي أنها الأقرب لعرض الصورة الصادقة عن الإسلام. وفي الواقع لم يكن اختيار دراسة التراث الروحي الإسلامي خيارا ظرفيّا مع فينتورا لمواجَهَة التوتّر الذي أجّجه "الإسلام الجهادي" أو "الإسلام السياسي"، في الفترة الأخيرة، وما خلّفته تلك الظواهر من أثر عميق وارتباك في انشغالات الباحثين الغربيين وعلى مواقفهم. حيث يأتي اهتمامه نابعا من شغف دفين وقديم بهذا الحقل.

نشير إلى أن فينتورا يجمع بين ضربين في هذا الحقل، فهو من ذلك الصنف المولع بالمقولات الإسلامية وبغيرها الواردة في تراثات أخرى في الشأن، وهو كذلك دارس متمعّن في تلك المجالات، ومن هنا قارَبَ التصوّف الإسلامي بأسلوب بارد واختار فيه استراتيجيا حوارية مسالمة. الأمر الذي بوّأه منزلة متقدّمة في مجال دراسة التصوف دراسة رصينة في إيطاليا، حيث يحوز تقديرا في أوساط الدارسين للظاهرة الصوفية وفي أوساط الذين يعيشون تجربة روحية من الغربيين، على حد سواء.

اعتمد ألبيرتو فينتورا في كتاب "العلم اللدني الإسلامي" على بيبلوغرافيا متنوعة: إيطالية وإنجليزية وفرنسية وألمانية وعربية وفارسية، حازت المراجع العربية والفارسية قسطا مهمّا. فالكتاب يكشف عن اطلاع صاحبه على أمهات كتب التصوف، إلى جانب اطلاعه على الدراسات النقدية والتحليلية المدونة في اللغات الغربية، وقد وجدت تلك المصادر والمراجع توظيفا جيدا في الكتاب. وإن كان، بوجه عام، لا يُغرِق عمله في الاستشهادات والاستطرادات، لذلك تجده لا يثقِل على القارئ بالمدونة الصوفية ولا يستدعي منها إلا ما اشتهر وما اقتضت الحاجة إلى ذكره. يعتمد ألبيرتو فينتورا في جلّ أعماله منهجا تحليليا في تفسير الظاهرة الصوفية. وفي كتابه الحالي ينزع إلى تبنّي منهج تحليلي فلسفي، وبموجب إلمامه الواسع بمضامين أمهات المدونات الصوفية العربية والإسلامية، ثمة قدرة لديه للتعاطي مع ما هو أصيل وما هو دخيل في التجارب الصوفية الإسلامية.

كما يتميز منهج القراءة للظاهرة الصوفية الإسلامية عند فينتورا بالإقرار بأصالة المكون الصوفي الإسلامي، فهو تعبيرة أصيلة، وفق منظوره، نابعة من روح الفلسفة الوجودية الإسلامية. إذ غالبا ما نلحظ انتزاع المظاهر الراقية في الثقافة العربية الإسلامية مع دارسين آخرين، ومحاولة إرجاع أصولها ومكوناتها إلى مصادر خارجية. وهو ما حاول فينتورا تفنيده وإبراز زيفه، عند الحديث عن مكونات التفكير الصوفي الإسلامي، باعتباره لغة روحية تستمد مقوماتها من داخل إطارها الحضاري.

لغة المؤلَّف لغة أكاديمية، وصاحبه على دراية جيّدة بالمصطلح الصوفي وباللغة الصوفية الرمزية، في اللسانين العربي والإيطالي. وعلى العموم نرصد وضوحا في لغة الكاتب، كما أنه يتفادى التجريد والغموض في حديثه، بل يحاول عرض المفاهيم والأفكار التي يدور حولها البحث في لغة واضحة وراقية. إذ تأتي لغة المؤلف تفسيرية للمقول الصوفي بمختلف دلالاته، محاولا الكاتب تقريب المعاني من ذهن القارئ الغربي، وقد يسّر له ذلك تمكّنه وإلمامه بمفاهيم الحقل الدلالي الصوفي في اللغتين العربية والإيطالية، وهي قدرة قلّما توفرت للباحثين الإيطاليين الذين يقاربون القضايا العربية لتدنّي تكوينهم في العربية.

لم يتضمّن الكتاب فهارس من أيّ نوع كان، سوى فهرس يتيم لمواد الكتاب وهامش في آخر المؤلف، تعلّق بالمصادر العربية والفارسية، تناول بالأساس بعض الكتّاب العرب والفرس وأعمالهم، ممّن استعان بهم المؤلف في تدبيج كتابه. كما لم يعتمد الكاتب الرسوم والجداول والخرائط كوسائل لإيضاح مضامين البحث، ولعلّ ذلك عائد إلى أنّ المؤلف ذو صبغة فكرية تحليلية ورمزية، وهو ما جعل صاحبه يعتمد اعتمادا رئيسا على شرح المفاهيم ونقدها وإرجاعها إلى أصولها دون العناية بالوسائل الإضافية.

يخاطب الكتاب قارئا ملمّا بخبايا النص الصوفي وبالمقولات الروحية الباطنية، وهو فضلا عن كونه نصا خارجيا في دراسة الظاهرة الصوفية، فإنّ مؤلفه يبدو ملمّا أيضا بأحوال التصوف ومدارجه، يكشف من خلاله عن عيش تجربة صوفية مشفوعة بمعرفة علمية خارجية.

يبقى أن نشير إلى بعض القضايا، فقد يتساءل المرء عن دواعي الانجذاب للتصوّف والتجارب الروحية في الغرب في العقود الأخيرة. لتحضر الإجابة الفورية عن تخمة الغرب المادية وبحثه الدؤوب عن شيء مما يداوي به روحه من الشرق. لعل ذلك تبسيط مخاتل للأمور؛ فالواقع أنّ في الغرب ثمة مراجعات عميقة متوالية تستند إلى تفكيك وتركيب دائمين، وهو ما يدفع للإصغاء إلى صوت الآخر وتجاربه، ولا بأس إن كان حتى بتحويلها إلى مادة استهلاكية مدفوعة الأجرة في نوادي الرياضة الروحية واليوغا والتأمل والاستبطان، كما يجري مع البوذية التي تشهد تطورا لافتا في العديد من المجتمعات الغربية.

كما نودّ أن نشير من جانب آخر إلى أنّ الساحة الثقافية الغربية في السنوات الأخيرة، قد شهدت العديد من الإنجازات والأبحاث القيمة في مجال دراسة التصوف، بَيْد أنّ جل تلك الأعمال قد ظلّت حبيسة اللغات الغربية لغياب الاهتمام العربي بالترجمة في هذا الجانب، سيما وأنّ ما يميز تلك الدراسات في المجال وهو اعتماد مناهج مقاربة مغايرة، مثل علم النفس العام وعلم النفس الاجتماعي وأنثروبولوجيا الأديان وعلم الاجتماع الديني وغيرها من العلوم، مما يفتقد إليها الدارس العربي أو يأتي باهتا لديه.

الكتاب: العلم اللدني الإسلامي.

تأليف: ألبيرتو فينتورا.

الناشر: منشورات أديلفي، (ميلانو) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2021.

عدد الصفحات: 212 ص.

 ***

د. عزالدين عناية

أكاديمي تونسي مقيم بإيطاليا

 

هاشم نعمةنُشرت كتابات غير قليلة بشأن التجديد في الفكر الإسلامي. وقُدمت قراءات جديدة وفق منهجيات العلوم الإنسانية والاجتماعية المعاصرة، من منطلق أن هذا التجديد بات حاجة ملحة تتطلبها تطورات الحياة المعاصرة في جوانبها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والعلمية وحتى الروحية منها، لكن القليل من هذه الكتابات الجادة عالجت الموضوع من داخل المنظومة الفكرية الإسلامية وباستخدام منهجياتها العقلية وليس من خارجها. وينطبق هذا الأمر على كتابات الباحث الإسلامي الجاد أحمد القبانجي؛ لذلك اخترنا تقديم قراءة عن أحد كتبه الموسوم "الإسلام المدني"، الصادر عن مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، 2009. يقع الكتاب في 484 صفحة.

يضم الكتاب سبع مقالات كما يسميها الكاتب، وهي ليست مقالات كما هو متعارف عليه ولكنها في الواقع فصول مطولة تتضمن عناوين فرعية كثيرة وجاءت تحت العناوين الرئيسة الآتية: المباني النظرية للمجتمع الديني والمدني، المجتمع المدني وحقوق الإنسان، الحريات السياسية والدينية في المجتمع المدني، الإسلام والنظام الديمقراطي، الإسلام المدني، تطبيق الشريعة أم سيادة القانون، حق الحكومة لمن... لله أم للناس؟ القسم الأول، حق الحكومة لمن... لله أم للناس؟ القسم الثاني.

مقدمة

يشير المؤلف في المقدمة بأنه إذا تجاوزنا الرؤية المثالية للسلفيين إزاء التراث والحضارة الإسلامية في الماضي البعيد وما تتضمنه من انغلاق فكري تجاه الحضارة البشرية الجديدة، وتحركنا لدراسة النموذج الحضاري الذي أفرزته التجارب الحديثة بلغة واقعية وأدوات عقلية، أمكننا التوصل إلى قناعة نظرية وعملية بأطروحة "المجتمع المدني" فيما تمثله من انسجام مع مبادئ الدين وحقوق الإنسان والقيم الإنسانية العليا، ويتركز موضوع هذا الكتاب بالحديث عن هذه الأطروحة الحضارية وما تتضمنه من مفاهيم ومبادئ، وما تقوم عليه من أسس ومرتكزات فكرية وفلسفية من قبيل: الديمقراطية، حقوق الإنسان، الفردية، دور المؤسسات والأحزاب، الليبرالية وأمثال ذلك... (ص 11).

ويرى أن مقولة "الإسلام المدني" تقع مقابل ما يسمى بـ "الإسلام التقليدي" و"الإسلام السياسي"، وأن من خصائص الإسلام المدني ومقوماته محورية العلاقة القلبية مع الله (أي التجربة الدينية)، وما يترتب على ذلك من قبول مبدأ التعددية الدينية وصلاحية العقل البشري للتشريع بما ينسجم مع مبادئ حقوق الإنسان والحضارة الجديدة، ومن خلال هذا البحث يتبيّن بطلان ادعاءات انصار الإسلام السلفي والإسلاك السياسي وعدم انسجام ادعاءاتهم مع العقل البشري المعاصر وما أفرزه التطور الحضاري من قيم ومبادئ وثقافة إنسانية (ص 13).

ويستشهد القبانجي بقول سعيد البزاز الوارد في مقدمة كتاب "في الطبيعة الشرية" لعلي الوردي، بأن لابد أولا من الانتقال من الآخرة المعنوية المجردة التي يمثلها الانتماء القلبي وحسب إلى الآخرة المادية التي يمثلها التكامل والتضامن الاجتماعي الذي انتجته المدنية، فالآخرة المعنوية قد تدع المجموع متشبثا بأذيال الوهم، سواء كان وهم القوة أم وهم النصر، أم وهم التفوق، أم وهم النقاء. في حين أن الآصرة المادية ونتائجها تفرض نظاما كاملا للحياة، تتأسس فيه علاقات إنتاج تتجاوز النمط البدائي إلى ما هو مؤهل لتكوين مجتمع مركب تتقابل فيه المنافع والحاجات والواجبات والحقوق، وهو أمر يحفز الدافع الفردي في الأداء، ويخلق مقاييس للتفوق تتناسب مع الكفاءة ونوع الخدمة العامة ودرجتها فينصف الجهد بدلا من أن يجري المنح المجاني للمراتب على أساس النسب والنقاء القبلي المزعوم (ص 19-20).

لا ثبات مطلق في جميع موارد الشريعة، بل إن الإسلام قد جاء بسلسلة من القضايا والقيم العامة دون أن يجعلها في إطار معيّن وقالب خاص. ومجرد أن يتحرك النبي محمد في أجواء خاصة من أعراف القبائل العربية وينزل القرآن على مجتمع تحكمه تقاليد بدوية وتكون أحكامه منسجمة مع ظروف ذلك المجتمع القديم، لا يعني بالضرورة أن مثل هذه الأحكام دائمة ومطلقة ويجب على كل مجتمع بشري أن يكيّف نفسه مع هذه الأحكام والقوانين، لأن المفروض أن تنسجم القوانين مع المجتمع وحاجاته وثقافته لا أن ينسجم المجتمع مع تلك القوانين.

حقوق الإنسان

اعتاد أصحاب العقل السلفي السني والشيعي على النظر إلى حقوق الأنسان المطروحة من قبل الأمم المتحدة، بنظرة سلبية وأنها حقوق زائفة ما أنزل الله بها من سلطان، وأن المسلمين غير محتاجين للاعتراف بهذه الحقوق، فالدين الإسلامي والشريعة السماوية لم تترك شيئا من حقوق الإنسان المشروعة إلا ذكرتها، أي أن ما كان صحيحا من الحقوق المذكورة في لائحة حقوق الإنسان فقد ورد في الشريعة السماوية حتما، وما لم يرد فيها فهو باطل ولا حاجة لنا به.

ومنهم من تحرك نحو الاستفادة من هذه اللائحة بعد أن لم يجد ما توقعه من حقوق في مفاهيمنا الدينية، وعمل على التوفيق بينها وبين مبادئ الدين الإسلامي وسماها "حقوق الإنسان الإسلامية" و يلاحظ مثل هذا التحرك في أروقة منظمة المؤتمر الإسلامي أيضا.

خلاصة القول، يؤكد المؤلف إننا لا نرى أي تعارض بين الحقوق الفطرية للإنسان المذكورة في لائحة حقوق الإنسان وبين الحقوق المذكرة له في الشريعة الإسلامية، ولو تعارضت هذه الحقوق مع الحقوق الواردة في الفقه وفتاوي علماء المسلمين لوجب الأخذ بمعطيات حقوق الإنسان العالمية لتطابقها مع الفطرة والوجدان من جهة، ولكون فتاوي الفقهاء لا تمثل الوحي في الحقيقة، بل هي فكر بشري وصياغة فقهية لما فهمه هؤلاء الفقهاء من النصوص الدينية التي قد تكون واردة في قضية خارجية معينة وليس لبيان حقيقة مطلقة وقانون أبدي يتعالى على الزمان والمكان. إن ما يقرره الفقهاء من فتاوي في هذا الميدان هي أحكام ظنية واجتهادية قد تخطيء وقد تصيب (ص 85-86).

فمثلا في مسألة المرتد عن الإسلام يصرح صاحب الجواهر والمحقق الحلي في الشرائع: لو حصلت للمسلم شبهة في دينه حتى وإن كان متولدا في بلاد الغرب ولم تسنح له الفرصة في تعلم العقائد الإسلامية وأنكر على أثرها بعض العقائد المتسالم عليها بين المسلمين فيجب قتله بمجرد رجوعه إلى بلاد المسلمين حتى لو تاب ورجع إلى الإسلام وتبرأ من قولته الشنيعة ألف مرة!! (ص 135-136).

علما أن القرآن لا يتعرض لهذه المسألة اطلاقا مع أنه بيّن حكم ما هو دونها في الخطورة والأهمية كحد الزاني والسارق والقاذف وغيرهم، وفي المقابل نقرأ العديد من الآيات التي تؤكد حرية الإنسان في المعتقد والدين من قبيل: "لا إكراهَ في الدينِ قد تبيّنَ الرشدُ من الغيّ" (ص 407).

والغريب أن هؤلاء الفقهاء ومن تابعهم من الإسلاميين الأصوليين برغم التزامهم بمثل هذه الفتاوي المخجلة، لازالوا يتشدقون بأن الشريعة الإسلامية قد أقرّت للإنسان والبشرية أجمع جميع الحقوق المشروعة أكثر مما ذُكر في لائحة حقوق الإنسان العالمية وأفضل !!

الحريات السياسية والفكرية

لم يكن نمط الحريات السياسية مطروحا في أجواء الفقه الإسلامي بمثل هذه الصياغة الحقوقية والفلسفية الحالية. ومن هنا تعتبر هذه المسألة من المسائل المستحدثة في الفقه الإسلامي حيث ينبغي على الفقهاء دراستها في إطار مفاهيم جديدة عن الحرية والعدالة ووفق مقاييس تنسجم مع تطور الآفاق المعرفية للإنسان المعاصر. أما الحرية المتداولة في التراث الديني فهي حرية من نمط آخر، يُراد بها، في الكتب والدراسات الفلسفية والكلامية الحرية إزاء الجبر والتي تعني "الاختيار" في دائرة الفعل الإنساني، فيبحث هناك عن أن الإنسان هل هو حر في أفعاله، أو مجبور عليها كما في مذهب المجبرة؟ (ص 113).

ويطرح المؤلف مسألة هاما تتعلق بالمعتقدات الدينية التي تحولت إلى تابو وخطوط حمراء لا تسمح للفكر أن يتحرك ويطرح علامات استفهام حول أية مفردة من مفردات العقيدة مهما كانت صغيرة. وقد لبس رجال الدين ورموز المؤسسة الدينية ثياب حراس العقيدة وشرطة السلطة الدينية التي لا تقل استبدادا وتعسفا عن السلطة الرسمية وعملوا على إسكات علامات الاستفهام التي تمسّ من قريب أو بعيد امتيازاتهم واعتباراتهم القدسية التي اكتسبوها من خلال التخلف العام وتراجع الوعي لدى غالبية الناس. ومن هنا يفقد الإنسان حريته طواعية بعد أن فقدها إزاء السلطة الزمنية كرها (ص 122-123).

ويستشهد الباحث بالنائيني الذي يذكر إن الاستبداد الديني أخطر أشكال الاستبداد، بل إن الاستبداد السياسي متولد من الاستبداد الديني حيث إن الأول يفتقر إلى المقومات الكفيلة بالحفاظ عليه، فهو مهدّد دائما بالانهيار لأدنى سبب، في حين أن الأمة تكون في الثاني مضلّلة ومخدوعة وتحسب أن ما يصدر عن رجل الدين المستبد من لوازم الدين، بينما هو نزعة فردية يتظاهر بها المتلبسون بزي الرئاسة الروحية بعنوان الدين، والفئات غير الواعية من الناس تطيعهم باندفاع وثقة (123-124).

وكما يشير المفكر نصر حامد أبو زيد إن: "من أهم التحديات التي تواجهها مجتمعاتنا العربية فيما يتعلق بالإسلام ذلك الاستخدام الأيديولوجي النفعي للإسلام لتحقيق مصالح وغايات ذات طبيعة فئوية أو سياسية أو شخصية"(1).

ينطلق الإصلاح الحقيقي من تشغيل الناس لعقولهم والتحرك في خط الوعي. ومن هنا كان الإسلام المدني كما يذكر المؤلف متناغما مع العقل ومتطابقا مع الوعي بينما نرى أن أغلب رجال الدين في التيار السلفي والسياسي يسعون دائما إلى التعتيم على الوعي وقولبة الذهنية المسلمة بقوالب جامدة على النصوص من خلال عملية غسل دماغ رهيب مستخدمين أدوات دينية صارمة لا تسمح للعقل أن يتحرك ولا للفكر أن يطرح علامات استفهام حول الحالة الثقافية المزرية والانحطاط الأخلاقي والسياسي للمسلمين (ص 236-237).

إن أتباع الديانات المختلفة في بداية ظهورها كانوا يعيشون الانفتاح على الآخر والحوار معه من أجل تحويل الدعوة الجديدة إلى واقع حي، ولكن هذه الحالة الحضارية تأخذ بالنضوب والفتور حالما يتحول الدين من إيمان قلبي مشحون بالعواطف الدينية والقيم الأخلاقية إلى هوية شخصية للفرد والمجتمع ويصبح الإسلام في المجتمعات الإسلامية عبارة عن عنصر من عناصر الهوية المجتمعية، وتتحول المؤسسات الدينية إلى كيانات رسمية تهدف إلى الاحتفاظ بوجودها وقداسة أفرادها من خلال الدفاع عن الدين بما هو دين الهوية لا بما هو إيمان قلبي يدعو الإنسان إلى الانسجام مع خط الرسالة والقيم الأخلاقية.

إن النصوص الدينية جاءت لمعالجة بعض العقبات والمشاكل التي كانت تعيشها المجتمعات القديمة وتتحدث في خطابها الديني بلغة ذلك العصر بكل ما يحفل به من ثقافات وعلاقات وتقاليد وأعراف. أما الدين الإسلامي فلم يلزمنا بالتعبد بكل ما ورد في الشريعة حتى مع تغيّر مقتضيات الزمان والمكان والعرف، وبديهي أن الأحكام الشرعية إنما ترد على موضوعاتها المعينة لها بالخصوص، فاذا تغيّر الموضوع يتغير الحكم، أي أن الموضوع علّة للحكم كما هو ثابت في البحوث الفقهية (ص 135-136).

الخطأ الذي وقع فيه أصحاب العقل الأصولي هو أنهم جرّدوا الأحكام الشرعية من مكانها الواقعي الذي شُرعت له وأرادوا زرعها في أجواء متباينة تماما عن الأجواء المناسبة لها، والسبب الذي دفعهم إلى الوقوع في هذه الفوضى الفقهية وجمودهم على النصوص هو عدم تمييزهم بين الدين والشريعة، فكما يرون أن الدين الإسلامي يصلح لكل زمان ومكان فكذلك الشريعة الإسلامية.

إن القيم والتصورات وأساليب الادراك والتقييم وأنواع السلوك المتولدة عن الخطاب القرآني تختلط في الحياة العملية (بواسطة أداء الطقوس الفردية والجماعية) بقيم وتصورات الرأسمال الرمزي القديم السابق على القرآن والسائد في الجزيرة العربية. إنها تختلط به من أجل تشكيل عادات متأصلة وجبَّارة تمتلك الفرد أكثر مما يمتلكها وتشكل نوع حركاته ومواقفه الجسدية ومخياله أنها تحد من حريته في الفكر والممارسة(2).

الرؤية الأخيرة للدين تجتمع مع مبدأ "التعددية" في واقع المجتمع المدني فليس هناك عداء مع أحد من المذاهب والأديان الأخرى فكلها تصل إلى الحق، أي أن الإيمان المبني على أساس التجربة القلبية يستوعب في دائرته التعددية في المذاهب والأديان. وهذا لا يعني النسبية في الحق كما يتوهم اتباع التيار السلفي أو الأصولي، بل النسبية في فهم الحق. فالمسلم له قناعاته ومعتقداته ولكنه مع ذلك لا يرى في إيمان الآخرين بدينهم ومذهبهم مندوحة ولا يتهمهم بالكفر والشر وأنهم اتباع الباطل ومن أهل النار وما شاكل ذلك، لأن لكل طائفة دينية أدلتهم وقناعاتهم التي توصلهم إلى الحق لو تحركوا بدافع الوجدان وعنصر الخير في واقع الإنسان (ص 229-230).

الإسلام والنظام السياسي

لم يرد في القرآن تأكيد وتقرير أسلوب نظام الحكم، بل ورد التأكيد على العدالة في الحكم، وكان القرآن لا يرى في تعيين أسلوب نظام الحكم أنه من شؤون الدين، بل يرى أن توضيح القيم والمثل المرتبطة بالحكومة هي من شأن الوحي والدين.

عندما كان النبي محمد في مكة ولمدة ثلاثة عشر عاما لم تنزل عليه آية واحدة تتحدث عن أمور سياسية وشريعة معاملاتية رغم أن ثلثي القرآن نزل في هذه الفترة بالذات. ألا يعني هذا أن مسألة النظام السياسي في الإسلام ليست من ذاتيات الدين وغير صادرة عن الله، بل تمثل حالة طارئة على الدين خاضعة للظروف الخارجية والمتغيرات الاجتماعية؟ ( ص 458).

في السابق لم يكن الفرد يدعي أن له حقا في السلطة والنظام السياسي سوى ما يراه أهل الحل والعقد في عملية الشورى والتي تقترب كثيرا من النظام الارستقراطي وحكومة الاشراف والنبلاء أو الحكماء والفلاسفة بحسب نظرية افلاطون، ولكن المتغيرات الكثيرة التي عاشتها المجتمعات البشرية في العصور المتأخرة خلقت مفاهيم جديدة وحقوقا مستحدثة ومصالح اجتماعية لم تكن في السابق، وبما أن الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد، كما يقول الفقهاء، فالأحكام التي كانت صالحة لمجتمعات ماضية سوف لا تكون كذلك لمجتمعات لاحقة نظرا لتغير المصالح والمفاسد في هذه المجتمعات، وهذا يعني تبدل موضوعات الأحكام وبالتالي يستدعي تبدل الأحكام نفسها.

كان مفهوم النظام الديمقراطي مغيبا عن دائرة المفكر فيه لدى الذهنية المسلمة، ولذلك لا نجد لهذه الكلمة عينا ولا أثرا في التراث العربي الإسلامي على الرغم من انتقال كم هائل من علوم اليونان ومصطلحاتهم الفلسفية إلى أجواء الفكر الإسلامي في العصور الأولى للنهضة الحضارية للمسلمين. أما بالنسبة إلى علماء التيار الإسلامي التجديدي فلا يرون أن الديمقراطية تتقاطع مع الإسلام، بل العكس من ذلك، فهي الأسلوب الوحيد الذي يحقق أكبر قدر من العدالة ومراعاة حقوق الإنسان.

مفهوم الطاعة المطلقة للسلطان وتسويغ الخنوع والاستبداد هو ما قرره أحمد بن حنبل في فتواه: "من غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماما عليه برا كان أو فاجرا فهو أمير المؤمنين" (ص 418).

مثلا رأينا الحكومة الإسلامية في أفغانستان بعد استيلاد طالبان على الحكم في الفترة 1996-2001، تقتصر في تطبيق وتجسيد العدالة الإسلامية على فرض العزلة على النساء ومنع الموسيقى والجلد وقطع الأيدي وقطع الرؤوس للمخالفين في ظل استمرار نزف الدم والحروب الداخلية بين الأحزاب الإسلامية والفئات المتناحرة على السلطة حتى زاد عدد القتلى والجرحى والخراب الاقتصادي أضعافا مضاعفة عما كان عليه الشعب الأفغاني في عهد الحكم الماركسي (ص 223). وها هي طالبان تعود إلى الحكم بعد إعلان الولايات المتحدة سحب قوتها، وهناك خشية كبيرة من ممارستها نفس النهج الوحشي.

على صعيد التشريع والقول بوجود قواعد كلية في الشريعة تكفي لسدّ الفراغ القانوني في عملية التشريع والتقنين في الحكومة الإسلامية، فمن الواضح أن جميع ما ذكر من قواعد وأصول كلية هي قواعد وأصول عقلية متوفرة لدى جميع دوائر التشريع والتقنين في المجتمعات البشرية، فلسيت هي إسلامية بالأصل حتى يقال بأن الشريعة الإسلامية جاءت بكل صغيرة وكبيرة في مجال التشريع ولا حاجة لأعمال الفكر والعقل في هذا المجال، فمن لا يعلم من العقلاء أن قاعدة "أوفوا بالعقود" هي قاعدة يسير عليها جميع عقلاء العالم في جميع المجتمعات من أول التاريخ البشري ولحد الآن.

ويثير المؤلف مسألة هامة وهي أن القانون الأفضل هو الذي يراعي العدالة بشكل أفضل، والعدالة هي المطلوب بالأصل، والقانون بمثابة آلية وأسلوب لإحقاق الحق. وهذا لا يعني أن الشريعة المذكورة في كتب الفقه بإمكانها تطبيق العدالة المطلقة على أرض الواقع وأنها هي الأفضل بشكل مطلق كما يزعم اتباع التيار الأصولي، لأن مقتضيات الواقع المتغيّر قد تفرض حلولا وأحكاما تنسجم مع معايير العدالة بشكل أفضل من الأحكام الشرعية حيث نلاحظ مثلا وجود بعض التمييز في الأحكام الشرعية بين الرجل والمرأة وبين المسلم وغير المسلم، والسادة والعبيد وغير ذلك، وهذه الأمور لا تتطابق مع معطيات القانون المدني الحديث الذي ينطلق من أرضية للحقوق الاجتماعية والسياسية تقوم على المساواة بين أفراد المجتمع (ص 245-246).

إن القرآن نفسه نسخ بعض احكامه وجاء بأحكام أخرى في فترة زمنية وجيزة نظرا لتغير الظروف والحالات في دائرة العلاقات الاجتماعية والسياسية للمجتمع الإسلامي الأول. حتى عدّ السيوطي في الاتقان واحدا وعشرين موردا من موارد النسخ في القرآن، ووصل عددها عند ابن الجوزي 247، وعند ابن حزم 214، وعند ابن بركات 210 موردا. والقرآن يصرح بجواز النسخ حيث يرد: "ما نَنَسخ من آية أو نُنسِهَا نأتِ بخير منها أو مِثلها". وقد ورد عن علي بن أبي طالب قوله لقاض: "اتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا. قال: هلكت وأهلكت" (ص 255-257).

هناك خلط موهن في كتابات الإسلاميين بين خاتمية الدين وخلوده وبين تاريخية الشريعة حيث ظنوا أن الدين الإسلامي لكونه خالدا وأبديا إلى يوم القيامة. فكذلك الشريعة الإسلامية صالحة لجميع المجتمعات البشرية إلى يوم القيامة، وهذا اشتباه كبير ولا دليل عليه، وحتى عندما نلاحظ أدلة هؤلاء الكتاب نرى أنهم يستدلون على استمرارية الشريعة الإسلامية بمسألة الخاتمية وخلود الدين، وهذا هو منشأ الخطأ والخلط.

ولاية الفقيه

إن المستفاد من عدم بحث علماء الإسلام نظرية ولاية الفقيه في كتبهم العقائدية والفقهية، بل عدم قبول الكثير منهم بهذه النظرية، أن هذه المسألة لا تشكل أصلا من أصول الدين ولا فرعا من فروعه، ولكن أنصار الإسلام السياسي سعوا بجدية إلى إقحام هذه المسألة في الدين وما هي من الدين لإضفاء شيء من القداسة الدينية عليها. إذ يقول الخميني في كتابه الحكومة في الإسلام "وكمقدمة للبحث أرى من الضروري الإشارة إلى أن الحكومة الإسلامية امتداد لحاكمية الله، وامتداد للولاية والسلطة التكوينية وربوبية الله" (ص 330-331).

في الفكر الشيعي لا تستمد سلطة نائب المعصوم وولي الأمر في عصر الغيبة من الأمة، إنما سلطته إلهية، بحيث أن الرادّ عليه رادا على الإمام المعصوم، والراد عليه كالراد على الله وهو على حدّ الشرك بالله، ورغم أن الأمة هي التي تساهم في عملية اختيار الإمام الاّ أنه بعد هذا الاختيار سيأخذ موقعه وإمامته باعتباره نائبا للإمام المعصوم ووكيلا عنه (لا عن الناس!) في إدارة شؤون الأمة مما يعني أن السلطة ستكون مستمدة من سلطة الله الذي هو مصدر كل السلطات.

فإذا علمنا أن الخط السياسي لتحرك المسؤوليين والأحزاب وطبقات الشعب لابد وأن يكون وفق ما يراه المرجع صلاحا للأمة، ويكون اجتهاده هو المقياس الموضوعي للأمة من الناحية السياسية كما يقول محمد باقر الصدر، فحينئذ ندرك جيدا أبعاد الحكم الفردي والاستبدادي الذي تصوغه لنا هذه النظرية الدينية حيث تتحول جميع المؤسسات والأحزاب والفئات السياسية إلى كيانات رسمية محنطة في قوالب معينة لرؤية فقهية اجتهادية واحدة لا تسمح للفكر أن يتحرك من موقع النقد والاعتراض، وليس لجهة أو فئة قانونية حق محاسبة المرجع ومراقبته ومؤاخذته، فلا يسأل عن شيء وهم يُسألون.

بما أن الحكومة تستلزم التصرف بأموال الناس وتقييد حريتهم وتحديد حقوقهم فالأصل الأولي في هذه المسألة أن "لا ولاية لأحد على أحد" و"الناس مسلطون على أموالهم" كما ورد في القواعد الفقهية، فلا حكومة لأحد على أحد ألا برضا نفسه وطيب خاطره، وهو معنى أن الحكومة يجب أن تكون برضا الناس وموافقتهم لتكون مشروعة (ص 390).

عند البحث في هذه المسألة من جذورها التصورية نرى أن عنصر الاستبداد كامن في جذور النظرية وفي تصور دعاة الحق الالهي في السلطة حيث يقررون حقيقة أن ولاية الفقيه ليست من نوع الوكالة أو النيابة عن الأمة أو عن المعصوم، بل هي من نوع ولاية العقلاء على المحجورين أو ولاية الكبير والقيّم على الصغار! يقول الخميني : "ولاية الفقيه أمر اعتباري جعله الشارع كما يعتبر الشرع واحدا منا قيمّا على الصغار، فالقيّم على شعب بأسره لا تختلف مهمته عن القيم على الصغار إلا من ناحية الكمية" (ص 422-423).

ويذكر القبانجي التهافت السافر في مواد الدستور الإيراني الذي يقرر منهاجه أن السيادة لله وحده، ومن جهة أخرى يفوض أمر هذه السيادة لرجال الدين، وفي ذلك يقول عبد الله أحمد النعيم: تعكس المادة الرابعة وغيرها من مواد الدستور الإيراني غموض موقف الشريعة من مبدأ السيادة، فمن جهة نجد أن المادة الثانية تذهب إلى أن الجمهورية الإسلامية هي نظام يقوم على الاعتقاد بأن "لا إله إلا الله، وأن السيادة لله وحده، وقبول حكمه، وضرورة إطاعة أوامره" ومن جهة أخرى نجد أن السيادة التي يفرد الله وحده بها يترجمها الدستور إلى وصاية علماء الدين، وبالتالي يثور السؤال: ما جدوى الحديث عن سيادة الله وحده إن كان البشر هم الذين يمارسونها عملا؟ (ص 463).

لم يكن الاقتصاد الإسلامي في المشروع الإيراني بأحسن حالا من الموقف العسكري حيث وجد المسؤولون الإيرانيون أنفسهم مضطرين إلى اتباع سياسية النظام الرأسمالي الحر الذي يقوم على الفائدة الربوية في البنوك وخصخصة المصانع والشركات الحكومية وبيعها إلى القطاع الخاص. وفي السياسية أيضا تم الابتعاد عن المبادئ والأصول الدينية واتخاذ عنصر المصلحة، أي مصلحة النظام كمعيار للعلاقات الرسمية مع الدول الأخرى والتغافل أو الغاء ما طرحه الخميني من شعارات في أول الثورة من الاعتماد على الشعوب والاهتمام بمصلحة المستضعفين في العالم وتصدير الثورة وأمثال ذلك، وحلت محلها التعامل مع الدول على أساس المصالح لا على أساس المبادئ. وليس من المعلوم أنه سيأتي يوم تتبدل فيه المصلحة وإذا بإيران تقيم علاقات مع أمريكا وإسرائيل، ويتساءل لمؤلف هنا: ماذا بقي من أسلمة النظام أو ما هي الغاية من الحكومة الإسلامية إذا كانت تعتمد في جميع أمورها وشؤونها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على محور المصلحة؟ (ص 224-225).

 

د. هاشم نعمة

......................

الهوامش

1- نصر حامد أبو زيد، التجديد والتحريم والتأويل، ط 1 (الدار البيضاء| بيروت: المركز الثقافي العربي، 2010)، ص 27.

2- محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ترجمة هاشم صالح، ط 3 (بيروت: مركز الانماء القومي، 1998)، ص 103.

 

 

2753 ذياب مهدي آل غلامكان هذا الشقي يمتلك الجرأة في كسر الحواجز، وصنع الصورة المكثفة، من خلال إرادته وعبثيته وعدم مبالاته بمصائر الأمور، فالسرد كان صادم ومستفز أحياناً، لكنها إرادة أديب أراد أن يتمتع بحرية بعيداً عن كل القوالب الجادة، واعتبر نفسهُ إنساناً يستحق أن يفعل بإرادته كل ما يرغب فيه من تنازعات الجسد والرغبات والغريزة، ذلك هو الأديب والكاتب والباحث والشاعر ذياب مهدي محسن آل غلام، الذي جسد كل أموره الصعبة في كتابه الموسوم (القرنفل الشقي.. أوراق من سيرة الأيام) الصادر هذا العام عن دار سما للطباعة والنشر والتوزيع وبواقع (486) صفحة من القطع الوزيري ذات الطباعة الراقية والغلاف الجميل، وقد تضمن الكتاب أكثر من (60) قصة قصيرة عن مغامرات القرنفل الشقي.

عندما بدأت بقراءة مذكرات أخي وصديقي ذياب آل غلام وجدتها تستفز رغبة الإشارة إليها بين صفحة وأخرى تجعل الكتابة عنها من الأمور الصعبة، لكني سأتحمل مجازفة الاقتراب من هذا الشقي في مذكراته التي كتبها لمرحلة طويلة من حياة الشباب، عائداً ولائذاً بذاكرته لحقبة السبعينيات وما تلاها حتى أيامنا هذه، كانت ذاكرة الشقي ذياب النشطة تمتلك خزيناً من السرد العجيب لوقائع واحداث حقيقية مرَّ بها هذا الشقي، وقد سرد تلك الأحداث بطريقة غير مألوفة لدى الروائيين والأدباء بسبب ما يمتلك من جرأة ومصداقية في نقل الحدث، فأحداث الكتاب يجعلك كأنك تشاهد فلماً سينمائياً واقعياً، فتشدك حتى تجد نفسكَ أحياناً كأنك طرف في هذه الأحداث الرومانسية، وهذا ما اتقنه الشقي ذياب ببراعة الكاتب وحبكة تظل تتساءل كيف قام بها خلال مرحلة الشباب بين الوعي واللاوعي في الأفعال والنزعات مهما تغيرت الظروف والأماكن.

في قصصه القصيرة ينقلنا إليها الشقي وكأنها روايات كاملة لدى كُتّاب آخرين، وجرأة الكاتب وانغماسه في واقع المعاشرة بلا رتوش ولا تهذيب ولا محاباة. هذه الروايات التي تجاوزت (60) يعتز بها الكاتب، فهي جزء من حياته وعنفوان الشباب والرجولة، ومن خلال فكرته ورواياته يضعنا أمام تساؤلات تتجمّل فيها طريقة سلوكه لحياة جميلة طَيّعة من أفكار وأفعال وإغراءات وضغوطات وانهيار لكل مقومات الحياة من حوله، وكذلك نجده يعري حواء بقلمه ومبضع العمليات الذي يمتلكهُ، فيصفها ويرسمها ويشرحها، يجعلها ملكة جمال أحياناً ويدعونا لعشقها بعض الأحيان، فوسط هذا الكم الهائل من الروايات القصيرة والسرد الحقيقي، لا بد لنا أن نذكر تلك هي الحقيقة الممتزجة بالواقع والأكثر جرأة على التحليل والفهم، ومشاكسة النفس ذاتها في بعض الأحيان.

فالأديب ذياب آل غلام قد انفرد بسلسلة أقاصيصه التي اتخذت عنوان (القرنفل الشقي)، وكان السَبّاق في هذا الإنجاز الأدبي المائز، وبنصوص السرد القصصي الغني بالصورة العميقة، ولكني اتساءل هل اختزل الشقي ذياب الأنثى مجرد أداة جنسية تحرض آدم على المعصية؟ أم أنه أخرجنا من قيود أساطير الكتب الدينية لعالم الأنثى بعيداً عن الكتب والروايات الكلاسيكية؟ قراءة كتاب (القرنفل الشقي) دفعتني للتأمل بعقلية الرجل الشرقي الواثق من نفسه. جزيل الامتنان والشكر للأديب ذياب آل غلام لكتابه الماتع هذا والذي أخرجنا من كآبتنا وأمراضنا النفسية ونظرتنا للأنثى إلى عالم الرومانسية والإمتاع الجميل.

ولا ننسى أن الأديب ذياب مهدي آل غلام قد صدر لهُ في سنوات سابقه عدّة إصدارات في مجال الشعر منها: ليالي البنفسج، وحياة الأيام، والقرمطي لا يخلع عهده، وسونية الغجر، والمشي على أطراف الروح، وعاشق مضرج بالنهد. أما في مجال البحث فقد صدر له من المؤلفات ما يلي: مقهى عبد ننة إرث نجفي عراقي حضاري، والإسلام والماركسية دراسة فكرية مقارنة.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

 

فراس زوينفي كتابه (على مائدة كورونا)  يرى الكاتب والصحفي علي حسين باننا "عندما نتحدث عن وجودنا فانا نقصد به وجود البشرية ككل، فالقضية لم تعد مصير الانسان الفرد كما في روايات دوستويفسكي، فالإنسان اصبح سيد للطبيعة الى الحد الذي اصبح فيه يستطيع ان يمحوا كل اثر للحياة،".

هل سيتمكن الانسان من اتخاذ القرار المناسب الذي يحفظ وجوده؟ سؤال يحاول الكاتب علي حسين الإجابة عليه في كتابه "على مائدة كورونا" والصادر من دار الكتب العلمية ب ١٨٥ صفحة، من خلال الاستعراض الفكري والفلسفي ل ٢١ من اهم الفلاسفة والادباء والمفكرين المعاصرين، مثل فوكوياما، وسلافوي جيجيك، وامارتيا سِن، ونعومي تشومسكي، وامين معلوف، والآن تورين، وادغار موران، واورهان باموق، واليف شافاك، وغيرهم من ارباب الفكر والفلسفة والثقافة والادب، المعاصرين والذين تناولوا فكرياً وفلسفياً جائحة كورونا وتأثيرها على المجتمع العالمي بشكل عام وعلى المواطن بشكل خاص، بصفته المستهدف الرئيسي سواء من الوباء او من الاجراءات الاحترازية على حد سواء.

يتناول الكتاب هذه النّخَب ممن عاصروا وعايشوا ازمة كورونا، ويسلط  الضوء على نقدهم للفكر العالمي الذي واجه هذه الازمة والمتمثل غالباً بالفكر الرأسمالي للدول الكبرى، وسقوطها المدوي في "الاغراء النفعي" كما يصفه الكتاب والذي يعني به تفضيل وترجيح كفة الاستقرار الاقتصادي واعتبار أهميته اكبر من أهمية قدرة النظام الصحي على توفير الرعاية الصحية للأعداد الهائلة للمرضى، وبالتالي تزايد معدلات الوفيات في هذه الدول، بالرغم من كون الانسان يفترض ان يمثل اعلى اولويات هذه الحكومات، وخصوصاً بالنسبة للسياسات الكبرى لتلك الدول التي طالما تبجحت بالإنسان وحقوقه المفترضة، واراقت بتلك الذريعة انهار من الدماء والدموع، فهل كان الانسان وصحته وسلامته في اعلى قمة هرم اولويات الفكر الرأسمالي باعتباره الايدلوجية الاقتصادية والسياسية التي تحكم العالم بدون منازع؟؟ ولعل هذه الصورة المشوهة للأسس الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية التي تحكم العالم الان بالفعل أخرجت ماركس من قبره كما يصف علي حسين لإعادة النضر بالأخلاقيات التي تسير العالم اليوم، والتي أودت بالمؤسسات الحكومية ان تضع المصلحة الاقتصادية ليس فقط فوق مصلحة الانسان بل فوق وجده اصلاً  .

يصور كتاب على مائدة كورونا للقارئ التبدل الحاصل في الفكر الإنساني تحت ضغط الجائحة، ووضع العالم امام إشكالية متنوعة من عدم اليقين فهذا الفيلسوف الفرنسي "ادغار موران" الذي استبق الأحداث بإصدار كتابه "هل نسير الى الهاوية" عام 2007 ليعلن في وقتها ان العالم اصبح محكوماً بمصير جماعي موحد، يعود ليقف وهو في  عمر التاسعة والتسعين حائراً وعاجزاً عن ادراك وجهة الانسان القادمة  "فنحن لا نعلم شيء عن مصدر الفايروس، سوق الحيوانات بمدينة ووهان او مختبر مجاور؟ ولا علم لنا بالتحولات التي حدثت او ستحدث على هذا الفايروس خلال انتشاره، ونحن لا نعلم متى تتراجع الجائحة وما اذا كان هذا الفايروس سيظل قاتلاً ؟"، ان هذه الحيرة الفكرية دفعت بالأسئلة الفلسفية بعيداً عن وجهتهما التقليدية ووجهها التاريخي، كما عند الفيلسوف الفرنسي "ريجيس دوبريه" الذي بدل ملامح سؤاله من "كيف يجب ان يحيا المرء؟ او ماذا عليه ان يفعل؟ " الى سؤال ذي وجهة ثانية بعيدة كل البعد وهو "كيف يمكن ان يحيا المرء"؟ وغالباً ما تكون الإجابة بالعودة الى منابع المعرفة الاصلية والمتمثلة بالوعي والادراك الإنساني الخالص، والقائم على الاستنباط والاستقراء العقلي، والذي قاد المسيرة المعرفية للإنسان منذ ادراكه الأول ولغاية اعلان موت الفلسفة على يد "ستيفن هوكنج" .

لعل الخال علي حسين الكاتب الذي اهتم بالأدب وانشغل بالفلسفة، وعاش معظم حياته متنقلاً بين صفحات الكتب وطيات الاوراق، عاشقاً لرؤية دوستويفسكي وثورية ساتر، واوهام دون كيخوت،  قد اثار في هذا الكتاب العديد من الأسئلة التي يمكن ان نصفها بالأسئلة الحية النابعة من حيرة الانسان اليومية في مواجهة خطر الموت الجماعي فهو يرى "ان مسألة الوجود الانساني لم تعد مقتصرة على نصوص الروائيين وقصائد الشعراء وتنظيرات الفلاسفة، والغازهم في الوجود والعدم، وانما اصبح الوجود الانساني موضوع يناقش على المائدة في البيت وسط حالة من الذعر اصابة البشر بعد انتشار فايروس كورونا"، في الوقت الذي اعتقد فيه الكثيرون بموت الفلسفة بمفهومها التقليدي وانحسار تأثير رجالها، امام التقدم العلمي والمعرفي الهائل الذي سحب البساط من تحت اقدام الطرق التقليدية للتفكير والتأمل والبحث العلمي للإنسان، ولكن الازمة الصحية التي ضربت العالم باسره اعادت للفلسفة اعتبارها كما يرى الفيلسوف الفرنسي "جان لوك نانسي" الذي سبق وكتب ان الفلسفة تصبح وثيقة الصلة للغاية بين الناس في حالات الازمات، حيث تزدهر الأسئلة العميقة التي تناقش البوصلة الأخلاقية للأفراد والسلطات"، وبشرت بقرب ولادة فكر جديد يولد من رحم المعاناة الانسانية كما يرى الفيلسوف والمفكر "سلافوي جيجيك" الكهل الذي بلغ 71 عاماً، بمظهره البسيط وتيشيرته الملون وطريقة كلامه وقصة شعره التي جعلت البعض يشبهونه ب "الفيس بريسلي" للفلسفة، والذي تنبأ بولادة هذا الفكر الجديد انطلاقاً من فكرة اليأس، فعلى العالم كما يراه جيجيك ان يجمع قواه لتّحمُل اليأس والاعتراف بان الضوء في نهاية النفق يأتي من مصباح في قطار اخر يقترب، وان علينا الادراك بان التغيير الاساسي يمكن ان يكمن في زاوية اخرى من تفكيرنا، ففي ظل عجز الرأسمالية عن بناء المدينة الفاضلة حتى بعد مرور عقود على سقوط جدار برلين، يرى جيجيك ان الفوضى القادمة هي المخاض الاخير للإنسانية، والذي سينتج عنه التفكير في مجتمع بديل خارج الدولة القومية، مجتمع يحقق نفسه بأشكال التضامن والتعاون العالمي.

في نهاية المقالة يبقى سؤال اخير، في اي خانة نضع كتاب على مائدة كورونا لعلي حسين؟؟ اذا اخذنا بالاعتبار نصيحة الفيلسوف البريطاني فرنسيس بيكون "بعض الكتب للتذوّق، وبعضها للبلع، والقليل منها للمضغ والهضم."،، سأترك الاجابة على هذا السؤال للقارئ، واكتفي بالإشارة الى رأي "كولين كولتر" الناشر بدار "بلومزبري" للنشر "إذا قرأت الكتاب المناسب في الموضوع المناسب وفي اللحظة الحاسمة، ستضمن إحراز النجاح، ولا شك ان الكاتب قد تناول موضوعا مصيريا في لحظة حاسمة من الوجود الانساني، حيث العالم لايزال تحت تهديد فايروس كورونا وتطوراته التي لاتزال تهدد عشرات ومئات الملايين من البشر.

 

فراس زوين

 

 

محمود محمد عليتستند فلسفة عائلة "ماريتان" إلى أدلة مستمدة من الحواس المكتسبة من خلال فهم المبادئ الأولى. دافع ماريتان عن الفلسفة بأنها علم معارض لأولئك الذين يحطون منها، وروج ذلك للفلسفة باعتبارها "ملكة العلوم". أكمل "جاك ماريتان" في عام 1910 مساهمته الأولى في الفلسفة الحديثة، مقال يتكون من 28 صفحة بعنوان "العقل والعلوم الحديثة" نشر في مجلة "مراجعة الفلسفة" (عدد يونيو). حذر في مقاله من أن العلم أصبح اليوم إلاها، يغتصب منهجه دور العقل والفلسفة. حل العلم محل العلوم الإنسانية في الأهمية (15).

أما بالنسبة للفلسفة التومائية فيقول ماريتان " أن التومائية ترى أن حياة العقل ينظر إليها من جانبها العقلي الخالص والاستنباطى ومن وجهة نظر الترابط بين التصورات بعضها البعض و أن هذه الحياة تقدمية فى جوهرها وانتقال من الغير إلى الغير فى الروح (16). وفي رأيه أنه لا صدام بين الإيمان والعقل, وأن المعتقد عقلاني، ومع ذلك فان القانون المتحكم في الطبيعة البشرية مشتق من القانون الإلهي, وأن الخير الخاص متسق مع الخير العام الذي يحدده المجتمع. ومع ذلك فثمة خير آخر يتجاوز الخير العام وهو ما يسميه "ماريتان" الخير الروحي، وعلي الجماعات السياسية، أن تعترف بذلك الخير وتمارسه؛ وتأسيسا علي ذلك كله يرفض "ماريتان" الأنظمة السياسية التي ليست محكومة بسلطان الله، أو بالأدق بمركزية الله (17).

ومن منظور تومائي دافع "ماريتان" عن ميتافيزيقا الوجود، والتصور الطبيعي للعقل، وعن قيم الفضيلة الأرسطية، ورفض بشدة التصورات الوضعية والتاريخانية الحديثة، بل أدان بشدة النظم العلمانية المعاصرة وما يرتبط بها من قيم مدنية، وإن انتهى في آخر محطات مساره الفكري إلى قبول أطروحة الفصل بين الدين والدولة، مع التشبث بمكانة الدين الثابتة في النسق الأخلاقي العام (18).

كان الباباوات الثلاثة الذين سبقوا بابا الفاتيكان الحالي من أشياع وأتباع ماريتان، بدءاً ببولس السادس الذي كان شديد القرب من الفيلسوف الكاثوليكي الفرنسي، وبينهما مراسلات طويلة تتمحور حول النزعة الإنسانية الجديدة التي بشّر بها البابا في مقابل الإنسانية التنويرية الملحدة، والنزعة الماركسية المتعارضة مع الضمير الأخلاقي للمسيحية (19).

أما البابا يوحنا بولس الثاني، فقد اعتمد على فكر ماريتان في نزعته العقلانية ذات الخلفية الطبيعية التومائية، بما يبدو جلياً في ثلاثيته المتعلقة بالحرية والحقيقة والخير. وقد عبّر البابا "يوحنا بولس" عن الدَّين الذي يشعر به إزاء ماريتان خلال المناسبة الاحتفالية التي أقيمت للفيلسوف الراحل في الفاتيكان عام 1982 بمناسبة مئوية ميلاده، معتبراً على الخصوص أن ماريتان جدد الفلسفة التومائية وطرحها بديلاً فلسفياً ناجعاً للقرن العشرين من منظور يفتح العقل على المُفارِق والمطلَق وعلى رسالة الخلاص الأزلي المسيحية (20).

أما البابا السابق بنديكت السادس عشر الذي هو دون شك من أكبر العقول الفلسفية اللاهوتية المسيحية المعاصرة، فقد ركز اهتمامه على إشكالية العقل والإيمان، التي هي إشكالية تومائية تقليدية، استأثرت بجانب كبير من مشاغل "جاك ماريتان". وفي هذا السياق، نجد لدى البابا المتنحي أطروحة ماريتان حول "العقل المتسع"، أي قدرة الإيمان على تنشيط العقل وإخراجه من عزلته الضيقة، ليكتشف الجوانب العقلية في الوجود في أبعاده المختلفة (21).

قد تكون اهتمامات البابا الحالي فرنسيس بعيدة عن المنحى الفلسفي لماريتان في لغته الميتافيزيقية العتيقة، وأقرب للتيارات الاجتماعية في الكاثوليكية التي انتشرت في أمريكا اللاتينية (وعرفت بـ"لاهوت التحرير")، لكنه كغيره من اللاهوتيين الكاثوليك تظل مرجعيته تومائية، وبالتالي يبقى في صلة تأثر وقرابة بماريتان (22).

إن هذه الأطروحة ذات الخلفية اللاهوتية البعيدة هي ما يجعل من ماريتان فيلسوف اللحظة الراهنة في المجتمع الأمريكي  ؛ خاصة بعد أنُشئ معهد جاك ماريتان بجامعة نوتردام في عام1958 ومعه أنشئت عشرون جمعية تنشغل بدراسة فلسفة جاك ماريتان. وقد امتد تأثيره إلي أمريكا الجنوبية وماريتان في هذا التأثير مروج لمعاداة العلمانية والتنوير بحكم التزامه بفلسفة توما الأكويني المتناقضة مع الرشدية اللاتينية (23).

وحول فلسفته الاجتماعية ففى عام 1926 أصدر البابا قرارا بإدانة الحركة، أو الحزب اليمينى المنتمى إليه ماريتان، فتخلى ماريتان عن ارتباطه بالحركة ثم أصدر عام 1936 كتابه " النزعة الإنسانية الكاملة " وانتقد غزو إثيوبيا وهاجم الملكية بعد تولى زمام الأمور فى فرنسا للاشتراكيين والشيوعيين، وأخذ يغازل الديمقراطية ، وأصبح ماريتان رغم انتقاده لأسس الفلسفة الليبرالية، ولكنه أصبح يقف جانبها فيما يتعلق بالسياسة العملية، وصار من اشد المدافعين عن التقليد الجمهورى فى فرنسا، ولكن من وجه نظر الدين الكاثوليكى؛ حيث حرص ماريتان على توضيح دور الدين فى الحياة، فهو يرى أن مع اهتمامه بالعلم والفلسفة ، ولكن ذلك يكون فى نطاق الدين أيضاً، وأن كان الدين فى حاجة للقديسين، فذلك يعنى أن الدين هو الأساس (24).

ويرى ماريتان أن المجتمع المدني يقوم على أساس المصلحة المشتركة والعمل المشترك ، وهما شيئان ذوا صفة أرضية، أو زمنية، أو دنيوية؛ وفى العصر الحديث جرت محاولة لتوطيد أسس الحياة الدنية على أساس العقل فحسب منعزلاً عن الدين ، وقد انتعشت هذه المحاولة ولكن سرعان ما أخفقت ونظراً لتهميش دور الدين، ومن خلال ذلك يرى "ماريتان" أن تقوم ديمقراطية جديدة ليست علمانية، بل تضع الدين ضمن إطارها ، وبالتالى يكون ممكناً لبناء مجتمعا سليما، ويرى ماريتان أن كل مجتمع بشرى، إنما هو بناء قائم على السلطة؛ أى يحتوى على تنظيم لتسلسل السلطة، فبعض الناس يأمرون والآخرون يطيعون، وان كان المجتمع متساوياً، فلا بد من وجود فوانيين يرضخ لها الجميع، وذلك الخضوع قد يكون بالإكراه، أو الرضا، وأن كان بالرضا، فلا بد للخاضعين أن تكون لهم قيم يؤمنون بها (25).

وقد صرح مؤخراً الرئيس الأمريكي "جو بايدن" ، بأن فيلسوفه المفضل الذي يستمد منه برنامجه السياسي والاجتماعي هو "جاك ماريتان"، وهو لم يكن أغلب الناس قد سمع باسم هذا الفيلسوف الفرنسي المسيحي المتوفى سنة 1973. صحيح أنه تقريباً غير معروف في بلاده باستثناء حضوره في الأوساط اللاهوتية المسيحية، لكن له سمعة واسعة وتأثير كبير في أمريكا الشمالية والجنوبية. كان إذن من الطبيعي أن يعلن الرئيس الأمريكي الكاثوليكي عن إعجابه بهذا الفيلسوف الذي نشأ في بيئة بروتستانتية غير متدينة، لكنه اعتنق الكاثوليكية وأصبح من أهم المدافعين عن خط التومائية (فلسفة اللاهوتي الكبير توماس الإكويني) التي لا تزال هي المرجعية الأساسية لدى المؤسسة الدينية الكاثوليكية (26).

وبطبيعة الأمر، ليست هذه الجوانب الميتافيزيقية، هي التي يعني "جو بايدن"، حين يتحدث عن تأثره بفكر جاك ماريتان، بل إنه يعني فلسفته الاجتماعية التي تتمحور حول فكرتي التضامن الإنساني والعلاقة العضوية بين الفرد والمجموعة المدنية والأخلاقية (27).

إن "ماريتان" الذي يهم الرئيس بايدن هو مؤلف كتاب "الإنسانية الكاملة" الذي يدافع فيه عن حداثة ليبرالية تستبطن قيم التراحم والتعاضد التي نادى بها توماس الاكويني، وهو النهج الذي شكّل الإطار المرجعي للنزعات الديمقراطية المسيحية الأوروبية ومجموعات اليسار الكاثوليكي التي كانت نشطة في الأوساط النقابية العمالية (28).

إنها إذن كاثوليكية مختلفة عن المؤسسة اللاهوتية الأميركية المحافظة التي لم تتحمس للرئيس الكاثوليكي الثاني في تاريخ الولايات المتحدة، رغم إظهاره لانتمائه الديني وتردده الدائم على الكنيسة واستشهاده بنصوص القديس أوغسطين وتوماس الاكويني، ورغم علاقة الصداقة القوية التي تربطه بالبابا الحالي فرنسيس (29).

في كتابه "الإنسان والدولة" الصادر في بداية الخمسينيات، يبلور ماريتان تصوراً جديداً لعلاقة الدولة بالفرد في إطار نقد صارم لفلسفة الدولة المطلقة الكلية لدى هيغل، معتبِراً أن الشرط الأساس لحماية الإنسان من قبضة الدولة الحديثة هو الرجوع إلى نظرية "القانون الطبيعي" التي تكرس الأولوية الأخلاقية والقيمية الإنسان على السلطة العمومية. وفي هذا الباب، يوجه نقداً مزدوجاً للماركسية التي تلغي حرية الإنسان باسم المثالية الاشتراكية ولليبرالية التي وإن أعلنت أولوية حرية الإنسان فإنها تنتهي إلى نفيها باسم مركزية السياسة وهيمنة الدولة (30).

وقد أفاد المؤرخ الكنسي “مسّيمو فاجيولي” (Massimo Fagioli) في مؤلفه الذي صدر في أوائل هذا العام حول: “الوضع الديني في أمريكا”، أنّ بايدن هو كاثوليكي، لكنه ليس مُتمسّكاً بالتقاليد الكنسية. وقد ترسّخ إيمانه، وتأثّر بشخصية البابا يوحنا الثالث والعشرين (1958-1963)، ونتائج المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965)، الذي أصدر قرارات مهمة في تحديث الكنيسة، والإنفتاح على كل المذاهب المسيحية والإسلامية واليهود. وقد حلّل فاجيولي مقاربة الكاثوليك في أمريكا، حيث أنّ هناك بعض الأساقفة التقليديين يتحدّى سلطة البابا فرنسيس في ما يتعلق بمفاهيم المجتمع الحديث، وانفتاح الكنيسة على “الضالّين” من المؤمنين المُثليين، المُطلّقين (31).

وقد أشار فاجيولي إلى أنّ أساقفة عديدين تأثّروا بالبابا يوحنا بولس الثاني (1978-2005) والبابا بنديكتوس السادس عشر (2005-2013). وقد اعتنقوا التوجه المحافظ في الكنيسة، علماً أن الأخير شجّع على تبنّي الحركة المحافظة التي تميل إلى الليبرالية (Neointegralisme).؛ وقد دعا فاجيولي هذا الجناح من الكاثوليك ب”حزب الشاي الكاثوليكي”، حيث كان قسمٌ منهم من الموالين للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. وبالمقابل، فإنّ بايدن دافع عن الكاثوليكية المسكونية، والتعاون مع الكنائس المسيحية الأخرى (32).

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.....................

(15) عبد الرحمن بدوي : موسوعة الفلسفة ، الجزء الثاني، بيروت، ص 280.

(16) د. رمضان الصباغ: المرجع نفسه، ص 17.

(17) عبد الرحمن بدوي: المرجع نفسه، ص 283.

(18) السيد ولد أباه: بايدن والكاثوليكية الاجتماعية/ نشر في: 17 أغسطس ,2021: 10:50 م GST.

(19) المرجع نفسه.

(20) المرجع نفسه.

(21) المرجع نفسه.

(22) المرجع نفسه.

(22) المرجع نفسه.

(23) المرجع نفسه.

(24) د. رمضان الصباغ: المرجع نفسه، ص 17.

(25) المرجع نفسه، ص 18.

(26) السيد ولد أباه: المرجع نفسه.

(27) المرجع نفسه.

(28) المرجع نفسه.

(29) المرجع نفسه.

(30) المرجع نفسه.

(31) عزالدين عناية: المرجع نفسه.

(32) المرجع نفسه.

 

 

جواد بشارةنيتشه يخرج مشهد نبي العذاب، يعمل في الشارع تحت أعين القرويين المندهشة وهو يصرخ ومعه يصرخ القريون: مات الله، كلنا قتلة! ". ورثة المعلن عن موت الله، نيتشه يتكاثرون. لا يوجد فيلسوف حديث لا يفعل ذلك وينطق بمسلمات الإدانة. ولا أحد لا ينعش المحكوم عليه بفعله هذا. مات الله طيب! وماذا بعد ؟ يعود عنوان هذا الكتاب، الذي استخدمه بالفعل LucFerry (1)، إلينا من إنجلترا حيث يتبع الكتاب الأكثر مبيعًا عالميًا، Homo Sapiens – Une histoire brève de l’humanité تاريخ موجز للإنسانية (لفرنسا، ألبين ميشيل، 2015). ليوفال نوح هراري، و شاب إسرائيلي موهوب، نشر كتابه الجديد باللغة العبرية عام 2015، ومن ثم باللغة الإنجليزية في عام 2016. وقد ترجم إلى الفرنسية. إذا كنت، مثل نيتشه، لا تعرف الخوف، فاقرأه. لازمة هشة تتكرر في الكتاب وتطرح المقدمة الشريرة السؤال الذي لم يُطرح قط في تاريخنا الطويل: "ماذا سنفعل بأنفسنا؟" ". تظهر بعض الأرقام أهميتها. في عام 2010، توفي مليون من المجاعة، و 3 ملايين من السمنة. في عام 2012، قتل 120.000 في الحرب، ولكن مات 500.000 بسبب الجرائم، و 800.000 عن طريق الانتحار، و 1.5 مليون من مرض السكري. أصبحت الحياة، على الرغم من هذه الملاحظة أو بسببها، هي القيمة الأسمى: الموت جريمة ضد الإنسانية. خطة العمل واضحة تتبع تاريخنا وتوقع نهايته: الإنسان العاقل Homo Sapiens يغزو العالم، ويعطيه معنى، ويفقد السيطرة. ينتج الغزو من التفرد البشري، الإيمان الكتابي بالروح الأبدية. ولكن الآن "داروين حرمنا من أرواحنا"! لا يزال هناك وعي بالذات، والذي قد يكون مظهرًا من مظاهر الروح التي يعتقد أنها ضاعت. . الآساس إن التحالف الحديث بين العلم والإنسانية لا يخلو من القول، وقد توصل البشر إلى "التخلي عن المعنى مقابل السلطة (...) القوة المطلقة موجودة، تقريبًا في متناول أيدينا، ولكن تحت أقدامنا تفتح الباب." هاوية عملاقة من العدم الكامل. الإنسان عديم الفائدة يتأمل الفراغ. "99٪ من صفات وقدرات البشر زائدة عن الحاجة بشكل محض وبسيط لممارسة المهن الحديثة". ومن هنا جاءت الفرضية المتشائمة المميتة للإنسانية المكونة من فئتين من الكائنات: معززة، وهي نخبة صغيرة، وكتلة من الكائنات عديمة الفائدة. هنا يأتي دين الخوارزميات: لم يعد البشر أحرارًا، المعلوماتية فقط، أي الخوارزمية هي الملك: ربما تكون في البداية قد "طورها البشر، لكن مع تطورها تتبع مسارها الخاص وتذهب حيث لا يستطيع أي إنسان ذلك." المؤلف، كما لو كان خائفًا من استنتاجاته الخاصة، يضعها في نقاش: هل الكائنات الحية مجرد خوارزميات أو كائنات في مصفوفة؟ أي ذكاء وضمير أكثر قيمة؟ أليست هذه نهاية عالمنا الذي تقودنا إليه "الخوارزميات اللاواعية الأكثر ذكاءً منا؟"

محتويات هذا الكتاب هو امتداد لكتاب هراري السابق، Sapiens: A Brief History of Humanity، حتى لو لم يكرر البناء المقترح في نهاية هذا الكتاب الأول. هراري، ومن خلال فحص الحركات العظيمة في تطور البشرية منذ عصور ما قبل التاريخ وعلى قوة أحدث الاكتشافات في بيولوجيا تكنولوجيا الكمبيوتر والعلوم الاجتماعية، يطرح علينا تساؤلات حول مستقبل الإنسان. كتاب ثالث يضاف إلى هذا الكتاب سينشره المؤلف قريباً تحت عنوان: 21 درسًا للقرن الحادي والعشرين،، يتساءل عما يحتاجه البشر لمواجهة التطورات الجارية 1. لا يهدف مشروع المؤلف إلى التكهن بالمستقبل ولكن تحديد ما يمكن أن ينتج عن المنطق المجتمعي في العمل اليوم في نهاية المطاف إذا لم يتخذ البشر إجراءات لإبطائهم عملية فناء أنفسهم. "كل التوقعات التي وردت في هذا الكتاب ليست أكثر من محاولة لمعالجة معضلات اليوم ودعوة لتغيير مسار المستقبل" (ص 78). احتوى الكتاب على مقدمة: الأجندة الإنسانية الجديدة يسأل المؤلف نفسه سؤالاً عما ستكون عليه أولويات البشرية خلال الألفية الثالثة. يعلمنا التاريخ عن عدم القدرة على التنبؤ على المدى الطويل بالتطلعات البشرية. ولكن من المحتمل أن تكون المشاريع العظيمة للبشرية في القرن الحادي والعشرين هي تحقيق الخلود وإيجاد مفتاح السعادة وبالتالي رفع الإنسان إلى مرتبة الله. إن وضع الكلمات حول هذا المستقبل المحتمل أمر ضروري إذا أرادت البشرية التأثير على مثل هذا السيناريو 2. الجزء 1: الإنسان العاقل يغزو العالم الفصل 2: ​​الأنثروبوسين. خلال عصر الأنثروبوسين، استعبد الإنسان عالم الحيوان بفضل ذكائه. يسأل المؤلف عما إذا كانت أجهزة الكمبيوتر التي تفوق الرجال في الذكاء والقوة يمكن أن تعامل الرجال بنفس الطريقة التي يعامل بها الرجال الحيوانات وتسعبد البشر و الفصل الثالث: الشرارة البشرية. لقد خلق البشر كيانات ذاتية، مثل الآلهة والأمم والشركات ؛ إنها خيالات تهيمن على الإنسان والعالم. الجزء 2: الإنسان العاقل يعطي معنى للعالم الفصل الرابع: رواة القصص. تسمح القصص الخيالية للناس بالتعاون مع بعضهم البعض، ولكن في القرن الحادي والعشرين، مع التكنولوجيا الحيوية وتكنولوجيا المعلومات، يمكن أن تصبح القصص أكثر قوة. سيكونون قادرين على تشكيل الأجسام وإنشاء عوالم افتراضية، مما يزيد من التحكم في وجود البشر. الفصل الخامس: الزوجان غير المتطابقين. الأديان هي خيالات ضمنت السلطة على البشر من خلال تحويل الأحكام الأخلاقية إلى بيانات واقعية، مما يحجب المعرفة. العلم في البحث عن الحقيقة يبحث عن القوة. الفصل السادس التحالف الحديث. الحداثة هي نتيجة التحالف بين العلم والإنسانية. الفصل السابع: الثورة الإنسانية. أصبحت الإنسانية دين القرن العشرين، وهي مقسمة إلى ثلاثة فروع رئيسية: الإنسانية الليبرالية (أو الليبرالية)، والإنسانية الاشتراكية، والنزعة الإنسانية التطورية. الجزء 3. الإنسان العاقل يفقد السيطرة الفصل الثامن: القنبلة الموقوتة في المختبر. يشير علم الأعصاب في القرن الحادي والعشرين إلى أن قرارات الإنسان، والإرادة الحرة، هي نتيجة العمليات الكهروكيميائية في الدماغ. توصل الباحثون إلى استنتاج مفاده أنه لا يوجد أفراد أحرار. الفصل التاسع: الانفصال الكبير. خلال القرن الحادي والعشرين، ستصبح الآلات أكثر كفاءة من البشر وستحل محل البشر بشكل جذري. المهن الوحيدة التي ستبقى هي تلك التي لا يكون فيها استبدال الإنسان بالآلة مربحًا. ثم يبرز السؤال عن مستقبل هؤلاء البشر الذين أصبحوا عديمي الفائدة، في مواجهة النخبة ذات القوى المحسنة. الفصل العاشر: محيط الوعي. الفصل الحادي عشر: دين الخوارزميات. يشير عنوان هذا الفصل إلى فلسفة ناشئة تُعرف باسم Dataism، والتي تنظر إلى العالم على أنه تدفق للبيانات. تعني قوة أنظمة إدارة البيانات وانتشار أجهزة استشعار الحصول على البيانات أن أنظمة الكمبيوتر تعمل بشكل أفضل من البشر. الأنظمة الخوارزمية اللاواعية ولكن عالية الذكاء تعرف أفضل منك ما هو الأفضل لك. يمكن أن تكون إدارة البيانات هذه هي النظام الذي يضع الإنسان على الهامش.

هومو ديوسHomo Deus: نبذة لتاريخ الغد (بالعبرية: ההיסטוריה של המחר، الإنجليزية: التاريخ وغدا) هو الكتاب الذي كتبه الكاتب الإسرائيلي يوفال نوح هراري، أستاذ في الجامعة العبرية في القدس. نُشر الكتاب لأول مرة باللغة العبرية في عام 2015 عن طريق دار النشر Dvir ؛ تم نشر النسخة الإنجليزية في سبتمبر 2016 في المملكة المتحدة وفي فبراير 2017 في الولايات المتحدة. كما هو الحال مع سابقتها، سابينس: تاريخ موجز للبشرية، يسرد هراري مجرى التاريخ أثناء وصف الأحداث والتجربة الإنسانية الفردية، إلى جانب القضايا الأخلاقية المتعلقة بمسحه التاريخي. ومع ذلك، فإن Homo Deus (من اللاتينية "Homo" التي تعني الإنسان أو الإنسان و "Deus" تعني الله) يتعامل أكثر مع القدرات المكتسبة من قبل البشر العاقلين (Homo sapiens) طوال فترة وجودهم، وتطورهم كنوع مهيمن في العالم. يصف الكتاب القدرات والإنجازات الحالية للبشرية ومحاولات رسم صورة للمستقبل. تتم مناقشة العديد من القضايا الفلسفية، مثل الإنسانية، والفردية، وما بعد الإنسانية، والوفيات. محتويات 1 ملخص 1.1 الإنسان العاقل يغزو العالم o 1.2 يعطي الإنسان العاقل يعطي معنىً للعالم 1.3 يفقد الإنسان العاقل السيطرة 2 جائزتين وتكريمات يبدأ الكتاب في دراسة احتمالات مستقبل الإنسان العاقل. توضح الفرضية أنه خلال القرن الحادي والعشرين، من المرجح أن تقوم البشرية بمحاولة كبيرة لاكتساب السعادة والخلود والقوى الشبيهة بالله. في جميع أنحاء الكتاب، يتكهن هراري علانية بطرق مختلفة لتحقيق هذا الطموح في المستقبل على أساس الماضي والحاضر. الإنسان العاقل يغزو العالم يستكشف الجزء الأول من الكتاب العلاقة بين البشر والحيوانات الأخرى، ويستكشف ما أدى إلى هيمنة الأول. يعطي الإنسان العاقل معنى للعالم منذ ثورة اللغة منذ حوالي 70000 عام، عاش البشر ضمن "واقع متعدد الذوات"، مثل البلدان والحدود والدين والمال والشركات، تم إنشاؤها جميعها لتمكين تعاون مرن وواسع النطاق بين مختلف البشر. تنفصل الإنسانية عن الحيوانات الأخرى عن طريق قدرة البشر على الإيمان بهذه التركيبات الذاتية التي لا توجد إلا في العقل البشري ويتم منحها القوة من خلال الإيمان الجماعي. القدرة الهائلة للبشرية على إعطاء معنى لأفعالها وأفكارها هي التي مكنتها من تحقيق العديد من الإنجازات. يجادل هراري بأن الإنسانية هي شكل من أشكال الدين تتعبد به البشرية بدلاً من الإله. إنه يضع الجنس البشري ورغباته كأولوية قصوى في العالم، حيث يتم تأطير البشر أنفسهم على أنهم الكائنات المهيمنة. يعتقد الإنسانيون أن الأخلاق والقيم مشتقة داخليًا داخل كل فرد، وليس من مصدر خارجي. خلال القرن الحادي والعشرين، يعتقد هراري أن الإنسانية قد تدفع البشر للبحث عن الخلود والسعادة والقوة. الإنسان العاقل يفقد السيطرة هددت التطورات التكنولوجية استمرار قدرة البشر على إعطاء معنى لحياتهم. يقترح هراري إمكانية استبدال الجنس البشري بالإنسان الخارق، أو "الهومو ديوس" (الإنسان الإله) الممنوح بقدرات مثل الحياة الأبدية. [2] يشير الفصل الأخير إلى احتمال أن يكون البشر خوارزميات، وعلى هذا النحو قد لا يكون الإنسان العاقل هو المسيطر في عالم تصبح فيه البيانات الضخمة نموذجًا. يختتم الكتاب بالسؤال التالي الموجه للقارئ: "ماذا سيحدث للمجتمع والسياسة والحياة اليومية عندما تعرفنا خوارزميات غير واعية ولكن ذكية للغاية على أنفسنا وعلى ماهو خير لنا أكثر مما نعرف نحن عن أنفسنا؟" أفاد موقع Book Marks الخاص بمجمّع المراجعة أن 43٪ من النقاد أعطوا الكتاب مراجعة "حماسية"، بينما أعرب باقي النقاد عن انطباعات إما "إيجابية" (29٪) أو "مختلطة" (29٪)، بناءً على عينة من سبعة مراجعات. [15] في صحيفة الغارديان أثنى ديفيد رونسيمان على أصالة الكتاب وأسلوبه، على الرغم من أنه أشار إلى أنه يفتقر إلى التعاطف مع الإنسان العاقل. تشير المراجعة إلى أن "هراري يهتم بمصير الحيوانات في عالم الإنسان، لكنه يكتب عن آفاق الإنسان العاقل في عالم يعتمد على البيانات مع عدم مبالاة كبيرة". ومع ذلك، أعطى رونسيمان الكتاب مراجعة إيجابية بشكل عام. في مراجعة مختلطة، وصفت مجلة الإيكونوميست Homo Deus بأنه "عمل ساذج، مليء بالخدع اليدوية والتعميمات غير المرضية" وذكرت أن "السيد هراري لديه ميل نحو إسقاط الأسماء العلمية - كلمات مثل التكنولوجيا الحيوية وتكنولوجيا النانو والذكاء الاصطناعي كثيرة - لكنه نادرًا ما يتعامل مع هذه المواضيع بأي طريقة جادة ". [10] امقال نقدي آخر في مجلة التطور والتكنولوجيا، تحدى آلان ماكاي ادعاءات هراري حول وكالة الخوارزميات البشرية. تمت تسمية أغنية ستيف أوكي "Homo Deus" في الألبوم Neon Future IV على اسم الكتاب وتتميز بسرد هراري للكتاب الصوتي. وقد ترجم الكتاب إلى: اللغة الإنجليزية: سبتمبر 2016 الإسبانية: أكتوبر 2016 البرتغالية: نوفمبر 2016 التركية: ديسمبر 2016 الصينية: يناير 2017 الألمانية: فبراير 2017 (بقلم أندرياس ويرثنسون) الهولندية: فبراير 2017 [17] المجرية: أبريل 2017 الكرواتية: مايو 2017 الإيطالية: مايو 2017، بومبياني الكورية: مايو 2017 الفنلندية: سبتمبر 2017 الفرنسية: سبتمبر 2017 النرويجية: 2017 بازار اليونانية: ديسمبر 2017 التشيك: ديسمبر 2017 الدنماركية: أغسطس 2017 السلوفينية: 2017، 2019 الليتوانية: فبراير 2018 الفارسية: مارس 2018 الرومانية: مارس 2018 الروسية: مارس 2018 البلغارية: أبريل 2018 البولندية: أبريل 2018 الأوكرانية: مايو 2018 الألبانية: يونيو 2018 الفيتنامية: يوليو 2018 اليابانية: سبتمبر 2018 الصربية: سبتمبر 2018 [18] المهاراتية: نوفمبر 2018 التايلاندية: سبتمبر 2019 المقدونية: 2019 المنغولية: 2020 الإندونيسية: مايو 2018 أنظر أيضا الترجمة العربية للكتاب 2021 عن دار ألكا وترجمه عن الفرنسية علي بدر.

 

د. جواد بشارة