 قضايا

مجدي إبراهيم: إنصاف المستشرقين

مجدي ابراهيمعندما تكون "الفكرة" هى حياة صاحبها ولا تزيد .. بمعنى أن تكون هي نفسها عنايته ورعايته كما يرعى حياته ويعتني بها، يعيشها حالة روحيّة كما تعاش الحياة الحية النابضة بالحركة والعطاء، هنالك تصبح هذه الحالة نفسها هى قمة الفلسفة وقيمتها سواء؛ لأن الفلسفة عقل يفكر بإرادة المعالي باستمرار، ولا يكف عن التفكير، أيّاً كانت هذه الفكرة، دينية أو فلسفية أو علمية .. المهم أن تكون حياة صاحبها يُوَقِّع عليها متنوَّع الألحان.

هذا هو الإخلاص للعطاء كونه يكشف عن نشاط صاحبه العقلي. وإذا أخطاء المخلصين، ففي الغالب يقودهم إخلاصهم إلى الصواب من طريق التماس الحقيقة ما دامت سلامة النيّة قصداً مُوجَّهاً نحو هذه الحقيقة لا شيء غيرها، وغيرها من المقاصد والمطالب لا يُعوّلُ عليه.

وهل هذا كلام يقال في حق المستشرقين وفيهم من تعمد سوء القصد وسوء النيّة وبخاصّة إزاء حضارة الإسلام ونبيّ الإسلام وشريعة الإسلام؟

نعم! ولكن فيهم من هو مُخلص معطاء خدم التراث الإسلامي كشفاً وتحقيقاً ونشراً، ينظر إلى الحق في ذاته ويبحث عن الحقيقة وحدها، ويخفق في جانب ويصيب في آخر، وفي النهاية يبقى تقدُّمه في البحث عن الحقيقة شاهداً على إخلاصه، وتظل أسبقيته في توجيه الطالبين لها من حيث هى حقيقة باقية للزمن وللتاريخ، فيكشف بحثه عنها عن تلك الحالة التي وصفناها بقمة الفلسفة وقيمتها حيث تكون تفكيراً بإرادة المعالي على سلامة القصد وسلامة النيّة.

أما وإنّ أكثر ما يصيب القوم من جراء دارسة الفلسفة وخلاف الفلاسفة هو التناكة العقلية والغرور الأجوف، وتسليط الأضواء على تزكية النزاع لا على إثراء الحوار. مع أن الفلسفة لم تكن يوماً نزاعاً؛ بل هي في الأصل حوار قائم بين أطراف متناقضة على نقاش هادئ هادف بنّاء. فلماذا ورثنا التناكة العقلية واستبدلنا الحوار بالنزاع. هذه لوثة باطنة يلزم التخلص منها إذا صحَّت الفلسفة وصلحت لمجتمعات عربية ولكن هيهات!

من تلك الأفكار التي وقَّع عليها بعضهم، ذلك اللحن الشَّجيّ، ما توصّل إليه المستشرقون، بعضهم طبعاً لا كلهم، وهم غرباء عن اللغة والدين، وهذه وحدها كافية للإخلاص، في حق شخص النبيّ، صلوات الله وسلامه عليه: فيها الإنصاف كما ظهر لدى بعضهم الإجحاف، والجانب المنصف مشرق، والجانب المجحف مظلم لا محالة، له مقاصد سياسية وعقائدية تخفي وراءها توجهات تضرب اللغة، وأيدولوجيات تطعن الحضارة والدين جميعاً، ولكن التجرد للبحث العلمي ومطالب الحقيقة وحدها قصد نبيل ونادر عرفه بعض المستشرقين ولم يكن لدى جميعهم ولا أغلبهم.

كتب المستشرقون عن الإسلام ونبيه، عليه السلام؛ فإذا بالإسلام يبدو في دراساتهم وبحوثهم ديناً دولياً عاماً؛ وإذا بنبيِّه - صلوات ربي وسلامه عليه - هو الأسوة الحسنة التي يلتقي فيها شعور المساواة والإخاء والحب الكامل بين أبناء العالمين جميعاً بغير استثناء.

وللأستاذ  "كارا دي فو" كتابُ عن "المحمديّة" جاء فيه قوله:" إنّ محمداً كان هو النبي؛ والمُلهم، والمؤسس، ولم يستطع أحد أن ينازعه المكانة العليا .. ومع ذلك لم ينظر إلى نفسه كرجل من عنصر آخر؛ أو من طبقة أخرى غير طبقات بقيّة المسلمين.

إنّ شعور المساواة والإخاء الذي أسَّسه بين أعضاء الجمعية الإسلامية، كان يُطبق تطبيقاً عمليّاً حتى على النبيّ نفسه".

وإنه؛ صلوات الله وسلامه عليه: " أتمَّ طفولته في الهدوء، ولما بلغ سن الشباب أشتهر باسم الشاب الذكي الوديع المحبوب …". وقد عاش هادئاً في سلام حتى بلغ الأربعين من عمره، وكان بشوشاً تقيّاً لطيف المعاشرة" .. (صلى الله عليه وسلم).

قال تعالى لنبيّه صلوات الله عليه: "وإنّك لعلى خُلق عظيم"، ولم يقل وإنك لعلى علم عظيم .. لماذا؟ لأن الأخلاق مقدّمة على العلم .. ولن يفيد العلم شيئاً وهو بمعزل عن الأخلاق .. ومراعاة تلمس الخيط الخُلقي في شخصه عليه السلام، يعطي المفتاح إلى اهتداء الحقيقة. ولا يقف فقط عند العلم بها وكفى بل يقدر فيها السلوك الحياتي كنمط فاعل مؤثر يتقوّم عليه جانب من جوانب الشخصية النبويّة كونها خُلقيّة في الأساس: (إنمّا بُعث لأتمِّم مكارم الأخلاق).

وهل نحتاج إلى ذكر كلام المستشرقين بعد ما رأينا من مدح الله سبحانه لحبيبه وصفاً في كتاب يُتلى وعبادة تدوم فلا تنقطع؟

وهل بعد قول الحق (وإنّك لعلى خُلق عظيم) كلام يُقال من مستشرقين وغير المستشرقين؟ وماذا يفيد أصلاً وفعلاً؟

وبقليل من التأمل، تجد الإجابة: نعم! يفيد؛ إذْ نحتاج إلى منصفٍ لا يكون الإجحاف لديه هو غاية الغايات من مطالب البحث العلمي. إذا كان الحق تبارك وتعالى قال في حق نبيّه صلوات الله وسلامه عليه: إنه على خلق عظيم؛ فقد قاله للمؤمن المصدّق الذي لا ينفصل شعوره الديني بالإيمان بالله وملائكته وكتبه عن الإيمان برسوله المبلغ لا من حيث المحبة أو القربة؛ فتصديق الرسول أول خطوة إيمانية على الطريق بالنسبة للمؤمن، واتّباع خطى الحبيب اتّباع لله: نفسه وعينه:"قل إنْ كنتم تحبُّون الله فاتبعوني يحببكم الله"؛ فهنالك بَرَزتْ وحدة الطريق.

هذا مفروغٌ منه لا حاجة بنا إلى مزيد تكراره. لكن مُقرّرات البحث العلمي التي يعتز بها المستشرقون تفرض على السّعة معايشة الفكرة وتقدير الإنصاف في مقابل عسف الإجحاف وتقليد الأفكار المنقولة تقليداً أعمى.

وقد ضرب المستشرقون أمثلة ظالمة في الغضّ من أقدار رسول الله صلوات الله وسلامه عليه؛ فحين يأتي منصف منهم يُقرّر مثل ما قرّره "كارا دي فو" وأمثاله من المنصفين؛ فهو يرد عليهم بمقررات البحث العلمي، ويقدح في الجانب المجحف التقليدي الظالم الذي لا يثبت قيمة ولا يقرّر حقيقة، ولا يؤكد معايشة صاحبه للفكرة التي يوليها العناية والاهتمام، ولا يُقيم فلسفة في الرأي بإطلاق. بمثل هذا شهد الشاهد الذي هو من أهلها.

ولم يكن شهوده عن تعصب ولا عن هوى؛ بل عن مقرر تقرَّر في مطالب البحث العلمي الحديث؛ لكنه تقرّر عن إنصاف ولم يتقرر عن ظلم للحقيقة وعن إجحاف.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

صديقي الرائع د. مجدي إبراهيم أصبت كبد الحقيقة وسبرت أغوارها
وليس يخرج هذا التحليل العميق إلاَّ من فهم أعمق
المستشرقون لديهم قوة العقل والفهم والروح بشكل مذهل. وبصرف النظر عن (نواياهم وهي مهمة جداً)، فقد أخرجوا درر التراث الفكري والديني من النسيان.
يمكن أن نأخذ في الاعتبار عدة نقاط:
1- أن الاستشراق هو صورة معرفية من الهيمنة الثقافية الغربية التي هي أحد خلفيات الاستعمار. حتى وإنْ لم يعلم بعض المستشرقين ذلك، فقد وقعوا في أخطاء الحالة الاستعمارية كما رسمها التراث الغربي( كتاب : الاستشراق لإدوراد سعيد، وما بعد الاستشراق لحميد دباشي).
2- كانت أدوات الاستشراق أدوات فذة معرفياً ومنهجياً، لنا أن ندرك كون كبار مفكرينا مثل مصطفى عبد الرازق وعبد الرحمن بدوي وطه حسين قد تأثروا بهؤلاء الغربيين.
3- رسم الاستشراق إلى صورتنا الثقافية عن أنفسنا، بل قدموا لنا هذه الصورة كما يرغبون وتم إقناعناً بها ومازالت سارية.
4- بعض المستشرقين مثل لويس ماسينيون وهنري كوربان قدما جهوداً عظيمة للتراث الروحي والفكري للشرق، بل تأثر بهم مفكرو الغرب. فهنري كوربان هو مترجم كتاب هيدجر الرئيس( الوجود والزمان) من الألمانية إلى الفرنسية، وترجمه بروح المقولات الصوفية الفارسية. وربما أنه ما لم يكن قد درس التصوف الفارسي ما كان ليقدم ترجمته لعبارات هيدجر الملغزة التي هي متأثرة في جذورها بالفكر الشرقي القديم.
5- الاستشراق المعاصر بدأ يعدل المسار القديم وكشف زيف بعض المشتشرقين العاملين مع المخابرات الغربية (مثل برنارد لويس)، فقد قدمت أنّا ماري شيميل نصوصاً بالغة الثراء في التصوف والحضارة الإسلامية مثلها مثل سيجريد هونكة التي أظهرت كيف تسطع شمس العرب على الغرب.
6- قوة العطاء لدي المستشرقين والاخلاص للعمل الفكري والمعرفي حقاً كانت ظاهرة حضارية بامتياز، وهذا بالفعل سبب الإنصاف كما أشرتم.
دام يراعكم المبدع والمعطاء
تحياتي ومحبتي

سامي عبد العال
This comment was minimized by the moderator on the site

الصديق الرائع المبدع دكتور سامي، حفظكم الله وبارك فيكم .. كم أنا سعيد برُقيّك الفكري وثقافتك العالية ونزوعك إلى المعرفة التي يتقطر أريجها العطر تحت سنان قلمك بالأصالة ..
أضفت كثيراً ممّا هو متوقع منك وأكثر ، حقاً ما ذكرت .. ظاهرة الاستشراق تتناوب بين السياسي والعلمي كما تعلمون، ولا يغض من أقدار المستشرقين على الثقافة العربية إلا من يؤلف في علم الاستحمار ! .. لولا أجيال كثيرة رائدة من المستشرقين المُحققين ما كنا عرفنا تراثنا ولا تعلم روادنا ولا فتحت جامعاتنا .. حقّق مُونك "دلائل الحائرين" لموسى بن ميمون فاجهد نفسه حتى فقد عينه ولما ظهر الجزء الثاني تحسسه بيديه .. أي إخلاص هذا؟
ولولا إدوارد سخّاو ما عرفنا كتاب البيروني "تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة"، ناهيك عن جهودهم في السيرة والتاريخ والتصوف والمعارف الإسلامية والعربية على التعميم .. ومع ذلك هناك من يذمهم عن جهل وحتى الذين ينقدونهم عن علم يضعون السياسة في مقدمة أغراضهم وأبحاثهم إذ يكون التوظيف الأيديولوجي المسبق هو الحكم الأول والأخير كما فعل أنور عبد الملك في أزمة الاستشراق أو الاستشراق في أزمة .. لكأنهم ينظرون ويسبقهم توجههم ولا تحكمهم قناعاتهم نظير ما يفكرون.

المهم يا صديقي أنت الرائع دوماً بكل ما تتحفنا به من نظرات.

دام معروف المخلصين.

تحياتي مع صادق الود

مجدي إبراهيم
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5369 المصادف: 2021-05-18 03:18:32


Share on Myspace