2652 الحضارة السومرية والفرعونية 2كان الناس في القرون القديمة يجهلون قيمة الحضارات الرافدينية والمصرية وأثارها المطمورة  تحت التراب حتى اواخر القرن التاسع عشر وينظرون اليها نظرة فضولية اكثر منها اعجاب واعتزاز وانها كانت مغلفة بسحر وشعوذة القرون القديمة وانها وثنية ومحرمة، لهذا كانت عرضة للتخريب والنهب والبيع. ويعود الفضل الى علماء الآثار الاجانب الذين ازاحوا الغبار عن الغموض والشك عن الاثار وحلوا رموزها وكشفوا الوجه الحقيقي لها، وانها تراث الامة وهويتها  وكنزها الحضاري الانساني ومجدها الثقافي والقني.

دعونا نذهب الى جوهر الموضوع ونضع النقاط على الحروف دون تحيز او تعاطف فالحضارتين السومرية والمصرية هما اولى الحضارات في العالم دون شك ولا ريب، ولكن من هو الاقدم والاول والسابق على الاخر في فجر الحضارة ؟ كل الدلائل والمؤشرات العلمية والاثار المكتشفة ومن خلال تواريخها  تشير الى سبق الحضارة الرافدينية على المصرية بعدة قرون، ويمكن تلخيص ذلك بعدة نقاط :

2652 الحضارة السومرية والفرعونية 1

1 ـ ذكر العالم والمؤرخ الامريكي ديورانت في كتابه ـ قصة الحضارة ـ وكذلك العالم الاثري ستين لويد في كتابه ـ فن الشرق الادنى القديم ـ بان اختراع الكتابة ظهر في مدينة الوركاء السومرية عام 3500 ق م، وقيل قبل ذلك التاريخ بعدة قرون حيث كان الكهنة يدونون النذور والهدايا التي ترد المعابد من المؤمنين وكذلك تدوين رواتب الموظفين والعاملين  فيها. وايضا يذكر في احد المصادر بان الكتابة ظهرت في زمن ادريس احد احفاد النبي أدم ـ ع ـ قبل الطوفان وانه سمي بادريس لكثرة دراسته وكتابته. وكان يشكل الرقم السابع بعد اولاد أدم. 

بينما ظهرت الكتابة في مصر عام 3300 وقيل في مصدر اخر 3000 وقيل  2600  ق م، وقد انتقلت الكتابة الى مصر عن طريق الهجرات السومرية التي حدثت بعد الطوفان وقبله  الى الجزيرة العربية وشمال افريقيا، وهو ما يؤكده بعض المؤرخين وعلماء الآثار مثل الاستاذ طه باقر. حيث انتقلت الثقافة والديانة والتقاليد السومرية الى مصر وتأقلمت ثم اخذت لها خصوصية مصرية. في الواقع ان الهجرية حدثت قبل السومريين وقبل الطوفان  في زمن حضارة العبيد التي سبقت حضارة السومريين قبل الالف  السادس والخامس قبل الميلاد وهو ما اكده علماء الاثار، حيث وجدت اثارها  منتشرة في الخليج والجزيرة العربية وبلاد الشام ومن المؤكد انها عبرت الى مصر القديمة.. علما ان الكتابة مظهر حضاري اساسي اولي في بناء المجتمع والدولة وفي المجالات العلمية والثقافية  والاقتصادية  والسياسية وغيرها.

2652 الحضارة السومرية والفرعونية 3

2 ـ عثر في تل العمارنة وهو اقدم الاماكن الاثرية في مصر على وثائق منها رسائل تعود الى الملك المصري ـ امنوفس الثالث ( او الثاني ) ـ وابنه اخناتون (امنحوتب الرابع 1367 ق م ) وهي رسائل متبادلة بين عدد من  الملوك منهم ملوك بابل، وهذه الرسائل كتبت بالخط المسماري واللغة البابلية، مما يشير الى ان الثقافة البابلية كانت هي  المنتشرة في الشرق الادنى في ذلك الوقت. وقد كان هناك اتصالات بين البلدين وعوامل مشتركة تطورت خلال القرون الاخيرة من الالف الرابع قبل الميلاد منها التجارة والسياسة.. ويذكر بعض علماء الآثار ان اقدم الآثار في مصر ترجع الى 5000 ق م، ويطلق عليها بالحضارة التاسية، ثم جاءت بعدها حضارة البداري ثم جاءت بعدها حضارة نقادة حوالي 3400 ق م، وفيها ظهرت المصنوعات العاجية والاواني الملونة بزخارف حيوانية وادمية كما تقدمت صناعة المنسوجات وصناعة التماثيل الصغيرة وفيها مسحة اسطورية.

3 ـ عثر على لوح ذو وجهين في اور منقذ بطريقة السيراميك او الفسيفساء ثبت عليه اشكال صغيرة من الصدف او عرق اللؤلؤ بواسطة القار يدعى ـ لواء اور ـ يعود الى ما قبل الالف الثالث قبل الميلاد. وقد رسمت عليه اشكال صغيرة معقدة متشابهه، وقد اخذت كلها شكل جانبي للوجه وامامي للجذع او الصدر والقدمين جانبي والعيون امامية مفتوحة كبيرة الحجم.. هذه التأثيرات الفنية السومرية  انتقلت الى الفنان المصري فاخذ ينقش ويرسم بوجوه جانبية وصدر امامي وعيون امامية واقدام جانبية، ثم تطور الفن المصري وانطبع بطابع المعتقدات الدينية المصرية.

2652 الحضارة السومرية والفرعونية 4

4 ـ كانت الديانة الوثنية سائدة في بلاد سومر ومصر وكانوا يؤمنون بتعدد الالهه ولكنهم يؤمنون في نفس الوقت بالروح الخالقة لهذا الكون الغامض، فاصبح يطلق عليه بالاله الاعظم او الاب الاكبر ـ أن ـ عند السومريين وانو ـ عند البابليين واترع ـ عند المصريين ثم اصبح ـ امون ـ في المملكة الوسيطة، وفي زمن الملك اخناتون (امنحوتب الرابع  1364) اصبح يسمى ـ اتون ـ حيث اصبح الملك يؤمن بالتوحيد اي بالله تعالى. وكان المصريون يؤمنون بالموت وبالخلود بعد الموت وهو نفس المعتقد السومري حيث ان الانسان فاني وانه سيموت وينتقل  من هذا الحياة الى حياة اخرى مجهولة عند السومريين وخالدة عند المصريين. واتخذ الملوك المصريين صفة الاله بينما نجدها عند السومريين ان الحاكم هو عبارة عن قائد الدين والسياسة وانه مجرد راعي للشعب وهو بذلك اكثر عقلانية ومنطقية. وكان الملك حمورابي يستلم القوانيين من اله الشمس وكأنه وكيل او ممثل عن الاله في تطبيق القوانيين في الحياة، كما نجد احد الملوك الحيثيين يعانق احد الالهه طالبا الحماية والمساعدة.

5 ـ يذكر بعض علماء الاثار ان مضاهر الحضارتين السومرية والمصرية متشابهه وان اسلوبهما الثقافي والفني متشابه ( رغم تعذر تعليلها ؟ ) فالسومريين يسكنون مناطق الاهوار السهلة ويدجنون الحيوانات مثل الجاموس وصيد الاسماك والطير ويعتمدون في زراعتهم على مياه الانهار من دجلة والفرات وكذلك اهل مصر على النيل.. ولكن اذا كانت الآثار المكتشفة وابحاث   علماء الآثار يقرون بان الحضارة السومرية هي الاقدم وان الانسان بدأت هجرته قبل وبعد الطوفان من بلاد الرافدين  الى الجزيرة العربية وشمال افريقيا، اذن لا بد انهم حملوا معهم حضارتهم بكل خصائصها الى المناطق التي حلوا فيها وتأثر سكان تلك المناطق بها.

2652 الحضارة السومرية والفرعونية 5

6 ـ الاعمال الفنية في الحفر والنقش والمنحوتاات البارزة نجدها متشابهه في كلا البلدين الا في نوعية الحجر مثل مشاهد صيد الاسود للملوك وان موقف المتفرج في العاج المصري لا يختلف عن مشهد الكهنة العراة في الموكب المرسوم في اواني الزهور في بلاد الرافدين الا في قطعة القماش التي تستر العورة في عصر ما قبل السلالات، اما الخطوط العامة فهي متشابهة. وقد كشف عن نحت اسطوري وحشي في سومر موجود حاليا في متحف بروكلين وهو يشبه قرد وحشي في منطقة ـ نارمر ـ المصرية، وهناك كثير من الرسوم والتماثيل المتشابهه.

2652 الحضارة السومرية والفرعونية 67 ـ تذكر بعض المصادر التاريخية والدينية بان هناك 24 الف نبي ظهر اغلبهم في منطقة الهلال الخصيب فكانت هذه المنطقة تعج بحركة الانبياء والمرسلين والمصلحين وكانت بلاد الرافدين مهبط الرسالات السماوية الاولى من ادم الى نوح الى ابراهيم ـ ع ـ ومنبع القوانيين الانسانية الاولى كمسلة حمورابي وصحف ابراهيم التي سبقتها. فاذا كانت هي كذلك اذن منها نشوء الحضارة الاولى وتقدمها على  غيرها من الحضارات التي ظهرت بعدها. وتقول بعض المصادر بان النبي ادريس وهو الولد السابع من ولد ادم  قد هاجر من بلاد الرافدين الى مصر وانشاء هناك  حركة علمية وثقافية وفلكية وعلم الناس الكتابة ودين التوحيد.

8 ـ يشير عالم الآثار سيتن  لويد بان هناك منجزات فنية تؤكد على ان فناني السومريين لهم السبق فيها وانهم كانوا بمثابة الاساتذة لمن خلفهم كالتماثيل الطينية للحيوانات ثم يضعونها في افران لتاخذ الصلابة والقوة، كما استخدموا الحجر الملون في نحت التماثيل كالمرمر الشفاف واللون الابيض والاسود واللازورد واعمال الفسيفساء، وايضا استخدموا الالوان في طلاء المنحوتات مثل القيثارة السومرية ناهيك عن الاختراعات الاخرى التي سجلت السبق الانساني على غيرهم.

و لا تعني هذه المقارنة التقليل من اهمية تاريخ مصر الحضاري فهي كما يقول اهلها (مصر ام الدنيا) ولكن نحن نتحدث عن بداية الحضارة ونشأتها وما قدمته من اختراعات للبشرية وتأثيرها على الامم الاخرى.. فالحضارة الرافدينية والحضارة المصرية هما ام الحضارات..

 

د. كاظم شمهود

 

116 لطيفة الصمعي 1الفنانة التونسية لطيفة الصمعي توؤل اللون والقصيدة

على جدران فضاء (ايكار) في باب العسل بالعاصمة التونسية وبعد العديد من المشاركات في معارض جماعية، أفتتح مؤخرا المعرض التشكيلي الأول للفنانة والباحثة الفنية (لطيفة الصمعي) تحت عنوان أستدلالي (رتق).

والرتق في قواميس اللغة العربية هو أصلاح ما يمكن أصلاحه من شيء تعرض للتلف، وهذا يعطي دلالة أيحائية على محاولة الفنانة للسعي بجد ودأب كي تضفي شروقا متميزا على سطوح لوحاتها التي تتصارع فيها الكثير من الثيم والايقاعات اللونية المتناقضة أحيانا والمتألفة احيانا أخرى، من خلال التعامل العفوي التجريدي أذ تعتمد التجريب للتكوين اللوني البعيد عن تشخيص الواقع. وتلك هي مغامرة البحث عن تعبيرية قيمة التجريد عبر تأثير صدى اللون في عين المتلقي.

ولتقريب فكرة العمل الفني قامت (الفنانة \ الشاعرة) بالمزاوجة بين اللوحة والقصيدة الشعرية فتحت كل لوحة أرفقت قصيدة شعرية تعالج ذات الموضوع كي تطوع العلاقة الجمالية القائمة بين الخطاب التشكيلي والخطاب الشعري لتعطي للمتلقي أكثر من مفتاح دلالي، فاللون هو نقطة الارتكاز الأساسية في التعبير عن المكنون الذاتي لبوحها الفني والكلمات سبيل مساعد في ايصال تجليات الفكرة.

116 لطيفة الصمعي 2

ان غاية الفن عند (لطيفة الصمعي) تأتي من ادلة روحية، وما هي الا وسيط يحمل رسالة جمالية مهتدية برسالة تأملية تقترب من مذاق صوفي، في التأمل بما تحويه الروح من عوالم جمالية لاتعثر عليها الا عين المتأمل، فتعيد صياغتها وفق ذائقتها ولحظة الابداع الفني، لتبني حلمها الاسطوري في محاولة الامساك بما لا يمسك - قدر الامكان - وقد كان لها ذلك.

وهكذا نجد تحولاً من طريقة التركيز لإظهار البريق اللوني، إلى تقنية استخدام الأجواء التي توحي بالعطاء اللوني، الذي يتحول أحياناً إلى صيغة تشكيلية لها علاقة بالفن التجريدي غيرالمتطرف في عفويته وحداثته، ليصبح سطح اللوحة مجالاً للتشكيل الحر ومتنفس لروح القصيدة، بحيث تخضع معطيات العمل البصرية لحركة اللون التلقائي بعفوية اللحظة الإبداعية فكل لمسة لونية في اللوحة هي كشف وايحاء.

116 لطيفة الصمعي 3

ان الفنانة في جهدها الابداعي تحاول عبرايقاع اللون المتضاد تشكيل سمفونية تجمع أزمنه متفاوته في لحظة واحدة من خلال هارمونية بصرية تعيد رسم معالم معاناة الفنانة وفق رؤية تحمل الجوهرالروحي لتحيله الى ما ورائية قصدية. تتناغم بين الصفاء الروحي والتأمل العقلي، انها تحاول أن تلملم اللحظات الهاربة الاكثر اشراقا لتخلق المتعة للمتلقي، حيث تتداخل الذاكرة على شكل استرجاعات حلمية مشحونه بطاقات لونية متفجرة تختصر المسافة بين الحلم والواقع، في عوالم مستعارة تعيد للمشاهد نوعا من البهجة المدهشة في محاولة لاصلاح روحي تسعى له.

116 لطيفة الصمعي 4

فهي تقترح مفاهيم وتصورات و رؤية معاصرة ومغايرة لدورالفن في خلق سعادة لروح المتلقي، بما يعني العودة الى الذات التي قادتها الى البحث في وجعها الروحي القلق فلم تجد غير تلك الصوفية اللونية والكلمات الشعرية لاصلاح شعور الاحباط والانتكاسة واعادتها الى بهرجة لونيه فرحه لكنها موجعة في ذات الوقت، مسكونه بعوالمها الداخلية اولا، وبالعالم الطبيعي الذي يواجهها في دوامة البحث للامساك بالحقيقة الوجودية المعمقة فان لم تستطع فلا بأس من التعلق في اطرافها فهي لا تتحدث عن النهائية او التمامية في العمل الفني بل انها تجاهد للوصول الى مفاتيح تفكك أو تقرب من الوصول بخلق منهج كياني متفرد يتوسل بنهج اهل المعرفة الروحية والاقتراحات الصوفية للتأويل. من هنا يظهر لنا هذا البعد في عدم تجاوز الافق غير المنظور في اللوحة وأتساع في معاني الشعرية للقصائد المصاحبة.

116 لطيفة الصمعي 5

انها تحاول ان تبدع قراءة معمقة للوصول الى اشارات سردية لا متناهية من فيض ياتي من سرمدية الوجود، انه صوت باطني يتجلى في عيون الرائي مثل ظلال تتمخض بالتفجر الروحي لاثمار الخصب اللوني في جسد اللوحة، ليفصح شاء ام ابى عن مكنون الذات ويحفز طاقة التفكير لدى المتلقي، اذ لا تقتصر المعرفة على ما هو مألوف من المثيرات الشكلية المباشرة بل يتطلب الامر استثارة افق التفكير والانتباه الى ما قد يغفل من معطيات الواقع في تنمية قدرات التخيل لتجاوز محدودية هذه المعطيات.

ان اعمال الفنانة (لطيفة الصمعي) ستبقى دائما تثير الجدل بقدرتها اللونية على ايقاظ المشاعر ومنح المشاهد فرحا تأمليا ومتعة الغوص في تأويل اللون، ليتكلم الصامت في روحها. ويبقى التميز في الابداع هو جوهر الخلود الدائم في تاريخ الفن.

 

محسن الذهبي - لندن

 

115 رضوان ابو شويشة 1الخيال هو أبرز ما يشكلُّ جوهرَ الإبداع الفني. هذه" الجمرة الملتهبة " التي يضعها الفنان في جِراب أسراره الدفينة، والتي قد تحرق منه الأفكار أو تُشعل في عقله النيران وقد تُلهب منه الأنامل والمشاعر. فمن جانب الخيال الفني، يحس الفنانُ بالجديد عبر الهواجس، ويفكر داخل الانفعالات والاحاسيس  (أو كما يُقال: العين تسمعُ والأُذن ترى والقلب يترجل والأقدام تتأمل). ولذلك يقع الخيالُّ على منابع غامضةٍ من إبداع الفنون حدَّ الإدهاشِ، بدءاً من المجهول في حياتنا الإنسانية مروراً بكهوف اللاوعي المذهلة وليس إنتهاءً بعواصف الحياة وأنوائها. وعكس ما نعتقد، ليس يتمكن كلُّ فنانٍ من السيطرة على خياله. ربما الأمر يقترب من ذلك فقط، لكنه لا يحدد خطواتَّه بدقة المعرفة والعلم. لأنَّ الخيال فاعلية حُرَّة وغرائبية بالغة الأثر في دقائق إبداعاته، وإلاَّ ما كان ليستطع الخروج  (ولاسيما في الفنون التشكيلية) بلوحات فائقة الجمال والإمتاع.

ومن جهةٍ أخرى لا تقف أية قيود أمام هذا الخيال، لا لأنَّه غير معترف بها (أو يتجاهلها) من الأساسِ، بل لكونَّه يتجازها اختراقاً من الداخل. كلُّ خيالٍ ليس معلنا صراحةً إلاَّ بقدر ما يخلق عالماً متفرداً بذاته. أي ليس الخيال جزئياً ولن يكون، لأنه يلتقي بأطرافه القصوى في الفنون بحيث نراه غريباً في مساحة يجذبنا إليها. والغرابة آتية من نقطة شبه اكتمال عصية على التلاشي بسهولةٍ (أي يكمل الناقص من وجوده في خيال المتلقي). وربما هذا هو مصدر المفاجأة بصدد الخيال الفني تحديداً. لأنه يصدمنا ويأخذ بألبابنا على صعيد شبه الاكتمال لما يُصور ويبدع. وهنا ليس الخيال نشاطاً قابلاً للإحالةِ إلاَّ إلى ذاته وبالوقت نفسه سيقذف بظلاله على الواقع، أي سيشتبك معه فنياً من جانب الأخيلة المتذوِّقة التي تتلقاه. وعلى طول المدى، قد يبتلع الواقع نفسه في جوفه كدوامات تعجنه وتعيد خلقه من جديد.

في عملية الخَلْق الفني، هناك رغبةٌ سحيقة تستولى على الفنان لإعادة تشكيل العالم والحياة. إذ يظل مشدوداً إليها لدرجة الانجذاب، حتى يحقق الصورة المتخيلة التي يتغياها. ورغم فداحة الهدف إلاَّ أن رؤيته الفنية ستحتل مسرحَا للوحة ليس أكثر. وبالتالي يمكن للقارئ أن يتساءل:أيَّةُ رغبةٍ هذه التي توازي تفاصيل الكائن الإنساني وزمنه؟! مؤقتاً هي رغبة عمرها بعمر الفيروسات داخل أديم (تراب) الأرض، فالإنسان منذ أنْ وُجد على هذا التراب وهو مشدود بمحاولات خلق العالم من جديدٍ.

ويشترك الإنسان مع الفيروسات في تلك الإمكانية القصوى، إذ أنَّ زمن الفيروس يتخطى مساحة أعمار الكائنات والأشياء جميعاً، لأنَّه دقيق جداً لدرجة التناهي ويظل باقياً في حالة كمون إزاء تقلب الأحوال البيئية العاصفة ولا يموت بمعنى الموت الإعتيادي، وكذلك بإمكان الفيروس" التحور والتكيف " مع أشرس الظروف تدميراً للواقع. فلربما يكْمُن (على صغره مثلاً) في بذرةٍ أو نباتٍ أو ثمرةٍ أو قشةٍ أو يرقةٍ أو حبةِ رمل أو قطرة مياه عالقةٍ. وقد يبقى ممتداً في حالة نشاطه كأزمنةٍ داخل الزمن الواحد مثل نشاط البركان الذي لم يكد يخمد حتى يثور، وربما يطفو يوماً ما ليلون قطاعات الحياة كما هو خلال مظاهر الربيع من كل عام. فالفيروس لقاحٌ خفيٌ لرسم معالم الطبيعة الخلابةِ وانتاج الألوان ومظاهرها الحية. كل ذلك سيعيد إلينا الفنان الليبي رضوان أبو شويشه  (1) المناسبة الفنية والفلسفية للتحدث عنه.

غرق العالم

115 رضوان ابو شويشة 2الفن التشكيلي عند رضوان أبوشويشه هو فيروس العالم جمالياً aesthetic virus، هو فيروس لطوفان يغمر الأشياء مسرباً طاقة الطبيعة ومخاضها. ألم تسقط الكائنات في عتمة  (تراب) الأرض، في حمأة الخطايا بلغة المسيحية؟، إذن ما من كائن إلاَّ ويحملُ خطيئته على راحتيه، ليكُن مصيره مصيراً أـخروياً قيامياً (نسبةً إلى القيامة). باللاهوت كان غضبُ الله حيال شرور الناس سبباً ماورائياً لحادثة الطوفان كما جاءت في سرديات وقصص الأنبياء (طوفان نوح). ثم كانت سفينة نوح التي قلَّت ما نجا من العالم الغارق زوجين بجوار زوجين من جميع الكائنات الحية. جرى ذلك كأنَّ وجود الزوجين وعدٌ كوني بتكوين المستقبل، وكأنَّ الطوفان حادثةٌ أفرزت الحياة والأخرة، لأنّها افتتحت  أرضياً جديداً للإنسان. من ثم جاءت السفينةُ، لتمخُر عباب الخطايا منذ الماضي إلى الآن. وكنا نحن ركابها المستقبليين لأننا كنا موجودين آنذاك بالقوة ولم نوجد بالفعل (نحن خلف هؤلاء الأسلاف الذين لاذوا بالسفية من الطوفان). أي نحن كنا أبناء تاريخيين لهؤلاء الناجين الذين حملتهم سفينة نوح.

بهذا التماثل الوجودي، ليس ثمة فارق عند أبوشويشه بين الطوفان والفن. كلاهما تشكيليان، الأول شكّل العالم ونحت رسماً لمجرى الزمن والحقائق بريشةِ الخالق. أما الثاني فرسم مجالاً لتردّد  الطوفان الروحي كُلما مازج القبحُ أنفاسنا. الطوفان في التاريخ حادثة فنية لأن تشكيل خلقي للحياة والفن سيكون لاحقاً حادثة طوفانية بأية مواد كانت (2). لذا لن يبلغ الفنُ مراميه دون " هديرٍ طوفاني " لا يُبقِي ولايذر بحيث يرجع فنياً لكي يستمد طاقاته الخالية من تلك السردية. إنَّه شرر لألوان ترابية أو حرارية ستحرق العالم، فمعظم النيران من مستصغر الشرر كما يقال. هكذا يعدُّ الطوفان فرشاة فنيةً لا تنفث الماء فحسب، بل ترسم الضوء والنار والظلام والليل والنهار والأثير أيضاً. حيث ستبرُق فضاءاتُ الرسوم فترعَد الأشكالُ بالأخيلة والأحاسيس على طريقة الأجواء الأسطورية القديمة.

115 رضوان ابو شويشة 3الاستفهام واضح على طريقة آلهة الأولمب في الميثولوجيا اليونانية: ماذا لو غضب الفنان على كائناتّه التشكيلية؟ كيف ستتم (النجاة!!) فنياً؟ لماذا يكتب أبوشويشه سِفْر الروح بالإغراق اللوني؟ إن الفن عند شويشه مسكون بالاشتغال على صُلب الأشياء والكائنات. إن الخيال الفني لن يفوّت فرصةً، أدنى فرصة، لأجل صياغة الكون. ولو كان موقعه اختياراً لزجَّ الفنان بنفسه  (إلهاً صغيراً) واقفاً على أسرار الموجودات، يتنفس مع أصل الحياة جميعاً وينفث في الكون روحه فتتجسد العوالم والحيوات.

من ثم كيف تصنع فرصةُ الطوفان رحلةً عبر التاريخ في فضاء اللوحة؟

لهذا الأمر عدة احتمالات:

أن يشخّص الفنان حالة العالم في رسوم وتكوينات يراها مهمةً لمعرفة أبعاد الأزمة.

أن ينحت الموجودات بحسب أهوائها في الحياة،  حيث يتشكل بها الحيز الزماني والمكاني.

أن يتخفى كما يتخفى لاعب العرائس وراء الكواليس محركاً الدُّمى بخياله المسرحي.

قد يرسم الفنان نموذجاً لليوتوبيا التي يبتغيها، ليقول للمتلقي: إليك ما أرجو وأتخيل.

أن يترك الفنان الكائنات في أخطائها (وجودها) ولو كانت جميعُها مولودةً من النور.

وأخيراً قد يعابث الأشكال والصور تاركاً لها مساحة اللعب الفني.

115 رضوان ابو شويشة 4

إزاء ذلك راوغ أبوشويشه كافة الاحتمالات السابقة، ليمكث في أوج الطوفان، لم تكن مهمته انقاذَ العالم، لأنَّ هذه مهمة الخالق الأول والأصلي حصراً. بينما الفنان خالق جمالي، فاعل بقوى خيالية، له حيلُّ خبيئة لإدهاش الإنسان؛ أي يمثلّه أمام نفسه. هنا قد يأتي نسغُ الطوفانِ كرد فعلٍ معكوس للحرارة التي عاناها الفنان أبو شويشه في بيئته (منطقة العزيزية-  حي الكدوة بطرابلس) إذ بلغت درجة الحرارة ذات نهار (بحسب جنيس للأرقام القياسية) 136 فهرنهايت، وهي  أقسى درجة حرارة تصهر الكائنات (3).

115 رضوان ابو شويشة 6

لذلك صاغ أبو شويشه كائناته التشكيلية بلغة الماء، بلغة الطفو، بلغة الغرق، بلغة الهوام. إنَّهم عبارة عن: " شخوص في بياض يهبطون من السماء إلى الأرض أو العكس في لون الماء وضوء الفجر اللُجيني" (4). بذات الحروف المائية يستدعي شويشه شلالات أكاكوس  (مدينة ليبية جنوبية قديمة) التي تتكون بعد مطر فجائي غزيز، فعقب سنين من الجفاف عادة ما يأتي يأتي المطر غزيراً فجأة مثلما رسمه في لوحة عام من الثلج (5).

115 رضوان ابو شويشة 7

لقد ترك أبوشويشه اشياءه الفنية  (مخلوقاته) غائمة، رقراقة وراء مياه الألوان وحرارتها. كم  أنسانا هذا الفنان أن للألوان مظهراً، ففضل تقنية الإغراق الخالق، لكن تخلق ماذا بالتحديد؟ ليس هذا استفهاماً مناسباً!!

بطريقة أخرى: ماذا سيُسفْر الطوفان لو كان فناً؟ أيضاً ليس لطوفان أبوشويشه أي أثرٍ إلاَّ الأجواء الرمادية مرةً والزرقاء مرةً والفسفورية مرةً وكذلك الموشاة بالجمر مرةً تاليةً. لا يُحتَمل هذا الخيال الفني-خطأً- البحث عن نتائجهِ وإلاَّ لما اكتسب خطورته الملهمةَ خلال التاريخ. إذا كان الفيروسُ يلون وجودَّه وتلك وظيفة طبيعية بإشارةٍ سبقت، فاللون يرتبط باستدعاء وظائف فنية كهذه (6).

بناء على ذلك، تكاد ألوان أبوشويشه لا تتجاوز كرنفالاً من الهوام الجمالي. لربما كان  للألوان نصيب من اسم الفنان في تلقائيه الحركية اللفظية. فالشواش (الكاوسchaos) خليطٌ إلى حد الفوضى، ليس له معامل ارتباط في أية ظاهرةٍ. إنَّه السديم السابق على التكوين، وبه ينال الكائن إمكانيته وتداعياته. بعبارة أخرى إنَّه هذيان المواد بأبلغ ما ينتج الحدث اللوني من تداعيات وآثار. فالحقيقة مع الخيال الفني تتعاطي اللاحقيقة، والوجود غاص بالعدم، والحياة مترعة بالموت والعكس صحيح.

115 رضوان ابو شويشة 8

ماذا عن أصل اللون حينئذ؟ اللون ليس له سبقٌ، لأنه ولّد ذاتَّه بذاتهِ في أصل العمل الفني. اللون بدون أب ولا أم ولا أخ رغم وصفات تركيبه، إنَّه اليُتم الجمالي العجيب الذي يصلنا متفرداً. في اللون تحيا الأشياء وتتلاشى كما تحيا يرقات الأفكار عبر اللغة. هنا لا ينبغي اغفال ألوان أبوشويشه على مستوى التخييل: فهي المتناثرة، المختلطة، المتناحرة، المتسلخة، المتجلطة، الفائرة، البركانية. هذه قدرتها الفذة على التعبير، على طفر وجودي لا ينتهي بسطحِ اللوحة. الطوفان يتأرجح داخلنا لأننا الآن ورثة الطوفان رغم انقضاءمرحلتهالزمنية، كما قال جبران: " إنما الناس سطور كتبت لكن بماء ". البشر كائنات لونية مائية بحكم فيضان الشعور والغرائز والزمن حتى الحياة كلها مجرد سطور وتمحى مع مرور العمر. بقايا الطوفان هي التي أفرزتنا من رواسبها التاريخية. في جسم الإنسان توازي المياه نسبةَ مياه الأرض (70% تقريباً) بينما لا توازي مساحة الهواء نثار المشاعر والانفعال.

بالتالي لعلنا نتساءل في وقتٍ من الأوقات: أين آثار الطوفان التي اختمر أديمُنا به يوماً؟ لئن وقع الطوفانُ قديماً، فمساواة المياه بين جسم الأرض وجسم الإنسان تؤشّر أننا مازلنا بعضُ الطوفان نفسه من قديم الحادثة الوجودية في السرد الديني حتى اللحظة. وبتقنياته  (الفنية الوجودية) يحرِّك أبو شويشه طوفاننا السحيق الذي يؤجج صورة العالم لدرجة الثورة. ليس لإنسانٍ مهما يكن الافلات منه، فهو يسكننا بإحساسه المائي الطافح. وبذات الأسلوبِ لن ننجو منه إلاَّ عن طريقه، أي حين تتم العودة إلى حالته اللونية الوجودية فنياً. صحيح أن لكل إنسانٍ طوفانه النفسي، لكننا سنلتقي وقت السديم والاغراق والتكوين.

115 رضوان ابو شويشة 9

داخل الأعماق

في لوحات الأبيض والأسود يُطفئ أبو شويشه أنوارَ الوجودِ داخل فضاء التشكيل، ما يفعله بالضبط هو: أنه يسلب الأشياءَ مظهراً نهارياً كان لها، تاركاً الغرق كالليل يأخذ مجراه، حيث يصنع رزازَ الألوان وسيلان الأفق بلطخات الأصباغ. كما في لوحة "عام من الثلج"، فالثلج أبيض عادة، لكنه ينسدل على أرضيةٍ سوداء. واللونان ليسا وحيدين في الأفقِ، هناك لون آخر، لون الوقت، لون التاريخ. فانطفاء الشمس يعني شيئاً ماضياً جاء من قديم، كأنه زمن سينمائي لفيلم من عصور جيولوجية فائتةٍ.

وضمن الإطار سيأتي المتلقي متأخراً عن موعد الطوفان بمضمونه السالف. وبعد الغرق سيجد أيُّ شيء نفسه مُدخراً. لربما هو الراسب الوحيد إثر الظاهرة الكونية الفنية. فاللوحة تدّخِر رؤيةً متلاطمةً بين أمواج من هنا وهناك. اطلق الفراعنة على كتاب الموتى " الخروج إلى النهار"، فالنهار كان قيامة ضوئيةً لنهاية مليئةٍ بالتحولات. نهارات أبوشويشه تشبه نهار الفراعنة شبه المظلم من واقع المعنى الغسقي الذي ينتظره. واللوحة تشكل قيامة وراء الأفق دون موازين أخلاقية، إنَّها مرحلة من المصير اللوني لحياة حافلةٍ بالمفارقات.

115 رضوان ابو شويشة 10

كيف إذن ستتقلب الأشياء في أتون الطوفان؟ يملأ أبو شويشه فضاء اللوحة بالأصباغ  اللونية، بتجمعات وتضاريس مسرنمة (السير نوماً)، فلا تكاد تقفز تفاصيل ولا عناصر.  لكن هل يترك الفن الوجود الإنساني سرابياً؟ صحيح لا معالم بارزة هنالك من واقع السديم اللوني، لكننا بالتأكيد خاضعون لعمل تشكيلي مغاير.

رسوم شويشه تستحضر غسق العالم وولادته خرقاً لحاجز الجنون الهادئ. إنها ممارسة شيطانية للتدخل في قوانين الحياة والموت والليل والنهار والشمس والضوء. إنَّ فيزياء الدماغ  التي تتشكل مع الحياة بلا وضوح متواكبة تشكيلياً مع فيزياء اللوحة، غير أنَّ لكل فنان آلياته النوعية بما يلائم المعالجة خارج الأُطر المعتادة.

115 رضوان ابو شويشة 11

إذ ذاك كثيراً ما تماثِل الآليات الفنية آثاراً لسيولة الأشياء، أشياء تعجنها أمواجُ الألوان. بهذا يرتهن التذوق والتكوين الفني بالوسيط المائي الحالم. ربما لا نتبيّن أبعاد الموضوع الغارق، لكن فضاء اللوحة يهجس بمضمونه الأزرق في أغلب الأحول. ليس هنالك إلاَّ الماء سواء عايناه بجلاء أم بقي ضبابياً، سواء أكان قاتماً أم شفافاً كبخار الصباح الخارج لتوه من أنفاس الطبيعة.

هذا الاسلوب الفني- الوجودي له مميزات، منها أنَّ وسيطاً مائياً يبلل الإحساس تجاهما يطرحه من قت لآخر بلعبة الايهام (7). وتُضيّع سماته قواماً أصلياً للرؤية لتتبلور وفق الحالة الجديدة. وإذ يعتبر الوسيط المائي مبثوثاً إلاَّ أن زفراته تهدد الرؤية على محك الاختبار. لأنَّ فيضاناً ماثلاً فيه نّهِمٌ للعصف بالواقع ولتدمير احساساتنا الجاهزة.

ومنها أيضاً أنَّ الطوفان الفني يستدعي طوفاناً تاريخياً في تماهٍ وجودي نادر. فلا ينجو الواقعُ من الآثار المترسبة على ضفاف الرسوم. إذ تمتد اللوحةُ بامتداد جذور الذاكرة. وهذا به نوع من التحرر الفكري والذوقي والحسي. لأنَّ إنساناً قد يفكر بأسلوبٍ تجزيئي في غالب الأحيان، وقد يقتصر وعيه على ملء ثقوب نظرته وثغراتها، لكن حين تعطيه اللوحة فيضاً شعورياً جذرياً، فإنَّه يتحرر طوفانياً من قيوده. لقد أرجعته إلى نقطة صفريةٍ لن يجدي التفكير معها تجزيئياً. كل شيء تحوَّل إلي لا شيء، حلَّ العدم بجرةِ لونٍ كوني لا خلاص منه. كذلك سيلتهمنا الغرق داخل التيه، يدفعنا سباحةً عبر أثير الإضاءات الجوانية، فوق ذلك نمضي مع خيارات التكوين المحتمل.

وسيسبح الغارقُ في الفراغ المُلون مع حساسيته الجمالية. تأتيه الزيادة بحكم غرقه في الوسيط الهلامي إذ سيكون أكثر انتباها واستنامةً بالمثل، سيعبُر حواجز الرؤية الواضحة. لعله سيدخل برزخاً لونياً إلى أنْ يعتصر معاييره الجمالية العادية ليواكب الوسيط. أهو نائم لدرجة غياب الوعي، أم يقظ داخل نوم عميقٍ؟ المتذوق يتقلب متجولاً بفيض اللوحة الخاص.

فالشفافية حين تسربل التكوين الفني فهي مسألة تجربة لا تلقٍ. وإذا كان الوسيط أثيرياً فلأنَّه معقد، وملتوٍ، وغير قابل للامساك به. أقرب سماته أنَّه غامق بلا بداية إلى درجة العمق الشفيف، الرهيف أحياناً، إذ تنشأ موجوداته في الظهور كيرقاتٍ وهوائم. فالكائنات هُلامية، بل التصورات ناتجة على المنوال ذاته. وريثما يستفيق المتلقي من ذلك التكوين، سيجد نفسه  إنساناً حالماً، هذا الحلم الأدنى إلى الأثير المُلغز منه إلى شيء آخر.

روح بلا كيان

يغدو الطوفان حالة كونيةً متجددة طالما كان خيالاً فنياً. في رسوم أبو شويشه تتجلى محتوياتها ككائنات بحرية نورانيةٍ، لفظتها الأمواجُ على شواطئ فضية بلا ضفاف. الأكثر من ذلك: هي تترك الامواج ظلالَّها على أي شيء بإمكاننا مصادفته.

فعلاً ألقت الأمواج  في لوحات أبي شويشه بقاياها على معالم الحياة، فالضوءُ شلالات وقد ترقرقت حتى غامت في كثافة الجو النفسي للوحة. وكنا خلالها على موعدٍ لانبثاق شيء ما، لميلاد كائن، لبروز كتله ضوئيةٍ واسعة الانتشار. لكن الكتلة ليست كتلة معروفةً، هي نسخة طوفانية فائرة إزاء المتلقي كأنها مخاض جديد، علاوة على ذلك يظل الكائنُ سائراً في فضاء مفتوحٍ.

أما الضخ اللونيُ ذو الثبات النسبي مثل الأزرق أو الرمادي القناني خلال رسوم أخرى، فهو اختفاءٌ لتضاريس الخيال، لقد أذابها الطوفان عند خليط لوني بارز. وغياب التضاريس يعني "حالة المحو" التي يتركها لمرحلة تالية. المحو هو طاقة الافراغ والمسح والكشط وإعادة التهيئة، كل محو عملية نوعية لمهام خاصة بالزمن الآتي.

115 رضوان ابو شويشة 66

ويُسبب الطوفانُ يظل ذلك الأثر واقفاً لدى مفترق التحورات. يرجح العهد القديم أنَّه بعد الأمر الإلهي لنوح بركوب التابوت (السفينة) ومعه بعض البنين والبنات والبهائم والدواب والطيور، سيمطر الله الأرض أربعين يوماً، وأنه (سيمحُو) جميع ما يقوم مما خلقه على وجه الأرض (8). هنا يمارس فن أبوشويشه اغتسالاً ضوئياً على ذاكرة المتلقي، إنَّه المحو الذي قاله الرب إزاء العالم. ولو كان الطوفانُ ذا ممارسة كونيةٍ، فالفن ممارسةٌ عبر كونية الإنسانِ. لكن: ما العلاقة بين الماء والضوء؟

العلاقة قبل أبو شويشه علاقة تولُّد وانصهار، حيث يَموجُ الماء كالأضواء المعكوسة والمنصهرة من واقع السيولة، ويستمر الضوء بوصفه قطرات (فوتونات كما يتصور ألبرت اينشتين) حرارية تُضيء وتشتعل في الهواء. أورد العهد القديم كذلك أنَّ الله خلق السماوات والأرض أولاً، أي عنصري الهواء والتراب، ثم ترجمَّ العنصرين إلى الضوء والماء جنباً إلى جنبٍ: "كانت الأرضُ غامرة مستبحرة وظلام على وجه الغمْر ورياح الإله تهب على وجه الماء، فشاء الله أنْ يكون نور فكان نور" (9).

بواسطة طوفانِ الأضواءِ، يتخفف تعبير اللوحة من ثقل المادة وخشونتها، التعبير الضوئي يشي بالسيرورة. فالنار- بفلسفة هيراقليطس- لهب ينعكس فيه قانون التغير (10). الضوء شعاع للأمل المتحول، وبإمكانه استحضار الماوراء وسط غلظة العالم رابطاً الإنسان بالعلو. يتذكر أبو شويشه حالة الحرارة المرتفعة في مدينته: عندما كان يشتدُّ الحرُ كنت أتشرد مثل صوفي سكران بعناقيد النجوم، عناقيد من أطياف الأضواء (11).

115 رضوان ابو شويشة 13إذن يتطاير الطوفانُ كأشباح لنقوشٍ ضوئية وتلوين اتٍمُشعة. فتترك في لوحة أو غيرها خربشات وخدوشاً بدئيةً بعد اغتسال الأفق ضوءً وماءً. الخدوش آثارٌ نازفة لا تلتئم، كتابةٌ تشكيلية للأشياء ضمن نسيج الوجود الحي. لتحتل حروفها فضاء اللوحة إجمالاً، وتستحيل من حينٍ لآخر إلى علامات غائرة كجروح بلا جسد لجلد كوني ضخم، رقائق منشورة معبرة عن شيء ما... ما هو؟ لا نعرف إنما تقف علاماته كمنحوتات بارزة للروح الطلْق.

لعل الطوفانَ يمتصُ الأجسام والأشكال ويذيب التكوينات، لكنه بالمقابل طاقةٌ روحيةٌ ناريةٌ في أعماق الرسوم، فيُسيّل سطحها الأزرق كما يُسيّل أسطح فضيةً وذهبيةً وقرمزية وغيرها. ومع تلاشي التكوين نحسه سارياً وراء تراكمه النفسي الناجم عن المُشاهدة. اللوحة تجسيد لشاعرية مجردةٍ داخل إطار هو العالم قبل تكوينه بالمواد اللونية، شاعرية تحملها الفرشاة فتؤديها الصورُ روحاً بلا كيان.

فيبرز الرسم ما ينبثق كما لو كان نقشاً كتابياً عتيقاً على صخور مدينة الأثار أكاكوس (12). الرسم لدى أب شويشه لا يكتب مضموناً لكنه يتمتم، يغمغم به إلى نهاية المطاف. فلا يوجد شكلٌّ بعينهِ، جميع فضاء اللوحة شكل ومضمون في ذات الوقت. إنَّ انبثاق المضمون جعل أيَّ خدشٍ يومئُ إلى محيطهِ اللانهائي، حيث نعجزُ عجزاً مزرياً عن تمييز أين تتوارى  مساحة اللوحةُ وأين ينبثق طفر العالم!!.

 

د. سامي عبد العال

............................

1- رضوان أبو شويشه أديب وفنان تشكيلي ليبي، كتب القصة القصيرة والشعر والمسرحية والمقال. طاف وإقام عبر بعض البلدان الأوروبية والعربية: ايرلندا، ألمانيا، الدنمارك، بريطانيا، المغرب، اسبانيا.  ومثلما أخذه التجوال عبر هذه البلدان كانت له حواراته مع مبدعين عالميين أمثال  لويس بورخيس، خوان دي لوكا، داريو فو، شيمس هيني، الطيب صالح، عبد الوهاب البياتي والفنان فرنسيس بيكون. نُشرت مؤلفاته بالإنجليزية قبل العربية مثل مجموعته القصصية (ملك الموت the king of death دبلن 1975) ومجموعته  (موجة حب إلى غرناطة) التي تُرجمت إلى الاسبانية ثم (الشعب الخفي 1978). بدأ الرسم التشكيلي خلال مرحلته المتأخرة من مسيرته الإبداعية.

2 - ارتبط الطوفان رمزياً بالتطهر والعودة والإنشاء. وبحكم ايقونته المائية كانت دلالته قابلة للاتساع تاريخياً. فالماء سائل شفائي ووسيط بالغ السحر والصفاء وحين يذكر يتعلق بالتجدد والحياة سواء أكانت دنيوية أم أبدية. جري استعماله كرمز ثقافي وفني وكوني ومقدس في أغلب الثقافات من بابل إلى الفراعنة مروراً باليونان  وليس انتهاء بالثقافات الأمريكية اللاتينية القديمة. وأبرز سماته الشفافية والنقاء والمغزى الأثيري والتموج، من ثم تصبح ثمة علاقة بينه وبين عناصر الكون. فمثلا الايقاعات القمرية (الضوئية) والمائية أوركسترالية يجمعها مصير واحد، فهي تأمر بالظهور والزوال المرحليين لكل الأشكال وتعطي المصير بنية دورية.

جان صدقة، رموز وطقوس، دراسات في الميثولوجيا القديمة، رياض الريس للكتب والنشر، 1989. ص 26.

3-  أبو بكر حامد كهال، حوار مع رضوان أبو شويشه، جريدة القدس العربي (6 مارس 2014)، على الرابط التالي: www.alquds.co.uk?p=140672.

4-  المرجع السابق، الصفحة نفسها.

5-  المرجع السابق، الصفحة نفسها.

6- فالماء دوماً بلون الغرق كما يقول سيوران، والمهم بعد الاغراق وضوح رواسب اللون على كافة مظاهر الحياة، ليست  القضية أن سببه الماء أو الأضواء أو الرياح الأهم ماذا كان اللون. ولقد عبر سيوران بشذراته الفلسفية عن قضايا فكرية وتاريخية وحياتية بهذا المعنى. إميل سيوران، المياه كلها بلون الغرق، ترجمة آدم فتحي، منشورات الجمل، كولونيا، ألمانيا، 2003.

7-  يقول دي موباسان إنَّ جعل الشيء حقيقياً يتضمن الإيهام الكامل بالحقيقة....فكل واحد منا – حتى الواقعي- يصنع لنفسه ببساطة إيهاماً بالعالم، وهو ايهام شعري عاطفي حافل بالفرحة والحنين السوداوي وليس للكاتب إلا أن يعيد بإخلاص انتاج هذا الايهام بطرائق الفن التي تعلمها والتي يستطيع استعمالها.

مقتبسة في: بيير بورديو، قواعد الفن، ترجمة إبراهيم فتحي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، الطبعة الأولى 2013. ص 433.

8-  العهد القديم (الكتاب المقدس/ سفر الخليقة) طبعة 1811، الفصل (آ)، ص20.

9-  المرجع السابق، ص 16.

10-  فالأشياء تجري عوضاً عن النار والنار تتقلب عوضاً عن كل الأشياء. وفي سياقنا الفني يقول هيراقليطسبإحدى شذراته: موت النار ميلاد للهواء، وموت الهواء ميلاد للماء".

Charles H. Kahn, The Art and Thought of Heraclitus (An edition of fragment with translations and commentary), Cambridge university Press, Cambridge, London, New York, 1979.P 47.

11- أبو بكر حامد كهال، حوار مع رضوان أبو شويشه، جريدة القدس العربي (6 مارس 2014)، على الرابط التالي: www.alquds.co.uk?p=140672

12-  لقد شكلت تلك النقوش الصخرية خيالاً فنياً، حيث كان أبو شويشه حريصاً على مشاهدتها باستمرار، والخيال مليء بصور  تجسد نمط الحياة والسلوك. فالفنون الصخرية القديمة ترتبط – كما يول توماس داوسن- بتجسيد الذاكرة في الخارج externalization of memory وكان هذا التجسيد أصل تطور الفنون لاحقاً.

Thomas A. Dowson, Rock Art.  In, Cognition and Material culture: the archaeology of symbolic storage, Edited by Colin Renfrew and Chris Scarre, McDonald Institute Monographs, London, 1998.PP 67-69.

 

 

 

2576 مرعي التّليْسِيالحياة فن: دون الاهتمام بالفنون قد تخبُو روحُ الحياةِ لدرجة التلاشي، أي دونما علاماتها الابداعية التي هي أنتّ أيها الإنسان. فالفن يستقْطّرُ كثافةَ الحياة المتنوعة داخل شخصك المُفرد، فتبدو إنساناً ذا معنى قُبيل أيَّة مغادرةٍ لذاتك. سيفترضُ كلُّ فن أصيلٍّ كونّك هكذا، لأنَّ عالَّمك أصداءٌ لهذا الروحِ وسْماً وظِلالاً. والفنون إجمالاً ترسم عبر هذا الفائض الابداعي حدودَ العالم وزخمه الحاضر حتى في أدق التفاصيل. إنَّ لوحات الفنان التشكيلي الليبي" مرعي التّليْسِي" (1) تبرز ذلك الــ" أنت"، عاكسةً معانيه الزاخرة بالوجود. حيث ستنبض التواريخُ والأمكنةُ والأزياء والمواقف والظلال والأطياف بالواقع الحي. شُخُوصه التشكيلية ترْسِم فضائها الأثير، تدلُقه دلقاً بغزارةٍ دلاليةٍ أمام النظر والإحساس، وفي غير لوحةٍ، ربما تكون شخوصاً قريبةَ الشبّه لبعضها البعض، بيد أنَّها بالغةُ التعبير عمّا تحيا.

كلُّ وجه لدى التليسي ناضحٌ بأعماقه الغائرةِ، تبدو الوجُوه بصمات لأحوال السعادة، الحزن، الصمت، الجرأة، الكلام، البساطة، الحركة، التأمل، الفعل. وجميعها درجات مبهرة من المعاني الحرة، إذ تُسرب المفرداتُ همساً لونياً حول ما ترسِم. فليست أزمنتها دانيةً، إنما تتجلى مع انكشاف الحياة وجدل العلامات ضمن أغوار التشكيل. دوماً الزمن الفني مشحونٌ بأجواء إنسانيةٍ إلى ذروة الإدهاش، فاللوحةُ انطولوجيا المعيش عبر رؤية جماليةٍ تُكثف معاني الإنسانية. وكأنَّ هناك أناساً آخرين- بجوار الوجه الرئيس- تمتلئ بهم اللوحات رغم عدم وجودهم بشكل ملموس. يتضح ذلك مع نظر الوجود والملامح المعبرة عن الغائب بحكم أن اللوحات لا تستطيع نقل كافة جوانب الحياة.

114 مرعي التليسي 1

ثمة معالم كهذه في لوحة " تّرْنِيمة لبلادي"، وهي تنقش هدفاً ضمنياً يلون تكوينها، هدفها هو الأمل المنشود للبلاد، للوطن (ليبيا التي أرهقتها الأحداث والأزمنة) في حياةٍ أفضل. لكن، لِمَ الحياة تحديداً رغم تنوع عناصر اللوحة؟ إنَّ المُعطى الدلالي وراء الأشكال يتجاوز النغم البسيط. حيث تتيح شفرات النغم والحياة توزيعهما الرمزي لأي لحنٍ آخر، وطناً كان أم إنساناً، أم عالَّماً متخيلاً.

ورغم كونِّها لوحةً واحدةً إلاَّ أنَّ" الترنيمة" تؤلف  (فيما أرى) مجموعة لوحات فنيةٍ في إطار واحد. دوماً صيغة الجمع بارزة فيها لا نبرة الإفراد،  لأن الحياة  مهما دقت وصغرت ليست حداً مفرداً، بل قصاصات إنسانية انفصالاً وتقاطعاً. وسيغدو ثراء الصيغة آلية للتلقي، بل ستغوينا إلى داخلها دون إبطاءٍ. إنَّ الفنون مثلها مثل الحياة، لن تَحُول المشاهدةُ المتأملة من بعيد دون الغرق فيها. هكذا يعرفنا الفنُ التشكيلي فيما نعيش تلبيةً لإغواء النظر الحي، حيل الإمتاع الإنساني ومتعة الجميل، أليست العين هي نوافذ الرغبة، الحرية، الحب، الدهشة، الحنين، الاندهاش؟

114 مرعي التليسي 2

 (ترنيمة لبلادي)

إن الوطن هو أكبر حيلة جمالية حية لتجسيد وفتح جميع الأخيلة والنوافذ في التاريخ. كيف نفك شفراتَّ هذا التجسيد الفني؟ هل الترنيمة تراتيل للألوان والأشكال والواقع المأمول؟ هل سيبدو العالم  (عدداً ونغماً) بإشارة الفيلسوف اليوناني فيثاغورث؟ كيف يجري ذلك مع الهدف الضمني للوحة المشار إليها تواً وفي غيرها؟

لعل خطورة الفن أنه يعبر برموز أوليّةٍ جداً عن قيم الجمال الأكثر تعقيداً وغنى. وهذا في الحقيقة ما يميز الفن الأصيل: أن تكون بساطة الأشكال معاني غائرةً حدَّ الإعجاز للإطلالة على المستحيل والعجيب. فالترْنيمةُ بفحواها الغنائي لدى التّليسي إيقاع دلالي لمقولة العدد والنغم. يظهر العددُ خلال رتم الزمن الذي لا يفتأ متجاوزاً  بينما يسري النغم عبر إيقاع الحياة داخله. الاثنان  (الزمن والحياة) يتماهيان ويخلعان على علاقات التشكيل الفني وشْماً ما. فهذه اللوحة البسيطة تحكي وتسرد تاريخاً من التحولات في الثقافة الليبية وتستحضر الغائب ولو كان مأمولاً.

114 مرعي التليسي 3هناك أصداءٌ للترنيمة تتعلق بأسرار الحياة من جانبٍ، ومن جانبٍ آخر تقتحم الواقع المعيش راصدةً لآفاقه. إنَّ الترنيمة تختزل في حلمها المأمول للبلاد  (ليبيا) أطيافَ الجانب الثقافي والمقدس والكوني (أي تُجدِّل الدنيوي واللاهوتي والوجودي). هي ترنيمة لطقس الحياة الذي يحتفل به الإنسان منذ حفرياته الأولى في الوجود، ويبدو أنه سيستمر في الاحتفال به حتى النهاية. لهذا ستقول كل ترنيمة من هذا النوع سياسياً ومعرفياً ما يتعذر قوله بأية وسيلةٍ غيرها. لا شيء تاريخي بإمكانه أن يحجبُ جسم العالم، لأن مفرداته ستكون  (عارية ورمزية) في الفنون التشكيلية بأثرٍ رجعي وإنْ قابلتنا خلال الزمن الراهن.

كلُّ فن حقيقي يعد مميّزاً في السرد الرمزي لعوالم الإنسان، لأنَّه يُفصِح عما يعجز سواهُ عن كشفه. يستحيل للفنون أن تتماثل لدرجة التطابقُ، نظراً لاستحالة استنفاد طرائق التجلي بينها إزاء موضوع واحدٍ. وهذا ما أعطى لـ (مخاض الحياة) في لوحات التليسي أولويةَ اللون، بكلمات أخرى أساسية  الفعل اللوني، طالما تؤدي الألوان دوراً متفرداً في الفنون التشكيلية. واللافت للانتباه ليس تكوين لوحة ترنيمة فقط، بل مضامينها الثائرةِ صمتاً كذلك. ومن ثمَّ على المتذوق أن يتساءل: بأي اسلوب يعدُّ اللون غناءً وصدى ثورياً؟.

الترنيمة كمعنى في اللوحة هي عزف الألوان لتجارب الحياة بين العصور المختلفة اتصالاً برؤى الوطن المُنتظّر (ليبيا في المستقبل). وبالأدق هي سترسِم ذلك بتباين علاماتها داخل طيات وجغرافيا التشكيلات اللونية. إذا انتبهنا سنجد لوحة (ترنيمة) حواراً، جدلاً صامتاً يقدم نفسه بقوة بين الإطالة والمعاصرة، بين القديم والحديث، بل تعد انتقالاً مضمراً بين الصور الفرعيةِ (المعلقة يميناً وشمالاً) لأجل التحليق بعيداً؛ أي من حيث أنت تشاهد (فقط) إلى حيث الانطلاق وتحول المضمون. ليس عالمها المتخيلُ طقساً فورياً، فهناك أشياء أخرى كما عساك أن تراقب،  كما أن هذا العالم ليس فراغاً بالمثل، لكنه سيناريو تاريخي للتعبيرات الفنية الدالة. لأنَّ الوظيفة الفنية للتشكيل تُولّد سكوناً وحركة بين مفردات اللوحة. وبالتالي ستُنوع الارتباط الشعوري والجسدي، المرئي والمتخيل، الوهمي والمتعين في التفاصيل، باعتبار الصور الفرعية لا تنتهي إحساساً، ولا تحدد فاصلاً لعالّمِها الخاص. 

114 مرعي التليسي 4فعلى اختلافها ستكون لصور الترنيمة في تلك اللوحة حركتان. إحداهما في ذاتها ككل  (وبخاصة إذا نظرانا إلى اللوحة في تكوينها العام), حين تُشْعِر الصورةُ التي تجسدها الترنيمة أمام المتلقي باستقلالها، فهي شريحة لونية عامة منجزةٌ ضمن الأداء الفني. أمَّا الحركة الأخرى فتضعه في لقطةٍ تاليةٍ؛ أي نقرات واسعة النطاق لحوارٍ لم ينقطع والرسوم المجاورة (حين ندقق النظر في أزمنة وماهية الصور داخل هذه اللوحة العامة). ومن ثمَّ، لن ينعزل أي إحساس واحد عن سواه من أحاسيس. لأنَّ ما يلامسُ صوراً داخل الصورة الواحدة ليس التجاور إنما الصدى الزمني المُترّحل بين صورة فرعيةٍ وغيرها، أي الصدى المتقاطع مع لاوعي المشاهد، فالصدى يسير ناحية الانعتاق (ثورة الحلم بالبلاد) من مرحلة لأخرى.

بالطبع سنتابع داخل الترنيمة توليفاً جدلياً للنغمة الواحدة  (صور مستقلة) والنغم ككل. وعليه سيتضح التوزيع لإيقاع داخلي حين نرى صوراً صغرى بعناصرها وبالإيقاع العام للرسم. كأنَّ الترنيمة الفنية رحلةٌ إلى " خارج هذا الداخل "، تقول للمتلقي: سِرْ حيث الأفق المفتوح إذ يترنّم المعنى، وبإمكانك أنْ تقطع عصوراً إلى حياةٍ جديدةٍ لن تتأخر. وهنا سيعلن الفنان التليسي عن حلم دول ليبا مرحلة الحداثة وبناء المجتمع بما يواكب العصر والحضارة.

كل هذا نراه في مفردات لوحة ترنيمة كما يلي: هناك فخار قديم معبر عن مرحلة غابره لها حثياتها التاريخية، وقد تهشم الفخار عن بكرة أبيه ولكنه ما زال يحمل بقايا عصره وأنَّ هذا الفخار  أحد شفرات الحياة الماضية. لأنه من صنع الإنسان وكان محط رغباته سواء أكانت حسية أم غير ذلك. وكان الفخار يرتبط بنمط من العيش البدائي إلى حد بعيد. ثم هناك قدرات أخرى وفرتها الحياة من خلال الأطر الملقة في يسار اللوحة لكن المضمون المفترض وجوده لم يقبل التأطير المحدد له. لقد سقط آملا أن ينفتح على شيء مغاير... وهكذا يكون الجدل فاعلاً على الصعيد الزمني والفني. وهو النغم كما قلت بخصوص ترنيمة خارج الإطار وغير تقليدية وتنقل معها البلاد  (ليبيا) إلى آفاق أخرى كما سأحلل تباعاً.

الحياة أنثى

114 مرعي التليسي 5ربما يظن المرءُ أنَّ حياتَّه لوحةٌ بوسْم بارزٍ، سيكتشف أنَّها مطوية زمنية لا تُستنْفَد أشكالُّها. اللوحة والحياة كلمتان مؤنثتان، بالتالي ليس مصادفة ارتباطهما تأسيساً على المواقع الأنثوية للدلالة. هناك المرأة، الطبيعة، الجمال، الحياة... هل يوجد فرق بين تلك المفردات؟ الإحالة بينها ستسمح بأي دالٍ جديد: هناك البلاد، الدنيا، الرغبة، السماء، الثورة، الحرية، الخروج من الإطار.

الأنثى نبعُ الفن المتجدّد في التاريخ، أعطته تأويلاته الثورية وشكلت كعلامةٍ مختلف أقنعة الحياة والوطن. الأنوثة هي الكثرة حين الوحدة، هي الطبيعي عند التحول، هي اللون في انغلاق الجوهر، هي الأطياف في مرايا الأسطُح، هي الالتقاء والافتراق جنباً إلى جنبٍ. وتلك الأعماق أصيلةٌ أصالة المواد الأولية للكون. فمنذ أنْ وُجد عالم إنساني امتزجت الأنوثة بالأشياء جميعاً، حواء كانت المصدر للحياة والموطن والأرض والاقدار والتواريخ.

على هذا الغرار ثمة مكون مهم في لوحة ترنيمة، إنّه الأنثى في نقطة المنتصف منها، فهي عمق التشكيل الفني. إذن بأي مغزى تطل امرأة أمام كثرةٍ من الأشياء الملقاة؟ الكثرة تجمع الطيني والرملي والهوائي تحت ظلال السماء، إنها عناصر أولية لعالم نابضٍ بالطبيعي والتلقائي. لا شيء يقف هناك وراء الرتوش ولا شيء يُغطّى بإهاب سميكٍ. ولئن تمَّ هذا، ستطرحه الدوال جانباً عائدةً حيثما كانت. عنصر الطين البارز في القلب من اللوحة يمثل ثباتاً على أرض أفقية؛ أي هو العنصر الترابي  (الخَلْقي-  من الخلق) بامتيازٍ لاهوتي وبشري، فوق ذلك يرمزُ إلى الخير والنماء والتطور نسبةً إلى الزراعة. ثم ينتأ التدرج المجاورُ لنرى الصحراء رمالاً منسابةً بين وهدةٍ  وأخرى فيما وراء هذه العناصر. والطين هو الأصل كما أنه علامة تحول الرمال إلى أراض زراعية ثابتة تنبئ بمستقبل زاهر.

كأنَّ السير عمقاً يقفز بنا إلى فوقٍ بعيداً عما مضى، يرشقنا نحو غيمات السماء، ألوان القدّر المرتجى. لأنَّ الانتقال من الرمز الأفقي إلى الرأسي لن يتم صدفةً بين ليلة وضحاها. هو مقصور بتحليق الطائرة كرؤية هائمةٍ ستبقى عالقةً (وهنا رمزية الطائرة في اللوحة). فالطائرة بكيانها الفني فكرةً قيد الهواء، حياة سارية عقب تجاوز الوسط. وما أنْ ينظر الرائي إلى أسفل حتى تشده عالياً، كي يتسق النظر مع الوضع الأوفر مجالاً وحظاً بالمثل. لعلَّه انفتاحٌ الرؤية الذي يُباطّن حافته بابان أزرقان خفيفان أقل لونيةً زرقاء من الفضاء. والبابان يتركان باللوحة ظلين مشرّعين على السماء ومؤديين إليها في النهاية. أما اشتراك لون البابين (في اللون الأزرق) مع الفضاء فيعطيهما عمقاً فسيحاً، لأن الزرقة رمز الغموض سواء في السماء أو البحر أو الآفاق البعيدة. إنَّ المادةَ البصرية لا تُظْهِر أيَّ فارق إلاَّ في الدرجة. هنا ليس صعباً معرفة كون البابين طُرِحا للانطلاق، لأنَّهما في حالة انفتاحٍ دائمٍ، يردِّدان: السماءُ لا تنتظرُ أحداً، هي لا تُغلّق أبداً... فليكُّن تحْلِّيقُك بعيداً أيها الإنسان وألَّا تقف عند مرحلة دون أخرى.

114 مرعي التليسي 6إذن هناك اجواء تمس أعيننا بإطلالة أنثوية مباغتةٍ. ذلك أمام كُتل السحب التي تشي ببكارة السماء القريبة. والأزرق يضم الصفاء ودلالة البحر وهو العنصر الآخر؛ أي الماء إضافةً إلى الترابِ والهواءِ. أما النار فهي طاقةُ الحركة حين تنفثها الطائرة، وهي أيضاً عين الأنثى إذ تعكس ابتسامة براقة. هذا على افتراض ارتباطهما بروحٍ هو الحياة وبوجه ساطعٍ لن يخلف دلالتَّه المغايرةَ. فالفضاءُ وعينُ الأنثى يرميان إلى تعليق النظر وجذب المتلقي لإشعال أنفاسه صوب السماء. إنَّها الاقلاع بالبلاد إلى المستقبل. فأغاني الحياة، بهجة الإنسان، غوايات الرؤية أكثر أثراً، يعضدها كون الأفق مفتوحاً بلا نهاية. كما أنّ الأنثى ترشق يدها تاركةً العمق بالداخل، إذن ماذا سيكون الأثر سوى العمق نفسه؟

وعنوان اللوحة "ترنيمة لبلادي" دال لغوي فني متصل.  صحيح حلم البلاد في غد أفضل لا يظهر بجلاءٍ، لكنه سيظل أملاً يرفرف كالعصافير في التفاصيل. وحين تمثله المرأةُ يغدو دالاً مُنتجاً لمدلولات التشكيل الفني. المرأة تحمل دلالتين: دلالة الرغبة في الحياة (ومشتقاتها الإنسانية الأخرى) ودلالة البلاد (ليبياً المستقبل بمعانيها المُشرقة)، ناهيك عن دلالتها الكونية كأنثى. بهذا القصد كانَ الدال الرئيس في لوحة ترنيمة لبلادي هو امرأةً عصرية تعبيراً عن الوطن. وعليه فالدال الأنثوي عالم يصوغ نتاجَ الدوال الفنية الأخرى. إنَّه المعجم السردي، الرتم الغريزي الحكَّاء الذي لن يتوقف عن قول ما لم ندركه. المرأة أصل الحياة، تهب الحياة للآخرين أطفالاً، رجالاً، مجتمعاً، إنسانيةً، كما تهب البلاد الحياةَ لأبنائها. أمَّا الابتسامة فإشراقة العين مع أعماق المرأة- الحياة؛ أي مستقبل البلاد بقوة البصر نفسه. ماذا ستسرد الأنثى، ماذا ستحكي اللوحةُ؟!

114 مرعي التليسي 7

الحياة سرد

في واجهةِ اللوحة تبدو "الترنيمةُ" صورة  كبرى تضم الأفق والعتبة وإطلالة المرأة، ثم لوحات بالجانبين. إذن يد المرأة هي يد الزمن المحكي، شفرة السرد كمفتاح. إنها تظهر كخيطٍ سيميائي ضمن علاقات التشكيل الفني والاجتماعي والسياسي بالتساوي. اليد ظاهرةٌ كرمز يربطنا مع الداخل والخارج، وبها ستصبح لدينا فاصلة فنيةٌ تنقلنا بين اللوحات على مساحة أوسع. لأنها يد الإنسانية فينا رغم كونها يد أنثى بالتحديد.  وفي هذا لعلنا نلاحظ أناملها تأتي كمعطى خارج (الباب) الفُوّة الوسطى، وهي إشارة إلى الاتصال بالعوالم التاريخية المرسومة شمالاً ويميناً. بالتالي، فيدّ المرأة هي يد الحياة التي  تفسر سيناريو الصور في مسلسل التاريخ من القديم إلى الحديث. يدعم ذلك المعنى ذيل طائر (أو ما شابه) على الضفةِ المقابلةِ بجوار الفخار، منعكساً هو الآخر في العمق.

واليد كفاصلةٍ حية تشعرنا بأوجه الاختلاف الموسوم فنيَّاً. وتُرهص كذلك بالزمن الآتي، وهو ترسُب الظلال على جميع وجه اللوحة. هنا يبدو التغيُّر الذي ينتظره الفنان لبلاده وشيكاً مع لوحة جانبية ملصوقةٍ بفعل فاعل. غير أنَّ الفاعل الفني (الفنان) يسمُ معانيها كأنَّها كُولاج collage له بصماته التعبيرية. ونحن إذ نرى لاصقاً ندرك وراءه بُعداً رمزياً، وما لم يكُّن واضحاً، فاللصق يعني بقايا الزمن. لا مفر إذن من لصق التاريخ على ما يبدو في التفاصيل الصغيرة، ولا سيما أنَّ باللوحةِ تمثالين لإنسانٍ (امرأة كذلك) ولغزال كإيماءة لوضع تراثي ماضٍ، كما أنَّهما لا يتحركان بموجب نحتهما البرونزي البيّن.

واللصقُ الواضح للصور الجانبية ينقل سكوناً فوق سكون، فمثلما لا يتحرك التمثالان، فإن لوحتهما الورقية تنْزع عنهما فتيل التأثير من أول وهلة. لأنهما أصبحا من تراث الماضي، مع ذلك تكمن كلُّ قيمة لهما في تاريخٍ نمر خلاله حتى نقابل عمقَ اللوحة الكبرى (عصر الحداثة والتطور). والمقارنة بين امرأة التمثال البرونزي وامرأة السماء (الأنثى الحية من لحم ودم) توضح: أنّ الأخيرة أكثر حداثةً، وتعيش عصرها الزاهر مع أناقة باديةٍ للعيان. ولن تُخطئ العين أن هناك سُترةَ عملٍ ترتديها كأنَّها ستقي صدراً (هو صدر الوطن) من غوائل الأيام، وتعدُّ في الوقت نفسه جزءاً من الحلم بتقدم الحياة. باعتبار أنّ حلماً هو البلاد المتطورة لا الحجرية التي تحمل قدرها متجمداً. وهو كل ما يرجوه الفنان لإنسان ليبيا ومجتمعها الواعد. ولا يجب الكف عن الحلم في هذا الاتجاه مهما تكن الإحباطات.

114 مرعي التليسي 8

وفوق لوحةِ التمثالين  في الترنيمة تُعلّق شقفةُ (كسرة) فخارٍ، ليست مكتملةً لكنها ترمزُ إلى عصرٍ قد ولى أوانُه. أداة الفخار تستدعي خلفية البلاد (ليبيا) كما كانت بداية الثقافة طيناً كمادة بسيطةٍ. والأداة تدل أيضاً على نمط من الحياة الإنسانية كان سائداً في زمنها الفائت. وتحرص اللوحة على أن تحتفظ بجزءٍ من الفخار، بينما أتي الزمن على الباقي كما أبلى أناسه القدماء. فالصلصال مادة مشتركة بين الفخار والإنسانِ، هو دينياً مادة خلق للاثنين.

أما شذرة ُالفخارِ فتحكي: مثلما أنَّ زمناً ينقضي ليترك آثاره على الأشياءِ، كذلك تآكلت مادةُ الإنسان الأُولى. إنَّه العامل المبدئي لتحول المجتمعات، الناس، الحقائق، إلى ظاهرةٍ في عمر الفناء المؤقت. وهي لا تعدو أنْ تكون مرحلةً ذهبت ليحل العصر المتطور والمأمول. وفنياً لم تُهمّل الشقفةُ (الكسرة) في ردهات اللوحة، إنما أخذت تتدلى تذكيراً بتاريخ المجتمع الليبي وأنه يجب عدم الانفصال عن التراث مهما أوغلنا في الحداثة وما بعدها. وأن مما يبقى منا سيظل مؤثراً طوال التاريخ وليس فقط زمنا يجُّبُ ما كان قبله دون رجعة.

على الجانب الأيسر من لوحة ترنيمة، نرى لوحةً ورقيةً سقطَ إطارُها الخارجي. واللوحةُ نائيةُ التفاصيل، غير أنَّ سقوطاً يعني دلالة الاهتراء، التحرر، التمرد. هي لوحة لم تثبُت في مكانها المعلق، انفلتت خارج الإطار، وهي كذلك لم تتسق معه وظلت غائمةً. ليس يسندها سوي علاقتها بالأفق الرحب لمتن اللوحة الكبرى. إذ ذاك ستبُوح الدلالة: إنَّها مرحلة اهترأت في عمر المجتمع الليبي سواء أكانت مرحلة سياسية أو اجتماعية تماماً كما انفصل الإطارُ وعُلِّق كرمز مصلوب على جدار الزمن. لأن الصلب رمز الخطيئة والخلاص كما في المسيحية.

ولئن غامت اللوحةُ الساقطة بحيث لم نر محتواها، فيبدو سقوطُها من الإطار مُريعاً. لينتقل المعنى إلى الوسط الأكثر جلاءً، هو منظر السماء والطائرة البارة في الخلفية. وعلى قرب الصورة الساقطة مقارنة بالعنصرين الأخيرين إلاَّ أنَّهما واضحان تمام الوضوح. أما تأرجُح اللوحة بلا مضمون بإطار فارغٍ، فيمثل دعوة لاعتبار كلَّ إطار قيداً ستنفصمُ عراه آجلاً أم عاجلاً. سيكون كل نظام سياسي واجتماعي (مهما كان مهيمناً على رقاب العباد) أثراً بعد عينٍ، ولن يعلن عن نفسه إلا كتذكارٍ حفري. ليس أدلّ على ذلك من أنَّ الإطار في اللوحة خاوٍ يتلاعب به الريح كيفما شاء. وحقاً الصورة الساقطة غامضة، غير أنَّ الإطار بلا محتوى حتى الاهمال. إذن لن يتصلّب إطارٌ اجتماعياً أو سياسياً دون انفصالِّه عما يؤطر له، ليؤكد فضاء اللوحة الكبرى على هكذا تحول تاريخي. وهو ما يدعمه الفنان بكل ما أو تي من دفق أبداعي في أسرار اللوحة من الاسم الخاص بها (ترنيمة) حتى التفاصيل البسيطة.

ولو تخيلنا الجانبين كأزمنةٍ، فقد آن الأوانُ بأفق الترنيمة لتعليقهما على هامش الحياة دون المركز. تعليقهما كآثار من زمن فائتٍ، قد يُتّجَاوَزهما العصر الحاضر لكنه لا يُنسى. في هذا يستوى  كل فخار قديم بمعانيه البدائية مع الإطار بأي محتوى ايديولوجي أو غيره. وبالنسبة للأمل لم يعد ممكناً اتباع "ذهنية فخارية" ما فتئت لصيقة بالأرض. أيضاً ليس محتملاً الانحشار ضمن إطار يعاند تنوعَ الصور. فهو ليس قادراً على احتوائها ومواكبة تعقدها، فالحياةُ تتطور بسرعةِ الطائرة وعلى البلاد أنْ تخطُو إلى عالم أكثر حداثةً.

الحياة آفاق حرّة

في لوحة ترنيمة لم تنته الصورُ بالتجاور اللوني ولا بتوزيع الفضاء. لأنَّه نفسه التشكيل الفني الذي يعزف الإيقاع. إذا كانت اللوحةُ الكبرى منطويةً على صورٍ، فإنَّها تقطعُ طريقًا نحو الخروج. لوحة ترنيمة هي سِفْر الخروج  بالبلاد الليبية من حالاتِ الفخار والاطار إلى عصر الانفتاح. وكأن الفنان كان يبشر بعصر من الثورة لمجتمعه والأخذ بأسباب التطور على طول الخط.

ولكننا مع تجول الرؤية بين المفردات اللونية، كدنا نفقد اتزاننا، حتى نسياً واقعاً حياً نحن فيه. ههنا سترتّد دلالة اللوحة إلى المتلقي عن قصدٍ فني، بل ستضعه كموضوع لدلالتها المباشرة. لعلَّها تمارس  تمويهاً حتى يفقد يقينه الخارجي السابق (بأنه لا أمل في تغيير أوضاع المجتمع)، معتبراً ذاتَّه بمثابة اللوحة، وعليه أنْ يمثل آفاق الحياة، فهل يتقدم المتلقي، هل سيسير كما تدعوه؟ إنه  نظراً لانفتاح مركز اللوحة، وتبعاً لإحالات الأنثى في العمق منها، مرة إلى الحياة وأخرى إلى البلاد وغيرهما إلى الزمن والحداثة، سيأتي التلقي  والتذوق فعلاً تضامنياً مع فضاء الرسم. كل تكوين داخلي يفتح عمقُه درباً لمرور القادم إليه. وسيكون الوعي بالثورة على التقاليد الآسنة حاضراً حضور التحريض على التقدم والسبق نحو المستقبل.

114 مرعي التليسي 9

إذ ذاك ستبدو لوحةُ ترنيمة لبلادي راصدةً للمتلقي إزاءها. أعني أنَّ اللوحة تقف- فعلاً- على (حامل داخلي) فترسم مسافة أماميةً بينها وبين أفُق النظر. كأنَّها تدعُو المتلقي ليأخذ خطوةً إلى الداخل من حضورها: ضّعْ إحدى قدميك كي تتأكد مما ترى بنفسك وبملء عينيك!!. والمسافة رغم اعتبارها بُعداً إلاَّ أنها نداء للاقتراب. في الفن التشكيلي المسافة قُرب لأجل التّوغُل من  تفاصيل الباطن. لأنَّ المساحة التي تجسدها هي اكتشاف إلى الداخل من العمل الفني. وهذا معناه الاقتراب أكثر فأكثر، إنَّه استدراج دلالي سيرمي رغبةَ التلقي وراء رموز اللوحة. بحيث ينتقل معنى الألوان إلى خيال يتقاسمه الرائي والمرئي. وهو جانب تمثيلي خلال كل فنٍ يغوص بنا في الأعماق ريثما يرسم ما يريد.

الفن الأصيل عادة قد يأخُذك إلى حيث تعرف، لكنه دوماً سيُبهرك عندما يتجلى بواسطته ما لا تعرف. ربما يقف المتلقي لدى إطاره البراني، غير أنَّه حين يدرك لوحة جوانيةً أكثر عمقاً سيخطُو إليها. ومادام فعل ذلك لن يتوقف. بأشعار نزار قباني وصوت عبد الحليم حافظ " الموج الأزرق في عينيك يناديني نحو الأعمق...إني أغرق، أغرق، أغرق". لكن الموج (السماء) في لوحة التليسي ينادي نحو الخلاص من القيود ومما يثقل خطى بلاده نحو الحرية. ليست المماثلةُ بين زرقةِ السماء والبحر إلا حلمَ طائرٍ بجناح ترنيمةٍ. هكذا تترك الترنيمة اسمها مع الحياة والرغبة أملاً في كسر القيود. لينضُو الإنسان، وبالتالي المجتمع، عن ذاته واقعاً كئيباً لأجل التحرر الحقيقي. ودلالة الألوان الغامقة لا تفقد الانجذاب – كما الانجذاب الصوفي-  بفضل اهتراء الواقع وضرورة المغامرة الإنسانية بلا أجنحة.

9

في كبد السماء من لوحة ترنيمة، جاءت الطائرةُ تخْليقاً لهذا الحلم، تجسيداً للعدد والنغم، فهي بيضاءٌ بياض الأمل وساميةٌ سُمو الرجاء. الباب إليها يودعه الجانبان الحملان للوحات يمينا وشمالاً. ولو كان ثمة اِغلاق لهما فسيقفل الفضاء لتظل الأنثى (البلاد) خلفه، وستخبو رغبة الحياة. أما وقد انفتح الجانبان فهناك فسحة الخيال، إحساس يقدَح نظرة أنثوية ببريق الأمل وبالعمق الأزرق.

وعلاوة عن التنوع الزمني للوحة، هناك تتابع  في الرتم اللوني بين تحفيف حدة اللون حال البدء ثم كثافته المتدرِّجة كلّما أوغلنا، ثم انسلاله بكثافةٍ لونيةٍ لنشعر بالتخطي. وعلى ذلك يرتد الأفقُ كأنَّه بالخارج، كأنَّه بمثابة التلقي نفسه. لأنَّ الطائرة أساساً تجرى كعصر جديدٍ، كغد مُشرق، كحرية آتية بالهواء النقي للمجتمع والناس، وإذ تحلِّق عن كثب تُهمِّش التجاور اللوني للمكونات الأخرى، لكنها عوضاً عن هذا تطفُر بالمضمون إلى السطحِ الظاهر. كما أن خطوتها الأمامية تؤكد توجُهاً عكسياً للمعنى، فبدل الانغمار عمقاً، يُبادرنا العمقُ ليبسط الترنيمة حياةً جديدة للوطن القادم.

 

د. سامي عبد العال

............................

1-  مرعي التّليسِي فنان تشكيلي ليبي معاصر، اهتم بالتصوير الفوتوغرافي وتصميم الجرافيك. اشهر أعماله لوحة " طائر الحلم" و"الشهادة أو النصر" و"سمر" و"حنين". حصل التليسي على جوائز محلية و دولية، جائزة لجنة التحكيم الخاصة ببينالي مالطا الدولي 1995وجائزة الجرولا دي أورو فينيسيا إيطاليا معرض البورتريهات 1995، جائزة معرض اتحاد حقوقي أفريقيا (للتضامن مع نيلسون مانديلا)،  جوائز تقديرية من بينالي بغداد الدولي ومهرجان القيروان بتونس والعديد من شهادات التقدير. كما شارك في معارض على المستوى المحلي والعربي والدولي أيضاً.

 

كاظم شمهودعندما نقرأ المعتقدات السومرية سينكشف لنا مدى التشابه والتقارب بينها وبين المعتقدات عند العرب قبل الاسلام وهذه الامور نجدها في بحوث الدكتور جواد علي خاصة عندما يتحدث عن الاصنام عند العرب وكذلك تشابهها مع بعض العادات والمعتقدات عندنا اليوم . كان السومريون يعتقدون بوجود الاله الاب الاكبر (رب السماء والارض) – آن – (انو، عند البابليين) والذي يسكن في السماء الاخيرة، وان هناك له مساعدين من الالهه الصغار وهم يشكلون الابناء والبنات والاحفاد والنساء مثل انكي وانليل وننسخرباج ومردوخ وغيرها، وان هؤلاء الالهه الصغار هم واسطة بينه وبين البشر يؤمرون ويعملون حسب اوامر الاله الاب الاكبر وفي نفس الوقت يتشفعون عنده لمساعدة الناس وقضاء حوائجهم .. هذا البناء الهندسي الاعتقادي نجده نفسه يتكرر عند العرب قبل الاسلام حيث كانوا يعبدون الهه متعددة ممثلة بالاصنام لتقربهم الى الله زلفى (وما نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفى). اذن بالمفهوم الحديث ان السومريين يعترفون بوجود اله واحد ولكنهم يشركون معه الهه اصغر منه . نحن اليوم نعتقد باله واحد احد وهناك انبياء ورسل وملائكة بينه وبين البشر لابلاغ رسالاته وكتبه وفي نفس الوقت يتشفعون ويستغفرون للناس .. هذه المعتقدات المتشابهه تدلنا اولا على انه كان هناك في زمن السومريين انبياء وقد حورت رسالاتهم وحولت الى اساطير، ثانيا ان هناك اله واحد يحكم العالم سمي باسماء مختلفة . آن، آنو، الاب الاكبر (رب السماء والارض)، (الله) وغير ذلك . وكان السومريون يسمون الانبياء بالحكماء واطلقوا عليهم اسماء سومرية مثل ابوليم (ادم ع) و اتو نابشتم (النبي نوح –ع-) . وعندما نستعرض القرآن الكريم نجد انه يصف السومريين والبابليين بانهم اقوام مشركة وليس ملحدة بمعنى انهم يؤمنون بالله ولكن يجعلون له الهه صغار تابعين، وقد اشار الى ذلك ابراهيم –ع- في جدله مع اهل اور و بابل في حوالي 2000 ق م .اي في زمن السومريين وقبل الدولة البابلية الاولى بحوالي 250 سنة . (و حاجه قومه قال اتحاجوني في الله .... وكيف اخاف ما اشركتم ولا تخافون انكم اشركتم بالله ..) الانعام - 

2568 الاساطير السومرية 1

العلماء وترجمة النصوص

هناك ملاحظة حول علماء الآثار وهي انهم عندما يترجمون النصوص السومرية او الاكدية يحاولون صياغتها بالشكل الذي يفهمها القارئ . واحيانا يترجمون المضمون وليس ترجمة حرفية . بحيث تؤدي الى القرب من المعنى مثلا- الحكيم - باللغة السومرية هو- ابجال – وفي الاكدية – الابجالو – وبالتالي يمكن ان نجزء معنى الكلمة الى:

اب – يعني ماء

جال – يعني عظيم

لو – يعني رجل 

2568 الاساطير السومرية 2

2569 أنكي إله الماءوبالتالي تصاغ الجملة: الرجل المائي العظيم . ويعني ذلك انه شكل رجل بنصف سمكي . وهكذا تتم الترجمة وصياغتها في بناء الجملة حتى يفهمها القارئ . وهي من الامور التي تأخذ وقتا طويلا لفهمها وصياغتها . انا شاهدت فيديو للاستاذ صاموئيل نوح كريمر وهو استاذ طه باقر يتحدث عن صعوبة قراءة وترجمة النصوص المسمارية والتي تحتاج الى احاطة كاملة بكل مناطق وجغرافية الآثار حيث هناك نصوص في مناطق متفرقة يكمل بعضها البعض . 

ويمكن معرفة عقلية وفلسفة السومريين من خلال القطع الادبية السومرية لاسيما الاساطير وقصص الملاحم والتراتيل الدينية . وما اكثرها في متاحف العالم والتي تعد بالالاف . 

وكانوا ينظرون الى الكون انه يتكون من السماء والارض وانهم اعتقدوا بوجود البحر الاول المحرك للخلق (الاله الاب الاكبر) واعتقدوا بوجود مجموعة من الالهه قوامها كائنات حية شبيهه في هيكلها بالانسان ولكنها فوق الانسان وخالدة، وأن كل أله موكل بحيز خاص من هذا الكون لسير شؤونه بموجب قواميس وقواعد مقدرة . وقد استدلوا من المعلوم الى المجهول في عمل الالهه حيث ان الكائنات البشرية تعيش في مدن وقصور ولها معابد وحقول ومزارع ونظم حكم . ولهذا فأنهم اعتقدوا ان عمل الالهه على غرار عمل البشر الا انهم خالدون وليس بميتين .

اما مسالة الخلق عند الالهة فعندهم مبدأ القوة الخالقة للحكمة فإذا اراد الاله ان يخلق شيئا يقول الكلمة وينطق بالاسم اي اسم الشئ المراد خلقه – فيظهر .

وقد تكون هذه الفكرة ماخوذه من قرار الملك البشري في اصدار الاوامر حيث تصدر الكلمات من فمه وينفذ .ولكن ان مسألة الخلق موجودة عند الاديان السماوية التوحيدية حيث ان الله اذا اراد شيئا ان يقول له كان فيكون، وهذا نص قرأني دليل على وجود الكلمة الخالقة وليس غريبا ان فلاسفة السومريين قد اخذوها من الانبياء الموجودين والمنتشرين في مجتمعاتهم ومدنهم يبشرون بوحدانة الله ورسالاته . (انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون) يس .

2570 أنو الإله السومريهناك فرق بين فلاسفة السومريين وعلم اللاهوت وبين الشعراء ومبتدعي الاساطير ومدونيها، فأهل الاساطير كتبة وشعراء شغلهم الشاغل تمجيد الالهه وتعظيمهم والاشادة باعمالهم ومآثرهم وقد سلموا بالمعتقدات والاراء الشائعة في مجتمعاتهم ولم يشغلوا بالهم عن اصولها ونشوئها .ولم تكن عدتهم المنطق والعقل بل الخيال والوهم، اما الفلاسفة فهم يعملون ويفكرون بما وراء الطبيعة على اساس المنطق والعقل .

التحوير الى الاسطورة -

ولكن يبدو ان المفكرين السومريين لم يخبرونا كيف كان الالهه يصلون الى معابدهم وكيف كانوا يؤدون افعالهم الادمية الاخرى كالشرب والاكل؟. فقط كانوا يصنعوا لهم التمثايل من الحجر والخشب ويعبدونها، وكانوا يعتقدون ان اشكال الالهه تشبه الانسان وانها تمرض وتاكل وتخوضون الحروب، وقد ذكر ذلك الاستاذ طه باقر في بحوثه الاثرية .

وقد دخلوا في تناقضات كثيرة ولكن لم يدونوا هؤلاء الحكماء ارائهم بشكل منتظم ولهذا فنحن نبقى في نقص معرفي عن كل شئ ساد تلك العصور القديمة، ومن المؤكد ان بعض الامور اقلقتهم ولم يجدوا لها حلا كما هو الحال عند بعض فلاسفة اليوم .

2571 امراة سومريةكان عالم الاثار كريمر وهو يهودي الاصل قد القى محاضرة في جمعية الاداب التوراتية في عام 1954 بعنوان الانسان وربه رواية سومرية لقكرة قصة (ايوب) استند فيها الى مقالة شعرية سومرية تتالف من زهاء 135 سطرا امكن جمع الواحها المتكونة من ست الواح من الطين .

و تطرح هذه المقالة ان الفكرة الاساسية التي يعرفها الشاعر السومري هي أنه في حالة العذاب والمصائب ليس للمعذب سوى سبيل هو انه يمجد ربه دوما ويتابع البكاء والضراعة والاستغفار له حتى يستجيب له .

و قد ورد ذكر قصة النبي ايوب –ع- في القرأن الكريم وانه كان صابرا على البلاء الذي اصيب به من المرض وفقدان اهله، وكان يدعو الله دائما ان يعافيه ويشافيه من هذا المرض حتى استجاب الله له فاعاد اليه صحته واهله بعد امتحان عسير حتى اصبح يضرب به المثل (صبر ايوب) - (وايوب اذ نادى ربه اني مسني الضر وانت ارحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا له من ضر واتيناه اهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعالمين) الانبياء – وبالتالي نجد ان القصص التي كتبت على الواح الطين السومرية هي تشبه قصص الانبياء التي وردت في الكتب المقدسة ولكنها حورت وحولت الى اساطير.

 

 د. كاظم شمهود   

 

 

محمد الشاويتوطئة: أصبح من الضروري اليوم على الناقد الفني الاحتكام إلى التأويل المُوسَّع، لفهم القصدية المضمرة للفن المعاصر. فالقراءة النقدية ذات المسعى الأبجدي، والمتعارف عليها إنْ على المستوى الوصفي التقني-التحليلي أو على المستوى الرسمي-الصباغي، ظلت جوفاء المعنى، وأثرية المذهب تحذو حذو النعل بالنعل، لا تُسعف المُتلقي على فك شفرة الفن المعاصر. فهي تتكئ على أرضية هشة للوصف الشكلي في بعده التحليلي الفارغ من المضمون الجمالي، والمُبتعد عن ناصية التفكير النقدي المُؤسِّس لروح الفن وجوهره، ألا وهو التأويل. بتعبير آخر، إنها قراءة نقدية تتأطر داخل نسق دائري مغلق يرفض الانفتاح على العلوم والمعارف المنبثقة عن الفلسفة كالعلوم الإنسانية والاجتماعية والمعرفية والعصبية... لا سيما إذا نظرنا إلى مختلف التحولات الراهنة التي شهدتها هذه العلوم، وفي علاقتها بالفن المعاصر على وجه التحديد.

وفي التأويل المُوسَّع، لا بد أن يتوفر الناقد الفني على عُدة معرفية يساهم بها للخروج من المعنى المضمر في الأعمال الفنية إلى المعنى المُؤوَّل أو الشبيه بالحقيقة   Le vraisemblable، وهو الذي يتم استنباطه بالانفتاح على مجالات وحقول علمية متخصصة داخل المختبر النقدي الذي يشتغل به. فمن أهداف التأويل في حقل الجماليات البصرية أنه يساهم في رفع صعوبات الفهم الجمالي للأعمال الفنية، بطرحه لأبعاد جديدة من شأنها أن تنقلنا إلى مستويات رحبة تخدم غرض التلقي. وأيضا الدفع به لوضعه بمكانه المناسب لتحقيق غايته التواصلية التي تروم خلق نقاش بين العمل الفني وكيفية التواصل معه.

في ضوء هذه التوطئة يمكن بسط الإشكال الآتي:

كيف نُؤَوِّلُ عملاً فنيا؟ وأي مسعى يمكن للناقد اتباعه في عملية التأويل؟

إن عملية تأويل الأعمال الفنية تتطلب حسب تصورنا النقدي ثلاث مستويات متكاملة تروم طرح أفق جمالي للفهم والتفسير والتواصل. حيث تتحقق علاقة الذات الجمالية المُشكِّلة للعمل الفني بالغير المتلقي فردا كان أو جماعة، وباستحضار الموضوع الفني. ودور الناقد المؤوِّل يتحدّد في فهم وتحليل هذه العلاقة ورصد أبعادها ومختلف تجلياتها المحايثة للعمل الفني.

1- الفهم الجمالي:

إن الفهم الجمالي هو أول مؤشر دلالي على استيعاب كُنه العمل الفني وجوهره، وذلك عن طريق وضعه في سياقه الجمالي بالنظر إلى المادة المُشتغل عليها، من حيث الشكل والمضمون والأبعاد الثاوية خلف فكرة العمل. والمراد بالسياق الجمالي تقريب المُتلقي من فكرة العمل الفني المنجز بتعريفه وتحديد جنسه وخصائصه التي قد تبدو مبعثرة، لكن الناقد يجمعها داخل خيط ناظم للتصور الفني الذي حمله الفنان على عاتقه داخل سلسلة الفنون المعاصرة. إذ اختار منها التعبير الذي يتناسب مع تصوره، وفي تقاطع مع اتجاهات وتيارات لها نفس الغاية.

2-  التفسير الجمالي:

ويمكن اتباعه عندما يكشف الناقد عن مستويات القضايا والموضوعات التي يستند إليها العمل     الفني بمرجعية أسلوب الفنان. حيث يقوم الناقد بتفسير هذا الأسلوب ضمن تيار من تيارات الفن المعاصر -مع إمكانية الجمع أو المزاوجة بين أكثر من تيار- فضلا عن استحضار تداخل التيارات داخل نفس العمل/المنجز. فالأعمال التجهيزية  Installations على سبيل المثال، تتطلب أنماطا متعددة للبناء الجمالي البصري للموضوع: الفضاء المكاني ودلالاته، الأحجام Volumes وهندستها، الظل والضوء، المفاهيم، القضية المضمرة التي تقتضي من المتلقي البحث عنها، طريقة العرض وأبعادها الهندسية المنظورية، المجال الإدراكي، الكل والجزء، الزمان الفني، رقمية الصورة وأبعادها الافتراضية، المستويات الدلالية لمراحل العمل: البداية، الوسط، النهاية... وكذلك هو الشأن بالنسبة لفن الأداء Art         de la performance الذي ارتبط بالفعل الحي للعمل الفني أثناء حضور المتلقي الذي يكتشف بنفسه الموضوع الجمالي ويبحث عنه. فتكون مهمة الناقد ها هنا هي توثيق الأداء الفني بتقديم تفسير متكامل في نهاية العرض. وهو تفسير يستند فيه إلى عُدة متنوعة من التخصصات والمعارف التي من شأنها أن تُسعفه في رصد الحالات النفسية والذهنية والعلائقية والوجدانية... داخل الإطار الاجتماعي وفي صميم الحياة اليومية بمختلف تفاعلاتها وتأثيراتها على الذات المُشِّكلة في علاقتها بالغير.

وعلى سبيل المثال: قد نجد في بعض معارض فن الأداء توظيف الفنان/العارض لوثبة تصالُبيَّة يُصالِب فيها رجلَيْه تكرارا داخل قاعة العرض بطريقة يندهش لها المتلقي، وقد يقرع إحداهما بالأخرى ليلعب دور راقص الباليه. وفي هذا العرض يستخدم الفنان الموسيقى التصويرية، وكذلك هندسة المكان، والألوان المعبّرة عن حالته النفسية... حيث يُمسك بيديه الفرشاة وباليت الألوان ويرسم موضوعا اختاره ليؤثث به أداءه البصري الحي أمام الجمهور.

3- التواصل الجمالي:

وهو مناقشة العمل الفني عن طريق تأويل المعاني والدلالات التي حصُل فَهْمُها. وهو تأويل يروم وضع فهم ممكن لحقيقة الفكرة التي يطرحها العمل، من خلال بحث الناقد عن إمكانيات محتملة لتفسير جمالي جديد. إن التواصل الجمالي ينقلنا بالضرورة من المعنى الصريح إلى المعنى المضمر. ويمكنه فيما بعد أن يتوسل الاستقراء في عمليتي المقارنة والتركيب، قصد الخروج بالتأويل نحو مراميه وأهدافه. وهنا يستعير الناقد مقاربات من علوم ومعارف إنسانية وبحثية مُتخصصة: الفلسفة، تاريخ الفن، علم النفس، علم الاجتماع،  الهندسة، الرياضيات، الفيزياء، علم الجمال، ميتولوجيا، الأنثروبولوجيا، العلوم المعرفية، علوم الأعصاب، اللسانيات، التداوليات،... والهدف من هذه المقاربات هو وضع أسس نقدية وعلمية للمعرفة التشكيلية والبصرية في الكتابة النقدية العَالمة.

وعلى هذا الأساس يمكن القول بأن الفن المعاصر بالنظر إلى أشكاله التعبيرية الراهنة، يفتقر إلى المضمون التأويلي إذا ما تأملنا الأعمال الفنية المُنجزة: اللوحة بمفهومها الجديد، التركيبات النحتية، الأحجام، التجهيزات، الفيديو آر، فن الأداء، الصباغة الديجيتالية... إنها أشكال غير مكتملة، والتأويل هو وحده الكفيل بملء وتدارك كل الصعوبات التي من الممكن أن ترتبط بالتلقي، دون اغفال للمستويات الجمالية للفهم والتفسير والتواصل. أي تلك المستويات التي تستند إليها وظيفة ومهام الناقد المُؤوِّل. إنها مهام يساهم بها في تذليل عوائق التلقي ورفع كل تعقيد، قصد تسهيل الفهم وتقريب الرؤية  الجمالية لأفق معياري Normative ممكن.

 

بقلم: الدكتور محمد الشاوي

فنان تشكيلي مغربي وباحث في الجماليات

 

 

كاظم شمهودوماهو الفرق بين الابداع والاختراع والخيال؟

المخترع هو الذي يكتشف صنوفا من الاشياء النافعة التي تخدم الانسانية ولكن نجاحه في اكتشافها يفصله عنها، كاختراع الطائرة والمذياع والتلفون والشفرة وغيرها. بينما الفنان لا يكتشف شيئا خارج ذاته بل ان ما يبدعه يظل قائما ما انطبع بشخصيته، وان القيمة الفنية فيما يبدعه انما تتحقق بالمكاشفة التي يخلفها الفنان على آثاره من ذاته مستقلا عن كافة القوانين الموضوعية للفكرة والعادات، وبالتالي فان الفنان وحسب هذه النظرية فهو مبدع اكثر منه مخترع.

2460 بيكاسو 1بالاضافة الى ما يملكه الفنان من ابداع فانه ايضا يتمتع بخيال واسع، وكان فن ماتيس قائما على الخيال، وكانت طريقته الواعية في العمل تثير الاهتمام وخاصة مهارته في فرض الرقابة على ذهنه خلال اداءه الابداعي.

بعض النقاد يذكر ان نشاط الخيال لا يمكن ان يبدا الا بعد ان يتخلص الفنان من سيطرة الفكرة، والمقصود بهذا هو مشاغل التفكير العملي اليومي. ومن خلال تلك الجدلية يتحرر خيال ماتيس ليشكل ارقى المشاعر من كل نوع، ومن اجل ذلك تتجلى طريقته الابداعية على نحو نادر من الصفاء والجمال. ركز ماتيس على التأليف بين تعدد الالوان وتحديد الاشكال بدلا من استخدام الضوء والظل، كما هو عند الانطباعية، وكان استخدام الخط في تحديد الاشكال كان شائعا في الفنون الشرقية القديمة خاصة في الفنون الاسلامية. علما ان ماتيس مكث عدة سنوات في المغرب وتأثر بالفن الاسلامي وارتدى الجلباب المغربي.

2461 ماينس 1اهتم ماتيس بالحياة الانسانية وكان وثيق الصلة بذاته بمعنى انه مبدع ويمتاز بالصفاء الفطري حيث يغور بين الوانه واشكاله محلقا خياله في عالم الكون، وقد امتازت اعماله بالتسطيح، مما حدى ببعض النقاد الى اتهامه بفقدان اعماله البعد الثالث. والمعروف ان الشكل الواقعي له ثلاثة ابعاد ويتحقق ذلك في المنحوتات والتماثيل، ولكن في التصوير استخدم الفنان خدعة بصرية باستخدامه عنصري الضوء والظل ليعطي الاشكال المرسومة احساسا بالتجسيم. وبالتالي فان حقيقة اللوحة هي عبارة عن بعدين في ذهنية الفنان والمتلقي. وقد اشارة افلاطون سابقا بان فن التصوير خدعة وان الحقيقة توجد في عالم المثل.

2461 ماينس 2وبالتالي يكون التسطيح في اللوحة هو عبارة كالبعد الثالث، بتأثيرات ابداعية وتقنيات مختلفة توحي بذلك. بمعنى اوضح ان البعد الثالث يتجسد في اللوحة المسطحة بنوع من خدعة البصر بتأثيرات الضوء والظل وغيرها.

وكلما ازدادت تجارب الفنان ازداد خياله وعطاءه وابداعه واظهار قدراته الكامنة، كما ان الخيال صفة ينفرد بها كل فنان ومبدع، وانه يرتبط بالنشاطات الروحية والمادية بكل انواعها، وكذلك العاطفية التي تنبض بالحياة البشرية. وكان بيكاسو مبدعا وصاحب خيال واسع، وكان يرسم يوميا لا يكل ولا يمل، ويقال انه ترك 15 الف عملا فنيا. لا يهمه ما يقوله الاخرون في فنه بل كان مقداما وواثقا من نفسه وعمله. لا يحفل بتغييرات الاذواق او تطور العواطف والخيال والفكر فهو يؤمن بخلود ما تراه عيناه ولا يلقي بالا في تلك التغييرات في الحياة الانسانية او الى طرق النظر اليها. وقد وضع بيكاسو كل ما هو انساني في صورة مادية.. مع ذلك فان الكثير من لوحاته عليها مسحة عاطفية وفي نفس الوقت يملك طاقة ذهنية كبيرة وله دوافع شوق للاختراع والتأمل.

وكان بيكاسو دائم التقلب في اسلوبه وافكاره تبديلا شاملا خاصة عندما يستوحي نماذجه من فنون الماضي كما كان اكثر تواضعا كفنان منه كرجل اذ كانت اراءه مطبوعة بالعنف والمعارضة، مشبعة بالثقة بذاته في شدة وحزم. في يوم من الايام عمل بيكاسو معرضا شخصيا اطلق عليه اسم – انا بيكاسو – وهو ما يشير الى الثقة الكبيرة بنفسه وكأنه يتحدى الآخرين، وفعلا تم له ذلك.

2460 بيكاسو 2

2460 بيكاسو 3في عام 1988 صدر كتابين عن صديقة بيكاسو الفرنسية الاولى على شكل مذكرات وهي فرناندي حيث عاشت معه ايام الفقر والعوز المادي في باريس وفترة البوهيمية بداية عام 1901، وتذكر ان بيكاسو كان يحمل مسدسا فعندما يخرجون من الكابريه في ساعة متأخرة من الليل كان يطلق عيارات نارية في الهواء الطلق وسط مرح وقهقهات اصحابه. كما تذكر فرناندي ان بيكاسو في عام 1906 رسم الكاتبة الامريكية ستين كموديل، ولكنه عندما انتهى منها ورأتها رفضـت اخذها بحجة انها لم تشبهها. وبعد فترة عاد بيكاسو الى اللوحة واعطاها بعض اللمسات وبتأثيرات افريقية، ولكن مازال النقد مستمراً في غرابة اللوحة ورفضها: فرد عليهم بيكاسو (لا تقلقوا بالاخير ستشبهها) وقد رسم بيكاسو هذه الكاتبة حسب رؤيته الفنية التعبيرية وبعناصر جديدة تمهد لمرحلة واسلوب جديد. وكلمة (لا تقلقوا بالاخير ستشبهها) يعني بها انه ذهب في رسمها الى ابعد من الشكل الظاهر، وانما الى الباطن والتعبير عنه بهذه الطريقة. وبالاخير قبلت ستين اللوحة على كراهية، واليوم بيعت اللوحة بملايين الدولارات. وعلق صديق بيكاسو الشاعر ابو للينير على ذلك بأن الشعراء والفنانين يتحدثون بلغة عصرهم والمستقبل بشكل راقي ومتطور. وهكذا كان بيكاسو علما من اعلام التحدي لا يبالي باذواق الآخرين او طرق النظر الى اعماله بقدر ما يهمه رأيه وقناعاتة الذاتية.

 

د. كاظم شمهود

 

2427 جاك ماجوريل 1جاك ماجوريل فنان فرنسي مغامر، لقب تارة برسام المغرب والقصبات، وتارة أخرى برسام مراكش والجنوب المغربي، من طينة الفنانين الكبار في مجال الفن الاستشراقي، عاش يبحث عن عوالم غرائبية تعج بالضوء والألوان الزاهية، وقد خلف إرثا فنيا غزيرا، لكن اشتهر كثيرا بحديقته العجيبة والبهيجة، التي تعد لوحة إيكولوجية، ومن المعالم السياحية لمدينة مراكش.

مسار فني استثنائي

ولد ماجوريل يوم 07 مارس 1886 بمدينة نانسي بشرق فرنسا، في وسط فني. فأبوه لويس ماجوريل كان صانع تحف خشبية، وجده أوغوست فنان ديكور على الخزف والأثاث. درس الفن في منحاه المتعلق بالهندسة الداخلية، سنة 1901، بمدرسة الفنون الجميلة لنانسي، ليقوم سنة 1903 بدراسة الرسم بأكاديمية جوليان بباريس بمرسم الفنانين شومير وروايي.

وخلال سنة 1908، نظم معرضه الأول بجمعية الفنانين الفرنسيين بذات المدينة، وفي سنة 1910، رحل إلى مصر، حيث مكث أربع سنوات، منجذبا بثقافة الشرق والعالم الإسلامي. وبعد تدهور صحته، جراء إصابته بداء السل، وبدعوة كريمة من صديق أبيه وإبن مدينته الماريشال ليوطي، أول مقيم عام للحماية الفرنسية بالمغرب، حل سنة 1917 بمراكش، حيث استقر، فترة وجيزة، بفندق فيكتوريا، ثم، لمدة سنتين، بمنزل قرب مسجد حي بن صالح، غير بعيد عن ساحة جامع الفنا، ثم بقصر الباشا بن داود بحي باب دكالة، الذي استأجره خلال الفترة الممتدة ما بين 1919 و1923.

2427 جاك ماجوريل 2

وفي سنة 1918، عرض أعماله الأولى عن المغرب برواق فندق إكسيلسيور بالدار البيضاء. وخلال سنة 1921، قام برحلة فنية واستكشافية إلى جبال الأطلس الكبير، خصوصا وديان تلوات وأونيلا وبلاد كلاوة. وأثناء السنة الموالية، عرض أعماله الفنية حول جبال الأطلس برواق جورج بوتي بباريس التي لاقت نجاحا كبيرا، واقتنى منها الماريشال ليوطي ثلاث لوحات لتزيين مقر الإقامة العامة بالرباط. كما أصدر كتابا حول جبال الأطلس يحمل عنوان "دفتر الطريق لفنان بالأطلس والأطلس الصغير"، سنة 1922، بمساعدة أبيه، لدى ناشر من مدينة نانسي يدعى فيكتور بيرجي، ويتضمن هذا المؤلف ارتسامات ماجوريل حول الأحداث والوقائع التي عاشها أثناء رحلته إلى هذه المنطقة.

ومن أجل الاستقرار والتفرغ كليا للفن، اقتنى سنة 1923 من الشركة المغربية، التي تنشط في مجالات التجارة والصناعة والفلاحة، أرضا بالرويضات على مقربة من باب دكالة، تبلغ مساحتها ما يناهز هكتار ونصف، وتسمى "بوصفصاف"، وذلك نسبة لأشجار الحور (الصفصاف) التي تنمو فيها، والتي تذكره بفترة طفولته الجميلة التي قضاها بمحاذاة سواقي منطقة اللورين الفرنسية، وفي هذا المكان شيد فيلا، وفق أساليب الهندسة الأندلسية المغربية. كما قام بتزيين رواق ومطعم فندق المامونية بمراكش بأعمال ديكور، مع إنجاز ملصقات سياحية تسوق المغرب كوجهة سياحية واعدة، إبان الحماية الفرنسية.

وخلال سنة 1926، واصل استكشاف جبال الأطلس، عبر تنظيم رحلات إلى مدن الصويرة وأكادير، إضافة إلى تارودانت بجنوب المغرب، دون أن ينسى، سنة 1928، أن يتوجه شمالا لمدينة مولاي إدريس زرهون، المعلمة المفعمة بالأصالة والروحانية، ورمز أول دولة إسلامية بالمغرب.2427 جاك ماجوريل 3

ولتوسعة مقر سكناه وتمكينه من فضاء أخضر، اقتنى سنة 1928 بقعتين أرضيتين مجاورتين لمسكنه، خصصهما لإحداث حديقته الفنية، وأخذ منحى آخر في رسوماته، يتميز باستعمال تقنية الرسم بالألوان المائية الممزوجة بمسحوق الذهب أو الفضة، التي تعلمها من جده، فنان الأثاث والأواني الفخارية. وفي سنة 1931، شيد فيلته التكعيبية، التي جعل منها مرسمه الخاص، ورواقا لعرض لوحاته للعموم، مستعينا في ذلك بالخدمات المتميزة للمهندس بول سينوار. 

ومن أجل تزيين مقر بلدية الدار البيضاء، رسم، سنة 1938، لوحتين كبيرتين، لفائدة إدارة الحماية الفرنسية بالمغرب، الأولى تجسد أحواش أنميتر بإقليم ورزازات والثانية عبارة عن موسم بمراكش. وخلال الفترة الممتدة ما بين 1945 و1952، قام بثلاث رحلات إلى إفريقيا جنوب الصحراء، زار أثناءها بلدان غينيا وساحل العاج والنيجر والسينغال، إضافة إلى السودان. وسنة 1946، وبتشجيع من صديقه رئيس الوزراء البريطاني تشرشل، عرض لوحاته بلندن.

وفي سنة 1955، تعرض لحادثة سير خطيرة فقد على إثرها رجله اليسرى. وأثناء سنة 1957، طلق زوجته أندري لونكفيل، ما جعله يتخلى لها عن جزء من حديقته، ليتزوج، سنة 1961، من ماري تيريز هامان من أصول هايتية. وخلال سنة 1962، تعرض لحادثة سير ثانية أدت إلى كسر في فخذه، ما أدى إلى نقله، على وجه السرعة، إلى باريس من أجل العلاج، لكن ما فتئ أن توفي، يوم 14 أكتوبر من ذات السنة، ليدفن بجوار قبر أبيه بمقبرة بريفي بنانسي.

وبعد وفاته، نظمت عدة معارض لأعماله الفنية بمراكش والدار البيضاء، علاوة على باريس. لقد كان ماجوريل فنانا غزير الإنتاج، حيث خلف ما يزيد عن ألف لوحة فنية هي عبارة عن بورتريهات ومشاهد يومية ومناظر طبيعية لمجموعة من البلدان من قارتي أوروبا وإفريقيا، مع اهتمام كبير بمراكش والجنوب المغربي.

2427 جاك ماجوريل 4

ماجوريل من رواد الفن الاستشراقي

يعد ماجوريل من الوجوه البارزة للفن الاستشراقي في القرن العشرين، فمن أجل الاستشفاء، وبحثا عن عوالم حارة وجافة، هجر دفء العائلة وحياته الوثيرة بنانسي، لاستكشاف أضواء ومباهج الحياة الشرقية بمصر، التي ما لبث أن غادرها للاستقرار بالمغرب، الذي سحره بسكانه ومعالمه التاريخية ومشاهده اليومية، إضافة إلى مناظره الطبيعية. لقد رسم عدة أماكن بهذا البلد، لكن خلف لوحات كثيرة عن قصبات جبال الأطلس، حتى أنه لقب برسام القصبات والجنوب المغربي، وقد خص هذه القصبات بألبوم موسوم بـ "قصبات الأطلس"، صادر عن منشورات جول مينيال بباريس سنة 1930، بتقديم للماريشال ليوطي.

ومن أبرز اللوحات، في هذا المجال، نذكر لوحة "قصبة مراكش الحمراء" (الفريجة)، التي رسمها هذا الفنان سنة 1924، والتي لها قيمة فنية وتاريخية كبيرة، إذ تم اختيارها سنة 1926 لتزيين غلاف الدليل السياحي لمراكش، ما أهلها لأن تصبح أيقونة ورمزا في المخيال الثقافي والفني المغربي.

وقد قامت أسرة الفنان ببيع هذه اللوحة التحفة، سنة 2011، عن طريق المزاد العلني برواق أركوريال بباريس بسعر قياسي، يربو عن مليون أورو لأحد هواة اقتناء اللوحات الأمريكيين. وبهذه المناسبة، أكد فرنسوا تاجان، مفوض المبيعات الفرنسي، أنه "لم يسبق لأي لوحة من لوحات ماجوريل أن حققت هذا السعر"، مضيفا أن عرض هذه اللوحة للبيع قد شكل عنصر تحفيز لسوق الفن، حيث حظيت باهتمام كبير لدى هواة اقتناء اللوحات، عبر مختلف دول العالم.

وحول هذه اللوحة، يقول فليكس مارسيلاك، المتخصص في فن ماجوريل: "في هذا العمل الفني الكبير، ومن خلال لعبة بسيطة من المساحات الصغيرة للألوان الموضوعة، بطريقة مسطحة وفسيفيسائية، استطاع ماجوريل، بمهارة، أن ينقل كامل موضوعه".

2427 جاك ماجوريل 5

أزرق ماجوريل بصمة فنية خالدة

ولإعطاء مسكنه نوعا من الفرادة والتميز، قام ماجوريل، سنة 1937، بصباغته بألوان حيوية يطغى عليها لون أزرق مشرق وناصع، لون لازوردي يمتح من معين لوحة الألوان لما وراء البحار، أطلق عليه اسم أزرق ما جوريل، ومستوحى، كما صرح بذلك ذات مرة، من لون مياه بحيرة تاسكا بجبال الأطلس. وهذا اللون له تركيبة لونية خاصة تشبه ظل الأزرق الأرجواني، وتتكون من ثلاثة ألون هي الأزرق والأخضر، علاوة على الأحمر.

وفي جولة متأنية بهذه الحديقة البديعة، نلاحظ الحضور القوي والشامخ لهذا اللون الأزرق في عدة أماكن ومناحي، من أبرزها: الأبواب والنوافذ والشرفات والحيطان والنافورات وأحواض الماء، إضافة إلى المزهريات، ما يخلق سيمفونية بصرية رائعة، خصوصا عندما يتواجد مع ألوان أخرى ليست أقل رونقا وبهاء، مثل الأصفر والبرتقالي، إضافة إلى الأخضر.

وخلال العقود الأخيرة، غادر هذا اللون أسوار حديقة ماجوريل، وأصبح لونا عالميا، وماركة مسجلة في مجال الصباغة، تتهافت كبريات الشركات على استعماله، في هذا المجال، وفي ميادين أخرى، تتعلق بالموضة والحلي ومستحضرات التجميل، كما غدا هذا اللون من الألوان المفضلة لصباغة نوافذ وأبواب العديد من المنازل بمراكش، لأنه يبهر العين، ويبعث على الاسترخاء والسكينة في النفوس.

حديقة ماجوريل تحفة إيكولوجية

تعد حديقة ماجوريل من أشهر الحدائق في العالم. حديقة فريدة وزاهية، فتحها ماجوريل للزوار، سنة 1947، وحرص على جعلها، على مدى أربعين سنة، لوحة إيكولوجية تعج بمختلف الأشجار والنباتات النادرة، التي جلبها من مختلف بقاع المعمور. إنها جنة فيحاء محاطة بأسوار في قلب مراكش، وهي بذلك تبدو مثل فضاء إيكولوجي أسطوري، خارج الزمن، اجتمع فيها ما تفرق في غيرها، على المستوى النباتي، ما حذا بماجوريل إلى اعتبارها من أجمل الأعمال التي أنجزها في مساره الإبداعي. وفي هذا الإطار يقول هذا الفنان: "هذه الحديقة مهمة صعبة، أتفرغ إليها كليا، تأخذ مني سنواتي الأخيرة، وتجعلني أسقط متعبا تحت أغصانها، بعد منحها كل حبي".

وخلال سنة 1980، وبعد أن أصبحت هذه الحديقة مهملة وعرضة للمضاربات العقارية، التي تروم تحويلها إلى مركب فندقي، سارع إلى اقتنائها مصمم الأزياء العالمي إيف سان لوران، رفقة شريكه راعي الفن ورجل الأعمال بيير بيرجي، حيث قاما بصيانة وترميم مسكن ماجوريل بمساعدة صديقهما مصمم الديكور بيل ويليس، ليتم بها إحداث متحف إسلامي، أصبح فيما بعد متحفا بربريا، يضم مجموعة من القطع والتحف الفنية التي جلبها سان لوران وبيرجي من عدة بلدان من مختلف بقاع العالم.

وفي سنة 1998، تم تأهيل الحديقة، من خلال تزويدها بنظام سقي آلي، وجرد رصيدها النباتي، وإغنائها بفصائل جديدة من المغروسات والنباتات. وبعد ثلاث سنوات من ذلك، أحدث سان لوران وبيرجي جمعية حديقة ماجوريل للحفاظ على الإرث الإيكولوجي والتاريخي والثقافي لهذا الفضاء. وإثر وفاة سان لوران، سنة 2008، احتضنت ورود هذه الحديقة رماده، ونصب تذكاري يخلد ذكراه، لأنه كان يعشق هذا الفضاء، ويعتبره "مصدر إلهام لا ينضب"، بالنسبة لإبداعاته في عالم الأناقة وتصميم الأزياء الراقية. ومع سنة 2011، أصبحت حديقة ماجوريل مؤسسة ذات منفعة عامة، تدعم عدة مشاريع ثقافية وتربوية وطنية، وبذلك، خلدت ذكرى هذا الفنان، وساهمت، بشكل كبير، في إشعاعه بعد مماته.

2427 جاك ماجوريل 6

مارسيلاك لمعرفة حياة وأعمال ماجوريل

فليكس مارسيلاك مؤرخ فني فرنسي، وعاشق هو الآخر لمدينة مراكش، صاحب رواق مارسيلاك بباريس، الذي يعتبر أعرق مؤسسة فنية بعاصمة الأنوار تهتم بعرض فنون الديكور للقرن العشرين. له كتابات رصينة ومرجعية حول هذا الفنان، من أبرزها: كتاب يحمل عنوان "جاك ماجوريل"، صادر ضمن سلسلة المستشرقين عن منشورات "أسي إير" بفرنسا سنة 1995، والذي تطرق فيه لجملة من القضايا والمحطات المفصلية في حياة وأعمال ماجوريل، بدءا بالمحيط الفني بنانسي، وفترة الإقامة بمصر، والسنوات الأولى والاستقرار بالمغرب، ومرورا بنماذج من المعارض المنظمة، من طرف ماجوريل بفرنسا، ودفتر طريق هذا الفنان حول زياراته الاستكشافية للأطلسين الكبير والصغير، وانتهاء برحلاته إلى إفريقيا السوداء، والسنوات الأخيرة من حياته المفعمة بالإبداع.

ويعتبر مارسيلاك هذا الفنان رسام المغرب بامتياز، موضحا أن فنه مرتبط، بشكل كبير، باكتشافه للمغرب، الذي مارس عليه سطوته الساحرة، ومبرزا أن هذا الفنان، بدل أن يرسم لوحات غريبة وطريفة، ركز جهوده، بشكل أساسي، على إنجاز عمل نابع من الواقع، يعطي نظرة أصيلة ودافئة، تظهر الساكنة والمناظر الخلابة أو مشاهد من الحياة اليومية، ومضيفا أن أعماله الفنية تعتبر إشادة عالية وتقدير عميق للمغرب.

لقد رحل ماجوريل بعد حياة زاخرة بالإبداع، تاركا وراءه إرثا فنيا غنيا ومتنوعا خلد، من خلاله عدة مناطق من العالم بمعالمها التاريخية، ومشاهدها اليومية، إضافة إلى مناظرها الطبيعية، لكن تبقى حديقته بقلب مراكش أجمل لوحة حية شاهدة على عبقريته في مجال الفن وتصميم الحدائق.

 

*عبد الرزاق  القاروني، باحث وصحفي مغربي

 

 

113 فائق العبودي 1ترتكز التجربة التشكيلية للفنان فائق العبودي، العراقي – السويسري، على أس تجريدي، فهو أحد الوجوه المألوفة في العالم العربي وفي العالم، يشتغل على هذا الأسلوب بكل مفرداته التشكيلية وجمالياته الرمزية والعلاماتية. فهو يستقي من المشهد الحضاري العريق مادته التشكيلية وفق طرق متنوعة وأسلوب تشكيلي يتميز بمقومات وتفاعليات مختلفة، سواء على مستوى البناء الفضائي أو على مستوى التقنيات العالية الموظفة، أو على مستوى الجهاز المفاهيمي بكل تشعباته، فأعماله تتبدى بؤرا حمالة لأوجه من الرموز والعلامات التي تتجذر في التاريخ العريق لتعبر عن معان فلسفية وتاريخية واجتماعية وثقافية وحضارية وفق صيغ تعبيرية، يُصيغها المبدع بألوان زاهية منتقاة بدقة فائقة وعناية دقيقة، ليشكل منها مفردات جمالية ذات دلالات ومعاني متنوعة، فيعمد إلى روابط علائقية تتراءى بين العلامات والرموز والألوان، فيلجأ بدءا من عملية البناء إلى إنتاج توليف بين مختلف العناصر التشكيلية، ليفصح عن جملة من التراكمات الرمزية، والأشكال المتوهجة، والعلامات الأيقونية، التي تنبثق أساسا من الأشكال والألوان المحادية لما يشخصه من الواقع الرمزي بكل تفاصيله الدقيقة، وهو بذلك يؤصل لفلسفة قيمية تستجيب لضرورات العمل التجريدي بمختلف عناصره ومفرداته التعبيرية. فإذا كان المبدع يبني فضاءات أعماله باعتماد الرموز والعلامات والأشكال المتنوعة والألوان المبهجة باعتبارها مواد تشكيلية، فإنه بقدرته الفائقة ومؤهلاته الكبيرة وتقنياته العالية؛ يحولها إلى مجال فني خصب يسيل بالتعابير اللا محدودة لينتج حزمات من الدلالات المتنوعة، وليفصح عن كل ما يكتنزه التاريخ العراقي العريق من مكنونات ونفائس فنية وجمالية، بتصورات ورؤى متعددة المعاني، فهو يجسد ذلك بأسلوب فني خارج عن المعتاد، وبفنية تشكيلية عالية الجودة، وبعلامات لونية، وأشكال تعبيرية ذات بيان وفصاحة رمزية، تتوقف على مناحي قيمية وجمالية ساحرة، وهي كلها تنبع بصدق من نفسية المبدع فائق العبودي بعد أن ينسجها إلهامه واجتهاداته في قوالب تعبيرية رائدة كتدليل على انغماسه في الفن التشكيلي المعاصر بحرفية كبيرة، وموهبة ذاتية، ومهارات عالية، ومؤهلات فائقة، وتقنيات معاصرة رائقة، وكفاءة فنية قوية، وبكثير من الدقة والعناية والتوظيف التقني البديع والمحكم. ثم إن خاصية التعدد العلاماتي والإيحائي وكل ما يرمز به في منجزه التشكيلي، يحدث حركات تخلخل السكون، فيتغير الشكل التعبيري الذي يروم تعددية الدلالات والقراءات، فهو يبلور العملية الإبداعية وفق خاصيات جديدة وأساليب معاصرة في التعبير، وإنه أيضا يروم الإفصاح عن معجم دلالي رمزي وعلاماتي متجذر في الحضارة الغابرة ليجول بالقارئ في عمق الصورة الرمزية بصيغ إشكالية جمالية متعددة المغازي يؤثت بها مجموعة من الجدليات وفق مجموعة أخرى من المفردات والعناصر التشكيلية المتوازنة. وهو بذلك يمنح أعماله حيزا كبيرا من الحرية في التعبير ونوعا من التلقائية، ويجادل الأشكال الغامضة ويحاورها عبر اللون والشكل بدرجة كبيرة، وهي في جوهرها أدوات أيقونية تتفاعل مع نظام الفضاء الفني في أنساق دلالية متلائمة ومنسجمة فيما بينها، تترجم تصوراته وهواجسه وأحاسيسه وانفعالاته الداخلية، ما تفصح عنه التعددية المتناسقة أحيانا، والمفارقات التعبيرية أحيانا أخرى.

113 فائق العبودي 2

لقد استطاع الفنان فائق العبودي أن يثبت في المشهد الفني العالمي ما يحمله من مواد رمزية وعلاماتية للتدليل عن آرائه التشكيلية وتصوراته وفلسفته في التعبير بالرموز والعلامات والألوان، إذ تتبدى قدرته الفائقة جلية في توظيف الصورة الرمزية، والشكل العلاماتي، واللون في تشكلاته واندماجه في مختلف المفردات الفنية داخل الفضاء على عدة مناحي، منها التكوين، والأداء التشكيلي، والتقنيات العالية،والتعبير بما تحمله ريشته من معالم فنية ومفاهيم وأفكار ورؤى عميقة الدلالات، تتجسد في مختلف الاستعمالات التشكيلية لبعث القيم الفنية والجمالية في أعماله الجديدة. فهو يجسد كل مقومات البنية الفنية المتكاملة والمتناسقة بكل ما تحتويه من الأيقونات والتماثليات والمؤشرات التي ترصد العلائق المختلفة بين الدوال والمدلولات، تحضُر في أعماله التشكيلية الجديدة التي سرعان ما تتحول إلى منتوج بلاغي جديد، حيث تنطلق من الموقع الرمزي إلى البعد الدلالي بعدما يعيد تأسيس المشهد الرمزي والعلاماتي وفق خاصيات الشكل واللون، فيعطيه أبعادا ودلالات أخرى، تسمح له بالانغماس في المشهد الجمالي والفني، ليمنح القارئ فرصة قراءة أعماله الجديدة في أبعادها الجمالية والفنية، بنوع من التدقيق والتفاعل الإيجابي، لأنه يغازل مختبر المواد الرمزية والعلاماتية، بتفاصيلها وحيثياتها لينسُج منها موقفا فنيا يضع القارئ أمام عوالم رمزية تُشكّل موضوعا أساسيا في أعماله، إلى أن تكتمل الرؤية التي تقود أعماله الفنية الجديدة إلى التعبير الدقيق عن قيمة الرمز والعلامة والشكل واللون في العمل التشكيلي المعاصر.

113 فائق العبودي 3

والظاهر في هذه التجربة الراقية، هي تلك الرؤية الجمالية التي تحملها أعماله الجديدة في بعدها الجمالي والفني والدلالي المستمد من الرمز والعلامة، وفي اختراقها للمسافة الغابرة في الزمن، ومقاربتها بالعمل الفني المعاصر، لتلتف حول المضامين بتنوع مشاربها. لكن وحدها الرؤية البصرية النقدية تستطيع تخبير محتويات أعماله، والكشف عن فنيات الفنان فائق الذي قاد الفن التشكيلي العالمي بابتكاراته المتجددة إلى أشياء العالم الخفية، من حزمة من الرموز. فغالبا ما يضع شكلا جماليا دالا لهذا المعنى، باعتباره تلك المادة الممتدة في الزمن التي يعود إليها القارئ ليغوص في رحلة فلسفية بين الواقع الفني المعاصر والشكل الرمزي بفلسيفته وطقوسه وألوانه، لتشغيل حواسه، وللوقوف عند الرؤية الفنية المُتستّرة وراء حجب اللون والعلامة، فالمبدع يعبُر إليها بأسلوب ممنهج، يفسح المجال لتوظيف المهارات الفنية والتقنيات المتفردة، مما يخدم الأهداف ذات الدلالات والمغازي العميقة. ليقدم منجزا تشكيليا يتجاوز الجاهز ويخرج عن المألوف، لما يحتويه من ما ورائيات وإشارات وعلامات وإيحاءات، لها تأثيراتها الخاصة ومعاييرها الجمالية النوعية في منجزه الجديد.

إن هذا المنجز الجديد الذي تزكيه أعمال الفنان فائق العبودي يُعد طرحا تشكيليا رائدا، يجعل فنه في مصاف الفن العالمي الراقي المعاصر. فاشتغاله على المادة الرمزية والعلاماتية في بؤر تجريدية متنوعة بما يطرحه من إشكاليات فلسفية مختلفة تصب في القيم الفنية والجمالية، والقيم الاجتماعية، وقيم الحياة، والقيم الزمكانية، لاستحضار الرموز ومفرداتها في الشحنات اللونية، حيث الحيادية، والدقة العالية، والتقنية الكبيرة في معالجة الرمز بكل تفاصيله. وهو لاشك وعي من المبدع بقضايا الرمز وأشكاله، وبمستويات اللون المطلوبة التي تتناسب والتثبيت الرمزي والعلاماتي، ووعي بتفاصيل المادة التجريدية. ما يسهم في تنوع الأساس الشكلي برؤية مشدودة بعبَق المعالم الرمزية والعلاماتية، واللون في تقاسيمه الجمالية، وفي دقة توزيع المساحة داخل الفضاء الفني، فيغوص في حضرة التجريد؛ إذ لا يكتفي باستدعاء المادة الرمزية، والاشتغال عليها؛ وإنما يتجاوز ذلك إلى التعبير بالإيحاء والإشارة والدلالة، ليس باعتبار ذلك قيمة بنائية، وإنما كخلفية سنادية تُدللُ على وعي الفنان بأعماق ما تكتنهه المادةُ الرمزية والعلاماتية واللون والشكلُ، وإيلاؤُه لها أهمية كبرى، سواء من حيث طرائق الوضع داخل الفضاء، أو من حيث رصد السمات الجمالية والخبايا المتسترة في حجب الرمز والعلامة. إنه بناء تشكيلي وفني يرسو على التوازن، وعلى عدة مقومات قاعدية تخص الفن التجريدي. وهو يوظف لذلك تلك النظرة الفنية الثاقبة، وحاسته الحادقة؛ حيث تتبدى سحرية أدائه التشكيلي، فيكشف عما تخبئه أعماله من محمولات جمالية تزخر بالتأويل ذي الدلالات المفتوحة. وهذا يُعد ملمسا جديدا وإبداعا مميزا في أسلوب المبدع فائق العبودي الذي لا يتردد في تقديم الجديد تلو الجديد من لوحاته التي ترصد في أدائها الفني التعبيري العلاقة القويمة بين الرمزية والإشارة والمضامين وفق المرجعيات المنبثقة من المجال التشكيلي، ما يمكّنه من تخليد مفردات فنية ذات قيمة عالية في التشكيل المعاصر.

113 فائق العبودي 4

إنه ارتباط وثيق بالمكونات الثقافية والمعرفية التي تؤطر أعماله في جوهرها، وتنم عن أفكاره المتجددة، وخياله المنفتح على مستوى التكوين والإضاءة الرمزية والعلاماتية، وعلى مستوى تشكيل المكان، أو إعادة تشكيله رمزيا؛ وهو ما يضع القارئ أمام أعمال تنطق بمعاني غنية بالمتجددات، في سياق وشائج قائمة بين ما تحمله المضامين والمادة الجمالية في علاقة ترسخ جانبا من التداخل بين كافة العناصر المنفصلة بكل ما تحمله الإشارات من تشعبات دلالية وتأويلات تميز في عمقها الخطاب التجريدي العبودي فائق الجمال، وما تكتسيه لوحاته الجديدة من وظائف بنائية ودلالية تحيل إلى مجال تشكيلي متجدد في تمظهراته الجمالية والشكلية وفي ما تحتويه المادة التجريدية في أسمال الحجب التجريدية، بعمق فني، وفرادة تشكيلية تعج بالإيجابية في التعبير عن العالم البديل. وهو ما يبين الاتجاه الجاذب في هذه اللوحات التي تحتوي فلسفات أخرى جديدة، باستخدامات تحولية، مما يعتبر أنموذجا في عصرنة الأسلوب الفني الذي يقود إلى عوالم توجه الطريقة التعبيرية لدى الفنان فائق العبودي سواء على مستوى الخامات المستعملة أو ما يتعلق منها بتقنيات الطلاء اللوني أو الضربات الصباغية وصناعة الأشكال الجديدة، وزرع العلامات، وتثبيت الرموز، وبسط المساحات، وإرداف اللون على اللون، وتكثيف المساحة، وإغلاق منافذ الفضاء، ما يجعله يقارب أشكال أعماله الفنية بالمادة البصرية. فجمالية هذه اللوحات الإبداعية الجديدة، تجعل من الإيحاءات والرمزية المنبثقة من الواقع الضارب في الزمن تنطق بدلالات أخرى في نطاق مادة فنية تتوافر فيها الرؤية الموضوعية للرمز والعلامة بكل مقوماتهما وتفاصيلهما وتجلياتهما؛ إذ يتم توظيف ذلك وفق أبعاد وقيم، وبطرق فنية يتوخى من خلالها المبدع بسط الصيغ الجمالية، مما يجعل من سياقات أعماله هاته إطارا تعبيريا معاصرا بسياقات جديدة  ولاشك أن للحركة دور أساسي في هذه اللوحات الجديدة، ما يصنع نوعا من التفاعليات بين سمفونية تضرب بجذورها في الزمن، وبين ألوان وأشكال تتراقص في مساحات من البهاء. كما أن جودة التقنيات التي يستعملها المبدع تسهم في عملية المعالجة الرمزية وإبراز هذه الأعمال التشكيلية في رونق وجمال مبهج، فتجربته الفنية الموفقة وخبرته الكبيرة في مجال التشكيل تجعله رائدا في الفن التشكيلي المعاصر.

فهذه اللوحات تمنحنا إحساسا جديدا، وشعورا قيميا ونظرة جمالية فاتنة. استجابة للضرورات الجديدة، إنها أبعاد بائنة تتوافر بشكل قوي في تجربة الفنان الرائد الكوني فائق العبودي. إنه المتفاعل الجريئ مع كل مقومات المنظومة التشكيلية العالمية، ومع مختلف المواد الرمزية، ومع الألوان التشكيلية المتخصصة، ما أنتج لديه أسلوبا تجريديا تعبيريا معاصرا، ينبني على قاعدة تشكيلية معاصرة، باختياراته وتوجهاته المباشرة، التي تستشرف العالم التشكيلي الباسم. بأسلوبه الرائد الخصب الذي يحتوي مجموعة من المعارف التشكيلية والمعالم الفنية والذوقية التي تندرج ضمن نسيج ثقافي واجتماعي وفكري، ورصيد معرفي تشكيلي. إنه يحمل خصائص فنية متفردة وجديرة بالمتابعة النقدية الجادة، لأنه يتوق في الفن التشكيلي المعاصر كل مكوناته ومفرداته وعناصره ومراميه الإبداعية المتطورة، والجماليات التشكيلية، وكل الأساليب التي تنبض بالحياة والتطور، وتهدف إلى إنتاج أعمال فنية راقية.

 

د. محمد البندوري

 

 

محمدـحسينـ الداغستانيالتأويل الجمالي للحرف العربي في اللوحة التشكيلية

تصف مؤرخة الفن (ساندرا داغر) الحركة الحروفية في عالم الفن التشكيلي بأنها أبرز ظواهر الفن العربي في القرن العشرين، ورغم أنها ترتكز على الخط العربي والزخرفة الاسلامية والآيات القرانية، إلا أنها إمتزجت مع مكونات الفن التشكيلي لإنتاج مخرجات حروفية فنية، وتقنيات حديثة ذات مضامين إبداعية مدهشة، شكلت ما يمكن وسمها بأنها تيار عاصف في ميدان الفن التشكيلي العربي والعالمي، فنجحت في إستقطاب إهتمام العديد من النقاد والفنانين ومنهم الرسام الاسباني بيكاسو الذي أقرّ أنه أراد الوصول الى أقصى نقطة فوجد بأن الخط الاسلامي قد سبقه إليها .

والحروفية في نطاق الفن الحديث كما يراها المؤلف اللبناني ( شربل داغر) في كتابه الفريد (الحروفية العربية : فن وهوية) هي إبتكار شكل إبداعي فني ( يستعمل الفنان العلامة اللغوية والهندسية والشكلية مادة للتشكيل في اللوحة والمحفورة والتمثال وغيرها من الحوامل المادية )، وهي في جُلها استلهام للحرف العربي بكل أنواعه وتوظيفه في انتاج لوحات آخاذة يتقاسم الحرف العربي فيها الوظيفة الجمالية مع سطوة اللون وتداعياته السيكولوجية . وهي بهذا المفهوم توظف سمات الخط العربي ومن أبرزها تجريدية الحروف العربية وإستقلاليتها والمرونة التي تعطي الفنان الخطاط فسحة واسعة لتطويعها وإستنباط قدرته التأثيرية في المتلقي على صعيدي البصر والبصيرة معاً .

ظهرت الحروفية العربية في العراق في العام 1969 ثم بادرت جماعة أطلقت على نفسها إسم (البعد الواحد) الى تنظيم معرض فني لها في العام 1971 فسّرت من خلال مشروعها الفني تأثير الحرف في الفن التشكيلي وكان من روادها جميل حمودي، ضياء العزاوي، شاكر حسن آل سعيد، رافع الناصري، عبدالرحمن الكيلاني، محمد غني . ثم توالت التجارب اللاحقة التي إستهدفت إبراز الطاقة الحسية داخل الحرف العربي وإضفاء ملامح الحداثة عليها الى جانب التأويلات الغنية للإلتفات الى التراث الروحي والاسلامي وإنعكاساته الإيجابية على الفن التشكيلي العراقي عموماً .

112 رجب كركوكلي 1

أما الحروفية العربية في كركوك فهي لا تملك تاريخاً مبيناً في ساحة الفن التشكيلي، وذلك لأن أغلب الخطاطين منهم بدافع شخصي أو بإيحاء من بعض أساتذتهم يعتقدون بأن التوسع في هذا المنحى قد يشوه الأسس الكلاسيكية الرصينة للخط العربي، ويمكن تفسير تحفظ هؤلاء نتيجة الامكانات التقنية الكبيرة التي وفرتها التقنيات الألكترونية الحديثة والتي تهيأ للفنان فرص صنع لوحات تحوي حروفاً عربية حديثة لا تندرج ضمن الأنواع المعروفة والمعتمدة للخط العربي، فضلاً عن إفتقار الإستعانة بهذه التقنيات للقدرة الإبداعية للخطاط في إبراز مواهبه الفردية في رسم الحروف، ولهذا فإنهم يخشون من الإختفاء التدريجي لدور الخطاط وبصمته وفقدان الخط لقواعده وأسسه المعروفة نتيجة إحلال الأجهزة الطباعية بديلة للجهد الابداعي الإنساني، لكن أنصار الحروفية يجهدون من أجل تبديد هذه المخاوف بالتأكيد بأن الإستعانة بالمؤثرات الفنية الحديثة يجب أن لا تقطع أو تضعف صلة الفنان أو الخطاط بممارسة الخط العربي وفق قواعده الرصينة .

لذا فإن كركوك وهي مدينة زاخرة بأسماء لامعة في عالم الخط العربي أمثال المرحوم محمد عزت الخطاط وعبدالملك عباس الخطاط ونجاة حميد سليمان وعوني الخطاط وشاهين كركوكلي ومظفر الخطاط والعشرات غيرهم قد تخلفت عن الركب في مضمار الحروفية، وإقتصرت نتاجات الخطاطين على اللوحات التقليدية التي في معظمها كانت تحوي آيات قرانية وأحاديث للرسول الكريم أو حكم وأمثال وأقوال أثيرة، إلاّ أن معالم الحروفية إتضحت في الآونة الأخيرة بشكل محدود، وقد يكون الخطاط والفنان التشكيلي رجب كركوكلي أبرز من طرح تجاربه في هذا الميدان من خلال العديد من المعارض المحلية والعربية التي نظمها أوشارك فيها ونال عليها العشرات من الجوائز والميداليات وشهادات التقدير والإطراء .

112 رجب كركوكلي 2لا شك أن الفنان الخطاط رجب كركوكلي أدرك ببصيرته الثاقبة خصوصية تجربته الإبداعية في تطويع الحرف العربي في لوحات تشكيلية آسرة والإمكانات المتاحة من ذلك للتحرر من أسار المحلية، والعمل على محاكاة التجارب المتقدمة في ميدان الحروفية الحديث، والإنتشار عربياً وعالمياً منطلقاً في ذلك من فهم العمق الحضاري والنفسي للحرف العربي، وقدرته الفذّة في التأثير وتحقيق التناغم المذهل بين عناصر اللوحة والارضية الفكرية التي تستند عليها تجاربه لبلورة منظومة بنائية فنية راقية مفعمة بالأحاسيس والموهبة الفريدة وخلق بيئة متجانسة ذات جمالية مميزة .

ووفق هذه الرؤى فالألق الإبداعي في لوحات رجب كركوكلي يكمن في المقاصد الفنية التي يثيرها خلال تعامله مع الحرف كمد أجزاء الحروف الأفقية كالسين والصاد والياء والكاف لمنح اللوحة والمتلقي في آن واحد الاحساس بالإستقرار والإتزان، وتوظيف عامل المرونة والمطاطية المستمدة من حروف الراء والهاء والواو والنون بأحجام وأطوال مدروسة ودقيقة والإتكاء على التربيع أو زوايا رسم الحروف بشكل هندسي فريد وخاصة عند إعتماده خطوط الثلث والديواني والفارسي وغيرها، ويعمل بدأب واضح على تأصيل البعد الجمالي في لوحاته لخلق تلاحم الشكل مع الموضوع والإتجاه بنفس القوة نحو الحرص على إسباغ الثراء والتنوع على الحروف التي يوظفها في اللوحة بمقاييس السمك والحجم والليونة والتحدب أو التقعر وملئ الفراغات بين الحروف بعد الإنتهاء من مشروعه الفني بأشكال تكاملية معروفة كالضمة والفتحة والميزان والظفر والنقطة . كما ويحرص على عدم الإتكاء على وضعية ثابتة في توزيع الكتلة الحروفية على لوحاته فتارة تحتل الحروف بأشكال هندسية موحية أسفل اللوحة أو يمينها أو يسارها لكنه وللقيمة التعبيرية والبصرية لمركز الأشياء فإنه يكثر من وضع مشروعه في قلب اللوحة للإستفراد بإهتمام المتلقي والشروع بحوار فلسفي عبر مضامينه المنتقاة ليؤسس لقيمة أخلاقية وإنسانية رفيعة، لكنه ولكي يتكامل مشروعه الفني عليه أن يتوافق تماماً مع تأكيدات خبراء الحروفية في إيلاء المزيد من العناية بمسألة التوازن في توزيع المساحات من خلال مراعاة أسس النسب المقبولة بصرياً لتؤدي اللوحة الفنية وظيفتها النفسية والجمالية المؤثرة .

أما على صعيد اللون فإنه يبدو من إستقراء لوحات رجب الحروفية إستخدامه الباذخ للون الأخضر بتدرجاته المعروفة لما له من تأثير مباشر على الإنسان كونه يوحي بالشعور بالتجديد والحرية والسيطرة على الذات والإنسجام مع المحيط الإجتماعي والرقي، وكذلك اللون البني الذي يرمز للون التراب والأرض والأشجار وغيرها من أجزاء الطبيعة الخصبة وهو من الألوان المحايدة التي ترمز للقيم الراسخة وللقوة والذكاء والأمان، وكذلك اللون الأصفر الذي يدل على الثراء والسطوع والطاقة، وأحياناً ميله لإستخدام اللون الأبيض الذي يرمز في العديد من الثقافات إلى النقاء والبراءة والكمال والإتقان والسلام . وبها فإنه يحول اللوحة الى نقطة إستقطاب مثيرة يتفرغ لها الرائي بدافع عفوي ولا شعوري ويتفاعل مع مدلولاتها العميقة .

112 رجب كركوكلي 3

لقد أحرز رجب كركوكلي نجاحات مهمة عبر مشاركاته الحروفية في المعارض والمهرجانات المحلية والعربية مما دفع العديد من الفنانين والنقاد الى تناول تجاربه بالتحليل والنقد والإطراء ومنهم الدكتور محمود فتحي من مصر الذي أشار الى أن رجب يمتلك أدواته ويستطيع بمهارة أن يقيم وحدات إيقاعية موسيقية متجانسة، وله تكتيكات خاصة مما يجعله يخلق كتلة متعادلة البناء وأن حروفه الثلثية مكتوبة ببنط عريض كما هو موجود في المدرسة الكلاسيكية البغدادية، وكذلك الدكتور قاسم الحسيني من العراق الذي أكد في دراسة تحليلية له على أن المنظومة البنائية وفق رؤية الفنان النسقية ذات المنطق العقلي الرصين الممتزج مع روحانية الحرف ولد فضاءات مشتركة لمشاهد فكرية تحمل قيم الروح الاسلامية وأنطقها الفنان بلغة تشكيلية مجردة وفق أنساق جمالية، كما شارك اكثر من عشرة نقاد أكاديمين في كل من مصر وليبيا والعراق الى تأليف كتاب عن أعمال رجب كركوكلي الفنية وقد صدر من تجمع مبدعون للفنون والآداب بالتعاون مع المركز التشكيلي العالمي في مصر .

لا شك في أن الفنان والخطاط رجب كركوكلي أفلح في تحقيق الحضورالمميز لتجاربه في ميدان الحروفية كفن حضاري رفيع يعزز روح الإنتماء والهوية الوطنية لكنه بذلك بات يتصدى لأدق وأصعب مراحل تألقه في كيفية ديمومة منجزاته ونجاحاته ليس في الساحة المحلية لمسقط رأسه كركوك وإنما على إمتداد الساحتين العراقية والدولية أيضاً من خلال رفدها بالمزيد من النتاجات النوعية المميزة لكي يرتقي ويحافظ على مكانته التي يستحقها في عالم الحروفية المبهر .

 

محمد حسين الداغستاني - كركوك

 

111 سعد علي 1من خلال متابعتي لأعماله الفنية التشكيلية وخاصة (أبواب الفرج)، أجد الفنان التشكيلي العراقي سعد علي تراوده هواجس الإبحار في عالم الإيحاءات الإسلامية، عِبرَّ أحد أقدم مؤشرات الروح الإنسانية وإبداعاتها، ومن خلال اللوحة التشكيلية التي يتبلور الفنان الإبحار الرواحي فيها، والتلاقح بين الثقافات والأديان والرؤى المختلفة لروح الشرق الحضاري، من قِيم جمالية عربية إسلامية متمثلة في انجازاته التشكيلية المتباينة، ومن خلال منجزه الزاخر بالزخرفة والخط والعمارة، والتي حولها إلى لوحة بمشروعه الفني الأكاديمي.

ولد الفنان التشكيلي سعد عبد علي الزبيدي في مدينة الديوانية/ العراق في الأول من تموز عام 1953، أكمل دراسته الأولية والثانوية في الديوانية، مارس الرسم منذُ نعومة أظفاره، درس الرسم في مشغل الفنان هاشم الوردي في مدينة الكاظمية، وتعرف على أساتذة الفن التشكيلي في صالون الفنان في الكاظمية، تأثر كثيراً بالمدرسة الواقعية البغدادية. شارك في العديد من المعارض داخل العراق وخارجه وقد تجاوزت الأربعين معرضاً، هاجر منتصف سبعينيات القرن الماضي وأكمل دراسته في بيروجا/ فلورنسا عام 1977-1981م على يد الفنان الايطالي (فروا) استاذ في أكاديمية الفنون الجميلة في فينيسيا، ثم استقر في هولندا وأخيراً في اسبانيا. أسس مع عدد من زملائه عام 1986م (بلاوة فيزل) للفنانين الهولنديين، عام 1989م أسس (الصالون الثقافي) في مشغله الخاص باوترخت، ينتمي إلى أسلوب (كوبرا) الفني. 111 سعد علي 2

اختار لأعماله التشكيلة باب الفرج لإيمانه أن طرد الإنسان من الجنة قد حولته إلى طريد على مر العصور، واستمر ذلك الطريد وهو غير قادر على تخطي تلك الأبواب، لكن هذا الإنسان يبقى يحلم بالعود وستفتح له باب الفرج. من خلال جذور الفنان علي وثقافته الشرقية انطبعت لوحاته بطابع الرصانة وتصوير المتخيل المستوحاة من الثقافة العربية الشرقية، الذي جَسَدَ من خلالها سعادة الإنسان وبراءته وطمأنينته. فالجنة تستوحاه كل الثقافات والأديان من خلال المتخيل الديني. فعيون ذلك الكائن الإنسان في لوحاته من ذكر وأنثى تُعبر بشكل دقيق عن نقاء الإنسان وبراءته، واكتسابها البعد الكوني من روحية وأحاسيس، وتخوف، لذلك نجد الفنان سعد علي يكرر اشكال شخوصه داخل محيط اللوحة، ويقوم بتلوينها أو تركيبها على الأبواب. فهي أعمال غير مألوفة عما تابعناه من معارض لفنانين آخرين، فمواضيعه في باب الفرج ترمز إلى الجنة.

111 سعد علي 3

ويمكن القول بالتحديد بسبب جذوره الشرقية العربية، واطلاعه على الفن العربي الإسلامي والفن المعماري ذات الجمال الأخّاذ، فقد اتجهت لوحاته إلى جنة عدن، فالمشهد للوحات علي تبدو جزءاً من المتخيل للفردوس وحكايات الفردوس في الثقافة الشرقية العربية. فخطوط لوحاته أجدها انسيابية ذات تركيب واضح ومحكم وطراوة وانسجام كبيرين.

111 سعد علي 4

تذكر وسائل الإعلام أن لوحات سعد علي قد دخلت متاحف الفن الحديث في كل من امستردام واوترخيت ولاهاي، من ضمن قِلّة ضئيلة من رسامي العالم الثالث ممن تمكنوا من اثبات جدارة ودخول الحرم الهولندي، لتعتبر من أهم مقتنيات هذه المتاحف. تميزت اعمال علي كخلفية جاهزة للرسم متبنياً الأشكال التي تطبعها باستخدام الأبواب والشبابيك، بانتقاء الخشب الجاهز لعمله. أما الدلالة البصرية لموضوعات أعماله فهي تمثل إعادة تأهيل الروح فيها من خلال التكرار والتوحد الإنساني، وإخاء إنساني حميم، فاللون والخط والتكوين جميعها تخضع لأسلوب هذه العناصر من خلال خضوعها للعلاقات الداخلية.

من خلال متابعتي لبعض لوحاته الفنية على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي، اجدها قد ارتكز الفنان علي فيها من خلال تقنية اللون المحكمة والتكوين الغريب وتناغم الهارمونية البصرية، مما تمنح للمتلقي والمشاهد عنصر الجذب الروحي لجوهر الإنسان، ومن خلال الصبغة الدينية التي منحها علي لأعماله. لكن ما جذبني هو الكم الهائل من انتاجه الفني، وتوظيف أشكالها الموغلة في القدم لاستخدامه الأبواب الخشبية القديمة، وهي تمثل الموروث الحضاري الذي يرتكز عليه الفنان علي، من خلال تعامله الجمالي واختزال اسلوبه في الفكرة والتكثيف الحسّي العفوي.

111 سعد علي 5

نجد في بعض لوحاته طغيان اللون القهوائي أو اللون الأحمر المشرب بالورد أو اللون الأزرق، ونجد في بعض لواحاته حالات النزاع مع الموت من خلال التطلع للعينان، فضلاً عن استخدام الأزرق الغامق، كما عودنا في لوحاته على رسم العيون السومرية البيضوية المفتوحة، وحركة الرؤوس الكاملة، وهي جزء من خلفيته التاريخية لرسم الرموز والأيقونات.

فأبواب الفرج التي خلقها الفنان من خلال لوحاته تقودنا إلى تلك الجنان ذات التركيب الهارموني، بعيداً عن الطوفان ورحلة الإنسان في فلك نوح. لوحات سعد علي فيها بعد فلسفي شرقي، تتخللها الشدة والغَم من جهة، والانفراج والأمل من جهة ثانية، فاللوحة الواحدة من أعماله فيها أكثر من نقطة كمركز استقطاب للنظر، ثم تتشعب بمنحنيات خطية وتتمازج لتكوين كائنين أو أكثر، فالموروثات الشعبية للبيئة بمستوياتها اللونية تتضح بغرضها الوجداني، لذلك خلق لنفسه بصمة خاصة واسلوباً خاصاً، به تتبلور شخصيته التشكيلية.

من خلال رؤية لوحات باب الفرج تدخلنا في الجسد الإنساني وعلاقته الجسدية ومظهر الحب الملتحم في لحظة زمنية معينة. ما رأيته من اعماله سرني كثيراً لتطويعه للخطوط والألوان تطويعاً موفقاً، فهو يرسم بأحجام كبيرة من أجل حمل واحتضان العالم، والبحث عن الحب في عوالمه المختلفة. لذلك أجدني اقول للفنان الكبير سعد علي إياك والابتعاد عن عالمك وبصمتك التي نتعرف عليها من خلال لوحاتك.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

مصدق الحبيبولدت التكعيبية كفكرة أولية خلال زيارة قام بها الفنان الفرنسي جورج براك (1882-1963) الى ستوديو الفنان الاسباني پابلو پيكاسو (1881-1973) عام 1907، والتي انغمس فيها الاثنان بحديث عن الفن والفنانين واستذكرا الفنان الفرنسي پول سيزان (1839-1906) الذي توفى في السنة الماضية لتلك الزيارة. كان كلاهما معجبا بسيزان واعماله الاخيرة التي اظهرت اختلافا تقنيا اثار فضولهما. بعد تلك الزيارة انهمك الاثنان بمحاولات تقنية تجريبية على انفراد وبالتشاور واطلاع بعضهما على الآخر. اضافة الى اعجاب الفنانين بسيزان وطريقته المبتكرة في الرسم، كان براك آنذاك قد جرب محاولات اخرى وانتج لوحات اقتربت من اسلوب المدرسة الوحشية Fauvism التي كان انتشارها قد بدأ في الاتساع في أورپا، جنبا الى جنب مع شيوع افكار مابعد الانطباعية كانطلاقة فكرية وتقنية أريد لها أن تكون خلفا للانطباعية التي سادت قبل ذلك التاريخ. أما پيكاسو فقد كان مفتونا بالطريقة الافريقية الفطرية لنحت الوجوه البشرية والحيوانية وصناعة الاقنعة من قبل القبائل التي لا تعرف الفن بل تمارس ذلك كحرفة محلية تستلزمها التقاليد الاجتماعية والطقوس الروحية. كان اهتمام پيكاسو بذلك قد بدأ إثر زيارته للمتحف الانثروبولوجي في باريس عام 1906. يضاف الى ذلك اعجاب الفنانين بلوحات پول گوگان (1848-1903) التي عكست جوانبا من ثقافة وتقاليد شعوب جزر تاهيتي والماركيز حیث انجزها خلال اقامته هناك عدة سنوات.

2360 4 cub2b Braque

كانت هذه التأثيرات مجتمعة قد بلورت فكرة الملل لدى پيكاسو وبراك من الطرق التقليدية في الرسم الشائعة في الثقافة الغربية آنذاك وانضجت الميل لتجريب الاختلاف والاطلاع على فنون الشعوب الاخرى والاستفادة منها اضافة الى الواعز القوي للتخلص من الالتزام بالقواعد التقليدية الصارمة لانشاء اللوحة وتنفيذها وسط بيئة تكامل فيها الرسم واصبح ينافس الفوتوغراف. ولعل العصر قد تغير تغييرا متسارعا في تلك الفترة. فقد انفجر التطور التكنولوجي بحيث ان الاربعة عقود مابين 1870 و 1910 جلبت للمجتمع البشري عدة اختراعات كبيرة حاسمة أثرت نوعيا على طبيعة الحياة، سواء كانت التكنولوجية منها كالسيارات والطائرات والتلفون، أوالفنية كالفوتوغراف والتسجيل الصوتي والصوري والسينما، والتي بمجملها ثوّرت المواصلات والاتصالات ونمط التفكير. ولم يختلف الحال في الاوساط الفنية عنه في بقية قطاعات المجتمع، خاصة وان هذه الاوساط غالبا ماتكون الاسرع في الاستجابة للتغييرات الفكرية. ولذا فقد وجد بعض الفنانين انفسهم امام واقع جديد لابد من التفاعل معه والاندماج به، قصدا أم تلقائيا. فاللوحة التشكيلية لابد ان تواكب تلك النقلة النوعية في نمط الحياة ولابد ان ينعكس مثل هذا التغيير على الشكل والموضوع على حد سواء. ومن هنا كان التساؤل مشروعا: هل بإمكان التشكيل ان يعكس روح العصر بواسطة الاستمرار على اتباع اساليب وقوانين الرسم التي بلورها وشذبها عصر النهضة والتي كان بعضها سائدا منذ رسوم الكهوف؟ مثل هذا التفكير كان منطقيا عند الفنانين الطليعيين الشباب الذين ينشدون التغيير، خاصة وان فن الفوتوغراف المبتكر حديثا اصبح بإمكانه تصوير كل شئ ونقل الواقع بحذافيره دون عناء! فلماذا يجهد الفنان عقله وجسده من أجل منافسة الكامرة؟

2360 2cub2b Braque

تلك هي الخلفية التي نمت فيها التكعيبية فاصبحت الحركة الفنية الجديدة المثيرة وتطورت لتصبح ثورة حقيقية في عالم الفن ومن اكثر المدارس التشكيلية فتنة واثارة طوال القرن العشرين ومابعده. كانت فلسفتها تنطوي على ابتكار طريقة اخرى مختلفة للنظر الى الاشياء وبالتالي صياغة نمط آخر لتصور العالم الخارجي وفهم مكوناته ومكنوناته.  فقام هذان الفنانان الشابان وهم في اواسط العشرينات من اعمارهما بترجمة هذه الطريقة تشكيليا بصورة الخروج من الفضاء الفني ذي البعدين والمنظور من نقطة واحدة الى تحقيق الفضاء ذي الثلاثة ابعاد المنظور من اكثر من نقطة واحدة. ولابد ان يتحقق ذلك من خلال تفكيك موضوع اللوحة التشكيلية واعادة بنائه وفق نظرة مختلفة. تلخصت هذه النظرة بتقطيع الفضاء الفني وتوزيعه على عدة مستويات هندسية تتداخل فيما بينها. اضافة الى تجريد الاشكال قدر الامكان واختزال باليت الالوان من اجل تقليل التشويش الذي يحدثه التلاعب بزوايا النظر وتعدد المستويات.  وقد فُسر الاقتصار على لونين أو ثلاثة كابية بضرورة عدم اشغال المشاهد بالالوان الزاهية البراقة وتوجيه تركيزه قدر الامكان الى متابعة حبكة البناء الهندسي لفضاء اللوحة وتأمل تعددية الابعاد والمناظير.

2360 3cub2b Braque

لقد اعتقد التكعيبيون الأوائل ان سبب استهداف المنظور الهندسي الواحد هو المحدودية الكبيرة التي تفرضها طبيعة النظرة الاحادية اذ ان النظر من زاوية واحدة يعيق التصور وينفي أو يحبط رؤية الجوانب الاخرى! فما المانع اذاً ان يتيح الفنان للمتلقي فرصة رؤية الجوانب الأخرى لقاء التلاعب بالمنطق الفيزياوي؟ طالما لازلنا نشتغل على سطح الكانفس فقط!  من هنا جاء الافتتان بمحاولات سيزان العفوية في التسطيح واهمال المنظور نوعا ما. وكذلك جاء اعجاب پيكاسو بمحاولات ماتيس في الاشتغال بالالوان الاساسية دون مزجها والاهتمام بالنمطية التسطيحية عن طريق قص ولصق الورق الملون. علما ان سيزان وماتيس فعلا ذلك دون فلسفة ولا تنظير.

2360 1 cub2b Braqueكان طبيعيا ان لاتلقى افكار واعمال التكعيبيين قبولا جاهزا من قبل الجمهور بل ان الاعمال المبكرة منها اثارت سخط واشمئزاز الجمهور لما اظهرت من تشويهات لم يكن الجمهور متوقعا لها أومستعدا لقبولها بما في ذلك الوسط الفني نفسه. فلوحة پيكاسو المعنونة "نساء أفينون"  Les Demoiselles d’ Avignon  التي رسمها عام 1907 وهو بعمر 26 عاما اعتبرت الايقونة الاولى للتكعيبية أو كما وصفها النقاد بـالـ  Proto  أو البواكير الاولى لهذا الاسلوب لم يجرؤ پيكاسو على عرضها للجمهور في وقتها! بل قام بعرضها . بعد تسع سنوات من انجازها، أي عام 1916.  فاضافة الى طريقة رسمها غير المألوفة ابدا، فقد اعتبرت عملا لا اخلاقيا بسبب موضوعها الذي لم يكن مألوفا ايضا ضمن موضوعات الفن التشكيلي آنذاك اذا عرفنا انها صورت خمس مومسات يطلن من بين ستائر احد مواخير شارع أفينون في برشلونة التي كان پيكاسو يرتادها قبل قدومه الى باريس. أما فنيا، فقد أبدى اقرب اصدقائه نفورا من مستواها التقني. من بين اولئك الاصدقاء المقربين كان سيرجي ايفانوفج  الذي صرخ "يا خسارة الفن الفرنسي"!. أما صديق بيكاسو الاخرالمقرب ماتيس فقال: " هذا پيكاسو وقد أسفّ وسخّف معنى الحداثة وبدا كأنه يصارع البعد الرابع في اللوحة، لكنني سأجعله نادما على هذه الخدعة السافرة"! وجاء دور حتى براك ليقول : " يبدو ان صديقنا قد شرب البنزين ونفث النار على الكانفس". وطوال القرن العشرين كانت هذه اللوحة مثارا للجدل بين من نعتها بلمسة العبقرية وبين من قال عنها انها عمل تافه. ففي الذكرى المئوية لها عام 2007 كتب أحد صحفي الگارديان يقول: "انه لأعتداء سافر ان توصف هذه اللوحة بانها تحفة فنية" !!

أما براك فإن ايقونته الاولى التي اعتبرت بروتو التكعيبية كانت لوحة لاندسكيب عام 1908 والتي تأملها الناقد الفرنسي لوي فوكسلز  Lois Vauxhelles فاطلق بموجبها مصطلح التكعيبية لأول مرة وهو الذي اصبح فيما بعد الاسم الرسمي لهذا الاسلوب. تبع براك ذلك بلوحة ماندورا عام 1909 التي لم تلق استهجانا كبيرا بل انها رسخت الشكل العام للعمل التكعيبي الذي اتبعه پيكاسو فيما بعد وعدد كبير آخر من الفنانين المتفوقين آنذاك الذين استهواهم هذا الاسلوب عموما فبدأوا يمارسونه، كلٌ بطريقته الخاصة فتوالت اعمالهم على هذا المنوال بين 1909 و1912 ليشكلوا الملامح الاساسية للمرحلة الاولى لهذه المدرسة التي سميت فيما بعد المرحلة التحليلية. من اولئك الفنانين هوان گرس وفرناند ليجيه وروبرت وسونيا ديليني وروجر لافرزنيه وألبرت گليزس وجين متزنگر ومارسيل دوشامپ وفرانسس پيكابيا وهنري فوكونيير ودييگو ريفيرا.

2360 5cub2b Braque

انقسمت التكعيبية الى مرحلتين اسلوبيتين:

- التكعيبية التحليلية - Analytical Cubism  

التي مثلت البداية من 1907 الى 1912 وتميزت باسلوب التقطيع المتعدد، والتجريد المفرط للاشكال، وكثرة المستويات الهندسية المتداخلة، والفضاء المشوش رغم وحدة الموضوع العامة. كما اقتصرت على الالوان الخافتة المعتمة التي تركزت على التونات المتعددة للأوكر والرمادي مستخدمة في ذلك التناقض بين الظل والنور لكل مستوى هندسي.

- التكعيبية التركيبية - Synthetic Cubism     

هي المرحلة الثانية التي امتد زخمها الاولي بين 1912 و 1914 رغم انها استمرت الى يومنا هذا متخذة اشكالا وهويات متعددة ومختلفة. فبينما كانت التحليلية تعكس مايرسمه الفنان على سطح اللوحة مستخدما الوانه المحدودة، تميزت المرحلة التركيبية باضافة مواد اخرى تتداخل مع مايرسمه الفنان في فضاء اللوحة، فكان الكولاج العنصر الجديد الذي استضافته المرحلة التركيبية. عمد هذا الاسلوب الى ازالة التشويش من فضاء اللوحة التحليلية وتبسيط انشائها بل انها ذهبت الى التبسيط المفرط وتقليل ما يرسمه الفنان الى الحد الادنى معوضا بذلك عن طريق ادخال العناصر الاخرى. كما ان الالوان المتعددة عادت الى الظهور ووجد النمط او المنوال الشكلي التراتبي  Pattern مكانا له في اللوحة كما تم استقدام عنصر جديد لم يكن مستخدما آنذاك، لا في الاسلوب التحليلي ولا في الرسم عموما، وهو عنصر الملمس المحسوس  Texture الذي تحقق باضافة مواد مختلفة الى سطح اللوحة، منها ماهو حاضر وموجود ولا يحتاج الا الى لصقه على الكانفس ومنها ما يعامله الفنان من مواد اولية تضاف الى سطح الكانفس او تخلط مع الالوان.  ومن هذا الخليط المتمازج في اللوحة التركيبية جاءت الفرصة المواتية لفتح آفاق جديدة وواسعة في الفن الحديث اجازت للفنانين في كل مكان استخدام اي مادة واي شكل واي ترتيب لتكوين لوحة فنية. ولا شك في ان كل مارأيناه الى الآن من غرائب ابتكارية فنية قد امتدت جذوره الى التكعيبية التركيبية في تلك الانطلاقة الجديدة على الفنانين وعلى المجتمع. تُعتبر لوحة پيكاسو "قنينة وقيثار وصحيفة التي انجزها عام 1913 ايقونة التكعيبية التركيبية الاولى.

2360 6 cub2b Braque

يعتقد بعض نقاد ومؤرخي الفن ان التكعيبية التركيبية جاءت نتيجة لاستنفاذ الطاقة الابداعية للمرحلة التحليلية حيث بدت بعد خمس سنوات وكأنها وصلت الى طريق مسدود جراء وقوع اكثر فنانيها في التكرار الملحوظ  في الشكل واللون بحيث لم يكن سهلا التمييز بين من يرسمه هذا او ذاك من الفنانين، خاصة بين پيكاسو وبراك. والسبب يعزى الى ان التقطيع الهندسي والتونات اللونية الخافتة اظهرت محدوديتها عمليا اكثر مما اريد لها نظريا. ولهذا فقد لجأ پيكاسو أولا الى الكولاج فأخذ يلصق قطعا من صور فوتوغرافية ومطبوعات صحفية وقماش وخشب ومواد اخرى على سطح الكانفس محاولة منه للتنويع وكسر طوق النمط التكراري من اجل تبرير ما وعدت به هذه المدرسة من جديد وابداعي. ومن المنطقي ان نستنتج بان مثل تلك الحرية المطلقة لتشكيل اللوحة الفنية والتصرف الكامل بمحتواها قد فتح الباب على مصراعيه لجموح امكانيات الفن الحديث وما بعد الحداثة التي شهدناها حاليا وستشهدها الاجيال القادمة.  ولابد لنا ان نتذكر بأن فكرة التكعيبية الاولى بدأت أيضا بتصور ان اساليب الفن التي تطورت في أوربا قد استنفذت وقتها واصبحت خارج الزمن وان الآوان قد حان للالتفات الى فنون الثقافات الاخرى حول العالم والاطلاع عليها والاستفادة من تجاربها. وكما يبدو للوهلة الاولى ان ذلك التفكير كان عقلانيا نبيلا ولكن علينا ان لا نتوهم بأن ذلك التصور البرجوازي لم يكن بحكم وضرورة وضع الشعوب الاخرى وفنونها على قدم المساواة والاعتراف بابداعاتها عبر العصور. كما انه لم يكن نابعا من الايمان بالمعنى الاجتماعي والديني والروحي لمعتقدات شعوب ماوراء البحار انما كان بفعل الرغبة فقط في الاستعارة الفنية لبعض المزايا التشكيلية التي تميز بها الفن الافريقي وفنون شعوب جزر المحيط الهادي، والتي لم تستمر استعارتها طويلا ما بعد لوحة نساء أفينون. كان  پيكاسو قد اعتقد بأن الاقنعة الافريقية عكست تحويرات شكلية غير اعتيادية نمّت عن تصرف حر وشجاع في تغيير الفورم واللون من قبل صانعيها رغم انها بقيت تشخيصية بالمعنى التقليدي. ومن وحي تلك التصرفات العفوية الحرة في الفن الفطري الافريقي، ادرك پيكاسو أن الوجه  مثلا ليس أكثر من عيون وانف وفم!  فبإمكان الفنان اعادة ترتيبها بأي شكل يشاء دون الاخلال بحقيقة ان مايظهر له من اعادة الترتيب سوف لن يشير الى شئ آخر غير الوجه، ذلك ان الجوهر يكمن في العناصر وليس في ترتيبها!

2360 7cub2b Braque

خصائص التكعيبية:

بإمكاننا تلخيص الخصائص التشكيلية التي تُميز الاسلوب التكعيبي بما يلي:

- رفض زاوية النظر الواحدة وما يتبع ذلك من الالتزام بالمنظور الهندسي وتوزيع انماط الظل والنور.

- رفض الالتزام بالتشريح البايولوجي والمنطق الفيزياوي

- رفض تقليد الطبيعة ونبذ الانصياع الى محاكاة ألوانها وتغيراتها بموجب النور والظلام

- رفض استخدام الموديل ونمذجة الاشكال والشخوص

- تبسيط الانشاء وعدم الانصياع لمبادئه التشكيلية في التوازن والتوزيع والفضاء

- رفض الموضوعات المعقدة والمشاهد البانورامية، خاصة التأريخية والسردية والمجازية  Allegoric and narrative  وذلك لعدم تناسبها مع الاسلوب تشكيليا.

2360 8 cub2b Braque

- رفض الترميز التعبيري

- رفض الالتزام بمبدأ عمق الميدان والتفريق بين واجهة اللوحة وخلفيتها ومايترتب عليه من تغيير احجام الاشياء التي تراها العين.

- السماح لخط البصر ان يخترق  الى ما خلف الاشياء الصلدة وامتداده الى ما بعد حده الفيزياوي.

وختاما يمكن القول ان المسألة المركزية في التكعيبية اصبحت منصّبة على الفورم والتلاعب بابعاده وتمحوراتها. وحتى اللون لم يحظ بمثل اهمية و مركزية ما ناله الفورم وكيفية ظهوره للناظر من عدة محاور. وبهذه الفلسفة كانت التكعيبية رائدة في كسر طوق الفن التقليدي، ليس في الرسم فقط بل اتسعت الى النحت والعمارة فكانت جلية عند عدد غير قليل من النحاتين منهم الكساندر آرشبنكو وجاك لبكتز ومن المعماريين ايضا كالمعمار السويسري لا كوربوزيه. ومن رحم التكعيبية انطلقت مدارس الفن الحديث فتشكلت المستقبلية في ايطاليا  والفورتية في إنكلترا والتعبيرية في ألمانيا والبنائية والسوبرماتية في روسيا، وتوالت بعدها السريالية والدادائية والنيوبلاستية والبوهاوس والديستايل والتجريد، واخيرا الانستليشن والملتيميديا والفن المفاهيمي.

 

مصدق الحبيب

 

 

كاظم شمهوداشتهر عبد القادر الرسام في اسطنبول وبغداد ودخلت اعماله في المسابقات والمعارض الدولية، ويذكر ان احد لوحاته اقتناها متحف برلين بعدما فازت بالجائزة الثانية في المسابقة الدولية التي اجريت في المانيا، وهذا يعني ان عبد القادر سجل حضورا عالميا مبكرا تقدم به على كل الفنانين العراقيين الرواد وربما على العرب ايضا. كما يظهر ان عمله هذا نال اعجاب لجنة التحكيم التي تأخذ بنظر الاعتبار الاساليب الاوربية الحديثة كمقياس لتقيمها. ويبدو ان تاريخ المشاركة كان في زمن العلاقات الطيبة والودية التي كانت تربط الدولة العثمانية بالمانيا او في زمن بداية الدولة العراقية، ولكن لا نعرف بالتحديد تاريخ المشاركة والاقتناء واين اصبح مصير اللوحة.

رسم الطبيعة

يعتبر بعض النقاد ان رسوم عبد القادر الرسام تقليدية وليس جديدة على الساحة العراقية ولكن ماذا يقصد بالتقليدية هل هو تقليد للماضي او تقليد للطبيعة ؟ والمتتبع لحياة عبد القادر واعماله والمنصف في ذلك، يرى غير ذلك فالتقليد ينطبق على الفنون الموروثة كالفن الاسلامي والخط العربي والزخرفة (الارابكس) والفنون الشعبية والتي كانت سائدة في ذلك الوقت ولكن عبد القادر تجاوز هذه التقاليد الموروثة واعتنق الفن الاوربي خاصة المدرسة الواقعية الكوربية والانطباعية ونقل ذلك الى العراق واخذ يدرس الجيل الثاني من الرواد.

وكان عبد القادر لا يرسم الطبيعة حرفيا كما يراها وانما يعمل على تحقيق ما يريده ويشعر به ومثله كمثل سيزان ومونيه حيث انفعل مع الطبيعة ومزج الواقع المرئي الحسي مع الوجدان والمشاعر الداخلية، فهو بذلك يتبع المدارس الاوربية الحديثة، فكانت حرارته وابداعاته في نقل المنظر لا تختلف عن اولئك الانطباعيين الذين تمردوا على الواقع الفني الكلاسيكي وخرجوا للطبيعة واثروا الحياة الريفية وانتعلوا احذية الفلاحين الغليضة وعاشوا حياتهم المتواضعة ليقتربوا من قلب الطبيعة.

2313 عبد لقادر الرسام 1

كان الجيل الثاني من الشباب بعد الحرب العالمية الثانية منهمكين في اعمالهم التقليدية والحذوا خلف الجيل الاول واستاذهم عبد القادر ولكن الفرق بين الجيلين هو ان الثاني اصبح اكثر وعيا وثقافة وانه عاش احداث الحرب العالمية الثانية من سياسية وفكرية والصراع بين المعسكرين الاشتراكي والراسمالي، وكان هؤلاء يقضون اوقاتهم بالنقاش حول المفاهيم الفنية الجديدة في اوربا وحول الفنانين الاوربيين الذين حلوا لتوهم في العراق.

كان عبد القادر في عصره امام تحديات كثيرة منها اولا هو التخلي عن الموروث الفني القديم وعزوفه عن الفن الاسلامي واعتناقه المذاهب الفنية الاوربية الحديثة خاصة الواقعية الكوربية الاشتراكية وشجعه على ذلك وجوده في اسطنبول وجولته في بعض المدن الاوربية والعربية، ثانيا مواجهة الفقهاء الذين كانوا يحرمون التصوير ويسيطرون على العوام، وتأسيسه مشغلا في بغداد واعطاء الدروس فيه، وهو بذلك يشبه الواسطي- 1237 - في زمانه عندما تحدى الجميع ورسم الجموع الغفيرة من الناس والخيل حتى النساء اثناء الولادة.. ثالثا بما ان عصره عصر صراع بين القديم والحديث فلا بد منه ان يشتبك بفكره المقتنع به ضد التخلف والتحجر الذي كان يسود البلاد في ذلك الوقت ولا يحايد وعليه ان لا يصبح ذيلا.

2313 عبد لقادر الرسام 2

يقول المصور الانكليزي كونستابل ان فهم الطبيعة ليس سهلا فلا بد من دراستها كالسير في الحقول واشباع العين برؤية سحرها وجمالها. ومجد كونستابل الظل والضوء والوحدة النغمية بين الالوان والاشكال. اما ديلاكروا فقال ان الطبيعة قاموس الفنان. بمعنى انه ليس تقليدا لها وانما انتقاء الاجمل منها من مفردات حسية اي يختار ما يعبر عن عمق مشاعره.. فالتعبير الكامل عن الغنائية الطبيعية هو ذلك الذي يمثل الجمال فهو ياتي ويروح مع تموجات الضوء واهتزازاته، وانه نوع من الشعر.

و بعد خسارة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الثانية عاد الضباط العراقيين من اسطنبول الى وطنهم واخذوا يمارسون الرسم في مشاغلهم وبعضهم اخذ يدرس مادة الرسم في المدارس البغدادية ويبدو ان بداية العشرينات كانت بداية ظهور المدارس الحكومية وبدات مادة الرسم تعتبر من المواد التدريسية الرسمية التي شرعتها وزارة التربية.

2313 عبد لقادر الرسام 3

تعرضت اعمال عبد القادر الى التلف نتيجة الاهمال والرطوبة وعدم الصيانة وقد دأبت وزارة الثقافة الى ترميم بعض اعمال الفنانين الرواد وقد اخبرني الاستاذ محمد مكي، بان طالب مكي ساهم في ترميم اعمال عبد القادر الرسام. ومعروف ان عملية الترميم تحتاج الى خبرة وتخصص منها معرفة سبب تشقق الطبقة اللونية ومعرفة معالجة الرطوبة والمناخ وتغييراته، وظهرت في اعمال عبد القادر بقع لونية نتيجة تفاعل الغازات الموجودة في الجو مع الرطوبة فظهر احيانا مسحوق ابيض يشبه الكلس.. وتذكر مديرة المتحف هدى الصديق التابع لمديرية الفنون بانهم انقذوا عشرات الاعمال من بين الركام بعد الفوضى التي عمت البلاد بعد السقوط عام 2003 حيث استطاعت الوزارة من انقاذ الكثير من اعمال الرواد والتي يعود معظمها الى عام 1950 ومن بينهم اعمال عبد القادر الرسام، واقامت لهم الوزارة معرضا يضم على اكثر من 50 عملا فنيا. وكان عدد من لوحات عبد القادر الرسام تعود الى عام 1895 منها لوحة تمثل الخيالة.

 

د. كاظم شمهود

 

 

لاتحظى حضارات وادي الرافدين للأسف بنفس القدر من التقدير عالميا كالحضارة المصرية واليونانية، علما أن ماقدمته هذه الحضارات للبشرية من اختراعات كالكتابة والأعداد والرياضيات والدولاب والمنشار والرمح والتقويم والحرث والزراعة والري والنقود والبيرة وغيرها تضاهي كثيرا ماقدمته الحضارات القديمة الأخرى. ولكن عددا من علماء الآثار والحوسبة أولى اهتماما كبيرا بنشأة الرياضيات والحوسبة على يد السومريين والبابلين حيث ولدت الأرقام والحوسبة اليدوية على أيدي العراقيين القدماء الذين أنشأوا اولى الحضارات البشرية في حضارات وادي الرافدين. كان سكان الحضارة الأولى المعروفة في سومر (حوالي 5000 سنة قبل الميلاد) أول من احتفظ بسجلات المعاملات التجارية على الواح الطين المفخور. وفي الواقع قد يكون المحاسب السومري الذي عاش في الجزء الأسفل من بلاد وادي ما بين النهرين حوالي 3200 قبل الميلاد أول إنسان يقوم بتسجيل الأرقام كوسيلة للتخزين، حيث استخدم النظام الرقمي الستيني الذي يستند إلى القواعد 6 و10. لقد جلب اكتشاف الحساب الفوائد الملموسة للحضارة السومرية بما في ذلك القدرة على تحديد منتجات اقتصادهم عدديا، وساهم في نمو تجارة بلاد ما بين النهرين، وأستفادت الحضارات الأخرى من ذلك لاحقا.

النظم الرقمية

بدأت المفاهيم الأساسية للأرقام في الظهور عندما أرسخت أول حضارة في العالم وهي الحضارة السومرية جذورها في بلاد ما بين النهرين منذ اكثر من 5000 سنة. واستخدم النظام الرقمي هذا خاصية الموضعية لأول مرة (اي أن قيمة الرمز المستعمل تعتمد على موضعه في الرقم). وكان للسومريين تشكيلة معقدة من النظم العددية وكان لكل مدينة طريقتها المحلية الخاصة في كتابة الارقام . في مدينة اوروك، حوالي 3100 قبل الميلاد، كان هناك أكثر من عشرة أنظمة رقمية مختلفة، فعلى سبيل المثال استُخدم نظام ارقام لحساب أشياء مختلفة مثل الحيوانات، والأدوات، والحاويات. وكان هناك نظام مختلف لحساب الجبن ومنتجات الحبوب . وتم استخدام نظام آخر لحساب كميات الحبوب وآخر لمكونات البيرة وآخر للأوزان وآخرلمناطق اليابسة وللوحدات الزمنية ووحدات التقويم، وتغيرت هذه الأنظمة على مر السنين. وتغيرت الأرقام لحساب كميات الحبوب كلما تغير حجم السلال. كان الناس يتعاملون بكميات من الحبوب كل يوم واستخدموا مهاراتهم الحسابية لحساب غيرها من الأمور التي كانت غير ذات صلة بقياسات الحجم. اخترع السومريون الحساب وبضمنه الضرب والقسمة وكانت جداول الضرب تكتب على الألواح الطينية بالقلم المدور .

وقد تطورت هذه الرموز في نظم معقدة من الأرقام حوالي 3000 قبل الميلاد، لتكون قادرة على تسجيل كميات كبيرة جدا من البضائع. ويستخدم الكاتب مجموعات مختلفة من الرموز لتسجيل كميات الأغنام أو الحبوب. ومن المعروف أن أكثر من دزينة من مختلف هذه الأنظمة كانت موجودة. ولم يكن هناك أي قاعدة موحدة، تماما كما في الوقت الحاضر حيث لا يوجد لدينا أي قاعدة موحدة لجميع الوحدات المختلفة من الأوزان والمقاييس خارج النظام المتري .

في ذلك الوقت، وضع السومريون نظم أرقام فريدة من نوعها، وذلك باستخدام قاعدة الستين بالمصطلحات العلمية، ويسمى هذا النظام الستيني (sexagesimal). كانت قاعدة النظام 60، بينما قاعدة العشرة هو ما نستخدمه اليوم. عد السومريون الأشياء مع ستين كوحدة واحدة، كان لديهم نفس الرمز للأعداد 1 و60. وللتعبير عن 70، عبروا عنها حرفيا كمجموع 60 وو10. وبالمثل، عبروا عن 125 كمجموع وحدتين من 60 ووحدة واحدة من 5. استخدم السومريون الأرقام الستينية ليس فقط لأن الرقم 60 يحتوي على العديد من القواسم أو أنه قابل للعد على أصابع كلتا اليدين ولكن لأن 60 هو المضاعف المشترك الأقل لعدد أصابع كلتا اليدين وعدد الأشهر في السنة. استخدم السومريون مفاصل أصابعهم لحساب النظام الاثني عشري (12)، وقسموا اليوم، من شروق الشمس إلى غروبها، إلى 12 جزءًا، لذلك تم تقسيم الليل والنهار معًا إلى 24 جزءًا.

طور البابليون الكتابة المسمارية على أساس المسمارية أو " شكل إسفين ". كتبوا هذه الرموز على ألواح الطين الرطب التي كانت تخبز في الشمس الحارقة. ولا تزال عدة آلاف من هذه الأقراص موجودة اليوم في المتاحف داخل وخارج العراق. واستخدم البابليون الإسفين لبصم الرموز على الطين لأنه لا يمكن استعمال الخطوط المنحنية بسهولة.

وبين 2700 ق و2000 قبل الميلاد، تم استبدال القلم المدور تدريجيا بقلم القصب الذي استخدم لضغط إسفين يشكل علامات مسمارية في الطين، لتمثيل الأرقام التي سبق ان تم تمثيل رموزها بالقلم المدور. وكانت الأرقام المسمارية القديمة غامضة لأنها تمثل مختلف النظم الرقمية التي تختلف اعتمادا على ما كان يجري فرزها. وفي حوالي 2100 قبل الميلاد في سومر، تلاقت هذه الأنظمة تدريجيا على رقم النظام الستيني المشترك الذي كان نظام مكان القيمة التي تتكون من علامات اثنين فقط، الإسفين الرأسي والأفقي، والتي يمكن أيضا أن تمثل الكسور. وقد تم تطوير هذا النظام الستيني بالكامل في بداية فترة بابل القديمة (حوالي عام 1950 قبل الميلاد)، وأصبح المعيار في بابل .

وكانت أرقام النظام الستيني التي احتفظت بقاعدة 10 وقاعدة 6 بالتناوب في سلسلة من الرموز المسمارية (الأسافين) الرأسية والافقية، وهي واحدة من أقدم أنظمة الترقيم. الرياضيات الأولى يمكن أن تعزى أيضا إلى بلاد بابل القديمة وذلك خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد حيث كانت الجداول الإنجاز الأكثر تميزا للبابليين والتي ساعدتهم في حل المشاكل. وأصبح النظام الستيني النظام المستخدم على نطاق واسع في التجارة، ولكن تم استخدامه أيضا في الحسابات الفلكية وغيرها. وتم تصدير هذا النظام من بابل الى جميع أنحاء بلاد ما بين النهرين، وكذلك إلى بلدان البحر الأبيض المتوسط التي استخدمت النظام البابلي كمعيار للقياس والعد، بما في ذلك الإغريق والرومان والمصريين. ونحن لا نزال نستخدم النظام الستيني لحساب الوقت (دقائق لكل ساعة وثواني لكل دقيقة )، والزوايا (درجة).

على مدى السنوات الخمسمائة التالية، تطورت الكتابة تدريجيا في الكتابة المسمارية وجاء ظهور الحساب جنبا إلى جنب مع ظهور الكتابة المسمارية. ولم يعد استخدام الألواح الطينية مجرد لتسجيل أعداد السلع، ولكن نجدها في تسجيل المجاميع الحسابية والحسابات.

وحتى قبل العصر البابلي القديم أي حوالي 2000 قبل الميلاد كانت هناك الرياضيات المتقدمة بالكامل. وقد تم اكتشاف الآلاف من الأقراص الرياضية والاقتصادية، التي تظهر معرفة رائعة بالحساب، والمعادلات الخطية والتربيعية، والعديد من المنشآت الهندسية والحسابية. وهناك جداول الضرب، وجداول من المساحات، والجذور التربيعية، والثوابت المشتركة. هناك قوائم من المسائل الحسابية وضعها المعلمون، والحلول التي قدموها للطلاب. في هذا الوقت كان نظام الأرقام للحساب قد استقر على النظام الستيني، أو قاعدة الستين، وكان من الأسهل بالنسبة لهم حساب الكسور.

واليوم، يستخدم لدينا نظام الأرقام العشرية ذات القاعدة عشرة، وليس ستين، باعتبارها الوحدة الأساسية، ولكن هذا لا يعني أن اختراع السومريين أصبح باليا. في واقع الأمر، فإنه لا يزال يلعب دورا حاسما في حياتنا اليومية. على سبيل المثال، هل سبق لك أن تساءلت لماذا للساعة 60 دقيقة والدقيقة لها 60 ثانية؟ هل سبق لك أن فكرت لماذا الدائرة الكاملة لها 360 درجة ؟ كما اتضح، كان هذا ما أبقى السومريين المسار من وقتهم، وكان ذلك كيف تُعرف دائرة كاملة. قسم البابليون اليوم إلى أربع وعشرين ساعة، كل ساعة إلى ستين دقيقة، والدقيقة إلى كل ستين ثانية . وقد بقى هذا الشكل من العد للوقت لأربعة آلاف سنة الى يومنا هذا.

رموز الأرقام

يبين الجدول أدناه كيف كان السومريون والبابليون يكتبون الأرقام بالكتابة المسمارية أو ألاسفينية.

2300 رياضيات 1

 كان أي رقم أقل من 10يمثل بأسفين يشيرإلى الأسفل.

مثال : 4

2300 رياضيات 2

 

 

ويرمز الرقم 10 بإسفين إلى اليسار.

مثال : 20

2300 رياضيات 3

 

 

وترمز أرقام أقل من 60 عن طريق الجمع بين رموز 1 و10 .

مثال : 47

2300 رياضيات 4

 

 

 

كما هو الحال مع نظام الترقيم لدينا، فأن نظام الترقيم البابلي مبني على الوحدات، أي العشرات، المئات، وألالآف المستخدمة.

مثال : 64

2300 رياضيات 5

 

 

ومع ذلك، لم يكن لديهم رمز للصفر. عندما أرادوا التعبير عن الصفر، تركوا مجرد مساحة فارغة في العدد الذي كانوا يكتبونه . عندما يكتبون " 60"، فإنهم يضعون علامة إسفين واحدة في المركز الثاني من الأرقام .

2300 رياضيات 6

 

 

عندما يكتبون " 120 "، فإنهم يضعوا علامتي إسفين في المركز الثاني.

2300 رياضيات 7

 

 

فيما يلي بعض الأمثلة على أعداد أكبر .

مثال : 79883

(22*602)+(11*60)+23

2300 رياضيات 8

 

 

مثال : 5220062

(24*603) + (10*602) + (1*60) + 2

2300 رياضيات 9

 

 

خلال السنوات الأولى من التاريخ المسجل، في بلاد ما بين النهرين القديمة جُربت طرق للحساب والقياس، وحل المشاكل الرياضية، وكانوا أول من أعطى قيمة للرقم مستندةً على مكان الرقم، والتعرف على مفهوم من الصفر (الحضارة الهندية لاحقا قدمت الصفر).

لا يبدو أن الرياضيات البابلية قد تغيرت كثيرا في السنوات 1500 التالية. قد يكون ذلك راجعا جزئيا إلى حقيقة أن لدينا عددا قليلا جدا من أقراص الرياضيات من هذه الفترة على ما يبدو . ونحن نعرف عن تطوير علم الفلك الرياضي في الفترة البابلية المتأخرة من القرون القليلة الماضية قبل الميلاد.

ونظرا لمتانة الألواح الطينية المكتوبة في بلاد ما بين النهرين، فإن الأدلة المتوفرة كبيرة، والعينات الموجودة للرياضيات تمثل جميع عصور - الممالك السومرية الرئيسية من الألفية الثالثة، الأنظمة الأكادية البابلية (الألفية الثانية)، وإمبراطوريات الآشوريين (الألفية الأولى في وقت مبكر) والفرس (القرن السادس الى الرابع قبل الميلاد)، واليونانيين (القرن الثالث قبل الميلاد إلى القرن الأول م) . كان هناك بالفعل مستوى من الكفاءة العالية في وقت مبكر من سلالة بابل القديمة، وحقبة المشرع الملك حمورابي (القرن 18 قبل الميلاد)، ولكن بعد ذلك كان هناك قليل من التقدم. ومع ذلك ازدهر تطبيق الرياضيات في علم الفلك خلال الفترات الفارسية والسلوقية ( اليونانية).

المعداد الحسابي

و وُصف المعداد الحسابي اليدوي لأول مرة في بابل وهو أول آلة حسابية فعلية معروفة لدينا، ويعتقد أنه قد اخترع من البابليين في وقت ما بين 1000 قبل الميلاد و500 قبل الميلاد. والمعداد هو جهاز يستخدم للجمع والطرح، والعمليات ذات الصلة من الضرب والقسمة. أنها لا تتطلب استخدام القلم والورق. هناك نوعان من الأشكال الأساسية للمعداد : سطح مستو خصيصا لاستخدامه مع عدادات (الجدول العد مستمر)، أو إطار مع حبات على الأسلاك.

كان المعداد الأولي بشكل يكاد يكون من المؤكد على حجر مسطح تغطيها الرمال أو الغبار. وضعت الكلمات والحروف في الرمال، وفي نهاية المطاف تم إضافة أرقام والحصى المستخدمة لمساعدة العمليات الحسابية. استخدم البابليون هذا المعداد في وقت مبكر من عام 2400 قبل الميلاد. أصل المعداد مع سلاسل هو غامض، ولكن ينظر إلى الهند، وبلاد ما بين النهرين أو مصر كنقطة محتملة للمنشأ. ولعبت الصين دورا أساسيا في تطور المعداد.

وقد وضعت مجموعة متنوعة من المعدادات؛ استندت الأكثر شعبية على نظام ثنائي خماسي، وذلك باستخدام مزيج من اثنين من القواعد (قاعدة 2 وقاعدة -5) لتمثيل الأرقام العشرية . ولكن أقرب المعدادات استخدم لأول مرة في بلاد ما بين النهرين وفيما بعد من قبل الكتبة في مصر واليونان باستخدام أرقام النظام الستيني ممثلة مع العوامل من 5، 2، 3، لكل رقم .

2300 رياضيات 10

الرياضيات

نجح البابليون بتحقيق تقدم كبير في الرياضيات يضاهي ماحققه المصريون وحتى اليونانيين من بعدهم.

- أستخدموا الكسور العامة، وإن لم يكن كل الكسور.

- نجحوا في استخراج الجذور التربيعية للأعداد.

- تمكنوا من حل النظم الخطية.

- تعاملوا مع مثلثات فيثاغورس.

- تمكنوا من حل المعادلات التكعيبية بمساعدة الجداول.

- درسوا القياسات الدائرية.

- كانوا لا يستخدمون الصفر.

واحدة من الأقراص البابلية، (بليمبتون 322)، والتي يرجع تاريخها إلى ما بين عامي 1900 و1600 قبل الميلاد، تحتوي على جداول فيثاغورس وتظهر المعادلة

A2 + B2 = C2

موجودة حاليا في المتحف البريطاني. وعرف من علماء الرياضيات في بابل كيدينو وريماني اللذان عاشا حوالي 480- 490 قبل الميلاد.

2300 رياضيات 11

ويبين عالم الحوسبة المشهور دونالد كنوث في بحث فريد (3) أن البابليين لم يطوروا الرياضيات فحسب بل كانوا أول من وضع لبنات الخوارزميات لتوصيف الخطوات اللازمة لحل المسائل الرياضية. ولم يتحدد علماء الرياضيات البابليين بعمليات الجمع والطرح والضرب والقسمة فحسب، فقد كانوا بارعين في حل العديد من أنواع المعادلات الجبرية، غير أنهم لم يكن لديهم منهج الجبر الذي نعرفه اليوم فكانوا يمثلون كل معادلة بسلسلة من الخطوات، خطوة بخطوة لحلها، أي عن طريق خوارزمية لحل هذه المعادلة. في الواقع، عملوا مع "لغة الآلة" التي نعرفها اليوم مع الحواسيب لتمثيل المعادلات بدلا من لغة رمزية.

ولا يمكن أن نتكلم عن الخوارزميات من دون أن نذكر عالم الرياضيات الأسلامي محمد بن موسى الخوارزميّ الذي كتب مؤلفه الشهير: "الكتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة"، في حوالي 830 ميلادية بتشجيع من الخليفة العباسي المأمون، حيث قدم عرضا شاملا لحل المعادلات متعددة الحدود حتى الدرجة الثانية، وناقش الأساليب الأساسية ل"الحد" و"التوازن" في اشارة الى تبديل العوامل إلى الجانب الآخر من المعادلة. وكان انجاز الخوارزمي الحسابي المسؤول عن إدخال الأرقام العربية على أساس نظام الترقيم الهندي العربي إلى العالم الغربي.

علم المثلثات البابلي

2300 رياضيات 12استنبط البابليون شكلهم الفريد من علم المثلثات خلال الفترة البابلية القديمة (1900-1600 قبل الميلاد)، قبل أكثر من 1500 عام من الشكل اليوناني. من اللافت للنظر أن علم المثلثات الخاص بهم لا يحتوي على أي من السمات المميزة لعلم المثلثات الحديث لدينا - فهو لا يستخدم الزوايا ولا يستخدم التقريب.

كان لدى البابليين تصورا مختلفا تمامًا للمثلث القائم. لقد رأوا أنه نصف مستطيل، وبسبب نظام الأرقام الستيني (الأساس 60) المتطور، تمكنوا من بناء مجموعة متنوعة من المثلثات القائمة باستخدام النسب الصحيحة فقط. نحن نعلم الآن أن البابليين درسوا علم المثلثات لأن لدينا جزءًا من أحد جداولهم المثلثية.

Plimpton 322 عبارة عن لوح طيني مكسور من مدينة لارسا القديمة، والتي كانت تقع بالقرب من تل السنكيره في العراق. تمت كتابة اللوح بين 1822-1762 قبل الميلاد. في عشرينيات القرن الماضي، باع عالم الآثار والأكاديمي والمغامر إدغار جيه بانكس اللوح للناشر الأمريكي وفاعل الخير جورج آرثر بليمبتون. ترك بليمبتون مجموعته الكاملة من اللوحات الرياضية إلى جامعة كولومبيا في عام 1936، وهي موجودة هناك اليوم في مكتبة الكتب والمخطوطات النادرة. إنه متاح عبر الإنترنت من خلال مبادرة المكتبة الرقمية المسمارية.

في عام 1945، تم الكشف عن أن اللوح يحتوي على سلسلة معقدة للغاية من الأرقام الصحيحة التي تلبي معادلة فيثاغورس، والمعروفة باسم ثلاثية فيثاغورس. هذه هي العلاقة الأساسية بين الجوانب الثلاثة للمثلث القائم الزاوية، وقد أثبت هذا الاكتشاف أن البابليين كانوا يعرفون هذه العلاقة قبل أكثر من 1000 عام من ولادة عالم الرياضيات اليوناني فيثاغورس.

المعاملات التجارية

ان بلاد ما بين النهرين القديمة لم يكن لديها اقتصاد العملة، لذلك وضعت نظاما موحدا للأوزان لتنفيذ العديد من المعاملات التجارية الخاصة بهم. وكانت أصغر وحدة هي الوزن التقريبي لحبة واحدة من الشعير.

الشكل المدرج إلى الأسفل هو وثيقة تسجيل بيع قطع من الأرض، وربما لمشتر واحد. ويسمى مثل هذا السجل " Kudurru ". الأعمدة التسعة من النص المكتوب على كل من الوجه (الصورة العليا) والقفاء (الصورة أسفل) وصف لصفقة البيع بقدر كبير من التفصيل. على الرغم من أنها على شكل قرص من الطين، فأنها مصنوعة من الحجر مما يدل على أن هذه الوثيقة كانت تعتبر مهمة جدا لأن الحجر سلعة نادرة وباهظة الثمن في بلاد ما بين النهرين، حتى يكون سجلا دائما وغير قابل للتدمير. تم الاحتفاظ بسجلات المبيعات هذه في المعابد لمنحها حماية الآلهة، في نفس الوقت جعلها في متناول التدقيق العام. يسجل في الوثيقة مجالات الحقول المكتسبة وكميات الفضة والسلع الأخرى المستخدمة لشراء الأرض. شملت هذه السلع دهون الأغنام والصوف والخبز.

 

 زيد حبه

........................

المصادر:

1- “The Sumerians, Their History, Culture, and Character”, by Samuel Noah Kramer, The University of Chicago Press, 1963

2- “Ancient Babylonian Algorithms”, Donald E. Knuth, Stanford University, Communications of the ACM, July 1972

3- “Pathfinders-The Golden Age of Arabic Science”, Jim Al-Khalili, Penguin Books, 2010.

4- “Plimpton 322 is Babylonian exact sexagesimal trigonometry”

Daniel F.Mansfield, N.J.Wildberger

Historia Mathematica, Volume 44, Issue 4, November 2017, Pages 395-419

5- Babylonian Mathematics

http://www.math.tamu.edu/~dallen/masters/egypt_babylon/babylon.pdf

 

كاظم شمهودسبق وان ذكرنا في الحلقة السابقة بان الحكومة العثمانية قد ارسلت نخبة صغيرة من الشباب العراقي للالتحاق بالكلية العسكرية الحربية في اسطنبول للتدريب والتأهيل ليكونوا ضباطا في المستقبل، وكان ضمن مناهج التدريس مادة الرسم حيث كان هؤلاء الطلاب يمارسون الرسم بالاساليب والتقنيات الاوربية الحديثة باشراف اساتذة مرموقين وحديثي الثقافة . وكان من هؤلاء الشباب عبد القادر الرسام ومحمد سليم علي الموصلي (والد جواد سليم) ومحمد صالح زكي وغيرهم. وقد تخرج منها عبد القادر عام 1905. وقد اطلق اسم على هؤلاء الخريجين– فنانون عثمانيون -

الاوضاع الاجتماعية ايام عبد القادر الرسام

2276 عبد القادر الرسام 1في القرن التاسع عشر كانت هناك محاولات من بعض المثقفين العرب للثورة على السلطات العثمانية الجائرة وعلى الاوضاع المزرية والمتخلفة التي سادة الدول العربية وسميت هذه الحركة - بحركة التنوير- وكانت قد ظهرت بعد الثورة الفرنسية عام 1798 . ورفعت شعاراتها وكان هؤلاء قد ابهرهم التقدم الحضاري والفكري والفني في اوربا حيث شاهدوا انتشار الطباعة وظهور الصحف ودور النشر وانشاء المدارس والجامعات . كما تأثر هؤلاء بالنهضة الادبية الرومانسية وفلاسفة ذلك العصر، وادى ذلك الى تفاعل الادب العربي مع الادب الغربي وقامت هناك حركة للترجمة الى اللغة العربية خاصة في مجال الرواية والفلسفة والمسرح والفنون الاخرى . وكانت هذه المظاهر الحضارية مفقودة في البلدان العربية . ومن ناحية اخرى لما اطلع المغتربون العرب على الآثار العراقية والمصرية التي تعج بها المتاحف الاوربية شعروا بمقدار الكارثة العظمى التي لحقت ببلدانهم والاهمال المتعمد من قبل العثمانيين . كما انتبهوا الى عمق مكانة حضارتهم وتاريخهم المجيد في العالم .. ويمكن الاطلاع على كتاب (اربعة قرون من تاريخ العراق الحديث) للكاتب الانكليزي لونكريك حيث يشرح الاوضاع المأساوي والكارثية التي كان يعيشها العراق ايام الحكم العثماني . وقد كتبه عام 1925 .

2276 عبد القادر الرسام 3

نيازي وعبد القادر الرسام

لم يذكر عن احوال العراق الثقافية والفنية في اواخر القرن التاسع عشر ايام العثمانيين ولم تدون الاحداث الا شذرات قليلة . وكيف يسمح بالتدوين والبلاد خاوية والتخلف يسود البلاد كلها الا اللهم الاجانب الرحالة الذين حلوا بالعراق في ذلك الوقت مثل الرحالة الفرنسية جين ديولافوا 1881 -1882 . حيث كانت تدون كل شئ تراه ومعها كامرة تصوير ضخمة فصورت واقع المجتمع العراقي في ذلك الوقت واظهرت الصور ان البلاد فقيرة والناس متعبة واكثرهم حفاة والشوارع متربة ووجوه كالحة وعليها غبار التعب واليأس ... اما من ناحية حركة الفن والثقافة فتكاد ان تكون غائبة او معدومة او مجهولة . وقد ذكر شاكر حسن في كتابه (فصول من تاريخ الحركة التشكيلية في العراق) بان نيازي مولوي بغدادي يعتبر من رواد الفن العراقي الحديث واستشهد بوجود محاولات للرسم الاكاديمي نشر منها تخطيطا في كتابه يمثل رجلا يعزف . ومن جانب أخر ذكر الخطاط وليد الاعظمي في كتابه (خطاطي بغداد المعاصرين / ج1) بان نيازي قدم من اذريبيجان في بداية القرن التاسع عشر واستقر في بغداد وكان رجلا صوفيا مولويا (مولوي يعني مولانا او ملا) فسمي نيازي مولوي بغدادي وكان خطاطا ومزخرفا ومصورا ماهرا (في الفن الاسلامي). وعندما حل في بغداد اخذ يدرس فنون الخط والزخرفة والتذهيب لبعض وجهاء بغداد خاصة خط التعليق ومن تلاميذه الذي اشتهر بعد ذلك عبد الوهاب عبد الرزاق الشقاقي والذي تزوج زوجة استاذه نرجس خان بعد وفاة نيازي عام 1907 .

وبالتالي اعتقد اننا لا يمكن ان نقارن خطاطا ومزخرفا مثل نيازي بمصور مثل عبد القادر الذي درس الفن الاوربي في اسطنبول وبعث الى الدول الاوربية للدراسة والاطلاع على المدارس الفنية الحدبثة، وكان معلما وابا للجيل الثاني من الفنانين العراقيين، وحتى لوا ان نيازي عنده بعض الرسوم الاكاديمية فهي لا تثبت ريادته الحقيقية في تأسيس الفن العراقي المعاصر على اسس واساليب المدارس الاوربية الحديثة . ولهذا فان البعض يحاول التقليل من اهمية عبد القادر ودوره في المناخ الفني العراقي المعاصر ولا نعرف الدوافع الحقيقية لذلك، هل هو جانب عاطفي او مذهبي او كون الاثنان شاكر ونيازي على نفس المذهب الصوفي؟.

2276 عبد القادر الرسام 4

تلاميذ عبد القادر

ذكر بان عبد القادر كان دائم اللقاء مع احد وجهاء بغداد من مواليد مدينة خانقين يدعى احمد القيماقجي وكان له ثلاثة اولاد قد تتلمذوا على يد عبد القادر الرسام وتعلموا اصول الرسم وهم احسان واكرم وانور، وقد اقيم لاعمالهم معرضا فنيا من قبل نجل الفنان انور القيماقجي في قاعة الاورفلي في عمان عام 2019، ويذكر ان اعمالهم تقترب من مناخات استاذهم من حيث الاسلوب الواقعي والمعالجات التقنية وتدرج الالوان واشراقها ورسم المناظر الطبيعية والرسوم الشخصية وغيرها . وكان لظهور هؤلاء الرسامين الثلاث تلاميذ عبد القادر يكشف لنا اولا مدى الغبن والاهمال الذي لحق بمئات الفنانين والرسامين العراقيين وعدم ذكرهم في كتب المؤرخين المعاصرين . ثانيا ان هناك على طول الاربعة قرون الماضية من الاحتلال العثماني كان العراق مليئا باهل الفن والثقافة والعلم ولكن لم تذكر او تدون اسماءهم او اعمالهم، ثالثا ان جماعة اصدقاء الفن التي تأسست عام 1941 هي ثمرة جهود وعطاء الرواد الاوائل وعلى رأسهم عبد القادر الرسام الميساني . ..

 

د. كاظم شمهود

 

 

كاظم شمهوديذكر ان عبد القادر الرسام عندما حل في بغداد قادما من مدينته ميسان كان كثير ما يتردد على المقاهي ليعمل بعض الدراسات السريعة والمقتضبة حول الاشخاص المتكئين هنا وهناك، ومشاهد من المقهى والحركة في الشارع والمناظر المحيطة بها. وكان لا يقبل ان ينظر اليه احد اثناء الرسم للحفاظ على سر عمله حتى ينتهي منه كليا، هذه الاسكيجات كان يجمعها ثم يذهب الى ورشته وينفذها على شكل لوحات زيتية كبيرة.

2248 عبد القادر الرسام 1وكانت هذه الطريقة في الرسم منتشرا في القرن التاسع عشر عند بعض عظماء الفن الاوربي مثل جوزيف ترنر 1775-1851 حيث كان يسجل في كراسته العوارض الطبيعية المختلفة للبحر والعواصف والسحاب وغيرها، ثم يعود الى مرسمه ليرسمها بالزيت. وكذلك جون كونستابل 1776-1837 الذي يعتبر من عظماء مصوري اوربا في رسم المناظر الخلوية، واوجين ديلاكروا 1798-1863 زعيم المدرسة الرومانسية، وفان كوخ 1853-1890 صاحب المدرسة التعبيرية وكوربيه -1877-1819 مؤسس المدرسة الواقعية والذي كان عبد القادر متأثرا به. هؤلاء هم اساتذة عبد القادر الرسام والذين تأثر بهم..و كان الجيل الثاني من الرواد مثل فائق حسن وحافظ الدروبي وجواد سليم وغيرهم كانوا يرسمون كلهم على طريقة عبد القادر الرسام الذي شاعت اعماله في كل انحاء العراق.

Detail of a photograph with the Society of the Friends of Art

قالوا في حق عبد القادر.

يقول جبرا ابراهيم جبرا في كتابه الفن والفنان (ظهر في اوائل القرن عدد من الرسامين الهواة اشهرهم عبد القادر الرسام الذي كان ضابطا في الجيش العثماني.. فان ان نعتبره عن حق ابا الرسم المعاصر في العراق) ولكن مع الاسف لم يهتم المسؤلين به في ذلك الوقت حيث يذكر انه كان في أخر ايامه يعيش وحيدا ومعه خادمه وان راتبه التقاعدي لا يكفي لسد حاجاته الظرورية، مع ذلك كان بمثابة الكعبة التي تتجه اليها كل عيون الفنانين الشباب والمقففين. حيث كان بيته يغص باصحابه الضباط القداما والفنانين وتلك الدردشات الثقافية والفنية وكأن بيته تحول الى مركز ثقافي. ويذكر حافظ الدروبي بانه كان في يوم من الايام هو وجواد سليم في زيارة الى بيت عبد القادر (كنا في بداية عهد الرسم وقدم لنا هو الكثير من النصائح والارشادات واخبرنا بضرورة السفر الى الخارج)

2248 عبد القادر الرسام 4اما شاكر فقد كتب عن حياته في كتابه- فصول من تاريخ الحركة التشكيلية في العراق، وخصص له حوالي ثمانية صفحات للحديث عنه وعن الجيل الثاني الذي كان متعلقا به بشده حيث يعتبره الامام للفن العراقي المعاصر (فانه كان يحور من العالم الذي يرسمه ليبدو عالما من البراءة والنبل والسكون المطبق وكأنه بذلك يرسم بروحية نحات سومري كالذي نحت لنا تمثال جوديا)

اما بقية النقاد والكتاب العراقيين فلم يذكروا عبد القادر الرسام الا ببضعة اسطر ويمرون عليه مر الكرام اما عدم امتلاكهم مدونات كافية عن حياته او تعمدا لكونه من ارض الجنوب.. بينما الفت كتب كثيرة عن حياة الجيل الثاني من الرواد ووضعت عليهم هالات قدسية واعتبرهم البعض بمثابة آلهه واصحاب مدارس فريدة.

و يذكر عطا صبري (ان في العهد العثماني كانت الاقلية النادرة تتذوق الفنون على نطاق ضيق ومحصور في الطبقة المترفة... ومن ابرز الفنانين في تلك الفترة عبد القادر الرسام حيث كانت صوره الزيتية منتشرة تقريبا في اكثر بيوتات بغداد الشهيرة..)

و قال فيه جواد سليم (اتخذ هوايته بما يشبه الاحتراف فلا عجب ان كان اول من لقب بالرسام لغزارة انتاجه واعتكافه على الرسم).

2248 عبد القادر الرسام 3

المرحلة الواقعية والانطباعية

كان اسلوب عبد القادر انقلابا وثوريا على التقاليد الفنية الموروثة في الشرق في ذلك الوقت وكأنها ثورة بيكاسو على المدرسة الكلاسيكية القديمة (وقد ذكرنا ذلك سابقا) وهو اسلوب المحاكات المنظبط وربما ان الدروس العسكرية التي تعلمها في الكلية الحربية الصارمة وتعلمه الرسم فيها اعطت ذلك الاختيار والصفة المميزة لاسلوبه، ثم تحرر من هذا الانضباط عندما اصبح عن قرب من المدارس الاوربية مثل الواقعية والانطباعية فتأثر بهما، علما ان تركيا كانت تحتل بعض الدول الاوربية الشرقية وانها كانت متأثرة بالفن الاوربي، حيث استقدم بعض السلاطين العثمانيين عدد من الرسامين الايطاليين للعمل في البلاط..

عندما نتأمل اعمال عبد القادر كأننا نعيش في رحاب المدرسة الانطباعية ويحضر امامنا مونيه وسيزان ورينوار وذلك الجمال الذي تعكسه تلك الطبيعة الخلابة. وكان شعور الناس في زمن عبد القادر يتعاطف مع الحياة الطبيعية والواقعية والريفية لما توحي به من شاعرية وما كان لها من اثر صحي طيب، كما ان الشعراء لم يتخلوا عن ذلك المزاج الذي يشدهم الى الرعاة والفلاحين والنساء الريفيات.. وكان عبد القادر مثقفا وناضجا وكانت دوافعه تتجه نحو التغيير والاصلاح خاصة في الوجهتين الفكرية والفنية ولهذا كان جل الرواد يجتمعون معه ويستمعون الى نصائحه وارشاداته. ومن اجمل اعماله مثل لوحة ابقار على شطئ دجلة حيث تبدو فيها المياه هادئة والاشجار باسقة يضفي عليها اللون الاخضر بجميع درجاته وتلك الابقار السائرة مع راعيها.. وكأنها عبارة عن نافذة خلابة يطل بها الفنان على عالم الطبيعة وجمالها الفطري الذي يعكس لنا كل ما وجدناه في المدرسة الانطباعية وثورتها على المدارس القديمة.

 

د. كاظم شمهود

 

 

كاظم شمهودفي عام 1922 زار الملك فيصل الاول مع المستشارة الثقافية المس بيل بعض النشاطات الفنية والصناعية برفقة- الباشا نوري سعيد .حسب ما جاء في مذكرات بيل ...كما تشير كذلك عن زيارة الملك الى بعض المعارض الفنية وان هناك رسامين لهم اعمال مميزة وبارزة .... ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا لاتذكر اسماء هؤلاء في تاريخ الفن العراقي؟ واين هم؟ .. فاذا كانت اربعة قرون مضت من الحكم العثماني على العراق كانت مجهولة الثقافة والفن فهل يعقل ان مطلع القرن العشرين خالي من التدوين والمؤرخين.؟ انا اعتقد انه يمكن البحث عن هؤلاء الفنانين العراقيين من خلال السجلات الحكومية مثل وزارة التربية والتعليم سواء كان ذلك في سجلات العهد العثماني او العهد الملكي العراقي، ويمكن البحث عن ذلك ايضا في مكتبة طوب قابي في اسطنبول.

الريف في اعمال عبد القادر

2230 عبد القادر 1كانت ولازالت اعمال عبد القادر الرسام تذكرنا بالحس الريفي والفلاحي والفطرة والطيب الذي كان يلازم اهل قلعة صالح والعمارة، وتلك الاراضي الزراعية الخضراء والبيئة الجميلة والخيال الابداعي الواسع الذي يضفي على اعماله بحيث تشعر ان عبد القادر ينتمي الى الريف بكل جوارحه ومشاعره اكثر من المدينة. وكيف لا وهو ولد وعجن في تلك التربة الحضارية السومرية .

و من الملاحظ ان عبد القادر في اخر ايامه كان يضع على راسه السدارة الفيصلية او البغدادية ومن المحتمل انه كان يرتدي الغترة والعقال عندما كان في مدينته الريفية قلعة صالح وهو تقليد سائد في تلك المناطق، ثم لبس الطربوش العثماني (الافندي)، ثم استبدله في السدارة عندما حل في بغداد . ويذكر ان الملك فيصل كان في زيارة الى ايطاليا، وقد زار معمل لصناعة السدائر بصحبة ماسوليني، فطلب ان تستورد بعضا منها وكان اول من لبسها هو الملك فيصل وكانت ذات لون اسود وعالية الشكل لها اخدود من الاعلى، ثم لبسها الوزراء، بعد ذلك عممت على الجيش والشرطة واخذت حجما صغيرا . وقد لبسها كبار رجال الدولة ومثقفيهم مثل الشاعر الرصافي والزهازي وعلي الوردي وغيرهم .

2230 عبد القادر 2

اختفاء اعمال عبد القادر

يذكر ان متحف الرواد سابقا كان يقع في شارع الرشيد في بناية قديمة يعتقد انها تعود الى عبد الرحمن الكيلاني النقيب 1841-1927 رئيس اول وزارة عراقية بعد تنصيب الملك فيصل الاول وكان يشغل ايضا نقيب اشراف بغداد، ويعود في نسبه الى الرسول –ص- . بعد ذلك اصبحت البناية منتدى المسرح العراقي، وكان المتحف يضم - 72 - لوحة تمثل خيرة اعمال عبد القادر الرسام ، كما كانت له اعمال اخرى محفوظة في متحف الفن الحديث كولبنكيان . وفي عام 2003 بعد سقوط النظام اختفت هذه الاعمال مع غيرها من اعمال الفنانين الرواد والتي تعد بالمئات .. ويذكر انه في عام 1940 عاد جواد سليم الى بغداد وقطع دراسته من ايطاليا بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية، وقد دعى اصدقاءه من الفنانين والمثقفين الى الاجتماع به لمناقشة تطورات الاحداث العالمية وانعكاساتها على فتوة الفن العراقي المعاصر .. ويذكر ان بيت جواد كان مزينا بلوحات عبد القادر حيث اطلع عليها الحاضرون وتم الاحتفال بعودة جواد وكذلك بمعرفة اعمال عبد القادر، ولكن اين اصبح مصير هذه الاعمال؟ .. بعض النقاد يذكر ان الحاضرين عرفوا اعمال عبد القادر لاول مرة من خلال جواد سليم، ويقارنون ذلك بما حدث لبيكاسو مع الفنان الفرنسي الفطري هنري روسو عندما قدمه لاصدقاءه في احتفالية خاصة ومن ذلك الحين اشتهر روسو .. انا اعتقد ان هذه المقارنة غير موفقة فعبد القادر كان معروفا في الوسط الحكومي والثقافي من خلال تاريخه المجيد كرسام في الدولة العثمانية وقد اكتحلت عيون العراقيين برسومه وتصاويره الزيتية التي كانت تزين القصور العثمانية وبيوت الاغنياء والباشوات وكذلك الصور الشخصية والمناظر الخلابة التي تمثل الريف وحقولها والجبال والانهار والاماكن المقدسة بمنائرها وقبابها الخضراء . وكان معروفا في الوسط الاجتماعي قبل ان يلد الجيل الثاني من الرواد، وكذلك كان معروفا بين اصدقاءه الضباط الذي درسوا معه في اسطنبول ثم اشتغلوا في السلك التعليمي في بغداد مثل الحاج محمد سليم ابو جواد ومحمد صالح زكي وعاصم حافظ وغيرهم .

نبض العراق

2230 عبد القادر 3كان عبد القادر الرسام مشغولا في رسم الطبيعة وحبه لها بينما كان الفنان الغربي مشغولا في تحليل الالوان وتفكيك الاشكال واحالتها الى سطوح وخطوط والغاء المنظور والبعد الثالث وبالتالي كان عبد القادر يمثل نبض الطبيعة العراقية وضميرها الحي . ومن خلال رؤية اعماله يمكن ان نعيد ذكريات تلك الحقبة بعاطفة كبيرة ونستعيد مشاهد الماضي الجميل وعندما نتأملها كانها طبيعة ناطقة حيث نشعر بحركة الاشجار واصوات الماشية ورجة الماء وحركة الناس .. هذه الفضاءات تقدم لنا الاندماج الكامل للفنان مع الطبيعة وحبه لها . ويذكرنا ذلك بجماعة باربيزون الذين خرجوا ليرسموا الطبيعة كما هي حيث تجمعو في قرية باربيزون الفرنسية عام 1830 التي تبعد عن باريس حوالي 48 كم وكان من مصوريها كورو وميه وروسو فقد رسموا الغابة والسماء والبحر والشجر وكانوا قد عملوا على تمثيل عناصر الطبيعة بدقة واقعية والتركيز على الناحية الجمالية .

كانت رؤية عبد القادر للحياة والموضوعات اخذت شكلا مخالفا لثورة لفن الحديث الذي ساد عصره فكان همه التعبير عن الواقع كما هو، يضاف الى ذلك امتازت اعماله بالبراءة والرقة حيث يقدم لنا صورا عاطفية حية عن المجتمع العراقي في ذلك الوقت ويذكرنا برسوم الواسطي ونقله لنا حياة وتقاليد المجتمع العباسي من قوافل الجمال ومجالس الطرب ودروس العلماء وترويض الخيل والعمارة العباسية وطرز الملابس الفضفاضة الى غير ذلك . وكأن عبد القادر الرسام امتدادا لحركة مدرسة بغداد في التصوير والى ذلك المفهوم الفني القديم في نقل الواقع الاجتماعي كما هو ولكن كل له عصره وطريقته واسلوبه وفهمه لذلك الواقع.

 

د. كاظم شمهود

 

كاظم شمهودكان عبد القادر الرسام من التيار الاول الذي وضع الاسس الحقيقية للفن العراقي المعاصر ولو ان الممهد الآخر لتاثيرات الفن الاوربي هو نيازي مولوي بغدادي الصوفي الذي ظهر في نهاية القرن التاسع عشر حيث كان رساما وخطاطا ومزخرفا ويعتبر حلقة وصل ما بين رسوم المنمنمات الشرقية وما بين رسوم اللوحات بالاسلوب الاوربي الذي بدا ينتشر في الاوساط الثقافية في العراق .. ولكن يضل عبد القادر خير ما يمثل فن الرسم على الطريقة الاوربية في العصر العثماني وبداية الحكم الوطني في العراق فهو يؤلف جانبا مهما من جوانب المناخ الفني في العراق بمواضيعة وبيئته وتاريخة واشراقة الوانه حيث دون مشاهده بالوعي الحسي والعاطفي . والى الجانب ذلك هو ركوبه الاسلوب والتقنية الاوربية الواقعية الحديثة، وكان التأثير الاوربي قد دخل الى المجتمع العراقي وحبب هذا اللون من الفن وترجيحه على الفنون التقليدية المحلية خاصة بعد احتلال العراق من قبل الانكليز .

البعد الفلسفي في اعمله

2214 ميساني 2اكتشف عبد القادر ان التقاليد الفنية المحلية لا يمكن ان تحقق طموحات وتطلعات الجيل الجديد وان هناك خلل في حرية التعبير الفني وفي نفس الوقت هناك ضرورة للتغيير بوعي محلي وعالمي والتعرف على صميم الفكر الانساني المعاصر بمعنى التواصل مع التراث والحضارة الجديدة التي سادت الغرب .

وكان الفن الاوربي قد خضع الى الفلسفة والنقد وظهرت نشاطات وتجمعات جديدة حكمتها ظروف حركة التغيير مما ادى ذلك الى ظهور مدارس ومذاهب فنية حديثة اعتمد بعضها على نظريات فلسفية اغريقية قديمة واخرى حديثة مثل الفلسفة الوجودية لسارتر والعقلية لديكار والفكر الاشتراكي لماركس وعلم النفس لفرويد .

2214 ميساني 1

و قد تعامل عبد القادر في لوحاته من وجهة النظر الحديثة في التعبير الفني والتي كانت تمثل التغيير الهائل في تفكير الفنان العراقي الحديث فقد كانت مواضيعه تكرس للصور الشخصية والمناظر الطبيعية والريف العراقي والمواقع الآثارية وكانت تنفذ بحساسية بصرية عالية وميل عاطفي كبير . وكانت الواقعية تمثل جزء من حياة الناس وهي غير قابلة للتغيير بسهولة وبالتالي كان عبد القادر هو بمثابة استجابة للذوق العام الجديد في ذلك الوقت، وكان برناردشو والفيلسوف الروسي تولستوي وغيرهم قد وجهوا الاذهان الى تلك الجوانب الاجتماعية واحترام اذواق الناس وان الفن هو عبارة عن واسطة الاتحاد بين البشر حيث يجمعهم معا عن طريق ما بينهم من المشاعر المشتركة . 

2214 ميساني 4فلوحات عبد القادر قائمة بمظهرها الملموس على النظرية الواقعية التي رسمها كوربيه. وانه كان يتفاعل مع الواقع العراقي الموضوعي وما يحدث فيه من تجديد وتغيير فمفرداته الفنية ماخوذة من الطبيعة كالاشجار والانهار والعمارة والآثار والاسواق والشمس والضوء وغيرها وكل هذه العناصر تساهم في بناء لوحته في اطارها البيئي والتاريخي. واتذكر قول للفنان الفرنسي ديلاكروا بان الطبيعة هي قاموس الفنان .. وكانت هذه الثقافة هي السائدة في القرن التاسع عشر وكان من اعمدتها سيزان وكوربيه ومانيه وبودلير وغيرهم .

كان عبد القادر ومن خلال محله ومرسمه في بغداد وتدريسه للطلبة هو بمثابة تأسيس اول اكاديمية مصغرة للفنون في العراق الحديث، وكانت تجربة رائدة لتربية الذوق العام ورفعه الى مستوى صف المدارس الاوربية الحديثة . وقد اثرت هذه الحركة المبكرة الجديدة على الشباب من هوات الفن فانتظم الكثير منهم تحت لواء هذه المسيرة الخلاقة والتي تعد بحق حركة ثورية وانقلابا على كل التقاليد الفنية الموروثة القديمة والاتجاه نحو الفنون الاوربية ومدارسها الحديثة فاصبح التأثير والتأثر من سمات تلك المرحلة .

2214 ميساني 3

رسام الجيش

من تقاليد القرون السابقة كان هناك للرسامين دورا مهما في مرافقة الجيوش ورسم وتسجيل الاحداث العسكرية من معارك ومعسكرات وتحركات قطعات الجيش وغيرها وهو بمثابة المصورين والصحفيين في زمننا الحاضر في تغطية الاحدات في العالم .. وينقل لنا التاريخ بان الفنان الفرنسي جاك لويس دافيد 1748-1825 زعيم المدرسة الكلاسيكية الجديدة ومن عظماء الفنانين الذين انجبتهم فرنسا كان يرافق جيوش نابليون لرسم وتسجيل الاحداث العسكرية .

كان عبد الفادر الرسام يعتبر رسام الدولة العثمانية حيث كان يطلب منه رسم معسكرات وتحركات القطعات العسكرية بين المدن والنواحي المختلفة بالاضافة الى رسمه المناظر والرسوم الشخصية للولاة والقادة، هذه الحركة والتنقل اكسبته ثقافة معرفية واسعة بطبيعة جغرافية اهل العراق من اريافه ومدنه وانهاره وجمال طبيعتها وتقاليدها فازداد حسا وعاطفة وحبا للرسم، فكان غزير الانتاج لا يضاهيه احد . ويذكر ان احد القادة العسكريين الاتراك لما راى نبوغ وتفوق عبد القادر في الرسم على غيره ساعده في منحه اجازة لزيارة المتاحف والمراكز الفنية والثقافية في ايطاليا وفرنسا وانكلترا والمانيا ومصر وغيرها، وبهذا يعتبر عبد القادر الرسام اول مبعوث عراقي يرسل الى الخارج للاطلاع ودراسة الفنون الاوربية . // ... وسنكمل مشوارنا مع عميد الفن العراقي المعاصر في الحلقة القادمة .

 

د. كاظم شمهود

 

2215 كفاح عبد الكريم 1تخوض الفنانة التشكيلية كفاح عبد الكريم حمّاد من قرية المقيبلة في مرج ابن عامر، تجربتها مع الفن واللون والشكل، لتقدم لنا لوحات فنية تعبيرية مستوحاة من الطبيعة والمكان وجغرافيا الوطن والواقع الحياتي، تتشكل فيها مفردات ومعانٍ وعناصر تشكيلية ترسمها بروحها ومشاعرها وإحساسها المرهف وفكرها الراقي.

وفي جولة مع تجربتها ينتابنا هاجس الدهشة ووعي الجمال، ونقف أمام فنانة لها مكانتها الفنية في مجال التشكيل. فالرسم موهبتها منذ الصغر، وتأخذ حيزًا واسعًا ومساحة شاسعة من حياتها، ودأبت خلال السنوات الماضية على تطوير وإثراء موهبتها بالرسم المستمر والمتواصل بوتيرة عالية، ما اكسبها خبرة ومهارة مكنتها من اثبات حضورها ومكانتها في المشهد الفني التشكيلي الفلسطيني في هذه البلاد.

2215 كفاح عبد الكريم 2

وكفاح حمّاد فنانة صنعت لنفسها عالمًا خاصًا، ولها بصمة تميزها من خلال رسوماتها التي توحي بالجمال والروعة، وتبرع في رسم الوجوه (بورتريه) والملامح والأشخاص والمناظر الطبيعية، وتحول حالات الحزن والفرح إلى إنتاج وتشكيل فني. 

2215 كفاح عبد الكريم 3

واللوحة تحلق بكفاح حمّاد إلى أماكن مختلفة وفضاءات رحبة، وهي بالنسبة لها تحمل في طياتها الكثير من المغامرة. إنها ميدان للفن والجمال واكتشاف اللون، وتساعد في خلق مساحات واسعة للخيال والأفكار، وكل لوحة تعتبر احساسًا وانفعالًا بحد ذاته، تسطر فيها مشاعر وحالات يومية وهواجس وهموم ذاتية وعامة تترجمها بلوحاتها بكل الصدق والعفوية.

2215 كفاح عبد الكريم 4

تحية للصديقة الفنانة التشكيلية كفاح عبد الكريم حمّاد، متمنيًا لها المزيد من العطاءات والإبداعات الفنية والنجاحات في مجال الفن التشكيلي، ولها التألق الدائم.

 

 كتب: شاكر فريد حسن 

 

 

مصدق الحبيبمن أجمل لوحات المدرسة الكلاسيكية الرومانسية الفرنسية وأبلغها تأثيرا على المشاعر لوحة "دفن أتالا"   l’ enterrement d’ Atala  للفنان الفرنسي آن- لوي جيروديه (1767 – 1824)  Anne-Louis  Girodet  التي رسمها عام 1808 عن مشهد من رواية الاديب الفرنسي شاتوبريون   Chateaubriand الموسومة "أتالا " والمنشورة عام 1801.

وأتالا هي الفتاة الشابة الجميلة المولودة لأم فرنسية وأب هندي أحمر والتي تحكي الرواية قصة حبها العظيم لشاب من الهنود الحمر اسمه شاكتا  Chactas انقذته من الموت بعد ان كان على وشك ان يشنق من قبل غزاة القارة الاوربيين في أمريكا في القرن السابع عشر. ينتاب أتالا شعورا قويا باللاجدوى وهما في حماية احد القساوسة المبشرين، الاب أوبري، فترى نفسها ممزقة بين حبها اللاهب لشاكتا وبين وفائها لعهد قطعته لأمها بأن تبقى عذراء طاهرة تكرس حياتها لدين امها المسيحية . وبعد يوم متعب طويل ينتصر في رأسها شعور العدمية فتقدم على الانتحار، ويصبح على شاكتا والقس أن يدفناها في كهف قريب.

2212 Atala Girodet

يصور جيروديه ببراعة ساحرة طهارة أتالا وعفتها وجسدها المتلألئ تحت خيوط شمس الاصيل  النافذة الى الكهف في مشهد مؤلم يهم فيه الرجلان بانزالها الى القبر، بينما يتشبث شاكتا بساقيها ولايريد ان يواريها تحت التراب، ولسان حالها يردد جملة من الرواية مكتوبة على جدار الكهف: ها أنذا قد ذبلت كما تذبل الازهار وذويت كما يذوي العشب ويصفر عبر الحقول".

 

مصدق الحبيب