 أقلام فكرية

محمود محمد علي: نظرية الحتمية المنطقية في مدرسة وارسو البولندية" لوكاشفيتش نموذجاً" (2)

محمود محمد علينعود وننهي حديثنا عن نظرية الحتمية المنطقية في مدرسة وارسو البولندية" لوكاشفيتش نموذجاً"، وفي هذا يمكن القول:.. وانطلاقاً من تسليم أرسطو  بفكرة الاحتمال على الأحداث المستقبلة، وضع لوكاشِيفتشِ هذه الفرضية لتأسيس منطقه الثلاثي القيم، فيقول: "سوف أحضر إلي وارسو بعد  الظهر في21 ديسمبر العام القادم"، ثم يتساءل هل هذه الفرضية صادقة أم كاذبة، فإذا كانت صادقة، فلابد أن حضوري في الميعاد المحدد سوف يكون ضرورياً. وهذا يصعب التكهن به، وإذا كانت كاذبة بأنني سوف لا أحضر في الميعاد المحدد، فمن الصعب أيضاً التكهن به، ولذلك فإنني أقول " من الممكن أن أكون في وارسو يوم 21 ديسمبر"، وتلك القضايا ليست ضرورية ولا صادقة أو كاذبة في اللحظة التي تم فيها تقريرها كقضايا المستقبلات الممكنة عند أرسطو(21).

وهنا نجد لوكاشِيفتشِ يقدم قيمة ثالثة لمثل هذه القضايا، وهى القيمة "ممكن"،  ويرمز لها بالحرف "لا". و لما كان المناطقة  رمزوا في الماضي للكذب بالرمز "0"، وللصدق بالرمز "1"، فإن لوكاشِيفتشِ يرمز للممكن بالرمز"Y" (22).

ولنتناول حساب دوال الصدق في المنطق الثلاثي القيم الذي وضعه لوكاشِيفتشِ سنة 1920، وهو يختص بمعالجة قضايا المستقبل بمنهج المصفوفات، مع الأخذ بالمبدأ القائل: إن كل قضية تثبت أو تنفى مستقبلاً لها قيمة مختلفة عن الواحد والصفر، هي قيمة متوسطة، وعلى مسافة واحدة على كل منهما، وإن معالجة مثل هذه القضايا بالحساب الثنائي القيم يوصلنا إلى نتائج متعارضة وغير مقبولة، مما يجعلنا نحكم عليه بأنه غير ملائم .

ولكي نقيم دوال الصدق في المنطق الثلاثي القيم عند لوكاشِيفتشِ يجب علينا أن نبدأ كما هو معروف في المنطق الثنائي القيم، بتحديد مصفوفات العوامل الأساسية، وأعنى النفي والواصل والفصل واللزوم والتكافؤ . وترانا هنا نحافظ على المصفوفات القديمة بشرط أن نطولها بإدخال القيمة Y بين القيمتين (1، 0 ) بحيث تقتسم هذه القيم الثلاث سطور المصفوفة  (23).

هذا هو باختصار المنهج الذى صاغه لوكاشِيفتشِ لبناء المنطق ثلاثي القيم، وقد شيده لضرب مذهب الحتمية الفلسفي، وهذا المذهب كما وصفه لوكاشِيفتشِ يؤكد على أنه إذا وقع حادث ما وليكن " ح " في اللحظة " ل " فيصدق في أي لحظة سابقة على  " ل " أن " ح " يحدث في اللحظة " ل " (24) .

ويسوق لوكاشِيفتشِ مثالاً لتوضيح ذلك فيقول " جون John    قابل بول Poul  في ميدان البلدة القديم في وارسو ظهر أمس "، ويعلق على هذا المثال قائلاً:- من الواضح أن لقاء الأمس لم يعد موجوداً اليوم، إلا أن حقيقة الأمس لم تعد مجرد وهم اليوم . ولكن جزءً مـن الحقيقة أن " جون " و " بول " أخذا ذلك في اعتباراهما .كلاهما يتذكر لقاء الأمس، وبالتالي، فإن آثار وبقايا لقاء الأمس لا تزال موجودة إلى حد ما لديهما اليوم . فكل منهما يستطيع أن يقسم  أو يحلف في محكمة بأنه رأى الآخر في ميدان البلدة القديم في وارسو ظهر أمس . وعلى أساس هذه المعلومة أقول "حقيقي فى كل لحظة اليوم أن جون قابل بول في ميدان البلدة القديم في وارسوا ظهر أمس ولا أقصد بهذه الجملة " جون " قابل بول في ميدان البلدة في وارسو ظهر أمس " أنها صادقة في كل لحظة من لحظات اليوم ما لم ينطق بها أو يفكر فيها شخص ما . إن هذه الجملة إن لم ينطق أو يفكر فيها أحد، فهي بالتالي غير حقيقية، لأنها ليس لها وجود على الإطلاق . وسوف استخدام التعبير " أنها حقيقية في كل لحظة T that P ، حيث أن " لحظة " تعنى نقطه نحن نعتقد بأن الشئ الذي حدث لا يمكن الرجوع عند حدوثه بمعنى ما قد حدث قد حدث بالفعل، وبذلك لا يمكن  أن نبطل حدوثه . وما كان صادقا أو حقيقياً سيبقى كذلك إلى الأبد . فالحقيقة كلها خالدة وباقية . وهذه تبدو حدسياًً مؤكدة . لذلك نحن نصدق إذا قلنا أن (أ ) هو( ب) في اللحظة (س)، وعليه فإن (أ) هو (ب) صادقاً في أي لحظة تلى اللحظة (س) . ولذلك عندما نقول أن جون قابل بول في ميدان البلدة القديم في وارسو ظهر أمس، فإن هذا القول صادق في لحظة تلى لحظة مساء أمس " (25).

ثم يعقب لوكاسيفتش على هذا بأن يتساءل فيقول: " ولكن المشكلة هنا هل يصدق القول بأن جون قابل بول فى ميدان البلدة القديم في أي لحظة تسبق ظهر أمس ؟ وهل من الصدق أن اليوم الذى يسبق الأمس أو عام مضى وفى لحظة ميعاد جون وأي لحظة تلى ميعاده يكون صادقا ؟ وهل أى شئ سوف يحدث في المستقبل سيكون صادقاً أو حقيقياً في المستقبل هو صادق أو حقيقي اليوم ؟ وهل هو صادق إلى الأبد ؟ وهل كل الحقيقة أبدية.

ويعلق لوكاشيفتش على هذه التساؤلات بأنها ستكون مثار جدل عنيف، فالحتميون ستكون إجابتهم بالإثبات، بينما اللاحتميون ستكون إجابتهم بالنفي . فالحتميون   يرون أنه طالما   ( أ) هو ( ب) فى اللحظة س صادق، فإن ( أ) هو( ب) في أي لحظة تسبق اللحظة (س) كاذب.

وهنا يؤكد لوكاشِيفتشِ بأن النظرة التي ينظرها الحتميون لا تجعلهم يفرقون  بين المستقبل والماضي . يقول لوكاشيفش:" فمن يتبنى مثل هذا المنهج، فإنه لا يستطيع أن يفرق بين المستقبل والماضي . فإذا كان الشئ الذى سيحدث فى المستقبل حقيقياً وصادقاً، إذا ما حدث اليوم وهو صادق وحقيقي بشكل أبدى، فالمستقبل يعامل كالماضي، ولا يختلف عنه سوى في كون المستقبل لم يمر أو لم ينقضي بعد (26).

ثم يوضح لوكاشِيفتشِ السبب الذى جعل الحتميون لا يفرقون بين المستقبل والحاضر فيقول  " أن الشخص الذى يتمسك بمبدأ الحتمـية ينظـر إلى الأحـداث الكـونية على أنها شريط أو فيلم درامي تتابع حلقاته فى استديو سينمائي كوني، حيث إننا نعيش هذا العرض ولا نعرف نهايته بالرغم من أن كل شخص ليس فقط مشاهد، بل ممثل في هذه الدراما . ولكن النهاية موجودة، حيث إنها موجودة منذ بداية العرض، وبالنظر بشكل كلى للأحداث، نجد أن الصورة مكتملة إلى الأبد، وعليه فإن حياتنا بكل ما فيها من أفعال ومغامرات وأحداث وكل أفعالنا وكل ما نأخذه من قرارات إيجابية أو سلبية، إنما هو مثبت سلفاً من الأزل، حتى لحظة الموت سواء كانت لحظة موتك أو موتى، إنما هي مقررة وحادثه سلفاً . وما نحن إلا دمى أو عرائس تحركها الخيوط فى الدراما الكونية . وعليه فنحن لا نملك سوى الانتظار ومشاهدة ما يقع من أحداث متحلين بالصبر حتى نصل إلى النهاية "(27).

غير أن لوكاشيفتش يرى أن هذه النظرة التي يأخذ بها دعاة الحتمية الفلسفية تقوم على قانون العلية، القائل بأن كل حادث له عله قائمة في حادث سابق، وإذا صح ذلك، فيبدو من البّين أن الحوادث المستقبلة كلها لها علل موجودة من الأزل، وجميعها إذن محتوم قبلاً، ومن الحق بالطبع أن الفلكيين باعتمادهم على بعض القوانين التى تحكم العالم، يستطيعون التنبؤ مقدماً بمواقع وحركات الأجرام السماوية بشئ كثير من الدقة . وعند لحظة انتهائي من الجملة الأخيرة، أود أن أتسأل هل ينبغى لى أن اعتقد أن هذا الحادث محتوم أيضاً من الأزل، وأن الذى تحتمه قوانين مجهولة تحكم العالم ؟ لو قبلنا ذلك لكنا نريد الاسترسال في تظنن لا ضابط له، منه إلى الاعتماد على مقررات التحقيق العلمى .

ثم يؤكد لوكاشتفتش بأنه حتى لو قبلنا قانون العلية، باعتباره قانونا صادقاً على وجه العموم، فإن الحجة التي ذكرناها الآن قاطعة . فلنا أن نفترض أن تكون لكل حادث حادثة، وأن شيئاً لا يحدث بالصدفة . غير أن سلسلة العلل المنتجة فى المستقبل، وإن كانت لا متناهية، فإنها لا تصل إلى اللحظة الراهنة (28) .

ويوضح لوكاشِيفتشِ ذلك بمثال رياضي فيقول:" فلندلل على اللحظة الراهنة بالعدد "0" وعلى لحظة المستقبل بالعدد "1" وعلى لحظات علله بكسور" Y " فلأنه لا يوجد حد أدني للكسور الزائدة علي Y فلكل حادثة قائمة في حادث سابق، ولكن سلسلة العلل والمعلولات بأسرها تتحدد عن اللحظة Y،وهذه اللحظة لاحقة على  اللحظة "0"(29)

وينتهي لوكاشِيفتشِ إلى هذه النتيجة،  فيقول:" لنا أن نفترض أن معركة الغد البحرية التي يتكلم عنها أرسطو رغم أنها سوف يكون لها علة، وهذه العلة سوف يكون لها علة أخرى وهكذا، فإن هذه المعركة ليس لها اليوم علة . وبالمثل لنا أن نفترض أنه لا يوجد اليوم شئ من شأنه أن يمنع وقوع معركة بحرية في الغد . فإذا كان الصدق قائماً في مطابقة الفكر للواقع، فلنا أن نقول أن القضايا الصادقة اليوم هي التي تطابق واقع اليوم أو التي تطابق واقع الغد، من حيث أنها تعينه علل موجودة اليوم . ولأن معركة الغد  البحرية ليست متحققة اليوم، فالقضية القائلة بأنه " سوف توجد معركة بحرية في الغد "، ليست اليوم صادقة ولا كاذبة، وإنما يجوز لنا فقط أن نقول: ربما توجد في الغد معركة بحرية، وربما لا توجد في الغد معركة بحرية . فمعركة الغد البحرية حادث ممكن، وإذا وجد هذا النوع من الحوادث، كذب المذهب الحتمي (30) .

مما سبق يتضح لنا أن لوكاشيفتش،  حين وضع المنطق ثلاثي القيم كان يهدف من وراء ذلك تقويض المذهب الحتمي وحل مشكلة الحرية، فلقد  اعتقد أن القول بالحتمية، إنما يرجع إلى تطبيق مبدأ الثالث المرفوع على القضايا المتعلقة بالمستقبل، فإذا ما خلعنا على تلك القضايا قيمة صدق ثالثة تتوسط بين الصدق والكذب، أمكننا نزع شوكة الحتمية  المنطقية التي يؤكدها المبدأ .

 

ثانياً:- تطور منهجية لوكاشِيفتشِ في الحتمية  المنطقية من خلال انتقاله من المنطق رباعي القيم إلى المنطق متعدد القيم

إذا كان لوكاشِيفتش ِقد شيد النسق المنطقي الثلاثي القيم، للتغلب على الحتمية المنطقية، فذلك لاعتقاده بأنه مرتبط بعدم التسليم بمبدأ ثنائية القيم، غير أنه عدل فيما بعد عن هذا الاعتقاد، وذلك يعد أن أدرك أنه ليس هناك تعارض بين انتفاء الحتمية والمنطق الثنائي القيم . وبعد إنشاء النسق المنطقي الثلاثي القيم، صار من الممكن إنشاء نسق رباعي القيم، وذلك بإضافة قيمة رابعة ؛ فإذا كان النسق الثلاثي القيم يؤكد على أن القيمة الثالثة هي القيمة " ممكن " أي محتملة الصدق أو الكذب، فإن القيمة الرابعة تكون ليست محتملة الصدق أو الكـذب ؛ أي لا صـادقة ولا كـاذبة .

والنسق المنطقي الرباعي القيم، كما يذكر بعض الباحثين، توصل إليه لوكاشِيفتش سنه 1951، وذلك بعد التعديلات التي أجراها على المنطق الموجه حين رأى في النهاية أن يفسر منطق الجهات الأرسطي في ضوء نسق رباعي القيم (31) .

وفى هذا التفسير وضحت فكرة المنطق رباعي القيم من خلال إعادة النظر فى قضية الممكنات المستقبلة عند أرسطو، حيث يقول لوكاشِيفتشِ" فنأخذ مثال المعركة البحرية، ولنفرض أن شيئا لم يتعين بعد اليوم بخصوص هذه المعركة، وأعنى بذلك أنه لا يوجد اليوم شئ محقق من شأنه أن يكون علة في حدوث معركة بحرية في الغد، كما لا يوجد شئ من شأنه أن يكون علة في عدم حدوثها، ومن ثم فإذا كان الصدق ( الحق ) قائماً في تطابق الفكر والواقع، فالقضية ستحدث معركة بحرية غدا ليست اليوم صادقة ولا كاذبة " (32) .

وفى فقرة أخرى يقول " إذا كان أرسطو " يرى أن القضية يحتمل أن توجد معركة بحرية غدا، والقضية يحتمل أن لا توجد معركة بحرية غداً، قد تصدقان معاً اليوم،  و ذلك يتفق مع تصوره للإمكان أنه قد توجد  قضايا ممكنه . هناك طريقان لتجنب هذا التناقص بين رأي أرسطو ونسقنا في المنطق الموجه(ذو الرباعي القيم)، فيجب إما أن ننكر أن تكون أية قضية  ممكنه وصادقة معاً، وإما أن نعدل تعريف أرسطو للإمكان، وقد اخترت الطريق الثاني (33).

ثم يعلن لوكاشِيفتشِ أن الطريق الثاني للإمكان يتمثل في أن حدوث معركة بحرية غداً لا صادقة ولا كاذبة اليوم، يقول لوكاشِيفتشِ:" إذا قلنا مع أرسطو أن بعض الحوادث المستقبلة كأن تقع اليوم معركة بحرية – متصفة بالإمكان، فالقضية التي ننطق بها اليوم عن مثل هذه الحوادث لا تكون صادقة ولا كاذبة، ومن ثم يجب أن تكون لها قيمة غير القيمتين [0،1] (34).

وانطلاقاً من هذا شرع  لوكاشِيفتشِ يشيد المنطق رباعي القيم من خلال طريقة الجداول التي أخذها من" بيرس" و"شرودر" كما يقول، وهذه الطريقة تختلف عن طريق الجدول في المنطق الثلاثي القيم، حيث تتراجع قيم [1،Y،0 ] ويأخذ بدلاً من ذلك طريقة أخري.

وينتهي لوكاشِيفتشِ من المنطق المتعدد إلي حقيقة هامة، وهي أن القوانين المنطقية ليست قوانين يقينية، وإنما قوانين احتمالية شأنها شأن قوانين العلوم الطبيعية، وفي هذا يقول " تشسلاف نقلاً عن أستاذه لوكاشِيفتشِ: " لقد مضي زمان طويل احتلت فيه القوانين المنطقية منزلة تميزها علي غيرها من قوانين العلوم الطبيعية . وقيل أحيانا في وصف القوانين المنطقية إنها قبلية ( أولية )، وقيل أحياناً أخري أنها تحليلية، وكان الغرض  هذين الوصفين، هو الإشارة إلى أن قوانين المنطق لا تتصل بالواقع على نحو ما تتصل به قوانين  العلوم الطبيعة، ولكن المنطق المتعدد القيم بّين أن الاحتمالات عديدة أما منا، حتى ولو بلغنا  أعلى درجات العموم، كما هو الحال في منطق القضايا . ذلك أننا إذا أخذنا بمبدأ ثنائية القيم أو أي مبدأ آخر في عدد القيم، فنحن عرضة لأن يكذبنا الواقع، وإذا كان الأمر كذلك، أمكن اعتبار المنطق أعم العلوم الطبيعية، بحيث يفترضه كل علم طبيعي أخر علي نحو من الأنحاء " (35).

وثمة نقطة أخيرة نود الإشارة إليها، وهى أن الحتمية المنطقية عند "لوكاشيفتش"  لا تخلو من أصالة تعبر عن جذوره، وفى الوقت نفسه ليس شاغرا من الطرافة المتمثلة في مواكبته للثقافة التي طرح فيها.

الخاتمة:

بعد هذه الإطلالة التي قمنا فيها بمعالجة نظرية الحتمية المنطقية عند "لوكاشيفيتش" يمكن أن نستخلص النتائج التالية:

1- إن الحتمية المنطقية عند "لوكاشيفيتش" لم تكن سوى استجابة للواقع الثقافي والعلمي المعاصر الذي رفض الحتمية بكل صورها، ليفسح الطريق أمام الممكن والجائز والمحتمل، وغير ذلك من صيغ قد عبرت عنها النظريات المعاصرة في شتى المعارف الإنسانية، الأمر الذي يؤكد أن ما جاء به "لوكاشيفتش" يعد نسقاً منطقياً متطوراً للمنطق الرياضي الكلاسيكي.

2- إنه من الخطأ الاعتقاد بأن الحتمية المنطقية التي تبناها "لوكاشيفتش" قد قضت على المنطق ثنائي القيم، بل على العكس من ذلك تماماً،فقد بين "لوكاشيفتش" أن العلاقة بين المنطق الثلاثي القيم والمنطق الثنائي القيم علاقة تحاور وليست علاقة تصادم أو تزاحم. وذلك لأن المنطق متعدد القيم قد أسهم بفاعلية في تعديل قوائم الصدق ثنائية القيمة، علاوة على أن جميع قوانين المنطق الثلاثي القيم هى قوانين في المنطق الثنائي القيم الذي هو أساس الحتمية المنطقية.

3- إن "لوكاشيفتش" قد أراد، من خلال تبنيه للحتمية المنطقية، وضع حد للأحكام القطعية التي طالما تبناها معظم المفكرين والميتافيزيقيين علي مر العصور، الذين وضعوا أسساً حتمية مسبقة للوجود دون أدنى تدخل للإنسان فيها، فهي كلها من صنع القدر. فإذا كان مكتوب على (ص) أن تصبح صادقة،أو أن (أ) سوف يبعث في أخر الزمان، وغير ذلك من الأمور القطعية،فإن "لوكاشيفتش" يرى أن نسبة الصدق فيها يجب أن تخضع لنسبية الحكم بقدر تحققها في الحدث، وتبيت بذلك العلاقة بين العلة والمعلول ليست ضرورية، بل ممكنة، من الصفر إلى الواحد.

4- إن الحتمية المنطقية عند "لوكاشيفتش" كانت بمثابة المكاشفة التي جعلته يتوصل إلي وضع تعريفات جديدة لدوال الصدق تعتمد على فكرة درجات الصدق العادية المتصلة دون قطوع أو فجوات في فاصل مغلق من الأعداد الحقيقية اللامتناهية يبدأ من الصفر وينتهي بالواحد، كشف لنا أنه من الصعب أن نقيم مصفوفات لتلك الدوال .وهذه الصعوبة تزداد بزيادة عدد القيم،إلي أن يصبح الأمر مستحيلاً بالنسبة لحساب له عدد لامتناهي من القيم تناظر لانهائية درجات الممكن أو الاحتمالات غير المتناهية التي تنحصر بين الصفر والواحد، والتي تحتاج لوجود قواعد متناسقة تناظر على نحو ما قواعد حساب الاحتمالات.

5- إن الحتمية المنطقية التي تبناها "لوكاشيفتش" امتاز بتوسيع الإطارات التقليدية بالنسبة للقضايا بعامة، والموجهة بخاصة، فقد أفضى هذا المنطق قيمة على القضية: ~ ق   ق، حيث جعلها تعريفاً للإمكان، وأمكن البرهنة على جميع مبادئ المنطق الموجه، التي أدى البرهنة عليها بالحساب الثنائي القيم إلى نتائج غير مقبولة.

6- إن الحتمية المنطقية الذى تبناها "لوكاشيفتش" كشفت لنا عن قضايا لا يمكن أن توصف، وبالأخص الآن بأنها صادقة أو كاذبة، فتكون محل إشكال،أو احتمال .وقد تتحدد قيمة صدقها،أو كذبها في المستقبل القريب أو البعيد، وقد لا نستطيع أن نحكم على القضية بأنها صادقة أو كاذبة بسبب جهلنا. وعندئذ قد ندخل قيمة ثالثة أو رابعة متوسطات بين القيمتين صفر وواحد وعلى مسافة واجدة من كل منهما.

7- إن تبنى "لوكاشيفتش" لمنطق الحتمية لا يخلو من أثر على بعض فلسفات اللغة المعاصرة التي جعلت للألفاظ والعبارات والتراكيب اللغوية معان ودلالات يمكن الخلاف حولها تبعاً لرؤية القارئ دون التقيد بقيمة ثنائية يمكن القطع فيها صدقاً أو كذباً. وبمعنى أخر تعدد الدلالات.

8- على الرغم من عدم وجود الحتمية المنطقية عند المدرسة المشائية العربية التي عولت في مباحثها على المنطق الأرسطى،إلا أننا لا نستطيع القطع بعدم معرفة العرب لهذا المنحى،إذ نجد له إرهاصات فى المنطق الأصولي،وذلك في أقيسة الفقهاء المتضمن فى الجائز والمكروه والحسن،وغير ذلك من الأحكام التي تعد وسطاً قيمياً بين الحرام بالقطع والحلال بالقطع.

 

الأستاذ الدكتور / محمود محمد على

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

..................

21- لييفسكي ( تشسلاف): يان لوكاشِيفتشِ ومدرسة وارسو   المنطقية، ص 177.

22- نفس الرجع، ص 178.

23- نفس الرجع، ص 189.

24- نفس الرجع، ص 232.

25- نفس الرجع، ص 234.

26- نفس الرجع، ص 238.

27- نفس الرجع، ص 244.

28- نفس الرجع، ص 245.

29- نفس الرجع، ص 247.

30- نفس الرجع، ص 249.

31- نفس الرجع، ص 248.

32- نفس الرجع، ص 250.

33- نفس الرجع، ص 333.

34- نفس الرجع، ص 345.

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5362 المصادف: 2021-05-11 00:52:56


Share on Myspace