محمد بنيعيشيكاد الباحثون يجمعون على أن هذا الحدث العظيم، أي الإسراء والمعراج، قد وقع بعد تراكم المصائب والعوارض على حياة الرسول (ص) من وفاة زوجته السيدة خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها ثم رحيل عمه أبي طالب، الذي كان لا يألو جهدا في نصرته وحمايته، وكذلك بعد الرد العنيف من أهل الطائف ودخوله في جوار المطعم بن عدي، وعند تكثيف الجراءة والإذاية ضده من طرف قومه الذين كانوا ألد أعدائه وأشد مناوئيه.

ولقد كثرت الروايات والصيغ في عرض قصة الإسراء والمعراج ما بين مقل ومكثر وموجز ومفصل وحذر وسارح، قد يمتزج فيها الحق بالباطل والواقع بالخيال والأدب بالفكر والمبالغة بالتقصير، وهكذا كدليل على أن الحدث عظيم ويستحق كل هذا الاهتمام والتفهيم، كما أن له قيمته وسعته قد توازي سعة الأكوان والأرجاء التي طافها النبي (ص) رحلة وطول مسافة، حيث الدقة وكثرة الحقائق والمعنى وعمق الرقائق التي عايشها ولامسها في تلك الساعة من الليلة واية ليلة هاته.

فقد يكون الإسراء باعتباره مسارا أفقيا هو أقل الأضلاع مسافة في هذه المعادلة والرحلة الهندسية المتكاملة مع المسار العمودي الأوسع مجالا والأفسح مساحة، ومع هذا فقد يؤسس ما قد يصطلح عليه بالزاوية القائمة التي تمثل الوسط الهندسي والمرجع الرئيسي لكل الزوايا المتبقية من حادة ومنفرجة وغيرهما، طالما أنها كلها ترتكز على النقطة أصل الخط ومنبعه .وليس هناك أقوم من الوجود الكوني المرئي كقاعدة ومنطلق نحو قياس العالم غير المرئي،  وهذا ما قد يصطلح عليه بقياس الغائب على الشاهد عند المتكلمين والمناطقة عموما.

قلت: إن الإسراء بالنسبة إلى المعراج لم يكن سوى نقطة الارتكاز لفتح المجال نحو التطلع إلى هذه الرحلة اللانهائية والتي قد تتخطى كل قواعد الزمان والمكان والواقع والإمكان، وتضع قواعد الجاذبية والفيزياء على محك الامتحان والزمن في دائرة النسبية وأوجه التوافق والتطابق.

ومن هذه التلميحات، التي قد نجر إليها جرا، فمسألة الإسراء والمعراج تمثل مجمعا معرفيا ستتداخل فيه التخصصات والخصائص والثوابت والمتغيرات بالمواقف وتتلون السلوكيات والمعارف عند الحقائق والمجازات، وتتكامل العقائد مع التشريعات، ويتواصل عالم الأحياء مع عالم الأموات وما هو كائن وكان وآت .

ومن هنا فليس الموضوع مجرد رحلة بسيطة أو حدث عابر، ولا هو أيضا محطة في مسيرة أو حلقة في سيرة، وإنما هو بحر لا ساحل له ومجال أوسع من كل تصور وخيال ووصف أو استدلال .

وكيف لا؟ وهو قد اندمج مع عالم سيصفه القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف بأنه عالم الخصوصية : (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28))1 وأنه فيه:"ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"2.

ومن هنا فإدراج الإسراء والمعراج في مواضيع السيرة النبوية قد لا يتركنا على اعتدالنا ملتزمين التخصص، وإنما سيجرنا شئنا أم أبينا نحو الانسياب والاسترسال في الوصف واستكناه المغالق، والتردد بين الذوق والشوق، والتطلع بكل حنين إلى عالم الفوق .ومع كل هذه الجاذبية فقد نعمل ونجتهد ما في وسعنا بالتزام التحفظ والاختصار وحصار الأشواق والخيال والألفاظ، حتى لا نطير أو نستطار فنتيه من غير كوابح وننحرف عن المسار.

فالنص القطعي في المسألة قد جاء ابتداء وجملة من القرآن الكريم، مخصصا سورة هي الإسراء بعينه في قول الله تعالى: "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ".

فالآية مختصرة ومجملة، ودالة على الغاية الأساسية من هذه الرحلة النبوية نحو :"وأن إلى ربك المنتهى". وهي تتضمن التنزيه لله تعالى وإثبات القدرة والإرادة وصفات الكمال من سمع وبصر.وبهذا فالمحور فيها هو معرفة الله تعالى، معرفة كاملة سليمة وصحيحة، وتوحيده التوحيد الخالص بالاعتراف بألوهيته وربوبيته، وأنه الواحد الأحد الفرد الصمد المنزه عن العوارض والعوائق والعجز والنقص وكل قوادح الكمال .

وهذه المعرفة قد شملت توحيد الذات والصفات والأفعال، فليتأمل المتدبر في الآية سيجد هذه المعاني جلية وواضحة كل الوضوح.أما تفاصيل الرحلة وتنوع المحطات فليست إلا منحا وتنوع مشاهد مما يستلذ به ويستأنس به المسافر في طريقه من غير الوقوف أو العدول عن غاية وهدف الرحلة.

فالرحلة قد انطلقت بالليل وانتهت بالليل، أي أنها غيب في غيب، ولا يحيط بكل أسرارها إلا مالك هذا الغيب الذي قد يطلع على بعض منه من ارتضاه من عباده الرسل خصوصا.كما أنها من حيث المكان قد حددت المحطة الرئيسية، من المنطلق إلى المنتهى، أفقيا ثم عموديا كإشارة إلى الجمع بين الحقيقة والشريعة، بين عالم الأرض وعالم السماء لكمال المعرفة .

وهذا التطابق يؤكد محورية "المسجد الأقصى" في سيرة النبيsوعند المسلمين اعتقادا وتعظيما، وذلك باعتباره مكانا مقدسا متطابقا ومتلاصقا مع المسجد الحرام في وظيفته وقيمته ومؤداه المعرفي إلى العروج نحو عالم الملكوت، ملكوت السماوات والأرض.

والتطابق هنا قائم في تسمية المسجد الحرام بنفس تسمية المسجد الأقصى، أي يوجد وصف جامع بينهما يرتكز على صفة المسجد بالدرجة الأولى لا غير.أي أنه ليس بهيكل ولا قصر ولا دير ولا كنيسة .وهو بهذا الوصف يكون ملكا لله الذي هو أعلم حيث يجعل رسالاته. وهو ملك لرسله الذين هم أولى باستخلاف ملكيته وتحقيق أمر الله فيه عبودية وخضوعا وتعظيما وتقديسا.

فلا للسياسة ولا للملك الدنيوي وحسابات أصحاب المادة والزخارف أي دخل أو حق التصرف فيه بغير حق أو تحويل وظيفته ورسالته لأغراضهم واحتيالهم، كيفما كان حال هؤلاء وأولئك، أفراد أو جماعات ودول .كما أنه بحكم ختم النبوة والرسالة فقد بقي أتباع آخر نبي ورسول هم المسئولون عن حمايته وحفظ وظيفته وحرمته، وليس هؤلاء سوى المسلمين لا غير.بحكم النص الديني والتاريخ والتسلسل النبوي الذي لا نبي فيه بعد سيدنا محمد (ص) خاتم الأنبياء والرسل .

في حين قد نجد في آية الإسراء إشارة ضمنية إلى مسألة المعراج مفتوحة على مصراعيها، إذ لم يكن المسجد الأقصى هو الهدف النهائي من الرحلة وإنما مثل المحطة التي منها سيمر المعراج إلى عالم الملكوت، كما أنه سيكون مجمع أغلب الأنبياء ممن لهم نسبة ما، أو ترقوا وتم لهم الفتح من خلال هذا المكان، وبالضبط في عين الزمان، ألا وهو الليل الذي فيه تتحدد النسبية ويتفاوت الشعور باجتيازه سرعة وبطء، بحسب المقام ونوع الرحلة بعدا أو قربا.

وهذه الإشارة تتجلى في قول الله تعالى:" لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ".حيث القصد والغاية الرئيسية من الرحلة.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

....................

1- سورة الجن آية 26-28

2- جزء من حديث رواه البخاري ومسلم

 

اياد الزهيرينتناول في هذا البحث أحد الديانات القديمة والكبيرة المجاورة جغرافياً للديانات (الرافدينية، السورية، المصرية، اليونانية) القديمة . لا شك بأن الديانة الزرادشتية برزت كديانة وضعت حداً فاصلاً للديانات القديمة التي ظهرت في بلاد فارس، وهي ديانات وثنية، وتتصف بتعدد الآلهه، وهي تشبه الديانات التي ظهرت في الديانات القديمة التي ذكرناها في حلقاتنا السابقه، ومن آلهة الديانات الأيرانية القديمه على سبيل المثال لا الحصر هو الاله (ميثرا) اله الشمس، والاله (أناهيتا) والبعض يُسميه أنيتا  اله الخصب والأرض)، و(هوما) الثور المقدس، وأنتار أو أندارا اله الحرب، وهناك اله يدعى أورووانا اله قبة السماء، وغيرها الكثير، وقد قُدمت لهذه الالهه القرابين على مذابح معابدهم، وهم هنا لم يختلفوا عن الديانات للأقوام المجاورة لهم من رافدينية وسورية ومصريه وحتى أغريقية قديمة. هذه الديانة كما قلنا كانت حداً فاصلاً بين ديانات تعددت بها الآلهه الى دين توحيدي، يؤمن باله (أهورامزدا) واحد أزلي، مطلق، حكيم، لاتدركه الأبصار، موجود في كل مكان، عالم بالغيب، ورحمن، وقدير، وهو نور، وجعلت هذه الديانة من الشمس كرمز له، وأن الله لا جنس له. يدعي البعض بأنها أقدم الديانات التوحيدية التي ظهرت بالتاريخ، وأنا أشك في ذلك، والسبب أن نبي هذه الديانه، قد كان معاصراً حسب بعض المصادر التاريخية لكورش الكبير، ملك الامبراطورية الفارسية في القرن السادس قبل الميلاد، كما هناك مصادر تشير الى أدلة لغوية وأثرية بأن وجودها يرجع الى تاريخ سابق لهذا التاريخ، وحددوها بين (1500-1200) ق.م، وهناك من يقول أنه عاش مابين (1000-650) ق.م، كما ويشير المؤرخ الأغريقي (هيرودوتس) الى القرن الخامس ق.م ولكن كل هذه التواريخ المذكورة على أختلافها، تبين أنها جاءت بعد الديانة التوحيدية الأبراهيمية، حيث يُذكر أن النبي أبراهيم حسب مصدر الويكبيديا أن ولادته كانت بين(2324-1850) ق.م وهذا يعني أن الديانة التوحيدية الأبراهيمية هي أسبق تاريخياً من الديانه التوحيدية الزرادشتية . على العموم أن محور بحثنا بالأساس هو الاله في الديانة الزرادشتية، وهي ديانة جاءت من بعد ديانات عديدة تَعبَّد فيها أنسان منطقة شمال شرق أيران الحاليه، وبعض مناطق أفغانستان وآسيا الوسطى، حيث أرتباط الأنسان بالطبيعة وخضوعه لقوانينها وتأثره بتقلباتها، وما أفزعه من ألغازها، وما حيره من طلاسمها، التي وقف أزاءها حائراً منذهلاً، خائفاً مسحوراً، متسائلاً، وهو يعيش بين أحضانها متوسلاً بأله يلوذ به من أعاصيرها وزلازلها، ويعطيه من خيراتها، ويعلمه عن مصيره فيها . هذه الحاجة وتلك التسائلات ألزمته بالحاجة الى اله يهدأ عليه من روعه، ويبث في قلبه الطمأنينة والسلام، وأن يتلمس منه منهج، يحسن من خلاله أختياراته في الحياة.

جاء زرادشت بعد شوط طويل من تخبط ذلك الأقليم في عباداته المتسمه بالوثنية، فأستوقفه قومه فيما يعبدون، فهجرهم بعيداً، وأنزوى في الجبال يتأمل الى أن جاء لهم بدين زعم من خلاله أن وحياً من الله قد نزل عليه، وأن الله (أهورامزدا) هو من خلق السماء والأرض، ولا غيره سواه، وهو مصدر الخير، ودعاهم الى هجر عبادة الالهه القديمة المدعوة بالديفا، باعتبارها أوثان،  وأن الله خالق الكون، هو من يجب أن يُعبد، وهذا النص الزرادشتي يوضح ذلك (انني أنكر الديفا، وأشهد بأني عابد للاله أهورامزدا،مؤمن بزرادشت عدو الديفا، ونبي الله، حامد وعابد للكائنات القدسية الخالدة الأميشاسبينتا، ومعاهد الرب الحكيم على بذل ما أستطعت من خير)، هذه الأفكار والمعتقدات التي جاء بها زرادشت  كانت نقلة نوعية كبيرة في عالم التدين وخاصة التصور عن الاله  بين أبناء قومه ذوي الأصول الآرية، وأن في مباديء هذا الدين فيه عالم من الملائكة والذين يُسمون ب(الخالدين المقدسين) ويُعرفون ب(بأميشاسيتناس). كما أن هناك قوة تمثل الشر، وهي لا ترقى لمستوى الاله وتُمثل بالشيطان ويُطلق عليها (أهريمان)، وأن هناك الكثير من التفاصيل التي هي أمتداد لمباديء الأديان السماوية يُرجع لها في كتب تتناول الدين الزرادشتي لأننا بخصوص فقط تناول طبيعة الآله في هذه الديانة.

يكشف لنا نص من مقتبس من كتاب (أوفيستا) ترجمة (حامد عبد القادر) ص5 والذي يعكس رؤية وفلسفة زرادشت ومعالم طريقه في عقيدة الاله (ياألهي... الى من أهرب، والى أي البلاد أذهب . ان النبلاء والرؤساء قد أنصرفوا عني، ولم يستمع أحد من عامة الشعب الى قولي، حتى أؤلئك الأفاكون حكام البلاد الدجالون، أرشدني كي أحظي برضاك . أني أدرك السر في خيبة آمالي، وأعرف السبب في فشل مسعاي، أني رجل فقير فلم يستمع اليَّ الا القليل، اياك أدعو اله الخير، واياك أستصرخ مبعث النور، فأمنحني العون والتوفيق ...أرشدني الى الطريق المستقيم المفضي الى أكتساب التفكير السليم، ربي متى ينبثق فجر الهداية لهذا العالم ... أني أضع فيك كل ثقتي، فكن أنت نفسك عوناً لي على النجاح في رسالتي وتنفيذ ما أمرتني به) . في هذا المقتبس، هو جزء من مناجات وأستصراخ زرادشت الى ربه الواحد الأحد، الذي يسمع ندائه، والذي يطلب العون منه في أتمام المهمه الملقات على عاتقه من قِبل الهه الذي كلفه بأيصال رسالته الى قومه العابدون للوثن . كما يمكننا الأشارة الى نص يؤكد فيه زرادشت وحدانية الله، ينقله لنا زين الدين عمر الشهير بأبن الوردي في كتابه (تاريخ أبن الوردي) في ج1. ص71، يقول النص (انه خالق النور والظلمة، وانه واحد لا شريك له). كما أن طبيعة اله زرادشت ذو طبيعه وحدانية يتجلى كذلك في هذا النص، كما ورد (بالأفيستا)  (أني لأدرك أنك أنت وحدك الاله وأنك الأوحد الأحد، وبأني من صحة ادراكي هذا أُوقن تمام اليقين أنك أنت الاله الأوحد...) أن وحدانية الله تتجلى في هذا النص بأوضح صوره، وأنقى معانيه. ولكن هناك من وقع في أشكالية خطيرة تقول أن الزرادشتي يعبد النار، وهذا خطأ كبير، وقع فيه الكثير، في حين أن النار هي رمز للنور الذي هو الله، وهي رمزاً مقدساً، كما هي الشمس عندهم كذلك. هناك نصوص تؤكد وجود ديانة توحيدية  قبل  ظهور زرادشت ولكن أصابها ما أصاب الأديان الأخرى من التحريف والفساد، محاولاً أرجاعهم الى التوحيد، فجاء بالأفيستا، وهنا يذكر (...أراد بي أن يختتم  هذه الحياة الدنيا فجئت الى الحق هادياً ولأزيل ما علق بالدين من أوشاب...) وهذا يؤكد ما ذهبت اليه في مقدمة البحث بأن الزرادشتية، هي ليست أول الأديان التوحيدية في العالم. ومن هذا النص يمكن أن نورد أحد الآراء التي تدعي بأن زرادشت هو مصلح وليس نبي، بأعتبار أن هناك من يقول أن الزرادشتية جاءت قبل ظهور زرادشت بكثير، حتى تُرجعها بعض المصادر الى الألف الرابع ق.م، في حين الكثير من المصادر تؤكد على أن زرادشت عاش بين (628-551) ق.م وأنه جاء لتقويم ما حصل من أنحرافات على هذا الدين . أنا أقول أن زرادشت هو كنبي أو كمصلح جاء كأمتداد لديانات سماويه سبقته، تقوم على أساس التوحيد. فالتوحيد هو النقطة الأساسية التي ركز عليها الدين الزرادشتي، ونرى ذلك أضافة للنصوص السابقة، هذا النص في كتابهم الأفيستا (لا اله الا هو أهورامزدا)، وأهورا مزدا تعني  (الله الحكيم)،  وللفائدة ننقل ما يؤكد هذا الخط التوحيدي والسماوي من خلال حديث للرسول محمد (ص) نقلاً عن كتاب (الأموال) لمؤلفه (ابن أبي عبيد) ص39 عندما سُل النبي (ص) عن المجوس قال ( سُنوا بهم سنَّة أهل الكتاب) ونقله كذلك الترمذي في جامع الترمذي (ج4 ص147)، وهناك من الفقهاء والعلماء من أيد كتابية هذا الدين، مثل أبن حزم الأندلسي، حيث يقول في كتابه المُحلَّى ص 445 (وأما المجوس، فقد ذكرنا في كتاب الجهاد أنهم أهل كتاب، فحكمهم كحكم أهل الكتاب) وأكد ذلك الأمام محمد بن أدريس الشافعي (المجوس-الزرادشت، والصابئون والسامرة أهل كتاب)،بالأضافة الى ذلك أكد الأمر أبي حنيفة النعمان، ومن علماء الشيعة من أكد كتابية الدين الزرادشتي، وقد ذكر ذلك في الكافي ج3 ص567 (أنه سُئل أبو عبد الله عليه السلام عن المجوس، أكان لهم نبي؟ فقال نعم...) وأكد ذلك العلامة الأردبيلي في كتاب (مجمع الفائدة)، حيث ذكر (قيل كان لهم نبي وكتاب قتلوه وحرقوه، وأسم نبيهم زرادشت وأسم كتابه جاماست) ج7 ص438، وفي كتاب الطهارة للسيد الخوئي (ج2 ص48) أنه قال (ثم أنه أذا بنينا على نجاسة أهل الكتاب بمقتظى الأخبار المتقدمة وسالم الأصحاب فهي الما تختص باليهود والنصارى والمجوس...)، ويُشير كذلك العلامة الحلي في (تحرير الأحكام) ج3 ص461  (اليهود لهم كتاب التوراة والنصارى لهم الأنجيل أما المجوس فقيل لهم كتاب ثم نُسخ ورفع بين ظهرهم فلهم شبهة كتاب فلحقوا بالكتابين في أحكامهم) .

صحيح أن الديانة الزرادشتية كغيرها تعرضت للتغير والتشويه والزيادة والنقيصه بسبب  المناقلة الشفوية لتعاليمها بين المؤمنين بها، وهي فتره أمتدت أستناداً الى المصادر التي تدعي ظهورها بالقرن السادس ق.م ولكن تاريخ تدوين كتابهم (الأفيستا) دُون في القرن الثالث أو الرابع  الميلادي وهناك من يقول بالقرن الخامس، ومنهم الباحث فراس السواح في كتابه (موسوعة تاريخ الأديان) ج5 ص13  في العهد الساساني،و كغيره، مثل الكثير من العقائد والأديان لم تسلم من التشويه والتحريف عبر الزمن، ولا ننسى أحتلال الأسكندر المقدوني لأيران عام 334 ق.م وتدمير الكثير من آثارهم وحرق مكتباتهم وقتل كهانهم، مما عرض كتابهم (الأفيستا)  الى الضياع، ولذا سمى الأيرانيون الأسكندر بالملعون ، ولكن بقت بعض الأناشيد وبعض النصوص الطقسية .والأبتهالات (الياشت) كما خرجت بعض الكتب التي تدافع عن ديانتهم بوجه الديانات القادمه كاليهودية والمسحية والأسلامية، وهي عبارة عن ملخصات للأفيستا، خلاصة القول أن الاله في الديانة الزرادشتيه هو ذات الاله في الديانات السماوية التوحيديه، اله واحد أحد، مصدر الخير، وخالق الكون، والرازق والمحاسب يوم الحساب، ولكن وكما ذكرنا طرأت عليه ما طرأ على غيره من العقائد والأديان من تشوهات عبر الزمن، وهذا حصل لكل الأديان ومنها الأسلام الذي لم يسلم من الأسرائيليات وما وضعه الوضاعون في الحديث النبوي من أمثال أبو هريره وكعب الأحبار، وأبن أبي العوجاء وغيرهم الكثير.

هنا نعرض مقطع من أناشيد الغاثا لزرادشت، والتي تلخص  موقف وتصور الديانة الزرادشتية  عن الاله بشكل واضح:

من هو قديم الزمان

من رسم المسار للشمس والقمر

من أمسك الأرض ورفع السماء فلا تقع

من أنبت الزرع وصنع المطر

من خلق الأفكار الخيرة

من سخر الليل والصباح والظهيرة تذكرة للناس

من سخر البقر والأنعام لرخاء الناس

من علم الناس الأحترام للوالدين

من هو خالق كل شيء حسن وخير في الكون

فالزرادشتيون لم يؤكدوا فقط على وحدانية الله، بل على ماهية الخير فيه، بالأضافة للخلود والكمال، وأنه ذو طبيعه مغايرة للمادة، وهو يمثل الحكمة المتعالية، وهو خالق كل شيء في الوجود. هناك نص من الغاثا يظهر بها الأراده الالهية على الوجود ؛

من هو بالأحداث موجد الحق في البدء

من أختط للشمس مسارها وللنجوم

من جعل القمر بدراً فهلالاً فمحاقاً

من أرسى الأرض ورفع السماء

من سخر الرياح تجري بالسحاب

من أوجد الصبح والظهيرة والليل تذكرة لذوي الألباب

الخلاصة؛

*الزرادشتية ديانة توحيدية، أخلاقية

* الله هو مصدر للخير فقط

* الاله أزلي، لا كفء له، وهو اله كل الوجود ومبدعه، ويتصف بالرحمة

* الاله ينفذ أرادته من خلال روح القدس  سبينتاماينو، وعبر وسائل أخرى كوسطاء للتعبير عن الأرادة الألهية 

 

أياد الزهيري

 

 

مجدي ابراهيمالمنهج الذي نتوخَّاهُ ونحرصُ عليه هو أنه من واقع النصوص نثبت الآراء. ولا نثبتها جزافاً بغير فحص النص والوقوف على دلالاته؛ فقراءة النص الأصيل في عيونه الأولى هى التي تكوِّن الرأي الصحيح. أمّا الآراء التي تأخذ بالتقليد والمحاكاة للغير، أيّا كانوا وكائناً من كانوا؛ فلا يعوّل عليها عندنا قيد أنملة؛ لأنها ببساطة شديدة لا تكشف عن تجربة مع المقروء، ولا تعطي معاناة صاحبها مع النص الأصيل يعوّل عليه ولا يعوّل على سواه.

من تلك اللفتة المنهجية التي تقرَّرت عندنا نتناول كتاب "القصد المجرَّد في معرفة الاسم المفرد"؛ فهو من مؤلفات ابن عطاء الله التي تخدم فكرة التوحيد، وينضمُ إلى ما كتبه في "الحِكَم". لم يكن الرجل ممَّن يتركون أوقاتهم بغير خدمة. الوقت هو "العبودية" عنده وعند غيره من الصوفية المحققين. والعبودية على الحقيقة معرفة التوحيد وممارستها، التي هى فيما يقول ابن عطاء الله "أكسير الزيادة، وكيمياء السعادة، وقاعدة كل قدم وحال ومقام، وأسُّ أصول دعائم الإحسان والإيمان والإسلام: معرفة التوحيد المُجرّد عن إضافة التقييد المحفوظ عن تصميم التقليد الموصوف بعلم الأسماء والصفات، الجامع لذكر معاني اسم الإلهية.

ولما كان شرف العلوم على قدر شرف المعلوم، وشرف العالم على قدر شرف علمه، صار لا شيء أشرف من الحق وطلبه، ولا شيء أشرف من معرفة الحق في الدنيا، وفي الآخرة بالنظر إلى وجهه.

وعلم التوحيد موقوف على معرفة الواحد وصفة وحدانيته. ومن لم تفده المعرفة علماً بالله وبصفاته في حقيقة توحيده، فهو محجوب، والمحجوب مفقود.

يبدأ الكتاب بالقسم الأول يحصر فيه الآيات التي وردت فيها اسم "الله"؛ ليتكلم في اشتقاقه وأقسامه، وذكر تفصيل حروفه وتعلق أقسامه ومقتضى أحكامه، إذْ كان القصد المجرد، قسمين: الأول هو: الذي يدور حول "الاسم" (الله)، وفيه نلحظ شهود "وحدة الوجود"، أو توحيد المشاهدة، وفيه كذلك أقسام الأسماء وهى أنواع أربعة سوف نذكرها تباعاً في هذا الكتاب. أما القسم الثاني من القصد المجرد؛ ففي معرفة فضله وشرف قدره وشرح معاني أسراره واختصاص فوائده وذكره؛ لكأنه بهذين القسمين يُطلعنا على شقيِّ المعرفة؛ ليثير فينا في القسم الثاني، قسم "الذكر" الشوق إلى التطبيق، هنالك معرفة قبل العمل، وهى الجزء الخاص بالعلم، المفروض تحصيله لكل من أراد السلوك، والتي يغلب عليها الطابع النظري، فهى من وادي المعرفة النظريّة.

وهنالك معرفة بعد العمل، وهى من روافد المعرفة الوهبية الخالصة، وهى معرفة الذاكرين الذين يعرفون معاني أسرار الاسم المُفْرد واختصاص فوائده والاطلاع المباشر على فضله وشرف قدره. وفي القسمين نجد الجانبين: جانب المعرفة النظرية، وجانب التطبيق والسلوك والممارسة. وهذا الجانب الأخير ممّا يقود إلى المعرفة الاختصاصية بفضل من الله وتوفيقه، وهو موضوع القسم الثاني من الكتاب.

ــ القسم العملي (الذكر):

ولنبدأ بما جاء في هذا القسم؛ القسم العملي (الذكر) قبل أن نتكلم في القسم الأول: لقد سبقت الإشارة حين قلنا إن هدف ابن عطاء الله من المعرفة هو التطبيق؛ حتى ولو كانت تلك المعرفة تتعلق بالاسم المفرد "الله"، فالقصد المجرد من المعرفة هو ممارسة حياة روحية بعينها تطبيقاً لهذه المعرفة، ولا يمكن أن يكون هناك تطبيق بغير ذكر دائم لا مقطوع ولا ممنوع لهذا المعروف. قال تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا" (سورة الأحزاب: الآية 41 - 42). وقال عز وجل:"الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ" (سورة آل عمران: الآية 191)، وفي الحديث عنه، صلوات الله وسلامه عليه، عن الله تعالى:"من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين". ولمّا سئل صلوات الله وسلامه عليه: أي الأعمال أفضل يا رسول الله قال: "أن تموت ولسانك رَطْبٌ بذكر الله"؛ وعليه؛ فالاشتغال بذكر الله، فيما يرى ابن عطاء خَاصَّة، من أفضل العبادات، وعليه يبني المؤلف القسم الثاني من قصده المجرّد في معرفة الاسم المفرد، ويسوق الشواهد والدلائل لتأكيد أن الذكر سبب المعرفة كما أنه سبب الوصول، وأنَّه مفتاح الطريق إلى الله على الحقيقة.

ومن إشاراته أنه يذكر أن من تخصيص هذا الاسم المفرد بالذكر، أنه ما من لفظة بالذكر من "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ" إلاّ وفيها تخصيص، وإشارة، ومعنى، وفوائد عجيبة، وأسرار وحكم، مع ما يضاف إليها من علوم ومعارف جليلة. فهاهنا "قُلْ" إشارة إلى الأمر. و "هو" إشارة إلى الإثبات لوجوده. و"الله" إشارة لاسم ذات الألوهية. و"أحد" إشارة لإفراد الأحَدِّية. و"الله" إشارة لذكر الاسم المُفْرد للتوحيد. و"الصمد" إشارة لتنزيه الذات عن نفس البشريّة. أما "لم يلد"؛ فهى إشارة إلى كمال التنزيه عمَّن سواه. "ولم يُولد" إشارة إلى إثبات الأزلية والقدم؛ ونفى السَّبقيّة والحدوث والعدم؛ وهى إشارة إلى عدم الضد، والشبيه، والنظير، والكفو، والند.

ويروح ابن عطاء فيعرض للذكر ثلاثة مقامات: ذكر باللسان، وهو ذكر عامة الخلق. وذكر القلب وهو ذكر خواص المؤمنين. وذكر الروح وهو لخاصَّة الخاصة به ينفرد العارفون في أحوالهم الروحية العجيبة، وبه يتمتعون في رحاب الحضرة بخطابات التأنيس؛ وذلك لأن هذا الذكر هو هو ذكر العارفين بفنائهم عن ذكرهم، وشهودهم إلى ذاكرهم. ولذاكر هذا الاسم المفرد (الله) حالات ثلاثة أيضاً: حالة الوَله والفناء، وحالة الحياة والبقاء، وحالة النعم والرضا، ولكل حالةٍ رجالُ ذاكرين.

وهكذا؛ فالكتاب كله مليء بالنوادر والإشارات. الهدف منها حثُّ العارف على كثرة الذكر؛ إذْ "العارف يتأسف في وقت الكدر على زمن الصفا، ويَحنُ إلى زمان القرب والوصال في حال الجفا، هو من الذين قال فيهم عليّ، رضوان الله عليه، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى". فالذكر تطبيق للمعرفة وشروع في التوحد مع المعروف والاستغراق فيه، والزيادة منه فضيلة شرعية وكل فضيلة فيه داعمة للتوجه القلبي. والقسم الثاني من الكتاب كالممارسة للمعرفة: هو بمثابة الجانب العملي من الحياة الروحية، أو هو العمل والعبادة، وفيها يكمن التحقق بالاسم المفرد قصداً مُجَرَّدَاً خَالِصَاً لا شك فيه.

ــ شهود وحدة الوجود:

وإذا رجعنا إلى القسم الأول، والذي نعنونه بعنوان (شهود وحدة الوجود)؛ والذي ذكرنا فيه أنه يدور على الجملة حول فكرة عميقة في التصوف هى "توحيد المشاهدة" على لغة ابن عطاء الله واصطلاحه الصوفي؛ أو "وحدة الوجود" على مذهب ابن عربي وتصوفه؛ فإنّ الذي يقرأ ابن عربي وابن عطاء، يجد تقارباً من الوهلة الأولى من حيث الذوق الصوفي والوعي بالمدارك التصوفية العليا.

الذوق يعطي التقارب والتشابه والالتقاء، ويدلُّ بالمباشرة على وحدة الروح التصوفية في الإسلام من أول وهلة. إنّما التفرقة النظرية تعطي الاختلاف؛ فهناك اختلاف بين المدرستين نظرَّياً: مدرسة ابن عربي فلسفية موغلة في التفلسف والمعرفة النظرية المستقاة من طريق الاكتساب؛ فإذا أردت فكراً فلسفياً صوفيّاً خالصاً؛ فلتتجه إلى ابن عربي فمصادره الفلسفية وخاصة "الأفلوطينية" أظهر من أن ينكرها أحد. وأمّا مدرسة ابن عطاء الله فسُّنية الاتجاه، المصادر الخارجية فيها بعيدة، ونسبتها إلى الغزالي والمكي والقشيري، والتصوف السُّني خاصّة، أكبر وأدق من نسبتها إلى اتجاهات فلسفية خالصة كما سبقت فيما تقدَّم الإشارة إليه.

المصدر الإسلامي غالب على اتجاه المدرسة الشاذلية ذات الاتجاه السُّني المحافظ، اتجاه الغزالي، الذي أكده ابن عطاء الله ورعاه فيما كتب وألف؛ ولكن هل كانت وحدة الوجود عند ابن عربي خالصة المصادر الخارجية بعيدة كل البعد عن المصدر الإسلامي؟

لم يقل أحد بهذا إلا من خبط في التصوف خبط عشواء، وتحدث بكلام غير مسؤول؛ بل الذي يجعل التقارب مشهوداً بين ابن عطاء الله السَّكندري وابن عربي؛ هو وحدة الرُّوح التَّصَوفيَّة في الإسلام، وتأسيس وحدة الوجود على دعائم ذوقية، على التجربة الصوفية، وأنت إذا قلت "تجربة صوفية" غلَّبت المصدر الإسلامي فيها على سائر المصادر الأخرى. قدَّمت مصدرها الإسلامي وأخَّرت المصادر الخارجية، قَدَّمت مضمون التجربة، وأخرت شكلها ومظهرها الخارجي؛ إذْ المتصوف المسلم في الغالب، لا .. بل من المؤكد يعوّل في تجربته الروحيّة على مضمونه الديني ينتسب إليه.

ولمّا كانت التجربة الدينية الصوفية لا تقوم على الثقافة، ولكنها تقوم على العمل بمقتضى المضمون الديني، وعلى الهداية النبوية: القَولية والفعلية، الباطنة، والظاهرة؛ فإنها ممّا لا ريب فيه تستوحي الدين الذي تنتسب إليه، والعقيدة التي تدين لها بالولاء.

فالمتصوف المسيحي يتكئ على دينه وعقيدته. واليهودي نقطة انطلاقه عقيدته. والبوذي لا يستقي تجربته من مصر القديمة. ولكنه يستقي تجربته الصوفية من تعاليم بوذا. والهندوسي يتمسك بتعاليم كتبه المقدسة ولا يتركها إلى مقدس آخر يراه. وهكذا يكون حال الصوفي في الإسلام يدخل التجربة وليس في ذهنه عقيدة ولا دين سوى عقيدة الإسلام وديانته. فإذا قلت: فما بالُ التأثر والتأثير؟ لا أقول لك: إنّه مجرد تشابه شكلي وكفى، وبخاصّة إذا تعلق الأمر بالمطالب الروحيّة العامة وحقائق الخلود؛ ففيها يكثر التشابه وتصعب التفرقة. ولكن أقول لك: إمّا قبل التجربة وإمّا بعدها؛ فلو كان قبلها يترك المتصوف كل تأثير خارجي وينتمي في التجربة إلى "المضمون"؛ إلى الدين الذي ينتمي إليه، ولو حَدَثَ بعدها يظل المتصوف على كشوفاته حال التجربة، والذي يُدْنِيِهُ من متصوف آخر ينتسب إلى دين مختلف أو ثقافة مغايرة هو: فَرْضُ التشابه .. ليس إلاّ.

أمّا في بطن التجربة؛ فليس في قلب المتصوف إلاّ عقيدته الدينية التي ينتسب إليها ويدين لها بكل الولاء، وليس له إلا مضمونه العقدي يتكئ عليه ويستبطن خوافيه.

ومن الخطأ على هذا: القول بأن التجارب الصوفية كلها من حيث المصدر واحدة، أي نعم! قد تتشابه جميعاً شكلاً ينقصه المضمون، لكن مصدر العقيدة الدينية مختلفٌ لا شك فيه.

ومن هنا؛ فقد يتشابه تصوف ابن عطاء الله مع تصوف ابن عربي في اتحاد الهدف وتوحُّد الغاية، وقد يتفقا كل الاتفاق في انتساب التجربة إلى الدين الواحد والعقيدة الواحدة، وقد لا تفرّق في الجوهر الباطني العميق بين "توحيد المشاهدة" في تصوف ابن عطاء الله السَّكندري، وبين "وحدة الوجود" في تصوف ابن عربي بالمفهوم الإسلامي لا بالمفهوم الهندوسي؛ وبخاصّة لو وضعنا في الاعتبار دعائم الذوق المؤسس لفقه الطريق، وقيامه ناهضاً عاملاً في جوف صاحبه مرتكزا بالجملة على دعائم عقيدته الدينية، ولكن مع كل هذا يظل الاختلاف بينهما نظريّاً من حيث الشكل، جائزاً مقبولاً في كل تصوِّر معقول.

هذه مدرسة وتلك مدرسة، هذا اتجاه وذاك اتّجاه. كان هذا من الضرورة بمكان قبل أن نَقْدِمَ على حديث ابن عطاء في توحيد الشهود في هذا الكتاب الذي نعرض أهم محتوياته. يرى ابن عطاء الله أن:"لا إله إلا الله دائرة بين النفي السالب والإثبات الموجب؛ فالنفي السالب لجميع صفات الحدوث والنقص والعدم، والإثبات الموجب لجميع صفات التنزيه والكمال والقدم؛ فمن نظر إلى وجود الحق بعين القدم ونظر إلى ما سواه بعين الحدوث والعدم؛ فقد شاهد أزليته. وقال:"ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله قبله". ومن نظر إليه بعين البقاء، ولخلقه بعين الفناء؛ فقد شاهد سرّ أزليته، وإذ ذاك يقول: "ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله بعده". ومن نظر إليه بعين العلم والقدرة، وللخلق بعين الجهل والعجز وقصور المنّة؛ فقد شاهد فعله وإحاطته وهنالك يقول:" ما رأيت شيئاً إلاّ رأيت الله معه".

وأصلُ المشاهدة ينقسم إلى ثلاثة أقسام، فيما يرى المؤلف، الأول: مشاهدة فعل بفعل. الثاني: مشاهدة صفة بصفة. الثالث: مشاهدة ذات بذات، فمن نظر إلى الحق بالحق تجلت له الأسماء والصفات، وسريانها في المكونات، والعلم في المعلومات. ومن نظر إلى الأشياء بالعلم ظهرت له الصنعة في المصنوعات، والأفعال في المفعولات. ومن نظر بالله لا به انقطعت الإضافة وتلاشت المحدثات، وفنيت العبارات والإشارات".

وفي المشاهدة الأخيرة تعبير دقيق عن: حال الصوفي في تجربته وتحققه قطعاً بمراتب الشهود، كما أن فيها تعبيراً عن "وحدة الشهود" في التصوف السُّني، وعن "وحدة الوجود" كما هى عند ابن عربي ولكن بدلالتها الإسلامية؛ فكل الأشياء قائمة بالله؛ فمن نظر بالله، لا به أي لا بنفسه، غاب في الفناء عن الأكوان وانقطعت في حقه الإضافة وتلاشت المحدثات، ثم لم يستطع التعبير ولا الإشارة، وهذه أوصاف التجربة الصوفية في خصوصيتها، يلزم عنها الفناء ضرورة، أو هى نفسها تجربة الفناء محققة وواقعة، وفيها يتقرّر لدينا توصيف شهود ابن عطاء وشهود ابن عربي بأنهما: "شهود لوحدة الوجود".

هذا هو الاصطلاح الذي نرتضيه للتوفيق بين "توحيد المُشاهدة" عند ابن عطاء ومن جرى مجراه في التصوف السَّني، وبين "وحدة الوجود" الروحيّة الصوفيّة عند ابن عربي والجيلي والصدر القونوي، ومن جرى مجراهم من تلاميذ وحدة الوجود؛ نرتضيه لأن نصوص ابن عطاء نفسها تثبته ولا تنفيه؛ بل تكشف عنه القراءة المتأنية في ظلال تلك النصوص.

ــ معاني الأسماء الإلهية:

ثم يتوسّع ابن عطاء الله في معاني الأسماء الحُسنى؛ فيورد تقسيم العلماء إليها على أربعة أقسام، وفي كل قسم منها دلالة من الصفة على الاسم. الأول: منها هو ما يدل على "الذات الكريمة الجليلة المنزهة القديمة العظيمة". وذلك كل ما دلت التسمية به على وجود ذاته وهو راجع إلى نفسه. كموجود، وذات، وإله، وقديم.

والثاني: وهو راجع إلى صفة ذاته القديمة. وهو ما لا يقال إنه هو ولا إنه غيره. وذلك كل ما دَلَّت التسمية به على صفة ذات نفسه كالحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام.

والثالث: وهو راجع إلى صفة أفعاله. وهو ما يُقال أنه غيره والاسم فيها غير المسمى، وذلك كل ما دَلّت التسمية به على صفة فعل من الأفعال؛ كبارئ؛ ومصوِّر، وخالق، ووهاب، ومحيي، ومُمِيِت، ورازّق.

والرابع: وهو راجع إلى صفة التنزيه، ويُقال إنه هو هو، والاسم والمسمى فيها واحد، كأسماء الذات، وذلك كل ما دَلَّتْ التسمية به على نفي النقائص كلها عنه تعالى؛ كعزيز، وجبار، ومتكبر، وكبير، ومولى، ومتعال، وذي الجلال والإكرام، وجليل، وعظيم، وعليّ، ومؤمن، ومهيمن، وغني، وقدوس، وسلام.

لكنما الاسم المفرد، فيما يرى ابن عطاء الله، وعلى حد تعبيره، إنّما هو جامع لجميع الأسماء كلها، وهى شارحة له ومشيرة إليه، ومعبرة عنه ومشاركة له، وهو متضمنٌ لها على وجه الإجمال. والعالم كله: علويه وسفليه، بما فيه من عجائبه وغرائبه، صادر عنه (أي عن الاسم المفرد، جل ذكره)، وهو على قسمين (أي العالم): عالم أمر، وعالم خلق. بيد أن عالم الأمر هو الحاكم على عالم الخلق، إذ كان يلي اسم الألوهية في المرتبة العليا.

ولم يكن ابن عطاء وحده هو من أشار إلى تلك اللفتة؛ بل سبقه إليها كثيرٌ من العارفين ممّن كتبوا مصنفات فيها كالقشيري في "التحبير في التذكير". وابن عربي في "النور الأسنى بمناجاة الله بأسمائه الحسنى". والغزالي في "المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى". وقلّدهم ابن قيم الجوزية في "شرح أسماء الله الحسنى". ولكن ابن عطاء تفرد بينهم بخصوصية التجربة المشحونة بعطايا الذوق الفاعل صدوراً ووجوباً ومستنداً وتقريراً.

فلئن تعدَّدت الأسماء الإلهية؛ فالمقصود منها واحد، وهو الله، فكل الأسماء هى صفته ونعته، وهو أولها وأصلها. وهنا تفوح رائحة وحدة الوجود من كلام ابن عطاء، ولكنها وحدة وجود إيمانية إسلامية من الدرجة الأولى، أو كما قلنا ذوقية، فهى من أول وهلة تشتم فيها عبق الإيمان ومذاق التجربة وحلاوة المعاناة في سبيلها. ليست هى بالطبع كوحدة الوجود "البراهمانية" الهندية، وليست كوحدة الوجود المادية، ولكنها وحدة وجود روحية تقدم "الله" على العالم، وتجعل التصور تحت رهن الفكرة الإلهية؛ فكل ما في الوجود مخلوق لله، وليس للعالم قيام بذاته من ذاته؛ فوجوده لولا الله إلى زوال، فهو عدم محض عدم.

ولكن ابن عطاء يعبر عن هذه الفكرة ـ التي تبدو وكأنها "وحدة الوجود"، وهى في الواقع محض إيمان ـ بمذاقات التجربة الإيمانية الحيّة التي يلزم عنها في الغالب ردُّ كل شيء إلى الله، والتصرف في الأكوان بمقتضى العبودية له، وإسقاط التدبير معه، بمقدار ما يلزم عن معاناة هذه الأذواق القول بوحدة الوجود بمفهومها الإسلامي بعد التخلص المُفروض من واغش الروعونات والآفات.

وذوق الإيمان الخالص لا ينقبض عن لقاء وحدة الوجود، ويحتم القول بها لا كنظرية فلسفية بل كتجربة دينية صوفية؛ إذْ أنه:"لا نزاع في أن فكرة وحدة الوجود (Pantheism) في أساسها وليدة فرط إيمان تدفع إليها عاطفة قوية وشعور فياض، وهى لهذا تلائم كبار الصوفية والروحانيين".

ولئن كان ابن عربي هو أول واضع لمذهب وحدة الوجود في التصوف الإسلامي؛ فمن المؤكد أنه مذهبٌ يقوم على دعائم ذوقية أساساً.

وعليه؛ نكاد نجزم أن وحدة الوجود فيما لو أخذت بهذا التخريج فهى ليست سُبَّة للقائلين بها، ولا هى بالتهمة التي يفر منها قاصديها، ولكنها محض ذوق يتأسس على الإيمان، ويتجاوب مع فكرة التوحيد التي تقتضي إسقاط التدبير؛ فإذا عَرَفتَ التوحيد حق المعرفة أسقطتَ التدبير معه، ومضيت في طريق العبودية على البصر بالله وهو أعلى مراقي التفويض؛ بل لا نجاوز الصواب فيما لو قلنا إنها العبارة الصحيحة عن التصوف الحقيقي بلا أدنى شك. يقول ابن عطاء الله السَّكندري في نص ممتاز من هذا الكتاب:" والأسماء كلها سَرَت في العالم سريان الأرواح في الأجسام، وحَلَّتَ منه محل الأمر من الخلق، وَلَزَمَتْهُ لزوم الأعراض للجواهر. فإنه ما من موجود، دَقَّ أو جَلَّ، عَلا أو سَفَل، كثف أو لطف، كثر أو قلَّ، إلاّ وأسماء الله (جل وعز ذكره) محيطة به عيناً ومعنى. ومقتضى اسم الألوهية جامع لجميعها، كالأسماء المحيطة بالعوالم. المنقسمة إلى أمر وخلق، وكان لها مقام الروح من الجسد. ومن لطف الله تعالى أن أظهر من علمه وقدرته بهذا الاسم ما احتملته عقول خلقه؛ ليصل حبله بحبلهم، وبفضله فطرتهم التي فطرهم على معرفته".

فلئن كانت تتجلى في هذه العبارات معاني وحدة الوجود؛ فهى لا تتجلى إلا من فيض الإيمان يُذَاق ذوقاً ولا تتجلى من عطايا النظر؛ بل من معاناة التجريب، تعطيه البصيرة المنتجة المثمرة؛ فهى من الإيمان بمكان بحيث لا تنفصل عنه ولا تفهم على الحقيقة بغيره.

وتجدر الإشارة إلى أن الكلام في معنى كلمة "لا إله إلا الله" هو هو الكلام نفسه في التوحيد؛ قد استغرق كتباً ورسائل من القدماء، كان أهمها بالإضافة إلى قصد ابن عطاء المُجَرَّد، كتاب "معنى لا إله إلا الله"؛ لبدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي (ت 794 هـ)، والكتاب قام بتحقيقه والتعليق عليه والتقديم بفصل عن "أضواء على كلمة التوحيد"؛ على محيي الدين علي القره داغي، طبعة دار بو سلامة للطباعة والنشر والتوزيع، تونس سنة 1984م، وهو يتناول معنى كلمة التوحيد من حيث اللغة، والبيان، والإعراب، والكلام، وأهل الإشارة.

تلك كانت أهم النقاط التي تضمّنها كتاب ابن عطاء الله "القصد المُجرَّد في معرفة الاسم المفرد"، وإنما أطلنا الكلام عنه؛ لأنه من أكثر كتبه جلالة وتفرُّداً على أقل تقدير من ناحية الموضوع الذي عالج فيه مع كتابه "الحكم العطائية"، مسائل التوحيد، وشغل نفسه بهذا الموضوع إلى درجة لم ينصرف فيها إلى موضوع سواه، ولم يستطب البحث في غيره.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

مجدي ابراهيمأذكر كلمة "لأبير كامو" مؤثرة هي في الواقع حقيقة من حقائق النفس الباطنة؛ إذ كان يقول: "ما أكثر ما تستعبدنا إنجازاتنا"، حقا، فالكل معرّض لهذا الاستعباد، وخاصّة مع كلمات الإطراء، فهل استعبدت ابن عطاء الله إنجازاته مع الإعجاب بها؟ إنما المجال الذي يعمل فيه الرجل مجال لاشك مُلِهم بكل معاني هذه الكلمة؛ مُلهم للنفس أن تنخنس، ومُلهم للعقل أن يحيل، ومُلهم للضمير أن يتوقف عند أشياء لا يمكن أن يمضي فيها بغير هذا الإلهام، ومُلهم للقلب أن ينبض بشعور المعيّة الدائم، وَمُلهم للذوق أن يغترف الحكمة غير آسيان.

هذا مجال لا يعرف الاستعباد لأنه يوطن النفس على مؤنة التكليف كيما يجئ مُلهماً ومريحاً راحة المطمئن الواثق بالفرح بفضل الله.

فَضْلُ الله! .. وما أدراك ما فضل الله ..! فضل الله هذا هو أدعى لبذل المُهَج في سبيله. غير أن هذه المُهَج التي تبذل في سبيله ليست تبذل على إرادة منها بل على منهاج التوفيق، والتوفيق فضلٌ كذلك من فضل الله يُفْرح؛ لأنه مدعاة للفرح على كل حال، وفي كل حال: "قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هَوَ خَيْرُ ممَّا يَجْمَعُون" (سورة يونس: آية 58).

فَضْلُ الله على هؤلاء القوم فَوْقَ أنْ يُحْصَى، وفوق أن يصفه سوى من ذَاقه تجربة ومنازلة حال، ثم تملاه وتمثله حتى الرمق الأخير. ومن يمتري فيما نقول عليه أن يُجَرّب، لكن عليه أن يُجَرّب وهو صادق في التجربة؛ ليرى بعد التجربة ماذا عَسَاَهَا تكون عليه حاله، لسنا نحن الذين نقول له ما سيلقاه، أو ماذا عَسَاه واجداً في تجربته ممّا من شأنه أن يذيقه أو يحسَّه؟

ولكن الذي سيقول له ذلك هو نفسه بعد التصفية والتزكية؛ أعني تجربته، ذوقه للأشياء وللأحياء، قلبه الذي ينبض شاعراً على الدوام بألطاف المعية، شاهداً لأطياف الرحمة وتوالي العطاءات وفيوضات النعم الإلهية التي لا تحصى ولا تُعَدّ؛ وهو فَضلٌ ـ لو تعلمون ـ ليس بالقليل.

وليس بالقليل أن يكترث المتصوفة ـ في الغالب ـ للبحث عن السلام النفسي (الطمأنينة القلبية): الحال الذي توصلوا إليه بعد جهد شاق في تبعات الطريق، وكتبوا فيه أبدع الكتابات وصفاً وتسليكاً وتَدَرُّجاً في الوصف والتسليك؛ لكأنهم أرادوا أن يصفوا الطريق بعد أن خَاضُوا فيه إلى من يريد سلوكه؛ ولكأنهم بما كتبوا في حال "الطمأنينة القلبية" ألزموا أنفسهم بها قبل أن يكتبوا فيها شيئاً، فأرادوا أن يضعوا التجربة الصوفية فوق كل اعتبار؛ وأن يعلِموا الغير ـ ممَّن لم يسلك هذا الطريق بعدُ ـ أن طريقهم بغير منازع يقوم في الأساس على تلك التجربة؛ وإنه ليلتمس خصوصيته منها قبل أي شيء آخر؛ فلا مجال فيه للاستعباد.

وبناء على هذا؛ فما ترك من الجهل شيئاً من أراد أن يحدث (يُظهر) في الوقت (التو ـ اللحظة ـ الحال) غير ما أوجده الله فيه" كما قال ابن عطاء الله السَّكَنْدَري في حكَمه؛ لكأنه يريد أن يقول إنّ ما يحدثه المرء من تلقاء نفسه في الطريق دعوى عريضة لا يقوم عليها من التصديق دليل؛ لأن الطريق "لسان صدق".

ومعنى كونه "لسانَ صدق" أن يجد المرء من نفسه مصداقية لخوض غمار التجربة حين يخوضها، ومتى يريد أن يخوضها، ولما عَسَاهُ يقول، وأن يقول القول من خلالها بغير دعوى، وأن يكون فعله تدليلاً على قوله، وسلوكه مصداقاً لاعتقاده، يجمع بين الخطاب الأيديولوجي والممارسة الفعلية جمعاً ينطلق من بواطن الوعي ولا يشوبه النقض من أول وهلة؛ فلا مجال فيه للاستعباد.

إنّما الرضا يكون عن "الحال" لا عن "النفس"، وهنالك فرقٌ بين الرضا عن النفس التي هى موضع الشرور والآثام، والرضا عن الحال الذي هو موهبة تُفاض فيضاً من الله: الرضا عن الحال يدنيك، والرضا عن النفس يطغيك. الرضا عن الحال تقريب. والرضا عن النفس غرور وتبعيد. 

وعليه؛ فقد كَتَبَ "الحكم العطائية" التي جمع فيها كما قال النَّقاد، بين رئاسة علوم الشريعة وعلماء الشريعة، ورئاسة علوم الحقيقة وعلماء الحقيقة؛ فكان عالماً مُتشرِّعاً متحققاً، بل رأس علماء التشريع وعلماء التحقيق. والتي أطلقها صاحبها طلقة واحدة مُدوِّية، وكأنها الصرخة التوحيدية الواحدة، المتفرِّدة، فصارت خالدة على وجه الزمان، وتلقَّفها من بعده الشُّراح والمُفَسِّرون وتداولوها تداول الشغف والاستهتار (أي الشغف الشديد)؛ بالبحث والتحقيق والتحليل والإعجاب.

ومما ذكره الشيخ زَرُّوق في وصف كتاب "الحكم" لابن عطاء قولاً يدل على الإعجاب الذي يأتي بعد البحث والتحقيق؛ وذلك لأنه إعجاب التقدير يصوَّر الحقيقة وبخاصة إذا جاء هذا التقدير من مجرِّب، ذَاَقَ التجربة الصوفية وتذوَّق حلاوة الحال، وشرح حكم ابن عطاء الله شروحاً ضافية تقرب من العشرين.

قال الشيخ زَرُّوق مركزاً على معالجة ابن عطاء الله لفكرة التوحيد في حكمه: "كتاب الحكم العطائية الشاذلية التوحيدية العرفانية الوهبيَّة": عباراته رائقة جامعة، وإشاراته فائقة نافعة، تثلج الصدر وتبهج الخاطر، وتحرك السامع لها والناظر، مع تداخل علومه وحكمه وتناسب حروفه وكلمه، إذْ كُلُّه داخل في كُلُّه، وأوله مرتبط بالأخير من قوله؛ بل كل مسألة منه تكملة لما قبلها وتوطئة لما بعدها، وكل باب منه كالشرح للذي قبله، والذي قبله أيضاً كأنه شرح له، فكل حكمة أو كلمة إنما هى كالتكملة أو كالمقدمة، فأوسطه طرفاه، وآخره مبتداه وأوله منتهاه، يعرف ذلك من أعتنى بتحصيله".

إنما ينبِّه الشيخ زَرُّوق إلى ما خفي على كثير من الناس، حيث ظن كثيرون أن حكم ابن عطاء الله ما هى إلاّ مجموعة من الأقوال نظمت في أوقات مختلفة، كما ذَهَبَ إلى ذلك الدكتور زكي مبارك، في فصل عقدة عن "الحكم العطائية"؛ فقد تَصُّور إنْ هى إلاّ "كلمات بنت لحظات"، قيلت في لحظات متفرقة لا يجمعها رابط وطيد، ولا تشملها وحدة موضوعية واحدة، ولا يضمها روح واحد، ولكن وحدتها وحدة "لحظة"، وإنْ اختلف فيها الوقت أو الزمن.

على أنْ الظن بالحكم العطائية إنها متناثرات لا رابط بينها ولا تجمعها وحدة موضوعية واحدة ولا تربطها رابطة التكامل، إنما هو في تقديري ظنٌ فاسد لا يقوم على تحقيق، كما لا يقدم ذوقاً فيما يقوم عليه، ولكنه في رأينا يقوم على تخمين ضعيف.

إن الروح التي كتبت هذه الحكم لهى روح واحدة لم تتجزأ، وإن اللحظة الإيمانية الجليلة، لحظة الاتصال بالملأ الأعلى؛ لهى لحظة واحدة، يختلف الوقت فيها، نعم؛ وتختلف قوتها وضعفها، نعم؛ تزيد أحياناً، وأحياناً أخرى تنقص، نعم؛ لكنها أبداً تظل لحظة واحدة؛ إذْ هى لحظة الاتصال بالحقيقة المطلقة. هذه اللحظة التوحيدية الإيمانية العرفانية الوهبية، هى التي اعتمدها الشيخ زَرُّوق أساساً لفهم الحِكم، كما اعتمد أمر الوحدة من الدِّقة بحيث لا يعرفها حق المعرفة إلاّ من اعتنى كما قال بتحصيل كتاب الحكم.

إنما الذي نبَّه إليه الشيخ زَرُّوق وكان خافياً على كثير من الناس، هو وحدة الروح ووحدة اللحظة الإيمانية أو إنْ شئت قلت "وحدة الحقيقة" في هذه الحكم.

وهذه الوحدة لا تنكشف بمجرد النظرة العابرة ولا تحصَّل بالفكر النظري فقط، ولكنها تحتاج إلى معايشة، إلى دراية عملية تحتاج فيما نرى إلى "تَمثُّل" و"تحقُّق"؛ حتى على مستوى الكتابة والتخريج يظهر هذا الفارق الشاسع بين "التَّحَقُّق"، والنظر العابر، أو بين "التمثل" والمعرفة السطحية: معرفة القشرة الخارجية والسطح البرَّاني؛ فما يكتبه الشيخ زَرُّوق عن الحِكم العطائية ليس كما يكتبه غيره، ولو كان فيلسوفاً، ولماذا؟!

لأن الفارق أوسع في المعرفة، أو في العمق، أو في التجربة الباطنة، مقدار اتساع نوعية هذه المعرفة نفسها وزيادتها، لا الرؤية العقلية الظاهرة من قشور بادية.

يكمن الفارق في "التَّحقُّق"؛ والتحقق ليس مجرد كلمة تُقال، ولكنه أمرُ يُدْرَكْ بالذوق من الوهلة الأولى. ويكمن الفارق كذلك في "التَّمثُّل": تَمثُّل الحقائق المعقولة في القلوب العالية، وأن يكون ذلك لها عندما تنزع عن عالم الحس، وتتصل بحظائر القدس؛ على حد قول الشيخ محمد عبده في رسالة التوحيد.

ورجَالُ التحقيق يعلمون من قول القائل مَدَاه على ديدن التذوق وهِجِّير العرفان؛ لا لشيء إلا لأنهم عارفون بفعل التجربة ماذا يُراد فيها مما يُقال حين يُقال، وماذا عَسَاه يكون في بطن القائل قبل أن يقول؟ ولأنهم ليسوا بمنقطعين عن الكلام الصادر عن القلب مباشرة، العامل في جوف الضمير مباشرة؛ ولأنهم مرة ثالثة أقْدَرُ الناس على كشف صيغ الخطابات الملونة بألوان قلوب أصحابها، بمقدار صُدورها لا عن القلب بل عن اللسان؛ وعندهم أن: "كُلَّ كلام يبرز؛ وعليه من كسوة القلب الذي منه بَرَز".

فإدراك الناظرين بالعقل وحده لكشف هذه الوحدة محض عَمَاية ومحض تضليل، وإدراك العارفين بهذه الوحدة على مدار التحقيق محض معرفة ومحض تذوق وتجريب.

عُرف ابن عطاء الله بأنه صاحب "الحكم"، وشُرحَتْ الحكم شروحاً عديدة لغلبة الطابع الرمزي والعمق الروحي في أسلوبها وصياغتها، وفي فكرتها ودلالتها؛ فليست هى منغلقة تماماً على الفهم والإدراك كعادة الذين يرمزون ويغلقون وكأنهم لا يريدون أنْ يُفْهموا غيرهم ماذا يريدون؛ لأنهم لا يفهمون ما يقولون! ولكنها تتبطن جمالاً منقطع النظير، هذا الجمال الروحي يتجسد لك في الفكرة العلوية، وفي الأسلوب والصياغة، وهذه وحدها عجيبة من أعاجيب الكتابة الصوفية. ما هذا الذي يأسرك ويستحوذ عليك؟ ما هذا الذي ينقلك من حال إلى حال؟ ما هذا الذي يجعلك تهيم هيام العاشقين بما تقرأ، وبما تفكر فيما تقرأ؟ لابد إنه "الصدق" تجسَّد في الكاتب، وبما أن الطريق لسان صدق، فإن حكمة ابن عطاء الله التي يقول فيها: "كل كلام يبرز وعليه من كسوة القلب الذي منه بَرَز"؛ لتعبِّر عن الصدق كله في جميع ما كتب هذا الصوفي الكبير وتعترف ضمناً بأن الكذب مكشوف في الطريق لقيامه على الصدق تحديداً؛ ولماذا نذهب بعيداً؟ فقد جرت العادة أن يُقَال في الأمثال:"ما خرج من القلب يدخل في القلب"؛ وهذا صحيح إلى حد كبير، وبخاصة لو طبقناه هنا على الحكم التي بين أيدينا، كلها تخرج من كسوة القلب وتُعبِّر عَمَّا في هذا القلب من صدق وانفعال؛ فليس غريباً أن تهيم بها القلوب الصادقة هيام العاشقين، ما في ذلك عجب ولا فيه غرابة؛ لأن هذا الصفاء القلبي يكسي الكلام نوراً في حين تمجُّه أذواق الذين قسّت قلوبهم، فتنغلق أمامهم العبارات ناهيك عن الإشارات.

هاهنا يقول ابن عطاء الله أيضاً نقلاً عن شيخه أبي العباس المرسي: "من أُذنَ له في التعبير فهمت في مسامع الخلق عبارته وجُليت إليهم إشارته".

والمعنى ـ كما يبدو لنا ـ هو أن من أذن الله له من العارفين في التعبير عن الحقائق والعلوم الوهبية نالت عباراته القبول من قلوب السامعين وفهمت من ثم هنالك بغير حاجة إلى جهد السامع في المعاودة والتكرار، وظهرت إشارته إليهم في جلاء ووضوح، ومن حِكمه كذلك: "ربما برزت الحقائق مكسوفة الأنوار إذا لم يؤذن لك فيها بالإظهار"، وهنا معنى قريب من المعنى السابق، فكلام المأذون له يخرج وعليه كسوة وطلاوة، وكلام الذي لم يؤذن له يخرج مكسوف الأنوار، حتى أن الرجلين ليتكلما بالحقيقة الواحدة فتقبل من أحدهما وتُرد على الآخر؛ فالولي يكون مشحوناً بالعلوم والمعارف والأنوار؛ والحقائق لديه مشهودة حتى إذا أعطى "العبارة" كانت كالإذن من الله له في الكلام؛ الأمر الذي يكون معه الأولياء لا يحركون ولا يتكلمون ولا ينطقون إلا بإذن إلهي. ومنها أيضاً:"عباراتهم إما لفيضان وجد، أو لقصد هداية، فالأول: حال السَّالكين. والثاني: حال أرباب المِكْنة والمُحققين"، أي عباراتهم التي يعبرون بها عن علومهم ومعارفهم لا تكون إلاّ لفيضان ما يجدونه في قلوبهم فيخرج قهراً عنهم وهذا حال السالكين المَهْديين. وإمَّا لقصد هداية مريدوهم أرباب التمكين.

وبتعليل فصل اللغة الذي دَوَّنَه ابن عطاء في الحكم، يمكن فهم إشارته في حكمه على التعميم؛ فإذا تساءلنا: لمَ جاءت حكم ابن عطاء على هذا النحو إشارةً راقيةً بعيدة الغور والمغزى؟ فإن فصل اللغة يجيب عن هذا التساؤل ويعطي موفور الإجابة عن طبيعة اللغة الصوفية ومعطياتها وتمثلها للعارف وتمثل العارف لها، بحيث يكون الوجد هو أساس ما يفيض به حكم العبارة فضلاً عن ذَوْق الإشارة.

ثم إن الحديث عن "الحكم" وحدها يطول؛ فابن عطاء الله له غير الحكم كتابات كانت وما تزال من الأهمية بمكان بحيث صارت ذات فضل كبير في بيان ما نعرفه من آثار أبي العباس المرسي، وفي بيان الكثير ممّا نعرفه عن القطب الكبير الحُجَّة أبي الحسن الشاذلي؛ ككتاب "لطائف المنن"، وكتاب "التنوير في إسقاط التدبير"؛ فكما كان ابن عطاء الله، هو الناطق باسم المدرسة الشاذلية المُعَبّر عن تصوفها وعن روح مذهبها والمشيد بالدلالة في كل حال على آراء الشيخين: أبي الحسن الشاذلي وأبي العباس المرسي؛ فقد كان كذلك هو الذي جَنَّد نفسه للدعوة إلى طريق الله؛ بقلم بارع وأسلوب جذاب، فكتب هذه الدُّرَر التي تركها أنجماً ومعالم تهدي طريق السائرين إلى الله.

غير أن كتاب "الحكم" بالإضافة إلى بلاغته الروحية، بلاغة المعاني، من أفضل ما صُنّف في علم التوحيد بإطلاق، كما جاء عند صاحب "طبقات الشاذلية"، الحسن الفاسي الكوهن، وأجل ما أعتمده بالتفهيم والتحفظ كل سالك ومريد، ذات عبارات رائعة ومعان حسنة فائقة. ومن الحكم العطائية قوله: لا يكن تأخُّرُ أمَدِ العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجباً ليأسك؛ فهو (أي الله) ضَمَنَ لك الإجابة فيما يختاره لك لا فيما تختاره لنفسك. وفي الوقت الذي يُريدُ لا في الوقت الذي تُريد. يعني: أن الإجابة مقدّرة كما أن السؤال كذلك مقدّر، وأن المانع من الإجابة مع إلحاح السؤال هو اختيار حظٍ مع الله فيما لم يكن قد جرى به قلم القضاء.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

اياد الزهيريتبقى مسألة الاله مسأله جوهرية في حياة الشعوب قديماً وحديثاً، وبما أن موضوعنا عن الاله في الشعوب القديمة، لذا سيكون محور بحثنا هو أستجابة الأنسان اليوناني القديم لمسألة الآله، بعد ما قدمنا شرح عن الشعوب الرافدينية والمصرية والسورية والعربية القديمة وعلاقتهم بالاله، وكيف تعاملوا مع فكرة الاله؟، وما هو موقفهم منه؟، وكيف ينظرون اليه؟، وما هو سلوكهم أتجاهه؟. واليونانيون القدامى، هم كغيرهم من الشعوب القديمه لهم تصوراتهم ومواقفهم أتجاهه، وقد مثلوا تصوراتهم بميثلوجيا خاصه بهم، ومن خلال التطرق الى الميثلوجيا الأغريقية سنتعرف على العقل الأغريقي القديم، وما تمخض عنه من تصورات ألتمست من الأسطورة كمجال تجسد فيه ما توصل لها فكرهم حول المسبب الحقيقي للكون، وعن السبب الحقيقي الذي يكمن وراء المظاهر الكونية التي لفتت نظرهم، وما أنعكست عليه من مخاوف أزاء الكثير من مظاهرها المرعبة، وما تخفي وراءها من أسرار مجهولة بالنسبة لهم، كما أن اليوناني القديم كغيره من أنسان الحضارات الآخرى القديمه والمجاورة له . أعتقد بوجود أرواح وقوى غير مرئية تحرك العالم وتوجهه بأتجاه أرادتها . هذا الأنسان اليوناني وبفعل دافع الفضول والحاجه والخوف، والرغبة بجلب المنافع، ودرء المخاطر، ذهب بالبحث الى معرفة مكمن الأسرار التي تقع وراء ما يشاهده من مظاهر كونية، وبما أن أنسان ذلك العصر، يعيش مرحلة الطفولة العقلية، ولم يختزن تجربة علمية كبيرة، لذا أتجه الى تبنى الفكر الأسطوري القائم على أساس التخيل في أستنطاق السبب، والذي ينطلق من معلوم الى سبب عجز بالظفر به عقلياً بسبب قصور أدواته المعرفية، فسرح مضطراً الى عالم الخيال ليمسك بمسببات وأن كانت واهية، لكنه يجد فيها ما يروي ظمأ السؤال، ويهدأ روع نفسه، وضياع روحه التواقه للمعنى ، هذه المحاولة، طبعاً لا تخلو من ومضات منطقية، ولو كانت في مستويات بسيطة، ومن قَبيل مثلاً مبدأ السببية .

اليونان أو بالأخرى منطقة بحر أيجة كغيرها من مناطق العالم القديم طرأ عليها تغير ديموغرافي بفعل الهجرات التي جاءت أليها من مناطق أخرى من العالم، وقد حصل في الألف الثاني ق.م أستناداً لبعض المصادر التاريخية . وقد حصل للأراضي اليونانية كما حصل للأراضي المصرية القديمة عندما جاءت الى مصر أقوام من جهة الشرق وأقامت بمنطقة الدلتا، حيث أقاموا مع السكان الأصلين الديانة والدولة القديمة لمصر، فقد جاءت هجرات من جهة الشرق والشمال الى أرض اليونان وأقاموا هؤلاء بين ظهراني الأقوام القديمة، وقد حملوا هؤلاء المستوطنون من ضمن ما حملوا هو أعتقاداتهم الدينيه، فقد جلبوا معهم على سبيل المثال عبادة الالهه (زيوس، وجوبيتر الروماني الأصل)، كما جلبت الأقوام المهاجرة الى مصر من المشرق عبادة الاله حورس، كما ذكرنا ذلك في حلقات سابقة . السكان الأصليون لليونان لهم كذلك متبنياتهم العقائدية في مسأل الاله، ولهم ألهتهم الخاصة بهم، مما شكل توليفه من الآلهة ساهمت بتشكيل بانثيون يوناني يمثل مجمع الآلهه اليونانية. فمثلاً على سبيل المثال الذي يبين هذه المزاوجة بين آلهة الأقوام المهاجرة والأصلية هو زواج اله الأقوام المهاجرة زيوس، بالأضافة لزوجته الأصلية هو أقترانه مع آلهة أقوام اليونان القديمة والتي هي الآلهه (هيرا) .

التاريخ نقل لنا الكثير من المعلومات عن التاريخ اليوناني القديم ومنها الأساطير اليونانية القديمة والتي مثلت عصارة الفكر اليوناني القديم، ولكن لا أحد يدعي أن كل ما وصل هو يمثل الصورة الكاملة للحياة اليونانية القديمة بكل أبعادها وأنساقها المعرفيه والدينية، وبما أن موضوعنا هو الاله، فأننا سنبحث في الأسطورة التي تبحث في موضوع اللآلوهيه،لأن هناك أساطير تبحث عن الأبطال أيضاً، وهكذا الأساطير تتناول ما هو مفقود، ومحل تسائل لقضايا عصية على الفهم، لكن هناك ألحاح من قِبل البشر على أيجاد جواب عليها بأي شكل من الأشكال، لأن الحصول على جواب هو حجر الزاوية في أقامة برنامج حياته، لأن ذلك هو الطريق الوحيد الذي يخرجها من عشوائية الحركة التي تؤدي حتماً الى الفوضى، وهذا الأمر هو من أكد أن الأنسان حيوان مفكر.

آمن الأنسان اليوناني القديم كغيره من الشعوب الأخرى القديمة مثل الأنسان السومري والبابلي والآشوري والمصري والسوري القديم بأن هناك قوى خفيه، وهذه القوى مرةً تكون كآلهه، ومرةً تكون كأرواح تحرك الظواهر الكونية بكل مستوياتها، سواء كانت كبيرة كخلق السماء والأرض والنجوم والكواكب والأنسان، والتي عللها بعلة الآلهه، فمثلاً جعل من الاله أورانوس وأعقبه زيوس كآلهه للسماء، وهناك اله للأرض وهي (كيا)، كما هناك اله للبحر وهو بوزيدون، وأن هرمس اله للرياح، وحماية المسافرين، وأفرودايت الة الحب والخصوبه، وكلوثو الة للأخلاق، حيث ما من ظاهرة كونية صغيرة أو كبيرة الا ولها اله يعتني بها، ويدير شؤنها . هذا التوزيع للآلهه متأتي من نظرة اليونانيين القدامى الى أن هذا الكون لا يمكن أدارته من قبل اله واحد، وهذه النظرة أتت من خلال عملية قياس فعل وقدرة الاله على الأنسان مع فارق الدرجه، وهي عين القياس الذي أستعمله المصريون والسومريون والسوريون في الحضارات الأخرى بأعتبار أن الأنسان هو أجل الكائنات وأعظمها قدراً وأن الأنسان خليق بالمقارنه مع الاله. هذا التخصص في أدارة شؤون العالم هو من فرض التعددية في الالوهيه، وهو الأساس الذي أُقيم من خلاله البانثيون اليوناني للالهه الأغريقيه، ولكن هذا البانثيون مقسم الى طبقات، تحتل الطبقة الأولى فيه الالهه الكبرى، وهي تمثل طبقه أرستقراطيه من حيث المكانه والوظيفة وطريقة العيش، ومن هذه الطبقة، الالهه (زيوس، أثينا، أبولو، هيسيتا، أفرودايت،أريس،أهيرا،هيفستوس أرتميس، ديمتر، هرمس، بوزيدون) وهم أثنا عشر اله، وهم يُدعون بالالهه الكبرى، ويتواجدون على قمة جبل الأوليمبوس، حيث يعيشوا هناك الى الأبد. وهم يُسمون أيضاً بالهة الأولمب . كما هناك أله تمثل الخط الثاني في التسلسل الهرمي للآلهه وهم يأتون بالدرجه الثانية بعد الأثنا عشر الأولى من الالهه، ونذكر بعض هؤلاء وهم كل من (هيمس، أيريس، غانيميد، هليوس، سيلين...) فنرى حتى تراتبية الالهه يشبه تراتبية المجتمع الأنساني آنذاك من الناحية الطبقية والمنزلة، وهذا دليل أخر على أستخدام القياس الأنساني وأسقاطه على الطبيعة الالهية، ولذلك تراهم في وصفهم حياة الالهه بأنهم يتزوجون، ويأكلون ويشربون، ويغضبون ويحقدون، ويتخاصمون مع بعضهم، ولهم أبناء . هذه النظرة يشتركون بها مع ديانات الحضارات الأخرى ( رافدينيه، مصرية، سوريه، عرب الجزيرة). بالرغم من وجود مجمع الالهه الا أن هناك آلهه تمثل القمة من بينها، ولها هيمنه أكبر على غيرها من الالهه الأخرى . هذه الآلهه الكبرى تمارس بسط أرادتها على باقي الالهه، وأن هناك حالة من التزاحم والصراعات البينيه، والتي تصل الى حد تهديدات بعضهم لبعض لغرض فرض الأرادة، وهذا الاله زيوس يهددهم محذراً أياهم من عصيانه وعدم أطاعته فيقول لهم مَوعداً (.. فلتحذر كل الالهة من محاولة أعاقة أرادتي...) (موسوعة تاريخ الأديان) فراس السواح. هنا ينبري زيوس لكي تكون له اليد المطلقة على باقي الالهه، وهذا ما حسمته الأديان التوحيدية بأتخاذ الهً واحداً لا شريك له (لو كان فيهما ألهة الا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون)، ولكن الميثلوجيا اليونانية لم تستطع التخلص من هذا الأشكال لنفس السبب الذي ذكرناه سابقاً، وهو أستعمال أداة القياس بأن الأنسان كنضير للآلهه مع وجود الفارق، كما أن العقل اليوناني لم يتطور الى حالة متقدمة من التجريد.

من الملاحظ كما أن الديانه المصرية أعطت للاله أوزوريوس الهيمنه والأشراف والرعايه للأخلاق، كذلك الأغريق كان الاله زيوس له نفس المهام، فهو من يمارس عملية التوازن والأنضباط والأستقرار على العالم . أن التراتبيه الالهية لا تقف عند زيوس، بل هناك اله فوقه، يهيمن كقوه مطلقة، يخضع لها الجميع، وهو الاله (موروس) وهو اله القدر. وهذا الآله حسب الأسطورة الأغريقية، هو من يقرر القرارات التي تحكم الكون، والتي يدير بها أمر العالم، وهي قرارات لا يمكن مخالفتها، لأنها تمثل الحكمة العليا، لذلك حتى الاله زيوس لا يتجرأ على تجاوزها، بل ويذعن لها . نلاحظ هنا حقيقه باديه للقاريء الكريم، هو أن الميثلوجيا اليونانية تقترب في تصوراتها للاله من مبدأ التوحيد، وذلك من خلال أيجاد رأس هرم لمجموع الالهه الذي تمثل البانثيون الالهي اليوناني . أن الفرق الذي حال دون وصول اليونانيون القدامى الى مرحلة التوحيد هو أنهم نشروا صفات الله من قدرة وقوة وخلق وجلال بين ألهه متعدده، بدل أن يجمعوها في ذات الهيه واحدة. أن التعددية تتضح أنها صفه مشتركه لكل الأديان اي أعتنقتها أقوام المنطقه الشرق أوسطيه والمناطق المجاورة لها وكأن هناك منسوباً عقلياً واحداً، لذا ترى أن ما أنتجته هذه العقليات المتجاوره من أساطير تنحو نفس المنحى في تفسيراتها للظاهره الكونيه، وفي تبنيها لفكرة التعددية الآلهية وأن أختلفت الأسماء لكنها تتفق بالوظائف .

نرجع الى الاله الأوسع شهرة، والأكثر قوة، (زيوس) والذي تبوء قمة الهرم في مجمع الالهه اليوناني . نرى أن الميثلوجيا اليونانية منحته صفات، مثل، كلية القدرة، وأنه يعلم كل شيء، وهو منبع بقية الالهه، وهو ملك حكيم، وأنه كان قادر على كل شيء، ويوزع الخير والشر بين البشر، وأنه رقيقاً وعطوفاً، وهو من يمنع الأخطار عن بني البشر، ويحمي الضعيف والفقير، ويؤدب الشرير(موسوعة تاريخ الأديان، الجزء 3) فراس السواح. لو دققنا بهذه الصفات التي ذكرناها أعلاه لنراها هي من بين كثير من صفات الذات الالهيه في الديانات التوحيدية، وهذا يمثل توق وتطلع الأنسان الى اله يتصف بهذه الصفات لكي يكون حامياً للعدالة ومانحاً للرحمة التي يكون الأنسان في أمس الحاجة أليها، وهو يعيش في وسط تحف فيه المخاوف والشرور والمظالم . أن الأسطورة هي أستجابة لحاجة نفسية تختلج في باطن الأنسان، يتطلع الى من يلبيها، لتكون مصدر سلواه ومنبع أطمئنانه . وأنا قد أشرت في مباحث سابقة أن كل حاجة حقيقية تنبع من داخل الأنسان، يكون لها وجود خارجي حقيقي، وبما أن الأنسان تتملكه حاجة ملحة للخالق، وهذه الحاجة نفسية وروحية وعقلية، أذن لابد من وجود لهذا الاله، وما تعلق الأنسانية منذ فجر التاريخ ليومنا هذا بهذا الوجود الالهي الا دليل على الحقيقة الثابته والأزلية لهذه الحاجة، ولا يلبيها، ويشبعها، ويطمئنها، الا الذات الالهية (الله سبحانة وتعالى)، ولكن دَوّن التاريخ الأنساني الكثير من المحاولات الأنسانية بطرق البحث عن الله، وسلكت مذاهب كثيرة، وطرق عديدة، وقد أقتربت أحياناً واحياناً أخرى أبتعدت، ولكنها أخطأت الهدف، لأن هذا الموضوع يحتاج الى حبل سماوي، وبوصلة سماوية ترسيه الى مرفأ الأيمان الحقيقي، لأن هذه الحقيقة أكبر من قدرة الأنسان، وأن يكن الأنسان يدرك بعض آثارها (ويسألونك عن الروح، قل الروح من علم ربي، وما أَتيتم من العلم الا قليلاً). ففكرة الله موجوده في ضمير ووجدان وعقل كل بني البشر، وهذا لا يمنع من وجود شواذ، وهذه حالات الشواذ، سوف نتطرق اليها ونبين أسبابها في نهاية حلقاتنا هذه.

لقد عبرت الأسطورة اليونانية القديمة عن تصورات وحاجة ورغبة الأنسان الى اله يملي عليه وجودة، ولم يكتفي طبعاً بتصور هذا الوجود الماورائي البعيد، بل أراد الأقتراب منه، والتعرف أليه، لأنه هناك أحساس قوي بالحاجه اليه، لذلك، ولكي يتم هذا الأقتراب، ويتحقق هذا التواصل، عملت الميثلوجيا اليونانية على الأعتقاد بأن هناك شجرة بلوط في دودونا وظيفتها كمكان لنزول الوحي، حيث يترجم الرهبان حفيف أوراقها كرسائل وحي من قِبل الآلهه. وأن هذه الرسائل ضرورية لهم، فقد يأتون للدعاء والأبتهان هنا، في مقابل الأنتظار أن تأتيهم تنبوءات من قبل الآلهه تعلمهم عن المستقبل وما تحمل الأيام لهم من أحداث . لم تكتفي الأسطورة اليونانية بهذه الطريقة للأتصال بالاله بل زعمت بأن الاله زيوس قام بالزواج من نساء من بني البشر، لكي تولد أبناء نصفهم من الآلهه ونصف من البشر ليكونوا هم حلقة الوصل بين الالهه وبين عامة الناس، وهذا هو ما حصل عندما جاء هرقل كنتيجة لزواج زيوس من أمرأه أنسية. هكذا عبرت الميثلوجيا اليونانية عن أشواقها ورغبتها العارمة بالتقرب من الاله، لكي يسهل على الأنسان اليوناني القديم أن يديم التواصل مع الالهه، ويتلقى من التعليمات والضوابط التي تعينه على تسهيل مهمته بالحياة، لأن الأنسان اليوناني، يعتقد أن الالهه هي المشغل الحقيقي لكل ما يدور بالكون، خيره وشره . أن أهمية الالهه في الأسطورة اليونانية جاءت من طبيعة المهمات التي تضطلع بها نحو الكون ومنها البشر، ولذا سوف نذكر لمهمات ووظائف عدد من االالهه، لكي يتعرف القاريء سر أهتمام وألتصاق وشغف الأنسان اليوناني القديم بمجمع آلهته.

* الاله زيوس: هو رب الأرباب، واله الأرض والسماء، وهو من بيده قوى الرعد والبرق والمطر وقوى الطبيعة الأخرى.

* هيرا: الاله التي ترعى الزواج والأمومة.

* أثينا الالهه التي ترعى الفنون والسلام، وكذلك هي الهه للذكاء، كما هي الهه محاربه، حيث تقوم بتقديم العون للمحاربين، وهي تحمي الصناعات وشفيعة النحاتين والمعماريين، وحامية الأبطال.

* أبولو: اله النور، وهو من تجعل الأثمار تنضج، وهو من يحمي المحاصيل الزراعية بقضاءه على الفئران وطرد الجراد.

* أرتميس: اله يرعى الزراعة والصيد والغابات .

* هرمس: فهو حامي قطعان اليونانيين ومرشدهم في ترحالهم، ومساعدهم في شؤون حياتهم، كما أنه يهتم بالعالم الأسفل، حيث يرشد أرواح الموتى الى مثواها الأخير.

* أفرودايت: اله الحب والخصب، وهي شبيه بعشتار الرافدينيه وعشتارت السورية.

* أيروس: أعطت الميثلوجيا اليونانية لهذا الاله صفه شبه تجريديه وأنه يمثل قوة كونية، وأن دوره تنسيق العناصر التي تؤلف الكون عند البدايات الأولى لظهور الكون من حالة العماء الأولى.

* بوزيدون: اله الخلق.

* ثيميس : يحمي العدل والنظام ويعاقب المذنب.

*هليوس: اله النور، الذي يرى كل شيء والمعصوم من الخطأ، وهو من يكشف الجرائم، ولا يخفى عليه شيء.

*جيا (كيا) وهي الالهه الأم، وهي تمثل الأر.ض وخالقة الكائنات كلها.

*هيقاني: يمنح البشر الثراء والنصر والحكمه.

*بان: يسمى بالاله الكوني والكل العظيم .

وبما أن الديانه اليونانية القديمة، هي ديانة تقوم على نظام تعدد الالهه، فلا شك هناك الكثير من هذه الالهه لمن يُريد معرفة المزيد منها، فهناك الكثير من المصادر التي يجد فيها القارئ الكثير من التفصيل. لو دققنا في مجموع وظائف هذه الالهه، لودنا أنها تركز على الخلق والحمايه، والشفاء من المرض، ومصدر الحكمة، والعدل والنظام ومعاقبة المذنب، والخلود، والرحمة والراعي للبشريه من خلال خلقه ورعايته للبر والبحر والمزروعات والحيوانات، وهو الحاكم بالعالم السفلي (الآخر) . هذه الصفات قد وزعتها الميثلوجيا الأغريقية على عدة آلهه، وألتمسوا لها علاقات تواصل مع البشر، سواء عن طريق حفيف أوراق شجرة البلوط في دورونا أو عند طريق أنصاف الآلهه والبشر مثل هرقل، فهذه الصورة للآلهه تقتبرب بشكل كبير من مبدأ ضرورة وجود خالق لهذا الكون في تصورهم، كما صوروا ضرورة أيجاد صلة وصل معه، وأن كان ذلك بطريقتهم الخاصه والقائمة على محض الخيال الممزوج بشيء من المنطق العقلي. أن هذه الصورة التي قدمتها الميثلوجيا اليونانية هي رحلة بحث عن الله التي قالت به الأديان التوحيدية، ولكن ما أنتجته شطحات خيالهم من تصورات، هي حالة طبيعية، عندما تغيب عنهم رسائل الوحي الالهي، الذي جاءت به الرسالات السماوية. فهذه الميثلوجيا تقترب مرةً وتبتعد أخرى من الحقيقه السماوية .

الخلاصة:

1- هناك تعددية في الآلهه.

2- الاله يحمل رسالة أخلاقية.

3- الاله كائن خالد.

4- يشرف على الحياة وعلى العالم الأسفل (حياة ما بعد الموت).

5- يعيش الاله كالبشر وله الكثير من صفاتهم، الا أنه خالد، وذو قدرات فائقه.

6- تمثل الآلهه طبقه أرستقراطية .

7- الآلهه الأولى هو كيوس وهو يمثل حالة العماء الأولى، لم يكن له شكل معين ولا طبيعة معروفة، وهو من يمثل الأزل، وهو أساس العالم.

 

أياد الزهيري

 

 

مجدي ابراهيمهنالك أمران ظاهران ينقضان فكرة العبودية لله الواحد؛ المطلب الذي كان مدعاة للقول بإسقاط التدبير فكرة علوية كما وردت تنويراً في تصوف ابن عطاء الله السّكندري: الأمر الأول: الغفلة الواصبة التي سمّاها ابن عربي فيما تقدّم بهذيان العالم. والأمر الثاني: الجهل بتفعيل التوحيد بما عساه يجعل من الوهم المحقق لا المعرفة الحقيقية نقضاً للعبودية. ولنقف عند هذه الملاحظة (الوهم الحقيقي لا المعرفة الحقيقية) وقفة يَتَبَيَّنُ لنا من خلالها كيف يتغشى الوهم ثقافتنا العربية ليعطل بمنجزاته عقيدة التوحيد؛ فإنّ الوصول إلى الوهم المحقق لا المعرفة الحقيقية لهو الأمر الثاني الذي ينقض فكرة العبودية من أساسها كما تظهر عند غير العارف.

أليست تشير معاجم اللغة إلى أن أصل "الوهم" هو التُّهَمة. والتهمة: وهو تَوَهّم الإنسان أن أخاه قد أساء إليه أو تجاوز حَدَّاً من الحدود، وأصلها الوُهَمة.

وعلى ذلك؛ يصبح الوهم تهمة ووهمة؛ فكل موهوم متهوم، وكل متهوم متوهم أو موهوم. وثقافتنا العربية على هذا الأصل متهومة عندنا؛ لأنها مؤسسة على الوهم مستندة على تصورات هى في الغالب قائمة على الوُهمَة. آفة الثقافة العربية؛ إذا هى لم تستطع أن تفعِّل "عقيدة التوحيد" على صعيد التذوق والتبْصرة أو على المستوى العقلي والفكري والثقافي، وأن تصل من النزوع إلى الفصل والمباعدة، إلى الانخراط في وجوب الوحدة بحيث تقرن الأشباه والأضداد وتربطها بعضها مع البعض الآخر بما يجعل منها وحدة توحيدية واحدة في غير تنافر تفرضه شكلية الأداء أو تناقض يجيزه منطق المحسوس.

أقول؛ إنّ آفة الثقافة العربية إذا لم تقتدر أن تجعل من التوحيد غايتها ومطلبها؛ فهى لا شك تنطلق في أغلب أحوالها وتعدد مواقفها من وهم، وتعود على وهم، وتتصور الحقائق على الجملة فضلاً عن التفصيل بفاعلية الوهم المعشعش في أدمغة منتجيها؛ ومنتجو الثقافة لا يبلغون من الحقائق المجرّدة مبلغهم من العلم بفاعلية الوهم أبداً، وإنما يبلغونها بالتَّجَرُّد وببذل النفس طواعية في سبيلها.

لكننا محكومون في أفكارنا وآرائنا وأحكامنا ومنطلقاتنا الفكرية والشعورية بالهوى لا بالعقل المروض على التفكير البصير.

ومن شأن حكم الهوى أن يُملي علينا خيوطاً متشابكة ومختلطة بخليط عجيب من "الوهم"، ويظل الوهم يلفنا لفاً لا فكاك لنا من خيوطه الكثيفة المتشابكة، حتى ليملأ صدونا بالتضخم، وعقولنا بالاعتقاد التقليدي المنبوذ، وذواتنا بالفراغ والسطحية، وسلوكنا بالتصرف الرزيل المشين؛ فيبدو كل ما نقوله أو نفعله إلى الوهم المتفشي في أعماقنا أقرب وأدنى من بلوغنا للحقائق التي يسبقها جهادُ للنفس شريف.

ومتى تغلغل الوهم في أفكارنا ومعتقداتنا؛ مضينا مع "الهوى" إلى غايته، فيسوقنا الهوى إلى ضروب متشابكة لا شك فيها من الأنانية وحب الذات وتضخم "الأنا"، وإلى كثير من الصفات التي يغلب عليها حكمه فينا، ولا يغلب عليها فينا حكم العقل المقيد بضبط الأهواء ومجاهدة الآفات؛ وبلوغ الحقائق من ثمَّ بمقتضى هذا الجهاد لا بفاعلية الهوى الذي يتحكم فينا تماماً كما تتحكم فينا العادات والمألوفات والمرذولات تحكم الأغلال تَغلُّنَا عن الحركة، وعن الحرية، وعن الاعتقاد الحر النزيه عن الأغراض (والغرض مرض كما يقول العارفون): اعتقاد التوحيد، وفهم التوحيد، وإدراك التوحيد، وتصحيح التوحيد، وتفعيل التوحيد في حياتنا الباطنة قبل الظاهر منها لبصر الشاهد العيان.

هذا الاعتقاد الذي يعلو متسامياً عن كل عقيدة مقيدة بقيود الوهم بلا هداية يرومها قصد السبيل هو نفسه الاعتقاد الذي تصبو إليه تجارب العارفين وتتذوقه وتمضيه فيه؛ ليكون تجربة حياة ليست قاصرة على الأشكال الخارجية والمظاهر البرانيّة؛ بل حياة جُوَّانيَّة باطنة يتحقق فيها تفعيل التوحيد؛ ليتحوّل من بعدُ إلى حياة روحيّة خالصة.

فنحن ـ والله ـ واهمون في أقوالنا وأحكامنا وثقافتنا وعقائدنا؛ لأننا محكومون فيها بالهوى، مُسيَّرون فيها بالأنانية وحبّ الذات، ناشطون النشاط كله في بلوغ الأهواء منا مبلغ العقائد الثابتة، ونحن  ـ  في ثباتها وتحققها في الحق ـ واهمون. فأي غربة غريبة تستشعرها الذات العربية أغربُ من كونها تنمي قدراتها على "الوهم" وتُرْبي إرادتها على الزيف، وتصل في النهاية إلى الأمور التي تريد أن تصل إليها من طريق "الوهم" لا من طريق "الحقيقة" وتنطلق بادئ ذي بدء من حُكْم "الهوى" لا حكم "الإرادة العاقلة"؟

ثم ماذا؟ فإذا بذواتنا العربية تتشتت وتتفرَّق حيث لا يجمعها رابط من التوحيد وطيد. ما معنى أن تكون متديناً بدين التوحيد الذي فطرت عليه تمارسه شكلاً دون أنْ تجريه واقعاً فكرياً وثقافياً ومعنوياً وروحياً؛ ليكون هو عينه مجرى التجربة على المستوى الفعلي والتطبيقي؟ أقولُ؛ إنّ افتقار العربي المسلم المفطور على غريزة التوحيد، لم يتمكن في ذاته أن يُفعِّل هذه الغريزة على المستوى العقلي والثقافي، ولكنه ينتكص على عقبيه ويعودُ أدراجه مستغرقاً في التجزيئية المُفرطة، ولم يهيئه توحيده الفطري لأن يجري عليه ممارسته العملية والواقعية؛ فأضحى تدينه في كفة، ونشاطه الفكري والثقافي والعلمي في كفة أخرى، فجاءت عقليته عقلية فصلُ ومباعدة لا ربط فيها ولا توحد بين أجزائها، وليس بمقدورها أن تصل إلى الوحدة التي هى غريزتها الأصيلة المفطورة عليها.

لكأنما العربي لم يستطع أن يفهم: ماذا عَسَاهَا تكون غريزة التوحيد، وماذا عَسَاهَا كانت تكون فطرة الوحدانية؟ لكأنه لم يستطع بعدُ ـ لأجل تدينه الساذج البسيط ـ أن يكوِّن لديه "رؤية موحَّدة"؛ يجريها على الواقع الفكري والنظري تماماً كما يجريها على الواقع الفعلي والتطبيقي كما هى مقررة قبلاً في الواقع الديني بالفعل؛ إذْ إن فكرة "الرؤية الموحدة" تلك إنما هى فكرة دينية بالأساس مصدرها الدين لا الفلسفة؛ فلو صحَّ أنها فكرة كان الفلاسفة قد طرقوها على  الدوام ونادوا بها أو قصدوها فيما نادوا فهى مُستلهمة سلفاً من الدين، وليس للعقل الفلسفي فضلٌ فيها إلا فضل الشرح والتحليل.

من ذلك ترى؛ أن التوحيد الفطري في سليقة العربي لم يكن عائقاً أبداً لديه عن إجراء البحوث النظرية والفكرية، أو الوصول بمقتضاه إلى قوانين عامة وقضايا كلية؛ لأن هذه وتلك هى من مقررات الفهم الصحيح للتوحيد المفطور عليه المسلم في طبعه العربي.

إنما العائق الوحيد أمام العقل العربي يبدو ظاهراً جليّاً في قلة الفهم أو عدمه لفطرة التوحيد، وتعطيل فاعلية الوحدة على صعيد الممارسة السلوكية، ونبذ قوتها واستبدالها بضعف الفُرْقة والخلاف والتشتت الدائم والاستغراق في التفاصيل والجزئيات؛ لتجيء التجزيئية هى العاملة بفاعلية منقطعة النظير في واقع أسود مُغْرِق في المحدودية النظرية والعملية؛ الأمر الذي يجعل الباحث يشك كثيراً في أمته العربية والإسلامية: هل هذه بالفعل ـ  والحال كما ترى ـ  أمة تدين بالتوحيد عقيدة وسلوكاً وممارسة وحياة؟!

وهى إذا كانت تدين بالتوحيد فعلاً وتقريراً وواقعاً وتفصيلاً، لماذا عزلته عن واقعاتها الحياتية؛ فلم يسفر إلا عن فرقة وشتات: عزلته عن الواقع الفكري، فلم تستطع أن تتخذه أساساً لمنطلقاتها النظرية. وعزلته عن الواقع الفعلي؛ فلم تتحقق من مجرياته التطبيقية، ولم يؤثر قيد أنملة في وقائع تلك المجريات، ولم تعد تدل هذه الوقائع ـ في الجملة فضلاً عن التفصيل ـ على اعتقاد حقيقي فاعل للتوحيد. وعزلته مرة ثالثة عن الواقع الديني؛ فأنتج واقع الأمة التي تدين بعقيدة التوحيد شكلاً ينقصه المضمون؛ أنتج أصناماً وأوثاناً تعبد من دون الله في أشكال جديدة، وقَدَّست المخلوقين بدلاً من تقديس الخالق، وآمنت بالخرافة والتخلف دون الإيمان بالفهم البصير والعقل المستنير!

عندي أنه من أكبر المشاكل التي تواجه المتدين: عزل التوحيد عن واقعات الحياة حتى ليتسأل المرء إزاء هذه الانقسامات التي تشهدها صباح مساء: إذا لم يكن التوحيدُ معزولاً عن الواقع الديني أصلاً لما أضحى معزولاً كذلك عن الواقع النظري والفكري ثم الواقع الفعلي بكل ما فيه من تفرُّق وتمزق وتشتت وانقسام؟ الأمر الذي جعل الإيمان الديني لدى المسلم قشرة سطحية تخلو أو تكاد من المضمون العملي، ذلك "المضمون" الذي لا نشك لحظة واحدة في أنه ينتج لغة ومدنيّة وعلماً وفناً وحضارة.

ولو كان تدينه بالفعل مرهوناً ببصيرة التذوق الدافعة إلى العمل والإنتاج؛ لربط كل الأشباه والأضداد وصعد بها عارجاً إلى توخِّي الوحدة وممارسة الوحدة على صعيد التذوق والتّبْصرة. ولكن الواقع الثقافي العربي الحالي يقول لك بأبلغ لسان: إنّ هذه البصيرة الذوقية مفقودة أو تكاد.

هى مفقودة نعم! وعندي من الأدلة على فقدانها (أولاً): قراءة هذا الواقع قراءة مستبصرة جيدة ومتابعة الأحداث الجارية فيه من قريب والانغماس فيها، وتحليلها والوعي بملابساتها ونتائجها في العقل والشعور.

وهى مفقودة (ثانياً) لأنها في الأصل ما وجدت تامة، نشطة، فعالة، وحيويّة، إلا في فرع واحد من فروع الثقافة العربية والإسلامية، وأعني به (التّصوُّف) الفرع الذي يَضُمُّ علوم التزكية سواء كانت تزكية خُلقية إنْ على مستوى الفرد وإنْ على مستوى المجموع. والتصوف ـ وعلومه ـ بالنسبة للوعي العربي والإسلامي كان ولا يزال يمثل تراثاً مهجوراً، يُنْبَذ اليوم من العقل العربي كما كان قبلاً منبوذاً بالأمس، ولو قدِّر لهذا الفرع أن يجري في حياتنا الفكرية والثقافية مجراه الطبيعي وأن يُنظَّر له كما نظِّر لفروع أخرى غيره؛ لكانت تلك "الرؤية الموحَّدة" أو أحادية الرؤية الغائبة عن ثقافتنا الإسلامية من أولى اهتمامات العقل العربي قاطبة: تنقذه من الضلال! أما بقيّة فروع الثقافة الإسلامية؛ فهى على انتشارها وسعتها وكثرة الطالبين لها، الداعين إلى تزكيتها وتفضيلها، الآخذين على عاتقهم بفرضها قسرياً على واقعنا الفكري والثقافي؛ فهى السبب المباشر في تعطيل النظر إلى أحادية الرؤية؛ فداعية إلى الفصل والمباعدة، وذاهبة إلى التجزيئية الغارقة في غير معنى، والفاقدة لعناصر التجمُّع والائتلاف، والذاهبة إلى التفاصيل والجزئيات دون الارتداد إلى وحدة تجمعها في مبدأ واحد عام مشترك؛ فإذا الشعور بالاغتراب مرضٌ لعينٌ مزمنٌ ألمَّ بثقافتنا العربية؛ أي والله.

وماذا يُنتظر من ثقافة تلك مقوماتها (تعصب للمذهب والفرقة والطائفة وتقليد وتسطيح في المفاهيم) وهذه هى ظروفها (تفرقة وتمزق وتشتت وأنانية)، غير الشعور الدائم بالاغتراب؟ وذلك لأن اغتراب "الذات العربية" اليوم إنما هو نتاج طبيعي لافتقارها إلى "ثوابت الوجود الروحي" الذي يمثل ضميرها الواعي كما يجسد ألزم سماتها الخاصة التي عُرفت بها على الدوام بين أمم العالمين.

فلك أن تلاحظ شعور الذات العربية بالاغتراب، وإصابتها بالدوران الواهم حول "ذاتها" حين تتخلى عن أخص خصائص وجودها وألزم سماتها المميزة لها تخلياً يكاد يقترب من درجة الفقدان؛ لا تطور في هذه الخصائص ولا تجدد في تلك السمات، ولكنها تخلطها وتعوِّمها وتعوِّقها بذوات الآخرين، وإبداعات الآخرين، وثقافة الآخرين؛ دون ركيزة ثابتة تنطلق منها وتقوم عليها أشراط الهوية العصماء.

هذه الركيزة عندي هى التوحيد .. أمة تدين بالتوحيد شكلاً ينقصه المضمون، وتتفرَّق وتنقسم في ذاتها فضلاً عن انقسام الشخص الواحد في ذاته وتفرّقه، هل تنتظر منها غير الشعور الدائم بالاغتراب؟

التوحيد عاصمٌ من ضروب الفُرقة وأنواع الشتات، بمقدار ما هو عاصم كذلك في الوقت نفسه من الشعور بالفقدان: فقدان الهوية؛ وفقدان الخاصة الذاتية في مكونها الإيديولوجي؛ وفقدان الخصوصية التي يمتاز بها الوجود العربي والإسلامي. ومع الشعور بفقدان الهوية، ومع الشعور بتفتت الذات وتشرذمها يكون الشعور المحتوم بالاغتراب، ويصاحبه ـ من أجل ذلك ـ أعراض الفتور والضعف من تقلب وعنت وخفة وخشية ملفوفة بالجُبن الكريه من مواجهة التحديات؛ لكأنما كانت هذه الأمة في ثقافتها وقيمها وعقائدها تعيش بغير وجود، وبغير خصائص تفرضها إنْ شاءت على الآخرين كما يفرض الآخرون خصائصهم عليها وهى قانعة راضية: تستلذ حلاوة الاستهلاك وتستكره مرارة الإنتاج والصبر عليه في كل حين: الاستهلاك في الفكر، وفي العلم، وفي الثقافة، وفي اللغة، وفي الفن، وفي مطالب العقول والأرواح؛ بل وفي المأكل والملبس والمشرب، وفي مطالب الأبدان على وجه الإجمال؛ تستهلك أكثر مما تنتج ولا تطيق الصبر على الإنتاج.

والأمة المستهلكة لإنتاج الآخرين من فكر وعلم وثقافة وفن وأدب وقيم دون أن تنتج هى من العلوم والأفكار والثقافات والفنون ما يؤهلها للوقوف أمام الأمم المتقدمة ناهضة قوية وجهاً لوجه هى أمة تتقلبُ في أعراض الضعف والخنوع كما تتقلب في أسباب التجهيل الذي ارتضته خانعة مستسلمة لأنظمتها البائدة وسياساتها الطاغية وحكامها المتسلطين؛ فإذا بذواتها شاعرة بالاغتراب في مواجهة الذوات الأخرى لأنها ـ  من قبل ومن بعدُ ـ مسلوبة "الثوابت" التي ترتكز عليها أشراط الهوية أو تكاد..!

قُتلَ الإنسان .. ما أكْفَرَهُ!

هاتان الملاحظتان (الغفلة الواصبة التي عَنَاهَا ابن عربي بهذيان العالم ثم الجهل بتفعيل التوحيد ممّا عَسَاه يجعل من الوهم المحقق لا المعرفة الحقيقية نقضاً للعبودية) تنبثق كلتاهما عن تدبر ما ينقض فكرة العبودية التامة للإله الواحد الأحد؛ لتمثل هذه الفكرة من منظورها الديني العميق معاني الخضوع بين يدي الله ولتتلاشى الإرادة المشوبة بحب العلو والتسلط والغفلة الواصبة. فلا يبقى أمامها إلا أمران:

الأول: إمّا تسقط الإرادة في مستنقع الوهم. والثاني: إما أن تنسى التوحيد وتظل تكرع من عبادة الوثن بعد الوثن.

إن إرادتنا التي نستطيع أن نتوصَّل بها إلى شتى الضرورات الحياتية لهى أعجز من أن نصل بمقتضاها إلى الله، فلو كُنَّا في أنفسنا أعلمُ علماء الأرض لصرنا من فورنا أجهل الناس بمعرفة الله. ربّما تصل بإرادتك إلى أقصى المعارف والعلوم الكونيّة، لكن إرادتك وحدها لا توصِّلك ـ فضلاً عن كونها تصلك بالله ـ إلى معرفة "المكوِّن".

أنت مع "الأكوان" بالإرادة وبالعقل وبالعلم وبمدركات الإنسان، لكنك لا تكون أبداً مع "المُكوِّن" بمحض هذه الإرادة ولا بمحض ذلك العقل، ولا بمطلق العلم وكفى، ولا بمحدودية الإدراك الإنساني المحدود؛ بل تكون مع المكوِّن بالصفاء وبالنقاء وبالتسليم وبالتفويض، ولو كانت إرادتك هذه أخذة الأمور مأخذ الجد الذي لا عبث فيه ولا ضياع لقادتك إلى الحقيقة الساطعة، ولأقرَّت منذ البداية بأنها قياساً إلى الإرادة الكونَّية، إرادة ضعيفة عاجزة، تحاول الاستطاعة دوماً لكنها سرعان ما تفشل، وتدَّعي المعرفة وهى إلى الجهالة أقرب، وتريد الرفعة لصاحبها من حيث تزج به في آتون التضليل!

إن الإنسان لضعيف مع إنه في الحق لعظيم وكبير ..!

أتدري ما عظمة هذا الإنسان؟ إنها عندي في إدراكه حقَّاً لضعفه، وعِرْفَانه قطعاً بموضع العجز فيه؛ هنا يَكبُر الإنسان في عين الحقيقة، لكنه يتضاءل ويصغر ويُحتقر مع الادِّعاء والجبروت؛ لأنه يجور على خصائص ليست مما هى له، ولن تكون. إنه لضعيف حين يتخلى عن نبض السّر الإلهي فيه، وإنه لمخلوق مُكَرَّم وعظيم حين يعرف معنى وجوده ومعنى مصيره؛ فيدرك بالله على الحقيقة سر هذا الوجود وبقاء هذا المصير.

ثم ألم نرى ويرى معنا ألوف من الناس ممّن تعدوا على وظيفة الإلوهية وجعلوا من أنفسهم آلهة يقضون في هذا وفي ذاك القضاء المبرم الذي يعدُّ وظيفة إلهية؛ ألم نرى ويرى معنا ألوف من الناس ذلك الذي يتأله ويأخذ حق الله ليحاكم به خلقه وكأنه أضحى موكولاً من عند الله بالحكم على عبيده فيما يأخذونه وفيما يدعونه؟ كم هى ساخرة عجيبة تلك الأقدار حين تضعه في المواجهة وحين تتحداه بأقل قضاءِ يقع عليه، هنالك يفزع ويرتد حَسيراً بعد كل مطاف، ويضيع إذا لم يعترف بعجزه وصِغره وحقارته. يضيع إذا لم يقابل عجزه بقوة، وصغره بكِبر، وحقارته بجبروت يملأ الأرض والسموات.

أدّل آيات العجز والصِّغَر والحقارة لأمور بادية فيه أمام الموت .. لا.. الموت كبير وعظيم وجليل؛ بل إنها لبادية فيه أمام المرض والهمِّ والذُّل والمهانة والعجز والإفلاس والتحقير وقلة الحيلة وفقر الروح، ثم الركض الدائم وراء طلب المنافع والمناصب والسلطات والزعامات، والغيرة من الأنداد والقرناء وذوي النفوذ وذوي المكانة والوجهاء.

والتأمل في أحوال الدنيا عبرةً، قد تزيد المتأمل فيها على الدوام أوجاع الحياة لكن مع ذلك تزيد المرء معرفة بأسرارها ووقوفاً على غرائبها وعجائبها وتقلباتها مع الأيام وتقلبات الأيام معها في كل حال. من أجل ذلك، كم دَبَّر .. (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ) فقال: "أنا الأعز الأكبر", وهو ـ  وأيم الله ـ ضعيف وحقير: ضعفه ينقض قوله، وكلامه تكذِّبه حقيقته.

(قُتلَ الإنسان .. ما أكْفَرَهُ!) كم بادر باتخاذ الوسائل أسلحةً ضد هذا المجهول الذي ينتظره فجأة، وهو يعلم على التحقيق مبدأ خلقه ثم مسيره ومصيره؛ بل إن هذا التقدّم الهائل الذي طرأ على البشرية ليس إلا تعبيرٌ عن دفاع الإنسان ضد الفناء وضد المجهول. إن إرادتنا التي نستطيع أن نتوصل بها إلى كثير من معارف العصر وعلوم الدنيا، لعاجزةٌ عن إدراك هذا العالم العلوي الذي تنفرد فيه الحقائق بكل ما ينفرد فيه الحق المطلق بامتلاكه لزمام الأمور ولقهره فوق العباد بالوحدة والتفرد والقيوميَّة والعناية.

ليس أمام الإرادة هنا إمَّا الإيمان من جهة، وإمَّا الكفران من جهة مقابلة، إمَّا التسليم وإمَّا النكران. فالذين أقروا بعجز الإرادة آمنوا وسَلَّموا وأحبوا وفنوا بعد أن تحققوا بالحقيقة الإلهية؛ لا لشيء إلا لأنهم فوضوا الأمر لصاحب الأمر. والذين تملكتهم الإرادة وغلبت عليهم شِقْوتهم أنكروا وجحدوا وغطوا الحقيقة وأوهموا. والبصير الحق هو الذي يدرك: انفراد الحق المطلق بامتلاكه لزمام الأمور، يدرك هذا ويعمل من أجله مقدار ما يستطيع وفوق ما يستطيع ولا يغفل عن العمل أبداً، وهو الذي يكافح في الوصول إليه، بإرادته تارة، وبإسقاط التدبير معه تارة، وبوسائله الجبارة تارة، وبعلمه تارة، وبعمله تارة، ولكنه في النهاية لا يَصِلْ ـ إنْ وَصَلَ ـ إلاّ بمعْوَانِ التَّوْفيق.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

مجدي ابراهيمالإرادة بين الواقع والتصور:

إزاء تحول "الإرادة" من "فعل" إلى "تصور" تصبح مجرد فكرة في الذهن لا يقوم عليها من الواقع الفعلي دليل. ولقد تقدمت الإشارة إلى أن منطق التاريخ نفسه ربما يعطينا التصور عن عجز "الإرادة" ومحدوديتها، حتى ليتلاشى بجوارها سائر قوى الإنسان فيما لو لم يكن يؤمن بعناية الله؛ فالتاريخ فيه الجبرية الصارمة القاهرة تسير على سنن القصد الحكيم ولا تسمح بفوضى ولا بعبث، وفيه كذلك حتمية المسيرة التي يفرضها على الأشخاص والأحداث وفق قوة إلهية وحكمة مرسومة وتقدير سابق؛ وإنّ المرء ليبدو من خلال هذا كله مُنفذاً لحركة التاريخ الحتمية ليس إلا، وإنه من هاهنا ليعطي صورة للوجود على الإدراك الذي يعطيه التصور لمجرد عجز الإرادة. فوجود الإنسان محدود، وعمره المحدود هذا يؤكد تلك الحتمية بما يتنافى ومطلق الإرادة المحدودة، وإنه إذا لم يكن يؤمن بهذه الحتمية فإن المقابل هو الإيمان بالعبث وبالفوضى؛ فكما أننا نؤمن بقدرة الله في الطبيعة؛ فمن باب أولى نؤمن بعنايته للإنسان في مسار التاريخ.

وإذا تَقَرَّرَتْ عناية الله للإنسان في التاريخ تقررت معها محدودية إرادته وبالتالي عجزه عن فهم حركة التاريخ بغير أن يكون فيها نظام إلهي حاكم لها من الأساس. إنّ المرء ليدرك بمطلق إرادته (المحدودة) حقيقته، لكن إدراكه لها لا يخرج عن حتمية التاريخ إلا أن يَتَصوَّر القيمة في مجموع ما لا يُدْرَك. في التاريخ جبرية عقلية تنطق بها الحكمة تماماً كما ينطق بها الوعي بالأحداث وبالظروف المحيطة بالأفراد والأشخاص وبملابسات تكشف عن مطلق هذه الجبرية العقلية إلى درجة لا يكون فيها المرء قادراً بإرادته ولا بتصوراته عن الخروج عنها بأية حال من الأحوال. إنه ابن عربي من الصوفية الكبار هو الذي كان يُردِّد أن كل مخلوق مجبور؛ فكيف يحيط بالحقيقة محصور. ما في الوجود حُرٌ دون تقييد فالكل عبيد، من تقيَّدَ بطلب الحقوق فهو مخلوق؛ العبودية فينا حقيقة، والحرية فينا لا تعطيها الطريقة. أين الحرية مع الطلب؟! .. ليس لنا مقام في الحرية المطلقة.

هكذا يقرر ابن عربي وهم تمثل "الإرادة" من حيث انعزالها فكرة مجردة من الله؛ فلئن زَعَم المرء أنه بالإمكان أن يَتَصَرَّف خارج محيط هذا الكون الهائل الذي يعيش فيه فهو في الوقت نفسه زَعْم موهوم؛ لأنه خروجٌ عن الوعي بتلك الحتمية العقلية مع إرادة التصرف في محيط هذه الحتمية في كل حال، وعلى أيه حال.

إنما الحكم على الشيء فَرْعٌ من تَصَوّره كما يقول الأصوليون. وعليه؛ فإذا نحن تصورنا الإرادة الإنسانية خارج نطاق منطق التاريخ، يُلْزِمُنَا أن ندرك في ذات اللحظة أنه كلما كان التصور معمولاً به جاءت الصورة في الواقع تعطي الإدراك؛ فلا يخرج إدراك ألبتة عن تصور يشي بحركة الواقع ويتلبس بمجريات الأحداث، وبالتالي حُكْمُنَا بانحصار الإنسان في واقعاته الجزئية وقلة خروجه عنها أو عدمه؛ مهما زَعَمَ مُخْلصاً امتلاك إرادته وغالى في مثل هذا الزعم الموهوم، إنما هو فرع من تصورنا لهذه الإرادة المحدودة في هذا الكون الهائل الفسيح.

وعلى هذا؛ تكون الإرادة جزءاً لا يتجزأ من واقع موجود غير مفقود. وبما أن لهذا الواقع منطقاً جبرياً بمقتضى التصور العقلي لا اللاهوتي صارت الإرادة نفسها لا تخرج هى كذلك عن هذا المنطق بجميع معطياته العاملة في الفكر أو في الواقع. فلئن كانت الإرادة جزءاً لا يتجزأ من واقع موجود فينا؛ فإن هذا الجزء الواقعي نفسه هو الذي يعطينا الانحصار فيما هو محدود بالنسبة لنا بما فيه إرادتنا. إنّ إدراكنا في الواقع بكل ما فيه من إمكانية التحقق إنْ هو إلا نتيجة التصور الذي يتلازم مع المعنى ليصير مقبولاً في كل تصور مفهوم، حتى إذا ما قابلتنا الإرادة بتصورات واقعية، أو قابلتنا بمدركات تتحقق في الواقع الفعلي خرجنا بنتيجة مؤداها : إلزام النفس بمنطق الواقع والأحداث الذي يتحكم هو قبل كل شيء في إرادتنا مثلما تتحكم في التاريخ الإنساني وفي الواقع وفي الناموس الكوني سُنَنٌ (عناية إلهية) يَسْتَنُّ عليها نظم الوقائع والأحداث.

الإرادة والحرية:

مَنْ ذَا الذي يزعم واهماً الخروج عن واقع يعيشه ويحياه؟ وَمَنْ ذَاَ الذي يزعم الخروج عن حاجاته ومطالبه ورغباته إلا أن يكون واهماً وله في الوهم نسبٌ عريق؟ ومن ذا الذي يزعم الخروج عن نفسه ووعيه ومداركه، ثم يدّعي - من بعدُ - الحرية التي تنالُ بمطلق الإرادة، وهو لا يتحرر؛ وأنَىَّ يَتَحَرَّر؟ إنّ الحرية هنا تعني الموت : الموت عن الإرادة : إرادة المطالب والحاجات، حين يموت المرء يتحرر، وحين يُفني مطالبه وحاجاته ونفسه وعقله، هنالك يحق له أن ينادي بأعلى صوت فيه : وإني اليوم لحر!

أما قبل ذلك؛ فهو وهم عظيم يغلف سطح الوعي لديه، ذلك الوعي الذي ينقضه الواقع فيما لو تعمق، كما تنقضه الصور الإدراكية لكل ما في الواقع من مهمات الإدراك؛ كائناً ما كان هذا الإدراك، وعلى اختلاف درجاته الإدراكية، واختلاف المستويات فيه.

إنّ مؤكدات الوعي فينا لتقول بأبلغ لسان : إننا لن نخرج عن واقعاتنا بحال، (مع التغاضي هنا بعض الشيء عن قيمة المجاهدات الرُّوحيّة والرياضات الصوفية من حيث إنها مجعولة لإدراك تلك الحقيقة منذ البداية وتأكيدها والعمل من أجلها في إطار القيم التي يؤمن بها الصوفية)؛ وليس فينا من يخرج عن تلك الواقعات الوجودية المحدودة بحدود المطالب والحاجات، أو حتى حدود الأهواء والرغبات. وما هذه التصورات والمفاهيم التي نتصورها بين الحين والآخر ترضية لنفوسنا وتلبية لمناشط الوعي العادي فينا إلا نتيجة تعكس واقعاتنا الوجودية المحدودة، لكنها في ذات الوقت لا تعكس ما هو الأمر عليه في نفسه.

نعم : إنها لتعكس الحق، ولكن لا الحق في ذاته كما هو عليه بل الحق كما نتصوره نحن بعقولنا المحدودة القاصرة. فإذا كان الواقع يُعطي صورة إدراكية ما، تهدف إلى اجتماع الوقائع أو تشابكها واختلاط قوانينها ومضامينها، أو تَفَرُّق هذه القوانين وتباعدها، والتي هى كذلك تعطي حقيقته الإدراكية أو ما يُقارب تلك الحقيقة من ألوان الإدراكات؛ فمن معطيات الواقع المقيد بهذه الضرورة الإدراكية نحن الواهمون!

نحن الواهمون على الحقيقة دون أدنى مجاز، نغيب في سمادير غليظة؛ لأننا نَدَّعي الإرادة لمجرد الدعوى وكفى، فلا يقوم فينا الوهم إلا لأننا نريد، وإرادتنا مقيدة بالوهم، بمقدار ما يجيء الوهم فينا مقيداً كذلك بالضرورة الإدراكية لمنطق التاريخ، وهو منطق ـ كما تقدَّم ـ حَتْميٌّ : جَبْري جبرية عقلية قبل أن تكون لاهوتية؛ فالقيود المفروضة من قبيل هذا المنطق مُسَيّرة لحركة التاريخ في كل حركة من حركاته الناطقة بفروض الجبر المطلق على مستوى الفكر المجرد فضلاً عن مستوى الواقع المشهود : سلاسل الوجود تحكمنا بقيودها وفروضها، وما نحن في الواقع إلا رهائن تلك السلاسل الوجودية العظمى.

فلن نتحرر من قيدها الذي أدمى فينا المعاصم، ولن نريد على الحقيقة الفكاك منه إلا في الوقت الذي نخرج فيه عن أنفسنا : مطالبها وحاجاتها وروابطها الواقعية والوجودية. والخروج عن النفس بكل فيها من مطالب وحاجات وروابط واقعية هو في الوقت نفسه خُروجٌ عن العادات والمألوفات والروابط وسائر ما ألفته النفوس واعتادته واقعاً ترتع فيه، وترغب في اكتنازه والسيطرة عليه.

وهذا الخروج كما قلنا فيما تَقَدَّم يعني الموت؛ فلئن كان الموت يَتَضَمَّن هنا معنى الموت الإرادي عن شهود الحُجب والأغيار فهو كذلك يعني : موت الحظوظ النفسانية وسلوب عادات النفس وانقلابها عن مواطنها ومألوفاتها حقيقةً لا مجاز فيه، لكن مع ذلك يأتي الموت هنا بمعنى العزوف عن الدنيا، وموت حظوظ النفس فيها، وقلة الجري مع رغائبها وعاداتها، يعني العدم النسبي ـ لا المطلق ـ الذي يجوز بمقتضاه الخروج عن وقائع الوجود : الخروج عن رغائب الوجود، عن الطمع والتسلط والسيطرة والاستحواذ وسائر الآفات والمسالك الشريرة، وهى بامتياز مصدر الشر في هذا العالم الحيران!

عند ذلك فقط، تكون "الإرادة" مُحَقَّقَة بالفعل ويحق لنا التّحرر؛ فهل من مستطيع؟!

نقائض العبودية:

ومن التَّحَرُّر الذي كتب عنه المجربون وهم ممددو العود بحبِّ علوي للذات الإلهية؛ فكانت كلماتهم فيه ميراث المخلصين، يجيءُ موطن شرف العارف أن يرى على الدوام في عبوديته أن العزة لله وأن لا عزة في سواه. فأول ما ينقض فكرة العبودية من أساسها كما تظهر عند غير العارف هو ما سمّاه ابن عربي بــ "هذيان العالم"؛ إذْ العالم كله في رأيه ـ ونحن منه ـ في حالة غفلة واصبة : عقله مستعبد ذلول، ووجدانه فارغ من ذكر الله ملهوف على الدنيا وحطامها الزائل الرخيص، ومشاعره نَزَّاعَة إلى طلب الدُّوُن في عالم الشهوات، ينتقل من غفلة إلى غفلة، ويتعلق بمعبود صنعه خياله وقدَّسَه هواه، ويغوص في التقليد بغير دليل من عصمة الدلالة والمعرفة؛ كلنا في هذا العالم في حالة من الهذيان، ولكن العارف شأنه شأن آخر : عزيز بعبوديته لله، يرى الشرف كل الشرف في هذه العبودية، وينتصر للحضور بين يدي الله لتنعدم الغفلة من قلبه أو تكاد، ويحل شرف المعرفة بالله في باطنه بدلاً من الغفلة والاستنامة والجهالة العمياء.

أي نعم :"العزة بالله موطن الشرف" .. ما في ذلك شك. والشرفُ البالغ بالنسبة للعارف هو أن تكون عزته بالله، ولا عِزَة فيما سواه، ولا يَتَوَرَّع الصوفي قيد أنملة في أن يسأل الله عز الدنيا والآخرة، لكنه حين يسأله ذلك يسأله من بساط الدُّنو والتقريب لبلوغ العز بالله : عز الدنيا بالإيمان والمعرفة، وعز الآخرة باللقاء والمشاهدة كما في الحزب الكبير للإمام ابي الحسن الشاذلي.

ولا حاجة به إلى عز في الدنيا والآخرة فيما سواهما؛ أي الإيمان والمعرفة في الدنيا. واللقاء والمشاهدة في الآخرة حتى إذا ما أسْقَطَتَ معه التدبير صِرْتَ عزيزاً به لا بنفسك أو بعقلك : عقلك هذا المحدود لا يدِّبر لك سوى الأمور المحدودة، ولا يوصلك ـ إنْ أوْصَلَكَ ـ  إلاَّ إلى المحدود. أما إسقاط التدبير فهو شهود قلبي للمُدَبّر؛ وفناء. ومَنْ يدعي غير ذلك ففي حجاب. أتريد أن تكون محدوداً بعقلك أو بنفسك، دَبِّر إذن ما استطعت إلى التدبير سبيلاً، ولن تصل بالتدبير في النهاية إلاّ إلى الوهم المُحَقق لا إلى المعرفة الحقيقية.

(وللحديث بقية مع نقائض العبودية)

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

مجدي ابراهيمكانت النقطة الأولى التي استخلصناها تحديداً للعمر الروحي لا الزمني لدى ابن عطاء الله السَّكندري من وراء المقابلة التي جرت بينه وبين أستاذه أبي العباس المرسي دلالة على حكم الطريق في ذويه؛ إذ سكنت المعرفة قلبه وأصبح من تلك اللحظة العامرة بتجلي فيوضات النور (لحظة المقابلة)؛ هي أن التصوف حالٌ لا يستدعى بمحض التعمُّد والاستجلاب أو بمحض العوز الروحي والتدبير، ولا تكتسب سماته بفعل المقروء أو المكتوب وكفى، ولكنه على الجملة هو من جنس المواهب المُفاضة فيضاً لَدُنيَّاً من عين الجود، وأنه لا يتأتى مطلقاً بالحيلة والطلب والاستدعاء لأنه إرادة الله للعبد أن يجذبه إليه؛ لتصبح هذه الجذبة هي حركة وجد فياضة بالعطاء، ولا شيء في البدء أكثر من هذا.

وبما أن التصوف حالٌ لا يستدعى استدعاءً ولا يُتَصَنَّعُ في طلبه؛ فليس أصدق في وصفه من كونه إرادة الله للعبد من طريق هذا الحال الذي يدق عن الوصف ولا تسعه بالمطلق عبارة تستوعب المواجيد؛ إذْ كان حالاً يشع به الوجدان شوقاً إلى معارف أهل النور.       

أمّا النقطة الثانية: فيما يذكره ابن عطاء الله عن المقابلة التي جرت بينه وبين شيخه أبي العباس المرسي: فهى الصلة الروحية التي سيكون بمقتضاها ابن عطاء من أكابر أولياء هذا الطريق؛ فهناك "سرُّ" بين الشيخ وتلميذه، سرُّ حدث خلاله، تَفْريغ الطاقة الروحية في قلب التلميذ، عن طريق سِرَاية النور من الشيخ إلى التلميذ، وهذه خاصة من خصائص الحياة الروحية لدى الأولياء والعارفين، ينفردون بها ويتميزون: أعني الهداية بالنظرة، والانتماء إلى الطريق بلفتةٍ يَتمُ خلالها التركيز كله بمقتضى التَّوَجُّه الروحي وحده.

وممّا يكشف عن وجود هذا "السر" هو مقام الأدب والتعظيم، الذي وجده ابن عطاء الله السَّكندري من شيخه أبي العباس حين عَاوَدَهُ مرة أخرى؛ فلمَّا دخل عليه بعد الاستئذان، نَهَضَ إليه الشيخ قائماً وتلقاه ببشاشة وإقبال إلى الدرجة التي أدهشته خجلاً؛ فَرَاحَ التلميذ يستصغر نفسه أن يكون أهلاً لهذا "الأدب الروحي" الفريد. لكن لا غَرَابة في قيم العرفان أن تجيء على هذا النحو الفريد، وأن تمتاز بما لا تمتاز به حيوات آخر، أو قيم آخر ليست مجبولة على علوم الاحترام ولا على الأدب والتوقير.

ويطلعنا قيام الشيخ إلى جانب مقام الأدب الفريد، على السر الخفي الذي تُغلِّفُهُ الحياة الروحية برمتها، ويتبطن هو قيام هذه الحياة فيما يدل على أنه لا قيام لهذه الحياة بغير وجود تلك الأسرار فيها؛ هذه الأسرار الروحية هى من الأهمية بمكان بحيث تحفظها لنا نوادرهم العجيبة في ديوان الولاية، وتزكيها قوانين التربية بين المشايخ والمريدين.

قيام الشيخ من مكانه ناهضاً وملاقاته بالبشاشة والقبول ترحاباً بتلميذه هو مـن "السر" الذي يتجاوز مقام الأدب ويعلو عليه. ويمكننا نحن استخلاص الإشارة إلى وجود مثل هذه الأسرار؛ فلنذكر أن ابن عطاء الله فيما تَقَدَّم كان قد شكا إلى شيخه ما كان يجده من هموم وأحزان؛ فَحَدَّثَهُ الشيخ عن أحوال العبد الأربعة التي سبق الحديث عنها؛ فلما ذكرها له قال ابن عطاء؛ فقمتُ من عنده وكأنما الهموم والأحزان ثوباً نزعته؛ ثم سألني بعد ذلك بِمُدَّة: كيف حالك؟

 فقلتُ: أفتش عن الهمِّ فلم أجده، فقال:

لَيْـلِي بِــوَجْهِــكَ مُشْـــرِقٌ          وَظَلامُـه في النَّاسِ سَـارِي

وَالنَّاسُ في سُـدَفِ الظَّلَامِ          وَنَـحْنُ في ضُــــوءِ النَّهَـــارِ

أَلْزَمْ، فو الله لئن لَزَمْتَ لتكوننَّ مُفتياً في المذهبين: في علوم الظاهر، وحقائق الباطن. وقد كان! على أن هذه القطعة من التعبير بأبيات الشعر، تحوي الإشارة إلى "السر" الذي دَفَعَ الأستاذ إلى القيام لتلميذه تعظيماً وقبولاً، ثم سعادته حين يقول له، أَلْزَمْ! فو الله، لئن لزمت لتكوننِّ مفتياً في المذهبين، مذهب الشريعة، ومذهب الحقيقة.

أَلْزَمْ الطريق فإن لك فيه نصيباً من تحقيق العارفين. أَلْزَم! لتكون معنا في ضوء النهار؛ ولتتحول حياتك كلها من سُدَفِ الليل البَهيم إلى إشراق الضوء الساطع بعطايا القبول، أَلْزَم فقد عَرَفْتَ؛ وما دُمْتَ قد عَرَفْتَ فلا عليك إلا أن تلزم، ولئن لَزَمْتَ فقد كان لك ما تريد وأكثر.   

الأولياء يدخلون في الأشياء بمراد الله تعالى، لا بمراد أنفسهم، ويجدون الإذن من الله تعالى لهم بما يشرق في قلوبهم من النور الذي يجعله الله علماً لهم فيما يدخلون في الأشياء به وفيما يخرجون: هم إذن لا يتحركون إلاّ بإذن، ولا ينطقون إلا بإذن، ولا يزار الولي ولا يُجْتَمع به إلا بإذن.

ومن كلام المُربي الأكبر أبي الحسن الشاذلي، طيّب الله ثراه،:" ومعنى الإذن للولي: نورٌ ينبسط على القلب يخلقه الله فيه وعليه؛ فيمتدُّ ذلك النور على الشيء الذي يريده فيدركه نوراً على نور، أو ظلمة تحت ذلك النور، يُنْبئك أن تأخذ إنْ شئت، أو تترك، أو تختار، أو تدبِّر، أو تعطي، أو تمنع، أو تقوم، أو تجلس، أو تسافر، أو تقيم، هذا باب المُباح المأذون فيه بالتخيير". لا حظ هذه الحركة الفياضة بالعطاء خلال فقه المعيّة الإلهية، وتأمل.

فما يكون من ظلمة خلاف ذلك النور، لسنا في حاجة إليه؛ لأنه لا يتفق ولا يتناسب مع مقام الشيخ أبي العباس المرسي؛ وإنما الإذن المراد هنا هو الذي يكون كله نوراً على نور؛ وإلا لما كان إذناً ولا يُفسر بالإذن من الله، أي بما يُشرق في القلب من النور، يجعله الله عَلَمَاً؛ فتعبير الشيخ ـ من ثمَّ ـ بعين تلك الأبيات الشعرية، هو هنا في الواقع تعبيرٌ عن الإذن بقبول هذا التلميذ النجيب؛ والفرح بهذا الإذن وبهذا القبول.

تلك هى عندنا "الإشارة" الكاشفة عن وجود "السر" بين الشيخ والمريد، وإلا فما معنى إنشاد الشيخ في تلك اللحظة هذه الأبيات، ما معناه؟ إلاّ أن يكون المعنى هو الإذن بالقبول ظاهراً أو ما يُشْبهه من أسرار العارفين مع المَعْرُوف؛ إذْ كان الأولياء لا يدخلون في الأشياء بمراد أنفسهم؛ بل بمراد الله تعالى فيهم. ولقد شاء الله لابن عطاء الله السَّكَندري الفقيه أن يكون مقبولاً مأذوناً له في دخول الطريق وفي التَّحَقُّق بأسراره.

النقطة الثالثة: وهى "المحبة"؛ يكشفها خطاب ابن عطاء الله السَّكندري لشيخه: يا سيدي: أنا والله أحبُّك، كما يجلِّها لوقتها، ردُّ الشيخ على التلميذ: أحَبَّكَ الله كما أحببتني؛ وللمحبة ـ كما هو معلوم ـ أكبر الدور وأهمَّه في التصوف؛ فهى روح الحياة الروحية على التعميم، ينبثق منها أريج من الحماسة والعاطفة يجعل الحب هو جوهر هذه الحياة؛ لا بل هى روح الإسلام كما أخبر عنها رسول الله صلوات الله وسلامه عليه حين قال: "إنّ من عباد الله لأناساً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله تعالى. قالوا: يا رسول الله تخبرنا عنهم مَنْ هُمْ؟

قال: هُمْ قوم تحابوا بروح الله بينهم، على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، والله إنَّ وجوههم لنور وإنهم لعلى نور، لا يخافون إذا خَافَ الناس، ولا يحزنون إذا حَزَنَ الناس"؛ فهذه المحبة هنا على وجه التخصيص، تمُثِّل جوهر العلاقة بين ابن عطاء الله السَّكندري الذي أقسم في خطابه لشيخه تعبيراً عن هذا "الحب" وبين أبي العباس المرسي الذي رَدَّ قسم المحبة بالدعاء لتلميذه بأن يحبَّه الله، وهو من المأثورات.

إنّ هذه الرواية التي ذكرها ابن عطاء عن صلته بأستاذه، في كتابه "لطائف المنن"، والتي نقلها عنه كثيرون ممّن كتبوا عن حياته، لتشدد لنا من الفور على أن العلاقة بين الشيخ والمريد، هى هى نفسها العلاقة بين القيم الكبرى حين تتجسد في أشخاص، هذا فضلاً عن كونها هى هى نفسها التعبير المباشر عن التصوف: حالاته وقضاياه المعرفية.

ففي الرواية المذكورة: رواية الصلة بين هذين القطبين، وجدنا ثلاث قيم رئيسية أولها: قيمة التسليم المطلق لحكم الحال، وثانيها: قيمة الأدب المحفوظ بإحاطة الأسرار، وثالثها: قيمة "المحبة"، وما يجري مجراها في عرف أهل التحقيق. وهذه الثلاث قيم هى أركان التصوف الكبرى؛ لأننا إذا حذفنا قيمة التسليم لحكم الحال حذفنا تباعاً أهم الأركان التي يقوم عليها التصوف؛ إذْ الصوفية أصحاب أحوال لا أرباب أقوال. وإذا أسقطنا من اعتبارنا قيمة الأدب المحفوظ بإحاطة الأسرار، أسقطنا جوهر العلاقة القائمة على التربية والترقية بين الشيخ والمريد، وانهارت بذلك الحياة الروحية بانهيار هذه العلاقة فيما لو شئنا عنوة إسقاطها. ومتى تجاوزنا المحبة، ولغطنا هازلين في خصوصيتها ومحوريتها، وصرنا نضرب في ميدان التصوف على أوتار غير وترها، وبقيثارة غير قيثارتها، فقدنا إذْ ذاك لا قيمة واحدة من قيم التصوف؛ بل فقدنا التصوف على الجملة فضلاً عن التفصيل، وألقينا بأركانه الناشطة كلها في المهملات.

التصوف قيمة، وقيمته فيما نحن بصدده من قيم كشفتها لنا رواية ابن عطاء.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

اياد الزهيريمن الصعب بمكان الحصول على معلومات وافية عن الحياة العامة في الجزيرة العربية بشكل عام، وما يخص العقائد والعبادات بشكل خاص، والسبب يرجع الى عدم العثور على آثار كتابية ولقى بشكل كافي ووافي تبين ذلك، وقد يكون لتأخر ظهور الكتابة في هذه المنطقة  كسبب ثاني أيضاً، وربما بسبب الطبيعة الرملية للمنطقة، وبما أن طبيعة الرمال متحركة، وبالتالي يكون من الصعب ترك أثر عليها، ويؤكد ذلك الدكتور علاء شاهين أستاذ الآثار المصري أن الشعر الجاهلي لم يذكر الكثير عن الدين والحياة العامة لسكان الجزيرة العربية قبل الأسلام، ولكني أرجح سبب تأخر الكتابة، كعامل رئيسي في قلة المعلومات التي وصلتنا، لأن الجزيرة العربية لا تخلو من مناطق صخرية، ومثالها مكة واليمن، فهي مناطق صخرية ووعرة التضاريس، كما يمكن القول أن الأنسان العربي آنذاك لم يمتلك بعداً فنياً كغيره في الحضارات المجاورة، لكي يبدع في مجال الفن النحتي، كما حصل لدى الآشورين والبابليين والسومريين والمصريين والأغريق، حيث حفظت أثارهم المنحوته الكثير من تراثهم الديني والمعماري والقانوني، لذلك فأن المعلومات عن عرب ما قبل الأسلام في الجزيرة شحيحة جداً لحد الآن، وتكاد تكون نادرة، وهذا ما جعل الأحاطه بها صعباً، ولكن هناك شذرات التقطها بعض المؤرخون من أمثال الدكتور جواد علي في كتابة (المفصل في تاريخ العرب قبل الأسلام)، ومارتن هاتمان الذي أهتم باليمن قبل الأسلام، كما من الملاحظ أن بعض المعلومات عن العرب قبل الأسلام أعتمدت على كتب  مؤلفة باللغه اليونانية واللاتينية والتي ترجع الى ما قبل الأسلام، وهي كتب يصعب التحقق عن دقة معلوماتها لأن الكثير من الكتب القديمة لا تخلو من الفنتازيا. كما أن هناك صعوبة في تبيان التواريخ في بلاد العرب، لذلك أرجح أنطماس الكثير من الأحداث والسرديات التي كانت موجودة، لذلك أتوقع ضياع الكثير من السرديات لعرب ما قبل الأسلام، ومن المهم أيضاً التنويه الى أن العرب وبسبب غياب الكتابة أو ضعفها وقلة من يتقنها أذا كانت موجودة، تراهم أعتمدوا بشكل كبير على المشافهه .

هذه المقدمة نوهنا لها لكي نحيط القارئ علماً بأن البحوث الأركيولوجيه لم تحصل على كثير معلومات كما حصلت من حضارات أخرى مجاورة، ولكن لم يمنع ذلك من حصول كمية لا بأس بها من المعلومات التاريخية عن معتقدات الأنسان العربي آنذاك، وهنا أنوه بأن الشعر الجاهلي نقل ألينا شذرات من أعتقادات العرب القدماء، وكما يعرف المشتغلين بالأدب العربي أن الشعر كان ينقله العرب بالمشافهه، وهنا أنقل لكم من تلكم الشذرات، التي حملتها أبيات من شعرهم:

ذُكر الاله ود على لسان أحدهم ناشداً ؛

حياك ودَّا فاءنا لا يحل لنا      لهو النساء وأن الدين قد عزما

وقد قال أحدهم ذاكراً الاهه يغوث ؛

وسار بنا يغوث الى مرادٍ      فناجزناهم قبل الصباحِ

وآخر يذكر الالهه مناة بقوله؛

اني حلفت يمين صدق برة     بمناة عند محل آل الخزرجي

وقال أوس بن حجر حالفاً باللات؛

وباللات والقرى ومن دان دينها     وبالله أن الله منهن أكبرُ

وفي هذا البيت يظهر وبشكل جلي أنهم يؤمنون بالله كقوة أكبر من اللات وغيرها منألهتهم الوثنية

كما يمكننا بأن عرب الجاهلية، كانوا يؤمنون بالقضاء والقدر، مثل قول أحدهم؛

اذا كان أمر الله أمراً يقدرُ    فكيف يفر المرء منه ويحذرُ

كما أننا نستشف من بعض أشعارهم، أن هناك من يؤمن بيوم الحساب، وهو قد ينتمي الى الدين الأبراهيمي فيقول؛

فلن تكون النفس منك واقيه      يوم الحساب اذا يجمع البشرُ

هذه الأبيات وغيرها نقلت لنا بعض العقائد السائدة في المجتمع العربي قبل الأسلام، لكنها لم تكن وافية، لأن هناك الكثير من التفاصيل التي لم تصل لنا .

أن  عرب الجزيرة العربية  كان شأنهم شأن الشعوب البدائية الأخرى في المناطق الأخرى من العالم، حيث أنتشرت عبادات مختلفة وبسيطه، تقوم على أفكار بدائيه  ومتناثرة، تؤمن فقط بأن هناك قوة خفية ذات تأثير على  واقعهم، ويُشير الدكتور لؤي محمود سعيد مدير الدراسات القبطية في مكتبة الأسكندرية الى أن معتقدات ما يسمى بالجاهلية، كانت أمتداد لمعتقدات بدائية قائمة على الطوطمية والأرواحية وعبادة الأصنام . كما تطورت معتقدات قدماء العرب فيما بعد الى الوثنية نتيجة الأحتكاك مع المجتمعات المجاورة . كما يذكر الدكتور محمد سهيل قطوش في كتابه (تاريخ العرب قبل الأسلام) بأن عرب الجنوب، عبدوا الثالوث الكوكبي (القمر، الشمس، الزهرة) في الأف الأول قبل الميلاد، ويقول كان ذلك قبل عبادة الأصنام بمئات السنين، ويُشار أن قوم عاد عبدوا الحجارة والأخشاب. وبما أن عرب الجزيرة لم يكونوا بعيدين عن التأثر بالشعوب المجاورة، وبفعل التماس والمجاورة، فالعراقيون القدامى عبدوا الكواكب، والهة السماء والمياه وكذلك الأوثان، والأمر نفسه حصل مع الأنسان السوري والمصري القديم، ولا نستبعد تأثير ديانة جيرانهم الأيرانيون القدماء (الفرس) لوجود ديانات عندهم من أمثال الزرادشتية والمانوية والمزدكية. المشهور عند العرب قبل الأسلام هو شيوع الديانه الوثنيه، والسبب يفسره أبن السائب الكلبي في كتابه (الأصنام) المتوفي 204 هجري، هذا الكتاب يأصل عبادة العرب للأصنام الى زمن خروج بعض ولد النبي أسماعيل من مكة بسبب كثرة نسل أسماعيل،وتزاحمهم،وصراعهم المستمر بسبب جدب الأرض والقحط، وربما بسبب التنافس على شؤون سدانة البيت الحرام . هذه الظروف الصعبة دفعت ببعض أبناء نسل أسماعيل بالخروج خارج مكة طلباً للعيش، فكانوا عند خروجهم يأخذون بعض الحجارة من البيت الحرام، أعتزازاً  وذكرى، وتيمناً وتعظيماً  لها، فكانوا يطوفون حول هذه الأحجارفي أماكنهم البعيدة التي أرتحلوا أليها، بأعتبارها بديل عن الكعبة التي غادروها لظروف قسريه، حيث جعلوا لهذه الأحجار مكاناً خاصاً لها في مناطق المهجر، ومع مرور الزمن، وتعاقب الأجيال نسوا دينهم الأصلي وهو  دين أبراهيم، وطقوسه الأصليه، وأنكبوا على ما حملوه من أحجار البيت الحرام، ومن هنا كما يرى الكلبي بدأت عبادة الحجر عند العرب، وهذه النظرية تمتلك الكثير من الوجاهه والواقعية، ومصداق ذلك أننا نلمس الكثير من الممارسات التي جاءت كتعضيد، أو شعائر تعضد المباديء الأصلية لمبدأ أو دين معين، فينكب الممارسون لهذه الشعائر والطقوس  ويتماهون بها الى حد نسيان المبدأ الأساس، ويحصل ذلك عند الطبقات البسيطه من الناس، وقليلي الوعي، لذلك يحصل للعقيدة شيء من الزحزحة والتي مع الزمن تنتهي الى التلاشي، وبذلك تخلو الأعقائد والأديان من أساسياتها، وتبقى فقط شعائر وطقوس لا أكثر، بالأضافة الى ذلك كانت هناك نظرية أخرى تقول بأصل عبادة الأصنام في جزيرة العرب يذكرها الدكتور جواد علي في كتابه ( المفصل في تاريخ العرب قبل الأسلام)، حيث يقول أن عبدة الأصنام نشرها شخص يُدعى عمرو بن لُحى، وهو من شخصيات مكه المشهورة ومن ساداتها، وهو من يُعزى اليه تغير الحنفية الى عبادة الأصنام، حيث كان في رحلة علاجية، وهناك من يقول تجارية الى الشام، ورأى أهل الشام يعبدون الأصنام والأوثان من دون الله، فأستحسن ذلك فقال لهم ماهذه الأصنام التي تعبدونها، فقالوا هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا، فقال لهم الا تعطوني منها صنماً فأسير به الى أرض العرب فيعبدونه، فأعطوه بعضها فجلبها معه للجزيره . ويؤيد هذا الكلام من الأقدمين أبن هشام صاحب السيره النبوية، والشهرستاني بكتابه (الملل والنحل)، وصاحب كتاب (معجم آلهة العرب قبل الأسلام) جورج كدرالذي يقول عن عمرو بن لُحى كان (أبا الأصنام في جزيرة العرب). يقول الواقدي في المغازي ( كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً مُرصصة بالرصاص، وكان هُبل أعظمها). والأمر لم يتوقف عند ذلك فهناك من يقول ومنهم الطبري والبلاذري أن قريش كانت تصنع الأصنام وتتاجر بها، وكانت تُصدرها الى بلاد السند والهند، وأن معاوية بن أبي سفيان كان تاجر أصنام.

قَسم العرب آلهتهم الى آلهه درجة أولى والتي تضم (اللات، العزى، هبل، مناة) وآلهه درجة ثانية ومنها (ود، سواع، يفوث،يعوق، نسر...) الفئة الأولى تمثل آلهه ذات مفاعيل وأعمال كبيرة، أما الثانية فهي أما وسيط أو مساعده للآلهه الأولى، والآلهة الأولى هي من تمثل البانثيون (مجمع الألهه) كما هي بانثيونات الآلهة في الأديان الرافدينية والسورية والمصرية القديمة، كما أن لآلهة الأقوام المجاورة لسكان الجزيرة العربية  وظائف ومهام، كذلك الأمر نفسه مع آلهة قدماء العرب، فمثلاً ترى أن اللات تمثل صنم الخصوبة، وكذلك الأرض، أما هُبل فهو صنم على شكل أنسان هو اله الشمس، أما مناة وهي أقدم أصنام العرب فهي آلهة القدر أو المصير، أما العزى فكانت تمثل كوكب الصباح، وهناك من يقول أنها نفس الآلهه أفروديت عند الأغريق وهي نفسها ايزيس الآلهه المصرية، وهي تعتبر من أعظم الأصنام التي عبدتها قريش.

وتأكيداً لما قلنا في المقدمة أن هناك أمتداد مع معتقدات الشعوب المجاورة، لذلك أُكتشف أن هناك آثار في جزيرة فيلكه الكويتية ترجع للآلهه أنكي اله المياه في الديانه السومرية، وكذلك أُكتشف مثل ذلك بالبحرين، أما في اليمن فقد أُكتشفت معابد  ترجع للحضارة السبئيه ومنها معبد (مراوح) حيث خُصص لعبادة القمر المعروف بأسم (الموقة)، ومعبد الاله (عثترم) ومعبد للاله (سين).

يقول الدكتور علاء شاهين أن العقائد الدينية في تلك الفترة أستندت الى فكرة أن هناك قوى خارقة خيرة وأخرى شريرة تتحكم في مصير الأنسان، الذي عليه أن يتواصل ويتقرب الى القوى الخيرة للأستعانة بها على قضاء حوائجة ولمواجهة القوى الشريرة، وتطورت هذه الفكرة حيث دخل خيال الأنسان الى تخيل شكل لهذه القوى، ومثلها بالأنسان، ولكن الاله القمري لعب دوراً كبيراً  وهاماً، وكان يُنظر اليه بصفة الزوج لاله الشمس (حرعقر) وهي تعتبر زوجه له، حيث شكلوا ثالوث مقدس،مع أبن لهم كان أسمه (عثتر)،  ويقول الدكتور شاهين أن معظم الآلهه التي كانت معبودة في جزيرة العرب أستمدت من مجمع الآلهه العراقية مثل (عشتار وأينانا). 

كما قلنا أن الأديان في جزيرة العرب متباينة من زمن الى آخر، ومن منطقه الى أخرى، حيث يذكر الباحث الساسي بن محمد الضيفاوي في كتابه (ميثولوجيا ألهة العرب قبل الأسلام) ( أن الأعتقاد بالأرواح يشغل حيزاً كبيراً عند العرب في زمن الجاهليه، والمراد هو أعتقادهم بأن هناك شيئاً ما يسكن بعض الأشجار والأحجار والكهوف والعيون والآبار والجبال، أي أن هذه الظواهر تكمن فيها قوة خارقة تستطيع التأثير في حياة الناس فتقربوا أليها بالتضرع والزيارات والذبائح والأدعية والنذور، وطبيعة هذه الأرواح غير منظوره، الا أنه يمكن أن تبرز وتتجلى في هيئات مختلفة). فالقدماء العرب لم يعبدوا الحجر والكواكب، بل لقد ألهوا حتى النبات، فمثلاً كانت الالهة العزى، عبارة عن نخلة تقع في شرق مكة. من المهم القول أن القدماء العرب لم يعبدوا هذه الأحجار لذاتها، وأنما يؤمنون بأنها وسيلة تقربهم الى الله، وقد ذكر القرآن هذا المعنى في الآية ( ما نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفى)، وهذا الأمر ليس بجديد فجيرانهم العراقيون والمصريون والسوريون القدامى ينحون نفس المنحى وهذا دليل آخر على التلاقح والأمتداد العقائدي والفكري بين هذه الشعوب المتجاورة، طبعاً هناك ما يؤكد ذلك حتى أوركولوجياً، فقد عُثر على نقوش قديمة فيها لفظ (الله) وقد عُثر على نقش في الصفا يرجع عهده الى قبل الأسلام بخمس قرون، ورد فيها لفظ على شكل (هالله)، وقد كان أهل الجزيرة العربية، وخاصة أهل مكة قبل الأسلام يعتبرون أن الله هو الخالق وهو الذي يُفزع له عند الشدائد، ويُستدل بذلك على ما ورد بالقرآن ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله، قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون).

أن الديانة الأبراهيمية كانت أحدى الديانات التي كان يعتنقها العرب ما قبل الأسلام، وكانت تسمى بالحنيفية، أما معتنقيها فيُسموا بالأحناف . هذه الديانة أخذت طريقها في مكة على يد النبي أسماعيل وأولاده، وبعد ذلك أنتشرت الى باقي أنحاء الجزيرة العربية، طبعاً أن من آمن بهذه الديانة الكثير ممن رفضوا عبادة الأصنام، ومنهم زيد بن عمرو بن نفيل وأمية أبن الصلت الثقفي وخالد بن سنان العبسي وغيرهم الكثير، وهؤلاء عاشوا في وقت قريب قبل الأسلام وهذا يعني أن هناك الكثير ممن أمنوا بالأبراهيمية  في زمن بدايتها الأولى، كما هناك دين آخر ظهر في اليمن كما تقول الدكتورة زبيدة عطا يعبدون اله ( ذي سموي) أي اله السماء، حيث دعت الى عبادة السماء.

بالأضافة لما سبق من الأديان، دخلت الديانه اليهوديه الى الجزيرة العربية، والتي دخلت على مرحلتين : الأولى هجرت اليهود الى المناطق الشمالية لجزيرة العرب بعد ضغط الملك (بختنصر) عليهم في فلسطين، وأما الثانية جاءت بعد أحتلال الرومان لفلسطين بقيادة ( بتطس الروماني) سنة 70م، حيث أستقروا في يثرب، وكان من أشهر قبائلهم (بني النضير، قريظه، قينقاع )، وقد دخلت اليهودية الى اليمن على يد (أسعد  أبي كرب) فقد ذهب مقاتلاً الى يثرب فأعتنق اليهودية هناك، فأخذت اليهودية بالتوسع والأنتشار، أما المسيحية فقد جاءت الى بلاد العرب عن طريق أحتلال الحبشة والرومان لليمن عام 340م، كما توسعت الى نجران على يد (فيميون) حيث دعى أهلها الى المسيحية، فدخل الكثير، وبعدهم جاء أبرهه الحبشي وساهم بأنتشرها أيضاً. كما دخلت الديانه الزرادشتية والمانويه لليمن عندما أحتلها الفرس وذلك عام 570م  وكانت في نفس عام الفيل، وكان ذلك بدعوى من الملك اليماني (  سيف بن ذي يزن).

من   كل ماسبق يمكننا القول أن الجزيرة  العربية قبل الأسلام قد أعتنق أهلها الكثير من الأديان، وأن كل هذه الأديان تعتقد بالله بشكل مباشر، كما في الأديان التوحيدية والسماوية كالأبراهيمية واليهودية والمسيحية، ومنها أديان وضعية ذات طابع وثني ولكنها تؤمن بوجود الله يتجلى في شكل صنم أو كوكب سماوي، وهي عبارة عن أشياء تتوسط بينهم وبين اله ماورائي لا يمكنهم أدراكه بحواسهم، وأن العرب ما قبل الأسلام كغيرهم من الأقوام المجاورة لا تمكنهم مداركهم من الذهاب الى المجرد بشكل تام، فجعلوا من الأصنام وسيلتهم اليه، وهي تمثل حالة من الطفولة في مستوى النضج البشري.أن هذا التخبط في تصور الله بالأضافة الى عدم الوضوح في تبيان الطريق القويم اليه مما جعل الله يبعث  للبشرية رسل من لدنه ليكونوا حجة عليهم، وأن الأنسانية بأمس الحاجة الى تعليمات وضوابط تساهم في تجنب الأنسان الضياع في لجة وأزدحام الأديان الوضعية التي لا تقود الأنسان الا للضياع والتيه الأبدي أذا أوكلت له أكتشاف مسألة الألوهية بذاته، وقد رأينا ذلك من خلال ما عرفنا من تاريخ الأديان في حياة الشعوب.

الخلاصة:

1-أن التعددية في الإلوهية أحد سمات ديانة العرب ما قبل الأسلام.

2- كان لهم بانثيون (مجمع آلهة) كما هو الحال في الديانة الرافدينية  والسورية والمصرية القديمة.

3- أعتبروا للآلهة حياة كحياة البشر، فهم يتزاوجون، كما حصل لاله القمر الذي تزوج اله الشمس (حرقر) اللذان ولدى أبنهم الاله (عثتر) اله الزهرة، فشكلوا ثلاثي مقدس.

4- لم تشذ ديانة العرب القدامى عن ديانة جيرانهم بأن تكون هناك لآلهتهم مذبح للقرابين .

5- آمن العرب القدامى أن هناك قوى للخير وقوى للشر في الكون، وهنا هم يقتربون من تصورات المصريين القدامى، من أن هناك اله للخير  أسمه (حوروس) وآخر يمثل الشر وأسمه سيت.

 

أياد الزهيري

 

مجدي ابراهيملأهل الله من العارفين شذرات علويّة مباركة، فاضت عن قلوبهم لما اتصلت فرقَّتْ، فسبحت في آفاق الوصال تناجي الملأ الأعلى وكأنه واقع أمامهم مشهود. لهم تخريجات لسرّ العلم على اختلاف منازعهم ومذاهبهم وتوجهاتهم الروحية؛ من ذلك ما أشار إليه أبو المعالي صدر الدين القونوي حيث قال:" سر العلم هو معرفة وحدته في مرتبة الغيب، فيطلع المشاهد الموصوف بالعلم بعد المشاهدة بنور ربه على العلم، ومرتبة وحدته؛ فيدرك بهذا التجلي النوري العلمي من الحقائق المجرَّدة ما شاء الحق سبحانه أن يريه منها، ممّا هى في مرتبته أو تحت حيطته، ومنه البوارق التي تُدْرَك بها بعض مقاصد القرآن الكريم ووحدة هذه المقاصد في أم القرآن. وتوسَّعوا في العلم توسعاً شديداً وحثوا على طلبه ومذاكرته وبذل كل نفيس في سبيله، وقارنوا بينه وبين المعرفة : أيهما أخفى وأدق: العلم أو المعرفة؟

واختلفوا في مسألة العلم بالله : هل هى الأحق بالشرف أم المعرفة به؟ ففي حين يفضل بعضهم المعرفة على العلم، يفضل البعض الآخر وخاصّة ابن عربي وتلاميذه العلم على المعرفة. ومن هنا كان أصل العلم في الاصطلاح الفني لدى الصوفية هو: " ميراث العمل الشرعي بالتصفية والتزكية في السير بالظاهر"؛ ولهذا العلم صورة ودرجة. أمّا الصورة ففي البدايات والأبواب والمعاملات والأخلاق والأصول. وأما الدرجة؛ ففي الأحوال والولايات والحقائق والنهايات.

وعليه؛ فصورة العلم في البدايات هى : العلم الشرعي الحاصل بالاستفاضة والتواتر. وفي الأبواب: العلم العقلي الحاصل بالاستدلال. وفي المعاملات: علم الطريقة الحاصل بالرعاية والمراقبة من علوم التوكل والتفويض والتسليم ونظائرها. وفي الأخلاق: علم آفات النفس ورذائلها، وكمالاتها وفضائلها، يُضاف إلى ذلك علم التخلية والتحلية. وفي الأصول علم اليقين ومعرفة آداب الحضرة والسلوك.

أما درجته في الأحوال : علمٌ لدُنّي وهبي، يبصّر بدقائق الأحوال، وذنوب مفاسدها، وتصحيحها بتعريفه أحكامها وخواصها. وفي الولايات : الفناء عن علمه والاتصاف بعلم الحق. وفي الحقائق : دوام المعاينة وهو المسمى "عين اليقين"؛ على ما هى عليه. وفي النهايات:  شهود الحق ذاته بذاته وهو المسمى "حق اليقين"؛ فيكون كمال مقام الإحسان. وباجتماع هذه المفاهيم لأصل العلم في الاصطلاح الفني لدى المتصوفة يمكن أن يكون علم التصوف -  وهو هنا المقصود بكل هذه التوضيحات السابقة - من الأهمية بمكان بحيث يجيء ضرورة لطلابه الحريصين عليه والقادرين على تلقيه والذود عنه ضد سواه. ليس هذا فقط ولكن أيضاً في ضرورة تعلمه والصعود إلى مراقيه وبلوغ درجته في الأحوال والولايات والحقائق والنهايات ما من شأنه أن يعطي القارئ لأول وهلة أهمية اعتبار العلم أشرف في هذه الحالة من المعرفة. غير أن أوائل الصوفية المحققين جعلوا العلم الحقيقي بالإضافة إلى الله تعالى وحده؛ لأنه هو وحده الموجود وما سواه عَدَم؛ فالله موصوف بالعلم، أما الإنسان فإذا اتصف بالعلم فبالمجاز. ولن يكون الإنسان عارفاً على الحقيقة ما لم يقوده علمه إلى الإقرار بالعجز عن معرفة الله؛ والعجز يشير ضمناً إلى حالة موجودة ليست معدومة؛ فبالإمكان معرفة الله فيما لو تمَّ تأهيل المرء وتهيئته لها عن طريق العلم. ومن أجل ذلك قال الجنيد لما أن سئل عن المعرفة :" المعرفة وجود جهلك عند قيام علمه"؛ فلما قيل له : زدنا، قال هو العارف وهو المعروف، والإشارة في "هو" إلى الله الذي هو العارف وهو المعروف، والمعنى الذي يحتمله تأويلها هو أن وجود الجهل بالله في الإنسان صفة ذاتية موجودة على الأصالة؛ فما عرفه من هذه الحيثية ولكن عَرَفه، فكيف عَرَفه؟

عَرَفَه بالله ومن طريق الله، فإذا قال إنك جاهل به من حيث ذاتك؛ أي من حيث أنت فمعناه إنك عرفته من حيث هو، ولذلك قالت الملائكة :" سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا"؛ العلم أن تدرك قَدْرَك بذاته، وهو أن تعلم ألا قدر لك بغيره، وأن علمك من ذاتك إنْ هو إلا جهل ليس فيه حقيقة؛ فكل معرفة في سبيل الله تُرد إلى فضل الله ليس للإنسان فيها مدخل.

وفي إطار تفضيل المعرفة على العلم قال سهل بن عبد الله:" المعرفة هى المعرفة بالجهل"؛ أي إقرار الجهل كصفة ذاتية للإنسان، وإضافة المعرفة له من الله لا من حيث ذاتيته الخاصة، وقال أيضاً :" العلم يثبت بالمعرفة، والعقل يثبت بالعلم، وأما المعرفة فإنها تثبت بذاتها". وإنما ثبتت المعرفة بذاتها؛ لأنها من إفاضة الله على ذات العارف، بمعنى أن الله تعالى إذا عرَّف عبداً نفسه فعرف الله بتعرُّفه إليه؛ أحدث له بعد ذلك علماً، فأدرك العلم بالمعرفة وقام العقل فيه بالعلم الذي أحدثه فيه. فالمعرفة أشرف على هذا من العلم وسابقة عليه وأدق منه وأخفي، والعلم تابع لها ومنقاد. ولذلك قيل: " تبيُّنُ الأشياء على الظاهر علم وتبيُّنها على استكشاف بواطنها معرفة". وقال أحد الصوفية :" أباح العلم للعامة وخصَّ أولياءه بالمعرفة".

وفي المقابل لا نعْدَم من الصوفية الأوُّل من يفضل العلم على المعرفة ويعكس نظرة سهل بن عبد الله؛ لينضم إلى وجهة نظر الصوفية الفلاسفة؛ فها هو أبو سعيد الخراز يقول: "المعرفة بالله هى علم الطلب لله من قبل الوجود له، والعلم بالله هو بعد الوجود، فالعلم بالله أخفى وأدق من المعرفة بالله.

ومثله أبو بكر الوراق يقول:" المعرفة معرفة الأشياء بصورها وسماتها، والعلم علم الأشياء بحقائقها"؛ فالعلم هنا سابق على المعرفة، والمعرفة تأكيد له لاحقة عليه. والله موصوف بالعلم غير موصوف بالعرفان. ومن هنا يكون تفضيل العلم لدى فريق منهم على المعرفة. مع أن العلم في نظام الوعي الصوفي يعد هو الدرجة الأولى التي تلحقها درجات أعلى منها، فهو أول خطوة في الحياة من حيث لا قيمة لها من غيره، ولا بقاء فيها بدونه، ثم تصعد الدرجة الثانية في مراقي التطور الروحي؛ لتصل إلى المعرفة ولا تتوقف عند هذه الدرجة وكفى؛ بل تزال تصعد وتتصعد إلى حيث مراقي الشهود، وهكذا فالشهود يستند على العرفان، والعرفان يستند على العلم، ولا قيمة للحياة الروحية ولا اعتبار بغير العلم. الناس صنفان : عالم ومتعلم ولا ثالث بينهما لمن أراد التحقيق.

لكن العلم قد يتداخل مع المعرفة وتتداخل المعرفة مع العلم تذكيه وتنميه وتُقدره على التفوق والامتياز؛ ليصبح هو لب لباب الحياة ولا حياة بدونه. وهذا التداخل يشي بإمكان قيام المعرفة العلمية في سياقها الإلهي لا في سياقها الطبيعي؛ لأنه تداخل يبرز تفضيل العلم على المعرفة كما هو الحال لدى ابن عربي؛ لتكون المعرفة معرفة بالعلم الإلهي إذا أمكن قيامها بالتحقيق على مقام الشهود. وما دامت الحياة الروحية تعتمد المفردات الثلاث (العلم والمعرفة والشهود) فهذه المفردة الأخيرة تعطي "التجربة" التي يتداخل فيها العلم مع المعرفة في وعي العارف؛ فما سمى العارف عارفاً إلا لامتزاج العلم في تجربته مع المعرفة، وهذا الامتزاج يتحقق بالشهود، هنالك تصبح معرفة علمية بمجرى الشأن الإلهي، ولا تصبح معزولة الخبرة عن هذا الشأن؛ فهى معرفة بالعلم الإلهي، وإمكان تحقق هذه المعرفة مرهون بهذا الشهود. وكما تكون المعرفة العلمية في العلوم الطبيعة والرياضية فوق العلم وفوق النظرية لأنها تتخطى حدود التجربة وتتعامل مع التاريخ والقانون، فتنقد النظرية وفق تطورات هذه العلوم؛ كذلك تكون مكانة المعرفة في السياق الإلهي رمانة الميزان بين الشهود والعلم، قادرة بحكم توسطها على النقد غير أنه ليس نقداً عقلياً من أول وهلة، بل نقد ذوقي يسدد الخطى القاصرة، ويقوم المعوج فيها، ويرشد إلى الدلالة الغائبة، ويستخلص الحقائق البعيدة فيقربها إلى التصور المحدود.  

 

  بقلم : د. مجدي إبراهيم                             

 

 

عادل بن خليفة بالكحلةبدايةُ كتابٍ مع ابنتي

لقد كبُرت نرجس. لم تعد تلك الطفلة الصغيرة التي ترفض النوم، وترفض صباحًا الذهاب إلى الكُتّاب، فأجرّها إلى بيت الحمّام لأغسل لها وجهها، ثمّ أجرّها إلى المطبخ لألْقِمها فطورها، ثمّ ألبسها لباس التلاميذ. وكل ذلك وهي مُغمضة العينين.

لم تعد تلك الطفلة الصغيرة التي أضعها على ظهري، حتى باب الكتّاب حيث يعترضنا كل يوم كَلبٌ من نوع «الكلب الذئب» يحرس مستودًعا لبيع الغنم مجاورا للكتّاب، ينبح نَبْحةً واحدةً، تنتبه على إثرها لتستوي على ساقيها وتدخل الكُتّاب.

لم تعد تلك الطفلة الصغيرة، التي أعجبتها قصة عبد المطلب وأبرهة وفيله، فرسَمَت مشهدًا لها، تقدمه للمعلمة من الغد، ولكنها تُواجَه بتنبيه المعلمة أن ما قامت به من رَسْم إنما هو «حرام» عليها تجنبه.

أصبحت ابنتي في السنة الثامنة من التعليم الأساسي.

جاءتني اليوم، وأنا على مكتبي فقمت لها كعادتي. قالت لي: «أبتي... كان أستاذ التربية الإسلامية يدرّسنا أن الدين الإسلامي هو آخر الأديان. ولكنني لم أقتنع بما ساق من براهين على أنه الدين الأكثر معقولية والأنظف من شوائب الأوهام. فتوتر وحذرني من إمكانية أنني في وضع أسيء فيه الأدب مع ديننا ومع إلاهنا ومعه ... فهل أنا كذلك؟! والله لم أقصد هذا!».

قلت لها: «إساءة الأدب – حاشاك- أن تسبي وتشتمي. والكُفْر هو الجحود، أي عدم الإقرار بما تيّقنت منه النفس والعقل. وإنما سؤالك عن البرهان، وهو عَيْن ما يَطْلبه الله والدين وآخر النبيّين مِنْك: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾»...

قالت لي: «في هذه الحالة، أتسمح لي بأن أوجّه لك السؤال نفسه الذي سألتُ الأستاذ: ما بُرْهانكَ على أن الإسلام هو أفضل الأديان وأكثرها مطابقة للعقل؟»...

- دَعينا نبدأ بمدلول «الدين». الدين لغة: هو القانون، والسُّنَّة والنظام، والدولة. ولذلك نجد يوسف ﴿في دينِ المَلِكِ﴾، أي في نظامه السياسي. وكانت أنطاكية في سورة ياسين «قرية» في أوّل المقطع ثم أصبحت «مدينة» في آخره، أي دولة : ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾، أي مِنْ أقصى السلطة وليس من أدناها أو أقربها للمَرْكز السلطوي. فالدين - إن شئنا- هو قانون للتفكير أو الأخلاق يؤكد للإنسان الألوهية والمقدَّس.

***

الدين ظاهرة إنسانية عامّة

- ألا تَريْن أن كل شعب له دين، وأنّ كل ثقافة لا تخلو من دين؟

- نعَم... «الهنود الحُمْر» لهم أديانهم؛ وآسيا الشرقية معروفة بالبوذية والكُنْفشيوسية والشّانتُوية، وغيرها؛ والهند معروفة بالبَرْهمية والإسلام؛ والإسلام يضمّ شعوبًا كثيرة في آسيا وإفريقيا وأوروبا الشرقية، وله أكثرية نسبية في دولتين بأمريكا الجنوبية: سورينام وربما غويّانَا؛ ويعتنق المسيحية عددٌ هام من العرب (الشعب الأصلي للمسيح) ومن شعوب القارّة الأوروبية والقارّة الأمريكية والإفريقية والآسيوية...

- ألا يُمكن أن نستنتج من ذلك أن الدين فِطري، أي ضِمْن مكوّنات الإنسان، ومن ضروريات وعيه؟

- نَعَم... ولكنها مختلفة... فهناك من يؤمن بإلاه واحد، وهناك من يؤمن بإثنين، وهناك من يؤمن بما أكثر... وهناك من له «نبي»، وهناك من ليس نبي.

- صحيح.. ولكنْ كلها تشترك في مَطلب الألوهية بماهي قوة خالقة للكون والإنسان...كلها تشترك في أن هذه الألوهية تُوجد مقدّسًا ينظم حياة الإنسان فارضا أخلاقيةً ما... وتقريبا كلها تشترك في الحضّ على حُسْن الخُلق... وكلها تشترك في وجود آباء للدين، لنُسَمِّهِمْ: «أولياء»، أو «أنبياءًا»، أو غير ذلك، ولكننا سنتفق على أنهم «سُفراء» بين الألوهية والنّاس... فالإنسان كائن ديني أوْ لا يكون.. هذا ما أكَّده عِلْم الإناسة وعلم النفس وعلم الاجتماع....

-  لكنْ، يا أبتي..هناك مَنْ يُعْلِن عدم إيمانه بالألوهية، أي، إنّ سَمَحْت، يُعلن إلحاده؟

- لا تستعملي في هذا المَوضع: «إن سَمَحْتَ». فالملحد، إن كان صادقا، إنسان قد استعمل عقله، ولكن بحثه البُرْهاني لم يُوصْلْه إلى معرفة الألوهية.. وهاهو الفيلسوف المسلم، والمناضل الاجتماعي، رُوجِه غارودي يعلن أن الإلحاد يمكن أن يكون أحد الطرق المؤدية إلى الإيمان، ضِمْن كتابه: هل نحن بحاجة إلى الله؟..

ومِن ناحية أخرى، لا وُجود لشعب مُلحد، فالظاهرة تبقى فردية، وربما هي متعلقة بعوامل تهمّ التاريخ الفردي. وأستطيع أن أؤكد لكِ أنه لا وجود لملحد حقيقي في العالَم...

- كيف؟

- كل الملحدين لهم مقدَّس ما. لا يمكن العيش دون مقدَّس. هذا المقدّس إسمه «وطن»، «دستور» (في مقام الكتاب المقدّس)، «عَلَم»، «مبادئ»، «عَقْل»، «عقلانية»، «الأم»، «الأب»، «الذات»... والمقدّس يُحيلنا إلى الألوهيّ، لأن الإله هو مقدّس أيضا، بل هو المقدّس المجرّد، أي «المقدّس» دون إضافات..

- طيّب... وكيف نفسّر هذه الاختلافات بين الأديان؟

- لو تقومين برسم جَدْول، سوف تجدين أن هذه الاختلافات يُمكن أن نضعها في أودية، وستجدين أن تلك الأودية متوازية، أيْ أن أصْلها الموضوعي واحد... سأقدم لك هذا الجدول الناقص لتفهميني:

11

- هذا ما يؤكد أن الأصل واحد، وأن التأويلات كثيرة، لملء الفراغات، وللإجابة عن الأسئلة التفصيلية..

- هل يُمكن القول إنّ البداية، كانت بالألوهية المتعددة لنصل إلى الألوهية الوحدانية؟ أم إن البداية كانت بالألوهية الوحدانية لنصل إلى الألوهية المتعدّدة؟..

وهل يمكن أن نقول إن أديان الألوهية المتعدّدة أقل ذكاءًا من أديان الألوهية الوحدانية؟

- إذا كنت تقصدين أن هذا الدين «س» ذا الألوهية المتعددة قد تحول إلى هذا الدين «ش» ذا الألوهية الوحدانية، فهذا تسرع؛ لأن «س» يمكن أن يُصبح «ش»، والعكس أيضا صحيح...هذا الطلوع وهذا الهبوط حدثا عديد المرات لنفس الشعب. ودرجة الذكاء «واحدة» بين الوعْيَيْن الألوهَّيْين لأنهما يتناوَلان شيئا واحدا بلغات مختلفة...هذا ما أكده الحكيم ابن عربي:

لقد صار قلبي قابلاً كل صورة  فمرعىً لغزلانٍ، ودير لرهبانِ

وبيتٌ لأوثانٍ، وكعبة طائفٍ وألواح توراةٍ، ومصحف قرآنِ

والقرآن الكريم يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا. فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ، وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون ﴾.

- وفي أوّل التاريخ، كيف كانت البداية؟

- الأرجح عقلا أن البداية كانت وعيًا ألوهيّا وحدانيا، لأنه الأكثر بَسَاطةً والأقل تعقيدًا، والأقل قابلية للإحراجات البَرْهنية والنقدية – العقلية. فمن الأكيد أن الإنسان الأول ظَهَر كاملاً عقليّا، وإلاّ فمن المستحيل أن تَظْهر مِنه لاحقا أجيال كاملة عقليّا، بل يجب أن يكون هو الأكمل منها، وربما ضَعُفَ التفكيرُ البشري مِن حين لآخر بَعْدَه.

-  كيف يمكن أن نصنّف الأديان الحيوية، أي الأديان التي ترى في كل شيء روحًا؟

- الدين الحيوي، كالذي ساد في القارّة الإفريقية وما زال في بعضها، وكالذي سَاد لدى الهنود الحُمْر، دين يؤمن بكائن مجرّد من المادّة، لا يُرَى، موجود بيننا وخارجنا، هو الذي خَلق وما زال يخلق هذا العالَم... وهذه الخاصيّة هي التي جعلت الإفريقي يقبل الديانة الوحدانية الإبراهيميّة ولا يرتدّ عنها: فكانت الحبشة أول الدّول إيمانًا بالدين المسيحي، ولما أسلمت إفريقيا الغربية بقيتْ كذلك ولم ترتدّ كما حَصَل في بداية التاريخ الإسلامي لإفريقيا الشمالية...

- أحيانا نجد اختلاطا بين الألوهيّ- الوحْداني والألوهي- التعدّدي في الدين الواحد... أليس كذلك؟

- مثلا؟

- ...في الدين المسيحي، هناك «إله» وهناك «ابنُهُ»، أي إلَهٌ أعظم وإلَهٌ صغير.. وهناك «Marie» التي قد توحي بأنها زوجة الإله... وفي الدين البَرْهمي، قرأتُ أنّ فيه تناقضا بين إلَه واحد، مع وجود آلهة أخرى...

- مثالان دقيقان. أحسنت! لكن أوّلاً، كان عليك أن لا تقولي: «الدين المسيحي» في المطلَق، بل كان يجب أن تقولي «الدين المسيحي في صيغته الرومانية- الكاثوليكية»- التي أنْتِ تتناولينها مقابل «الدين المسيحي في صيغته السُّورية- الآرامية». الأوّل تجسيديّ للإله، والثاني تجريدي له ولا يمنحه جنسًا (مذكّرًا أو مونثا)...

فإذا أردنا البحث في الألوهية المسيحية في صيغتها الأولى، السورية – الآرامية، ليس لنا من وسيلة إلى حد اليوم سوى الرجوع إلى السِّيَر المتوفرة عن حياة المسيح: لوقا، يوحنَّا، برنابا... سَوْف نجد بها تأكيدًا لإله واحد: ﴿للرب إلاهك تسجد، وإياه وحده تعبد﴾ (مَتّى، الإصحاح: 4-10)، ﴿الرب إلاهنا رب واحد﴾ (مرقس، الإصحاح: 12-29).

رفَضَتْ سلطةُ رومة، طيلة أكثر من قرنين، الدينَ المسيحيَّ واضطهدت مؤسِّسَهُ وأتباعه، ولما قَبلتْهُ أدمَجت فيه تقديس رومة العريق لعدد «3» (بينما التقليد الإبراهيمي- السوري يُقدّس العدد «1» والعدد «7»)؛ وأدمَجت فيه إيمانها بألوهية القيصر وانحداره من الآلهة، وذلك ما يقتضي أن يصبح المسيحُ قيصرًا ملكًا وأن يُصبح هو أيضا ابنا لله، حتى يكون ادعاء القيصر مقبولاً، وتكون سلطته شرعية...

أما في الحالة البَرْهميّة، فيجب أن نميّز نَصَّيْن، أي زمنيْن، في تاريخ الديانة البرهمية. فالنص المؤسّس هو «الفيدَا»، وقد ظهر في القرن الـ15 قبل الميلاد، يتناول إلهًا واحدًا، أما النصُوص اللاحقة، (950ق.م، القرن 6م..) فتُلْحِق بالإله «الواحد/الأحد» (كما جاء في النص الأول)، آلهة أخرى مطابقة لتكوين الجسم، ولتكوين المجتمع الهندي آنئذ: الطبقة العليا، والطبقة العسكرية و«المنبوذون»...

فالنص التأسيسي («الفيدَا») يؤكد: ﴿لا يوجد سوى إلاه واحد﴾ (الفيدَا، الكتاب 10- الترنيمة 14)، و﴿الإلاه لا صورة له﴾... أما «الآلهة» فقد دُوّنت منذ سنة 950 ق.م. فمِن الواضح أن الطبقتيْن القويّتين، وهما أقليّة في الشعب الهندي، كانتا تحتاجان إلى وجود «آلهة» لكي يصبح وجودهما شرعي، غير قابل للثورة عليه...

- إذن... فالأصل هو التوحيد...

- نعم .. وهذا ما ذهب إليه القرآن الكريم، إذ أكد أنّ الإنسان الأوّل كان موحِّدًا...

الإسلام بين الأديان

- كيف يمكن التعرف على الإسلام بين هذه الأديان الكثيرة؟

- يمكن أن نتعرف على الإسلام (وعلى أي دين في الحقيقة) بأنْ:

*  نتعرّف على تاريخ ظهوره، لأننا سنفهم مدى أصالته ونوعية علاقته «بالأديان» السابقة عليه.

* نتعرّف على مؤسِّسه (النبي محمد في حالتنا الإسلامية) لأنه هو المسؤول عن تحديد ماهيّة هذا «الدين».

* نتعرّف على نصّه التأسيسي (القرآن الكريم في حالتنا).

- لو بدأنا بتاريخ ظهوره...

- من الظاهر، والمتفق عليه، أن «الدين الإسلامي» أعْلَن عنه «عارفٌ» (أي رمزٌ أخلاقي ذو نزوع باطني وإصلاحي- اجتماعي) إسمه «محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي» في 10/8/610م. كان هذا الدين «امتدادًا» مجدَّدًا للديانة الإبراهيمية، نِسْبةً إلى نبي عراقي- سوري إسمه: إبْ-رَاهيم، (=الأب الرحيم)، ابن تَارِح الأُورِيّ، كانت له ذرية بمكة، انحدر منها هذا الرجل الهاشمي.

- ما ضرورة ظهوره ؟

-  أتعلمين؟ هذا سؤال فلسفي...لم يسبقك إليه إلا العالِم الطبيب ابن النفيس في كتابه «الرسالة الكامِليّة في السِيرة النبوية»!!

- إذن... فأنا فيلسوفة، أو ابنة نَفيس!

- أنتِ أنفَسُ، لأنك روحي التي بين جنبيَّ..

ولكنّكِ- على ما أظن- سوف لن تَفهمي كتاب ابن النَفيس اليوم، أي في سنتكِ هذه...

- ...على كل حال...سأحاول قراءة نصه، إذا كان موجودًا بمكتبتك...

- نَعَم..هو موجود، ضِمن جناح «سِيَر نبوية».. لكنْ لنعد إلى مَطلبنا...

كانت التآويل حول الدين الإبْ-رَاهيميّ قد تكاثرت بصفة غير عقلانية...فهناك تآوِيل «يهودية» (أي  تَدَّعي «الهَوْد» أي العَوْد إلى الإبراهيمية الأصلية) بين حاخاميات شامية وأخرى يمانية وغيرها، أقحمتْ مَرْكزية عرق وهميّ هو «بنو إبراهيم»، ليصبح كل أبناء «الأقوام» (=«القُوِيم» في اللغة العربية_الآرامية، اللغة الأولى للإبراهيمية) أقل شأنًا (مما يذكّرنا بالتفاوت الطبقي في الكتاب البرهمي الثاني)، وليصبح «الله» نفسه بين التجريدية وبعض المادّية.

وهناك تآويل تدَّعي الانتماء إلى عيسى بن مريم الناصري (نسبه إلى «الناصرة» الفلسطينية)، تكاثرت أكثر من المعقول، وجلّها متأثر بالثقافة الرومانية ما قَبْل تنصر قسطنطين الأكبر... ليصبح المسيح «ابنًا لله»، بينما هما ليسا مِن جنس واحد ( بَشر← بشر)، في تناقض مطلق مع الآيات الكثيرة من السِّيَر الإنجيليّة التي تجعل عيسى الناصري «ابن الإنسان». وتحول المسيح من مُناضل ضدّ المركزية العرقية والإمبريالية الرومانية باعتباره ثوريّا ضمن حركة التحرير الزِّيلُوتية في سوريا ليطوّر انتماءه الثوري في أطروحته العرفانية بالإبراهيمية، إلى مشرّع لدكتاتورية القيصر وكل طاغية، حتى حَكَم بالإعدام أوغسطينُ العنّابِيُّ على دُونات الراهب الثوري الذي نادى بتحرّر الشعب الأمازيغي من الاستعمار الروماني، كما فعل عيسى الناصري- الزّيلوتي...

إذن، كانت «الأديان» الكبرى: البرهمية، المسيحية، الموسوية في حالة تناقض وخدمة للطغيان واللاعقل.

وكان لابدّ من مجدّد مُعقلن للدين الإبْ-رَاهيمي، أي «إبْ-راهيم» (=«أب رحيم» في اللغة العربية_الآرامية) عالَمي جديد...

- كيف تسنّى لـ«محمد بن عبد الله الهاشمي» ذلك؟ هل تلقى تكوينًا مدرسيًّا؟ فهذه المهمة العظمى تتطلب إنسانا أعظم قدرات عقلية وجسدية وأخلاقية مِن كل بَشر؟!!

- هنا وَصَلْنَا إلى المطلب الثاني: سيرة المؤسِّس!!

ربُّ العالَمين، يُريد وحدة العالَمين. يُريد دون شك إيقاف حرب الكلّ ضدّ الكلّ، وتمزق البشرية، وتشوّشِ دينه الفِطريّ... وإلاّ لن يَكون إلاهًا... فالإلاه فعلا يجب أن يكون مهتمًا بمصير أعظم مخلوق لديه (الإنسان)، وبأن يكون ذا عقل، وله علاقة واضحة وغير مشوّشة بخالقه، وبأن يكون مسالِمًا لا ذا نزعة قَتْلية أو اضطهادية أو سَرقِيّه تجاه أخيه الإنسان... ولن يجد من أجل ذلك أفضل من «سَفِير بارّ، كريم» (حسب سورة عبس)، يكون الأكثر إنسانية ليفهم الجميع قَصْدَه مِنْ خَلْق العنصر البشري، فيقتدون به...

- ... إذنْ، فهو الذي يجب أن يربّيهُ تحت رعايته المباشرة؟

- نعم... وِفق السُنن الطبيعية والسُنن الاجتماعية التي خلقها... كان سَلِيل عائلة رَاكَمتْ أطروحة «التَقريش» (= تجميع الناس لا تفرقتهم) فقصيّ/ قريش، جَمَّع بنو إسماعيل الذي أقصتهم كِنانة عن الكعبة، كما فعلت الحركة الصهيونية بالشعب الفلسطيني، وقادَ مقاومة مظفرة لاسترجاع الوطن... وهاشم وعبد المطلب، قاما بكثير من الإصلاحات الاجتماعية والاعتقادية والطَّقْسية... وعبد الله كان سَفير أبيه لتركيز دولة الإيلاف القرشية في العالَم (الحبشة، مصر، سوريا، إيران، اليمن) بواسطة المَصارف التجارية، وللتبشير بميلاد مخلّص العالَم الأعظم، الذي بَشّر به موسى وعيسى، حتى استشهد بيثرب على يد الحاخامية اليمانية... وكانت أمّه آمنة أفضل النساء في العالَم آنئذ... فـ«حليمة السعدية» خرافة لا أساس لها... وهل الموحّدة أفضل أم إبنة البداوة المشركة؟!

علاوة على هذا الميرات الروحي، والسياسي، كان الشاب محمّد يعيش الصوم والصلاة ليتصفّى أكثر، وليصل أكثر إلى الله

فكان اجتماعيّا، ليس هناك مَنْ هو أكثر اجتماعية منه؛ وكان مختليّا بالله في بيته، وخاصة بغار حراء، وليس هناك من هو أكثر اعتزالية منه... هذا هو التوازن المطلوب: العيش في الخارج وخِدمته، والعيش في باطن الباطن حتى نَعرف نفْسَنا فنَعْرف ربّنا فيُرَبّينا مباشرةً..

كما أن تجربة حبّه لأعظم امرأة كان ممهدًا لتصفية روحه أيضا... ففي كل واحد منا- كما يقول عالم النفس المتدين العظيم يونغ- مُكوِّنَانِ: واحد ذكوري وآخر أنثويّ مع غلبة واحد منهما، ولإحداث التوازن ولتكميل الذات، لابد أن يحبّ الواحد منا ذاتًا أخرى مقابلة له في الجنسية. وقد كتب العارف العظيم رُورْبِهَان: «نحن نتعلم الحبّ الإلهي في كتاب الحبّ البشري» في كتابه: ياسمين العشاق. وقد كان الرسول يذكر خديجة دائما، إذْ منحته طاقة عطف عظيمة، وصدَّقَتْه حين كَذَبهُ النّاس، ودَثَّرَتهُ حين الوحي، ومنحّتْه كل مالها ليكون أكرم النّاس، وبعد كان كل يوم معيّن في الأسبوع يُضيِّف صديقاتها إكرامًا لذكراها...

كل هذا هو الذي أهَّل الشاب محمّد ليصبح نبيًّا، بل تاج الأنبياء، لأن مهمته التاريخية هي الأكثر «وِزْرًا» (حسب سورة الشرح) من المهمّات التاريخية للأنبياء الآخرين... وعليه، فيجب أن نجد في تاريخه الصحيح، وغير المبالغ فيه في الآن نفسه، ما يُثبت ذلك. هنا يقودنا المنطق الفلسفي إلى تلمُّس السيرة المحمّدية الصحيحة، كما فعل ابن النفيس...

محمّد كان رحمة للعالَمين... كان منذ البداية «الصادق الأمين»... وبقي حتى ليلة هجرته هو بنك أموال أعدائه وأشيائهم أنفسهم، مضطرًّا لإرجاعها لهم آنئذ (وربما تفطن بعضهم لعزمه على الخروج من مكة بذلك التصرف)... هل يمكن لمن كان «صادقا أمينا» طيلة 40 سنة أن يكذب في قولِهِ إنَّ له مهمَّة من الله؟!

هنا يجب أن نذهب إلى رسالته (القرآن الكريم) لكي نجد فيها (إن كانت فعلا من أحكم الحُكماء، وخالق العقلِ والعَرْشِ الذي يقوم عليه الكون) انسجامًا وعدم تناقض، وحلاَّ منطقيّا لكل مشاكل البشرية العظمى.

كان في «معركة الفِجار» مهندس المقاومة المكيّة ضدّ المعتدين، وكان في فكرته «حلف الفضول» معيدًا لتأسيس الإيلاف السياسي القرشي وفق الشروط الأخلاقية – الإنسانية... كان من الواضح أنه الأفضل في العالَم آنئذ...

- وكيف نثبت أنه أفضل إنسان في العالَم إلى اليوم؟

- لقد افترض ذلك الإسكتلندي توماس كارْليل (1795- 1881)، ضِمْن كتابه الأبطال. ولَمْ يُعْط هذه المرتبة، لا لعيسى ولا لموسى، ولا لبوذا، وغيرهم...

وأنا أنصحك بقراءة كتاب المفكرة أنَّا- ماري شِيمَّل: وأن محمّدًا رسول الله، لِتَقِفي على خصائص هذا الرسول. ويمكنك أيضا الاطلاع على سِيَره الأخلاقية (أبو عيسى الترمذي، البيهقي، أبو نعيم، القاضي عياض..). وهو الذي عرّف الإسلام تعريفًا أخلاقيا: «إنما بُعثتُ لأتمِّمَ مكارم الأخلاق»، وجعل تحية المسلم: «السَّلام عليكم!». وبَعْد دراسة مطوّلة تقول شِيمَّل أنّ محمدًا أُيِّدَ «بجاذبية غير عادية لشخصيته».

إذا قارنَّا سيرته بسِيَر عيسى وموسى وإبراهيم وبوذَا، سوف نكتشف –بموضوعية- أنه نجح أكثر منهم، مِنْ حيثُ تأثيره في زمنه المعاصر له، ومِنْ حيثُ بقاء تأثيره واتّساع حِمَويّتِه بعد وفاته دون قوى إكراه... صحيح أنه استثمر نجاحات هؤلاء العظماء قَبْلَهُ، ولكنَّ ذلك غير كافٍ... فَلَنْ نجد نصوص هؤلاء اليوم بوضوح، وبقين، بينما الجميع في كل أنحاء الأرض مقرّون أن نصّه التأسيسي (القرآن الكريم) هو نفسه، لم يَزدْ ولم ينقُص... وما دام نصه التأسيسي هو الكامل، والأكثر يقينية؛ وما دام الدين ضرورةً إنسانية، أليسَ مِن العَقْل أن نجعله هو دليلنا؛ نحن البشرية؟!!

- نَعم .. هذا عَين العقل... فكيف نُثبِتُ أنّ مضمون القرآن الكريم هو عين العقل أيضا؟!

- بماذا تُريدين أن نبدأ؟

- ... مثلاً.. بموقفه من الجُنُوسة الإنسانية؟

- ... هذا يُحيلنا إلى هذه الآية: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ * وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا* وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ﴾. فالأصل نَفْسٌ واحدة، انقسمتْ إلى زَوْج، أي إلى ثنائي؛ ومِن ذلك الزَّوْج كانت البشرية. وقد بقيتْ في نفس كل واحد منَّا ازدواجية النفس الواحدة الأولى (الذكورة والأنوثة) لتغْلُبَ نِسبيّا واحدة منهما، فيُشخَّص الكائن بأنه مِن الرجال أو من النساء... وهذا ما جعل كل الواجبات والحقوق في الإسلام هي نفسها بين الرجل والمرأة...

- ... حتى في السياسة والاكتساب؟

- نَعْم...في السياسة: ﴿وَالمُؤمِنونَ وَالمُؤمِناتُ بَعضُهُم أَولِياءُ بَعضٍ﴾. فالولاية السياسية لا تستثني أحدًا... وهذا ما نفّذه النبيّ في دولته إذ كان يُشاركه الولاية السياسية «نقباء» و«نقيبات»... أما في الاكتساب: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا * وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ﴾...

- ... لكنْ أَليس هناك إشكال في توزيع الميراث؟

- ... في الرياضيات، هل إن المعادَلة: 5 = 5، يمكن أن تُنَوِّعِي أشكالها؟

- نَعم... 5 = 3+ 2؛ 5 = 1+ 2+ 2؛ 5 = 7-2......

- ليس في كل الحالات هناك تفاوت ظاهر بين الذكور والإناث في الميراث... ولكنْ لننظر في هذه المعادَلة:

مَصادر الثروة الإناثية: المراكمة الدائمة (عدم الانقطاع عن المراكمة بالتجنيد الإجباري...) + عدم إجبارية الإنفاق + عدم الدّيّة الجماعية + نصف الميراث.

[مَصادر الثروة الإناثية: المراكمة الدائمة (عدم الانقطاع عن المراكمة بالتجنيد الإجباري...) + عدم إجبارية الإنفاق + عدم الدّيّة الجماعية + نصف الميراث].

إذا قلبنا هذه المعادلة ألاّ نجد شِبْه تَساوِ مع ميراث مصادر الثروة الذكورية؟

- ألَيس من العقل عدم تعدّد الزوجات؟

- نَعَمْ... ولذلك لم يتزوّج النبيّ مع خديجة أي امرأة أخرى...

- إذن... فلماذا عدّد زواجاته بعد وفاتها؟

-... بالأدق: لماذا عدَّد زواجاته في دولته بيثرب؟

... مع إحداهن، كان يجب أن يَمْنع زواجها برجل غير مسلم أصرّت عليه بتِعلّة العنوسة، حتى لا يكون أوّل انشقاق إناثي عليه في الإسلام.. مع أخرى، كان يجب أن يتزوج امرأة الثمانين التي هاجرت ولم يكن معها أحدٌ، وكانت تعاني من الشيخوخة وأعراضها.. ومع أخرى كان يجب أن يتزوجها لأنها هاجرت من مكة إلى الحبشة مع زوجها وأسرتها، فلما رجعوا إلى يثرب، كان الزوج منذ الشهر الأول يُلبّي الزوج نداء الدفاع عن المدينة فاستشهد في أُحُد... ومع أخرى، كان يجب أن يَجْبُرَ خاطِرَ ابنةَ عدوّه الذي ألَّبَ عليه العَرب حتى كادت دولته تنهار في معركة الأحزاب، فكان إعدامه وإعدام شريكه: زوجها لخيانتهما العظمى دستوريّا، فكان من الإنسانية أن يقترح عليها الزواج بها... ومع أخرى كان يجب أن يَجْبُر وضع قريبته التي أكرَهَتْ نفسها للزواج بمن لا تحبّ انصياعًا لطلب الرسول (رغم أن الخطأ الأصلي منها وليس منه)...

ولكنْ أتعلمين أن تعدّد الزوجات في الإسلام، لا يمكن أن يكون بعد الزوجة الأولى إلاّ مِن أمهات اليتامى فحسب؟؟!

- ... لا .. كيف ذلك؟؟ هذه مفاجَأة!!

-  كانت سورة النساء في الآية الثانية تريدُ معالجة الكارثة الديمغرافية بمعركة أُحُد، بمعالجة نتيجتها: اليُتْم، من الناحية المَعاشية- المالية. وحتى لا يَختلط مال الكافِل بمال اليتيم، اقترحتْ زواجَ صاحب الزوجة مِنْ قبْلُ – بأم يتيم: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ، فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم [ ما كان طيبا من حيث الحساب الديمغرافي والقدرة المعاشية للزوج الواحد]: مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ. فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً  [فأضيفوا واحدة فحسب]..﴾ [فأضيفوا واحدة فحسب] (النساء، الآية 3).

فهذا الحصر القرآني، يجعل كل تعدّد زوجات خارج سياق اليُتْم والكارثة الديمغرافية الذكورية حرامٌ قرآنيا، ومجرد أهواء مُتْرفية وسلطوية وجدتْ تبريرات فُقَهائية شيطانية، أو سامِريّة – إن شئت-، أي كما فعل السّامري أخذ ﴿قَبضَةً مِن أَثَرِ الرَّسولِ﴾ وخلطها بخبثه وأهوائه...

- وكيف كانت دولة يثرب؟

- كانت دولة قائمة على دُستور إسمه «الصحيفة» دوّنها الرسول مع النقباء والنقيبات من سكان يثرب والوافدين عليها، مِنْ 3 ديانات بدايةً: الإسلام والشرك واليهودية، وقد نصَّتْ الصحيفة على «رِبْعتهم»، أي بلُغَتِها: «على حريّاتهم» و«استقلالهم الذاتي».. قَبْل أن تضمّ كل الجزيرة العربية قبل وفاة الرسول ببضعة سنوات...

وقد أعلنَتْ الصحيفة في بُنْدِها الثاني عشر أنها لن تَتْرُك فقيرًا واحدًا بدولتها: «وأن المؤمنين لا يتركون مُفرحا»...

ولقد أقرّت سورة التوبة أنّ هذه الدولة قد نفّذت ما وعدتْ به، ولم تَتْرُكْ مُتْرَفًا واحدًا، لأنّ الترف يوجب «تأمير» المُتْرف، وعليه يوجب إفقار جزء من السكان. ولذلك نَقم المترفون – سابقا- على الأكثرية: ﴿أَن أَغناهُمُ [جميعا]  اللَّـهُ وَرَسولُهُ مِن فَضلِهِ ﴾ (التوبة، 74). وقد عوّضت هذه الدولة للمترفين الذين كانوا يكنزون الثروة الباطنية ويحتكرونها بالرِّبَا بسَهْم «المُؤلفة قلوبهم».

- ... وهل بقيت هذه الصحيفة بعد وفاة الرسول؟

- ليس المطلوب أن يبقى نصَّ هذه الصحيفة، بل المطلوب أن تبقى روحها: «الرِّبْعة» و«العدالة المَعاشية» و«الولاية السياسية المشتركة». مِنْ سوء الحظ أن هذه الصحيفة ألغيَتْ دون مبرّر ولم تُعوَّضْ بأخرى مِنْ رُوحها، ودخلنا شيئا فشيئا عهود التفاوت المَعاشي والقهر الجُنوسي والجبَّارية  السياسية (= ﴿وَلَم يَجعَلني جَبّارًا شَقِيًّا ﴾ (مريم، 32)، ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ﴾ (الغاشية، 22).

- ... لكنْ من الأكيد هناك استثناء، بعد انهيار الخلافة الراشدة...

- ... نعم... يمكننا التأمّل في دَولة المَلِك أكْبَر بالهند، ودولة القرامطة ذات العدالة الاجتماعية والعدالة الجُنُوسية، والدولة الرستمية... فهي قريبة من روح دولة الرسول، على عكس «المُلْك العَضوض» الأمويّ والعبّاسي، على حدّ وصف النبي..

- اللهم صلّ على سيدنا محمد!! أصبحتُ اليوم أكثر قربًا منه، بهذا الحِوار الرائع معك يا أبتي..

- أتدرين ما معنى «اللهم صلّ على محمّد...!»؟

- هاتِ رؤيتك!

- معناها: « يا الله اجعلني أتّصل به! اجعلني أقارب الإنسانَ الكاملَ، الإنسانَ الأعقلَ، الإنسان الأعْدل... الإنسانَ الذي لم يَغْزُ قط، بل بقي دائما يُدافِع ضد المعتدين، فالغَزْو هو الدخول في دِيار الغير واستباحتها». على العكس، كانت حربه دفاعا: ﴿ وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ﴾ (البقرة، 243)... أقارب الإنسانَ الذي قَبِل الاختلاف، ولم يقتل منافقا واحدًا: «أتُريدُ أن يُقال إن محمّدا يقتل أصحابه؟!»، «هلاَّ شققت على قلبه!»... الإنسان الذي أرسله الله ﴿رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾... وإلا فنحن لسنا «مسلمين» حقيقيين... «اللّهم صلّ على محمّد» معناها: اللهم اجعلنا كلَّنَا، جميعا ﴿رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾، حَصْرًا: ﴿إلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾.. هناك تفيض البشرية عقلاً وعَدالة وسعادةً إيمانية..

- نعم... أنا متفائلة بذلك...

- نعم ... ﴿إِنَّهُ لا يَيأَسُ مِن رَوحِ اللَّـهِ إِلَّا القَومُ الكافِرونَ﴾...

*-*-*

كانت الساعة تشير إلى منتصف الليل إلاّ الربع، فقلت لنرجس:

- هل أرْضَيتُكِ قليلاً؟

- ... بل كثيرًا... رغم أنه من المستحيل أن نُكْمل تناول عقلانية الإسلام وجماليته..

- صحيح... وفي هذه الحالة، ألا يستحق أستاذ التربية الإسلامية أن نشكره، لأنه تسبب- دون قَصْد في هذه المُحاورة التي أرضتكِ؟!..

ضحكتْ وقالت: «نعم... بِوجْهٍ ما!».

- إذَنْ... تُصبحين على خير!

- تُصبح على خير!

رجعتُ  إلى عملي، على المكتب، وكان يتناول: الدولة الناجحة في العالَم المضادّ للإمبريالية... ولكنّ نَرجس عادتْ من جديد. فقُلت لها: «هل عُدْتِ إلى أيام الطفولة...عندما كنتِ ترفضين النوم... وإلاّ فلماذا عُدْتِ؟!».

قالتْ: «أردتُ أن أقول لك...  أتدري؟ إننا كتبنا كتابًا، دون أن نشعر!... سأعيدُ تذكّره منذ البداية، لتراجعة كما شئتَ... وقد اخترتُ له عنوانًا: «الدينُ مفسّرًا لابنتي»... أنسيت أنك أهديْتني يومًا كتابًا بهذا العنوان؟! ولكنّ مضمونا الكتابين ومَنْهَجَاهما متخالفة...

قمتُ لها، لأقبّلها قائلا: «ليكُنْ ذلك... يا روحي التي بينَ جنبيّ!». 

 

عادل بن خليفة بِالكَحْلة

 

 

اياد الزهيريعندما نقول التاريخ المصري القديم، فنقصد به التاريخ الذي سبق قليلاً عصر السلالات الذي بدأ من 3100 ق.م، وهو التاريخ الذي بدأت به تأسيس أول دولة مركزية يرأسها فرعون أمتداداً الى نهاية تاريخ الفراعنة على يد الأسكندر الأكبر عندما غزى مصر وطرد الفرس منها 332 ق.م . فقبل 3100 ق.م كان هناك شعب يعيش في قرى متناثرة، ولكل قرية أو تجمع زراعي رئيس قبيلة واله خاص بهم ، ولكن بالأضافة لهذه الآلهة المتعدده هناك اله رئيسي هو الاله سيت. يذكر التاريخ أن هناك هجرات حدثت ماقبل 3100ق.م وبالتحديد في الألف الرابع قبل الميلاد لأقوام جاءت من الشرق، وبالتحديد من منطقة سوريا القديمة، والتي هي منطقة الدول التي تشكل الآن (سوريا، لبنان، فلسطين، الأردن). هذه الأقوام جاءت وهي تحمل موروثها الثقافي والديني، وسكنت في منطقة الدلتا، وهي منطقة زراعية خصبة تكثر فيها المياه، حيث النيل له فروع عديدة، هذه الأقوام تحمل معتقدات دينيه، ولكن لها أله رئيسي يدعى (حوروس)، كما توسعت هذه الأقوام بأتجاه الجنوب المصري بمحاذات نهر النيل . هؤلاء الأقوام أسسوا لمملكتين، واحدة في الجنوب وأخرى بالشمال، ولكن أنتهى أمر هذين المملكتين الى أن تتوحد في مملكة واحدة مركزية في مطلع الآلف الثالث ق.م، ولكن يبدو أن هذه الأقوام تمتعت بعقلية توافقية ساهمت في بناء دولة موحدة قوية، فخلقت حالة من الأنسجام بين رعاياها، عن طريق توحيد هذين الالهين (حورس-سيت) كالهين رسمين لكلا المجموعتين من الأقوام الأصلية والمهاجرة، وهي خطوة جنبت الصدام بين المجموعتين، وساهمت ببناء نسيج أجتماعي موحد، عجل ببناء الدولة المصرية القديمة الموحدة . طبعاً هذه الثنائية لعبت دور أساسي في خلق ظاهرة دينية جديده لم تعرفها الديانة العراقية القديمة ولا الديانة السورية القديمة، هذه الظاهرة الالهية الثنائية القطبية، ساهمت ببروز فكرة الخير والشر في اللاهوت المصري القديم، تمثلت بتقسيم الظواهر الكونية الى أيجابية وأخرى سلبية . الأيجابية يمثلها الاله حورس، والجانب الذي يمثل الطبيعة السلبية والشريرة، يمثلها الاله سيت، كما يجب التنوية الى أن البعض ممن يكتب عن التاريخ القديم ومعتقدات أنسانه يكتب بلسان الجزم والأطلاق، وهذا خطأ وقع فيه الكثير والسبب أن النصوص الأسطورية لم تكن كاملة في معظم الأحيان،لأن مصادرها شفهية بالأصل، وخاصة ممن يكون تاريخها ما قبل الكتابة، وأما التي اُنشأت ما بعد الكتابة، فقد فُقد منها الكثير والبعض مهشم، وناقصة الأجزاء، وقسم كُتبت بأقلام أناس من أقوام أخرى، كما حصل لأسطورة أوزوريس التي كتبها المؤرخ اليوناني (بلوتارخ) بعد مرور 25 قرن من وجودها، ولا يمكننا التأكد من صدق وحرفية نقلها بشكل أمين وبدون أضافة أو طرح .

نرجع الى الآلهة التي أصبحت تمثل الديانة الرئيسية للمجتمع المصري القديم أبتداءاً من تاريخ الدولة المصرية القديمة والتي بدأت من مطلع الألف الثالث قبل الميلاد، عندما توحدت المملكتين الشمالية والجنوبية في دولة مركزية واحدة والتي وحدت حتى العبادة في الثنائي (حوروس-سيت). هذه الثنائية التي جاءت نتيجة لملاحظة المصريون القدامى للثنائية الكونية، والظواهر المتعاكسة فيه، ومن أمثلة ذلك النور والظلام، الخير والشر، الصحة والمرض، الموت والحياة وهكذا، فتفتق ذهنهم أن هناك قوتين، واحدة تمثل النور والطبيعة الأيجابية والمطر والخصوبة والولادة وهو الاله حوروس، وقوة أخرى تمثل الظلام والسلبية والعواصف والبراكين والرعد وأسمها الاله سيت، كما أنهم أعتقدوا أن هذا التناقض ضروري ويكامل بعضه بعضاً، أي أنه أمر حتمي، ولا غنى عنه، ولا يمكن للحياة أن تستقيم بدونهما، وكأن المصرين القدامى تناغموا مع مفهوم الديالكتيك الهيغلي والماركسي بأن صراع الأضداد يؤدي الى صيرورة تنتهي بنشوء حالة جديدة، وهكذا دواليك . فعندما يدخل هذين الالهين في حالة صراع، يتدخل اله ثالث أسمه ثوث يحيل دون أنتصار أحدهما على الآخر، لكي يحافظ الكون على توازنه، وأن لا تترجح كفة أحدهما على الآخر، وترجع حالة الأستقرار والتوازن الى العالم، في حين نرى في الأديان السماوية التوحيدية الأمر مختلف، فهناك اله واحد هو الله، وهي الحالة التي تضمن أنسجام وأستقرار العالم، وهذا ما أشار الية منطوق الآية القرآنية (لو كان فيهما آلهه الا الله لفسدتا، فسبحان الله رب العرش عما يصفون)، فالمصريون صحيح أقتربوا من التوحيد لكن لم يحققوه بشكله التام، فهم وحدوا هذين الألهين في جسد واحد ولكن كان برأسين منفصلين، فكان يُرمز لحوروس برأس صقر، ولسيت يُرمز برأس حمار. وهنا نرى المصريون لم يغادروا صيغة تعدد الآلهه كسابقيهم من البابليين والكنعانين والفينيقين في الحضارتين الرافدينية والسورية. وأن كان أحياناً هذين الألهين يقومان بعمل مشترك كما حصل في وضع التاج على رأس الفرعون عند تنصيبه كملك، ولكن يبقوا بصيغة ألهين وليس اله واحد، ومن هناك  تأسست في الحضارة المصرية بأن هذا المنصب الملكي هو منصب تقرره السماء وأن الملك هو أمتداد طبيعي للآله، حتى أن الفرعون يُنسب كأبن للاله حوروس وأحياناً أبن للاله رع .

يوصف الاله الذي يعبده المصريون بالقوة القاهرة، لذلك يُرمز له بالحيوانات الشرسة من مثل القطط البريه والنمور وغيرها، وهو عين ما نظر له الآشوريون عندما رمزوا لالههم أشور برمز الثور المجنح، كرمز للقوة، وكذلك حصل ذلك بالديانة السومرية والبابلية والسورية القديمة، كما أن المصريين بالرغم من وجود الهه أخرى كغيرهم كميزه للتعدد، الا أنهم كذلك عندهم الهه تمثل الآلهه الرئيسية، من مثل الاله حورس، والذي حل محله في وقت آخر كرئيس للبانثيون المصري الاله رع،والذي يُسمى بالاله العظيم، وسيد السماء، وأب للآلهه جميعاً، كما أنهم يعتقدون أن حورس وسيت يمثلان قوة ماورائية، وفاعلة وراء هذا الكون .

فلو رجعنا الى اسطورة الخلق المصرية لرأينا أن الاله رع وقد ظهر من لجة المياه الأزلية بقواه الذاتية، خالقاً نفسه بنفسه، وبعد ذلك بدأ بأنجاب الآله (شو) اله الهواء، و(تفنوت) اله الرطوبة، ومن هذين الألهين ولد اله السماء (نوت) واله الأرض جيب، ومنهم ولدت الالهه أوزوريس وأيزيس ونفتيس. والمصريون لا يبتعدون عمن سبقهم أو من عاش في نفس الحقبة الزمنية التي عاشوا فيها، فهم لا زالوا ملتصقين في عالم المحسوسات، ولم يتمكنوا للوصول الى حالة التجريد الصافية بالرغم مما تحلوا به من علم وتكنلوجيا تمثلت بعلم الكيمياء والبناء المعماري للأهرامات، لذلك فقد جسدوا آلههم رع على هيئة قرص الشمس، وأعتقدوا بأن اله الشمس يكون في قبة السماء نهاراً، ويذهب الى العالم السفلي ليلاً.

أن الاله المصري القديم الذي يُدعى أوزوريس يُوصف أنه اله الفضائل، وأنه يجازي على فاعلها ويعاقب لمن خالفها وأتبع الرذائل، حيث أشار الباحثون الى أن أول محاولة لربط الدين بالأخلاق بدأت من خلال هذا الاله ومن ذلك الزمن، وأنا بالحقيقة أخالف هذا الرأي لسبب بسيط، هو أن هناك أنبياء ورُسل يتبعون أديان توحيدية سماوية من أمثال النبي أبراهيم والذي سبق ظهور هذه الالهه، والأديان التوحيديه دعت الى مكارم الأخلاق والفضائل والأعمال الصالحة، وأن الأخلاق الحلقة الرئيسيه التي ترتبط بالدين التوحيدي، وهو العمل الأساس للأنبياء وقد قال محمد (ص) (أنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، وهذا ما أرجحه من خلال ما جاءت به الأقوام التي أستوطنت منطقة الدلتا من سوريا، وسوريا كما تعلمون هي من المناطق التي أستوطن بها فترة من الزمن النبي أبراهيم (ع)، مع العلم أن هناك من يؤرخ لفترة النبي أبراهيم تقع بين (2324-1850) ق.م، وأن هذه الأقوام وأن كانت وثنية ولكن لا بد أن تسرب اليها شيء من الدعوة الأبراهيمية، خاصة وهناك من يؤرخ بأستكمال أسطورة أوزوريس هو في زمن الدولة المصرية القديمة الوسطى، في القرن الرابع والعشرين قبل الميلاد . وهذه الفترة قد عاش بها النبي أبراهيم ‘، كما كان هناك أنبياء قبله عاشوا في هذه المنطقة، فهؤلاء الأقوام التي جاءت من الشرق الى مصر يُحتمل أنها نقلت معها شيء من تراث البيئة الأصلية، ومنها لاشك تسربات من تعليمات، الأنبياء الذين كانوا بين ظهرانيهم وهكذا حدث ذلك في كثير من الحضارات التي حدثت فيها هجرة سكانية، وقد لمسنا تشابه في الوهية الحضارة الرافدينية والسورية والأغريقيه، حيث كلهم يعبدون آلهه لها نفس الوظائف وأن أختلفوا بالأسماء، فكلهم عندهم الهه للشمس وللسماء وللقمر وللخصوبه والجنس فمثلاً عشتار في سومر وبابل، نرى عند الكنعانيين عشتارت وتسمى أيضاً عناة وعند الأغريق تسمى أفروديت، فكلها تمثل الهة للحب والخصوبة وأن كانت تنتمي الى حضارات وأديان مختلفة، ولكن التلاقح الثقافي عن طريق التنقل والهجرات، حصل هذا التماثل بينهم في الأعتقاد، كما أن هناك تشابه بين ميثلوجيا هذه الأديان في الحضارات الرافدينيه والسورية والأغريقية كما في ميثلوجيا بدأ الخلق . أن أكثر هذه الأديان والحضارات يرتكزون في تصوراتهم في بدء الكون على نقطة المياه البدئيه، كبداية لخلق الالهه والعالم، بنفس الطريقة يمكن أن تكون الأخلاق وعلاقتها بالدين لم تكن وليدة الميثلوجيا المصريه (أوزوريس) فقط وأنما أعتقد لها أمتداد من دين سماوي سبقها زمانيا، كما أن هناك ملك سومري قد أقام قواعد العدل وأنتصر للخير وأسمه أوركاجينا، حيث سعى الى التخلص من المفاسد، وضبط الموازين وحماية الأرملة واليتيم والمسكين من سوء المعاملة، وأقامة العدل، وهم يزعمون أن الآلهة هي من خططت على هذا النحو، وأقامة هذه الضوابط والتعليمات الأخلاقية، ولم يكن الأنسان الا متبعاً للأوامر الألهية (فراس السواح، موسوعة تاريخ الأديان)ص269 .

يبدو أن هناك نقلة نوعية في عقلية الأنسان المصري، وأعزو ذلك الى التلاقح الثقافي مع الأقوام المهاجرة من الشرق الى مصر، هذه العقلية تكون عندها تصور أن النظام الكوني لم يصدر الا من اله، وبما أن هذا الاله قادر على الخلق، ومَشَغله، فهو الأولى بتنظيم المجتمع وحكمه لتكون هناك حالة أنتظام واحدة . هنا برزت عندهم أسطورة الأوزورية، التي تصور الاله أوزوريس كأله عادل وناشر للأمن والأمان، وهو من قاد البشرية من حالة الفوضى الى عصر الحضارة والنظام. هذه الميثلوجيا هي تعبير عن أماني ورغبة تخالج الأنسان المصري القديم أو كردة فعل لحالة الأستبداد والظلم الذي لمسه من قبل رؤساءه المتعاقبين على حكمه، أو هو أيمان بالوهية الفرعون كنقطة لقاء البشري مع الالهي، وأنه أبن الاله أوزوريس في الأرض، كما لم تقف أسطورة أوزوريس كحاكم فعلي للمصرين في الحياة، بل سيكون هو حاكم أيضاً في الحياة الآخرة، وهذا الأمر ليس الأول من نوعه في الديانه المصرية القديمة، فمسألة العالم الأسفل موجود في ميثلوجيا الحضارات الأخرى التي سبقت الديانة المصرية القديمة، فالسومريون قد أقتنعوا أن الأنسان قد خلقه الأرباب وأن الأنسان لم يكن الا متبعاً لأوامرهم،، وأن الأرباب السومريون يفضلون الأخلاقي على غير الأخلاقي، وأنهم عشاق للخير والعدل وأن الأشراف على النظام الأخلاقي من أهم وظائفهم، ومثال ذلك الاله أتو اله الشمس، ومن المعروف هناك لائحة يدعو السومريون أنها من أختراع الأرباب، مهمتها توضيح القواعد والنظم الأخلاقية التي تجعل الكون يسير بسلاسة وفعالية كما في قائمة عملوها تبين هذه القواعد وتسمى قائمة (مي)، وقد نقلت ذلك بتصرف من مقالة (الديانة السومرية، اللاهوت والطقس والأسطورة) تأليف س.ن.كرامر، ترجمة محمود منقذ الهاشمي. لكن المصريون القدامى قد فَصَلوا في ذلك كثيراً وأهتموا في طريقة بناء المقابر بطريقة فيها الكثير من الأهتمام بأعتبارها تمثل مكان أو التمهيد للحياة الثانية . كما أن هناك أشارة ألفت نظر القاريء الى أن ما أُعطيت من صفات للاله أوزورس في أسطورته الى درجة أشبه بالتطابق مع صفات الاله في الأديان السماوية التوحيدية، فمثلاً توصف الأسطورة الأوزوريه الاله أوزوريس بأنه المحاسب يوم الحساب، وهو العادل بين الناس، وهو من يُثيب ويعاقب، وهو من بيده الأقدار، وهو رب القضاء والقدر، وبيده مصائر البشر، والمطلع على السرائر، وهناك الهين أثنين يعاونانه على أحصاء الأعمال الصالحه والطالحة للبشر، وهذا عين ما يذكره القرآن في الآية (ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد)، وبما أن هذا المبدأ موجود بالأسلام فمعنى ذلك هو موجود بالأديان السماويه السابقه بأعتبار أن الأديان التوحيديه أمتداد لبعضها . هذه المقاربات هي من ترجح أن هناك تلاقح وتسرب للأفكار والمعتقدات بين شعوب هذه المنطقة، ولابد أن مجمع كهان الدين المصري القديم، وحتى الأديان الرافدينية القديمة قد عمل كهانها على أعداد لواح وتصورات قد أستمدوا بعضها من الأديان السماوية ممزوجه بأفكار ميثلوجية من بنات أفكارهم وتصوراتهم الخاصة . هناك ملاحظه مهمة قد أستوقفتني بالحقيقة فيما يخص بعض المفسرين من المسلمين الذين أسردوا في مسألة الجنة والنار وفصلوا فيها كثيراً بما لم يأتي به الله من سلطان، وقد نسجوا على نفس المنوال الذي نسج علية المصريون القدامى وما نسج عليه رجال الدين والكتاب المسيحيون في القرون الوسطى،حيث شرحوا كيفية العذاب وما موجود في النار من الكائنات المخيفة ، وما يحدث من عذاب في القبر، وكيف يكون عذاب القبر، وهو كلام لم يأتي به القرآن ولم يصرح به الرسول (ص) وأنما هناك أشارات من القرآن والرسول الى الجنه والنار، وأشارات الى العذاب للمسيء وتلميحات للمؤمنين لا غير، لأنها أمور جعلها الله في صفحات الغيب، ولكن هؤلاء المفسرون أجتهدوا من عندياتهم وأطلقوا العنان لمخيلاتهم في وصف مشاهد الجحيم والنعيم، وهو عمل مشابه لما قام به كهان الأديان القديمة من ميثلوجيا تفسر به ما يجري في العالم السفلي، عندما يغادر الأنسان الحياة الدنيا، وهو عين ما فعله الكاتب الأيطالي دانتي في روايته ( الكوميديا الألهيه)، حيث وصف جهنم وطبقاتها وطرق التعذيب بها، وهي توصيفات من نتاج خياله لأن السيد المسيح لم يتطرق أطلاقاً بوصف الجنه والنار ولكن دانتي لعله أستمد ذلك من رهبان الكنائس الذين كتبوا ما شاء لهم الكتابة في اللاهوت المسيحي، وهنا كان عمل بعض الكتاب المسلمين ودانتي يشبه عمل أصحاب ميثلوجيا الأديان السومريه والبابليه والأغريقية والمصرية القديمه،كما ينطبق على الكثير من ميثولوجيات أخرى لشعوب كثيرة بالعالم .

من الغريب هناك من يدعي بأن الديانه المصريه هي الأصل في ظهور الدين الأخلاقي، وكذلك الأدعاء بأسبقيته بالدعوة بوجود حياة أخرى بعد الموت، في حين يقول الباحث ج. فياؤد في كتابة (الآلهه والأساطير) ترجمة فراس السواح ما يلي (فعلى الرغم من معرفتنا بكل أسماء الهة مصر والهاتها وبالمعابد المكرسة لها، الا أننا لا نعرف سوى القليل عن طبيعتها، ونادراً ما نعرف الأساطير المتصلة بها) .

أن الديانه المصرية القديمه مثلها مثل غيرها من سومريه وبابليه وآشورية وكنعانييه وفينيقية قد صوروا الاله يتجلى بحيوان، وأحياناً بنصف حيوان وأنسان وأحياناً بأنسان، وكغيرهم تصوروا أن مجتمع الالهه كمجتمع الأنسان الا أن لهم قدرات فائقة وقوى عظيمة، ولكن هم يتزوجون ولهم أولاد وعوائل ويأكلون ويشربون، وهذا يبرهن على أن الأنسان المصري لا زال ملتصق بالمحسوس ولا يقوى على مغادرته الى المجرد بشكله التام، وأنهم عددوا الآلهه كغيرهم، فعندهم اله للقمر وآخر للشمس وثالث للنيل وهكذا، وأن هناك رئيس أكبر لهذه الالهه فقد سموه حورس وأنتقل بعد فترة الى رع، وهكذا رئيس المجمع الالهي يتغير عندهم عبر الزمن. نلتمس من كل ذلك أن الأنسان المصري القديم يعزوا الخلق للآلهه وكذلك النظام الكوني والأخلاقي، بأعتبار أن الأخلاق مصدرها الاله أزوروس، ولا تتم وتتحقق العدالة في الأرض الا بتطبيق اللوائح الأخلاقية التي نادى بها الاله أوزوروس، وهذا الأمر يسري أيضاً على الحاكمية، فالألهه أو أبن الاله فرعون هو من له فقط حق الحاكمية على الناس بأعتباره أمتداد للآلهه، وهناك من الفراعنة من أدعى الألوهية، لتكون له الشرعية والقدسية التامه كمبرر للحكم والبقاء فيها، وقد وضحت ذلك الآية القرآنيه على لسان فرعون قائلاً (فقال أنا ربكم الأعلى)، أيضاً الآية ( ما علمتلكم من اله غيري).

الخلاصة:

1- أن الديانة المصرية القديمة، هي ديانة متعددة الالهه.

2- الديانات الرافدينيه والسورية القديمة كسابقتها،لها مجمع الهه، يترأسه الاله الأكبر، وقد شغل هذا الموقع أكثر من اله بالتعاقب، في البدء كان الثنائي القطبي (حوروس-سيت) وبعدهم الاله رع، وبعده أوزوريس.

3- برز النسق الأخلاقي في الديانة المصرية القديمة بشكل قوي، وقد أرتبط هذا البعد في الاله أوزوريس، وهو من جذر البعد الأخلاقي في الفرد والمجتمع وربطة بالحساب الأخروي، فهناك ثواب وعقاب، ولكن لم تكن هي المحاولة الأولى فقد سبقه الملك أوركاجينا في الحضارة الرفدينيه، حيث كان ملك يعتني بالقيم الأخلاقية ( عدل، حرية، رحمة بالضعفاء، كافح الفساد).

4- تميزت الديانة المصرية بالأهتمام بحياة ما بعد الموت، وهذا أحد أسباب بناء الأهرامات.

5- الأيمان بالحساب الأخروي، وأن هناك ثواب وعقاب.

6- أن الديانة المصرية القديمة هي حصيلة تلاقح ديانة وثقافة من حضارة جاءت من الشرق (رافدينية، سورية قديمة) مع ديانة وثقافة مصرية أصيلة.

7- خطت الديانة المصرية القديمة خطوة للتوحيد وأن كانت ناقصة، حيث وحدوا الآلهين (حوروس-سيت) في جسد واحد، ولكن في رأسين منفصلين، زاعمين على أيمانهم بأن للخير اله وللشر اله.

 

أياد الزهيري.

 

 

مجدي ابراهيمأبو يزيد بن طيفور بن عيسى سُروشان البسطامي: كان جده سروشان مجوسياً فأسلم, وهو من أهل بسطام توفى سنة 261هـ، وقيل سنة 264هـ . وكان لأبي يزيد ثلاثة أخوة : آدم، وطيفور، وعلي. وكلهم كانوا زهاداً وعباداً. إنما كان أبو يزيد أجلهم حالاً. وكانت له في طريق القوم نكت وإشارات عجيبة حتى قال ابن عربي عنه:" أنه القطب الغوث في زمانه". ومن حكمه التي جرت مجرى الأمثال في العقائد الصوفية؛ وهى دليل على تفردهم وامتيازهم بخصوصية الإبداع تفرداً وامتيازاً قد ينقطع معه النظير قوله : ليس العالم من يحفظ من كتاب الله فإذا نسى ما حفظ صار جاهلاً؛ بل العالم من يأخذ علمه من ربه أي وقت شاء بلا تحفظ ودرس. وهذا هو العلم الرباني".

وليس من شك أن هذا العلم الرباني لهو هو الذي يعول عليه شيوخ الصوفية في تعزيز مقامات اليقين، فلا يزال اعتمادهم عليه من أول خطوات الطريق إلى أن يتم لهم الوصول بفضل الله، وهو هو العلم اللَّدُني الكشفي؛ علم الفتوح يتأتى من طريق الأذكار والأوراد لا من طريق النظر العقلي أو الدرس النظري؛ فهو وهب على وهب لا كسب فيه ولا حيلة. ولقد قال أبو يزيد مشيراً إليه، بل وعليه يحمل قوله المشهور: "أخذتم علمكم ميتاً عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت"؛ ولما أن سئل : بأي شيء وجدتَ هذه المعرفة؟ قال: ببطن جائع، وبدن عار". البطن الجائع كناية عن دوام الصيام، والبدن العاري كناية عن الزهد في المباحات؛ فالزهد في رغائب الدنيا أساس هذا العلم الرباني، وطلب الدنيا بوجه من الوجوه منافٍ لوجوده لدى من يطلبه خالصاً؛ وكاشف للعورات الباطنة لمن يدعيه؛ فكل رغبة في الدنيا هى في الحقيقة ضد هذا القصد وقد تتعارض معه من الوهلة الأولى. ومن أجل ذلك؛ أكد الصوفية صادقين على العزوف عن الدنيا وشهواتها ورغباتها من أجل الفوز بما ينالونه قصداً في الآخرة؛ فجاهدوا نفوسهم وأهواءها حتى استقامت على الطريقة فتحقق لهم العلم الرباني من طريق الوَهْب والفتح والتحقيق.

وأقوال أبو يزيد منشورة في كتب الطبقات ومتفرقة في جميع مصنفات التصوف قديماً وحديثاً، ولا يخلو كتاب كتب في هذا الفن العالي منها، وقد كتب عنه "بارتلد" مادة "بايزيد البسطامي" بدائرة المعارف الإسلامية : الترجمة العربية، المجلد الثالث، العدد الخامس؛ ص 331). وجمع قاسم محمد عباس أعماله الكاملة تحت عنوان : أبو يزيد البسطامي؛ المجموعة الصوفية الكاملة، دار المدى، سورية، الطبعة الأولى سنة 2004م؛ هذا فضلاً عما كتبه قديماً ونشر المخطوطات الخاصة بالسَّهْلَجيِّ وسبط ابن الجوزي وغيرهما، وقام بتحقيقها؛ الدكتور عبد الرحمن بدوي في شطحات الصوفية.

أما فيما يتصل بمسألة الرؤية فقد سُئل أبو يزيد (البسطامي) :" هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟!

فقال :" لَو حُجِبْتُ عَنْهُ لَحْظَةً لَمُتُّ ".

ممّا يُروى عن أبي يزيد : أن حاله كانت عظيم الخطر؛ سواء كانت في مسألة الرؤية أو في غيرها من مسائل المتصوفة. كانت هذه الحال هى التي تقوده وليس هو الذي يقودها، وعرف عنه أنه كان في حالة فناء دائم لا يستيقظ منه ولا يفيق، أو إنْ شئت قلت: حالة سكر دائمة. وكان في غيبة مستمرة لا يصحو منها إلا في أوقات الصلاة، ويُروى في صدد مسألة الرؤية مما ذكره ابن خميس في "المناقب" أنه قال:" كان عندي شاب صغير ملازم للخلوة؛ فقلت له: هل رأيت أبا يزيد؟ قال: لا. فتركته أياماً وأعدتٌ عليه القول: هل رأيت أبا يزيد؟ قال: لا. فلما أكثرت عليه قال: رأيتٌ الله فأغناني عن رؤية أبي يزيد !!

قال: فكرَّرت عليه القول وهو على هذا لا يزيد (رأيتٌ الله فأغناني عن رؤية أبي يزيد!)؛ فغَاظني فقلت : أوَ رأيتَ أبا يزيد مرة كان أنفع لك من رؤية الله سبعين مرة؛ فقال: قُمْ بنا إليه، فخرجنا نطلب أبا يزيد. وإذا به قد خرج من النهر وفروته مقلوبة على كتفه، فلمَّا رآه الشاب صَاحَ ومات، فقلت لأبي يزيد : ما هذا؟!

فإنه ذكر أنه يرى الله وما مات؛ يراك فيموت؟! فقال: نعم! كان يرى الله على قدر حاله، فلما نظر إليَّ رأى الله على قدر حالي؛ فلم يُثبت فمات. قال الراوي: ثم داريناه فغسلناه وكفناه، وصلى عليه ودفنه وبكى" (سبط ابن الجوزي: مرآة الزمان, نشرة عبد الرحمن بدوي, ضمن شطحات الصوفية؛ ص 213).

وأبو يزيد نفسه هو القائل: "للخلق أحوالٌ ولا حَالَ للعارف؛ لأنه حُجبَتْ رسومه فلا يشاهد في يقظته ونومه غير الله تعالى".

لكن نيكولسون يورد نفس المقولة باختلاف الألفاظ لتدليل على حال الفناء الصوفي عند أبي يزيد: "للخلق أحوالٌ ولا حَالَ للعارف؛ لأنه مُحِيَتْ رسومه وفنيت هُويَّتَه بهوية غيره, وغُيِّبت آثاره بآثار غيره".

وأقوال البسطامي في الشطح والفناء والرؤية والكشف والمشاهدة عديدة، فضلاً عن كونها عميقة الشعور غزيرة العاطفة والوجدان قد أحصاها (السَّهْلَجيِّ في كتاب:" النور من كلمات أبي طيفور"؛ منشور ضمن شطحات الصوفية, ص 149 وما بعدها)؛ وإنما ذكرنا مثل هذه الروايات عن أبي يزيد؛ ليتبَّين لنا مدى اختلاف الصوفية فيما بينهم في مسألة رؤية الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة.

فأقوالُ البسطامي تؤكد رؤية الله في الدنيا قبل الآخرة؛ فلئن كان الصوفية فيما بينهم مختلفون في مسألة الرؤية منهم من يجوِّزها في الدنيا ومنهم من ينفيها؛ فلأنها كانت من الموضوعات المهمة التي أثارها متصوفة بغداد على وجه الخصوص كالحارث بن أسد المحاسبي (ت 243هـ) وأبي القاسم الجنيد (ت297هـ) وأبي حمزة الصوفي (ت 289هـ) وأبي يكر بن إسحاق السراج (ت 286هـ) وأبي الحسن سري السقطي (ت 253هـ) : هل من الجائز رؤية الله في الآخرة؟ في مقابل عدم رؤيته مطلقاً في اليوم الآخر كما تَقَرَّر ذلك في علم الكلام وبخاصة المعتزلة الذين نفوا رؤية الله يوم القيامة، وأوَّلوا الآية القرآنية :" وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة"، قالوا بمعنى أنها منتظرة جزاء الله وثوابه للمحسنين لا بالمعنى الشائع للرؤية واعتبارها نظراً حسياً بالجارحة إلى الله تعالى؛ فكما لا تدركه الأبصار في الدنيا وهو يدرك الأبصار جميعاً؛ فكذلك الشأن في الآخرة لا تدركه الأبصار، الأمر الذي جعل المعتزلة يقيمون منهجهم العقلي على التأويل، ومن ثمَّ كان ممَّا يناقض العقل عندهم أن يتصورا رؤية الله في الآخرة, أو يجوِّزوها (ويحسن للتوسع مراجعة مسألة الرؤية؛ الشهرستاني: نهاية الإقدام في علم الكلام: الفصل الخاص بجواز رؤية الباري عقلاً ووجوبها سمعاً؛ ص 356 وما بعدها, وأيضاً الفخر الرازي: الأربعون في أصول الدين, جـ1 ص 277).

أمّا الصوفية؛ فشأن الرؤية لديهم مختلف عنه في علم الكلام؛ بسبب اختلاف الذائقة الروحية عن النظر العقلي الاستدلالي منهجاً في البحث، وخصوصية للطريق، ودلالة في الاستدلال. واختلاف المنهج عند كل من علماء الكلام والمتصوفة يعني اختلاف المفهوم من ورائه, ومن ثم فالرؤية عند الصوفية يعنون بها رؤية القلب والشهود المباشر لله تعالى في الدنيا، وبالأبصار في الآخرة، وربما أمتد التصور الصوفي لمسألة الرؤية ذوقاً على منهجهم فعدوها علامة كشف ومشاهدة لأفضال الإلوهية في الدنيا للبقاء في حضرة القرب : يسمع الصوفي صوت الحق يناجيه من أعمق أعماق قلبه وضميره، ويرى فيوضاته وعطاياه في عموم ما يشهد ويتذوق وفى شمول ما يلفظ ويقول : رؤية قلب، ومشهد ذوق، وكشف تحقيق وعرفان؛ وليست هى برؤية عيان.

فليست الرؤية معاينة بعين الرؤية، أي بالجارحة البصرية .. لا .. لأن الأبصار ليس لها سوى رؤية المرئيات، بل كلمة "المعاينة" التي يستخدمها الصوفية هنا لها مدلول آخر يختلف عن مدلولها البادي في ظاهرها اللفظي؛ فهى تعني مشاهدة بالبصيرة : المعاينة معاينة قلب، والشهود شهود ذوق وبصيرة، والكشف كشف تحقيق. ولقد فسر أبو علي الرَّوْذَبَاريِّ صراحةً معنى المشاهدة والمكاشفة والمعاينة فقال :"المشاهدة للقلوب, والمكاشفة للأسرار، والمعاينة للبصائر، والمرئيات للأبصار".

المشاهدة للقلوب؛ لأنها ترى كما يرى البصر المحسوس؛ وزيادة. والمكاشفة للأسرار؛ لأنها تطالع عالم الغيب وتفيض عليها المعارف من لدنه متوالية ومتدافعة. والمعاينة للبصائر؛ لأنها مَشْهَد كمَّل العَارِفين من المحققين. 

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم 

 

 

عبد الجبار العبيديانا أنزلناه في ليلة القدرِ، وما أدراكَ ما ليلةُ القدرِ، ليلةُ القدرِ خيرُ من الفِ شهرٍ، تنَزلُ الملائكة والروحُ فيها بأذن رَبِهِمِ من كلِ ِآمرٍ، سلامُ هي حتى مطلِع الفجرِ.(سورة القدر).

سورة قرآنية معظمة، نزلت في ليلة معظمة، وسميت بليلة القدر، والقدر هو القدير القادر، وهي صفة من صفات الله عز وجل. لان الله مقدر كل شيء وقاضيه.وفيها يفرق الله كل آمر حكيم.

وليلة القدر خير من آلف شهر، اي انها ليلة خير من الف شهر ليس فيها قدر، والقدر جمعه أقدار، وهي الليلة التي تقدر فيها الارزاق وتقضى الحاجات. وجماعة القدرية ليست لها علاقة بالقدر الرباني، لانهم قوم يجحدون بالقدر وينسبونه الى التكفير، بما قدر الله من الاشياء، وقيل أنهم ينفون القدر لانهم يريدونه لانفسهم، ويقول فقهاء المسلمين: ان علم الله سبق في البشر، فمنهم من كفر، ومنهم من آمن وأمتثل. ويفسر البعض بأن كل البشر يريدهم الله في هذه اليلة سائرون نحو السعادة والشفاء، لان مفهوم الخير عند الله مطلق لكل الناس.وان الخير يقابل بالخير من ناحية الناس والسلطة الحاكمة بالجزاء العظيم من الله جلت قدرته العظيمة ان هي أخلصت، ويقابل نقيضه الشر بالعقاب من جانب الله و السلطةالحاكمة والناس معاً، وهذه المعاني كلها نجدها في أسس نشوء القوانين والتشريعات منذ ان عرف الناس ان الله قدر.

من هنا ندرك ان ماجاءت آية قرآنية حدية او حدودية الا ومنافعها معها للبشرية جمعاء، وهذا هو السر في الاعجاز القرآني العظيم. فليلة القدر هي اعظم واجل من ان تقرأ وتنسى، وانما من واجبنا وضعها على راس المنهج الدراسي في المدرسة الابتدائية بكل شروحها لتكون طريقا قويما للطالب منذ الصغر، ففيها من المعاني ما تعجز عنها التربية المعرفية .

يقول البعض انها سميت بليلة القدرمن الشرف، فالشرف قدر عظيم عند الله والانسان فلايجب خيانته.وقيل انه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة من الخير والبركات للناس آجمعين.وهي حكمة من حكم الله عز وجل.وقيل لان للعبادة في هذه الليلة قدر عظيم لقول رسول الله (ص) (من قام ليلة القدر ايمانا وأحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) وانا لا اعتقد ان الله يغفر الذنوب لمن تقصدها عمدا، فخونة الاوطان والفاسدين وسراق المال لعام خارج القصد... ولقد اكثر العلماء في علاماتها المقارنة واللاحقة لكنها كلها من باب الحدس والتخمين وقوة التصاقهم بالايمان المفرط الذين في غالبيتهم بعيدون عنه، فهي واضحة لاحاجة للمقارنة والتخريجات فيها..

ولهذه الليلة المباركة فضائل كثيرة ذكرت في القرآن: منها انها ليلة التبريك للمسلمين والمؤمنين وكل من آمن بالله واليوم الاخر، وقيل ان فيها تكتب الارزاق والاجال (فيها يفرق كل أمر حكيم). وفيها تنزل الملائكة الى الارض بالخير والبركة والرحمة والغفران لقوله تعالى(تنزل الملائكة والروح فيها بأذن ربهم من كل امر). ليلة خالية من الاثام والشرور وتكثر فيها اعمال الخير والطاعة والسلامة من العذاب وهي كلها سلام (سلام هي حتى مطلع الفجر).

وعلى ما تذكره المصادر الثبت ان رسول الله (ص) قال: يُحيي المسلمون ليلة القدر بذكر الله تعالى وعبادته فيكثرون فيها من الصلاة وتلاوة القرأن الكريم وعمل الخير .ويدعو المسلم بما شاء من طلب الخيرات في الدنيا والاخرة، لنفسه ولوالديه ولاهله وللمسلمين وتقام في مساجد الله بالدعاء الكثير.وطلب الرحمة من الله القدير.و الله عز وجل هو المستجيب..لمن يستحق الأجابة..

وعلى ذكر الاحاديث النبوية الشريفة، ان التوراة أنزلت لست مضين من رمضان، وانزل الانجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وانزل القرآن لأربعٍ وعشرين خلت من رمضان.والحديث الشريف يعلمنا بأن القرآن نزل بهذه الليلة المباركة من رمضان، وهناك وجهات نظر اخرى في تحديد الليلة، لكن الثابت ان القرآن الكريم نزل في العشر الاواخر من رمضان..وليس لانه لا تكون الا فيه، والا فأنها قد تصادف الليلة الاولى او الثانية او غيرهما والحكمة من اخفائها كي يتحقق اجتهاد العباد في ليالي رمضان كلها طمعا ًمنهم في أدراكها وجني ثمارها.

ان نزول آية القدر في رمضان في الديانات الثلاثة تعني ان كل الديانات واحدة واتباعها اخوة لا فرق بينهم .سوى الزمن ونزول الايات فيه..ولقد أكد القرآن هذه النظرية في سورة الاحزاب آية 35 حين قال الحق :"ان المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات أعد الله لهم مغفرةً وأجراً عظيما..وهذه الاية تدحظ كل اراء الفقهاء والمحدثين فيما رووه في الاختلاف بين اصحاب الديانات.

وما دمنا في ليلة القدر علينا ان نعرج على القضاء والقدر كما ورد في القرآن الكريم لنتعرف على النص القرآني ونبتعد عن الفرضيات المتناقضة التي تشوبها العاطفة الدينية لنلجأ الى التفسير العلمي للمصطلحين وكيفية ورودهما في القرآن، .

أبتداءً نقول ان كل الايات القرآنية التي نزلت على رسول الله تمثل قوانين الوجود وظواهر الطبيعة واحداث التاريخ التي حصلت فعلا في عالم الانسان.لان الحدث التاريخي هو قضاء قبل وقوعه وقدر بعد وقوعه. لذا فأن قوانين الحدث صارت حتمية بعد وقوعها وسجلها القرآن ليس على سبيل العضة والاعتبار، ولكن على سبيل التحقق المادي للحدث التاريخي المذكورلاثبات صحة النص القرآني، فهنا يظهر لنا ان القضاء هو حركة انسانية واعية بين النفي والاثبات ضمن الوجود، أما القدر فهوالوجود الحتمي الملموس للاشياء لكنه خارج الوعي الانساني، كما في أهل الكهف والجنة والناروغالبية القصص القرآنية، اي ان القدر لا يدركه العقل الا بعد وقوعة .فأذا تعمقنا في الايات القرآنية نراها مواعظ واحكام ووصايا ونصائح وتعليمات تصب في السلوك الانساني لمنفعة البشرية بعامة وليست بخاصة، وهنا تكمن قيمة النص القرآني الحضارية التي لا تفرق بين الاجناس والديانات ابدا.

وهذه هي حرية الاختيار الانساني بأجلى صورها.ولهذا جمعت الايات القرآنية القضاء والقدر معا، لان القدر وجود موضوعي والقضاء سلوك انساني وهنا تتكامل النفس البشرية لاداء مهمتها الانسانية، فالنص القرآني ملزم للتطبيق لانه قانون للبشر لا يجوز اختراقه بشكل كيفي ابدا، لا من الفرد ولا من السلطة الحاكمة، لانه مقيد بقانون آلهي ملزم.ولو ألتزمنا به نحن المسلمون لما ضعفنا ووهنت عزيمتنا وتحكم فينا من لا يؤمن بديننا، وهي مفارقة لا تقبل علينا ابدا، وليس لها من تبرير امام الله والتاريخ.والقرأن يرفض ان نكون خاضعين لغيرنا في السلم والحرب، رغم انه يحثنا على السلام ومعايشة الناس بالحسنى والوئام، لكن الخضوع شيء وتطبيق النص الملزم شيء اخر.

ان القضاء والقدر، والحرية والعدالة، هي اساس الحياة البشرية، وكلها جاءت تقريرية وحدية ملزمة في القرآن، أنظر النساء 79، 78، الاسراء 23 والكهف 29، فكم نحن بحاجة الى تأويل جديد يستند على الفكر العلمي لكي يصبح القرآن قانونا يطبق وليس أقولاً تردد، ولاكتاباً يقرأ، مزيلاً لكل الفوارق بين المسلمين التي خلقتها الفرق الاجتهادية منطلقة من فكر أحادي منغلق وزادت عليها من عندها الكثير بعد ان دلست النص القرآني لصالح التفسير الاحادي واستخدمت قاعدة الترادف اللغوي التي تتعارض وتاويل النص. ولقد نبهنا الى ذلك العلامة أبي علي الفارسي في منهج مدرسته اللغوية وأبن جني في نظريته الخصائص والجرجاني في دلائل الاعجاز لان اللغة ظاهرة اجتماعية وهي متلازمة مع التفكير ومن هنا انكروا الترادف، لم تكن ليلة القدر مخصصة للعبادة فحسب بل للعبادة وتحقيق حياة الناس في الامان والعيش الرغيد.

فليست ليلة القدر فيها عفو الذنوب.. ولا الحج فيه غسل الذنوب. ولا الادعية كلها مستجابة، الا لمن عمل واخلص لله والناس.

فسلام على ليلة القدر يوم كتبت في اللوح المحفوظ ويوم نزلت على رسول الله (ص) ويوم بشر بها القرآن لفظاً وتطبيقاً لا قراءة وتجويدا.لكن غالبيتهم صُم بُك، عُمي لا يعقلون ..

 

د.عبد الجبار العبيدي

 

 

مجدي ابراهيميا دليل المتحيرين زدني فيك تحيراً. هذه صرخة معرفة، الحيرة فيها حيرة معرفة لا حيرة غفلة وجهالة؛ فلا مكان للغفلة والجهالة في هذا المقام، هذه صرخة مناجاة سابقة، والحيرة التي يستشعرها صاحبها حيرة معرفة بالله ومن الله، وطلب الزيادة منها نصيب الزيادة في المعرفة. ودليل المتحيرين هو أقدر القادرين على هدايتهم إليه، وليس من سواه من يمتلك القدرة على إمداد المزيد من المعرفة من طريق الحيرة. لم تكن صرخة الشبلي إذ قال:" يا دليل المتحيرين زدني فيك تحيراً"!؛ وإذ وَصَفَ المعرفة "بدوام الحيرة"؛ لم تكن صرخة جذب خاوية من شعور المعية الإلهية مع بقاء الحجاب، فهو أولاً يناجي دليل المتحيرين لا ليكشف عنه الحيرة فيستريح، ولكن لطلب الزيادة منها؛ فالإشارة توحي بالمفارقة من أول وهلة، غير أنها توحي بالمفارقة فيما لو كانت الحيرة حيرة غفلة وجحود. أما وهى حيرة معرفة وطلب اتصال فلا مفارقة فيها ولذك طلب الزيادة منها فمن زادت حيرته زادت معرفته، ومن توقف عن التحير توقف عن المعرفة.

نلحظ مسألة الرؤية مرة أخرى في قول الجنيد حين سئل :"هَل عَانيتَ أوْ شَاهَدْتَ؟ فقال:" لوْ عَاينتُ لتَزَنْدَقْتُ، وَلَو شَاهَدْتُ لتَحَيَّرْتُ؛ ولكن حَيْرةً في تيهٍ وَتَيْهٍ في حَيْرةٍ "؛ تعني أن الله لا يرى بجارحة بصرية ولكن بشهود قلبي :"رؤية القلب بمشاهدة الإيمان" كما أشار الإمام على رضى الله عنه فيما تقدم؛ حتى إذا ما كنا قد بيَّنا في السابق أن العرفاء فيما بينهم مختلفون في مسألة الرؤية، منهم من يجيزها في الدنيا والآخرة كما سنرى عند أبي يزيد البسطامي لما قال :"لو حُجِبْتُ عنه لحظة لمُتُ"؛ ومنهم من ينفيها في الدنيا ويثبتها في الآخرة؛ فإنَّا هنا لنلاحظ أن للجنيد موقفاً واضحاً وصريحاً في الرؤية قائم على الشهود المباشر بالقلب، لكن هذا الموقف لا يعني أنه صريح الدلالة لرؤية الله في الدنيا، إذْ كان موقفاً معنوياً روحياً محضاً، إلا أن يكون معنى الرؤية هنا شهوداً قلبياً محضاً ولا يزيد. وليس أدل على ذلك من أن رجلاً قال للجنيد رضى الله عنه:" يا أبا القاسم هل رأيتم ربكم حين عبدتموه أم اعتقدتم الوصول إليه بقلوبكم؟".

هذا هو سؤال السائل للجنيد وعلينا أن نتنبَّه للإجابة؛ فلسوف يرى القارئ مراعاة الجنيد لنفي اللغط الكلامي الذي كان سائداً يومها فيما يتصل برؤية الله، كما ذكرنا في السابق، وستكون الإجابة قاطعة مانعة لأي محاولة تخلط بين منهج الذوق والشهود من جهة ومنهج الجدل العقلي من جهة أخرى، وستكشف إجابة الجنيد عن السؤال المذكور عن بعد نظر وإحاطة بالمباحث الكلامية على عصره مما لك يكن متوافراً عند أحد غيره من صوفية زمانه.

قال الجنيد:" أيها السائل: ما كنا لنعبُدَ رَبَّاً لا نَراه، وما كنا بالذي تراه أعيننا فنشبهه، وما كنا بالذي نجهله فلا نزهه؛ فقال الرجل: فكيف رأيتموه؟

قال: الكيفية معلومة في حق البشر، مجهولة في حق الرَّبِّ. لن تراه الأبصار في هذه الدار بمشاهدة العيان، ولكن تعرفه القلوب بحقائق الإيمان؛ ثمَّ تترقى من المعرفة إلى الرؤية بمشاهدة نور الامتنان".

ونور الامتنان هذا محض فضل ومحض عطاء؛ وتوفيق.

هذا قول صريح في عدم جواز رؤية الله بالأبصار في الدنيا؛ ومع ذلك فهو قول صريح أيضاً في وجوبها في الدنيا بمشاهدة قلبية تتأتى بنور الشهود المعرفي ونور الامتنان الإلهي على اصطلاح القوم ومذاقاتهم الشهودية والكشفية.

ولقد سبقت الإشارة إلى أننا قلنا إن العارفين مختلفون فيما بينهم فمنهم من يجوِّز رؤية الله في الدنيا ومنهم من ينفيها؛ فإنما أردنا بذلك طرْح مسألة الرؤية كما طرحها القشيري من قبل من منطلق كونها كرامة لدى الأولياء، ولذلك سمَّاها الجنيد بـ "مشاهدة نور الامتنان".

طرَحَ القشيري السؤال نفسه في صراحة بالغة أيضاً وفي تحديد لا لبس فيه قائلاً :" فإن قيل فهل تجوز رؤية الله تعالى في الدنيا بالأبصار على جهة الكرامة؟ فالجواب عنه: أن الأقوى فيه أنه لا يجوز؛ لحصول الإجماع عليه". هذه واحدة، وهى القاطعة المانعة أنه لا يجوز خرق إجماع المسلمين فيها؛ كونه تعالى لا يُرى بالأبصار في هذه الدار.

ثم يقول القشيري في الثانية:" ولقد سمعت الإمام أبا بكر بن فورك رضى الله عنه يروي عن أبي موسي الأشعري أنه قال: في ذلك قولان، وذلك في كتاب (الرؤية الكبير)؛ (الرسالة القشيرية: ص 360). ومادام في الأمر قولان فإن معنى هذا أن منهم من يجيز هذه الرؤية في الدنيا ومنهم من لا يجيزها؛ والأقوى فيهما نفي جوازها في الدنيا. وكما رَجَّحَ القشيري النفي على الإثبات رجَّحه الكلاباذي في التَّعرُّف حيث قال بإجماع الصوفية على أنه تعالى لا يُرَى في الدنيا بالأبصار ولا بالقلوب إلا من جهة الإيقان.

على أن رُؤيَةَ القَلْب بمُشَاهَدة نور الامتنان عبارة يطول شرحها؛ فقلوب العارفين ترى من نور الامتنان الإلهي ما من شأنه أن يبقيها حية مع دوام الشهود، وتلك هى المنة الباقية، وشَرْحُ هذه العبارة وحدها يحتاج إلى صفحات؛ فإن مشاهدة نور الامتنان هذه لهى "الكرامة" التي يهبها الله لأوليائه في الدنيا : الرؤية التي ينفتح فيها "بَصَرُ السر إلى ذاته"؛ فيشهد فيها العارف ما يعز ويندر شهوده لغيره. غير أنه شهود كما قال يتضمَّن "حيرةً في تيه وتيهاً في حيرة" بسبب أن المشاهدة تَحَيُّر، ولأن المشاهدة توجب الحيرة وبخاصة لو أنطلق المشاهد من لوعة المحبة المحرقة. وموضوع الحيرة هو الذات والصفات؛ وهى على نوعين : حيرة في الذات، وحيرة في الصفات. أما الأولى فيمكن تسميتها بحيرة الجهالة والشك؛ وهى كفر وشرك؛ لأن العارف لا يمكنه أن يشك أبداً في وجود الذات الإلهية. وأما الحيرة الثانية؛ فهى حيرة المعرفة والتوحيد, بمعنى أن صفات الله تعالى بعيدةٌ عن تصور العقول، فالحيرة ها هنا : توحيد أو هى ثمرة التوحيد والمعرفة.

وفي هذا المعنى نستحضر صرخة الشبلي :" يا دليل المتحيرين زدني فيك تحيراً"!؛ وكان وَصَفَ المعرفة "بدوام الحيرة"؛ فهو في البداية أثبت وجود الله سبحانه وكمال صفاته ووضَّح أنه هو مقصد الناس, مجيب الدعوات، وأنه ليس للمتحيرين تحيراً إلا فيه، إذْ ذَاَكَ طلب زيادة الحيرة منه، أي زيادة المعرفة؛ ولأن كل من أزادت حيرته في مشاهدة الله ارتفعت درجته؛ أي: ارتفعت معرفته بالله. وإذا اتصلت الحيرة بالمعرفة اتصلت في الوقت نفسه بالفناء في التوحيد؛ ولمحمد بن واسع إشارة يقول فيها :"مَنْ عَرَفَ الله قَلَّ كلامه ودَاَمَ تحيُّره"؛ وتعليل ذلك أن الأشياء التي ليست قريبة من العقول وبعيدة عن تصور الإدراك المحدود، لا يمكن معرفتها بدون الحيرة. والتحيُّر ليس يأتي إلاَّ بعد مقاساة التجربة (أي الفناء في التوحيد) وإلاَّ بعد التخلق بالأسماء الإلهية؛ ولأن المشاهدات، والكشوفات، والفتوحات، واللطائف، وكل رقائق الأولياء ودقائقهم ليست تحصل إلا في حال الفناء؛ في بطن التجربة، في التَّيه الروحي، وموالاة الواحد حقاً وقصداً.

ولنتذكر قول الجنيد السالف فنستبصر عن قُرْب معنى هذا الكلام:" إن لله تسعة وتسعين اسماً، فمن أقرَّ بها فهو المسلم، ومن عَرَفَهَا فهو المؤمن، ومن عامل الله بها فهو العارف، ومن عامل بها ولم يسكن إليها، وطلب المسمى فهو الموَحِّد، وله المشاهدة ". أي له المشاهدة من جَرَّاء مجاهدته فيما عامل، وفيما لم يسكن إلى ما عامل.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

 

حسن الياسريفي المحكمة الاتحادية العليا

المحكمة العليا الأميركية وعلاقتها بالقضاء الدستوري

قد تحدثنا فيما خلا عن التجارب الدستورية الدولية في تأليف المجالس الدستورية وكيفية اختيار أعضائها، ومِن قبل ذلك تكلمنا في التجارب الدولية في تأليف المحاكم الدستورية وكيفية اختيار أعضائها. ولقد علمنا من ذلك العرض الموسع أنَّ القاعدة العامة في تأليف هذه المحاكم والمجالس في دول العالم قائمةٌ على كونها خليطاً من فئاتٍ متعددةٍ، وأنَّ الغلبة والأرجحية غالباً ما تكون للعنصر القانوني، لا القضائي.

بيد أنَّ ثمة إشكالاً يمكن أنْ يُثار على ما طرحنا من رأيٍ، مؤداه أنَّ المحكمة العليا الأميركية ليس فيها إلا القضاة، ومن هذه الناحية سنكون بإزاء تجربةٍ دستوريةٍ دوليةٍ مهمةٍ تتكون من القضاة فقط، بخلاف المحاكم المعروضة آنفاً، والتي كان عددها (٢٤) محكمةً  وثلاث (٣) مجالس دستوريةً ؟

سنجيبُ عن هذا الإشكال، موضحين التوصيف الدستوري لهذه المحكمة، ومدى علاقتها بالقضاء الدستوري، وكما يأتي:

١- بدايةً قد يُفاجَئ الكثيرون إذا قلنا لهم إنَّ الحقيقة في هذه المحكمة أنها بالأساس ليست محكمةً دستوريةً، بل هي محكمةٌ فدراليةٌ عليا. بمعنى آخر أنها المحكمة العليا ضمن التسلسل الهرمي للقضاء العادي لا القضاء الدستوري. فهي كما تسمى في دولٍ أخرى (محكمة التمييز أو النقض). وفضلاً عن الواقع التاريخي في إنشاء هذه المحكمة الذي يشهد لها بهذا الدور، فالدستور الأميركي يشهد أيضاً. فها هو الدستور الأميركي بتعديلاته السبع والعشرين أمامكم، لن تجدوا فيه أيَّ نصٍ يعطي المحكمة الاختصاصات الدستورية، وعلى رأسها البت في دستورية القوانين وتفسير الدستور. فالمادة الثالثة من الدستور،بفقراتها الثلاث، جاءت مخصَّصةً للحديث عن السلطة القضائية وعن المحكمة العليا، ولا يوجد فيها أيُّ شيءٍ لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ يتعلق بالاختصاصات الدستورية، بل بالاختصاصات الممنوحة للمحاكم العليا لا أكثر -التمييز أو النقص-. ولكن في عام ١٨٠٣ قامت هذه المحكمة ابان رئاسة القاضي -الوزير السابق- مارشال في القضية التاريخية المشهورة المعروفة بقضية (ماربوري ضد ماديسون) بالامتناع من تطبيق القانون بزعم عدم دستوريته، فنشأ ما يُعرف بالفقه الدستوري بـ (رقابة الامتناع). وبعيداً عن التعليق على القضية، وطغيان الجانب السياسي فيها، والنقد الذي وجِّه اليها آنذاك، لكون القاضي-الوزير السابق- مارشال كانت له صلةٌ بالدعوى، فإنَّ من المبادئ المستقرة لدى جمهرة الفقهاء -مع وجود اتجاهٍ ضئيلٍ معارض- القول بجواز ممارسة المحاكم -أية محكمةٍ تابعةٍ للقضاء العادي- رقابة الامتناع، فتمتنع من تطبيق القانون مثار الدعوى إذا وجدت من الأسباب ما يدعو للحكم بعدم دستوريته، دون أن يفضي ذلك إلى إلغاء القانون أو الحيلولة دون قيام بقية المحاكم بتطبيقه ؛ لأنَّ عدم الدستورية لم تأتِ من محكمةٍ دستوريةٍ متخصِّصة، بل من محكمةٍ عاديةٍ رأت هي ذلك، فيكون الحكم ملزماً لها فحسب دون غيرها، ولا يكتسب الحكم الحجيَّة إلا على أطرافه -مع وجود بعض التفصيلات الجزئية الأخرى-.

وبناءً على ذلك انتزعت المحكمة العليا هذا الاختصاص انتزاعاً، وهو الرقابة على الدستورية عن طريق رقابة الامتناع. وهو كما معروفٌ دفعٌ يمكن أن تنهض به أية محكمة عادية في العالم ؛ لأنه يتفق مع طبيعة عمل القضاء، إذ لا يسوغ له تطبيق قانونٍ يرى عدم دستوريته، فيكتفي بالامتناع من تطبيقه، لكنه يبقى قانوناً قائماً ونافذاً. ثم توسعت المحكمة العليا الأميركية خلال المائتي عام من تأسيسها، فانتزعت اختصاصاتٍ شبيهةً وقريبةً من رقابة الامتناع.

 

٢- وهكذا ينبغي ملاحظة الفرق بين المحكمة الدستورية المتخصِّصة والمحكمة العليا التي تمثِّل قمة هرم الجسم القضائي. وإنَّ الفيصل في ذلك الدستور، فهو الذي يبيِّن ما إذا كانت المحكمة العليا هي مجرد محكمة تمييز أو محكمة دستورية متخصِّصة. وإنَّ المحاكم التي تقتصر على القضاة في الغالب هي من نوع المحاكم العليا،لا المحاكم الدستورية، مثل المحكمة العليا الأميركية، وكذا المحكمة العليا اليمنية والمحكمة العليا الإندونيسية.

فالمحكمة العليا اليمنية بحسب الدستور والقانون هي محكمةٌ عليا وليست دستوريةً،وهي تضمُّ هيئاتٍ متعددةً، مثل الهيئة المدنية والجزائية والأحوال الشخصية والتجارية ..الخ. ومن بين هذه الهيئات توجد هيئةٌ تُعرف بـ(الهيئة الدستورية)، تمارس الرقابة على دستورية القوانين. ما يعني أنَّ المحكمة هي محكمة تمييز توجد بها هيئةٌ أو دائرةٌ للقضاء الدستوري ؛ ولهذا يكون أعضاؤها من القضاة فقط، لأنها محكمة تمييز لا محكمةً دستوريةً. وهكذا كان الحال أيضاً في إندونيسيا، إذ كانت الرقابة الدستورية بمقتضى الدستور الإندونيسي لعام ١٩٤٥ منوطةً -قبل إنشاء المحكمة الدستورية- بالمحكمة العليا إضافةً إلى اختصاصاتها القضائية العادية؛ لذلك فهي تتألف من قضاةٍ فقط. وبعد التعديل الدستوري الثالث في عام ٢٠٠١ تمَّ إنشاء المحكمة الدستورية التي أنيطت بها هذه المهمة،ومُنعت المحكمة العليا من النظر في الدستورية. ولقد لاحظتم آنفاً كيف أنَّ هذه المحكمة الأخيرة-الدستورية- تتألفُ بمقتضى المادة (٢٤)من الدستور الإندونيسي من (رجال الدولة ممن لديهم إلمام بالدستور والمؤسسات العامة)، وليس من القضاة.

وإنَّ مما لا ريب فيه عندي أنَّ الذين تصدَّوا سابقاً للحديث عن هذا الموضوع في وسائل الإعلام المختلفة، من قضاةٍ ومحامين وسياسيِّين وبرلمانيِّين وغيرهم، لا يُفرِّقون بين المحكمة العليا العادية والمحكمة العليا الدستورية، كما أنهم لا يُفرِّقون بين القضاء الدستوري والقضاء العادي؛ ولهذا وقعوا في الخلط ؛ فأخطئوا وتسبَّبوا في نشر المعلومات الخاطئة للرأي العام، بسبب التسرُّع وعدم الدراية والمتابعة !!

وفي سياقٍ ليس ببعيدٍ عمَّا خلت الإشارة إليه، إنَّ تسمية المحكمة -الدستورية- بـ(الاتحادية العليا)لا يُخرجها من الاختصاص الدستوري ولا يُقلِّل من اختصاصاتها، إذ كما نوهنا قبل قليل بأنَّ الفيصل في ذلك كله هو الدستور، فهو الذي يُحدِّد،عبر الاختصاصات التي يمنحها للمحكمة، ما اذا كانت مجرد محكمة عليا ضمن القضاء العادي، أو أنها المحكمة الدستورية المتخصِّصة. وفي هذا الإطار لا تُغير التسمية من اختصاصاتها ؛ فالاختصاصات دستوريةٌ من جهةٍ وواسعةٌ في أغلب التجارب الدولية من جهةٍ أخرى، سواءٌ أكانت تحت مسمَّى (الدستورية)أم (الاتحادية)،مع الأخذ بالاعتبار ما سنذكره بعد قليل،والمتعلق بطبيعة النظام الفيدرالي.

ولعلَّ السرَّ في اختيار الدستور العراقي هذه التسمية (المحكمة الاتحادية العليا) يكمن، بحسب تقديري المتواضع، في أمورٍ ثلاثةٍ:

الأول: الأصل أو الأساس، فأصل وأساس التسمية مأخوذٌ من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، فهو الذي أطلق على المحكمة في وقته-٢٠٠٤- هذه التسمية في المادة(٤٤) منه. ولعلَّ اختيار هذه التسمية من قبلهِ ناجمٌ من التأثر بالتجربة الأميركية وبالمصطلحات الأميركية التي كانت بارزةً في ثنايا قانون إدارة الدولة، الذي لا أشكُّ قيد شعرةٍ بأنه مكتوبٌ بأيدٍ أميركيةٍ ومترجمٌ عن النسخة الأميركيةِ ؛ لعشرات الأدلة التي لا محل لعرضها ها هنا، وقد عرضتها في دراسةٍ منشورةٍ في عام ٢٠٠٤. ولعلَّ أبرز معلمٍ لتأثر قانون إدارة الدولة بالتجربة الأميركية بشأن المحكمة أنه جعلها تتألف من القضاة فقط، وجعل خدمتهم مدى الحياة ؛ تماماً كالمحكمة العليا الأميركية حذو القذة بالقذة، وخلافاً للتجارب الدستورية الدولية. وللأسف لما يزل الكثيرون يخلطون بين هذه المحكمة التي أنشأها قانون إدارة الدولة، وبين المحكمة التي أرساها الدستور العراقي الدائم ؛ ولهذا توهموا فقالوا إنَّ المحكمة المذكورة في الدستور يجب أنْ لا يدخل فيها إلا القضاة وإنَّ فقهاء القانون وخبراء الفقه الإسلامي ما هم إلا مستشارين وخبراء فنيِّين ؛ خلطاً منهم بين المحكمتين، في حين إنَّ الاختلاف بينهما جذريٌ من حيث التأليف والعضوية والاختصاصات.

الثاني: عند وضع الدستور الدائم لعام ٢٠٠٥ كانت المحكمة الاتحادية العليا كياناً قائماً، تمَّ تأليفها بمقتضى الأمر رقم ٣٠  لسنة ٢٠٠٥، الصادر عن رئيس مجلس الوزراء استناداً لأحكام قانون إدارة الدولة . لذا وجد مؤسسو الدستور المحكمة أمامهم قائمةً بهذا المسمَّى، فلم يعمدوا إلى تغييره؛ وذلك أمرٌ أقطعُ بخطئهِ الآن.

الثالث: قد وجدتُ من خلال المتابعة الحثيثة أنَّ الدول الفيدرالية -الاتحادية- عادةً ما تُطلق تسمية (المحكمة الاتحادية) على المحكمة الدستورية، مثل (المحكمة الاتحادية الماليزية)، وبعضها يضيف وصف (العليا)، مثل (المحكمة الاتحادية العليا البرازيلية) و(المحكمة الاتحادية العليا الإماراتية)،وبعضها الآخر يضيف وصف (الدستورية)، مثل (المحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية). وكلُّ هذه الدول فيدراليةٌ، في حين لم أجد إطلاق مسمَّى (الاتحادية) على المحكمة الدستورية في الدول الأخرى غير الفيدرالية. وبناءً على ذلك فالتسمية هذه مرتبطةٌ بشكلٍ كبير بالنظام الفيدرالي، والعراق بالمحصِّلة هو اتحاديٌ فيدراليٌ من الناحية الدستورية.

وبعد كل هذا الاستعراض المفصَّل في هذه الدراسة لم يبقَ لنا سوى التطرق إلى النتائج المستفادة منها؛ وهو ما سنبيِّنهُ إن شاء الله في القسم السابع -الأخير- .

 

د. حسن الياسري - بغداد

 

 

 

ميثم الجنابييكّمل محمد باقر الصدر ويتكامل مع آراء ومواقف علي شريعتي بصدد الموقف من الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، رغم اختلافهما الكبير من حيث المنهج والتحصيل العلمي والتجربة السياسية والثقافية. فكلاهما تعرضا إلى الحصار والمضايقة والسجن والقتل. وإذا كان موت شريعتي بطيئا وهو أشد أنواع العذاب من جانب النظام الشاهنشاهي، فان الصدر تعرض إلى قتل بشع من جانب الدكتاتورية الصدامية قل نظيره. وكلاهما واجه الموت بإرادة صلبة، بحيث يمكن النظر إلى مواجهة الصدر للموت وتحديه النظام برسالة هي الأعمق والأجمل في صور التحدي والإرادة الشجاعة. وقد أبرزت في الكلمة التي طلبت مني الجهات المعنية بمناسبة نصب تمثال الصدر في معهد العلاقات الدولية في موسكو قبل بضعة سنوات، على هذا الجانب أكثر من غيره في شخصية وإبداع محمد باقر الصدر. وهي كذاك بالفعل. ففي تحديه الدكتاتورية والموت كشف عن موت الدكتاتورية المحتوم وأثر ما كانت تدعوه الفكرة الإسلامية عن جوهرية الوحدة الدائمة للعلم والعمل، أو النظرية والتطبيق كما نقول اليوم.

ففي هذه الخاتمة تنعكس صيرورة الشخصية ومواقفها ونمط تفكيرها. فإذا كان شريعتي متسامحا إصلاحيا منفتحا جميل العبارة والمعنى متجانسا في الأقوال والأعمال، فان الصدر، وهو سليل العائلة الدينية والمتربي بتقاليد الحوزة الدينية (الشيعية) النجفية، يتميز باللين والقوة، وعمق التفكير وتقاليده الفقهية والفلسفية المميزة للمدارس الشيعية على امتداد تاريخها. من هنا أولوية الفكرة الأصولية عند الصدر، التي وجدت انعكاسها في توسعه وتعمقه في علوم أصول الدين واجتهاده الكبير والأصيل فيه. ووجد ذلك تعبيره المتميز والفريد من نوعه بتطويع حصيلة الفقه والفلسفة صوب القضايا الفكرية السياسية الملتهبة آنذاك. بمعنى جعل الحصيلة النظرية لعلم أصول الدين جزء من الفكرة العملية السياسية، كما كان الحال فيما مضى بالنسبة لتقاليد المعتزلة الكبار.

ونعثر على اثر التربية الفكرية الدينية وحصيلة الرؤية الفلسفية والسياسية في كتبه الأكثر شيوعا وشهرة وهما (فلسفتنا) و(اقتصادنا) وما كان يخطط له من كتاب (سياستنا) كما لو انه يحاكي مصادر الماركسية الثلاثة وأقسامها المكونة الثلاثة (الفلسفة، والاقتصاد السياسي، والنظرية الاشتراكية). وهي محاكاة واقعية وذلك لان مؤلفاته المذكورة أعلاه كانت موجهة أساسا لنقد الماركسية في مجال فلسفتها "المادية التاريخية والديالكتيكية"، "والاقتصاد السياسي"، والنظرية السياسية "للاشتراكية العلمية". وبغض النظر عن شهرة هذه المؤلفات وأثرها الكبير في بلورة الفكرة السياسية الإسلامية الحديثة، اذ بقي الصدر في إطار الفكرة النظرية اسلاميا بحتا لا علاقة له بالمذاهب، كما ظل شيعيا متجانسا في الموقف الوجداني والأخلاقي من التاريخ السياسي للإسلام، إلا أنها ظلت ضعيفة وباهتة من حيث مستواها النقدي للماركسية. وذلك لأنه، خلافا لشريعتي، لم يطلع على الأصول، بل على الكتابات العربية المترجمة والمؤلفة من جانب الشيوعيين العرب بشكل عام والعراقيين بشكل خاص. وهي أتعس وأسخف أنواع الماركسية من حيث تأصيلها وتأسيسها النظري. ولا غرابة في الأمر! فقد كان القادة الشيوعيين في العراق شبه أميين، اغلبهم لم ينهي المدرسة الابتدائية! و"قائده" الأخير ليس أميا فقط، بل وليس عربيا، ولم يكتب في مجرى قيادته للحزب على مدار عقود من الزمن، مقال واحد، بل ولا حتى خاطرة من ثلاثة اسطر!!

ضمن هذا السياق كان نقد الصدر "للماركسية" سليما، لكنه لا علاقة له بماركسية ماركس. انه نقد فكري وسياسي للفكرة الشيوعية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، تسعى للبرهنة على أن أخذ الأفكار الأجنبية لا يمكنها أن تكون بديلا للموقف الذاتي من إشكاليات التاريخ والمصالح. وهي فكرة سليمة رغم سطحية النقد الصدري، بمعنى أنها تسعى لفك الحبل السري لطفولة الشيوعية العربية (العراقية) عن أمها الغربية، والتعامل بالتالي مع الواقع "بعقل إسلامي"، اي بمعايير المنهج الاسلامي والفكرة الإسلامية.

ووجدت هذه الفكرة المنهجية التي عمل عليها طويلا تطبيقها في الموقف الحاد من الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية، بمعنى بلورة الموقف السياسي الثقافي وليس تحليلهما بمعايير الفكرة التاريخية أو الثقافية أو الفلسفية بما في ذلك التأملية. وقد وضع اغلب أفكاره في الكتاب الذي ظهر تحت عنوان (الإسلام يقود الحياة). من هنا موقفه القائل، بان "أي بناء حضاري جديد ملزم أن يدخل في الحساب مشاعر الأمة ونفسيتها وتركيبها العقائدي والتاريخي... فحركة الأمة كلها شرط أساسي لنجاح أي عملية بناء حضاري جديد واع ومعركة شاملة ضد التخلف، لان حركتها تعبير عن نموها ونمو إرادتها وانطلاق مواهبها الداخلية. وحيث لا تنمو الأمة لا يمكن لأي منهج أو صيغ محنطة أن تغير من الواقع شيئا". وهي فكرة سليمة من الناحية المجردة. وحالما يجري تطبيقها العملي، فإنها تتخذ الصيغة التالية:"إن الإنسان المسلم يتميز بتربية ثقافية وتاريخية وعقائدية خاصة تجعل منه كيانا مغلقا أمام كل التيارات الفكرية الغربية. وذلك لان الإسلام يشكل أهم عناصر هذه النفسية المصهورة في أعماقه. ولا يغير من هذه الحقيقة ضعف إيمانه الحالي ومستوى الانحراف فيه وفراغ الإسلام من محتواه الثوري"، وذلك لان الإسلام كان وما يزال يشكل "عاملا سلبيا تجاه أي إطار حضاري أو نظام اجتماعي لا ينبثق فكريا وأيديولوجيا من الإسلام". وبالتالي، فان المثال الإسلامي، هو الوحيد الذي بإمكانه أن يثير وينظم ويوجه قوى الجماهير نحو الإبداع. فجميع المذاهب من ديمقراطية واشتراكية ومادية وشيوعية وغيرها "قد مارسها الإنسان خارج العالم الإسلامي وتجسدت في أشكال مختلفة واتخذت صيغا متفاوتة، ولهذا فهي لا توحي إلى الفرد المسلم بصورة محددة واضحة المعالم، بل انه يجد اشد الحكومات تعسفا ودكتاتورية تحمل كلمة الديمقراطية كجزء من اسم الدولة، ويجد اشد الحكومات دورانا في الفلك الاشتراكي تعاني من تمايزات لا حد لها... إن كل هذا التنوع في مجال الممارسة لتلك المفاهيم والشعارات لا يساعد الفرد المسلم على أن يحدد في نفسه مثالا واضحا وصورة دقيقة لما يراد منه أن يساهم في بنائه". ففي كتاب (فلسفتنا) يشير إلى ما يلي: "طالما اقلق وما يزال يقلق الإنسانية هو الإجابة على السؤال التالي: ما هو النظام الذي يصلح للإنسانية وتسعد به في حياتها الاجتماعية؟ وفي إجابته على هذا السؤال قال "إن الإسلام سبق وان قدم مثالا واضحا للبناء الاجتماعي الحضاري". وانه قام "بتجربة من أروع النظم الاجتماعية وانجحها. ثم عصفت به العواصف بعد أن خلا الميدان من القادة المبدئيين أو كاد وبقيت التجربة في رحمة أناس لم ينضج الإسلام في نفوسهم ولم يملأ أرواحهم بروحه فعجزت من الصمود والبقاء. انقرض الكيان الإسلامي وبقي نظام الإسلام فكرة في ذهن الأمة الإسلامية، وعقيدة في قلوب المسلمين، وأملا يسعى لتحقيقه أبناء المجاهدين".

إن كل ذلك ليس معزولا، حسب تصور الصدر، عما اسماه بسلوك وسياسة الكولونيالية الغربية الأوربية تجاه العالم الإسلامي، الذي أدى إلى بلورة "شعور نفسي خاص تعيشه الأمة الإسلامية تجاه الاستعمار يتسم بالشك والاتهام ويخلق نوعا من الانكماش لديها من المعطيات التنظيمية للإنسان الأوربي". وتوصل بأثر هذه الرؤية التاريخية السياسية إلى مقارنة ثقافية متضادة بين الإنسان المسلم والإنسان الغربي الأوربي، تعيد وتستنسخ من حيث الجوهر الأفكار الغربية المتطرفة نفسها ولكن بغلاف إسلامي. فالإنسان الأوربي، كما يقول الصدر "ينظر إلى الأرض دائما لا إلى السماء. حتى المسيحية، بوصفها الدين الذي آمن به هذا الإنسان على مدار قرون من الزمن، لم تستطع أن تتغلب على النزعة الأرضية فيه. وبدلا من أن ترفع نظره إلى السماء استطاع أن ينزل اله المسيحية إلى الأرض ويجسده في كائن ارضي. ودفع هذه الفكرة صوب الغلو التأويلي المجرد عندما وجد في فكار داورن وماركس مجرد محاولات "لاستنزال الله إلى الأرض". وبالضد من ذلك نرى  الإنسان "الشرقي المسلم قد ربته رسالات السماء وعاشت في بلاده، ومر بتربية مديدة على يد الإسلام ينظر بطبيعته إلى السماء قبل أن ينظر إلى الأرض، ويؤخذ بعالم الغيب قبل أن يؤخذ بعالم المادة المحسوس"،  وان الإنسان المسلم بفعل "غيبيته العميقة" الراسخة في مزاجه أدى إلى "تحديد قوة إغراء المادة له وقابليتها على إثارته".

من كل ما سبق يبدو جليا منهج التضاد الشامل بين الشرق الاسلامي والغرب النصراني على مستوى الفكر والثقافة والعقائد والشخصية التاريخية والقيم الروحية والأخلاقية وحصيلة كل ذلك في تباين واختلاف وتضاد الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية. إنهما ليس فقط لم ولن يلتقيا، بل ولا ينفك الصراع الأبدي بينهما. وبالتالي، فان عناصر ومقدمات الحضارة الإسلامية لا يمكنها أن تكون إلا الإسلام بسبب خصوصية التربية السيكولوجية والتاريخية للمسلم. وان الأداة الرئيسية لتجسيد هذه الحضارة الآن هي الدولة الإسلامية بوصفها هدفا مطلقا ووسيلة "لتضع الله هدفا للمسيرة الإسلامية وتطرح صفات الله وأخلاقه كمعالم لهذا الهدف". إننا نقف هنا أمام حصيلة تعيد أفكار ومواقف سيد قطب التي وضعها في (معالم على الطريق) مع فارق اللغة والتأسيس، اي نوعية الخطاب الفكري لا غير وليس مضمونه الفعلي.

اذ نعثر عند الصدر على نقد واقعي ولكن بدون بديل واقعي. اذ تغلب عليه وفيه الصيغة المجردة والمثالية في النقد والبدائل كما في أقواله عن التجربة الإسلامية الفريدة وديمومتها الأبدية رغم فشلها السريع بمقاييس الإسلام المحمدي. كما تتضمن آراءه على أحكام ومواقف مجردة وجازمة وقاطعة ومثالية، رغم تعارضها الصريح مع كل معطيات الماضي والحاضر، كما في موقفه من "الإنسان المسلم" و"نظرته الدائمة للسماء"، و"ابتعاده عن المادة" وما شابه ذلك من أحكام تتعارض بصورة صارخة مع الواقع القديم والمعاصر.

فاغلب التأريخ المتعلق بسلوك الخلفاء والفقهاء وعلماء الدين وغيرهم منذ بدء الخلافة، بما في ذلك عند الراشدين كما هو الحال عند عثمان بن عفان، يشير على عكس الصورة التي يقدمها الصدر. فقد كان تاريخ منذ البدء لا يخلو من نفسية وذهنية الغنيمة. ولاحقا، في مجرى عقدين من الزمن تحولت إلى نمط عادي في الإمبراطوريات العادية. وأول ملامحها القوية ظهرت في مجرى الثأر لعثمان ودمه. بمعنى الثأر للدم وليس للعقيدة أو الفكرة المتسامية أو مبادئ الحق والعدالة. وهكذا إلى الآن. وفي مجرى كل قرن انحطاط اكبر. كما تحتوي هذه المواقف والأحكام على فكرة "خطرة" بالنسبة لماهية وحقيقة الإسلام ونظامه السياسي والاجتماعي. ففيها يبدو كل تاريخ الإسلام مجرد خروج على حقيقة الإسلام. أما التجارب الحديث فإنها لا تمثل استثناء بهذا الصدد. وتجربة العراق الحالية أيضا تصب بهذا الصدد. فأكثر الشخصيات خروجا على موقف الإسلام الحق، ونفسية السرقة وامتهان ابسط المواقف الأخلاقية والاجتماعية والوطنية هي من نصيب "الإسلاميين". ومن الناحية المجردة والدقيقة، لم يمثل حقيقة الإسلام بهذا الصدد سوى المتصوفة الكبار.

والحصيلة التي يمكن التوصل إليها فيما يتعلق بتضاد الإنسان المسلم والإنسان الغربي، والثقافة والحضارة الإسلامية مع الغربية تكشف عما يمكن دعوته بحسد التخلف. فقد كانت هذه النظرة أوربية نصرانية خالصة في موقفها من الإسلام، كما هو جلي في تصوراتهم إثناء وبعد الحروب الصليبية. بينما انقلبت في القرن التاسع عشر- العشرين. اذ أصبح الشرق مجرد زهد ودين وإيمان وميتافيزيقيا ولاهوت وتصوف وروح وسماء! والغرب بالعكس! عقل وحكمة وعلم ومعرفة وإنسانية ومادية. بعبارة أخرى، إننا نقف أمام فكرة مقلوبة وأيديولوجية لما هو شائع في الفكر "الاستعماري". كما أنها تتعارض مع أفكاره التي روج لها في (فلسفتنا) و(اقتصادنا) عن "حب الذات" المميزة لفطرة الإنسان، التي لا يمكن القضاء عليها، بل يمكن تهذيبها عبر ربطها بقيم أخلاقية، وهي فكرة جامعة للأمم والديانات جميعا.

إن الصفة العامة للتيارات الإسلامية الأساسية في موقفها من الحضارة والفكرة الحضارية والبديل الحضاري، تشترك، رغم تباينها في الأسلوب والرؤية والتفسير والتأسيس، بكونها يكمل احدها الآخر. بمعنى أن الاجتهاد فيه من طينة واحدة. وفي حصيلتها التاريخية تمثل رد فعل على النكوص الحضاري الاسلامي وانعدام مبادرته التاريخية. من هنا نوعية الانقلاب في تمثل التاريخ الفكري العربي نفسه ونتائجه بالشكل الذي يجعله حلقة منفية في فكرة البدائل. ومن الممن رؤية ذلك على مستوى ونوعية الاختلاف بينها وبين فكرة الإعجاب المتسامي بالعقلانية الأوربية في بداية عصر النهضة العربية الحديثة.  الأمر الذي طبع حتى أكثرها نقدية وعقلية بطابع التهافت في الآراء الجازمة، والأحكام الانتقائية، وتشابه المواقف بسبب غلبة النظرة اللاهوتية والدينية "للحضارة الغربية" بمعزل عن مراحل وطبيعة التطور التاريخي "للغرب" نفسه والعالمي ككل. وهذا بدوره يعكس حالة من حالات الاغتراب العقلي والثقافي التي تعتقد بان النواقص الفعلية في "الحضارة الغربية" دليلا على فشلها وغروبها وزوالها وموتها. بمعنى أنها لا تستطيع إدراك الحقيقة القائلة، بان "الحضارة الغربية" هي مجرد إحدى التجارب التاريخية الإنسانية. وأنها محكومة في مسار بنفس قانون التاريخ العالمي ومنطق الثقافة الذاتي. وبالتالي، فان كل ما فيها هو مظاهر لحالات الانتقال من حالة ثقافية إلى أخرى وليس بسبب عناصرها "الغربية".

إن انعدام هذا الإدراك هو الذي حدد ويحدد الثنائية المتضادة "للشرق" و"الغرب". وهي حالة تطبع تفكير المركزيات الثقافية، وبالأخص في حال تباينها التاريخي. ومن ثم تلاشي أو انعدام الإقرار بفكرة التنوع الحضاري والتباين الضروري في نوعية التجارب الذاتية ومفارقات الاحتمال العقلاني. ومن الممكن العثور على إحدى الصيغ النموذجية لهذا النمط من التفكير والتنظير عند محمد باقر الصدر[1]، وبالأخص عما اسماه بالعامل السلبي تجاه تجربة الغرب والنظم المستوردة. فقد انطلق محمد باقر الصدر من مسلمة أيديولوجية تقول، بان الإسلام هو الدرع الحامي للكيان الإسلامي في وقوفه "موقفا هجوميا ضد الغرب ومناقضا له". ووضع هذه المسلمة في صلب الحكم القائل، بأنه "ليس هناك من مستقبل للشعوب الإسلامية خارج الإسلام، وان مصيرها بمصيره"، أي على درجة إيمانها به. وهو حكم ليس جديد بحد ذاته. إذ إننا نعثر على نماذجه المتنوعة والمتعددة في فكرة صراع الشرق والغرب وتضادهما الكامل. ومفارقة الظاهرة في أن هذه الفكرة من حيث التأسيس والدعاية ذات أصول أوربية غربية. كما أن لها رصيدها التاريخي القديم الذي عادة ما يجري تفسيره وتأويله وتغليفه بأنماط جديدة. مع أن فكرة تعارض الشرق والغرب هي فكرة القوة والضعف والمواجهة والتعارض والتضاد، أي أنها فكرة نفسية أيديولوجية، تعكس طبيعة الثقافة الجزئية والعرضية والمتحزبة والضيقة. وليس مصادفة أن نعثر عليها في مراحل الصعود والسقوط عند القوى المتصارعة. بينما تنتفي في حالات النضج. وبالأخص في الثقافات التي يبلغ نموها الحضاري نموذج الشمول المتسامي (قبل الانحدار). وقد تكون الثقافة الإسلامية في أوج تطورها الحضاري نموذجا لذلك. مع أن الثقافة الإسلامية منذ البدء تميزت بأبعاد إنسانية وثقافية خالصة. أما في الغرب الأوربي فإنها اتجهت بنحو آخر.

إلا أن هذا التعارض الحاد بين "الشرق" و"الغرب"، بين "عالم الإسلام" و"عالم النصرانية" المميزة لأغلبية التيارات الإسلامية المعاصرة يعكس، إضافة إلى بقايا ومخلفات الماضي، حالة المواجهة التي ميزت صعود الكولونيالية الأوربية الحديثة وهيمنة مركزيتها الثقافية وبالأخص في مجرى القرون الثلاثة الأخيرة (الثامن عشر – العشرين).  من هنا يمكن فهم الحماس الوجداني الذي رافق انتصار "الثورة الإسلامية" في إيران (1978-1979) التي وجد فيها محمد باقر الصدر، إلى جانب فكرة بناء الجمهورية الإسلامية، "قاعدة للإشعاع على العالم الإسلامي والعالم كله في لحظات عصيبة من تاريخ هذه الإنسانية، تتلفت فيها كل شعوب العالم الإسلامي إلى المنقذ من هيمنة الإنسان الأوربي والغربي وحضارته المستغلة، وتتحسس فيها كل شعوب العالم بحاجة ماسة إلى رسالة تضع حدا لاستغلال الإنسان للإنسان"[2]. إن مضمون هذا الموقف يقوم في السعي لوضع النفس الضد من "الحضارة الغربية" بشكل عام، انطلاقا من أن "وعي الذات الإسلامي" و"الاعتراف بالإسلام قائدا للحياة" و"خيارا جماهيريا واعيا" و"منهجا للحياة"، هو التحدي الشامل "لأسس الحضارة الغربية وأيديولوجيتها الحضارية"[3]. وذلك لان "أي بناء حضاري جديد ملزم أن يدخل في الحساب مشاعر الأمة ونفسيتها وتركيبها العقائدي والتاريخي" كما يقول محمد باقر الصدر. وذلك، لان "حركة الأمة كلها شرط أساسي لنجاح أي عملية بناء حضاري جديد واع ومعركة شاملة ضد التخلف". والسبب يقوم في أن "حركة الأمة" هي "تعبير عن نموها ونمو إرادتها وانطلاق مواهبها الداخلية. وحيث لا تنمو الأمة لا يمكن لأي منهج أو صيغ محنطة أن تغير من الواقع شيئا"[4]. وهي فكرة سليمة من الناحية المجردة. وينطبق هذا على استنتاجه القائل، بان "الإنسان المسلم يتميز بتربية ثقافية وتاريخية وعقائدية خاصة تجعل منه كيانا مغلقا أمام كل التيارات الفكرية الغربية. وذلك لان الإسلام يشكل أهم عناصر هذه النفسية المصهورة في أعماقه. ولا يغير من هذه الحقيقة ضعف إيمانه الحالي ومستوى الانحراف فيه وفراغ الإسلام من محتواه الثوري. وذلك لان الإسلام كان وما يزال يشكل "عاملا سلبيا تجاه أي إطار حضاري أو نظام اجتماعي لا ينبثق فكريا وأيديولوجيا من الإسلام"[5]. وبالتالي، فان "المثال الإسلامي هو الوحيد الذي بإمكانه أن يثير وينظم ويوجه قوى الجماهير نحو الإبداع". ومن ثم، فان عناصر ومقدمات الحضارة الإسلامية البديلة لا يمكنها أن تكون إلا الإسلام بسبب خصوصية التربي السيكولوجية والتاريخية للمسلم. وان الأداة الرئيسية لتجسيد هذه الحضارة الآن هي الدولة الإسلامية بوصفها هدفا مطلقا ووسيلة "لتضع الله هدفا للمسيرة الإسلامية وتطرح صفات الله وأخلاقه كمعالم لهذا الهدف"[6].

ووضع هذه الفكرة السليمة بحد ذاتها، والمتحجرة بالمعنى التاريخي الثقافي والمستقبلي، في موقفه القائل، بان جميع المذاهب الديمقراطية والاشتراكية والمادية والشيوعية وغيرها "قد مارسها الإنسان خارج العالم الإسلامي وتجسدت في أشكال مختلفة واتخذت صيغا متفاوتة. ولهذا فهي لا توحي إلى الفرد المسلم بصورة محددة واضحة المعالم، بل انه يجد اشد الحكومات تعسفا ودكتاتورية تحمل كلمة الديمقراطية كجزء من اسم الدولة، ويجد اشد الحكومات دورانا في الفلك الاشتراكي تعاني من تمايزات لا حد لها... إن كل هذا التنوع في مجال الممارسة لتلك المفاهيم والشعارات لا يساعد الفرد المسلم على أن يحدد في نفسه مثالا واضحا وصورة دقيقة لما يراد منه أن يساهم في بنائه"[7]. بينما نراه يشير في كتاب (فلسفتنا) إلى انه "طالما اقلق وما يزال يقلق الإنسانية هو الإجابة على السؤال التالي: ما هو النظام الذي يصلح للإنسانية وتسعد به في حياتها الاجتماعية؟". وفي معرض إجابته على هذا السؤال قال "بأن الإسلام سبق وان قدم مثالا واضحا للبناء الاجتماعي الحضاري"، وانه قام "بتجربة من أروع النظم الاجتماعية وأنجحها. ثم عصفت به العواصف بعد أن خلا الميدان من القادة المبدئيين أو كاد وبقيت التجربة في رحمة أناس لم ينضج الإسلام في نفوسهم ولم يملأ أرواحهم بروحه فعجزت من الصمود والبقاء". عندها انقرض الكيان الإسلامي وبقي نظام الإسلام فكرة في ذهن الأمة الإسلامية، وعقيدة في قلوب المسلمين، وأملا يسعى لتحقيقه أبناء المجاهدين"[8].

إننا نقف هنا أمام صيغ خطابية خالصة، ترجع مسار التاريخ وصراعه ومشكلاته إلى حالة نفسية فردية بسيطة، تقول، بان العالم سيكون فاضلا لو أن كل ما فيه من بشر فضلاء. وهي دون شك فكرة سليمة، لكنه لا علاقة لها بالواقع والتاريخ والمستقبل. أما أحكامه العامة المشار إليها أعلاه، فأنها تخلط بين الفكرة الاجتماعية الاقتصادية السياسية وفكرة البناء الحضاري. أما بصدد ماضي وحالة الإسلام "النموذجية" و"الأرقى" و"الأكثر نجاحا في التاريخ الإنساني"، فان من الصعب التدليل عليها حالما يجري النظر إلى التاريخ بمعايير الحقائق والوقائع وليس بالأحكام اللاهوتية والأيديولوجية الصرف. وذلك لان "الزمن الذهبي" للإسلام، بما في ذلك في كل مراحله ولحظاته هو مجرد عملية تاريخية وواقعية تحتوي على كل المتناقضات بوصفها الحالة الطبيعية لوجود الإنسان والجماعة والأمة والدولة والفكر والتفكر. إذ لم تخل أجمل لحظات التاريخ الاسلامي الأولية من نفسية وذهنية الغنائم. وفي مجرى عقدين من الزمن للخلافة الأولى تحولت إلى نمط عادي كما هو الحال في الإمبراطوريات العادية. وجرت أولى ملامحها القوية في مجرى الثأر لعثمان ودمه. فقد كان الثأر للدم وليس للعقيدة أو الفكرة المتسامية أو مبادئ الحق والعدالة. وهكذا إلى الآن. وفي مجرى كل قرن انحطاط اكبر. أما التوصل إلى أن تاريخ الإسلام اللاحق، ما بعد النبوة كان خروجا على حقيقته، فان ذلك يعني انه في كله مجرد خروج على حقيقة الإسلام. من هنا أيضا يمكن فهم التصور القائل، بان تاريخ الإسلام كله، بما في ذلك مرحلة خلافة الراشدين لا تستنفذ حقيقة الفكرة الإسلامية بهذا الصدد. وإذا كان الأمر كذلك فلا معنى للحديث عن نموذج امثل وانجح في التاريخ العالمي، وموجه وحيد "للمسلم" فيما يتعلق بالبدائل الحالية والمستقبلية.

أما الاستنتاج الذي توصل إليه محمد باقر الصدر عن أن "شعور الإنسان المسلم المغلق" تجاه الحضارة الأوربية وثقافتها، مرتبط بسلوك وسياسة الكولونيالية الغربية الأوربية تجاه العالم الإسلامي، الذي أدى إلى بلورة "شعور نفسي خاص تعيشه الأمة الإسلامية تجاه الاستعمار يتسم بالشك والاتهام ويخلق نوعا من الانكماش لديها من المعطيات التنظيمية للإنسان الأوربي"[9]، فانه لا يؤسس لفكرة البدائل. انه ينمي شعور الانغلاق والدونية، وليس نفسية وذهنية الانفتاح على النفس أولا من اجل العمل بمعايير الرؤية العقلانية والمستقبلية. وعدم إدراك هذه الحقيقة هو القائم في أساس اللوحة العقائدية الصرف عن التناقض الحاد والأبدي بين "الشرق" و"الغرب"، بين "الإنسان المسلم والإنسان الغربي الأوربي". ووضع هذه العلاقة بهيئة ثنائية متناقضة وعدائية مبنية على أساس "مادية الغرب والإنسان الأوربي" و"روحية وغيبية الإسلام والإنسان المسلم". فهو يعتقد، بان "الإنسان الأوربي ينظر إلى الأرض دائما لا إلى السماء. حتى المسيحية، بوصفها الدين الذي آمن به هذا الإنسان على مدار قرون من الزمن، لم تستطع أن تتغلب على النزعة الأرضية فيه. وبدلا من أن ترفع نظره إلى السماء استطاع أن ينزل اله المسيحية إلى الأرض ويجسده في كائن ارضي"[10]. وقد بلغت هذه الشخصية ذروتها في أفكار داورن وماركس بوصفها محاولات "لاستنزال الله إلى الأرض"[11]. وعلى العكس من ذلك، يقف "الإنسان الشرقي المسلم" الذي "ربته رسالات السماء وعاشت في بلاده ومرّ بتربية مديدة على يد الإسلام ينظر بطبيعته إلى السماء قبل أن ينظر إلى الأرض، ويؤخذ بعالم الغيب قبل أن يؤخذ بعالم المادة المحسوس"[12]. أما اثر هذه "الغيبية العميقة" الراسخة في مزاج الإنسان المسلم، فقد أدت إلى "تحديد قوة إغراء المادة له وقابليتها على إثارته"[13].

وفيما لو تجاوزنا الوقائع والحقائق التي يمكن العثور عليها في كتب التاريخ بمختلف فنونه، من سلوك الخلفاء والفقهاء وعلماء الدين (النخبة) و"طليعة الأمة"، فان كل وقائع التاريخ الفعلي تشير إلى عكس ذلك. وعموما إننا نقف هنا أمام ما يمكن دعوته بحسد التخلف. فقد كانت هذه النظرة أوربية نصرانية خالصة في موقفها من الإسلام كما هو جلي ما قبل وزمن وبعد الحروب الصليبية. بينما انقلبت في القرن التاسع عشر- العشرين. حيث أصبح الشرق مجرد زهد ودين وإيمان وميتافيزيقيا ولاهوت وتصوف وروح! أما الغرب فهو عالم العقل والحكمة والعلم والمعرفة والإنسانية والمادية. بعبارة أخرى، إننا نقف أمام فكرة مقلوبة وأيديولوجية لما هو شائع في الفكر "الاستعماري". كما أنها تتعارض مع أفكاره التي روج لها في (فلسفتنا) و(اقتصادنا) عن "حب الذات" المميزة لفطرة الإنسان، التي لا يمكن القضاء عليها، بل يمكن تهذيبها عبر ربطها بقيم أخلاقية. بعبارة أخرى، إن هذه الفكرة وأمثالها المميزة لجميع التيارات الإسلامية المعاصرة بصدد قضية الحضارة والموقف من الغرب الأوربي تقوم في عدم استطاعتها الخروج من ثنائية الشرق-غرب بوصفها إشكالية الوجود التاريخي والثقافي للأمم. ومن ثم لم تستطع التحرر من ثقل الذهنية اللاهوتية أو الدينية. وبالتالي، ظلت رغم بعض انجازاتها النظرية العميقة، معرضة للتذبذب. مما يعكس طابعها التأملي العابر أو المتأثر بالأحداث أكثر مما هي نتاج رؤية فلسفية منطقية وتاريخية عميقة ومستقلة من حيث تأسيسها الذاتي. وذلك لان ما يسمى بالرجوع إلى حقيقة "الحضارة الإسلامية" هو مجرد نفخ في رماد أو وهم جديد. وليس مصادفة أن لا نعثر في الفكر الاسلامي الحديث المهموم بفكرة الحضارة والصراع الحضاري والحضارة الإسلامية، على دراسة محترفة حول فلسفة الحضارة الإسلامية. أما الأبحاث التاريخية عنها ففي اغلبها مجرد تجميع واستعراض لكتابات القدماء. بمعنى أنها تفتقد إلى الرؤية المنطقية وفلسفة التاريخ الثقافي وفلسفة الحضارة بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة. أما إن البدائل الإسلامية بصدد قضية الصراع الحضاري والبدائل الحضارية، فأنها تعكس مستوى وعيها النظري والعملي الذاتي. وهو وعي لم يتقن بعد فنون مواجهة النفس وجها لوجه. ومازالت هذه الصفة طاغية على الثقافة العربية ككل. أنها لم تتقن بعد صياغة حدودها العقلانية. في هذه الأخيرة فقط يمكن للروح الاجتماعي بكافة تياراته أن يبدع ما هو مناسب لإنقاذ العالم العربي من سقوطه في هوة اللاعقلانية التي آلت إليها الراديكالية السياسية. بمعنى عدم قدرتها على تأسيس وصنع كيانها الحضاري المستقل. وذلك لان صنع الكيان الحضاري يفترض تأسيس منظومة ثقافية لها مرجعياتها الكبرى. من هنا يمكن فهم التناقض البارز بين الأهداف النهائية المعلنة وكيفية استيعابها للمهمات العملية (السياسية) الراهنة. كما نعثر عليها في طوباوية الحلول والبدائل المحكومة في اغلبها بقيم أيديولوجية صرف ومفاهيم لاهوتية، وفي نوعية الرومانسية المعذبة والمتذبذبة بين الماضي والمستقبل فقط. مما يضع بدوره مهمة الرؤية النقدية من تاريخ العقلانية واللاعقلانية العربية من اجل تجنب قرن آخر من المجهول الثقافي.

 

ا. د. ميثم الجنابي – مفكر وباحث

.......................

[1] يعتبر الشهيد محمد باقر الصدر (قتل غدرا عام 1980) من بين أكثر المفكرين تأثيرا من الناحية الروحية والمعنوية والنظرية في الحركات الإسلامية المعاصرة بشكل عام والشيعية منها بالأخص. بل يمكن اعتباره من بين المؤسسين الكبار "للإسلام السياسي" المعاصر. وقد اعدم في العراق لأسباب سياسية ارتبطت بالمخاوف التي أثارتها الثورة الإسلامية في إيران، وتوجس إمكانية ظهور "خميني جديد" في شخصه. وتعتبر كتبه "فلسفتنا" و"اقتصادنا" من بين أهم مؤلفاته الفكرية. وقد كان لها وقعا وتأثير كبيرا وما يزال بالنسبة للحركات السياسية الإسلامية (الشيعية منها بالأخص). ومع أن الصدر ينتمي من حيث الرؤية المذهبية إلى تيار الشيعة الإمامية (الاثني عشرية) إلا أن مفاهيمه الفلسفية والدينية والسياسية تتعدى حدود المذهبية الضيقة، وتقترب في المجال السياسي والرؤية الحضارية من فكر الإخوان المسلمين. وقد كانت كتاباته المشار إليها علاه نتاجا للصراع الفكري والأيديولوجي الدائر في العالم العربي في ستينيات القرن العشرين بين التيار الماركسي والتيار الإسلامي. لهذا نعثر في تسميات مؤلفاته الأساسية على "مصادر الماركسية الثلاث"، أي الفلسفة والاقتصاد والسياسة. وهو أمر يشير إلى التحول الفكري الكبير في المدرسة التي أنشأها الصدر. بمعنى توجيه البحث الفكري صوب القضايا المثيرة، ومواجهة الأفكار السائدة بالفكر الإسلامي وتراثه. وقد تميزت كتاباته بنزعة نقدية شديدة للماركسية السائدة آنذاك. وهي ماركسية مبتذلة في اغلبها. الأمر الذي طبع مضمونها الخاص. فالصدر لم يعتمد في نقده على دراسة الأصول الماركسية ولا تراثها الفلسفي ولا مدارس الاقتصاد التاريخية الكبرى، بل اكتفي بفتات الماركسية المبتذلة عند الشيوعيين العرب والعراقيين بشكل خاص، أي الأكثر تخلفا وبدائية في مجال التنظير والتفكير. وعموما هي كتابات ليست عميقة ومليئة بالتكرار والاجترار. لكنها جريئة ضمن سياق المرحلة ومستوى الوعي النظري. لكن الصدر لم يكتف بالنقد الأيديولوجي والمعرفي، بل وحاول تقديم "رؤية بديلة" تستند إلى ما اسماه "بالرؤية الإسلامية الخالصة". وجمعت بعض مقالاته الأساسية بهذا الصدد في كتاب طبع تحت عنوان "الإسلام يقود الحياة". حيث تصب آراءه في الإطار العام ضمن التيار المجدد والإصلاحي للفكر الإسلامي الشيعي. كما يمكن اعتباره من بين المؤسسين "للثورية الشيعية". ويمكن تقييم فكر الصدر على انه مدرسة متميزة في محاولاتها تجديد الفكر الإسلامي في مختلف الميادين استنادا إلى تراث الإسلام فقط. مع أن نزوعه هذا لم يتسم بالانغلاق.

[2]  محمد باقر الصدر: الإسلام يقود الحياة، طهران، 1403 هجرية، ط2، ص7.

[3] محمد باقر الصدر: الإسلام يقود الحياة، ص25.

[4] محمد باقر الصدر، الإسلام يقود الحياة، ص192.

[5] الصدر: الإسلام يقود الحياة، ص192-194.

[6] الصدر: الإسلام يقود الحياة، ص178

[7] الصدر: الإسلام يقود الحياة، ص197.

[8] محمد باقر الصدر: فلسفتنا، دار التعاون، بيروت، 1379 هجرية، ص13.

[9] الصدر: الإسلام يقود الحياة، ص199.

[10] الصدر: الإسلام يقود الحياة، ص204.

[11] الصدر: الإسلام يقود الحياة، ص204-205.

[12] الصدر: الإسلام يقود الحياة، ص206.

[13] الصدر: الإسلام يقود الحياة، ص206.

 

 

مجدي ابراهيممقامات الدين في الإسلام كما قلنا في السابق ثلاثة: الإسلام، والإيمان، والإحسان، ومن شواهدها في إشارات العارفين رؤية الله سبحانه، وهى إشارات مُعَمَّقة ليست بالسطحية، معدنها الذوق ومسلكها الشهود ومصدرها المعيّة بغير نزاع، منها إشارة أبي الحسن النوري:"حَرَّم الله الرؤية بعين الرؤية"؛ إشارة تقطع بعدم رؤية الله بجارحة العين وتعطي من الوهلة الأولى تَصوّر العارفين للرؤية الإلهية أنها مستحيلة في الدنيا على الرغم من أن هنالك إشارات غيرها توحي برؤية الله في الدنيا غير أنها رؤية قلبيّة شهودية تتسق ومسلكهم في الكشف والشهود.

 والنوري قرين الجنيد وهو يدين في مسألة الرؤية بما يدين به الجنيد، وعندهما (النوري والجنيد) أن الرؤية لا تكون في الدنيا إلا بالقلب، وليس للعبد حظ من رؤية الله في الدنيا سوى ما يقرّبه من لطفه وعنايته وتأييده ونصرته وحفظه. أما أن يراه بجارحة فلا:" حَرَّم الله الرؤية بعين الرؤية " كما قال النوري.

وكل ما يُقرِّب العبد من الرَّب في مثل هذه المسائل الدقيقة كالرؤية والمكاشفة والمشاهدة والمعاينة والمعرفة الإلهية واللدنيَّة مَعْنَاهُ لدى العارفين، وبخاصّة لدى النوري والجنيد هو اللطف الإلهي، والتأييد، والتوفيق، والنصرة؛ فلا يعرف الله على الحقيقة إلا الله.

ومادامت معرفته على الحقيقة مستحيلة إذْ لا يعرفه سواه لأنه محجوب بالعزة رغم قربه بالعطف؛ فرؤيته على الحقيقة كذلك من أمحل المحالات. فلئن كان قريباً من عبده بالعطف والنصرة والتأييد وكل صفات الجمال وتجلياتها فهو محجوب بالعزة وممنوع بحجاب القهر والقدرة وسائر صفات الجلال عن أن يشهده شاهد ببصر محدود أو يراه رائي بجارحة محسوسة.

هذا هو القانون الذي يسير عليه مسلك التشريع، ولكن مع هذا فقد نجد منهم من يجوِّز رؤية الله في الدنيا؛ ولكن بالشهود القلبي وبالكشف الذوقي وببصيرة الذوق والإيمان. ولقد كانت هنالك مساجلات بين السّري السقطي والجنيد تدور كلها حول مسألة الرؤية القلبية والشهود المباشر سطرها الهجويري عنهما في صفحتين من كشف المحجوب، وطالعنا الجنيد بشيء منها في إشاراته المُلغزة في كتاب الفناء؛ وكتاب الميثاق. وتتلون أحوالهم في مرائي الشهود وتجارب الكشف حتى قال الغزالي ناقلاً عن أحدهم في مشكاة الأنوار:" وأرباب البَصائر ما رأوا شيئاً إلا رأوا الله معه. وربما زاد بعضهم فقال: ما رأيت شيئاً إلا رأيتُ الله قبله؛ لأن منهم من يرى الأشياء به، ومنهم من يرى الأشياء فيراه بالأشياء". وعليه؛ يمكننا أن نستخرج من نصّ الغزالي معنى الوحدة؛ فإن الذي يرى الأشياء فيرى الله قبلها فمشهده في وحدة شهود. أما الذي يرى الأشياء فيراه بالأشياء فذلك مشهد وحدة الوجود وهو مشهد كُمَّل العارفين؛ فمثل هذا الشهود هو مسلك التحقيق: الرؤية فيه رؤية قلبية ببصر السَّر، والشهود فيه لا يعتد بجارحة ولا يعترف بعين الرؤية ولا يطمح إلى شيء من تلك الظواهر البادية لكل ما يناله الحس.

ومن هنا؛ يجب أن تُفَسَّر إشارات العارفين في مثل قول الرَّوْذَباريِّ: " لو زالَ عنا رؤيته ما عبدناه"؛ فالمقصود فيها هو الرؤية القلبية والشهود المباشر بالبصيرة الإيمانية؛ وليس هنالك من تأويل قد يفسدها فيخرجها عن حظيرة الذوق والرؤية الشهودية إلى مظان التقوّل والتخريج البليد.

كان أبو يزيد البسطامي يقول:" إنّ لله عباداً لو حُجِبُوا عن الله في الدنيا والآخرة طرْفة عين لارتدوا".

وليس معنى الردَّة في إشارة أبي يزيد ردّة بالمفهوم الشرعي المعروف، ولكن معناها ردة في قانون الطريق، أي: لارتدوا عن مراتب الشهود ودرجات التقريب، فهؤلاء العباد الذين أختصهم الله بخصوصية القربة ومراتب الشهود لا يحتجبون عنه تعالى طرفة عين لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنهم دائماً في معيته يرونه بشواهد اليقين مشاهدة قلبية ليس فيها حجاب ولا فيها مانع من موانع الرؤية عن مراقي الشهود. ولما أن سئل الجنيد: هل تحب أن ترى ربك؟! قال:" لا !، فسئل لمَ؟ فأجاب: إنّ موسى عليه السلام لما طلب أن يراه لم يره، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يطلب ذلك فرآه، ثم عَقَّب الجنيد على هذا التخريج الذوقي بالتأكيد على أن آمالنا هى أكبر الحجب التي تُبْعدنا عن رؤية الله؛ لأن الإرادة النفسانية في عرف المحبة معصية، والمعصية حجاب حتى إذا ما فَقَدتَ المراد في هذه الدنيا نَلْتَ المشاهدة، ومتى نلت المشاهدة لا تجد فَرْقاً بين هذه الدنيا والأخرى.

وفي ضوء هذا التخريج تُفهم إشارة أبي يزيد:"إنَّ لله عباداً لو حجبوا عن الله تعالى في الدنيا والآخرة لارتدّوا"؛ ويحمل معناها على أنه تعالى يكرمهم بدوام المشاهدة ويُبْقيهم أحياءً بحياة المحبة؛ ومن كان متمتعاً بالمشاهدة ثم حُرِم منها كان في قانون الطريق ولا شك كافراً؛ فالرؤيةُ هَا هنا مشاهدةٌ قلبيةٌ في الأساس. ومن إشارات سهل بن عبد الله الجامعة لأصول التوحيد:" ذَاتِ الله موصوفة بالعلم غير مُدْركة بالإحاطة ولا مرئية بالأبصار في دَار الدنيا، وهى موجودة بحقائق الإيمان من غير حدِّ ولا إحاطة ولا حلول، وتراه العيون في العقبى ظاهراً في ملكه وقدرته، قد حجب الخلق عن معرفة كنه ذاته ودَلَّهم عليه بآياته؛ والقلوب تعرفه والعقول لا تدركه؛ ينظر إليه المؤمنون بالأبصار من غير إحاطة ...". المعوّل في هذه الإشارة على نحو القلوب لا على نحو العبارة، نحو القلوب بنية إشارة روحية، ونحو العبارة بناء لغة نصية. والفرق بينهما كبير.

على أن موضوع الرؤية قد لاقى من الجدل بين الصوفية المتكلمين والفلاسفة أكثر ممّا ينبغي، ونحن فيما سيأتي من مقالات سنقوم بمناقشته، حسب ما ورد فيه من إشارات سَنَحَتْ بها خواطر الصوفية، ولكننا هنا تجدر الملاحظة بأن الموضوع كله مثار في دائرة علم الكلام، ومدفوع من قبيل الصوفية كما لو كان شبهة أرادوا أن يدفعوها عن أنفسهم ويدرؤوا عنهم شبهة القول بها.

ومن المُقرر في كتابات الصوفية الأوُّل أن رؤية الله تعالى بالأبصار في الدنيا مما أجمع الشيوخ على نفيها؛ بل زادوا أن الرؤية لا تكون أبداً - فضلاً عن الأبصار - بالقلوب إلا من جهة الإيقان؛ وقال الكلاباذي في التعرٌّف:" ولا نعلمُ أحداً من مشايخ هذه العصبة المعروفين منهم والمتحققين به، ولم نرْ في كتبهم، ولا مصنفاتهم ولا رسائلهم، ولا في الحكايات الصحيحة عنهم، ولا سمعنا ممّن أدركنا منهم، زعم أن الله تعالى يُرى في الدنيا أو رآه أحد من الخلق؛ إلا طائفة لم يعرفوا بأعيانهم. بل زعم بعض الناس أن قوماً من الصوفية أدَّعوها لأنفسهم، وقد أطبق المشايخ كلهم على تضليل من قال ذلك وتكذيب من أدّعاه، وصَنّفوا في ذلك كتباً، منهم أبو سعيد الخراز. وللجنيد في تكذيب من أدَّعاه وتضليله رسائل وكلام كثير. وأضاف الكلاباذي أنهم:" زعموا أن من أدعي ذلك فلم يعرف الله عز وجل، وهذه كتبهم تشهد على ذلك".

هذا ما يقرّره الكلاباذي ويصر على تقريره، وهو في إصراره لما يقرر يبدو وكأنه يريد أن يدفع شبهة عن المتصوفة وهى دعواهم برؤية الله:"... في الدنيا بالأبصار ولا بالقلوب إلا من جهة الإيقان "؛ فكأن مسألة الرؤية كانت مثار جدل كلامي أنتقل برمته إلى أذواق التصوف ومواجيده ثم أختلط الجدل الكلامي بمواجيد الصوفية؛ فتناول كتّابُّهم الأوُّل المسألة تناولاً كلامياً وتناسوا أذواقهم ومواجيدهم ومنهجهم في معالجة الموضوعات العقائدية الكبرى بمنهج غير منهج علم الكلام، وهذا عندي خطأ وقع فيه كتاب التصوف الأوُّل: خشيتهم من التصريح بحقائق التصوف كما هى عليه، وهى خشية تُضَاف إلى علم الكلام ولا تحسب من التصوف في شيء. وينقل الهجويري أن الجنيد قال:" لو أن الله تعالى قال لي: شاهدني ! لأقولن له أنا: لا أشاهدك؛ لأن النظر العيني في عُرْف المحبة غِيَرٌ الله وشرك؛ والغِيَر يمنعني من النظر إليك، وحيث إني في هذه الدنيا طلبت أن أراك بغير واسطة عيني فكيف أستعمل هذه الواسطة في الدار الآخرة ".

وواضح من قول الجنيد هذا: رفض الرؤية عن الله من وجهة نظر كلامية بحتة. إن للتصوف منهجه وقانونه الذي يختلف عن منهج المتكلمين أو الفلاسفة كل الاختلاف؛ فكل موضوع فيه من ثمَّ ينبغي أن يعالج وفق هذا المنهج لا يشذ عليه. ولك أن تلحظ إشارة البسطامي هذه أو تقرأ إشارة ذي النون إذ قال: " راحتي حين أفتح بَصَرَ السّر إلى ذاته"؛ وتتأملها جيداً لترها آخر الأمر بعد التأمل ذوقاً كلها خالصاً لا تدع منهجاً آخر سوى الذوق يمضي فيها أو حتى يستوعبها فضلاً عن أن يستوفي الكلام فيها، ومن حُرم الذوق عز عليه أن يستنبط من كلامهم البيان؛ فهى لا تحتاج لمناقشة جدلية لإدراكها بل من المؤكد أن يتوافر في مدركها شرط التذوق على بصيرة، لاحظ علاقة بصر السر وهو هنا مفتوح على ذات الله، أي: التوجه والتعلق.

  

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

مجدي ابراهيممقامات الدين في الإسلام ثلاث: الإسلام والإيمان والإحسان، وشواهدها في أحوال الصادقين هي المراقبة، تستند إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لمّا أن جاءه جبريل عليه السلام في صورة رجل فقال: يا محمد ما الإيمان؟ قال:" أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره "، قال صدقت؛ وتعجب الصحابة من رجل يصدق النبي عليه السلام وهو يسأله. ثم قال: أخبرني ما الإسلام؟ قال الإسلام:" أن تقيم الصلاة وتوتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت "؛ قال صدقت. قال: فأخبرني ما الإحسان؟ قال الإحسان:" أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإنْ لم تكن تراه فهو يراك ".

إنما يجئ الأصل والمصدر؛ وهو هنا حديث رسول الله صلوات الله عليه؛ ليكون معتمد العبادة في حال المراقبة. ونحن نشهد أن هذا الحديث الشريف "أعبد الله كأنَّك تراه" جاء بمثابة التأصيل للرؤية الشهودية تقوم عليها توجهات العارفين العليا؛ لأن العبادة على الغفلة وعدم الحضور ليست كالعبادة على الشهود وتحقيق الرؤية، ثم إن تحقيق الرؤية هذا على "وحدة الشهود"؛ هو الأصل في العباد، ولكنها عبادة قامت على الحضور لا على الغفلة؛ فلئن كان العبد في عبادته لم يعد يرى ربه؛ فليثق أن الله يراه، وهو مقام الإحسان.

وفي الثقة برؤية الله له ثم تضخيمها في بطن الرائي وتفعيلها في قلبه، كل أولئك من العوامل التي تنقل العبد من رؤية الله له إلى رؤيته هو إلى الله؛ يحدث ذلك مع دوام شهود رؤية الله له، ومع استقرار هذا الشهود في وعي العارف؛ تجيء الرؤية الشهودية؛ لتكون أثراً من آثار هذا الحديث النبوي الشريف مستندة على أساسه:" أعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك ": يراك في كل حركاتك وسكناتك، ويراك في جميع أحوالك وتقلباتها، ويراك في أنفاسك حين تدخلها وتخرجها وعليها خلعة الأدب والحضور؛ يراك وإنْ لم تكن تراه. وإنه لمشهد من مشاهد الوعي الباطن عظيم وجليل تكشف عنه جوامع الكلم النبوي.

حقاً! إن هذا الحديث الشريف لهو الأساس المعتمد هنا لمراقبة الأنفاس: تحقيق الرؤية لله في العبادة إنْ في السّر وإنْ في العَلن.

غير أن هذه العبادة لم تقتصر على فئة من الناس وإلا شطبنا على بقية المسلمين: فرقهم ومذاهبهم وطوائفهم المتعددة ولكنها تَوَزَّعَتْ فيما بينهم وعَرَفَها المسلمون وتفاوتوا في معرفتها، وإنما اختصت عبادة العارفين بمزية تميزوا بها عن غيرهم من سائر الطوائف فلا يدانيهم فيها سواهم ولا يقاربهم فيما سَنُّوه من ضروب العبادات الشَّاقة مذهب ولا طائفة ولا فرقة من الفرق الإسلامية الأخرى، تميزت بالشعور العميق بالفكرة الدينية، وعبادة الله على مقام الإحسان عبادة خالصة كأنها تراه.

خذ مثلاً ما قاله الإمام صالح الجعفري أحد العرفاء المعاصرين عن الصلاة: إذا اشتد عليك حال فتوضأ وصل، واذا قمت الى الصلاة، فصل وأنت توقن أن الله يراك. وهذا هو مقام الإحسان الذى قال فيه المصطفى عليه الصلاة والسلام (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه؛ فإنه يراك) فهل وقفت يوماً لتصلى وتذكرت الله، وأن الله تعالى ينظر إليك؟ إنْ الصلاة لها فوائد، ولها ميازيب تتنزل منها الأسرار، والميازيب لها مفاتيح؛ فإن فعلت ذلك، يأتك المدد من نظر الله لك؛ فنظرة الله تعالى إليك عظيمة، وكل شئ له حلاوة وعلاوة؛ فحضور قلبك فى الصلاة وتذكرك أنك فى معيّة الله تنال بسببه جزاء عظيماً من الله تعالى .فيجب على المصلى أن يعتقد أنه إذا قال بسم الله الرحمن الرحيم أن الله يسمعها قبل أن يسمعها هو من نفسه، واذا كانت لك حاجه تطلبها أو شكوى تبثها فيجب عليك أن تعتقد أنه سبحانه وتعال يعلمها قبل أن تنطق بها. فإذا كنت تصلى بهذه الكيفية فأعلم أن هذا عطاء لا يقدر أحد أن يأتي بمثله، ولكنه يجيئ بمحض فضل الله).

والفرق واضح جليٌّ بين كلمات هذا العارف بالله، وكلمات غيره من ذوي النقل والحرف والعنوان: أن الأول صادر عن تجربة ومعايشة، وللكلام فيه قوة وتأثير، له صورة نورانية نتيجة ممارسة العلم قلما تجدها في كلام آخر منقول لك مجرد نقل لا روح فيه ولا حياة. هذا رجل جرب فنقل لك تجربته، ومنها تحدث فكان لحديثه وقع مختلف، وعاني فظهرت معاناته في كلماته وعليها خلع الحضور. أما  الآخر؛ فلفظ ما جاوز الأشداق.

ولمقام الإحسان في الصورة التي يلقيها عليك متطلباته: أن تكون العبادة لله وحده في المعاملة والتوجه، نظر الله هو الغالب عليه، ولم يعد للخلق عليه ولا على خواطره حكم ولا وجود؛ لأن باطنه ممتلئ بالكلية بالرعاية لحقوق الله، وليس للأغيار عليه سلطان ولا اعتبار. ارتفعت عن قلبه أمراض الباطن من الغل والحسد والكراهية والضغائن التي تمرض القلوب فتهلكها؛ لأن الباطن مشغول بالله فمحاولة تطهيره وسلامه دخائله ونظافته أولى وأكبر، وأعلى من أن تشغله الشواغل الموبوءة وهي حاجبة له بمواجهة الأغيار.

نعم! ربما جاءت العبادة شكلاً ظاهرياً من أشكال التدين أو جاءت حركة رتيبة آلية لا روح فيها ولا حضور بين يدي الله، ربما كانت مظهراً خارجياً لا يَتَعَمَّق في الباطن ولا يدل عليه دلالة يُسْتَفاد منها تفعيل الوجود الروحي. صحيحٌ أن هنالك عُبَّاداً وزهاداً بين تنوع الفرق الإسلامية كثيرون، ليس ينكر ذلك أحد ولا يستطيع، لكن العبادة في الغالب " قد تكون شكلاً من الأشكال، مُجَرَّد شكل، لا قيمة له؛ ولا وزن في مقاييس الروح وموازينها، وقد تسمو وتسمو؛ فتصل إلى أن:" تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه؛ فإنه يراك".

ولقد كان الرسول؛ صلوات الله وسلامه عليه، المثل الأعلى لنا في أن نعبد الله؛ كأننا نراه، أو في أن نرى الله في جميع ما نأتي وما ندع: في الكون نذَلّـلِهُ ونسخِّره، وفي المجتمع نصلحه ونهذِّبه، وفي العمل نتقنه ونخلص فيه، وفي الحديث نتحرى فيه الصدق والأمانة. لقد حول رسول الله؛ صلوات الله وسلامه عليه؛ الحياة كلها إلى عبادة، فكان العمل عبادة، وإن من الذنوب ذنوباً لا يُكَفِّرها إلا السعي على المعاش؛ والجهاد عبادة، وإن أفضل الأعمال الإيمان، ثم الجهاد.

ولقد وصل الأمر به صلوات الله وسلامه عليه؛ أن جَعَلَ الأكل والشرب والمشي عبادة. وهكذا أصبحت الحياة حركة وسكوناً لله سبحانه؛ فأصبحت الحياة كلها عبادة:" قُلْ إنَّ صَلَاتيِ ونسكي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتيِ للهِ رَبِّ العَالمَيِنَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلكَ أُمِرْتَ وَأنَا أوْلُ المُسْلِمينَ" (الأنبياء: آية رقم (162), وآية رقم (163).

ولقد وضح هذا الاتجاه؛ ليُجْلي مراقبة الأنْفَاس؛ لتكون عبادةً مع القصد والنية والحضور من أرقى العبادات الدينية في الإسلام؛ منذ اللحظة الأولى للوحي:" اقْرَأْ بِسْمِ رَبِّكَ الذَّي خَلَقَ " (سورة العلق: آية1). ثم إن القرآن كله فسّره، ووضحته أعمال الرسول؛ صلوات الله وسلامه عليه؛ فكانت الحياة كل الحياة من أجل ذلك عبادة: الأنْفَاس، والحركات، والسَّكنات، والنوم، واليقظة، الحياة كلها، بل والموت عبادة؛ أجل إنما الموت عبادة!

وكيف يكون الموت عبادة؟

يكون عبادة لأنه رضى وتسليم لقضاء الله وقدره؛ فعدم الاعتراض عليه إذا نزل بالعبد إنما هو عبادة من أعمق العبادات وأصدقها لدى من يفوض الأمر كله من منطلق هذا التسليم إلى الله تعالى؛ فما زادت العبادة الحقيقية على مثل هذا الافتقار إلى الله شيئاً. فإذا أردنا أن نعرف كيف يكون الموت عباد، وكيف يأتي تسليماً لقضاء الله وإيماناً بقدره وافتقاراً دائماً إلى كنفه؛ فلنقرأ للإمام أبي القاسم الجنيد هذا الدعاء:" اللهم بارك لنا في الموت إذا نزل بنا وأجعله يوم حباء وكرامة وزلفى وسرور واغتباط، ولا تجعله يوم ندم ولا يوم أسى، وأوردنا من قبورنا على سرور وفرح وقرة عين، وأجعلها رياضاً من رياض جنتك وبقاعاً من بقاع كرامتك ورأفتك ورحمتك: لقنا فيها الحجج وآمنا فيها من الرَّوعات، واجعلنا آمنين مطمئنين إلى يوم تبعثنا؛ يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه؛ لا ريب في ذلك اليوم عندنا: آمنا من روعاته وخلصنا من شدائده، وأكشف عنا عظيم كربه، واسقنا من ظمئه، واحشرنا في زمرة محمد صلى الله عليه وسلم المصطفي الذي انتخبته واخترته وجعلته الشافع لأوليائك المقدم على جميع أصفيائك، الذي جعلت زمرته آمنة من الرَّوْعات (حلية الأولياء: جـ 10, ص 285- 286).

فإنّ الذي يدعو ربه بهذا الدعاء، يدعوه وهو يعلم أن الموت عبادة، وأن عبادته مع كونها تحقق معنى السعادة التي يتغيَّاها العارفون حين يذكرون الموت؛ فهى كذلك تعدُّ أصدق العبادات وأعمقها تذوقاً في بواطن الشعور.

قسم الكتَّاب الأوُّل المراقبة إلى أحوال ثلاثة. الأول حال الابتداء. والثاني يمكن تسميته بحال التوسط. والثالث حال الكبراء وهو حال الانتهاء؛ فمبتدئ، ومتوسط، ومنتهي. ولهذا التدرج والتقسيم في المراتب والمنازلات الروحية دلالة عند السّراج الطوسي صاحب كتاب اللمع؛ فهو لم يأتٍ عبثاً بغير معنى ولكن مجيئه كان قصداً؛ لأنه يجعل للحال درجات ورجال؛ فلا ينازل الحال إلا رجل له درجتها، ولا تتوارد عليه الحال إلا لدرجة رجل يستحقها أو لمنزلة هو خليقٌ بالبقاء فيها؛ فلكل رجال درجة ومنزلة.

وهذا الذي قاله صلوات الله وسلامه عليه:" فإنْ لمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَهُوَ يَرَاكَ "؛ فوق كونه إشارة إلى مقام الإحسان فهو أيضاً إشارة إلى حال المراقبة؛ لأن المراقبة علم العبد باطلاع الرب سبحانه وتعالى عليه، واستدامته لهذا العلم مراقبة ربه، وهذا أصل كل خير، ولا يَكَادُ العبد يصل إلى هذه الرتبة إلا بعد فراغه من المحاسبة؛ فإذا حاسب نفسه على ما سلف، وأصلح حاله في الوقت، ولازم طريق الحق، وأحسن بينه وبين الله تعالى مُرَاعاة القلب، وحفظ مع الله تعالى الأنفاس، وراقب الله تعالى في عموم أحواله فيعلم أنه سبحانه عليه رقيب، ومن قلبه قريب، يعلم أحواله ويرى أفعاله ويسمع أقواله. ومن تغافل عن هذه الجملة فهو بمعزل عن بداية الوصلة، فكيف عن حقائق القربة؟" (الرسالة القشيرية: ص 189).

العارف وهو في خضم تجربته الروحية لن يترك مضمونه العقدي ينتسب إليه ويروح؛ ليكرع من مضامين أُخر لا تمتُّ إلى عقيدته بصلة ولا إلى مضمونه بنسب، لقد كانت المراقبة تقوِّم العبودية تقويماً روحياً بالأساس بمقدار ما تقوِّمُ العبادةُ الفكرةَ الدينيةَ وتكيفها في حدود منطلقاتها الشعورية، بوجوب بقاء العبد دوماً على مقام الإحسان في رحاب المعية الإلهية. إنّ المراقبة التي تستند على فكرة التَّعَبُّد الصوفي، ويستند عليها جوهر التَّعَبُّد الصوفي؛ لتحظى في قيمتها الروحية بالاعتماد المباشر على حديث رسول الله صلوات الله وسلامه عليه:" فإن لم تكن تراه فهو يراك "، وهو مقام الإحسان؛ لتجيءُ عبودية كاملة ذات قيمة في الإسلام روحية خالصة؛ الذوقيون وحدهم هم الذين يفطنون إليها فيُنَبِّهون على وجوبها قصداً؛ فضلاً عن كونها تمثل التوجه الروحي الخالص في الإسلام: معاملة إيمانية باطنة.

أسفرت هذه القيمة الروحية الكبرى عن تلك الحياة الروحية الباطنة في الإسلام ممثلة في علم عظيم وجليل هو "علم التصوف". ثم إن الإسلام الروحي لم ينشأ إلا بنشوء هذا العلم (أعنى التصوف) ولم ينشأ هذا العلم بالطبع إلا بالمسيرة على خطى المحبة لله ولرسوله صلوات الله وسلامه عليه، وبذل المجهود في تلك المحبة مع وجوب الموافقة.

عندما كتب القشيري الباب الأول من رسالته في ذكر مشايخ هذه الطريقة، وما يدلُّ من سِيَرِهم وأقوالهم على تعظيم الشريعة؛ استفتح هذا الباب بتنويه حَدَّثَنَا فيه عن نشوء التصوف وظهور فكرة "مراقبة الأنفاس" الدالة على عظيم مقام الإحسان لدى مشايخ الطريق بأن قال إن المسلمين بعد رسول الله؛ صلوات الله وسلامه عليه، لم يتسمْ أفاضلهم في عصرهم بتسمية عَلَم، سوى صحبته؛ صلى الله عليه وسلم؛ إذْ لا فضيلة فوقها فقيل لهم الصحابة. ثم جاء أهل العصر الثاني فأدركوهم فسمى من صحب الصحابة بالتابعين ورأوا في ذلك أشرف سمة وعلامة. ثم جاء من بعدهم أتباع التابعين. واختلف الناس من بعدُ وتباينت المراتب؛ فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بأمر الدين: الزُّهَّاد والعباد.

ولما أن ظهرت الفتن واشتدت البدع، وحصل التداعي، وتنازعت فيما بينها الفرق؛ فأدعى كل فريق منهم أن فيهم زهاداً وأنهم لا يخلون في الغالب من عبَّاد:" أنفرد خواص أهل السنة المراعون أنفاسهم مع الله تعالى، الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة؛ باسم "التصوف"، واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة"(الرسالة القشيرية:  ص 34) وابن خلدون في هذه النقطة كذلك يعتمد القشيري تقريباً أساساً لما يقوم به من معالجة لنشوء التصوف واختصاصه بهذا الاسم بالتعويل على فقه الباطن الذي تميز به الصوفية المقتدون بالسلف الصالح في أعمالهم الباطنة والظاهرة حتى تسَّموا بالمتصوفة؛ بل يكاد ابن خلدون ينقل عبارات القشيري بلفظها ونصها مع تحديد التاريخ الذي قام القشيري بتحديده من قبله؛ ليقول إن هذا الاسم "اشتهر قريب من المئتين من الهجرة"؛ ثم تتابعوا جيلاً بعد جيل، يهتدي الخلف منهم بالسلف، ويؤدي ما لقن لمن وفقه الله من أتباعه، وصار فقه الشريعة على نوعين: فقه الظاهر؛ وفقه الباطن. ثم يأخذ ابن خلدون في شرح المقصود من فقه الظاهر وهو  الذي يختص بالأحكام الشرعية العملية. أما فقه الباطن فهو علم القلوب الذي هو: مقام الإحسان أو علم التصوف (يراجع، شفاء السائل؛ ص 46).

ولنا أن نلاحظ تركيز القشيري هنا على خواص أهل السنة باعتبارهم كما وصف هم الخواص المراعون أنفاسهم مع الله؛ وهم هم الخواص الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة، وأن هؤلاء الخواص هم الذين اشتهروا باسم التصوف خاصة، فلتلحظ هاهنا "مراعاة الأنفاس أو مراقبتها"؛ وقد جاءت لتتصل بالتصوف بالمباشرة فكأنما الإشارة فيها تجيء فتجعل هذه المراعاة أو تلك المراقبة للأنفاس ليست مجرد كلمة عابرة في سياق تعبيري إنشائي عادي يخلو من الأهمية وظاهر الدلالة كما يتبادر إلى الذهن من الوهلة الأولى، لكنها كما وَرَدَتْ في سياق نص القشيري بحيث تأتي؛ لتصبح تعبيراً عالياً عن عبادة خاصة مخصوصة بالصوفية اشتهروا بها، وعرفوا من بين خواص أهل السنة بممارستها عبادة روحية خالصة تسَمَّتْ بــ "مراقبة الأنفاس". بمقدار ما نلاحظ مركزين بدقة قول القشيري: "اشتهار هذا الاسم قبل المائتين من الهجرة".

قبل المائتين من الهجرة - مع استحضار دلالة عبارة القشيري من جانبنا - كان هنالك من الأكابر "خواص أهل السنة"، الذين انفردوا بمراعاة أنفاسهم مع الله تعالى، وبمحافظة قلوبهم وحراستها عن طوارق الغَفَلات، واختصوا باسم "التصوف". وعلى هذا؛ فمراقبة الأنفاس ومحاسبتها ورعايتها عبادة من أجلّ العبادات وأحْرَصها عند القوم، إنْ لم نقل وأخصَّها كذلك، ظهرت على حد تعبير القشيري قبل المائتين من الهجرة، فكانت علامة على التصوف وسمة دالة على رجاله؛ ولم تظهر بعد القرن الرابع الهجري أو في أثنائه كما أدعى البيروني وقلده فيما ذهب إليه الكثيرون سواء من المستشرقين أو من العرب.

فلم تكن عقائد الهنود ولا فلسفتهم ولا علومهم معروفة لدى المسلمين معرفة دقيقة واضحة ومُفَصَّلة قبل أن يؤلف البيروني كتابه "تحقيق ما للهند من مقولة، مقبولة في العقل أو مرذولة"؛ فإن هذا الكتاب القيم الذي كان الأول من نوعه، ظهر بعد ظهور التصوف بزمن طويل فلم يكتب شيء بالعربية عن الهند قبل اكتمال التصوف في الإسلام.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

حسن الياسريفي المحكمة الاتحادية العليا

قد تطرقنا فيما سلف إلى (24) تجربةً من التجارب الدستورية الدولية في تكوين المحاكم الدستورية في دول العالم وكيفية اختيار أعضائها. وقد تبيَّن لكم كيف أنَّ القضاة يمثِّلون الأقلية فيها، بل إنَّ بعض هذه المحاكم لا قضاة فيها البتة. وعلمنا أنَّها كلها يُطلق عليها اسم (محكمة)، ويُطلق على أعضائها صفة (قاضٍ) مع أنَّ أغلبيتهم ليسوا بقضاةٍ في الأصل.

أما تجربة المجالس الدستورية، فهي أكثر توجُّهاً نحو اضافة أعضاء لا صلة لهم بالقضاء أساساً. ويتجلى ذلك عبر الاطلاع على التجربة الدستورية البارزة على مستوى العالم، المتمثلة بالمجلس الدستوري الفرنسي، ومعه سنتطرقُ كتجربةٍ عربيةٍ إلى المجلس الدستوري اللبناني والمجلس الدستوري الجزائري.

1ـ المجلس الدستوري الفرنسي:

بمقتضى المادة (56) من الدستور الفرنسي لعام 1958 يتألف المجلس الدستوري من نوعين من العضوية: الأولى عضويةٌ دائمةٌ بقوة القانون، وهي مخصَّصةٌ لرؤساء الجمهورية السابقين. والأخرى عضويةٌ تستمر لتسع سنوات -الحد الأقصى لأنه في كل ثلاث سنوات يتم تجديد الثلث-،ويكون عدد هذه الفئة -الثانية- تسعةً (9)، وليس ثمة قيدٌ في اختيار أعضائها، إذْ تُركت لتقدير رئيس الجمهورية (يُعيِّن ثلاثة) والجمعية الوطنية (ثلاثة) ومجلس الشيوخ (ثلاثة).

ما يعني أنَّ المجلس بحسب الأصل ليس فيه قضاةٌ، كما أنَّ رئاسته تكون -بحسب العرف- إلى رجلٍ بارزٍ في القانون.

2ـ المجلس الدستوري اللبناني:

ويتألف من عشرة أعضاء، يُعيِّن مجلس النواب نصفهم، ونصفهم الآخر الحكومة. ويتم اختيار أعضائه من بين القضاة السابقين -المتقاعدين-، أو من بين أساتذة القانون في الجامعات الحاليين أو السابقين، أو من بين المحامين.(قانون إنشاء المجلس الدستوري في لبنان لعام 1993).

وعلى هذا فالأكثرية في المجلس هي لرجال القانون لا القضاة.

3ـ المجلس الدستوري الجزائري:

بمقتضى الدستور الجزائري لعام 1996 يتألف المجلس الدستوري من تسعة أعضاء، يعيِّن رئيس الجمهورية ثلاثةً، وينتخب المجلس الشعبي الوطني -مجلس النواب- اثنين، وكذا ينتخب مجلس الامة اثنين، وعضواً واحداً تنتخبه المحكمة العليا، وعضواً واحداً ينتخبه مجلس الدولة. وبهذه التوليفة يكون عدد القضاة واحداً (1) من بين التسعة، الذين يمكن أن يكونوا من أية خلفيةٍ أو اختصاص.

أما بعد تعديل دستور الجزائر لعام 2020 -قبل مدةٍ وجيزةٍ في عهد الرئيس الجديد عبد المجيد تبون- فقد تحول المجلس إلى محكمةٍ دستوريةٍ، وباتت هذه المحكمة تتألف -كما ذكرنا آنفاً- من (12) عضواً، يُعيِّن الرئيس أربعةً منهم، وتنتخب المحكمة العليا عضواً واحداً، وكذا ينتخب مجلس الدولة عضواً واحداً، في حين يُنتَخب الستة الباقون (6) بالاقتراع من أساتذة القانون. ما يعني أنَّ عدد القضاة هو واحدٌ (1) من بين (12) عضواً، في حين إنَّ عدد فقهاء القانون هو ستةٌ (6).

وبعد أنْ أستعرضنا كيفية تكوين المحاكم الدستورية والمجالس الدستورية في العالم، قد نضطرُ لإثارة السؤال الآتي:

هل كل هذه الدول والدساتير والتجارب الدولية لا تفهم، والذي يفهم هو بعض المتحدِّثين في العراق، الذين تحدثوا في الموضوع بلا أدنى دليلٍ وبلا درايةٍ، والذين اتضح لحضراتكم بالدليل القاطع الذي عرضناه بالتفصيل في الأقسام والأجزاء المنصرمة، أنهم لا علم لهم بالموضوع لا من قريبٍ ولا من بعيد، وأنهم لم يطلعوا على تجربةٍ واحدةٍ من هذه التجارب ؟!!

وعموماً، من كل هذه التجارب الدولية المهمة يتضح بجلاءٍ أنَّ القاعدة العامة في تأليف المحكمة الدستورية أو المجلس الدستوري تتمثل باختيار شخصياتٍ لها المكنة والقدرة على الاستنباط الفقهي، بصرف النظر عن كونهم قانونيِّين أو قضاةً ونحو ذلك. بل أكثر من ذلك لاحظنا أنَّ عدد القضاة إنما يُمثِّل الأقلية في توليفة المحكمة، وأنَّ الغالبية هي للعنصر القانوني؛ خلافاً لما تمَّ تسويقه في الآونة الأخيرة في العراق، عبر دعايةٍ إعلاميةٍ عارمةٍ، موجَّهةٍ من جهاتٍ متعددةٍ، إعلاميةٍ وسياسيةٍ وقانونيةٍ.

ولم يعد خافياً بعد العرض المتقدم أنَّ بعض التجارب الدولية لا تكتفي بجعل العنصر القضائي هو الأقل عدداً، بل قصرت عضوية المحكمة، بحسب الأصل، على فقهاء القانون ورجالهِ فحسب، كما هو الحال في تشيلي وبوليفيا والبرازيل وفرنسا وإندونيسيا وتونس ومنغوليا...

والسبب في ذلك معروفٌ في الفقه الدستوري، وقد ذكرناه آنفاً، وهو أنَّ هذه المحكمة هي ليست محكمةً عاديةً تدخل ضمن التسلسل الهرمي للمحاكم العادية التي تخضع لإشراف مجلس القضاء الاعلى، فهي ليست محكمة بداءة أو أحوال شخصية أو جنح أو جنايات، ونحو ذلك. بل هي محكمةٌ ذات طابعٍ دستوريٍ سيادي، وأحياناً سياسيٍ كما يذهب إلى ذلك جانبٌ من الفقه. وبالمحصِّلة فهي تحتاج إلى فقيهٍ يمتلك القدرة على استنباط الأحكام من نصوص الدستور. وبالتأكيد إنَّ الفقيه القانوني هو الأقدرُ على هذه المهمة من القاضي الذي ربما يفني كل عمره المهني (30 سنة مثلاً) دون أن تطرأ عليه قضيةٌ دستوريةٌ ودون أن يطلع على واحدةٍ منها، ولا سيما في دولةٍ مثل العراق، إذْ كان القضاء في زمن النظام المقبور ممنوعاً من النظر في دستورية القوانين، ولم تكن لدينا محكمةٌ دستوريةٌ تنظر في ذلك؛ لإن السلطة دكتاتوريةٌ بكل معنى الكلمة، وعليه لم يتحصَّل لدينا -بكل صراحةٍ- جيلٌ قضائي يفقهُ الدستور ويستطيع تفسيره. وبعد سقوط النظام البائد أصبح الأمر مقتصراً على المحكمة الاتحادية العليا، التي بدورها لم تكن تمتلك أية خلفيةٍ دستوريةٍ، ولم تنظر المحاكم الاخرى بدورها في قضايا الدستور بسبب وجود تلك المحكمة. ما يعني أنَّ القدرة على تفسير الدستور والبتَّ في دستورية القوانين ما زالت بعيدةً عن الجسم القضائي الذي انحصر عمله في القضايا المدنية والجزائية ونحوهما ؛ لما سلف ذكره ولكون التجربة جديدةً في الواقع العراقي. 

وغنيٌ عن البيان أنَّ دول العالم قد سبقتنا في التجربة، ولكون هذه الدول أدركت ما قلناه آنفاً ؛ لذا لجأت إلى جعل المحكمة مستقلةً تماماً عن الجسم القضائي، وأضحت -المحكمة- تمارس دوراً سيادياً بارزاً. وبناءً على ذلك جعلتها بعض الدول حكراً على القانونيِّين دون القضاة، وجعلتها أخرى تضمُّ بعض الشخصيات العامة من ذوي الخلفيات الإدارية أو التنفيذية ونحوها، لكن الأعمَّ الاغلب لجأ إلى نظرية (الموازنة)، فباتت التوليفة مختلطةً تضمُّ قضاةً وقانونيِّين ونحو ذلك ؛ وهو التوجُّه الأوفق والأفضل بحسب تقديري، مع أنَّ أكثر التجارب الدولية تميل إلى تغليب فئة القانونيِّين على فئة القضاة، كما عرضنا آنفاً؛ وهو توجُّهٌ موفقٌ أيضاً، وينسجمُ مع طبيعة عمل القضاء الدستوري على الصعيد الدولي.

وإذْ كنا عرضنا ذلك كله بالتفصيل، فإنَّ وجه الإنصاف والموضوعية يقتضي أنْ نقول إنَّ ثمة إشكالاً يمكن أنْ يُثار على ما طرحنا من رأيٍ في الأجزاء السابقة، مؤداه أنَّ المحكمة العليا الأميركية ليس فيها إلا القضاة، ومن هذه الناحية لدينا تجربةٌ دستوريةٌ دوليةٌ مهمةٌ تتكون من القضاة فقط، بخلاف المحاكم الدستورية المعروضة آنفاً التي كان عددها (24) محكمةً، وكذا المجالس الدستورية ؟

إنَّ الردَّ على هذا الإشكال دستورياً ومناقشته علمياً ستكون محلاً للعرض في القسم السادس اللاحق إنْ شاء الله .

 

د .حسن الياسري - بغداد