 قضايا

محسن الندوي: أهمية الشراكة التربوية في تدبير الحياة المدرسية

تقديم: تعد الشراكة التربوية من أهم مستجدات التربية الحديثة التي تبناها النظام التربوي المغربي ضمن عشرية الميثاق الوطني للتربية والتكوين، ومن أهم دعائم انفتاح المؤسسة التعليمية على محيطها السوسيو-اقتصادي، و انفتاحها على التجارب التربوية الأخرى قصد الرفع من مستوى التلاميذ ودعم قدراتهم التحصيلية وتقوية جانب التواصل والتفاعل الثقافي لديهم ، وخلق فضاء تربوي تنشيطي أساسه الحياة المدرسية السعيدة التي تساهم فيه كل الأطراف الفاعلة من داخل المؤسسة أو من خارجها. إذاً، ماهي الشراكة التربوية؟ وماهو سياقها التاريخي والتربوي في الغرب والمغرب؟ وماهي العوامل التي أفرزت مفهوم الشراكة؟ وماهي مواصفات هذه الشراكة التربوية وأنواعها؟ وماهي السلبيات التي تعيق نجاح وتطور هذه الشراكة التربوية؟ وما هي أهمية الشراكة التربوية في الحياة المدرسية؟

وعليه، سنحاول بداية أن نشير بعجالة إلى مفهوم الحياة المدرسية وأنشطتها وآليات تفعيلها، قبل أن نتطرق إلى الشراكة التربوية لمحاولة اللإجابة عن التساؤلات المطروحة.

المبحث الأول- مفهوم الشراكة التربوية:

المطلب الاول – تعريف الشراكة التربوية ونشأتها وعوامل ظهورها:

الفرع الاول – تعريف الشراكة التربوية ونشأتها:

يعرف الشراكة كل من سيروتنيك ودلاد بأنها:" اتفاق تعاون متبادل بين شركاء متكافئين ومتساوين، لتحقيق أغراضهم الخاصة، وفي نفس الوقت ،تقديم حلول للمشاكل المشتركة". ويرى الباحث محمد الدريج أن الشراكة تفترض:" بين المؤسسات إحصاء وملاحظة المشاكل المشتركة وتشخيص أهمية النشاط المشترك وتحديد مهام محددة في الزمان وتوزيع المسؤولية وتخطيط مجالات التدخل بالنسبة لكل طرف وكذا أساليب ضبط الإنجازات وتقويم النتائج حسب المعايير المتفق عليها والمقبولة من كل الأطراف".

وتذهب وزارة التربية الوطنية في مذكرتها رقم 27 بتاريخ 24 فبراير1995 إلى أن الشراكة:" عموما تقتضي التعاون بين الأطراف المعنية وممارسة أنشطة مشتركة وتبادل المساعدات، والانفتاح على الآخر مع احترام خصوصياته. أما في الميدان التربوي، فإن الشراكة التي تندرج ضمن دينامية مشاريع المؤسسات تتطلب مجموع الفاعلين التربويين من مفتشين وإدارة تربوية وأساتذة ، وتلاميذ وآباء، وغيرهم...".

برزت الإرهاصات الأولى لمفهوم الشراكة في نهاية مرحلة الستينات من القرن الماضي، وكان ذلك تحت مسميات: التشارك؛ التعاون… وهي مفاهيم تندرج كلها في مفهوم أوسع ألا وهو المشاركة بكل مظاهرها .

وقد استعمل هذا المصطلح لأول مرة في اليابان في الثمانينيات في مجال المقاولات قبل أن ينتقل إلى بعض الدول الأمريكية ومنها إلى أوربا.

هذا، وقد أصبحنا نتحدث عن عدة شراكات: شراكة اقتصادية وشراكة اجتماعية وشراكة تجارية وشراكة سياسية وشراكة تربوية وشراكة عسكرية وشراكة نقابية وشراكات: ثقافية وفنية ورياضية...

أما في مجال العلاقات الدولية فإن أصل استعمال كلمة شراكة تم لأول مرة من طرف مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية في نهاية الثمانينات من القرن الماضي.

كما استعمل مفهوم الشراكة على نطاق واسع في السنوات الأخيرة من طرف بعض المؤسسات الدولية، حيث ما فتئ تقرير اليونسكو المعنون" التعليم ذلك الكنز المكنون" يؤكد على هذا المفهوم. وإذا كان من شيء ثابت يمكن رصده في استعمال هذا المفهوم هو بدون شك ذلك "البعد الانفتاحي على المحيط". وتؤكد زاي Danielle Zay أن بروز مفهوم الشراكة يندرج في إطار التحولات التي عرفتها أدوار كل من المؤسسة التعليمية ومختلف الفعاليات المتواجدة في محيطها. وبالتالي، هي دعوة للفاعلين التربويين والاجتماعيين والمهنيين للعب أدوار طلائعية وحيوية في وظائف المرافق العمومية للنظام التربوي .

أما بالنسبة لمجال التربية والتعليم، فمنذ أواسط الثمانينات، بدأت الشراكة تبرز وتتسع لتشمل قطاعات من مجال التربية والتعليم والذي لم يكن قد عرف هذا النظام، مثل التعليم العمومي بالإعداديات والثانويات في بعض الدول الأمريكية (ككندا والولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص) قبل أن ينتقل إلى العديد من الدول الأوروبية مثل إسبانيا وفرنسا.

الفرع الثاني – عوامل ظهور الشراكة في المجال التربوي:

يذهب الباحث التربوي محمد الدريج بأن العديد من العوامل تظافرت وراء ظهور الشراكة التربوية على الصعيد العالمي، وهي في مجملها نفس العوامل التي شجعت بشكل عام، ظهور ما يعرف بمشروع المؤسسة كأداة للتطوير والتجديد التربوي في الأنظمة التعليمية. فارتبطت الشراكة التربوية فيها، بالعديد من التحولات السياسية والاجتماعية التي عايشتها في العقدين الأخيرين.

وتقدم دنيال زاي Danielle Zay ( 1994) تحليلا للتطور الموازي الذي حدث في المجتمعات الغربية، تستخلص فيه أهم السمات التي تفسر ظهور وتطور نظام الشراكة.

من هذه السمات على سبيل المثال، سياسة الإصلاح والتجديد التربوي في أمريكا و التي أوجدت الرغبة في التشارك داخل النظام المدرسي، بين هذا النظام وبين المؤسسات الاجتماعية الأخرى.

ومن السمات البارزة كذلك، تحول المجتمعات الخاضعة للصناعة إلى مجتمعات تابعة للإعلام والاتصال والخدمات وتعاظم الوعي فيها، بأهمية "التبعية المتبادلة" بين مختلف القطاعات. وتظافر ذلك مع عوامل نظرية وعملية شجعت على خلق أنشطة للتعاون بين المؤسسات لحل المشاكل المشتركة، من مثل مشكلة الفشل المدرسي والانقطاع المبكر عن الدراسة وما يخلفه من آثار سيئة على الأفراد والجماعات.

كما نشطت الشراكة في المجال التربوي بفعل ظهور "التوجه إلى المحلي" وبالأهمية المتعاظمة للأقاليم و المناطق والجهات الاقتصادية والمدن والتجمعات السكنية في الأحياء. الأمر الذي أتاح إمكانيات واسعة للمبادرة والاستقلال في اتخاذ القرار على كافة الأصعدة، بما فيها المؤسسات المدرسية والتي أصبحت في مستوى التفاوض و إبرام الاتفاقيات والدخول في علاقات تعاونية مع محيطها.

وفي المغرب لم يطرح مفهوم الشراكة التربوية إلا في بداية التسعينيات من القرن العشرين إثر مجموعة من الندوات واللقاءات والتظاهرات، لتقوم،بعد ذلك، وزارة التربية الوطنية بصياغة مفهومها عن الشراكة التربوية وترجمته من خلال مذكرتين وزاريتين أساسيتين:

أ‌ - مذكرة وزارية رقم 73 بتاريخ 12 أبريل 1994 وهي خاصة بمشروع المؤسسة.

ب‌ - مذكرة وزارية رقم 27 بتاريخ 24 فبراير 1995 وهي التي تناولت مفهوم الشراكة التربوية.

فالمذكرة 27 التي تتحدث عن الشراكة ترى أن مشروع المؤسسة هو جوهر هذا المفهوم ومجاله المحوري الذي لاينبغي أن تخرج عنه أية شراكة مهما كانت صياغتها،ومن هنا يتضح التداخل الموجود بين مفهوم مشروع المؤسسة ومفهوم الشراكة التربوية.

كما جاء في المذكرة 27:" عبرت بعض المؤسسات عن رغبتها في ربط علاقة شراكة تربوية مع مؤسسات تابعة للقطاع الخاص أو شبه العمومي أو مع الجماعات المحلية، أو مع مؤسسات تابعة للمصالح الثقافية الأجنبية.

وقبل ذلك أبان جاك شيراك الرئيس الفرنسي الاسبق في خطابه أثناء زيارته للمغرب عن استعداد فرنسا في الدخول في شراكة بيداغوجية مع المغرب لتعزيز المكاسب اللغوية عن طريق تبادل الزيارات وتفعيل التواصل الثقافي واللغوي في إطار التصور الفرانكفوني:" شراكة بيداغوجية حقيقية بين المؤسسات التعليمية المغربية ومثيلاتها التابعة للبعثة الثقافية الفرنسية. والعمل على تطوير، في الوقت ذاته، قنوات دولية في نظام التعليم بالمغرب".

وعليه، فإن المذكرة الوزارية التي تتحدث عن الشراكة ترى أن مشروع المؤسسة هو جوهر هذا المفهوم ومجاله المحوري الذي لا ينبغي أن تخرج عنه أية شراكة مهما كانت صيغتها. ومن ثم، يتداخل مفهوم مشروع المؤسسة مع مشروع الشراكة.

المطلب الثاني – أنماط الشراكة التربوية وسلبياتها:

الفرع الاول– أنماط الشراكة التربوية :

أنواع الشراكة التربوية:

هناك ثلاث أنواع من الشراكات التي يمكن أن تعقدها مِؤسسة تعليمية مع مؤسسة تعليمية أخرى أو مع أطراف فاعلة أخرى،وهي على الشكل التالي:

أ- شراكة داخلية: وهي شراكة يساهم فيها الفاعلون الداخليون الذين ينتمون إلى المؤسسة التعليمية كالتلاميذ والأساتذة والإدارة التربوية وجمعيات الآباء عن طريق اقتراح مشاريع تربوية واجتماعية وبيئية وثقافية وفنية ورياضية والتي تهم المؤسسة أو مؤسستين فأكثر كمشروع دعم التلاميذ معرفيا ومنهجيا والتكوين الإعلامي لفائدة الأساتذة والتلاميذ ورجال لإدارة،وتدريس اللغات الأجنبية…

ب – شراكة المؤسسة مع محيطها الخارجي: وهنا نستحضر انفتاح المؤسسة على محيطها السوسيو – اقتصادي من خلال خلق شراكات مع الجماعات المحلية والجمعيات التنموية الفاعلة في المنطقة والقطاع الخاص ومراكز التكوين والمعاهد والجامعات ….

ج – شراكة خارجية: تعقد المؤسسات التعليمية شركات تربوية مع مؤسسات أو أطراف عربية أو أجنبية قصد تبادل الزيارات والخبرات والتجارب في إطار التفاعل الثقافي والحضاري.

الفرع الثالث - سلبيات الشراكة التربوية في النظام التربوي المغربي:

ما يلاحظ على مشروع الشراكة التربوية في المغرب أنها ما تزال ضعيفة على مستوى المؤسسات التعليمية،كما أن أغلب هذه الشراكات من نوع الشراكات الداخلية ولا تتعداها إلى شراكات خارجية مع مؤسسات أجنبية لأسباب إدارية وتنظيمية ومالية وقانونية، وأهم مشكل يقف وراء فشل أغلب الشراكات التربوية هو البطء الإداري والبيروقراطية وانعدام الإمكانيات المادية والمالية والبشرية والتقنية وكذا انعدام المتابعة الادارية لأجرأة هذه الشراكات التربوية بعد المصادقة عليها ودعمها بالوسائل اللازمة لتحقيق أهدافها …

فمشروع الشراكة التربوية لايمكن أن يحقق ثماره المرجوة ونجاحه المرغوب إلا بترجمة مضامين المذكرات الوزارية والقرارات الصادرة في هذا الشأن إلى أعمال ميدانية وعملية في الواقع والممارسة.

خاتمة:

- تعد الشراكة التربوية شرط أساسي للنهوض بالمؤسسات التعليمية، باعتبار أنها شأن يهم المجتمع برمته؛

- ضرورة الأخذ بعين الاعتبار أن الشراكة ليست مسألة دعم مالي فقط، وإنما يجب دعم الجوانب التكوينية والبيداغوجية والمعرفية في إطار الجهود لإعداد مواطنين مؤهلين علميا ومعرفيا وإنسانيا؛

- الوعي بكون الشراكة بين المدرسة ومحيطها هي شراكة ذات فائدة متبادلة، وأن للمدرسة والجامعة دور الشريك الناجع في التنمية المجتمعية.

- إعداد استراتيجية حكومية واضحة تحدد أدوار الشركاء حسب اختلاف نوعيتهم ومجالات تدخلهم؛

- إحداث مكاتب خاصة للشراكة والتعاون بجميع الاكاديميات الجهوية للتربية والتكوين.

- إدراج الشراكة المؤسساتية بين الجماعات المحلية والمدرسة المغربية ضمن مكونات الميثاق الجماعي لتيسير انخراط الجماعات المحلية فعليا في دعم إصلاح المنظومة التربوية؛

- تأهيل الجمعيات والفاعلين التربويين لتعزيز قيامهم بأدوراهم في ميدان الشراكة على نحو فعال؛

- إحداث شبكة للجمعيات المتدخلة في ميدان التربية لتبادل الخبرات وتحديث تدخلاتها وترشيد الموارد، ضمن منظور جديد للشراكة القائمة على القرب؛

- جعل الشراكة إطارا تفاعليا يتيح إشراك جميع الفاعلين المعنيين بموضوعها، ولاسيما التلاميذ والطلبة بوصفهم شركاء يتعين أخذ دورهم في الاعتبار.

- وضع نظام قار وناجع لتتبع وتقويم سير ونتائج الشراكات، وتمكين مختلف مستويات التدبير من استثمار هذه النتائج؛

- وضع إحصاء شامل بقاعدة بيانات تخص مختلف الشركاء وتصنيفهم حسب مجالات تخصصهم أو تدخلهم أو خبرتهم.

- وضع سياسة للشراكة التربوية وصيَّغها ضمن استراتيجية وطنية متكاملة، وكذا استراتيجيات جهوية تكون منسجمة معها؛

- اعتماد شراكات جديدة حول برامج للتكوين المستمر أثناء العمل لفائدة المدرسين والمكونين،

- فتح أبواب المقاولات أمام المدرسين والمكونين من أجل متابعة تداريب داخلها خلال العطل، بشكل يشجعهم على امتلاك كفايات وقدرات تأطير التلاميذ والمتدربين، وحفزهم على روح المقاولة؛

- تبسيط مساطر عقود الشراكات إقليميا وجهويا ووطنيا لتحقيق النجاعة والفاعلية وثقافة القرب؛

- الاهتمام بإدماج ذوي الحاجات الخاصة أثناء عقد الشراكات؛

- الدعوة إلى عقد شراكات ذات قيمة مضافة عالية مع مراكز البحث العالمية، على أساس مبدأ الفائدة المتبادلة، بما يخول تعبئة قدرات بلدنا في مجال البحث العلمي، وتقوية الأثر الإيجابي لهذه الشراكات على مؤسساتنا التعليمية.

 

د.محسن الندوي

دكتور في القانون العام

........................

المراجع:

- د.بلقيس غالب الشرعي، دور المشاركة المجتمعية في الإصلاح المدرسي ،دراسة مقدمة لمؤتمر الإصلاح المدرسي تحديات وطموحات، كلية التربية – جامعة الإمارات العربية المتحدة،قسم الأصول والإدارة التربوية – كلية التربية،جامعة السلطان قابوس،17-19 ابريل 2007

- جميل حمداوي استاذ جامعي، الشراكة التربــــويـــة في نظامنا التعليمي المغربي

- عبد العزيز سنهجي مفتش في التوجيه التربوي/أستاد بمركز التوجيه والتخطيط التربوي مركز التوجيه والتخطيط التربوي – الرباط.

وزارة التربية الوطنية ومنتديات الأصلاح تحت شعار – الشراكة دعامة اساسية للتربيةوالتكوين

- مشاريع الارتقاء بالتدريس وأنشطة الحياة المدرسية لتحسين التعلمات عن الوحدة المركزية لنكوين الاطر نونبر2012 ص 49

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5369 المصادف: 2021-05-18 03:19:59


Share on Myspace