حوار مفتوح

majed algharbawi1خاص بالمثقف: الواحدة والثلاثون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

الأسس الأخلاقية لتشريع الأحكام

ماجد الغرباوي: قبل الإجابة على السؤال المتقدم: "ما الفرق حينئذٍ بين أحكام الشريعة والأحكام الوضعية إذا كان تشريع كل منهما قائما على ذات المبادئ والقيم؟"، ينبغي أولاً تقديم أدلة وشواهد على تشريع أحكام الشريعة الإسلامية وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع المتقدمة: "مركزية العدل وعدم الظلم، السعة والرحمة، والمساواة".

لقد تقدمت مجموعة شواهد وأدلة تثبت تشريع الأحكام وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع، نعيد ترتيبها وإضافة ما يعضد صحة فرضيتنا: (ليست الأحكام في الشرائع السماوية معطى نهائيا، بل أن تشريعها يجري وفقا لمتطلبات الواقع ومقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع التي يمكن للعقل إدراكها، وتحديد فعليتها، وتوظيفها لملء منطقة الفراغ التشريعي، في إطار أخلاقي، بعيدا عن وصايا الفقهاء).

وللأحكام الشرعية صيغ، متفق عليها بين الفقهاء: ("وجوب / فرض"، "استحباب / ندب"، "حرمة / حرام"، "كراهية / مكروه"، إباحة). والإباحة كل ما عدا الأحكام الأربعة. ويقصد بها: (أن يفسح الشارع المجال للمكلف لكي يختار الموقف الذي يريده. ونتيجة ذلك أن يتمتع المكلف بالحرية، فله أن يفعل وله أن يترك). بينما هدف القوانين والأنظمة في منطقة الفراغ التشريعي أوسع، تقصد الإلزام أو النهي. بيان الحقوق والواجبات. وكل ما تتطلبه حركة الحياة على جميع الأصعدة لتحقيق الأمن والاستقرار وضبط سلوك المجتمع عبر نظام قانوني محكم. ونحن هنا ندعي وحدة المنهج في تشريع الأحكام، وأن جميعها يشرّع وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع. وإذا كانت الثانية واضحة من خلال الخبرة اليومية لتشريع اللوائح القانونية، باعتبارها أفضل صيغة عقلائية، يتجاوز بها المشرّع الارتجال والمزاجية ومختلف الانحيازات، فإن الأولى تحتاج لأدلة وشواهد تثبت صحتها. سيما أنها أحكام مقدسة ووحي سماوي، لذا ارتكزت في طرح الفرضية على مقدمات، هي:

المقدمة الأولى: إن مفهوم القداسة الجديد يساعد على إدراك ملاكات الأحكام والمبادئ القائمة عليها. إذ تقدم أن قداسة النص الديني، تعني: ثراء النص وعمقه، ولا تعني دوغمائيته والجمود على حرفيته تعبدا. ومعنى التعبد كل ما لا يدرك ملاكاته من الأحكام فيجب الإلتزام به وامتثاله تسليما وطاعة. والتعبد لا ينفي وجود ملاكات ومصالح، إلا أنها غير مُدركة، ومادامت ممكنة، فيمكن إدراكها وفقا لمعطيات العلوم الإنسانية الحديثة، مباشرة كما بالنسبة للأحكام المعللة أو غير مباشرة. وقد اقترحت في كتاب الفقيه والعقل التراثي، وفقا لمنهج فقه الشريعة: "التوازن الروحي والسلوكي، وتحقيق العدالة الاجتماعية"، ملاكات للجعل التشريعي، والتي على أساسها معرفة مدى فعلية الحكم، بعد أن تبين عدم إمكان تشخيص فعلية جميع الأحكام من خلال فعلية موضوعاتها، فأمسى لدينا طريقان لمعرفة فعليتها. والتفصيل في محله. ومفهوم القداسة بهذا المعنى يشمل الأحكام الشرعية باعتبارها نصوصا مقدسة. فهناك معان لمفهوم قداسة الأحكام الشرعية في سياق قداسة النص، هي:

معنى قدسية الأحكام الشرعية

1- قدسية الأحكام الشرعية باعتبارها جزءا من قدسية النص. وبما أنها جزء من النص فتأخذ قدسيته، ويكفي في قدسيتها وجودها ضمن آيات الكتاب. وهذا ما يفهمه اتجاه العبودية لقدسية الأحكام الشرعية.

2- تعني قداسة لأحكام الشرعية، وفقا للاتجاه العقلي / فقه الشريعة: قدرة العقل على  إدراك فلسفتها وتاريخها ومقاصدها وغاياتها وخلفيتها في أفق الواقع، ومن خلال حيثيات الحكم من جميع الجهات، بل وحتى ثقافة الناس وقبلياتهم وعاداتهم وتقاليدهم تؤخذ في نظر الاعتبار، للكشف المشتركات الأخلاقية بين الأحكام الشرعية والوضعية، وظروف نشأت السؤال، وماهي قبلياته الاجتماعية والأخلاقية، وما هي دوافع طرحه، وما هي الأجوبة المتداولة حوله قبل صدور الحكم الشرعي. وهذا لا يتنافى مع التسليم والطاعة بل يفسح المجال لإدراك مقاصدها وغاياتها، لمعرفة مدى فعليتها في ضوء الواقع وضروراته.

3- قدسية الأحكام الشرعية بلحاظ دلالتها الرمزية وما تستوجب  من جزاء أخروي، ثواباً أو عقاباً. وهي خصوص الأحكم منصوص عليه قرآنيا، سواء ترتبت عليها آثار دنيوية أم لا". فالحكم يكتسب قدسية لا من وروده في الكتاب فقط، ولا من الآثار الأخروية المترتبة عليه فقط، بل من الدلالة الرمزية، للطاعة والمعصية التي تستوجب الجزاء الأخروي. إذ يعني امتثال الحكم طاعة الله تعالى. ومعصيته معصية الخالق وعظمته. وهذه الدلالة تكفي لرفع مستوى قدسيتها. غير أن قدسيتها بهذا المعنى لا يمنع من تحري فعليتها، ما لم تشكل المراجعة تحديا للإرادة الآلهية. ولازم هذا الفهم محدودية الأحكام وعدم مشروعية أي حكم ينتسب للشريعة ما لم يكن منصوصا عليه. وبهذا تعرف قيمة ما ينسب إلى الله، حتى لو كان الدليل حديثا نبويا ما لم يكن له جذر قرآني، ليكون شارحا ومبينا له، وماعدا ذلك يبقى فعلا بشريا، قد يكون ملزما في حينه كالأحكام الولائية، أو يكون حكما أخلاقيا، أو خبرة حياتية، أو حكما إرشاديا، أو توجيها عقلائيا. هذا لا غبار عليه، بيد أننا في صدد ضابطة لتعريف المقدس من أحكام الشريعة.

4- قدسية الأحكام الشرعية بمعنى، حصانتها في حدود ما ورد في كتاب الله. وهذا معنى رابع، إذ حرصت الشريعة بعد بيان جميع الأحكام، جاءت الآية لتقول صريحا: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا). فالدين الذي هو عقيدة وشريعة قد اكتمل بهذه التشريعات، ولا يحتاج الإنسان غيرها، ولو كانت هناك حاجة لبينها، لكنه لم يبين، بل أكد:

(وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ، مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).

(قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).

هذه أربعة معانٍ لمفهوم قدسية الأحكام الشرعية، تظهر من خلال تدبر الآيات في إطار فهم جديد للدين وفقه الشريعة، يكون محوره الإنسان. وسيأتي الكلام عن صدقية مفهوم القدسية على الأحكام أم لا، وحينئذٍ سنفهم ماذا يعني قداسة الأحكام، هل تعني وجود بعد ميتافيزيقي، أم أن تشريعها يجري وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته؟.

المقدمة الثانية: إن تفاوت الإلزام في الأحكام الشرعية بين الوجوب والاستحباب أو بين الحرمة والكراهية مثلاً، يقتضي وجود مرجعية، ومبادئ تحدد مستوى الإلزام والترجيح. وبشكل أدق: أن (لكل واحد من الأحكام التكليفية الخمسة مبادئ تتفق مع طبيعته، فمبادئ الوجوب هي الإرادة الشديدة، ومن ورائها المصلحة البالغة درجة عالية تأبى عن الترخيص في المخالفة. ومبادئ الحرمة هي المبغوضية الشديدة، ومن ورائها المفسدة البالغة إلى درجة نفسها. والاستحباب والكراهة يتولدان عن مبادئ من نفس النوع، ولكنها أضعف درجة بنحو يسمح المولى معها بترك المستحب وبارتكاب المكروه). فكيف يحدد المولى مستوى التفاوت، إذا استبعدنا الارتجال في وضع الأحكام الشرعية؟. لا بد أنه يحدده وفقا لمقتضيات حكمته، وما يقصده من وراء الحكم، وذلك طبقا لمبادئ تشريعاته: (قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ، قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ). وطالما أكد الكتاب الكريم على مبادئ أساسية، مرَّ الكلام عنها وعن شواهدها وأدلتها. فيمكن صياغة ضابطة: (إن لازم ترجيح الملاكات المتفاوتة وجود مبادئ يحتكم لها المشرّع في تشريع الأحكام). فعندما يشرّع المشرّع وجوب الصلوات الخمسة، فذلك لوجود مصلحة تخص المكلف فأمره بإقامتها، خمسة مرات باليوم بمعدل 17 ركعة. ثم ترك الباب مفتوحا للصلاة على نحو الاستحباب. فالفارق بين الصلاتين الواجبة والمستحبة في درجة الإلزام، وما يستوجبان من جزاء، ثوابا أو عقابا. وهنا نسأل، ما هو الأساس أو المبدأ الذي ارتكز له المشرّع في التمييز بين الواجب والمستحب؟. لاريب أنه ارتكز للعدل أو للسعة والرحمة أو لكليهما، في أفق الواقع وضروراته بالنسبة لفرد يعيش داخل حياة تضج بالحركة والمسؤولية. فيأخذ بنظر الاعتبار واقع الفرد داخل المجتمع، وحينئذٍ يشرّع وفقه على أساس مبادئ التشريع، فيجد من العدل عدم إرهاق كاهل المكلف بصلوات أكثر من الفرائض، لكنه أبقى الباب مفتوحا ليروي ظمأه الروحي، عندما ينفتح على الغيب والمطلق. وبالتالي لا يوجد ارتجال ومزاجية في تشريع الأحكام بل يقوم التشريع وفقا لمقتضيات الحكمة، التي هي صيغة عقلائية، والله سيد العقلاء، وأحكم الحكماء حسب الفرض، (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)، (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا)، (يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُو الأَلْبَابِ). (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا)، (وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ)، (وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ). وجميع هذه الآيات تؤكد الحكمة والحق، وتنفي العبثية والانحياز.

ويمكن الاستدلال بالآيات أعلاه وآية: (فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) على اعتماد الحكمة ومبادئ التشريع في تمييز الحق، قبل النطق بالحكم القضائي. فمبادئ التشريع ومبادئ إحقاق الحق، مبادئ عقلية تقتضيها حكمة التشريع والقضاء وإحقاق الحق.

إذاً، في ضوء هاتين المقدمتين استنتجت أن الأحكام سواء سماوية أو أرضية. مقدسة أو وضعية تقوم على أساس مقتضيات الحكمة، ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته وفي إطار القيم الأخلاقية، بل ويصدق الأساس الأخلاقي للأحكام التشريعية.

والآن نذكر أدلة وشواهد تؤكد وحدة المبادئ في التشريعات. مما يتيح ملء منطقة الفراغ بعيدا عن وصايا الفقيه، سوى خبرته الفقهية والقانونية. وهي بذاتها تثبت شرعيتها وقانونيتها. وبالتالي وهذا المهم جدا، نهتدي لضابطة: (إن مصدر شرعية الحكم صدوره وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في ضوء الواقع وضروراته)، ولازمه عدم توقف شرعية الحكم في منطقة الفراغ على وجود فقيه أو خصوص الولي من الفقهاء. بل حتى أحكام الشريعة فإنها تستمد شرعيتها من مقتضيات المشرّع ومبادئه المقدسة. أي صدورها من مشرّع حكيم. ولا تستمدها من قدسية الشريعة فقط: (فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ)، (وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ)، (وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ)، (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ). ولا تخفى دلالة الآيات على ربط الحكم بالحكمة، فالله أحكم الحاكمين. فالآيات لا تنكر وجود حكماء قادرين على إحقاق الحق وفقا لمقتضيات الحكمة، غير أنها تؤكد أن الله أحكم الحاكمين، وخير الحاكمين، بفعل علمه وإحاطته وعدله ورحمته، وكلها مبادئ قرآنية وإنسانية في ذات الوقت. وهذه إحدى ميزات الأحكام الشرعية، لذا لا يمكن نفي فعلية أي حكم شرعي ما لم يدل الدليل، كانتفاء شرط فعلية الموضوع، التي تتوقف عليها فعلية الحكم. أو اختلال ملاكات الجعل الشرعي التي بينتها في محلها. وسأبين ميزات الأحكام الشرعية، وبماذا تختلف عن الأحكام الوضعية، ضمن الإجابة على السؤال المتقدم، بعد بيان الأدلة التالية:

الدليل الأول: العرف التشريعي

تقدم أن الأحكام الشرعية كغيرها من التشريعات، تمرّ بمرحلتين، مرحلة التصوّر أو مرحلة تشخيص مبررات تشريعها، وطبيعة ملاكاتها. ثم مرحلة إبراز الحكم بصيغة قانونية "مرحلة الإثبات". بغض النظر عن كيفية حضور الموضوع وإحاطة المشرّع به من جميع أبعاده، فثمة اختلاف نوعي بين المطلق والنسبي. المطلق يمكن تشريع أحكاما بعيدة المدى، وهذا غير ممكن بالنسبة للمشرع الإنسان فهو محدود بالواضع وأفق ضروراته وحاجاته. لكن هذا لا يؤثر في فهم كيفية تشريع الحكم. فالمرحلة الأولى هي مرحلة دراسة جميع حيثيات موضوع الحكم في إطار الواقع. لنأخذ الآية التالية مثلاً:

(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ).

فموضوع الحكم هو المحيض، والسائل يسأل عن حكم مقاربة المرأة خلال فترة الحيض، وهل يجب عليها الاستجابة لزوجها شرعا؟. باعتبار أن استجابة المرأة لزوجها مع عدم وجود مانع واجب عليها شرعا. فهل الحيض يسقط عنها وجوب الاستجابة شرعا، ويفرض على الزوج الابتعاد عنها شرعا.

فالمشرع هنا يستحضر أولاً، معنى الحيض وما يعرض فيه للمرأة فيه من آلام وأوجاع وانقلاب في حالتها النفسية والجسدية، فتكون العملية الجنسية على حساب صحتها ونفسيتها. كل هذا يأخذه المشرع بنظر الاعتبار وهو بصدد تشريع الحكم. كما يأخذ بنظر الاعتبار قدرة الرجل على التحمل أيام معدودة.

وحينئذٍ يأتي سؤال الحكمة: ما هو حكم مقاربة المرأة في أيام حضيضها وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع؟ هل يجب عليها شرعا الاستجابة له على حساب صحتها ونفسيتها ومعاناتها الشديدة؟ وهل يجوز للزوج مقاربتها أم يحرم عليه ذلك؟.

وهنا تقتضي الحكمة العودة لمبادئ التشريع لتحديد الحكم الأنسب. فيعيد السؤال:

هل من العدل والانصاف والرحمة وجوب استجابة المرأة لزوجها أيام حيضها على حساب صحتها ونفسيتها؟. أم أن مقاربتها وهي الزوجة في هذه الحالة يعد ظلما وعدوانا؟. هل نقدم مصلحة الرجل على حسابها؟ أم ينبغي له الصبر والابتعاد والتحمل قليلا، لتجنب أي مضاعفات جسدية أو نفسية؟.

مقتضى العدل عدم وجوب الاستجابة عليها، وعدم جواز مقاربتها من قبل زوجها. فالتعليل (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) يبرر الارتكاز في الحكم لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع. فمادام المحيض أذى، فيقتضي حكما رحيما عادلا يتفادى الأذى، فيكون من العدل والرحمة عدم مقاربتها، لذا اقتضت حكمة التشريع: (فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ)، ولشدة حساسية الموضوع، وقوة حضور العدل والرحمة فيه، أضاف حكما آخر: (وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ). إذ تقدم ليس من الحكمة أن تصدر عن الله عزوجل وهو الحكيم الخبير أحكاما ارتجالية، وليس من العدل الانحياز للذكر دونها، بل الواجب عليه لطفا العدل بينهما من هذه الناحية، خاصة إن عدم المقاربة لا تعرض الرجل للانهيار أو الانحراف، وينبغي له الصبر إن كان مؤمنا حقا. فاذا استبعدنا هذا الاحتمال فيكون الأحتمال الثاني متحققا، وهو صدورها وفقا لمقتضيات حكمته، ومبادئه التي أكد عليها قرآنيا. وهذا تصور واقعي لتشريع الأحكام، بغض النظر عن كيفية استحضار الموضوع بالنسبة للخالق، فهذا ليس موضوعنا، بل الكلام عن المنهج في تشريع الأحكام. ولا طريقة ثانية سوى الارتجال والعبثية وهو منزه عنهما.

الدليل الثاني: الاستشهاد بآيات الكتاب

الحكمة كما تقدم، مرادفة للعقل والعقلانية وموازنة الأمور، وإعطاء كل ذي حق حقه، وأخذ الواقع بنظر الاعتبار بجميع تفصيلاته وضروراته دون تحيّز، ثم يتم تشريع الحكم وفق تلك المعطيات. وما يؤكد تشريع الأحكام وفق مقتضيات الحكمة أن هناك أحكاما شرعية صرّح القرآن بتشريعها وفقا لمقتضيات الحكمة، أي كمايقتضيها العقل السليم، وفقا لمبادئه الإنسانية. كما في آيات (سورة الإسراء: 23 - 38)، وقد مرّ استعراضها، تقول الآيات:

[وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ﴿23﴾ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴿24﴾ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا ﴿25﴾ وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴿26﴾ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ﴿27﴾ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا ﴿28﴾ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا ﴿29﴾ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴿30﴾ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءًا كَبِيرًا ﴿31﴾ وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً ﴿32﴾ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ﴿33﴾ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً ﴿34﴾ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴿35﴾ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴿36﴾ وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً ﴿37﴾ كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ﴿38﴾ ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا ﴿39﴾....].

الآيات أعلاه اشتملت على 22 حكما من أهم الأحكام في الشريعة الإسلامية، غير أن تشريعها جاء وفقا لمقتضيات الحكمة التي ترتكز على مبادئ التشريع: (مركزية العدالة وعدم الظلم، السعة والرحمة، والمساواة، في أفق الواقع الموضوعي وضروراته. وهي مبادئ التشريع الإسلامي والإنساني. بمعنى أوضح أن هذه الأحكام هي مقتضى الحكمة، وقرار العقل الحكيم الذي يزن الأشياء وفقا لمبادئ التشريع المتفق عليها سماويا وأرضيا. أي مقتضى العقل والعقلانية، على أساس العدل والرحمة. وهذه الآيات تسمح بالارتكاز لمقتضيات الحكمة والعقل والعقلانية على أساس العدل والرحمة ملء الفراغ التشريعي، وهي عملية متاحة لكل من اتصف بالخبرة والموضوعية والحكمة، ولا خصوصية للفقيه سوى كونه خبيرا، أما ولايته ووصاياه فلا دليل عليها. وكل التشريعات الوضعية الآن تجري وفقا لمقتضيات الحكمة والعدل، رغم نسبية المفهومين في مصاديقهما. المهم استبعاد المزاجية والارتجالية والفوضوية في تشريع الأنظمة والقوانين، هذا هو المنهج المثالي، وعندما ينحاز المشرّع لرغبات الحاكم المستبد، ويشرع خلافا للعدل والرحمة، فهو يخون ضميره وشروط مهنته، ويحابي الحاكم الجائر على حساب الآخرة. وهكذا مشرّع رغم خبرته لا يؤتمن، ولم نقصده في حديثنا، نحن نفترض توفر جميع الشروط اللازمة للتشريع، وهي:

- الخبرة القانونية والتشريعية، وعدة معرفية، سواء أكاديمية أم دراسات دينية علمية لتخصصها في مجال الفقه وأصوله ومعارفه.

- معرفة الواقع وضروراته. لتدارك أي التباس يفضي إلى تشريع قوانين وأنظمة تضر بمصلحة الفرد والمجتمع.

- مراعاة مقتضيات الحكمة وفقا لمبادئ التشريع. لتفادي أي انزلاق مزاجي أو طائفي أو منحاز لغير العدالة مبدأ أساس في التشريع.

يأتي في الحلقة القادمة 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawiخاص بالمثقف: الحلقة الثلاثون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

سلطة الفقيه والتشريع

ماجد الغرباوي: نخلص لا دليل على اختصاص الفقيه، أو خصوص الولي من الفقهاء، بملء الفراغ التشريعي، وهو مساحة الواقع باستثناء ما ورد فيه دليل شرعي صريح في مورده. ولا مانع وراء مشاركته فقيها متخصصا، دون فرض رأيه ووصاياه. فمنطقة الفراغ إذاً تلك المساحة التي يتولى فيها الشعب مباشرة أو من خلال تمثيل نيابي، تشريع القوانين والأنظمة لتنظيم حياته، بعيدا عن أية ولاية سوى مصالحه ومصالح مجتمعه، شريطة التزام المشرّع بمقتضيات الحكمة وبمبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته، وفي إطار القيم الأخلاقية. وحينما يشك بوجود حكم شرعي في أي مسألة من مسائل منطقة الفراغ، فالأصل هو البراءة، على أساس "قبح العقاب بلا بيان"، كما هو مقرر عند علماء أصول الفقه. (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً). ويقصد بالرسول الحجة الموجبة للتكليف.

إن تكاليف الشريعة واضحة بينة لمن يلتزم بها، وهي كل ما اشتملت عليه آيات الأحكام، شريطة فعليتها. وماعدا ذلك فالناس أحرار، لا ولاية لأحد عليهم سوى ولاية الأمة أو الشعب على نفسه. هذا لمن يريد التمسك بالشريعة وآراء الفقهاء، فإن الأصل الأولي عند جملة منهم هو البراءة العقلية. في مقابل من يتمسك بالاحتياط كأصل أولي عند الشك بالحكم المجهول، ثم تأتي البراءة الشرعية لتلغي الاحتياط (راجع حلقات في علم الأصول للسيد محمد باقر الصدر مثالاً). فهناك مسلكان، مسلك "قبح العقاب بلا بيان، ومسلك "حق الطاعة". وأما بالنسبة للعقل العملي بعيدا عن الفقهاء والأصوليين، فالأصل عنده حرية الإنسان. ومن حقه ملء الفراغ التشريعي لتنظيم حياته. وبالتالي فإن الأصول العقلية والشرعية تفضي للبراءة في الأحكام المجهولة، وهي منطقة الفراغ. أو بشكل أوضح تلك المساحة التي ليس للشارع فيها حكم محدد، وقد تركها للإنسان يتخذ ما يراه مناسبا وفقا للعدالة وعدم الظلم، والسعة والرحمة، والمساواة. ولو كان للشارع وهو في مقام التشريع حكم لبيّنه ضمن آيات الكتاب، ومن حق الفقيه حينئذٍ التصدي لبيانه. لكن لم يبيّن، فلا مؤاخذة في وضع قوانين لصالح المجتمع والدولة. وبالتالي لا دليل على احتكار الفقيه للتشريع في منطقة الفراغ التشريعي، غير أن منطق العبودية يعيش رهاب الحرية، ويخشى تحمل المسؤولية، ويشعر بسعادة عارمة في عبوديته. لقد عاش الإنسان ردحا طويلا من الزمن يتصدى لتنظيم حياته بنفسه، وقد أرسى أعرافا وتقاليد لضبط سلوك الفرد والمجتمع، حتى وهو يعيش حياة بدائية: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ). وبعد مجيء الإسلام لم يلغ الرسول جميع الأعراف والتقاليد، خاصة في المجال الأخلاقي: "وإنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". كل ما فعله الإسلام صحح مسارات العلاقات والأنظمة، وقام بترشيد الوعي، كي يسترد الفرد عقله، ويواصل حياته وفق بوصلة قيمية وأخلاقية، من وحي العقل العملي ومدركاته. لذا لم يسمح القرآن بتمدد  الشريعة خارج حدودها، ليتحمل الإنسان مسؤولية خلافة الأرض وإعمارها في ضوء مبادئ العدل وعدم الظلم والجور: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا). وبالفعل نهى عن كثرة السؤال، ليحد من مشاعر العجز الداخلي، ورهاب المسؤولية الحياتية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ). وبين بشكل واضح وصريح أن حدود التشريع تنتهي بمضامين آيات الأحكام، ولم يكلف أحدا بملء منطقة الفراغ التشريعي. وبشكل أدق، لم يجعل ولاية تشريعية للنبي فضلا عن غيره، وآيات الكتاب تشهد في تحديد مسؤولياته، وتقدم الحديث مفصلا. وثم آيات تؤكد حدود التشريع، وعدم السماح بتمدد التشريع:

- (قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). بهذه الآية تعرف شرعية التحريمات التي تتناقلها كتب الفقه وليس لها جذر قرآني، سوى روايات لا يمكن الجزم بصحة صدورها، تعد عندهم حجة لحجية مطلق السنة النبوية.. يفهم من الآية هناك من استفسر عن حرمة شيء، فكانت الآية جوابا، لتمنح السائل ضابطة في التحريم، وما عداها فهو مباح. والآية ضمن آيات رسمت لنا حدود الشريعة والأحكام، وأعطت ضابطة كلية مفادها: "المحرم مع نصت الشريعة على حرمته"، ولازمها أن يتحمل الإنسان مسؤولية الواقع وضروراته. وطالما أكدت أن دور الدين ترشيد الوعي، وتبقى الأصالة للعقل وما حباه الله من قدرات خارقة، وأمامنا التقدم الحضاري الهائل، رغم تحفظنا على بعض تشريعاته.

- (وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ). فكل ما عدا تشريعات الشريعة فهو حلال ومباح، فتشمل الإباحة بامتدادها منطقة الفراغ، فنحكم على كل ما نشك بحرمته بالحلية، ومشمول بالإباحة اللاإقتضائية. بل وحتى الإباحة الإقتضائية، فإن مفادها وجود ملاكات أن تبقى منطقة الفراغ مباحة، قابلة للتشريع من قبل الإنسان، لتواكب تشريعاته النسبية تطورات الواقع وضروراته.

- (قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ). فهي أحكام محددة، فيكون الأصل الإباحة إلا مادل الدليل على حرمتها.

- (وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ). مما يؤكد اقتصر الولايتين الكونية والتشريعية على الله تعالى. ولا يجوز لأحد أن ينسب له ما لم تصّرح به الآيات. وهنا مكمن الخطر حينما ينسب الفرد فتاوى وأحكام الفقيه لله، ويتعامل معها بقدسية، وهي مجرد آراء اجتهادية، ووجهات نظر فقهية، تختلف من فقيه لغيره، ومن واقع لآخر، ومن عصر لعصر.

- (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ).

كل هذا وغيره يؤكد عدم وجود دليل على اختصاص الفقيه أو الولي من الفقهاء بملء منطقة الفراغ التشريعي، وتبقى منطقة مباحة، يتصدى الخبراء لملئها، وفقا لمصالحهم وفي إطار القيم الأخلاقية الأعم من القيم الدينية. وبالتالي لا دليل على ما ذهب إليه السيد محمد باقر الصدر، كما تقدم: (.. وإنما ملأه بوصفه ولي الأمر، المكلف من قبل الشريعة بملء منطقة الفراغ وفقا للظروف). وهذا لا دليل عليه.

وما يؤكد ما نقول أكثر أن الشريعة الإسلامية قد أمضت البيع والشراء، واستثنت الربا وبيع النسيء، ارتكازا لملاكاتها القائمة على التراضي، لذا لا تجد أحكاما قرآنية تفصيلية تخص أحكام البيع والشراء مقارنة بأحكام العبادات مثلا. فملاكات التجارة ملاكات متغيّرة فاكتفت الشريعة بالتراضي لتمريرها وإمضائها. وليس التجارة فقط، فالمجتمع العربي رغم حكومة العنف والقوة لكن تضبط حركته مختلف التشريعات، بعضها ديني، وهناك قبَلي وأخلاقي، وعرفي، وتجاري، وتجاور وعلاقات، وحرب وسلام وديات وقضاء، وغير ذلك، فالإسلام لم يلغها جميعها، بل أمضى بعضها، وهذّب الأخرى، وأعاد توازن ثالثة على أساس العدل ومنع الظلم. وأضاف ما رآه ضرورة لحفظ توزان المجتمع واستتباب الأمن والسلام، كالمطالبة بأربعة شهود شرطا لثبوت الزنا، وإقامة الحد. فلا يمكن للخالق أن يشرع لواقع متحرك تشريعات مطلقة، فربط فعليتها بفعلية موضوعاتها. وقد راعى مهمة الإنسان ودوره، وضرورة الاعتماد على نفسه. وأمامنا القوانين المدنية الحديثة، التي خلقت أجواء آمنة، وحياة اجتماعية مستقرة وفقا لمركزية العدل، وهذا شاهد على كفاءة الإنسان تشريعا. بينما تعصف بأحكام الفقهاء جملة إشكالات لا يمكنهم تجاوزها بفعل القواعد الأصولية التي أسسوها وفرضوها سلطة توجه وعيهم الفقهي. (أنظر كتاب الفقيه والعقل التراثي، ص، 166). وأيضا أهملت الشريعة السياسة، سوى مبادئ تصلح أن تكون أُطرا لمختلف التشريعات، ولم يتطرق القرآن لأهم مواضيعها. أعني الخلافة، التي تسببت في تشتت الأمة فيما بعد. ولم نقرأ شيئا عن شروطها، ومسوؤلياتها.

بهذا نخلص إن ملء منطقة الفراغ التشريعي تقع على عاتق المجتمع، يتدبرها وفقا لمصالحه، وما يحقق أمنه واستقراره، شريطة عدم تعارض تلك القوانين والأنظمة مع ثوابت الشريعة، مادام المجتمع مسلما، ملتزما بأحكامها. والممثل الوحيد اليوم هي المجالس النيابية والتشريعية ضمن مؤسسات الدولة الحديثة. وحينئذٍ تستمد القوانين الوضعية شرعيتها من الشعب، ومن قدرتها على أداء وظيفتها.

العقل والتشريع

نعود لمواصلة البحث في مفاد الفرضية المتقدمة: (ليست الأحكام في الشرائع السماوية معطى نهائيا، بل أن تشريعها يجري وفقا لمتطلبات الواقع ومقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع التي يمكن للعقل إدراكها، وتحديد فعليتها، وتوظيفها لملء منطقة الفراغ التشريعي، في إطار أخلاقي، بعيدا عن وصايا الفقهاء). وهي مبادئ عقلائية، يحتكم لها الخبراء والمشرعون وفقهاء القانون، من يتصف بالحكمة والعقلانية والموضوعية، ويركن للعدل والرحمة ونظرة المساواة، بعيدا عن التحيز والظلم والجور. ولا يمكنهم ذلك ما لم يحيطوا بالواقع وضروراته، ويحددوا ملاكات الحكم من مصالح ومفاسد. وعندما يترافع الخصوم أمام المحاكم، سواء الشعبية أو الرسمية، يترافعون لإحقاق الحق وإقامة العدل وتسوية الخلافات، انطلاقا من تلك المرتكزات. أي يترافعون على أساس قبلياتهم عن الحكم وما يتصف به الحاكم من صفات العدل وإحقاق الحق أي مبادئ التشريع. وهكذا الحال بالنسبة للأنظمة والقوانين، فإن ما تضمره من مصالح لتنظيم المجتمع والسلطة، هي المبرر لالتزام الناس بها، لذا يعترضون عندما لا تحقق غاياتها، ويصفونها بالظلم وعدم العدل. فتلك المبادئ مبادئ عرفية عقلائية، وقد تم الاستدلال عليها بمجموعة آيات قرآنية كما تقدم. وعندما أكد الخطاب القرآني عليها، فهو تأكيد على قضايا عقلائية، ضمن مرتكزاتهم العرفية. وعندما يؤكد على العدل في الحكم فإنه مأخوذ في تشريعات الشريعة لا محال، وعندما تؤخذ المبادئ بنظر الاعتبار فهي ناظرة للواقع وضروراته، وللفرد وحاجاته، وللمجتمع ومتطلباته، فيأتي التشريع ليُرسي الاستقرار ويحق الحق ويعطي كل ذي حق حقه، ضمن ظرفه الزماني والمكاني. المهم أن تشريعه كان وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع، وعندما يتغير الواقع فإن مقتضى الحكمة إعادة النظر في فعلية الحكم. وبنفس المنطق ينبري المشرّع لملء الفراغ التشريعي، مع مراعاة الواقع وضروراته، والالتزام بمبادئ التشريع وفق مقتضيات الحكمة. فتشريعات الشريعة ليست قضايا ميتافيزيقية أو غرائبية، ولا تقع ضمن اللامفكر فيه، سوى النظرة البعيدة ضمن هدف الخلق وحركة الوجود، وهذا لا يشمل جميع الأحكام. وأيضا هي ليست تشريعات ارتجالية، ولا هي طلاسم وألغاز يتعذر فقهها وإدراك فلسفتها. بل هي تشريعات قامت على مبادئ وملاكات. أي قامت على قيم اعتبارية، لها دلالتها وسلطتها، وتقع ضمن مرتكزات الوسط الثقافي الذي يرتهن له تأويل الوحي. وبدونها لا يستوي التأويل، ولا يحقق مداه التشريعي. وما على الفقيه سوى الخروج من منهج استنباط الحكم المتداول إلى منهج فقه الشريعة، لإدراك فلسفة الحكم وتاريخه وخلفياته الاجتماعية والمبادئ التي ارتكز لها، والمنطق الذي حدد مساره. بيد أنه يتشبث بقدسية الأحكام بالمعنى الدوغمائي، ويرفض مراجعة ملاكاتها ومدى فعليتها، وتبقى مطلقة أزمانا وأحوالا في نظره. فعندما يأمر القرآن بالعدل فهو لا يؤسس له، بل يؤكد على مرتكز عقلائي، سائد في جميع المجتمعات في مقابل الظلم والعدوان. مادام العدل صفة نفسانية من مقولة الكيف، يتصف أو لا يتصف بها الإنسان. فجاء الإسلام وأكد عليه. وبالتالي، فهي قيم عرفية ومرتكزات عقلائية.

تأسيسا على ما تقدم، يمكن اعتبار التشريعات القرآنية نماذج عملية لتشريع الأحكام، وفقا لتلك المبادئ، شريطة إدراك مرتكزاتها ومقاصد تشريعها. بمعنى أدق يمكن الارتكاز لتلك المبادئ التي قامت عليها تشريعات الشريعة، لملء الفراغ التشريعي، بعيدا عن قدسيتها، كي تتكيف مع الواقع وحاجاته. وبهذا الصدد يمكن تأسيس قواعد أصولية تساعد على تشريع أحكام تمثل وجهة نظر فقهية، فيكون القياس والذوق الفقهي أدوات ماضية، لأنك لا تريد تشريع حكم تنسبه للشريعة بل توظف مبادئ التشريع لملء الفراغ التشريعي. المشرع بصدد أحكام لتنظيم حياة الناس في مساحة الفراغ التشريعي وبإمكانه الاستفادة من الأحكام الشرعية نماذج لتشريع معادل لها، يمثل وجهة نظر تشريعية وقانونية. ولا ريب في ذلك، إنما الخطر في نسبة أحكامه للشريعة، فينقاد لها المكلّف مدفوعا بالطاعة والانقياد على أمل إحراز مرضاة الله، كما توحي فتاوى الفقهاء بذلك. (ينظر لتفصيل المسألة، كتاب: الفقيه والعقل التراثي، ص167).

وهنا نؤكد أن الأحكام الشرعية كغيرها من التشريعات، تمرّ بمرحلتين، مرحلة التصوّر أو مرحلة تشخيص مبررات تشريعها، وطبيعة ملاكاتها. ثم مرحلة إبراز الحكم بصيغة قانونية "مرحلة الإثبات". (ولكل واحد من الأحكام التكليفية الخمسة مبادئ تتفق مع طبيعته، فمبادئ الوجوب هي الإرادة الشديدة، ومن ورائها المصلحة البالغة درجة عالية تأبى عن الترخيص في المخالفة. ومبادئ الحرمة هي المبغوضية الشديدة، ومن ورائها المفسدة البالغة إلى درجة نفسها. والاستحباب والكراهة يتولدان عن مبادئ من نفس النوع، ولكنها أضعف درجة بنحو يسمح المولى معها بترك المستحب وبارتكاب المكروه). كما هو رأي السيد محمد باقر الصدر في أصوله (أنظر: حلقات في علم الأصول). أو بتعبير فقه الشريعة الذي بينته في كتاب الفقيه والعقل التراثي: (إن درجة إلزامات الأحكام الشرعية تتناسب طرديا مع حجم ملاكاتها). وعلى هذا الأساس يمارس المشرّع القانوني عملية وضع الأنظمة والقوانين. فهي عملية منضبطة بذات صيغ تشريع الأحكام الشرعية من قبل الشارع المقدس. غير أن ارتياب الفقيه بالعقل ومتطلبات القداسة تضع أسيجة ومحرمات لضمان احتكار استنباط الأحكام الشرعية من قبل الفقيه، وربط ملء منطقة الفراغ التشريعي بسلطته، من خلال فرض وصاياه أو ولايته. فالفقيه حتى وإن سلّم بوجود نظام من المبادئ والقيم خلف تشريع الأحكام الشرعية، بيد انه يرفض قدرة العقل على إدراكها وتحديد عللها وملاكاتها وأسباب تشريعاته، لتغدو عملية ماورائية، وغيب مطلق لا يعرف حقيقته إلا الله. لقد عجزت محاولات أسلمة القوانين والأنظمة، وربطها بالشريعة، واضطرت للعدول من مطابقتها للشريعية إلى عدم تعارضها مع ثوابت الشريعة، كما حصل للمشرع الإيراني. حيث كانت مهمة مجلس صيانة الدستور التأكد من مطابقة الأنظمة والقوانين الصادرة عن مجلس الشورى مع الشريعة ثم عدلت بعد عجزها للتأكد من عدم مخالفتها لثوابت الشريعة والدستور.

إن حاجة الإنسان للعقل باتت أكثر من حاجته لأية وصايا دينية، بعد ختم النبوة، واكتمال الدين بهذا القدر المحدود من الأحكام الشرعية المذكورة في الكتاب الكريم، ولو كانت هناك حاجة لأحكام شرعية أخرى لحدد لنا القرآن مصدرها، ولم يقل للنبي: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ)، ولم يحدد مسؤوليته: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا): ولم يصف كتابه بأنه تبيان لكل شيء، رغم محدودية أحكامه: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ). (وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا). ولَما قالت الآية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا). خاصة وقد سبقتها وتلتها أحكام شرعية، وهذا هو اختصاصها بدقة. فتأويلها خارج سياقها، يحتاج إلى أدلة قرآنية صريحة وهي منتفية. بهذا يمكنك معرفة مدى شرعية فتاوى الفقهاء التي غدت بالآلاف، ممن راحوا يلاحقون الإنسان حتى في طريقة تغوّطه، بحجة أن النبي كان يفعل هكذا، فينبغي التأسّي به. أو يفسّرون الآيات تفسيرا غريزيا عندما يبيحون زواج القاصرات، ويُفتون بجواز تفخيذ الرضيعة. إنها مأساة التدين البسيط حينما يرتهن وعيه لغيره، ويهجر القرآن ووضوح بيانه.(أنظر كتاب: الهوية والفعل الحضاري، ص 394 وما بعدها). لا أنفي دور الروايات، واعتماد الفقيه عليها في فتاواه وأحكامه، لكن ينبغي له التخلص من الجمود، وفقه النص، بعد إدراك فلسفته وتاريخ تشريعه. وما عليه الاجتهاد اليوم هو تقليد الحاضر للسابق، ولم يحصل انقلاب حقيقي في فهم الشريعة وغاياتها ومقاصدها.

لا يمكن للمسلمين النهوض ما لم تتحرر عقولهم من سلطة النصوص والتراث، ويفهمون الدين ومقاصده وأهدافه وغاياته، بعيدا عن الروايات التي تعكس فهماً آخر، يمثل زمن الرواية بأبعادها المختلفة. فهي روايات محترمة إلا أنها تعبّر عن ظروف وبيئة وثقافة مختلفة. فللرواية ظروفها ولنا ظروفنا، وبإمكاننا العودة للكتاب الكريم وفهم رسالته فهماً صحيحا. للأسف لم أجد من يهتم بآيات الخلق التي ترسم معالم هدف الرسالات والأديان، وهذا خطأ كبير في فهم الدين. بل وأحد أسباب جميع الانحرافات العقائدية والسلوكية، خاصة ما تمارسه الحركات الإرهابية باسم الدين والقرآن. وما تبثه حركات الغلو من ثقافات تكرس الجهل والأمية والتكاسل في الحياة الدنيا. وبالتالي فتمدد الفقه على حساب العقل عمل يفتقر للقيم الأخلاقية. 

ويبقى السؤال: ما الفرق حينئذٍ بين أحكام الشريعة وألأحكام الوضعية إذا كان تشريع كل منهما على ذات المبادئ والقيم؟.

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed al gharbawiخاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والعشرون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

منطقة الفراغ التشريعي

ماجد الغرباوي: يقصد بمنطقة الفراغ التشريعي: تلك المساحة التشريعية التي ترك الإسلام ملأها للدولة أو أولي الأمر في إطار أهداف الشريعة. يقول محمد باقر الصدر في كتابه اقتصادنا، وهو يتحدث عن منطقة الفراغ في التشريع الاقتصادي: (إن المذهب الاقتصادي في الإسلام يشتمل على جانبين: أحدهما، قد مُلئ من قبل الإسلام بصورة منجّزة، لا تقبل التغيير والتبديل. والآخر، يشكل منطقة الفراغ في المذهب، ترك الإسلام مهمة ملئها إلى الدولة أو ولي الأمر، يملؤها وفقا لمتطلبات الأهداف العامة للاقتصاد الإسلامي، ومقتضياتها في كل زمان) (ص 400).

وبالتالي تخرج العبادات والمعاملات مادامت الشريعة قد تكفلت ببيان أحكامها، لتختص منطقة الفراغ بما عداها من أنظمة وقوانين، على أساس "شمول الشريعة لجميع مناحي الحياة"، و"ما من واقعة إلا ولله فيها حكم". وإذا كان تعريف منطقة الفراغ التشريعي صحيحا فإن شروط ملئها لا تخلو من بعد أيديولوجي، فتكون مرتهنة في صدقها وعدم صدقها لمقدماتها أعلاه. ولكن هل فعلا ترك الإسلام مساحة تشريعية، وما معنى كمال الدين؟ وهل فعلا خص الإسلام الفقيه أو ولي الأمر يملؤها في إطار أهداف الشريعة أم وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع؟. ولماذا لا نقول إن الإسلام شرع مجموعة أحكام وترك للإنسان تشريع ما يحتاج وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع؟.

السيد محمد باقر الصدر: فقيه وأصولي وفيلسوف ومفكر كبير، غني عن التعريف، سعى لتأصيل نظرية إسلامية في مجال الاقتصاد وغيره. تعتبر آراؤه من أنضج الآراء العلمية، لذا استشهد بها. وهو أول من استخدم مصطلح منطقة الفراغ التشريعي في سياق تنظيره للمذهب الاقتصادي الإسلامي. إذ يعتقد، (أن تقويم المذهب الاقتصادي في الإسلام لا يمكن أن يتم بدون إدراج "منطقة الفراغ" ضمن البحث..). ويؤكد: (حين نقول: "منطقة الفراغ" فإنما نعني ذلك بالنسبة إلى الشريعة الإسلامية ونصوصها التشريعية، لا بالنسبة إلى الواقع التطبيقي للإسلام، الذي عاشته الأمة في عهد النبوة). (المصدر السابق، ص400). فنفهم من كلامه، أن الشريعة قد ملأت قسما من الفراغ بأحكام ثابتة، وكلفت ولي الأمر بملء القسم الآخر: (فإن النبي الأعظم قد ملأ ذلك الفراغ بما كانت تتطلبه أهداف الشريعة في المجال الاقتصادي، على ضوء الظروف التي كان المجتمع الإسلامي يعيشها، غير أنه حين قام بعملية ملء هذا الفراغ لم يملأه بوصفه نبيا مبلغا للشريعة الإلهية الثابتة في مكان وزمان، ليكون هذا الملء الخاص من سيرة النبي لذلك الفراغ، معبرا عن صيغ تشريعية ثابتة، وإنما ملأه بوصفه ولي الأمر، المكلف من قبل الشريعة بملء منطقة الفراغ وفقا للظروف). (المصدر نفسه). فهي أحكام إذاً مرنة، تستجيب للواقع ومتطلباته وفقا لرأي ولي الأمر. وليس وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته. والفقيه إنما يصدر أحكامه الولائية، في ضوء خبرته الفقهية والأصولية، وفهمه لمتطلبات العصر والزمان، فلا يخرج عن إطار الشريعة. بل يبقى يستغيث بنصوصها ويطوّع دلالاتها لتستجيب لاسقاطاته. فتبقى الأدلة الشرعية ولو بشكل غير مباشر هي دليله لأحكامه الولائية، إضافة لخبرته ومتطلبات الواقع، فقد يستشير الخبراء لكن القرار الأخير بيده. وتبقى مقاليد الأمور تحت وصاياه وولايته.

بهذا تتضح نقطة الخلاف بين من يرتهن ملء الفراغ التشريعي للفقيه أو خصوص ولي الأمر من الفقهاء، في ضوء أهداف الشريعة. أو ملؤها وفق مقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته، وفي إطار القيم الأخلاقية، ولا خصوصية للفقيه سوى اختصاصه، فيمكنه مشاركة الخبراء في تشريع الأنظمة والقوانين باعتباره خبيرا فقهيا، بعيدا عن ولاياته، بل ولا مبرر لتقديم رأيه على آراء الآخرين ما دام رأيه اجتهاديا، يمثل وجهة نظره المرتهنة لقبلياته. فالفارق بين الاتجاهين كبير. بين من يخص ولي الأمر بملء الفراغ التشريعي وفقا لاجتهاده في إطار أهداف الشريعة، فتكون له الكلمة الأخيرة، وقرار الحسم باعتبار ولايته الشرعية. وتسمى أحكامه في هذا المجال أحكام ولائية، وهي أحكام يتخذها ولي الأمر والقائد الأعلى لملء الفراغ التشريعي، وتكون نافذة على الجميع بحكم ولايته لا بصفته فقيها. فيصدق أنها أحكاما استبدادية. لا يمكن مساءلته فهو ولي الأمر ويعرف من الأمور ما لا يعرفه غيره بحكم قيادته ومركزيته. لذا تنتفي فعليتها بوفاته، ما لم تمضَ من قبل مَن يليه في تولي منصب الولاية. وإذا كان الفقيه يعتقد أن ولايته مجعولة من قبل الشارع، فستكون ولايته مقدسة، وهنا مكمن الخطر، إذ سيكون الراد عليه كالراد على الله، كما في الرواية المعروفة في باب ولاية الفقيه. أما الاتجاه العقلي فيعتقد أن تشريع الأحكام يجري وفق مقتضيات الحكم، ومبادئ التشريع في أفق الواقع وضروراته. فهي قوانين وأنظمة غير معصومة ولا مقدسة. يمكن مراجعتها ونقدها.

وعلى أساس هذا الفارق نسجل الملاحطات التالية:

1- إن التنظير للمذهب الاقتصادي في الإسلام جاء كأحد رهانات السيد محمد باقر الصدر في مشروعه أسلمة المعارف، وإثبات قدرة الدين على إدارة الحياة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.

2- راهن السيد محمد باقر الصدر على دلالة كلمة "اكتشاف" أكثر من رهانه على الواقع التشريعي، للتستر على دوره التنظيري في تشييد مذهب اقتصاد إسلامي. فكلمة "اكتشاف" توحي بوجود مذهب اقتصادي ناجز، وما على المفكر سوى اكتشافه. وتجعل من وجوده مسلّمة، لا تثير شكاً وريبةَ، وهي ليست كذلك، غير أن دلالة الكلمة تسلب سؤال الحقيقة معناه. إذ لا معنى للسؤال فكلمة اكتشاف دالة على وجوده مسبقا، فمن يفترض وجود شيء ثم يكتشفه لا يُسأل عن أصل وجوده، لأن عملية البحث ترتكز لوجود مفترض. فالوجود السابق يتبادر لذهن السامع من نفس كلمة "اكتشاف"، لا من واقع الشيء خارجا، وهذا ما يريده بالضبط حينما وظف كلمة "اكتشاف" بدلا من أية كلمة أخرى، لذا وظف السيد الصدر دلالة الكلمة توظيفا بارعا من خلال تأكيده عليها: (وعلى هذا الأساس يمكن القول: بأن العملية التي نمارسها هي عملية اكتشاف، وعلى العكس من ذلك المفكرون المذهبيون الذين بشروا بمذاهبهم الرأسمالية والاشتراكية، فإنهم يمارسون عملية تكوين المذهب وإبداعه)، (المصدر السابق، ص389). غير أن بحوث كتابه اقتصادنا تؤكد دوره التنظيري، بل أن المذهب الاقتصادي في الإسلام هو أحد إبداعاته. وليس كما يقول: (.. المفكر الإسلامي أمام اقتصاد منجز تمّ وضعه، وهو مدعو إلى تمييزه بوجهه الحقيقي، وتحديده بهيكله العام، والكشف عن قواعده الفكرية، وإبرازه بملامحه الأصلية، ونفض غبار التاريخ عنها، والتغلب بقدر الإمكان على كثافة الزمن المتراكم، والمسافات التاريخية الطويلة، وايحاءات التجارب غير الأمينة التي مارست ـ ولو اسمياً ـ عملية تطبيق الإسلام، والتحرر من أطر الثقافات غير الإسلاميّة التي تتحكم في فهم الأشياء، وفقاً لطبيعتها واتجاهها في التفكير. إنّ محاولة التغلب على كلّ هذه الصعاب، واجتيازها للوصول إلى اقتصاد إسلامي مذهبي، هي وظيفة المفكر الإسلامي)، (المصدر السابق). ولا تخفى منطلقات هذا الكلام، ولا تخفى دوافعه. فهو اسقاط لرغبات شخصية وقبليات تكونت في ظل وعي ديني – سياسي.

3- جاءت فكرة الفراغ التشريعي لترميم نقص التشريعات على صعيد المذهب الاقتصادي واقعا، سيما آيات التشريع، فلا تجد سوى ضوابط أخلاقية لضبط سلوك المعاملات الاقتصادية، التي هي بحدود البيع والشراء والرهن والعقود وغيرها. فحرّمت الشريعة الربا: (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا). واشترطت التراضي في المعاملات التجارية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ). ودعت لكتابة الدين لتفادي ضياع الحقوق: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ). والمعروف في الأوساط الفقهية إن أكثر المعاملات التجارية أو ما يسمى بالمكاسب، هي إمضائية. أمضاها الشارع المقدس أو النبي بسكوته، وعلى هذا الأساس تدرس ضمن مناهج الدارسات الإسلامية كالحوزات العلمية. مما يؤكد أنها كانت تجري وفق سياقات عرفية، وتلك السياقات كافية لإمضائها. فكانت قبل الإسلام تبادلات ومعاملات تجارية، وكانت الأسواق تسير بشكل سلسل. وأما النظريات والمذاهب الاقتصادية فهي نتاج عصر النهضة وما بعدها، ولم تكن موجودة سابقا. الإسلام ظهر ما قبل وجود الدولة ومؤسساتها ودساتيرها ونظمها، وجمعها تجارب وتراكم خبرة سنوات طويلة. لذا أخفق المفكرون المسلمون في أسلمتها، ولم تستطع أي دولة بما فيها إيران تطبيق نظام البنك اللاربوي، وعادت أدراجها لنظام السوق الحر، والتعامل بالربا بصيغ شرعية ملفقة، بعضها مقرف حينما يأخذ ربا فاحشا، بعنوان جعالة مثلا. أو غيرها من عناوين الفقه الإسلامي.

4- إتصاف منطقة الفراغ بالفقر التشريعي، سوى الأهداف العامة للدين. فهو يعترف بعدم وجود أدلة لملء الفراغ التشريعي، ولازمه عدم شمول الشريعة الفعلية لموضوعاتها، فمن أين جاء مفهوم الشمول والكمال للدين؟. أليست فكرة منطقة الفراغ مجرد فكرة اجتهادية ووجهة نظر لإضفاء صفة الكمال على الدين وشموله لجميع مناحي الحياة؟. ينبغي أولاً إثبات صحة أقوالهم من خلال أدلة قرآنية صريحة واضحة لتكون مرجعية لجميع الأطراف. أي الخروج من التأويل اللازم لتعدد الآراء إلى وجود نص صريح يحسم موضوع الخلاف، وهذا منتفٍ بالضرورة. الجميع إذاً يتفق على انتفاء وجود أدلة دالة على المطلوب، فيكون الأصل بالنسبة لنا هو البراءة العقلية، وعدم اشتغال الذمة بأي تكليف اتجاهها، فيمكن للخبراء ملؤها وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع الإنساني، بعيدا عن احتكار الفقيه للتشريع وقداسة الدين. فيكون التشريع منجزا بشريا يراعي مصالح الفرد والمجتمع والدولة والنظام في إطار أخلاقي ومنظومة قيم إنسانية أعم من القيم الدينية.

5- جعل السيد الصدر إملاء منطقة الفراغ مرددا بين الدولة وولي الأمر. أما الدولة فالتقنين أحد مهامها الأساسية لتنظيم شؤونها وتحديد الحقوق والواجبات ولا ريب في اختصاصها. وجميع قوانينها وضعية تجري وفقا لمقتضيات الحكمة في أفق الواقع وضروراته إلا بعض أحكام الشريعة، إذا نص دستورها على اعتبار الشريعة أحد مصادر التشريع، وهنا نفترض أن المجتمع مسلم. وأما الفقيه، فلا مانع من اشتراكه بتشريع الأنظمة والقوانين بصفته خبيرا فقهيا وأقرب إلى روح الشريعة، بعيدا عن القداسة ودعوى الوصايا باسم الدين. إذ الأصل في الولاية ولاية الشعب على نفسه، ولا دليل على ولاية الفقيه، سوى مقدمات عقدية لا دليل عليها. وبالتالي لا دليل على اختصاص الفقيه بها، إلا من خلال مقدمات كلامية، كالفقيه أولى بحكم اختصاصه وقربه من روح الشريعة. ولا يمكنه احتكار التشريع ورأيه الفقهي لا يعدو كونه رأيا ضمن آراء الفقهاء. بالعكس أن التعدد سيربك التشريع كما تقدم بيانه.

6- اضطر السيد محمد باقر الصدر للفصل بين منصبي النبوة والولاية في سلوك النبي، ليختص الثاني بملء منطقة الفراغ بأمر من الشريعة كما يقول. وولاية الأمر منصب متحرك، بصلاحيات مفتوحة، هي معنى الولاية المطلقة، لا يقف عند حدود النبي بل يتعداه لكل من تصدى للسلطة والحكم، لتستمر مهمة ملء الفراغ التشريعي استجابة للواقع وضروراته. يقول: (غير أنه "أي النبي" حين قام بعملية ملء هذا الفراغ لم يملأه بوصفه نبيا مبلغا للشريعة الإلهية الثابتة في مكان وزمان، ليكون هذا الملء الخاص من سيرة النبي لذلك الفراغ، معبرا عن صيغ تشريعية ثابتة، وإنما ملأه بوصفه ولي الأمر، المكلف من قبل الشريعة بملء منطقة الفراغ وفقا للظروف). فهناك منصب ولاية الأمر لم تنص عليه الآيات التي اقتصرت مهام النبي على التبليغ والبيان والتفصيل: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴿45﴾ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا). لكن بلا ريب هناك آيات جعلت ولاية النبي إلى جانب ولاية الله. وهناك آية ذكرت ولاية الله ورسوله والمؤمنين. وقد مرّ الكلام تفصيلا حول الموضوع، وأثبت بما لا مزيد عليه من خلال الأدلة، أن ولاية المؤمين تقتصر على دور إداري تنفيذي تحت رعاية وإشراف النبي. (يراجع كتاب مضمرات العقل الفقهي). كما أن الآية مطلقة فأي من المؤمنين مكلف بملء الفراغ التشريعي؟ ومتى كانت صفة الإيمان كافية لإناطة مسؤولية التشريع بالمؤمن بعنوانه؟. لا ريب أن النبي الكريم مارس دور النبوة ودور الولاية، ولا ريب بوجود مجموعة أحكام وتعليمات وإرشادات لتوجيه الحياة الاجتماعية والسياسية، قد صدرت فعلا منه. والسؤال: على أي أساس كان النبي يتخذ مواقفه، ويقرر أحكامه الولائية. هل على أساس الشريعة أم وفق مقتضيات الحكمة؟ أما الشريعة فأحكامها محدودة ولو كان لها رأي في الموضوع لصرحت به ضمن آيات الأحكام. ولا ولاية تشريعية للنبي كما بينت ذلك، وكان إذا سألوه يتوجه بالسؤال لله تعالى. لذا جاءت كثير من الأحكام بعنوان ويسألونك، ويستفتونك. فكان النبي يتصرف بوحي حكمته ومنظومته الأخلاقية، ولا شك أيضا كانت الشريعة تحد من أحكامه، فلا يتعارض معها. وليس بالضرورة أن تكون أحكامه الولائية من وحيها، بل يكفي أن تكون وفق مقتضيات الحكمة ولا تتعارض مع الشريعة الإسلامية وثوابتها، خاصة القضايا العامة التي تهم المجتمع ومؤسساته. وكانت إحدى مهامه تعليم الكتاب والحكمة: (لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ). وما يؤكد مقتضيات الحكمة في ولايته، اكتمال الدين والتشريع: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا). فالآية تؤكد كمال الدين وكمال التشريع مادامت مسبوقة وملحوقة بأحكام تشريعية. وليس الدين سوى العقيدة والشريعة. والصدر أيضا يؤكد هذا لكنه يرى أن ذات ولاية ولي الأمر هي مبرر طاعة أحكامه الولائية، فتكون مقدسة، لا يجوز التمرد عليها، بهذا الشكل يؤسس الصدر للاستبداد الديني بحجة الولاية الشرعية. والصدر لمن هو خبير بفكره يراهن على الفقيه في كل شيء. بينما مصدر إلزام الأنظمة والقوانين الوضعية هي مبادئ التشريع والقاعدة الأخلاقية التي ترتكز لها. يجد الفرد نفسه ملزما أخلاقيا بجميع التعليمات القانونية، لتفادي الفوضى وتحقيق العدالة الاجتماعية. كما ثمة فرق أهم هو قدسية الأحكام الولائية التي ينبطق عليها الحديث المتقدم: الراد على الفقيه راد على الله، والراد على الله كالمحارب له، فتترصده العقوبات حد الموت. بينما على الاتجاه الثاني، فإن القوانين والأنظمة كتاب مفتوح للمراجعة والتعديل باستمرار لا لأجل قدسية ولي الأمر بل لتحقيق العدالة.

7- ربما هدف الشريعة من ختم التشريع إعادة مسؤوليته للإنسان، وفق مقتضيات الحكم وعلى أساس مبادئ وقيم أخلاقية وإنسانية. واكتفت بتشريع مجموعة أحكام، ولم تجعل لأحد ولاية تشريعية، كي لا تستغل وتوظف، كما فعل الفقه السلطاني.

8- إن تأكيد السيد الصدر على شرعية وإسلامية جميع وجهات النظر على صعيد المذهب الاقتصادي دليل على عدم وجود مذهب اقتصادي ناجز، وإنما تنظيرات فكرية وفقهية لذا لا يمكنه سوى قبولها جميعا وإمضائها، يقول بهذا الصدد: (.. ووجود صور عديدة له، كلها شرعي وكلها إسلامي، ومن الممكن حينئذٍ أن نتخير في مجال أقوى العناصر التي نجدها في تلك الصور، وأقدرها على معالجة مشاكل الحياة وتحقيق الأهداف العيا للإسلام)، (المصدر السابق، ص416)

 

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi14خاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والعشرون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

ماجد الغرباوي:

المقدمة السابعة: إن أحكام الشريعة (قرابة خمسمئة آية، تزيد أو تنقص)، لا تغطي حاجة الواقع، حتى مع إضافة السنّة النبوية التي تولت بيان وتفصيل بعض آيات الأحكام. مما يؤكد عدم صدق قاعدة: "ما من واقعة إلا ولله فيها حكم". التي تفتقر أساسا إلى نص قرآني يعززها، فربما هدف الخلق شيء آخر. أقصد عدم وجود أحكام مشرّعة باستثناء ما هو مشرّع فعلا في حدود آيات الأحكام. وما يريد تشريعه فقد شرّعه، وما زاد عليها لا دليل عليه، فتكون البراءتان العقلية والشرعية حاكمتان في المقام، لاقتصار التشريع على الله تعالى. إضافة إلى قلة الأحاديث الصحيحة التي تورث العلم واليقين، حسبنا شرطنا في حجية السنة. تقتصر وظيفتها على البيان والتفصيل. بينما الوقائع في وتيرة تصاعدية، يدل عليها أجوبة المسائل المستحدثة. وكلامنا عن مجتمع مسلم يجعل من الشريعة مصدرا وحيدا لتشريع الأنظمة والقوانين، كما حاولت بعض الدول المعاصرة، غير أنها أخفقت أمام محدوديتها، فاضطرت استبدل شرط مطابقة القوانين للشريعة إلى شرط عدم تعارضها مع الشريعة، والفرق جلي وواضح. وبالتالي نكون أمام خيارات لتغطية منقطة الفراغ التشريعي:

الأول: التوسل بالشريعة. وهو متعذر، لعدم قدرة النص على تلبية جميع حاجاتنا التشريعية. فضلا من احتمال عدم فعلية بعضها بفعل عدم فعلية موضوعاتها لانتفاء شرطها. أو بفعل القرآئن المتصلة والمنفصلة.

الثاني: احتكار الفقيه لسلطة التشريع في منطقة الفراغ التشريعي. فتفقد التشريعات صفة الثبات بل وحتى الموضوعية والاستقلالية، مادام رأي الفقيه رأيا اجتهاديا وحكما ظاهريا لا واقعيا، يتأثر بقبلياته وعقيدته واتجاهه السياسي والطائفي، ونبوغه وفقاهته وقدرته على توظيف أدواته المعرفية، فتختلف الفتوى من فقيه إلى آخر، ولازمه تغيير الأنظمة والقوانين تبعا لتغير فتوى الفقيه، فيختل النظام. ثم تصور فوضى التشريع مع تعدد المذاهب الفقهية، وتعدد الآراء في كل مذهب بل حتى في المذهب الواحد. ثم كيف نطمح بمجتمع حضاري وبعض فتاوى الفقهاء إقصائية، قمعية، ترفض الآخر، مهما كان داخليا، بل حتى لو كان من مذهب واحد، وماذا نفعل مع فقيه يفرض ولايته ووصاياه ويصادر عقلك وإرادتك؟. إننا لا نتحدث عن تشريعات عبادية محدودة بل نتكلم عن الضرورة التشريعية لجميع مناحي الحياة على صعيدي السلطة والمجتمع. وهذا فوق دور الفقيه الذي اقتصر على تطبيق كبرى الأحكام على صغرياتها، والاستعانة بقواعد أصولية لتحديد الوظيفة العملية عند الشك؟.

الثالث: تصدي الخبراء الدستوريين والقانونيين لتغطية منطقة الفراغ التشريعي وفق مقتضيات الحكمة القائمة على مبادئ التشريع، ثم تصديقها من قبل مجالس نيابية نيابة عن الشعب، فتكتسب شرعيتها من كليهما، من مبادئ التشريع والمجالس النيابية: وهو ما تقصده فرضية "مقتضيات الحكمة في التشريع". وهذا ما نسعى له بديلا عقلائيا، يستجيب لحاجاتنا التشريعية دون تفريط بقيم ومبادئ التشريع السماوي. فيستدعي أمرين: إثبات وحدة المبادئ رغم تعدد التشريع. وإثبات وحدة المبادئ بين السماوي والأرضي. وسيأتي بيان الإشكالات وجوابها.

المقدمة الثامنة: التمييز بين شرط مطابقة الحكم الوضعي للشريعة الإسلامية، وشرط عدم تعارضه معها. الأول يفرض علينا التوسل بالأدلة واجتهاد الفقيه لاضفاء صفة شرعية على الحكم، وقد نضع مقدراتنا تحت وصاياه طوعا، كما بالنسبة لولاية الفقيه. بينما يكتفي الثاني بعدم معارضة الحكم لثوابت الشريعة في مجتمع مسلم يروم تطبيقها. فتتولى الجهات القانونية عملية تشريع القوانين مع مراعاة ثوابت الشريعة، شريطة أن يكون حكمها صريحا، كحرمة قتل النفس المحرمة. فأي تشريع يبيح سفك الدماء بلا ذنب يتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية. ولا يعد الحكم من ثوابت الشريعة إذا ملتبسا. كما بالنسبة للحرمة الربا، حيث هناك جدل عن مفهومه وحدوده، وهل يصدق فعلا على العمليات البنكية الآن أم لا، تدخل في باب آخر؟. وهل مجرد الربا مهما كان مستواه حرام أما أذا كان أضعافا مضاعفة؟.

المقدمة التاسعة: هناك ملاكات (مصالح أو مفاسد) وراء تشريع الأحكام، يعتقد اتجاه العبودية بتعذر اكتشافها، فيكون الحكم تعبديا مطلقا. بينما يذهب اتجاه الخلافة الإنسانية بإمكانية ذلك، وقد اقترحت مقاصد الجعل، معيارا لذلك. تقدم الحديث عن الموضوع أكثر من مرة، يمكن مراجعة كتاب الفقيه والعقل التراثي. وإذا كانت ثمة ملاكات وراء تشريع الأحكام فلازمه وجود مبادئ وقيم وفقها تحدد ملاكاته، ودرجة إلزامها. وتلك المبادئ هذ التي تعنينا، وقد تمكنا من إحصائها من خلال آيات الكتاب، وهي: العدالة وعدم الظلم، السعة والرحمة، والمساواة، ومراعاة الواقع الموضوعي. فيدخل ضمنها إحقاق الحق ضمن مركزية العدالة. بمعنى أدق، إن معايير ملاكات التشريع ترتهن لمبادئه وإطاره الأخلاقي.

المقدمة العاشرة: يجب الأخذ بنظر الاعتبار مفهوم الوحي والنبوة. وقد سبق الحديث عنهما بشكل أولي لا يتعدى التعريف دون التفصيل. ولاريب نستبعد إنكار الوحي والنبوة، كما نستبعد أن القرآن وحي معنى ولفظا. فيبقى خياران، الأول: اقتصار الوحي على المعنى دون اللفظ، الذي هو تعبير بشري عن المعنى، يتأثر بشرطه التاريخي وضروراته التاريخية. والثاني: الوحي كتجربة دينية عميقة، فيكون الوحي جزءا منها. ولا نزيد أكثر هنا، تفاديا لأي التباس.

بين التأسيس والتجديد

إن مجموع المقدمات أعلاه تكشف بشكل ما عن وجود قانون ومبادئ وراء تشريع الأحكام، يمكن إداركها من خلال فقه الشريعة، فيكون تشريعها وفقا لمقتضيات الحكمة. وهذا يشجع على طرح منهج جديد لملء منقطة الفراغ التشريعي، بعيدا عن احتكار سلطة التشريع من قبل الفقيه، وتبعياتها ارتهان التشريع لمعتقداته وأيديولوجيته ومصالحه السياسية والطائفية ومنهجه في استباط الحكم الشرعي ومستوى وعيه للواقع وضروراته. فثمة جدوى وراء طرح منهج جديد يستمد فيه الحكم شرعيته من مبادئ التشريع لا من قداسة النص بمعناه التراثي الذي يضرب سياجا دوغمائيا، يقدم فيه الفقيه قيم العبودية على القيم الإنسانية والأخلاقية، ويرتهن إرادة الفرد لولايته وقيمومته، ويضع الأحكام في تعارض مع القيم الأخلاقية، وهو محور البحث. وعندما يستمد الحكم شرعيته من مبادئ التشريع، سيعيد للعقل مكانته، بعد تحرير الوعي من ترسبات العبودية التي هي أحد أهم أسباب التخلف الحضاري. وهو منهج نسعى لبلورته في ضوء مقدمات الحكمة بدلا من احتكار الاستنباط للنص وللفقيه، ضمن فرضية تقدم بيانها: (ليست الأحكام في الشرائع السماوية معطى نهائيا، بل أن تشريعها يجري وفقا لمتطلبات الواقع ومقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع التي يمكن للعقل إدراكها، وتحديد فعليتها، وتوظيفها لملء منطقة الفراغ التشريعي، في إطار أخلاقي، بعيدا عن وصايا الفقهاء).

كما  اتضح من خلال المقدمات أعلاه،  معالم اتجاهين متقاطعين، حول نظرة الإنسان للعالم. وبينهما اختلاف جذري حول فلسفة الأحكام وطريقة تلقي النص الديني، هو ذات الاختلاف بين اتجاهي العبودية وخلافة الإنسان حول مفهوم الدين ودور الإنسان في الحياة. فالمهمة بالنسبة لنا، تأسيسية لا توفيقية. بعيدا عن جهود التسوية أو ما يصطلح عليه التجديد في الدين، وهو ما بينته ضمن منهج التأصيل العقلي في مقابل خمسة اتجاهات تسعى لتشخيص أسباب التخلف الحضاري وموقف الفكر الديني منه (يراجع كتاب الفقيه والعقل التراثي، ص61). حيث يرى اتجاه التأصيل العقلي وجود خلل في فهم النسق العقدي بدءا من مفهوم الخالقية إلى مفهوم الإنسان، مرورا بمفهومي النبوة والوحي، ولوازمهما الدلالية، والأهم دور العقل في ملء منطقة الفراغ التشريعي، هل يقتصر على ما يدركه من قضايا يمكن استنباط حكم شرعي منها كمقدمة: "إيجاب الشيء يستلزم إيجاب مقدمته"، أم يمكنه إدراك مبادئ التشريع واستنباط أحكام شرعية وفق مقتضيات الحكمة؟. في الحالة الأول لا يتعدى دور العقل حدود الاستنباط وفق قاعدة عقلية، كاستنباط وجوب مقدمات الحج وتهيئة مستلزماته القانونية كمقدمة لأداء فريضته. بينما ينأى الاتجاه الثاني عن النص مكتفيا بمادئ تشريع الأحكام في ملء منقطة الفراغ. وبشكل أدق، الأحكام المشرّعة فعلا، يقتصر دور العقل فيها على تطبيق كليات الأحكام على مصاديقها، وتحري فعلية موضوعاتها للتأكد من فعليتها في ضوء واقع موضوعي مختلف. وهي عملية منضبطة وفق مبادئ وأصول ومبررات موضوعية، تتطلب إدراك مقاصدها وغاياتها، ورصد ملاكات الأحكام التي تتحكم بفعليتها أو عدمها. فالعملية لا تخضع لأهواء الفقيه، أو تسويات تلفيقية للتخلص من تحديات الآخر. ولا تستجيب للمؤثرات الأيديولوجية والمصالح الشخصية. بل هناك ملاكات من المصالح والمفاسد وراء الأحكام أو ما يسمى في التراث بـ"علل الأحكام"، التي اختصت بها بعض الكتب، ككتاب علل الشرايع للشيخ الصدوق وكتب أخرى متعددة. فإذا ثبت أن فعلية الحكم الشرعي تتأثر بفعلية موضوعه، حينئذٍ سنعيد النظر في جملة أحكام بسبب تحولات الواقع. وعليه فثمة مبادئ نرتكز لها للتعرّف على ملاكات الأحكام، ومدى بقاء فعلية موضوعاتها. (أنظر كتاب: الفقيه والعقل التراثي، ص69).

لقد سبق الحديث عن فلسفة الأحكام في ضوء اتجاهي العبودية والخلافة الإنسانية مفصلا في كتاب الفقيه والعقل التراثي، فكان أهم ما تناوله البحث من عناوين: (الفقيه ومنطق العبودية    ، فلسفة الحكم الشرعي، منطق العبودية ، صورة الإله، ملاكات التشريع، الفقيه ومنطق الخلافة، مهام الرسالة قرآنيا، الحرية قدر الإنسان، ثقافة الفرد، الأحكام الاعتقادية، العقيدة والإيمان، العقيدة والضابطة القرآنية، العقيدة والمعجزات، تجديد مناهج التوثيق، مصداقية علوم الحديث، مناهج التوثيق، اتجاهات التجديد: اتجاهات الإصلاح، اتجاه "سلفي"، اتجاه "إصلاحي"، اتجاه "سياسي"، اتجاه "تجديدي"، اتجاه "تنظيري"، منهج التأصيل العقلي، اتجاه "التأصيل العقلي، الواقع وفهم النص، المنهج في فقه الشريعة، مقاربة أصولية، مقاصد الشريعة، مبادئ التشريع، مركزية العدل، السعة والرحمة، الواقع الموضوعي، مقتضيات الحكمة في التشريع، ملاكات الأحكام، مبادئ الأحكام الشرعية، مرتكزات مبادئ الحكم، مقتضيات الحكمة، مقاصد مرحلة الجعل الشرعي، الحِكمة ومقاصد الجعل الشرعي).

فكانت بحوث كتاب الفقيه والعقل التراثي تمهيدا لوضع منهج جديد في مقابل منهج استباط الأحكام الشرعية السائد لدى الفقهاء، يرتكز لمبادئ التشريع وفق منهج التأصيل العقلي القائم على مقتضيات الحكمة. حيث نفترض أن التشريع كأي تشريع:

إما أن يصدر مراعاة لمصالح المشرع، فتكون مصالحه تمام ملاكات أوامره ونواهيه، كما بالنسبة للأنظمة المستبدة التي تشرع أحيانا وفقا لمصالحها وحفظ سلطتها، فتشرع لقمع الآخر، وإقصاء المختلف، واستباحة الدماء، وتحليل الأعراض، ونهب الثروات برعاية الفقه السلطاني، كما بالنسبة للأحكام السلطانية التي تستميت في الدفاع عن سلطة الخليفة والمستبد رغم تجاوزات جملة أحكام للقيم الأخلاقية.

أو يقوم التشريع وفق مبادئ وقيم أخلاقية، فتصدر وفق مقتضيات الحكمة. لا فرق بين المشرع الديني والوضعي.

والله غني عن العباد، خلق الإنسان ليكون خليفة، يستقل بعقله وحريته وإرادته في إعمار الأرض، ومواصلة سير الرسالة الإنسانية، فنستبعد هذا الاحتمال. وتقدم أن فقه الشريعة يعتبر ملاكات الأحكام أساس جعلها. وكل تشريع في صلاح المجتمع وضبط سلوك الناس، منعا للجريمة والظلم والاستبداد، ومراعاة لأمن الناس ومصالحهم العليا، يعد حكما مستوفيا لشروطه، وشرعيته. بهذا يختلف اتجاه فقه الشريعة ومنهج التأصيل العقلي عن اتجاه العبودية حول ملاكات الأحكام كمحرك لتشريعها. والفرق أن الاتجاه العقلي يرتهن شرعية الحكم ووجوب طاعته لملاكاته المأخوذة في مرحلة جعله وتشريعه، من مصالح ومفاسد وإن كانت مجهولة لنا. فعندما شرع العبادات مثلا، فهناك ملاكات وراء تشريعها، تصب في صالح الفرد والمجتمع، وهذا ما يقوم به كل مشرع. والأحكام الشرعية أولى مادامت تصدر عن الله المحيط بكل شيء والغني عن كل شيء. فيكون الإنسان ومصالحه محور التشريع. بينما لا يشترط اتجاه العبودية وجود ملاكات، والأصل عنده هو اختبار عبودية العبد ومدى طاعته، مادام الإنسان مخلوقا للفتنة وللعبادة: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، فقد يكون تمام ملاكاتها في جعلها، لا وجود مصلحة غيرها. ويُمثل لذلك للأب عندما يطلب ماء من ولده. تارة يكون عطشانا، يقصد الماء ليسد رمقه، فلا خصوصية لولده، وسيشرب الماء من أي شخص استجاب له. وأخرى يقصد اختبار طاعة ولده، فلا يقبل شرب الماء إلا من يده. ويعاقبه على عصيانه.

ولا يمكن فصل منهج فقه الشريعة وفق مقتضيات الحكمة عن منهج التأصيل العقلي، الذي يقدم رؤية كونية مغايرة للعالم، في ضوئها نفهم دور الدين في الحياة، وما هي حدود النص. وهو منهج يعمل على مستويين، تفكيك اللامعقول الديني الذي تقوم عليه المقولات العقدية والكلامية، وبناء معرفة تتأسس على الدليل والبرهان ومرجعية العقل، والأخذ بنظر الاعتبار مركزية الإنسان، ومقاصد التشريع، وفهم مختلف للدين. وكان المبرر لاعتماد هذا المنهج دون سواه من المناهج الآخرى، حجم اللامعقول في نسق المقولات العقدية التي تتحكم بمسار التفكير الديني من جهة، وقداسة المعرفة الدينية رغم نسبيتها من جهة ثانية. وتعني النسبية هنا، تأثّر فهم النص بقبليات المتلقي وخلفياته وثقافته وأيديولوجيته ومختلف مصالحه الشخصية والسياسية. وبما أن التأصيل عملية نقد وبناء فتزحف لزعزعة بنية تلك المقولات، ثم بناء معرفة جديدة تقوم على الدليل والبرهان. (أنظر: المصدر السابق، ص 61). بهذا يتضح ثمة اختلاف عقدي بين اتجاهي العبودية واتجاه خلافة الإنسان أو الاتجاه العقلي، يتجلى من خلال بعض المقولات الكلامية كالعصمة والإمامة وعدالة الصحابة ومعنى القداسة. بعضها تكون المغايرة جذرية، بين ثبوت وعدم ثبوت العصمة مثلا، وحجم ما يترتب عليها من آثار ينعكس خاصة على تشريع الأحكام الشرعية. فلا نجانب الصواب عندما قلنا إنه منهج يزعزع ثوابت المدارس الفقهية عبر التاريخ، ويتقاطع مع الرأي السائد.

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi13خاص بالمثقف: الحلقة السابعة والعشرون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

مقارنة بين اتجاهين

ماجد الغرباوي: تقدم أن فرضية "متقضيات الحكمة في التشريع" تنتمي لنسق عقدي مغاير في نظرته للأحكام الشرعية. وتنتسب لفهم جديد للدين: (ليست الأحكام في الشرائع السماوية معطى نهائيا، بل أن تشريعها يجري وفقا لمتطلبات الواقع ومقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع التي يمكن للعقل إدراكها، وتحديد فعليتها، وتوظيفها لملء منطقة الفراغ التشريعي، في إطار أخلاقي، بعيدا عن وصايا الفقهاء). وهو مضمون استفزازي، يزعزع ثوابت المدارس الفقهية عبر التاريخ، ويتقاطع مع الرأي السائد. ولا بد أن يكون كذلك من أجل رؤية جديدة للدين والإنسان. إذ طالما ارتهنت النهضة الحضارية إلى نقد النسق العقدي المتداول، وتقديم فهم جديد للدين يأخذ بنظر الاعتبار دور الإنسان في الحياة. ويمكن تلخيص الرأي التراثي والفقهي حول الأحكام الشرعية كما يلي:

أولاً: الأحكام الشرعية وحي ومعطى نهائي من الله، سابقة على نزول النص. (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ). إذ يدل فعل "أنزل" على النزول دفعة واحدة، وهو الأنسب مع نزول التوراة والإنجيل اللتين نزلتا دفعة واحدة، كما ذهب لذلك المفسرون. وهذا يكفي دليلا على سبق التشريع. بينما عبّر بالفعل "نزَّل" لنزول القرآن متفرقا حسب الحوادث والوقائع: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)، (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ). و"التنزُّل" أيضاً يأتي بمعنى النزول التدريجي. وهناك روايات تؤكد نزول القرآن دفعة واحدة في شهر رمضان، ثم نزل منجما: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ). وظاهرها كما يرى الرأي السائد سبق تشريع الأحكام قبل نزولها. ولا ينفي نزول القرآن منجما نزوله دفعة واحدة. وسبق أن طالبت بتعريف جديد لمفهوم "القرآن"، من خلال آيات الكتاب. لنعرف ما هو القرآن الذي كان محفوظا في اللوح المحفوظ، هل كل ما بين الدفتين من الكتاب الكريم، أم المقصود بالقرآن المحفوظ روحه ومبادئه وخطوطه العريضة؟. وهناك من يؤكد من المفسرين أن نزول القرآن دفعة واحدة، هو نزول روح ومعالم القرآن. أي مبادئه وقيمه، التي في ضوئها تنزل الآيات. وهو ما أكدت وما زال الحديث حوله، أن الأحكام الشرعية تشرع وفق مبادئ الحق والقيم الأخلاقية. فالأحكام كما تذهب الفرضية: "ليست معطى نهائيا"، وليست صياغتها سابقة على نزولها، بل السابق هو مبادؤها. فيبدو التعارض بينهما مستقرا. ولا يخفى ما يترتب على كلا القولين من آثار.

ثانياً: أحكام الشريعة الإسلامية تعبدية، لا تخضع للاجتهاد مادامت نصاً في مؤداها. (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)، مما يضفي قدسية، ترتفع بها الأحكام فوق التأويل والبحث عن علتها. فتبقى وظيفة شرعية ينبغي الالتزام بها، غير قابلة لمراجعة فعليتها. بل هو متعذر مع خفاء علة الحكم. بينما يمكن مراجعة الأحكام الشرعية بحثا عن تاريخا وفلسفتها ودوافع تشريعها وفقا للفرضية.

ثالثاً: الأحكام الشرعية مطلقة أزمانا وأحوالا، بعيدا عن الواقع وضروراته. و"حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة". وقد استدلوا على إطلاق الآيات بأدلة تبحث عادة في أصول الفقه، كقرينة الحكمة. فعندما يقول أكرم الفقير ولم يخص فقيرا بعينه، فمراده مطلق الفقير، مادام القائل في مقام بيان مراده. ويسقط الواجب بإكرام أي فقير بغض النظر عن خصوصيته. بينما الحكم في الفرضية مرتهن لفعلية وعدم فعلية موضوعه. كما أن مفهوم الإطلاق هو الآخر يستدعي نقده وبيان حدوده وشرعيته، وسنعرف أن الواقع سيكون قرينة على فعليته وعدمها.

رابعاً: لا اجتهاد مقابل النص في الأحكام الشرعية. مادام النص صرحيا في مورده. تقتصر مهمتنا على تطبيقه والالتزام به، وتقتصر مهمة الفقيه على بيان مصاديقه. أو تطبيق كبرى الأحكام على مصاديقها. ولا ريب فيه، غير أن تنصيص الحكم لا يمنع من تدبره، والكشف عن دلالاته، وما هي شروطه التي يحيل فيها الحكم على قرائن ضمنية. ففرق بين الاجتهاد مقابل النص، وفهم النص بمعنى فقه النص وتدبره. والثاني متاح بل واجب الفقيه فقه النص وتدبره.

خامساً: لا طريق لمعرفة علل الأحكام، ما لم يُصرّح بها بقرينة متصلة أو منفصلة. فأحكام الإرث مثلا، تبقى ثابتة مهما تغيرت الأحوال، مادمنا نجهل علة جعل حظ الذكر مثل حظ الأنثيين. وما يقال عن المرأة وأنها مكفولة لا تحتاج للإرث كحاجة الذكر مجرد تخمين، أو حكمة من حِكَم التشريع، وإلا قد تكون العلة أبعد من هذا، فكيف نحكم بعدم فعلية الحكم لمجرد تغير الظروف الزمانية والمكانية. فلعل الشارع يريد تحديد ملكية المرأة وهامش حريتها. أو ليضمن بسقف منخفض من الإرث عدم تمردها وطاعتها لزوجها، خاصة مع وجود منطق ذكوري يحتقرها، ويسعى لتهميشها دائما. وأيضا باقي الأحكام الشرعية. لا فرق بين حكم وآخر. بيد أني بينت مفصلا في كتاب الفقيه والعقل التراثي، إمكانية اكتشاف ملاكات الأحكام. سيما مع تعذرها، واقترحت مقاصد الجعل الشرعي دليلا للكشف عن آثارها.

سادسا: يحرم مخالفة الشريعة. وأحكامها ملزمة لكل من توفرت فيه شروط التكليف: "البلوغ والعقل والقدرة على إتيان الفعل". ولا يجوز الاحتكام لغيرها. سواء كانت أحكاما تكليفية (وجوب، استحباب، حرمة، كراهية، إباحة)، أو أحكاما وضعية، لا فرق في ذلك، مادام الحكم فعليا: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِ‌يعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ‌ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ).

- (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْ‌هُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّـهُ إِلَيْكَ).

- (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّـهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ).

- (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُ‌دُّوهُ إِلَى اللَّـهِ وَالرَّ‌سُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ‌ ذَٰلِكَ خَيْرٌ‌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا).

- (وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ).

- (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ).

- (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).

- (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).

- (أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إلى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا).

وتترتب على الإلتزام وعدم الالتزام بها أحكام جزائية، ثوابا وعقابا. دنيوية أو أخروية أو كلاهما.

سابعاً: الشريعة الإسلامية (القرآن والسنة) مصدر وحيد لتشريع الأحكام: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، يجب الالتزام بها. ويستدلون لقولهم هذا بجميع الآيات المذكورة في المقدمة السادسة.

ثامناً: شمول الشريعة لجميع مناحي الحياة: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)، (وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ). لكن تقدم أن أحكام الشريعة محدودة لا تكفي لجميع وقائع الحياة، لذا اضطر المسلمون للاجتهاد، للتوفر على أحكام جديدة ولو بقدر الأصول العملية التي تحدد الموقف الشرعي من الحكم المشكوك. والقياس والاستحسان كلا حسب مبناه. وهي قواعد تم بناؤها لتدارك نقص الأدلة اللفظية التي هي عمدة الأدلة على تشريع الأحكام. لكن فائض الوقائع اضطرهم للأصول والقواعد العملية. ويكفي هذا دليلا على عدم شمول الشريعة، وعدم خضوعها لرغبة الفقيه. وهذا يدعونا لفهم الآيتين المتقدمة لمعرفة ما هو المراد بهما؟. لا ريب أن المراد (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)، في خصوصه، وضمن اختصاصه، وإلا فجميع الموضوعات باستثناء موضوعات الكتاب لم تذكر فيه. (وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ)، وأيضا فإن المراد بالآية تبيان ما يخص الدين من أحكام وعقائد، وليس تبيان كل ما في الحياة. ولم يكن مقصودا، وفيه مصادرة لعقل الإنسان الذي هو رهان كل شيء.

ولازم شمولها وفقا لدعوى الفقهاء، عدم جواز التشريع خارجها. ومن باب أولى عدم شرعية القوانين والأنظمة الوضعية. وهذا الشرط قد أحرج المشرعين في الدول التي اتخذت من الشريعة مصدرا وحيدا للتشريع. فاضطروا كما في إيران استبدال مادة دستورية من: "يجب مطابقة اللوائح والقوانين والأنظمة مع الشريعىة الإسلامية" إلى "عدم تعارض اللوائح والقوانين والأنظمة مع الشريعة الإسلامية". والفارق كبير جدا. وهذا مبرر دعواتنا المستمرة للموضوعية والكف عن الشعارات الرنانة، خاصة شعارات الحركات الإسلامية التي ترفع القرآن هو الحل. أو الإسلام هو الحل لشمولها جميع مناحي الحياة.

مقارنة وبيان

بهذا بات واضحا وفقا للآيات أعلاه التعارض بين فرضية مقتضيات الحكمة في التشريع والرأي المتداول عن الأحكام الشرعية الذي يستدل لرأيه بهذه الآيات وغيرها من أحاديث نبوية. وعلى الفرضية الإجابة على هذه الإشكالات كشرط لصدقها. فكيف يمكن التوفيق بين دعوى الفرضية والرأي المتداول؟. وهنا، ثمة مقدمات يتوقف عليها تحري التعارض بين فرضية "مقتضيات الحكمة في التشريع" ورأي الفقهاء، هي:

المقدمة الأولى: إن فرضية "مقتضيات الحكمة في التشريع" لا تنفي الوحي ولا تشكك في قدسية النص، وتبقى الأحكام الشرعية أحكاما إلهية بغض النظر عن طبيعة الوحي وكيفية تبليغها. ونقطة الخلاف حول فهم منطلقات ومبادئ التشريع. هل الأحكام معطى نهائي نجهل مبادئه وطريقة تشريعه، يقتصر واجبنا على التزامها وتطبيقها دون البحث عن عللها، أم أنها تجري وفق منطق الحق ومبادئ أخلاقية، تسمح بتشريع أحكاما مماثلة لها في منطقة الفراغ التشريعي؟

المقدمة الثانية: إن مفهوم القداسة تعني خصوبة النص وثرائه وعمقه وإمكانية كبيرة للتأويل للبحث في أعماقه، والكشف عن مضمراته، وما يريد قوله أو يستبعده، مادام النص وليس الوحي منتجا ثقافيا، موجها لنا ولعقولنا لمعرفة دلالاته والالتزام بتعاليمه. وأما التعبد المحض فيلغي إرادة الفرد، ويتنافى مع الاختيار الذي هو شرط مسؤولية المكلف عن أعماله. أما معنى القداسة في الرأي المتداول فتعني دوغمائية مطلقة، وجمود على حرفية النص. فالفارق في فهم معنى القداسة هو ذات الفارق بين اتجاه العبودية واتجاه خلافة الإنسان.

المقدمة الثالثة: لا يمكن استبعاد الواقع في فهم النص، ومعرفة مدى فعلية موضوع الحكم الذي ترتهن له فعليته. بل الحكم يخاطب الواقع ويضع حلولا له، لذا جاءت مجموعة كبيرة من الأحكام بعنوان: (ويسألونك ... ويستفتونك). الواقع يسأل والقرآن يجيب، حتى حذرهم القرآن من كثرة السؤال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ). فآيات الأحكام ناظرة للواقع وضروراته عند تشريعها، فكيف لا يؤخذ بنظر الاعتبار. بل ولازمه تغير الحكم بتغيّره أوبتغيّر موضوعه. ومثاله آيات القتال التي تدعو لمطاردة أهل الكتاب، فثمة خطاب سلفي يصّر على فعلية هذه الآيات حتى يوم القيامة. وبالفعل استباحت داعش والحركات الدينية المتطرفة دماء وأعراض وأموال الأقليات الدينية، كما في العراق وسوريا.

المقدمة الرابعة: نحن أيضا نؤمن أن "المورد لا يخصص الوارد"، غير أننا نرتهن فعلية النص لفعلية موضوعه، والمورد يشخص لنا شروط فعلية الموضوع، وهي نتيجة مهمة، تمثل لنا قاعدة أصولية: (ارتهان فعلية وعدم فعلية الحكم لفعلية وعدم فعلية موضوعه) يمكن بموجبها مراجعة فعلية الأحكام من خلال مراجعة فعلية الموضوعات دائما. وهذا دليل على عدم كونهامعطى نهائيا.

المقدمة الخامسة: التمييز بين القضايا الحقيقية والخارجية في موضوعات الأحكام الشرعية. الثانية تكون ناظرة لقضايا خارجية محدودة، ترتهن لها في فعليتها. ففرق بين قول القائل أكرم الفقراء، وهو يعني مطلق الفقراء، وبين قوله، أكرم هؤلاء الفقراء، فيختص الإكرام بهم دون غيرهم. الحكم الثاني، كما يقول الأصوليون مآخوذ على نحو القضية الخارجية. لا إطلاق للحكم خارجها. فآية السيف وفقا لرأي الفقهاء، ممن لا يشترط الحرابة في فعلية الحكم، مثلاً، تكون فعلية مطلقة في كل زمان ومكان: (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). ولازمه إطلاقها، وعدم اختصاصها بمن حارب الله ورسوله من أهل الكتاب في واقعة معينة محددة. بل يشمل جميع أهل الكتاب بلا روية ولا رحمة، وهذا هو موقف الحركات الدينية المتطرفة من الآخر المختلف دينيا. وفي هذا ظلم عظيم، لا يرتضيه الله، ويتنافى مع القيم الدينية والإنسانية، خاصة مع وجود قرائن وأدلة منفصلة على إرادة بعض أهل الكتاب. تقول الآية التي تعارض قول الفقهاء، خصوصا الفقه السلفي: (عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). غير أن الخطاب السلفي، الممالئ للسلطة وحروبها وموقفها الصارم من المعارضة، التف على جميع آيات الرحمة والمودة والتسامح بدعوى نسخها بآية السيف. فكانت ضحية النسخ تعطيل أكثر من 60 آية (راجع كتابي: التسامح ومنابع اللاتسامح). بينما يكفي الآية المتقدمة دليلا على إرادة خصوص مجموعة من أهل الكتاب حاربوا الله ورسوله ولم يستجيبوا لنداءات السلم، بل أوغلوا بالعداء والتآمر ضد الرسالة، وهو ما تحدثت عنه الآيات كمبررات لقتالهم، فهي لم تجعل من الحرب استراتيجية وأكدت على السلم، وأمرت بالاستجابة لكل بادرة سلم، ولو كانت محتملة: (وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ). لست بصدد تبرير الحرب، وسأعود للموضوع في الوقت المناسب. غاية الأمر اتخذ من هذه الآيات دليلا على صدقية فرضية "مقتضيات الحكمة في التشريع" أن القداسة لا تعني الجمود على حرفية النص، بل مقتضى القداسة تحرير دلالات النص ومضمراته. فالقرآن يلقي بالنص لنا، وعلينا مسؤولية فهمه وعدم الاكتفاء بتفسيره، وهذا معنى قداسته. وبالتالي وهو المهم، سنكتشف من خلال تحري النص البمادئ الأخلاقية التي على أساسها تم تشريع الحكم.

المقدمة السادسة: الولاية التشريعية منحصرة بالله، ولم يجعلها لغيره بنص صريح، وما يقال عن حجية مطلق السيرة النبوية مجرد وجهات نظر وتأويلات لا تصمد أمام النقد الموضوعي. فلا دليل على حجية ما عدا الأحكام المنصوص عليها، باستثناء الأحاديث النبوية الشارحة والمبينة لها. فتقتصر حجية السنة النبوية على بيان وتفصيل ما له جذر قرآني، شريطة صحة الرواية، وهو ما نصت عليه الآيات حول وظيفة النبي: (وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً).

تأتي باقي المقدمات في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi12 (1)خاص بالمثقف: الحلقة السادسة والعشرون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

عقلنة التشريع

ماجد الغرباوي: يسعى البحث، وهو يتحرى صدقية التعارض بين الأحكام والأخلاق، لاختبار فرضية في طور التأسيس عن مبادئ تشريع الأحكام الشرعية، في سياق فهم جديد للدين يرتكز للعقل ومحورية الإنسان. والتأكيد على حريته وقدرته على الاختيار وفق مقتضيات الحكمة. بعد بلورت معنى جديد للقداسة. سبق أن مهدت لها بمجموعة بحوث يمكن مراجعتها في كتاب الفقيه والعقل التراثي. سيما الفوارق الأساسية بين تجاه العبودية واتجاه خلافة الإنسان، الذي يأخذ بنظر الاعتبار محورية الإنسان ومصالحه أولاً. وكذلك بحثا منهج التأصيل العقلي، ومقتضيات الحكمة في التشريع التي كانت محاولة جادة لاكتشاف ما أسميته هناك: مقاصد الجعل (وهي غير مقاصد الشريعة) لمعرفة ملاكات الحكم. (أنظر ص: 77 من الكتاب). وهنا سأتناول موضوع مقتضيات الحكمة في التشريع من أبعاد تتكامل مع ما تقدم تمهيدا لنظرية كاملة عن تشريع الأحكام، ندشن معها فهما جديدا، نحرر به الأحكام من سلطة فقهاء اتجاه العبودية، الذي يعتقد أن الحكم اختبار لمدى إلتزام العبد، ومدى تعبده. بينما النظرية الجديدة تسير وفق منهج منبثق عن رؤية فلسفية للحكم الشرعي، ووعي مغاير للدين ودور الإنسان في الحياة. وفهم علمي لآلية عمل مبادئ الحكم في مرحلة تشريعه، وطبيعة علاقتها بمقاصد التشريع في مرحلة جعل الحكم وفق مقتضيات الحِكمة. بهذا يمكن التخلص من رهاب القداسة وسطوة الفقهاء. واستعادة حرية الإنسان، ويرسيخ ثقته بنفسه وبعقله وقدرته على الاختيار وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع التي مرَّ ذكرها: (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ). فالحكمة وفقا لهذا الآية متاحة، تستعدي مقدمات تمهد لبلوغها، وأولها أن يكون من أولي الألباب والعقل والتدبر والتأمل. بهذا فقط يمكننا التمرد على أسيجة القداسة بمعنى الدوغمائية والتعصب والجمود. لا طريق للنهوض إلا بتحرير الدين من سطوة القداسة واكتشاف المبادئ العقلية التي تقوم عليه أحكامه. فليست الأحكام بدعاً من نظم الخلق المرتهن للقوانين والأنظمة الصارمة. بل يسرد القرآن قائمة من السنن التاريخية والاجتماعية. وعلى هذا فإن الأحكام هي الأخرى يجرى تشريعها وفقا لمقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع.

الاتجاه العقلي في التشريع

مفاد الفرضية: (ليست الأحكام في الشرائع السماوية معطى نهائيا، بل أن تشريعها يجري وفقا لمتطلبات الواقع ومقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع التي يمكن للعقل إدراكها، وتحديد فعليتها، وتوظيفها لملئ منطقة الفراغ التشريعي، في إطار أخلاقي، بعيدا عن وصايا الفقهاء). (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ). وهي فرضية في إطار فهم آخر للدين والوحي والنبوة والتشريع، يختلف عن النسق العقدي المتداول. وفي ضوء هذه الفرضية، يمكن للعقل اكتشاف تلك المبادئ وتحديد مدى فعلية الحكم في ضوئها. وسيكون الإنسان مخوّلا في تشريع ما يناسبه من أحكام لضبط حركة السلطة والمجتمع وفق مقتضيات الحكمة. كما يمكنه مراجعة الأحكام الشرعية لتحديد مدى فعليتها في ضوء الواقع الجديد وضروراته وما تقتضيه مقدمات الحكمة. وبشكل أوضح، ستكون مبادئ التشريع مبادئ مشتركة، مادامت مبادئ عقلائية تراعي مقتضيات الحكمة وضرورات الواقع. في ضوئها نحدد مدى فعلية الأحكام الشرعية، وعلى أساسها نشرّع لمنطقة الفراغ، بعيدا عن احتكار الفتوى من قبل الفقيه بل يكفي الخبرة والعدة المعرفية اللازمة لفقه النص واكتشاف شرط الواقع في تشريعه. فالعملية ليس منفلتة، بل تجري وفق فلسفة الحكم ومبادئه، لتحرير الدين من سطوة المقدس، والارتكاز للعقل في فهمه. فليس هناك معطى نهائيا في الأحكام الشرعية بل تجري وفق مبادئ التشريع التي مر ذكرها. وهنا أجد من المناسب استدعاء ما كتبته حول مقتضيات الحكمة في التشريع في كتاب الفقيه والعقل التراثي لتوضيح فكرة الفرضية أكثر:

[تقدم أن فعلية الأحكام الشرعية تتوقف على فعلية موضوعاتها، التي تتوقف هي الأخرى على فعلية جميع شروطه الزمكانية. وكانت الاستطاعة للحج مثالا واضحاً على ذلك. غير أن هذه القاعدة بهذه الصورة، رغم أهميتها، لا تجدي نفعا في ما نحن فيه. فالموضوع المشروط لا يكون فعليا إلا بفعلية شرطه، وأن الحكم لا يدعو لإيجاد موضوعه، كلاهما قضية متفق عليها. فالقاعدة تختص في موضوع الحكم الشرعي المشروط، كشرط الاستطاعة في فعلية وجوب الحج. واشتراط عدم السفر والمرض في وجوب الصوم. فكما أن فعلية الموضوع موجبة لفعلية الحكم ابتداء، فكذلك يسقط التكليف حينما تختل فعلية الموضوع بسبب اختلال أحد شروطه، كالصائم إذا قطع مسافة وسافر خارج مكان إقامته.

إلا أن هذه القاعدة عاجزة عن تحديد فعلية أو عدم فعلية موضوعات الأحكام المطلقة. فنحتاج لمنهج مختلف في فقه الشريعة، ندرس بموجبه تلك الموضوعات، للتأكد من فعليتها أو عدم فعليتها، كمقدمة لتطبيق قاعدة: "فعلية الحكم تتوقف على فعلية موضوعه". فهذا المنهج ينطلق من دراسة ملاكات الأحكام الأساسية لتحديد فعلية أو عدم فعلية الحكم، من خلال علاقتها بمبادئ الحكم ومرتكزاته. فثمة علاقة جدلية بين الواقع والأحكام الشرعية. بل أن الحكم ناظر للواقع في ملاكاته، وقد جاء لمعالجته وخدمة للإنسان ومصالحه، كما هو مقتضى منطق الخلافة، وليس الحكم اختبار لمدى إلتزامه وتعبده، كما يتصور منطق العبودية. فهو منهج منبثق عن رؤية فلسفية للحكم الشرعي، ووعي مغاير للدين ودور الإنسان في الحياة. وفهم علمي لآلية عمل مبادئ الحكم في مرحلة تشريعه، وطبيعة علاقتها بمقاصد التشريع في مرحلة جعل الحكم وفق مقتضيات الحِكمة.

لا شك أن فقه الشريعة بهذا المعنى عملية معقدة، تتطلب عمقا علميا وفلسفيا قادرا على إدراك مبادئ الأحكام، التكليفية والوضعية في مرحلة ثبوت الحكم، (وهذا قياسا على حياتنا، وكما يمارسه المشرّعون). حيث يحدد المشرّع ملاك الفعل أولا، فإذا أدرك وجود مصلحة فيه، تتكون لديه إرادة تتناسب معها، فيبرز إرادته من خلال خطاب في مرحلة الاثبات. غير أن هذا القدر من تشخيص مبادئ الحكم الشرعي لا يبيّن كيفية إدراك الملاكات، وما هي محددات إرادة المشرّع حينما يدرك وجود مصلحة أو مفسدة في الفعل، وهو ما نحتاجه في فقه الشريعة للتأكد من بقاء فعلية أو عدم فعلية بعض الأحكام الشرعية. والحقيقة أن إدراك المصالح والمفاسد في ملاكات الأحكام متعذر علينا، ما لم تكن مصرحا بها قرآنيا. وأما غير المصرح بها تبقى تخمينات لا يمكن الجزم بمطابقتها للواقع، لذا عمدت أمام هذا الانسداد المعرفي إلى تقصي مرتكزات تلك المبادئ، وفق مقتضيات الحكمة في عملية تشريع الأحكام، لتكون منطلقا لفهم آلية عمل المبادئ، ومن ثم تحديد فعلية الحكم. وقد أخذت بنظر الاعتبار أن المشرع هو الخالق المطلق، وما يتصف به من صفات الكمال والحكمة والعدل والإنصاف والرحمة، (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ). فكانت تلك المرتكزات ثلاثة: (مركزية العدالة، السعة والرحمة، المساواة)، في أفق الواقع وضروراته. وقد تم الاستدلال عليها قرآنيا وعقليا، كما تقدم بيانه. مما يسهل فهمَ محددات ملاكات الأحكام من مصالح ومفاسد. حتى وإن لم ندرك ذات المصلحة، لكن سنعلم أن إدراكها جرى وفق هذه المرتكزات ضمن معادلة حكيمة، متوازنة، راعت ملاكات الجعل الشرعي الأساسية، التي حصرتها بعنوانين: العدالة الاجتماعية، والتوازن الروحي والسلوكي. فيكون لدينا من خلالها مؤشر، يمكن الاستعانة به لتحديد بقاء أو عدم بقاء فعلية الحكم. فعندما تختل العدالة الاجتماعية نفهم أن معادلة عمل مرتكزات تلك المبادئ باتت غير صالحة للواقع الجديد، فنتحرى الحكم الملائم. ولكي نتعرّف على آلية عمل تلك المرتكزات وتحديد مقاصد الجعل التي تتحكم بها] (أنظر كتاب: الفقيه والعقل التراثي الصفحتان 77 و78)

مقتضيات الحكمة في التشريع

طالما أكدت في بحوثي على: ارتهان فعلية الحكم لفعلية موضوعه. بعد دراسة تاريخه وفلسفة تشريعه، بينما يتجاهلهما الفقيه، مادام الحكم بالنسبة له معطى نهائيا. يتعالى على تاريخيته وأسباب نزوله، و(المورد لا يخصص الوارد) في رأيه. بل يبقى مطلقا، ينطبق على مصاديقه الخارجية ضمن شروطه. ورغم تسليمه بمبدأ العلية إلا أنه يدعي استحالة اكتشافها كي تنتفي فعليته بانتفائها. ويعتقد أن كل ما يبدو علة قد يكون مجرد حكمة. غير أني أجبت على هذه الشبهة، وطرحت بدائل لمعرفة ملاكات الجعل، واسميتها بمقاصد الجعل، في مقابل مقاصد الشريعة. يراجع كتاب الفقيه والعقل التراثي. وبالتالي سأختبر مدى قدرة الفرضية على تفسير جملة من الأحكام والاجابة على جميع الأسئلة والاستفهامات، لتكون دليلا على صدقها. وهناك من يرى الأحكام تعبدا صرفا، لاختبار عبودية الإنسان، ومدى طاعته لله. فتكون المصلحة في ذات الجعل، لا في ملاكاته. وقد سبق مناقشة هذه الفكرة وردها. إذاً، نحن أمام مهمتين خلال البحث: اختبار الفرضية وتحري التعارض. لوجود ترابط بينهما.

نفترض أن مصدر شرعية الأحكام صدورها وفق (مقتضيات الحكمة) لا فرق بين الشريعة الإسلامية وغيرها. والحكمة تعني لغة وضع الشيء في محله. وشخص حكيم: يتدبر الأمور بعقلانية وروية: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ). تارة تدل على الاصطفاء وليست لازمة له، كما بالنسبة للقمان: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ). لأنها مشترك إنساني، تشمل الأنبياء وغيرهم: (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ). وقد تكون هبة إلهية كما بالنسبة لداود: (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ). وبما أن مسؤولية الاصطفاء مسؤولية رسالية، فتستدعي حكمة الرمز المصطفى: (فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)، (وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ). فتكون الحكمة مرادفة للعقل والعقلانية وموازنة الأمور، وإعطاء كل ذي حق حقه، وأخذ الواقع بنظر الاعتبار بجميع تفصيلاته وضروراته دون تحيّز، ثم يتم تشريع الحكم وفق تلك المعطيات. وما يؤكد تشريع الأحكام وفق مقتضيات الحكمة أن هناك أحكاما شرعية يصرح القرآن بتشريعها وفقا لمقتضيات الحكمة كما في آيات (سورة الإسراء: 23 - 38):

[وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ﴿23﴾ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴿24﴾ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا ﴿25﴾ وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴿26﴾ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ﴿27﴾ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا ﴿28﴾ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا ﴿29﴾ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴿30﴾ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءًا كَبِيرًا ﴿31﴾ وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً ﴿32﴾ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ﴿33﴾ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً ﴿34﴾ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴿35﴾ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴿36﴾ وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً ﴿37﴾ كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ﴿38﴾ ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا ﴿39﴾....]. والآيات تشتمل على 22 حكما من أهم الأحكام، غير أن تشريعها جاء وفقا لمقتضيات الحكمة التي ترتكز على مبادئ التشريع: (مركزية العدالة وعدم الظلم، السعة والرحمة، والمساواة، في أفق الواقع الموضوعي وضروراته. وهي مبادئ التشريع الإسلامي.

وهناك آية أخرى تؤكد هذا الكلام حيث تقول: (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ). وأفهم من سياقها الاشارة لتفصيل الأحكام المشرعة وفقا لمقتضيات الحكمة. ولا يراد بها القضاء فقط كما ذهبوا لذلك، وسيأتي في محله بيانها.

ولتوضح المسألة: إن وراء الأحكام الشرعية ملاكات ومصالح، تتوقف فعليتها على فعلية موضوعاتها الناظرة للواقع وحاجاته أساسا. وأن تشريعها قائم على مبادئ: (مركزية العدالة وعدم الظلم، السعة والرحمة، المساواة)، في أفق الواقع الموضوعي وضروراته، وفي إطار القيم الأخلاقية. فالأحكام ليست معطى نهائيا، يتعالى على منطق الحكمة، وعلى تاريخيتها، وضرورات الواقع، وإنما تشرع فوق مقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع. فما كان منها فعليا آنذاك وفق ظرف محدد وواقع مشخص، قد لا تكون كذلك. وإذا كان هناك استثناء فيقف عند حدود الأحكام العبادية. لكن أيضا يمكن اكتشاف ملاكات جعلها، كما سيأتي وفقا لرؤية مغايرة عن الوحي. فالشريعة الإسلامية قامت على مقتضيات الحكمة، حتى مع تأكيد الكتاب على اختصاص التشريع بالله تعالى: (يسألونك ... يستفتونك)، (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ). أي أن المشرع الحكم هو سيد العقلاء، وشرع أحكامه وفق مقتضيات الحكمة، بشكل يدركها العقل البشري، مادام هو المخاطب بها. ولايمنع اتصافها بالقداسة تحري ملاكاتها وفعليتها مادامت مرتهنة للواقع وضروراته. إذ جميع الأحكام ناظرة للواقع، ويسألونك، ويستفتونك. فهي أسئلة منبثة من الواقع، والجواب ناظر للواقع. كما أن العرف القضائي كان سائدا وفقا لأحكامه العرفية، لكن هل كانت عادلة أم لا؟ فإن الشريعة حسمت الموقف باختيار ما هو عادل في نظرها من تلك الأحكام السائدة أو بعد تقويمها.

وكمثال توضيحي: قطع اليد بالنسبة للسارق. هل هو حكم ابتدائي غير مسبوق، أم كانت هناك أحكام عرفية فاختار الشارع أحدها وفق مقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع؟. فإذا لم يكن مسبوقا بحكم عرفي، لا يمكننا اكتشاف مبرراته ومدى فعليته إلا من خلال مقاصد الجعل (أنظر كتاب: الفقيه والعقل التراثي). وما كان تشريعه وفقا لمقتضيات الحكمة، فإن نفس تلك المقتضيات والمبادئ ستحدد فعليته أو عدمها. ومن خلالها سنتحرى مدى تعارضه مع الأخلاق كما في هذا الحكم الذي يفرض قطع اليد. وتحري مبررات تجاوزه منطق العدالة. وتجدر الاشارة أن ثبوت التعارض لا يجعل منه حكما مبررا، لكن يمكن إعادة النظر في فعليته. كما بالنسبة لعقوبة قطع اليد.

وربما جميع الأحكام الشرعية في الكتاب الكريم، كانت مسبوقة بأحكام إما عرفية قَبلية أو أحكام أهل الكتاب، المنتشرة في الأوساط اليهودية والنصرانية، وكانت متاحة لعرب الجزيرة، وربما كانوا يدينون ببعضها. فمثلا أحكام الإرث التي استعرضها القرآن، قائمة على مقتضيات الحكمة. يمعنى أدق، ينظر المشرع الحكيم للوائح التشريعات آنذاك حول الإرث مثلا، ويختار وفق مقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع: (مركزية العدالة وعدم الظلم، السعة والرحمة، المساواة، في أفق الواقع المضوعي وضروراته. أو يشرع غيرها وفقا لهذه المبادئ. فكان إرث الأنثى بشكل عام موجودا وله أحكام ضمن أحكام الإرث عندهم، غير ان المشرع الحكيم اختار ما يناسب الواقع وفق مبادئ التشريع. وكدليل لما نقول دقق النظر في الآيات التالية ستجد المشرع يجول في دائرة الأحكام السائدة آنذاك، يفندها ويقومها ويضيف لها كل ذلك وفق مقتضيات الحكمة ومبادئ التشريع وضرورات الواقع:

(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا ﴿127﴾ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴿128﴾ وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴿129﴾ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا ﴿130﴾ وَللّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا)

وعليه فهنا مساران ضمن البحث. تحرير صدقية التعارض بين الأحكام والأخلاق، واختبار فرضية تشريع الحكم الشرعي.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi11خاص بالمثقف: الحلقة الخامسة والعشرون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

الظلم والجور

ماجد الغرباوي: مازال تعريف الظلم بحاجة إلى توضيح إضافة لما تقدم من تعريفات لغوية واصطلاحية لخطورة توظيفه عندما يفتقر للدقة المنطقية، رغم قبحه عقلاً. ولا أبالغ إذا وصفته مفهوما ملتبسا في مصاديقه، فقد يتصف سلوك ما بالظلم في مجتمع، لا يتصف به في مجتمع آخر. وقد يُعد الشخص متلبسا بالظلم ضمن أعراف مجتمع لا يكون كذلك في مجتمع مغاير. ويعززه أن الظلم منطقياً: مفهوم كلي مشكك / متفاوت، وليس متواطئا / متساويا. ولتوضيح الكلام:

المفهوم تارة يكون تجريديا غير منتزع من الخارج سوى صورة ذهنية، هي في حقيقتها تمثلات لانعدام المصاديق الخارجية، كمفهوم الملائكة. وتارة يكون منتزعا من الخارج. أي ينتزعه الذهن من مصاديق خارجية، فيكون المفهوم مرآة له. كمفهوم الإنسان. فإن الواضع شاهد زيداً وعمرواً وخالداً وانتزع منهم مفهوم الإنسان، لاشتراكهم بالإنسانية. فالإنسان مفهوم منتزع من مصاديقه الخارجية. ينطبق على كل فرد بالتساوي. ويسمى منطقيا (الكلي المتواطئ أو كلي متواطئ). والتواطؤ هو التوافق والتساوي. في مقابل (الكلي المشكك أو كلي مشكك). متفاوت، ومثاله: الصفات كالبياض والعدد والجمال، جيمعها يتفاوت من فرد لآخر. فالكلي المنطقي إما أن يكون متواطئا، ينطبق على جميع أفراده بالتساوي. أو يكون مشككا تتفاوت أفراده في الصفة المشتركة، كتفاوت البياض بين الثلج والقرطاس مثلا. وتفاوت العدد بين الواحد والألف وكلاهما عدد. فمفهوم العدد والبياض مفهوم كلي مشكك، متفاوت في نسبته. وهذا ينطبق على مفهوم الظلم. فهو متفاوت في درجاته وشدته، فيكون نسبيا، مثله مثل الضوء فإن ضوء الشمس أشد سطوعا من ضوء القمر وكلاهما يصدق عليه مفهوم الضوء.

والأجدى الاحتجاج بالقرآن لتحديده، لا كمصدر لغوي فقط بل لأنه المعني في هذا البحث أساسا، ومازلنا نتحرى صدقية تعارض جملة من آياته مع الأخلاق. وعندما نراجع الكتاب الكريم يظهر لنا بوضوح تفاوت مفهوم الظلم، فيصدق وفقا لبعض آيات الكتاب أنه مفهوم كلي مشكك أي متاوفت، كقوله:

- (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)، ومفهومه هناك تفاوت في مستويات الظلم، فكما هناك ظلم عظيم، هناك ظلم أقل وطأة.

- (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)، (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا)، (وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى). وصفة التفضيل واضحة، فهناك ظالم وهناك أظلم.

فالظلم صفة منتزعة من مصاديق خارجية، بدءا من النشأة الأولى، العائلة، عندما صدم السلوكُ العدواني للأب الطفلَ، وهو يشاهد أباه يقسو على أخيه أو أخته أو أمه أو ماشيته بلا ذنب. أو لمجرد زلة بسيطة، يمكنه تجاوزها. فانطبعت لديه صورة أولية عن الظلم. ومن خلال مشاهداته لحالات جديدة راح يتبلور مفهومه عبر صورة منتزعة عن مصاديقه الخارجية، بحيث تتداعى جميع مشاهداته عنه. ونؤكد أن تفاوت المفهوم لا يبرر الظلم، بل يبرر ما كان مبررا منه عرفا، وهو كل ظلم لم يقصد به الظلم والعدوان أساسا، كأن يكون من تداعيات العدالة، فإن إقامتها قد يتسبب ببعض الظلم، فلا يدخل في مفهومه، كما تقدم بيانه. وعليه تختلف الأحكام على مصاديقه الخارجية، فمن الظلم ما تشجبه الأخلاق وجميع القيم السماوية والأرضية، خاصة عندما يتحول إلى قهر واضطهاد واستغلال لضعف الإنسان وعجزه عن المطالبة بحقوقه. في مقابل حالات بسيطة يصدق عليها المفهوم بيد أن العقل العملي يتجاوزها إذا لم تكن مقصودة بذاتها.

وبالتالي ليست مشكلتنا مع المفهوم، فهو واضح. غير أن المشكلة في تشخيصه، ونحن نبحث عن معيار أدق، لتحري صفة الظلم في تضاعيف الآيات، سيما الآيات التي تحدد موقف المؤمن من الآخر.

نخلص، إن ما يبدو ظلما في أحكام القضاء (وهي جزء من الأحكام التشريعية) لا يدخل في مفهومه، شريطة أن يستمد شرعيته من عدالة القضاء. والزائد يعد ظلما وجورا. وعدالة القضاء تأتي من نزاهة الحاكم، وعدالة القوانين واللوائح القضائية، وهي مجموع التشريعات التي تقر وفق معايير، إما شرعية أو عرفية مقنعة، ممضاة من قبل العرف العام (قوانين العقوبات العامة)، أو ما تقرره الحكومة عقوبات رادعة، لحفظ الأمن والاستقرار والمصالح الكبرى، وحفظ حقوق المواطنين. فتخرج بالضرورة جميع القوانين والتشريعات التي تتخذ لمصالح شخصية. كما هو حال الدول الاستبدادية التي تمنح الحاكم الأعلى سلطات مفتوحة وتعاقب من يمس بها. وتشريعاتها القضائية ضد المعارضة السلمية، والتي تسلب الحريات وتصادر حقوق الناس. فجميعها يخرج عن مصاديق العدالة التي تدخل تحتها أحكام القضاء والعقوبات المرتكزة لمادة قانونية، ويبقى تحت مفهوم الظلم القبيح عقلا وعرفا.

ولا فرق بين القضاء المدني والعسكري والشرعي، فالجميع مطالب بالعدالة أو تتصف قراراتهم الجور والظلم والعدوان. والظلم عمل لا أخلاقي، يدينه العقل. وتشجبه القيم الإنسانية. وهذا يدفعنا للسؤال عن بعض الأحكام والخطابات القرآنية، سواء الدنيوية أو الأخروية. كيف يمكن تفسيرها من وجهة نظر أخلاقية، وهي تتجاوز مبادئ العدالة القرآنية ذاتها؟ وما هو المبرر الأخلاقي لها؟ وهل يمكن تشريع حكم يتعارض مع القيم الأخلاقية؟ أم أن الضرورات تبيح المحظورات حتى في بعدها الأخلاقي، كمن يكذب لأجل إنقاذ نفس بشرية؟. وسبق التأكيد أن الكذب يبقى عملا لا أخلاقيا مهما كانت مبرراته لكن للضرورات أحكامها، خاصة عندما يتعلق بها فعل أهم كإنقاذ شخص من الموت. وهو موضوع مهم جدا بالنسبة لنا، ينبغي بيانه.

العقوبات الإلهية

اشتمل الكتاب الكريم على مجموعة عقوبات ترتكز للعدالة والقيم الأخلاقية، لكن بعضها يستدعي تحري دواعيها، عندما تتجاوز حدود العدالة في نظرنا نحن البشر. وسبق الحديث عنها في كتاب تحرير الوعي الديني. ولا ريب أن جميع هذه الإشكالات لا ترد على من يعتقد قيام الأخلاق على الشريعة، فهي حسنة مادامت أمرا إلهيا. وترد على من يعتقد باستقلالها عنها. وهذه العقوبات هي:

أولاً- عقوبات دنيوية: على أقسام:

1- عقوبات جسدية، كقطع يد السارق: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا). والقصاص، كما ذكرت الآية المتقدمة.

2- غرامات مالية (نقدية أو ما يعادلها كتحرير رقبة) ومثالها، دية قتل الخطأ: (وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ).

3- عقوبات معنوية، كالتوبة، ووجوب الصوم لمن لا يجد دية القتل الخطأ: (فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا).

4- عقوبات كونية: كالزلازل والأمطار والرياح: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ)،(فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ). وقد فصلت الكلام حول الظواهر الكونية وبيان حقيقتها في كتاب: تحرير الوعي الديني. وبينت أنها تجري وفقا للقوانين الكونية. وهي ليست أحكاما شرعية ولا يصدق عليها المفهوم.

ثانياً: عقوبات دنيوية وأخروية: كعقوبة قتل العمد: وهي القصاص في الدنيا، وعذاب الآخرة: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيم)، (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).

ثالثاً: عقوبات أخروية: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).

هذه هي أقسام العقوبات في القرآن، بعضها يسير وفقا لمبادئ العدل والانصاف التي أكدت الآيات، وبعضها عقوبات لا تنطبق عليها صفة العدل والانصاف ما لم ندرك ملاكاتها البعيدة، أو نستدل عليها من خلال دراسة أسباب النزول والظرف التاريخي، وما هي مبررات الحكم، خاصة الموقف من الآخر. أو الخلود بالنار، مهما كانت الجريمة، فهل هناك جريمة تستحق الخلود بالنار، مهما كانت خطورتها؟ أم ان لغة الدين تختلف عن اللغة العرفية، فثمة أهداف تقصدها لغة الدين تدور مدارها؟.

مفهوم العقوبة

يقصد بالعقوبة لغة: (عاقبَ يعاقب ، عِقابًا ومُعاقبةً وعقوبةً ، فهو مُعاقِب وعقيب ، والمفعول مُعاقَب – للمتعدِّي.. عاقب مُجرمًا بذنبه/ عاقبه على ذنبه: جزاه سوءًا بما صنع، أخذه به، انتقم عاقبه على خطئه. أنظر معجم المعاني أونلاين.. وفي المعجم الوسيط: تَعَرَّضَ لِعُقُوبَةٍ شَدِيدَةٍ:- : لِعِقَابٍ.. وفي مغني اللغة: جزاءُ فعل السُّوء، ما يلحق الإنسان من المحنة بعد الذَّنب في الدُّنيا : لكلّ ذنبٍ عقوبة، - عقوبة بدنيّة / جنائيّة.. وفي غريب القرآن: العقوبة والمعاقبة والعقاب يختص بالعذاب).

واصطلاحا العقوبات: إجراءات قانونية لمعاقبة كل من ارتكب جريمة أو اعتدى على حقوق الآخرين، أو تجاوز على الأنظمة والقوانين. ويراد بالعقوبة شرعا الردع عن الجريمة وليس الانتقام، فلا يتوقف تنفيذ العقوبة على ذات الوسائل المنصوص عليها قرآنيا، لأنها لم تكن هدفا للشريعة. وقد بحثت هذا مفصلا في كتاب: الفقيه والعقل التراثي، في موضوع العقوبات الجسدية. لذا فالعقوبة: (جزاء ينطوي على الإيلام أو الحرمان من حق الحياة أو الحرمان من الحرية أو الحرمان من مباشرة بعض الحقوق أو الحرمان من المال. أنظر: ويكيبيديا). ولما كان هدف القضاء إحقاق الحق وإقامة العدل والقسط بين الناس فإن هدف العقوبات: إرجاع الحق إلى أهله، ومعاقبة المسيء لقطع دابر الجريمة.

وعليه، نحن بصدد معرفة المبررات الأخلاقية للعقوبات التي تتعدى منطق العدالة. مع التأكيد على وجوب إحقاق الحق كمطلب أخلاقي وقانوني، وتعويض المجني عليه أو من يرثه / ولي الدم إن كان الجريمة قتلا. فالعدالة هي الأساس الأخلاقي لتنفيذ العقوبات، بعد تحديد مقدارها. لا خلاف بين القضاء الإسلامي وغيره في هذه النقطة بالذات سوى مقدارها. والعقوبات (الحدود والتعزيرات) من أساسيات التشريع الإسلامي أو الشريعة حيث مرت تقسيماتها. بيد أننا نقرأ عقوبات تتجاوز منطق العدالة ظاهرا، كيف يمكن تكييفها مع مبادئ العدالة؟. وهو اعتراض مشروع، يستدعي أولاً بيان مبادئ القضاء قرآنيا، لتكون معايير الشريعة معيارا لتحديد مستوى التجاوز. وهذا لا يمنع اعتماد معايير من خارج القرآن، لكنها ليست حجة عليه، فالاحتجاج بمعايير القرآن يمنح الاعتراض شرعية. فمثلا عندما تحرم الشريعة قتل النفس المحرمة، بما هي نفس بغض النظر عن انتمائها الديني والعرقي، فكيف يُستباح دم الآخر، كما جاء في آية السيف مثلاً؟.  

وهنا يمكن الاستشهاد بمجموعة آيات تتضح من خلالها مبادئ الحكم والقضاء في الإسلام، يمكن على أساسها تحديد مستوى الظلم في الأحكام إن كان هناك ظلم حقيقة فربما هناك سوء فهم لها أو لشروطها. وقد مرّت مبادئ التشريع الإسلامي التي هي: العدالة وعدم الظلم، السعة والرحمة، المساواة:

- (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). والآية واضحة تأمر بالعدل والإحسان وتنهى عن البغي الذي هو الاعتداء والتجاوز. وتؤكدها في مجال القضاء الآية التالية:

- (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا). والآية جاءت في سياق الحديث عن القضاء، ولا يستفاد منها الحكم بمفهومه الحديث، السلطة والحكم. والدليل بداية الآية: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ... )

- (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ). وتخصيص الحكم بما أنزل الله باعتباره ميزانا للعدالة وإحقاق الحق: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).

- (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ). وهذه أكثر دلالة، والقسط النصيب بالعدل.

- (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ). وهذا مبدأ إنساني عظيم، إذ أجازت الآية العقوبة بالمثل، بلا جور أو ظلم، بل وأكدت على العفو قدر الاستطاعة، فقد يؤثر في نفس الجاني أكثر من العقوبة، ويقلع عن الجريمة، فيكون العفو علاجا له، وهذا ما أكدته مرارا أن هدف العقوبات في الإسلام قطع دابر الجريمة وليس الانتقام، وهذه الآية شاهد في المقام. والآية التالية تؤكد العفو والتسامح والصلح بدلا من العقوبات:

- (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)

- (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). وهذه الآية تضع مقادير العقوبات على أساس العدل والانصاف.

- (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ). والآية خطاب لداود النبي، تحثه على التزام الحق في القضاء، في مقابل العقوبات الصادرة عن مزاج الحاكم او مداراة لجهة ما. فيكون الحق هو ميزان القضاء، ولا مجال لأي تدخل شخصي فيه. بل ينبغي للشاهد أيضا أن يشهد بالحق، دون مجاملة أو انحياز لأحد مهما كانت صلة القربى، كما جاء في هذه الآية:

- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ).

نخلص أن القضاء في الشريعة الإسلامية قائم على العدل والانصاف وإحقاق الحق، وفق موازين العقوبات المثبتة في الآيات الصريحة، هذا ما أكدته الآيات. ولسنا معنيين بالأمثلة التاريخية وسلوك الخلفاء وقضاة وفقهاء السلطة. ومهمتنا تقتصر على تحرير ذات الأحكام الشرعية الواردة في الشريعة. وعلى هذا الأساس ينبغي مقارنة العقوبات المطلقة الواردة في بعض الآيات. فنسأل عن مبررات أحكام آية السيف مثلا في ضوء الآيات المتقدمة، وهي آيات صريحة محكمة. وهنا نلتزم بذات المنطق القرآني برد المتشابه إلى المحكم من الآيات. فما وافق المحكمات من الآيات فهي أحكام قائمة على الحق، وما لم يتوافق مع مبادئ القضاء، يستدعي دراستها للبحث عن مبرراتها. هذا فضلا عن مبررات العقوبات الجسدية التي تناولتها بحثا من جميع الزوايا، في كتاب الفقيه والعقل التراثي.

لكن كيف نفهم باقي العقوبات، وما هي مبرراتها الأخلاقية:

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbaw10خاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والعشرون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

مفهوم الظلم والأخلاق

ماجد الغرباوي: إن مقاربة إشكالية العلاقة بين الدين والأخلاق، تستدعي بالضرورة تحري الجذر الأخلاقي للأحكام الشرعية. لمعرفة علاقتها بالأخلاق أولاً. هل ثمة علاقة بينهما؟ أم أحكام الشريعة تنتمي لمنظومة قيم دينية مستقلة عن القيم الأخلاقية؟. كالنهي عن قتل النفس المحرمة مثلاً، هل هو نهي أخلاقي أم نهي ديني لا علاقة له بالأخلاق؟. أم نهي أخلاقي تطابقت معه أغراض الشريعة فنهت عنه؟. وإذا كان وراء كل حكم شرعي ملاكات ومصالح، وفقا لما يؤمن به الاتجاه الإنساني، فهل تمثّل القيم الأخلاقية إحدى مرجعياتها؟. وهذه نتيجة مهمة، من خلالها نكتشف علل الأحكام ودواعي تشريعها، وبيان شرعيتها، من خلال الأسئلة التالية:

أولاً: أية قيم أخلاقية يرتكز لها تشريع الحكم ما إذا كانت هناك علاقة بينهما؟ هل خصوص القيم الأصيلة، التي يمكن أن تكون مرجعية لتشريع أحكام أخرى؟ أم هي قيم مكتسبة نسبية، يرتهن لها الحكم في فعليته وعدمها؟. وهل ستنقلب القيم المكتسبة إلى قيم مطلقة حينما يرتكز لها حكم شرعي؟ وماذا عن مبدأ اختصاص التشريع بالله تعالى، وفقا لما تقرر سابقا؟ وهل يدفعنا هذا الرأي لمعرفة ما المراد من عبارة: "اختصاص التشريع بالله"؟ وهل لازم الاختصاص التشريع التفصيلي من قبل الله، أم يكفي تشريع المبادئ والكليات؟ وهل المباشرة شرط فيه: (ويسألونك ... الله يفتيكم)؟. وقد يجر النقاش إلى مفهوم الوحي والنبوة وقضايا غيرها.

ثانياً: هل الأوامر الشرعية التي تعالج الواقع وحاجاته، هي معطى نهائي، تقتصر فيه وظيفة الفقيه، والمؤمن الملتزم (المتدين) على الطاعة والتنفيذ أم أنها تشريعات وفق مقتضيات الحكمة عندما يواجه الحكيم / النبي مشكلة اجتماعية ترتبط بالفرد والمجتمع، وحينئذٍ سترتهن فعليتها للواقع وضروراته، باعتباره رأيا عقلانيا أو عقلائيا حكيما؟. وهذا لا يبرر نفي الوحي والنبوة، ولكن أطرح سؤالا لأول مرة، هل موضوع الوحي هو الكليات، ويترك للنبي التشريع بناء على مقتضيات الحكمة وضرورات الواقع؟ أم أن موضوع الوحي الجزئيات وتفصيلات الأحكام، ولازمه التنصيص على كل مسألة مسألة؟. ولو ثبت اختاص النبي بالتشريع بتخويل من الله، فهل نسبة الأحكام لله سيعتبر كذبا وافتراء على الله؟. أم ستكون النسبة صادقة دائما باعتبار الله هو العلة الأخيرة، ونسبة الشيء للعلة الأخيرة دون عللها الأولى لا يعد كذبا: (وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا، مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا).

الرؤية أعلاه لا تنسجم مع اتجاه القداسة بمعنى الدوغمائية والجمود على حرفيته، وهو مبنى أصولي يقتصر فيه دور الفقيه على تفسيره واستنباط الأحكام من ظاهره. وقد يُختزل دور الفقيه حينما يرابط في دائرة التراث ويستغني عن العقل بالروايات والأحاديث. فيغدو مقلدا أكثر منه مجتهدا. بينما قداسة النص كما تقدم تعني خصوبته وأفقه التأويلي وثراءه، ولا تعني القداسة دوغمائيته والجمود على حرفيته. بل أن أحكامه ومضامينه كما يرى الاتجاه الثاني، خاضعة لسنن وقوانين وعلل يمكن اكتشافها، وتحديد درجة إلزامها. وهذا يفتح آفاقا واسعة لفقه النص، بما فيه النص الأخلاقي، حينما يستدعي دراسة سياقاته وتاريخه وأسباب صدوره ومبرراته. وعلى هذا الأساس طرحت الاستفهامات المتقدمة، وذلك في سياق سعيي لتقديم فهم مغاير للدين، يعيد للإنسان إنسانيته وحريته ومكانته. والكف عن التقليد والتسليم اللاواعي، الذي كثيرا ما يكون على حساب الإنسان، لكنه يرضخ له باعتباره أحكاما إلهية، وهي ليست كذلك دائما، بل أغلب ما نقرأه من أحكام اليوم هي آراء اجتهادية، ووجهات نظر فقهية. قد تُصيب وقد تُخطئ. ومن يتدبر القرآن بموضوعية وتجرد كامل من ثقل التراث والموروث الفقهي والتفسيري، ويستقرئ آيات الأحكام في إطار هدف الدين ومقاصده يصل لنتائج تسمح بطرح الأسئلة، سواء المتقدمة أم غيرها، حول منشأ الوحي ولغة الدين وكيفية الوحي. فعلى سبيل المثال لا الحصر، قوله تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا). قد تبدو واضحة الدلالة، لكن التأمل في خلفياتها يقتضى السؤال عن المعيار. معيار الذين حكّموا النبي فيما شجر بينهم. المعيار الذي على أساسه لم يجدوا حرجا فيما قضى الرسول بينهم؟. هل هو معيار نفسي أم عرفي؟ وبالتالي ننتقل لموضوع العدالة، فما هو مفهوم العدالة عندهم الذي على أساسه وجدوا العدل في حكم النبي. وأخيرا والأهم، كيف كان النبي يحكم؟ هل بوحي من السماء؟ أم وفقا لمقتضيات الحكمة ومفهوم العدالة؟ وماذا نفهم من قوله: (وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ)؟. هذه الآية التي يصر المفسرون على تفسير فصل الخطاب بالقضاء، هل يقع خلفها مفهوم آخر، يهرب منه الفقهاء؟ وما هي علاقته بتشريع الأحكام والوحي؟. وهل يمكن نقل هذه الصورة للأحكام الشرعية وطريقة تبنيها أو إبلاغها للناس أجمعين؟. كل هذه الأسئلة مؤجلة إلى حين مقاربة حقيقة الوحي والنبوة. ونبقى الآن مع الأسس الأخلاقية للأحكام الشرعية وحدود التعارض بينهما.

الظلم وحكم العقل

إن منشأ إشكالية العلاقة بين الدين والأخلاق وجود جملة تشريعات يُعتقد أنها تتعارض مع الأخلاق، مادامت تتصف بالظلم والجور والتعسف. كفرض عقوبات لا تتناسب مع الجرم. فإنه إجراء غير عادل بنظر العقل العملي أو الأخلاقي. أو غير عادل وفق معاييره الأخلاقية. فيحكم بقُبح الظلم. وحكمه مطلق لا يخصص، سواء حكم الشرع بخلافها أم لا؟. وقد ضربت مثلا بقصة قتل الغلام من قبل العبد الصالح، وقلت القتل يبقى قتلا وإن كانت هناك ملاكات أو مبررات دعته لذلك، لكن وفقا لمدركات العقل العملي يبقى الظلم قبيحا، وعلى هذا الأساس استفز القتل موسى النبي الكريم. وبالتالي فإن الظلم هو أساس الإشكالية، له يرتهن وجودها وعدمها. وهذا يدعو لتحري مفهوم الظلم ومعرفة دلالاته ومستوياته وآثاره وتداعياته، لتفادي أي تعميم أو سوء فهم يلقي بظلاله على العلاقة بين الدين والأخلاق. بمعنى أدق فهم الظلم كمفهوم سيفتح لنا آفاقا جديدة قد تفضي إلى نتائج مغايرة لما هو سائد. ففهم الإشكالية بحد ذاته خطوة أولى لتأسيس وعي جديد بالعلاقة بين الدين والأخلاق، وفهم التعارض بشكل صحيح وفق مبادئ عقلية ومنطقية، تكون هي الحاكمة، وليست الأيديولوجيا، كما هو ديدن الأحكام المتسرعة. لأننا لا نريد خسارة الزخم الروحي للدين، ونريد فهم الإشكالية بشكل منطقي. ونبقى أوفياء للموضوعية وعدم الانحياز، والتحرر من سطوة المقدس لنصل لنقارب الحقيقة مبشارة.

كيف نفسّر وجود تعارض بين الدين والأخلاق، وهناك أكثر من 335 آية قرآنية تشجبه، وتلعن الظالمين: (لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)، (أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)، (يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ)؟. لا أقسى من الظلم والجور على الفرد والمجتمع، فكيف يشرع القرآن حكما يتناقض مع مبادئه، وكانت أولى تلك المبادئ كما تقدم: العدالة وعدم الظلم، ثم السعة والرحمة وأخيرا المساواة؟. كيف يظلم الله وقد كره التجاهر بالسوء إلا من ظُلم. فالظم جور، وجُرح في أعماق النفس، قد يحرم الإنسان حق الحياة أو يسلب حقوقه وحريته. والظلم أقسى عندما يقع على فئة من الناس أو طائفة أو أمة: (لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا). ويكفي هذه الآية دلالة على جور الظلم وقساوته. وطالما نفت الآية الظلم عن الله تعالى، فكيف نفسر بعض التعارض الظاهري بين الأحكام والأخلاق؟: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ)، (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)، (وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ)، (َلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ). وهذه تأكيدات واضحة. بل الله يتبرأ من كل ظلم حتى مع ثبوته: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ). ويؤكد أن ما تراه ظلما في الأحكام فسببه الناس وليس الله: (فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ).

والآيتان الأخيرتان تسدعيان التوقف والتأمل، فكلاهما لا ينفي الظلم بل ينفي الظلم عن الله!!!. فتصلحان شاهدا على ثبوت الظلم في بعض الأحكام، لكنه ليس ظلما صادرا من الله بل هو ظلم الناس لأنفسهم. فبعض الأحكام فيها ظلم أي تجاوز للحد، لكنها أحكام اقتضاها ظلم الناس لأنفسهم. هذا هو مفاد الآيات. تقول الآية: (فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ). فتحريم طيبات كانت مباحة لهم، فيه ظلم للناس. هكذا قد يتراءى لنا. وهذا القدر من الظلم لا تنفيه الآيات، وتعتبره جزاء عادلا. وهي نقطة مهمة لفهم منطق القرآن في تعامله مع مفهوم الظلم. فالظلم ظلم وفق المنطق العقلي والقرآني، ولكن الاختلاف في مبررات الظلم. فهل يعني بعض الظلم مبرر لأجل حكمة أو مصحلة أكبر؟ كما بالنسبة للحريات العامة، فإن سلبها ظلم عظيم، تحرم الناس حقوقهم الوجودية، لكن لا أحد يعترض على الحد من بعض الحريات لمصلحة أكبر، كالحد من بعض الحريات من أجل الأمن والنظام. فهو لا ريب سلب لحرية الفرد بيد أنه لمصحلة أكبر تعود على الفرد والمجتمع، لذا اتفقوا أن الحرية الشخصية تنتهي عند حريات الآخرين، أو تغدو حريته الشخصية تجاوزا وظلما. فالتضحية ببعض الحريات لا يعد ظلما بنظر العرف مادام مبررا. وهو قدر متفق عليه لدى جميع المجتمعات ولو بنسب متفاوتة. بما فيها الدول اللبرالية، فإنها تحد من بعضها لوجود مصالح أكبر تتعلق بحرية الآخرين وضرورات الأمن والسلامة العامة، رغم اعترافها بالحريات الشخصية جميعها.

ومثال ثانٍ أحكام القضاء، فإنها تسلب الفرد حريته وبعض حقوقه وربما يخسر نفسه كما في أحكام القصاص، وفي هذا ظلم ولا ريب، لكنه ظلم بما كسب الجاني، وليس ظلما ابتدائيا. وكما في الآية المتقدمة، فإن تحريم الطيبات ظلم، لكنه بما كسبوا. والناس لا تعترض على الأحكام القضائية، وتعتبرها عدلا. ومن العدل معاقبة الجاني. ونحن هنا أمام خيارين: إما أن يكون العرف معيارا آخر لتحديد الظلم، أسوة بالعقل العملي وقلنا أنه من مدركات العقل العملي بغض النظر عن الشريعة والعرف. أو عدم صدق المفهوم على هذا القدر من الظلم، فيكون خارجا تخصصا. لا يدخل في مفهوم الظلم أساسا، ويخرج من مصاديقه. ولازمه عدم صدق المفهوم عليه. لا ثبوته ثم زواله بحكم العرف. أي أن الواضع الذي وضع مفهوم الظلم، لم يأخذ هذه المصاديق بنظر الاعتبار، ولم يقصدها حين وضع المفهوم. فهو ليس ظلما أساسا، وإذا عرفنا الظلم حينئذٍ وفقا لهذا الرأي نستثني هذا النوع من الظلم، وهو ظلم بما كسبت أيدي الفرد أو الناس. فيدخل في موضوع العدالة. إذ من العدل معاقبة المذنب، وعقوبته لا تعد ظلما بل عدلا وإحقاقا للعدالة. لكن صدق هذا الرأي يتوقف على عدالة القضاء والأحكام، وعدم جور الحكام وأولي الأمر. أي يتوقف على صدق العدالة. ولو صدق هذا على القرارات العادلة أو القريبة من العدال بنظر العرف. لكن هذا القدر لا يشمل الأحكام الجائرة. ولا يسمح العقل بذلك إطلاقا، ولا ينعقد توافق عرفي عليه، إلا تحت ضغط أيديولوجي يمنح المستبد جميع السلطات، وأقصاها فيعتبرون جوره حقا من حقوقه. وكذا الإيمان الذي يمنح الخالق صلاحيات مطلقة. وأما العقل بما هو عقل عملي لا يطيق ذلك، كانتفاضة موسى بوجه العبد الصالح. وماذا عن الخلود بالنار، هل تصدق عليه القاعدة، أما تبقى تحت بند الظلم القبيح عقلا؟.

إن تسوية هذه الشبهة يعد مقدمة ضرورية لفهم موارد التعارض بين الأحكام الشرعية والأخلاق، ومن ثم تسوية إشكالية العلاقة بين الدين والأخلاق. وعليه ينبغي أولا تحري مفهوم الظلم من جميع جوانبه، لنتحاش التباس المفهوم، وتداخل مصاديقه.

مفهوم الظلم

يراد بالظلم لغة، كما جاء في لسان العرب:

ظلَمَ يظلِم ، ظَلْمًا وظُلْمًا ، فهو ظالِم ، والمفعول مَظْلوم:

ظلَم فلانًا: جار عليه ولم ينصفه. عكسه: عدل

وفي المعجم: ظلمه: جار عليه، لم ينصفه. 2- ظلمه حقه: نقصه إياه.

وفي مختار الصحاح: ظَلَمَ ظَلَمَ ِ ظُلْمًا، ومَظْلِمَةً: جار وجاوز الحدّ.

وفي غريب القرآن للراغب الآصفهاني: والظلم يقال في مجاوزة الحق، الذي يجري مجرى نقطة الدائرة.

والظلم ثلاثة:

- ظلم بين الانسان وبين الله تعالى وأعظمه الكفر والشرك والنفاق، ولذلك قال: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)، وإياه قصد بقوله: (أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ - وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا).. (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى)،(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا).

- ظلم بينه وبين الناس وإياه قصد: (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ) إلى قوله: (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ).

- ظلم بينه وبين نفسه، وإياه قصد بقوله: (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ). وقوله: (ظَلَمْتُ نَفْسِي).. وآيات أخرى.

وجاء في الموسوعة الحرة (ويكبيديا): (الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وهو الجور، وقيل: هو التصرف في ملك الغير ومجاوزة الحد. ويطلق على غياب العدالة أو الحالة النقيضة لها. ويستخدم هذا المصطلح للإشارة إلى حدث أو فعل معين، أو الإشارة إلى الوضع الراهن الأعم والأشمل. ويشير المصطلح بصفة عامة إلى إساءة المعاملة أو التعسف أو الإهمال أو ارتكاب جرم دون تصحيحه أو توقيع العقوبة عليه من قبل النظام القانوني. وقد تمثل إساءة المعاملة والتعسف فيما يتعلق بحالة أو سياق معين إخفاقا نظاميا في خدمة قضية العدالة. ويقصد بالظلم "الإجحاف البين". ويجوز تصنيف الظلم كنظام مختلف مقارنة بمفهوم العدالة والظلم في البلدان المختلفة. فقد يكون الظلم ناجما ببساطة عن اتخاذ قرار بشري خاطيء، وهو أمر من المفترض أن يحمي النظام من التعرض له. وفي الشريعة عبارة عن التعدي عن الحق إلى الباطل. ووفقا لأفلاطون، فإنه لا يعرف معنى العدالة، ولكنه يعرف معنى غياب العدالة).

فالظلم اصطلاحا، كل جور وتجاوز وتعسف يعد ظلما. سواء كان ظلما شخصيا أو اجتماعيا، كظلم فئة من الناس بدوافع عنصرية أو دينية. والظلم الشخصي يشمل كل حقوق الإنسان العادلة، بما فيها الحريات الأساسية. والمفهوم بهذا المعنى سيفتح باب السؤال واسعا، سيما الآيات التي تحد من حرية الإنسان. فهل يصدق مفهوم الظلم عليها أم لا؟ وما مدى تعارضها مع القيم الإنسانية؟.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi10خاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والعشرون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

تحرير الوعي

ماجد الغرباوي: لا ريب أن ثبوت التعارض بين أحكام الشريعة والأخلاق يناقض مبادئ التشريع التي هي قيم أخلاقية: (العدل، السعة والرحمة، والمساواة). ويؤسس لشرعية الكراهية، وقداسة العنف، أو (العنف المقدس). ونحن نفترض في ضوء مبادئ التشريع أن بنية الأوامر التشريعية قائمة على الأخلاق، وثبوت التعارض يهدر القيمة الأخلاقية للشريعة الإسلامية. فالمؤمن يرتكب مغالطة، عندما يذعن لقراءة مبتسرة للنص القرآني على حساب عقله، خاصة الاتجاه الأشعري الذي يعتقد بقيام الأخلاق على الشريعة، والحسن، برأيه، ما أمرت به، والقبيح ما نهت عنه، والنتيجة أن قتل الغلام في قصة موسى كان حسنا مادام بأمر إلهي، نفذّه العبد الصالح. غير أن الأخلاق كما أكدت مرارا، مستقلة عن التشريع، والحسن ما حكم به العقل، والقبيح ما نهى عنه. وعندما يقع التعارض ينبغي تحري خلفيته وأسباب لوجود آيات محكمة تمثل أصلا وأساسا عند الشكل، وعندما نعجز عن إدراك المبرر، فيبقى المرء وإيمانه دون التجاوز  على قيم العقل وما يدركه عن الحُسن والقُبح. ويكفي أن هذه المخاوف مدعاة لتوخي الحذر، وعدم إطلاق الأحكام جزافا، سيما في بيئة مسكونة بالغيب، وقد تسلل دين "علماء الكلام والفقه" لجميع مناحي الحياة، فاستقال العقل، وتنازل عن وظيفته وحريته. وبات الخلاص مرتهنا لطاعة الفقيه، ومدى تمسك الفرد بفتاواه وآرائه ومواقفه. فالهدف الأساس من البحث تحري حقيقة التعارض، وما يترتب عليه من تداعيات عندما يناقض مبادئ تشريعاته. وليس الغرض تبريره أو تزيف الوعي، خاصة بعد تقديم مفهوم جديد للقداسة يخرج النص من تداعيات الجمود على حرفيته إلى رحابة التأويل. فقداسة النص لم تعد دوغمائيته، بل تعني ثراءه، وتعدد مستويات تأويله، ولو بتوظيف معطيات العلوم الإنسانية الحديثة لفهم النص. وهذا يتطلب دراسة أسباب نزوله وبيئته الثقافية وعدم الاكتفاء بما نقله السلف من أراء حول تفسيره، لتحرير النص من سطوة التراث الذي يكرّس إنغلاقه على تفسير أحادي يخدم منطق السلطة والتسلط والاستبداد وسلب الحريات. والأخطر إصرار الفقهاء على فعلية جميع الأوامر الشرعية أزمانا وأحوالا، وعدم الأخذ بأسباب النزول ذريعة لنفي الإطلاق. ولولا هذا الفهم لما استطاع الخلفاء توظيف أحكام الجهاد في معاركهم السياسية وغزواتهم لتوسيع رقعة النفوذ والثروات. ولولا انغلاق الاجتهاد على حرفية النص لما تمكنت داعش والحركات الدينية المتطرفة من استباحة دماء الأبرياء. وهذه معضلة حقيقية، لا يمكن الخروج من دوامة الانغلاق الفقهي إلا بارتهان فعلية الحكم بفعلية موضوعه. وهو منطق قرآني بينت جميع تفاصيله (أنظر كتاب الفقيه والعقل التراثي). فيختلف الحكم حينئذ تبعا لظرفه الزماني والمكاني، وما كان فعليا في عصر النص قد لا يكون كذلك الآن، كأحكام الجهاد. فالحقيقة هدف أول لتقصي حدود التعارض بين الدين والأخلاق وفقا لشروطنا السابقة.

الدين ملهم عظيم للقيم الروحية والأخلاقية، متى تحرر من سطوة القراءات الأيديولوجية. ولا نريد هدر طاقته الروحية لتعزيز قيم الفضيلة وحماية الضمير الإنساني. وبالتالي لا تبرير في المقام وإنما كشف حدود التعارض ومدى صدقيته.

كما نهدف من البحث أيضا: نقد مرجعيات التفكير الديني، التي يرتكز لها الفقيه في تحديد الموقف الشرعي من الآخر، ويتخذ منها دليلا شرعيا لإقصائه وتكفيره وربما استباحة دمه. فعندما نستدل أصوليا على عدم إطلاق آيات الجهاد مثلا، لعدم فعليتها، فسنسلب الفقيه بهذا الاستدلال حجته ودليله. لذا يقتضي النقد الموضوعي العودة للنصوص التأسيسية التي هي المصدر الأول للتشريع. وإذا كان ثمة جدل وتفاوت في الآراء فمنشأه النصوص الأولى، ثم يأتي دور النصوص الثانية، المفسّرة والشارحة. هذا هو المنهج الصحيح في نقد تلك المرجعيات، غير أن المشكلة أن النصوص الثانية حلت محل النصوص الأولى وغدت الروايات وأقوال الصحابة والأئمة ومن ثم أقوال السلف والمفسرين وربما أئمة الفقه هي مرجعيات الفهم الديني، ومحددات الوعي. فهي الأن سلطة معرفية صارمة، يُرمى بالانحراف والكفر كل من يروم العودة المباشرة لكتاب الله دون المرور بها. أي يرمى بضلال كل من يروم تفكيك شرعيتها، وسلبها مرجعيتها. ونحن بالفعل نريد تفكيك المقولات الأساسية التي ترتكز لها في شرعيتها، من خلال الكشف عن حقيقة التعارض بين القيم الدينية والأخلاقية، كي لا يبقى مبرر بيد الفقيه وغيره لتبرير العنف والإرهاب والموقف السلبي من الآخر. لا ريب بدور القبليات الأيديولوجية ومنطق العبودية ورثاثة الوعي في فهم النص، غير أن مقاربة الآيات مباشرة يمهد لمحاكمة الموروث الديني في ضوء التمييز بين: النصوص الأولية والنصوص الثانوية. المقدّس والمدنّس. الإلهي والبشري. ومن خلال مقاربة النص مباشرة وضمن ظرفه التاريخي يمكننا معرفة حقيقة التعارض بين الأوامر التشريعية والقيم الأخلاقية. وهل هي قيم أخلاقية أصيلة أم مكتسبة. وبهذا نكشف عن بؤس أدبيات الحركات الإسلامية بعامة، والمتطرفة بخاصة، ورثاثة وعي حواضنها الاجتماعية.

والهدف الثالث للبحث تحرير الوعي واستعادة حرية الفرد، من خلال تفكيك المقولات الأساسية التي يقوم عليها منطق العنف الديني. أي نقد تلك المقولات التي يرتهن لها الوعي والتي تشكل سلطة يرتهن لها في معرفة الحقيقة. بمعنى أدق، إن نقد مرجعيات التفكير الديني، نقد لرهاب القداسة، وتحرير العقل من سجونه وفك الحصار حول إرادته لاستعادة حريته التي هي ركيزة أولى لانطلاق التنوير، والانفتاح على عوالم معرفية جديدة، أثبتت جدارتها.

الأوامر الشرعية والأخلاق

الأوامر الشرعية في مقابل الأوامر العبادية، هي القسم الثاني من الأحكام الشرعية، فتشمل: المعاملات والإيقاعات والعقود والرق والجهاد وغيرها. وإذا كان غاية الأحكام العبادية تنظيم علاقة الفرد بخالقه، فإن هدف الأوامر الشرعية تنظيم علاقة الإنسان بالآخر، الأعم من عائلته ومجتمعه وسلوكه الفردي والاجتماعي ومعاملاته وعلاقاته ومواقفه، وكل شأن اجتماعي يخصه. وإذا كان التعارض بين الأوامر العبادية والأخلاق مستبعدا فالأمر مختلف مع وجود جملة تشريعات يحوم حولها سؤال الأخلاق، وتلاحقها علامات استفهام لا تكف عن إثارة الدهشة والاستغراب كيف لدين سماوي يتقاطع مع القيم الأخلاقية، وهو بذاته داعية أخلاق؟ وجميعها أسئلة مشروعة، يزيدها التبرير تعقيدا، ويمنحها الهروب عن مقاربتها رسوخا. خاصة أن آيات الكتابة سخية بأمثلتها. وهذا يتطلب قدرا كبيرا من الموضوعية والتجرد، ودراسة الإشكالية وفقا لمبادئ التشريع المتقدمة، وما يدركه العقل العملي من قيم أخلاقية أصيلة. ولازمه خروج القيم المكتسبة لنسبيتها، ودراسة دواعي التشريع وفقا لذلك الواقع وضروراته. أما قياس الماضي على الحاضر أو إسقاط الحاضر على الماضي فسيفضي إلى التباس الحقيقة وتزوير الواقع وبذلك نخسر القيم الروحية للدين التي نعوّل عليها في حماية الضمير وتقويم المجتمع، خاصة وهناك منظومة قيم أخلاقية في الكتاب المبين، تعتبر من ركائز الدين في بعده الاجتماعي والأخلاقي.

لا شك أن مقاربة الآيات ليس أمرا سهلا مع وجود فاصلة زمنية قدرها 1442 عاما، لا تسمح بتحري قيم مجتمع عصر النزول، مع حاجتنا لفرز ما هو مكتسب من القيم الأخلاقية آنذاك. أي قبل اتصافها بصفة دينية، كما بالنسبة للمرأة وأحكامها مثالا. فهل الضرب الذي يقصد به التأديب باليد أو بآلة، كان مباحا ومشروعا ومتعارفا ومتسالما عليه في المجتمعات القبلية ذات النظم الاستبدادية أم كان منكرا فارتكب الدين عملا مداناً أخلاقيا بإباحته له دونها أو لاباحة الضرب مطلقا؟.

في الحالة الأولى، قد يُعتبر تحجيم ضرب المرأة وتقييده بحالات النشوز، وبالحد الأدني داخل المضاجع مع عدم العدوان، يعتبر فضيلة دينية. أي جواز الضرب في حالة واحدة، حالة تنمّر المرأة وانقلاب النشوز إلى موقف عدواني من الرجل. فتتخذ من النشوز أداة للتنكيل به أو الانتقام منه أو لتحقيق هدف ما. أو تتمرد دون أي سبب معلن، وتنفد جميع محاولات الرجل معها، من وعظ ثم هجرانها لفترة، وهو متسمك بها. وهنا ملاحظة أن أمام الرجل فرصة الانفصال عنها، غير أنه متمسك بها، ولا يجد مبررا لنشوزها. وأما إذا كان الرجل سببا لنشوزها أو ثمة عوامل نفسية أو حالة عصبية تمر بها الزوجة فلا يحق له ضربها. وهذا ما توضحه الآية: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا). فالضرب كان مباحا مطلقا ضمن تقاليد المجتمع القَبلي. وكان للرجل حق تأديبها كيفما يشاء ومتى ما يشاء. ففضيلة التشريع تقاس بما عليه المجتمع العربي وأعرافه آنذاك ولا تقاس على لائحة حقوق الإنسان اليوم. كان ضرب المرأة مباحا للرجل، فحرّمت الشريعة ضربها بغيا وعدوانا، وأباحت حالة النشوز ضمن شروط، وليس مطلقا. وعندما اقتصره على المضاجع سيكون قضية خاصة جدا بين الزوجين، لا تترك أثرا اجتماعيا يضر بها، فربما تعود المياه إلى مجاريها، وتعود العلاقة الزوجية طبيعية. فهذا القدر قياسبا بواقع ما قبل البعثة قد يعتبر فضيلة تحسب للشريعة الإسلامية.

 وقبل إتهام الشريعة بالتجاوز علي القيم الأخلاقية، نسأل: هل ضرب المرأة بشروط محددة يتعارض مع القيم الأخلاقية مطلقا، أم يتعارض مع القيم الأخلاقية المكتسبة؟.

لا ريب في إدانة الضرب لقوة تداعياته عندما يهدر كرامة الإنسان، ويمس حيثيته ومكانته ويترك جُرحا عميقا داخل النفس حينما يكون عدوانا لا طاقة للفرد على دفعه. وكان الرجل يسلب المرأة إنسانيتها، ويتصرف بها كجزء من متاعه. وهي تتلوى، تعض على جُرح، مغلوبة على أمرها، لا ترحمها قيم المجتمع القبلي، ولا طاقة لها على ردعه، فهي ضحية قيم ذكورية متخلفة. فإباحة ضربها جزء من القيم السائدة. وهذا القدر من الضرب يعد ظلما وعدوانا، تدينه القيم الأخلاقية الأصيلة. لكن ماذا عن الضرب المحدود، وفي شروط صعبة، ولغاية محددة، هل يتعارض مع القيم الأخلاقية؟ وهل يتعارض مع القيم الأخلاقية الأصيلة أم المكتسبة؟.

إن إدانة الضرب التأديبي مازالت قضية مختلفا حولها، فإذا كانت البحوث التربوية والنفسية، قد أكدت عدم جدواه نفسيا وتربويا فهناك من يؤكد جدواه في المجال التربوي، على أن يكون برفق، محدودا بتحقيق غاياته. وبالتالي مازالت القضية مختلفا حولها، فلا يدخل تشريع ضرب المرأة ضمن شروط محدودة في باب التعارض بين الحكم الشرعي والقيم الأخلاقية الأصيلة، مادامت القيم العرفية قيما مكتسبة، نسبية، تختلف من بيئة إلى غيرها.

وأما العقل العملي فإنه يدين الظلم، بما هو ظلم، أما مصاديق الظلم فمتروكة للعرف. فرغم كل التوجيهات التربوية لكن مازال بعض الآباء يجد في الضرب أسلوبا تربويا، خاصة مع الطفل المشاكس جدا. وبالتالي لا يمكن للفقيه إضفاء الشرعية على ضرب المرأة مطلقا، ولا يمكنه تبريره أخلاقيا باعتباره أمرا إلهيا. فهو تشريع مقيّد بشروطه.

وإذا كانت أعراف المجتمع العربي آنذاك أعرافا مثالية، لا تبيح ضرب المرأة، وتعتبره عملا مدانا، منكرا، يمس كرامتها ومكانتها الاجتماعية، فلا ريب في ثبوت التعارض، لكنه أيضا تعارض بين الأوامر التشريعية وقيمهم المكتسبة، مادام الضرب قضية مختلف حولها، لعدم صدق الظلم على الضرب التأديبي المحدود بشروط صعبة، ولغاية محددة مرتبطة بوضع عائلي خاص بين الزوج والزوجة. الظلم هو الجور وتجاوز الحد. وهذا غير مبرر إطلاقا، لذا اختلف الفقهاء في تحديده وكيفيته، واتفقوا على عدم الجور ومجاوزة الحد، فكأنه أشبه بالتهديد. هذا إذا كان المراد من الضرب المعنى المتداول، هو إيقاع الضرب باليد أو بواسطة آلة. أما إذا كان معنى الضرب في آية النشوز يعني الإعراض، كما بينت هذا مفصلا في كتاب: المرأة والقرآن.. حوار في إشكاليات التشريع. فتكون المسألة سالبة بانتفاء موضوعها كما يقرر المنطق الشكلي. وإنما ضربت به مثلا لأنها مسألة حاضرة كلما جرى الحديث عن الأخلاق والتشريع.

غير أن الحكم يختلف عندما يتعارض الأمر الإلهي مع القيم الأخلاقية الأصيلة فإن التعارض سيكون مستقرا، ثابتا بلا ريب، وما كان لموسى أن يستسلم لولا وجود ملاكات كانت غائبة عنه. فاعتراضه على قتل الغلام، باعتباره فعلا مدانا من قبل الناس والشرائع والأديان، فكان موقفه أخلاقيا وفقا لمعايير العقل العملي الذي يحدد لنا ماذا يجب أن نفعل؟. وعندما عرف موسى بوجود ملاكات بعيدة لم يدركها سلم للعبد الصالح، لكن لا يلزم من تسليمه إنقلاب القيم الأخلاقية. فقتل النفس المحرمة يبقى قتلا محرما، مدانا، من قبل العقل والشرائع والأديان. وهذا يؤكد مبدأ استقلال الأخلاق عن الدين بمعنى التشريع. وتقدمت أدلة كافية، وسيأتي ما يؤكد أن الأوامر الأخلاقية في الكتاب هي إرشاد لحكم العقل. فهي من مدركات العقل العملي، وقد اتفق غرض الكتاب على تبنيها، بل ينبغي له تبنيها مادام الدين رسالة إنسانية هدفها إحياء القيم الإنسانية.

لكن كيف نتحدى قدسية النص ونحكم بتعارضه مع القيم الأخلاقية، وهي أوامر إلهية مقدسة حسب الفرض؟. وهذا كلام صحيح لكن أثبتنا بالنسبة لقصة موسى أن قتل النفس مدان من قبل آيات الكتاب قبل إدانة العقل والعقلاء. مما يؤكد ثبوت الحكم العقلي. وهو بالفعل حكم مطلق، لا يخصص، على العكس من الحكم الشرعي، فهو قابل للتخصيص والتقييد. ولهذا أجمع الفقهاء على قاعدة: ما حكم به العقل حكم به الشرع. وهناك من يحتج بأن الله سيد العقلاء، والإجماع على إطلاق حكم العقل يتضمن حكم الله بالضرروة. المشكلة التي يعانيها الفقه الإسلامي هي رهاب القداسة وسطوة التراث، والخوف من عاقبة الأمور في الآخرة، وعدم تحمّل مسؤولية الأحكام الشرعية الترخيصية، مع أن السعة والرحمة إحدى مبادئ التشريع الإسلامي. وبالتالي يبقى العقل العملي معيارا للفعل الأخلاقي، وتبقى أخلاق الواجب هي المبرر لكل فعل أخلاقي، مادامت تترك أثرا إنسانيا.

ما علينا سوى إعادة النظر في منهج استنباط الأحكام الشرعية ومبادئ التشريع لدى الفقهاء. والعودة لفهم القرآن دون الاكتفاء بتفسيره، ولو بالاستعانة بمعطيات العلوم الإنسانية الحديثة، وما هو صالح من التراث الإسلامي، إذ لا يمكن تجاهل التراكم المعرفي للسلف مادام علميا، قابلا للتوظيف والاستفادة. وعليه لا مجال للتبرير هنا، بل التبرير يسلب البحث موضوعيته، ويعود بنا للمربع الأول، وتبقى قيم العنف قيما دينية مقدسة. تبيح استباحة الدماء البريئة، وتحكم بكفر الآخر، وجواز قتله، مما يزعزع الأمن والاستقرار، خاصة الآخر بات هو الداخلي المماثل، سوى اختلاف وجهات نظر مذهبية أو فقهية. فتكون الفوضى مصير أمة بكاملها. ويكفي المشهد السياسي شاهدا، وما فعلت فتاوى الفقهاء الدموية دليلا على رثاثة الوعي وتخلفه.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi9خاص بالمثقف: الحلقة الثانية والعشرون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

الأحكام الشرعية والأخلاق

ماجد الغرباوي: سنتحرى مواطن التعارض بين الأحكام الشرعية والقيم الأخلاقية في ضوء المقدمات وما توصلنا له سابقا، وفق المعايير التالية:

- سيكون العقل العملي معيارنا في التقييم، لا ستقلال الأخلاق عن الدين بمعنى التشريع.

- عدم إسقاط الحاضر على الماضي بالنسبة للقيم الأخلاقية المكتسبة، وإنما يحكم عليها وفقا للمعايير الاجتماعية. وهذا لا يمنع محاكمتها وفقا لراهن القيم الأخلاقية من بُعد مغاير. أو بعنوان آخر.

- التمييز بين القيم الأخلاقية الأصيلة والمكتسبة في حالات التعارض. فيصدق مع الأولى، مادامت مطلقة ومشتركا إنسانيا يمكن الاحتكام لها دائما. دون الثانية، لنسبيتها. يحكم العقل بها بفعل الإلفة والتطبّع وسياقات العقل الجمعي التي تخرج العقل عن حياديته وموضوعيته. عقل مؤدلج، يفتقر لشرطي الحكم الأخلاقي: الحرية والإرادة. وعليه ستنعقد المقارنة بين الأحكام الشرعية وخصوص القيم الأخلاقية الأصيلة، سيما المبادئ الأولى: حُسن العدل وقُبح الظلم، وما يتولّد عنهما من قيم أصيلة. وما هو الواجب في ضوئها. ومثالها، قصة العبد الصالح في القرآن، عندما استفز قتل الغلام موسى بحكم عقله العملي، وانسجاما مع الوصايا العشرة التي تحرّم قتل النفس البشرية بغير ذنب. فيخرج أي تعارض بين الأحكام الشرعية والقيم المكتسبة، مادامت نسبية، مرتهنة لمنظومة قيم أجتماعية كانت حاكمة آنذاك، فما نعتقد أنه مصداقا للظلم بمقايسنا قد لا يكون كذلك في حينه وبالعكس. فالاختلاف حول مصاديق الظلم لا مفهومه المتفق عليه الذي يعني الجور، والتصرف بالغير، وتجاوز الحد وغياب العدالة.

مبادئ التشريع

قبل المقارنة بين الأحكام الشرعية والقيم الأخلاقية، يجب تحري البعد الأخلاقي في مبادئ تشريعات الشريعة الإسلامية، كما في آيات الكتاب. أي كما تقوله الآيات ولو من خلال الإطار العام للكتاب. لإخراج جميع الأحكام القائمة على مبدأ أخلاقي عقلي من التعارض. ولعل أوضح المبادئ القرآنية في تشريع الأحكام، هي:

المبدأ الأول: العدل وعدم الظلم: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). كلاهما قيمة أخلاقية، من مدركات العقل العملي، الذي يحكم وفقا لمعاييره بحُسن العدل وقًبح الظلم، ويقرر ماذا يجب أن أفعل. فالمبدأ الأساس في أحكام الشريعة وفقا لهذه الآية، أي خصوص الأحكام الواردة في الكتاب، هو مبدأ العدل وعدم الظلم. وهذا يعني أن جميعها قائم على العدل، سواء تعارضت أو لم تتعارض مع القيم الأخلاقية التي يحكم بها العقل العملي وفقا لنظرنا. وهنا نحن أمام احتمالين: إما أن يقصد القرآن بالعدالة مفهوما مغايرا للمفهومي اللغوي والاصطلاحي، وهذا يقتضي التنبيه، ولم ينبه بل وجاء الامر بها مطلقا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ). والمراد واضح، إعطاء كل ذي حق حقه، كما هو المفهوم اللغوي للعدالة. والأمر بالعدالة في الآيتين مطلق. تعلو فيه العدالة على تشظيات الأديان والأيديولوجيات، فهي واجبة لكل فرد، بغض النظر عن خصوصيته. وهذا يؤكد البعد الإنساني للأمر بالعدالة. ويستبطن اعترافا بالإنسان كإنسان. وبالتالي الأمر بالعدالة يقوم على مبدأ أخلاقي. وكل حكم يقوم عليها هو حكم أخلاقي.

المبدأ الثاني: السعة والرحمة: وهو مبدأ أساس في تشريع الأحكام قرآنيا، تؤكده بعض الآيات: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). والآية تصرح بمنهج وقصدية الحكم الشرعي. الانتقال من العسر إلى اليسر. وتحرير أهل الكتاب من معاناة التشريعات السابقة، إذ تقدمت الآية أن الكل أمة شريعة ومنهجا ينسجم مع واقعها: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم). فالشرائع تراعي الواقع وضروراته، والاسلام يختم تلك الشرائع بتخفيف ما كان يعاني منه الناس. كما أن الآية التالية تؤكد السعة في الدين، ورفع الحرج: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، (يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ). ولدى الفقهاء قاعدة معروفة بعنوان، قاعدة رفع الحرج. وأيضا قوله: (وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ). والآية واضحة، بصدد تشريع حكم صوم المسافر. فجعلت من اليسر مبدأ في تشريع الأحكام. وحينئذٍ تكون هذه القاعدة أصلا ومبدأ، لتحري أسباب التعارض بين بعض الأحكام التشريعية والأخلاق. بمعنى أدق، أن السعة والرحمة وعدم العسر هي الأساس في تشريع الحكم كما هو واضح من الآيات أعلاه، فعندما يتعارض حكم مع القيم الأخلاقية، فهو خروج عن مبدأ التشريع (السعة والرحمة)، فينبغي تحري أسبابه، لمعرفة دواعي الحكم ودوافع تشريعه. وربما نكتشف أن التعارض لم يكن بين الحكم الشرعي والقيم الأخلاقية الأصيلة بل بينه وبين قيم أخلاقية مكتسبة، وهي مستثناة من التعارض لنسبيتها، كما تقدم.

المدأ الثالت: المساواة: حيث تؤكد الآيات المساواة في الأوامر العبادية والتشريعية باستثناء ما يتعارض ظاهرا مع القيم الأخلاقية، وهو موضوع البحث الذي نروم تحري صدقيته، ومعرفة حقيقته. من الآيات: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)، (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ)، (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا)، (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) .

أؤكد ثانية أن هذه المبادئ كما يبدو من آيات الكتاب وليس نحن الذين نقررها. وعلى أساسها تُفهم آيات الأحكام، ويمكن الاحتكام لها، في حالات تعارضها مع القيم الأخلاقية. كما على أساسها يجب عدم التسرع في إطلاق الأحكام، والتأني في فهم تعارضها. كما يمكن إضافة: الحق والواقع، لولا أن إقامة العدل تستبطن إقرار الحق ومراعاة الواقع.

أقسام الأحكام الشرعية

ينبغي التفصيل بين الأوامر العبادية والأوامر التشريعية، لتفادي أي تعميم مخل بالموضوعية. وقد دأبت كتب الفقهاء على تقسيم الأحكام الشرعية إلى أبواب أو كتب، تناولت كتاب: المياه والطهارة، الصلاة، الصوم، الزكاة، الخمس، الصوم، الاعتكاف، العمرة، الجهاد، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التجارة، الرهن، المفلس، الصلح، الشركة، المضاربة، المزارعة والمساقاة، الوديعة، العارية، الإجارة، الوكالة، الوقف والصدقات، العطية، السكنى والحبس، الهبات، السبق والرماية، الوصايا، النكاح، الطلاق، الخلع والمباراة، الظِهار، الإيلاء، اللعان، العتق، التدبير والمكاتبة والاستيلاد، الاقرار، الجعالة، الأَيمان، النذر، الصيد والذباحة، الأطعمة والأشربة، الغصب، الشفعة، إحياء الموات، اللقطة، الفرائض، الشهادات، الحدود والتعزيرات، القصاص، الديات. (أنظر: شرائع الإسلام للمحقق الحلي). وهذا الأحكام تنتظم تحت عناوين رئيسية: (العبادات، العقود، الإيقاعات، الأحكام). ثم بمرور الأيام تضاعفت الأحكام وتراكمت فتاوى الفقهاء. وكما هو واضح فإن الأحكام الشرعية في رسائل الفقهاء تغطي جميع مناحي الحياة تقريبا. بعضها تفريع على آيات الأحكام، التي لا تجاوز 500 آية، وهناك فتاوى اجتهادية. وبالتالي فإن الأحكام التي تتعارض ظاهرا مع القيم الأخلاق تقع ضمن دائرة الأوامر التشريعية دون الأوامر العبادية. ونحن كما تقدم يهمنا التعارض مع الأحكام التشريعية الواردة في الكتاب الكريم، وأما الروايات والأحاديث النبوية فمرتهنة الى مبنى الفقيه في حجيتها وعدمها. وسبق التأكيد أن حجية السنة النبوية تقتصر على ما له جذر قرآني، فتكون بيانا وشرحا وتوضيحا، شريطة صحتها بما يفيد العلم واليقين، بسبب بعدنا عن السيرة وعدم وجود أدلة كافية على صحة جميع ما وردنا من أحاديث السنة النبوية، واختلاط أقوال الصحابة والتابعين بأقوال السنة. وبهذا يتضح أن فتاوى الفقهاء خارج البحث، وكل فقيه مسؤول مسؤولية كاملة عن فتاواه. رغم أن الناس لا تفهم الدين سوى ما يقوله رجال الدين، يعتبرون كلامهم حجة شرعية، مُبرئة للذمة أمام الله، فيلتزمون بها. وينسى هؤلاء أن فتاوى الفقهاء رأي اجتهادي، قراءة للنص مرتهنة لقبليات الفقيه وأيديولوجيته ومنهجه ومستوى وعيه. وكذا خارج البحث كل توظيف سياسي لآيات الأحكام، كما فعله خلفاء المسلمين وفعلته داعش والحركات الدينية المتطرفة. لأن الأحكام نصوص لغوية يمكن توظيفها ما لم يلتزم الفقيه بقواعد ومبادئ فهم النص، ومراعاة المنطق القرآني، كرد المتشابه من الآيات إلى المحكم منها. ومراعاة قواعد الجميع العرفي عند تعارض الأحكام. ومعرفة أسباب النزول، ومدى فعلية الموضوعات التي ترتهن لها فعلية الأحكام. وغير ذلك. وبالتالي يجب التمييز بين الأوامر العبادية والأوامر التشريعية:

أولاً: الأوامر العبادية

تعد الأوامر العبادية، القسم الأول من أحكام الشريعة الإسلامية ركنا أساسا، إذ لا يخلو دين من العبادات والطقوس، مهما تفاوتت مظاهرها. وكان ابتداع الطقوس تمهيدا لوجودها، فهي حاجة نفسية وروحية، تلعب دورا في تقويم الأخلاق، حينما يتمسك المؤمن بقيمها. وسبقت الاشارة لها حينما قلت: تعتبر العبادات والشعائر الدينية رهانا مهما لتنمية الضمير الديني والأخلاقي، وتقويم سلوك الفرد والمجتمع، وبهذا الصدد شرّع أحكاما جماعية، إضافة للأحكام الخاصة التي عليها المعوّل في خلق وازع التقوى الذي يرتهن له الضمير الديني. وسبقت الإشارة مفصلا لهذا الموضوع، وبيان الآثار المترتبة على العبادات، فكانت التقوى هدفا مباشرا للصوم، وغاية غير مباشرة للصلاة. ثم شرّع أحكاما جماعية كفريضة الحج، وصلاة الجمعة والجماعة. كما شرّع فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، رقيبا خارجيا بجانب الرقيب الذاتي وهو الضمير الديني، وقد مرّ تفصيل الكلام عن الرقابة ودورها في تقويم السلوك الأخلاقي، وحماية الضمير البشري، للحيلولة دون موته أو انزلاقه. والسبب في اهتمام الدين بهما قوة تأثيرهما في استتباب الإيمان، الذي هو شعور نفسي ووجداني، يؤثر به العقل الجمعي ويقوده صوب بوصلته. ومن عاش أجواء الشعائر الدينية يدرك قوة تأثير العقل الجمعي والأجواء الجماعية، حيث ينقاد لا شعوريا، ويعيش لحظات من الخشوع والتعلق بالمطلق والغيب، ويشعر بحرارة الإيمان، وما يترسب في أعماقه من مشاعر الوجد. وبالتالي فإن الدين يلاحق الفرد لتقويم سلوكه من خلال إيمانه ووازع التقوى، ومن يخشع لله في خلواتها يخشع له من خلال المناخات الدينية، وهذا ما تؤكده التجربة، حيث يلين قلب الإنسان، تأثرا بالمجموع، فتتسرب حالة الوجد في أعماقه.

لذا كان من جملة مبررات تشريع العبادات خلق الوازع الذاتي أو الضمير الديني الذي يستعين به الفرد على مقاومة الرذيلة. فمثلا:  ربط القرآن بين الصلاة والنهي عن الفشحاء والمنكر (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى) حيث أعطى للصلاة مفهوما مغايرا أخرجها من كونها مجرد طقوس وحركات جسدية وإيماءات وهمهمات، واعتبرها ممارسة عبادية واعية ترقى لمستوى السلطة الموجهة لسلوك المصلي خارجا، فهي طقس روحي يرقى بقلب المؤمن فوق حطام الدنيا، فيصدق أن هذه الصلاة مصداق للحديث المعروف: "الصلاة معراج المؤمن"، حينما تسمو بأخلاقه وممارساته وتفتح أفاقا للوعي والمعرفة تعرج به في عوالم أرحب، يتخلى معها عن أية فحشاء ومنكر، فيأتي الفعل الأخلاقي مطابقا لقيم القرآن، ويأتي النهي عن الفحشاء والمنكر دالا على المفهوم الجديد للصلاة. وهذا اللون من الفهم العرفاني لطقوس العبادة وفلسفتها من شأنه ترسيخ التقوى، التي تتجلى كما هو المفترض في أدائه السلوكي اليومي، حينما يترفع عن الرذائل ويحرص على عمل الخير والإحسان. بهذا الشكل تكون الصلاة، التي هي أبرز علامات الإيمان، دالة على إيمان الفرد. فالصلاة ليست علامة على إيمان الفرد والتزامه الديني، بل سلوكه الخارجي مؤشر على فضيلته، سيما أن هدف الدين تأسيس مجتمع الفضيلة، يسمو فيه الفرد ليكون مصداقا لقوله: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). وبهذا الشكل نقلب المعادلة المتداولة، ليكون سلوك الإنسان دالا على إيمانه ونقائه وطيب سريرته، فهو مقيم للصلاة بهذا المعنى، وحينئذٍ من حقنا محاسبته على سلوكه ومساءلة تصرفاته. أما الصلاة فلا تدل بمفردها على الإيمان، بل الصلاة بالنسبة للغالبية العظمى من المصلين ومن جميع الأديان عادة يعتادها المصلي بحكم التربية والبيئة. لذا تجد القرآن يربط الإيمان بالعمل الصالح في أكثر من خمسين آية. لكن للأسف أطاح الفقهاء بهذا المفهوم وفاء لسلطة قوانين استنباط الأحكام الشرعية، فغدت الصلاة مجرد حركات، يحكم بصحتها وعدمها وفق مسطرته الفقهية التي لا تعي شيئا من روحانيات الصلاة. فهي صحيحة إذا جاءت طبقا لآرائه الفقهية، سواء كان المصلي ساهيا أو واعيا لفعل الصلاة. الفقيه لا يرهن صحة الصلاة لقوله: (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) التي تعد بالويل والثبور لمن كان ساهيا في صلاته. بل أن الصلاة الكسولة التي لا تترك أثرا على سلوك المصلي هي صلاة منافقة، لا قيمة لها بنظر الكتاب: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً). ومعنى السهو، تمرّد النفس فتفقد الصلاة قيمتها المعنوية وتغدو حركات جسدية لا تضفي معنى لقيامها. بينما يختلف المعنى فقهيا، فالصلاة تكون باطلة إذا أخلَّ المصلي بجزء ولو يسير من حركاتها وسكناتها، بغض النظر عن الطقس الروحي الذي  ينبغي للمصلي أن يعيشه خلال الصلاة، لكن الحمد لله: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ). وهذا سبب رئيس وراء تسويف الأخلاق، إضافة لما تقدم من أسباب. فالحث على العبادات حث على فعل يغذي روح التقوى، ولازمه وعي العبادات بشكل يخرجها من طقوسيتها لتكون مَعلَماً أخلاقيا، يمكننا رصد آثارها الاجتماعية بسهولة، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر أو تبقى مجرد حركات جسدية جرداء، وحينئذِ كل طقس روحي يدفع باتجاه التقوى والعمل الصالح فهو صلاة وطاعة وعبادة، تعكس الجانب المشرق من الدين، بل وتعتبر الصلاة في هذه الحالة فضيلة أخلاقية. هذا الفهم للعبادات يسمح بتحري حقيقة ما يثار حول سلوك المسلمين، فهو مطالب أولاً بإثبات صدقية إيمانه من خلال سلوكه، لا من خلال طقوسه، التي هي غالبا ما تكون موروثة، يعتاد عليها الفرد استجابة لعوامل نفسية وثقافية.

كان ضروريا استدعاء هذا المقطع الذي مرَّ سابقا لبيان دور الأوامر العبادية في تقويم سلوك الفرد. فهي لا فقط تتقاطع مع القيم الأخلاقية بل وتلعب دورا مهماً في حماية ضمير الفرد وتقويم سلوكه. لكن ليس هذا هدف العبادات فقط، بل يعتبر ما تقدم تجلٍ لفعل التحرر الذاتي، كما يالي:

العبادات والحرية

تكمن فلسفة العبادات في قدرتها على تحرير الفرد من أوثانه وسجونه، وهذا يتطلب وعيا يرقى بالعبادات من كونها مجرد حركات، يتولى الفقهاء ضبط إيقاعها إلى كونها نافذة للتحرر من الأغلال، ومكابدة جادة لنيل الحرية، المبدأ الإنساني الأسمى وهدف الأديان أولاً. وهي رحلة مكابدة ومراقبة صارمة من خلال العبادات وأجوائها الروحية كي لا تنزلق النفس في عبادة غير الله. فالله المطلق الخالق معادل موضوعي لكل ما عداه من الأصنام والأوثان البشرية والمعنوية. وإخلاص العبادة له تحرير الذات من قيودها. فتكون بهذا المعنى عملا أخلاقيا أيضا، هدفه وعي الذات من خلال علاقتها بخالقها، ولازمه وعي الذات مستقلة عن غيره. فالاستقلالية تعني تحرر الوعي. لذا فالعبادات مكابدة حقيقية على طريق الحرية، فتكون معيارا لصدقية العبادة من جهة، ومقياسا لمستوى تحرر المؤمن من سجونه. وأقصد بالأغلال القيود الأيديولوجية التي تفرض سلطتها وتوجه الوعي لغاياتها، وتكرس عبادة مثقلة بآثام الشرك الذي يفقد الفرد حريته، وتخفق العبادات في تحقيق هدفها.

إن تفرد الخالق بالعبادة لا يسلب الفرد حريته، بل تكتسب العبادة حينئذٍ معنى إنسانيا، يتجلى من خلال استقلال الإنسان بإرادته، وقدرته على اتخاذ ما يراه مناسبا وفقا للقيم الأخلاقية الإنسانية، وتحرر العقل من كل سلطة فوقية تتحكم بإرادته. وما لم يتحقق هذا القدر من الحرية تخفق العبادات في تحقيق أهدافها. ليس الخالق بحاجة لوقوفك بين يديه واعترافك بربوبيته وتعهدك بالالتزام أوامره، فهو خالق كل شيء وبيده كل شيء، إنما يرد أن ترقى من خلال عباداتك لمستوى الحرية والقيم الإنسانية وتحكيم العقل. فالعبادة بهذا المعنى مكابدة يومية وموسمية لتنقية الذات من أوثانها وأغلالها، واستعادة العقل المرتهن لقبلياته الأيديولوحية. أو بمعنى أدق العبادات مكابدة الإنسان لاستعادة حريته، وإنقاذ كرامته المستباحة من قبل قراءة مغالية للدين، وفتاوى فقهاء المسلمين. والتعهد أمام الله بمقاومة التحديات وأخطرها توظيف الدين لمصالح سياسية وطائفية. فالعبادة اكتشاف الذات المبتورة، ومعالجة أخطائها. العبادة لا تكرّس روح العبودية، ولا تسلب الفرد حريته بدعوى القداسة، بل تكرّس إنسانية الإنسان، لتفيض روحه حبا لا كراهية وبغضا للآخر، ويغدو لوجوده معنى، تستنير به سريرته. ويتجرد عقله من أوهام الحقيقية. العبادة تعني نفي إكراهات المشاعر المزيفة والتمسك بالعقل قيمة أساسية، واعتبار الإنسان محور الحياة، لا تهدر كرامته تحت أي عنوان.

 

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi8خاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والعشرون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

مبررات التعارض

ماجد الغرباوي:

المقدمة الرابعة: ثمة من الفقهاء من يعتقد أن الأحكام الشرعية قائمة على التعبد (الاتجاه العبودي)، في مقابل من يعتقد أن وراء الأحكام مصالح وملاكات ناظرة للواقع وضروراته. ترتهن فعليتها لفعلية موضوعاتها (الاتجاه الإنساني). وقد تقدم تفصيل الكلام وذكرت أدلة كافية لترجيح الرأي الثاني (ينظر كتابي: الفقيه والعقل التراثي). فالاحكام على الرأي الأول تتعالى على تاريخيتها، وتبقى فعلية ومطلقة في جميع الأحوال والازمان، وهذا ما فعلته داعش حينما طبقت أحكام أهل الذمة على الأقليات الدينية واستعبدتهم. ولاريب باستقرار التعارض في هذه الحالة، حداً لا يمكن زعزعته أو تبريره. بينما الاتجاه الثاني يدعو لدراسة تاريخ الحكم وفلسفته، وقد تنتفي فعليته بانتفاء سببها وموضوعها، مادامت الأحكام تدور مدار عللها، كما هو متفق عندهم. فتكون أحكاما استثنائية فرضتها ظروف الرسالة وأمنها واستقرارها. وهذا النمط من الأحكام يجب أن يخضع للدراسة لتحديد مدى فعلية موضوعاته. فقد تكون مبررة في حينها، وليست كذلك عندما ينتفي إطلاقها. أو يشملها التعارض في حدود فعليتها، وتطبيقها عملا.

المقدمة الخامسة: لا يجوز اسقاط الحاضر على الماضي في فهم الآيات بل ينبغي فهم أحكامها في إطار بيئتها الثقافية والاجتماعية وأسباب نزولها. فحقوق المرأة مثلا لا تقارن بما عليه المرأة في ظل مبادئ حقوق الإنسان الذي أقرته الأمم المتحدة عام 1948، بعد مكابدات إنسانية طويلة ووعي تاريخي مختلف. لكن يمكن مقارنتها بما قبل عصر الرسالة. وهكذا باقي الأحكام التي تتعارض مع القيم الأخلاقية ظاهرا. وهذا يمهّد لفهم أسباب نزول الحكم والضرورات التي دفعت لتشريعه، ومن خلالها نتمكن من تحديد مدى فعليتها.

المقدمة السادسة: لكل حكم شرعي موضوعه الذي يرتهن له في فعليته وعدمها. كما بالنسبة لآيات الجهاد التي كانت ناظرة إلى واقع خارجي محدد فتنتفي بانتفائه، وتعد أحكاما استثنائية، يقتصر التعارض فيها على مرحلة عصر النزول. وحينئذ سيكون للقيم السائدة آنذاك دور في تحديد مدى التعارض بينها وبين الأخلاق. قد يكون مستقرا وسيبقى، أو يكون محصورا بظرفه التاريخي.

نؤكد في ختام هذه المقدمات، ومنعاً لأي التباس محتمل، أن جميع المقدمات أعلاه، تكون تامة وفقا للاتجاه الإنساني في فهم الدين، ولا تكون كذلك وفقا لاتجاه العبودية الذي يعتقد بفعلية الأحكام الشرعية وإطلاقها أزمانا وأحوالا وعلى كل حال إلا مادل الدليل الشرعي على استثنائه.

معيار التعارض

ينبغي قبل تحري التعارض بين الأحكام الشرعية والأخلاق، تحديد المعيار الذي على أساسه نحكم بثبوت أو عدم ثبوت التعارض. فما هو المعيار؟. لا ريب أن العقل العملي سيكون معيارا لتحديد الفعل الأخلاقي، وهو سابق على ظهور الأديان السماوية وغيرها. والسؤال هل العقل معيارا لكل القيم الأخلاقية أم خصوص القيم الأصيلة.؟

لنتفق أولاً، ثمة قيم أخلاقية أصيلة وإن كانت محدودة. وأخرى مكتسبة. الأولى مطلقة، فوق الزمان والمكان، تقررها وحدة الطبيعة الإنسانية. والثانية نسبية، تاريخية، تقررها مصالح المجتمع. القيم المطلقة من مدركات العقل العملي، لا يختلف حولها الناس. بينما شرعية الثانية مرتهنة للعرف الاجتماعي ومصالحه. فهي نسبية دائما. قد تكون حسنةٌ في وقت ما وظرف معين، وليست كذلك في وقت آخر وظرف مختلف، لكن لا ضرورة تقتضي قبحها. وإذا كانت النية الخيرة هي الفعل الأخلاقي الوحيد عند كانط، فقد مرَّ بنا عدم كفاية النية في صدقية الفعل الأخلاقي ما لم يترتب عليه، أثر إنساني. فيمكن عدّ العدل والظلم بعناوينهما الأولية قيم أخلاقية، أصيلة، مطلقة، بل وتكونا مبدأ، تتفرع عليهما قيم أصيلة، كالصدق والكذب. فنقول: "بحكم العقل العملي: من العدل أن تكون صادقا ولو على نفسك، ومن الظلم أن لا تعدل لتبخس حقوق الآخرين". فالعقل يحكم بحُسن العدل وقُبح الظلم وفقا لمعاييره، وآليته في معرفة ردود فعل مشاعره الإنسانية كما تقدم تفصيله. لا يوجد من ينكر في أعماقه ووجدانه حُسن العدل وقُبح الظلم، غير أن بعضهم يتنكر لنوازعه الفطرية، ويبرر أو يلمّع سلوكه المشين. وإذا كان ثمة اختلاف ففي مصاديقهما أو ما يترب عليهما من آثار قانونية. فمثلا الجميع يدين القاتل، ويرى من باب العدال معاقبته، لكنهم يختلفون بين القصاص "النفس بالنفس"، وبين تخفيف العقوبة دون القصاص. وبالتالي فإن حُسن العدل وقُبح الظلم ليسا طارئين على الإنسان بل هما من مدركات العقل العملي، لذا تجد القرآن يحث على العدل وينهى عن الظلم لا باعتبارهما قيما دينية، بل باعتبارهما قيما إنسانية من مدركات العقل العملي. كلاهما سابق على تدين الإنسان، وقبل ظهور الأديان ونزول الرسالات: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ). الآيات تريد تماسك المجتمع على أساس العدل، كقيمة لا يتنكر لها أحد، وإنما يتحايل عليها بعضهم، ويلبس الحق بالباطل، ليحقق مآربه. أو هروبا من تأنيب الضمير ومن عقوبة تنتظره.

لا تقتصر القيم الأصيلة على حُسن العدل وقُبح الظلم، بل هناك منظومة قيم تضفي معنى على سلوك الفرد. بها يكون الإنسان إنسانا. لذا لا شعوريا يندد الناس بمن يتخلى عن مسؤوليته الأخلاقية، وبصوت واحد يوبخونه: ألست إنسانا؟. لازم هذا الكلام أصالتها ومناعة تسويفها، لو خُلي الإنسان ووجدانه. لكن قد يخضع الفرد لقيم مزيفة تسلبه أصالة قيمه، عندما يتجاهل ضميره ويتخلى عن وجدانه. هذا النمط من القيم لا تغير العناوين من حقيقته، فعندما يتوقف إنقاذ نفس محترمة على الكذب، لا يجعل الكذب فعلا حسنا، ويبقى عملا قبيحا. لكننا نضطر له اضطرارا، قد يغض الضمير عنه الطرف تحت عنوان جديد لكن لا يحكم بحُسنه مطلقا. أي أن الكذب يبقى كذبا، مرفوضا أخلاقيا حتى لو توقف عليه إنقاذ نفس محترمة. لكن الضرورات تُبيح المحظورات، فتقدر بقدرها.

القيم النسبية (المكتسبة)

باستثناء القيم الأصيلة فإن جميع القيم الأخلاقية مكتسبة، نسبية، تاريخية، تكتسب شرعيتها من توافق الناس عليها، تحت أي دافع كان. ظهرت مع بوادر أول تجمع بشري لتنظيم شؤون العائلة أولا ثم تدرجت. حيث اقتضت ضرورات الانتماء البشري، وتحقيق مصالحهم المشتركة اللجوء لقيم أخلاقية تنظّم علاقاتهم وتحمي مصالحهم، لتفادي تداعيات الصراع تحت ضغط التحديات الخارجية. ثم أخذت تتنوع وتتعدد مع تطور المجتمعات، واتسعت بظهور الأساطير ومن ثم الأديان، التي أفرزت طبقة رجال الدين. كما أن مجتمعات العبيد فرضت هي الأخرى قيمها، لتستبد طبقة الأسياد بقيم النبالة والاحترام، وتكرس قيم العبودية لضمان عبودية طبقة العبيد. ولو تقصينا أسباب ظهور القيم الأخلاقية باستثناء القيم الأصلية، فيمكن حصرها بمايلي:

- القيم الاجتماعية: لتنظيم العلاقة بين أفراد المجتمع الواحد، ثم تطورت بتطور المجتمعات، وظهور النظامين الأبوي والقبلي.

- القيم الطبقية: لتنظيم العلاقة بين الأسياد والعبيد. ومن ثم تنظيم العلاقة بين أصحاب رؤوس الأموال والعمال. وهي قيم فرضتها تطور الآلة وتراكم رأس المال وتزايد النفوذ.

- القيم الدينية: لتنظيم علاقة الفرد بربه، ثم لبّت حاجة طبقة رجال الدين والسلطة الدينية لها، ولو على حساب القيم الدينية الأصيلة. فظهرت أخلاق احترام سلطة رجال الدين والمزارات، وكل ما يرتبط بها، سيما أداب النذور والحج للأمكنة المقدسة. وأقصد تحديدا ما زاد على الأحكام الدينية، مما يراه الناس أدبا وأخلاقا.

- قيم السلطة: وظهور الحكومات. لتنظيم العلاقة بينها وبين الشعب، وهي عادة تنتظم تحت لوائح ومواد قانونية.

- القيم الحديثة: التي رافقت تطور المجتمعات الحديثة، إذ خلق كل مجتمع قيمه الجديدة التي تتناسب مع رؤيته الحداثوية.

مما تقدم يظهر واضحا أن الأخلاق النسبية، أخلاق السلطة والاستبداد. باستثناء المجتمعات البدائية قبل ظهور السلطة واستفحالها. فالأخلاق بهذا المعنى صناعة بشرية، وعندما تكون صناعة بشرية لا تصلح أن تكون مرجعية ومعيارا للجميع، بل كل يحتكم لمرجعيته. الآن وسابقا. وبالتالي فإن الأخلاق المكتسبة ليست من مدركات العقل العملي، غير أنها بمرور الأيام يعتاد عليها الفرد والمجتمع، ويألفها العقل لا لأنها من مدركاتها، بل لأن العقل يُستغفل، ما يلاحقه النقد والمراجعة. فيغدو لدينا من خلال القيم المكتسبة عقل أخلاقي جديد. وهذا العقل ليس هو المعيار الحقيقي وإنما شُبّه لهم بحكم الإلفة والعادة. وعليه، عندما تريد محاكمة سلوك أحد ملوك القرون الوسطى ينبغي لك محاكمته وفقا لمنظومة القيم السائدة. فما تراه اليوم فعلا أخلاقيا قد لا يكون كذلك. والكلام عن خصوص القيم المكتسبة. وهكذا الأمر بالنسبة للأحكام الشرعية، لا يصدق التعارض مع القيم الأخلاقية ما لم نتأكد في المرتبة السابقة عن مرجعية الحكم الأخلاقي. فربما كان المجتمع يعتقد بسلامة الأحكام وانسجامها مع عدالة المجتمع آنذاك. فمثلا الجميع يقول بقبح الظلم، لكن حدود الظلم ومصاديقه ستخضع لأخلاق السلطة والاستبداد في ذلك الزمان. فإذا ثبت أن الحكم كان ناظرا لقيم المجتمع وطريقتهم في التعامل مع هكذا قضايا، فيكون عملا أخلاقيا بالنسبة لهم، وليس لنا. كالعقوبات الجسدية في الشريعة، فإن من جملة مبرراتها أن العقوبات الجسدية كانت سائدة آنذاك، ولا بديل لها كالسجن مثلا. وقد عملت الشريعة بذات الأعرف. أي أنها أخذت بمقتضيات الحكمة في حينه. مادامت الغاية من العقوبات هي الردع وليس الانتقام. فكان الردع في حينه لا يتحقق إلا بالقصاص، العين بالعين والسن بالسن. فيكون عملا أخلاقيا وفقا لمرجعياته. فالعقل هنا يحكم بوجوب العدل ومعاقبة المجرمين فقط، لكن العقل لا يحدد ما هي طبيعة العقوبة، إلا إذا كانت تماديا يصل حد الظلم والجور، فحينئذ يكون للعقل حكم آخر هو إدانة التمادي في العقوبة. وهذا عنوان ثان، وإن كان متولدا عن الحكم الأول. وبالتالي ثمة توافق بين العقل والشريعة أن من العدل معاقبة الظالم لدرئه وحماية حقوق الناس. وسكت العقل عن تحديدها، بينما وضعت الشريعة عقوبات كانت ناظرة فيها للأعراف والتقاليد آنذاك، لذا هي متغيرة، غير ثابتة: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا). بمعنى أدق وضعت أحكاما رادعة للظلم والجريمة، بتقديرها وفقا للواقع وضروراته، فيكون الواقع عنصرا حاسما في تحديدها. الشريعة الإسلامية بل جميع الشرائع السماوية قائمة على العدل والانصاف وعدم الظلم، كما أكدته الآية المتقدمة إن الله يأمر بالعدل والانصاف، غير أن أحكامها القائمة على العدل والقسط، تراعي الواقع وضروراته. وكلما تغير الواقع ينبغي تقصي فعلية الأحكام في ضوء فعلية موضوعاتها، وهكذا دائما. فالعدالة وعدم الظلم مبادئ إنسانية، يستطيع العقل إدراكها، لا فقط إدراك حُسنها ووجوبها، لأنها ليست مفهوما مجردا غير قابل للتصور. بل يمكن من خلال السلوك العام معرفة أثارها ونتائجها. وهل يعني إمكانية حلول العقل محل الشريعة؟ وهو سؤال مهم جدا. وقد بينت آنفا أن الأحكام قائمة على العدل والانصاف وعدم الظلم والجور. ويمكن للعقل أن يشرع قوانين وأنظمة تخدمه، وستحقق كامل ملاكاتها، خاصة إذا صدرت عن شورى وخبرة قانونية واجتماعية ونفسيه وتربوية، تراعي الشعب ومصالحه ومسقبله.

قد يتبادر سؤال عن حقيقة الأحكام الشرعية وحكمة الأديان، باعتبارها وحيا إلهيا: أليست الأديان رسالة السماء، ولكل زمان ومكان، فلماذا لم تأخذ بنظر الاعتبار تطور الذوق الأخلاقي العام مستقبلا؟ لماذا لم تأخذ بنظر الاعتبار تطور الوعي البشري؟ ألا يعلم الله أن العقل البشري سيهتدي ولو بعد حين للائحة حقوق الإنسان فيستهجن بعض الأحكام الشرعية كأحكام الرق وبعض أحكام المرأة؟. أليس الدفاع عن القيم الدينية خاصة حقوق المرأة هو تعبير عن وجود مأزق أخلاقي يراد تبريره؟. كل هذه الأسئلة وغيرها مطروحة، ومطروحة عليّ شخصيا. إذ يرى بعضهم أن الإسلام كان ثورة، فكيف يخفى عليه مستقبل البشرية؟ أو أن الدين مجرد رؤية نبوية للعالم وفق مقتضيات الحكمة، وتخفون الأمر علينا؟.

لا يمكننا الهروب من الأسئلة، ومواجهتها ولو بالتنازل عن بعض التوقعات هو الحل الأمثل. أقصد أن الاعتراف ببعض الإشكالات يدفعنا لفهم الدين فهما صحيحا، لا كما هو متداول عند الناس، حيث يشعر الفقهاء ما من واقعة إلا ولله فيها حكم. وسأجيب عن هذه الأسئلة وفقا لفهمي واجتهادي وما أتبناه من رؤية مغايرة للدين. ورغم إجابتي على هذه الأسئلة إجمالا وبشكل متفرق، غير أن مقتضى الحديث يستدعي خلاصة علمية. أشرت خلال هذه المقدمات وفصلت سابقا. ثمة قيم دينية ثابتة وهي قيم إنسانية، تؤكدها آيات قرآنية محكمة فتكون حاكمة على غيرها من الآيات. وأن وراء جعل الأحكام الشرعية مصالح وملاكات ناظرة للواقع. وكان واقع الجزيرة العربية حاضرا آنذاك. وهذا يرتهن فعلية الأحكام الشرعية لفعلية موضوعاتها. المشكلة الأساسية هي إصرار الفقيه واتجاه العبودية على إطلاق آيات الأحكام، وعدم الأخذ بأسباب نزولها، وتمسكهم بأن المورد لا يخصص الوارد. ونحن لا نخالف هذا لكن المورد يكشف لنا عن مدى فعلية موضوعات الأحكام التي ترتهن لها فعليتها. فالفقيه يأخذ الحكم الشرعي كمعطى نهائي يجب تنفيذه من قبل المكلف أو يعد عاصيا وربما كافرا  وجزاؤه جهنم وبئس المهاد. عقل الفقيه مرتهن للتراث وتقليد السلف الصالح، لا يتجاوزهم في فهم الدين وآيات الكتاب المنير. وهذا يشكل خطرا على الدين قبل غيره. فبعض الأحكام والآداب الفقهية تركز على ظاهر الأحكام دون فهمٍ تاريخ للحكم وأسباب نزوله. استعرضت في كتاب التسامح استطرادا فهما جديدا لموضوع الذباحة والتسمية التي تعد موضوع ابتلاء، خاصة بالنسبة للجاليات المسلمة في الغرب، لولا أن انتشار أسواق اللحوم الحلال.  فقد قاربت مسألة التسمية بالنسبة للتذكية كما يلي، ادرجه لبيان كيف نقدم فهماً لآيات الأحكام، فهماُ يحول دون اسقاط هيبة الدين، وتوظيفه لتعزيز القيم الأخلاقية دون التسمك بظاهره، رغم أن المسألة عرضية لكنه تكشف عن وجود إمكانية في الدين يمكن تحريرها وتوظيفها لتعضيد القيم الأخلاقية. إذ قلت:  

[وحتى التسمية على الذبيحة، رغم التصريح بها قرآنيا، قد يمكن تجاوزها لو تمت قراءة الأحكام الشرعية وآياتها في إطار شرطها التاريخي، فربما كان التأكيد على التسمية لتعميق العقيدة، والمنع من ذكر اسم الأصنام على الذبائح. أي أن الذاكرة في ذلك الوقت ما زالت ملوثة بعبادة الأصنام وتقديم الهدايا والذبائح لها رغم إسلام بعضهم، لعدم نضوج العقيدة بشكل كامل في أنفسهم، لذا كان الأمر يتطلب تجذير العقيدة الإسلامية وتعميق وحدانية الله تعالى بكل الوسائل قولا وفعلا وعملا وسلوكا، في كل قضية صغيرة كانت أم كبيرة. أما اليوم فلا يتبادر إلى ذهن أحد الأصنام أو الذبح لشيء ما تقربا له. أي رغم عدم التسمية إلا أن الذبح لغير الله غير وارد راهنا بل لا يخطر على بال أحد كي يحتاج إلى تأكيد لفظي. كما أن التذكية ليست عملا عباديا يتوقف قبوله على استحضار نية القربى كالعبادات المعروفة من صلاة وصوم، وإنما هو ازهاق الروح واخراج الدم من الأوداج الأربعة، كما في تعريف الذبح، وهو حاصل بالطرق الحديثة للذباحة، سواء جرت التسمية أم لا. أي أن التسمية أمر مرتبط بموضوع ترسيخ العقيدة الصحيحة كما يراها الإسلام التي تتنافى مع التقرب أو عبادة غير الله تعالى حتى في مسألة الذبح وتقديم الهدايا، فهو حكم قد حقق أغراضه بشكل كامل. بل قد نستفاد من الآية أن التسمية تختص بالذبائح المنذورة التي تذبح آنئذ لغير الله، والتي سميت لغير الله (كما هو متعارف في العرف القبلي اليوم أن يحتجز الإنسان حيوانا لله، أو لنبي من الأنبياء، أو إمام من الأئمة أو شخص من الأشخاص، فيسميه باسمه، ويقول هذا منذور لفلان، أو هو لفلان) فأمرهم الله تعالى بذكر اسم الله عليها إذا أرادوا تخصيص ذبيحة من الذبائح لغير الله، وذكر اسم الله عليه حين ذبحها لتأكيد الأمر، حتى وصل الأمر بالآية أنها حرمت أكل الذبائح المذبوحة لغير الله. فتكون فعلية الآية حينئذ مطلقة بهذا المعنى، لأنه من القضايا المتكررة والمعمول بها لحد الآن من قبل الناس البسطاء الذين لا يميزون بين القضايا، ولا يفرقون بين الله وأوليائه. وسيكون موضوعها خصوص الحيوانات المنذورة والمسماة والمخصصه لغير الله تعالى. وستتوقف حلية أكلها على ذكر اسم الله أثناء الذبح، لمكافحة الشرك في هذه المسألة. وأما مطلق الذبح فلا يشمله الموضوع. فاذا الأشكال في تحديد موضوع الحكم والشبهة هنا، كما يقول الفقهاء موضوعية، تدور بين الذبائح المنذورة أو مطلق الذبيحة؟ أي هل الحكم في الآية يختص بالذبيحة المنذورة (الأقل) أو مطلق الذبيحة (الأكثر)؟ والأول أقرب لروح النص وضروراته وملابساته وأكثر تلاؤما مع الغاية من التسمية. (أنظر كتاب: التسامح ومنابع اللاتسامح، ط2، ص90-92).

والآن نستعرض الأحكام الشرعية في ضوء هذه المقدمات، لمعرفة حدود التعارض بينها وبين الأخلاق.

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com


 

majed algharbawi7خاص بالمثقف: الحلقة العشرون بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

جوهر الدين والأخلاق

ماجد الغرباوي: خلاصة ما تقدم، أن جوهر الدين وحقيقته ذلك القاسم المشترك بين جميع الأديان. أو "تلك الحقيقة التي يدور مدارها صدق وعدم صدق مفهوم الدين". وما عداها تمظهرات، وأنحاء من التدين، كالعبادات والطقوس والشعائر والتشريعات، لا تسلب جوهر الدين حقيقته مهما اختلفت أو تغيّرت استجابة لضرورات روحية أو اجتماعية.  وجوهر الدين خصوص التجربة الدينية. ذلك الحضور المهيمن للغيب، وكيفية تمثّل المطلق، الكائن الأسمى، فتكون أخص من التجربة الروحية، بينهما عموم وخصوص مطلق، وفقا للمنطق الصوري. فكل تجربة دينية هي تجربة روحية بالضرورة، لكن ليس كل تجربة روحية هي تجربة دينية، فتبقى التجربة مرتهنة لدلالة المقدس. أو ما يشير له المقدس خلال تلك التجربة تحديدا. لذا فالتجربة الدينية تختلف عن المشاعر، وما يعتري الفرد في أجواء الطقوس والممارسات العبادية، لتعدد مناشئ وجودها.

التجربة الدينية، تجربة تمثّل المطلق / المقدس / الخالق. حينما تنفتح على الغيب، تتأمله. تستنطق ذلك الصمت المهيب، فتشعر بقوة حضوره وهيمنته. بلا حاجة لحواسك الخمسة. وحينما تتأول ما تشعر به من إيحاءات، أو ما يتراءى لك، تنبهر بتلك الحقيقة أو بعضها، فتستغن به عن أي دليل عقلي لتأكيد حضوره، حدا تكون التقوى مؤشرا ودالة على يقينك، وثقتك. فتناجيه من أعماقك، فتتردد أصداؤه في أرجائك. فتسمو فوق نوازعك المادية، وترقى في أخلاقك. إنها لحظة انفتاح على الغيب والمطلق، تعيشه في أجوائك الروحية، وتشعر بها خلال تأملك ودعائك. فينتابك يقين بامتلاك الحقيقة أو بعضها. لا ينازعك حولها أحد، لأنها تجربة شخصية، وعلاقة خاصة مع خالقك، موطنها القلب. وهي لحظة تأويلية بامتياز، لعدم وجود لغة مشتركة، وعدم وجود تجانس بين عالمي الغيب والشهادة. بين الوحي أو الإيحاء وبين التلاوة والنص والقراءة. فيكون المعنى مرتهنا لتأويل ما يدركه وما يوحى له خلال تجربته، بأي شكل أو دلالة موحية. أو أن ما يقر في قلبك دال على تأويل ما يشرق في أعماقك. تبدأ بسيطة: (باندهاش أو سؤال أو ملاحظة أو حالة نفسية تمر بك، أو حضور روحي خلال عبادتك أو تأمل وأنت تقارب الأسئلة الوجودية الكبرى أو حضور روحي مفاجئ أو تضطرك الحاجة للتعلق بالغيب)، ثم تتطور عبر تزكية النفس من أدران الذنوب والموبقات، والمشاعر النرجسية والفوقية، ثم تتصاعد كل حسب وعيه وقدرته على تمثّل القضايا المجردة. وكما يقول السيد محمد باقر الصدر هناك مراتب غير متناهية ترقى بك إلى الخالق. وهي أنحاء متطورة من الإدراك والتمثّل، حتى تصل مرحلة النبوة، التجربة الدينية المتطورة جدا، ودالتها الوحي: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى،إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى). التجربة الدينة هي ذلك الانقطاع للخالق، لذلك اللغز المحيّر، مهما طالت أو قصرت، حينما تحتضنه في قلبك، وتنجايه في أعماقك، فأنت في كل هذه الحالات تستحضره، تتمثّله، فيشرق في أرجائك. تأنس به، وتثق بوعوده، لا يرتابك شك بوجوده. تقطع أنه يسمع ويستجيب دعاءك، ويتجاوز عنك، ويغيثك إذا استغته، فهي تجربتك مع الله خالصة، حيث تبقى أنت الإنسان مجردا عن كل شيء، في مقابل الله الخالق المطق. تلك هي تجربتك، التي لا يمكن أن تتعارض مع الأخلاق، بل تلهمك الأخلاق والقيم الإنسانية الرفيعة. فتكون علاقة خالصة مباشرة مع الله لا تتخللها أي شائبة شرك تحت أي عنوان، الشفاعة أو غيرها: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ)، (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ).

وبهذا يتضح الفرق بين المشاعر الروحانية والإنسانية المتولدة عن التجربة الدينية والتجربة الروحية. الأولى تفيض عن ذات التجربة الدينية، تجربة المخلوق بالكائن الأسمى / الخالق. فتورث اليقين عندما تكون مصدرا لإيمانه، وتمحّصه عندما تكون تالية له. وتتولد عنها مشاعر إنسانية، تتفجر ينابيع حب إنساني نقي، يخلو من التعصب والانحياز. بينا المشاعر المتولدة عن التجربة الروحية قد تصاب بلوثة الطائفية والأيديولوجية، فتجده شخصا روحانيا ويضمر كراهية الآخر المختلف دينيا وثقافيا. فالتجربة الدينية هي المقصودة بعدم التقاطع بينها وبين الأخلاق. تلك التجربة القائمة على التحرر المطلق. وتتجلى فيها الحرية بأنصع صورها. الحرية هي القدرة على الاختيار، بعيدا عن أية مؤثرات مادية أو معنوية.

إن هدف الأديان ترشيد الوعي لمركزية العقل، وتعميق الحضور الميتافيزيقي في أعماق النفس البشرية، لاستعادة إنسانية الإنسان المهددة دائما بفعل نزواته، وما يحيطه من تحديات وإكراهات قد يخضع لها لا إراديا. الحضور الميتافيزيقي يخلق وازع التقوى ويسمو بالإنسان فوق توافه الحياة، وتغدو الأخلاق طبعا وسمة، تلك الأخلاق الإنسانية المفعمة بالمحبة والصدق والإخلاص والعدل وعدم الظلم والجور والشعور بالتفوق العنصري أو المادي.

وهنا تنبيهات تخص ذات التمثّل في التجربة الدينية بعد أن بينت ميزاتها وطبيعة اختلافها عن التجربة الروحية:

1- إن التجربة الدينية تجربة شخصية، متفاوتة، بما في ذلك تجارب الأنبياء كما جاء في الآية المتقدمة حول مستويات قربهم من الله. وبما أنها متفاوتة فهي نسبية. تبقى مفتوحة الأفق، ويبقى الإنسان يسعى في كماله ورقيه الروحي.

2- إن تمثل الخالق أو الكائن الأسمى في التجربة الدينية، تمثّل لقضية مجردة، ميتافيزيقية، لا حقيقة لها خارج فضائه المعرفي، وقدرته على استفزاز مخيلته، فتتناسب طرديا مع خصوبة الخيال، وقدرة العقل. فيكون الفرد شريكا في خلقها. أما فضاؤه المعرفي فهو تراكم لقبلياته وتأملاته وتمثلاته، وما يتوالد عنها من صور ذهنية في قاع الخيال، فتكون دالة على خصوبة خياله، وقدرته على الإبداع. وبالتالي فإن قبليات الفرد تؤثر في نضوج التجربة الدينية وتحديد ملامحها وهويتها.

3- إن تمثّل المطلق، عملية تأويلية، محكومة لقبليات الفرد، تفرضها عدم  تجانس عالمي الغيب والشهادة، وعدم وجود لغة مشتركة، أو واقع يمكن الاحتكام له، فيتأول الفرد ما يجده محاطا به، الذي قد يكون وحيا كما بالنسبة للأنبياء. أو ما يبدو له أو يشاهده أو ما يتخيله أو ما يتراءى من نور، وما يسمع من أصوات، وغير ذلك كثير مما يقال وينقل. وليس ثمة حدود لدرجات الكمال للسمو الروحي والأخلاقي، فهي ممتدة شاسعة.

4- التجربة الدينية تجربة ذاتية، داخلية، في أعماق النفس وأفق الخيال. وما يعيشه ويشاهده أو ما يعبر عنه في اللغة الصوفية بالمشاهدات، وبلوغ درجة اليقين أو عين اليقين، لا تعني اختراق عوالم خارج حدود الوجود الإنساني.  ويبقى الفرد مرابطا داخل مخيلته، لا يغادر مكانه، ولا يطفو فوق عوالم خارج عالمه، كل هذا لا دليل عليه. فالتجربة الدينية حراك داخلي، حتى يبلغ درجة اليقين، ومن ثم حق اليقين. بشكل أدق، إن الارتقاء في مراتب اليقين ومراتب انكشاف الحقيقة، ليس انتقالا ماديا من عالم الدنيا إلى عوالم أخرى، بل آفاق جديدة للنفس البشرية، يتمثل فيها العقل عوالم مغايرة. تفتح لنا آفاقا يبدو فيها المتخيل الرمزي واقعا، يعيشه. فالعملية برمتها تجربة داخل مخيلة الفرد، وليس اختراقا حقيقيا لعوالم علوية. غير أن المكوث داخل الخيال يجعل منه واقعا، ويجعل من الوهم حقيقة. وطالما عاش الإنسان ما يسمى بأحلام اليقظة، حيث يتصور ما يود تصوره، ويتفاعل معه حد الانبساط أو الغضب، ويسقط عليه كل ما يريده. وهذا مجرد مثال لتقريب الفكرة. وليس تشكيكا بالتجارب الدينية.

5- إن نضوج التجربة الدينية مشروط بالحرية والتحرر المطلق من جميع قبلياته وأوثانه ليبقى إنسانا خالصا. أو تتعثر تجربته وقد تخفق ثم تتلاشى وتضمحل. بل أن التجربة الدينية عملية تحرير الذات من قيودها وأوهامها.

6- الفرد في التجربة الدينية يتمتع بكامل حريته واستقلاليته وإرادته، بعيدا عن أية تحيزات، فيغدو التسامح والسمو الأخلاقي طبعا وسجية.

7- المشترك بين التجارب الدينية هي ذات التجربة وليست مشخصاتها. يمر بها كل إنسان، ولو بأدنى مستوياتها حينما يرمق السماء، أو تضيق به الدنيا ويرفع يديه بالدعاء، فيجد قلبه يخترق كل الحواجز والموانع النفسية ليتعلق به، ويعيش لحظة وجد قوامها الحب الذي يدفع به لتمثله، والاستغراق به، حدا يشعر به يغمره، ويتماهي معه.

8- إن ظمأ الروح لمعرفة الحقيقة يعتبر دافعا قويا لتطور التجربة الدينية، فهو لا يكتفي بتجربته الروحية ويسعى لتبديد حيرته، فتمثّل المطلق تعبير آخر عن عجزه. أو هو الطريق الوحيد المتاح لاكتشاف الحقيقة. فتبقى التجربة الدينية، تجربة شخصية، نسبية، تتحكم بها قبليات الفرد وقوة مخيلته.

9- إن صدقية التجربة الدينية لا تتوقف على مدى مطابقتها للواقع، مادام الواقع غيبا مجهولا لنا، لا يمكننا إدراكه أو تجريبه. ولا تتوقف على صدق ما يراه في تمثلاته للمطلق. لذا يحتاج الأنبياء إلى معجزة لتصديقهم، ثم بعد ذلك نقرّ لهم بصدق دعواهم ونتعبد بما يقولون.

10- المعرفة المتولدة عن التجربة الدينية معرفة نسبية. قد تكون حجة على صاحبها، أما بالنسبة لنا فتبقى معرفة نسبية، وقضية محتملة الصدق والكذب معا، ما لم يدل الدليل الخارجي على صدقها وثبوتها. وبشكل عام كل معرفة غير قطعية، لم تصل درجة العلم واليقين، تبقى في دائرة الإمكان، الأعم من الظن والشك والاحتمال. ومادامت المعرفة في التجربة الدينية مرتهنة لقبليات الفرد في تمثلاتها، فهي معرفة حدسية، لكن أوهام الحقيقة تجعل منها معرفة يقينية بالنسبة لصاحبها فقط. ولا أقصد البعد السلبي من كلمة أوهام، بل ما يقع في مقابل اليقين. وأما المعرفة الدالة على الله فهي قضية ذاتية وشخصية غير خاضعة للاختبار، فتبقى شأنا شخصيا، لا دليل لنا على إنكارها، وهو يعتقد امتلاك الحقيقية.

11- الفرد خلال تجربته الدينية وربما التجربة الروحية أيضا يغدو وجودا إنسانيا مطلقا، وروحا شفافة تتعالى، تسمو في عالم أرقى، وهي في هذه الحال وجود أخلاقي. ينظر للفضيلة والرذيلة بعين أخلاقية إنسانية سامية، فتكون مجردة من كل ما عدا وجودها الإنساني الحر. فلا معنى للتعارض بين الديني والأخلاقي في هذه الحالة.

***

يمكن الاستشهاد بتجارب الأنبياء، كما أشارت لها بعض الآيات لتقريب فكرة التجربة الدينية، وكيف تتجلى الحقيقة حد اليقين ومن ثم عين اليقين، لا يحيد عنها. وهنا استشهد بآيات دلالتها واضحة على المطلوب. رغم أن الأمر لا يقتصر عليهم، بل تجد الإنسان العادي يعيش تجربته فتترسخ قناعته وإيمانه، عندما يستجاب دعاءه، وتنكشف كربته. وأحيانا تجد قناعته راسخة، لا تتزعزع، حتى مع عدم استجابة الدعاء، فهو يعيش يقينا عمليا راسخا متولدا عن تجربته الدينية والروحية في يقظته وفي منامه. ولنتأمل هذه الآيات التي تؤكد صدق تجارب الأنبياء والرسل، من خلال الوحي، خاصة العروج الروحي، ومعايشة الحقيقة كواقع لا ينتابه الشك، وتؤكد ذات الآيات صدقها:

- (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ﴿1﴾ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴿2﴾ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴿3﴾ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴿4﴾ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ﴿5﴾ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى ﴿6﴾ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ﴿7﴾ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ﴿8﴾ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ﴿9﴾ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴿10﴾ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ﴿11﴾ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ﴿12﴾ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴿13﴾ عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ﴿14﴾ عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ﴿15﴾ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ﴿16﴾ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴿17﴾ لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى).

- (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ).

- (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي). فهو يتطلع إلى أفق روحي أخصب.

- (وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ). فهي تؤكد لموسى صدق تجربته الروحية، وليس بحاجة لأن يرى الله جهرة.

نخلص أن الأديان كظاهرة اجتماعية ومؤسساتية هي تجليات للحقيقة الدينية، تارة تحمل روح الدين وأخرى تتخذ طابعا منحازا يكرس الاقصاء والاستبعاد حينما يسقطان على الدين مصالحهما الأيديولوجية والسياسية. وعليه إذا كانت مقومات الأديان هي: المقدس، العبادات، الشعائر والطقوس. وبعض يضيف النذور بل وحتى المؤسسات الدينية. أو بشكل عام: كل ما يعبر عن الظاهرة الدينية، فإن المقوّم الأساس للتجربة الدينية هو المقدس فقط. وحينئذٍ يمكن تصور التعارض بين الأوامر الدينية والأخلاقية. فننتقل للمستوى الثاني:

ثانيا: تعارض الأحكام الشرعية مع الأخلاق:

بدءا هنا مقدمات يتوقف عليها فهم التعارض بين الأحكام الشرعية والأخلاق، ينبغي الإشارة لها:

المقدمة الأولى: لا يمكن تجريد الدين (لا أقل في نظر الناس) من تاريخه ورموزه ومؤسساته وشعائره وطقوسه وشرائعه وتراثه ومدوناته التأسيسية بل وحتى الثانوية بعد تدوينها، حيث تكتسب صفة دينية، وتشملها قداسة الدين لارتباطها به. وكان فصل جوهر الدين عن الدين كلام نظري لتعريفه منطقيا، كما يفعل المنطقي حينما يريد تعريف الإنسان بالحد التام فإنه يحدد جنسه وفصله القريبين أولا، وأما خارجا فلا نشاهد سوى كائن واحد هو الإنسان، الذي هو مصداق للمفهوم الذهني. كذلك بالنسبة للدين، لا يوجد سوى شيء واحد: (الكل المركب من عقيدة وشريعة وسلوك وفقا لهداية أحكام الكتاب وقيمه الأخلاقية). من يتمسك بها تصدق عليه صفة المتدين أو المؤمن الملتزم. وعنوان الموضوع هو الدين بالمعنى الثاني، حيث يمكن التعارض بين الأوامر الشرعية والأخلاقية، مادامت الشريعة جزءا مقوما للدين بمعنى المصداق الخارجي.

المقدمة الثانية: الأحكام الشرعية هي خصوص ما ورد في القرآن من أحكام، لاختصاص التشريع بالله فقط، وقد بينت مبررات هذا المبنى مرارا، وكان دليلي آيات الكتاب، ومناقشة ما استدلوا به على حجية مطلق سنة النبي قرآنيا. وقد ثبت في حينه عدم وجود أي دليل صريح من الكتاب يمكنهم الاستدلال به على حجية مطلق السنة النبوية. فتقتصر حجتها على تبليغ وبيان ما له جذر قرآني من الأحكام في ضوء الواقع وضروراته، وهذا يستدعي خبرة لتمييز الروايات النبوية، إذ تقدم أن السنة خمسة أقسام، أحدها تبليغ وبيان أحكام الشريعة الإسلامية. وما عدا السنة النبوية آراء اجتهادية، وفهما للنص تقع مسؤوليته على صاحبه. فالبحث يقتصر على الأحكام الواردة في الكتاب. وهذه المقدمة ضرورية لتفادي التباس الأمور، فثمة تراكمات فتوائية وآراء اجتهادية كثيرة جدا، لا حجية لها خارج حدود الدائرة المذهبية. وقد مرّ الحديث عن استثناء فتاوى الفقهاء والمؤسسات الدينية من الدين كمقوم للأخلاق وحماية الضمير البشري. لكن ما هو الموقف عندما تتعارض السنة مع الكتاب؟ وكثيرا ما نسمع من يستشهد بروايات أو سيرة تتعارض مع منطق القرآن أو الأخلاق؟ بلا شك هنا نقدم الكتاب، مادام صريحا واضحا بينا في أحكامه. مادمنا نجهل حيثيات السيرة. فربما ثمة مبررات شرعية أو ضرورات لو اطلعنا عليها لكانت لنا وجهة نظر مختلفة. من هذه الجهة لا تنعقد للسيرة أية حجية في مقابل حجية آيات الكتاب الكريم. فيكون أصلا ويقدم علينا دائما.

وإذا كان التعارض بين الأخلاق وجوهر الدين ممتنعا للأسباب المتقدمة، فإن التعارض بينها وبين الأحكام التشريعية، تشهد له مجموعة أحكام، صريحة في دلالاتها. ولتفادي التعميم ينبغي التفصيل بين الأحكام الشرعية التي تتعارض ظاهرا مع القيم الأخلاقية كبعض أحكام الجهاد وأحكام العبيد والموقف من الآخر، عن غيرها من أحكام الشريعة كأحكام العبادات والمعاملات وأحكام الزواج والطلاق والعقود وغير ذلك.

المقدمة الثالثة: لا تعارض بين الأحكام الشرعية والأخلاق بنظر من يرى قيام الأخلاق على الشريعة. إذ الفعل عنده حيادي، ليس حسنا ولا قبيحا بذاته، بل يكتسب صفته الأخلاقية منها، فما أمرت به فهو حسن، وما نهت عنه الشريعة فهو قبيح، وليس للعقل العملي حكم مستقل عنها، فلا تعارض إلا لدى القائلين باستقلال الأخلاق عن الشريعة. وهو ما تبناه البحث ابتداء. وقد ذكرت مجموعة مبررات لترجيح هذا الرأي، من جملتها: عجزنا عن فهم الملاكات البعيدة للأحكام التي تتعارض ظاهرا مع القيم الأخلاقية، كقتل الغلام من قبل العبد الصالح، واعتراض موسى عليه من وحي فطرته وروحه الإنسانية. كما أن القرآن ينوه: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم). مما يؤكد أن الشرائع تراعي التحولات الزمكانية. فهي متغيرة، ولو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة، لكن لم يجعلهم كذلك على أساس الشريعة، بل وحدهم بالدين. ونحن بصدد قواعد كلية، كونية، وإنسانية، تصلح أن تكون معيارا مشتركا بين جميع البشرية: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ)، (مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ). فالجميع ينتمى للإسلام بمعنى التسليم، ويعبدون إلها واحدا. يوحدونه ويقرون له بالطاعة والتسليم لقدرته وإرادته. بهذا يتضح إن الاتجاه القائل باستقلال الأخلاق عن الدين بمعنى التشريع هو المعني بهذه الإشكالية دون الاتجاه الثاني.

والآن نستقرئ الأحكام الشرعية لمعرفة حدود التعارض بينها وبين الأخلاق لتفادي أي تعميم، يفضي إلى تزوير الوعي على حساب الطاقة الروحية للدين التي نطمح توظيفها لحماية الضمير وتقويم السلوك الإنساني.

 

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi6خاص بالمثقف: الحلقة التاسعة عشرة بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

حب الذات والأخلاق

ماجد الغرباوي: ينبغي التأكيد، ثمة اختلاف جوهري بين حب الذات، كدافع يتحكم بنوايا أية مبادرة، وبين تأكيد الذات في دافعها الإنساني الخالص. الأول يجعل منك شخصا أنانيا، متحيزا لنفسك ومصالحك ورغباتك فهي أخلاق نفعية. بينما الدافع الإنساني للفعل تجلٍ لإنسانية الإنسان. فيبادر تلقائيا، بعيدا عن أية مصلحة مادية أو معنوية... إنسان يتعرض للخطر، فتهب لنجدته وانتشاله بدافع ذاتي إنساني. وقد تضحّي إذا اقتضت التضحية. في تلك اللحظة أنت إنسان بإنسانيتك، لأنك لم تتخل عن وظيفتك الإنسانية. هذا أوضح مصاديق الفعل الأخلاقي. ولا ريب أن كل إنسان يمتثل لنوازعه الإنسانية، لولا لوثة الأنانية والطائفية والأيدولوجية، التي تشوّه مفهوم الإنسان، خاصة فتاوى الفقهاء الإقصائية التي تعلو لديها الطائفية على القيم الإنسانية. بل أنها تختتزل مفهوم الإنسان بالإنسان الطائفي. وهذه جريمة فيها تجاوز على القيم الإنسانية التي هي أساس بناء مجتمع الفضيلة الذي تتوقف إقامته على تجلي القيم الإنسانية في سلوك الناس.

إن حب الذات يقصي المشاعر الإنسانية إلا ما توافق مع مصالحه الشخصية، وحينئذٍ لا يصدق على موقفه مفهوم الفعل الأخلاقي. إنها صفة أنانية، لا مشروعية أخلاقية لها، ما لم تخضع لمنطق الأخلاق الإنسانية. الأنانية لحظة تردد ونكوص تختزل الامتداد الوجودي للفرد بحدود مصالحه، مهما بلغت حاجة الآخر لمساعدته التي قد تتوقف حياته عليها. فعدم استجابته تمرد صارخ ضد نفسه وقيمه. بينما الفعل الأخلاقي استجابة للذات من خلال الآخر، فيكون اندفاعه ذاتيا، نابعا من طبيعته الإنسانية، ومن أعماقه التي استودع الله فيها ذات الخصائص المشتركة. فيصدق أن أخلاق الواجب الإنساني الذي يحقق إنسانية الإنسان أخلاق مطلقة، مثلها مثل أخلاق الواجب (كانط). وليست نسبية كأخلاق اللذة والمنفعة وغيرهما.

إن الواجب الأخلاقي رهان حقيقي لكل مجتمع يروم التقدم الحضاري، وقد أكدته الأحاديث النبوية كقول النبي الكريم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). الفعل الأخلاقي الإنساني تعبير آخر عن حب الإنسان لأخية الإنسان. بل ورتَّبت الروايات دخولَ الجَنَّة على العمل به. جاء في مسند أحمد عن يزيد بن أسد القسري: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَتُحِبُّ الْجَنّةَ؟). قلتُ: نعم، قال: (فَأَحِبَّ لِأَخِيكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ). يفترض أن الطبيعة البشرية تكفي في حب الآخر، غير أنها تخفق أمام المغريات: (وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ). فتكون تلك الأحاديث إرشادية لحكم العقل بوجوب الاستجابة الإنسانية. فمصدر إلزام الفعل الأخلاقي هو العقل العملي ارتكازا لمشاعره الفطرية كمجسات يهتدي بها، كما تقدم تفصيل الموضوع. بمعنى أدق، أن آلية العقل في تحديد الموقف العملي في سؤال ماذا يجب أن أفعل، ترتكز للمشاعر الفطرية كمجسات تتجلى فوقها ردود فعل المشاعر الإنسانية، التي هي مشاعر أصيلة، وكونية، وشاملة. فالعقل يكون معيارا، يستعين بمشاعره الإنسانية الأصيلة، التي هي مشاعر فطرية وقانون أخلاقي كوني. وشرط الأصالة شرط احترازي لاستبعاد ما يطرأ فيما بعد على فطرة الإنسان، بفعل بيئته الثقافية والاجتماعية، فيخسر حريته التي هي شرط الفعل الأخلاقي، لأنها تعني التحرر المطلق من جميع القيود. وبالتالي فالتمركز حول الذات يختزل العمل الأخلاقي، ويكرّس روح الأنانية.

وهنا ينبغي التمييز بين الأصيل والمكتسب من القيم الأخلاقية. الأول نابع من إنسانية الإنسان، ذالك الذاتي الذي به يكون الإنسان إنسانا، ويكون الضمير محفزا ورقيبا صارما عليه. بينما يتخلى الضمير عن مسؤولياته حينما تكون القيم الأخلاقية مكتسبة. كالأعراف والتقاليد  التي تفرضها المجتمعات عادة.

الأوامر الإلهية

طالما استخدمت مفهوم التجربة الروحية رديفا لمفهوم التجربة الدينية تبعا لعالم النفس والفيلسوف الأمريكي ويليام جيمس، ولتداخلهما، كما تقدم في بحث التجربة الدينية والأخلاق. وكان السياق يكفي لتشيخص الدلالة في حالات الالتباس. غير أن البحث هنا يستدعي تعريفا منطقيا للتجربة الدينية، باعتبارها جوهر الدين، ومن ثم تشخيص حدود التعارض بين الدين والأخلاق. وقبل ذاك، هل التعارض بين جوهر الدين والأخلاق ممكن بذاته أم لا؟

قبل مقاربة طبيعة العلاقة بين الأوامر الإلهية والأخلاق، نؤكد ما تقدم أن التجربة الدينية: هي جوهر الدين وماهيته وحقيقته. وهي مشترك ذاتي بين جميع الأديان بمختلف تجلياتها وتمظهراتها. ويقصد بالذاتي ما ينتفي الشيء بانتفائه. في مقابل العرضي الذي لا ينتفي الشيء بانتفائه. ويعرف الذاتي منطقيا: "المحمول الذي تتقوم ذات الموضوع به غير خارج عنها". فماهية الموضوع لا تتقوم إلا به وهو قوامها، سواء كان هو نفس الماهية، كالإنسان المحمول على أفراده. أو جزءها كالحيوان المحمول على الإنسان. بينما العرضي: هو المحمول الخارج عن ذات الموضوع، لاحقا له بعد تقومه بجميع ذاتياته، كالضحك اللاحق للإنسان. وعندما نعرف الإنسان منطقيا بالحد التام، نقول: الإنسان حيوان ناطق. والنطق أو التفكير هو ميزته عن غيره، فيعد ذاتيا له (سبق أن تحفظت على مفهوم الحيوان). (يمكنكم للاستزادة الرجول لكتب المنطق، كمنطق المظفر). فجوهر الدين ذاتياته التي ينتفي بانتفائها. الدين لا ينتفي بانتفاء الشرائع والعبادات. ولا تتوقف صدقيته على وجود الرسل والأنبياء. الدين سابق على نزول الرسالات السماوية. بل أن هدف العبادات والشعائر والطقوس وجميع الممارسات الفردية والجماعية، إثراء التجربة الدينية وتعميق الجانب الروحي لدى الإنسان، لينعكس إيجابا على سلوكه، مباشرة أو بشكل غير مباشر من خلال وازع التقوى. لذا لم تقتصر العبادات على الفرائض المسنونة بل تشمل التسبيح والتدبر والتأمل بالأسئلة الوجودية الكبرى، كل ذلك لتعزيز روافد الإيمان، التي تعزز بدورها التجربة الدينية. فالتجربة الدينية التي يعيشها الإنسان مع خالقه أو المطلق المحير، أو الكائن الأسمى هي جوهر الأديان وهي الذاتي المنطقي. فإذا اعتبرنا "التجربة الروحية" جنسا أعم من التجربة الدينية والصوفية وما يرافقها من مشاعر وأحساسيس، فإن ما يميز الدين تجربته الروحية التي محورها المطلق، الكائن الأسمى، الخالق. فيصدق تعريف الدين بالحد التام: "تجربة روحية محورها الله / المطلق / الكائن الأسمى". وبشكل أوضح: يعتبر المقدس محور التجارب الروحية. أو تفقد مصداقيتها بانتزاعه. فيصدق أن المقدس مقوّم أساس لهوية وحقيقة التجارب الروحية. وهو تارة يراد به الخالق، مهما اختلفت الإشارة له: الله / المطلق / الكائن الأسمى. (عباراتنا شتى وحسنك واحد   وكل إلى ذاك الجمال يشير)، فيصدق على التجربة الروحية حينئذٍ مفهوم التجربة الدينية. وهي كل تجربة روحية محورها الله. أو لا يقصد بالمقدس خصوص المطلق والخالق، فلا يصدق مفهوم التجربة الدينية على هذه التجربة الروحية بالذات. وهذا يسري على جميع التجارب بيما فيها التجارب الروحية للإنسان البدائي، فهو قد يشير لخالق الكون الذي يبهره وجوده أو يشير لأمر خرافي. وبهذا تمتاز التجربة الدينية عن غيرها من التجارب الروحية بتجلياتها. فهي ليست مشاعر وغبطة، فقد تتولد مشاعر السعادة من دواعٍ غيرها. التجربة الدينية تعبير عن كيفية تمثّل ذلك الوجود المجرد، المبهم والمهيمن، دون معرفة كنهه وحقيقته، حد يجد الإنسان كما بالنسبة للأنبياء أنه يعيش في عوالم أخرى. فهي مشترك إنساني، تتفاوت تجلياتها، لا يشترط فيها سوى صفاء الروح، وإن كانت المعرفة وسمو النفس تكسبها قدسية أكبر، طالما تعمق حضور المقدسز فالتجرب الدينية للأنبياء تتصف بصعوبتها، وقوة معاناتها، وحجم ما يبذلونه لتزكية النفس، تتطلب سموا روحيا عاليا، لذا تجاربهم محكومة بالتفاوت: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ). وهكذ تجربة تكون التقوى دالة عليها، وتكون الأخلاق دالة عليها، وتكون المشاعر الإنسانية دالة عليها. وبالتالي لا تمثل الشرائع جوهر الأديان، فلا تنافٍ ولا تعارض بينها وبين الأخلاق حينئذٍ. ويصدق أنها سالبة بانتفاء الموضوع، كما يعبر في المنطق الأرسطي. وهنا يمكن الاستشهاد بآيات الكتب التي تصف حالة الخشوع لله وتصور حالة المؤمنين في علاقتهم معه. أي تصور مشاهد من التجربة الروحية للمؤمنين:

الخشوع مثلاً، تعبير آخر عن ظمأ الروح، وحنينها لذلك الوجود القديم. فعندما يناجي الله، يناجيه عن علم ومعرفة فتمتلئ نفسه وروحه بمشاعر تغمره. لكن بودي التأمل في آية لها علاقة بالتجربة الروحية ليس مباشرة لكن من خلال وصفها لماهية الله، لذلك الوجود الذي يريد أن يتماهي معه الإنسان ويذوب فيه: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ). هذا هو الله المطلق الكائن الأسمى الذي يملأ الروح حينما يغمرها بقدسيته. ولاريب تؤخذ استعدادت الفرد من جميع الجهات لتقييم تجربته الدينية، فقد تكون تجربة الإنسان البسيط أكثر مصداقية. يتمثل ذلك المطلق بتجرد، غير أنه يذوب فيه حبا وتعليقا، فينعكس على سلوكه وأخلاقه، فتجده شخصا يتوهج بالإيمان والصدق.

وبالتالي علينا تحري صور التعارض بين الأخلاق والدين بعيدا عن جوهر الدين وحقيقته. وهنا نرصد ثلاثة مستويات للأوامر الإلهية:

- تعارض الأوامر الإلهية مع الأخلاق.

- تعارض الأحكام الشرعية مع الأخلاق.

- صدقية الأحكام الأخلاقية في القرآن.

أولاً- تعارض الأوامر الإلهية مع الأخلاق:

إن أول مصاديق التعارض بين الدين والقيم الأخلاقية تلك الأوامر التي وردت في قصص الأنبياء، كإقدام إبراهيم النبي الكريم على ذبح ولده إسماعيل (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ، فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ). وكذلك قتل الغلام من قبل العبد الصالح الذي رافقه موسى النبي الكريم. وقد أكد الأول أن قتل الغلام ليس قراره: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا). وما يهمنا "قتل الغلام" بما هو نفس محترمة، بعيدا عن المعنى اللغوي لكلمة غلام. وبناء على واقعية القصص لا رمزيتها، وحدوثها واقعا وبالفعل، فتعتبر جريمة كبرى وفقا للمنطق القرآني قبل غيره. فكان استنكار موسى مبررا، حينما استفزته الحادثة، وهزت أعماقه، وهو نبي كريم: (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا). وهذه الآية تعتبر مصداقا واضحا للتعارض بين الديني والأخلاقي.

تناولت أكثر من مرة موضوع القصص القرآني، وأكدت أن غاية القصص بصريح الكتاب هي العبرة والعظة: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ). وهناك ثيمة وراء السرد هي التي تحدد تقنياته وأدواته اللغوية والبلاغية وسياقاته. فثمة قصص وظفت الرمز للتعبير عن فكرة تضيق بها العبارة، وتعجز اللغة عن بيان مقاصدها، فتساق القصة كأسلوب أدبي رمزي، مثالها مشاهد خلق آدم التي مرَّ بيانها: حوار الله مع الملائكة، وردهم، والسجود وغير ذلك. وهذا لا ينكر وقائعية بعضها، غير أن الأول أقدر على تحقيق هدف القصص وبيان ثيمتها. خاصة مع عمق الثيمة وفكرة القصص. ومثالها القضايا التجريدية. وقد مرَّ الكلام مفصلا في قصة الخلق، وقد بينت بما لا مزيد عليه ما يبرر رمزية القصة، وذكرت مجموعة أدلة وشواهد.

إن قتل الغلام في قصة العبد الصالح وغيرها كقصة إبراهيم وذبح ولده، تتعارض مع آيات الكتاب وقيمه، خاصة قتل النفس المحرمة بغير ذنب. وبما أن حرمة قتل النفس ثابتة بآيات محكمات، وأن وقائعية القصص تتعارض معها، فينبغي لنا البحث عن دلالاتها الرمزية، للكشف عن العبرة والموعظة في الآية. وهذا هو المنطق القرآني في تعامله مع المتشابه من الآيات، حيث يُرَد المتشابه للمحكم. ورمزية هاتين القصتين ليست خافية على من يجيد القراءة الرمزية لآيات الكتاب. لو سلمنا بوقائعيتهما، فسيكون التعارض بينهما وبين القيم الأخلاقية ظاهريا. فثمة أحكام مختصة بالأنبياء، لا تنتقل لغيرهم بأية ذريعة، لأن تحديد فعلية موضوعاته يتوقف على وجود كشف تام، وهذا لا يتحقق إلا من خلال الوحي، وبانقطاعه لا تعود لها أية فعلية. وهي مجموعة أحكام ذات ملاكات ومصالح خافية علينا، لا يمكن اكتشافها، وحينئذ يكون التعارض ظاهريا وفقا لعلمنا ومعرفتنا، لكنه في حقيقة الأمر ليس كذلك في علم الله. قد يبدو هذا تبريرا، غير أني مع رمزية القصص، وقد أسهبت بهذا الموضوع وبيان حقيقته وأدلته. والتفسير الرمزي لقصة إبراهيم بشكل مكثف، تريد القصة بيان درجة يقين الأنبياء وقوة إيمانهم وإرادتهم، فتقول إنا ما يحقق صدق النبوة،  يقينا لا يتأثر يتزعزع، وإرادة لا تثنيها حتى علاقة الأب بولده، لذا جاء تكملة الآية: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ). ففكرة اليقين المطلق والإرادة الحرة المطلقة لا يمكن تصويرها بالكلمات بينما للسرد القصصي سحره، وقدرته على تمرير الأفكار. مهما تكلمت مع طفلك عن الكذب وتداعياته لا يستوعبه، ولو استوعبه لا يصدقه، كما لو سردت له حكاية الطفل الذي كذب عندما إدعى الغرق، ولما غرق حقيقة لم يغثه أحد.

وقصة موسى مع العبد الصالح، فهي زاخرة برمزيتها ودلالاتها، إذ الآية أتت للكشف عن محدوية علم موسى وهو نبي، وهذا القدر من البيان يعجز معه الكلام فجاء بأمثلة مدهشة، لا يمكن إدراك ملاكاتها ومصالحها، حتى النبي. فهي تتحدث عن علم مختص بالله، لا يحط به الإنسان. وسبق أن ذكرت وأنا بصدد بيان اختصاص التشريع بالله، أن وراء الأحكام ملاكات ومصالح، قد تكون واضحة لنا، لكن علاقاتها بنظام الوجود وعلاقات الإنسان مجهولة لنا، وغاية ما يعرفه النبي ما يوحي له الله فقط، فكيف يكتشف الملاكات البعيدة التي تستدعي إحاطة كاملة وهي مختصة بالله. فقصة موسى مع العبد الصالح، تتحدث عن علم بملاكات أحكام بعيدة، نستنكرها نحن وفقا لمرتكزاتنا الأخلاقية والمعرفية، لكن مرتكزاتنا ليست هي نهاية المطاف ونهاية العلم، وأن علم الله يختلف عن علم الإنسان. علمه كلي ونظرته شاملة. وقد ضربت القصة ثلاثة أمثلة لموسى كدليل على ما أرادت بيانه وهو الفارق النوعي بين المعرفة الإلهية والمعرفة البشرية. وبالتالي فهي دعوة غير مباشرة لموسى للتأني في فهم  وإدراك الأحكام، فربما حكم يتعارض مع مرتكزاتك ووراءه ملاكات ومصالح وافرة. أو ثمة حكمة خافية لا يعلمها الأنبياء فضلا عن الإنسان العادي. وقد تكون الآية تمرينا لموسى لتوطين نفسه على تلقي أحكام لا يدرك حكمتها وعللها وملاكاتها. بدليل أن العبد الصالح راح يبين له علل وأسباب تلك التصرفات. وكان موسى ينبهر، فهي قصة رميزة بلغية جدا: (قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا)، (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا).

وبالتالي لا يمكن تعقل أي تعارض بين الأخلاق وما ورد من أحكام قصص الكتاب، لأنها قصص رمزية، وليست واقعية بالضرورة، وتبغي بيان عبرة وموعظة علينا تحريها من خلال السرد الرمزي

 

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi5خاص بالمثقف: الحلقة الثامنة عشرة بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

الحافز الذاتي والأخلاق

ماجد الغرباوي: انتهى الحديث عن رهانات الدين في تقويم سلوك الإنسان وحماية ضميره. نعود لمواصلة الحديث عن المستوى الثالث من مستويات الفعل الأخلاقي وهو الأهم جدا، بعد أن تحدثنا مفصّلا عن المستويين الأول والثاني. حيث مهّدت في مبحث الأخلاق والجزاء، بما يلي:

(...هنا يبرز سؤال: إن شرط الفعل الأخلاقي أن تأتي به لذاته، ويكون هو المحرك له إيجابا وسلبا. فهل يفقد صفته الأخلاقية حينما يؤتى به بداعي القربى وطمعا بالثواب، أو الخوف ودفعا للعقاب؟.) ثم وضحت الفكرة: (لا ريب، إن لازم القول بالحُسن والقُبح العقليين أن تكون الأخلاق مطلوبة بذاتها باعتبارها أحد تجليات إنسانية الإنسان التي يفترق بها عن غيره من الكائنات. فيأتي بالفعل الأخلاقي بدافع ذاتي، نابع من إنسانيته وطبيعته البشرية، بغض النظر عما يترتب على الفعل الأخلاقي من نتائج كالثواب أو العقاب. وبشكل أدق، إن إنسانية الإنسان تدفع باتجاه الفعل الأخلاقي بمعزل عن أية إرادة خارجية، فتكون مبادرة تلقائية، وتحفيز ذاتي، عفيف دافعه الأخلاق كتجلٍ إنساني فقط. فيبادرالمرء لاستغاثة أخيه الإنسان بحافز إنساني ذاتي. مبادرة محررة من كل قيد وشرط أو وفقا للمصطلح المنطقي قضية لا بشرط من جميع الجهات. بعيدا عن قبلياته الدينية والطائفية. وبعيدا عن أيديولوجيا تعيق مبادرته، بما فيها الأوامر الدينية، وما تفرضه العادات والتقاليد من أحكام تارة تكون جائرة ضد الآخر المختلف. فمصدر الإلزام سيكون ذات الحافز الذاتي المعبّر عن إنسانية الإنسان. بل يصدق أن نقول: "إن الفعل الأخلاقي هو الفعل الذي يشتمل على مبررات ذاتية، نابعة من طبيعته الإنسانية، تفرض المبادرة له".

والجواب: هناك ثلاثة مستويات للفعل، يمكن من خلالها تسوية هذا الإشكال، كي لا يفقد الفعل صفته الأخلاقية، ويكون للدين دور يعزز القيم الإنسانية.

1- الفعل بذاته: قد يتصف بالحُسن أو القُبح، بموجب أحكام العقل العملي الذي يهتدي لها ببداهاته وفطرته الإنسانية السليمة. فيكون حكمه حكما أخلاقيا على ذات الفعل، دون ارتهانه لأي جهة خارجية، دينية أو عرفية أو قانونية. ويأتي به الفرد، أو ينهى عنه، بحافز أخلاقي ذاتي. 

2- الفعل كممارسة سلوكية: حيث يتجلى الفعل الأخلاقي. وهنا يتوقف الوصف على نوايا الفرد، وسبب اندفاعه. فإن كان الدافع ذاتيا فيصدق أنه فعل أخلاقي، أو تنتفي عنه صفة الأخلاق. في الحالة الأولى يتسجيب لضميره الشخصي، وينتهى عن الفعل القبيح خوفا من توبيخه. بينما الحالة الثانية مرتهنة لجهة خارجية فتخسر صفتها الأخلاقية.

3- الفعل عندما يتعلق به أمر خارجي: كالدافع الديني أو العرفي أو القانوني. فهل يفقد صفته الأخلاقية؟. وكيف نوفق بينه وبين الأوامر الإلهية؟...). فالحديث إذاً يقتصر على المستوى الثالث.

المستوى الثالث: الفعل عندما يتعلق به أمر خارجي

تقدم أن شرط اتصاف الفعل بالأخلاق صدوره بحافز إنساني ذاتي وإرادة حرة. أو لا يتصف بها إذا شابت نواياه شائبة مادية أو معنوية. أو كان مجبرا على عمله. وعندي لا تكفي نية المرء في صدق الصفة الأخلاقية، وإن كانت مهمة، ما لم يترتب على عمله أثر إنساني، لأن الحُسن والقُبح من مدركات العقل العملي، والعقل العملي كما جاء في تعريفه: (مبدأ إدراك "ماذا يجب أن أفعل؟"). فهو ناظر للفعل وللسلوك. وقد بينت مفصلا مبررات شروط الفعل الأخلاقي، وعدم كفاية الإرادة الخيرة كما ذهب لذلك كانط، حيث جاء في مقطع متقدم: لا شك في أهمية النية بالنسبة للعمل، ولا شك أنها خير بذاتها، غير أن الفعل الأخلاقي كما أعتقد هو الفعل الذي يحقق إنسانية الإنسان، بشكل تتجلى إنسانيته بذات الفعل الأخلاقي. ولا يكفي التوقف عند الإرادة الخيرة، لأننا نتطلع لموقف عملي. وما لم يحقق إنسانية الإنسان يُستبعد الفعل، مهما كان ظاهره الخير، كالرياء الذي يصعب رصده بسهولة، فإنه يخرج عن كونه فعلا أخلاقيا. الفعل الأخلاقي يترك أثرا تكونينا حينما يزكي النفس ويجردها من أنانيتها وطموحاتها المخلة بالأخلاق، ويغدو الآخر نفسه عندما يتعامل معه على أساس إنساني. وهذا الفهم ينسجم مع رؤيتي للمشروع السماوي الهادف لإقامة مجتمع الفضيلة، بل ينسجم مع كل مشروع مثالي، يسعى لتحقيق سعادة الإنسان. وبالتالي فخيرية الإرادة تتحقق بفعل أخلاقي خالص، لا يقصد منه سوى تحقيق إنسانية الإنسان، ولا تكفي مجرد النية. لكنها تشفع إذا إلتبس الأمر، ووقع ما لا يقصده. وعليه لا يصدق المفهوم ما لم يكن دافعه الواجب الإنساني النابع من إنسانيته وأعماقه وفطرته السليمة. أي بما أنه إنسان أولاً وقبل كل شيء، فإن إنسانيته تفرض عليه الإلتزام بالفعل الإخلاقي لتأكيد صدقية إنسانيته.

وأما مجرد إرادة الخير التي يعتبرها كانط الفعل الأخلاقي الوحيد المطلوب لذاته، يواجه مشكلة نسبية مفهوم الخير بلحاظ مصاديقه. بينما الفعل الأخلاقي بدافع إنساني يختزل الخير بما يحقق تراكم الخير الإنساني. الخير العصي على التوظيف لمقاصد شريرة. فيكفي نسبية الخير بلحاظ مصاديقه ولو تصورا، في العدول عن مفهوم الفعل الأخلاقي عند كانط إلى ما هو أكثر تمحضا للخير. فالعمل الأخلاقي "ما يحقق إنسانية الإنسان". وعندما تتحقق إنسانية الإنسان بالفعل الأخلاقي يساهم في تعزيز الأمن والاستقرار والسعادة، وهي أهداف سامية، يطمح لها الإنسان السوي. لا خلاف حولها بين السماوي والأرضي، فتكون قانونا عاما، ومشتركا إنسانيا، ينبثق عن إنسانية الإنسان، ويكون الإلزام فيه إلزاما إنسانيا، يحقق به الإنسان إنسانية دون قصد منه. بمعنى أدق أن شأن الفعل الأخلاقي تحقيق إنسانية الإنسان، وحينما لا يحققها لا يُعد فعلا أخلاقيا، يبقى الفعل الأخلاقي مطلوبا لذاته، لا يستمد خيره من مقاصد ثانية. وتحقيق إنسانية الإنسان هي الخير الأسمى، ذلك الجوهر الذي ترتهن له صدقية الإنسان. ويمنكن اختزال الفعل الأخلاقي ومببرر وجوبه: (ما كان حافزه ذاتي وفاء لإنسانيته). فيكون الوفاء لإنسانيته مبرر شرعيته، وليس مجرد الواجب الأخلاقي. ولا المنفعة أو اللذة. وبهذا التعريف للفعل الأخلاقي نخلق روح المبادرة والاندفاع الذاتي لعمل الخير. بهذا أصبحت معالم الفعل الأخلاقي واضحة، من خلالها نمّيز الفعل الأخلاقي عن غيره. وهو موضوع البحث والمعني بإشكالية الدين والأخلاق. فالمقصود ذات الفعل الخارجي عندما يأتي به  الفرد هل كان بدافع إنساني خالص كي يصدق عليه مفهوم الفعل الأخلاقي أم لا؟. وبالتالي لو كانت نيته قبل تحقق الفعل خارجا غير إنسانية خالصة، لكن لحظة تحقق الفعل خارجا كان بنية إنسانية خالصة، فحينئذٍ يصدق المفهوم.

وهنا لا بد من التذكير بأمرين، الأول: إن سلب الصفة الأخلاقية عن الفعل لا يفقده صفة الخير العام بالضرورة. فقد يشمله عنوان العمل الصالح ومفهوم الخير العام. وأقصد به كل عمل صالح يترتب عليه أثر إيجابي للفرد أو المجتمع أو كلاهما، سواء كانت دوافعه أخلاقية أو دينية أو عرفية. فمن يأتي بعمل صالح بدافع القربى أو بأي دافع لا يفقد صفة الخير العام، فهو خير يترتب عليه أثر اجتماعي ونفسي. وهذا ليس مقصودنا من عنوان البحث: (الفعل عندما يتعلق به أمر خارجي). المقصود ما إذا تعلقت بالفعل إرادة إلهية هل يفقد صفته الأخلاقية أم لا؟. والثاني: إن هذا الإشكال لا يرد على الاتجاه الذي يعتقد بقيام الأخلاق على الدين بمعنى التشريع، ويرى أن الحُسن والقُبح ما حكمت به الشريعة وليس العقل. وإنما يرد الإشكال على من يعتقد بإستقلال الأخلاق عن الشريعة، ويؤمن أن الحُسن والقُبح ما حكم العقل بحُسنه وقُبحه. وقد مرّت الأدلة على ترجيحه دون الأول. وهنا يأتي الإشكال: هل يصدق مفهوم الفعل الأخلاقي على أمر تشريعي يتنافي مع القيم الأخلاقية للعقل العملي؟ وسبق أن استعرضت جملة تشريعات كآيات القتال التي جاءت شديدة اللهجة، لا يمكن للعقل تقبلها. والنصوص والآيات التي تتعارض ظاهرا مع القيم الأخلاقية، كل الموقف من الآخر، ومطاردته أينما كان، والتشدد أضعافا مضاعفة بعقوبته، خلاف للعدل والإنصاف القانوني: (فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا)، وغير ذلك من آيات وروايات، كقتل الغلام من قبل العبد الصالح.

بهذا الشكل اتضح مفهوم الفعل الأخلاقي طرف الإشكالية، والآن ينبغي تحديد مفهوم الدين الطرف الآخر لها: (إشكالية العلاقة بين الدين والأخلاق)، لنعرف مع أي مفهوم للدين يمكن تصور الإشكالية؟ وهل ثمة مفهوم يمتنع فيه التعارض بينهما؟.

المفهوم الإنساني للدين

تقدم أن استقلالية الأخلاق عن الدين، لا تقصي الدين بمعنى الإيمان، رغم جملة إشكالات تثار حول حياديته وصدقية الإيمان، وقد مرًّ تفصيل الكلام. وكان السؤال: هل سيتأثر ضمير الإنسان بالقيم الدينية في موقفه من الفعل الأخلاقي؟. وهل يقف مع الدين أم يتمرد عليه إذا اقتضى الموقف الأخلاقي الانتصار للآخر، باعتباره إنسانا، بغض النظر عن خصوصياته؟. وهنا سيفقد الدين تأثيره إذا تمرّد معتنقوه، أو يفقد الضمير صدقيته، إذا تخلى عن وظيفته. ولا نعيد ما تقدم. لكن نسأل: أي دين يمكن أن ترد عليه الإشكالات المتقدمة؟. هل خصوص التجربة الدينية التي هي تجربة روحية خالصة تمثّل جوهر العلاقة بين الخالق والمخلوق. أم الدين بمعنى العقيدة والشريعة ونسق من الأفكار والمعتقدات، يوجه وعي الفرد وسلوكه؟. هل طرف الإشكالية هو جوهر الدين أو تجلياته وتشريعاته؟ ينبغي تحديد حدود المفهوم أولاً:

الحقيقة أن التجربة الدينية، التي تربط الإنسان بخالقه، وتشده لعالم الغيب، لذلك المطلق المتسربل بجبرواته وكبريائه وعظمته، تمثل جوهر الدين، وروحه وحقيقته، وما العقيدة والشريعة إلا لبلوغ رضى الله تعالى من خلال تجربته الدينية : (وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). ورضا الله هي الغاية القصوى للمؤمن الملتزم. والرضا يتحقق بمعرفة الله، وقد ذكرت أكثر من تفسير لآية: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)، أحدها أن المراد بالعبادة هي معرفة الله. كما هو المروي عن ابن عباس. وتؤكده آية: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ). فإن مهمة الإنسان دينيا أن يتمحض للإيمان والقرب من الله تعالى عن علم ومعرفة. وهذا يتحقق بالتأمل والتسليم، وكل ما يحقق الفرد من خلال تجربته الدينية. فلا تكفي العبادة وحدها ما لم يتحقق ذالك الانشداد التلقائي لعالم الغيب والشهادة، لله تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ). فيصدق أن الدين قداس يروي ضمأ الروح، يتجلى وجدا وإلهاما وجمالا، تتداعى فيه غواية الحياة سوى وهج سريرته وإنسانيته: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)... لحظة صدق، وأنفاس عبقة بالإيمان، بعيدا عن منطق الإقصاء والتهميش والتكفير، وبعيدا عن منطق الفرقة الناجية. ينأى بنفسه عن إكراهات الفقه وتخرصات التراث . التجربة الدينية بهذا المفهوم تجربة إنسانية، وقاسم مشترك للحقيقة الأخلاقية. ولكي أبدد ما يحوم حول مفهومه، اتقصى معالمه، وحدود علاقته بالأخلاق، رغم أني أشرت لها أكثر من مرة، لكن مازال الغموض يكتنفها:

جوهر الدين أو معالم التجربة الدينية

ثمة فرق بين التجربة الروحية التي هي أعم من التجربة الدينية لتشمل تجارب المتصوفة، مطلق التصوف، والتجربة الدينية التي محورها الكائن الأسمى بجميع تجلياته أو "الخالق". بهذا تفترق عن غيرها. لأن محور كل تجربة روحية هو المقدس، فتارة يكون المقدس الله أو الخالق فيصدق على هذه التجربة مفهوم التجربة الدينية، وإذا كان المقدس في التجربة شيئا آخر غير الخالق بصفاته المشخصة، فيشملها مفهوم التجربة الروحية.

1- إنها مشترك إنساني، سبقت ظهور الرسالات وبعثت الأنبياء، تجربة يعيشها كل إنسان بمفرده، تعبيرا عن حاجة فطرية، مهما اختلفت تجلياتها، ومهما تفاوتت نسبتها، بمعزلٍ عن إنتمائه الديني والاجتماعي. أو بشكل أدق أن فطرة الإنسان بطبيعتها تعيش تلك التجربة الروحية، وخصوص التجربة الدينية بمختلف تجلياتها. فهي مخلقوقة بشكل تعتكف على ذاتها، تتأملها، تراجعها، ويكون الضمير رقيبا عليها.

2- تمثل التجربة الدينية جوهر الأديان، دون إقصاء للعقيدة والشريعة، بل أن غاية العبادات صقلها وتمتينها. ويكون دور الأنبياء إرشاديا لتفادي أي زيغ عن الحقيقة.

3- العبادات والشعائر والطقوس لا تكون دالة عليها بالضرورة، فقد يمارس الفرد عباداته، بمشاعر بعيدة عن جوهر الدين: (الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ). وقد يعيشها ضمن تجربته الروحية، فتختلف حينئذٍ تجلياتها.

4- التجربة الفطرية تجربة توحيدية، لأنها انشداد لخالق الوجود، لتلك الحقيقة المطلقة. يعيشها بكل وجوده حينما يتماهى معها في لحظة وجد متفردة. فتصدق من حيث المفهوم على كل توجه روحاني، بل وتعبر عن إيمان بوجود الخالق. فمن يشرك بالله لا ينكر وجود الخالق لكنه يشرك به. وعندما يتوجه له بروحه ومشاعره فهو يعيش ذات التجربة، غير أن الأديان اشترطت الإيمان الخالص: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ).

5- علاقة المخلوق بخالقه خلال تجربته الروحية، علاقة حب: (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)، علاقة نزيهة، سامية، لا تشوبها شائبة الكراهية أو الحقد. فهي لحظة صفاء روحي، يمكن استثمارها لتطوير مشاعر الإنسان.

6- يمثل الآخر في التجربتين الروحية بعامة، والتجربة الدينية بخاصة، الامتداد الطبيعي لإنسانية الإنسان، فتسقط جميع الاعتبارات سوى ذات المشترك الفطري والإنساني. فيشعر بشعوره، بسعادته وفرحه. بآلامه وأتراحه، فلا يظلمه ولا يعتدي عليه. فهي تجربة إنسانية، وهي دين الإنسان، لا بمعنى صنيعته بل بمعنى تجلٍ لفطرته وتأكيد ذاته.

7- الشرائع لا تمثل حقيقة الديانة الإنسانية، لأنها حاجات متغيرة يفرضها الواقع. فتكون الشريعة رؤية دينية أو نبوية للواقع: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا). بينما جوهر الأديان ثابتة، مادام الدين تجربة روحية ملازمة لوجود الإنسان.

8- الدين يضفي معنى لحياة الإنسان وهو يخوض تجربته الدينية، ويشعر بوثاقة ارتباطه بحركة الوجود. وفي ضوء تجربته الدينية يحدد خارطة علاقاته بالكون والإنسان. علاقة لا تخضع لمقاييس الشرائع، لأنها  لا تمثل حقيقة الدين، بل تمثل نظرته للواقع المتغير، ولكل حكم شروطه وفعليته.

9- ليست الفطرة سوى نفحة الله في روح الإنسان: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ). وهي مشترك إنساني، مادامت الآية تتحدث عن الجنس البشري. وعندما يبادر للعمل الأخلاقي بدافع إنساني، من أعماق فطرته، فهو بالحقيقة دافع إلهي، فثمة وحدة بين الفطرة وتجليات الخالق فيها، التي هي نفخته في روحه. فلا توجد ثنائية أو اثنينية كي يؤاخذ عليها.

10- التجربة الدينية تستعيد وعي الإنسان بذاته، وهذا أحد تجليات المعنى الذي تضفيه على حياة الإنسان. فهو في كل تجربة يكتشف ذات، ويؤكد وجوده، فيجد فيها معالمه. فيصدق أن التجربة الروحية، جوهر الأديان، هي مرآة الإنسان في حضرة الحق، وانكشاف الحقيقة.

11- التجربة الدينية تحرر الإنسان من كل عبودية عدا عبودية الله، فيصدق أن عبودية الله معادل موضوعي لمفهوم الحرية. وهو بفطرته يعرف حدوده التي بها تتأكد إنسانيته، دون التفريط بحريته التي هي لازم وجودي له.

12- لا تعني التجرب الدينية ترك الدنيا والتفرغ للعبادة والاعتكاف بالتكايا والزوايا والمساجد، بل أعني بها جوهر الدين. وكل ممارسة دينية هي في الحقيقة رافد لتنمية التجربة الدينية وصقلها كي تنفتح على المطلق، على الله، على الخالق، بأي لغة أو ثقافة. فهي ليست شيء آخر خارج الدين. بل جوهره وحقيقته، التي تبقى على كل حال، مهما تغيرت الشرائع والضرورات الدينية. بل تبقى حتى لو سقطت العبادات فرضا لا حقيقة. ولو قسمنا الشيء إلى ذاتي وعرض وفقا للمنطق الشكلي فإن التجربة الدينية التي أعنيها هي ذاتيات الشيء التي ينتفي الدين بانتفائها ويبقى ببقائها، فإذا كانت التجربة الروحية لازم وجودي للإنسان بمعنى التحقق الخارجي وليس الانطلوجي. فإن التجربة الدينية أخص منها، هي ذلك الحضور المبهم المهيمين وكيفية تمثّله.

13- النقطة المهمة جدا والتي لها علاقة بموضوع الأخلاق انتفاء معنى الثواب والعقاب في تأملات الفرد وطاعاته وعباداته، فهو يأتي بها خالصة لله: (ما عبدتك خوفا من نارك وطمعا في جنتك، بل وجدتك أهلا للعبادتي فعبدتك)، وهو قول منسوب للإمام علي، يمثل نضج التجربة الروحية. فيمتثل للفعل الأخلاقي امتثالا إنسانيا فطريا. وكذا في آية: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا). والإتيان به لوجه الله، لا يعني ارتهان العمل للثواب والعقاب، بل يعني استجابه لذلك العمق الروحي، لنفحة الله في خلقه، ذلك الحافز الذاتي للفعل الأخلاقي.

14- التجربة الدينية رغم أنها تجربة روحية، تقوده فيها مشاعره، لكنها لا تستبعد العقل ولا تتمرد عليه، بل تستضيء بنوره وهدايته.

بهذا نخلص أن إشكالية العلاقة بين الدين والأخلاق غير متصورة على مفهوم الدين بمعنى التجربة الروحية. بينما هي راسخة على مفهومه المتداول والشائع. فيستدعي مقاربته من زاوية مغايرة.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi4

خاص بالمثقف: الحلقة السابعة عشرة بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

ماجد الغرباوي: نخلص مما تقدم أن رهانات الدين في تقويم سلوك الإنسان وحماية ضميره، مرتهنه للإيمان والامتثال، مما يحد من قوة حضوره وتأثيره، ليقتصر على المؤمن الملتزم. وأضيف لهما: أصالة القيم الدينية، كقيد احترازي، لإخراج القراءات المؤدلجة للنص الديني، ذات الأهداف الطائفية والسياسية. وهي قراءات سائدة، وغائرة، مما يستدعي خبرة علمية لفهم أصالة النص، ضمن سياقاته التاريخية وضروراته الموضوعية. والشرط الثالث يضعنا على حافة القلق، خوفا من أدلجة الدين وخسارة البعد الأخلاقي الإنساني، الذي تسعى الاتجاهات الكلامية المختلفة لاحتكاره، فيكون المؤمن من آمن بشروط الفرقة الناجية، وهو منطق مخل بقيم الدين التي هي قيم إنسانية أساسا، أكدت عليها الأديان، وأي احتكار طائفي يفقدها صفة الرحمة، محور جميع الرسالات السماوية. وكل احتكار هو إقصاء بالضرورة. إقصاء للآخر المختلف رغم صفة الإطلاق. فإذا كان الإيمان والامتثال يكفي في زمن الرسالة، فهو ليس كذلك مع تعدد القراءات التي رافقت النص بعد انفصاله عن الوحي. ونحن اليوم نعيش مصداق آية: (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ). والحزب قراءة متحيزة للنص. مما يستدعي تجردا تاما ليكون الدين فاعلا مؤثرا.

إن جميع هذه الإشكالات تأتي على مفهوم الدين بالمعنى السائد، ابتداء من مفهوم الخالق، الوحي، الشريعة، ومن ثم تأويلات النص المقدس. ومفادها أن الدين نظام شامل كامل في الحياة، ثم يتنازعون حول مصاديق الخلاص، كل ينحاز لموروثه الديني والعقدي، بهذا الشكل يبددون الطاقة الروحية الخلاقة للأديان. بينما لا تأتي تلك الإشكالات على مفهوم الدين بمعنى التجربة الروحية التي هي علاقة خالصة بين المخلوق وخالقه، هي علاقة وجد وتعلق، وعلاقة حب: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)، حب متبادل يبادر به الله تعالى فينعكس على خلقه فيحبونه. فيكون حبهم ردة فعل لحبه لهم. وهكذا تكشف من آيات الحب أن الله يرسم طريقا لمحبته من خلال كل عمل إنساني. (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)، (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)، (وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)، (وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، (وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ)، (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)، (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)، (وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ). فيصدق أن موازين حبه جأت وفق معايير إنسانية، بدليل إطلاقات الآيات وعدم تخصيصها بالمؤمين أو المسلمين وغيرها من العناوين الدينية. فهو يحب كل محُسن وتوّاب ومتطهر وصابر ومتوكل. في مقابل نفيه للحب، في ومضة بلاغية، فهو لم يستخدم لغة الكراهية، ولم يقل الله يكره الذين، وبالتالي، فهو يحب أو لا يحب وفق معيار. فهو كما جاء في الآيات الكريمة، لا يحب: المستكبرين، الخائق، الكفور، المفسد، المختال، وغيرها. فعلاقة الحب علاقة روحية وجدانية يشعر معها الفرد بقربه من الخالق، من المطلق الذي يتوق لاكتشاف. لتبديد قلقه المصيري الذي هو قلق وجودي. فتجليات الحب تجليات للإيمان ووعي الذات وحدود الأنا، حيث تتلاشى تشظيات الفرقة الناجية، ليبقى الإنسان إنسانا، يعي علاقاته مع الآخر على أساس إنساني، لا تضر به الخصوصية، ولا تنقص من إنسانيته تعدد الرؤى. الإنسان هو وخالقه، في لحظة وجد وتعلق غامض بالمطلق، بالغيب، بالحق المتعالي. فالحديث هنا حديث روحي، والمشاعر هنا مشاعر إنسانية، خالية من شوائب الخصوصية. في هذه الحالة يكون للدين معنى، يضع الفرد في أفق جديد لفهم الحياة والآخرة قائمة على حب الخير والناس جميعا، وتغدو الأخلاق عنده سجية وطبعا وفعلا يأتي به بدوافع إنسانية، بعيدا عن أية خصوصية تحول دون مبادرته لعمل الخير والصلاح.

الرؤية الثانية لمفهوم الدين تمنح الإنسان حصانة ضد التحيزات الطائفية والسياسية التي تسحق الإنسان، وتقسو عليه، رغم أن انتماءه لم يكن خيارا، بل كغيره من البشر، وجد نفسه في هذه البيئة أو تلك وورث ما ورثه الآباء والأجداد، لكنه يبقى متهما، تُصب عليه اللعنات، بلا ذنب اقترفه سوى منطق الفرقة الناجية. إنه تشويه حقيقي لمفهوم الدين ومفهوم الرحمة الإلهية التي وسعت كل شيء (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ). وبالتالي فمفهوم الدين هو الخطوة الأولى لاستعادة إنسانية الإنسان ومن ثم حماية القيم الأخلاقية. مما يؤكد تأثر مفهوم القيمة الأخلاقية بمفهوم الدين، فحينما يكون الدين إقصائيا، يحتكر الحقيقة والنجاة يوم الحساب، فستكون الأخلاق إقصائية، تغدو وبالاً على الناس. وهذا أحد المآخذ على من يقول بقيام الأخلاق على الدين، حيث تخضع القيم لفهمه، المرتهن لقبليات ومبادئ الاتجاهات الفكرية والعقدية. بينما يضع العقل حدا للتسيب، وفق معايير العقل العملي، التي هي معايير إنسانية مشتركة، بعيدا عن تشظي تفسيرات النصوص الدينية.

الدين في بعده الروحي يطهّر النفس من أدرانها، وتكون الأخلاق سجيتها وطبعها، تبادر بمعزل عن الوعد والوعيد، ويستجيب الفرد للفعل الأخلاقي بحافز ذاتي كواجب، لا ينظر وراءه وماذا سيكسب من فعله سوى إرضاء لضميره ووجدانه وروحه الإنسانية. فالدين ما لم يضفِ معنى على حياة الإنسان وسلوكه وقيمه لا يمكنه تقويم سلوكه وحماية ضميره، ويبقى مرتهنا لروح العبودية التي لا تستجيب إلا بالوعد والوعيد. فالدين يبغي أساسا تحرير الفرد من سجونه وضعفه، ليكون قادرا على تقويم سلوكه بنفسه، وأن يرتهن للحب بدلا من البغض، وللمحبة بدلا من الكراهية، وللرحمة بدلا من الظلم والجور، بهذا يصدق أن منظومة القيم الإنسانية التي يحتكم لها الفرد هي مقياس لتدينه وإيمانه. فيكون سلوكه دالا على مستوى إيمانه، وحقيقة إلتزامه، ومستوى الأخلاق التي يؤمن بها. الدين كما أكدت مرارا جاء لترشيد وعي الإنسان كي يبلغ درجة الإنسانية المطلقة، التي تتجلى من خلال سلوكه الأخلاقي، والتزامه بالعدل والإحسان. وهي صفة بعض المؤمنين، بغض النظر عن مستواهم العلمي، فتجده إنسانا بسيطا لكنه مملوء بالوعي، يشعر بالقرف من فتاوى الفقهاء وهي تنبذ الآخر وتقصيه من رحمة الله. يتمتع بمناعة ضد الظلم من أي جهة صدر. يستفزه الظلم، فيحتج بلغة بسيطة معبرة تعكس سلامة فطرته: "هذا يخالف رحمة الله". أو هذا ليس من دين الله. فهو يفهم الدين رحمة وعطف ومودة وإنسانية، وليس ظلما وعدوانا. وربما جميعا عاشر هؤلاء الناس المؤمنين الطيبين، وجميعنا يتوق لمصاحبته والاستزاده من روحانيتهم. والروحانية لا تعني الاعتكاف في المساجد والتفرغ للعبادة، بل تعني نقاء القلب وطهارة الضمير. شاءت الأقدار أن تصل مدينتا عوائل تم تهجيرها من قبل السلطات الظالمة، تختلف عنا دينيا أو مذهبيا وقوميا، وكان أهل المدينة ينظرون لهم بريبة، غير أن أمي كانت تنظر لهم بعين العطف، تمدهم بما استطاعت، وعندما تبتعثني لأحد العوائل التي سكنت بجوارنا، توصيني بالحذر "تأكد أن لا يراك أحد"!!!. تحبهم ويحبوننا، وعندما يرتاب بهم الرعاع تدافع عنهم أمي، الإنسانة التي عاشت نقية القلب، طيبة السريرة من وحي فطرتها السليمة، ودينها الإنساني، وتربيتها الأُسرية. من أمي وأبي تعلمت التسامح الديني، وحب الناس. كان الناس يندهشون من انفتاح والدي على المختلف دينيا وثقافيا، ويتعجبون من سعة علاقته بأصدقاء من مذاهب وأديان شتى، ويستغربون من مواقفه المتشددة ضد الغلو الديني والعادات والتقاليد البالية. فعندما تدرس سلوك هؤلاء تتأكد ثمة عمق روحي داخل الإنسان كفيل بخلق عالم إنساني، أخلاقي، قائم على الحب والاحترام، ما لم يلوثه منطق الإقصاء، ذلك المنطق الخطير القائم على نبذ الآخر وإقصائه. كما أن الموبقات تلوث سريرة الفرد، وتفقده إنسانيته: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ). فنحن نحتاج لدين خالٍ من شوائب الكراهية، وتشظيات الفرقة الناجية كي يكون مؤثرا في سلوك الإنسان، وهذا يقتضي الفصل بين القرآن المكي وضرورات القرآن المدني. بمعنى آخر يجب أن تكون آيات القرآن المكي حاكمة على غيرها، مادامت آيات محكمة فتتقدم وفقا لذات المنطق القرآني. فتلك الآيات تمثل روح الدين، لا ضروراته الاستثنائية. إن طموحنا في وجود عالم أخلاقي يحترم الإنسان بما هو إنسان، وهذا لا يتحقق إلا من خلال تجربة روحية، يخضع الإنسان فيها نفسه للمراجعة والمراقبة المستمرة. فيكون الضمير هو الخصم والحكم، فيستيقظ من غفلته ويتوب لبارئه. ومعنى التوبة عدم العودة لمنطق الكراهية والثبات على منطق الرحمة والحب. بهذا الشكل يحمي الدين ضمير الإنسان، فيكون دوره تحفيز الإنسان على مراقبة سلوكه، والتمسك بجميع القيم الإنسانية. هكذا تتشكل نواة مجتمع الفضيلة، من الفرد تبدأ، وبه يتكامل، ويبقى الإنسان هو الهدف الأساس. وتكون الأولوية له في التشريع وسن القوانين. لذا أسعى جادا لتقديم فهم جديد للدين، فهم يقوم على احترام الإنسان، والإحتكام للعقل، والقيم الإنسانية. فنخلص، رغم أن الدين مرتهن لشروطه، غير أن قوة تأثيره لا يستهان بها إطلاقا، كما اتضح أن الرقابة الذاتية تحفز الضمير الإنساني، وهو المعوّل عليه أساسا في تقويم سلوك الإنسان، وما الضمير الديني إلا ضمير إنساني خالص، يتوالى على تقويمه وتحفيزه رقابة ذاتية في رحاب الخالق. فيصدق أن الضمير الديني أو التقوى وعي الذات في رحاب الرحمن، تتدارك الفرد المؤمن، حينما يتهاوى ضميره غير عابءٍ بوخز ضميره وتأنيبه. وبالتالي ينبغي لنا الاستفادة من طاقة الدين في تقويم سلوك الإنسان، وعدم التفريط به بدواعي تعدد القراءات، فنحن مع مفهوم الدين بمعنى التجربة الروحية، بمعنى النقاء الخالص، بمعنى وحدة الروح الإنسانية. لكن أيضا ينبغي التذكير بشروطه، فلا نتوقع من غير المؤمن الاستجابة لنداء الضمير الديني، ولا نتوقع من لا يبالي بالامتثال ذلك. فهو مرتهن لشروطه، لكن قوة تأثيره تخلق وازعا من التقوى لا مثيل له.

وفي ختام تحري الرهان الثالث من رهانات الدين في تقويم سلوك الفرد وحماية ضميره، ينبغي الإشارة لنقطة جوهرية تتطلبها موضوعية البحث، وهي أن التجربة الروحية للفرد تقوم على التأمل  في عالم الملكوت، عالم ما وراء الطبيعة، يحاول الإنسان أن يستوحي من الغيب ما يكشف به عن حقيقة إيمانه، ويحدد دوره في عالم الوجود، ويتعرف على سر وجوده. فالتجربة الروحية ليست تجربة عقلية، وليست خاضعة لموازين العقل، كي يطالب المؤمن في تجربته بدليل عقلي. الإنسان ليس عقلا خالصا بل هو مزيج من العقل والمشاعر. وما من معرفة بشرية إلا والمشاعر ترسم أحوالها في التلقي، ردود الأفعال، الانفعالات النفسية. كما أن خضوع الفرد لرغباته رغم تقاطعها مع قيم العقل دليل على قوة حضورها. فالتجربة الروحية تريد صقل تلك المشاعر، وتنقيتها من شوائب الموبقات لتسمو النفس وتزدهر فيها معاني الحب والإخلاص. فللنفس إشراقاتها التي بها يتألق الإنسان أخلاقيا ويسمو فوق رغباته وشهواته. ومعنى التخلي عن ملذاته التخلي عن خصال الشر لصالح خصال الخير، فالمعيار الذي على أساسه كان يضطهد الآخر، سيتلاشى عندما يؤوب لنفسه، ويحاسبها بما تبقى من ضميره، ليسمو أكثر مع كل ممارسة عبادية وروحية. فالمقياس هنا مقياس روحي غير قابل للرصد بعيدا عن سلوك الإنسان ومشاعره، فتوبة الإنسان المنحرف تتجلى من خلال سلوكه الجديد، كي يصدقه الناس، وإلا لا يوجد لدينا مقياس عقلي لتحديد مدى صدقية توبته.

تارة يحكم بعض الناس على التجارب الروحية أنها مجرد أوهام يعيشها الإنسان، فيتخيل من وحي أوهامه ووساوسه. وبات ردنا واضحا، أن التجارب الروحية تجارب فردية، تختلف من فرد لآخر، لا يوجد معيار عقلي لتحديد مستواها سوى سلوك الفرد ومشاعره ومصداقية عمله. لا تهمنا ذات التجربة وطبيعة تصوراته. ولا يهمنا كيفية وعي الذات خلال تجربته الروحية التي هي تجربة إنسانية متاحة لكل فرد، مهما كان دينه بل وحتى من لا يدين بدين. فآثار الزهد في الحياة مثلا، تتجلى في سلوك كل زاهد، مهما كانت بواعثه. وكذلك الصدق والإخلاص. غاية الأمر أن التجارب الروحية تضفي معنى على حياة الفرد، فيجد في عمل الخير والعمل الصالح معنى يشده بجدوى عمله. وبالتالي مادام هدفنا وجود مجتمع فاضل يتمسك بقيم الخير والصلاح، فإنه سيكون مرتهنا لسلوك أفراده، بغض النظر عن دوام تمسكهم. فصادق القول صادق، مهما كان دينه وتوجهه. والصدق قيمة أخلاقية نطمح لها. وعليه فالدين كتجربة روحية لا يقلب المفاهيم الأخلاقية الإنسانية. وقد بينت بما فيه الكفاية وسيأتي المزيد عن الأحكام الشرعية. رغم أني أشرت لبعضها كما بالنسبة لأحكام القتال، وغرائبيات بعض الأوامر الإلهية، وقصص الأنبياء. فالذي يقلب المعايير الأخلاقية هو الفهم الديني الذي هو فهم بشري مرتهن لقبلياته وغاياته ومقاصده، خاصة القبليات الطائفية، وهذا واقع وليس تبريرا ولست مضطرا للتبرير. أما الدين كتجربة روحية كما في تجارب المتصوفة والعرفاء وأصحاب الرياضات الروحية فهم يعيشون تجربة إنسانية خالصة، ينشدون فيها لعالم الغيب ولذلك المطلق الذي أدهش الإنسان، وهو يتسربل بكبريائه وعظمته. وهم يسعون للقرب منه، ويعلمون أن قربه مرتهن لتطهير النفس من دنس الذنوب والموبقات، والكف عن منطق الإقصاء والتنابذ.

وبالتالي، رغم قدرة الدين على تقويم سلوك الإنسان، لكنه يبقى مرتهنا لشروطه، التي قد تكون تعجيزية في بعض حالات الصراع الطائفي، وقوة حضور التاريخ في فهمه، فيكون فهما منحازا بالضرورة،  لذا ينبغي التذكير بما توصلت له من نتائج في بحوث سابقة، حيث ذكرت خلال حديثي عن التجربة الروحية ودورها في تقويم سلوك الفرد أنها حالات نادرة رغم تأثيرها، مما يجعل الرهان على الضمير الإنساني أوفر حظا. وكذا عندما قارنت بين الضمير الإنساني والضمير الديني بمعنى التقوى، فقد رجحت الأول، فله الأصالة قبل ظهور الأديان وبعثة الأنبياء. وهذا يدعو للبحث عن مواطن قوة الضمير البشري لترميمها وتمتينها. والتفتيش عن مواطن ضعفه لتفاديها بالتربية والتعليم وترشيد الوعي. كما أن شمولية الضمير الإنساني تجعل منه معيارا لصدق الفعل الأخلاقي. فيما يرتضيه الضمير البشري عموما هو بلا شك عمل أخلاقي مادامت منطلقاته إنسانية.

تبقى نقطة مهمة أن فعلية الضمير مرتهنة لحرية الإنسان، وهذا ما أكدت عليه مرارا. وكل مبادرة لا تتصف بالأخلاقية ما لم تصدر عن إرادة حرة، وأية إرادة مرتهنة لغيرها تسلب الفعل صفته الأخلاقية. فتحرير الفرد من سجونه وأغلاله مقدمة لحماية ضميره وضمان عدم تدهوره أو موته. وهذا يدفعنا للبحث عن أسباب عبودية الناس، وكيفية معالجتها من خلال التربية والإعلام. وهنا يأتي الإشكال بالنسبة للدين باعتباره سلطة فوقية سواء على مفهومه السائد أو الدين بمعنى التجربة الروحية. فهل يتصف الفعل بصفة الأخلاق حينما يصدر عن مؤمن متدين، المرتهنة حريته للدين الذي يعتنقه أم لا؟. وهو سؤال مشروع جدا، ويمكن أن يفقد الفعل صفته عندما يرتهن إرادته لأية منظومة دينية أو أيديولوجية، لعدم توفر شرط الفعل الأخلاقي، وهو حرية الفرد. الفعل الأخلاقي يشترط صدوره عن إرادة حرة، غير مرتهنة لأية جهة سوى دوافعه الإنسانية، فتكون مبادرته من باب الواجب الأخلاقي والإنساني. أما الارتهان للدين، هل يصدق عليه إرتهان عبودي؟ أو بشكل أدق ماذا يعني الارتهان للدين، هل يقصد به سلب إرادة الفرد وعبوديته أم لا؟.

لا ريب أن الحرية أصل، وهي لازم وجودي للإنسان. والعبودية طارئة، تصدق مع كل ارتهان أيديولوجي سلطوي لإرادته. وهي بشكل أدق، حصيلة ما يخسره الفرد من حريته. فتكون النسبة بينهما عكسية. وإذا كان التحرر المطلق مستحيلا، فثمة فرق بين الارتهان لسلطة تعسفية تفقده حريته وشعوره الإنساني، وبين سلطة فوقية تستدعيها المعرفة البشرية، فهل لا تستعبد الإنسان، ولكن ضرورة القبليات الحاكمة. فهل الدين اسعتباد أم تحرر؟. الدين بمعنى التجربة الروحية، عملية تحرر من الأغلال والأصفاد. لأن معنى العبودية الخالصة لله، التحرر من كل سلطة فوقية ماعداه. ومع كل تحرر يلازم تجربته الروحية، يسترد الفرد حريته، وحينما يتجرد مطلقا إلا من علاقته بالله، فسيستعيد كامل حريته. وعندما تكون علاقته بخالقة علاقة محبة ورحمة وعفو، فسوف لن يفرط بحريته. فالكلام إذاً عن صدقية مفهوم العبودية في مقابل مفهوم الحرية. لا شك سيكون هناك استغلال واستعباد بالنسبة للعلاقات العرضية فيصدق المفهومان معا، وتصدق المقارنة، بينما التجربة الروحية عملية تحرر مستمر من خلال سلطة فوقية، وكل ارتهان، بما فيها الشهوات والتعلق بالماديات، فيكون حرا من جميع الجهات، سوى علاقته بخالقة، وعندما تكون العلاقة بينهما علاقة خالق بمخلوق كما أكدت الآيات الكريمة، وليست علاقة الرب بعبيده، كما يؤكد التراث، فلن يخسر الفرد حريته، وسيستوفي عمله شرط الفعل الأخلاقي.

 

 يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

 

 

majed algharbawi3خاص بالمثقف: الحلقة السادسة عشرة بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

الحاضنة الاجتماعية

ماجد الغرباوي: لا تُعد قناعة الناس مؤشرا على صدقية أي فكرة أو عقيدة، مهما كانت راسخة. ولا يدل رفضها على عدم صدقيتها: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ). لكن قد تكشف قناعتهم عن طبيعة الفكرة أو العقيدة وميزاتها، سيما بُعدها الميتافيزيقي، عندما تحظى بقبول بيئة غارقة في عوالم الغيب والتفسيرات الخرافية مثلا. فقناعة وعدم قناعة الناس، تخضع لعوامل يجب دراستها ضمن سياقها التاريخي والسكيولوجي والسسيولوجي. فرسوخ عقيدة السحر في زمن فرعون مثلاً، لا يدل على صدقية السحر، بل ثمة عوامل تحكمت بانتشارها، كسذاجة العقل، رثاثة الوعي، الواقع السياسي والبيئة الثقافية. فالسحر كعقيدة، انهارت صدقيتها على يد النبي موسى، كما جاء في الرواية القرآنية: (قَالَ أَلْقُوْاْ فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ، وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ، فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ، فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ، وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ). وبالتالي يجب دراسة أسباب القناعة وعدمها خارج حدود الفكرة أو العقيدة، عبر تقصي العوامل الذاتية والموضوعية الحاسمة في قناعة الناس، وستكون الفكرة أو العقيدة إحدى أسبابها. وهنا بلا ريب يلعب العقل الجمعي دورا مؤثرا جدا. سيما الانقياد السلبي، الذي يعكس تراجع العقل أمام الأصوات المرتفعة. قد يبدو الانقياد انقيادا عشوائيا، لكنه ليس دائما، فتارة ثمة أهداف سياسية وطائفية تتستر خلف الشعارات لخلق رأي عام تحتضنه الجماهير، وهنا يلعب الإعلام دورا طاغيا، خاصة وسائل الاتصال الحديثة. وبالتالي يمكن أن يكون العقل الجمعي عقلا مخادعا، تمت برمجته مسبقا. لذا رغم أهميته وخطورة دوره لا يوجد ما يضمن لنا عدم انحياره؟. وهذا الاحتمال يكفي لزعزعة الثقة المطلقة بالعقل الجمعي، فقد ينساق المؤمن لفعل غير أخلاقي ويحسب أنه فعلا أخلاقيا وفقا لمقاييس العقل الجمعي. وهذا بشكل خطرا على منظومة القيم الإنسانية. ولا يكفي لتبرير الفعل نيته الخيرة والطيبة، عندما يجد يتقاطع فعله مع قيمه الإنسانية. ثم ماذا عن تداعيات سلوكه إذا كان سلوكا غير أخلاقي واقعا؟.  

إذاً سنطرح ذات السؤال عن مدى قدرة العقل الجمعي على حماية الضمير الإنساني، كما طرحناه من قبل على النص بما هو نص، وانتهينا إلى نتيجة مفادها، ينبغي خفض سقف الرهان على النص بما هو نص كدافع لتقويم سلوك الإنسان وحماية ضميره، لوجود عوامل أخرى كالعقل الجمعي تتحكم بإرادة الإنسان. والآن، هل يمكن الارتهان للعقل الجمعي مطلقا في تقويم سلوك الفرد وحماية ضميره أم لا؟. وقد اتضح أن احتمال انحياز العقل الجمعي يحد من قيمته كرهان ناجح في المسألة الأخلاقية. وفي حالة انحيازه يكون وبالاً على الأخلاق، حينما يدافع عن الظلم ويبرر للظالم سلوكياته، ويكفي التاريخ شاهدا على سلبيات العقل الجمعي وهو يدافع عن خلفاء الدولتين الأموية والعباسية وما تلاهم سلاطين الدولتين العثمانية والصفوية التي أطاحت بالقيم الدينية والإنسانية وجعلتها ضحية لأهدافهم السياسية. وما زال العقل الجمعي يلعب دورا سلبيا بفعل تزييف الوعي وقوة الإعلام وحجم الاضطهاد الذي تمارسه السلطات المستبدة. وتارة يفضح سلوك العقل الجمعي رثاثة الوعي، خاصة عندما يتبنى مفاهيم طائفية، ويعادي جهود التنوير، ويريد تأكيد الذات من خلال تزوير الوعي والطعن بالآخر المختلف. وبالتالي فإن فاعلية العقل الجمعي في المسألة الأخلاقية تتوقف على عدم انحيازه والتزامه بالضوابط الإنسانية، كمعيار للأخلاق. وهذا يستدعي وجود شعب واعٍ، يتمتع بهامش كبير من الحرية، فيراقب وينقد ويحتج، ووجود سلطة تحترم الشعب وإرادته. وهنا يأتي السؤال: من يضمن استقلالية وكفاءة العقل الجمعي في البيئات المنغلقة سياسيا وثقافيا؟ وهذا عامل ثانٍ يحد من قدرة العقل الجمعي على تربية الضمير تربية أخلاقية.

لكن رغم كل المؤاخذات يمكن أن يشكل العقل الجمعي عاملا ضاغطا لحماية الأخلاق، وتقويم الانحراف عبر حاضنته الاجتماعية. وهذا أحد مبررات تشريع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دينيا، كوظيفة شرعية ملزمة للجماعة.  وإقامة الشعائر الدينية المشتركة كمران جماعي للعبادات. وهذا القدر رغم معقوليته بل وضرورته، بيد أنه لا يوجد ما يضمن عدم انحيازه حتى في هذه الحالة، لأن العقل الجمعي ما بعد البعثه غيره ما قبلها. كما أن لكل فترة عقلها الجمعي، وضرواته وفهمه للدين، ورؤيته للعالم والوجود. وثمة فارق بين العقل الجمعي الرسالي، الذي نشأ وترعرع في أحضان الوحي، والعقل الجمعي التأويلي، الذي تأسس في ظل صراع السلطة بين الصحابة، حيث خضع تفسير النص لشروطها. الأول دشن وجوده في حياة النبي، الذي كان المصدر الوحيد لفهم الدين وتفسير النص، حداً لا يمكن استغلال النص لمصالح سياسية أو شخصية، لانعدام فرص توظيفه خارج سياقاته مع ملاحقة الوحي لسلوك النبي والصحابة، وكان بالمرصاد لكل تخطيط مضاد للرسالة، فيتعذر قيام عقل جمعي يتقاطع مع المناخ الرسالي. بينما فقد النص حماية الوحي بعد وفاة الرسول، و"حال انتهاء مرحلة نزول الوحي بوفاة النبي، بدأت مرحلة تأويل النص المقدس، وتزوير الوعي الديني، بدوافع شتى، أخطرها السياسة حينما تفرض نفسها على التأويل، فيغدو نصا جديدا، وتفسيرا رسميا يصادر النص الأول، ويعيد تشكيل الوعي. وتارة تدفع ضروراتها باتجاه وضع الأحاديث، ونسبتها للرسول الكريم. وثمة نصوص لا يمكن الجزم بصحة صدورها لعبت دورا خطيرا في عالم السياسة، سواء في عهد الخلفاء، أو في عصر الدولة الأموية. وكما أن ثنائية السلطة والمعارضة كانت وراء التمادي في تأويل الآيات وتزوير الوعي ووضع الروايات، فأيضا كانت السياسة سببا أساسا في نشوء المذاهب والفِرق، وتأسيس مرجعيات فكرية وعقيدية جديدة. فعندما دشن الخلفاء بنزاعهم على السلطة مرحلة الإسلام السياسي، وتسيس الدين. أبقوا على قدسية النص، لشرعنة التأويل، فهو طاقة، يستمد قوته من مرونة النص المقدس وثرائه ورمزيته، ويبقى القارئ ومهارته في توظيفه" (كتابي: النص وسؤال الحقيقة). وبالتالي فإن منحى العقل الجمعي بعد وفاة النبي اتخذ طابعا تأويليا ليلبي حاجات المرحلة السياسية، فلا يكون مؤشرا على أصالة الرؤية الدينية الإنسانية. ويكفي شاهدا حجم الدماء التي سفكت باسم الدين بفعل قراءات وظفت النص لخدمة السياسية، فكان الدفاع عن إطلاق آيات القتال، وصرفها عن موضوعها الخارجي، دفاعا عن سلاح مقدس تم توظيفه لخدمة السياسة. وكان العقل الجمعي، وهذا ما يهمنا هنا، ممالئاً لرأي السلطة، بفعل هيمنة الخطاب الإعلامي. يدافع عن سلوكها. ويرعى مصالحها، حتى ما بعد ما يسمى بالخلافة الراشدة. وهنا قد يساهم العقل الجمعي في تعزيز الضمير الديني للفرد والجماعة، لكنه تعزيز لفهم منحاز، لا يحقق منطلقات المسألة الأخلاقية التي هي مسألة إنسانية بالدرجة الأولى. ويُبقى حالة التشرذم عندما يدور الحق لا حول مدار القيم الإنسانية بل يدور مدار موجهات النص أو بالأحرى موجهات تأويل النص، الذي هو تأويل منحاز بطبيعته.

الحاضنة الاجتماعية

إن نجاح العقل الجمعي، بمعنى كسب ثقة الناس برسالته، يرتهن لقدرته على تأسيس حاضنة اجتماعية تتبنى مبادئ رسالته من خلال تعهدها والدفاع عنها، بغض النظر عن مدى صدقيتها. والحاضنة الاجتماعية تتعدى نخبة القوم لتشمل السواد الأعظم، تلك الجماهير التي تندفع لا شعوريا بفعل تأثير العقل الجمعي. فالحاضنة الاجتماعية يمكن أن تكون مؤشرا على قدرة العقل الجمعي في خلق رأي عام مسنود من قبل الجماعة، دون الدلالة على صدقيته واستقلاله. والحاضنة الاجتماعية هي القاعدة الجماهيرية التي يراهن عليها العقل الجمعي في انتشار وثبات الرأي العام الممهد لتحقيق أهدافه السياسية. لذا تهتم الاتجاهات الأيديولوجية بقناعة المجتمع، لتكون ركيزة أساسية لانتشار الفكرة الأيديولوجية، بينما يفضي تراجع القناعة لانحسارها ومن ثم اندحارها. لذا تسارع القوى الأيديولوجية لتدارك تدهور القناعة، وتكييف الفكرة أو العقيدة لتكون أكثر ملاءمة للواقع. وأكثر قدرة على إقناعهم بأهدافها.

تقدم أن الحاضنة الاجتماعية للمسلمين الأوائل قد تخطت مراحل الاختبار الأولى، ولو بشكل أولي ومحدود، أقتصر على مجتمع المدينة أو خصوص مجتمع الصحابة من المهاجرين والأنصار، رغم تفاوت مستويات التمثل العقدي، بين الإيمان والإسلام: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ). وهو أمر طبيعي  في مجتمع مثقل بأوزار القيم القبلية، وينحدر ثقافيا من عبادة الأصنام والأوثان إلى عبادة الرب الواحد. لكن بشكل تدريجي ساهمت الجموع الغفيرة التي دخلت الإسلام بعد عام الفتح في تمتين الحاضنة الاجتماعية: (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا)، بل وبانت قوتها وهي تدافع عن وجودها وهي تواجه حروب الردة بدوافع مختلفة. والسبب كما تقدم أن وحدة المصير المشترك تدفع باتجاه تقاسم المسؤولية، فيكون الدفاع عن الجماعة وقيمها ومصالحها دفاعا عن الذات. وسبق البحث عن دور الانتماء في تأكيد الذات، خاصة المجتمعات القبلية الذي يعد فيها الانتماء المعادل الحقيقي لوجود الإنسان. أي تحقق الوجود خارجا يرتهن لانتماء الإنسان لقبيلته، فتجده حريصا على انتمائه لتأكيد ذاته، إذ لا قيمة للفرد خارج إنتمائه القبلي، لكنه تحرر من هذا الانتماء بعد إسلامه، حتى مع موالاته لقبيلته سرا أو علانية. وبهذا الشكل توفر المسلمون على حاضنة اجتماعية تدافع عن قيمهم الدينية. وستكون الأخلاق جزءا من تلك القيم بالضرورة. وبشكل أكثر دقة ستكون الأخلاق جزءا من القراءة الرسمية للدين. لتتسم الحاضنة الاجتماعية بقدرتها على حماية النسخة الرسمية أو القراءة الرسمية للدين وكل عقيدة قادرة على إقناع الشعب بها. والقراءة الرسمية هي قراءة تأويلية محكومة بزاوية نظر محددة وقبليات أيديولوجية ذات حمولة سياسية تتستر خلف نصوص تراثية، تستبطن تمجيد الذات وإقصاء الآخر، المختلف. لذا لا يمكن الارتهان للحاضنة الاجتماعية في تقويم سلوك الإنسان ما لم نضمن إنسانية روافدها العقدية والأخلاقية، حداً يمكنها مقاومة التحديات، والثبات على القيم الإنسانية.

لكن رغم أهمية القاعدة الشعبية كحاضنة اجتماعية للقيم الإنسانية، غير أنها تشكل خطرا على إرادة الفرد، حينما ينساق لا إراديا مع الجميع، حتى مع تشخيصه للواقع. أي ينتاب الفرد وهو ينساق مع الجمهور لحظة شك بإيمانه وعقيدته، فيرجح إرادة الشارع العام على إرادته. وجميعنا عايش حالة انقياد الجماهير لتأييد حاكم سياسي رغم علمهم بجرائمه وطغيانه، مما يؤكد هيمنة العقل الجمعي. فكيف نفسر موقف الفرد أخلاقيا في هذه الحالة؟. كل هذا يجعل من الحاضنة الاجتماعية رهانا قلقا، لا يمكن الارتكاز له في تقويم سلوك الإنسان، بل ويجعلنا نشكك بقيمة الحاضنة الاجتماعية نفسها.

الرهان الثالث: العبادات والشعائر الدينية

تعتبر العبادات والشعائر الدينية رهانا مهما لتنمية الضمير الديني والأخلاقي، وتقويم سلوك الفرد والمجتمع، بعد رهاني النص بما هو نص والعقل الجمعي، لا فقط بما هو منظومة مفاهيمية وسلطة فوقية بل باعتباره حاضنة اجتماعية وسلوكا عاما. ولا ريب بفاعلية العقل الجمعي والحاضنة الاجتماعية عندما نضمن عدم انحيازها واحتكامهما للقيم الإنسانية. وأما الدين فيعوّل كثيرا على عليهما لتقويم سلوك الفرد والمجتمع. وقد وضع استراتجية شاملة لحمايتهما، مما يؤكد أهميتهما بالنسبة للدين. وبهذا الصدد شرّع أحكاما جماعية، إضافة للأحكام الخاصة التي عوّل عليها لخلق وازع التقوى الذي يرتهن له الضمير الديني. وسبقت الإشارة مفصلا لهذا الموضوع، وبيان الآثار المترتبة على العبادات، فكانت التقوى هدفا مباشرا للصوم، وغاية غير مباشرة للصلاة. ثم شرّع أحكاما جماعية كفريضة الحج، وصلاة الجمعة والجماعة. كما شرّع فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، رقيبا خارجيا بجانب الرقيب الذاتي وهو الضمير الديني، وقد مرّ تفصيل الكلام عن الرقابة ودوها في تقويم السلوك الأخلاقي، وحماية الضمير البشري، للحيلولة دون موته أو انزلاقه. والسبب في اهتمام الدين بهما قوة تأثيرهما في استتباب الإيمان، الذي هو شعور نفسي ووجداني، يؤثر به العقل الجمعي ويقوده صوب بوصلته. ومن عاش أجواء الشعائر الدينية يدرك قوة تأثير العقل الجمعي والأجواء الجماعية، حيث ينقاد لا شعوريا، ويعيش لحظات من الخشوع والتعلق بالمطلق والغيب، ويشعر بحرارة الإيمان، وما يترسب في أعماقه من مشاعر الوجد. وبالتالي فإن الدين يلاحق الفرد لتقيوم سلوكه من خلال إيمانه ووازع التقوى، ومن يخشع لله في خلاواتها يخشع له من خلال المناخات الدينية، وهذا ما تؤكده التجربة، حيث يلين قلب الإنسان، تأثرا بالمجموع، فتتسرب حالة الوجد في أعماقه.

وبهذا الصدد أكد الدين أيضا على دور المثل الأعلى إلى جانب العبادات والشعائر العبادية، لترسيخ قيم الفضيلة، وبناء منظومة قيمية يُرتهن لها لحماية ضمير الفرد.

والكلام عن المثل الأعلى، كما تقدم،  يأتي في سياق الحديث عن القدوة الصالحة، كرهان ضمن رهانات الرقابة الرمزية التي يرتهن لها ديمومة الفضيلة داخل المجتمع. ويعني المثل الأعلى الارتفاع بوعي الفرد من المحدود إلى المطلق. من الضعف البشري إلى الكمال الإلهي، تقول الآية: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). فالاقتداء بالمثل الأعلى تحرير الذات عبر التماهي مع المقدس، المتعالي في انفتاح الأفق وسعته، كما في الحديث المنسوب للإمام الصادق: (تخلقوا بأخلاق الله)، وهي ميزة أخلاقية، تعزز قيم الفضيلة: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، وهو غاية ما يطمح له مجتمع الفضيلة. وتعني التخلق بأخلاق الله، التماهي معه فكريا وأخلاقيا. وتمثّل العدل والإحسان والبر والتقوى والشعور بالمسؤولية سلوكا، واجتناب الظلم والعدوان بمنظور إنساني لا فقط ديني، من خلال تداعياته على الفرد والمجتمع. وبالتالي فثمة قاعدة عقدية - فكرية وراء المثل الأعلى. فيكون الاقتداء به تماهيا نابعا من أعماقه.

وبهذا نخلص أن الدين قادر على تقويم سلوك الفرد وحماية ضميره ضمن شروطه، وفي جميع الأحوال. وعندما يتمكن الدين من الفرد، يتحكم بإراته مطلقا. وأما الرهان على كل واحد من الرهانات بنفسه، فقد اتضح ثمة إشكالات تحول دون ذلك، لكن بمجموعها ضمن شروط ذاتية وموضوعية يصبح الدين رهانا ناجحا ما لم يخضع لتأويلات تبتعد به عن قيمه الإنسانية. فالدين بما هو تجربة روحية لا شك بقدرته على تقويم سلوك الإنسان، وكان الحديث عن الدين ورهاناته بما هو منظومة حياتية متكاملة، كما جاء في تعريفه المتعارف. وجميع هذه التفصيلات جاءت لمناقشة الموضوع في إطار ذات التعريف، وإما اختزال الدين بالتجربة الروحية فلا ريب في قدرته على تنمية وازع التقوى وتقويم السلوك الإنساني، وحماية ضميره.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi1خاص بالمثقف: الحلقة الخامسة عشرة بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

هيمنة الخطاب

ماجد الغرباوي: تقدم أن الإيمان والإمتثال شرطان لتشكيل قناعة المتلقي بمضمون النص، وما لم يتحقق هذان الشرطان، لا ينقاد له أحد. ثم أضفت لهذين الشرطين: بنية العقل والبيئة الثقافية، وطريقة تلقي النص كعوامل حاسمة في تشكيل قناعة الفرد. وهي خمسة عوامل شعر بها المتلقي أم لا فإنها تعمل متشابكة لارتهان قناعته وإرادته. وتقدم الحديث عن العاملين الأول والثاني: بنية العقل والبيئة الثقافية (تعدد الأديان، الشعر، النبوءات والكهانة). وبقي الحديث عن العامل الثالث ضمن الشروط الإضافية:

3- طريقة تلقي النص:

كما لبنية العقل والبيئة الثقافية دور فإن طريقة تلقي النص هي الأخرى  تؤثر في تشكيل قناعة المتلقي. وأعني بها حالة المتلقي بفعل العوامل الذاتية والموضوعية حين تلقي النص والتفكير به، كميوله النفسية والأيديولوجية، استعداده لتقبل الرأ ي الآخر، صورة الإله في أعماقه، رؤيته الكونية للوجود والعالم، مدى تأثره بذات النص، طبيعة قبلياته، اندهاشه بالنبوة والنبي، قدرته على استيعاب الأفكار، مستوى إدراكه. والأهم مستوى وعيه وتشخيصه. وهي عوامل ذاتية، في مقابل عوامل موضوعية ترتبط بذات الخطاب الذي يسعى لإقناع مخاطبه بمضمون رسالته. والخطاب: مخاطبة بين طرفين. وحديث موجه، يحمل رسالة يقصد اقناع المتلقي بها، مباشرة أو عبر تقنيات لغته وأساليب تعبيره. فيسعى لفرض سلطته وهيمنته على مشاعر المتلقي. فهو أداة الوصول للسلطة، بمعنى الهيمنة والإقناع. يرتهن تأثيره لتقنياته وأساليبه، وانتقائيته للمفردات اللغوية، والتوقيت الصحيح، وطبيعة المتلقي وثقافته، ومستوى وعيه. فليس بالضرورة أن يؤثر الخطاب دائماً، فهو شبكة مترابطة من العلاقات المفاهيمية، والمعارف والتقنيات اللغوية. تمتد جذورها في أعماق الثقافة والدين والتقاليد والوعي والعادات والمناسبات. فنجاح الخطاب يعبر عن جدارة أدواته وآليته واستراتيجيته في التأثير، وقدرته على اختيار المفردة الملائمة، وظرف التخاطب، وموضوعيته من خلال فهمه للواقع، وملابساته، وأولوياته، ومختلف علاقاته بالأدب والفن والعلم والدين والأخلاق والرموز. وهذا سبب تفاوته وفقا لرسالته وطبيعة الوسط الذي يقصده الخطاب. فتجد خطاب الفن والأدب والأديان، في بعض أبعاده، زاخراً برمزيته وثرائه، لا تنضب قراءته. موارب، لا يعطي نفسه بسهولة. يخفي أكثر ممن يظهر. فهو خطاب أسطوري، تجريدي، عابر للزمان والمكان. كالأساطير القديمة التي ما زالت تحتفظ بقيمتها، رغم توالي القراءات في كل عصر وزمان، كمختلف الملاحم التي تحكي قصة الآلهة والخلق والإنسان، إضافة إلى تنوّع الطقوس الدينية والاجتماعية والعبادية، وتراث الحضارات القديمة.

لكن الأمر يختلف بالنسبة للخطاب الأيديولوجي، التعبوي، الذي يرتكز لإثارة مشاعر المتلقي، والتغلّب على وعيه من أجل نجاحه وتحقيق رسالته. وهكذا الخطاب العلمي فإنه يلجأ لاستخدام الأدلة والبراهين والاستدلال المنطقي لإقناع المتلقي. فكل خطاب يتطلب ثقافة خاصة، وبيئة حاضنة، ووعيا مناسبا. فالخطاب العاطفي لا يؤثّر في الوسط العلمي. والعكس صحيح. ولكل واحد منهما أسلوبه وتقنياته في أداء رسالته. وأيضا فإن خطابات الأديان والمذاهب لا تؤثر خارج بيئتها، وتتطلب وعيا خاصا، وعقلا ينسجم مع الغيب واللامعقول الديني. أي يتطلب عقلا قائما على الإيمان والتسليم والانقياد، بعيدا عن الأدلة والبراهين العقلية المرهقة. (ينظر موضوع الخطاب وسلطته في كتابي: النص وسؤال الحقيقة، ص22. والمقارنة بين النص والخطاب في كتاب مواربات النص، ص83).

إذاً، كل العوامل الذاتية والموضوعية تؤخذ بنظر الاعتبار حين تلقي الخطاب. وهي لحظة تأويلية، ترتهن لقبلياته، ضمن شروط ما تقدم من عوامل ذاتية وموضوعية، وليس الاصغاء مجرد انطباع معنى النص أو رسالة الخطاب في ذهن المتلقي كما يتصور بعض، بل المعنى يتولد تأويلياً في ذهنه، وهي عملية معقدة جدا تتم لا شعوريا. وعلى هذا الأساس تتفاوت مديات هيمنة النص الديني المتُلى عليهم من قبل الرسول. فبعض ينصت، يذوب، يتماهى معه، ترى أعينهم تفيض من الدمع، وآخر يلهو مع مشاغبات الأسئلة، وثالث ينشغل بما وراء النص. أما الانقياد الظاهري للخطاب المتمثل بالاستجابة لأوامر النصوص المقدسة،  فيخضع لسياقات العقل الجمعي وضروراته، فلا يكون دالا على قناعة المتلقي بالضرورة . فطالما ينساق الفرد مع الجميع خلافا لقناعاته، حداً لا يفهم مبررات اندفاعه أحيانا. فننتهي إلى نتيجة مهمة أن الإنقياد لا يدل على قناعة ذاتية بالنص أو الخطاب مادام هناك عقل جمعي يتحكم بإرادته. وهو ما نلاحظة جليا بعد قرون من البعثة.

إن ما يدعو لهذا الفهم أن آيات الكتاب / النص كانت تُتلى عليهم. وكان النبي محمد يتلو على أصحابه ما يوحى له: (وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ). والآية واضحة تصلح دليلا لما ذهبت له، أن النص لا يضمن لوحده تشكيل قناعة الفرد دائما، وليس بالضرورة أن يستولي على مشاعره وقلبه أو يهيمن على رؤيته. وقد عبرت عنه الآية بالهداية، أي هداية المتلقي وهو يصغي لتلاوة النص من قبل الرسول الكريم، بل ثمة عناصر حاسمة ترتهن إرادته وتشكّل قناعته. نحن ننتظر قناعة إيمانية تحمي الضمير الإنساني وتقوم سلوكه الأخلاقي من خلال وازع التقوى، الذي هو مدار البحث الأخلاقي الذي نحن بصدده، وهذا النوع من الإيمان لا يرتهن للنص وحده دائما، وإنما يتوقف على وجود عوامل مرّ ذكرها، وهذا أحد مبررات تشريع الشعائر الدينية.

الجدير بالذكر أن للتلاوة خصوصية لا تتوفر لقارئ النص الذي ترتهن قراءته لقبلياته، فالأول تحضر جميع العوامل الحاسمة آنفة الذكر وهو يصغي للنص، وليس الأمر كذلك بالنسبة لقارئ النص بعد البعثة النبوية. فكلاهما قد يتأثر عاطفيا بإيحاءات النص، غير أن الأسباب تختلف، الأول تتأجج عاطفته في حالة تلقي مباشر للنص، عن الرسول وهو يتلو ما يوحى له من الغيب. والثاني يعيد تشكيل النص وفقا لقناعاته وقبلياته. وما يهمنا هي مرحلة التلقي الأولى، حيث كان الكتاب يُتلى، وهو ما تؤكده جملة آيات: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ)، (لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ)، (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ)، (رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً). فنفهم أن للتلاوة خصوصياتها، التي استدعت تأكيدها، بل القرآن يؤثر التلاوة على القراءة: (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ). ويعزى عدم تأثر المتلقي بالكتاب المكتوب لعدم اكتمال جوانبه النفسية والثقافية التي تمهد لتلقي النص الديني ضمن لغته الرمزية، فتكون التلاوة أبلغ لذا تكون محتملة الهداية أكثر، كما في قوله: (وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ). فنستنتج أن رهانات التلاوة لا تقتصر على فعل التلاوة فقط، ولا ترتهن لكارزمية النبي رغم أهميتها الكبيرة جدا جدا، بل ترتهن لجميع العوامل الحاسمة في تلقٍ منتج للتقوى، وتنشيط الضمير الديني. هو ما نطمح له ونراهن عليه لتقويم سلوك الإنسان وحماية الضمير من الانهيار أمام الإغراءات المادية. وهذا يكفي مبررا لدراسة أجواء التلاوة الأولى، خاصة حينما نقارن بين عصر التنزيل، وما تلاه من قرون، تدعي امتداها لعصر البعثة، وليس كذلك فإن للتنزيل وتلاوة الرسول خصوصيتها. بل النبوة رهان الأديان، لما للنبي وشخصية النبي من تأثير قوي على المتلقي. وما بعد مرحلة التلاوة الأولى يرتهن القرآن في تأثيره للعوامل الحاسمة، التي ستنمو من خلال الشعائر الدينية والأجواء العبادية والتجارب الروحية. وهذا ما نشاهده بالوجدان. أي القرآن كان يراهن على خلق حاضنة اجتماعية تحقق أهدافه، وبالتالي هناك عوامل جديرة تساهم في استمرارية توهج النص.

هكذا دشن المسلمون إيمانهم بالعقيدة والدين الجديد، كانت البداية مع سحر النبوة، ودهشة التدفق البلاغي لنصوص الكتاب، وموسيقا إيقاع صورها الشعرية، وقدرتها على تحريك مشاعرهم، وربطهم من حيث لا يشعرون بعالم الغيب، وصدقيتها في تحقيق أحلامهم باعتبارها نصوصا مقدسة، فكانت آيات الوعد والوعيد تفعل فعلها في أجواء التجربة الروحية التي غالبا ما تكون جماعية، فيأخذ العقل الجمعي مداه، وهو يعيد تشكيل وعيهم وترتيب ذاكرتهم، حتى بدأت مرحلة جديدة، غدا فيها كل فرد مشاركا حقيقيا في صناعة واقعه، سيما مع دوامة الصراع العسكري مع خصومهم السياسيين والدينين. فأعاد الوقع تشكيل علاقاتهم وروابطهم الاجتماعية، على أسس الولاء الديني وليس القَبلي، خاصة أن عدوهم الأول كانت قريش، قبيلة الرسول وجمع كبير من الصحابة.

الرهان الثاني: العقل الجمعي

كان السؤال: ما هي رهانات الدين لغرس وازع التقوى في أعماق الإنسان لضمان قدرته على حماية ضميره وضمان يقظته؟. وقد مرّ الحديث عن النص بما هو نص كرهان أول للدين في مهمته الأخلاقية والإنسانية. والرهان الثاني هو العقل الجمعي:

(العقل الجمعي "أو ما يعرف بالأثر الاجتماعي المعلوماتي أيضاً" ظاهرة نفسية تفترض فيها الجماهير أن تصرفات الجماعة في حالة معينة تعكس سلوكاً صحيحاً. ويتجلى تأثير العقل الجمعي في الحالات التي تسبب غموضاً اجتماعياً، وتفقد الجماهير قدرتها على تحديد السلوك المناسب، وبدافع افتراض أن الآخرين يعرفون أكثر منهم عن تلك الحالة). ويكبيديا. هذا هو تعريفه في علم النفس وفقا لهذا المصدر. وهذا القدر رغم صحته بيد أنه لا يفسر لنا حالات أخرى، حينما يجد الفرد نفسه متعاطفا مع الجماهير، مدفوعا بذات الحماس القوي، لا يفكر بتبعات تضحياته، سوى تحقيق هدف الجماهير. وهذه الحالة يُفسرها المنطق الديني بالهداية، حيث جاء في الأثر: (إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِع عَلَى ضَلَالَة). فثمة هداية، بفعل الاجماع أو العقل الجمعي. كأن يكون الاجماع على أمر مدعاة للثقة بصوابه. والحقيقة لو كانت هناك هداية شخصية أو جماعية فالمراد بها هداية القانون والسنن الكونية، وعلينا معرفتها وتحديد مدى فاعليتها وتأثيرها. وفي حالة العقل الجمعي ثمة حقيقة إن الإنسان موزع بين العقل والعاطفة، وعاطفته تسبق عقله، وعندما يتلقى خطابا عاطفيا أو تعبويا يتوارى عقله وراء عاطفته، فيتفاعل مع الخطاب، ويؤثر به الثاني وفقا للشروط المتقدمة. وكلما كان الخطيب مفوهاً، يجيد مهنة الخطابة، ينجح في تحريك مشاعر مخاطبيه، وربما تعبئتهم نفسيا وعاطفيا، وهنا تكمن خطورة الخطاب الديني عندما يوظف لأغراض طائفية أو سياسية. فالعقل لا يموت، لكن لا يتقدم على العاطفة إلا من كان ذو بصيرة وعلى بينة من أمره، فحينئذٍ يُخضع الخطاب لعقله، فيستجيب لما هو عقلاني، ويرفض ما عدا ذلك. لكن تارة ينساق الإنسان مع العقل الجمعي لا شعوريا، وعندما يعود لوعيه وعقله، قد يندم على تصرفاته. وتارة يشخص الخطأ ويرتكب خطأ الانسياق وراء الخطاب العاطفي.

أعتقد أن رهان العقل الجمعي أقوى رهانات الدين في تقويم سلوك الإنسان أخلاقيا، لذا أولاه اهتماما خاصا من خلال تشريع العبادات والشعائر الدينية. فقد لا ينتبه أحدهما ما تتمخض عنه العبادات، وكيف تخلق أجواء روحية ونفسية وعاطفية. كذلك الشعائر، حيث تمارس العبادات والشعائر العبادية على ترسيخ الحاضنة الاجتماعية التي تلعب دور الرقيب على الفرد والمجتمع، إضافة لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. التي تعد رقيبا خارجيا كما مرَّ تفصيل الكلام.

منذ بداية المرحلة الثانية راح العقل الجمعي يتولى إدارة الفرد، ويرسم له حاضره ومستقبله، فغدا للتلقي معنى جديدا. كما بدأ المهيمن الثقافي بالتشكّل، وأقصد بالمهيمن: نسق أو مجموعة أنساق معرفية مهيمنة، يرتهن لها وعي الفرد لا شعوريا، وفق طريقة اشتغاله وعمله كموجه يستوحي من مقولاته الأساسية، المضمرة داخل بنية العقل وفضائه المعرفي. (أنظر كتاب النص وسؤال الحقيقة). أي أن التلقي في هذه المرحلة بدأ يفرض شروطا مغايرة بعض الشيء عن مرحلة بداية الإيمان والدخول بالدين الجديد، حيث أخذت تتشكل قبليات الفرد ضمن السياق العام للأحداث المتمثلة بنزول الوحي، ووجود النبي، وثالثهما وحدة المصير المشترك، لتوالي المعارك حتى خاض أصحاب الرسول 83 معركة، بعضها شارك فيها النبي شخصيا. وكل هذا كان يؤسس رويدا لحاضنة اجتماعية. وكان إذعان الفرد حينها لهذا العقل والضمير الديني، وما النص سوى محرك رمزي، قد يعني شيئا كثيرا لبعض الصحابة خاصة الأعم الأغلب منهم، فالصحابة درجات في الوعي والإدراك واستيعاب الآيات. وبشكل تدريجي بدت تظهر معالم الحاضنة الاجتماعية للمسلمين الأوائل، ويمكن أن تكون لحظة دخول النبي للمدينة واحتضانه من قبل الأوس والخزرج، وتفاهماته مع أهل الكتاب، هي بداية قوية لتأسيسها، رغم تفاوت مستوى الإيمان بين راسخ يلقي نفسه في لهوات الحرب، وكله أمل بنصر يضمن له رضا الله تعالى، أو تحقيق أحلامه من خلال جنائن الخلد، عند رب كريم (إما النصر أو الشهادة). وهناك متردد، يعاني هشاشة الإيمان، وضعف الإرادة، وغبش الرؤية. وثالث منافق، يتحين الفرصة للإطاحة بالمشروع السماوي، إضافة لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، وما حصل من مواجهات عنيفة بين الطرفين. وقد صورت الآيات كل هذه الحالات النفسية، فثمة فرق بين مؤمن يستبشر بنداءات السماء، وآخر، يمتلئ رعبا وخوفا: (يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ)، (أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا)، (فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ). لكن رغم كل هذا اجتازت الحاضنة الاجتماعية للمسلمين الأوائل مراحل الاختبار، بفضل تشريعات عدة. إذاً فالحاضنة الاجتماعية نتيجة طبيعية لسيادة العقل الجمعي، وهي بحد ذاتها رهان قوي تقاوم النقد والمراجعة وتدافع عن النسخة الرسمية للدين، مهما كانت تشوهاته. وأما كيف عزز الدين فاعلية العقل الجمعي والحاضنة الاجتماعية؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

 

majed algharbawiخاص بالمثقف: الحلقة الرابعة عشرة بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

رهانات الدين

ماجد الغرباوي: نستعرض الآن مديات النص الديني، الذي هو أول رهانات الدين، في تقويم سلوك الإنسان ورعاية ضميره، والحيلوله دون موته. وبشكل أدق ما هي رهانات النص بما هو نص في إحياء القيم الإنسانية؟ وما هي تأثيراته على المتلقي:

الرهان الأول: النص بما هو نص

ذات النص بما هو نص يعد رهانا أساسا يعوّل عليه في تحقيق رسالة الدين. وهو كغيره من النصوص يختص بلغته وتقنياته، بدءا من بناء النص وأسلوبه ورمزيته ودلالات سياقه وقدرته على البيان والإيحاء والاقناع وكيفية توظيفه لأدواته في البديع والبيان والمجاز والاستعارة. كما يرتهن تأثيره للمخاطب وثقافته ووعيه. ويستمد سلطته من قدسيته وتعاليه وانتسابه للمطلق أو الخالق. وهنا ينبغي التمييز، يمكن تناول النص بمعزل عن مؤلفه، لاكتشاف إيحاءاته ومضمراته، وما يبدي ويخفي من دلالات، وإحالات مرجعية، مهما تعالى. لكن لا يمكن تجاهله عندما يتعلق الأمر بتحديد سلطة النص، لتوقف حقيقتها وفعليتها على معرفة مصدره. وهذا يختلف تبعا لزاوية النظر، ومضمون النص، وما يريد أن يقوله ويؤسس له. فالمؤلف يلعب دورا أساسا في تكوين سلطة النص. (كتاب النص وسؤال الحقيقة، ص 15). وعندما يستهدف النص الديني البنية الشعورية للمتلقي بالترغيب والترهيب يراهن على مصدره وقوة حضوره في وجدانه. وتظهر قيمة مصدر النص أكبر في النصوص الدينية والميتافيزيقية، ويكفي أنك تعرف أن النص آية قرآنية للتراجع عن فهمك وبعض قبلياتك، وتصوراتك، لتدور في أروقة المقدّس، ومداراته ومرجعياته. بل قد تتخلى عن قناعاتك أو بعضها. فمصدر النص سلطة تجبر المتلقي على الاستجابة لهيمنته. وبهذا تتضح قوة تأثير الروايات النبوية، رغم ضعف بعضها، لكنها مؤثرة، تستمد سلطتها من سلطة مصدرها، الذي يستمد بدوره السلطة من نبوته، واصطفائه من قبل الله تعالى. فقدسية المصدر وسطوته حاضرة خلال سماع الرواية. (المصدر نفسه، ص17). نخلص أن إيقاع النص بما هو نص يؤثر في وجدان المتلقي، خاصة لغته، وما تتمتع به من بلاغة وجزالة ورمزية وقوة إيقاع من هاله سحرية يخشع لها السامع لا شعوريا.

تقدم أن وظيفة النص الديني تارة إقناع المخاطب نظريا بعقيدة التوحيد (وجود الله ووحدانيته)، عندما يستفز عقله بأسئلة وجودية حول خلق السماوات والأرض والإنسان. وأخرى يسعى لتكوين قناعة نفسية، تتحكم بإرادة الفرد. وتتجلى بوازع التقوى والخشوع والرهبة. وهو هدف الأديان جميعا لردم الهوة السحيقة بين الغيب والشهادة. ذلك العالم العصي على الإدراك سوى تمثلات ترتهن لخصوبة الخيال وقدرته على التحليق في مداراته، حتى بلغ عدد الآيات التي تتحدث عن عالم الآخرة قرابة ثلث الكتاب. فالنص غير قادر لوحده على اثبات عالم الغيب لتعذر إدراكه والاستدلال عليه، فترتهن حقيقته (الملائكة والجن والجنة والنار) للنص والفضاء المعرفي للفرد. بهذا يتضح حجم تأثير النص في تكوين حقيقة المقولات الغيبية. فكلما كان إيقاع النص أقوى كلما تعمق إيمان الفرد، لذا أوصى الكتاب بالخشوع والانصات والاستماع  عند قراءة القرآن، (وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، كي تنفذ موسيقا نسق الكلمات لأعماقه. من هنا جاء التأكيد على الاستعاذة قبل القراءة، لتهيئة القلب للتلقي الخاشع، وتنقيته من الوساوس. ويرمز الشيطان هنا للريبة والشك: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ). وهذا يضر بالإيمان الذي هو قناعة نفسية بطبيعته. كما تجد آيات أخرى تظهر أهمية وعظمة الكتاب: (لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)، لتلفت انتباه الناس. وقد صورت بعض الآيات حال المؤمنين وهم يصغون لآيات الكتاب، لتعكس لنا مدى تأثير النص على النفوس المؤمنة: (وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا). بل واعتبر الخشوع دليلا على الإيمان: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ). وجميع الآيات جاءت لترويض النفس وتهيئتها لتَقِبل على القرآن بمشاعرها وروحها، لا بعقلها الذي سينشغل بالأسئلة والاستفهامات ويفسد عليهم لذة الإيمان وحلاوة الخشوع. من هنا نفهم سبب التأكيد على الجانب الروحي في الأديان، فإنه رهان الإيمان النفسي الذي به تقهر وساوس الشيطان، ويمضي المؤمن على بينة من أمره. فليس الإنسان عقلا مطلقا، بل أحيانا تقوده مشاعره وعواطف لمواقف تخالف العقل، مما يؤكد هيمنتها على وعي الإنسان وسلوكه.

وإذا كان الحس الموسيقي للغة قد تلوث بالنسبة لنا فإن جيل الصحابة كان يصغي بكل جوارحه، وينفعل حد البكاء وهو يسمع آيات النار تحطم غروره، ويشتاق للجنة وهو يستعرض آياتها، كل هذا بفعل اللغة وقدرتها على تحريك المشاعر وتجسيد المعاني ورسم صورة مذهلة ومؤثرة من خلال قوة إيقاع النص. فإن إحدى صفة النص القرآني هالته السحرية المؤثر عندما تغصغي له النفس من أعماقها. وكمثال على التصوير الفني للنص القرآني نتلو بعض آيات من مشاهد يوم القيامة. قد لا يتفاعل معها العقل، بينما تصبو المشاعر لصوره البلاغية:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ).

(وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ، وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ، يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ، مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ، خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ، ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ، إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ، وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ، لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِؤُونَ). هذا الوصف المذهل ليوم القيامة عبر صور متلاحقة، تجسد هول ذلك اليوم.

(فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا، وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا، مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا، وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا، وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا، قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا، وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا، عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا، وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا، وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا، عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا، إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا). هذه مقاطع من مئات المشاهد التي استعرضها الكتاب.

ما أريد قوله أن النص بما هو نص له ديناميته وقدرته على الإقناع من خلال اللغة، خاصة ما يميز القرآن ولغته وروحه التي تسري في جميع مفاصله، وقدرته على شد الإنسان للغيب وتوجيه وعيه. وحينما يتمكن النص من إرادة الفرد لا تتزعزع ثانية، مازالت مشدودة لعالم آخر، عالم الغيب، للخالق المطلق المتعالي. غير أن قناعة النص كما تقدم مشروطة بالإيمان والإذعان، وما لم يتحقق هذان الشرطان، لا يؤثر النص حداً ينقاد له القارئ. قد يشكل النص قناعة عقلية لكنه لا يصل حد الامتثال والانقياد الطوعي. وأضيف لهذين الشرطين: بنية العقل والبيئة الثقافية، وطريقة تلقي النص. وهي خمسة شروط شعر بها المتلقي أم لا فإنها تعمل متشابكة لارتهان قناعته وإرادته. وبشكل أدق، إن أحكام العقل تتوقف على وجود دليل يستدل به على موضوعه. وعالم الغيب لا دليل عليه من العقل، ولا يمكن إخضاعه للتجربة، ويبقى الدليل الوحيد هو النص، الذي يستمد قدسيته من قدسية الكتاب. فيلزم الدور لتتوقف صدقية النص على النص. وعليه يكون الإيمان مهما كانت مناشئه مقدما على تصديق إخبارات النص، لذا تؤكد الآية أن هدى القرآن يتوقف على وجود الإيمان والتقوى: (الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). ولا شك ثمة عدة مناشئ للإيمان، وهناك مجموعة عوامل نفسية وثقافية تلعب دورا في ترسيخه. وما لم نعترف بهذه الحقيقة فكيف نفسّر عدم قناعة غير المؤمنين به؟. وقد أشارت تكملة الآية المتقدمة لهذه الحقيقة حينما قالت: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ، خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ)، وسبب الختم هو العناد والكفر، وليس مجرد إرادة إلهية. أو أنه تحصيل حاصل للسنن الهداية. وهذه الآية تقع في مقابل الأولى. مما يحفز لمعرفة مناشئ الإيمان، مادام النص بمفرده غير قادر على تشكيل قناعة المتلقي بمضمونه، إذ ثمة عوامل ساعدت على تشكيل قناعته. وهي كما ذكرت بنية العقل والبيئة الثقافية وطريقة تلقي النص. ولا بد من توضيح هذه النقاط لنعرف صدقية رهاناتنا على النص الديني لتقويم سلوك الإنسان وحماية ضميره. وهنا يجب التفريق بين الرعيل الأول، رعيل صحابة الرسول، أول من طرق أسماعهم القرآن، وقد انحدروا من بيئة اتصفت بتعدد الآلهة وعبادة الأصنام والأوثان والشرك بالله، لا يؤمنون باليوم الآخر أو لم يتقبلوا فكرته فكان هدف أكثر الآيات التي استعرضت مشاهد يوم القيامة تشكيل قناعة باليوم الآخر: (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ، أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ)، (قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ، لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ). وهذه الآيات تؤكد ما نقول. وبالتالي لم تستطع النصوص رغم وفرتها من تشكيل قناعة مطلقة بمضمونها، غير أنها استتبت بمرور الأيام، ضمن شروطها، لذا تختلف قناعة الأجيال اللاحقة باختلاف العوامل البيئية والثقافية. فهي قناعة تاريخية موروثة تتعررمعهم، ما لم تتشكل قناعة جديدة وفق أدلة مغايرة. وهذه العوامل، هي:

1- بنية العقل:  

ثمة فوارق بين العقل النقدي والعقل الخرافي، تنعكس على إيمان الفرد. الأول: عقل يقظ، متوثب، صارم، لا يستجيب للخطاب العاطفي. يرفض التسليم ما لم يدل الدليل على ثبوت أو نفي المطلوب. وقد خاطبته النصوص من خلال بدائع الخلق، وطرح الأسئلة الوجودية. وطالبته بالتفكير والتحري الموضوعي. فهي لا تملي عليه رؤيتها الكونية للوجود والعالم، بل تضع بين يديه أدلة تفضي لإيمانه بوجود الخالق ووحدانيته وليس أكثر من ذلك. وأما الإيمان باليوم الآخر، وعوالم الغيب، فتحتاج لخطابات مختلفة تولد لديه قناعة تورث التقوى وهو ما تطمح له النصوص لحماية ضمير الإنسان، وضمان توازن المجتمع أخلاقيا. بينما العقل الخرافي، عقل ساذج، دوغمائي، يستثقل التفكير، والنقد عليه أثقل. تستدرجه الخرافات حد الإذعان. مسكون بالغيب وبوجود عوالم خارقة. يؤمن بتأثير الجن والشياطين، لا على أساس أدلة وبراهين، بل مجرد إيمان موروث، يرتكز لحكايات وغرائبيات لا واقع لها سوى أوهام الحقيقة.

نخلص، إن العقل التراثي أكثر استعدادا للإيمان بوجود عوالم غيبية، وهذا يمهد للإيمان بالله وباليوم الآخر. عكسا للعقل النقدي الذي يرتهن إيمانه للدليل والبرهان. وهنا لا أنفي المصالح الاقتصادية والاجتماعية والدينية التي كانت وراء مقاومة الرسالة الجديدة، غير أن الحديث هنا عن خصوص العقل والتفكير العقلاني، ومدى تقبله لفكرة اليوم الآخر، مع وجود بيئة دينية لا تؤمن به إلا القليل، كأهل الكتاب والأحناف، بشكل ما ليس بالضروة أن يكون مطابقا لإيمان المسلمين. وعليه فإن العقيدة الإسلامية انتشرت في وسط مؤهل للإيمان بوحدانية الله، ثم بشكل تدريجي ومن خلال خطابات الوعيد وبعض الاستدلات العقلية ترسخت فكرة اليوم الآخر. حتى كانت تلهبهم حدَ الاستماتة دفاعا عن عقيدتهم، وطمعا في اليوم الآخر.

2- البيئة الثقافية:

ثمة معالم تميّز البيئة الثقافية العربية قبل الإسلام، لها دور في استتباب الإيمان بالعقيدة الجديدة، أهمها:

تعدد الأديان: حيث تعايشت مجموعة أديان توزعت بين عبادة الأصنام والأوثان وعبادة الكواكب والنجوم وعبدة الجبت والطاغوت، وأهل الكتاب، وهناك المؤمنون بوجود الله وهم الأحناف على ملة إبراهيم الخليل. وهكذا خليط ديني يخلق أجواء تفاعلية تسمح بطرح أفكار دينية جديدة.

الشعر: المعروف عن الثقافة العربية قبل الإسلام ظاهرة الشعر وكثرة الشعراء، والحديث عنها يطول. فالعربي بطبيعته يميل للشعر ويسرح مع الخيال، وتسكره الصور الشعرية، وتستدرجة غرائب الحكايات بعيدا، حدَ التسيلم اللاشعوري. وهذا عامل ثانٍ يؤهل لقبول فكرة اليوم الآخر، باعتبارها غيبا مطلقا لا دليل عليها سوى النص القرآني، وعليه تقوم مسؤولية إقناع الناس بها. أي كما أن بلاغة الشعر وقوة صوره الشعرية تتناسب أكثر مع خصوبة الخيال وقدرته على التخيل، فإن هذه الصفحات تسمح لك بالعبود من العالم المادي إلى العالم المجرد، مما يسمح بقبول فكرة اليوم الآخر الذي يحقق فيه الفرد أمنياته، بعد عناء الحياة ومتاعبها، خاصة المحرومين والمعذبين.

النبوءات والكهانة: إذ كانت تتفشى ظاهرة النبوءات والكهانة في الوسط العربي، مما يؤهل للنبوة السماوية والتأمل في حقيقتها قياسا على الوضع الثقافي السائد. فكان الكهنة يجيدون صياغة نبوءاتهم شعريا، لتكون أقوى تأثيرا. وقد اشتهر جنس أدبي بعنوان: "سجع الكهان". حيث يدعي الكاهن وجود جن يسترق السمع من السماء، ويأتي بالأخبار.

وإلى جانب الكهانة هناك النبواءات، وهي قديمة في المنطقة العربية يراجع في هذا الصدد كتاب: نبوة محمد التاريخ والصناعة لمحمد محمود. كما نشطت النبوءات بعد وفاة الرسول مباشرة، كنبوة: الأسود العنسي، ومسيلمة، وسجاح التميميَّة، وغيرهم، مما يؤكد وجود أجواء ثقافية تتقبل البعد الغيبي للنبوءات. وكان بعض المتنبئين قبل الإسلام من المؤمنين بالله واليوم الآخر، كما هو المعروف عن أمية بن أبي الصَّلْت الثقفي، اشتهر بالحنيفية والتوحيد وكان من الدعاة إلى نبذ الأصنام وتوحيد الإله. وعندما أعلن محمد بن عبد الله عن نبوته، كان الحديث طبيعيا، لولا قوى الطاغوت التي تصدت لرسالته، وطوقتها خوفا من تداعي سلطاتهم السياسية والدينية والاقتصادية الواسعة. فالحرب التي كانت تشنها قريش على المسلمين حرب سياسية أكثر منها دينية، وصراع على السلطة والنفوذ.

وأما الأجيال اللاحقة بعد انتشار الإسلام فالأمر بالنسبة لها يختلف، حيث توارثت العقيدة والإيمان بالغيب واليوم الآخر. ورغم ذلك لم تحقق النصوص بمفردها ما يصبو له الدين فاستعان بالشعائر لأدلجة العقل الجمعي وتوجيه وعيه توجيها إيمانيا.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi14خاص بالمثقف: الحلقة الثالثة عشرة بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

ماجد الغرباوي: مر الكلام عن ثلاثة عناصر من مقومات النص الديني، في سياق الحديث عن رهانات الدين في تقويم سلوك الإنسان وحماية ضميره من الانهيار أمام مغريات الحياة ومفاتنها: المُرسِل، الرسول، الرسالة، والرابع المتلقي وهو المقصود بالخطاب:

رابعاً: المتلقي:

الدين مشروع لصناعة الإنسان أخلاقيا، ومن الطبيعي معرفته بنقاط قوته وضعفه. فيعزز الأولى ويقوّم الثانية عبر استراتيجيته في الهداية التي هي هدف الرسل والأنبياء، وهدف الكتب السماوية جميعا، من خلال منظومة قيم كفيلة بتحقيق التوازن العاطفي والسلوكي للفرد والمجتمع. كل هذا من أجل مجتمع فاضل يضمن أجواء إنسانية سليمة وعقلانية تسود مفاصل الحياة. فتأتي الأخلاق لتفادي الضعف البشري، وضمان عدم انهيار الضمير الإنساني، سيما أن الإنسان خُلق حرا، وقد ارتهن مصيره لإرادته: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)، (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)، (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا)، (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ). والحرية لا تعني الاستقامة بل تعني حرية الاختيار وتحمل المسؤولية، لذا لا يستغني الفرد عن النصيحة والتربية والاستشارات والتسديد والرعاية. كما لا يستغني عن الدين لترشيد تجربته الروحية، ويستمد منه رؤية كونية تحفظ توازنه وتضمن استقامته شريطة الالتزام بشروطه. فالدين يقدم له النصيحة والتسديد، ويبقى الفرد وقدرته على مقاومة إغراءات الحياة، ومزالق الفتن فيها. وبالتالي يمكن التعرّف على انطباع الكتاب الكريم عن الإنسان، وهو يعالج قضاياه المصيرية ويجيب على أسئلته الوجودية. وهذه قضية مهمة للتأكد من قدرة النص الديني على تقويم سلوك الإنسان أخلاقيا.

عندما تتقصى الآيات نجد القرآن تارة يصف الإنسان بالخليفة: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)، ويحفظ كرامته (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً). ويغمره بالرحمة والعفو والإحسان، ويغفر ذنوبه وسيئاته مهما كثرت، ويضمن له مكانة رفيعة في الآخرة عندما يتعهد الاستقامة ويتقي مزالق الموبقات الظلم والجور والفساد والانحراف. ويتحبب له. ومن جهة ثانية نقرأ مجموعة آيات تبدو ذما وهي تصف طبيعته ونفسيته: كفور، ظلوم، عجول. غير أني لا أجدها ذماً بقدر ما هي تشخيص لنفسيته وأعماقه، كحقائق بشرية يضعها بين يدي الإنسان ليعرف حقيقته، ويبادر لمعالجة نقاط ضعفه. فثمة صفات لا تشخص دون خبرة حقيقية بواقعه وخفاياه، فيتصدى الدين لبيانها من موقع المسؤولية، ويقدم حقائق تخدم العلوم الإنسانية التي تتصدى لدراسة الإنسان. وتنفع التخطيط لمسقبله لمن يتصدى لقيادته. وبالتالي سأجرّد الآيات من حمولتها السلبية وامتنع عن حملها على التوبيخ. وكل آية تؤخذ ضمن سياقها وما تدل عليه بهذا الاتجاه. بناء على رؤيتي لهدف الدين والإنسان في الحياة، وأن محور الدين هو الإنسان، جاءت الكتب السماوية من أجله. والآن نستعرض مجموعة آيات:

آيات الإنسان في القرآن

1- (وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ).

2- (وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا).

3- (... وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا). أي منكرا لأنعم الله).

4- (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ).

5- (وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا).

6- (بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ).

7- (عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)، لتأكيد قدرته على التعلم واكتساب المعرفة.

8- (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَىٰ).

9- (لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ).

10- (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ).

11- (وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا)

12- (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ).

13- (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ).

14- (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ).

15- (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ).

16- (وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا).

17- (خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ).

18- (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ).

19- (وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا).

20- (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ).

21- (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ).

22- (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ). لتأكيد ما يعتري الإنسان من وساوس، ومعرفة الخالق تعالى بها.

23- (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا).

24- (إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ).

لقد استعرضت الآيات أعلاه خصائص الإنسان النفسية، وعرضتها كحقائق موضوعية من لدُن خبير عليم: (إِنَّهُۥ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرٌۢ بَصِيرٌ). لا مبالغة فيها ولا توبيخا، كما قد يرى المفسرون والفقهاء ذلك، إلا بعض السياقات، مما يؤكد استعداد الإنسان لثنائية الخير والشر في أعماقه وطبيعته البشرية. وهذا ينسجم مع وظيفته في الحياة الدنيا، ليكون سيدا عليها. كما ينبغي التنبيه أن الآيات أعلاه لا تلغي الجوانب الإيجابية في الإنسان. كيف تلغيها وهو رهان الله مع ملائكته، وقد خلقه ليتولى مهام الخلافة في الأرض. ويكفي عدد الآيات التي تؤكد حبه ورحمته ورأفته ورعايته للإنسان.

نخلص وفقا لهذا الاستعراض أن النص الديني من خلال مقوماته الأربعة قادر على تهذيب النفس البشرية وتقويم سلوك الإنسان وحماية ضميره من الانهيار وضمان يقظته، كل هذا بشرطي: الإيمان والامتثال. لكنها كصفات بشرية يمكن للجميع اعتمادها والاستفادة منها. فرغم كل ما قدمته العلوم لمعرفة الإنسان وطبيعته لكنه يبدو أعقد مما يتصورون، وما تراكم المعرفة التي تخص جوانبه النفسية والشخصية سوى دليل على عمقه وخفائه حتى بالنسبة لنفسه، بل أعتقد أن المشكلة في جهل الإنسان بطبيعته وخصائصه، رغم قدرته على التبصّر في أعماقه واستجلاء حقيقته: (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ). والآية تصلح للاستشهاد رغم اختلاف مناسبة نزولها.

رهانات الدين

حان الوقت لتحري رهانات الدين في مهمته التربوية والنفسية والأخلاقية من خلال نصوصه وتعاليمه. فما هي رهاناته؟. وماهي ضماناته ومصداقيته؟. فلعلنا نبالغ في قدراته ورهاناته. وهل يكفي قدسية النص لتحقيق أهدافه؟.

بدءاً نذكر أن الدين عقيدة وشريعة وتعاليم أخلاقية تشتغل جميعا لتحقيق هدف الرسالة في إطار وحدانية الخالق، على أساس مركزية الإنسان، بمعنى أن الدين جاء لهدايته وترشيد وعيه، وله الأولوية على التشريع، وفق فهم الدين في نظر اتجاه الخلافة الإنسانية، على الضد من اتجاه العبودية الذي يرى أولوية التشريع على الإنسان. وعندما يكون الهدف هو الإنسان فهذا يستدعي خطابا خاصا، يعمّق إيمان الفرد بخالقه شرطا لنمو ورسوخ الضمير الديني الذي يعد ضمانة لامتثال القيم السماوي. فرهان الدين في تقويم سلوك الإنسان على ما يترسب في أعماقه من إيمان وينعكس على سلوكه وأخلاقه وهو يتلقى تعاليم الدين ويمتثل لأوامره ونواهيه. لذا عزز الدين نصوصه المقدسة بعبادات ومناسبات وشعائر كفيلة بتعميق الإيمان من خلال إيحاءاتها وقدرة العقل الجمعي على التفاعل معها. فغاية ما يستطيع النص تحقيقه قناعة عقلية، قد تلامس مشاعر الإنسان، وقد لا تلامسه، لكنها ضرورية كدليل لاثبات الحقائق الدينية، وهو ما نقرأه في تضاعيف الكتاب الكريم من محاججات مع المعاندين. أو بشكل أدق، لا شك أن النص الديني من خلال لغته ورمزيته قادر على توليد قناعة عقلية بل وشعورية أيضا، لكن لا يوجد ما يضمن توهجها واستمرارها، بينما تحقق النشاطات الطقوسية إيمانا عمليا يتجلى من خلال سلوك وأخلاق الفرد، خاصة انشداده للغيب والمطلق. فالدين يحشد مجموعة تقنيات لغرز العقيدة وترسيخها على شكل سلوك أخلاقي يعكس حقيقتها. فتقويم سلوك الإنسان يتطلب التنويع مراعاة لطبيعته العصية على الترويض. فنخلص أن الدين يعمل على ترسيخ إيمان الإنسان بالله واليوم الآخر حدَ انعقاد القلب عليها (عقيدة). وتشكيل قناعة ترتهن إرادته، وتحول دون انهيارها، حينئذ يستيطع الدين حماية ضمير الفرد ويضمن استمرار يقظته وعدم موته. وبشكل أدق أن هدف الدين خلق وازع التقوى في أعماق الإنسان، ذلك الوازع الذي يرتهن له الدين في مهمة حماية الضمير الإنساني. وسبق أن تناولت التقوى بعنوان الضمير الديني في مقابل الضمير الإنساني. والثاني مشترك إنساني، يصلح أن يكون قاسما مشتركا بين الجميع. بينما الضمير الديني يشترط الإيمان، لمن يدين بدين أعم من السماوي.

الضمير الديني ليس شيئا آخر في طبيعته وكينونته غير الضمير الإنساني مسدد بخطابات دينية ترسّخ يقينه وفق أسس إيمانية، يكتسب مناعة جديدة من خلال القيم الدينية. ويعبر عنه قرآنيا بالتقوى. وهو ثاني سبل الرقابة الذاتية، كما تمت الإشارة له سابقا. وتعني التقوى خشية الله والورع عن انتهاك محارمه والخوف من اليوم الآخر، وجعلها ميزانا لخلاص الإنسان: (وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً). وقد شدد القرآن على التقوى وجعلها هدفا أساسا للعبادات، حداً تكون دالة على الإخلاص ووعي الدور الرسالي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، فالهدف الأساس من الصوم مثلا هو تعزيز التقوى التي هي إحدى مقومات المجتمع الفاضل وإحدى رهانات استمراره. أو سينهار المجتمع بانهيارها. لذا كانت خطابات الوعيد والنذير باتجاه تعزيز التقوى لدى الفرد والمجتمع. وهذا ينسجم مع فلسفة الخلق التي تعتبر الإنسان محور الكون، وأن فعلية التشريعات السماوية تدور مدار مصالحه، وهو تمام ملاك جعلها وفرضها على الناس. فآيات التقوى خطابات احترازية وتحذيرية، تمنح المؤمن رقابة ذاتية، خوفا من العقاب، خاصة عندما يكون بعيدا عن الرقيب والقانون ورقابة المجتمع. بل وتُرجع الآيات بمفهومها كل زيغ وانحراف لتراخي التقوى أو ضمورها. ومن يتقي الله مخلصا يواصل طريق الاستقامة ويساهم في تعزيز مجتمع الفضيلة، مهما كان اتجاه السلطة. فالتقوى رقابة ذاتية واعية وبصيرة، تتوقف عليها استمرارية مجتمع الفضيلة، ومع فقدانها، يأخذ المجتمع بالانحلال، مهما كانت سلطته السياسية. لا شك أن التربية الصالحة ترسّخ الرقابة الذاتية، والضمير الحي يصقلها، ويضفي لها معنى، يرتبط بمصالحه ومصالح مجتمعه. والفرق أن رقابة الضمير قد تنهار بعيدا عن رقابة القانون، أما الإيمان فصراع داخل النفس طالما تنتصر فيه الفضيلة والخوف من الله خوفا من العقاب، فالإيمان يضفي معنى أعمق على التقوى، معنى يرتبط بالغيب والمطلق، وما ينتظره من ثواب جراء ورعه. وهذا يمهّد بمرور الأيام لمناعة راسخة، تقاوم المغريات والغرائز. ولأهمية التقوى في الخطاب الديني، جعلت الآية التقوى ميزانا للتفاضل، مما يؤكد أهمية مجتمع الفضيلة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). (أنظر كتاب: الوعي الديني، ص300)

و(التقوى لا تعني كثرة العبادة، وإنّما خشية الإنسان من الله تعالى إبّان تعامله مع الناس، سلوكًا وعاطفة؛ فربّما عابد لا يخشى الله في خلقه يمارس سلوكًا لا أخلاقيًا في تعاملاته اليومية، فيضرب ويقتل باسم الدين والقرآن والأخلاق، وهو بعيد عن كل ذلك. أو لا يتمتع بالمشاعر والأحاسيس الإنسانية التي أكد عليها القرآن الكريم، فيتحايل عليها ويظلم الآخرين ويبخسهم حقوقهم بل ويتعدى على حقوقهم. فالإنسان التقيّ من يخشى الله، سيما في موضوع استباحة الدماء، خصوصًا مع المخالفين دينيًا أو مذهبيًا، فإنّ حرمة الإنسان عند الله كبيرة، فكيف إذا كان أخا لك في الدين والعقيدة ولا يعدو خلافه معك إلا في أشياء اجتهادية. إنّ الخطاب في الآية القرآنية تحدّث عن الناس ولم يقل المسلمين. ومن ثمة، فالآية العامة تتجاوز العبادة إلى المعاملة)، (أنظر كتابي: التسامح ومنابع التسامح، طبعة دار العارف بيروت، ص118).

والسؤال إذاً ما هي رهانات الدين لغرس وازع التقوى في أعماق الإنسان لضمان قدرته على حماية ضميره وضمان يقظته؟. خاصة أنها ترتهن لمشاعر الإنسان وقناعاته النفسية، بعيدا عن مستواه الفكري. فالدين يستهدف تلك المشاعر الإنسانية المشتركة ليخلق منها وازعا يضمن به تقويم سلوك الإنسان الذي هو مقدمة لقيام مجتمع الفضيلة، وسيادة العدل والإنصاف. والأمر ليس حكرا على الدين، فالضمير الإنساني أقدر على ذلك لأنه نابع عن قناعة ذاتية، بعيدا عن التقلبات الثقافية والدينية. وهذا ما تطرقت له في كتاب تحرير الوعي الديني. فاستشهدت به هنا انسجاما مع موضوع البحث عن الدين والأخلاق.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi13خاص بالمثقف: الحلقة الثانية عشرة بعد المئتين، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، حيث يواصل حديثه عن الأخلاق:

ماجد الغرباوي: ثمة سؤال عن صلة المقدس بالأخلاق: وهل تتأثر الأخلاق بوجوده أو عدم وجوده؟

نؤكد أن العقل لا يرتهن في قيمه وأحكامه للمقدس. وتحتفظ الأخلاق باستقلاليتها، ليبقى الحُسن ما حكم العقل بحُسنه، والقبيح ما حكم العقل بقُبحه، بعيدا عنه. لا ما أملاه المقدس عليه. وهو رأي التزمنا به منذ بداية بحث الأخلاق. فكما أن العقل يحكم بحُسن العدل وقبح الظلم بعيدا عن الشريعة، كذا تكون أحكامه بعيدة عن المقدس. فيصدق استقلال الأخلاق عن الشريعة والمقدس معاً. خلافا للاتجاه الأشعري في معنى الحُسن والقُبح، اللذين يستمدان حقيقتهما من الشريعة، فالحُسن عندهم ما حكم الشرع بحُسنه. والقبيح ما حكم الشرع بقُبحه، فيكون للمقدس تأثير في التحسين والتقبيح، عندما يكون أحد مصادر التشريع أو حينما يكون نموذجا أخلاقيا. فلو استباح المقدس دماً، فهو ظلم بحكم العقل، وليس كذلك وفقا للرأي الأشعري، لشرعية وقدسية تصرفات المقدس. فاستباحته للدم، كما يؤولون، إما استنادا لحكم شرعي والأخلاق قائمة على الشريعة. أو تعتبر سيرته حجة شرعية، خاصة من يعتقد بحجية سيرتهم، كعدالة الصحابة مطلقا وعصمة الأئمة، حسب الاتجاهات الكلامية.

غير أن المسألة لا تقف عند هذا الحد. المقدس يمثّل سلطة تنعكس على موقف الفرد من العالم، خاصة حينما يتموضع ضمن سلسلة علل الوجود بأي نحو كان، تفترضه اتجاهات الغلو والفِرق الباطنية. كما يفرض المقدس محدداته على وعي الفرد والجماعة. فيصدق أن المقدس يعيد تشكيل العقل، ضمن شرط الإيمان، فيكون الفارق بين المؤمن وغيره هو ذات الفارق بين التعبّد وعدمه. الثاني يضع مسافة بينه وبين المقدس، ويجعل منه موضوعا للتأمل والنقد. بينما يرتهن وعي الأول لهواجسه التي تستوحي من المقدس، حدَ التماهي والانصهار، ويلتزم بكل ما يمليه الموقف اتجاهه. فيلعب المقدس دورا في تحديد فعلية موضوع الحكم الأخلاقي، حينما يرتهن تحديده، أي الموضوع، لانحيازه وشرطه. مثلا: لا خلاف بقبح الظلم، لكن هل يصدق مفهوم الظلم على ما يصدر من الرموز المقدسة؟ لا ريب أن المقدس هنا يؤثر في تحديد فعلية الموضوع. فهو لا يؤثر في ذات القيم والمبادئ الأخلاقية مادامت قيم إنسانية حسب الفرض. ولا يرتهن أحكامها لإرادته وأيديولوجيته، لاستقلال العقل العملي في أحكامها. لكن المقدس يؤثر في تحديد فعلية موضوع الحكم الأخلاقي. ولا يخفى احتدام الصراع على الرأسمال الرمزي للرموز المقدسة، وحجم الآثار التي ترتبت عليها، وكان كل موقف إما أن يصدر بدوافع دينية أو أخلاقية، والثاني يتأثر بالمقدس باعتباره قيمة حاسمة، يدور الحق معه أين ما دار، فيستدعي فعلأ أخلاقيا. فنخلص أن المقدس يساهم أحيانا في ما أسميته باليقين السلبي: "ما يعيق الفعل الحضاري من جزميات وقناعات راسخة، توجّه وعي الإنسان وتضبط سلوكه وحركاته ومشاعره. فتكرّس حالة الانغلاق والتخلف، والإنكفاء المرير للماضي". وهنا يصدق تعريفه: "اليقين السلبي: اغتراب الذات في أوهام الحقيقة". عندما يتسبب المقدس في تزوير الوعي ويخلق يقينا سلبيا يتخذ المرء إزاءه موقفا أخلاقيا رغم عدم واقعيته. وعندما يكتشف الشخص زيف المقدس حينئذ يسأل عن مبرر مواقفه الأخلاقية. وهنا ينبغي تفادي سلطة المقدس حينما لا يكون منصوصا عليه قرآنيا، ولا يشمله مفهوم الاصطفاء الإلهي. وبالفعل كانت حلبة الصراع تستمد شرعيتها من رموزها، وليست من القيم الدينية والقرآنية. فحينما نعرّي حقيقتها وقدسيتها ينتابنا الاحباط عندما نكتشف بشرية الرموز المتصارع، وعدم عصمتها، وما الولاء حينئذِ سوى ضريبة سذاجة الولاء العاطفي والطائفي.

من جهة ثانية إن التضحية بإرادة الفرد هي ثمن ولاء المقدس لا محال. ويلزم من  فقده لإرادته أو جزئها، ضعضعة حريته. فهو لا يخسر إرادته فقط بل ويخسر حريته، حينما يرتهنهما للمقدس وسلطته. فما هو المبرر الأخلاقي عندما يكتشف زيفه أو بشريته؟.

نخلص أن المقدس يرتهن صدقية موضوع الفعل الأخلاقي، دون قيمه وأحكامه. الأولى قيم إنسانية بعيدا عن المقدسات والأديان، وأحكامها صادرة وفق معايير العقل العملي. وبهذا نحدد سلطة المقدس ونحول دون استغلاله وتكريسه لمصالح سياسية وطائفية، طالما أضرت بمصداقية المسلمين في خضم صراع مرير على السلطة، وحاجتهم لتوظيف الرموز المقدسة.

مقومات النص الديني

كان الحديث قبل مقاربة المقدس، عن إشكالية العلاقة بين الدين والأخلاق. وتقدم أن مركز اشتغال الدين بمعنى الإيمان هو الضمير، وليس الفعل الأخلاقي. دون أن يفرض الدين على الفعل الأخلاقي شرطه وقناعته، لأنها من مدركات العقل العملي. وتحدثنا عن دور النص الديني في في حماية الدين ويقظة الضمير. ثم طرحنا سؤالا عن الصورة التي يقدم بها النص الديني نفسه من خلال مقوماته الأربعة: المُرسِل، الرسول، النص والمتلقي؟ كيف يقدّم كل واحد منها؟ وكيف يساهم جميعها في تشكيل دلالاته وإيحاءاته وقدسيته وسلطته. وما هو دور كل واحد منها في عملية فهمه. وترسيخ هيمنته؟ فنبغي تجاوز ظاهر النص لتحري مضمراته وإيحاءاته، وما يبدي وما يرتهن فيه لقبليات المتلقي، وما يختزن من صور حول المقومات الثلاثة الأولى. وهل لمقومات النص الأربعة دور شعوري أو لا شعوري في فهم النص، وما هي حدودها؟ ثم كيفية تكونت كل صورة في أفق الخبرة الحياتية؟ ما هي مرجعياتها، وظروف تلقي المفهوم، سواء النفسية أو الاجتماعية والسياسية؟. وهذه الأسئلة تأتي في سياق تحري صدقية النص وقدرته على حماية الضمير البشري، وضمان عدم موته أمام المغريات الحياتية. وقد سبق الإشارة إلى شروط تأثير النص الديني كالإيمان وقبليات المتلقي والإرادة. وأيضا مرّت الإجابة على سؤال: هل قداسة النص الديني تعني أنه معطى نهائي أم أن أحكامه ومضامينه خاضعة لسنن وقوانين وعلل يمكن اكتشافها، وتحديد درجة إلزامها؟. وهنا نقتصر على القرآن، المدونة الإيمانية الأولى، لثرائه وتفرّده: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا)، (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ).

والآن: كيف يقدم القرآن: المُرسِل، الرسول، الرسالة، والمتلقي؟. وهي قضية مهمة تحدد مدى صدقية رهاناتنا على النص الديني في تفادي موت الضمير وضمان عدم انهياره أمام مغريات الحياة. إذ ليس كل نص بما في ذلك النصوص الأخلاقية قادرة على تعزيز إرادة الإنسان، ما لم تنسجم معالجة النص مع حقيقته الإنسانية. فثمة فرق بين النص الذي يراهن على الإنسان وعقله وقدراته الذاتية، وبين النص الذي يكرّس دونيته. الثاني سيكون ضحية للنص، بينما يسترشد الأول بالنص، ويواصل حياته اعتمادا على عقله وإرادته. وبمعنى أدق النص يوقظ ضمير الأول، ويكرس عبودية الثاني. لذا سنرتكز للقرآن وظاهر آياته لنعرف كيف قدم مقومات النص الذي نرتهن حماية ضمير الإنسان له؟ فمثلا هل مصدر النص خبير بالإنسان ونفسيته وبواطنه، فيصدر النص عن وعي حقيقي بموضوعه؟ هل مؤلف النص يدرك قابليات الإنسان ومدى قدرته على مقاومة المغريات، وما هو الكفيل بذلك ليأتي النص منسجما مع مهامه الأخلاقية، أم سيحمّل النص الإنسان ما لا طاقة له ويحمله وزر عدم التزامه به؟ وغيرها من أسئلة مبررة في هذا الخصوص:

ومقومات النص هي: المُرسِل، الرسول، الرسالة، والمتلقي. وكل واحدة منها، تجد حولها مجموعة آيات صريحة في دلالتها، يمكن من خلالها الحكم على النص الديني في قدرته على تقويم سلوك الإنسان، وحماية الأخلاق. والمعروف عندهم أن مقومات النص ثلاثة: "مصدر النص / المؤلف". "النص". "المتلقي / القارئ". وقد تحدثت عنها في الفصل الأول من كتاب: النص وسؤال الحقيقة. وأما إضافة "الرسول" هنا فاقتضته طبيعة النص الديني، وخصوصية الوحي التي ستختلف باختلاف مفهوم النص بين الإلهي والبشري، فكان لا بد من التوقف عنده.

أولاً- المُرسِل:

يهمنا من صفات الخالق في هذا المورد، علمه وإحاطته ومعرفته بدواخل النفس البشرية، وهو يقدم من خلال آياته معالجات أخلاقية لتفادي زيغ الفرد، وانحراف المجتمع. تقول الآية: (وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ)، (أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ). (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ). (إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا). فثمة إحاطة كاملة بنوازع النفس، وصراعها مع ضعفها أمام وساوس الشيطان والنزعات المادية، وهذا يمنح النص قيمة عالية تضمن فاعليته ضمن شروطه. كما أن النص يؤسس لقداسة المُرسل وجلاله، وهذا بحد ذاته، يرفع من قدسية النص، ويحد من إمكانية فهمه. لسلطوية القداسة، حداً تقتصر مهمة الباحث على التفسير والتبرير. بمعنى آخر قداسة المُرسل تحول دون نقد النص وتخطئته، حتى مع تعارض ظاهر النص مع معطيات العلوم. لكننا قد تجاوزنا هذه الإشكالية عبر تقديم معنى جديد لمفهوم قداسة النص يقوض دوغمائيته. نخلص أن مصدر النص / مؤلفه محيط بالإنسان وحاجاته وكيفية تقويم سلوكه بما ينسجم مع طبيعته البشرية، وفق مبدأ: (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا). حتى جانب المشقة في بعض تكاليفه وتعليماته فهي مدروسة بدقة. هذه هي صورة الخالق في كتابه الكريم. وهي صورة مشجعة لاعتماد النص الديني أداة لحماية الضمير وضمان عدم زيغه.

ثانياً- الرسول:

يصف القرآن الرسول: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، في إشارة واضحة لسمو أخلاقه وسلوكه، فيصدق أن يكون مثلا إنسانيا للأخلاق، هذا مفاد الآية. كما يؤكد الكتاب، على قدسية آياته، وأنها وحي من قبل الله تعالى، لتفادي القول ببشريته وهذا سبب إدراجه ضمن مقومات النص الديني، فهو ليس نص عاديا يكتف بثلاث مقومات. تؤكد الآيات: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى). بغض النظر عن معنى الوحي كما تقدم تفصيله، إلا أن دلالة الآية على قدسية ما أوحي للنبي الكريم، وجميع الأنبياء والمرسلين: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ). كما تشير الآية التالية إلى تسديد الخالق للنبي: (وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً، إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا). (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ، وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ). فنستفيد من الآيات إلهية الوحي مما يطمئن المتلقي بقدسية الكتاب. وأن روايات النبي وسلوكه امتداد لخُلق القرآن، وتتصف بذات الصفات الأخلاقية، بعد أن طرحه الكتاب نموذجا ربانيا للأخلاق.

ثالثاً- الرسالة:

(صفات النص الديني / القرآن) وهي مجموعة آيات تؤكد قداسته، وانتسابه لله دون نبيه:

- كتاب منزل من الله رب العالمين: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ، لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ).

- وأنه محفظوظ في عالم الغيب: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ). وقد مرّ الكلام عن هذه الآية بالذات، وما هو المراد من الحفظ هنا. وهل الحفظ يعني عدم التحريف أو عدم الزيادة والنقصان أم شيء آخر؟.

- وهو كتاب مبارك: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ). والآية تؤكد على قداسته. خاصة مع التوسع في معنى المبارك.

- كما أن نصوصه ليست نصوصا عادية، بل صدرت عن عالم الغيب والشهادة، الحكيم الخبير، وقد جاءت مطابقة لأغراضها: (الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ).

إن مجموع هذه الآيات وغيرها تكفي لتكريس قداسة النص، ناهيك عن التراث، خاصة السلفي، الذي ينهى عن مقاربة القرآن إلا من خلال الروايات، تأكيدا لرمزيته ودلالاته المبطنة، التي لا يعرفها إلا إلا الله وما أوحى به لنبيه، مما يعمق مشاعر الرهبة والقداسة: (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ). ولا داعي لاعادة الكلام حول مدلولات الآية. أما الآن فنكتفي بظاهرها وما هو مركوز لدى المتلقي.

وأما المقوم الرابع الموقف من الإنسان

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com