2916 علي اليوسف ومراد غريبيخاص: المثقف: تستضيف المثقف الباحث الفلسفي المفكر الأستاذ علي محمد اليوسف ضمن مرايا فكرية، وحوار شامل أجراه معه الأستاذ الباحث مراد غريبي، حول الراهن الفلسفي، فأهلا وسهلا بهما:


 المحور الأول: التفكر الفلسفي عند الدكتور اليوسف: التشكل، المعنى، الفكر واللغة

س1: ا. مراد غريبي: من يكون الدكتور علي محمد اليوسف؟ كيف كانت بداياتكم مع المعرفة عموما والفلسفة تحديدا؟ وما هو تعريفكم للفلسفة؟

ج: أ. علي محمد اليوسف: باحث ومؤلف فلسفي مواليد مدينة الموصل 1944..

* عضو المجمع الفلسفي العربي.

* عضو الاتحاد العام للادباء والكتاب العراقيين .

* عملت في السلك الدبلوماسي لمدة ثلاث سنوات معاون مستشار ثقافي بلندن 1986- 1990

* عملت في التعليم لمدة 31 عاما قبل التقاعد الوظيفي عام 1995

* نشرت عددا كبيرا من البحوث والدراسات والمقالات في معظم الصحف والمجلات العراقية والعربية منذ عام 1972

* نشرت عددا من البحوث الفلسفية في مجلة دراسات فلسفية /بيت الحكمة بغداد ومجلة مدارك ومجلة فكر السعودية، ومجلات وصحف عربية أخرى كما نشرت سلسلة مقالات فلسفية في صحيفة الزمان بلندن وصحيفة الديار اللندنية.

* انشر حاليا على موقع المثقف العربي الالكتروني في سدني وموقع كوة الفلسفي في المغرب وموقع الحوار المتمدن وموقع فلسفة الجزائري .وموقع النور في السويد.وموقع فيلوبريس في المغرب، وموقع المجلة الثقافية الجزائرية. اضافة لتفرغي في الكتابة والتاليف الفلسفي.

حائز على:

* تكريم مؤسسة المثقف العربي في سدني بدرع الابداع للعام 2018 كافضل باحث فلسفي.

* تكريم موقع كوة المغربي عام 2020 عضو هيئة تحرير الموقع.

* لقب دكتوراه فخرية بالفلسفة من اكثر من موقع فلسفي الكتروني. .

نتاجي الفكري والفلسفي:

* مؤلفاتي الفلسفية تجاوزت 24 مؤلفا في الفكر والفلسفة صادرة في بغداد وعمان وبيروت.

* اعتبر نفسي مفكرا فلسفيا بالنظر إلى منجزي الفلسفي التحليلي والنقدي المتواضع

 مؤلفاتي:

* كتاب فلسفة الاغتراب في طبعتين الأولى عن دار الشؤون العامة ببغداد عام 2011، والثانية طبعة دار الموسوعات العربية في بيروت عام 2013. ويصدر قريبا طبعة ثالثة عن دار غيداء عمان الأردن .

* الحداثة إشكالية التوصيل والتلقي، دار الشؤون الثقافية ببغداد عام 2013 بمناسبة بغداد عاصمة الثقافة العربية ودار روافد ببيروت نفس العام.

* استقصاءات في الفكر العربي والفلسفة/ دار دجلة بعمان عام 2014.

* العولمة بضوء نهاية التاريخ وبروز ظاهرة الإرهاب/ دار دجلة بعمان 2015.

* جهات أربع: مقاربة في وحدة النص/دار دجلة بعمان 2010

* ميتافيزيقا الموت والوجود/ دار مؤسسة الانتشار العربي بيروت 2014.

* إشكالية الثقافي العربي/مغايرة التجاوز والتجديد/دار جرير بعمان 2015.

* مناظرات نقدية في الفلسفة والفكر دار غيداء 2016

* آراء ومفاهيم ممنوعة من الصرف، صدر عن دار غيداء 2017.

* الكلمات ومحمولات المعنى/ دار غيداء2019.

* افكار وشذرات فلسفية /دار غيداء/2019.

* نقد الفلسفة الغربية المعاصرة دار غيداء 2019

* العقل والوجود في الفكر واللغة. دار غيداء 2019

* قضايا فلسفية في المنهج المادي الجدلي دار غيداء 2019.

* مناظرات نقدية في الفلسفة والفكر دار غيداء 2020.

* قراءة نقدية في مباحث فلسفية غربية معاصرة عن دار غيداء 2020 يصدر قريبا عن دار غيداء بالاردن ايضا.

* مأزق التحول اللغوي في الفلسفة المعاصرة دار غيداء 2021

* تحت الطبع:الزمان والفلسفة /الدين والفلسفة /فلسفة الاغتراب طبعة ثالثة/ الفلسفة الغربية المعاصرة .. رؤية نقدية.

مارست النشر في الصحف العراقية والعربية منذ سبعينيات القرن الماضي، وانتقالتي الثقافية النوعية كانت نحو الفلسفة تحديدا في عام 2004 حين اصدرت كتابي فلسفة الاغتراب طبعة محدودة على نطاق مدينة الموصل ونشر بعدها بطبعتين الاولى عام 2011، عن دار الشؤون الثقافية ببغداد والطبعة الثانية عن دار الموسوعات العربية في بيروت عام 2013، ويصدر طبعة ثالثة عن دار غيداء بالاردن قريبا.

حيث إنتقالاتي هذه، لم تأت حصيلة دراسة اكاديمية، بل جاءت نتيجة تراكم خبرة ثقافية متنوعة مارستها كتابة ونشر لما يزيد على اربعين عاما، اذ كتبت مجموعة شعرية بعنوان (توهج العشق .. احتضار الكلمات) وكتبت في متنوعات الاجناس الادبية في القصة القصيرة والنقد وفي الثقافة عموما فكانت الحصيلة صدور كتابي (جهات اربع .. مقاربة في وحدة النص) صدر عن دار دجلة في عمان عام 2010.

استطيع اختصر لماذا تحوّلت حصيلة مجهوداتي في النشر والتاليف الادبي والثقافي عموما لتستقر في الفلسفة:

- الاولى أصبح عندي نفسيا ميلا شديدا نحو الفلسفة يؤمن لي هاجسي المدفون في اعماق تجربتي الادبية والصحفية المتواضعة التي وجدتها لا تلبي ما يعتمل في دواخلي النفسية الفكرية من ميل كبير نحو الفلسفة. حيث نضجت تماما عندي في منشوراتي ومؤلفاتي الفلسفية بعد عام 2015 تحديدا.إذ كانت كتاباتي ومؤلفاتي مزيجا من الادب والفكر تتخللها مطارحات فلسفية.

- الثاني اني لم اكتب مقالا واحدا بالفلسفة متاثرا بالنمط التقليدي الاكاديمي والمترجم في نسخ اجتزاءات من تاريخ الفلسفة تعنى بفيلسوف معيّن بشكل حرفي اكاديمي استعراضي يعتمد مرجعية ومصدر تاريخ الفلسفة في متراكمه الاستنساخي الثابت المعاد والمكرر، كما وردنا في قناعة خاطئة على أن تاريخ الفلسفة لا يحتمل النقد النوعي في التصحيح أو الاضافة بل إعتماد النسخ الاستعراضي المشبع بالتمجيد المجاني.وكان السائد أن تاريخ الفلسفة هو من القدسية التي مرتكزها الثابت إعادات وتكرارات لسير ذاتية تخص حياة ومنجزات فلاسفة قدامى ومحدثين منسوخة اعمالهم في الترجمة الحرفية اشبعت تناولا فلسفيا عند عشرات من الاكاديمين العرب العاملين على ترجمة قضايا الفلسفة الغربية في غياب منهج النقد من جهة والشعور بعدم الندّية المتكافئة مع آراء اولئك الفلاسفة بالحوار الموضوعي فلسفيا.

- بخلاف هذا المعنى والتوجه مارست الكتابة الفلسفية (نقدا) منهجيا عن يقين ثابت لافكار كبار فلاسفة غربيين وجدت في ثنايا مقالاتهم وكتبهم الفلسفية ثغرات خاطئة لا يمكن التسليم والاخذ بها وتمريرها كمسلمات دون مراجعة نقدية صارمة لعيوبها المستترة خلف اسم وفخامة وسمعة الفيلسوف فقط في غض النظر على صعيد مناقشة افكاره. واترك مسالة التوفيق والنجاح في مسعاي النقدي الفلسفي في كتاباتي ومؤلفاتي للقراء والمتخصصين في الفلسفة.

- من الجدير الذي اود التنويه عنه اني كنت في مسعاي المنهج النقدي الفلسفي وهو مشروع بدئي عربي متواضع صائبا في تقديري سبقني به غيري، أن تاريخ الفلسفة الغربية قديمها وحديثها مليء بالمغالطات والاخطاء القاتلة وميتافيزيقا الافكار ومقولات فلسفية وهمية سفسطائية لا قيمة حقيقية لها تقوم على مرتكز مخادعة التفكير الفلسفي ذاته وليس مغالطة معنى اللغة في التعبير عنه.

- اذ كانت البداية الحقيقية في نظرية التحول اللغوي ومتابعة فائض المعنى اللغوي علي يد فيلسوف البنيوية دي سوسير عام 1905 ليعقبها بعد ذلك فينجشتين وفلاسفة البنيوية وعلماء اللغة تلتها الوضعية المنطقية حلقة فينا اعقبتها تاويلية بول ريكور وتفكيكية جاك دريدا ليستقر مقام فلسفة اللغة التي اصبحت الفلسفة الاولى في تاريخ الفلسفة الحديث منتصف القرن العشرين بعد تنحية ابستمولوجية فلسفة ديكارت كفلسفة اولى جانبا والتي استمرت قرونا طويلة. وبعد استلام فلاسفة وعلماء اللغة الاميركان راية فلسفة اللغة من الفرنسيين والالمان والانكليز حلقة اكسفورد في فلسسفة اللغة التحليلية الوضعية بزعامة براتراند رسل، جورج مور، كارناب. فينجشتين وغيرهم.

خلاصة كل هذا التطور في تاريخ الفلسفة كان هاجسه تاكيد حقيقة أن تاريخ الفلسفة معظمه كان افكارا وهمية سببها المباشر الاول عدم دقة فهم تعبير اللغة في تناول قضايا فلسفية مفتعلة لا قيمة حقيقية لها، ولم يتم التنبيه الى معالجة اخطائها الفادحة الا في وقت متاخر مع ظهور فلسفة اللغة والتحول اللغوي في نظرية المعنى. ولي في عدة مقالات منشورة وموزعة في ثنايا مؤلفاتي رأيا توضيحيا في معنى التحول اللغوي وفلسفة اللغة والى ماذا اوصلت تاريخ الفلسفة ربما يتاح لي عرضه لاحقا.

 س2: ا. مراد غريبي: بحكم تبحركم في اغوار التراث الفلسفي ومديات الفلسفة الحديثة والمعاصرة هل لديكم تعريف خاص بكم للفلسفة؟

ج2: أ. علي محمد اليوسف: أقولها بأمانة وصراحة أني في كل كتاباتي المنشورة ومؤلفاتي لم اكن سوى طالب معرفة فلسفية لا زلت امارس رغبتي هذه من منطلق استزادة الاطلاع على مباحث فلسفية اجنبية غربية تحديدا، ولم أبلغ مستوى التبحر في أغوار التراث الفلسفي الذي لا يسعني استيعاب النزر اليسير منه بما يحتويه من متراكم خبراتي فلسفي تاريخي لا يمتلك رغم ضخامته تزكية الصواب المليء بالحشو الزائد.

أستطيع القول في نقاط:

* أن انتقالاتي في الكتابة الفلسفية التي لا تتمحور في غالبية مؤلفاتي في منحى فلسفي واحد تعطي إنطباعا لا أنكره على نفسي وبعض الاساتذة الباحثين في المجال الفلسفي اني استطعت تجاوز حاجز الكتابة التخصصية في موضوع فلسفي معين واحد.

* منهجي الفلسفي الذي إعتمدته بكتاباتي تحكمه الضوابط المنهجية التالية التي لم أحد أو أتراجع عنها:

- عدم التزامي المنهج الاكاديمي الذي يعتوره إستنزاف مجهود الباحث في تغطية سطحية التناول الإستعراضي (مرجعية ثبت هوامش المصادر والمراجع) باللغات الاجنبية في التناول الفلسفي الذي يعتمد الترجمة الحرفية وبتقديس مسرف لما يقوله الفلاسفة الغربيون على أنه يمّثل حقائق الامور. الفلسفة أكاديميا في التدريس والتلقي عند الطلبة في الجامعات العربية من أسوأ أخطائها أنها غيّبت الحس النقدي الممنهج على حساب ترسيخ إعتياد الحفظ والاستظهاراليقيني الساذج بعيدا عن الرؤية المنهجية النقدية.

- عمدت الابتعاد التام الكامل عن كتابة العروض الهامشية لافكار فلسفية وردتنا بهالة من المكابرة الفارغة التي أسبغناها عليها، في إهمالنا أهمية ممارسة النقد الفلسفي وبذر نواته لدى طلبة الفلسفة واساتذتها اننا لا يجب ان نتهيب اسم الفيلسوف في اعدام حقنا المكتسب ضرورة ممارسة منهجية النقد في دراساتنا الفلسفية. واستطيع القول بكل ثقة وامانة اني لم اكتب مقالة فلسفية واحدة لم امارس فيها منهج النقد الفلسفي في مقارعة الحجة بالحجة من منطلق التكافؤ الفكري لا من منطلق مشاعرالاحساس كما يروج له البعض ويمارسه من عتبة الادنى بالنسبة لفلاسفة غربيين. ولم أقرأ لفيلسوف غربي أجنبي لم يلازمني في افكاره هاجس النقد في بعضها رغم كل إعجابي به كفيلسوف صاحب نظرية فلسفية خاصة به..

س3: ا. مراد غريبي: سعادة الدكتور اليوسف استسمحكم: العديد من القراء لكم يطرحون سؤالا على جانب من الوجاهة:

- لماذا كانت كل كتاباتك ومؤلفاتك هي عن الفلسفة الغربية فقط، ولم تتناول الفلسفة العربية الاسلامية كما فعل العديد من المفكرين العرب الكبار بهذا المجال؟

ج3: أ. علي محمد اليوسف: أستطيع تثبيت وجهة نظري حول هذا التساؤل بالتالي:

1- لا أمتلك التخصص الاكاديمي الفلسفي في الفلسفة العربية والاسلامية التي تطغى عليها مركزية مراجعة التراث في تدوير منطقي لا يخرج الا نادرا قليلا في تناول قضايا فكرية فلسفية مالم تكن متوازية مع تطويعها لفقه الاجتهادات الدينية الاسلامية.

وهذا مؤشر جوهري أن الباحث في الفلسفة العربية الاسلامية لا يمتلك حرية النقد المنهجي الموضوعي الا وهو مغترب يعيش في بلاد المهجر. طبعا يوجد استثناءات معاصرة مارسها استثنائيا مفكري المغرب العربي في مرحلتي القرون الوسطى الاوربية وفي مرحلة الفلسفة المعاصرة التي تقوم على ثنائية اصطراع التراث والحداثة التي لم تنتج لنا مشروعا فلسفيا بل انتجت لنا صراعات فكرية على مستوى النخب الفكرية الفلسفية..

2- ما يطلق عليه فلسفة عربية اسلامية تمتلك هويتها المستقلة ومشروعها الفلسفي الخاص بها لا وجود لها لا قديما ولا حديثا ماعدا استثناءات وردت في التماعات فلسفية كانت ضمن عروض افكار الفلاسفة الغربيين. اذا كان المقصود بالفلسفة العربية الاسلامية هي الفلسفة التي سادت منذ القرن الحادي عشر الميلادي فهي ليست فلسفة معرفية وانما هي فلسفة كتابة هوامش وتوثيق تدويني قامت بمهمة الحفاظ على ماوردنا مترجما عن الفلسفة الغربية اليونانية القديمة وبعضا من فلاسفة فارس والصين والهند، وهي الفلسفة التي إخطت لها مسار الترجمة عربيا قديما منذ القرن الرابع الهجري وما تلاه في حكم الخلافة الاسلامية في العصر العباسي وتحديدا زمن خلافة المامون الذي فتح مغاليق الاحتجاب عن الفلسفات الاجنبية السائدة آنذاك في الصين وبلاد فارس واليونان في تاسيس بيت الحكمة وتشجيعه الترجمة العربية لانجازات اجنبية فلسفية وادبية وثقافية عموما..

أما أن نقصد بالفلسفة العربية الاسلامية التي أنتجت لنا ابو حيان التوحيدي والفارابي وابن سينا وابن باجة وابن طفيل وابن خلدون وابن رشد..

أ. مراد غريي: استسمحكم الدكتور والغزالي كذلك

... فقد كانوا اصحاب مشروع فلسفي لم يكتمل وانتكس بسقوط غرناطة وانتهاء الوجود الاسلامي في الاندلس 2 يناير /كانون الثاني 1492 ميلادية الموافق 897 هجرية. وظهور بوادر خلاص اوربا من عصور تخلف القرون الوسطى وبداية اكتشاف القارة الامريكية. اضافة الى بروز خلاف مستحكم اشار له الفيلسوفين محمد عابد الجابري ومحمد اركون وبعض مفكري وفلاسفة المغرب العربي المعاصرين بين العقل المشرقي المستقيل الذي كان حجر عثرة في ترسيخ الجمود ومحاربة الاجتهاد الفكري الثقافي عموما الذي إمتاز به العقل المغربي العربي الخلاق القائم على موروث حضارة الاندلس اكثر من اعتماده الموروث الفلسفي المشرقي الذي غلبت عليه نزعة التصوف الديني والاشتغال الفقهي الاسلامي..

3- لعلي لا اكون متجنيا متنكرا لميراثنا التاريخي بمجمله هو اننا لم نجد على مدى عصورنا أن قام بعض مفكرينا وفلاسفتنا باكثر من محاولة تطويع الفكر الفلسفي اليوناني المترجم المنقول الى سجنه خلف قضبان المنع والتحريم وعدم التقاطع مع مفردة فقهية اسلامية واحدة باسم تغليب مفردة الفلسفة على فقه الدين. فكان ما نطلق عليها فلسفة عربية اسلامية لا تستطيع امتلاك حرية الاجتهاد الفلسفي من جهة كما ولا تمتلك امكانية الخروج على نوع من توفيقية مخاتلة تلفيقية مهادنة مع الدين تستطيع تسمية الاشياء بمسمياتها الحقيقية، فبقيت اسيرة شروحات غير خلاقة ولا مبدعة في مجال تحقيق هوية فلسفية عربية اسلامية خاصة. واذا سمحنا لانفسنا المقارنة بين الفلاسفة المسلمين المحافظين وبين فلاسفة الصوفية المنكوبين الذين تمت تصفيتهم ببشاعة رهيبة لادركنا جيدا لماذا تسّيد منطق الجمود وغلبته منطق وفلسفة التجديد والانفتاح عند الفلاسفة العرب الذين حاولوا التوفيقية التلفيقية بمداهنة سطوة الفقه الاسلامي مدعومة من الحاكم مع العروض الفلسفية. وغالبا ما كان الاجتهاد الفلسفي العربي الاسلامي يحتجب خلف مرويات من القص الذي تتسيده لغة الالغاز والايهام في إعتماد اللغة على لسان الحيوانات.2916 علي اليوسف ومراد غريبي

س4: ا. مراد غريبي: جميل جدا سعادة الدكتور اليوسف، وماذا عن تعريفكم الخاص للفلسفة؟

ج4: أ. علي محمد اليوسف: أود قبل تعريفي لها الاشارة الى عدم وجود تعريف يكون مصطلحا جامعا متفقا عليه. من حيث تعريفات الفلسفة هي من الكثرة بعدد تعريفات الفلاسفة الذين يعرّف كل واحد فيهم الفلسفة بضوء مرجعية تفلسفه هو لا مرجعية غيره في حب الحكمة منذ القرن السادس اليوناني قبل الميلاد. وكي لا اثقل واطيل على القاريء في ضرب العديد من الاستشهادات المختلفة بلا حدود حول تعريف الفلسفة اقول تعريف الفلسفة بالنسبة لي الذي أرجو ان اكون موفقا به: الفلسفة تعبير منطقي لغوي تجريدي يحاول فهم الحياة بشكل مغاير تماما عن فهم المجموع لها وليس من مهام الفلسفة تغيير حياة الناس، لأنها تجريد غير خاضع للتطبيق بالحياة كما ذهب له كلا من ماركس وراسل على السواء رغم مادية الاول ومثالية الثاني.

س5: ا. مراد غريبي: رائع جدا، طيب دكتورنا العزيز، أي المناهج الفلسفية استقطبتكم ولماذا؟

ج5: أ. علي محمد اليوسف: قبل الجواب المباشر عن التساؤل الذي ساورده لاحقا اود الاستطراد قليلا حول مفهوم المنهج الفلسفي.

- هل المنهج ضرورة معرفية تلازم الباحث بالتفكير ومعالجته لقضية أو مشكلة هي قيد الطرح والمناقشة والتجاذب التنظيري المختلف بشأنها؟

- ما المقصود بمنهج البحث؟

- هل منهج البحث في العلوم الانسانية هو نفسه منهج البحث العلمي الطبيعي؟ وهل كليهما يصلحان كمنهج فلسفي؟

- هل منهج التفكير يقي الباحث ويجنبه الانزلاق نحو/في التشتت التفكيري المليء بالاحتمالات ووجهات النظر المتباينة المختلفة التي تعتورها الاخطاء وتفتقد معيارية المرجع اليقين؟

حينها تكون المادة البحثية أو القضية التي يتم تناولها المعرفي والنقاشي تفتقد الرؤية التفكيرية الممنهجة في رغبة الوصول الى تثبيت حقائق مرسومة سلفا في ذهن الباحث ولا يحققها له غير منهج تناولها التفكيري. كي تخلص قراءة كل نقد لا منهجي من الضياع الفكري المشتت في ثنايا الموضوع المراد بلوغ حقائقه اليقينية.

من ناحية التعريف:

* كل منهج تفكيري هو وعي قصدي عقلي في الوصول لهدف مرسوم سلفا في الفكر قبل أعتماد وسيلية المنهج القائم على قواعد وضوابط وأحكام خارجية تحضر كقوالب أحتواء التفكير العقلي لا يحيد عنها التوزيع المعرفي الممنهج كما هو في قانون وحدة الاواني المستطرقة الفيزيائية...

بمعنى أحكام وقواعد التفكير لا يمكنها الخروج على ما هو معد سلفا لها من قوالب تحتويها في تطويعها لما يراد صبّه فيها من قضايا باسم المنهج الفلسفي كما اراد ذلك ديكارت.

تاريخيا:

منهج التفكير الفلسفي كان مطروحا ومارسه غالبية فلاسفة اليونان قبل سقراط وبعده وصلنا في أبرز قطبين كانت افكارهما تتسم بالمنهجية الاستقرائية والاستنباطية التي تقود الى قناعات لم تكن خارج تفكير الفيلسوف الوصول لها، كما هو حال إختلاف منهج افلاطون عن ارسطو من حيث الاطار العام وليس من حيث التفاصيل التي يكمن فيها الانزلاق الاختلافي نحو اللامنهج كقالب يمتلك محددات صارمة في الاحتواء.

فقد تكون الاطر العامة هي الغالبة في تحديد منهج التفكير ولا تمتلك التفاصيل غير الاجتهاد البحثي الانطباعي الفردي الذي ربما يكون لا ينسجم بالتبعية المنهجية مع الاطار العام للمنهج البحثي.

المنهج الذي يعتبره الباحثون الفلاسفة هو مجموعة القواعد والاحكام والاساليب التي تقود الوصول الى حقيقة الشيء هي محددات خارجية منهجية في اطارها العام لكنها لا نجدها تدخل تفاصيل المبحث قيد الدراسة المنهجية. لذا يكون المنهج اطارا عاما فقط وتغلب على معظم التفاصيل الداخلية الاجتهاد الفكري للباحث ورؤيته النقدية الانطباعية الخاصة به لا بموضوعية المنهج..

لا يوجد منهج يحكم الموضوع أو قضية البحث في مجمل اطارها العام مع تلازم محتواها.

ديكارت والمنهج:

أول من أثار أهمية المنهج في مبحث الفلسفة الحديثة على أساس يقوم على الشك الذي يقود الى الحقيقة الصائبة اليقين هو ديكارت في القرن السابع عشر في كتابه: (مقال في المنهج) الذي أصبح ايقونة فلسفية في عصره وفيما تلا عصره ايضا وفيه يجيب ديكارت على سؤال مالمقصود بالمنهج قوله:

"المنهج جملة قواعد مؤكدة، تعصم الالتزام بها ومراعاتها ذهن الباحث من الوقوع في الخطأ، وتمكنه من بلوغ اليقين في جميع ما يرغب معرفته دون أن يستنفد قواه في جهود ضائعة ".

 ربما سبقه بهذا التوجه بيكون في كتابه الاورجانون عام 1600م، والفرق بين الاثنين هو أحدهما:

- ديكارت كان يبحث عن المنهج التفكيري الفلسفي العلمي على نطاق منطق الفكر التجريدي في المعرفة.

- وبيكون كان يضع عتبات المنهج التجريبي العلمي في فهم الحياة بواقعيتها.

رؤيتي حول المنهج:

بالنسبة لي أجد في المنهج أنه: أسلوب تفكير عقلي في فهم الحياة، وهذا المنظور قائما على أن قوانين العقل تعلو قوانين الطبيعة في ثباتها وتصنع قوانين الحياة في تطورها. لذا لا اجد هناك مثالية بالمنهج كما مارسه الفلاسفة المثاليين الذين يفهمون المنهج كما ارساه ديكارت بالفلسفة على انه وسيلتنا في اكتساب المعرفة المجردة. بمعزل عن مهمة تغيير الحياة التي نحياها. اعتمدت في كتاباتي المنهج المادي الجدلي بمفهومه الابستمولوجي وليس بمفهومه الايديولوجي العقائدي ممثلا بالماركسية. هذا الفرق كنت على دراية الفرز فيه عندما هجر ماركس الفلسفة حين نال شهادة الكتوراه بالفلسفة عام 1881 عندما وجد استحالة تحويل منهج التفكير الفلسفي تجريديا القيام مقام ما كان يسعى تحقيقه في البحث عن ايديولوجيا سياسية تتولى تغير واقع التفاوت الطبقي في الاقتصاد السائد مجتمعيا فهجر الفلسفة وكرس معظم حياته في كتابة رأس المال معتمدا مرجعية الاقتصاد السياسي وليس تجريد نظريات الفلسفة. بخلافه تماما كان بريتراندرسل مؤمنا ايمانا راسخا انه ليس من مهام الفلسفة تغيير الحياة ولا حتى الانتفاع منها حين وصف الفلسفة البراجماتية الذرائعية الامريكية انها فلسفة نذلة خسيسة تسعى تحقيق المنفعة.

وفي وصولي الى قناعة لا يمكن تغييرها في حقيقة الفلسفة تجريد منطقي متماسك مستقل في بناه الفكرية عن معالجة قضايا الحياة كما تفعل ايديولوجيا السياسة وتجارب العلوم الطبيعية التطبيقية اتخذت من المنهج المادي الجدلي وسيلة تفكير في فهم قضايا الفلسفة بما هي فلسفة وليست بما هو ليس منها ان تكون علما تجريبيا أو أيديولوجيا سياسية وهو ما يلمسه واضحا القاريء في بعض كتاباتي.

س6: ا. مراد غريبي: هل الفلسفة غايتها انتاج علوم الطبيعة والانسان والكون ام ماذا؟

ج6: أ. علي محمد اليوسف: يقول ويل ديورانت في كتابه المرجع قصة الفلسفة (أن العالم نظام لكنه ليس موجودا في العالم نفسه، بل الفكر الذي عرف العالم وأدركه هو المنّظم لهذا العالم، وأن قوانين الفكر هي قوانين الاشياء) ونجد أهمية مناقشة رأي ويل ديورانت بضوء أن هيجل يعتبر أيضا (قوانين الطبيعة هي قوانين العقل التنظيمية، وقوانين المنطق وقوانين الطبيعة شيء واحد).

ربما تبدو مصادرة فكرية متسرعة غير لائقة أن لا نعتبر فكر الانسان لم ينّظم عالم الطبيعة الا في قوانينها المكتشفة له علميا فقط، وأنه نظّم عالم الاشياء المدركة من حوله لكن تم ويتم ذلك في تأكيدنا حقيقتين أثنتين:

 الأولى: أن عالم الاشياء لم يكن قبل أدراك الانسان له غير موجود بأية صورة أو شكل من أشكال الوجود المنظّم سواء أكان ذلك الوجود السابق منظما بقوانين ثابتة كما هي الطبيعة أم تحكمه قوانين عشوائية متغيرة موضوعيا في تداخلها مع أدراكات الانسان لها وتعديل وجودها كما في عالم صنع الانسان لحياته في كل مناحيها بعلاقته بظواهرالطبيعة ومواضيعها، بمعنى أن وجود عالم الاشياء سابق على أدراك الانسان له، وتنظيم الانسان لوجود عالم الاشياء هو الحافز الاساس لإدراكه تلك الموجودات، والعامل الأهم أنه ينظم مدركاته للاشياء التي هي بالنتيجة تنظيم حياته ووجوده، والفكر الانساني لا يعمل في فراغ وجودي مادي أوفي فراغ غير موضوعي متخيّل من الذاكرة ولا في فراغ تجريدي ذهني يلغي مؤثرات علمية ثابتة ومعرفية عديدة في فهم وبناء الحياة الانسانية...

فالفكر نتاج عقلي لا يعمل بغياب موضوع تفكيره، بل الفكر قوة مادية يكتسب ماديته من الجدل المتخارج مع موضوعه.. والفكر من غير موضوع مدرك له غير موجود في نظام العقل في وعيه الاشياء، أي لا يعي أدراك ومعرفة الموجودات،لأن غياب موضوع الادراك يعني غياب وجوده المادي أو المتخيّل الذي يعطي الافكار نظامها الادراكي المقبول المتسق بين موضوع الادراك وإدراكية الانسان العقلي له ..

 الثانية: في إشتراط توفرها في الفكر لكي يكون فاعلا منتجا، أنه لا وجود لشيء بظواهر وماهية أي متعيّن في شكل ومحتوى مادي يدركه الانسان في الطبيعة وعالم الاشياء انطولوجيا لا يتمتع بنوع من القوانين التي تحكم علاقته الذاتية الخاصة به كجوهر وصفات، مع العلاقة الادراكية بالانسان كفعالية فكرية تنظم وجود الاشياء وتعمل التعريف بها وإكسابها تخليقا وجوديا مستحدثا، وأن ما يخلعه الفكرالانساني من معارف في تعديله تلك القوانين في عالم الاشياء أنما هي قوانين إدراكية فكرية لم تكن موجودة قبل ملازمة الاشياء للفكرالانساني لها الذي يريد فهمها وتفسيرها وتنظيمها،.. وليست قابلية الفكر الانساني إنشاء قوانين تخليقية بغية إيجاده كائنا او شيئا آخر جديدا لم يكن موجودا كما يرّوج له فلاسفة المثالية...الفكر لا ينتج عوالم الاشياء ماديا في وجودها الطبيعي من لا شيء متعيّن يسبق وجوده تفكيرالانسان المنظّم به....وعالم الاشياء والموجودات في الطبيعة هو عالم مادي رغم أن وسيلة تخليقه وبنائه المعرفي تقوم بالفكر واللغة التعبيرية المجردة التي تعتبر بمثابة المنهج والدليل الذي يقود الانسان الاهتداء به كنظريات وقوانين في تغيير عوالم الاشياء وفي مدركات الطبيعة معا..

 إن نظام العالم الطبيعي الخام ونظام العالم الانساني المخترع المصنوع كيفيا متمايزا ومبتكرا في قوانينه في تلازمهما معا عرف بهما الانسان كيف ينظّم أفكار أدراكاته بما يفيده منها في عالم تفاعله الادراكي مع عوالم الاشياء من حوله، كما أن الانسان في تخليقه لعالمه الانساني المتطور علميا ومعرفيا وعلى مختلف الصعد والنواحي وفي كافة المجالات لم يستمد تقدمه الا بمفارقته (وهم) فرضية أن قوانين الفكر التي يبتكرها ويخترعها الانسان تسعى في حقيقتها المطابقة مع قوانين الاشياء بما يقعد تطور وتبديل وجود الاشياء المحكومة بقوانين ذاتية وموضوعية ثابتة قبل محاولة الانسان تغييرها من جهة، كما أن مطابقة الافكار لموجودات الاشياء والقوانين التي تحكمها ليس رغبة الاكتفاء بمعرفتها دون أرادة تغييرها وتبديلها،وبغير ذلك نجعل من الفكر مثاليا أبتذاليا ساكنا في علاقته بواقع الاشياء في وجودها المادي الساكن أيضا في الطبيعة، وبذلك لا يتم تبديل الواقع بالفكر، ولا تطوير الفكر بعلاقته الجدلية بتغيرات وتحولات الواقع....

الفكر الذي يعمل على تطوير واقع الاشياء إنما هو الآخر يتطور في مجاراته تطورات الواقع ومجاوزتها في تعاليه عليها باستمرار...الحقيقة المادية أن الواقع يخلق تفكير الانسان لكن تغيير الواقع تقع على مسؤولية وعاتق الانسان وليس مسؤولية تجريد الفكر.

وفي الفرضية الخاطئة التي تقود الى نتيجة خطأ أيضا هو في أعتبار عملية أدراك الانسان الاشياء هو في سعيه مطابقة قوانينه المستحدثة مع قوانين الاشياء في وجودها قبل إدراكها وهو إفتراض وهمي غير حقيقي ولا يمكن الانسان فهم وتنظيم عوالمه الحياتية بهذا التنميط من التفكيرالسلبي مع إدراكاته لعوالم الاشياء في وجودها الطبيعي.. بل أن تداخل الاشياء المدركة مع الفكر في جدل ثنائي متبادل يكسبهما كلاهما التغيير والتطور وبغير هذا الفهم معناه نفي أن يكون هناك فائدة من وعي الانسان لموجودات الطبيعة وأستحداث رؤيته وقوانينه لها..

النتيجة التي يحرزها الفكر بالنهاية من هذه العملية هو أن تكون قوانين الفكر هي قوانين الاشياء في الواقع... بمعنى أصبح ما نمتلكه عن الاشياء من افكار نتيجة مدركاتنا لها هو وحده الذي يعطي وجودها الحضور الواقعي في حياتنا...

في عالم الاشياء التي جرى اختراع وسائل تغييرها وخلقها المتجدد من قبله...

عن جدلية العلاقة بين الفكر والواقع

لا يوجد علاقة جدلية بين الواقع المادي والفكر كما هو متداول في ادبيات النزعات المادية الفلسفية، بل علاقة الفكر مع الواقع هي علاقة تكامل تخارجي معرفي بينهما فقط.

كما لا تمتلك الاشياء قوانينها الخاصة التي تقود الفكر الانساني بها وتجرّه وراءها، بل العكس من ذلك الفكر في إدراكاته الاشياء وعالمه الانساني الواقعي هو الذي يقود تبديل وتغيير الاشياء وقوانين وجودها قبل تدّخل إرادة الانسان في وجوب تغييرها نحو الافضل بالنسبة له وليس بالنسبة للاشياء في محيطه الادراكي، الاشياء وموجودات العالم الخارجي لا قيمة حقيقية لها ولا وجود مؤثر من غير إمتلاك فكر الانسان لها وإيجادها متخلقّة ثانية في نمط متجدد من التخليق التطوري المستمر لها على الدوام من قبل الارادة الانسانية...

س7: ا. مراد غريبي عفوا، أستاذنا الفاضل دكتور علي اليوسف، ما علاقة الفكر بالواقع المادي للاشياء؟

ج7: أ. علي محمد اليوسف: وجود الاشياء في الطبيعة كان وسيبقى وجودا ناقصا ومبهما غير واضح يستهدي بما يخلعه عليه الفكر الانساني من تخليق لا يمثل أستجابة ورغبة العقل الانساني مطابقة نظام الاشياء في وجودها مع مبتكراته الفكرية في تخليقها وتنظيمها مجددا، بل في سعي الفكر الانساني تعديل وتغيير تلك القوانين بما يجعل الفكر الانساني يصنع قوانين عوالم الاشياء من جديد، ولا يسعى التطابق معها في معرفتها وتفسيرها فقط...

من المهم التأكيد أن الفكر الانساني هنا لا يتعامل مع قوانين الطبيعة وموجوداتها ومكوناتها غير المكتشفة والمدركة من قبله،وليس كل ما يعرفه الانسان من قوانين الطبيعة الثابتة المكتشفة يصار الى تغييرها لمجرد التغيير في إثبات قابلية الفكر الانساني التطورية والتغييرية...

فهناك قوانين مكتشفة في الطبيعة جاهزة في تنظيمها وإتقانها لتوضع في خدمة الانسان من غير الدخول في مهمة تخريبها بإسم تخليقها وتجديدها..

مثلا: ما أهمية أن يقوم الانسان بمحاولة يائسة بائسة في عجزه تغييره نظام الجاذبية؟؟

هنا لابد لنا من توضيح إلتباس قد يقع فيه البعض حول علاقة الفكر بالواقع المادي للاشياء... أننا نسلّم بحقيقة أن الفكر إنعكاس للوجود السابق عليه دوما، لكن الفكر لا يدخل مع أدراكه الموجودات بعلاقة ميكانيكية ساكنة تكون الغلبة فيها والارجحية لموجودات الاشياء الواقعية قيادتها هي للفكر في توجيهها له كما تذهب الفلسفات المثالية، بل الفكر في إدراكه الموجودات يدخل معها في جدل متبادل تخليقي تكون الكلمة النهائية فيها للفكر وليس للوجود الذي أصبح غيره الوجود بعدما جرى تخليقه فكريا،من هذا التوضيح نفهم أن الوجود لا يقود الفكر بل الفكر هو الذي يدرك الوجود ويقوده ويعمل على تخليقه في تجديد متطور على الدوام.. الوجود حافز مدرك لانتاجية الفكر، لكنه – الوجود - يعجز عن إنتاج قوانين جديدة غير ثابتة فيه بمعزل عن قيادة الفكرله..

 والفكر يخلق نظام الاشياء التي ليس لها قوانين منتظمة خاصة بها أو لا تمتلك تلك الموجودات حضورا وجوديا فاعلا قبل إدراك الفكر الانساني التخليقي لها، ومن دون إدراكات العقل وإبتكاره قوانين غيرموجودة وغير محدودة في تشكيل وبناء عوالمه لا يكون هناك قوانين للاشياء يجدها الانسان مطابقة ومتجاوزة في وقت واحد لما أصبح يمتلكه عنها ليس ليتطابق معها بل من أجل تغييرها....

لذا نجد أن إمتلاك الانسان لقوانينه الخاصة به لا يمكنها أن تكون من وحي نظام الاشياء فقط التي يسعى الفكر الانساني عدم المطابقة معها أو أن ما يمتلكه الانسان من قوانين مبتكرة هي مستمدة من محاولته السعي مطابقتها مع قوانين الاشياء في فهمها فقط دونما تطويرها وتغييرها....

إختراع الانسان لقوانينه الخاصة في تشكيل عوالمه في الحياة التي هي دوما مجاوزة مستمرة لما يحكم قوانين الاشياء من جمود وثبات قلق في وجودها يثير رغبة الانسان أنتشالها من حالة إهمال منسي في الطبيعة الى حالة وجود متطور يعيش وجوده الحقيقي في عالم الانسان ...

ومما ضروري الإشارة له:

 أن الفكر لا يعامل جميع مواضيعه الادراكية في عالم الطبيعة والاشياء في أهمية واحدة، بل يختار وينتقي منها ما هو ضروري له بارتباطه به في تسهيل بناء حياته ومستلزمات حاجته وبقائه..كما أشرنا سابقا الوجود مصدر يلهم الفكر قوانين تخليقه، لكن الوجود يعجز أن يخلق قوانين مستحدثة جديدة يجاري بها الفكر أو يقوده بها كما هي أمكانات العقل القيام بذلك ...

لا خلاف حول حقيقة أن نظام الطبيعة في قوانينها الثابتة التي تعمل باستقلالية عن الانسان هي حقيقة مسّلم بها، وإذا نحن اعتبرنا نظام العالم الانساني المتغير في علاقته بالطبيعة مستمّدا من نظام الطبيعة الثابت فقط نكون وقعنا في خطأ ساذج، فقوانين الطبيعة الجزئية جدا هي واحدة من نظام القوانين التي تحكم الفضاء الكوني الذي يجهله الانسان كجهله معرفة قوانين الطبيعة في ذاتها غير المكتشفة...

وقوانين الطبيعة الثابتة كجوهر ذاتي غير مدرك، هي قوانين تحكم نظام الطبيعة نفسها فقط ولا يلزم من ذلك تعميم ذلك الثبات الماهوي الذاتي الغامض في قوانين الطبيعة على تشكيل نظام العالم الانساني المتغير باستمرار بمعزل عن مؤثرات الطبيعة وقوانينها غير المكتشفة...

والعالم المصنوع إنسانيا ولم تساهم الطبيعة بصنعه مباشرة يكون متغيرا بمتواليات مستمرة من التبديل.. ويبقى نظام الطبيعة نظاما مستقلا الى حد ما عن النظام الكوني في علاقته بالانسان، فهو قريب من عوالم الانسان المصنوعة لأنه في تماس مباشر مع الانسان في تكوين عالمه الذي يعتبر الطبيعة جزء منه وهي أقرب في أنتمائها للانسان عنه في أنتمائها كوكبيا لمنظومة الفضاء الكوني الذي تضيع الطبيعة الارضية فيه ذرة رمل في صحراء..

س8: ا. مراد غريبي: اذا تقصدون دكتور اليوسف أن قيمة الطبيعة أو وجود الأشياء من قيمة وجود الإنسان، ماذا عن قوانين كل من الطبيعة وعالم الإنسان؟

ج8: أ. علي محمد اليوسف: أكيد حضور الطبيعة بهذه الاهمية الاستثنائية لوجود وحياة الانسان لم تكن شيئا من دون إهتمام الانسان بها أنها جزء من عالم كوني بعيد لا متناهي سديمي لا متلاشي لا قيمة حقيقية للطبيعة الارضية المأهولة فيه، لا كما هي في حيوية وأهمية إنتسابها للانسان وإنتسابه لها وتكاملهم تكامل الأم بوليدها التي رعته وأنشاته بفضلها عليه وتأمينها له مقومات أدامة حياته من الانقراض والفناء وحمايتها له من غير أرادة واعية مسّبقة منها في درء الاخطار التي كانت محدقة به ....

 ومن غير الصحيح التفكير في وجوب مطابقة قوانين التناوب المتطابق أو المنّظم بين عالم الطبيعة وعالم الانسان المصنوع تدريجيا، أن تكون هذه المطابقة الفرضية الخاطئة سبب فهمنا صنع العالم الانساني وعلاقته بالطبيعة...

ولا يمكن خلط قوانين الطبيعة في وجوب تطابقها مع قوانين العالم فلكل منهما قوانينه الخاصة به التي يمتاز بها عدا قوانين الطبيعة المكتشفة في تداخلها مع عالم الانسان المصنوع بفضل تكامله معها، أول هذه الاختلافات بينهما أن قوانين الطبيعة كما ذكرنا ثابتة غير عاقلة مكتفية بذاتها بمعزل عن تدخلات الانسان بها..

 أما قوانين العالم الانساني فهي متغيرة متطورة باستمرار، الطبيعة مخلوق ومعطى فطري لا يعقل ذاته ولا محيطه ولا الاشياء الداخلة في مكوّناته.. أما العالم الانساني فهو تشكيل من الافكارالتوليدية المصنّعة والبناءات المتجددة باستمرار بوسائل عقل الانسان في أبداعاته بلا حدود، قوانين الطبيعة ثابتة لا تعقل نفسها بينما قوانين العالم الانساني إدراكية تعقل ذاتها وتعرف أهمية السعي نحو تحقيق أهدافها المتغيرة المتجددة دوما..ومثلما لا يعي الانسان مدركات قوانين الطبيعة غير المكتشفة التي تعبر عن ماهيتها الذاتية كونها ثابتة وتحكم وجود الانسان بعاملي الزمان والمكان اللذان لا تدرك الطبيعة أنها تحكم الانسان بهما لا أراديا وتتسيده...

يقابل هذا أن جميع قوانين الانسان المصنوعة تتحكم بالكثير مما هو في الطبيعة وتتسيدها دونما وعي منها، وفي الوقت الذي يدرك الانسان أن قوانين الطبيعة تحكمه ولا يستطيع منعها، فإنها أي الطبيعة لا تدرك أن الانسان يتسّيدها بخلق قوانين عوالمه العلمية التكنولوجية المتطورة بمعزل عن الطبيعة كما هي تفعل معه وتحكمه بعاملي الزمان والمكان من غير وعي ولا أدراك له..

تطابق قوانين الاشياء المدركة مع قوانين المنطق والفكرالمجرد عنها هو تطابق إفتعالي خاطيء متخيّل غير حقيقي على صعيد الفكر..

عندما يستمد الانسان كل تجاربه المعرفية الساكنة غير المنتجة بما أصبح يعرفه عنها لا بما يجهله فيها، ونجد المفارقة بينهما أمام حقيقة أن الطبيعة في قوانينها وقوانين الاشياء المتعالقة معها، لا تكون المصدر الوحيد في تشكيل معارف الانسان الحديثة في وضع قوانينه الخاصة به.. الطبيعة توقفت عن إلهام الانسان صنع عوالمه الخاصة به في الحياة في موازاة معرفته الطبيعة التي تراجعت أهميتها عما كانت عليه في الماضي نتيجة التقدم العلمي التكنولوجي الهائل الذي أحرزه الانسان ما جعله مغتربا عن الطبيعة متجاوزا لها في قوانينها المحدودة بالنسبة لما أصبح يمتلكه الانسان الحضاري اليوم من قوانين مخترعة علميا من قبله جعلت الطبيعة تفقد الكثير من وسائل تحجيم الوجود الانساني في أعتماده عليها كما في سابق عصور ما قبل التقدم العلمي والتكنولوجي..

كما أننا في الوقت الذي كنا نجد عجز العقل الانساني العبث في قوانين الطبيعة البشرية الثابتة غير المكتشفة له، لجأ اليوم الى استثناءه التلاعب العلمي في توجيه تركيزه على طبيعته البيولوجية الفيزيائية ذاتيا كمخلوق لا ينتسب للطبيعة كطفل رضيع بعدما شبّ في وصوله مرحلة النضج، متجّها بأنظاره نحو العلم فيما يخص فيزياء وكيمياء قوانين الوراثة وعلم الاجّنة في محاولة فك شفرات العلم للجينات والاستنساخ الخلوي للكائن الحي وغيرذلك في ميادين عديدة هائلة للعلوم في محاولة لا تشكل أهتماما مصيريا له كناتج عرضي لابحاثه العلمية في أن يتوصل معرفة أسرار وقوانين الطبيعة المحجوبة عنه معرفتها...ما عدا هذا والقليل الجزئي المحدود في مجالات أخرى، لا يمكن القول أن قوانين العقل التي تنشيء العالم بأستمرار هي على حساب خرق دائم لقوانين الطبيعة المستقلة في ثباتها وكفايتها الذاتية لنفسها في المفارقة عن قوانين العالم الانساني المصنّع علميا التي يجري أبتكارها وأختراعها المستمرين، وأمام تزايد أختراع الانسان لقوانينه العلمية المتطورة جدا أصبحت الطبيعة وقوانينها المحدودة أمامه لا تمثل هدفا يسعى الانسان لأختراقه اليوم في صرف أهتمامه عن نزعات تطويرأمكاناته العلمية في بناء عالمه الانساني الذي يشيدّه باستمرار...

الطبيعة منذ العصور البدائية الاولى لا تدرك ولا تفهم أو تعقل أنها وجدت من أجل خدمة وبقاء الانسان ولا يستطيع الانسان الجزم بذلك اليوم أيضا، ونستطيع القول أن هذه المرحلة البدائية في علاقة الانسان بالطبيعة تضاءلت وتجاوزها الانسان في تقدمه العلمي الصناعي الهائل الذي جعل أمكانات الطبيعة التي كان الانسان يقف أمامها مندهشا ومستلبا في تقزيم الطبيعة له، أصبحت اليوم محدودة ألتأثير لا تجلب ذلك الاهتمام الكارزمي الحيوي الباهر التي كانت تتمتع به الطبيعة في أستلابها دهشة الانسان بها في مراحل لم يكن تقدمه العلمي الحضاري يؤهله مثل ذلك الاستغناء عن أهمية الطبيعة غير المحدودة في حياة الانسان وأستمرارها، لكن الانسان لازال يدرك أنه جزء من الطبيعة في وجوده وأعتماده عليها في تأمين بقائه من الانقراض ليس في أعتماده الطبيعة مادة خام تمده بأسباب البقاء في توفير ما يحتاجه من غذاء وجمال وراحة بال ووجود وغيرها.. فقد نجح الانسان في تصنيع عالمه بمعزل تام عما تمتلكه الطبيعة من إمكانات جردها الانسان منها وأصبح تقزيمها الانسان متراجعا أكثر من حقيقة بائنة واضحة...

قوانين العالم التي يبتدعها الانسان في تخليقه عالمه وتشييده بأستمرار، هي قوانين مبتكرة متغيرة لا تطابق قوانين الطبيعة الثابتة المحدودة التي لا يدركها الانسان الى الوقت الحاضر فهي على ضآلتها تشكل جزءا من نظام كوني معقد مجهول، ولا تتداخل قوانين الانسان مع الطبيعة الا مع الظاهر المكتشف منها في حال الحاجة الضرورية لها والتكامل الانساني بما يمتلكه من وسائل علمية مبتكرة معها، والعقل الانساني قدرات غير محدودة في أبتداعه القوانين الخاصة به التي تجعله يسّخر ما بقي تمتلكه الطبيعة ولم يكتشفه ويسخّره الانسان بعد لمصالحه... ولا يؤمن هو للطبيعة ما يجده مساسا لانانيته وحب سيطرته الغريزي عليها في تخريبه جوانب مهمة فيها يجد أنه لم يمتلكها كاملا بعد في سعيه تجريد الطبيعة من كل ماتجعله تابعا لها بعد أن نزع منها زمام المبادأة في تقدمه العلمي الهائل...

س9: ا. مراد غريبي: إذن يمكننا القول المفارقة في العقل، ماذا عن العقل الإنساني؟

ج9: أ. علي محمد اليوسف: من غير صفة إن عقل الانسان في أفكاره الديناميكية المتطورة باستمرار وفي خلقه قوانين الاشياء في عالمه الخاص التكنولوجي العلمي الكبير، لا يكون بغير مفارقته الجوهرية قوانين الطبيعة في ثباتها وليس في السعي للتطابق معها لا في الثبات ولا في الحركة في حلقات غيرمكتشفة لا يشغل الانسان أهتمامه معرفتها..

 العقل البشري عقل منتج لا يكف عن الحركة والتجديد والتطور، لذا نجده ينتج قوانينه الخاصة به في مجالات العلم والمعرفة والفلسفة والرياضيات والطب والمعمار وغيرها بما لا يحصى من معارف كلها لا تتداخل في تطابق مسّبق مع قوانين الطبيعة ولا في تبعية معها، وإنما تتمايز عنها بإختلاف خلاق لا يقاطع الطبيعة في جفاء بل يتجاوزها بالمهادنة الناعمة بعد أن خدمته طويلا....

لم تعد الطبيعة اليوم ملهمة الانسان في كل شيء كما في سابق العصور، والانسان يخلق قوانينه الخاصة به في مختلف مجالات الحياة من غير تداخل مع الطبيعة ألا في النادر اليسير فقط...

العقل الانساني عقل مبدع يعلو قوانين الطبيعة التي كانت في الماضي تستعبده رغما عنه في حاجته الضرورية لها، وتصنيعه لمدركاته الطبيعية علميا وحضاريا تقوم على أبتكاره قوانين خاصة في تنظيمه الحياة والعالم وبما تفتقده الطبيعة في قوانينها الثابتة غير المتغيرة ذاتيا ولا موضوعيا بقدر الاخلال ببعض قوانينها من قبل الانسان بما يحسب عليه أنه تخريب الطبيعة وليس بناء الحياة في مشاركة بين الطبيعة والانسان...

السبب بذلك فيما نرى ان الانسان العلمي وتطوره التكنولوجي والصناعي الهائل، أفقد الطبيعة أن تكون ندّا مكافئا لوجود الانسان المنفصل عنها تقريبا في تأمين أحتياجاته.. الطبيعة التي بدأت تشيخ في إنحسار قدراتها العظيمة التي كان الانسان يقدسها ويعبدها في عصور بدائيته الحيوانية من وجوده في علاقته الوثيقة بها، لم تعد تمتلك الطبيعة اليوم ما يعجز الانسان أمامها سوى أنها مصدر الجمال الحقيقي في وجوده المقفر بالحياة، الذي بغير تمتع الانسان بهذا الاعجاز المنظم الذي يلازم الطبيعة، يعود الانسان الى بدائية مسطّحة لا ترى من العالم غير الوجود الآلي الصناعي المتطور الذي هو ورشة عمل مقفلة على أنسان تكنولوجي صناعي فقد أهتمامه المثمر الروحي والوجداني العاطفي الذي يستمده من الطبيعة في ميزات الحب والجمال المذهل والتنظيم العفوي الفطري المعجز فيها..

أهم ميزة مكتسبة لقوانين الانسان المخترعة في تنظيم عالمه اليوم، هو في تعاليها على قوانين الطبيعة..

 إن العقل الانساني يعي ويعقل ذاته في نفس وقت يعي الطبيعة وعالم الاشياء، وفي وقت كنا نجد فيه الطبيعة صماء عمياء لاتعي ذاتها ولا تدرك موضوعاتها ولا قوانينها التي تحكم الانسان بها،ولا الانسان كموجود يشاركها الوجود... أوصلتنا هذه العلاقة المتمايزة بين الانسان والطبيعة الى الحقيقة التي بدأ يدركها الانسان مؤخرا أن الطبيعة تركت الانسان بوعي تام منها وجوب تركه يبحث عن وسائل فنائه الحتمي بنفسه وبإرادة مسّبقة هستيرية منه....

 قد يساء الفهم أن الانسان في تخليقه عوالمه التصنيعية الخاصة بحياته التي أفقدته توازنه، ويفتقد بها الروح التنظيمية المسالمة التي تمتلكها الطبيعة في أعجاز وجودي لا يماثله شيء مخلوق من قبل الانسان..

مما يعمّق لديه الشعور الاغترابي بأنه يصنّع عوالمه الانتحارية في التسابق النووي،، وامتلاكه عوالم تخريبية في مثل تهديد الوجود الانساني بسبب زيادة حرارة الارض وخطرتصنيع الحروب التي لا يمكن الحفاظ والتكهن على أن لا تخرج عن السيطرة عليها وتكون كارثية في أفنائها الوجود الانساني على الارض، هذا ما يتلاعب به الانسان في موت تدريجي بطيء لكنه حتمي النتائج الكارثية بالتأكيد..

الانسان يستهلك ما ينتجه من وسائل سعادة وأرتياح وبهجة مؤقتة في الحياة، ليس على حساب الطبيعة التي لم تعد تمتلك ما تخسره عدا جمالها وتنظيمها الرائع في تقزيمها الانسان السوبر صناعي وحسب، وأنما على حساب أستهلاك الانسان أسباب إدامة تأمين بقائه في وجوده على الارض أمام الفناء الحتمي القادم في وجوده بالطبيعة التي يشكل أنتحار الانسان فناءه وأنفجارها معه أيضا....

س10: ا. مراد غريبي: عندما نتحدث عن الفلسفة نتفكر فهم الوجود والانسان والطبيعة والله ان صح التعبير. هل اشتغالكم على الفلسفة كان مؤطرا لتامين مستقبل في الثقافة والدين والتاريخ والعلوم؟

 ج10: أ. علي محمد اليوسف: في محكومية الفضاء الواسع للإجابة عن هذا التساؤل الشمولي اود تثبيت بعض النقاط على الطريق منها:

1- جزء من التساؤل وردت الاجابة عنه في السؤال السابق.

2- بالرغم من خاصية الشمولية الجامعة للفلسفة في مناقشة كل قضية تهم الانسان في وجوده وعلاقته بالطبيعة والكوني الا ان الفلسفة تجريد يتكلم عن كل شيء ولا يعطي حلا لأي شيء. الفلسفة في جوهرها هي خلق مفاهيم كما يصفها جيل ديلوز.كما من مهام الفلسفة خلق تساؤلات لم تتوفر عليها مباحث الفلسفة سابقا.

3- لا نتوقع من ملازمة تجريد الفلسفة لها إن كانت سابقا تتوفر على فتح آفاق شمولية في ميادين وتخصصات تخص قضايا الدين والسيسيولوجيا والعلوم التي تشعبت فيها الاختصاصات التي اصبحت الفلسفة تابعة تلاحق تداخلها مع تلك المفاهيم التي حققتها ميادين الحياة في وقت كانت الفلسفة عاجزة عن اختراع تلك الافاق المعرفية الجديدة. حاولت الفلسفة جعل مباحثها تأخذ منحى الرياضيات وفشلت او منحى التداخل مع التخصصات العلمي وكانت النتيجة التقاطع مع العلم في الاقرار باسبقيته قيادة وصنع الحياة قبل الفلسفة.

4- قضايا الفلسفة كانت تدور حول مركزية الانسان في علاقته بالله والطبيعة والتاريخ والثقافة. وكانت المهمة صعبة فلسفيا لدى ديكارت، ليتبعه بالاخفاق فيورباخ حينما اراد خلق توليفة متداخلة تجمع الاله والطبيعة والانسان في اعتماده مركزية الانسان لكنه خرج بنتيجة ان الانسان خلق معبوده في مرجعية الطبيعة. وبذلك اراد نسف اللاهوت الديني اليهودي والمسيحي فلقي معارضة شديدة ليس من رجال الدين فقط بل من ماركس وانجاز ايضا.

الفلسفة مرت بانعطافة جوهرية استمرت قرونا طويلة على يد ديكارت بان مهمة الفلسفة الاولى هو تزويدنا بالمعرفة رغم ان كوجيتو ديكارت كان اعطى الانسان مركزية لم يكن من السهل مجاوزتها هو ان الذات الانسانية ادراك لاهمية الانسان انه عقل مفكر بكل شيء تجريديا. بمعنى ديكارت كان ارسى الفهم الفلسفي المثالي رغم محاولته العقيمة في خلق توليفة تجمع بين الله والانسان والعلم والطبيعة فكانت تلك امنية اكبر من حجم فلسفة ديكارت. تجريبية ديكارت لا ترقى الى تجريبية بيكون وهولباخ في فهمهما ان التجربة العلمية وسيلة حل معضلة انفصام التجريد الفلسفي عن الحياة بواقعيتها. ورغم ادعاء جون لوك وديفيد هيوم وباركلي انهم اعتمدوا ما كان قال به بيكون قبلهما الا انهما غرقا في مستنقع المثالية الوضعية المنطقية التي رأت تغيير الحياة يتم بالتفكير العقلي القائم على الاستدلال بالحس فقط ووجود العالم الخارجي يحدده الاحساس العقلي الذهني الذي قوامه الفكر.

الانعطافة التاريخية الثانية في تاريخ الفلسفة كانت على يد فلاسفة البنيوية التي ركنت الانسان وانكرت العقل والمعرفة والتاريخ وتمردت على المنجزات العلمية تماهيا بما عرف في مرحلة ما بعد الحداثة.

هنا البنيوية فتحت بابا واسعا اطلقت عليه نظرية التحول اللغوي التي ارسى بدايتها كلا من فريجة ودي سوسير بتفاوت فلسفي كبير بينهما، فريجة أقر بوجوب جعل فلسفة اللغة تقوم على اساس مزاوجة المنطق والرياضيات وتبنى هذا الطرح بحماس شديد بيرتراندراسل في ريادته للفلسفة التحليلية المنطقية الانجليزية التي انضم لها كلا من جورج مور وفينجشتين وكارناب وعالم الرياضيات وايتهيد الذي كان اقربهم الى بيرتراند رسل.

الشيء الجدير الاشارة له انه بمقدار ما كانت فلسفة اللغة ونظرية فائض المعنى هي الفلسفة الاولى التي قادت جميع المدارس والتيارات الفلسفية منذ منتصف القرن العشرين الا انها اي فلسفة اللغة هي البؤرة المركزية الطاردة وراء كل الانشقاقات الفلسفية التي قادت في معظمها خلق فلسفات جديدة لها تاثيرها القوي في معالجتها اشكاليات فلسفية مستعصية موروثة من جهة، والدخول في طرق مواضيع لم تكن الفلسفة عبر تاريخها مهتمة بها. خاصة لدى فلاسفة البنيوية فوكو وشراوس والتوسير وجان لاكان ورولان بارت وغيرهم. اعقبهم بول ريكور في التاويلية وجاك دريدا في التفكيكية.

 س11: ا. مراد غريبي: هل لكم توضيح العلاقة الاشكالية التي تجمع المادة والادراك واللغة من الناحية الفلسفية التي يداخلها علم وظائف الدماغ احيانا؟

ج11: أ. علي محمد اليوسف: بعد تنحية الإبستمولوجيا كفلسفة اولى منذ عصر ديكارت في القرن السابع عشر تربعت فلسفة اللغة عرش الفلسفة الاولى منذ منتصف القرن العشرين ولا زالت فلسفة اللغة تثير اشكاليات فلسفية مثل علاقة فلسفة العقل بالادراك،الذهن،الذاكرة، الوعي، الماهية، وغيرها من امور متداخلة فلسفيا تصل حد الارباك في غالب الاحيان.

الادراك واللغة

(من الممكن الاستغناء عن اللغة للوصول الى الانطولوجيا) مقولة سفسطائية

خطأ هذا التعبيرالفلسفي السفسطائي يكمن في محاولة أستبدال وسيلة اللغة الادراكية التجريدية ب (الادراك ) المباشر الحسي الانطولوجي الاستبطاني المجرد من اللغة وهو محال أن نجد ادراكا مجردا عن لغته فالادراك هو تفكيرحسي لغوي تصوري وليس مجرد أحساسات لا تمتلك صوريتها اللغوية التجريدية... وهذا الاتجاه الفلسفي بمقدار ما يحمله من أدانة واضحة الا أن فلاسفة الوضعية المنطقية التجريبية حلقتي فيّنا وحلقة اكسفورد التحليلية أخذا كليهما بهذا الاحتمال.

ويحمل هذا التعويل الخاطيء مقدما على أن أدراك الاشياء في وجودها الانطولوجي حسيا داخليا يعني أن تلك الادراكات الحسية هي لغة تعبير تواصلي لا تعتمد وسيلية اللغة في أدراكها الاشياء، وهو خطأ لا يمكن تمريره فالادراك الحسي هو لغة تصورية تمثلية ايضا لا تختلف عن أصل أية لغة تواصل كان تعلمها الشخص الذي يحمل ادراكه الطبيعي، الادراك الانطولوجي لغة تصورية تجريدية لا تخرج على أبجدية اللغة التواصلية العادية. بعبارة توضيحية أكثر الادراك ليس بمقدرته أختراع لغة ادراك خاصة به تختلف في بنيتها التركيبية نحويا وبلاغيا وقواعد هي غير نمط وشكل لغة التعبير العادية التي يتحدث بها مجتمع معين أو أمة معينة..الادراك الحسي أو الادراك الخيالي هو لغة تصورية تمثل تفكير العقل بموضوع، وكذا الوعي هو تمثل ادراكي لغوي في تعبيره عن تفكير العقل.

وأدراك الحواس ماديا لا يمكن ترجمته الى أحساس مفهوم المعنى والدلالة من غير لغة تحتويه وتعبّر عنه... أذ لا يمكن تحقيق أدراكا حسّيا عن شيء لا يحمل لغة أدراكه التجريدية معه، كل أدراك حسّي عن شيء وكل أدراك غير حسي خيالي عن موضوع لا يمكننا فهمه من غير تلازم تعبير اللغة عنهما خارجيا أو استبطانيا صامتا.. حتى تموضع اللغة بالاشياء المادية هي تعبيرات تصورية حسية مجردة في التعبير عن تلك الاشياء صادرة عن العقل في معرفتها الاشياء كموجودات انطولوجية.

الادراك الحسي يبقى لغة صمت لا يستطيع الافصاح عن نفسه من غير توسيل تعبير اللغة التواصلية الاعتيادية.. بالمختصرالمفيد الادراك لغة خرساء صماء موجودة بالذهن ولا يمكن تحققها بالواقع كلاما وتعبيرا من غير وسيلية اللغة الافصاح عنها. لذا يكون من المشكوك به إمتلاك الادراكات الحسية مصداقية تعبيرية عن الانطولوجيا بمعزل عن اللغة التواصلية أكثر مما تستطيع التعبير عنه. وكلا التعبيرين لغة الادراك الصمت ولغة الافصاح الصوت هما لغة واحدة لا أنفكاك بينهما، من حيث ترابطهما الابجدي في تكوين الكلمات الصوتية والجمل.

التفكير الحسّي الملازم لادراكات الاشياء المادية في حال لا يمكنه ارسال أحساسات الحواس الى الذهن لغويا تصوريا فلا معنى يبقى للادراك كحلقة في منظومة العقل الفكرية التجريدية، لانعدام آلية التوصيل المنتظم داخل منظومة العقل الادراكية.

ولا معنى يستطيع الوعي ادراكه الاشياء من غير لغة ايضا، أي حينما لا تتمكن اللغة أن تستوعب الادراك الحسي والوعي بالاشياء فلا يبقى هناك أي وجود خارج الذهن لهما.. كما والاحساسات هي لغة تعبير العقل عن مدركاته في ردود الافعال الانعكاسية الصادرة عن الدماغ.

فاذا كانت فكرة الادراك عن شيء هي تعبير لغوي مجردا فكيف يكون الادراك بلا لغة تلازمه يمكننا الاستغناء عنها في أدراكنا المحسوسات الانطولوجية؟ وكيف يتشّكل الوعي بالاشياء بدون لغة تلازمه؟؟وكيف تنطبع المدركات الحسية بالذهن بغير تعبير لغوي يلازمها؟ الاحساسات والادراكات والوعي ثلاث حلقات في منظومة العقل الادراكية هي في حقيقتها لغة تعبيرتجريدي واحد ولا تحمل هذه الحلقات التجريدية أفصاحاتها عن مدركاتها لمواضيع العالمين الداخلي (الاحاسيس) والخارجي (الاحساسات) الا بتعبير اللغة التواصلي الدارجة مجتمعيا..الادراك بتعريف كواين له هو وجود الشيء المستقل انطولوجيا.. لكنه غير المنفصل عن الادراك به بوسيلة تعبير اللغة عليه يكون الادراك لغة التعبير عن الشيء.. استقلالية الادراك في وجود الشيء المستقل هو ادراك لغوي له عن طريق الحس.، وانطولوجيا الاشياء كموجودات في العالم الخارجي لا يمكن أدراكها حسيا عقليا بغير لغة تعبير تجريدي عنها. .

أننا لا نستطيع إغفال حقيقة أن الاحساس بشيء ليس لغة استبطان معرفية له فقط، وكل موجود يدرك حسّيا يصبح بالنتيجة الملازمة له لغويا هو لغة أدراكية تجريدية سليمة غير أعتباطية خالية من المعنى. فالموجود الشيئي والوعي به، وانطباعه الصوري بالذهن هو تجريد لغوي يقبل تمرير معناه ادراك العقل له، والفكرالمتعالق مع الوعي فيما يعنيه، جميعها تجليّات ادراكية تقوم على تصوير لغوي يتمثل مواضيع الادراك، ويشمل هذا حتى الادراك العقلي غير المريض الذي لا يتوّسل اللغة في التعبيرعن تلك المدركات بل في التعبيرغير الانفصامي الصامت عنها. الصمت غير المريض لغة تفكير لا تختلف عن لغة التواصل العادية سوى بفارق الصوت المفهوم في تعبير اللغة عنه.

كان يتردد في بداية القرن العشرين سؤالا فلسفيا جداليا هل بالامكان فصل اللغة عن الفكر؟ جدال نقاشي تم حسمه في ادبيات الفلسفة البنيوية بخاصة عند دي سوسير بتعبيره اللغة هي وعاء الفكر. بمعنى أن فصل تداخل شكل اللغة مع محتواها المضموني محال ادراكيا عقليا. وفصل الادراك عن اللغة محال معرفيا. الادراك من دون لغة تلازمه عبث لا يمكن تحققه في معنى دلالي في الافصاح التعبيري عن شيء أو موضوع، وتجريد اللغة عن تعبيرها التجريدي للاشياء هو محال ايضا فاللغة وجود يلازم كل موجود يدركه العقل. والعقل لا يدرك الاشياء والعالم وموجودات الطبيعة بغير وسيلة تعبير تلازم الفكر واللغة معا في دلالة لمعنى واحد.

وتجريد اللغة في تعبيرها عن المادة تصبح كيانا لا ماديا ايضا رغم تعالقها التجريدي الانفصالي في تعبيرها عن الاشياء المادية. لا نستطيع فهم الشيء من غير أدراك حسي لغوي له، كما لا يمكننا فهم لغة لا تعبر عن شيء يمكن أدراكه ومعرفته. لا يمكننا فهم العالم بصورة سليمة مقبولة عقليا من غير تعبير اللغة عن مدركاتنا لموجودات العالم من حولنا. العقل في ماهيته غير البيولوجية هو (لغة) تعبير عن المعنى فقط بتعبير قدامى فلاسفة اليونان (لوغوس)...ومحال أن نجد اللغة موجودا انطولوجيا ماديا خال من تعالق لغة تجريده معه التي هي ادراكه. اللغة اصوات دلالية منتظمة في التعبير عن المادي الادراكي بينما تكون الموجودات المادية ليست لغة تواصل صوتي بل لغة ادراك صمت تفكيري. تموضع اللغة في تكوين الاشياء المادية تبقى لغة تجريد ملازمة لوجود المادة.

أما قضية أمكانية فصل اللغة عن الادراك كما يذهب له السفسطائيون والمناطقة من بعدهم فهو وهم فلسفي لا يمكن البرهنة على تحققه، اذا ما علمنا أن الادراك أستبطانيا داخليا أو ادراكا حسّيا خارجيا للاشياء والموجودات هو (لغة) في الحالتين ولا يوجد أدراك من غير لغة تحتويه كفكر تجريدي. لكن في فرق جوهري أن لغة الادراك الجوّانية هي لغة صمت فكري أما لغة التعبير الحسي عن موجودات العالم الخارجي تكون من نوع اللغة التواصلية المجتمعية كلاما أو كتابة.

لا يمكن تعويض الادراك المجرد عن اللغة القيام بمهمة اللغة والاستغناء عنها. من حيث أن حقيقة الادراك الحسّي للاشياء في وجودها الانطولوجي هو (لغة) اولا واخيرا، ولا توجد آلية تحقيق ادراك انطولوجي مفهوم له معنى في الاستغناء عن تعبير اللغة الصوري التجريدي. ادراك الشيء هو لغة صامتة استبطانية تحمل معها الفكر، وبغير هذه الآلية لا يتوفر للعقل تحقيق ادراكات للاشياء ذات معنى.

وفي حال انتقالنا الى مرحلة متقدمة أن ادراك الاشياء خارجيا هو ادراك حسّي مصدره الحواس، فهل تستطيع الحواس مع الادراك ايصال الاحساسات الى الجهاز العصبي والمنظومة العقلية على وفق آلية الاستغناء عن اللغة في ادراك موجودات الانطولوجيا الموزعة على الاشياء؟ الجواب المباشر كلا من حيث الاحساسات هي ترجمة لغوية مستمدة من الحواس، والاحساسات التي تربط ما تدركه الحواس بالجهاز العصبي تكون هي ايضا لغة صورية تجريدية منتظمة وليست تداعيات من الاحساسات العشوائية التي تفتقد حمولتها النظامية في المعنى المطلوب الدال من غير نسق وبنية لغوية تنتظمها. جوهر العقل الاسمى ماهيته التفكير حسب ديكارت. وكل تفكير عقلي صامت داخليا أو معبرا عنه خارجيا هو لغة مجردة.

س12: ا. مراد غريبي: ما توضيحكم الفلسفي حول اشكالية علاقة الفكر واللغة؟

ج12: أ. علي محمد اليوسف: رغم أني عالجت مثل هذه العلاقة التي تربط الفكر باللغة في مرات عديدة توزعتها كتاباتي ومقالاتي العديدة ألا أنني أرتأيت تثبيت ومناقشة أقتباس جدير بالتوقف عنده مفاده كانط والمثالية الالمانية لا تهتم باللغة، وأنما بالفكر، وقد جاء هذا التعبير الكانطي في كتابه الشهير الموسوم (نقد العقل المحض) فهو يعتبر علاقة اللغة بالفكر علاقة أعتباطية وبالتالي لا يمكن الاستناد الى أستنتاج الشروط الضرورية التي يمكن أن يكون هناك للفكر موضوعا فيها."

امام هذه المقولة المنسوبة لكانط نضع التعقيبات التوضيحية التالية:

- لا يمكن الجزم القاطع أن علاقة الفكر باللغة علاقة أعتباطية غير منتظمة، فالفكر تفكير لغوي تجريدي بموضوع مادي أو خيالي، ولا يمكن تاكيد أعتباطية التفكير أنه بلا معنى لعدم امكانية اللغة التعبير خارج الخلاص من الفرضية التي تذهب الى أن علاقة ترابطية الفكر باللغة أعتباطية غير منتظمة لا يعول عليها في استنتاج شروط ضرورية يمكن من خلالها تاكيد أن هناك للفكر موضوعاته المستقلة عن اللغة حسب عبارة كانط.

- أن الفكر هو تفكير العقل المتقدم بالاسبقية على لغة التعبير، عليه لا يمتلك الفكر موضوعاته المجردة من تعبير اللغة عنها. واذا افترضنا أعتباطية الفكر حالة تلازم الادراك والتفكير العقلي، فأن اللغة لا تتأثر بهذه الصفة كون اللغة لا تعمل في فراغ أعتباطي غير منتظم ادراكيا لمواضيعها التي هي مواضيع تفكير العقل بها، كما لا تعمل اللغة خارج التعبير عن معنى متحقق بالفكر سلفا بمعزل عنها.

- اللغة لا يمكن أدراكها عندما لا تكون دلالة ادراكية مستمدة من شيء موجود واقعيا سابقا عليها. أو موضوعا أستنفد تفكير العقل به واعطى ردود الافعال الانعكاسية الاستجابية عنه. ويحتاج أفصاح اللغة التعبيرعنه خارجيا. الادراك لا يكتفي بالفكر المجرد عن لغته كون الادراك هو تفكير لغوي لا يمكن فصل الفكر عن اللغة فيه.

- الحقيقة التي لا يمكن مجاوزتها بسهولة هي أن الفكر هو أدراك متعيّن بدلالة لغوية عن معنى، وكذلك تعبير اللغة هي ادراك متعين بدلالة الفكر، ولا يمكننا التعبير عن فكر لا تلازمه بالضرورة لغة تعبير عنه.. نظام التفكير باللغة يطوّع لغة التعبيرالتداولية عنه..

- ليس من مهام اللغة التي ترتبط حسب عبارة كانط بعلاقة أعتباطية بالفكر أن تقوم هي تنظيم وتخليص الفكر من الاعتباطية التي تلازمه. بل تنظيم نسق الادراكات الواصلة الى الدماغ تصبح مهمة تنظيمها تقع على عاتق العقل وليس على عاتق اللغة. فالعقل مضمون تفكيري واللغة وسيلته في التعبير عن تلك المضامين.. اللغة تعبير أكتسب محتواه من مرجعية تفكير العقل ولا تمتلك اللغة أمكانية تنظيم مدركات العقل بمعزل عن العقل نفسه.

س13: ا. مراد غريبي: هل تعتبرون الفكر نتاج بيولوجي صادر عن الدماغ، أم صادرا عن الذهن كما هو متداول؟

ج13: أ. علي محمد اليوسف: يقسم بعض الفلاسفة الفكر بإعتباره خاصية انسانوية يتفرد بها الانسان الى عنصرين هما ميزتين تطبعان الفكر من ناحية خاصيته الانسانية، الاولى هي مضمون الفكر، والثانية هي نشاط الفكر نفسه. من الامور التي نفهم بها خاصية الفكر التعبيرية من خلال تعالقه البيولوجي بكل من العقل من جهة، وارتباطه بتعبير اللغة من جهة اخرى. رغم حقيقتهما أنهما علاقة واحدة لا يمكن الفصل بينهما. فالفكر كمضمون هو نتاج حصيلة تفكيرية يبتدعها العقل تفكيرا بموضوع، وهذا النوع من التفكير العقلي هو (ملكة) انفرادية يحوزها العقل البشري. والصفة الثانية الملازمة للفكر أنه نوع من الفعالية الحيوية الديناميكية، بمعنى الفكر هو خاصية تفكيرية قصدية ملزمة التعبير عن نفسها، يعني الفكر هو سلوك أجرائي معرفي بالحياة لا يتسم بالحيادية. يطرح بعض الفلاسفة سؤالا غريبا بضوء علاقة الفكر المزدوجة بين العقل بيولوجيا وبين لغة التعبير عنه تجريديا " هل من الممكن التفكير من دون لغة؟ أم نتقبل الحقيقة التي تقول أنه بدون الفكر لا توجد لغة؟ ومن خلال الفلسفة وعلم النفس تم التوصل الى فكرتين، الاولى تذهب الى أن الفكر الحقيقي غير لغوي وهذه المقولة تبناها هنري برجسون . والثانية أن الفكر هو لغة ليس الا "

للتعقيب حول هذه التساؤلات الالتباسية الجدالية:

- لا يمكن التفكير بدون لغة صورية، ليس فقط بتسليم الاستناد الى حقيقة الفكر هو لغة ادراكية تفكيرية صامتة، بل اذا جاز لنا فصل الفكر عن اللغة باعتباره ادراكا صامتا، فيكون معنا تفكير الادراك بمواضيعه لا يقوم على غير علائقية ترابطية بين الادراك الفكري باللغة، ولا يمكننا التفكير المنظم في معنى عن شيء من دون لغة تصّورية. الادراك الحسّي هو صمت لغوي من التفكير لا يخرج عن أستحالة تفكيره وأستيعابه أحساسات الاشياء والتعبير عنها كمدركات حسّية بغيرتعبيرات اللغة تجريديا عنها.

- الشيء الثاني في عدم أمكانية فصل اللغة عن الفكر لا بالتفكير الادراكي العقلي الصامت ولا بالتفكير اللغوي المنطوق أو المكتوب. يأتي من كون الادراك هو تفكير عقلي معبّرا عنه باللغة. بمعنى اللغة هي أفصاح وتعبير لادراك العقل.

- حين يعتبر برجسون أن الفكر الحقيقي هو غير لغوي نفهم منه هو لا يقصد آلية التفكير التي هي آلية لغوية بامتياز لا يمكن العبور من فوقها وتجاوزها، فالفكر حقيقته القصدية بالمعنى تؤخذ من لغة تعبيره عن الاشياء . والفكر من دون وعاء لغوي يستوعبه لا يتحقق من غير شكل اللغة التي تحتويه. أما كيف يكون الفكر اكثر مصداقية حقيقية من اللغة حسب عبارة برجسون، فتمريرها الحذرالمشكوك به أنما يأتي من أعتباره الادراك العقلي للاشياء يمتلك لغة تجانس الادراك الحقيقي في صمت التفكير وليس في تعبير اللغة الافصاحية الخارجية عن المعنى المضموني للادراك. لذا فالفكر هو لغة لا أكثر وما يتعالق بالفكر مثل الوعي والذهن والذاكرة جميعها تفكير لغوي موزع في اشكال من التجليات المتنوعة أدراكيا كتجريدات مصدرها العقل.

- كما أن الذين يرون للفكر طبيعة تختلف عن طبيعة المادة فهذا لا يغير من حقيقة الفكر ولا اللغة انهما تجريدان غير ماديان ولا حسيان، وطبيعتهما التجريدية تختلف عن طبيعة المادة كموجود متعين انطولوجيا أمر مفروغ منه ولا يتقبل التداخل بينهما، فالفكر الذي يعبر عن المادة لا يصبح في لغة التعبير عنها جزءا ماديا تكوينيا منها بل يبقى الفكر تجريدا لغويا تصوريا عن المادة...كما هو تجريد اللغة في تعبيرها عن الموجودات بالعالم الخارجي. وليس هناك من قيمة جادة يحملها تعبير برجسون( كل تعبير لغوي هو تشويه للفكر). هذا التعبير يناقض مقبولية القول أن اللغة قدرة أستيعابية محدودة لا تستطيع التعبير الكامل عن محتوى الفكر.والا تكون عبارة برجسون تقفل أمامنا حقيقة أن تكون طبيعة أفكارنا هي تحقق لغوي وبغير ذلك لا يبقى تشويها للفكر لا نجده في تعبير اللغة عنه.

س14: ا. مراد غريبي: عذرا دكتورنا الفاضل، سؤال ضمن السياق، هل اللغة مادة أم تجريد؟

ج14: أ. علي محمد اليوسف: ذهبنا في أسطر سابقة أن الفكر واللغة جوهران متلازمان يشتركان بصفة التجريد فكيف لنا تبرير هذا التناقض مع القول الذي يقول" اللغة على وجه الخصوص هي مادية (اصوات) يمكن التعرف عليها لذاتها من حيث أنها حقيقة مادية " .

مادية اللغة نفهمها بدلالة تعبيرها عن المادة ولا يمكن أدراكنا لغة التجريد كاصوات مادية مكتفية بذاتها مصدرها اللغة وليست منها مستقلة عنها، كونها خاصية مادية حسب العبارة. المادة كمحسوس متعين حسيا يدركه العقل لا يتحدد بالصوت اللغوي المعّبر عنه، بل تتحدد المادة بوجودها الانطولوجي كمتعين يدرك ويحس بصفاته الثلاث الطول والعرض والارتفاع، وأضاف انشتاين له البعد الرابع الزمن.

الصوت فيزيائيا لا يمكننا تحديده ماديا بصفات مادية معروفة ذكرناها، واللغة كصوت ذي دلالة تعبيرية عن معنى قصدي، هي تجريد في تعبيرها عن اشياء وليست مادة بذاتها، ولا تكون اللغة هنا جزءا من مادة مدركة حسّيا بل تكون جزءا من لغة تجريد ادراكي للمادة. وتجسيد اللغة للفكر في التعبير عن معناه المضموني لا يجعل من كليهما اللغة والفكر مادة باكتسابهما صفة تجريد الصوت مدركا بذاته وهو خطأ لعدم أمكانية أدراكنا الصوت مجردا عن دلالته المادية.

الفكر لا تحتويه المادة بمقدار ما تحتويه لغة التجريد في تعبيرها عن المادة. وفي حال تاكيد صوابية خطأ مقولة برجسون أن تكون اللغة خاصية مادية بالصوت المدرك لوحده فهذا يقودنا التسليم لخطأ أكبر منه تجاوزناه هو صحة أمكانية جواز التفكير من دون لغة. فالمادة لا تدرك مادة أخرى تجانسها الخواص التعريفية ماديا من غير تداخل تفكير اللغة التجريدي التوسيط بينهما. عليه اللغة كاصوات تعبيرية عن معنى مادي مقصود هي تجريد مادي وليست مادة مدركة لوحدها. تجريد اللغة عن تعبيرها عن موضوع مدرك عقليا يفقدها خاصية التعبير كاصوات وأبجدية مكتوبة تعبيرية. وتنتفي عنها حينذاك صفة اللغة التي هي خاصية تعبير فكري تجريدي عن المادة والاشياء.

التسليم بمقولة اللغة مادة بدلالة الصوت، عندها يصبح لا غرابة أن نجد اللغة كما يعبّرعنها أحد الفلاسفة "هي تعبير كلّي يقوم مقام الواقع بكامله.". تماشيا مع هذا التعبير الافتراضي الخاطيء لا يمكننا معرفة الواقع في حقيقته المادية عندما نحاول التعبيرعنه بمادة لغوية، وليس لغة مادية وهو ما يعني أمكانية أن تعي المادة غيرها من الماديات الاخرى ليس بدلالة تجريد اللغة بل بدلالة لغة المادة الموهومة التي أصبحت هي ميزة المادة ذاتها. وهذا أمر ليس محالا على صعيد الادراك العقلي وحسب وأنما محال على صعيد الغاء خاصية التجريد اللغوي عن مدركاته التعبيرية التي هي في حقيقتها مدركات عقلية.

لا يسعنا التعبير عن هذا المأزق أكثر من قولنا أننا يمكننا التعبير عن اللغة بلغة أخرى تجانسها الماهية والصفات النحوية، لكننا لا نستطيع فهم الواقع المادي الذي تموضعت اللغة فيه تكوينيا بتعبير لغة لم يعد يمتلكها العقل ولا يستطيع تصنيعها بل يمتلكها الواقع المادي في محاولته فهم العقل وليس العكس فهم العقل للواقع.

أن الحقيقة التي يراد العبور من فوقها أن اللغة تبقى تجريد تعبيري، والمادة تبقى واقعا لادراك هذا التجريد اللغوي، واللغة المتموضعة بالاشياء هي لغة تجريد يحتويها الموجود المادي انطولوجيا لكنه يبقى تجريد اللغة غريبا عن المادة كتجريد لغوي معبّراعن المادة لكنه لا يحمل خصائصها.

مشروع اللغة الكليّة المصنوعة آليا التي نادى بها العديد من الفلاسفة والعلماء والمفكرين في القرن التاسع عشر أعتبرها دستوت تراسي من فظائع الاخطاء التي وقعت بها الفلسفة في محاولة بعضهم تربيع الدائرة أن يكون لها أربعة اضلاع.

س15: ا. مراد غريبي: هل تجدون دكتور، أن هناك خصائص مشتركة تجمع كلا من الفكر واللغة؟

ج: أ. علي محمد اليوسف: يذهب بعض الفلاسفة الى الدخول قسرا في افتراضات فلسفية لا معنى لها في صرف الجهود لمناقشتها مثل" اننا في حال اقرارنا اللغة هي الفكر، يصبح معنا امكانية الاستنتاج أن علاقة الفكر باللغة هي علاقة مادية تقوم على وجود فرق أختلاف بين طبيعة الفكر عن طبيعة اللغة "5 في سطور سابقة ناقشنا خطأ أعتبار اللغة مادة تدركها وتعبر عنها لغة اخرى، وهذا الامر محال فاذا نحن خلعنا صفة المادة على شيئ نكون أعطيناه امكانية ادراكه تجريديا بلغة، وهو ما لا ينطبق على ان تكون اللغة مادة ميزتها الاصوات ندركها بلغة أخرى ميزتها صوتية ايضا.

والآن نناقش الاختلاف بين طبيعتي الفكر واللغة، وأول ما يتبادر للتفكير هو مالمقصود تحديدا بأختلاف طبيعة الفكر عن طبيعة اللغة وبماذا؟ لم نعثرعلى أجابة على طرح مثل هذه الاشكالية الفلسفية.

اذا أقررنا حقيقة أن الفكر واللغة هما شكل ومحتوى كلاهما يتسمان بالتجريد أحدهما بدلالة الاخرفي أدراك العقل لهما، عندها لا يصبح واردا مناقشة أمتلاك الفكر طبيعة لا تجانسها طبيعة اللغة. كون العقل يدرك تنظيم الفكر بدلالة تجريد اللغة الصوري، ولا يدرك العقل اللغة بتجريد فكري.

لذا تكون طبيعة حمولة تفكير العقل هي طبيعة لغوية تجريدية. وأن يكون الفكر يمتلك طبيعة غير طبيعة اللغة هي محض تلاعب لغوي وهمي لا يقوم على منطق فلسفي مقبول..والادراك يتبع نفس الآلية التي تتبعها الحواس في أدراكها مواضيع الموجودات المادية في نقل الانطباعات عن موجودات العالم الخارجي الى الذهن.

عندما نقول للفكر خاصية مادية (مادة) بخلاف خاصية اللغة كتجريد لا مادي، معنى ذلك أصبح متاحا لنا أن نعي الفكر بلا لغة أصوات مسموعة أو مكتوبة. لكن كيف نثبت أمكانية فصل الفكرعن اللغة؟ ثم ماهي الآلية التي تجعلنا ندرك الفكربطبيعته المادية في حال امكانية انفصاله عن تعبير اللغة التجريدي عنه؟ أدراك اللغة للمادة هو أدراك تجريدي وأدراك مواضيع المخيلة المجردة ايضا يكون بنفس آلية أدراك اللغة التجريدية للمادة. الفكر انعكاس لوجود مادي محسوس، وهذه الخاصية لا يمتلكها الفكر كونه تجريد لغوي وليس وجودا انطولوجيا ماديا تدركه الحواس قبل اللغة.

س16: ا. مراد غريبي: ما تعليقكم دكتور علي، على الدعوات الفلسفية إلى إنابة لغة الذكاء الاصطناعي -الآلة- على لغة الانسان؟

ج16: أ. علي محمد اليوسف: الاطروحة الفلسفية التي عرضناها حول امتلاك كلا من الفكر واللغة طبيعة خاصة مختلفة احداها عن الاخرى، واعتبروا اللغة مادة لأنها باختصار هي أصوات. جعل بعض الفلاسفة يلجئون لحلم تصنيع آلة حاسوب تقوم مقام اللغة عند الانسان باعتبارها ملكة وخاصية لا يمكن استنساخها وتحاكي التواصل بين البشر،.

الا أن هذه الفرضية الطموحة المتفائلة لقيت معارضة قوية من فلاسفة بينوا عقم مثل هذا التوجه، واضعين بعض أعتراضاتهم الفلسفية بما يلي:

- الآلة التي تنوب عن لغة الانسان لا يمكنها التعبير الصحيح عن مجمل المسائل المتعلقة بالاخلاق والنفس والضمير والعواطف والاخلاص والالتزام بالوعود والاستقامة والنزاهة وغير ذلك عديد، وهذه لا يتوفر على تلبيتها الحاسوب المبرمج بتقنية عالية من استنساخ لغة الانسان.

- ورد منذ القرن السابع عشر على لسان ديكارت ما يدحض آلية تصنيع اللغة قوله "طيور العقعق والببغاء تستطيع التلفظ بكلمات وحتى عبارات مثلنا نحن البشر لكنها لا تستطيع ان تعي ما تقوله وتلفظه" .

- طرح ايضا بعض الفلاسفة تساؤلا" لماذا لا يستطيع الحاسوب ان يحاكي بالضبط السلوك الانساني عند البشر؟

 أجاب بعض الفلاسفة عن هذا التساؤل قولهم عجز الآلة، ممثلا في عدم أمتلاكها (وعيا قصديا) بهديه وعلى ضوئه يتمكن الانسان السيطرة على سلوكه الذي يرسمه له الوعي القصدي كملكة يتفرد بها الانسان، والوعي القصدي دعى له برينتانو ليعقبه هوسرل وهيدجر وليتسلم الراية منهم الفلاسفة الاميركان مثل سيلارز وجون سيرل وريتشارد رورتي وسانتيانا وغيرهم.

- أدان العديد من فلاسفة اللغة والعقل في مقدمتهم فلاسفة السلوكية اللغوية الاميريكية مقولة فيلسوف وعالم اللغات نعوم جومسكي حين أجاز في مصطلحه (الابداعية التوليدية) إمكانية توليد الجمل اللغوية الابتكارية عند الانسان بما لا يمكن حصره، لكنه التقى مع فلاسفة السلوكية الاميركان أن الآلة لا تنوب عن الانسان في قابلية الابتكار التوليدي اللغوي.

- " اقترح جومسكي منذ خمسينيات القرن الماضي في اعتماده اللغة تمتلك عنصرا بيولوجيا مركوزا في دماغ الانسان، وأننا ننطوي وراثيا على حاسة الكلام، وأننا مبرمجون وراثيا لنتكلم بدلا من التقليد من ثقافتنا وبيئتنا، وكلامنا يرتكز على مخطط وصفة أنطبعت فينا منذ الولادة"، هنا جومسكي ينهي أي أجتهاد فلسفي حول امكانية استنساخ وظيفة اللغة آليا في حاسوب متطور.

- من المسائل التي رفضها فلاسفة السلوكية استنساخ اللغة آليا بالحاسوب هو ما طرحه جون سيرل وهو فيلسوف العقل واللغة وأحد أبرز المتبنين للوعي القصدي، أن توليدية الابتكاراللغوي التي نسبها جومسكي لملكة الانسان الفطرية الوراثية، لا يمكن استنساخها في الحاسوب ابسطها عدم امكانية تحكم الحاسوب بالعبارات والجمل التي تكتفي بايصال المعنى المطلوب. وضرب لذلك مثلا أن الحواسيب يمكنها تركيب جملة (أنا أعدك) لكنها لا تفهم ما يترتب على العبارة من تنفيذ تطبيق هذا الكلام كمحاورة قصدية ذات معنى.

 

حاوره: الأستاذ مراد غريبي

المثقف - مرايا حوارية

 19 - 10 - 2021

 

 

 

 

 

 

2875 مراد وصادقخاص: المثقف: تستضيف الاستاذ الدكتور صادق السامرائي ضمن مرايا فكرية، وحوار شامل أجراه معه الأستاذ الباحث مراد غريبي، حول الراهن الفكري والثقافي، فأهلا وسهلا بهما:


 مفتتح:

لا مناص أن أهم دور للثقافة والنقد ينعكس فيما يثيره من تفكير لدى الإنسان، وما يدفعه به لاكتشاف قدراته ومؤهلاته، ويمنحه الثقة بالذات، والطموح للإسهام والإنجاز والإبداع.

وحين نرى مثقفا يتجاوز همومه الذاتية، ويفكر في الشأن العام لوطنه وأمته والإنسانية، ويتصدى لقضايا المجتمع العربي، فإن ذلك ناتج عن مستوى راق بلغه من الوعي الثقافي والنباهة العلمية ميّزته عن غيره، ضيفنا في مرايا فكرية أنموذج مشرق لفئة من المثقفين والمفكرين المتميزين في مجتمعهم، هو استاذي العزيز المبجل وصديقي الفاضل الدكتور صادق السامرائي، فقد عرفته منذ إنطلاقة صحيفة المثقف، متابعا لكل كتاباته وقارئا مولعا بأفكاره الحية، يتوقد حماسًا وإخلاصًا لخدمة الإنسان والمجتمع العربيين، طاردا للأفكار الميتة والقاتلة والأوهام والأحلام العبثية التي جذبت معظم الكتاب التائهين عن تشخيص الداء ومنهج الدواء، متواضعا في كل تفاصيل حرفه وفكرته ونقده ومقارباته، علم من أعلام القلم التنويري في صحيفة المثقف يعكس روح المسؤولية وأفق الوعي والنشاط الثقافي،ينحت بإتقان لقارئه ماهية المعنى وخبرة التجديد وتجربة النقد في مسار العبور من النظر إلى المسؤوليات المهمة، والقيام بأدوار إنسان الحضارة.

اسأل الله أن ينفع حوارنا القادم مع سعادته، القراء الكرام، كما نفع بمقالاته وجهوده الثقافية، وأن يديمه ذخرا للأمة العربية والاسلامية وبخاصة الشباب منها ويوفقه للمزيد من الفكر المعتبر والرأي المستنير والنقد المختبرخدمة للإنسان والمجتمع في المجال العربي والإسلامي.

نص الحوار:

س1: ا. مراد غريبي: مَن يكون صادق السامرائي المفكر والناقد والأديب؟

ج1: د. صادق السامرائي: شكرا لدعوتكم للحوار ولصحيفة المثقف العزيزة، التي رافقتها منذ إنطلاقتها، وتحياتي للأخ الأستاذ ماجد الغرباوي الذي يبذل جهودا تنويرية متميزة، لتوعية أبناء الأمة وأخذهم إلى فضاءات العصر الرحيب.

صادق السامرائي طبيب مختص بالأمراض النفسية، حاصل على شهادتي البورد العراقي والبورد الأمريكي ، وأظنه الطبيب الوحيد الذي يحمل الشهادتين معا.

وقد كرمته الشبكة العربية للطب النفسي والعلوم النفسية سنة (2010)، التي تضم أطباء النفس العرب والتخصصات النفسية الأخرى، بلقب (الراسخون في العلم)، وهي شهادة تقديرية معنوية ذات قيمة، ونشرت له أكثر من عشرة كتب رقمية تتناول هموم الأمة .

س2: ا. مراد غريبي: من خلال الكتابات التي تنشرها، هناك نظرة مخصوصة للعلوم الإنسانية والإجتماعية ودورها في الإنطلاق الحضاري؟

ج2: د. صادق السامرائي: العلوم الإنسانية والإجتماعية ليست من إختصاصي، وما أكتبه يتناول ظواهر وملاحظات معوّقة لإرادة الأمة في التحقق والنماء، وعندما أسبر أغوارها، تتوارد الأسباب التي تشارك في مؤازرتها وترسيخها، ولهذا يكون الإقتراب من زوايا متنوعة، وفقا للمعارف المتواجدة في أرشيف ذاكرتي.

س3: ا. مراد غريبي: دراساتك تنطلق من المجتمع نحو الآفاق النفسية والسيسيولوجية والتأريخية؟

ج3: د. صادق السامرائي: المجتمع كينونة نفسية في وعاء بيئي فوق مواقد ذات ديناميكيات إجتماعية متوالدة، ومؤثرات تأريخية متوطنة فيه وفاعلة في برمجة العقل الجمعي، فلكي نكتب عنه، يتوجب الإحاطة بما يعتريه ويكون فيه من الآليات والتفاعلات السلوكية، وفقا لمعادلاتها وعناصرها الداخلة فيها.

س4: ا. مراد غريبي: ما علاقة علم النفس المعاصر بشتى أنساقه في شخصيتك كمفكر وأديب ومثقف حر؟

ج4: د. صادق السامرائي: أرجو أن تسمح بإغتنام الفرصة لتوضيح إشكالية شائعة تتلخص في الخلط بين الطب النفسي والعلوم النفسية، الطبيب النفسي يجب أن يكون طبيبا أولا وبعدها يتخصص بالأمراض النفسية، ومختص العلوم النفسية، يدرس علم النفس ونظرياته أكاديميا وتطبيقيا أحيانا للتعرف على السلوك والشخصية، وأقدِّر المختصين بالعلوم النفسية وأتمنى لهم المساهمة الأكبر في تنوير الأجيال.

ففريقي العلاجي – على سبيل المثال – يضم مختصا بالعلوم النفسية والإجتماعية والدوائية والعلاجية الأخرى .

وقد درستُ العلوم النفسية وتعرفتُ على نظرياتها البارزة والمؤثرة، كما قرأت في مرحلة الإعدادية وبإمعان ترجمات الأستاذ (جورج طرابيشي) الرائعة لكتابات فرويد، ولازلت أقرأ وبتواصل يومي مستجدات العلوم النفسية،  وربما يكون لها تأثير على رؤيتي وإقترابي من الظواهر التي أتناولها، لكني أفصل بين الإختصاص والكتابة، لأن نشاط الكتابة بدأ مبكرا ومارسته قبل الإختصاص بسنوات طويلة.

فشخصيتي كطبيب غيرها عندما أكتب، ومن الصعب الخلط بين الحالتين، الطب قد يرفد الكتابة بمعطيات إنسانية ويعمّق الوعي ودلالات الكلمة.

س5: ا. مراد غريبي:  هل ما نلاحظه في حضور العلوم الإنسانية والإجتماعية وفلسفة التأريخ والأدب والببلوغرافيا والفنون وتأريخ العلوم السياسية والقانون وسير العلماء والفلاسفة والأدباء هو صحيح أم يجب أن نعدله؟

ج5: د. صادق السامرائي: الحاضر يجب أن يكون فاعلا ومتفاعلا، فهل هي كذلك؟

هناك قاسم مشترك عجيب في ما ذكرته، خلاصته التخندق في "لماذا"، وقد كتبتُ عددا من المقالات بهذا الشأن، فالإنصفاد في "لماذا"، يمنح راحة البال والوهم بأنهم وضعوا الإصبع على الجرح، وكفى، فياليتهم يشخصون ولا يعالجون، لكنهم يزيدون الجرح نزيفا، وهذا حال الأمة منذ منتصف القرن التاسع عشر.

هل أوجدوا حلا لمشكلة واحدة، أم أنهم عضّلوا مشاكلها من أولها إلى آخرها؟!!

فعلى سبيل المثال – درست الفلسفة مبكرا وأتواصل بقراءاتي الفلسفية، ويدهشني كثرة الفلاسفة العرب وغياب القدرة على صناعة الرؤية الحضارية المعاصرة، وأكثرهم ينتهي إلى تعليل الأشياء بأسباب نفسية، ولهذا إقترحت قبل وباء كورونا عقد مؤتمر يضم الفلاسفة وأطباء النفس والمختصون بالعلوم النفسية، لمد الجسور الفكرية والتفاعلية اللازمة لبناء رؤية صالحة للحاضر والمستقبل.

والقاسم المشترك الآخر، هو العجز عن التفاعل مع الواقع بديناميكيات معاصرة، تساهم في إنبثاق الطاقات الكامنة، وتأهيلها لصياغة الصيرورات اللائقة بجوهر الأمة، ومخزونها الإبداعي الحضاري الإنساني.

أما التعديل المطلوب فهو أن نستوعب إرادة "كيف"، فسؤال "كيف نتقدم" لايزال غائبا، ويخشى منه الذين تفضلت بذكرهم، ويتلذذون بالإجابة على سؤال: "لماذا تأخرنا"، فهذا هو شغلهم الشاغل، والجواب ضمير مستتر تقديره ما يشاؤونه من الإستنتاجات العبثية الخالية من إرادة الحياة!!

س6: ا. مراد غريبي: هل أن المثقف الحر هو الذي يفرض نمط التفكير والنقد والمساءلة أم أن النفساني هو مّن يحاول إسقاط نظريات العلم المعاصرة على إخفاقات الواقع وإنتكاسات التأريخ وهواجس المستقبل؟

ج6: د. صادق السامرائي: لابد من توضيح المسميات، لأن الأمة تعيش في محنة المصطلحات التي تشوش وعيها، وتزعزع كيانها.

ما هو المثقف الحر: هو الغير مرتبط بأية جهة مهما كان نوعها، ورسالته الحقيقة ، ولا يخشى فيها لومة لائم، أي أن يكون جريئا في إعمال عقله.

نمط التفكير: قالب التفكير وشكله، والنمطية متوارثة وفاعلة بسلبية مروعة في مجتمعاتنا.

النقد: أن تقيّم الحالة بعيون المنهجية الموضوعية والصدق بعيدا عن المديح والمجاملات ؟

المساءلة: مفردة أقرب للقانون منها للفكر والأدب، والمعنى هنا التساؤل أو طرح الأسئلة.

النفساني: المهتم بالعلوم النفسية.

فالمثقف الحر يتناول الحالة ويشرحها بأدواته التي يجيد إستعمالها، ويخلص إلى نتائج وفقا لما لديه من معلومات ومهارات، وعلى العقول الأخرى أن تستخلص منها ما تراه مناسبا، أو غير ذلك.

وبخصوص النقد فأنه روح الإبداع لكنه غائب أو جامد، وخامد في طيات اللامبالاة.

أما الإسقاط فيشير إلى حالتين، الأولى كآلية دفاعية أولية بدائية ترفع رايات "هوَّ"، والثانية كسلوك مهيمن على المفكرين وخصوصا الذين درسوا في الجامعات الأجنبية، فيأتون بنظريات الآخرين ويطبقونها على مجتمعاتنا، بغض النظر عن منابعها وحيثياتها، ويحسبونها صحيحة، وبموجبها يتناولون حالات ما وجدت لأجلها.

والأمثلة عديدة كما في علم الإجتماع وغيره، فتراهم يبررون السلوكيات بنظريات أجنبية، وما إستطاعوا إبتكار نظرية ذات قيمة ودور في ترميم خرائب الحياة الإجتماعية العربية.

بل يميلون إلى التفسير، ويحسبون ما هو قائم تحصيل حاصل، وكفى الله المؤمنين شر القتال، ويؤكدون على أن هذا واجبهم وحسب.

أما النفساني فهو الذي عليه أن يجتهد للتعبير عن " إعرف نفسك"، والمختصون في العلوم النفسية يحاولون ذلك، لكنهم لم يتوصلوا إلى رؤية ذات قيمة إستنهاضية وتنويرية، تصنع تيارا حضاريا متوافقا مع جوهر الأمة، وأظنهم سيمسكون ببوصلة الإشراق المعرفي الإدراكي مستقبلا، وسيشحذون طاقات الأمة بالهمم الواثقة بذاتها وموضوعها، وسينشرون علم النفس الإيجابي، فالوعي النفسي ضرورة ديمقراطية معاصرة.2875 مراد وصادق

س7: ا. مراد غريبي: هل أن الأنثروبولوجيا الثقافية في خياراتكم كطبيب نفسي السبب لتخصيصكم عدد غير قليل من المقالات المتعلقة أساسا بالظاهرة السلوكية للمجتمعات العربية؟

ج7: د. صادق السامرائي: الأنثروبولوجي: علم الإنسان.

قراءاتي متواصلة ومتنوعة وسريعة ومكثفة، أقرأ في كافة الموضوعات، وأحاول أن أستخلص منها فكرة ومعنى، وكتابي المفضل هو الإنسان، فكل إنسان يبدو ككتاب علي أن أعرف أبجدياته، وأجيد قراءة ما مكتوب فيه!!

وهذه الفكرة راودتني منذ كنت طالبا في الكلية الطبية، وتعمقت وتطورت بعد أن تخصصت بالطب النفسي، فتجدني أتصفح الكتب البشرية وأتمتع بتأمل صفحاتها، والإنتهال من معينها الحيوي الفياض.

وهذه الرؤية إنتقلت إلى المجتمع، فأخذت أقرأه ككتاب متجدد الطبعات أحاول أن أفك رموز ما فيه.

س8: ا. مراد غريبي:  من خلال إثرائكم للحقل الثقافي عبر ملاحقة إرهاصات الواقع . لماذا برأيكم، السياسي هو من يوجه المشاغل العلمية ، وليس الإشتغال المعرفي على الواقع بحرية وتثوير علمي؟

ج8: د. صادق السامرائي:  دوما يطاردني سؤال: هل عندنا سياسة، وهل لدينا ساسة؟!!

ولا أدري لماذا يكون الجواب بالنفي، فيلغي الكتابة عمّا غير موجود!!

وإذا إفترضنا العكس، فالسياسي الجاهل يريد عقلا عاطلا، والسياسي العالم يريد عقلا فاعلا، والمثل في تأريخنا الخليفة المأمون، كان عالما فإزدهرت في عصره العلوم وتنوَّرت العقول وفعلت وتفاعلت.

في مجتمعاتنا المرهونة بالكرسي القابض على مصير المواطنين، النشاط يجب أن يخدمه، وإلا سيمحقه!!

وكل ذي عقل منكوب، والمحابي الخانع التابع مرغوب ومطلوب، والجهل وسيلة للإستمرار بالحكم، وتأمين السلطة وإستلاب حقوق الآخرين.

أما العلم فمن أخطر ما يواجه أي سلطان مهما كانت درجته، ولهذا تجد الأمية تتعزز وتتطور، ولا يريد أي مهيمن على عدد من الناس أن يعلمهم ولو مبادئ القراءة والكتابة، ولن تجد في مراكز العبادة بأنواعها نشاط علمي ثقافي ينوّر العقول، لأنه من البدع المحرمات والمآثم والموبقات!!

والحقيقة مجتمعاتنا ليست جاهلة وإنما ترزخ تحت سنابك التجهيل والإستلاب.

وإذا رأينا أن السياسي هو الذي يوجه النشاطات العلمية عندما تخدمه، فلأنه يريد التفاعل مع المجتمع، أما النخب المعرفية فتعيش في صوامع رؤاها وتصوراتها المنقطعة عن الواقع، وتجيد الرهبنة المعرفية، ولا تنقل العلم إلى عمل، ولهذا كلما إزداد عدد العلماء يترنح المجتمع في قيعان الوجيع، فطاقات الأمة العلمية هائلة، وتبحث عن منافذ تؤهلها للتعبير عن إرادتها، ولا تجد مَن يستثمرها في مشاريع نافعة.

س9: ا. مراد غريبي: هناك كلمات متداولة في كتاباتكم المتنوعة وهي ذات مفاهيم مفصلية ؟

ج9: د. صادق السامرائي: الكلمة ذات قيمة ودلالة ومعنى، وتأثير في العقل والنفس والروح، ومن غير المعقول أن تتناول موضوعا، ولا تكون دقيقا في مفرداته لتدل على جوهره وفحواه.

لكل موضوع معجميته، كما لكل قصيدة معجميتها الخاصة بها، والمتصلة بالمعنى والفكرة.

ولكل فكرة دوائر مفردات، وأفلاك عبارات، وما ينقصنا فقدان قدرات التعبير عن الفكرة بالكلمات، لخواء المعجمية الذاتية والجمعية.

فالكلمات التي أستعملها أختارها بدقة، وأحاول أن أجعلها قادرة على حمل المعنى المقصود، وليس من السهل أن تتمكن من هذه المهارة التعبيرية، ولازلتُ أكدح لبلوغها.

ولابد من الإشارة إلى أن محنة النظرية والتطبيق، سببها فقدان قدرات التعبير عن النظرية بكلمات وافية يستوعبها المواطن، ولهذا فشلت نظريات الأحزاب برمتها، فما أن يتكلم قادتها حتى تكتشف خواء مفرداتهم وضعف عباراتهم، على النقيض من قادة الأمة القدماء الذين كانوا يجيدون فنون اللغة والخطابة.

س10: ا. مراد غريبي: ماذا عن فلسفة النص لديكم، ولمن الكتابة، وأيهما اصعب الكتابة أو القراءة في هذا الزمن الإفتراضي؟

ج10: د. صادق السامرائي: هذه أسئلة في سؤال!!

النص يجب أن يلتزم بتقنيات الكتابة، ويكون سهلا واضحا وممتعا فكريا ونفسيا، وليتساءل كاتبه قبل أن يبدأ الكتابة، لماذا يكتب، ولمن يكتب، وهل يستحق ما يكتبه القراءة؟

فالكتابة الإبداعية خدّاعة توهم الكاتب بأنه قدّم أصيلا وفريدا، فتنفخه بمشاعر وأحاسيس كاذبة، فتراه ينطلق بنصه غافلا هفواته، وإن أشرتَ إلى خطل ما تثور ثائرته ويحسبكَ عدواً لدوداً.

بينما المطلوب من المبدع أن يكون ناقدا لنصه، ومحاولا التعلم منه ليتطور ويأتي بما هو أفضل.

والكتابة للقارئ، فإذا عجز الكاتب عن ذلك فمن الأفضل أن لا يكتب، فنسبة مما يُنشر يبدو وكأن الكاتب قد كتب لنفسه!!

القراءة أصعب من الكتابة، لأنها تتصل بعوامل متعددة ومُبرمجة للعقول وفقا لأجندات معينة، فبعض الكتابات المسوَّقة ذات غايات مؤسفة، تحاول تعزيز الركائز السلوكية اللازمة لتحقيق مآرب ما.

وبشيوع المفاهيم الغابرة المدمرة للواقع البشري، أصيبَت القراءة بفاجعة حضارية مروعة.

والكتابة ربما صارت بلا شأن، فالكل يكتب ويرى أنه كاتب، قبل أشهر إتصلت بي طالبة في الثانوية تثني على كتاباتي، وتقول بأنها تكتب فشجعتها وقلت لها عليكِ بالقراءة وممارسة الكتابة اليومية حتى يتمرن قلمكِ ويتطور أسلوبكِ، وإذا بها لا تستحسن نصيحيتي، فهي كاتبة، وربما صدَقتْ وكنتُ من الجاهلين!!

لأننا نعيش فترة إنتقالية ما بين أجيال القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين، بين الورقي والرقمي، وفي عصر السرعة الذي يتطلب القراءة السريعة، وهنا يبرز التحدي الذي تغفله أجيال القرن الماضي، وهو كيف نكتب ما يُقرأ بسرعة؟!!

س11: ا. مراد غريبي:  أين القارئ في معادلة الكاتب والنص؟

ج11: د. صادق السامرائي: كقارئ أتصفح المواقع بين فترة وأخرى، لأقرأ مقالا أو نصا، وأجدني في محنة وحيرة، فلا أعثر إلا على نص واحد أو إثنين، تشدني للقراءة، فأكثرها تطردك من أول عبارة!!

وعندما أتساءل كيف بالقارئ الآخر الذي يريد أن يقرأ، ويحاول التمتع بالقراءة، أكتشف سبب العزوف عن القراءة، وفشل الأقلام في صناعة التيار الثقافي القادر على التغيير.

مَن ينشر قد لا يعنيه القارئ، بل أن النص الذي يكتبه ربما لا يدري ماذا وضع فيه، ما يعرفه أنه أطلق العنان لقلمه ليملأ السطور بالمنثور المهجور، ولأنه حشاها بالكلمات توهم بأنه كتب!!

وبهذه الأساليب يسعى مَن يكتب لإلغاء القارئ!!

س12: ا. مراد غريبي: على أي أسس تبلورت قصة الكتابة لديكم؟

ج12: د. صادق السامرائي:  لا تستغرب إذا قلت، أن الكتابة مَرض، أو سلوك إدماني، أحد الزملاء شكوتُ له هذا المرض فسماه "المرض النبيل"، فأسُسها مَرضية إدمانية بحتة!!

هذا المرض أصابني منذ كنت في الصف الرابع الإبتدائي، عندما طلب المعلم منا أن نكتب موضوعا إنشائيا في دفتر ذي عشرين ورقة، وجئت في درس الإنشاء وقد ملأتُ صفحات الدفتر بقصة طويلة، أي كتبت أربعين صفحة، قرأها، وأعطاني درجة كاملة وما علق بشيئ، إلا أنه أخذ يستدعيني أمام السبورة في حصة الإنشاء، ويطلب مني قراءة ما كتبت!!

وصرتُ أنشر في النشرات المدرسية ، ثم تطور النشاط في المرحلة المتوسطة والإعدادية، وأمضيت زمنا أكتب القصة القصيرة، وبعدها الرواية، ووجدتني مع الشعر الذي أتردد في نشره رغم دراستي المكثفة عنه، وقد أمضيت سنوات أكتبه ولا أنشره، أما الكتابة اليومية فأنها لازمتني منذ ذلك الوقت، ولعدم وجود التوجيه والرعاية، وهيمنة إرادة القهر والممنوع، أصابنا التيهان والضياع، وعندما أسأل نفسي لماذا لا أتوقف عن الكتابة، أتناول القلم وأكتب، كالمدمن على الخمر، وهو يردد وذات نفسه :  

 " دع عنك لومي فإن اللوم إغراء...وداوني بالتي كانت هي الداء"!!

فما أنشره يساوي نسبة ضئيلة مما أكتبه، وتعريفي للكتابة وضع الأفكار في أوعية الكلمات، ولكي تكتب يجب أن تقرأ، وقد نصحني أحد المثقفين الكبار المعروفين منذ البداية بقوله : " إقرأ ثم إقرأ ثم إقرأ ...حتى تمتلئ لكي تكتب"!!

س13: ا. مراد غريبي: هناك مصطلحات وعبارات أساسية ومركزية في مقالات الدكتور صادق السامرائي، أحيانا بإيحاء وأخرى بصراحة، أقصد مسائل "الأهواء المعقلنة"، "الأدمغة الملوثة والمدرعة والمبرمجة"، "العقل المقتول"، " الرؤوس المبرمجة" و"النخبة الرهينة والخيبة " وما هنالك من معجم مصطلحي خاص بالدكتور السامرائي، والذي يعكس قراءات وتحليلات عبر عدة مستويات أساسية ؛ هي العلمي والثقافي، والاجتماعي، والسياسي، والتاريخي، والديني/ الروحي.

ونحسبها مترابطة عندكم، هل من توضيح ما المقصود بأنماط التفكير التي فككتموها في عدة مقالات؟

ج13: د. صادق السامرائي: التصدي للظواهر بأنواعها، ينجم عنه إكتشاف الآليات الفاعلة فيها، ولكل ظاهرة ديناميكية تكوِّنها وتدِيمها وتعززها، والتصدي لها يستوجب الإحاطة بعناصرها المؤدية لترسيخها، والهدف من سبر أغوارها وتقليب صفحاتها، الوصول إلى جوهرها الذي يستدعي التفاعل العلاجي القويم.

فالإبحار في أعماق الظاهرة المساهمة في صناعة الواقع المُعاش، يوصلنا إلى جمع المشتركات في وعاء، يشير إلى أسباب العلة ومستلزمات إستئصالها، فتكون الصورة واضحة، والإقتراب منها أنفع وأكثر إنتاجية، لتحقيق إعادة تركيب مناهج تفكيرنا، وعصرنتها.

ولهذا يكون عنوان المقالة مصطلح توضحه في فقراتها، وتلقي الأضواء على معانيه ومضامينه، وما يشير إليه ويدعو لإتخاذه، وآليات الإقتراب منه.

وكل مُسمى يقود المقالة المكتوبة يشير إلى شكل من أشكال التفكير الفاعلة في مجتمعاتنا، فما يدور ليس نمطا دماغيا واحدا، وإنما عدة أدمغة بلمساتها المستقلة عن غيرها، فطرق التفكير السريعة قليلة، والواقع يزدحم بطرق التفكير الفرعية، وفي هذا يكمن مربط فرس وجودنا، الغير قادر للوصول إلى طرق الدنيا السريعة المتسارعة المتجددة التقنيات، وعلينا أن نوجه طاقاتنا العقلية نحوها.

طرق التفكير السريعة: آليات التفكير الجامعة الواسعة الإستيعاب والكوكبية النظر.

طرق التفكير الفرعية: العمه في الأنفاق المظلمة والزوايا الحادة الخانقة.

س 14: ا. مراد غريبي: ما المقصود بمسألة جدلية الوعي والقوة الحضارية؟

ج14: د. صادق السامرائي: هذا سؤال فلسفي بحت، فدعني أفكك معاني مفرداته.

 الجدل: طريقة في المناقشة والإستدلال، تبادل الحجج بين طرفين دفاعا عن وجهة نظر معينة، أو تبادل وجهات نظر حول قضيتين، ومنه الديالكتيك وما يتصل بهذه المفاهيم من رؤى ومنطلقات تعتمدها الفلسفة.

الوعي: الفهم وسلامة الإدراك، شعور الكائن الحي بما في نفسه وما يحيط به، ونفسيا للوعي مستويات معروفة.

القوة: ضد الضعف، وتعني القدرة، ولها تعريفات فيزيائية، وهي طبيعية وحيوية وعقلية، ومبعث النشاط والحركة.

الحضارة: "الكل المركب الذي يجمع بداخله جميع المعتقدات والقيم، والتقاليد والقوانين والمعلومات والفنون، وأي عادات أو سلوكيات أو إمكانات يمكن أن يحصل عليها فرد ما في مجتمع ما"، وبإختصار هي التمدن، عكس البداوة.

وعليه فالوعي درجات، وتفاعل درجاته المتباينة يساهم بولادة وعي جديد، يحقق تحولات متجددة في الواقع الذي يتأثر به.

ووفقا لذلك فأن الحوارات المتنوعة ضرورية، لتفعيل العقول وإعمالها، للإنتقال بآفاق الوعي الجماهيري إلى مستويات معاصرة ذات قيمة تواكبية أصيلة.

فالمجتمعات المتنافرة أضعف من المتحاورة، فالأخيرة تزداد قوة وإقتدارا، والأولى تتهاوى في معاقل الخسران والهوان.

س 15: ا. مراد غريبي: لديكم تجربة أدبية خاصة وفريدة، هل الشعر والنثر عندكم إبحار في متاهات المسرح الثقافي العربي؟؟

ج 15: د. صادق السامرائي: الكتابة بدأت نثرية وتبين أنها شعرية، فالمقالة قد تتحول إلى قصيدة والعكس صحيح، بل كنت أخلط بين المقالة والقصيدة، فكانت المقالات تمزج بين الشعر والنثر، وبعد أن حاولت المعالجة، وجدتني تحت تأثير هذا البحر أو ذاك دون غيره، وفي بعض النصوص تختلط البحور، وأحيانا أجدني أكتب على إيقاع لا وجود له في علم العروض.

لم أتعلم الشعر لأكتبه، بل إكتشفت صدفة أن ما أكتبه شعر!!

والفكرة هي التي تحدد طبيعة وأسلوب ومفردات المكتوب، فقد تبدو بمقال، قصة، رواية، حكاية، خاطرة، عبارة، أو بيت واحد أو أكثر.

يتملكني بين آونة وأخرى بحر من البحور، حتى أن كلامي مع الآخرين يأتي على أوزانه، بل وخطواتي ربما تتقيد بإيقاعاته، وإذا كتبت قلمي لا يتوقف فتتجاوز القصيدة المئة بيت، وتعلمت مع الزمن أن ألجم جماحه، وأوقفه عند حده، ولهذا معظم القصائد أحاول أن أمنعها من تجاوز الثلاثين بيتا.

أكتب يوميا، وأحيانا في كل يوم قصيدة، وعدد من المقالات، وما أنشره يساوي نسبة ضئيلة مما أكتبه، وهذا ما أعنيه بمرض الكتابة، ولدي أرشيف يزدحم باللامنشور.

والبلية الكبرى عندما تتحول الثقافة إلى عشق، ومتعة روحية وفكرية، ولذة عقلية ذات أحاسيس إشراقية، وإدراكات نورانية ساطعة خلابة في أروقة النفس، وفضاءات الأعماق العلوية.

وإذا سمحتَ لي أن أذكر شيئا عن الشعر، فما كل موزون بشعر، ولا كل منثور كشعر، النص يجب أن يكتسب مواصفات خاصة ترقى به إلى مقام الشعر، ولهذا فالنسبة العظمى مما في دواوين الشعراء، هو نظم، وقليلٌ فيه الشعر، فالنظم سهل، لكن الشعر صعب، ولهذا لا تجد رائعة شعرية ذات قيمة وأثر، إلا فيما ندر.

الشعر الحقيقي المنثور أصعب من الشعر العمودي، لأنه بحاجة لقدرة إدراكية موسوعية لشد أواصر الأفكارببعضها، ضمن إيقاع مؤثر في مشاعر وأحاسيس ومدارك القارئ.

ولكي تكتب شعرا حقيقيا يجب أن تتمكن من تذويب المشاعر والأفكار والمفردات في كيان متجانس بليغ.

س 16: ا. مراد غريبي: ناقشتم إشكالات ومشكلات وسلوكيات وتطلعات وإستشرافات عديدة تتعلق بالديمقراطية، كيف يقرأ الدكتور السامرائي مفهوم الديمقراطية في جل تمثلاته الإنشائية والتطبيقية والازماتية والسلوكية والأخلاقية: غربيا، عربيا - إسلاميا؟

ج 16: د. صادق السامرائي: نشرت على صفحات المثقف منذ بداية إنطلاقها، سلسلة حلقات عن الديمقراطية بعنوان "لسان الديمقراطية"، وعشرات المقالات التي تتناولها من كافة الزوايا، ولا زلت كلما برقت فكرة جديدة متصلة بها أكتبها.

الديمقراطية تتلخص بتوفير البيئة القادرة على إطلاق الطاقات الجماهيرية وإستثمارها لتأمين المصالح الوطنية، ومن ضروراتها الأساسية قوة القانون وهيبة الدستور، فإذا إنتفى الدستور الوطني الصالح للمجتمع، وغاب القانون فلا وجود لها.

وتعني إعلاء قيمة الإنسان وإحترام حقوقه، فعندما نعترف بوجود إنسان له حقوقه المصانة، يمكننا الكلام عن الديمقراطية.

البشرية لم تعرف التعبير العملي عن حكم الشعب إلا في التأريخ القريب، وحاولت أن ترتقي إلى جوهر الفكرة في القرن العشرين، فبذلت التضحيات الجسام، ولا تزال المسيرة الديمقراطية في الدنيا ليست على ما يرام.

وهي بحاجة إلى بنية تحتية، نفسية، سلوكية، فكرية، ثقافية، روحية، وطنية، زراعية، عمرانية، صناعية، صحية، وإبتكارية وغيرها، تؤهل المواطن للتعبير عن قدراته، وإحساسه بقيمته ودوره في بناء الحياة الحرة الكريمة.

س 17: ا. مراد غريبي: أكثر ظاهرة شدتني في تحليلكم لها كونها ترتبط بالإنسان والدين والثقافة والدولة والمقدس والمدنس، هي ظاهرة التطرف الإنساني والديني، كيف تتكون سكرة التطرف بنظركم؟

ج 17: الدكتور صادق السامرائي: التطرف سلوك مُصنّع في مختبرات البرمجة الدماغية، الهادفة لإتلاف الشعوب والمجتمعات وتفتيتها، فأي شخص يمكن تحويله إلى متطرف، بآليات بسيطة ومكررة ترسخ في دماغه ما يُراد له أن يؤديه، فتراه كالدمية المتحركة عن بعد أو قرب، يندفع نحو هدفه بطاقة إنفعالية متأججة، فد تقضي عليه وعلى مَن حوله، وهو في غفلة وسكرة إنفعالية هوجاء، لا تسمح لعقله باليقظة ولو للحظات.

والتطرف له علاقة بطبيعة الدماغ، هذا العضو الذي يمكن تصنيعه وبرمجته ليكون مستعبدا لصاحبه ومهيمنا على وجوده، ويأخذه إلى مبتغاه وهو مذعن خانع كالروبوت. ويمكن أن تستحدث فيه دوائر عُصيبية مترابطة ذات قدرات حركية فائقة، بإقران أي سلوك مرغوب بأجيج عاطفي مصطنع، وبتكراره تهيمن تلك الدائرة العُصيبة المُستحدثة، وتستحوذ على بقية أجزاء الدماغ وتسخره لمنطلقاتها، وما تمليه عليه.

وكل عقيدة أيا كان نوعها، لديها مهاراتها التطرفية، فأصحاب العقائد متطرفون بإنغلاقيتهم وتوهمهم بأنهم العارفون، والقابضون على الحقيقة المطلقة (التي لا يدرون ما هيتها لأنها تكون غيبية دوما)، وبتكاثر ما هو عقائدي يتنامى التطرف، خصوصا عندما يقرن بأحداث دامية وقاسية.

وتلعب الحركات المؤدينة دورها الفتاك في نشر التطرف والإستثمار فيه، لأنه أداتها الأقوى للتعبير عن مشاريع غنائمها، وتبرير ما تقوم به من آثام وخطايا، تحت خيمة المقهورية والمظلومية المسوّقة للنيل من جوهر الحياة.

وهذه الحركات تكون سهلة الإستخدام من قبل الطامعين بالبلدان والمجتمعات، ويمكن إيهامها بتعزيز إرادتها ومراميها.

ومن جانب آخر، فالتطرف ظاهرة قائمة في أي مكان وزمان، ووفقا لمنحنى الإنتشار الطبيعي، فإن نسبة (2.5%) من أي حالة تكون متطرفة بإتجاهين حميد وخبيث.

ولا يخلو مجتمع، حزب، مذهب، دين، أو ما شئت من الحالات البشرية من التطرف، وإذا أخذت (1000) شخص، ستجد (25) منهم متطرفا حميدا ( النوابغ من العقول المبدعة) ويتم ملاحقتهم لمحقهم في بعض المجتمعات المنكوبة، و(25) منهم متطرفا خبيثا (المجرمون وسفاكوا الدماء وأمثالهم)، يتحقق التركيز عليهم والإستثمار فيهم في تلك المجتمعات الخائبة، بتقويتهم وإمدادهم بالسلاح والعتاد، وتعزيز سيطرتهم على مقدرات الحياة.

الوجود في جوهره متطرف، والأرض كينونة متطرفة!!

المشكلة ليست في التطرف وإنما في الإستثمار فيه، فلكي تقضي على أي حالة عليك أن توظف عناصرها المتطرفة الخبيثة لتقوم بدورها الهدام فيها.

والمتطرفون دينيا يتناسب توظيفهم وإستثمارهم مع درجة حرمانهم، وعندما يتذوقون طعم الدنيا فأنهم سيتغيرون، ولا يخربونها للفوز بالآخرة، لأنهم سيكونون أشد حرصا على حياتهم!!

فأطعمهم عسل الدنيا وبعدها تكلم عن التطرف!!

س 18: ا. مراد غريبي: ماذا هناك بين سطوة التخلف والتيه الثقافي عند العرب والمسلمين في فهم الدين والحضارة ؟

ج 18: الدكتور صادق السامرائي: العرب متناحرون لا متخلفون، ويستنزفون طاقاتهم في نشاطات خسرانية وعبثية، ولا تستغرب إذا قلت لا يوجد فهم عربي واضح وجامع للدين، ولو كان الفهم موجودا، لما فعل المسلم العربي بالمسلم العربي ما فعل.

المفروض أن العرب أعرف المسلمين بالإسلام، لكن الواقع يشير إلى أنهم أجهل المسلمين بالإسلام!!

قد يبدو كلاما غريبا، لكن لو سألتَ أي عربي عن بعض معاني الكلمات في القرآن، لغضب وإتهمك بأنك تنتقص من شأنه، ولن يقر لك بعدم معرفته!!

ومصطلح (رجل الدين) لا وجود له في تأريخ الإسلام، إنه مسمى مصطنع لتضليل العامة بأن فلان يعرف بالدين.

ولا يوجد فرد عارف بالدين، لأنك لو دخلت مكتبة تراثية، لأصابك الذهول من كثرة الموسوعات والكتب التي تبحث في شؤون الدين، ولا يمكن لفرد مهما توهمنا أن يلم بمعرفة قليلة حقيقية عن الدين، ولهذا أكثرهم يميلون إلى القول الذي يتصورونه ويختلقونه، وبذلك يفترون على الدين، وبتكرار هذه السلوكيات يتغير معنى الدين.

وتجد يعض ذلك حتى في كتب التفاسير، فالدين صار بحاجة إلى جمهرة علماء تفاعل عقولها في أية مسألة لتستخرج أصوب ما يمكنها من الجواب عليها.

فلا يصح القول بالفرد العارف بالدين، فهذا الزمان قد إنتهى، ففي زمن الفيضان المعرفي والمعلوماتي، تصاغر دور الفرد العارف بكل شيئ، فالدماغ البشري لا يستوعب ذلك، فهو محدود القدرات، وكلما تقدمت المعارف تعددت التخصصات.

أما فيما يخص الحضارة العربية، فأن الشعور بالدونية والتبعية وفقدان القيمة والدور قد ترسخ في الوعي الجمعي، حتى صار العربي ضد ذاته وموضوعه، ومن ألد أعداء هويته.

وقد أسهمت النخب المعرفية في نشر المفردات السلبية والرؤى الإنهزامية، والتصورات الإنكسارية، والمناهج الإنتكاسية، التي أوهمت الأجيال بأنها عاجزة، وعليها أن تستلطف دور العالة على غيرها.

والتجهيل الحضاري يمضي بكثافة هجوميية غير مسبوقة، لإقتلاع جذور الأمة، وإطلاق أجيالها في متاهات اللاجدوى والإبهام.

فالمواطن في مجتمعاتنا لا يعرف مدينته ولا يدرك عمقها الإنساني، وفي أمية مروعة عن دور الأسلاف في وضع المنطلقات الحضارية للبشرية، ويعيش متوهما بأن الآخر هو الأقدر الذي لا يمكنه أن يكون مثله.

فنحن أجهل الأمم بتأريخنا الحقيقي، ويتملكنا التأريخ الوهمي الخيالي الذي لا يُعتبَر منه لأنه سراب رؤى!!

س 19: ا. مراد غريبي: للتاريخ مرويات تحتاج لمساءلة وتحرير من منطق الاستبداد والعاجية والطائفية، كيف يتحقق ذلك برأيكم؟

ج 19: الدكتور صادق السامرائي: فهم التأريخ يعتمد على كيف نقترب منه، بعلمية منهجية أم بحكمية مسبقة، وآراء راسخة تبحث عما يبررها، التأريخ حمّال أوجه، ومعظمه مكتوب في غير أوانه، ويمثل رؤى مَن دوّنه.

الكثير منه كان بضاعة يجني أصحابها منها مالا، بل يعتاشون عليها، فيكتبون بضاعة تُشترى، ولا يطرحون ما هو كاسد أو لا يُشترى.

فنسبة كبيرة من الذين كتبوا التأريخ، حشوه بالأكاذيب والتصورات الخالية من الأدلة، والأرصدة الواقعية، وتنافي الطبع البشري والقدرات الآدمية.

إنهم يخرجون الشخص المكتوب عنه من بشريته، ويرفعونه درجات فوق المخلوقات، ويوهمون الناس بأنه قريب من الإله أو سليله، مثلما فعل إنسان الحضارات القديمة، فلكي تفرض سلطتك على الآخرين لا بد أن تتميز عنهم بإنتسابك لما هو غيبي ومقدس!!

ولهذا فالحاجة ملحة إلى الجرأة في طرح الأسئلة وتقييم المدوَّن الوارد إلينا، وفقا للمنهج العلمي والتمحيص العقلي، فهناك قصص ومرويات لا يمكن قبولها عقليا، وأكثرها كالأساطير الخرافية، فتجدنا أمام شخص خائف مرعوب من المحيطين به، ومصيره مرهون بالآخرين، وقد قدموه على أنه صاحب القول الفصل في كل أمر، والملهم الذي تنحني له الرقاب، وما هو كذلك على الإطلاق، ومَن يطلع على ما وردنا في كتب التأريخ، يستغرب من قبول المنقول، وعدم تنقيته من الأضاليل والإفتراءات والتخيلات التجارية، شعرا ونثرا.

س 20: ا. مراد غريبي: قراءتكم لمفهوم الإسلام ذات عمق ابستيمي، بحيث لكم مقاربات من خلال ثنائيات مفاهيمية للإسلام، تعكس رؤية إنسانية مختلفة عن رؤى العديد من المفكرين، هل الإسلام رهينة فهم رجعي أو سطو فقهي أم مشكلة ثقافة؟؟؟

ج 20: الدكتور صادق السامرائي: ابستيمي: (المعرفة والعلم).

الإسلام دين ربما يكون مجهولا في بعض مجتمعاتنا، والسائد دين مصطنع ومستورد يُسمى جزافا إسلام!!

فما يشير إلى معنى الإسلام كسلوك أصبح نادرا؟!

لقد تم إختصار الدين بتأدية الفروض وحسب، أما الدين العمل والمعاملة، فأشبه بالخيال.

ولهذا تجد المسلم عدو المسلم في كثير من الأحيان، مما جعل الآخر يرى، لكي تقضي على المسلمين زوّدهم بالسلاح، فأنهم سيتنافسون على قتل بعضهم البعض!!

فالإسلام ما عاد دينا واحدا، بل أديانا متنافرة لها مسمياتها، وكل منها يدّعي أنه الإسلام الصحيح، وغيره زنديق وكافر وعدو الإسلام، وبقتله يتقرب القاتل إلى ربه ويدخل جنات نعيمه الغناء.

الدين بتفرعاته أضحى بضاعة تجارية لها تجارها ومسوقيها وأسواقها، ويزداد ترويج بضاعته بتنامي التجهيل، فتجار الدين يرون أنهم يعرفون، والذين حولهم من الجاهلين، فعليهم بالسمع والطاعة، وبهذا يصنعون مجتمعات التبعية والخنوع، ويصادرون العقل، ويمنعونه من العمل، فالسؤال حرام، والتفكير من الخطايا والآثام.

س21: ا. مراد غريبي: هناك البراغماتية والأخلاق، كانط يطرح فهم مثالي للأخلاق بعيدا عن المنفعة، هذا عند فيلسوف الأخلاق، ماذا عن نظرة الأديان حول الأخلاق وتحديدا الأخلاق بين الإسلام والمسلمين؟؟

ج21: الدكتور صادق السامرائي:

البراغماتية: (النفعية، المصلحية \ أو معيار الأفكار الناجحة بقيمة نتائجها العملية)

طرحتُ عدة مفاهيم بهذا الخصوص في مقالات منشورة ومنها الدين المصلحة، فالتأريخ يحدثنا عن المعنى الحقيقي للدين، الذي يترجمه سلوك البشر عبر الأجيال المتعاقبة.

والإرتقاء إلى مرتبة القيم والخلاق والوعي الروحي والفكري والإنساني، يحتاج إلى كدح ومكابدة على عدة مستويات، لا يتمكن منها إلا القليل من الناس، ويأتي في مقدمتهم الأنبياء والأولياء والصالحون، الذين يبرهنون بسلوكهم المتواصل عن جوهرهم المتحرر من جذب التراب، وإنتصارهم على أمّارة السوء التي فيهم.

ما يدور في واقعنا، أن الدين تحول إلى مطية لتأمين مصالح فردية وجماعية وفئوية وطائفية، فالسلوك لا يعبّر عن الدين، وإنما عن الغايات والمرامي المبرقعة بدين.

فأين الدين فيما يجري في بعض المجتمعات التي جثمت على صدرها أحزاب الدين؟

الدين إرادة نابعة من الذات الفردية، فالذي لا توجد عنده تلك الطاقة اللازمة للتفاعل الأكمل مع الدين، لن تقدر ان تفرض عليه الدين، ومن هنا جاءت " لا إكراه في الدين".

أما عندما تكون بوصلة المصلحة هي الفاعلة، فلا تتحدث عن الدين، بل عن فقه الجماعة المتمترسة في خنادق رؤاها وتصوراتها القاضية بإستعبادها للآخرين.

الأمة لا يمكنها أن تلتقي بجوهرها الحضاري، إذا بقيت مرهونة بالدين كمطية لتأمين مصالح الكراسي وفقهائها المضللين.

س22: ا. مراد غريبي: في سياق هذا الواقع العربي المهترئ، حيث تبدّلت المفاهيم والقيم، نختم بالتساؤل التالي: كيف نستعيد حيويتنا من جديد، أستاذي وصديقي المفكر د. صادق السامرائي ؟

ج 22: د. صادق السامرائي: الواقع العربي ليس مهترئا (باليا)، فهذه توصيفات سلبية يُراد لها أن تنتشر وتترسخ في الأذهان، وتتسيد على الوعي الجمعي.

الواقع العربي يمر بمرحلة وضعته عاريا أمام نفسه، وفيه أجيال وافدة صاعدة ذات مستويات معرفية وإدراكية معاصرة، أخذت تشق دروبها وتبني أسس إنطلاقها نحو غدٍ يليق بها.

ما يحصل في واقع الأمة، حصل في مجتمعات الدنيا قبلها، وأقرب مثل، دول أوربا، التي خاضت إنهيارات شاملة على جميع المستويات، وإنبثقت أقوى وأقدر.

وكذلك الأمة ستكون أقوى وذات إرادة حضارية معاصرة تدعو للإفتخار، وإن ذلك لقريب ولا يكلفها إلا جيلين أو أكثر.

فالأمة أكثر تقدما مما كانت عليه فبل بضعة عقود، وهذه العواصف ستزول بعد أن تلد الطاقات الكفيلة بصناعة إرادتها المعبرة عنها، فعلينا أن نتحرر من المفاهيم السلبية ونتمسك بالإيجابية.

فهل يجوز وصف دول أوربا - في النصف الأول من القرن العشرين - بالمهترئة؟!!

وعن إستعادة الأمة لحيويتها، فهي حية ونشطة، وأبناؤها في غير مواطنهم يشاركون الدنيا بمسيرتها الإبداعية على كافة الأصعدة.

والتحدي الأكبر أن الأمة تتحسس من العلم وتنكره، والعديد من القابضين على مصيرها بإسم الدين، يعتبرون العلم بدعة سيئة، لأنه يزعزع مكانتهم ويحرمهم من غنائمهم.

فيحسبون البشر أرقاما، وهم الأصفياء الصالحون الأنقياء المدّعون بدين.

والعجيب كلما زاد عددهم في المجتمع، تنامى الفساد وإنحطت القيم والأخلاق، ويبدو أن ذلك من مشاريعهم التي تريدها نوازعهم المطمورة الفاعلة في دنياهم الخفية.

وإلا كيف تفسر بزيادة أدعياء الدين يتنامى الفساد والخراب والدمار والأمية؟!

المنهج العلمي ما ينقصنا وغيابه يدمرنا.

الدول العربية تصرف نسبة كبيرة من عائدات النفط على السلاح والحركات التي ترفع رايات الدين وفقا لرؤاها، وتتردد في الإنفاق على البحث العلمي، وميزانياتها هي الأقل بين دول العالم، فماذا نتوقعها أن تجني من هذا السلوك الخائب المرير!!

ومعظم المفكرين العرب لا يركزون على البحث العلمي ومناهج العلم، ويمعنون بنبش الغابرات وتعليل الآتيات بالماضيات، ويتحركون في دائرة مفرغة لا منافذ فيها، ولا مخارج لحياة وأمل بمستقبل مجيد.

وختاما شكرا على هذا التفاعل المعرفي الجريئ المقدام، الذي علينا أن نكرره لنزعزع أركان الركود والجمود والخمول، القابض على أنفاس أمة ذات قدرات فياضة بالأصيل المعاصر الفريد.

فأمتنا حية، ومنها علينا أن نستمد إرادة الحياة، وطاقات الصيرورة والتكوّن الخلاّق، وستعيد ترتيب آليات وجودها، وستنتصر على أزماتها، وستخرح منها بعافية وصحة جيدة.

تحية لكم ولصحيفة المثقف التنويرية الغراء.

د-صادق السامرائي

إنتهى

 

 

 

2760 وطفة ومرادخاص بالمثقف: الحلقة الأخيرة من مرايا فكرية مع المفكر والأكاديمي الدكتور علي أسعد وطفة، وحوار شامل  أجراه معه الأستاذ الباحث مراد غريبي، حول التربية وعلوم الاجتماع، فأهلا وسهلا بهما:


 س12: ا. مراد غريبي: ماذا عن مفهوم الثقافة والجدليات المتنوعة حوله في مجال الغرب ولدى العرب والمسلمين خاصة؟

ج12: د. علي أسعد وطفة: عندما نتحدث عن الثقافة فنحن نتحدث عن الحياة الإنسانية في أوسع معانيها ودلالاتها ويشمل هذا المفهوم مختلف الصيغ الواعية والمحتملة لعلاقة الإنسان بالإنسان وعلاقة الإنسان بالطبيعية والكون. وهذا يعني أن مفهوم الثقافة مفهوم كوني شامل يشتمل في ذاته على كل أنماط التفكير والسلوك والتفاعل بين بني الإنسان وبينهم وبين الكون الذي يحتضنهم. وما أريد قوله إن مفهوم الثقافة مفهوم شائك شديد التعقيد يمتلك تضاريس معقدة وهضاب متكسرة وأعماق سحيقة يصعب ضبطها والسيطرة عليها ذهنيا ومعرفيا.

وإذا كان مفهوم الثقافة يغطي مختلف مناشط الحياة والوجود فمن الصعب حقيقة أن نقدم تعريفا جامعا مانعا للثقافة. فالثقافة مضاف يرتهن بما يضاف إليه، كأن نقول: الثقافة الدينية، الثقافة السياسية، الثقافة التربوية، الثقافة الحضرية، ثقافة الريف، ثقافة المدينة، ثقافة العامة، ثقافة الخاص، الثقافة الأخلاقية، الثقافة البيئية... الخ. هذا وتبين الأعمال الواسعة في مجال الأنتروبولوجيا البنائية إلى أي درجة يتسم مفهوم الثقافة culture بالتنوع والتعقيد، فالمجتمعات الإنسانية تتنوع بتنوع ثقافاتها، ويعبر هذا التعدد الثقافي عن وجوه متعددة للحياة الإنسانية حيث يرتبط تعددها بتعدد اللغات والعقائد والأديان والأخلاق والقيم الإنسانية.

ويعد مفهوم الثقافة Culture من أكثر المفاهيم تداولاً وشيوعاً، ومن أكثرها غموضاً وتعقيداً. وهو المفهوم الذي أعيا جهود الباحثين الذين حاولوا تعريفه وتحديد ملامحه. لقد وقع كلكهون Kluckhon على مئة وستين تعريفاً للثقافة، وذلك منذ عدة عقود. ولفظة ثقافة Culture قديمة في اللغة الفرنسية؛ إذ ظهرت في القرن الثاني عشر، للدلالة على فعل العبادة، وبدأت تشير إلى فعل حراثة أرض وزراعتها في القرن السادس عشر.

ولكن هذه الكلمة بدأت تأخذ أبعاداً اجتماعية، وتكتسب مضامين ثقافية، منذ بداية القرن الثامن عشر. ويعد تعريف تايلور Tylor للثقافة، في كتابه الثقافة البدائية Culture primitive عام 1874، من أكثر تعاريف الثقافة شيوعاً وتواتراً في أدبيات الثقافة المعاصرة، وقوام ذلك التعريف أن الثقافة: " كل يشتمل على المعارف والعقائد والفنون والأخلاق والقوانين والعادات والتقاليد والاتجاهات والاستعدادات التي يكتسبها الفرد بوصفه عضواً في الجماعة». ويجمع الباحثون على أن التعريف الذي قدمه تايلور يشتمل على عنصري البساطة والشمولية. وتظهر هذه البساطة وتلك الشمولية عند كيلباتريك Kilbatrik الذي يعرّف الثقافة بأنها: «كل ما صنعته يد الإنسان وعقله من أشياء ومظاهر في البيئة الاجتماعية ".

ويشكل هذا المفهوم محورا للتناظر الأيديولوجي في الثقافة الغربية ويتمثل ذلك في نسق من التعريفات الأخلاقية والرمزية والأنثروبولوجية، وتعبر هذه التعريفات عن توجهات فكرية وفلسفية وأيديولوجية متنوعة بتنوع التيارات الفكرية التي نعرفها في الغرب. ودعنا نستعرض بعضا من التعريفات الكلاسيكية المهمة في الثقافة الغربية. ويمكن القول إن تعريف كانط يعدّ من أبرز التعريفات الإنسانية، حيث يعرفها: “أنها مجموعة من الغايات الكبرى التي يمكن للإنسان تحقيقها بصورة حرة وتلقائية، انطلاقاً من طبيعته العقلانية، وبهذا تكون الثقافة في نظر كانط أعلى ما يمكن للطبيعة أن ترقى إليه".

ولقد شكّلت نماذج التعريفات الشمولية الواسعة ينبوعاً للتعريفات التي تميل إلى الدقة والتخصص، وتنزع إلى التركيز على جوانب بنائية، أو وظيفية أو نفسية في مفهوم الثقافة الواسع. ومن هذه التعريفات يبرز تعريف كلكهون C. Klukhohn الذي يركز على الجانب السلوكي في الثقافة؛ إذ يعرفها بأنها: "طرق الحياة المختلفة التي توصل إليها الإنسان عبر تاريخه الطويل، والتي تشكّل وسائل إرشاد موجهة لسلوك الأفراد الإنسانيين في المجتمع".

وتبرز القيمة التخصصية لتعريف كلكهون في إبراز جوانب معقدة في تعريفه للثقافة، حيث يؤكد على الجوانب الصريحة أو الضمنية في الثقافة، وعلى أنها أسلوب حياة، كما يعطي أهمية للجانب التعليمي والإرشادي في بنية الثقافة.

ويتصدر تعريف لنتون Ralph Linton التعريفات المهمة للثقافة، وهو الذي يعرّف الثقافة بأنها «ذلك التشكيل أو الصيغة من السلوك المكتسب ونتائجه، حيث يتقاسم أفراد المجتمع عناصره المكونة ويتناقلونها في إطار مجتمع محدد «فالثقافة في تعريف لنتون ليست مجموعة من المعارف فحسب، بل تشتمل على القيم وطرق الحياة، والتفكير الخاص بأفراد المجتمع كافة.

وتؤكد بعض محاولات تعريف الثقافة على القيمة الرمزية للثقافة، ومن هذه التعريفات تعريف وسلزنك (1964) الذي يقول: إن الثقافة «هي كل شيء يتم إنتاجه عن طريق الخبرة الرمزية المشتركة وله القدرة على مساندتها» ويركز هذا التعريف، كما هو واضح، على أهمية الجانب الرمزي في الثقافة وخاصة اللغة وإشارات الرمزية، التي ينفرد بها الإنسان مقارنة بالكائنات الحية أخرى. ولا بد لنا من أجل تحديد مفهوم الثقافة أن نستطلع الحدود المتداخلة لهذا المفهوم مع بعض المفاهيم الأخرى كالحضارة، والطبيعة، والمجتمع.

ومما لا شك فيه أن مفهوم الثقافة يشكل مجالا حيويا للتداول الفكري والتناظر المستمر بين المفكرين منذ عهود طويلة حتى اليوم ، وفي كل مرحلة يأخذ مفهوم الثقافة تشكلات وصيغا جديدة حيث تدور المناظرات اليوم حول مفهوم الثقافة فيما بعد الحداثة وما بعد العولمة ، وهذا كله يؤكد أن مفهوم الثقافة مفهوم متحرك دينامي مستمر في النمو والتطور مع تطور المجتمعات الإنسانية . ولا يمكن  القبض على ناصيته هذا المفهوم إلا جزئيا ضمن أحد مربعاته اللامتناهية التي تتقاطع مع تقاطع الزمان والمكان والأحداث التاريخية. وباختصار أقول: إن الثقافة هي وضعية من التفاعل العميق بين الوعي الإنساني والسلوك وبعبارة أدق هي محاولة الإنسان في التكيف مع العالم الذي يوجد فيه بكل الوسائل والإمكانيات المتاحة له بوصفه فردا أو جماعة.

وفيما يتعلق بالشق الثاني من السؤال المتمثل في جدل الثقافة عند العرب والمسلمين نقول: إن مفهوم الثقافة بصيغته الأنثروبولوجية مفهوم غربي وهو مفهوم غربي حديث كما أشرنا ولد في القرن الثاني عشر ثم اتخذ هيئته في القرن التاسع عشر. وضمن هذه الصيغة نقول بأنه إذا كان مفهوم الثقافة حديثا نسبيا في الفكر الغربي،  فإن هذا المفهوم حديث جدا في الحالة العربية الإسلامية. فالمفهوم الأنثروبولوجي لم يعرف أبدا في الفكر العربي الإسلامي. وهذا يعني أن مفهوم الثقافة في العربية هو ترجمة لكلمة الثقافة باللغة الفرنسية أو الإنكليزية.

وقد عرف العرب كلمة الثقافة كلفظة أصيلة عريقة في اللغة العربية وتعني صقل النفس والمنطق والفطانة، وجاء في القاموس المحيط عن الثقافة: ثقف ثقفا وثقافة، صار حاذقا خفيفا فطنا، وثقفه تثقيفا سواه، وهي تعني تثقيف الرمح، أي تسويته وتقويمه. واستعملت الثقافة في العصر الحديث للدلالة على الرقي الفكري والأدبي والاجتماعي للأفراد والجماعات. وأصل كلمة الثقافة في العربية مستمدة من الفعل الثلاثي( ثقف) بضم القاف وكسرها. وتأخذ معانٍ عديدة منها: الفطنة والذكاء والتهذيب وضبط العلم وسرعة التعلم، ويقال قديماً: غلام ثقف أي ذو فطنة، ثابت المعرفة فيما يحتاج إليه، وكانت تستخدم للدلالة عل اسم آلة الثقّافة التي كانت تستخدم لتسوية اعوجاج الرماح والسيوف قديماً. ويُقال ثقف الشَّيء إذا حذقه، ومنه يُقال هذا رجلٌ ثقف أو امرأةٌ ثقفة.

 فالثقافة في اللغة العربية أساسا هي الحذق والتمكن، وثقف الرمح أي قومّه وسواه، ويستعار بها للبشر فيكون الشخص مهذباً ومتعلماً ومتمكناَ من العلوم والفنون والآداب.

ويقال إن أول من استعمل مصطلح ثقافة ليقابل به لفظة culture في العصر الحديث هو سلامة موسى. وقد بدأ المفكرون العرب لاحقا يستخدمون هذا المفهوم بدلالته الأنتروبولوجية التي عرفناها عند تايلور وغيره من المفكرين الغربيين. وهذا يعني أن مفهوم الثقافة مفهوم غربي المنشأ والهوية وقد استخدم هذا المفهوم لاحقا في ثقافتنا العربية ووظف في تناول مختلف القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وأصبح فيما بعد مفهوما مركزيا من المفاهيم التي توظف في العلوم الإنسانية في المجتمعات الغربية والعربية أيضا.

وإذا كان سؤالكم يوحي بفكرة الطابع الإبداعي للفكر العربي في مجال الثقافة نقول بأن مفهوم الثقافة بقي ضمن أطره الغربية ولا نعرف حتى اليوم بوجود أي نظرية ثقافية عميقة مخصصة للظاهرة الثقافية بوصفها مفهوما في الثقافة العربية، ومما لا شك فيه أن المثقفين العرب قد أسهموا إسهاما كبيرا من خلال المفكرين التنويريين أمثال الجابري وأركون وصادق العظم ولطفي السيد وطه حسين وطيب تيزيني وغيرهم كثير في توظيف هذا المفهوم الغربي توظيفا إبداعيا. وما يمكن قوله أيضا أنه ليس من الضرورة التجديد أو اختراع نظرية جديدة في معانيه فالمفهوم قد استقر أنثروبولوجيا إلى حدّ كبير ولم تعد هناك برأينا ضرورة لتناول المفهوم ضمن مرمى التجديد. فالمفهوم أصبح مركزيا وأساسيا ومعتمدا كأداة للتحليل الثقافي في مختلف الاتجاهات والصيغ الأدبية والعلمية والسوسيولوجية. وقد استفاد المفكرون العرب ووظفوه أروع توظيف في تحليل المظاهر الثقافية للحياة العربية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

س13: ا. مراد غريبي: هل الثقافة بتنوعها بين الشعوب والأمم تعكس صراع هووي أم المأزق خارج مجال الثقافة؟

ج13: د. علي أسعد وطفة: دعنا نبسط الإجابة عن السؤال: الثقافة هي ترجمة لمعتقدات شعب وسلوكه. وبعبارة ابسط هي منظومة السلوك التي يتبناها في تكيفه مع العالم. فالثقافة تصورات وقيم وعادات ومفاهيم وطقوس تساعد الإنسان على التكيف مع ذاته وفي مجتمعه ومع الوسط الطبيعي الذي يعيش فيه. ومما لا شك فيه كما أشرنا في التعريف أن الثقافة ظاهرة متغيرة بتغير الزمان والمكان والأحداث. ولا يمكن التطابق بين ثقافة شخصين أبدا كما أنه لا يمكن التماثل المطلق بين جماعتين في داخل مجموعة بشرية واحدة. وهذا يعني أن الثقافة مبنية على أقصى درجة من التنوع بين الشعوب والبلدان والأمم. وهذا كله يعني أن هذا التنوع الثقافي ضروري وحيوي ومصيري ومستمر في بني الإنسان. وبناء على ذلك نقول بأن الصراع بين الأمم والشعوب ليس صراعا ناجما عن الاختلاف في الهوية بل على خلاف ذلك يمكن لهذا الاختلاف أن يكون مصدرا للتفاعل والتكامل بين الشعوب والأمم. وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالي:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّاخَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚإِنَّأَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ".

وبناء على هذه الرؤية يمكن القول إن الاختلاف في الهوية لا يفسد للود قضية بين الشعوب. وإنما ما نحسبه صراعا "هوويا "(= الصفة للهوية) ناجم عن عوامل أخرى وهي عوامل أيديولوجية داخل بعض الثقافات التي تنمي اتجاهات عدوانية ضد الأمم والشعوب الأخرى مثل النزعات القومية والعرقية والشوفينية وهي إيديولوجيات مرفوضة اليوم ثقافيا والمجتمعات الإنسانية تتبني اليوم ثقافات تسامحية تواصلية إنسانية بصورة مستمرة ودائمة. وهناك عوامل أخرى سياسية واجتماعية واستعمارية وتوسعية تسعى إلى تأجيج مثل هذا الصراع الذي يبدو صراعا "هوياتيا" في مظهره ولكنه صراع أبعد بكثير من أن يكون على الهوية. والسؤال ببساطة ما ضير الإنسان في الاختلاف بين الناس فالاختلاف قانون وسنة طبيعية وفي الأديان سنة إلهية. ولذا حري بنا أن نعزو هذا الصراع إلى عوامل أخرى غير الانتماء والهوية وأن نحيله إلى مصادر عدوانية تنشأ بفعل ميل بعض الأيديولوجيات الممتدة إلى الحضور التوسعي على حساب الشعوب الأخرى.

وكي نكون على درجة أعلى من الموضوعية، نقول إن الإنسان (مجتمعات وأفراد) ميّال بطبيعته إلى السيطرة نزّاع إلى الهيمنة الثقافية، وهذا الأمر نجده حاضرا ربما في كل الممارسات السياسية والاستعمارية حيث يحاول الغازي أن يفرض ثقافته وميوله وتوجهاته على ضحايا غزوه واستعماره. وعلى هذا المبدأ يشتد الصراع الثقافي بين الثقافات في مجال النزوع إلى الامتداد والتوسع والشمول بحثا عن القوة والسيطرة والهيمنة ،  ويتجلى ذلك  الأمر في مختلف مراحل التاريخ ولاسيما التاريخ الاستعماري للشرق والغرب.

 2760 وطفة ومراد

س14: ا. مراد غريبي: كيف يمكننا وعي التنوع الثقافي كمؤشر حضاري وماذا عن الأحاديات الفكرية وأمراء الحقيقة المطلقة؟

ج14: د. علي أسعد وطفة: دائما ما نردد في حياتنا الثقافية قولا مأثورا مفاده الإنسان عدو ما يجهل. وغالبا ما يكمن في طبيعة البشر الخوف من الغرباء. وتلك هي غريزة متأصلة في طبيعية البشر والكائنات الأخرى. فعلى نحو فطري تهرب الحيوانات عندما تشاهد إنسانا ما يمر بجانبها، والطفل الصغير غالبا ما يخشى الغرباء ويتخوف منهم، وغالبا ما نخاف من كل تكوين بشري أو حيواني آخر نجهله. ففيما نجهل قد يكمن الخطر ويسكن التهديد الذي يضع محك الحياة على الخطر. ويبدو أن هذه الغريزة تأخذ بعدا اجتماعيا وإنسانيا. فأغلب الشعوب كانت تتهيب الجماعات الغريبة التي لا تعرفها. وتقوم هذه الفرضية الاجتماعية على منطلق الأمن الاجتماعي القائم على القرابة والتجانس مثل الأقرباء بيولوجيا أو ثقافيا: الأم والأب، أفراد الأسرة والأخوة، الأعمام الأخوال، العائلة الممتدة، جماعة القبيلة، الجماعات الثقافية. فمثل هذه الجماعات يجد فيها الفرد أمنه لأنه ينتمي إليها وتشكل حدود الوطن الرحم الذي يعيش فيه. وعلى خلاف ذلك فإن الأباعد قد يشكلون خطرا لأنه لا توجد روابط أخلاقية ثقافية دموية مع هؤلاء.

 ومن هنا تنبع أهمية وعي التنوع وضرورته حضاريا وثقافيا، وهذا يعني انه عندما يتم التعارف الثقافي بين الشعوب والأمم فإن مثل هذا التعارف يؤدي إلى تقليص مشاعر الخوف والقلق ومن ثم سيؤدي تدرجيا إلى تنمية مشاعر المحبة والإخاء بين الشعوب. ومن هنا تكتسب عملية التفاعل الثقافي بين الأمم والشعوب دورا حضاريا في ترسيخ مشاعر المودة والسلام والتعاون والإخاء الإنساني.

 ومع الأسف فإن تنمية مشاعر الحقد والكراهية والتعصب تنبع من ثقافة التعصب والكراهية التي تنمو في نفوس الضعفاء الذين لا يستطيعون فهم هذا التنوع والتعدد. ومع الأسف هذه الجماعات المتطرفة تنمو اليوم تحت تأثير الثقافات العرقية والعنصرية المتطرفة التي نجد لها جذورا في التاريخ الثقافي للإنسانية. ومع الأسف تطل علينا هذه الجماعات المخيفة بأمراء التوحش الذي يستسيغون سفك الدماء والقضاء على الآخر تحت دواع فكرية منحرفة وضيقة. ومثال هذا التوجه الجماعات النازية والفاشية وجماعات التعصب العرقي والديني التي تقوم على مبدأ الكراهية والعنف ضد الآخر الإنساني. ومع الأسف الشديد تعرضت جماعات كثيرة عبر التاريخ للإبادة العرقية وبصورة مخيفة ومرعبة ومتوحشة كما حدث للهنود الحمر في الأمريكيتين، وهناك جماعات عرقية ودينية كثيرة تعرضت للإبادة من قبل الجماعات المتطرفة والمتوحشة.  ومما لا شك فيه أن هذا السلوك المتوحش يقوم على أفكار وحشية مخيفة تبرر السلوك الهمجي الإبادي للجماعات الأخرى. فعلى سبيل المثال غالبا ما يعتمد المتطرفون الإسلاميون والمسيحيون والهندوس واليهود على نصوص مقدمة تستبيح دماء الآخر وكيانه ووجوده. وما زال العالم الإسلامي عالقا بين أنياب هذه الجماعات التي تنتشر في سوريا والعراق وليبيا مثل داعش والقاعدة والنصرة وغيرها كثير.

ومما لاشك فيه أن أمراء الحقيقة المطلقة قوم يبحثون علن السلطة والقوة والثروة في عالمنا المتوحش وسبيلهم إلى ذلك الفكر المتطرف الهمجي الذي يقوم على الذبح والقتل والإبادة.. ومثل هؤلاء يحملون في رؤوسهم أطنانا من المتفجرات الثقافية قبل أن يقوموا بعمليات القتل والفتك والتطهير ضد الآخر الإنساني. ويحق لنا في هذا السياق أن نبحث في المنشأ الثقافي والفكري ولاسيما في الأرومات التربوية التي أسهمت في تشكيل هذه العقول الهمجية المتطرفة ونقول بالتأكيد إن البيئة الثقافية والتربوية التي احتضنتهم مسؤولة إلى حد كبير عن هذا التوحش والهمجية التي تأصلت في كيانهم وهويتهم الوجودية.

س15: ا. مراد غريبي: بالنسبة لمفهوم الثقافة عربيا وإسلاميا لايزال محل إشكال وغامض نوعا ما، رغم كل محاولات التعريف والضبط المفاهيمي إلا أن غالبيتها كانت ردود أفعال لمطارحات الغربية أو مقاربات لما عرف بتبيئة المفاهيم والمناهج، هل بنظركم مفهوم الثقافة عربيا وإسلاميا لصيق بالتراث الحضاري أو التاريخ الاستعماري؟

ج15: د. علي أسعد وطفة: ومما لا شك فيه أنني تعرضت لهذا الأمر في إجابتي على السؤال الأول إذ بينت بأن مفهوم الثقافة مفهوم غربي في جوهره، وهو مفهوم حديث حتى في الثقافة الغربية نفسها. وقد رأيت أيضا أن هذا المفهوم قد تم ضبطه وتعييره عربيا وأصبح أداة مفاهيمية أساسية وصميمية في الفكر العربي الإسلامي. وهو مفهوم مهم وخطير ولا يمكن الاستغناء عنه في تناول الظواهر الثقافية العربية. وإذا شئنا استخدام عبارة التبيئة الثقافية فمما لا شك فيه أن المفهوم قد فرض نفسه في مختلف العلوم الإنسانية عربيا وعالميا. ولا أعتقد أن المفكرين العرب مطالبين بالعمل على التنظير في المفهوم إلا بقدر ما يقتضيه واقع التطور وذلك في مجال البحث والاستقصاء الفكري في مجال الظواهر المجتمعية العربية. ومما لا شك فيه أن هذا المفهوم قد أصبح صميميا في مختلف العلوم الإنسانية العربية والأجنبية ولا يمكن اليوم بعد هذا التراكم الهائل في توظيفاته الفكرية في عالم الفكر والثقافة العربية أن يكون لها بديل أو نظير. ومن الملفت أيضا أن كلمة ثقافة أصبحت صميمية في نسيج الفكر الثقافي العربي، في صميم العقليات الثقافية العربية، وضمن هذه الرؤية فإن التساؤل عن مشروعية هذا المفهوم أصبح من الماضي.

وفي الشق الثاني من سؤالكم الكريم: هل بنظركم مفهوم الثقافة عربيا وإسلاميا لصيق بالتراث الحضاري أو التاريخ الاستعماري؟ لا نفضل استخدام مفهوم الالتصاق، بل نقول إن مفهوم الثقافة كما ذكرنا حضر فعليا في القرن الثامن عشر وتزامن مع الفترة الاستعمارية. ولكن انتشار المفهوم ربما يعود لعوامل التواصل الثقافي والترجمات عن العلوم الإنسانية. وباختصار نقول أيضا إن المفهوم " الثقافة" هو أداة لتحليل الظواهر الاجتماعية في مختلف التكوينات الاجتماعي بغض النظر عن مآلاته السياسية والاجتماعية وهو ليس أكثر من مفهوم وحاله حال مئات المفاهيم الأداتية التي تستخدم في تحليل الظواهر الاجتماعية والسلوكية في العالم. مفهوم الثقافة مفهوم يقابل السلوك الإنساني وهو مشروع في عملية الاستخدام. وهنا أيضا: أرى بأن إضافة سمات استعمارية أو غير ذلك على المفهوم ليس أمرا موضوعيا ومشروعا. ولكن من جهة أخرى أقول بأن توظيف الدراسات الثقافية في مآلاتها المختلفة قد يحمل دلالات أيديولوجية مختلفة. وهذا يعني بنظرنا أن مفهوم الثقافة ليس أكثر من أداة للفهم للتحليل للدراسة والبحث والتقصي. وهذا يعفينا من توليف منسوجات أيديولوجية حوله. فالخلاف الفكري بين الشرق والغرب قد يكون قائما ونشطا ضمن تيارات فكرية وثقافية متعددة تتمثل في التيارات الأيديولوجية الكبرى، ومهما يكن الأمر فإننا على الصعيد الفكري ما زلنا في حالة قصور ناجمة عن قصور الإبداع الفكري والحضاري وهذا يضعنا خارج سياق الصراع الفكري الندي مع الغرب الذي يبدع فكريا وإنسانيا وتكنولوجيا ونحن في الطرف الآخر من هذا الأمر نستهلك ونعيد الإنتاج ونجتر ونترجم ونصارع كالثور الهائج أحيانا لا يعرف أكثر من الشريط الأحمر الذي يحمله مصارع الثيران. فالصراع إذا كان بين شرق وغرب يجب أن يكون نديا وفي غياب الندية المطلوبة يتحول الصراع إلى تمرد وعصيان أو يتحول إلى تبعية وهيجان ثقافي.

س16: ا. مراد غريبي: هناك محاولات جادة في ربط التنمية بالثقافة وضمن مشروع التنمية الثقافية لكن أليس بمستوى أدق الأولى بحث التربية وعلاقتها بالثقافة، ثم التنمية تحصيل حاصل أم الأمر أعمق من ذلك مرتبط بمناهج الدراسات الإنسانية-الثقافية الفقيرة في عالمنا العربي والإسلامي؟

ج16: د. علي أسعد وطفة: هذا السؤال مركب جدا وينطوي في ذاته على أربعة أسئلة أساسية: وهي علاقة الثقافة بالتربية أولا، ومن ثم علاقة الثقافة بالتنمية ثانيا، ومن ثم علاقة التربية بالتنمية، ورابعا العلاقة الكلية التي تجمع بين التربية والثقافة والتنمية والعلوم الإنسانية. وخامسا وأخيرا يمكن أن ننظر بعد ذلك إلى علاقة الدراسات الإنسانية بالثقافة في منطقتنا العربية.

أولا - دعنا بداية نبحث في علاقة الثقافة بالتربية، ومن الواضح تماما أن العلاقة صميمية وجودية لا ينفصم عراها بينهما.  إذ يوجد بين التربية والثقافة وشائج علاقة فريدة في طبيعة العلاقة بين الظواهر والأشياء، وتأخذ هذه العلاقة طابعاً وجودياً؛ حيث لا تكون الثقافة من غير تربية، ولا تكون التربية من غير ثقافة. فالتربية بمناهجها ومضامينها وتجلياتها ظاهرة ثقافية بالضرورة، ومن ثمّ فإنّ الثقافة لا يمكن أن تكون خارج دائرة التربية من حيث الوظيفة والهوية، فوظيفة الثقافة وظيفة تربوية، كما أن وظيفة التربية وظيفة ثقافية بالدرجة الأولى. ومثل هذه العلاقة تعلن عن نفسها بوضوح في مختلف مداخل العلاقة بين الثقافة والتربية. فالتربية تنقل الثقافة وتحييها، ومن غير التربية تضمحل الثقافة وتتلاشى، وكذلك الحال في الثقافة التي لا تكون إلا بقدرتها على التأثير في الأفراد؛ حيث يأخذ التأثير فيهم طابعاً تربوياً بالطبيعة والضرورة.

وعلى الرغم من هذا التداخل البنيوي والحيوي بين الثقافة والتربية يمكن التمييز بينهما على صورة المؤسسات والتشكيلات؛ فالتربية تُعْرَف بمؤسساتها (أسرة، مدرسة، جامعة، وزارة، جماعة، أقران، وسيلة، إعلام)، والثقافة تُعْرف بتنظيمات القيم والمؤسسات التي تعمل على تنميتها مثل (المتاحف، المكتبات، الوزارات، الفنون، العلوم). ومع أهمية هذا التمايز فإنّ كلاً منهما يؤدي دور الآخر، ولا يستطيع أن ينفصل عنه.

وفي هذا السياق يمكن القول: إن الثقافة أكثر شمولاً من التربية؛ لأن الثقافة تمثل مادة التربية وجوهرها، ومن ثمّ فإنّ الثقافة تشكّل الإطار العام للتربية، حيث تحدد الثقافة العامة للمجتمع أبعادها ووظيفتها ومضمونها. وعلى هذا النحو يمكن القول: إن الثقافة تشكّل إحدى أهم ركائز العملية التربوية وأكثرها أهميةً، ومن ثم فإن النظام الثقافي للمجتمع كان وما يزال يشكّل أحد أبرز أصول العملية التربوية وأكثرها تأثيراً. ومن هنا تأتي أهمية التعريف بالثقافة ومناحيها واتجاهاتها ومضامينها بوصفها نسقاً أصولياً للتربية التي تغتذي من معين الثقافة، وتنهل من ينابيعها. ويترتب على هذه الضرورة الأصولية أن نتأمل في مختلف تجليات الثقافة ومفاهيمها ودلالاتها كي يستقيم لنا فهم الدور الحيوي الذي تؤديه الثقافة في التربية، ودور التربية في تأصيل الثقافة وتوطينها في العقول والنفوس والسلوك الاجتماعي لأفراد المجتمع. ويتضح لنا في هذا السياق أن العلاقة بين الثقافة والتربية ليست علاقة ميكانيكية، بل هي علاقة وجودية تفاعليه قائمة على تبادل التأثير والفعل حيث يؤدي كل منهما دور المنتج الحيوي للآخر في نسق علاقات جدلية متنامية بصورة أزليةً.

ثانيا - وإذا كنا قد وفقنا في البحث عن وشائج العلاقة بين الثقافة والتربية في الشق الأول من السؤال، دعنا الآن ننتقل للشق الثاني وهو العلاقة بين التنمية والثقافة. ونقول هنا إذا كانت العلاقة بين الثقافة والتربية صميمية فإن العلاقة بين التنمية والثقافة علاقة وجودية وخطرة وهذا يؤكد وجود حلقة مفرغة من التأثير بين الثقافة والتنمية والتربية بمعنى التأثير الاندماجي الذي لا يقف عند حدّ ضمن لزوجة يتداخل فيه ما هو تربوي بما هو ثقافي وتنموي. وأيا كان مفهوم التنمية الذي تريده: التنمية البشرية أو التنمية الثقافية أو التنمية الإنسانية أو التنمية على الاستدامة، أو حتى التنمية الاقتصادية وهي مفاهيم متداخلة، ولكل منها حقل خاص به. ومهما يكن الأمر فإن الثقافة هي الفاعل الحقيقي في تحقيق التنمية. فالتنمية سلوك إنساني إزاء الإنسان والطبيعية أو بين الإنسان والوسط الذي يعيش فيه وهذا الوسط يتميز بجناحيه الاجتماعي والثقافي. والسلوك هو حصاد فعل ثقافي محدد. فالسلوك عبارة عن ترجمة عملية للتصورات الذهنية المنبثقة عن ثقافة ما فالفرد في أيّ مجتمع مغمور بتراث ثقافي يتجاوزه وهو التراث الثقافي للحضارة التي ينتمي إليها. وهو من خلال هذا التراث يدرك العالم ويحكم عليه. ومما لا شك فيه أن هذه التصورات هي التي تحكم سلوكنا تجاه البيئة والطبيعية وهذا يعني أن جوهر التنمية الإنسانية والتنمية المستدامة يكمن في الثقافة ومن غير الثقافة التنموية لا يمكن أن نتحدث عن تنمية بدون ثقافة. وهناك اليوم فرع من الثقافة يدور حول الثقافة التنموية وفيها منظومة معقدة من المفاهيم والتصورات التي تتعلق بالعلاقة بين الإنسان والتنمية. وباختصار الثقافة التنموية تمارس دورها في توعية الناس بالأوضاع البيئية التنموية والكيفيات التي يحافظ فيها الإنسان على مبدأ الاستدامة والتنمية الإنسانية.

ثالثا - وضحنا أن العلاقة بين التنمية والثقافة جوهرية وجودية حيوية، وهذا يقودنا من جديد إلى بحث العلاقة بين التربية والتنمية عبر الثقافة التنموية. فالثقافة التنموية لا تتشكل في الفراغ بل تتشكل وتنمو في منبتها التربوي، فالتربية بمؤسساتها المختلفة معنية بإنتاج الثقافة التنموية. ومن هنا فإنه يتوجب على التربية أن تقوم بإنتاج وعي ثقافي تنموي بصورة مستمرة في الأجيال. وقضية العلاقة بين التربية والتنمية مهمة جدا اليوم وتعتمد مختلف البلدان برامج تربوية تنموية مستمرة في المدرسة والمؤسسات التربوية لمواجهة التحديات التنموية المعاصرة.

رابعا – في إطار الرؤية الشمولية للعلاقة بين الثقافة والتنمية والتربية نقول بأن هذه العلاقة علاقة جدلية عميقة الأبعاد، وهي علاقة ديالكتيكية دائرية بين هذه المكونات الثلاثة إذ كل منها يؤثر في الآخر وينتجه. فالتنمية رهن التربية التنموية والثقافة التنموية نتاج للتربية، والتربية قد تكون نتاجا لثقافة تنموية وباختصار التربية يمكنها أن تكون أصلا في إنتاج ثقافة تنموية أو سلوك تنموي.

خامسا وفيما يتعلق بالشطر الأخير من السؤال نقول إن مناهج الدراسات الإنسانية-الثقافية تتميز بضحالتها في عالمنا العربي ولا أستطيع أن أقول في العالم الإسلامي فهناك دول في العالم ألإسلامي تحقق تقدما كبيرا في مجال الإنتاج الفكري الثقافي والتنموي.

أما نحن في العالم العربي فنعاني من حالة ضعف كبير في وتائر البحث العلمي بصورة عامة ونعاني من قصور كبير في مجال التنظير الفكري وهذه الحالة تعبر عن حالة التخلف الشاملة التي تعيشها مجتمعاتنا العربية فنحن لا في العير ولا في النفير كما يقول العرب. فحالة التخلف شاملة عميقة علميا واقتصاديا وسياسيا واجتماعيا. ونحن فوق ذلك كله نعيش خارج ثقافة التنمية وتنمية الثقافة.

س17: ا. مراد غريبي: الحقل الثقافي يعتبر قطب الرحى في المشاريع التغييرية والحضارية للأمم لتأثيره العميق في مسارات وأنساق وآفاق قضايا الوعي والتجديد والإصلاح والتنمية المستدامة، وابسط قراءة أو مقاربة لراهن العرب والمسلمين توحي بحاجة ماسة لتصحيح الثقافة العربية والإسلامية وتنقية مصادرها وضبط مدياتها وتطوير أدواتها أو تجديدها، ترى ماذا عن راهن ثقافتنا ومن أين نبدأ في الإجابة عن إشكاليات الثقافة وحل مشكلاتها المتراكمة منذ قرون كما أقر ذلك المرحوم مالك بن نبي؟

ج17: د. علي أسعد وطفة: المشكلة يا سيدي أننا نعاني من التخلف الثقافي ضمن أنساق التخلف الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. وهذا التخلف تقره جميع البحوث والدراسات الجارية في الميدان الثقافي العربي. ونحن أيضا نعاني من غياب مظفر لكل المشاريع التنموية والاقتصادية والاجتماعية. وكما أسلفنا في الشطر الأول من هذا الحوار نحن بلدان تعاني من مطلق الاستبداد والفساد والقهر والتسلط في جميع مظاهر الحياة الاجتماعية والثقافية. وغني عن البيان أن الثقافة العربية بمعناها الأنثروبولوجي تعيش حالة تخلف ظلامية فالعقل العربي منكوب بالغيبيات والمطلقات والأوهام والأساطير. وثقافتنا بصورة عامة تقع قبل التاريخ وخارجه. لاحظ القيم الطائفية والعنصرية والتسلطية والتعصبية والهستيرية التي تسيطر في مختلف نواحي الثقافة العربية وأقصد بها هنا تحديدا الذهنية العربية أو العقلية العربية.

 والأخطر من ذلك كله أن التخلف الثقافي يمتلك القدرة على الحضور والاستمرار، فهناك قوى سياسية واجتماعية جبارة تعمل وبصورة مستمرة على ترسيخ هذا التخلف من خلال الإعلام والمؤسسات الثقافة الفاعلة في المجتمع. ومما لا شك فيه أن الأنظمة السياسية العربية الحاكمة ترسخ هذا التخلف الثقافي وتسعى إليه لأنه يشكل الأساس الأيديولوجي لاستمرار هذه الأنظمة بالوجود والمحافظة على هيمنتها السياسية. فالوعي الثقافي يشكل قوة هائلة ضد التسلط والاستبداد وهذا ما تخشاه هذه الأنظمة التي تتحالف مع المؤسسات الدينية في إنتاج التخلف الثقافي والاجتماعي في مجتمعاتنا.

والسؤال كيف يتم تصحيح ثقافة التخلف سؤال مفارق للحقيقة! يجب استبداله بسؤال كيف يمكن القضاء على التخلف الثقافي الذي يمثل حالة أصيلة في مجتمعاتنا. ومما لا شك فيه أن التخلف الثقافي أمر موجود في كل المجتمعات والبلدان فهناك تخلف ثقافي في البلدان المتقدمة في بعض شرائح المجتمع. ولكن في الحالة العربية فنحن لا نعاني من التخلف الثقافي بل من ثقافة التخلف وشتان ما بين ثقافة التخلف وتخلف الثقافة. فالتخلف الثقافي يمكن ردمه وتطويره ويمكن هدمه. وهذا يستحيل في ثقافة التخلف لأنه تخلف صميمي وجودي أصيل في الثقافة القائمة، وثقافتنا السائدة في مجتمعاتنا هي مع الأسف ثقافة تخلف، وهنا تكمن المشكلة الكبرى في وضعيتنا الثقافية،  وهذا يعني أن الإصلاح الثقافي غير ممكن ولا يمكن أن يحقق أي تقدم. ولذا فإن ما نحتاجه هو ثورة ثقافية جذرية حاسمة تدمر كل البنى الثقافية القائمة على الوهم والأساطير من أجل ثقافة عقلانية خلاقة قادرة على النهوض بمجتمعاتنا وحضارتنا من جديد.

والسؤال الذي يطرح نفسه كيف السبيل إلى هذه الثورة وهل هي ممكنة؟ نقول إنها ليست مستحيلة وهي رهينة بأوضاع سياسية وتاريخية ممكنة كما حدث يوما في الصين (الثورة الثقافية) وكما حدث في كثير من البلدان التي خرجت من عمق التخلف ونهجت نهجا حضاريا مثل ماليزيا وسنغافورة والنمور الآسيوية. ومع ذلك نقول إنه حتى اليوم لا يوجد في الأفق ما يبشر بمثل هذه الثورة الثقافية المحتملة في أي من البلدان العربية. وما يؤسف له أن التخلف الثقافي والاجتماعي يزداد صلابة وتبلورا وحضورا وكثافة في معظم المجتمعات العربية المعاصرة.

س18: ا. مراد غريبي: بعد الثقافة، لابد من تفكيك ماهية المثقف ودوره ووظائفه، هل عربيا هناك صور للمثقف خاصة أو عضوية كما أراد البعض تبيئته وفق رؤية غرامشي أم لانزال نفتقد المثقف عربيا وإسلاميا؟

ج18: د. علي أسعد وطفة: إذا كنا نفتقر إلى الثقافة الحقيقية وإذا كانت ثقافتنا ثقافة التخلف، فمما لا شك فيه أن مثقفنا سيكون بالضرورة مثقف التخلف وليس المثقف المتخلف ثقافيا. وحال المثقف حال الثقافة،  فالمثقف الذي يعاني من قصور ثقافي يمكن له أن يطور نفسه ويتطور ويطور أدواته الثقافية. ولكن إذا كان المثقف متخلفا وجوديا في جوهره، بمعنى إذا كان التخلف صميميا في البنية الذهنية للمثقف فتلك كارثة. ومع الأسف معظم مثقفينا يعانون من إشكالية المثقف المتخلف بمعنى الحضور الصميمي للتخلف في تشكيله الثقافي.

 وتبين الوقائع والأحداث والسير الثقافية للمثقفين العرب بأن معظمهم يفتقر إلى جوهر الثقافة الحقيقية. وأن ما حصلوه من شهادات وما دبجوه من أعمال مضيئة لم يمكنهم من الخروج من الذات المتخلفة التي تحكم وجودهم وذهنياتهم. لقد برهنت الأحداث الجارية وأخص ما يسمى بالثورات الربيعية العربية أن أغلب المثقفين حتى اللامعين منهم قد انحدروا إلى الدرك الأسفل من العماء الثقافي فانتكسوا وارتدوا إلى الحالة الغريزية للثقافة الطائفية والعنصرية والإقليمية. ومعظم المفكرين الذي تألقوا ماركسيا وليبراليا سقطوا في مستنقع الطائفية والعنصرية في سوريا ولبنان والعراق وليبيا واليمن. وهذا يدل على أن الجوهر الثقافي لهؤلاء المثقفين كان وما زال يعاني من عيب مسجل في الماهية الثقافية وفي الأرومة الفكرية، وكان أغلب ما كتبوه وما سجلوه لم يكن أكثر من تلميع فكري يسقط في أي زوبعة غبار تهب هنا أو هناك. وهنا يجوز القول بأن ليس كل ما يلمع ذهبا. فهناك عدد كبير من أساطين المفكرين العرب السوريين والعراقيين سقطوا واستمروا في السقوط في مستنقعات الوهم والتطرف والدونية والعنصرية والطائفية.

أقولها وأنا ربما على درجة كبيرة من اليقين بأن المثقف العضوي المفكر الحر المفكر الأصيل المرتبط بقضاياه الوطنية والمؤمن برسالته الثقافية غائب وغائب وغائب في ثقافتنا العربية. وأن المثقف العربي إذا جازت عليه تسمية المثقف لا يعدو أن يكون مثقفا هشا سطحيا طائفيا في أعماقه متعصبا في تكوينه بعيدا عن كل شكل من أشكال الأصالة الفكرية، محكوما بالظواهر الخرافية والطائفية والعنصرية والقبلية في أعمق أعماقه وفي أصلب تكويناته . وقد يبدو المثقفون العرب متألقين عندما يكتبون وينظرون ولكن هذا كله لا يمكنه أن يضعهم في خانة المفكرين العضويين وفقا لمفهوم غرامشي أو ماركس. ومما لا شك فيه أن هناك من يتلمس طريقه ويحاول أن يكون فاعلا في الثقافة منفعلا بها متأصلا فيها متأصلة فيه ولكنهم قلة قليلة لا تنفع في معركة الحضارة والتحضر.

والأخطر من ذلك كله هي الظاهرة الانتهازية السياسية لدى المثقف العربي الذي وظف نفسه في عملية تمجيد الأنظمة السياسية الاستبدادية. ففي كل بلد عربي هناك عشرات الألوف من المثقفين الصغار والكبار من إعلاميين ورجال دين وأساتذة جامعات الذين باعوا أنفسهم للشيطان فعقدوا تحالفا وحشيا مع الطغاة وشكلوا لهم حصنا ثقافيا منيعا ينافح عن وجودهم ضامنا استمرارهم واستمرار طغيانهم في الساحة الثقافية والسياسية في العالم العربي. فنحن في عصر المحن ضمن دورة زمنية تراجيدية يغيب فيها العقل وتنتفض فيها الغرائز. يغيب المنطق وتنطلق الانفعالات، فنحن نعيش اليوم في زمن يغيّب فيه العقل، وتدك الثقافة الحقيقية، وتنتشر الفوضى الأخلاقية في زمن أصبح أسفل الأشياء عاليها وأتفه الأمور في قمة التألق والحضور. عصر انطلقت فيه المذهبية المجنونة والطائفية الحمقاء، ولا أحد يستطيع أن يقف في وجه التيار، على خلاف ذلك تقف جموع كبيرة كثيرة من المثقفين المزيفين والمفكرين المزعومين ورجال الإعلام ورجال الثقافة والفكر الذين يؤججون النار ويقذفون كل القيم في جحيم الانحدار الطائفي والتصدع المذهبي.

س19: ا. مراد غريبي: هل بين المثقف والنقد ترابط وتلازم، بحيث كل ناقد مثقف أم لابد من التخصص في مجال النقد الثقافي؟

ج19: د. علي أسعد وطفة: للتعبير عن العلاقة الإيجابية بين "المثقف" وقضايا المجتمع ظهرت مصطلحات كثيرة جدا لكنها تدور جميعها في فلك واحد وحول جوهر واحد يتمثل في اهتمام "المثقف" بقضايا المجتمع ونضاله من أجل إحقاق الحق وتجسيد العدل الإنساني ومناشدة الخير والجمال. ومن هذه الكلمات نجد: "المثقف" العضوي، "المثقف" الملتزم، "المثقف" النقدي، "المثقف" الرسولي، "المثقف" الريادي، "المثقف" الطليعي، "المثقف" الناقد، "المثقف" المشاكس، "المثقف" الوطني، "المثقف" الإنساني. وجميع هذه الكلمات تدل في جوهر الأمر على معنى واحد يتمثل في دور "المثقف" ووظيفته في مواجهة مختلف التحديات والقضايا والمشكلات والأوضاع التي يواجهها المجتمع الذي يعيش فيه. ومن الواضح أن هذه الكلمات الدالة على المثقف النقدي تقف على نقيض الكلمات الدالة على المفكر التأملي أو المفكر العاجي أو المفكر الذي يعيش في عالمه الخاص بعيدا عن الحياة وهمومها ومشاكلها. فالمفكر كما يرى كثير من المفكرين يجب أن يمارس وظيفة اجتماعية في نقد مختلف التحديات والمشكلات التي يواجهها المجتمع. وعلى هذا الأساس يمكن القول إن "المثقف" الذي يدير ظهره للمجتمع لن يكون جديرا بتسمية المثقف الحقيقي، وبالتالي فإن "المثقف" هو ذاك الذي لا يرضى أن يكون شاهدًا على الحدث بل فاعلاً إيجابيا متمرسا في قضاياه وأحداثه، ولا يكون فاعلا إلا عندما يكون أنموذجا للمثقف العضوي حسب توصيف غرامشي، أو أنموذجا للمثقف الشجاع حسب جوليان بندا Julien Benda، أو حتى نموذجا للمثقف الفطين التفكير الواضح الرؤية عند الجابري، والملتزم عن بورديو Pierre Bourdieu، أو مثالا للوعي الشقي حسب هيغل Hugle. وفي مقابل هذه الكلمات التي تعبر عن "المثقف الرسولي النقدي" ظهرت كلمات أخرى للإشارة إلى المثقفين السلبيين ومنهم: مثقف السلطة، وفقهاء السلطان، والمثقف الطائفي، والمثقف التقليدي، والمثقف الأيديولوجي، والمثقف السطحي.

عدد كبير جدا من المفكرين تناولوا قضايا "المثقف" وارتباطه العضوي الملتزم بقضايا المجتمع. ومن أجل الكشف عن طبيعة العلاقة بين "المثقف" والمجتمع أو ما يسمى بالعلاقة الصميمية سنستعرض بعض التيارات الأساسية التي تتمثل في منظور كل من سارتر، وغرامشي، وإدوارد سعيد، والجابري، آملين أن تتضح صوة "المثقف" العضوي الملتزم النقدي المشاكس في مرآة أعمالهم وتصوراتهم النقدية حول دور "المثقف" ووضعية الالتزام الثقافي بقضايا المجتمع وهمومه. وهنا أيضا يجب علينا ألا نغفل أهمية التيارات والاتجاهات الفكرية في هذا الميدان التي لا نستطيع المرور عليها جميعا فهناك محاولات فكرية كثيرة بذلها علماء ومفكرون لا يقلون أهمية، وقد استطاع بعضها أن ينفلت من مركزية الدوران في فلك غرامشي وسارتر وإدوار سعيد.

س20: ا. مراد غريبي: ماذا عن الدين والثقافة؟ وكيف يكون المثقف مزاحما للفقيه في مقاربة دور الدين في الحياة والعكس إسهام الفقيه في المجال الثقافي؟

ج20: د. علي أسعد وطفة: مما لا شك فيه أن العلاقة جوهرية بين الدين والثقافة ويشكل الدين تاريخيا أحد أبرز المعالم الثقافية في العالم القديم والعالم المعاصر. فالأديان تحمل إلى البشر منظومات من المعتقدات المقدسة التي تقدم صيغة وجودية للعلاقة بين الإنسان والميتافيزيقيا بين الإنسان والله وهي في نسق هذه العلاقة استطاعت أن ترسم حدود العلاقة بين الإنسان والإنسان وبين الإنسان والكون الذي يعيش فيه. وهذا يعني أن الثقافة الدينية غالبا ما تكون ثقافة شمولية. وما يميز الثقافة الدينية عن الثقافة المدنية أن الثقافة الدينية تقوم على المطلقات والمقدسات وتقدم لنا الحقيقة كاملة لا انتقاص فيها وتقدم إجابات قطعية نهائية كلية مقدسة عن كل المسائل التي يمكن للإنسان أن يطرحها في مسألة الوجود والعدم، الحياة والموت وكل القضايا الدنيوية والسماوية. ومثل هذا الأمر يؤدي إلى عزلة فكرية للإنسان الذي لا يجد لعقله مكانا في الوجود فكل الأمور واضحة ولا يحتاج للتفكير أبدا في هذا الوجود بل يحتاج إلى العمل والاعتقاد بمقتضيات العقيدة الدينية.

ونلاحظ تاريخيا بأن تاريخ الحضارات القديمة كان محكوما بالثقافات الدينية ،البوذية في الهند، الكونفوشيوسية في الصين، الفرعونية في مصر، الآلهة المتعددة الوثنية في أثينا، المسيحية في أوروبا في العصر الوسيط، الثقافة الإسلامية في البلدان العربية والإسلامية.

وهذه الأديان كانت تسود وتهيمين بصورة مطلقة حتى القرن الثامن عشر في أوروبا التي بدأت بثورتها على التقاليد الدينية الكنسية واستطاعت ثقافة التنوير والحداثة أن تنهض في أوروبا ضمن حركات فكرية جبارة، استطاعت فيما بعد أن تنتصر على التقاليد الكنسية وأن تؤسس لثقافة علمانية مدنية ينفصل فيها الدين عن السياسة وإلى تشكيل ثقافات عقلانية تعتمد على العقل وليس على المطلقات الدينية.

في مجتمعاتنا ما زالت الثقافة الدينية هي التي تهيمن وتسود بكل معطياتها التقليدية، وضمن هذه الوضعية يجد المثقف نفسه متحركا في أفلاك هذه الثقافة ومعطياتها، وهذا يعني أن الثقافة ثقافة دينية والمثقف مثقف ديني أو متدين وثقافته هي رديف للثقافة الدينية إلا فيما ندر. واعتقد أن مثقفنا لا يزاحم الفقهاء بل يدور في فلكهم في الغالب ويؤكد مزاعمهم. ونحن في الأغلب الأعم لا يوجد لدينا مثقفون علمانيون يتبنون الثقافة العقلانية. فأفضل ما يكون عليه المثقف أن يكون عقلانيا ضمن الثقافة الدينية، وهنا أحيانا يحدث الصراع. هناك مثقفون قلة يتخذون من خطوات ابن رشد وابن باجة وابن طفيل منهجا لهم في التفكير ولكن ضمن الخط الديني وضمن الولاء للمقدسات الدينية. ومع أهمية التيار العقلاني فإن أمثال هؤلاء المثقفين العقلانيين يعانون الأمرين في التعبير عن ذواتهم وحضورهم.

ومما لا شك فيه أن الفقيه هو الذي يسيطر بالمطلق على الساحة الثقافية في عالمنا العربي أما المثقف العقلاني فيجد نفسه في دائرة الإهمال والإقصاء والتهجير والتكفير في أحيان كثيرة عندما يطرح فكرا حرا عقلانيا. وهذا لا يعني أن الدين هو الذي يحارب هؤلاء المفكرين بل نمط التدين العقائدي والمذهبي الذي يرجح التعصب والتسلط. ومما لا شك فيه كما تعرفون أن تحالفا شيطانيا فاوستياً قد تمّ بين المؤسسات الدينية والأنظمة الديكتاتورية الحاكمة ولذا فإن الفقيه يوجد في عقد تحالف شرعي مع الطاغية وهنا تكمن المشكلة الكبرى إذ لا يمكن للمفكر العضوي أو المثقف العقلاني أن يجد أي مساحة للحركة والنشاط في دائرة هذا التحالف الفاوستي الخطير.

س21: ا. مراد غريبي: لماذا التركيز على انفجار الهويات داخل الثقافة الواحدة وكيف يمكن للتجديد الثقافي على أساس النقد العلمي لتحقيق تسامح وتعايش الهويات ضمن الثقافة الإنسانية أو الدينية الواحدة؟

ج21: د. علي أسعد وطفة: انفجار الهويات الصغرى الطائفية والعرقية والقومية والإقليمية ناجم عن غياب الثقافة العقلانية وغياب المثقف أيضا. فالثقافات الدينية المذهبية تغذي هذه الهويات المرضية وأيضا تقوم المؤسسات السياسية الحاكمة بعملية دعم ومساندة وتغذية لمثل هذه النعرات الطائفية والمذهبية والدينية والعرقية.

من الطبيعي أنه يصعب مقاومة هذا الانفجار لأنه يوظف في خدمة القوى السياسية والحزبية الحاكمة ويعزز فرص وجودها وهيمنتها اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا. ومن المؤكد أن إطفاء جمرة هذه الانفجارات "الهووية (= نسبة إلى الهوية) يحتاج إلى ثقافة تسامحية إلى ثقافة تربوية يتضافر فيها الإعلام والسياسة والمجتمع. وفي كل الأحوال نقول بأن المجتمعات العربية لن تنهض إلا على أساس مشروع اجتماعي كبير يبدا سياسيا ليتلاحم مع مختلف المشاريع النهضوية والاقتصادية والاجتماعية. ولا يمكن لأي حلول جزئية أن تكون قادرة على إصلاح المجتمع أو تطوير الثقافة فيه على نحو عقلاني وإنساني. 

أشكرك صديقي المفدى المهندس مراد غريبي على هذه الأسئلة الجميلة وأحييكم وأشكركم، وأرجو أن تكون مداخلتي مفيدة ومناسبة لأسئلتكم الكريمة.

 

حاوره: الأستاذ مراد غريبي

مرايا فكرية – مؤسسة المثقف

 

 

2760 وطفة ومرادخاص بالمثقف: الحلقة الثانية من مرايا فكرية مع المفكر والأكاديمي الدكتور علي أسعد وطفة، وحوار شامل  أجراه معه الأستاذ الباحث مراد غريبي، حول التربية وعلوم الاجتماع، فأهلا وسهلا بهما:


 س7: أ. مراد غريبي: الظاهرة التربوية متنوعة و حاضرة في كل ميادين الحياة؛ في الشارع، والأسرة، والمسجد، والمدرسة، الملاعب، الأسواق، فضاءات الترفيه ومختلف المنظمات، والمؤسسات، ووسائل الإعلام و الاتصال، و(الإنترنت)، وبين الأفراد والجماعات،... إلخ، مما يوحي بضرورة استقلالية كل علم من العلوم التربوية، حتى تتحقق السيطرة العلمية على موضوع كل نسق معرفي منها، دون تحييدها عن بعضها البعض واستثمارها لصياغة رؤية فلسفية متماسكة ضمن نسق ما يعبر عنه بفلسفة التربية؟

ج7: د. علي أسعد وطفة: أشكركم مرة أخرى على هذا السؤال الحيوي حول استقلالية العلوم التربوية وتكاملها. أقول بداية مع بداية نشأة العلوم وولادتها (منذ بداية القرن السادس عشر) كانت هذه العلوم تبحث عن هويتها واستقلالها وضمن هذا السياق كان العلم الوليد يطور نفسه ويغوص في أعماق ذاته ليضرب جذوره في أرض العلم ويبرهن عن وجوده. وكما تعرفون كانت الفلسفة بداية تمثل الأرومة الحقيقية لمختلف العلوم الطبيعية والفيزيائية. ومع تطور المعرفة بدأت هذه العلوم رحلة استقلالها بدءا من القرن السادس عشر الذي سجل فيه على يد كوبرنيكوس استقلال علم الفلك، وتتابع مع الزمن استقلال العلوم الطبيعية حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر حيث بدأت العلوم الإنسانية بالتوالد ومنها العلوم التربوية.

ومما لا شك فيه أن استقلال العلم يؤدي وظيفة حيوية في استكشاف أبعد ما يمكن استكشافه في المجال العلمي للعلم نفسه. ولكن يؤخذ على الاستقلال العلمي والاستمرار فيه أنه قد يؤدي إلى التصلب والجمود والانفصال عن السياق المعرفي للعلم فيفقد العلم تألقه وحضوره المعرفي وقدرته على الابتكار في مجاله الخاص. ومن أجل تجنب هذا التلبد والتقوقع داخل النطاق المعرفي الواحد أوجد كل علم لنفسه فلسفة توازيه وتعمل على تحقيق التوازن بين التخصص العلمي الدقيق وقدرة هذا العالم على أن يتواصل مع العالم الخارجي دون تصلب أو جمود. ومن هنا ظهر لكل علم فلسفة مثل: فلسفة التاريخ، فلسفة العلوم، فلسفة الفيزياء، فلسفة الحق والقانون، فلسفة التربية...الخ. وكما أشرنا تتمثل وظيفة هذه الفلسفات في حماية هذه الفروع العلمية من حالة الجمود والانكفاء والتكلس، وتحقيق الانسجام والتكامل بين العلم المعني والعلوم الأخرى وما بين العلم والآفاق البعيدة للكون الذي ينتمي فيه.

وفي فترة لاحقة نشأت ضرورة ما يسمى بالعلوم البينية، وهي العلوم التي تبحث في مجالين علميين مترابطين مثل الفيزياء النووية، البيئة والتنمية وفي مجال العلوم التربوية مثل: علم الاجتماع التربوي، وفلسفة التربية والأنثروبولوجيا التربوية، وسياسات التربية، والتربية المقارنة، وعلم الاجتماع المدرسي. ومن الطبعي أن نشأة هذه العلوم البينية تدل بصورة قاطعة على أهمية التعاون والتفاعل بين العلوم في معالجة الظواهر الطبيعية والاجتماعية. وهذا يدلنا على أن العلم أي فرع علمي عندما يبلغ أشده وينمو ويحظى باستقلاله وكماله يستطيع أن يخرج من دائرة الهوس بالاستقلال إلى دائرة التعاون والتفاعل والتكامل مع العلوم الأخرى. وهذا يعني أنه يوجد لكل علم مساران أساسيان أحدهما عمودي يتعلق بالتخصص الدقيق وآخر أفقي يتعلق بقدرته العلم نفسه على التعاون مع العلوم الأخرى في مجال الفهم والاكتشاف والتفسير. وهذا التعاون تقتضيه شمولية الظواهر الكونية وعمقها وتعدد مظاهرها الطبيعية. فأي ظاهرة في الطبيعة تمتلك تكوينات مختلف في ذاتها، وهذه التكوينات تأخذ طابعا فيزيائيا وكيميائيا ورياضيا ولذاك فإن فهم أي ظاهرة لا يتم بشكل واضح إلا بتكامل العلوم الذي يقدم فرصة أفضل لفهم ظاهرة ما في الكون.

ويبدو أن الظاهرة الاجتماعية أو التربوية أشدّ تعقيدا من الظواهر الفيزيائية والطبيعية، ومن هنا يبدو لنا أن صيغة التكامل بين العلوم التربوية أكثر أهمية وخطورة وضرورة من الظواهر الفيزيائية نفسها. وقد فرض هذا التعقيد في الظاهرة التربوية حضورا مكثفا للعلوم البينية التي تتناولها وتبحث فيها وتعمل على تطويرها. فالتربية هي من أكثر الظواهر الاجتماعية تعقيدا ولذا فإن أكثر علوم التربية هي علوم بينية متكاملة ومتفاعلة جزئيا وكليا. ومن هذا المنطلق نجد أن المتخصص في مجال التربية يجب أن يكون موسوعيا ليتمكن فعليا من امتلاك القدرة على فهم الظاهرة التربوية، وأن أغلب المقررات في أصول التربية هي مقررات بينية بالضرورة. وهذا يعني أن التكامل بين العلوم أصبح ضرورة قصوى بالنسبة إلى التربية وغيرها من العلوم.

وهنا يجب علينا أن نؤكد أنه لا يوجد أي تناقض بين التخصص في العلم والتعمق فيه إذ يستطيع العلماء الغوص في معاني العلم دون أن يمنعهم ذلك من الخوض في العلوم الأخرى وتحقيق التكامل بين تصوراتهم العلمية في ضوء التفاعل العلمي مع العلوم الأخرى. ومن هذا المنطلق فإن العلم عليه أن يأخذ بمساريه التخصص والتعمق فيه ومن ثم العمل على تحقيق التكامل بين التخصص والعلوم الأخرى. وهذا لا يضير بل يساعد دائما على الانطلاق في العلم والتحليق في المعرفة. وهذا ما نلاحظه اليوم إذ يوجد هناك تكامل عميق بين هذه العلوم وفيما بينها وبين المحيط الحيوي والاجتماعي الذي توجد فيه.

فالتربية ظاهرة كلية وهي تنطوي بين جوانحها على مختلف مظاهر الوجود ولهذا اقتضى الأمر تعمقا في العلوم واستقلال لها وتكاملا بينها. ونقول في هذا السياق أيضا إن العلوم التربوية تقع في منطقة التجاذب والتقاطب بين مطلبين: مطلب الاستقلال والهوية، ومطلب التكامل مع العلوم الأخرى. وهنا يجب علينا أن نحقق هذا التكامل فلا يكون الاستقلال العلمي انفصالا ولا يكون التكامل بين العلوم ذوبانا في العلوم الأخرى.

وهذا المطلب المزدوج يجب أن يتحقق أيضا في شخص المعلم والأستاذ الجامعي فيجب على الأستاذ الجامعي ألا يغور في الاختصاص إلى حد الغياب والتغييب، وألا يتلاشى خارج دائرة الاختصاص إلى حدّ الذوبان. وهذا يعني في النهاية أن التعمق في الاختصاص يجب أن يتكامل مع التفقه في الاختصاصات الأخرى القريبة والرديفة. وهذا يشكل ما نسميه بالثقافة العلمية التي تجعل من الطالب قادرا على مواجهة الحياة علميا ومعرفيا وإنسانيا.

نقول إن الاستغراق في التخصص العلمي ضمن ما نسميه بالاستقلال العلمي أمر خطير ونتائجه قد تكون كارثية في العلوم التربوية، ويجب علينا أن نحذر من تدريس العلوم التربوية بوصفها كيانات منفصلة يغيب فيها التكامل. ومثل هذا الأمر يهدد العلم ذاته والدارسين فيه إذ يجب أن تنكبَّ الجهود لإيجاد التكامل المنشود بين التفرعات المختلفة. فالتربية لا يمكن أن تكون ألا مشروعا إنسانيا منفتحا على ذاته وعلى المحيط الذي توجد فيه. ويقينا تأخذ المعرفة التربوية صيرورة نماء مستمرٍّ وهي تتدفق فيضا يتجاوز أسوار الجامعات والمؤسسات العلمية.

باختصار، الاستقلال في العلم لا يعني الانفصال والتفاعل لا يعني الذوبان. ومن هنا يجب على العلوم بعامة والعلوم التربوية بخاصة أن تجمع بين الأمرين وتنطلق بقوة هذين الجناحين لترسخ معرفة حقيقية وصميمية في دائرة التفاعل والتكامل الإنساني المنشود.

س8: أ. مراد غريبي: حديثنا عن علوم التربية يعني فلسفة و أدب و ثقافة و دين و تاريخ و علوم حديثة، بحكم تخصصكم في مجال التربية و علم الاجتماع التربوي، ماذا عن علوم التربية عربيا، هل حاله حال المجالات العلمية الأخرى حبيسة الفلسفات و النظريات الغربية أم هناك محاولات جادة في الاستقلال و الإصلاح و التجديد؟ وهل استفاد العرب من النماذج التربوية الغربية ومناهجها ونظرياتها أم مجرد محاولات تبيئة واستنساخ؟

ج8: د. علي أسعد وطفة: أولا بالنسبة إلى علوم التربية عربيا أقول إننا ما زلنا ندور في فلك المعطيات الغربية في مجال هذه العلوم، وهذه العلوم لم تأخذ بصمتها العربية حتى اليوم. فالعلوم التي ندرسها ونجترها هي تكوينات غربية الهوى والهوية ولا يوجد إسهام عربي حقيقي في هذا المجال حتى اليوم. فالبصمة الإبداعية العربية غائبة كليا في مجال العلوم التربوية كما في غيرها. ومع الأسف أننا ما زلنا نعيش حالة هذه العلوم في الزمن الأول الذي نشأت فيها، أي في النصف الأول من القرن العشرين. وما زلنا نجتر بعض الترجمات العربية للكتب الأجنبية التي صدرت في بداية القرن الماضي. فالغرب يتقدم وهذه العلوم تحقق تطورات كثيرة مذهلة، ولكننا لا نواكب حتى ما يدور في عالم المعرفة الغربي من إبداعات وطفرات إبداعية في مجال العلوم التربوية، وبقينا في حالة الاجترار العلمي الساذج لمنتجات الغرب الفكرية التي أصبحت من مخلفات الحضارة الغربية. ويعود ذلك إلى ضعف حركة الترجمة والتواصل الفعلي بين أساتذة الجامعات والمعرفة الغربية. لقد قام الرعيل الأول من المفكرين العرب أو أساتذة الجامعات بترجمة بعض الأعمال الرئيسية إلى العربية، ولكن هذه الحركة توقفت كليا في النصف الثاني من القرن الماضي. ومن الطبيعي أن نقوم نحن أساتذة الجامعة بتعليم هذه العلوم بطريقة فجة وتلقينية دون أي حركة إبداعية ودون أي تواصل ابتكاري مع المصادر العلمية المتقدمة في الغرب والشرق في آن واحد. ومن المؤسف أيضا أن الأكاديميين العرب يغرقون في داخل هذه الاختصاصات العلمية ويعيشون في شرانقها ويتناقلونها بصورة شكلية ساذجة.

ومع الأسف لا يوجد هناك أي بوادر للتجديد أو الإصلاح كما تفضلتم، ويندر أن نرى أكاديميا عربيا قد وصل إلى مستوى العالمية في مجال الإنتاج الفكري -التربوي أو غيره من الاختصاصات العلمية. فنحن نعيش حالة تصحر فكري وثقافي مخيفة ويكاد تعليمنا لا يتجاوز حدود التلقين الجامد لبعض العلوم والمعارف في عقول طلبتنا دون أن يكون فيها هذا الثراء الفكري المطلوب للحركة النهضوية في العلم والمعرفة.

س9: أ. مراد غريبي: وماذا عن أسلمة علوم التربية ومدى واقعيتها بحكم العقل العملي الخاص بسياقات العلوم المعاصرة؟؟

ج9: د. علي أسعد وطفة: يا صديقي أرى أن العلم يفقد صفته العلمية عندما نضفي عليه طابعا دينيا، وأعتقد أن تديين العلم يعبر عن حالة ضعف وعجز وقصور حضاري. فالتديين هو ردة فعل إزاء النقص الذي نستشعر إزاء الحضارة الغريبة المتقدمة. فالعلم لا يتدين والدين لا يتعلمن. فالدين يعتمد في جوهره على الإيمان في حين يعتمد العلم على التجربة المنفصلة عن أي إيمان كان. فموضوعية العلم تضعه خارج العقائد وبعيدا عن الأيديولوجيات الدينية. وهذا يعني أن تديين العلم يشكل محاولة يائسة لتدمير العلم نفسه فالعلم المتدين خواء وفراغ، وهو بتدينه يفقد أهم شرط من شروطه الموضوعية. فالعلم منهج يبحث في الطبيعة والكون بغض النظر عن الأيديولوجيات والأديان والعقائد. وهناك تناقض كبير في منهجية الدين ومنهجية العلم؛ فالأول يقوم على المسلمات والمطلقات أما الثاني فيقوم على التجارب والمعقولات وشتان بين الأمرين. وهذا يعني أن العلم لا يمكن أن يكون دينا كما أن الدين لا يمكن أن يكون علما. فالدين بحث في المطلقات والعلم بحث في النسبيات والمتغيرات. العلم يغير ويتغير في حين أن الدين يعتمد مبدأ اليقين والثبات.

لا يمكننا على سبيل المثال أن نتحدث عن فيزياء إسلامية وأخرى مسيحية وثالثة يهودية أو بوذية. فالفيزياء بحث في الطبيعة الكونية وقوانينها واحدة هنا وهناك لأنها تبحث في كون واحد وموضوع واحد. وأعتقد أن أسلمة العلوم كما أشرت هي محاولة يائسة لتفريغ العلوم من طاقتها العلمية. ومن الغريب أن تديين العلم ظاهرة إسلامية أقصد أننا نحن المسلمين من يريد أسلمتها ولا يوجد تاريخيا تدين العلم مسيحيا أو يهوديا أو بوذيا. فالعلم لا وطن له ولا عرق ولا دين العلم علم والدين دين والخلط بينهما لا يكون إلا تعبيرا عن العجز والقصور؛ لأن الدين يفقد جوهره عندما نريده أن يكون علما عمليا وكذلك العلم يفقد جوهره عندما نجعله تحت سلطة العقيدية والإيمان. فكل اكتشاف علمي في أي مكان أو زمان هو اكتشاف يتجاوز حدود الزمان والمكان والأديان والعقائد والأيديولوجيات. وكل اختراع يصبح ملكا للإنسانية دون تمييز بين عرق أو دين أو جنس. وقد يمكننا أن نتحدث عن العلم ضمن دوائر جغرافية كأن نقول تطور الفيزياء في فرنسا في القرن الثامن عشر أو التاسع عشر. مع أن أي تطور هو تطور إنساني.

فالعلوم تطورت وتخاصبت عبر الزمن وعبر الحضارات وكل إنجاز علمي حدث في أي مكان كان يشكل مقدمة للتطور في مكان آخر من العالم. فاكتشاف الذرة وتفجيرها لم يكن أكثر من تطور فكرة ذرية في العصر اليوناني القديم. فكل خطوة من خطوات العلم ما هي إلا تطور وتطوير للخطوات السابقة. فما أنجزه المسلمون في عصرهم الذهبي لا تنفصل نتائجه عما نراه اليوم من تطور في العلوم والفنون. وهذا يعني أن العلوم ظاهرة إنسانية فوق الأيديولوجيات والعرقيات والمذاهب والأديان.

ويجب علينا نحن العرب المسلمين أن نلج إلى بوابات العلم بصورته العالمية وألا ننغلق على أنفسنا ضمن مسارات أيديولوجية ودينية قد تضيق مساحتها قليلا أو كثيرا عن الفضاء الواسع للعلم الذي ينطلق في مجال الكون ليتجاوز حدود المجموعة الشمسية. فلا يمكن أن نتحدث عن فيزياء نووية إسلامية وأخرى مسيحية، فالذرة وقوانينها ومفاعلاتها واحدة هنا وهناك. والقنبلة الذرية الباكستانية لا تختلف في أسسها العلمية عن القنبلة الذرية الهندية. فلا هذه إسلامية ولا تلك هندوسية أو مسيحية. وعلى هذا الأساس فإن الدعوة إلى تديين العلم دعوة إلى الخلف وإلى الجمود والهزيمة والانكسار. وهذا ينطبق تماما على العلوم التربوية إذ لا يمكن أن نتحدث عن إحصاء تربوي إسلامي أو علم اجتماع تربوي إسلامي. وهذا النوع من الأسلمة يعني في النهاية القطيعة مع حركة الحضارة الإنسانية التي تميل إلى التكامل والتفاعل الحضاري على إيقاع إنساني واحد. وإذا كانت الأسلمة فكرة حقيقية فإن مثل هذه الأسلمة إذا افترضنا أنها ممكنة تتطلب تجاوز الحضارة الغربية واحتواءها والانطلاق منها إلى بناء حضارة جديدة تقوم على الإبداع والابتكار والتجاوز، وعندها يمكن الحديث عن أسلمة وتعريب للحضارة الإنسانية.

2760 وطفة ومراد

س10: أ. مراد غريبي: هل يمكننا القول تخلفنا عن صياغة فلسفة تربوية بمعنى عدم وعينا بعد، ماذا نريد من العملية التربوية؟ ولأية أهداف؟ وما خصائص وصفات المدرس والتلميذ والمدرسة؟ وكيف نبلور مناهج تربوية تتناسب وتطلعنا الحضاري وعلى ضوء ثقافتنا العربية الصحيحة والسليمة؟ كلها أسئلة محورية في الفعل التربوي بعيدًا عن بعض النزعات والخلفيات الإيديولوجية..

ج10: د. علي أسعد وطفة: سيدي الفاضل، المسألة لا تكمن في فلسفة تربوية ممكنة بل في تخلف حضاري عميق وشامل في مختلف المستويات والأبعاد. من نحن؟ إذا كنت تقصد العرب فنحن أشلاء ممزقة في 22 دولة ويزيد والحبل على الجرار؟ دول فقدت كل مقومات الحضارة والوجود، مثل: اليمن وسوريا والعراق ولبنان وفلسطين المغتصبة وليبيا والصومال... والقائمة تطول. عن أي فلسفة تريدنا أن نتحدث يا سدي!؟ واسمح لي أن أعبر عن وضعيتنا العربية في سياق إحصائي بلغة الأرقام في تقرير القمة العالمية للحكومات في دبي في عام 2017:

- 57 مليون عربي لا يعرفون القراءة والكتابة.

- 13.5 مليون طفل عربي لم يلتحقوا بالمدارس هذا العام.

- 30مليون عربي يعيشون تحت خط الفقر.

 - 1 تريليون دولار كلفة الفساد في المنطقة العربية.

- 5 دول عربية في قائمة الدول العشر الأكثر فساداً في العالم.

- العالم العربي يمثل 5% من سكان العالم إلا أنه يعاني 45% من الهجمات الإرهابية عالمياً.

- 75 % من اللاجئين في العالم عرب!

- 68 %من وفيات الحروب عالمياً عرب!

- 20 ألف كتاب فقط ينتجها العالم العربي سنوياً، أي أقل من دولة مثل رومانيا.

- 410 مليون عربي لديهم 2,900 براءة اختراع فقط، فيما لدى الكوريين الجنوبيين فقط 20,201 براءة اختراع.

- من عام 2011 حتى 2017 تم تشريد 14 مليون عربي.

- من عام 2011 حتى 2017 خسائر بشرية تصل إلى 1.4 مليون قتيل وجريح عربي.

- من عام 2011 حتى 2017 تم تدمير بنية تحتية بقيمة 460 مليار دولار.

- من عام 2011 حتى العام الحالي خسائر في الناتج المحلي العربي بقيمة 300 مليار دولار.

في ضوء هذه الظروف المأساوية لا أعتقد أنه يجدر بنا أن نتحدث عن أهداف تربوية أو فلسفات تربوية. فالفلسفات لا تكون إلا في سياق تاريخي واجتماعي متحضر ومتقدم. المجتمعات العربية محكومة بالحديد والديكتاتوريات والنار ومع هذه الديكتاتوريات وهذا التخلف يستحيل علينا أن نقع على فلسفات تربوية حقيقية. فمدارسنا ومؤسساتنا التربوية هي في أفضل حالاتها معسكرات للتدجين والترويض والتهجين، وجامعاتنا معسكرات للأنظمة السياسية تنتج وتعيد إنتاج التخلف الاجتماعي وتكريس كل مظاهر القهر والسلبية والاستلاب والاغتراب في حياتنا الاجتماعية والثقافية.

مع هذا التخلف الثقافي والأخلاقي والإنساني والاقتصادي الشامل الذي يضرب في العمق لا تحدثني عن أهداف تربوية أو أنظمة تربوية. فمجتمعاتنا يا صديقي تعاني من التخلف والتجزئة والاستبداد والتبعية ولا يوجد ربما دولة واحدة خارج هذه الصورة كليا أو جزئيا. فكيف نتحدث عن أهداف تربوية وفلسفات إنسانية وقيم أخلاقية. الحالة مأساوية وبائسة، فالدول العربية تحتاج إلى معجزات إلهية معجزات وليست معجزة كي تستطيع أن تبدأ خطوتها الأولى، لأن مظاهر الجهل والتخلف والاستبداد قد تكاثفت وتصلبت حتى أصبحت حصونا لا يمكن كسرها أو دكها أو تدميرها. إنها حصون التخلف الهائلة التي تصغر معها أسوار الصين.

 س11: أ. مراد غريبي: بنظركم ماهي الأسس السوسيوثقافية القادرة على خلق سياق فلسفي عربي من شأنه إبداع نسق علمي تربوي خاص و استراتيجي؟

 ج11: د. علي أسعد وطفة: سيدي الفاضل،  أثبتت تجارب الأمم أن نهضة الأمم لا تكون إلا بإحداث ثورة فكرية على صورة زلزال هائل مدمر يسقط أوابد التخلف وأركانه، إذ لا بد من إعصار كاسح لتحطيم أساطير الذهنية التقليدية وإسقاط أوابدها وهدم مطلقاتها الثقافية المغلقة من أجل الانتقال إلى بناء حضارة تواكب مستجدات العقل والعلم والمعرفة بأكثر مظاهرها الإنسانية تقدما وحيوية. فالنقلة الحضارية تحتاج إلى عقلية متحفزة منطلقة تتجاوز في قدرتها كل رواسب الثقافة التقليدية بأساطيرها وخرافاتها وأوهامها.

إن أخطر ما يمكن لمخططات التنمية في البلدان العربية أن تواجهه يتمثل في عطالة العقل التقليدي بأختامه السحرية وجموده المستطير وانغلاقه على موانع التنمية ومضادات التقدم والنهضة. فالعقل المتخلف مبني على مبدأ التصلب والممانعة لكل أشكال التنوير والعقلانية في مختلف أوجه الحياة الإنسانية. وهو يمتلك في ذاته مطلقات ومقدسات وأوهاما أسطورية قادرة بميزاتها السحرية الهائلة على مقاومة كل إشعاعات التنوير وإضاءات العقل المنفتح وكل أشكال القيم الحضارية والإنسانية.

فالثقافات التقليدية المتحجرة الصماء التي تخيم على وجودنا تمتلك في ذاتها القدرة التلقائية الهائلة على دفع ورفض ونبذ المؤثرات الثقافية الجديدة التي لا تتوافق مع بنيتها الأسطورية، وهي فوق ذاك كله قادرة في حالة التصادم مع المؤثرات الثقافية الجديدة على احتواء هذا الجديد بطريقة تكلسية تصلبية، أي بمعنى أنها قادرة على احتواء هذه المؤثرات الثقافية الجديدة وتفريغها من مضمونها العقلاني وتحويلها إلى أبنية صلبة متحجرة تزيد من متانة التخلف وعنفوانه الأسطوري.

ويستطيع هذا البناء الثقافي المتحجر أن يستقطب كل ما هو جديد بطريقة الاحتواء والانصهار والتجميد. وهذا يعني أن الثقافة العربية التقليدية تستطيع بقدرتها الهائلة احتواء معطيات العلم والقيم الحضارية ضمن حركة الصهر والتذويب والتبريد لتحولها إلى قيم جديدة تغذي القديم وتزيد في مناعته وصلابته. فنحن اليوم نعيش هذه الفعالية الثقافية الهائلة في مدار ثقافتنا حيث يوظف العلم ومنتجاته جميعها بطريقة أسطورية، فيتم تحويل معطياته إلى قوة تعزز ما هو قديم بما هو جديد كاستخدام المعارف العلمية الجديدة في تأصيل المفاهيم الأسطورية والعقائد التقليدية الجامدة المهووسة بأساطيرها.

ونحن نستطيع اليوم أن نرى بوضوح كبير أن الثقافة التقليدية تجاوزت أدواتها القديمة في صد الجديد ورده ودفعه وتبنت أدواتها الجديدة باحتواء الجديد وتحويله إلى قديم متجدد متصلب. وهذا يعني أن الثقافة التقليدية استطاعت أن تغني جمودها وتصلبها بتحويل العطاءات العلمية والفكرية إلى أساطير تقليدية جديدة تتجه إلى زيادة درجة الجمود والعطالة في الذهنية التقليدية. وليس أدل على ذلك من استخدام أكثر وسائل الحضارة تقدما في نشر وتعزيز وترسيخ الجمود الصارم للثقافة التقليدية. ومن هنا يمكن الإشارة إلى توظيف وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي كقوة جبارة في ترسيخ ودعم وتعزيز ونشر الثقافة التقليدية بأكثر قيمها شذوذا وانحرافا. ولا يخفى على الناظر اليوم الكيفية التي يتم بها توظيف نتائج العلم الحديث في الفيزياء والكيمياء والرياضيات من أجل تعزيز عقائد تقليدية أسطورية مضادة للعلم والمعرفة في بنيتها ووظيفتها.

وضمن هذه الرؤية يمكن القول بأن سدنة الثقافة التقليدية استطاعوا على نحو متميز توظيف معطيات العلم ومنجزاته في تأصيل المنظومات الفكرية والذهنية المضادة للفكر والعقل والمنطق والتنوير. فرجال الدين يستخدمون اليوم الرياضيات والفيزياء والفلك في رسم حدود الأرض والسماء ويرسمون بالخرائط مكان الجنة والنار في قلب الفضاء ويرسمون أبعاد وإحداثيات حركات الملائكة ويعملون على قياسها بذبذبات الضوء وومضات المغناطيس والكهرباء.

وفي هذه الدائرة يمكن القول بأن التواصل والتصادم بين الثقافة التقليدية والعقل الحديث لم يؤديا في مجتمعاتنا إلى هدم القديم وسقوطه بقدر ما استطاعت الثقافة التقليدية أن تزداد قوة وتصلبا وممانعة وحضورا وامتدادا وتوسعا.

ومن المذهل أن ترى على مدّ البصر طبقات من المثقفين والمفكرين والمتخصصين في المجالات العلمية وهم يفكرون بطريقة تقليدية تماما لا تختلف عن الطريقة التي يفكر بها فلاحو القرون الوسطى فيما يتعلق بنظرتهم إلى الكون والحياة والوجود. وهؤلاء في مدار الساعة لا يجدون أي تناقض فيما تعلموه من علوم حديثة وبين الطريقة التقليدية التي تشكلوا على منوالها في النظرة إلى الوجود والكون والحياة. واستطاع هؤلاء المتعلمون والعلماء في مجال اختصاصاتهم تحقيق توافق مطلق بين العلم والمعرفة والميتافيزياء وبين منظومات القيم التقليدية التي تقوم على مرتكزات المقدس والخرافة. ومن المدهش حقا أن نجد العراف والمنجم ورجل الدين يستخدم معطيات العلم الحديث في تفسير وتحليل معطيات الكون في تعزيز ترهاته وطقوسه، مثل عملية انتقال الأرواح بسرعة الضوء واستخدام المعادلات في قياس حركة الملائكة في السماء واستخدام دلالات الثقوب السوداء في السماء وحركات الكواكب ودورانها والجاذبية في تفسير وتحليل العقائد.

هذا التطور الجديد الذي شهدته الثقافة التقليدية يعد طورا جديدا من أطوار التفاعل مع حضارة العصر، فالثقافة التقليدية استطاعت أن تتجاوز طور التصادم والتصدع والانهيار في مواجهة العلوم الحديثة والفكر الحديث إلى طور الاحتواء والتكيف والامتداد والتفاعل البرغماتي في تحويل العلم وقضاياه إلى نماذج للتفكير السحري ووسائل لتعزيز الفهم الأسطوري للكون والوجود والحياة.

وهكذا تطالعنا الحياة الثقافية بنماذج أسطورية لأساتذة جامعات وعلماء عادوا من الغرب وهم يحملون أعلى الشهادات العلمية في الطب والهندسة والفلسفة والكيمياء، ولكنهم في مسار حياتهم المهنية لا ينفكون يكرسون ثم يكثفون نمطا من التفكير الأسطوري المتشبع بالأوهام والمتكسر بالخرافات في عقلية الأجيال الجديدة. وفي الجعبة مئات الحوادث والشواهد حول هذه المسألة أحدثها أستاذ جامعي عائد من الإيفاد قضى في الجامعات الأمريكية عقدا من الزمن ثم عاد ليلقي أول محاضرة له لطلبة في طريقة إخراج الجن والشياطين من بدن الإنسان. والبقية تأتي.

 فالصلابة التي تميزت بها ثقافتنا التقليدية جعلتها غير قابلة للاختراق الحضاري، وصدام هذه الثقافة مع الحضارة الغربية لم يضعفها بل زادها قوة وتصلبا وانكفاء. ولم تستطع علوم الغرب وفنونه وعقلانيته أن تكسر هذا الجمود في الثقافة التقليدية التي استطاعت أن تصد وترد كل معطيات العلم في مجال الحياة والثقافة والإعلام والاقتصاد والنظرة إلى الكون، وبقي الإنسان العربي غارقا في متاهاتها مأسورا بسحر خرافاتها وأساطيرها. وهذا يعني أن الاختراق الثقافي للعقلية التقليدية أشبه بالمستحيل نتيجة لما رسخ في بنية هذه الثقافة من تصلب في الفكر وجمود في العقائد والعادات.

 كانت الفلسفة وما زالت صرخة إنسانية نبيلة تدعو الإنسان إلى المكاشفة النقدية والخروج من صمت التقاليد الجامدة إلى تحطيم أوهام الإنسان ومطلقاته الجامدة.. . إنها دعوة إلى حرية العقل ونبل التفكير ورفض لكل أشكال التعنت والتصلب الفكري بمختلف أشكاله وتجلياته، بل هي دعوة حقة إلى رفض المطلقات والمسلمات والمقدسات التي تمنع الفكر من الحرية والانطلاق. إنها إعلان صريح وامض بالشوق إلى المعرفة في أكثر تجلياتها العقلية شموخا وتنويرا. وهذا يعني أن الفلسفة كانت رفضا لكل المسلمات القائمة على التقاليد الجامدة والرؤى السحرية الأسطورية للوجود والكون.. إنها ثورة على كل ما تعلمه الإنسان من موثوقات ويقينيات غارقة في المقدسات الزائفة وتائهة في التقاليد الفكرية المضادة للعقل والمنطق.

والفلسفة هي رفض للحقائق المطلقة وانفتاح على الحقيقة الإنسانية المتجددة التي ترى في الحقيقة واقعا نسبيا متحركا في غمرة التفاعل الحقيقي بين أطوار الزمان والمكان.. . فالحقيقة متغير وهي دائمة التغير ولا شيء يقف على الثبات غير حقيقة التغير ذاته المنفتح على كل أشكال الحقيقة وماهياتها ضمن صيرورة أبدية لا تنتهي بمجال ولا تقف عن حدود وثوقية معلنة.

 يجري الاعتقاد اليوم أن الوصفة السحرية للتقدم تكمن في نقل المعارف والعلوم والتقانة إلى المؤسسات التعليمية، وأن تعليم العلوم والمعارف العلمية واستخدام أفضل الأساليب التربوية في التعليم يمكنها أن تحقق النهضة والتقدم الحضاري على نحو تلقائي، ولكن التجارب التاريخية تعلمنا أن تكاثف الجامعات وتعاظم المؤسسات التربوية ونقل المعارف والتكنولوجيا لم يفض قط إلى بناء الحضارة وإحياء التقدم في المجتمعات المتخلفة. وأن كل هذا الركام من المعارف والتقانات لم ولن ينفع ما لم تحدث ثورة فكرية ثقافة شاملة تكسر اليقينيات وأنماط التفكير التقليدية المضادة للتطور والتقدم. فالعلوم والمعارف ليست أصلا في الحضارة بقدر ما هي نتيجة لانتفاضة العقل على تقاليد الجمود الفكري والتخلف الثقافي لدى الشعوب. ومن أجل مزيد من الوضوح نقول إن العصب الحقيقي للتقدم يكون في تطوير العقليات من عقليات جامدة ملجومة بالمقدسات والمطلقات المضادة للإنسان والحضارة إلى عقليات منفتحة على العقل والتساؤل والنسبية والإبداع والتفاؤل.

ولا يمكن لأي معارف علمية أن تحدث دويا في الواقع وتغييرا حضاريا ما لم تتساوق مع نمط جديد من العقل الحر والعقلية المتمردة على أوابد اليقينيات الماضوية المنفتحة على التساؤل والتمرد والإبداع والرفض والإيمان بسلطة العقل القائم على النسبية المفارق للمطلقات المعادي للمقدسات واليقينيات الخارقة. العلوم والمعارف والتقانات لا تزيد العقل المغلق إلا انغلاقا ولا تضفي على الثقافة التقليدية سوى تصلب وجمود وجنوح نحو اليقينيات المجافية للعقل والعقلانية.

 

حاوره: الأستاذ الباحث مراد غريبي

صحيفة المثقف

7 - 9 - 2012

 

 

2760 وطفة ومرادخاص: المثقف تستضيف المفكر والأكاديمي الدكتور علي أسعد وطفة ضمن مرايا فكرية، وحوار شامل  أجراه معه الأستاذ الباحث مراد غريبي، حول التربية وعلوم الاجتماع، فأهلا وسهلا بهما:

مراد غريبي: يأتي هذا الحوار في حلقات ضمن سلسلة مرايا حوارية  حول آفاق  الفكر التجديدي وأبعاده  عبر تفكيك إشكالات ومشكلات مفاهيم كالتربية والثقافة والهوية والتنمية وأدوار المثقف في البحث عن المنهجية الدقيقة للنهوض بالوعي الحضاري لدى إنساننا العربي. وسنحاول من خلال هذا الحوار مع الأكاديمي والمهتم بالشأن التربوي والمعرفي والثقافي الحضاري الدكتور علي أسعد وطفة مناقشة العناصر الهامة للتربية والثقافة والهوية ومسؤولية المثقف كحاجة لقراءة متجددة  ومقاربة موضوعية على ضوء معطيات العلم والواقع بحسب نتاجات فعل النقد والتحرير والتنوير في إعادة فهم التجديد وتحديد مفاهيمه الأساسية ودوره، متجاوزين التفسير الواحد والرؤية الوحيدة وتوسيعا  لنطاق الوعي وتغيير النهج وتطوير التصور والخطاب والعمل بما يغني التطلع ويرفد القيمة ويرسخ القناعة بأن النهضة إرادة وعي وجد واجتهاد وإحسان وسداد..

س1: مراد غريبي: السيد الدكتور علي أسعد وطفة، كيف يقدم شخصه الكريم لقارئ صحيفة المثقف؟

ج1: د. علي أسعد وطفة: يسرني في بداية هذا الحوار أن أوجه الشكر والتقدير إلى الأستاذ الكبير المبدع ماجد الغرباوي رئيس تحرير المثقف الذي كرس نفسه على مدى عقود لخدمة الفكر والثقافة في العالم العربي عبر "المثقف" ومن خلال عطاياه الفكرية المتمثلة بأعماله الجليلة في مجال الفكر والثقافة العربية. كما أنني أتوجه بالشكر إليكم شخصيا على تكريمكم لنا بالدعوة إلى هذا الحوار الفكري حول التربية والثقافة والعلوم في عالمنا العربي المعاصر، وأرجو لهذا الحوار أن يكون مفيدا ومثمرا للقراء المهتمين بقضايا التربية العربية بهمومها وشجونها، كما أرجو أن يواكب الرسالة الثقافية لمقام سلسلتكم العليّة "مرايا حوارية ".

مما لا شك فيه أن سؤال الهوية على الرغم من البساطة التي ينطوي عليها يتميز بدرجة عالية من التعقيد والصعوبة، وذلك عندما نأخذ بعين الاعتبار البعد الفلسفي الذي ينطوي عليها.

وسؤالكم الكريم: كيف تقدم نفسك لقراء المثقف؟ سؤال ثقافي يتجاوز حدود التعريفات البسيطة التي تتعلق بمكان الولادة والاسم والجنسية ومكان الإقامة وحالة الزواج، لأن مثل هذه الحدود لا يمكنها أن تشكل مطلبا من مطالب الحوار الثقافي المناسب لمقام مجلتكم الثقافية العامرة. ولعمري فإن هذا السؤال يدور في فلكه الثقافي رغم طرحه الأولي البسيط، وقد ينطوي بذاته على اختبار ثقافي نأمل أن ننجح فيه. وعندما نريد تجاوز الصيغة البسيطة لسؤال الهوية والانتقال إلى صيغته الثقافية، فإن شعورا بالقلق والحيرة يتملكنا، لأنه لا يوجد هناك ما هو أصعب من أن يخضع المرء ذاته للفحص والتقويم، وهذا الأمر يتضمن مخاطرة في تقديم الذات على نحو موضوعي، لأن المشاعر الذاتية قد تشكل قوة ضاغطة تدفعنا إلى تقديم صورة مغايرة عن الذات لا نريدها لأنفسنا أو لغيرنا. ومما لا شك فيه أن سؤال الهوية هنا يضعنا في مواجهة صعبة، وذلك لأن تقديم الذات وصوغ الهوية الذاتية، أي: تلك التي يراها الإنسان متجسدة في ذاته ومتبلورة في أعماقه – أمر ينطوي على صعوبة وتعقيد كبير.

وفي هذه المواجهة مع الذات ضمن مطلب تقديم صورة الذات إلى الآخر، يجد الإنسان نفسه مطالبا بالتفكير ملياً، وكأنها المرة الأولى التي يبحث فيها في هويته الذاتية وفي قدرته على صوغها ضمن مطلب محدد يتمثل ربما فيما يريد أن يكونه في وعي الآخرين. فالهوية قد تأخذ طابع تماثل أو صيغة تمييز، وقد تجمع بينهما في آن واحد. وغالبا ما يبحث المرء عن الصيغة التي يُعرف بها ويتميز بها عن الآخر، وهنا تكمن المعضلة الكبرى في تحديد تخوم هذا التمايز وفي حضور هذا التجانس في الآن الواحد. فما يحسبه المرء تجانسا في الهوية والانتماء قد يكون عين التماثل الجامع بين كثيرين من البشر، وقد يؤدي هذ التجانس إلى تغييب حدود الهوية ويغلق منافذها. ومن أجل الخروج من هذا المأزق سأحاول أن أتجاهل حدود التمايز والتجانس كليهما، وانطلق لأقدم نفسي على نحو ثقافي واقعي شعوري ضمن حدود المشاعر والأحاسيس التي تتملكني والتي أشعر بأنني أنطوي عليها.

وهذا التعريف الذي أقصده يتمثل في الهوية الفكرية التي تشكلني وأتشكل بها، فلست مأخوذا بشعور الانتماء إلى سوريا الحبيبة في كلية الآداب بجامعة دمشق، أو حاملا لشهادة الدكتوراه من جامعة كان الفرنسية، وعائدا للعمل مدرسا ثم أستاذا في جامعة دمشق، ومن بعدها جامعة الكويت، فتلك هي مقدمة بسيطة لا تعرّف بالهوية الثقافية التي أشعر بها وتمتلك كياني. فالهوية التي أبحث عنها وأشعر بها تتجاوز هذه الحدود المكانية الزمانية الجامدة، لأن الحدود الحقيقية للإنسان بوصفه كائنا غائيا لا تكون إلا في أحضان هذا الكوكب بأبعاده الكونية. فالإنسان عندما تضعه أقداره في هذا الكون العظيم يتلقفه المجتمع ويرسم له حدود هويته ووجوده فيفرض عليه دون إرادته أن يعتنق مذاهب وأديانا وأفكارا وتصورات ويتشبع بثقافات جاهزة التكوين. وفي هذا كله تغييب للهوية الفردية التي بها يكون فردا لا جمعا أو وعيا يتفرد بذاته وينطلق إلى الحياة ليراها بمنظوره الخاص ورؤيته المفردة.

لذا يقال بأن الإنسان لحظة ولادته يفرض عليه أن يعتنق دينا وينتسب إلى مذهب ديني وأن يكتسب اسما وجنسيه وهوية مكانية، وأن عليه فيما بعد أن يدافع حتى الموت عن معتقداته ودينه وأفكاره وتصوراته واسمه، وهي أمور فرضت عليه ولم يختر أيا منها، وهنا تكمن كارثة ما نسميه التطبيع بالهوية أو التخلق القدري بمعنى أن يكون القدر نفسه هو الصانع للهوية والوجود، وهذه الهوية القدرية لا يمكن أن تكون الهوية الحقيقية التي نبحث عنها ونرنو إليها ونسعى إلى تمثلها.

فالهوية الحقيقية للإنسان تبدأ عندما يستطيع أن يخرج من هذه الدوائر المفروضة عليه؛ أي عندما يضعها موضع التساؤل ويخضعها للنقد والبحث والفحص والرفض والقبول، أي : عندما ينفتح الإنسان على صورة العالم الذي ينتمي إليه ويبحث فيه مستكشفا جماله مستلهما معانيه، وعندها نستطيع القول في هذه اللحظات بأن الإنسان قد بدأ بتشكيل هويته الذاتية على صورة جديدة تنتظم في رؤيته الفلسفية للعلاقة بين الأنا والعالم أو بين الكينونة الخاصة والوجود العام ؛ أي : عندما يستطيع المرء أن يخرج من الشرانق التي تشكل فيها والقوالب التي ارتسم في أعماقها، وهو الخروج الذي يجعله قادرا على صوغ هويته وتشكيل كينونته الوجودية في ضوء تفاعله مع العالم وذلك الكون الذي يعيش فيه. وأعني أن الهوية لا تتشكل عمليا إلا في دائرة التفاعل الإنساني الخلاق في أحضان الكون الذي ننتمي إليه.

ومن هنا أقول إن سؤال الهوية التقليدية، أي: سؤال الشرانق والنماذج لا يعنيني ولا يشكل هويتي الحقيقية التي أريد. وفي هذا المسار لا بد لي العمل على تفكيك الانتماءات القدرية بما تنطوي عليه من التصورات الانطباعية التي تركتها الثقافة الزائفة في أعماقي، ومع تحطيم هذه النماذج يراودني اليوم شعور عميق وشامل ورصين بأنني: كائن لا اسم له ينتمي إلى هذا الكون ويسعى في مناكبه بحثا عن الأمن الروحي والسلام الداخلي. وهويتي التي أريد أن أتقدم بها إلى قارئكم الكريم لا تعدو أن تكون سعيا إلى استكشاف المكان الذي يرتقي إليه شغفي في هذا الكون العظيم، فهويتي التي أريدها تكمن في هذا التفاعل الذهني المستمر مع مكونات هذا العالم الذي نعيش فيه، بكل ما ينطوي عليه من قيم وجمال ومعان وثقافات وديانات وأخلاق. وهذا التفاعل الذهني الدائم مع عناصر الكون والحياة، ما زال يشكلني ويشكل هويتي التي لاتزال قيد الصيرورة والتشكل، لأنها هوية متغيرة متحركة، لا تعرف صيغ الجمود والتصلب الثبات، وكأنني في كل يوم على حال جديدة، وهذا يمثل حالة الخروج من الدوائر المغلقة الضيقة للإحساس بالوجود والشعور بالهوية انفتاحا على العالم في خضم رؤية شمولية إنسانية خلاقة تحقيقا للبعد الإنساني في الشخصية وتأكيدا لجوهر الإنسان الحقيقي.

فالإنسان ضمن هذه الدائرة الجديدة لا يكون في جوهره أكثر من عقل وعاطفة إنسانية وغريزة بقاء أو حياة، والهوية الإنسانية لا تكون إلا بتحقيق التوازن بين عقل منفتح خلاق وبين عاطفة إنسانية جياشة مفعمة بالحب عميقة الشعور إحساسا بالكون، كذلك لا يكون إلا بغريزة متوثبة إلى الحياة فيها كثير من خصائص الجموح والجنون. والهوية الإنسانية الحقة الأصيلة لا تكون إلا في العمل على تحقيق هذا التفتح الذهني للعقل، وإزكاء هذا التوهج العاطفي الممكن بين الإنسان والطبيعة، وفي كبح جماح هذه الغرائز المتوحشة كي تبقى في حدود العقل ومشروعية العقلانية وسلام الإحساس المتوقد بوهج الجمال وتألق الضمير.

وهنا، وضمن هذا المعادلة أرى نفسي ساعيا إلى أن أكون كائنا عاقلا متوهجا بالحب الإنساني للوجود والإنسان، متأملا في معاني هذا الوجود مستوحيا عظمته وجماله، وفي كل هذا أقول إنني هكذا أرى نفسي وتلك هي هويتي: إنسان في طريق الإنجاز، وتلك هي الصورة التي أريد أن يراني فيها قارئكم الكريم.

فعقليتنا الثقافية يا سيدي قائمة على مبدأ الانشطار الوجودي.. أي: الانفصام إلى ثنائيات قبيحة الهيئة والمضمون، فكل مقولة أو فكر أو رأي أو حتى شعر أو نص أدبي يفسر في ثقافتنا أو في ثقافة المثقفين بروح أيديولوجية انشطارية شيطانية على وجه الإطلاق.. مؤمن أو كافر -- علماني أو إسلامي..أسود أو أبيض.. وعلى أساس هذا المرتكز الانشطاري يتم تفسير العالم: مع أو ضد!!! عدو أو صديق --- إذ لا وجود للحدود الوسطى.. لا وجود للتنوع والتعدد.. وتلك هي ثقافة التضاد والتنافر والانشطار.. وهذا يعني ذهنية التفكك والانحلال إذ لا توجد منطقة وسطى ما بين الجنة والنار كما يقول نزار قباني.

ومن منطلق الخروج على هذه العقليات الوحشية أعرف نفسي بما يلي: ليبرالي مؤمن بالله والإنسانية.. عربي أحب ثقافة الغرب الحضارية وإنجازاته الفكرية.. مسلم أحب بوذا ومالتوس وعلي وابن سينا وعمر وابن رشد وغيلان الدمشقي.. أعشق أدب الجاهلية وشعرها.. أحب الغرب وأكره سياساته.. أحترم أعدائي وأحب أصدقائي.. أعشق ابن عربي وأموت عشقا في ماركس وغاليلو وروسو.. أحب الجمال في الأساطير الأولى والأخيرة.. مؤمن أحترم كل المقدسات والأديان.. أرفض المذاهب والمذهبيات --- أحتقر الأيديولوجيا والأيديولوجيات - أشعر بالانتماء إلى الكوكب وأغرق في حب الطبيعة.. وفي هذه التضاريس الشيء الكثير.. فلم العجب.. إذ لست ثنائيا ولا يمكن تصنيفي أبدا ضمن هذه الدوائر الانكسارية الصفراء، فأنا لا أصنف بين حدين ففي كياني طبقات كثيرة وكيانات متكسرة.. وانتماءات متنوعة.. فأنا كائن شديد التعقيد.. وألمس ذلك في نفسي.. فأنا أكون وسأكون خارج دائرة هذه الانكسارات التصنيفية البائدة.

وفي تفسير ما أريد قوله إنه يجب على الإنسان أن يكون صيرورة إنسانية تبحث عن ماهيتها في منارات العقل والعقلانية وتستكشف ذاتها في معاصم الرؤية الأخلاقية للكون المتوهجة بنبل المحبة للطبيعة والإنسان. وهذه هي الصورة التي أرى فيها نفسي وأريد أن أكون فقط كائنا مفيدا للكون لا يفسد في الطبيعة ويكون نفعه للإنسان والطبيعة أكثر من ضرره، وشوقه للمعرفة لا يمكن أن يتوقف.

س2: مراد غريبي: كل المصلحين والفلاسفة وعلماء الدين وغيرهم والمجددين يؤكدون على أهمية التربية في أي مشروع نهضوي، ماذا تعني التربية لغويا وإنسانيا وثقافيا؟

ج2: د. علي أسعد وطفة: لا أعتقد يا سيدي أننا في مقام التقديم لتعريفات عادية ساذجة للتربية وفق تشكلاتها اللغوية البسيطة. دعنا نلامس أغوار هذا التعريف بالقول: إن الإنسان صيرورة تربوية وإنه لا يكون إنسانا إلا بالتربية، فالإنسان كيان بيولوجي عقلي عاطفي متحرك دائما يتشكل في دائرة البحث عن الوجود والماهية. وهذا التعريف للتربية يماثل سؤال الهوية. فالتربية وفقا هذا التصور تسعى كي تمنح الإنسان هويته الخاصة؛ أن تحقق ماهيته وجوهره الإنساني.

نقول في تعريفنا لمفهوم التربية إن الإنسان هو الكائن الوحيد في مملكة الكائنات الحية الذي لا يمتلك برنامجا وراثيا بيولوجيا للتكيف والوجود. وهو فوق ذلك كله يكون أضعف الكائنات الحية وأقلها قدرة عند الميلاد. ويمكن القول بأنه يولد مجردا تقريبا من إمكانات الوجود والبقاء والاستمرار. فهو يستطيع بصعوبة أن يأخذ ثدي أمه عند الولادة ويكون واهيا عندما يأخذ رضعته الأولى، وهو كما نعرف جميعا لا يستطيع المشي أو الانتقال أو الكلام أو التمييز بين الأشياء. إنها حالة من الضعف المطلق الذي يعرف به الإنسان في طفولته. وما يحتاجه أبدا هو برنامج تربوي جديد يسجل له إمكانية الحركة والانطلاق والتكيف. وهذا يعني أن على التربية أن تأخذ بيده على اكتساب ما يمكن أن نطلق عليه السجل العصبي الثقافي للإنسان الذي يترامى في مناحي الحياة الاجتماعية للمجتمع. فالإنسان يحتاج أن يدرب لمدة عامين كي يكتسب القدرة على المشي ويكون قادرا على ضبط حاجاته البيولوجية، ويحتاج إلى ثلاثة أعوام ليطلق عباراته الأولى وإلى عشرين عاما اليوم كي يستطيع الاستقلال ومواصلة الحياة بناء على إمكاناته. وهو في كل مراحل حياته اللاحقة يحتاج إلى عامل التدريب والتربية والتعلم من أجل أن يكتسب هذه المهارات والقدرات التي تساعده على التكيف. وبعبارة أخرى يحتاج الإنسان إلى برنامج تربوي كامل على مدى الحياة ليستطيع التكيف مع متطلبات حياته الاجتماعية.

والإنسان وفقا لهذه الصيغة صيرورة تربوية وهذا ما يؤكده الفيلسوف الألماني كانط Kant في عبارته المشهورة التي يقول فيها: "إن الإنسان لا يصبح إنسانا إلا بالتربية وهو ليس أكثر مما جعلته التربية: وفي هذا الاتجاه يذهب عالم النفس الفرنسي هنري بييرون Henrie Piéron مؤكدا القدرة الكلية للتربية حيث يقول: "إن الطفل مرشح لأن يكون إنسانا وهو ليس أكثر من مرشح للارتقاء إلى هذا المستوى، وهو بالتالي لا يعدو أن يكون غير وجود بالقوة لإرث النوع الإنساني، ومن ثم فإن الانتقال به من صورة القوه إلى صورة الفعل، من وجود إنساني بالقوة، إلى وجود إنساني بالفعل، أمر مرهون بالفعل التربوي. فالإنسان ليس معطى يندفع إلى الوجود بصورة نهائية، إنه كيان ينمو ويتطور في سياق تفاعلات عميقة وشاملة بين قطبي الوجود المتمثلين في الشروط البيولوجية من جهة وفي الشروط الاجتماعية من جهة أخرى. ويجد هذا القول صداه عند المفكر الفرنسي أوليفيه ربول إذ يقول "لا يولد الإنسان إنسانا: إنها نقطة تجمع عليها العلوم الإنسانية كلها، ولا شيء من جوهر الإنسان أي اللغة والفكر والمشاعر والفن والأخلاق (..) قد انتقل إلى الإنسان عن طريق الوراثة، إنها عناصر تكتسب بالتربية والتربية وحدها". وهذا يقتضي أن التربية جوهر إنساني ومن غيرها يفقد الإنسان خاصته الإنسانية.

تأخذ التربية عند المثاليين صيغة "جهد إنساني يهدف إلى هزيمة الشر وكمال العقل". كانت التربية بالنسبة لسقراط "هي صياغة النفس الإنسانية وطبعها على الحق والخير والجمال وتحقيق مجتمع أفضل "وهي بالنسبة لأفلاطون "معرفة الخير وتنمية هذه المعرفة وطبع النفس الإنسانية على الحق والخير والجمال". ويعرف أفلاطون التربية بقوله "التربية هي إعطاء الجسم والنفس كل جمال وكمال ممكن ".

ويرى أنصار النزعة الطبيعية في التربية أن التربية هي الحياة وأنها سعي مستمر لتفجير الطاقات الطبيعية الحيوية في الإنسان. والتربية هي هذه التي تؤصل في الإنسان الانطلاقات الطبيعية لوجوده وحركته. ومن هذا المنطلق يرى كانط أن الإنسان حر وخاضع للحتمية في آن واحد، فهو حر إلى الحد الذي يعد فيه روحا، وهو خاضع للحتمية إلى الحد الذي يكون فيه جسدا خاضعا للقانون الطبيعي. وهدف التربية عنده "أن تنمي عند الكائن كل ما يستطيعه من كمال "وهو كمال يفهمه كانط فهما أخلاقيا أكثر منه فيزيائيا. ويعرفها بأنها "عملية تكون وبناء للإنسان" وذلك لأنه لا يمكن للإنسان أن يصير إنسانا إلا بالتربية، إنه ما تصنع منه التربية "وإن غاية التربية هي تربية كائن يمتلك الحرية ويحافظ على كينونته الإنسانية الذاتية ".

يعرف المربي السويسري جوهان هنريك بستالوتزي التربية بأنها "النمو المتناسق لكل قوى الفرد النفسية ". فالتربية عند بستالوتزي هي عملية النمو لجميع قوى الإنسان وملكاته نموا طبيعيا. والمربي كما يعتقد بستالوتزي ليس هو الذي يغرس قوى جديدة في الإنسان أو ينفخ فيه روح الحياة، بل تكمن مهمته الأساسية في إزالة القوى الخارجية التي تقف في طريق النمو الطبيعي عند الفرد. وهذه القوى يجب أن تستمد جوهر وجودها من القوى الداخلية..

لقد أبدى دوركهايم انتقادات أصيلة لمفهوم التربية التقليدي الذي يركز على الجانب الفردي في التربية، وهو المفهوم الذي تبناه أسلافه، والذي نجده عند كانط وهيربارت  Herbart، وستيوارت ميل Stuart Mill وسبنسر Spencer. وعلى خلاف أسلافه جميعا ينظر دوركهايم إلى التربية بوصفها "شيئا اجتماعيا بالدرجة الأولى ". وانطلاقا من ذلك، يعرفها بأنها "تنشئة اجتماعية تمارسها الأجيال السابقة على الأجيال اللاحقة ". وفي سياق آخر انطلاقا من ملاحظة الوقائع ودراسة الأنظمة وتحليل البنى المعرفية يعرف دوركهايم التربية بأنها "الفعل الذي تمارسه الأجيال الراشدة على الأجيال التي لم ترشد بعد وذلك من أجل الحياة الاجتماعية ". ويكمن هدف التربية في تنمية الجوانب الفيزيائية، والعقلية، والأخلاقية عند الأطفال وتطويرها، وذلك على النحو الذي يحدده المجتمع السياسي بوصفه كلا متكاملا، ووفقا للصورة التي يعلنها الوسط الاجتماعي الخاص الذي ينتمي إليه الأطفال. وباختصار شديد "التربية عملية تنشئة اجتماعية منهجية للجيل الجديد ".

ولكن التربية بالمعنى الحصري الدقيق تشكل منظومة العمليات والفعاليات التي توظف في تحقيق الكمال الإنساني للطفل عبر تنمية مختلف القوى والقدرات والقابليات الإنسانية الكامنة فيه إلى أعلى حدّ ممكن. وتهدف التربية كما يقول ستيوارت ميل إلى تنمية مختلف القدرات والقابليات المضمرة في الإنسان من أجل أن يحقق أعلى درجة من درجات تكامله وكماله الإنساني المتجذر في ذاته. وفي حقيقة الأمر فإن الإنسان يحقق ذاته تربويا ليس بقوة الأشخاص والمربين الذين يحيطون به بل بتأثير مختلف الظروف والأحوال والقوة التي تحيط به وتشكله إنسانيا وأخلاقيا: القوانين والأعراف والتقاليد وظروف الحياة المتنوعة. وعندما يشب الطفل عن الطوق يقوم هو ذاتيا بتربية نفسه وتطويرها نحو الأفضل الممكن على مدى الحياة، لأن الإنسان يتميز بقابليته التربوية المستمرة وينزع إلى النمو المستمر نحو الأفضل من المهد إلى اللحد.

وتأسيسا على مختلف النظريات التي استعرضنا تصوراتها حول مفهوم التربية يمكننا القول بأن التربية صيغة تفاعل خلاق بين الإنسان والمجتمع الذي يعيش فيه بين الإنسان والبيئة الطبيعية التي ينشأ فيها، والإنسان لا يكون إلا نتاجا حقيقيا لهذا التفاعل الذي ما إن يكون صحيحا حتى يبلغ الإنسان غايته في عملية النضج الحضاري والإنساني. ويمكنني القول خارج دائرة التعريفات الكلاسيكية التي أعطيت للتربية بأن التربية صيغة تفاعل وجودي بين الإنسان والكون بين الإنسان وعناصر الوجود بين الإنسان والبيئة بكل ما تنطوي عليه من عناصر فيزيائية وثقافية وإنسانية.

2760 وطفة ومراد

س3: مراد غريبي: على أي أساس تطرح أهمية التربية لمستقبل المجتمعات؟

ج3: د. علي أسعد وطفة: وكيف لا تكون التربية مهمة وهي التي تصوغ المجتمع وترسم هويته وتحافظ على وجوده وتراثه. وهل يمكن لنا أن نتصور مجتمعا لا توجد فيه أنظمة تربوية؟ دعنا نتصور ذلك ولو للحظة؟ ماذا ستكون عليه حالة هذا المجتمع؟ إذ لا يمكن للإنسان أن يكتسب هويته وثقافته إلا من خلال التربية التي يتلقاه. وهذا يعني أن التربية نسق وجودي بالنسبة للإنسان والمجتمع. وفوق ذلك كله لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض حضاريا أو ثقافيا من غير تربية فاعلة نشطة تفجر القوى الكامنة في المجتمع أدبا وفنا وفلسفة وإبداعا وابتكارا. فالتربية في مختلف دلالاتها وسيلة لاستخراج وتنمية الطاقات الكامنة في أفراد المجتمع. وتلك هي اللحظة التي ينمي فيها المجتمع قوته وإرادته وحضارته.

فالتربية قبل كل شيء معنية بتحقيق السلام والعدالة الإنسانية والتكافل المجتمعي. ومن غير التربية يتحول الإنسان إلى حالة وحشية ويحل الدمار وتندلع الفتن في المجتمع. وكما عرفنا التربية سابقا فإن الإنسان من غير التربية يفقد جوهره الإنساني الذي لا يكون إلا بالتربية ومن خلالها، عدا أن التربية هي التي تمكن الإنسان من التكيف في الحياة ومعها ومن خلالها، وهي التي تزودنا بالقدرة على إنتاج الحياة والوجود مأكلا وملبسا وتفاعلا مع البيئة والطبيعة والإنسان.

فالتريبة معنية بعملية الاستثمار في رأس المال البشري، ورأس المال البشري هو أعظم الثراء بالنسبة للمجتمعات المعاصرة. فقوة المجتمعات اليوم تقاس برأسمالها البشري الاجتماعي أو بالقدرة على الاستثمار في البشر الذين يشكلون مصدر كل الثراء والقوة والحضارة.

ويبين آدم سميث Adam Smith في مؤلفه الشهير ثروة الأمم The Wealth of Nations الذي نشر سنة 1776، أهمية التربية والتعليم كعنصر فعال وحيوي لتحقيق استقرار المجتمع اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً. وينظر إلى التربية بوصفها استثماراً في رأس المال البشري، ويبيّن الإمكانات الهائلة للتعليم في إثراء اقتصاد الأمم وتقدمها. وتنطوي نظرية سميث هذه على فكرتين أساسيتين: تتمثل الأولى في دور التعليم وأهمّيته في تحديد مستوى دخل الفرد وإنتاجيته، وتتمثل الثانية في تأثير النظام التعليمي في النظام الاقتصادي للدولة. وفي هذا المقام تشير نتائج إحدى الدراسات إلى أن «إنتاجية العامل الأمي ترتفع بنسبة 30 % بعد عام واحد من الدراسة الابتدائية، وحوالي 320 % بعد دراسة 13 عاما، وتصل إلى 600% بعد الدراسة الجامعية".

ويبين دونيزون Denison في هذا السياق أن 23% من نسبة النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة الأمريكية تعود إلى تأثير التعليم. ويؤكد معظم الاقتصاديين وعلماء التربية أن التعليم يسهم في النمو الاقتصادي. ويرى آدم سميث في هذا السياق أن الاستثمار في رأس المال البشري يعطي مردودا اقتصاديا يعادل عشرة أضعاف المردود الاقتصادي للاستثمار في رؤوس الأموال الجامدة. وهكذا يتضاءل دور رأس المال الطبيعي والمالي أمام الأهمية المتعاظمة لأشكال رأس المال الإنساني المتعددة، المتركزة في البشر، أفراداً ومؤسسات ومجتمعات، باعتبارها عماد التقدم الإنساني قرب نهاية القرن العشرين. ومن هنا ينبع الاهتمام الفائق بالتعليم حيث "يصنع" رأس المال الإنساني ويشّكل.

وهنا أيضا فإن التعليم والتربية يسهمان في عمليات الابتكار والإبداع، وحل المشكلات وتطوير المجتمعات والنهوض بها، وتحقيق السلام والتكامل الحيوي بين أفراد المجتمع. وهذا كله يعني في معرض الإجابة عن سؤالكم أن مستقبل الأمم يرتبط بمستويات التعليم فيها وأن المجتمعات التي تفتقر إلى التعليم الجيد هي مجتمعات لا مستقبل لها أبدا. ومن هنا تسارع الدول المعنية بالتطور إلى تطوير أنظمتها التربوية والإنفاق عليها بصورة فلكية.

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن كثيرا من الدول المتقدمة لا تمتلك ثروات طبيعية أو ثراء ماديا ومع ذلك استطاعت هذه الدول أن تتوج نفسها على قمة الدول المتقدمة وذلك عن طريق الاستثمار تربويا في البشر، كما هو حال اليابان التي تفتقر كليا إلى الموارد الطبيعية ومع ذلك فقد استطاعت أن تجعل من رأس المال البشري قوة حضارية لا تضاهى.

ومن المهم في هذا السياق ألا تختزل المدرسة أو التعليم إلى بعده الاقتصادي المحض، فالتعليم يؤدي دورا ثقافيا خطيرا في حياة المجتمعات والأمم ويرسم مصيرها الحضاري في مجال الفن والأخلاق والجمال والثقافة وحقوق الإنسان. ويشكل النسق المعنوي الثقافي للتعليم والتربية المنصة الحقيقية التي ينطلق منها أي مجتمع نحو المستقبل بأبعاده الحضارية والإنسانية. وماذا نقول هنا، نقول إن قوة الأنظمة التعليمية وتماسكها تحدد الإيقاع الحضاري لتطور الشعوب والأمم والدول، إذ لا يمكن لنا أبدا أن نقع على دولة متقدمة من غير نظام تربوي متقدم.

س4: مراد غريبي: حديث "أدبيات التربية"، الذي يشمل؛ كل ما راكمه الفلاسفة، والأدباء، والمثقفون على اختلاف تخصصاتهم، عن التربية بمعناها الواسع، ورغبة في تأسيس خطاب علمي تربوي يتجاوز عموميات أدبيات التربية، شرع الباحثون في هذا المجال يتحدثون عن "علم التربية"، ثم مع تدخل عدة تخصصات علمية في مجال التربية أصبحنا نسمع عن علوم التربية" كيف عرفت دراسة الظاهرة التربوية هذا التطور؟ وماهي أهم النظريات الفاعلة في الاجتماع الإنساني المعاصر؟

ج4: د. علي أسعد وطفة: أشكرك على هذا السؤال الذي يطرح بذاته إشكالية منهجية كبرى تتعلق بالأطر المعرفية للتريبة. فتحديد موقع التربية ما بين العلم والنظرية والممارسة والعلوم الرديفة مسألة في غاية التعقيد والأهمية. وهذا السؤال يحتاج في حقيقة الأمر إلى بحث كامل مستقل وذلك نظرا للغموض الكبير الذي يشوب هذه المسألة. ومما لا شك فيه أن الارتباط يصيب الباحثين عندما يقاربون هذه المسألة المشابكة: هل التربية فن أم علم أم علوم أم نظرية أم فلسفة أم ممارسة فلسفية؟ وقد شكلت هذه القضية موضوعا متواترا تناوله المفكرون، أمثال: دوركهايم في كتابه التربية والمجتمع الذي كان لنا شرف ترجمته إلى العربية، وهربرت سبنسر في بريطانيا، وألكسندر داغيت في سويسرا، وهنري ماريون في فرنسا، وغاستون ميالاريه في فرنسا أيضا. ونؤكد على أن هذا التساؤل يدور في أذهان أغلب المفكرين التربويين المهتمين بالمسألة التربوية وبعضهم يتناولها بعمق في حين يتجاوزها كثير من المربين دون الاهتمام بأبعادها.

ولهذه المسألة برأينا بعد تاريخي يتعلق بنشأة التربية كعلم أو كفن أو كمنهجية للمؤسسات المعنية بالتربية والتعليم. فالتربية (éducation) في الأصل نشاط مستمر عبر التاريخ ففي كل المجتمعات نجد أنظمة تربوية وتعليمية تعتمد في تربية الناشئة والأجيال. ومثل هذه الأنظمة التربوية لا تعتمد الطرائق العلمية التي نعرفها اليوم منهجا في التدريس والتعليم. وغالبا ما كان التعليم في المجتمعات القديمة يتم على نحو عفوي يستجيب للخبرات التاريخية المتناقلة في هذا الميدان. لذا كان دائما يطلق على الفعالية التعليمية تسمية تربية أو تعليم. ولم يكن المعلم يحتاج إلى إعداد تربوي في تلك العصور لأن التعليم على مدى العصور القديمة كان يشكل نوعا من التعليم التلقيني – نقل المعلومات – وهذا لم يكن يحتاج إلى مهارات علمية متقدمة. ولذا كان الحديث عن علم للتريبة ممتنعا بمعنى لا ضرورة له ولا أمر يقتضيه.

وكما يرى دوركهايم فإن العلم – بسماته الحديثة – لا ينشأ إلا إذا اقتضت الحاجة حضوره وضرورته. وفي تلك العصور القديمة حتى نهاية القرن الثامن عشر لم يكن هناك أي حضور لما يمكن أن نسميه بعلم التربية أو علوم التربية. ولكن الحاجة إلى توليد هذا العلم أو تلك العلوم بدأت مع بداية الثورة الصناعية وانتشار التعليم ضمن أنظمة حكومية مترامية الأبعاد والأطراف.

لذا دعونا نستقرئ ولادة علم التربية تدريجيا. في البداية نقع على ما يسمى بالنظريات التربوية مثل النظرية الطبيعية التي دعا إليها كل من ابن طفيل الأندلسي وجان جاك روسو ومن بعده رواد المدرسة الطبيعية أمثال بستالوتزي وغيره من المربين، وعلى الأثر ظهرت نظريات كثيرة مثل البرغماتية والوجودية والواقعية والمثالية. وتمثل هذه النظريات توجهات فلسفية في مجال التربية والتعليم. ومن الواضح أن هذه النظريات لا تقوم على أسس علمية راسخة. وهي ليست علما بالتأكيد.

ومع بداية القرن التاسع عشر وتطور الأنظمة التعليمية واتساع التعليم وتعاظمه بدأت معالم البيداغوجيا التربوية بالظهور. والبيداغوجيا (Pédagogie) مصطلح إشكالي يشير إلى علم التربية وأحيانا نظرية التربية ومرة أخرى إلى التربية بوصفها علما وفنا في آن واحد. ولكن الأمر الثابت أن البيداغوجيا هي علم التربية وهو العلم الذي يباشر عملية النمو الانفعالي والتربوي عند الطفل ويبحث في أفضل السبل للعملية التربوية. وكما يتضح من لفظ الكلمة فإن كلمة بيداغوجيا مشتقة من كلمة "بيداغوغ " وهو العبد الذي كان يشرف على الأطفال في بلاد الإغريق القديمة.

والبيداغوجيا تعريب للكلمة الفرنسية Pédagogie وقد ترجمت إلى العربية بمعنى نظرية التربية أحيانا وعلم التربية أحيانا أخرى. ومن أجل تجاوز هذه الازدواجية تجري العادة على استخدام اللفظة الأجنبية "بيداغوجيا " وهو المفهوم الذي يحاول دوركهايم تحديده وتحديد معالم تجانسه وتمايزه مع علم التربية Science de l'éducation ومفهوم التربية Education.

وغالبا ما يتداخل مفهوما التربية Education والبيداغوجيا Pédagogie ومع ذلك فإن الفصل بينهما بدقة وعناية أمر تقتضيه الضرورة المنهجية. فالتربية Education تعني الفعل الذي يمارسه الآباء والمعلمون على الأطفال، وهو فعل يتميز بديمومته وعموميته. إذ لا توجد مرحلة ما في الحياة الاجتماعية، إذا لم نقل لحظة من لحظات الحياة اليومية، لا يتعرض فيها الأطفال لعملية الاتصال مع الراشدين ولتأثيرهم التربوي.

فالتأثير التربوي لا يحدث في إطار اللحظات القصيرة فحسب، التي يتواصل فيها الآباء والمعلمون بشكل واع مع صغارهم عن طريق التعليم، والذي ينقلون من خلاله لهؤلاء الأطفال حاصل خبراتهم الحياتية.  إذ توجد هناك تربية غير مقصودة عرضية تتميز بخاصة الديمومة والاستمرار. وهذا يعني أننا – نحن الكبار - نمثل نموذجا تربويا يتجلى في أحاديثنا وأفعالنا التي نقوم بها في إطار حياتنا الاجتماعية. وهو نموذج نؤثر من خلاله في عقول أطفالنا بشكل دائم.

فالممارسات التربوية هي شيء آخر غير البيداغوجيا التي تتجسد في إطار متكامل من النظريات والآراء والأفكار التربوية، كما تتجسد في وجهات نظر تدور حول التربية وهي شيء آخر يختلف عن الممارسة التربوية العملية. ويمكن لنا في هذا السياق تحديد مفهوم البيداغوجيا بشكل جيد عندما تتم مقابلته مع مفهوم الممارسة التربوية. فالتربية التي يعلن عنها رابليه Râblais، وهذه التي يبديها روسو Rousseau، والتي رسمها بستالوتزي هي نظريات تتعارض مع التربية الواقعية التي كانت سائدة في أيامهم. فالتربية Education موضوع يخضع لدراسة البيداغوجيا Pédagogie التي تتمثل في بعض اتجاهات التفكير الخاصة بالقضايا التربوية.

فعلم التربية Science de l'éducation يسعى إلى معرفة التربية Education، وهو لا يتداخل مع النشاط الانفعالي للمربي أو مع نظرية التربية Pédagogie الذي تقوم بتوجيه النشاط التربوي. فالتربية تشكل موضوعا لعلم التربية Science de l'éducation وهذا يعني أن علم التربية لا يسعى إلى تحقيق الغايات نفسها التي تسعى إليها التربية، بل وعلى خلاف ذلك، يقدم للتربية مختلف المعلومات والمعارف المناسبة لعملية التربية. وهنا لا يعترض دوركهايم أبدا في أن يشكل علم النفس ركيزة لعلم التربية بالمعنى الواسع للكلمة. إذ يمكن لعلم النفس، وحده، باستناده إلى البيولوجيا والطب أن يدرك لماذا يحتاج الطفل إلى التربية، وكأننا بدوركهايم يتنبأ بعلم النفس التربوي الذي سيتشكل لاحقا كعلم رديف للتربية وأصيل فيها.

لقد حدد دوركهايم علم التربية Science de l'éducation على نحو بالغ الوضوح، بأنه علم اجتماعي. إن ما يعنيه دوركهايم بالبيداغوجيا ليس نشاطا تربويا أو علما تأمليا بل ما يعنيه بالبيداغوجيا هو تأثير الجانب الثاني التأمل في الجانب الأول النشاط، وهذا يعني أن المهمة الأساسية للتأمل الفكري تكون في عملية البحث، التي تجري في إطار معطيات علم النفس وعلم الاجتماع، عن المبادئ الأساسية للسلوك الإنساني. وتأسيسا على ذلك نقول إنه عندما تكون لدينا، في واقع الأمر، معرفة جيدة بطبيعة الأشياء فإن فرص استخدامها بشكل فعال تكون أكبر على المستوى العلمي. وعندما يقوم المربي بمعالجة اهتمام الأطفال فإنه سيكون أكثر قدرة على التحكم، إذا كان يعرف بدقة طبيعة الطفل. وهذا يعني أيضا أن علم النفس يشتمل على إجراءات تطبيقية، وأن علم التربية يقوم بتشكيل القواعد والمبادئ الأساسية للعمل التربوي وتهيئتها.

ولكن علم التربية لم يكن قد تشكل فعليا في زمن دوركهايم وما زال حتى اليوم في صيغة مشروع يمكن تحقيقه. وهذا يعني أنه يمكن لفروع علم الاجتماع أن تأخذ على عاتقها مساعدة "البيداغوجيا" على تحديد هدفها وتوجيه مناهجها. ويمكن أيضا لعلم النفس أن يؤدي دورا بالغ الأهمية في تحديد تفاصيل العملية التربوية وتوجيه مساراتها. ويبدو لنا هنا أن البيداغوجيا أصبحت لاحقا وثيقة الصلة بعلم النفس ولاسيما بعلم النفس التربوي، وقد شكل الاتحاد بينهما أشبه ما يكون بعلم التربية الحديث الذي لم يكتمل بعد.

وقد أشار دوركهايم إلى هذه القضية بوضوح في القاموس التربوي لفرديناند بويسون إذ يقول بأن البيداغوجيا أصبحت علمًا للتعليم ولكن ما زال علما لم يكتمل بعد ويتعين بناؤه بالكامل كي يصبح "العلم الذي يجعل من الممكن معرفة ما يجب أن يكون التعليم وذلك لمعرفة طبيعة التعليم وتحديد الشروط التي يجب أن يعتمد عليها ورسم القوانين التربوية التي يتوجب أن يهتدي بها".

وكأن دوركهايم كان يتنبأ بالحديث عن علم أصول التدريس الذي نشأ واضحا بالاعتماد على معطيات علم النفس واستكشاف القوانين الفضل لعملية نقل المعلومات وتعليميها للطلبة. ومن هذا المنطلق يمكن تسمية علم أصول التدريس بعلم التربية ببساطة لأنه يحدد المعايير وأفضل السبل في توجيه العملية التعليمية. وهذا هو الأمر الذي أشار إليه هنري ماريون (1883)، خلال محاضرته الافتتاحية في جامعة السوربون في ندوة مخصصة لعلم أصول التدريس إذ يقول "هناك علم حيثما يوجد نظام مترابط ومتكامل من الحقائق والافتراضات الواقعية ووجود نسق متكامل من المفاهيم والتفسيرات الصحيحة التي يستند فيه إلى العقل والتجربة وتؤدي إلى نتائج إيجابية أثناء الممارسة والتطبيق "، وهذه هي الأصول التي يقوم عليها علم أصول التدريس أو ما يمكن تسميته بمناهج التدريس.

وعلينا الآن أن نأخذ بتطور التربية الحديث الذي ارتبط بتطور المناهج والطرائق والأصول، وضمن هذا السياق تآلفت مجموعة من العلوم التربوية التي تضافرت في مجال تأصيل العمل التربوي. في زمن دوركهايم كانت البيداغوجيا التي تطورت إلى علم التربية ممثلة في أصول التدريس، أما اليوم فيمكننا الحديث عن مجموعة متآزرة من العلوم التربوية – هذه المرة بصيغة الجمع – Sciences de l'éducation.

ووفقا لـجاستون ميالاريه تتكون علوم التربية من جميع التخصصات الأساسية التي نعرفها اليوم مثل: علم الاجتماع التربوي، وتاريخ التربية، واقتصاديات التعليم، وعلم النفس التربوي، والاثنولوجيا التربوية، والتربية المقارنة، وأصول التدريس، ومناهج البحث التربوي، وعلم الاجتماع المدرسي، والإدارة التربوية، وغيرها من العلوم التربوية. ويلاحظ في هذا السياق أن التربية تقوم على نسق من العلوم التربوية البينية المساندة التي أصبحت ضرورية وحاسمة في تطوير العملية التربوية. ويلاحظ في هذا السياق أن التربية ليست علما بالمعنى الدقيق للكلمة بل هي نشاط ضخم يعتمد على مجموعة من الأنساق العلمية المختلفة.

وبالعودة إلى زمن دوركهايم (نهاية القرن التاسع عشر)، كان الحديث يجري عن علم التربية " بيداغوجيا " الذي ارتبط بعلم النفس وهو العلم الوحيد الذي تم تأسيسه علميًا، ليكون قادرًا على تسليط الضوء على التعليم، من حيث نظريته وكذلك نظرية ممارسته. ولكن مع تطور العلوم الإنسانية وبعد فترات طويلة من التجارب المهمة والتطورات اللاحقة في الحقل التربوي تبين أنه يمكن التأسيس على عدد آخر من العلوم الإنسانية البينية كالتي أشرنا إليها آنفا.

وأخيرا وليس آخرا، تبين الممارسة التربوية لنا في كليات التربية أننا لا نقع أبدا على علم للتربية بل على عدة علوم وهي التي أشرنا إليها، وهذا الأمر يدل على أنه لا وجود لعلم التربية بالمفرد وأن التربية نسق معرفي يعتمد على عدة حقول متآزرة متكاملة في إضفاء الطابع العلمي على التربية بوصفها نشاطا وممارسة إنسانية.

س5: مراد غريبي: ماذا عن فلسفة التربية هل تندرج كنمط معرفي حديث ضمن علوم التربية أم أنها تظل مبحثا تأمليا تهتم بطرح الأسئلة الجوهرية والمقاصدية إن صح التعبير؟

ج5: د. علي أسعد وطفة: مما لا شك فيه أن الفلسفة تندرج ضمن الأنساق المعرفية للتربية ولا يمكن للتربية أن تنفصل عن الفلسفة إذ هي المعنية بتحديد التوجهات الغائية للحركة التربوية في مختلف نشاطاتها وفعالياتها. والفلسفة ليست ضرورية للتربية فحسب بل هي ضرورية لمختلف العلوم. ولهذا نمت في كل فرع علمي فلسفة رديفة تسانده وتوجه خطاه، مثل فلسفة العلوم وفلسفة التاريخ وفلسفة التربية وفلسفة القانون وفلسفة اللاهوت.. الخ. وإذا كانت الفلسفة ضرورية في كل علم فإنها تأخذ صيغة الضرورة القصوى في كل نسق تربوي. فالتربية نسق معرفي غائي، وهذه الغائية لا تتحقق إلا بشروط فلسفية محضة ولهذا كانت فلسفة التربية وثيقة الصلة بالتربية وعلومها، إذ تشكل منصة أساسية تعتمدها التربية في مختلف توجهاتها العملية. وقد تجلت الفلسفات التربوية في نظريات تربوية مهمة جدا مثل النزعة الطبيعية في التربية والبرغماتية والوجودية والمثالية والمادية وغير ذلك من النظريات التربوي التي تحمل طابعا فلسفيا في ثناياها وطواياها.

وإذا كانت كل فلسفة هي تعبيرا عن عصرها، فإن الفلسفة التربوية تفرض حضورها في أي فعالية تربوية. ومن هذا المنطلق كان ديوي يؤمن بدور الفلسفة في التعبير عن الواقع وفي تغييره. فالفلسفة يجب ألا تقف عند حدود تفسير العالم بل يجب أن تعمل على تغييره كما يرى ماركس. ومن ثم فإن كل فلسفة لا تؤدي إلى التغيير والفعل والتأثير هي فلسفة فارغة تفقد معناها وغايتها ودلالتها. ومن هذا المنطلق أراد ديوي لفلسفته أن تكون فاعلة ومؤثرة في الواقع، ومحركة للطموحات الإنسانية، وفاعلة في الثقافة وفي مجمل النشاطات الإنسانية الحيوية في عصره. ومن الأهمية بمكان الإشارة في هذا السياق إلى تأكيد ديوي على الدور التربوي للفلسفة، لأن الفلسفة هي منطلق التغيير والمواجهة والتحدي فخليق بها إذا أن تنحني لمعالجة القضايا التربوية التي تحتل مكان الصدارة في فلسفة ديوي، حيث كان يطابق بين الفلسفة والتربية، إذ يرى أن الفلسفة هي النظرية العامة للتربية، ومن ثم يجب على هذه الفلسفة التربوية الجديدة أن تكون مؤثرة فاعلة عملية ونشيطة في بناء نظام تربوي يستجيب لطموحات الأمة وغاياتها المجتمعية الكبرى.

وفي هذا السياق يعارض ديوي المفهوم الكلاسيكي القديم للفلسفة الذي يرى أن الفلسفة هي حب الحكمة والبحث عنها. فهذا التصور القديم للفلسفة ليس واردا في تصور ديوي؛ لأن الفلسفة أخذت اتجاها آخر في فلسفته يتمثل في معادلة الحياة التي تتمثل في " التطبيق البصير لما نعرفه في السلوك وأمور الحياة"، ومن ثم فإن الفلسفة الجديدة التي شيدها ديوي تبحث في الغايات والقيم والاتجاهات التي توجه النشاط الإنساني بمختلف تجلياته الاجتماعية. لقد بيّن ديوي وأكد في هذا الاتجاه أن الفلسفة الحقيقية هي التي تتصل بالحياة وتعمل على تنظيمها وتوجيهها، وهي في هذه الصورة ليست شيئا آخر سوى التربية كما يؤكد في مختلف مقولاته. أما الفلسفة التي تنفصل عن الحياة فإنها تفقد معناها وتصبح فلسفة لفظية فارغة جوفاء لا معنى لها، ولاسيما تلك التي تأخذ من القضايا الميتافيزيقية موضعا مركزيا لها. فالتربية في منظور ديوي هي الفلسفة، والفلسفة هي النظرية العامة للتربية، والتفلسف يجب عليه أن يدور حول التربية بوصفها أكثر الاهتمامات الإنسانية ارتباطا بالفلسفة ذاتها. ومن هذا المنطلق نقول: بأن العلاقة بين الفلسفة والتربية علاقة كينونة ووجود. وإذا كانت التربية في حقيقة الأمر سعيا إلى تكوين ميول عقلية ووجدانية نحو الطبيعية والإنسان نفسه، فإن الفلسفة ستكون بالضرورة هي النظرية العامة في التربية كما يرى ديوي.

وأخيرا نقول إن الفلسفة ليست علما وكذلك هو حال الفلسفة التربوية، ومع ذلك فإن التربية لا تستقيم أبدا من غير الارتكاز على قاعدة متينة من التصورات الفلسفية العميقة التي توجه مسارها وحركتها نحو الغايات الإنسانية التي يحدده التطور الإنسانية في كل مرحلة وعصر.

س6: مراد غريبي: هل يمكن أن تحدثنا عن واقع علوم التربية عربيا وهل سبق للحضارة الإسلامية أن عرفت هذا المجال العلمي؟

ج6: د. علي أسعد وطفة: لقد أشرنا فيما سبق إلى أن علوم التربية حديثة العهد وقد نشأت وتطورت في بدايات القرن العشرين. ولكن عندما نأخذ التربية كسياق حضاري نجد أن الحضارة الإسلامية قدمت نماذج فكرية فلسفية مهمة في تاريخ الحضارة والتربية. ونحن نعرف جميعا أن العقيدة الإسلامية تتدفق بالمعطيات التربوية الفلسفية التي تأخذ طابعا أخلاقيا متميزا. وقد تضمن القرآن الكريم إشارات وتنبيهات تربوية ألمعية في توجهاتها، وجاءت السيرة النبوية الكريمة مفعمة بمختلف التوجهات التربوية الإسلامية. ومن ثم شهدنا تطورا كبيرا في الفكر التربوي الإسلامي على يد مفكرين جهابذة مثل الغزالي صاحب كتاب "أيها الولد"، وابن طفيل الأندلسي في قصته المشهورة "حي بن يقظان" التي وصفت بأنها قصة في فلسفة وفلسفة في قصة تربوية.

بنظرنا يعد ابن طفيل الأندلسي مؤسس النظرية الطبيعية بلا منازع وهو سابق على جان جاك روسو في هذا التأسيس. وقد شهدت الحضارة الإسلامية أيضا منابت نظريات تربوية جمة ومفكرين ألمعيين في هذا الميدان أمثال ابن باجة وابن سحنون وابن خلدون والغزالي والشافعي وابن طفيل والغزالي والقابسي وابن الحارث المحاسبي وابن القيم وغيرهم كثير. وقد أشار عبد الأمير شمس الدين في موسوعته التربوية إلى أهم المربين في الفكر الإسلامي ومنهم من أشرنا أليه آنفا مثل: ابن سحنون والقابسي والزرجوني والغزالي وابن جماعة والعاملي، وأشار إلى الفلاسفة المربين ومنهم الكندي وابن سينا وابن طفيل، وقطاع الكتاب والأدب يمثلهم الجاحظ وابن المقفع، وقطاع الصوفية يمثلهم الكلاباذي والسراج والطوسي وأبو نعيم الأصفهاني وأبو طالب المكي..

(يتبع)

 

حاوره: مراد غريبي

خاص بالمثقف

30 - 8 - 2021م

 

 

karima nooresawiibrahimborshashnفي إطار الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة، وتزامنا مع ليلة الفلاسفة التي دأب المعهد الفرنسي منذ سنوات على تنظيمها، واحتفاء بالفلسفة التي تُعتبر أم العلوم كان لنا لقاء علمي مع الدكتور إبراهيم بورشاشن الباحث الأكاديمي الرصين والشاعر المتميز.

د. كريمة نور عيساوي: في مستهل هذا الحوار سنكون سعداء أن نستمع إليك وأنت تنقلنا إلى أولى خطواتك في فضاء الفلسفة الرحب؟

د. إبراهيم بورشاشن: شكرا للأستاذة المحترمة الدكتورة كريمة نور عيساوي على هذه الالتفاتة الطيبة، وعلى هذه الفرصة التي تتيحينها لي لتعريف الجمهور المثقف في بلادنا العربية والإسلامية، وربما في بلاد أخرى، على همومي الفلسفية والشعرية وعلى هذه المساهمات المتواضعة التي قدمتها لحد الآن، والتي لا أخفيك سيدتي أنها دون ما كنت أطمح إليه لولا ظروف وأسباب قد نأتي على ذكر بعض منها إذا سمحت بذلك.

أستاذة كريمة أذكر أن علاقتي بالفلسفة بدأت في قسم الباكالوريا حيث تعاقب علينا في تلك السنة ما بين سنتي 1975و 1976 أكثر من أستاذ نتيجة للظروف الصحية التي كانت تعاني منها أستاذتنا الرسمية، ولعله من حظي أن أتى للتعويض أستاذ كفء، كان في ذلك الوقت مجازا في علم النفس، وسيصبح فيما بعد أستاذا بالجامعة وهو الدكتور عنيمي الحاج. ولعل طريقة تدريسه وتفاعله الوجداني مع المادة حببت إلينا الفلسفة، أو بالنسبة إلي على الأقل، لأني أذكر أني كنت الوحيد في قسمي الذي اختار التسجيل بعد ذلك في شعبة الفلسفة في الجامعة، إذ أن كثيرا من أصدقائي المتميزين اختاروا شعبة الحقوق، وأصبحوا فيما بعد محامين وقضاة. أو اختاروا الشعبة الأدبية، والتحقوا من بعد بالجامعة للتدريس، لكن انفعالي القوي بمادة الفلسفة بلغ إلى درجة أني أذكر أنه في تلك السنة قرأت أول كتاب فلسفي، وهو جمهورية أفلاطون، وشعرت بفارق كبير في شخصيتي النقدية قبل قراءتها وبعد قرائتها، فكانت الدفعة القوية لي للتسجيل في شعبة الفلسفة في السنة الموالية. والحمد لله أني لم أجد أي اعتراض من أسرتي، ولم يكن أبي رحمه لله يتدخل في اختياراتنا العلمية وإن كان قبل ذلك حريصا على أن يكون الكتاب أفضل صاحب لنا، وقد بذل لذلك مجهودات كبرى أفلحت في الأخير، بأن أصبحت عاشقا للكتاب. وقد قرأت كثيرا من كتب الأدب.

د. كريمة نور عيساوي: ألا ترى معي بأنك ظللت في عمقك أديبا، وأن شعلة الإبداع ظلت متقدة بداخلك، على الرغم من اشتغالك بالفلسفة؟

د. إبراهيم بورشاشن: إذا كان الشباب في جيلي يعشق المتعة فقد كنت عاشقا للكتاب، قرأت كثيرا لطه حسين وعباس محمود العقاد و إبراهيم المازني وتوفيق الحكيم وأعمال نجيب محفوظ وقبله كتب محمد مندور ثم ميخائيل نعيمة وحفظت كثيرا من الشعر العربي القديم. كما أن الوالد رحمه الله كان حريصا علينا أن نحفظ كثيرا من القرآن الكريم... وقد كان كل ذلك يقودني إلى التخصص في الأدب لولا صدفة الباكالوريا، إذا صح القول. لذا لم أفاجأ كثيرا وأنا أدلف إلى الخمسين من عمري عندما أصابتني من جديد لعنة الأدب، إذا صح اعتبارها كذلك، فتوقفت لفترة عن الاشتغال الفلسفي، وكتبت في قصيدة النثر مجموعة من القصائد جمعتها من بعد في ثلاثة دوواين لحد الآن.

د. كريمة نور عيساوي: لنعد قليلا إلى الوراء، وتحديدا إلى فترة دراستك للفلسفة في الجامعة المغربية، هل بإمكانك أن تُقربنا من عوالمها كما عشتها آنذاك؟

د. إبراهيم بورشاشن: كان نظام تدريس الفلسفة يجمع بين الراغبين في الفلسفة وفي علم النفس وفي علم الاجتماع في سنتين مشتركتين ثم يتم التخصص في السنة الثالثة، وقد اخترت شعبة الفلسفة العامة التي كانت تدرس القول الفلسفي الخالص مع ثلة من الزملاء، وبعد حصولي على الإجازة، تابعت الدراسة في السلك الثالث لتحضير شهادة الدراسات المعمقة. وهو الأمر الذي أهلني لتسجيل في دبلوم الدراسات العليا، وإعداد بحث عن ابن طفيل، ثم بعد ذلك هيأت أطروحة للدّكتوراه عن ابن رشد. وقد درسنا على أيدي أساتذة كبار من المشرق ومن المغرب، فأذكر من المشرق على سبيل المثال الأستاذة فوقية محمود التي كانت تدرسنا الأخلاق، والأستاذ الحبيب الشاروني الذي درسنا ديكارت، ووليم جيمس بأوهامه، إلى جانب ميخائيل سعد الذي درسنا علم النفس المرضي، والأستاذ فؤاد كامل الذي كان يدرسنا فلسفة اللغة. ولا أنسى الباحث الكبير الدكتور حسن حنفي الذي درسنا في السلك الثالث علم الكلام. أما من المغرب فقد تلقينا هذا العلم من باحثين شباب

كانوا قد بدأوا مسارهم العلمي في الكلية بكثير من الجدية والمثابرة والعشق لتخصصاتهم، أمثال محمد وقيدي، وأحمد العلمي، ومحمد المصباحي، ومحمد سبيلا، وسعيد بنسعيد العلوي، و عبد الصمد الديالمي، و محمد ألوزاد، والأستاذ جمال الدين العلوي الذي فتح مسارا جديدا في الفلسفة، وكان له تأثير كبير على طلبته.

د. كريمة نور عيساوي: أستاذ بورشاشن أنتم تذكرون دائما المرحوم جمال الدين العلوي، وقد أهديتموه كتابكم الموسوم بــ"مع ابن طفيل في تجربته الفلسفيةّ، كما كتبتم عنه قصيدة في ديوانكم الأخير الذي اخترتم له عنوان "كنت نائما فانتبهت". هل يمكن أن تخبر عن سر هذه العلاقة؟

د. إبراهيم بورشاشن: يجب الاعتراف بأنك بهذا السؤال تحركين في قلبي أشجانا للرحيل المبكر لهذا الرجل، الذي لو قدر له أن يعمّر قليلا لكان للفلسفة شأن وأي شأن في بلدنا المغرب، بل وفي العالم العربي والإسلامي بأكمله. لقد اختطفت المنية الأستاذ جمال الدين العلوي، وهو لم يتجاوز بعدُ عقده الرابع، وكان عطاءه العلمي يسير في اتجاه تأسيس القول الفلسفي العربي الإسلامي، وذلك من خلال تقنية دراسة النصوص، يمكن القول إن المرحوم أسس للمدرسة الفاسية التي ستشتهر بالاهتمام الفيلولوجي، وهو الذي كان وراء تأسيس"مركز الدراسات الرشيدية" الذي تعاقب على رئاسته بعد المرحوم كل من الأساتذة محمد ألوزاد، وأحمد العلمي، وعز العرب لحكيم بناني، وقد أنتج المركز دراسات علمية مهمة بفضلها تم تحقيق عدة نصوص لابن باجة. كما ساهم المركز في تكوين باحثين أكفاء. لقد كان المرحوم، يضع بين أيدينا نصوص الفلاسفة المسلمين، ويحثُنا على معايشتها مباشرة دون الرجوع إلى أي مصدر آخر حتى نتعلم الإنصات إلى النصوص، وقراءة لغتها الفلسفية على الرغم من صعوبتها بالنسبة إلينا. مكنتنا هذه العلاقة بالنصوص الفلسفية من تنمية ملكاتنا الفلسفية والنقدية، وسمحت لنا أكثر من ذلك بتقديم قراءات ذاتية لبعض الإشكالات الفلسفية.

د. كريمة نور عيساوي: طيب، أستاذ بورشاشن، طالما أننا نؤرخ لمسارك الفلسفي. هلا حدثتنا عن عملك الأول حول ابن طفيل.

د. إيراهيم بورشاشن: ترجع علاقتي بابن طفيل إلى سنة الإجازة حيث أنجزت بحثا حول "فشل الفيلسوف" عند ابن طفيل، ثم بعد نيل شهادة استكمال الدروس، أكملت المسار الجامعي، وسجلت بحثي لنيل دبلوم الدراسات العليا حول "التجربة الفلسفية لابن طفيل"، وقد كان علي قبل أن أقرأ نص ابن طفيل الفلسفي الوحيد "قصة حي بن يقظان" أن أعمل أولا على تحقيقه، وفعلا حصلت على أربعة مخطوطات، وأنجزت نصا محققا تحقيقا أوليا، قبل أن أغوص في النص وأقدم قراءتي المقترحة.

د. كريمة نور عيساوي: لكن في نظرك ما علاقة التحقيق بموضوعك الفلسفي؟

د. إبراهيم بورشاشن: أنت تعلمين سيدتي أن كثيرا من النصوص الفلسفية المنشورة تعاني من كثير من الأخطاء، فضلا عن الهنات التي تلحقها من قبل نساخها، والتي لم يؤد الناشر دوره في تصحيحها. بل قد لا نستغرب من وجود نصوص سقطت منها فقرات كاملة مثلما هو حال القصة التي اتخذتها موضوعا لدراستي، فنشرة أحمد أمين تعاني من سقوط فقرة مهمة فيها، كما أن نشرات حي بن يقظان مليئة بالأخطاء، وهو ما عاينته في مقالة لي عن نشرات الرسالة، فكان لزاما علي أن أرجع إلى المخطوطات حتى لا أقع في خطأ يتعلق بقراءة كلمة أو فقرة فأخرج في التأويل عن المطلوب، وفعلا كان عمل تحقيق النص مفيدا لي، لأني عايشت النص عن كثب، واستطعت أن أقف من خلال ذلك عند بعض اللحظات المهمة في النص، كما استطعت أن أضبط تمفصلاته الكبرى، وقد ساعدني طول صحبتي مع النص أن أقدم دراسة من ثلاث محطات كبرى؛ فكانت محطة سياسية ـ ثقافية عالجت فيها علاقة ابن طفيل بزمانين؛ الزمن المرابطي، والزمن الموحدي. مع الوقوف عند بعض عوائق التفلسف في المجتمع الإسلامي، ومحطة وقفت فيها عند الأصول التي متح منها ابن طفيل نسقه الفلسفي، وبخاصة الرافد الباجي والسينوي والغزالي، وقد حاولت في دراسة حديثة وسمتها ب"ابن طفيل ومنتحلو الفلسفة في عصره" أن أقدم فرضيات حول مصادر أخرى للتجربة الفلسفية لابن طفيل، وفي المحطة الثالثة عالجت مسالة "التقريب الفلسفي" حيث تبينت من خلالها الطريقة التي انتهجها ابن طفيل لإيجاد وشائج القربي بين القول الفلسفي والقول الشرعي، وهو ما يبرز رغبة المسلمين في جعل المعرفة معرفة كونية، وهذه في اعتقادي من أهم الإسهامات التي قدمها المسلمون بين يدي الفكر الفلسفي

د. كريمة نور عيساوي: كيف ذلك؟ هل نطمع في مزيد من التوضيح؟

د. إبراهيم بورشاشن: طبعا، هذا الجهد الذي قام به الفلاسفة والمسلمون لبيان أن الحكمة الإغريقية كما وصلتهم لا تباين الحكمة الشرعية، كما نجد ذلك عند الكندي، وقد بينت ذلك في دراسة لي عن "الوحي والفلسفة عند الكندي"، وكما نجد عند ابن طفيل، وعند ابن رشد، هي درس في كونية الحقيقة لم يقم به سوى المسلمون كما انتبه إلى ذلك فتحي مسكيني، ففي الوقت الذي كان الإغريق يرى أن لا معرفة إلا معرفته وجد المسلمون في حكمة الإغريق ما يمكنه أن يتوافق ومعرفتهم وبالتالي لم يجدوا حرجا في التعامل مع هذه الحكمة سواء في آليتها المنطقية، التي لم يسلم حتى الفقهاء من تأثيراتها الكبرى عليهم، أو الطبيعية أو الميتافيزيقة، وإن كانوا أدخلوا عليها من إبداعاتهم وإنشاءاتهم ما يقربها من خصوصيتهم الثقافية أكثر، كما نجد في مفهوم "الحدوث المستمر" عند ابن رشد، أو مفهوم "الفيض" مثلا عند الفارابي. لكن ظلوا يرون الحقيقة عامة غير خاصة ولا حرج عندهم من اقتباسها من غيرهم سواء كانوا إغريقا أو هنودا أو فرس أو رومان أيضا. وانظري إذا شئت إلى تأويلات ابن رشد للقرآن الكريم سواء في كتابه "فصل المقال" أو في كتاب "تهافت التهافت"، سترين كيف كان الرجل مسكونا بالوحي وبهاجس الحكمة عند القدماء أيضا. وقد بينت ذلك في دراسة لي عن "الوحي والفلسفة عند ابن رشد"،

د. كريمة نور عيساوي: قل لي من فضلك أستاذ بورشاشن كتابك الأول عن ابن طفيل كان في الأصل رسالة جامعية قمت بنشرها. ما هي القيمة المضافة لكتابك الثاني الذي عنونته بـــــــ "هل نحن في حاجة إلى ابن طفيل؟"ّ.

د. إبراهيم بورشاشن: الكتاب الثاني هو تطوير لبعض قضايا الكتاب الأول، ومقالات أخرى تفتح المجال في البحث في رسالة حي بن يقظان سواء على مستوى هذا الاحتفاء العالمي بقصة حي بن يقظان، والبحث عن دلالاته، انطلاقا من نشرة الناربوني العبرية مرورا بنشرة بوكوك اللاتينية إلى غيرها من النشرات المترجمة إلى كثير من اللغات الأوروبية، أو على مستوى الأبحاث المعاصرة في "تاريخ النص"، أو مستوى استنطاق النص من خلال هذه الإشكالات التي يحبل بها، من مثل إشكال علاقة ابن طفيل ممن أسماهم "منتحلو الفلسفة" أو ممن شغلوا بالمضنون به على غير أهله وكانوا سبب كتابة النص أو على الأقل من دواعي الكتابة، أو على مستوى تحقيق النص نفسه، هذا النص الذي أعتقد أن نشرة علمية جديدة له يمكن أن تقدم للباحثين ورشة فلسفية مفتوحة للعمل العلمي. أو على مستوى علاقة العلم بالفلسفة في نص ابن طفيل. وأعتقد أنه يمكن لمساهمتي المتواضعة بشأن ابن طفيل أن تقدم ورشا علميا مفتوحا في قصة حي بن يقظان، وفي متن ابن طفيل الأدبي أيضا.

د. كريمة نور عيساوي: ماذا تقصد بالمتن الأدبي؟ وما علاقته بفلسفة ابن طفيل؟

د. إبراهيم بورشاشن: تعلمين سيدتي أن شعراءنا كلهم تقريبا اهتموا بالفلسفة والأدب معا، وبعضهم كان شاعرا مجيدا مثل ابن سينا وابن باجة وابن طفيل، وقد عبر فلاسفتنا عن هموم فلسفية بقول شعري جميل كما نلمس ذلك في عينية ابن سينا الشهيرة التي مطلعها:

هبطت إليك من المحل الأرفع *** ورقاء ذات تعزز وتمنع

بل إن فلاسفتنا توسلوا بالأسلوب القصصي في عرض قضايا فلسفية عميقة كما صنع ابن سينا في أقصوصته"حي بن يقظان" والتي دبجها بأسلوب رمزي مكثف حتى كادت أن تستعصي على الفهم، وقد اقتدى ابن طفيل بالشيخ الرئيس، وألف قصته"حي بن يقظان" لكن في أفق مغاير من حيث الأسلوب والمضمون. فحظيت بإقبال كبير لم تحظ به قصة ابن سينا. وأعتقد أن فهم الشخصية الأدبية مدخل أساس لفهم شخصيته الفلسفية لأن الشكل لا ينفصل عن المضمون، فلا شك أن الشكل الأدبي شكّل بل وطوّع المعاني الفلسفية التي فصل فيها القول ابن طفيل بأسلوب سردي في قصته الفلسفية. دون أن نغفل عن الذكر أن ابن طفيل توسّل بالقول الشعري في التعبير عن شخصيته طبيا فكتب أرجوزته الطبية الضخمة التي نأمل أن تُكتشف نسخة أخرى منها للاستفادة منها. لذا يمكني القول باطمئنان : إن الأدب مدخل إلى فهم الفلسفة عند ابن طفيل على الأقل.

د. كريمة نور عيساوي: الآن أدركنا سبب اهتمامكم بابن طفيل. فما قصّتكم أستاذ بورشاشن مع ابن رشد؟ وهل كانت نقلتكم من ابن طفيل إلى ابن رشد طبيعية أم شابها بعض التكلّف؟

د إبراهيم بورشاشن: ابن طفيل وابن رشد سيدتي، قصة صحبة. فابن رشد يسمي ابن طفيل صاحبه، ويذكره في كتاب "تلخيص الآثار العلوية" كما أن بينهما مراجعات في الطب ذكرها ابن أبي أصيبعة، وكما هو معروف فإن الذي قدم ابن رشد إلى الخليفة يوسف بن عبد المؤمن هو ابن طفيل، وتم تكليفه رسميا بالاشتغال على المتن الأرسطي شرحا وتنقيحا. إنها قصة جديرة بأن تكتب كتابة علمية رصينة عندما تكتشف هذه النصوص التي جمعت بين الصاحبين. وقد حاولنا فيما كتبناه أن نلمس ذلك لمسا خفيفا إلى درجة أننا افترضنا فرضيات بعيدة عندما طرحنا السؤال :"ماذا لو قرأ ابن رشد قصة ابن طفيل، أي موقف كان سيكون له منها؟" وقدمنا جملة فرضيات للإجابة، قد تقترب أو تبتعد عن المألوف، لكن نتمنى أن نكون فتحنا بابا من القول، ونرجو أن تتاح فرص علمية أنسب وأكمل لتفصيل القول أكثر.

د. كريمة نور عيساوي: إذن يمكن القول ونحن مطمئنون بأن نقلتك من ابن طفيل إلى ابن رشد كانت نقلة طبيعية؟

د. إبراهيم بورشاشن: أعتقد ذلك، وإن كان الإشكال الذي أرّقني مع ابن رشد مختلف، مع ابن طفيل كان الهم فيلولوجيا، وسوسيوـ ثقافي، لقد كان همّي ينحصر في وضع ابن طفيل في إطاره الحضاري، ووضع قصته في مكانها في تاريخ الفلسفة الإسلامية على الخصوص. أما مع ابن رشد فقد كان هاجسي يتمثل في البحث عن وحدة مفترضة بين متنه الفقهي ومتنه الفلسفي خاصة أن البعض شكك في شخصيته الفقهية وبعضهم أنكر عليه كتابا فقهيا كبيرا مثل "بداية المجتهد وكفاية المقتصد"، فكان هاجسي هو البحث في شخصية ابن رشد الفقهية والفلسفية لردم هذه الهوة التي وجدتها فيما بعد أنها هوة زائفة؛ ومن هنا كانت فرضيتي الأولى عن الأصول الفقهية لفعل التفلسف عند ابن رشد؛ فبحثت عن تولد العقلية النقدية عند ابن رشد من التراث الفقهي الذي كرع منه وبخاصة تراث جده، وافترضت أن هذه العقلية النقدية، والتي تتجلى بشكل كبير في كتابه في الفقه العالي مدخل أساس لتبلور شخصيته الفلسفية، فكان تراث ابن رشد الجد مع تراث أبي حامد الغزالي جسرين عبر منهما ابن رشد إلى الفلسفة بشكل طبيعي وآمن؛ فقد كان دور الغزالي حاسما في النّقلة الفلسفية عند ابن رشد كما حاولت بيان ذلك مستثمرا أطروحة كان جمال الدين العلوي رحمه الله قد بثها في العدد الثامن من مجلة كلية الآداب بفاس، وهي أطروحة أعادت تشكيل العلاقة بين الشارح الأكبر وحجة الإسلام. كما دفعت بفرضية أخرى تزعم أن الحياة الفلسفية لابن رشد تنطوي تحت جبته الفقهية وإن كان يرى أن الفيلسوف أفضل من الفقيه، بل هو في نظره أكمل الناس. وبالإضافة إلى ذلك افترضت أن مفهوم "الجمع" الذي يستخدمه الفقهاء من أجل لمّ شتات الأقاويل الشرعية المتعارضة قد استخدمه ابن رشد في الجمع بين أفلاطون وأرسطو، والجمع بين الأقاويل المتعارضة، وبين شخصيات علمية تبدو أقاويلها في الظاهر أقاويل متعارضة. كما أنني بحثت في المتن الرشدي فوجدت أن المفاهيم التي تلحم القول الفقهي والقول الفلسفي مفاهيم واحدة، وأن الطريقة الصّناعية التي يكتب بها هي طريقة واحدة في الفقه والفلسفة والطب على السواء.

وهكذا شكّلتُ أطروحة، أحسب أنها كانت متكاملة في وقتها على الأقل، تثبت وحدة المتن الرّشدي في الفلسفة والفقه والطّب على السواء.

د. كريمة نور عيساوي: ألا تعتقد أستاذ بورشاشن أن جمال الدين العلوي سبق أن نادى بوحدة المتن الرشدي؟

د إبراهيم بورشاشن: طبعا، أنا لا أنكر ذلك، وقد نوّهت بذلك في مقدّمة كتابي الذي صدر عن دار المدار الإسلامي بعنوان "الفقه والفلسفة في الخطاب الرشدي"، وإذا كان من فضل لهذا الكتاب فهو أنه استطاع أن يبرهن على هذه الأطروحة، وأن يفصل القول فيها بعد موت الأستاذ سنة 1992، مع العلم أني بدأت العمل في هذه الأطروحة بعد سنة 1996. أي بعد الانتهاء مباشرة من مناقشة رسالتي عن ابن طفيل. ولابد من القول إنه رغم أن مشاريعي الفلسفية الأولى كانت من وحي أستاذي جمال الدين العلوي، فإن المرحوم كان قد قضى، ولم يُكتب له أن يرى ثمرة أحد تلامذته التي أنضجتها مع الوقت من خلال تأملاتي في نصوص الفلسفة الإسلامية، وهذا التردد بين النظر الفقهي والنظر الفلسفي.

د. كريمة نور عيساوي: لكن كتابك الذي وسمته بــــ "هل نحن في حاجة إلى ابن رشد؟ّ عدت فيه مجددا إلى ابن رشد، هل قدمت جديدا في هذا الكتاب؟

د. إبراهيم بورشاشن: رغم أن الغرض من هذا الكتاب هو بيان أن ابن رشد يمكن أن يعاصرنا، وأن موته الذي ينادي به البعض هو مناداة غير تاريخية، فإن الكتاب يستعيد بعض القضايا التي سبق أن عالجتها في كتابي السابق عن ابن رشد، أردت إبرازها في مقالات مفردة للتنبيه على معاصرة ابن رشد لنا مثل قضية علاقة ابن رشد بالتصوف وعلاقته بالموسيقى مثلا، لكن الكتاب يضم أيضا دراسات جديدة من قبيل علاقة الوحي بالفلسفة عند ابن رشد، و دور الزمن في التأليف الرّشدي. إنني رمت في هذا الكتاب تقريب ابن رشد كما كان الغرض من كتابي "هل نحن في حاجة إلى ابن طفيل"والقصد الأكبر هو تحريك العقل العربي المسلم للنظر في قضايا الفلسفة الإسلامية بجهات من النظر مختلفة، وأكاد أجزم أن المتن الفلسفي العربي الإسلامي زاخر بكثير من القضايا الفلسفية البكر التي تحتاج لمن يفترعها ويخرج بها إلى العالم.

د. كريمة نور عيساوي: بعد أن طُفنا في رحاب الفلسفة الإسلامية، وإشكالاتها الكبرى سنُحلق في سماء الشعر ومتاهاته. حدثنا عن تجربتك الشعرية، وكيف ولجت عالم الشعر؟

د. إبراهيم بورشاشن: رغم أني بدأت أديبا وكان أول عمل أدبي كتبته أقصوصة صغيرة في سنتي الثانية من التعليم الثانوي بثانوية المولى إسماعيل بمكناس، دون أن أتجاوز العشرين من عمري، بل لعل أول عمل كتبته كان مسرحية شعرية بمناسبة احتفالات عيد العرش عندنا في إعدادية الأزهر بمكناس، أما الشعر في تجربتي الأولى فكان عبارة عن قصائد رومانسية نظمتها في مناسبات عاطفية مختلفة. ثم عندما دلفت إلى الجامعة انقطعت صلتي به. وما حصل بعد ذلك هو أني لما بلغت عقدي الخامس أصابني جني من وادي عبقر، وعدت إلى الأدب، وتحديدا إلى الشعر، وقد أثمرت هذه العودة لحد الآن ثلاثة دواوين شعرية ذات نفحة فلسفية ــ صوفية، كما لاحظ ذلك بعض الدارسين.

د. كريمة نور عيساوي: هل تتكرم أستاذ بورشاشن وتحدثنا عن كل ديوان على حدة؟

د. إبراهيم بورشاشن: أول ديوان أصدرته سنة 2011 كان عنوانه: "الطين المسجور" ورغم أن قصائد الديوان كتبت منذ 2006 تقريبا إلا أنها جاءت تحمل في طياتها بصمات الربيع العربي، وإن كان الديوان يحتوي على قصيدتين، على الأقل، كتبتا إبان موجة الاحتجاجات، وظهرت فيهما بعض أحداث تونس وليبيا واليمن والأحداث الأولى لسوريا. لكن روح الديوان المهيمنة هي روح الألم، ورفع الصوت ضد كل أنواع الاستبداد كما في قصيدتي "النيرونية" و"النحلة المغاضبة"، كما تجلى هذا الألم في قصيدتي "الغريب" وقصيدتي التي ناجيت فيها القلم، وغازلت فيها الحروف، وتشكل قصيدتي "الطين المسجور" قصيدة غريبة إذ هي في العمق قصيدة غزلية، لكنها في ظرفها التي نشرت فيه ظهرت لي كأنها نوع من النذير لانطلاق شرارة الربيع العربي، إذ تبدو وكأنها تتحدث عن حريق البوعزيزي لنفسه. وقد ذيلت الديوان ببعض قصائدي عن الحيوانات، وبخاصة قصيدتي "نعي عجماء" التي نعيت فيها جروا مات أمامي بعد أن دهسته دراجة نارية.

د. كريمة نور عيساوي: وماذا عن الديوان الثاني؟

د. إبراهيم بورشاشن: الديوان الثاني مختلف تماما، فديواني "إبحار في عيون الحوريات" أفردته لقصائدي التي كتبتها أيضا على طول الفترة الممتدة من 2006 إلى 2012.

د. كريمة نور عيساوي: ولم أفردت ديوانا للمرأة؟ هل ثمة أسباب ذاتية من وراء ذلك؟

د. إبراهيم بورشاشن: لم يكن هذا أيضا رأي الأستاذ الشاعر عبد الكريم الطبال الذي قدّم لي الديوان، لكني وجدت في هذا الجمع والإفراد مناسبة لي لإبراز علاقتي بالمرأة في مجموعة شعرية مفردة، وقد تنوعت وجوه المرأة في الديوان فاستحضرت صور زوجتي وابنتي و أصناف من النساء ممن صادفتهن إما مباشرة وإما عبر تقنيات التواصل الحديثة مثل قصيدتي "آجيا" التي كتبتها في سيدة مسيحية لبنانية، وقصيدتي "في عصمة الجبل" التي كتبتها في سيدة صوفية لبنانية، وقصيدتي "في غيابات الجب" التي كتبتها في شاعرة أردنية، وقصيدتي "عاشقة الحروف" التي كتبتها في شاعرة لبنانية، وهكذا و في كل مرة التقي فيها بسيدة أجد في شخصيتها ما يلهمني فأكتب فيها قصيدة مثلما هو الأمر في قصيدتي "سمفونية العين" التي كتبتها عن فنانة تشكيلية، وقصيدتي "مخيط الشفق" في خياطة، بل إنني أدرجت في هذا الديوان قصيدتي "عتاب إلى فاس" لأن فاس لم تخبرني عن زيارة الحبيب لها. طبعا من ألهمنني من نساء بلادي كثر، وعلى قدر كبير من الحساسية الجمالية، لا أستطيع الوفاء بحقها بالكلمات.

د. كريمة نور عيساوي: هل أصبحت المدينة عندك امرأة؟

د. إبراهيم بورشاشن: الشاعر ينشىء عالمه الخاص به، فيرى موضوعات العالم العادية بنظرة مختلفة. لكن الغريب أن قصائدي كلها عن المرأة تعتورها نفحة صوفية عميقة، ويغيب فيها التشبيب الجسدي الذي ينزع إليه بعض الشعراء. فنظرتي إلى المرأة يغلفها ضرب من المثالية كما في قصيدتي "عشق الروح" وقصيدتي "الشفاه المرسومة"، بل إن النفحة الصوفية تظهر قوية في قصيدتي "رماح العشق" و"سارقة الحب". وقد ختمت ديواني الجديد بقصيدتي "كنت نائما فانتبهت" بقصائد غزلية تمتح من أجواء ديوان "الإبحار".

د. كريمة نور عيساوي: إذن سنُبحر نحو ديوانك الجديد؟

د إبراهيم بورشاشن: ديواني الجديد، الذي اخترت له آخر جملة شعرية في القصيدة التي كتبتها رثاء لوالدي رحمه الله "كنت نائما فانتبهت"، قدمه لي عميد الأدب المغربي الدكتور عباس الجراري، وقرّضه الشاعر الدكتور حسن الأمراني. وقد اخترت أن أنوّع أشعار هذا الديوان، وقسمته إلى خمس مرايا إذا صحّ التعبير : مرآة سمّيتها "حميمية المكان" وخصصتها لقصائد تمدح المكان كما في قصيدتي عن مدينة زرهون، وبعضها فيه مدح مفارق إذا شئت، كما في قصيدتي عن مكناسة الزيتون، ومرآة أخرى سمّيتها "حميمية الروح" قدّمت فيها بعض القصائد ذات النفس الوجداني الصوفي، ومرآة أخرى سمّيتها "حميمية الصداقة" تترجمها قصائد تؤرخ لعلاقات صداقة، ثم مرآة سمّيتها "السّفسطائي الأخير" فيها قصائد تسلّط الضوء على بعض المفارقات التي تعتور العلاقات الإنسانية عندما تحضر السفسطة، أي القدرة الخطيرة على إبدال الحق باطلا والباطل حقا، وهي القدرة التي تعضدها سلطتا السلطة والمال، فيكون الإقناع أسهل، ثم أخيرا مرآة "الغَزَل المنقوض" التي تضم قصائد غزلية كما حدثتك قبل قليل.

د. كريمة نور عيساوي: لاحظت أستاذ بورشاشن وأنا أطالع كتاباتك، وأستمع إلى هذا الحوار الشيق معك ثراء في إصداراتك الفلسفية والشّعرية، وأودّ الآن أن اقترح عليكم السؤال الآتي: ما العلاقة التي تنسجونها بين القول الفلسفي والقول الشعري؟

د. إبراهيم بورشاشن: أولا شكرا على هذه الكلمة كلمة "ثراء" وإن كنت أرى أنّ الظّروف التّي مررت منها، والتي حالت دون التحاقي بالجامعة عطلت إنجاز بعض مشاريعي الفلسفية، ولعلّها هي التي اضطرتني إلى الذهاب إلى قلعة الشّعر، وهجران البحث العلمي لفترة من الزمن. أنا اعتبر نفسي أنّي قدمت إلى الشعر بالعرض، فانا لم أكن أفكر إلا في متابعة مشاريعي العلمية التي فتحتها لي أبحاثي في ابن طفيل وفي ابن رشد، لكن القانون المشؤوم الذي يمنع حاملي دكتوراه الدّولة من الالتحاق بالجامعة كسّر هذا المسار العلمي واضطرني إلى الشّعر.

د. كريمة نور عيساوي: لكن لم الشعر؟

د. إبراهيم بورشاشن: يذهب هيدجر إلى أنه عندما تصبح إمكانية التفلسف مستحيلة يبزغ الشعر ، فنحن نحتاج إلى ترتيب مقامنا على ظهر الأرض، عندما لا نستطيع ذلك فلسفيا نفعله شعرا، ومن هنا ارتباط الشعر بالكينونة كما أبرز ذلك هيدجر؛ فكأن الواقع أصبح يضيع مني فأنا أستعيده وأفكر فيه بالشعر، بل ربما الأفضل أن أقول أعيد بناء الواقع بالشعر، لأن الإبستمولوجيا علّمتنا أن الواقع غير معطى، وإنما هو يبنى، وفعلا بنيت عالما من الشعر حاولت فيه أن أجد المعنى لوجودي الذي كاد أن يضيع مني تحت ضغوطات الواقع وإكراهاته. فمجتمعاتنا لا تؤمن بالذاتية في علاقتها بأفرادها، إنها لا تفرق بين الجماعة والقطيع؛ فنحن مع الجماعة من حيث هي مؤسسات وضدّ الخلاف الممزق لبنية مجتمعاتنا، لكن ضد عقلية القطيع من حيث إنها نزوات فردية وأعراف لا تحترم كينونة الأفراد، ومن هنا تأتي غربة الشاعر والفيلسوف أيضا في مجتمع قاهر ولا يكاد يميز بينهما. ولعل من هنا أتت غربة ابن باجة في كتابه الفريد "تدبير المتوحد" وابن طفيل في قصته الفلسفية الفريدة "حي بن يقظان"، إن الفيلسوف كائن مبدع وكذا الشاعر يبدع، لكن لا إبداع إلا إذا كان الفضاء يحترم الفردية والذّاتية ويحمي حريات الأفراد.

د. كريمة نور عيساوي: إذن بالشعر أضفيت المعنى على وجودك؟ هل يعني أنك قبل الشعر لم يكن لوجودك معنى؟

د. إبراهيم بورشاشن: شكرا على هذا السؤال سيدتي، حقا يسهم الشعر في اكتشاف الذات بل وفي إبداعها، ولا أخفيك أن الفترة التي انكببت فيها على كتابة الشعر كانت فترة غوص عميق في الذات، كما كانت فترة انفتاح على المجتمع، كما لا أخفيك أن درجة تفاعلي عند كتابة القصيدة كانت قويّة لدرجة أنني عندما كنت أكتب قصيدة أشعر أحيانا بوهن شديد وعياء كبير. ولعل هذا التّفاعل العميق هو الذي جعلني أجدد ذاتي، وأعطى لأشعاري صدقها وقوتها الإيحائية وجدّة كثير من صورها كما تنبه إلى ذلك الدكتور حسن الأمراني.

د. كريمة نور عيساوي: أراك تتحدث عن علاقة الفلسفة بالشعر عندك دون أن تدخلنا إلى عالم دواوينك الثلاثة، وتقدم لنا أمثلة عن ذلك.

د. إبراهيم بورشاشن: عندما نكتب سيدتي، لا نعبر فقط بعقولنا بل يتدخل اللاوعي فيجد التعبير عنه في غفلة عنا، لذا فنحن نبدع بكل طاقاتنا العقلية والتخييلية وساعتها تتجسد هويتنا في ما نكتب، وكأن من يريد أن يعرف نفسه فلير نفسه في مرآة ما يكتب. عندما أرجع إلى ما أكتب أجدني أسير شخصية فلسفية إغريقية معها بدأت الفلسفة بالتحديد، أقصد شخصية سقراط، وقد كتبت في ديواني "الطين المسجور" قصيدتين عنه إحداهما سمّيتها "سقراط" استلهمت فيها إشادة سقراط بالعقل، والثانية "سؤال سقراط" استلهمت فيها شغف سقراط بالسؤال، وفي ديواني الأخير قصيدة أيضا عن سقراط، استلهمت فيها نظريته التي اشتهر بها ، أقصد :"اعرف نفسك بنفسك". لكن الدواوين كلها تعج بأسماء فلاسفة كثر من مثل ابن رشد، واستلهام قصة حي بن يقظان لابن طفيل، واستلهام حكاية موت ابن باجة بالباذنجانة المسمومة، واستلهام فكرة "العود الأبدي" لنيتشه، ومقولة هرقليطس في عدم إمكانية النزول إلى النّهر مرتين، وتجربة أفلوطين الذي خلع بدنه مرتين كما يقال، وتجربة السفسطائية في تاريخنا المعاصر، وكذا الرواقيين، كما استحضر اسم الخوارزمي، وكذلك موقف فيثاغوراس من أصل الوجود؛ عددا ونغما، وفي قصيدتي "جسد بلون التراب" تبدو أسماء لفلاسفة معاصرين من مثل ياسكال وديكارت وشوبنهور ودوبوفوار صديقة سارتر ، كما أن النفحة الفلسفية تظهر في بعض عناوين قصادئي من مثل "عشق الروح" و"عين الجمع"، كل هذا الزخم الفلسفي طبعا لا يفارقه الإحساس بالهوية العربية الإسلامية التي أنتمي إليها، كما يظهر في دواويني من استخدام للمفاهيم والتعابير القرآنية، وانفعالي الشديد بتجربة ابن حزم الأندلسي كما عرض لها في كتابه الفريد "طوق الحمامة"، وكلما ظهر اسم "الظاهري" في قصائدي فهو يشير إلى هذا التماهي بيني وبين الفقيه والشاعر الأندلسي ، وكأنني في دواويني أريد أن أعبر عن هوية منفتحة على البعد الإنساني، وأظن أن البعد الإنساني حاضر بقوة في نصوصي الشعرية وذلك للتحرر الكبير الذي كان يصاحبني في لحظة الإبداع. وحتى لا أثقل عليك سيدتي سأقف هنا، وإلا فإن القضايا الفلسفية والتي تثير في نظري إشكالات عميقة والتي أعرض لها بنفس شعري كثيف في دواويني كثيرة، وأزعم أنها تحتاج إلى دراسة مفردة.

د. كريمة نور عيساوي: أشكرك الأستاذ والشاعر المغربي إبراهيم بورشاشن على هذه الجلسة العلمية التي فتحت لنا فيها قلبك، وحدثتنا عن مسارك الفلسفي والشعري، وأترك لك كلمة أخيرة تختم بها هذا اللقاء الماتع معك.

د. إبراهيم بورشاشن: شكرا أستاذ كريمة على إتاحتك هذه الفرصة لي، فقط أحب القول إن حاجتنا اليوم إلى الفلسفة كما هي حاجتنا إلى الشعر حاجة حيوية وضرورية في عالم يفقد المعنى ويخلع عنه أثوابه الرمزية الجميلة، وأعتقد أن الدخول إلى العالمين الفلسفي والشعري يبدأ في ثقافتنا العربية من إعادة الاعتناء بالفلسفة الإسلامية من خلال رموزها الكبار الكندي والفارابي وابن سينا والغزالي وابن باجة وابن طفيل وابن رشد وغيرهم من الذين أثْرَوْا الحقل الفلسفي الإسلامي، وأيضا من خلال متنها الصّوفي الضّخم والذي يشكل ثروة رمزية كبيرة وخزّانا من الدّلالات، و كذا من خلال تلك المؤلّفات العلمية التي تركها من مارس العلم في حياتنا العربية الإسلامية من أمثال الخوارزمي وابن الهيثم وابن البنّا المراكشي وغيرهم من القامات العلمية التي قدّمت إسهامات كبرى في العلم العربي الإسلامي إن صح هذا التعبير. كما أنه يجب أن نعتني باللغة العربية وبالأدب العربي وإلا كيف نستطيع أن نفكر إذا لم نكن نمتلك ناصية الأدب الذي يمكّننا من التعبير عن أدقّ الأفكار وأعمق الأحاسيس. قراءة تراثنا الأدبي القديم وبخاصة الشّعري منه مدخل أساس من مداخل نهضتنا المعاصرة التي لن تبلغ كمالها أيضا إلا إذا انفتحت بوعي على مكتسبات العقل المعاصر في اللغات والفلسفة والعلم والفنون على السواء. وشكرا لك سيدتي.

 

 

 

 

.

 

 

 

 

salam alsamawimajed algarbawia"الحضارة الاسلامية قامت على العنف، والسيف وقطع الرؤوس، وقمع المعارضة، واقصائها. من يقرأ التاريخ يعجز عن احصاء عدد القتلى من المسلمين بسيوف المسلمين فضلا عن غيرهم. هذا هو الجانب المسكوت عنه في الحضارة الاسلامية، ونخشى مقاربته خوفا من الطعن بقداسته" .. ماجد الغرباوي

 

الاستاذ ماجد الغرباوي، كاتب وباحث، رئيس مؤسسة المثقف في سيدني استراليا، له مجموعة مؤلفات، يشغله همّ التجديد في الخطاب الديني، واصلاح مناهج التفكير لدى المسلمين. وقد اشتغل على موضوعات التسامح، والعنف، والحركات الاسلامية، وغيرها. كان لنا هذا اللقاء، فاهلا وسهلا به:

 

س1: سلام السماوي: لأنك تعيش في ظل حضارة غربية بعد ان عشت متنقلا بين أكثر من بلد اسلامي وعربي بحكم ظرفك السياسي، كيف تجد الفارق بين الحضارتين الغربية والاسلامية؟

ج1: ماجد الغرباوي:الفارق بين الحضارتين هو: ان الاولى استطاعت ان تصنع انسانا يعي ذاته ومسؤولياته .. يقبل بتداول السلطة سلميا، ويتعايش مع الآخر رغم اختلاف الثقافات والديانات .. يجيد لغة التفاهم، ويتمتع بحرية واسعة، في ظلها تتفجر ابداعاته على جميع المستويات، ويمارس طقوسه في ظل حرية دينية، ويعبر عن قناعاته بشفافية ضمن حرية الرأي والاعتقاد. كما نجح الغرب في استبعاد سلطة الكنيسة، والتحرر من ثقل التراث والماضي والعادات والتقاليد القبلية المكبلة، وارتكز الى العلم والتجربة.

اما نحن (في الشرق) فما زلنا نرفض الآخر ونصفه بالكافر و(النجس)، بما في ذلك الآخر الداخلي، اعني المسلم، الذي نختلف معه مذهبيا، فيجيز لنفسه ذبح اخيه، لا لشي سوى هذا الاختلاف البسيط. وحتى لو اعترفنا بالآخر نعترف به منّة وتفضلا، بينما الغرب يعتقد ان الآخر شريك في الحقيقة، فالاعتراف به حقيقي، كما هو الاعتراف بالذات.

الفرد هنا - وانت ايضا تعيش هذه الاجواء - يشعر بكينوننته، انه انسان له كامل الحقوق، ويمارس كل طقوسه وعاداته وتقاليده، ويصرح بكل قناعاته، ويفعل ما يشاء (حدوده القانون وحرية الآخرين). بينما يعاني الفرد هناك من القهر والكبت والحرمان.

الفرد هنا يتفجر ابداعا، بينما يُقمع هناك رغم كل ما لديه من قابليات، ربما لسبب بسيط هو الاختلاف سياسيا او دينيا او مذهبيا.

 

س2: سلام السماوي: في رأيك، هل تعتبر الحضارة الاسلامية الان ندا للحضارة الغربية، ولو في بعض جوانبها؟ ولماذا؟

ج2: ماجد الغرباوي: النديّة سيدي الكريم تحتاج الى تكافؤ بين الطرفين. او يكون الفارق الحضاري من الضآلة ما يسمح بالتناد بينهما. فهل تعتقد استاذ سلام ان واقع المسلمين الان يصلح ان يكون ندا للحضارة الغربية؟؟ لا احد يرى ذلك حتى المسلمين انفسهم. فمنذ الصدمة الحضارية وما زلنا عيال على الحضارة الغربية في كل شي. ونحن بدون الغرب كما يقول ادونيس صحراء وجمل. وعندما اقول لا ندية بينهما اعي جيدا ما اقول. نحن نحتاجهم في كل شي، ونفتقر لمنجزاتهم حتى النظريات في مجال العلوم الانسانية، بل وحياتنا الان تتوقف على تلك المنجزات خاصة العلمية منها، والغرب راهنا يستعمر الدول الاسلامية الا القليل من خلال حاجتها وافتقارها له. ولو قطع الغرب امداداته العلمية لتوقفت الحياة في كثير من الدول الاسلامية. الغرب هو المركز ونحن الهامش والاطراف ندور من حوله،وهذا ليس انسحاقا او شعورا بالدونية، انما هو واقع نعيشه كل يوم، فنحن لم نحقق نهضتنا ولم نتقدم ما فيه الكفاية بحيث نتخلص من تبعيتنا للحضارة الغربية، ونكون ندا لها. تصور حتى في المجال الأدبي نحن نقلدهم في تطورهم على مستوى الأداء والنظريات النقدية. غاية الأمر ان بعضا يحاول ان يجد جذورا اسلامية لها، كما بالنسبة لقصيدة النثر، وهذه احد عُقدنا لا نعترف بالخطأ ونجيد التبرير والبكاء على الاطلال. اذاً نحن مدعوون لاستكمال نهضتنا اولا ثم نطرح انفسنا للتناد مع الحضارات الاخرى.

 

التفاعل الحضاري

س3: سلام السماوي: انفتح المسلمون على العالم الخارجي، فحصل تفاعل حضاري بينهم. متى بدأ التفاعل الحضاري بين المسلمين وغيرهم، وما هي الطرق التي مهدت لذلك؟

ج3: ماجد الغرباوي: انفتاح المسلمين على غيرهم من الحضارات كان عن طريقين:

الأول: الترجمة: حيث ظهرت البوادر الاولى للترجمة في العصر الأموي على يد خالد بن يزيد الذي تخلى عن السلطة متفرغا للعلم والترجمة ورعايتهما، ثم تطورت في العصر العباسي، وكان عصرها الذهبي في زمن المأمون الذي أولى الترجمة عناية خاصة وأسس دار الحكمة، حيث تم نقل شطر كبير من تراث اليونان وبلاد فارس والهند. وكان اداته عدد من المترجمين ممن يجيد لغة ثانية الى جانب اللغة العربية، او بالواسطة عبر لغة ثالثة، كما حصل لقسم من التراث اليوناني. والترجمة تعد انفتاحا فكريا وثقافيا وادبيا على تراث وحضارة الشعوب الاخرى. بل اكثر من انفتاح حيث تفاعل المسملون مع ذلك التراث بشكل ما.

الطريق الثاني: الفتوحات الاسلامية، السلمية والحربية، حيث اطلع المسلمون على الواقع الحضاري والفكري لتلك الشعوب، التي تختلف عن العرب لغة وثقافة. فتأثروا به وأثروا فيه. فكان هناك تفاعل، انعكس على المنجزات الفكرية الاسلامية. سواء العلماء الذين دخلوا مع الفتوحات، او علماء تلك الشعوب ممن آمن بالرسالة الاسلامية، لكن ظلت ترسبات حضارته وتراثه الفكري تؤثر في رؤيته وتفاعله.

 

س4: سلام السماوي: هناك من يرى ان الخط البياني للحضارة الاسلامية لم يتراجع او يتوقف في اي زمن من الازمان، ولكن غيرها من الحضارات استغلت علماءها ومجدديها ومفكريها فتقدمت، بينما لم تفعل الدول الاسلامية ذلك فتخلفت؟ ماهي وجهة نظركم؟

ج4: ماجد الغرباوي: الواقع استاذ سلام يكذّب هذا القول، ولديك متسع من الوقت لتجرد كل ما يدور حولك، فهل تجد سوى منجزات غربية اصالة او تقليدا لها؟؟.

وحتى اذا كان هذا البعض يقصد الجانب الفكري والعلمي وليس المنجز العملي، فايضا الغرب ومنذ دشن نهضته، هو مصدر النظريات العلمية والفكرية وعلى جميع المستويات. انظر الى مناهج الجامعات والأكاديميات عندنا، كل ما لديها علم غربي، سواء العلوم الانسانية او التجريبة. بل حتى مناهج تفكيرنا غربية، وبات واضحا من لم يرتكز للنظريات الغربية في بحوثه ودرساته تبقى ناقصة، ومن لم يستفد من منجزهم التجريبي لا يمكن انجاز اي شي، لان الغرب يمسك بالتكنلوجيا، ثم جاءت ثورة المعلومات والتطور التكنلوجي، فجعلنا في اقصى الهامش.

لا انكر ان بعض الدول الاسلامية حققت نهضتها بالاستفادة من المنجز الغربي، ثم بناء حاضرة تفاعلية، كما بالنسبة الى ماليزيا، حيث تعد من الدول المتقدمة الان.

اذاً، من يدعي شيئا نطالبه بالدلليل لان الواقع يكذّبه .. الهوة سيدي الكريم من العمق عندما تطلع عليها الاجيال القادمة ستلعننا. لاننا تخلينا عن حضارتنا، وبتنا عيالا مستعمَرين من حيث نشعر او لانشعر، للغرب وحضارته.

 

س5: سلام السماوي: خلال العصور الأربعة الأولى لعب علماء المسلمين ومفكروهم دورا بارزا ومهما في تشييد حضارة اسلامية. وبعبارة أدق انتاج حضارة جديدة نافست الحضارات التي سبقتها وتفوقت عليها، امثال، الكندي، الفارابي، ابن سينا، ابن رشد، وغيرهم الكثير من المتكلمين والمفسرين والفقهاء والعلماء، فلماذا لم تظهر اسماء قوية في الوقت الحاضر؟ وإن وجدوا، فمن هم، وما مدى تأثيرهم؟

ج5: ماجد الغرباوي: لا شك ان علماء المسلمين في العصور الاربعة الاولى شييدوا حضارة اسلامية، وتقدموا في مجال العلوم النظرية والتجريببة، ولو كانت بشكلها الاولي البسيط، خاصة في مجال علوم الرياضيات، والطب، والكيمياء، والفلك، اضافة الى تخصصهم في مجال الفقة الذي هو صناعة اسلامية، غير مسبوقة، وبناء معالم فلسفة اسلامية، وكان وراء هذه الجهود شخصيات تركت اثرا واضحا في التاريخ. وقد ساعد على تراكم هذه المنجزات عدة عوامل، منها هامش الحرية، وتشيجع الحكومات، والدافع الذاتي، والحث الديني والقرآني. ثم في عصر النكوص تلاشت اغلب هذه الدوافع والمشجعات، فعاش المسلمون عصر السبات والتخلف. وبعد الصدمة الحضارية، واكتشاف العالم الغربي وما حققه في نهضته خاصة في المجالين العلمي والعسكري، افاق المسلمون من سباتهم، فطرحوا ما يسمى بسؤال النهضة: (لماذا تقدم الغرب وتخلف المسملون؟). ومنذ ذلك الحين وما زال المفكر والمثقف المسلم يعالج هذه المشكلة بحثا عن اسبابها. ورغم تشخيص الاساب عموما، لكن لم يحقق المسلمون نهضتهم المرتقبة.

اقصد بما تقدم، وجود حضارة ذات معالم اسلامية، يشار لها في مقابل الحضارات الآخرى، ولا اقصد الجهود الفردية، فبلا شك هناك جهود قيمة لعلمائنا ومفكرينا لكنها لم ترق لحد الان الى مستوى حضارة اسلامية ميزة. خاصة اذا اضفنا لها جهود المسلمين ممن يعيشون في الغرب وما اضافوا لتلك الحضارات من تراكمات علمية وانجازات تكنلوجية.

اذا هناك جهود لشخصيات اسلامية وعربية الا انها لم تشكل اساسا متماسكا لحضارة مستقلة في معالمها. اما لماذا لم نستكمل بناء حضارة ذات معالم اسلامية وعربية، فسنجيب عن ذلك من خلال تشخيص اسباب التخلف الحضاري في الاسئلة القادمة.

 

س6: سلام السماوي: فيما يخص الحضارتين الغربية والحضارة الاسلامية، مَن المتأثرة بالاخرى اولا، وما مدى هذا التأثير ثانيا؟

ج6: ماجد الغرباوي:الحضارة الاسلامية أقدم، ولها قدم السبق، وقد اقتاتت الحضارة الغربية على منجزاتها، من خلال ما ترجمه المستشرقون من علوم اسلامية، كانت الاساس لنهضتهم، وحضارتهم، اعترفوا او لم يعترفوا بذلك. بل ذهب بعض الباحثين ان الغرب بدأ بترجمة ونقل العلوم الاسلامية منذ القرن التاسع، عبر الاندلس. حيث كانت الرحلات من الغرب اليها متواصلة. وتؤكد الوثائق ان الغرب بنى حضارته ونهضته على علوم المسلمين. وظل كتاب القانون لابن سينا مثلا يدرس في جامعاتهم لا سيما الفرنسية الى وقت متأخر. لهذا كانت الصدمة هائلة عندما اكتشف المسلمون حجم التطور الغربي من خلال حملة نابليون بونابيرت على مصر. المستشرقون عادة ينكرون ذلك، ويعتبروا جذورهم ضاربة في الفكر اليوناني، وما دور المسملين الا الوسيط في الترجمة. وهذا خطأ باعتراف الموضوعيين منهم، حيث ان البصمات الاسلامية كانت واضحة على المنجزات العلمية والفكرية. ثم المنجز العلمي في مجال العلوم التجريبة هي منجزات اسلامية، كما في مجال الطب والفلك والكيمياء وغيرها. فالحضارة الغربية هي التي تأثرت بالحضارة الاسلامية، وارضيتها العلمية ابتُنيت في ضوء ما انجزه المسلمون ونقله المستشرقون لدولهم عن طريق الأندلس.

لكن ماذا ينفع هذا التفاخر والغرب الان يمسك بقبضة التقدم ويتحكم بنا من خلال افتقارنا لابسط منجزاته!!!!، يستفزنا ويستنزف قرواتنا ونحن لا حول لنا ولا قوة.

 

الفلسفة الاسلامية

س7: سلام السماوي: هناك من يرى ان الفكر الفلسفي الاسلامي نسخة من الفكر الفلسفي اليوناني، فماهو تعليقكم؟

ج7: ماجد الغرباوي: الفلسفة كما هو معروف تاريخيا يونانية النشأة، وهي ضاربة في قدم حضارتهم، وتعني في لغتهم: "محب الحكمة"، وقد انتقلت عبر الترجمة الى الحضارة الاسلامية، وتفاعل المسلمون مع مفهاهيمها ومقولاتها، وما زال المنطق الأرسطي يسود تفكير المسلمين، في مجال العلوم الدينية، رغم تخلي المدارس الفلسفية الحديثة عنه. لكن قبل انفتاح المسلمين على الحضارة اليونانية ومدرسة الاسكندرية والهند وفارس، سبقها تأسيس لعلم الكلام، على هامش جدل المسلمين حول مجموعة من المفاهيم والمقولات التي رافقت نشوء الفرق الكلامية على خلفية الصراع السياسي: كحقيقة الايمان، وصفات الله، والقضاء والقدر، وفاعل الكبيرة. فتمخض الجدل عن رؤى عقلية وكلامية .. ما اريد قوله ثمة ارضية واستعداد لتقبل الفكر العقلي والفلسفي والتفاعل معه لدى المسلمين حينما انفتحوا على الحضارة اليونانية، وهي أرضية مهدت لنشوء فلسفة ذات معالم اسلامية، بعد ان اعاد الفلاسفة المسلمون طرح ما يهمهم من قضايا عقائدية في ضوء المنطق ومقولات الفلسفة اليونانية، فاستفادوا من بعض الأدلة في مجال الإلهيات مثلا وطوروا اخرى. وبالتدرج تبلورت فلسفة اسلامية، هي خليط من الفلسفة اليونانية والفكر الاسلامي، وبهذا تم تشييد أسس فلسفة اسلامية على يد الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم. فالقول بان الفكر الفلسفي الاسلامي نسخة طبق الاصل من الفكر الفلسفي اليوناني فيه انكار لجهود الفلاسفة المسلمين، حيث طور هؤلاء مجموعة من المفاهيم والمقولات، خاصة في مجال الالهيات.

 

س8: سلام السماوي: اذاً هناك تاثير مباشر من العقل اليوناني في الحضارة الاسلامية، فما مدى هذا التاثير؟

ج8: ماجد الغرباوي: بلا شك هناك تأثير واضح للعقل اليوناني، ويكفي ان المنطق الأرسطي ما زال مؤثرا في العقل الاسلامي، خاصة الدراسات الاسلامية، بل وتأثر الفقه الاسلامي ايضا بالمنطق الأرسطي والفلسفة اليونانية، كما بالنسبة للاشكال الاربعة المعتمدة في الاستدلال، حتى ارتكز لها الفقه الاسلامي باسراف.

وفي مجالا الإلهيات، كمسألة الخالق وصفاته التي تصدى لها افلاطون، والنفس وهل هي ازلية، وغير ذلك، حيث تبنى الفلاسفة المسلمون من حيث يشعرون او لا يشعرون تصورات الفلاسفة اليونانين، وأدلتهم. والبعض الآخر استفاد من تلك الامكانيات العقلية لكن طوّر أدواته وأدلته وبراهينه. ولا ننسى ان المسملين اطلعوا على التراث الفلسفي ما قبل ارسطو وافلاطون، وما بعده، وبقوا على تماس معه، حتى فترات متأخرة.

وايضا تأثر المتكلمون المسلمون، عندما تخندقوا بمقولات المنطق الأرسطي للدفاع عن عقائدهم، وطرق جدله في القياس والاشكال الأربعة. فحجم تأثر المسلمين لا ينكر الا انهم بمرور الايام شيدوا معالم مدرسة فلسفية اسلامية، من خلال شروحهم للفلسفة اليونانية، او من خلال ما تولّد من تصورات وافكار جديدة، حتى ان الفكر الاسلامي الفلسفي بدأ يغزو الغرب عن طريق الترجمة، وخاصة فكر ابن رشد. فاصبح تفاعل بين الفكرين، بوتيرة تصاعدية.

فتأثير الفكر اليوناني بالفكر الاسلامي يمكن ملاحظته في مجال: اللهيات، والمنطق، والرياضايات من خلال ترجمة كتب بطليموس وغيره. والتصوف، كما بالنسبة لنظرية الفيض، وفكرة العقول العشرة التي طورها المسلمون. وكذلك تأثيره في مجالي علم الكلام والفقه الاسلاميين.

لكن يجب ان نؤكد ان التأثير لا يعني الفكر الاسلامي نسخة طبق الاصل، كما بينا في جواب متقدم، وانما تفاعل بين الطرفين، فمثلا الرؤية الاسلامية تختلف عن الرؤية اليونانية حول الخالق وصفاته. وهذا لا ينفي وجود منظومة افكار ومفاهيم يونانية كاملة، كما بالنسبة للمنطق الأرسطي. كذلك فكرة العقول العشرة، تم صياغته وفقا للتصورات الاسلامية.

 

العلاقة مع الغرب

س9: سلام السماوي: في وقتنا الحالي؟ هل يوجد صراع بين الحضارتين الغربية والاسلامية ام حوار؟ ماهي الأدله على ذلك في الحالتين؟ او بشكل اوضح ما هي طبيعة العلاقة بين الحضارتين الغربية والاسلامية، صراع أم حوار؟

ج9: ماجد الغرباوي: برأيي كان بالامكان ان يكون هناك حوار حضاري بين الحضارتين في ظل ثورة الاتصالات الكبيرة، غير ان سلوك المتطرفين الاسلاميين قلب المعادلة فخلق حالة توجس وخوف من الاسلام والمسلمين. قد تتفاقم مع امتداد الحركات التكفيرية، لكن لو استعاد المسلمون وعيهم وطوقوا هذه الحركات، ربما تساعد الاجواء مستقبلا على استئناف الحوار من خلا وسائل الاتصال الحديث، ومن خلال سلوك مغاير يعكس سماحة الاسلام وحبه للآخر.

نعود للسؤال: ماذا يمكن ان نسمي العلاقة بين الطرفين؟ هل هو صراع أم حوار؟ اقول ان الغرب مسكون بنظرية هانتغنتون في صراع الحضارات، وان نقاط اللقاء بين الطرفين ستكون نقاطا حمراء، وصراعا ثقافيا دمويا؟ لكن انا شخصيا ضد هذا التنبؤ الا في حالة تمادي المتطرفين الاسلاميين. الشعوب الغربية باتت تعي حجم تداعيات الحروب والصدامات، وقرارات الدول الغربية رغم انها قرارات مؤسساتية لكن تراعي مشاعر شعوبها وتوجهاتها. والشعوب ترفض الصدام.

 

س10: سلام السماوي: وهل تقبل الشعوب الغربية بالآخر، الذي هو نحن العرب والمسلمين؟

ج10: ماجد الغرباوي: للاسف لحد الان الأرضية غير مؤهلة لاحتضان الآخر، لا بالنسبة لهم ولا لنا. فهم يعتبروننا (أقصد الشعوب وليس الحكومات) شعوبا متخلفة تقتات عليهم في كل ما يحتاجون، وهم ارقى جنسا. هذا الشعور موجود لدى شريحة واسع منهم. ونحن ايضا ما زلنا نعتبر الاخر كافرا، ونفتي بنجاسته. وما زلنا نتحدث بلغة ارض الكفر وارض الاسلام. فثقافتنا الاسلامية بالنسبة للآخر طاردة، بسبب افرازات الدراسات الفقهية المتأثرة اساسا بالصراعات الداخلية، والقائمة على التكفير، واستباحة الدماء. نحن نعيش ويلات داخلية بسب هذا اللون من الفكر، فكيف نقبل بالآخر المختلف الذي نصفه بالكافر والنجس، ونحرم ذبائحة وطعامه والزواج منه الى غير ذلك، وعندك فقه الأقليات وطالعه. وانظر الى الحركات المتطرفة التي تتشبث بهذه الفتاوى، وتخر عليها صما وعميانا، رغم تقاطعها مع مبادئ وقيم الدين الحنفيف. بل ما نشاهده اليوم من ممارسات على ايدي ما يسمون بالدولة الاسلامية او (داعش)، من سبي النساء غير المسلمات، وقطع الرؤوس بما فيها الرؤوس المسلمة خير شاهد على ما نقول.

 

التطرف الديني

س11: سلام السماوي: هل هناك جذور لهذا الفهم المتطرف؟ ولماذا اعتاد المسلم على اشهار السيف على معارضيه؟

ج11: ماجد الغرباوي:للاسف نحن دائما نتفاخر بما أُنجز في العصور الأربعة الاولى في مجال العلوم، لكن ننسى، او هكذا أرادوا لنا ان ننسى، ان الحضارة الاسلامية قامت على العنف، والسيف وقطع الرؤوس، وقمع المعارضة، واقصائها. من يقرأ التاريخ يعجز عن احصاء عدد القتلى من المسلمين بسيوف المسلمين فضلا عن غيرهم. هذا هو الجانب المسكوت عنه في الحضارة الاسلامية، ونخشى مقاربته خوفا من الطعن بقداسته. كيف كان خليفة المسلمين يقترف هذا لولا فقهاء السلطان، ممن يشرعن تصرفاته وسلوكه، ويقمع باسم الدين كل صوت معارض. لقد اقترف الفقهاء جريمة كبرى عندما حولوا الصراعات السياسية الى صراعات دينية وباسم الدين، فكان يقتل المعارض لانه خروج على الدين وسلطته الشرعية.

انا أشرت بكتبي صريحا اني اتحفظ على جميع الفتوحات والاعمال العسكرية التي جرت باسم الدين وتحت لواء خليفة المسلمين، وبعنوان الجهاد في سبيل الله. الجهاد سيدي الكريم لم يعد فعليا بعد انتصار الاسلام ودخول الناس في دين الله أفواجا .. وما بعد الرسالة سوى دفاع عن النفس ورد العدوان وهذا لا يحتاج للقتال، لكن فقهاء السلطة عبأوا الناس للجهاد ارضاء لهوى الخليفة والسلطان.

 

س12: سلام السماوي: وهل هذا يصدق على الخفاء الاربعة؟

ج12: ماجد الغرباوي: ان اول خطأ ارتكبه الحاكم الاسلامي كان حروب الردة، بقيادة ابي بكر الصديق، حيث اعترض عليها عمر ابن الخطاب، وطالب بمعاقبة خالد بن الوليد. وشاح عنها وجه علي ابن ابي طالب. والقوم لم يرتدوا، وانما رفضوا خلافة ابي بكر التي لم تتم بطريقة سليمة، ولم يجمع عليها المسلمون، او كما قال عمر: انها فلتة، وخطأ حصل. فجمعوا زكاتهم ووزعوها على فقرائهم، ولم يسلموها للخليفة. فهم لم يرتدوا، ولم يتخلفوا عن اقامة الصلاة، وظلوا يشهدون ان لا اله الا الله حتى حينما قاتلهم جيش الخليفة. وهذا اول تأسيس للعدوان بعد رسول الله، واستمر الخلفاء ومن جاء بعدهم، ثم السلاطين، يستبيحون كل شي باسم الدين والاسلام. اما لماذا لم يفكر احدنا بحجم تداعيات ما يسمى بالفتوحات الاسلامية؟ ألم نفكر بحجم ما اقترف الخلفاء والولاة باسم الشرعية الدينية؟ الحجاج يقتل 120 الف من العراقيين. والعباسيون يقتلون 50 الف من الشاميين، وماذا عن معاوية، ويزيد الذي تجرأ على قتل ابن بنت رسول الله، الحسين بن علي. تاريخنا مأساة لا مثيل لها لانها جرت باسم العدالة والدين والتشريع. وما زال القتل يقطع رقابنا باسم الدين وتأسيا بسيرة الخلفاء والسلاطين للاسف الشديد.

 

القرآن والتطور الحضاري

س13: سلام السماوي: المعجز الالهي، القرآن الكريم، كتاب شامل وأساس الاسلام في تشريعاته ومبادئه وقيمه الأخلاقية. لو سألنا وقلنا ان هناك عوامل كثيرة ساهمت مساهمة فعالة في تطور الحضارة الاسلامية منها: وجود عقول نيرة تولت زمام الامور، والاحتكاك بالحضارات المجاورة، فما هو دور القرآن في تطور حضارة المسلمين؟

ج13: ماجد الغرباوي: هذا سؤال يحيلنا على تعريف الحضارة اولا. الحضارة في تصوري: (منجز بشري شيدته تفاعلات فكرية - مادية). وعندما نقول حضارة اسلامية نعني ما أنجزه المسملون من خلال تفاعلهم الفكري مع الجانب المادي. فالبعد الفكري أساس في أي حضارة، والحضارة تجسّد الفكر من خلال منجزها ومستوى تطورها على جميع أصعدة الحياة. والقرآن كما تعلم محور الفكر الاسلامي، ومرجعيته، فهو يدخل عنصرا أساسا في فكر المسلمين، من حيث وعيهم للحياة، ودورهم على الأرض. حيث قدم القرآن تصورات كافية، ورسم اهدافا مفتوحة، عززها بمحفزات مادية ومعنوية. فمثلا عندما يقول القرآن: (قل سيروا في الأرض فأنظروا ..). والمسير في الارض مع التفكر، يفتح افاقا واسعة لحركة العلم والمعرفة. وايضا الآيات المحفزة هي كثيرة: ألا يتفكرون، ألا يعقلون، ألا يتدبرون ..

او ما يعزز هذا المعنى حث الرسول على طلب العلم: (اطلب العلم من المهد الى اللحد) (اطلب العلم ولو كان في الصين).

او دور الانسان في الأرض كما يصفه القرآن، حينما يقول تعالى: (اني جاعل في الارض خليفة)، حيث تقدم الآية وعيا جديدا لدور الانسان، يرتكز على الاستخلاف والاعمار. او آيات العمل الصالح الملازم للايمان فانها كثيرة جدا، والعمل الصالح لا ينغلق على موضوع محدد، وانما ينفتح على كل عمل فيه صلاح للانسان، بهذا اندفع علماء المسلمين يطورون من ادواتهم، ويحققون منجزات كبيرة في مجال العلوم، منها تأسيسية، وفي أكثر من علم، حافزهم في ذلك طلب مرضاة الله تعالى، باعبتاره عملا صالحا، وهو هدف كبير بالنسبة للمؤمنين به. اذاً القرآن الكريم اوجد ارضية تدفع باتجاه بناء الحضارة وتطويرها، كما عمل القرآن على فتح آفاق نفسية وروحية تحفز على بناء الحضارة، من خلال نظريته ربط الدنيا بالآخرة.

 

س14: سلام السماوي: في حاضرنا تعتبر الامة الاسلامية ممزقة، ولا وجود للوحدة فيما بينهم كما هو معلوم، كذلك عدم وجود رموز اسلامية تعيد للامة الاسلامية وحدتها، هل القرآن الكريم برأيك قادر بمفرده على توحيد المسلمين، أم هناك شروط اخرى؟ وكيف؟

ج14: ماجد الغرباوي: السؤال عن قدرة القرآن في توحيد صفوف الأمة الاسلامية الممزقة، يعد سؤالا جوهريا ومهما. نكتفي بآيتين لنؤكد اهتمام القرآن بوحدة المسلمين حيث طرح مبدأ التمسك بحبل الله: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا).

وحذّر من تمزقهم وتنازعهم: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم).

اذاً وفقا للمنطق القرآني ان التمسك بحبل الله يضمن وحدة المسلمين، بينما التنازع يمزقهم. وهذا منطق لا يستقيم الا بشرطه، وشرطه هو التمسك وعدم التنازع. فالقرآن من حيث المبدأ قادر على تماسك الجماعة المسلمة، بمعنى انه قادر على تأسيس وعي كامل لمسألة وحدة المسلمين، من خلال حثه على الأخوة، والإيثار، والتسامح، والعطاء، الى آخره، وكلها عناصر تساهم في وحدتهم. وقوة هذا الطرح ما يقدمه القرآن من بديل: دنيوي – اخروي .. توفيق في الدنيا لمن يعمل صالحا ويعنى بجماعة المسلمين، وثواب آخروي، بدخولهم جنات عدن. اذا التمسك بحبل الله هو التمسك بقيم السماء ومبادئه الاخلاقية، وعندما يتخلى المسلمون عن ذلك يصيبهم الوهن.

وتمزق المسلمين دليل على عدم تمثلهم لخُلق القرآن وقيمه في العلاقة فيما بينهم، وبينهم وبين الآخر. المسلمون الآن لا يتمسكون بحبل القرآن بقدر تمسكهم بآهوائهم ومصالحهم الفئوية والطائفية والسياسية، حتى عمدوا الى تفسير النصوص لصالحها. فأفرغت من محتواها وفاعلياتها. وصارت تدعم هذا الطرف وتذم ذاك. وهذا حال المسلمين منذ وفاة الرسول والى يومنا هذا. والغريب ان الكل يُعلن انتماءه للدين، ويتلبس بلبوسه. والكل يتمسك بالقرآن، حتى وهو يذبح اخيه المسلم من الوريد الى الوريد، كما تفعل الحركات الاسلامية المتطرفة، التي شوّهت بسلوكها قيم الدين الحنيف، وقد اخطأت خطأ كبيرا عندما تأست بالخلفاء والسابقين بينما كان المفروض ان تعي القرآن وشروطه الموضوعية، ودور الزمان والمكان في الاحكام، فيكون رصيدها قرآني وليس سيرة الماضين.

اذاً لا بد من أمة تتمثل قيم السماء، ولا بد من مشروع عملي لوحدتهم، اذا كنت تقصد من السؤال الوحدة السياسية ايضا. وقد كان رمز الوحدة الاسلامية السيد جمال الدين الافغاني داعية بصدق لها، عندما طرح مشروع الوحدة الاسلامية، كأطار سياسي يمثل قوتهم. وجاء من بعده مصلحون آخرون دعوا للوحدة بين المسلمين ونبذ الخلافات، كما في مشروع التقريب بين المذاهب الاسلامية في القاهرة، وايضا في وقتنا الحاضر في ايران.

 

التخلف الحضاري واسبابه

س15: سلام السماوي: لكن ما الذي حصل فتمزقت وحدة المسلمين استاذ ماجد؟ ولماذا لم تثمر هذه الجهود عن وحدة حقيقية بينهم؟

ج15: ماجد الغرباوي: الذي حدث بنظري نتيجة طبيعية لسببين:

الاول: التنازع على السلطة بعد وفاة الرسول، مع عدم وجود مرجعية فكرية ودينية لتسوية النزاع، كان الشرارة الأولى لتمزقهم، فلا توجد آيات تحدد شكل السلطة وصفات الخليفة، بل لا توجد آيات تهتم بالشأن السياسي صراحة. ولا الرسول تحدث بما يسد هذه الثغرة، سوى روايات تروى قابلة للتأويل، ليس فيها صراحة كافية لحسم الخلاف السياسيي. فالخلافات السياسية ومن يتولى امامة المسلمين، وإن هدأت بين الخلفاء الأربعة، لكن في الظل بدأ يتبلور تيار معارضة، يمثل رؤية فكرية وعقائدية تختلف عن التيار السياسي الرسمي. ثم تحول الى ثورة في زمن عثمان، ليعلن عن نفسه صراحة من خلال موقف الامام الحسين وما تلته من ثورات وانتفاضات. وبالتالي ظهرت فرق ومذاهب متصارعة تعكس الصراع السياسي بلباس فكري وعقائدي. وصار الانقسام حول كل مفهوم يستمد روحه من ذلك النزاع السياسي. وهذا الوضع بلا شك يمزق الأمة.

والثاني: ان حبل الله الذي هو منظومة القيم والمفاهيم القرآنية، والذي حثنا الله ورسوله على التمسك بها، قد تأثر هو الآخر بالنزاعات السياسية واختلاف وجهات النظر التأويلية التي بدورها تراعي توجهات الجهات السياسية، اضافة الى مرونة النص التي تغري في تأويلات مختلفة، فساد الاستبداد السياسي، واختفى هامش الحرية، وصار قمع المعارضة سياسة تمسك بها كل الخلفاء في الدولتين الاموية والعباسية ومن جاء بعدهما. فتعمقت الخلافات، وزادت الهوة بين المسلمين.

 

س16: سلام السماوي: وهل هذه الاسباب كافية لتفسير تخلف المسملين عامة والعرب خاصة حتى في وقتنا الحاضر؟

ج16: ماجد الغرباوي: اذا اردنا التعرّف على الاسباب الحقيقية لتخلف المسلمين عامة والعرب خاصة الى يومنا هذا فيمكن الاشارة الى الأسباب التالية اضافة الى ما تقدم:

- الاستبداد السياسي، الذي يتصف باسلوبه القمعي من خلال مصادرة الحريات وقمع المعارض، وهما شرطا تطور اي بلد، حيث تتفجر العبقريات والابداعات في ظل الاجواء الحرة، وانت تعيش في الغرب وتشاهد مدى تأثير الحرية على تطور البلد في جميع الجوانب، خاصة السياسي. والمستبد كما تعلم يرفض المحاسبة، فيتصرف وكأنه المالك الحقيقي، وليس شخصا تنتهي صلاحياته بانتهاء مسؤولياته. كما ان المستبد يكافح لمنع وصول اي شخص منافس وكفوء للسلطة كي لا تفتضح اساليبه القمعية.

- الاستبداد الديني، حيث اصطف رجل الدين مع المستبد السياسي فراح يشرعن سياسته القمعية. ويمنحه شرعية في تصرفاته وسلوكه، فاصبح الظلم والاستبداد باسم الدين والتشريع، ولعل مثاله الواضح رجال الدين ممن اصطف مع خلفاء الدولة الأموية والعباسية، او سلاطين الدولة العثمانية وشاهات الدولة الصفوية، وتأثيرهم السلبي على حركة التحرر، حتى بقت الشعوب ما يقارب 1500عام تحت ربقة الاستبداد السياسي بفضل الاستبداد الديني. لهذا قالوا: ان الاستبداد الديني أخطر من السياسي، لانه باسم الدين والآله، والناس تصدّق ذلك بطيبتها وقلة وعيها. الاستبداد الديني يمنح قدسية للمستبد، ويحرّم الخروج على سلطته فيساهم في ترسيخها على حساب الشعب وتطلعاته.

- انعدام الوعي لدى الشعوب المسلمة عامة والعربية خاصة بفعل الاستبداد الديني، وانعدام فرص التعليم، الا لدى نخبة من المثقفين والمبدعين، ممن ساعدتهم الظروف الحياتية. وانعدام الوعي هو رهان الاستبدادين الديني والسياسي، ولولاه لما تمكن اي من الاستبدادين البقاء طويلا وما زال.

- الاستعمار: وما فعله في بلادنا، يعد عنصرا رابعا من اسباب تخلف المسلمين عامة والعرب خاصة، وللاسف لم نتحرر من سطوته الى يومنا هذا، حيث ما زال يمسك بقراراتنا السياسية والاقتصادية، لاننا لم نتحرر حقيقة، وبقينا نحتاجه في كل شي. فالاستعمار يستغل افتقارنا له، فكيف اذا كانت حاجاتنا له في كل شي؟؟؟ لهذا هو يفرض هيمنته بصورة مباشرة وغير مباشرة .. الجيوش المستعمرة خرجت من الاراضي الاسلامي، لكن الشعوب الاسلامية ظلت تلهث واراءهم.

- عدم الاعتراف بالآخر (خاصة الآخر الداخلي المسلم)، قد مزّق وحدة المسملين الحقيقية، فالاختلافات المذهبية توغلت في عمق الايمان الشخصي، فصار الآخر كافرا ونجسا، وحذرنا من التعامل معه، وحرمانه من الجنة والنعيم ورحمة الله. وهذا أخطر الأسباب لانه يخلق ثقافة عدوانية تنابذية، تدين الآخر الذي هو شريك في الوطن والدين والشعور، فكيف لا تتمزق وحدة المسملين؟.

- التقديس، ابتلى المسلمون والعرب خاصة بنزعة تقديسية باعدت بينهم وبين الحقائق، حتى استغرقت القداسة أتفه القضايا، فبحجة القداسة احجمنا عن النقد، الذي هو أساس تطور الشعوب، وبقى كل شي على ماهو عليه تقديسا للماضي والتراث وعادات وتقاليد الاجداد. انا لست ضد كل هذه الاشياء لكن ضدها عندما تكون عائقا للوعي والتطور، حينئذ ارفضها، وابالغ في نقدها كي تفسح المجال للعقل يمارس دوره ويتفتق ابداعه.

- التقليد، صفة آخرى ابتلى بها المسلمون .. الحاضر يقلّد الماضي في كل شي، فخبا الابداع، وقُمعت القابليات. والتقليد وليد شرعي لثقافة التقديس .. تقديس الماضي، وتقديس السلف، فما زلنا بعد الف وخمسمئة سنة نقلد السالف الصالح، ونستفتيهم بشؤوننا وحاجاتنا، وكأن الواقع لم يتغير. انا لست ضد السلف الصالح، ولكن لهم حياتهم وحاجاتهم وتطلعاتهم، ولنا حاجاتنا وتطلعاتنا وظروفنا، وعلينا ان نجتهد من اجل بلورة اجوبة شافية لكل متجدد في حياتنا.

 

حاوره: سلام السماوي

نشر في صحيفة بانوراما، سيدني – استراليا، العدد السنوي: 18-12-2014

majeda gathban4majed algarbawiaخاص بالمثقف: القسم الثاني من حوارنا مع الاستاذ ماجد الغرباوي، وهو كاتب، وباحث مستنير، امتازت بحوثه بنهج الاعتدال والايمان بالتغيير الكامل الذي يشمل المنظور المتجدد للقضايا والمسائل الاسلامية، واعادة قراءة النصوص القرآنية ضمن الأطر الزمانية والمكانية المتغيرة.

كان لنا مع هذا العقل المنفتح الحوار التالي، شاكرين صبره وسعة صدره، فأهلا وسهلا بك في باب مرايا في صحيفة المثقف:

 

 

الزواج غصبا

س23: د. ماجدة غضبان: أليس في تزويج الفتاة من رجل ميسور طمعا في ماله دون موافقتها شيءء من الزنا والدعارة؟

 

ج23: ماجد الغرباوي: لا بل هو زنا ودعارة واضحة، لان شرط العقد رضا الزوجة، وما لم يتحقق الرضا يكون العقد باطلا، والمضاجعة مع العقد الباطل زنا صريح. بل هناك اشكال مع عدم التصريح بالرضا بارادتها، وليس جبرا، او حياء. حتى الحياء لا يشفع في هذه المسألة .. يجب ان يكون الرضا صريحا وواضحا. وهذه مشكلة كثير من الزيجات للاسف الشديد. بل كلنا نعلم ان المرأة احيانا تصرح بعدم الرضا، فينوب غيرها بالتصريح بالرضا.

المرأة في مجتمعاتنا ما زالت تعاني تحت نير عادات وتقاليد أعان عليها الفقيه بتحجره وفهمه المبتسر للشريعة واحكامها. فالمجتهد يجيز زواج البنت بتسع سنوات!!، بينما الروايات لم تشترط العمر وانما ذكرت مصاديق لبلوغ المرأة، وبلوغها كما تعلمين يختلف من بيئة الى اخرى، ومن زمان ومكان الى اخر، لكنهم للاسف الشديد اجازوا الزواج بسن التاسعة، لكن الانصاف ان بعضهم اشترط البلوغ، بل اشترطوا الرشد، وبرأي ما لم تكن المرأة راشدة لا يجوز اجبارها على الزواج، فحينما تكون راشدة تمييز، وتتخذ قرار صائبا بارادتها. فغالبا ما يقع الظلم على البنت الصغيرة، وهو ظلم عظيم وجناية كبيرة، خاصة عندما تغرى بالمال وبريق الذهب والفضة، عندما يكون الزوج ثريا. ولا اشك ان الاهل واولياء الامور سيحاسبون حسابا عسيرا يوم القيامة، وستكون مسؤولية الفقيه أعظم امام الله عز وجل.

 

س24: د. ماجدة غضبان: ما موقف النصوص القرآنية من ذلك؟

ج24: ماجد الغرباوي: الشريعة واضحة في هذا الامر، وجميع الفقهاء ينصون على ذلك. لان العقد طرفان، ايجاب وقبول، وشروط العقد معلومة، العقل والارادة والرضا والقصد والايجاب والقبول. وعقوبة الزنا ايضا معروفة قرآنية، وهي عقوبة صارمة ورادعة. فمن زوج ابنته بدون رضاها، يعد زواجا باطلا. ولا يجوز للرجل مقاربتها لبطلان العقد، بل ويصدق زنا اذا ارتكبه، وحد الزنا معروف في القرآن الكريم. (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ..).

 

س25: د. ماجدة غضبان: وهل استمد التشريع المدني عقوبات منه؟

ج25: ماجد الغرباوي: لا شك ان التشريعات المدنية استفادت من التشريعات الدينية، بالاخص القوانين والتشريعات التي اعتمدت القرآن الكريم مصدرا من مصادر التشريع. علما ان كل قوانين الاحوال المدنية في الدول الاسلامية اعتبرت القرآن مرجعا قانونيا، لا تحيد عنه. وحرصت على مطابقة الشريعة، الا اذا لم تعتمد القرآن مرجعا قانونيا، وتكتفي بالتشريعات واللوائح المدنية .. واللوائح المدنية مثلها مثل التشريعات الدينية، تشجب هذا الفعل وترفض تزويج المرأة من دون رضاها، بل وتعاقب بشدة على ذلك بعد الحكم ببطلان العقد المبرم بينهما غصبا، وبدون رضا الزوجة.

 

المرأة والثقافة الجنسية

س26: د. ماجدة غضبان: ألا تجد في تغييب شهوة المرأة وتواريها خلف ما يخاطب به الرجل قد جعل من الرجل جاهلا دوما فيما يخص رغبة المرأة وقدراتها الجنسية التي تفوق الرجل فسلجيا وهرمونيا، وهذا ما جعل الرجل يظلم المرأة في فهمه لها كإنسان يشبهه ظلما تأريخيا؟

ج26: ماجد الغرباوي: لا شك عندما يتجاهل الرجل شهوة المرأة وحاجاتها الجسدية، ينعكس على الرجل وفهمه لها، بينما العكس صحيح لو كانت هناك ثقافة جنسية ومصارحة لا يشوبها الخجل، سيكتشف الرجل حينئذٍ قدراتها الجنسية وحاجاتها التي تفوق حاجاته كما تدعين.

وهذا الفهم سببه الوضع الاجتماعي .. العادات والتقاليد، وقيم العفاف الصارمة، وغياب الثقافة الجنسية، رغم ولع الرجل بالجنس. وقد تسبب في ظلم المرأة عندما يتجاهل حاجاتها الجنسية.

التوجيهات الدينية لا تقتصر على القرآن فهناك احاديث ومرويات كثيرة تحث الرجل على مراعاة حاجات المرأة، وهناك ابواب في كتب الفقه والاحاديث مختصة بهذا الجانب، كابواب معاشرة النساء، وغيرها، وفيها تفصيلات كثيرة. لكن الثقافة العامة للمجتمع العربي للاسف الشديد قاسية مع المرأة. بل ما زالت تنظر للمرأة وحاجاتها باحتقار شديد.

 

س27: د. ماجدة غضبان: ما هي عقوبة اغتصاب المرأة على فراش الزوجية ضمن نصوص القرآن؟

ج27: ماجد الغرباوي: عقوبة من يرتكب جريمة اغتصاب المرأة تصل حد القتل في الاسلام خاصة اذا كان المغتصب متزوجا، وهي جريمة بشعة، واعتداء صارخ، تشجبه كل القيم الانسانية والدينية. وحتى الزوج لا يحق له اغتصاب زوجته، وقوانين الغرب تعاقب على ذلك صراحة. اما في الاسلام فيدخل في عناوين اخرى، كالنشوز. اقصد لا يحق للزوج اتيان زوجته كرها وغصبا، وبشكل عام العملية الجنسية تحتاج الى مقدمات تتوقف على رغبة الطرفين، لكن للاسف بعض الازواج يصدق عليه عنوان الاغتصاب بسبب سلوكه الهمجي وعدم مراعاته لمشاعر الزوجه.

 

س28: د. ماجدة غضبان: وماذا عن عقوبة التقصير العاطفي والجنسي تجاه الزوجة؟

ج28: ماجد الغرباوي: لا يحق للرجل اهمال زوجته او التقصير معها شرعا، ومن يفعل ذلك يكون آثما ويدخل في حكم الرجل الناشز الذي رتبت له الشريعة الاسلامية احكاما خاصة. لكن للاسف تجد الفقهاء ينطقون باحكام بعيدة عن العدل والإنصاف، فيعطي للرجل حق هجران الزوجة سنة او عدة اشهر، ولا يفكر بما ستؤولُ له الأمور في هذه الحالة، ولا يهتم لمشاعر المرأة وهي تعيش الحرمان العاطفي والجنسي، انها ثقافة ذكورية وليست دينا. بينما تجد الرسول يولي العلاقات الحميمة اهمية خاصة ويحذر من اهمال الزوجة وعدم مراعاة مشاعرها فضلا عن هجرانها: يقول: (عن أنس بن مالك: أن الرسول –صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا جامع أحدكم أهله فليصدقها، فإذا قضى حاجته قبل أن تقضي حاجتها فلا يعجلها حتى تقضي حاجتها". انظري للفرق الهائل بين الرسول وفقهاء الدين ممن يفتون بجواز هجران المرأة!!!.

 

س29: د. ماجدة غضبان: ولِمَ تلعن الملائكة المرأة ان لم تمنح الرجل متعته ولا تلعن الرجل حين يهجرها مع مطالبة المجتمع لها بالالتزام بالعفة والشرف؟.

ج29: ماجد الغرباوي: قضية لعن الملائكة للمرأة دون الرجل، واضح فيها النفس الذكوري، من اجل ترويضها لعنجهية الرجل. والا فمقتضى العدل الالهي ان الرجل مدان ايضا في حالة قصّر مع زوجته بلا ادنى ريب، وهو مطالب بمعاشرتها بالمعروف والمتعارف في العلاقات الزوجية السليمة (وعاشروهن بالمعروف). بل هناك آيات تحثه وترغبه، وتصف له المرأة بانها سكن له .. تطمئن لها نفسه، وان العلاقة معها مودة ورحمة، وانها اساس التناسل بالتعبير القرآني "حرثكم". وهناك آيات كما في سورة النساء تحذر الرجل من التمادي في علاقته بالمرأة، وتضع له حدودا في حالات الخلاف، كلها تصب في صالح المرأة وحقوقها. وما موجود من روايات تعكس ثقافة ذلك الزمان ولا علاقة لها بالقرآن وقيمه ومبادئه، لان القرآن يتخذ من العدل أساسا في أحكامه.

 

س30: د. ماجدة غضبان: كلنا نعرف ان تقصير الزوج مع الزوجة جنسيا عادة ما يقابله صمت مطبق من قبل المرأة فلا قانون شرعي او مدني يجعلها تتجاوز حياءها وتصرح بانها تعاني من الحرمان الجنسي.

ج30: ماجدة الغرباوي: هنا تدان القيم والعادات والتقاليد، تدان الثقافة الضحلة التي تحرم المرأة حقها في الترافع امام القضاء في مثل هذه الحالات الانسانية. وعلى القضاء مدنيا او دينيا أدانة الرجل المقصّر في معاشرة زوجته، اضافة الى كونه آثما وعاصيا في تلبية حقوقها.

علينا جميعا السعي لترسيخ قيم وثقافة جديدة تحفظ للمرأة كامل حقوقها. وقلت في سؤال تقدم، هذه النظرة تختص بها الثقافة الشرق اوسطية، اما في الغرب المرأة لا تعاني مثل ذلك، وبامكانها مقاضاة الزوج فورا، او ربما هجرانه اذا لم تعاقبه.

 

المرأة وقوامة الرجل

س31: د. ماجدة غضبان: "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ" .. فما هي القوامة؟ وما شروطها؟

ج31: ماجد الغرباوي: قبل البدء ببيان معنى القوامة وشروطها، أقول: وبكل صراحه ما عاد هذا المنطق، أي منطق القوامة حسب تفسيرهم، مستساغا في ظل تطور حضاري واجتماعي، تشارك فيه المرأة الرجل في كل مناحي الحياة بما فيها المناصب القيادية، بل واثبتت جدارة فائقة، والأمثلة كثيرة جدا. المرأة الان في قلب الحياة .. تمتلك مقومات وجودها، وبامكانها مشاركة الرجل بجدارة في اي قرار يتخذه لصالح الاسرة. وبهذا ستنتفي القوامة حتى بمعنى المسؤولية، لانها ستكون مشتركة. بل الحقيقة ان كثيرا من الرجال لا يقدم على شيء ما لم يستشر زوجته (وإن كابر)، خاصة فيما يهم العائلة، وثمة قليل ممن يستبد في قراراته وتصرفاته ومسؤولياته. وهذا القليل هو المعني بالآية لانقاذ المرأة من مخالب سلطته، وتحديد مسؤولياته ضمن شروط وضوابط. فاذن الآية تتحدث عن واقع كانت فيه السيادة للرجل، وعن مجتمع ذكوري لا مكانة للمرأة فيه. وكان الرجل متمردا لا يتحمل مسؤولياته كاملة تجاه عائلته، بينما يفرض سيطرته وولايته عليها. ففي الآية الزام له بالنفقة، وتحديد صلاحياته ضمن شروط. وايضا، الآية ناظرة للمرأة في ذلك الوقت، وقد اختلفت حاليا من حيث وعيها لذاتها وللحياة ولمسؤولياتها ولدورها، فما عادت المرأة مطلقا موضوعا للاحكام الواردة فيها الا في حدود ضيقة، لأنها امرأة أخرى. فيبقى البحث فيها تاريخيا بغية التعّرف على مدى تطور وعي المجتمع، وما دام البحث تاريخيا فلا شك ان واقع ما قبل نزول النص يؤثر في فهمه. اذاً نحن امام نص تاريخي، وواقع كان قد نزل النص لأجله، لذا يجب قراءته وفهمه ضمن هذا الواقع.

نعود للآية: قوّامون، صيغة مبالغة، تعني القائمين بالأمر. وبعضهم فسر القوامة بالقيمومة، والولاية، والتسلط، بشكل يسلب المرأة حرية الاختيار، وجعل زمام أمورها بيد الأب والزوج (مهما تدنى مستواهّ!!!). وهناك من يرى قيمومة الرجل مطلقا حتى خارج اطار الزوجية، فيختص بالحكم والقضاء والسلطة والتصدي لشؤون المجتمع دونها. وهو منطق اقصائي بعيد عن روح القرآن. والرجل هنا يقدّم على أساس الأفضلية الذاتية. ويَروون في أسباب نزول الآية المتقدمة قصة غريبة، تجعل النبي يتراجع عن قرار قصاص لصالح امرأة، بناء على قيمومة الرجل وحقه في جلدها وصفعها. وهذا تفسير تعسفي للآية، وعدم تدبر في قراءتها.

الرواية تتقاطع مع أكثر من مبدأ قرآني، لثبات القصاص على المعتدي أيا كان، وليس هناك استثناء للزوج وغيره. و"ما عارض القرآن فاضربوا به عرض الجدار"، كما في الحديث. وهذه ضابطة مهمة. واما الأفضلية الذاتية للرجل على المرأة المدعى هنا، فليست ظاهرة في الآية. والقرينة غير صارفة للمعنى، لوجود قرائن خارجية تفسّر معنى الأفضلية. اذاً فهناك فضل لكليهما كل حسب دوره في الحياة، فكما ان للرجل فضلا لقدرته على ادارة شوؤن العائلة خارج المنزل باعتبار خصائصه الجسدية، كذلك المرأة لها فضل في تدبير شؤون العائلة داخل المنزل باعتبار صفات الأمومة ورحابة الصدر وقدرة على مداراة الاطفال. فالآية تقول فضلّنا بعضهم على بعض، ولم تحدد .. فالمسؤولية بما فضله، لكن هذا التفضيل لا ينفي فضلها في موارد اخرى. ويعضّد هذا الرأي ان التقوى هي ميزان التفاضل بين الناس قرآنيا: (إن أكرمكم عند الله اتقاكم). وفي الحديث: (لا فضل لعربي على أعجمي الا بالتقوى).

ثم لماذا تكون للرجل أفضلية مطلقة كما يعتقدون والشريعة تساوي بينهما في جميع العبادات والتكاليف، وفي الثواب والعقاب؟ اذاً لازم المساواة في التكاليف عدم وجود أفضلية ذاتية.

القوامة: وفقا للتفسير الصحيح تعني صلاحيات محددة ضمن مسؤولياته في الانفاق على عائلته ما دام قادرا على العمل وكسب الرزق خارج المنزل وهذا ما يفسره سياق الآية. وهي صلاحيات تفرضها مسؤوليته في ادارة شؤون العائلة في ضوء دخله وميزانيته، كالتدبير الاقتصادي مثلا، او فرض بعض الضوابط للعائلة عامة والمرأة خاصة. فالقوامة اذا صلاحيات ضمن مسؤولياته. وهي أمر طبيعي لكل من يتولى شأنا ماليا، ويكون مسؤولا عن الانفاق، وحتى المرأة عندما تكون مسؤولة عن شأنها المالي تتخذ بعض القرارات لتقنين عملها.

اما شرطا القوامة كما جاء في السؤال، فبعض يرى ان كلا الأمرين (بما فضل الله وبما أنفقوا) شرط فيها، كي تبقى قيمومة الرجل، حتى لو لم يتمكن اقتصاديا، لان الرجل يبقى رجلا بخصائصه الجسدية (اي كونه رجلا وهي انثى)، هكذا يعتقدون بناء على الأفضلية الذاتية. لكن القوامة بمعنى المسؤولية كما بيناه تنتفي مع انتفاء أحد الشرطين او كلاهما. فالرجل العاجز جسديا يعجز اقتصاديا فتسقط مسؤوليته وتنتفي صلاحياته. او بعبارة اخرى تنتفي قيمومته كما في التعبير القرآني. وايضا تسقط اذا عجز عن النفقة، مع عدم القول بالأفضلية الذاتية.

وبشكل أوضح للرجل صلاحية ادارة شؤون المنزلما دام ينفق، وهذا هو الشرط الأول، وما دام انفاقه من كسبه وتعبه بما فضله الله بقدراته الجسدية، وهذا هو الشرط الثاني. فاذا كان يعمل ويكسب ولا ينفق، فلا قيمومة له. واذا كان ينفق لا من كسبه، كما بالنسبة لكثير من الرجال في الدول الغربية ذات الضمان الاجتماعي، فهل له قيمومة، اي صلاحيات خاصة به؟؟؟ ظاهر الآية تجعل كلا الامرين شرطا، اي ينفق ونفقته من كسبه وعمله، فتنتفي صلاحياته وقيمومته مع انتفاء احدهما او كلاهما. "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ (وهي القدرة الجسدية للرجل كما يفسرها السياق). وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ (أي من اموالهم التي اكتسبوها بجهدهم). اما الأموال من غير كسبه لا يصدق انها أمواله، حتى مع التملك، لان الجهة التي منحته المال قادرة على سحبه، على العكس من المال المكتسب بجهده، فلا يحق لأحد مصادرته. ولاشك ان هذه وجهة نظر أخرى، (ويبقى هذا الرأي في حدود إثارة أولية).

ثمة ملاحظة، ان جو الآية يشعرك بانها تلزم الرجل بمسؤولياته لما يتوفر عليه من خصائص، وتدعوه لعدم التخلي عنها، وتمنحه بعض الصلاحية بناء على هذه المسؤولية، وهذا أمر طبيعي ، لكل مسؤولية صلاحيات . تقول له "لا تتخلَ عن مسؤولياتك في الانفاق، وانت مسؤول وقيم على هذا الأمر"، لان بعض الرجال يتخلى عن مسؤولياته ويترك العائلة في وضع محرج. اذاً فمن يتشبث بهذه الآية لاثبات ولاية الرجل على المرأة عليه التدبر أكثر فيها ضمن السياقات القرآنية، وليتأكد من مدى التزام الرجل بواجباته تجاه زوجته بدلا من البحث عن حدود سلطته وولايته بمعنى التسلط التعسفي. واما الروايات فلا تثبت حجيتها عندما تتعارض مع القرآن الكريم.

لكن للاسف الشديد هذه الروايات وإن لم تكن صحيحة سندا او دلالة، الا انها تعكس ثقافة ذلك الزمن، ورؤيتهم للعلاقة بين الرجل والمرأة، انها ثقافة متدنية، متوحشة، عدوانية. تضطهد المرأة شريكة حياة الرجل في جميع المجالات. وكأن المرأة ند وخصم وليس شريكا وحبيبا .. وليست زوجة واختا وبنتا، وانها نصف المجتمع وجوهره. والفقيه للاسف الشديد لم يعِ متطلبات العصر والزمان، ومناسبات الحكم وموضوعه، فتلبّس بثقافة ذلك الزمان نفسها في تفسيره وفهمه للآية. بعد ان تشبّع عقله بثقافة ذكورية تسلطية، فكيف لا يفسّر الآية وفقا لهذا المنطق؟

 

س32: د. ماجدة غضبان: كلمة قَوَّامُ التى أنزلت فى الآيات: النساء 34 و135 والمائده 8 والفرقان 67، لا تخرج عن معنى القائمين بالحق والعدل، إذ لا يمكن أن يكون معنى قوامين لله بمنزلة تسلطهم عليه، ما هو رأيك مع ورود نفس الكلمة بمعناها الواضح ولا لبس فيه، فمن يفسرها قائما بالعدل هنا، لا يمكن أن ينقضها بفرضية إمتلاك السلطة لمن هو قوام بأفضليته وهي التقوى عند الله لا غيرها، أي أن يكون الرجل عادلا مع المرأة بما قسمه الله له من تقواه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً) (النساء:135).

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة:8)

وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا ﴿٦٧) الفرقان

ج32: ماجد الغرباوي: القوامة لها أكثر من دلالة لغويا حسب موضعها في الآية. ففي الآية الأولى كما مر تعني: القيام بالأمر. وفي هاتين الآيتين تعني الرعاية والحفظ والتمسك. فتحثان على العدل والقسط بالقضاء والشهادة، كتجلٍ للتقوى.

نعم من حيث المبدأ اتفق معك في ما ذهبت اليه .. القوامة لا تعني الولاية والتسلط كما يقولون. انه فهم يتنافي مع العدل والمنطق القرآني. الله لا يحب الظلم، والاسلام يدعو للسلم والوئام، فكيف يعطي ولاية المرأة لرجل تعصف به الأهواء والرغبات؟ وهل هناك أشد من الانسان ظلما؟ ان الانسان "ظلوما جهولا".

القوامة صلاحيات تقتضيها مسؤولياته في الكسب وتوفير النفقة، من أجل تدبير ورعاية المنزل، وليس ظلما وسيادة. ومن باب أولى ان يكون عادلا ومنصفا، لا يظلم عياله وزوجته خاصة. فما دامت القوامة مسؤولية فهي تستبطن العدل. وبالتالي هل لغير العادل قيمومة على زوجته او على عياله من النساء؟. وربما هذا ما اردت قوله من خلال الاستشهاد بالآيات المتقدمة. والجواب: اذا قلنا ان القوامة مسؤولية وهي تستبطن العدالة، فغير العادل والظالم من الرجال تسقط قيمومتهم، ومن حق المرأة ان تتمرد على أوامره، ما دامت ظلما ضدها وضد عيالها .. القوامة قلنا صلاحيات للرجل ضمن مسؤولياته، ومعنى صلاحيات ان يتخذ قرارات من أجل تقنين موازنته المالية، ولصالح العائلة، وهذا يعني التزام المرأة بهذه القرارات ما دام صدورها ضمن صلاحياته وبحق، ومع عدم العدالة لا تبقى مصداقية لقراراته، لان شرطها صلاح الشأن العائلي، وهذا ينتفي مع الظلم وعدم العدل، اي تقويض لقيمومته. لا يحق للرجل ان يوظف صلاحياته وسلطته لاضطهاد الآخرين خاصة عياله وأهل بيته. الاسلام لم يفوضه بذلك اطلاقا. وأي تجاوز يحاسب عليه لو ارادت المرأة الترافع ضده للقضاء.

 

س33: د. ماجدة غضبان: بالنسبة لفضل الرجل على المرأة من ناحية التفوق العقلي فقد بطل، حيث أثبتت البحوث ان المرأة تفكر بطريقة الشبكة العنكبوتية، وتتمكن من إدارة أكثر من شأن في نفس الوقت، في حين يفكر الرجل بطريقة الصناديق، أي فصل الأفكار عن بعضها البعض، وبالتالي فهو معني بشأن واحد حتى ينجزه، وهذا طبيعي فالمرأة معدة فسيولوجيا للإعتناء بالآخرين كأم، حصيلة النتائج العلمية لنشاط المرأة الدماغي هو في تفوق بالغ على الرجل لأرتباط نشاطها العقلي بالعاطفة، هذا الإرتباط الذي يجعلها أكثر دقة بالإضافة الى إمتلاكها لذاكرة متقدة.

أما فيما يتعلق بالقوة الجسدية فلم تعد ذات شأن في عالم تحكمه الأزرار، ما هو رأيك بالمقارنة مع ما ذهب اليه الفقهاء في حساب أفضلية الرجل على أساس حمله للسلاح والمرأة تحمله وتقاتل، وقوته الجسدية التي لم يعد لها من مسوغ مع التقنيات، وقدراته العقلية التي دحضها التعليم وتفوق المرأة عمليا، وقيادته للأسرة التي باتت مشتركة لا يمكن له القيام بها وحده لجسامتها؟

ج33: ماجد الغرباوي: نعم، وهذا الكلام يعزز نفي الأفضلية الذاتية كما تقدم. وهو كلام صحيح، نعيشه حاليا بكل تجلياته، وامثلته باتت كثيرة خاصة في بلاد الغرب. لا اخفيك ان هذا الاشكال واجههم، فاضطروا للقول بان المقصود بالآية قيمومة جنس الرجال على جنس النساء، وليس كل رجل له قيمومة على كل امرأة، ونحن نشاهدها الان تتسلم ارفع المناصب والمسؤوليات. لكن هذا التعليل ايضا لا يستقيم ومعنى القوامة كما اتضح سلفا.

للاسف المنطق الذكوري يملي عليهم تفسيرات، تكون المرأة ضحيتها دائما، لذا مثلا قالوا كما تقدم ان قيمومة الرجل لا تسقط مع عدم قدرته على الانفاق، لانه سيكون قيما بما انه رجل فضله الله على المرأة!!!. وهذا لو صدق في زمن النزول، باعتباره مجتمعا ذكوريا فانه لا يصدق حاليا.

بتصوري ان الآية لها دلالات بليغة كثيرة منها اهتمام القرآن بالعائلة كأصغر وحدة في المجتمع، وفقا لرؤيته في بنائه. إذْ المعروف ان الاسلام يرى ان العائلة هي الوحدة الاساس في المجتمع وليس الفرد كما في الانظمة الاخرى، ولكنه ايضا لا يهمل الفرد وبناءه عقائديا ونفسيا من أجل نمو فرد صالح، باعتبار ان صلاح المجتمع من صلاح الفرد. لكن يركّز على العائلة ويتخوّف من انفراطها، وهذا المنطق جلي في عدد من الآيات التي أمرت الفرد باحترام الأبوين، بعد ان نظّمت علاقاته بجميع اقربائه. فآية: (فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما) مثلا تمنح ركيزتي العائلة وأساس تماسكها (الأبوين) مكانة مميزة، كل ذلك من أجل بناء عائلة يتماسك بتماسكها المجتمع. ومن هذا المنطلق تأتي آية توزيع المسؤولية بين الرجل والمرأة.

المجتمع الصالح سيدتي لايبنى بالتسلط والاستبداد والظلم، وانما بالتسامح والتعاون والمحبة والتفاهم والانسجام، فالآية بعيدة عما ذكروا وفقا لمنطق القرآن. اذاً ما تفضلت به صحيح. واليوم تلعب المرأة دورا كبيرا في المجتمعات الراقية، ولعل مثالا بسيطا قرأت وشاهدت فلما وثائقيا قبل ايام عن الطيارات الايرانيات، وهي دولة دينية متشددة، شاهدتها وهي تستقل طائرتها الحربية بحجابها الاسلامي، وتصوّب على الهدف بدقة .. وفقا للمنطق الذكوري هذا لا يصح، لانه يمنح المرأة مسؤولية اتخاذ قرار خطير، وهذا ليس من مهمتها!!!. وهذا ان دل عل شيءء فانما يدل على انفتاح العقل الديني، وتراجعه عن بعض الرؤى والمفاهيم القديمة. ولا شك ان الواقع هو الذي أجبرهم عليه.

 

س34: د. ماجدة غضبان: بنظرك استاذ ماجد على مَن تقع مسؤولية الفهم الخاطئ للنصوص القرآنية، وانت تعلم جيدا مكانتها في وعي الفرد والمجتمع؟

ج34: ماجد الغرباوي: ملاحظة مهمة، هناك فهم لا ينسجم مع تطور الحياة، ففتاواهم ما زالت تراوح في القرن الأول الهجري، وما زالت مواضيع الاحكام في نظر الفقهاء ثابته كما هي، بينما الواقع ينفي ذلك. اعتقد ان الفقهاء بحاجة ماسة للخروج من نفق التاريخ، وعليهم أن يعيشوا الواقع كما هو كي تكون فتاواهم وآراؤهم منسجمة مع الحياة والتطور العام على جميع المستويات. يبقى املاً، لكن هل يتحقق؟؟. المرأة ليست مجرد كائن تصب عليه الأحكام، انما هي كيان بشري، يتطور، فالمرأة الان غير المرأة في ذلك الزمان، والمرأة التي كانت موضوعا للحكم الشرعي آنذاك، لا تنطبق عليها ذات الشروط راهنا في أغلب الأحوال. فكلامك يعزز ما نقول.

والنص الديني يوجّه وعي الفرد والمجتمع، وما لم تقدم تفسيرات وقراءات في ظل الواقع، سوف يعاني الفرد في تخلفه، او يتمرد ويرفض كل ما يمت للدين من صلة، اذا شعر انه سبب معاناته وتخلفه. وللانصاف اقول: هناك فارق بين النص الديني والفكر الديني، وما بأيدينا فكر ديني يمثل وجهات نظر، واجتهادات لمفسرين وفقهاء. ويبقى النص الديني مفتوحا، وبالامكان تقديم قراءات اكثر نضوجا وانسجاما مع الواقع.

لا يمكن للفقيه ان يقدم قراءة منتجة راهنا بسبب المنهج في استنباط الاحكام الشرعية، ومنظومة الاصول والمبادئ التي اعتمدها في عملية الاستنباط، والتي تحولت الى قيود كبلت عقله وابداعه. وكذلك طريقة فهمه للعلاقة ما بين الروايات والقرآن. فمثلا وفقا لمنهجهم يمكن للرواية ان تقيد او تخصص الآية، وقد اثبت في كتبي قرآنياعدم صحة ذلك، يجب ان يحافظ القرآن على قيمه ومبادئه كي تكون فاعلة، ويجب عدم التضحية بها لصالح فهم مبتسر ، أو عصر معين .

سيدتي، رجل الدين هو المسؤول الاول، لانه يتحكم بوعي الناس، وانت تلاحظين كيف ينصاع الفرد في مجتمعنا لآرائه واقواله، ولا يناقش فيها مطلقا. انا لست ضد الاختصاص، لكن ضد اللعب على وعي الناس باسم الدين والاسلام، وضد تزييف الوعي. رجل الدين للاسف الشديد ما زال ينعت في كتب الفقه قاطبة الناس بما فيهم من طاقات علمية واكاديمية ينعتهم بالـعوام. ويسمي من يتابعه ويسترشد برأيه في فتاواه: (مقلّد)، بكل ما يعني هذا المصطلح البائس من تعسف واهانة، وسلب لارادة وحرية الناس، لان التقليد يعني بصراحة (تقريد) الفرد، القرد فقط من يقلد الآخرين لا عن وعي. وهم يشبهون الناس بالقرد دون اي وازع، والفرد ينصاع بارادته، ولا يسمح لنفسه مناقشة حتى الواضحات، وفقا لمبادئ القرآن. فالمسؤولية تقع على رجال الدين من جهة وعلى الناس المقلدين لهم من جهة ثانية. نحن نعيش واقعا مزريا، وتخلفا مقيتا. فكيف لا تظلم المرأة في مجتمعنا. تصدى رجل الدين ووضع احكاما لكل تصرفاتنا، وكأننا كأئنات بلا عقل، لكننا قبلنا كل شيء. بل تدخل حتى بكيفية قضاء حوائجنا، يا للمهزلة، ونحن ننصاع له، هل ندخل الرجل اليمنى قبل اليسرى ام العكس، وهل نجلس وساقنا مفتوحة الى جهة اليمين ام الشمال. انا استغرب ما دخل الكراهية والحرمة في هذه المسائل؟ لكن رجل الدين يريد ان يتحكم بنا. والا فان عدد المحرمات في القرآن محدودة، فمن اين جاء بهذا الكم الهائل من الاحكام؟؟؟ هل يريد ان يقول لنا: هناك احكام شرعية لكل حركاتنا وسكناتنا؟ اذا ما دور العقل، وما دور التجربة والذوق والمزاج في حياتنا؟. ام نبقى ننتظر الفقيه في كل شؤون حياتنا؟؟ العالم يتطور، ونحن ما زلنا ننتظر!!!

الفقيه عندما يفسر القوامة بالتسلط، ويسمح للرجل حتى جلد وضرب زوجته بناء على بعض الروايات الضعيفة، فهو يؤسس لمنطق ذكوري، بل يؤسس لواقع بائس باسم الدين والقرآن والاسلام، وهنا تكمن الخطورة، وهنا المأساة التي لا يلتفت لها احد، او لا يريد ان ينتبه لها احد. وهنا يكمن ايضا سر اشغال الناس بطقوس وعادات بعيدة عن الدين.

 

قوامة الرسول على زوجاته

س35: د. ماجدة غضبان: نعود لموضوع القوامة، اذا كان الإنفاق أحد شروط القوامة، فهل كان الرسول قوامّا على زوجه خديجة الكبرى وهي ذات مال لا يملكه هو، أم ان الحكم بالآية بعد نزولها ولا يشمل ما سبق؟

ج35: ماجد الغرباوي: السيدة خديجة زوجة الرسول توفيت ثلاث سنوات قبل هجرته للمدينة، وقيل قبل فرض الصلاة كفريضة على المسلمين، وسورة النساء مدنية، فلم تدركها.

ولو فرضنا جدلا ان الرسول غير قادر على الانفاق، يفترض انطباق الحكم عليه، لكن من من نسائه تتخلى عن حكمته ورعايته، والقرآن يخاطبه وأنك لعلى خُلق عظيم؟؟؟ كما ان الرسول مفترض الطاعة من زاوية أخرى باعتباره نبيا وقائدا، (اطيعوا الله واطيعوا الرسول)، (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا). فهذه الآيات تتقدم على غيرها.

 

س36: د. ماجدة غضبان: هذا إنزلاق ماهر خارج شرك الجواب، وهل يمكن لزوجات الرسول الإعتراف انه لم يكن مُرضيا لرغباتهن؟، أو انه لم يعدل؟ أو كان مقصرا على نحو ما، وللرجل العادي سلطة توازي قول الرسول: (لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)؟.

ج36: ماجد الغرباوي: د. ماجدة، لو ان نبيا ظهر وكان غير عادل، متعسفا مع عياله وزوجاته، هل سيؤمن به احد؟ .. يوما صاح اعرابي في المسجد بالنبي "أعدل يا محمد"، فقال له الرسول: ويلك اذا انا لم اعدل فمن يعدل؟ .. والقرآن يصفه بانه على خلق عظيم .. ثم وهذا الأهم لم تتسرب عن نسائه اي شكوى، حتى بعد وفاته .. والقرآن يخاطبه في آية آخرى: "وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ". وكيف لا يثقن برعايته، وهو المصطفى من قبل الله تعالى لتبليغ رسالته، ورعاية دينه؟. ثم سيرته محمودة منذ طفولته وقد ثبت التاريخ ذلك، فلم يسجل عليه ملاحظات تخدش عدالته.

 

س37: د. ماجدة غضبان: الصحراء تمجد الظالم القوي صاحب السطوة، وما حكم بنو أمية الناس الا بهذا كله، هذا ليس دليلا على عدالة النبي. مثلما القرآن كله ليس دليلا على خُلق النبي لمن هو غير مسلم، فالإستشهاد بكتاب يعتبر عماد الإسلام ليس داحضا لما هو عكسه الا لدى من هو مؤمن به، كيف تقنع من لا يؤمن بالقرآن أساسا وليس من أهل القرآن؟

ج37: ماجد الغرباوي: صحيح ان الصحراء تمجد القوي وتهابه، لكن النبي ليس سلطانا، وانما نبي يدعو الى وحدانية الله والى دين جديد يخالف معتقداتهم، وكان فردا، ثم انتشر الاسلام وصار قوة. ليس هناك اي دليل يؤكد ان النبي سلطان او ملك او رئيس ولم يدع ذلك مطلقا. حتى (وهذا شاهد تاريخي) عندما اوقف العباس عم النبي ابا سفيان ليشاهد جموع المسلمين وهي تدخل مكة، قال ابو سفيان: لقد أصبح ملك ابن اخيك عظيما، فرد العباس عليه، قال: انها النبوة وليس ملكا.

فاذا كنت تقصدين ان عدم وجود اي شكوى من نساء النبي دليل عظمة سطوته وليس عظمة خلقه، اقول ان ما بأيدينا من نصوص اساسية تؤكد انه ذو خلق عظيم، كما في الآية الكريمة، وكما هو المعروف عن سلوكه. وانت تحتاجين الى دليل يعزز ما تذهبين له. وقد ذكرت شواهد من أقواله تحث على مراعاة الزوجة والاهتمام بها.

النقطة الثانية كما جاء في السؤال: ان القرآن ليس حجة الا على من يؤمن به. هذا الكلام ايضا صحيح. واما كيف نقنعهم، فهذه مسألة اخرى، تعتمد على مدى موضوعيتهم، وبامكانهم حينئذ القيام بمسح تاريخي عبر المدونات التاريخية، والتأكد من كل شيء. اما اذا كان الآخر عدوانيا او منحازا او ايديولوجيا ذا موقف مسبق من الرسول ودعوته فسوف لن يقنعه اي شيء، ومثل هذا الشخص مستعد لارتكاب مغالطات فظيعة على حساب الموضوعية. وهذا لا شأن للبحث العلمي به اطلاقا.

 

س38: د. ماجدة غضبان: قوله: (ويلك، إذا أنا لم أعدل فمن يعدل)، هل تجدها حجة بليغة، أم تلويحا بعقوبة ان لم يصدقه؟

ج38: ماجد الغرباوي: لا ليس تلويحا بالعقوبة، إنما أراد النبي بكلامه ان يلفت انتباه القائل الى انه نبي مرسل من السماء، وشرط النبوة ان يكون النبي عادلا صادقا، والا كيف يتحمل مسؤولية الرسالة؟ وكيف يصدقه الناس؟. لهذا قال اذا انا لم اعدل فمن يعدل، وحقا ما يقول.

اما ان قوله (ويلك) كان تلويحا بالقوة، باعتبار ان كلمة ويل تستبطن ذلك، كما تقولين، فهذا غير صحيح، لان للقوة اساليبها، فبامكانه ان يدعو اصحابه فيأخذونه بجريرته، وهذا لم يحصل. محمد سيدتي نبي مسؤوليته اقناع الناس بعقيدته ورسالته، لهذا القرآن يخاطبه: (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك). فلا اجد اي تهديد في قول الرسول. بل في رواية خطبة الوداع انه سأل المسلمين اذا كان لاحد عليه حق، فقام رجل وقال انا يا رسول الله: لقد ضربتني يوما ما وانا اطالب بحقي، فقال له الرسول تعال، وهيأ له الاسباب كي يقتص منه، وبدلا من ضربه قبّل الرسول من بطنه وبكى ثم قال بأبي وامي انت يا رسول الله. وهذا الشيء لا يعمله سلطان او زعيم مطلقا كائنا من كان، الا اذا كان نبيا.

ثم كلمة (ويل) لا تعني هلكت دائما، بامكانك مراجعة المصادر اللغوية كالمفردات في غريب القرآن للراغب الصفهاني، حيث يقول: قد تستعمل (ويل) للتحسّر ، وقد تستعمل لمعانٍ أخرى حسب السياقات التي ترد فيها ..

 

القراءات الخاطئة للنص

س39: د. ماجدة غضبان: لي سؤال وانا اتابع معك نصوص القرآن الكريم: كيف يمكن التخلص من شراك القراءات الخاطئة، بل كيف يمكن التحرر من سطوة النص الديني ورجل الدين، ما دام هو المسؤول الاول عن تردي الوعي؟

ج39: ماجد الغرباوي: ايضا ملاحظة قيمة شكرا لك ولنباهتك. رغم انه موضوع مفصل ومعقد، لكن أوجز حسب مقتضى الحوار.

اولا: ان تتولى النخبة المثقفة اشاعة ثقافة النقد وبكل جرأة، وان لا تتهيب احدا، لكن بشرط ان يمتلك من يتصدى للنقد ادوات النقد، وان يكون ملما في الموضوع الذي يروم نقده.

ثانيا: تعرية الممارسات الخاطئة والمضللة، من اجل معرفة الحقيقة من قبل الناس جميعا، وان لا يكون التلبس بالدين حائلا دون ذلك.

ثالثا: توجيه الناس نحو الواعين والمنفتحين من العلماء والفقهاء والمفسرين، اذ لا تخلو الساحة منهم وفي كل زمان، ما دام الفرد في مجتمعاتنا مرتهنا في وعيه لرجل الدين، يوجهه ويوجه سلوكه.

رابعا: توجيه الناس لقراءة الكتابات النقدية، وهي كثيرة، وتعميق الثقة بها، من خلال ما تطرحه من ارقام وحقائق.

خامسا: تشجيع الناس على مناقشة رجل الدين فيما يطرحه على منابر المسلمين التصدي لآرائه وممارساته الخاطئة.

سادسا: اعتماد منهج نقدي في المناهج الدراسية على اختلاف مستوياتها العلمية ولا سيما فيما يتعلق بمادة الدين الاسلامي والتاريخ واعتماد تفسيرات تهتم بمتغيرات العصر، والتأكيد في هذه المناهج على إشاعة ثقافة السؤال والبحث عن أجوبة تعالج إشكاليات العصر ومصالح المسلمين بعيدا عن تحجر فكر الفقهاء وسكونية آرائهم .

majeda gathban4majed algarbawiaخاص بالمثقف (1): الاستاذ ماجد الغرباوي كاتب وباحث مستنير، امتازت بحوثه بنهج الاعتدال والايمان بالتغيير الكامل، الذي يشمل المنظور المتجدد للقضايا والمسائل الاسلامية، واعادة قراءة النصوص القرآنية ضمن الأطر الزمانية والمكانية المتغايرة.

كان لنا مع هذا العقل المتفتح الحوار التالي، شاكرين صبره وسعة صدره، فأهلا وسهلا بك في باب مرايا في صحيفة المثقف:

 المرأة في كتاب الله:

بين الذات الآلهية والتفسير البشري القاصر لآياته البينات.

 قبل الحوار

ماجد الغرباوي: ينبغي التنبيه في اول الحوار الى قضية مهمة، وهي: ثمة من يعتقد بمرجعية وقداسة القرآن مطلقا، في قبال من ينفي عنه ذلك. وبالتالي فزاوية النظر تؤثر في فهم النص بين التأويل والنقد. لكن الجميع يعتقد ان القرآن نص متعال في نسقه الكلي، بلاغيا او في بنائه النصي، او من خلال وسطيته وعقلائيته، او اخباراته التاريخية والعلمية، غرائبيته وتشريعاته، وأشيءاء اخرى كثيرة. وهذا ليس رأيا شخصيا. وعليه نحن نتعامل مع النص بما هو نص تاريخي، دون انحياز لأي من زاويتي النظر، سواء كان وحيا او تأليفا .. فهذا لا يهمنا حاليا، الا في سياق الأسئلة.

ثم ليست مهمتنا اقناع القارئ، لان الايمان شرط القناعة. انما يهمنا تحري الموضوعية في قراءة النص، ومدى صلاحية أحكامه في زمن الصدور، اما امتداداتها فهي خاضعة لشروطها التاريخية والموضوعية. وهذا منهج يتقاطع مع منهج من يعتقد ان الأحكام مطلقة في فعليتها، زمانا ومكانا، لانها أُخذت في نظره على نحو القضية الحقيقية. بينما فعلية الأحكام كما نعتقد تتوقف على فعلية موضوعاتها، ولا تكون كذلك الا بفعلية شروطها وقيودها كاملة. من هنا تأتي أهمية البحث التاريخي للنص، لانه يسلط الضوء على موضوع الحكم وخصوصياته. فكم من حكم شرعي بات لا موضوع له راهنا.

 

المرأة في كتاب الله

س1: د. ماجدة غضبان: هل خاطب الله سبحانه وتعالى المرأة كانثى في كتابه الحكيم؟ اين ذلك؟

ج1: ماجد الغرباوي: د. ماجدة، اسئلة طافحة بالمرارة، للاسف ما زالت المرأة تبحث عن انسانيتها وتأكيد ذاتها.. اسئلة تكشف قسوة المجتمعات .. وثقل الأغلال .. والمشكلة الأساس ليس في الأعراف والتقاليد فقط، وانما القراءات الخاطئة للنص الديني، المتمثلة بفتاوى الفقهاء وآرائهم القاصرة عن إدراك مقاصد الشريعة وغاياتها واهدافها. واحب ان انوه ان ما سأدلي به هنا يمثل رأيي الشخصي، وانا مسؤول عنه، سواء اتفق مع آراء الآخرين أم لا.

كما ان الأ جوبة جاءت وفقا للمنظور الديني بحكم الاسئلة المطروحة، للتعرّف على اشكاليات التشريع، في ظل تطور حضاري، تبدو فيه التشريعات الاسلامية متخلّفة قياسا بمكانة المرأة وحقوقها راهنا. وهذا يعني ان التفاعل مع الاجوبة يشترط ثقافة دينية اولا. اما الحديث عن التحرر الكامل، بعيدا عن التشريعات الدينية، أيا كانت، فمجاله غير هذا الحوار. لان الاجوبة هنا محكومة كما قلت بالاسئلة وطبيعة طرح د. ماجدة غضبان المشلب.

نعود للسؤال: هناك عدة مستويات لتعامل القرآن الكريم مع المرأة، منها، خطابه لها كانثى تشارك الرجل في تكوين المجتمع، انثى لم ينقص انسانيتها، ولم يعتد على شخصيتها، مثل:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). فالذكر والأنثى نواة النسيج الاجتماعي برمته. وجاء بلفظ الذكر والأنثى لأنهما الأساس في تكوين الشعوب والقبائل. وعندما رتّب الأحكام في نهاية الآية رتّبها على كليهما من غير تمايز: "التعارف" في الحياة الدنيا، و"الجزاء" في الآخرة على أساس التقوى. وهذا اللون من التعامل أوضح مصاديق المفهوم الانساني للذكر والأنثى. وتعضّد هذا المعنى مجموعة آخرى من الايات القرآنية:

(فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ).

فبعضكم من بعض تعني ألا أفضلية في الخلق بدءاً ، وهذا هو الأساس في التكافؤ الإنساني التام.

وايضا قوله تعالى:

(وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا.

(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ).

اذاً لم يُنقص القرآن من انسانية المرأة، لا في بداية الخلق، ولا في اليوم الآخر مرورا بالحياة الدنيا. من هنا نكتشف كذب الأساطير والحكايات والمرويات التراثية التي تنتقص انسانية المرأة، استنادا الى نصوص دينية منحولة. او تنسب لله عزوجل ما لم يصرّح به. أما نظرة المجتمع للمرأة فشيءء آخر، قد تقترب من الرؤية القرآنية او تجافيها، حسب الظروف الاجتماعية، والعادات والتقاليد، فلماذا دائما تحسب على الدين وهو براء منها؟

 

س2: ماجدة غضبان: وهل خاطب المرأة كأنسان في كتابه الحكيم؟

ج2: ماجد الغرباوي: بلا شك خاطب القرآن المرأة كانسان في:

- جميع الآيات التي خاطبت الانسان بما هو انسان فتشمل باطلاقها الرجل والمرأة، ولا تخصيص له دونها، وهي الآيات التي تتحدث عن الانسان بما هو انسان.

- وكذلك الآيات التي تخاطب الناس، وليس الناس سوى الرجال والنساء، بدليل الآية المتقدمة، انا جعلناكم شعوبا وقبائل.

- وكل الآيات التي تنص عليها كمؤمنة.

فليس هناك آية تسلب المرأة انسانيتها. والتفاوت في بعض آيات التشريع لا يعني نقصا في انسانيتها اطلاقا، خاصة عندما تقرأ الآيات ضمن سياقها وخلفيتها التاريخية والاجتماعية، بل ربما تعد ميزة وانصافا وتكريما لها. ولا أقصد (بهذا الكلام) التبرير، ولكن هذا ما أفهمه من سياق الآيات ضمن خلفياتها وما اكتنفها من ظروف، وليس منقطعة عنها كما هو المنهج السائد لدى الفقهاء للاسف الشديد.

 

س3: د. ماجدة غضبان: وعندما خاطبها كأنثى، هل اعتبرها شريكا للذكر ام خاطبها بشكل مستقل؟

ج3: ماجد الغرباوي: خاطبها بالحالتين، خاطبها باعتبارها شريكا للذكر كما تقدم في تكوين النسيج الاجتماعي، عندما قال: يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى. والشراكة بين الذكر والانثى واضحة في هذا الخطاب القرآني.

وايضا خاطبها عندما نسب خلقهما له، ليؤكد استقلالية الخلق لكليهما : (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى) ، وليس كما يشاع بأن المرأة خُلقت من ضلع الرجل مثلا، وانما هي كيان انساني مثلها مثل الذكر خلقها الله تعالى.

واذا كان المقصود من (هل اعتبرها شريكا للذكر؟) هو سؤال عن المماثلة، اي: هل انها مثله في الانسانية والحقوق والواجبات؟ .. اقول نعم هي مثله تماما في انسانيتها، ولم ينقصها القرآن ذلك، ولها حقوق وعليها واجبات، ودليلنا الآيات الآمرة والناهية، فهي شاملة باطلاقها للذكر والانثى، للمرأة والرجل معا، كما ان العقاب والثواب في الآخرة شامل لهما.

وايضا خاطبها بشكل مستقل في الحالات التي تخصها دون الذكر، او لتأكيد وجودها واستقلاليتها، كما في الايات التي تشتمل على كلمة مؤمنات، او نساء، او امرأة.

 

س4: د. ماجدة غضبان: وفقا لما ذكرت من آيات فإن الله قد خاطب المرأة كما الرجل، فيما وقفت الأعراف والتقاليد حائلا بين المفسرين وبين القراءة الصحيحة؟

ج4: ماجد الغرباوي: بالتأكيد كما تقدم ان القرآن الكريم خاطب المرأة: كانسان .. كشريك في تكوين النسيج الاجتماعي .. كأم .. كأنثى .. كبنت .. كأخت وزوجة .. وخاطبها مباشرة بما يخصها من تشريعات، وهي خطابات ثابتة ومدونة وخالدة بخلود الكتاب الكريم، ولم يهملها او يتجاهلها اطلاقا، ولها ما للرجل من ثواب على اعمالها يوم القيامة، وعليها ما عليه من عقاب في حالات المخالفة، كما انهما متساويان في الآوامر والنواهي الالهية.

اما عن دخول الأعراف والتقاليد حائلا بين المفسرين وبين القراءة الصحيحة، فهذا كلام صحيح فهي تؤثر في فهم النص وتفسيره، لكنها لا تنفي الخطابات القرآنية. وهذا فرق كبير، لذا علينا ابتداء أن نميّز النص الديني عن غيره .. النص الديني هو القرآن الكريم، والصحيح من الروايات. وما عدا ذلك يعد فكرا دينيا، وهو خاضع لشروطه التاريخية، وقبليات قائله، ومنها الأعراف والتقاليد. أقصد ان التفسير يخضع لفهم المفسّر، وقبلياته وظرفه الاجتماعي والسياسي بل وأهوائه. وهو يختلف من زمان الى آخر، ومن مفسّر الى آخر. ونحن غير ملزمين بالاخذ به او التعبّد بهذه الاقوال، مهما كان قائله، لان كل مفسر لا شك يتأثر ببيئته وخلفيته عند قراءته لاي نص من النصوص، بما في ذلك القرآن الكريم. حتى بالنسبة للاجيال الاولى. قلت ذلك صريحا في كتابي: (اشكاليات التجديد) بأن الزمن يحدد فهمهم للنص، فليس هناك اطلاق في فهمه، ولكل عصر قراءته وفهمه. ولنا فهمنا وفقا لقبلياتنا وثقافاتنا وحاجاتنا.

اذا الحجة الشرعية هي الكتاب المبين والحديث الصحيح الذي يفسّر النص (في تفصيلاته التشريعية وبعض جوانبه). وما عدا ذلك يقبل النص الديني أي تفسير ضمن ظرفه وشروطه. ولا شك ان النفوس الذكورية والاعراف والتقاليد، لعبت دورا في تفسير النص لصالح الذكر ضد الانثى، وهي تفسيرات وليدة عاداتها وتقاليدها وفهمها، وليست بحجة علينا. ويجب ان يكون لنا تفسيرنا ضمن ظرفنا التاريخي. وهذا الكلام لا يعني الشمول ابدا، فهناك كثير من التفاسير الموضوعية، لكن قد نراها تجافي المرأة على خلفية فهم المفسّر، ومبناه في توثيق الروايات، ومدى قبوله لها. او مدى تأثّره بالتراث او بواقعه. او بسبب خلفيتنا نحن، واختلاف الزمان، ورؤية الرجل مطلقا للمرأة ودورها في المجتمع.

فالقياس هو القرآن وليس قول المفسر او الفقيه، ومتى ما انتابنا الشك في اقوالهم نعود للقرآن نستنطقه كي نتعرّف على الحقيقة.

 

س5: د. ماجدة غضبان: هل تظن ان الدين ظل سجينا في كتاب الله ولم يُفسر تفسيرا واقعيا، ولم يخرج للناس ابدا؟

ج5: ماجد الغرباوي: انا لا اقول ان الدين ظل سجينا في كتاب الله ولم يخرج للناس، ولكن اقول هناك قراءات خاطئة، قدّمت رؤية مبتسرة عن الدين، في ضوء تفسيرها للقرآن الكريم. قراءات لا تنتمي للواقع ولا للعصر، خاصة القضايا الفقهية. قراءات عكست اسقاطات نفسية واجتماعية كثيرة، ابعدت الدين عن روحه القرآنية، سيما التفاسير التي تعتمد الروايات في تفسيرها لنصوص الكتاب المجيد. فاذا كان هذا قصدك بالسؤال، فكلامك صحيح. وما يهون الخطب ان النص الديني نص مفتوح قابل للتأويل والقراءة، لهذا هو متجدد، وننتظر من يقدم قراءة واقعية تلائم العصر وحاجاته ومتطلباته، بعيدا عن التراث ومشكلاته، لان لكل عصر ظرفه ومشاكله، ومن الخطأ ان يتحكم بنا عقل تراثي لا يفهم عنا اي شيءء.

 

س6: د. ماجدة غضبان: هل هذا يعني ان ما ندين به اليوم ونطبق أحكامه هو مجرد تفاسير مغلوطة انطلقت من نفوس ذكورية دانت بولائها للاعراف ولتسلطها التأريخي، لا لكتاب الله مخلصة؟

ج6: ماجد الغرباوي: انا لا اقول مغلوطة مطلقا ولا أعمم، ولكن فهم الانسان يختلف من زمن الى آخر، وقبليات الانسان وثقافته تؤثر في فهم النص، فالجمود على حرفية النص مثلا يؤثر في تفسيره، والارتهان للتراث يؤثر ايضا، وعدم مراعاة الواقع وحاجاته يعكس صورة مشوهة للنص. ثم كما تقولين، هناك من يلوي عنق النص من أجل هدف محدد، كما بالنسبة للتفسيرات الذكورية على حساب المرأة وحقوقها الانسانية، والأوضح منها تفسيرات الفرق والمذاهب في ظل الصراعات المذهبية التي ضج بها التاريخ. وباختصار فان التفاسير الواعية نادرة، لان اكثرها ظل مرتهنا لقبلياته وعقيدته ورؤيته الكونية، وهي تختلف كما تعلمين من مفسر الى آخر.

فما ندين به الآن هي آراء اجتهادية، والناس تتبع المجتهد في فهمه للنص، وفي فتاواه، وما دامت القضايا اجتهادية فلا يقال انها خطأ الا ما ثبت بالدليل، لكن يقال ان هذا رأي المجتهد ووجهة نظر المفسّر، لذا هي تختلف من فقيه الى آخر، ومن مجتهد الى آخر.

 

كيد المرأة

س7: د. ماجدة غضبان: قد عظّم الله مع تعظيمه لنفسه كيد المرأة، أليس في هذا اعتراف ضمني بذكائها الخارق، وجعل قوته في أضعف خلقه اجتماعيا؟.

ج7: ماجد الغرباوي: د. ماجدة، تعظيم كيد المرأة الوارد في القرآن هو قول عزيز مصر، كما جاء في قصة النبي يوسف: .. "فَلَمَّا رَأَى (أي عزيز مصر) قَمِيصَهُ (اي قميص يوسف) قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ". وما ورد في آية اخرى لم يصفه بالعظيم: " قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ، فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ".

فتعظيم الكيد في الآية لم يُسند لله تعالى، وانما حكاية عن عزيز مصر، وفي الثانية قالها يوسف النبي. فالله عزوجل لم يصف النساء هنا بالكيد، وانما نقلت الآيات كلامهما.

واما كون المرأة ذكية فمسألة طبيعية، هي انسان قد تكون ذكية او قد لا تكون، مثلها مثل الرجل. ولا ننسى نظرة المجتمع وانطباعه السلبي عنها، بسبب ثقافته الذكورية. كما ان قمعها أضمر ابداعها. فهي لا يحق لها التحدّث مع الرجال عرفا، فكيف يحق لها التصريح بكلام جريء او مخالف للمألوف؟. وهذا سلوك مشيءن اضطر المرأة على مدى الزمن ان تلوذ بخجلها وخوفها، وتتذرع بجهلها للتخلص من سطوة الرجل وعنفه.

نعود للسؤال، فالله لا يحتاج لان يعبّر عن ذكاء المرأة من خلال الاشارة الى كيدها، بل ربما في ذلك ذم لها ولو من طرف خفي. ثم انها ليست مستثناة من مطلق الانسان كي تحتاج الى ما يدل على ذكائها. هي انسان شأنها شأن الرجل ذكاء وغباء، وفي كل الصفات التفضيلية الآخرى. والكيد لا يعني الذكاء دائما، وانما هو اسلوب يعتمده المرء، سواء كان رجلا او امرأة، لخداع المقابل والاستحواذ عليه.

والكيد ضرب من الاحتيال، وقد يراد به الاستدراج والمكر. وعندما ينسب الكيد لله تعالى يراد به الامهال لمؤدي الى العقاب او الهلكة (وأملي لهم ان كيدي متين). فالله هنا لا يتصف بالكيد بمعنى الاحتيال، بل بالمعنى الثاني، الامهال.

 

س8: د. ماجدة غضبان: استاذ ماجد، هل يعني هذا ان ما ورد على لسان الآخرين في القرآن الكريم لا يعتبر قولا الهيا ولا يمكن اعتباره ضمن أحكام القرآن؟

ج8: ماجد الغرباوي: ما ساقه القرآن حكاية عن الآخرين نتعامل معه كلا حسب موضوعه. وبالتالي، وهذا المهم، يجب ان ننسب كل قول لقائله. اي لا يعد قولا الهيا كما جاء في السؤال الا حينما ينسبه الله تعالى لنفسه. فـ "كيدكن عظيم" جاء على لسان الملك، وذكره القرآن ضمن القصة، فلا ننسب الكيد لله، لانه لم يصرح به. والقرآن يستشهد باقوال الآخرين ضمن سياقاته عادة، لكنها لا تنسب له.

اما ان هذه الأقوال تعد ضمن احكام الكتاب ام لا؟ فقد ذكرت مفصلا في كتبي التسامح وتحديات العنف كيف نتعامل مع خطابات الانبياء وما ورد بشأن الديانات الاخرى؟ وهناك بينت ان ما يخص الشرائع الاخرى غير ملزم لنا، الا ما كان موجهاً لنا صراحة، ومن باب اولى لا تكون الاستشهادات حجة علينا الا ضمن سياقاتها، فكل مفردة تقرأ ضمن سياقها. وهذا الأمر ينطبق على كلام الفقيه وتفسيراته، فمن حق كل فقيه او مفسّر ان يدلي برأيه، لكن لا يجوز نسبة ما يقوله الى الله مباشرة. نعم بامكانه ان يقول هذا ما افهمه من النص، او هذا فهمي واجتهادي في ضوء النص. والفهم والاجتهاد غير النص، كما تعلمين، وهذا هو الفارق الجوهري، الذي يخفى على الآخرين.

 

الفقيه والنص

س9: د. ماجدة غضبان: هل لي ان اسال: اساسا كيف يتعامل الفقيه مع النص القرآني؟ او كيف يقرأ النص القرآني؟

ج9: ماجد الغرباوي: الفقيه كأي انسان يقرأ النص وفقا لقبلياته، وقدرته على فقه وادراك معانيه، وعلاقاته بالنصوص الأخرى، وما يمتلكه من أدوات لها علاقة في تفسير النص كاللغة والبلاغة وغيرها من العلوم، ودراسة تاريخ النص، وفلسفته، ومقاصده. هذه هي القراءة المثالية للنص، لكنها تختلف في مستواها من فقيه الى آخر، لهذا وقع التفاوت بين العالم والأعلم.

ثم لا ننسى ان النص القرآني شأنه شأن أي نص، تارة يكون صريحا، واضحا، لا لبس فيه مطلقا، مثل الآيات التي تأمر بأداء فريضة الحج وغيرها، وهذا لا يحتاج لمجتهد لفهمه. وتارة يكون النص مجملا يتعذر فهمه، ملتبسا. وثالثا: يكون ظاهرا في احد المعاني دون غيره. وهنا تظهر فقاهة الفقيه، في ترجيح اي من المعاني، فيقول هذا ما افهمه من النص، وفي ضوئه يصدر فتواه. لكن هل يصح ان ينسبه لله كما جاء في السؤال السابق؟ لا يمكنه ذلك، لذا جاء في الحديث: المجتهد إن أخطأ له حسنة، وإن اصاب فله حسنتان. فالخطأ ممكن في الفتوى فكيف يجزم بنسبتها لله؟. نعم فتاواه ملزمة لمن يتبعه ويقلده من الناس، باعتبارها فتوى فقيه، مستندة الى فهم النصوص الدينية، او الى الاصول المتفق عليها عندهم، وتسمى الاصول العملية، التي تحدد وظيفة الانسان في حالات الشك بالحكم الشرعي. وهذه ايضا ليست حكم الله.

 

المرأة وكمال العقل

س10: د. ماجدة غضبان: أليس عند مخاطبة الذات الآلهية لها إسوة بالرجل هو اعتراف بذكائها، واعتراف بمساواتها ذهنيا؟

ج10: ماجد الغرباوي: هذا رأي الدين والقرآن بالمرأة وذكائها، وبلا شك ان وحدة الخطاب القرآني الموجه للرجل والمرأة اعتراف صريح بانسانيتها وذكائها ومساواتها ذهنيا.

أجد ان كل ما ورد من أمثلة تؤكد نظرة "الرجل والمرأة" للمرأة الشرق أوسطية، أما في المجتمعات الغربية لا توجد هكذا اشكالات، ولا تعاني المرأة من ضعف وشعور بالدونية اجتماعيا. لذا انا أقدر جميع ما تطرحينه من اشكالات.

 

س11: د. ماجدة غضبان: اذن من أين جاء مفهوم نقصان عقلها ودينها؟

ج11: ماجد الغرباوي: الأقول الشائعة عن المرأة ونقصانها لا يمكن نسبتها للدين اطلاقا. وما ينقل عن الامام علي بحق المرأة، اما موضوع عليه، او بسبب ما واجهه من أحداث جسيمة كانت بطلتها المرأة، أقصد السيدة عائشة ومعركة الجمل. وقد نسب اليه قوله: "شاوروهن وخالفوهن"، "كن من خيرهن على حذر"، "النساء ناقصات العقول". وغير ذلك في التراث الاسلامي كثير يعكس ثقافتهم ونظرتهم الدونية للمرأة، ولا علاقة للدين به، وانما هو فهم خاطئ وقراءات خاطئة للنصوص الدينية.

صفة نقصان عقل ودين المرأة ثقافة موروثة .. ثقافة صحراوية، تنظر للمرأة نظرة دونية، لا تثق بها، لهذا تعبّر عنها بناقصة العقل وناقصة الدين، وقديما كان الرجل يتوارى خجلا من المرأة، وقد عمد الى دفنها ودسها بالتراب كما يذكر القرآن الكريم: (وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون). ولا شك ان جملة من المرويات والفتاوى كرست هذا المفهوم للاسف الشديد، بل هناك احكام جائرة كرست هذا المفهوم مثل ولاية الرجل على المرأة مطلقا، وهي ولاية تعسفية لا ترتفع، فولاية الاب ترتفع عن الطفل بعد بلوغه، وولاية السيد ترتفع عن العبد بعد تحريره، الا المرأة، التي سحقها الخطاب الديني، وليس القرآن الكريم. وعندما تقرأين بعض الكتب الدينية وكتب الفتاوى والاحاديث المروية عن الرسول او عنه وعن الصحابة والائمة، تشعرين بالغثيان، لشدة حقد هؤلاء على المرأة، حتى تارة افكر انها عقدة جنسية تدفعهم لهذا التصرف اللا انساني.

 

س12: د. ماجدة غضبان: وهل تم حشر ذكورية الرجل بين الله وعباده من النساء؟

ج12: ماجد الغرباوي: بالنسبة للفقيه والمفسّر فلا اشكال ان الحس الذكوري هو بوصلة الفهم والتفسير لدى بعضهم، وليس مطلقا فهناك من هو موضوعي في آرائه وتصوراته، فالتعميم ظلم، انا لا اتبناه بحكم اطلاعي على مدوناتهم. لكن ايضا لا اجافي الحقيقة ان الحس الذكوري طافح لدى بعضهم، فكانت الذكورية حائلا بينهم وبين التفسير والقراءة الصحيحة، حتى ان بعض الآراء الفقهية ما زالت قاصرة وقد تصنف جائرة بحق المرأة، وسببها كما تقدم النظرة الذكورية، وروايات تفتقر لأدنى شروط القبول الا في ضوء مبان خاصة. فهي آراء تفضحها مبادئ الدين الحنيف، ولا يمكن اعتمادها لدى اغلب الفقهاء المعاصرين. ولا ننسى العرف والتقاليد والثقافة، والفقيه ابن هذا الوسط وليس غريبا عنه.

واما اذا كنت تقصدين بكلامك: (وهل تم حشر ذكورية الرجل بين الله وعباده من النساء؟) النبي محمد بالذات، فهذا انطباع غير صحيح، لان اهتمام الرسول بالمرأة من خلال ما ينقل عن سيرته وسنته، ينفي ذلك. نعم بالنسبة لغير الرسول، فكل شيء ممكن، لكن هذا الأخير تفسير وتأويل، لا يحسب على النص القرآني.

واما بالنسبة لأمانة النبي فان الباري عزوجل تعهد بحفظ كتابه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ). وايضا لتأكيد ما تقدم، الآية الكريمة تقول: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ، وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ، وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ).

 

المرأة وظلم التفسير

س13: د. ماجدة غضبان: أتحسب استتار الاحكام القرآنية الخاصة بحقوق المرأة ظلما لها خاصة مع مبدأ الظاهرية المأخوذ به أحيانا وفقا لمشيءئة بشرية؟

ج13: ماجد الغرباوي: ليس هناك حكم قرآني يخص المرأة مستتر، ما دام القرآن بين ايدينا. لكن المشكلة في تفسير النص القرآني وتأويله، والمشكلة في خلفية الفقيه والمفسّر ومدى تأثره بالواقع الاجتماعي والثقافي. ومدى قبوله ما يوازي الايات القرآنية من روايات. المشكلة في الفتاوى والاحكام التي يصدرها الفقيه، لا اخفيك ان بعضها تعسفي، ضد المرأة، بحاجة الى جهد اجتهادي لتقديم احكام اخرى تتناسب مع مقام المرأة راهنا.

 

س14: د. ماجدة غضبان: ولِـمَ ساير الله المفاهيم البشرية الذكورية المستبدة بالمرأة دون نقضها؟.

ج14: ماجد الغرباوي: لم يساير الله المفاهيم الذكورية المستبدة بالمرأة، لكن عندما ظهر الاسلام وجد واقعا يمتهن المرأة، ويلغي وجودها، ولعل آية: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ) ، تجسّد هذه الحقيقة. فأحكام الاسلام جاءت لتنتشل المرأة من هذا الواقع، فبدأت بالاعتراف ببشريتها وانسانيتها. يتضح ذلك من خلال الخطاب الشامل باطلاقه للذكر والأنثى في كافة المجالات الحياتية والاخروية والحقوقية الا ما يقتضيه الواقع البايلوجي والوظيفة والاجتماعية.

فالاسلام لم يساير المفاهيم البشرية المستبدة، كما تقولين، وانما تبدو الأحكام هكذا بسبب ابتعادنا عن الواقع العربي، ومقارنتها بمنظومات حقوق الانسان بعد تطور المجتمعات والعقل البشري بخمسة عشر قرنا، لكن لو قورنت بما قبل الرسالة ستكون منصفة جدا. بل وتعتبر قفزة نوعية بكل المقاييس.

لا أنكر ان بعض المرويات فيها ظلم للمرأة ومكانتها وانسانيتها، لكن في رأيي ليس لهذه المرويات أية حجة شرعية، الا عند البسطاء من الناس والسذّج من رجال الدين، باعتبار "ما خالف كتاب الله فاضربوا به عرض الجدار"، و"ما خالف كتاب الله فهو زخرف"، كما جاء في الاحاديث. وهذه المرويات لا تكشف عن حكم شرعي بقدر ما تكشف عن رأي شخصي، وربما تكون موضوعة لتعبّر عن واقع اجتماعي او رغبة فردية. فهي بالتالي لا تمثل رأي الاسلام. لكن المؤسف ان بعض الفقهاء يعتمدها بناء على مبانيه الاصولية. وهذا أحد عيوب الفقه التجزيئي الذي يفصل بين المسائل والقضايا ولا يتعامل معها ككل، نسيج واحد، ذو هدف محدد، هو اقامة العدل بين الناس، ذكورا واناثا.

 

س15: د. ماجدة غضبان: عنيت بالاستتار هو اساءة التفسير البشري للنص الالهي، وبالتالي فهو لا يقع ضمن الحكم البين الواضح.

ج15: ماجد الغرباوي: هذا الكلام صحيح، والمشكلة ان الناس لا تقرأ النص الديني مباشرة، واذا قرأت القرآن لا تجرؤ على تفسيره وفهمه بمعزل عن كتب التفسير. اتذكر كتبت مقالا قبل اكثر من خمسة عشر عاما هاجمت فيه الاتجاه المتشدد في فهم النص خاصة آيات الكتاب، حيث يذهب بعضهم الى عدم جواز تفسير أية آية ما لم تعضدها رواية، او قول مفسّر، يعتمد التراث في تفسيره، كالاتجاهين السلفي والاخباري. وهذا كلام مرفوض، وسبق ان دخلت في جدال مع كبار الفقهاء حوله. انا ارفض هذا المبدأ، رغم ضرورة الرجوع للتراث في بعض الموارد، خاصة في فهم وتفسير آيات الاحكام. والكلام هنا طويل ومفصل يحتاج لفرصة أكبر. ما أؤمن به ان النص الديني نص مفتوح، يحق لكل شخص يمتلك أدوات فهمه ان يجازف في تفسيره وفهمه، لكن ضمن الضوابط العلمية وعدم مغادرة النص كلياً. والغريب ان بعض الفقهاء لا يحتج بآيات القرآن بمعزل عن الروايات، فتكون الرواية اصل، وهو منهج غريب لكنه منتشر جدا للاسف الشديد. الاصل هو القرآن وكل شيء يقاس عليه، شاء هذا البعض ام أبى. فالاساءة كما جاء في السؤال تأتي من هذا النمط من المناهج الفقهية. والا لو تعاملنا مع القرآن مباشرة كانت نظرتنا قد اختلفت لكثير من الاشيءاء.

 

المرأة والاسلام

س16: د. ماجدة غضبان: ألا تجد ان أعظم ما نقضه الاسلام هو تعدد الآلهة، وكل ما بعده كان يسيرا، أليس في ذلك موافقة على تصدّر الرجل وسحقه لقدر المرأة بالإيحاء ضمن آيات تفضله وترجح قيادته؟.

ج16: ماجد الغرباوي: بلا شك ان الاسلام نجح في تحطيم فكرة تعدد الألهة. واما القضايا الاجتماعية الراسخة فمن الصعب اجتثاثها فورا، خاصة عندما ترتبط بها حيثيات المجتمع ومقاماتهم العرفية والاجتماعية. اي بعكس الافكار والعقائد التي يمكن اجتثاثها من خلال الفكر والجدال الفكري، اما القضايا الاجتماعية فهي سلوك متأصل ومترابط فيحتاج الى تدرج، وهذا ما فعله الاسلام، فقد حاول معها بالتدرج كما بالنسبة الى نهيه عن شرب الخمر، وكذلك استعادة حقوق المرأة، وقبلها استعادة شخصيتها وانسانيتها. وفي هذا المجال حقق الاسلام الكثير. واذا لم يكن مثاليا قياسا على الحاضر فهو أكثر من مثالي قياسا على الماضي وواقع العرب آنذاك.

وبالتالي، فالاسلام انتشل المرأة من سطوة الرجل، الذي كان يلغي وجودها. فالرجل هو بالأساس صاحب السيادة والقيادة، وليس الاسلام هو الذي سيّده على المرأة. حتى في آية "الرجال قوامون على النساء". ليس هناك تسييد، وانما قوامة اقتصادية نسبية، تنتفي بانتفائها، فليس هناك تفضيل بهذا المعنى، لان التفضيل قرآنيا دائما على أساس التقوى، ذكرا وأنثى (ان أكرمكم عند الله أتقاكم).

المشكلة ليس في الرجل فقط ولكن بالمرأة ايضا التي ارتضت هذا الواقع، والمشكلة بالنظام السياسي الحاكم الذي لا ينصف المرأة ولا يعزز مكانتها الاقتصادية والاجتماعية كما هو معمول به في الانظمة الغربية حاليا.

ولنعترف ايضا ان الرجل لم يلتزم دينيا، وسرعان ما عاد بعد وفاة الرسول بدويا، وعاد الى عنجهيته، ثم بلا شك ان سلطة الرجل وسطوته عرقلت تقدم وتطور المرأة وقتلت قابلياتها، حتى طال أمد صراعها معه، ولم تنتزع حقوقها منه الا بعد قرون متطاولة. في الغرب ايضا كانت المرأة ملغاة ممتهنة، ليس لها وجود حقيقي، حتى تفجرت الثورات، وتحقق التحول المفاهيمي الى واقع، بهذا الوضع فقط استطاعت المرأة بعد كفاح مرير ان تنتزع حقوقها. فطبيعة الرجل واحدة، لا تختلف بين المسلمين وغيرهم.

وعَود للسؤال، هذا ليس سكوتا ولا امضاء ولا موافقة كما تعتقدين، وانما تكتيك مرحلي، لانها قيم وثقافة راسخة، فتحتاج الى وقت طويل الى حين استبدال تلك المقولات، الموجهة لوعي الفرد داخل المجتمع القبلي، وهذا غير العقيدة، ومع ذلك عانى الاسلام الى حين تقبل العرب عقيدة التوحيد، وقد تواصلت دعوته 23 عاما كما تعلمين. وبالتالي، ليس هناك صدارة للرجل على حساب المرأة، وليس في ذلك موافقة على (تصدّره، وسحقه للمرأة)، كما تتصورين.

 

س17: د. ماجدة غضبان: ألا تظن ان هذا الأمر قد حطم انجازات المرأة وتفوقها الذهني والبدني الثابت علميا، وهو من فضائل الله على المرأة غير المكشوف عنها منذ بدء الخليقة؟

ج17: ماجد الغرباوي: لا شك ان تسلط الرجل له دور سلبي على المرأة، حيث قمع ابداعاتها وقابلياتها، وحطّم وجودها، كانسان لها دور في الحياة والمجتمع من خلال انجازاتها لو مارست دورها بعيدا عن سلطة الرجل. ولكن كلامي اعلاه واضح، ان الاسلام كافح من أجل تحجيم سلطة الرجل، حتى حقق انجازات مهمه على صعيد حقوق المرأة، يكفي انها اصبحت كيانا انسانيا بعد ان كانت لا شيء، وامامك كل المصادر التاريخية، وكلها تؤكد هذه الحقيقة، لا فقط بالنسبة للعرب، حتى بالنسبة للغرب قبل مئتين عام، كان الرجل يسقط المرأة من حساباته، وليس لها أية مكانة اجتماعية.

الرجل من يومه فرعون متسلط، في كل وقت وزمان، والدين يأتي ليحد سلطته، ويحجم ارادته. ثم يتمرد على القيم والدين، ويعود لنظرته الدونية للمرأة. ولولا التحول الثقافي والحضاري في الغرب وقوة القانون لما حققت المرأة ما حققته الان.

ثم لا ننسى ان تشريعات الدين يحدها الزمان المكان، وعلى الفقيه ان يعي مقاصد الشريعة وغاياتها، ويدرك حقوق المرأة في ظل زمان ومكان مختلف عما قبل 1500 سنة. لذا بعض الاصوليين يعتبر معرفة الزمان والمكان ومقاصد الشريعة شرطا في ثبوت الاجتهاد. يعني ما لم يكن الفقيه خبيرا بمقاصد الشريعة وحاجات زمانه ومكانه لم يصدق عليه مجتهدا.

 

س18: د. ماجدة غضبان: لكن القرآن دستور لكل زمان، وثورته ثورة، وعلينا ان لا نقارن انجازه بما كان، بل بما يجب ان تكون عليه مكانة المرأة كإنسان.

ج18: ماجد الغرباوي: وانا ايضا أقول ذلك، لكن يجب ان نفرق بين المبادئ والتشريعات، فعلى الصعيد الانساني كما تقدم المرأة توأم الرجل في المنطوق الديني، ولا فرق بينهما وجودا وتكوينا .. المرأة انسان كامل، هذا ما قرره القرآن ورتب عليه أحكامه. فمن حيث المبادئ الانسانية نالت المرأة حقوقها كاملة، منذ فجر الرسالة وستبقى. فالمرأة في نظر الاسلام انسان كامل يتمتع بكافة الحقوق البشرية.

اما بالنسبة للتشريعات، فالأمر مرتبط بالفقيه وقابلياته الفقهية في فهم النص وفقا لظروفه. فيكون التشريع خالدا عندما يراعي الظروف الزما – مكانية، في ضوء مقاصد الشريعة وغاياتها. لذا عندما يجمد الفقيه على الفهم السائد (الذي هو تقليد حرفي لمن سبقه من الفقهاء)، يظهر جليا تخلف التشريع مع الاسف الشديد، قياسا بلوائح حقوق الانسان. لكن عندما يعي الفقيه ظرفه وحاجات الانسان، لا تبقى ثغرة للطعن في تشريعات الاسلام.

فما تفضلت به صحيح، واعتراضك في محله، ومشكلتنا مع وعي رجل الدين، وقدرته على فقه النص. عليه ان يفهم المراحل التاريخية، والضرورات الحياتية. وان المرأة المعاصرة، غير المرأة قبل 1500 عام. وحقوقها الان تقاس وفقا لدورها الحالي، اسوة بالرجل. ولا تقاس على دورها ما قبل الرسالة، حيث كان زمام الامور مطلقا بيده، وليس على المرأة اي مسؤوليات اجتماعية الا ما يخص العائلة وشؤونها. المرأة اليوم حاضرة في كل مناحي الحياة العملية والسياسية والفنية و .. و .. و.

 

العدالة وتعدد الزوجات

س19: د. ماجدة غضبان: معلوم ان السعادة مع امرأة واحدة يحبها الرجل، فلـِمَ الإماء وزواج الأربع وهو لن يحقق شرط الحب وما ينتج عنه من حبور انما يحقق شرط الامتلاك وما يتبعه من ظلم واستبداد؟

ج19: ماجد الغرباوي: اتفق معك ان السعادة تتحقق مع امرأة واحدة يحبها الرجل. واتفق معك ان المرأة لا تطيق أي شريك، سواء امرأة اخرى او أَمَـة. بل وجود الشريكة يفسد الود والحب وينغّص حياتها. غير ان نظرة الاسلام تمتد لتشمل المجتمع بكل تفاصيله، وما دام تصدى لتقديم نظام يعالج مشاكل الانسان وحاجته، فحري به ان يقدّم معالجة كاملة وللجميع.

الدين لم يفرض على الرجل زوجة اخرى. ومن شاء ان يعيش في كنف حب زوجته وسعادته فالامر متروك له. لكن الاسلام قدّم معالجات للحالات التي تعتري الرجل، من أجل مجتمع نظيف، عفيف، مثلا: لو لم يكتف الرجل جنسيا بزوجته، او ان زوجته لا تطيقه جنسيا، او انها مريضة مرضاً يعيق حياته الجنسية، او انها تشكو من علل جسدية، او يصيبها البرود الجنسي، او اليأس خاصة المبكر منه. كما هناك مشكلة العوانس، وقلة الرجال بسبب الحروب، او الأرامل في ريعان الشباب. وهناك جشع الرجل وعينه التي تمتد لكثيرات. كل هذه الامور تحتاج الى معالجة، والا يخرج سلوك الرجل عن نطاق الاخلاق، فلماذا نرتضى السبل المنحرفة، ونرفض الطرق السليمة لحل الازمات؟.

وفقا لشريعة الذكر وتمنياته ان تكون اباحية جنسية، يعاشر من يشاء ويهجر من يشاء من النساء .. بينما الاسلام يكافح من أجل مجتمع نظيف، مجتمع عفيف، مجتمع خالٍ من الفساد والاباحية لِما يترتب عليها من مفاسد اخلاقية واجتماعية وصحية جمة. اذا لابد من حل متوازن، يحفظ سلامة المجتمع، ويلبي حاجات الاضطرار، فتعدد الزوجات تفرضه الضرورة احيانا، لكن بشروط أشبه ما تكون تعجيزية. وعندما تدفع الضرورة الرجل لزواج اخر، لا شك ان زوجته الأولى تتفهم موقفه وحاجاته، فهي لا تحقد عليه، خاصة اذا كانت تحبه حقيقة.

اما في حالات الترف، وعدم الحاجة سوى الدافع الجسدي، فهذا اللون من الزواج يكون على حساب الزوجة الأولى ومشاعرها، ويتعذر معه شرط العدالة في التثنية. ولا نجازف اذا قلنا بحرمته في ضوء الآية الكريمة. ووفقا لمبادئ القرآن الكريم في العدل والاحسان.

ثمة قضية آخرى، صحيح ان الغرب لا يسمح بتعدد الزوجات لكن يسمح للرجل ريادة دور الدعارة، ولا يحق للزوجة في هذه الحالة اقامة دعوى قانونية ضده بعنوان الخيانة الزوجية. فتفشت الرذيلة بشكل رسمي، وتفككت العائلة، وعاشت المرأة حرمانا عاطفيا، يضطرها التلفت يمينا ويسارا، بينما الاسلام عندما رفض هذا السلوك وضع حلولا مقيّدة. ما اريد ان اقوله، ان التعدد موجود في كل العالم لكن بصور شتى. غير ان الاسلام قننه وضبطه في حالات الضرورة، وليس مطلقا.

 

س20: د. ماجدة غضبان: لِـمَ لم يعد الله الانسان بعشق ووصال وهو حلم كل انسان، واقتصر على ملذات الجسد دون النفس وما تهوى؟

ج20: ماجد الغرباوي: اذا كان المقصود لماذا يغيب الحب كشرط، قبل تعدد الزوجات، فلان مشاعر الحب والوصال مشاعر غريزية، تتفجر بشكل طبيعي من خلال علاقة الذكر بالانثى. فهي ليست شرطا في الزواج، واغلب الزيجات بالشرق الاوسط تتم بلا سابق معرفة بين الرجل والمرأة، لكن العائلة تعيش بسعادة وانسجام كبيرين.

واذا كنت تقصدين: ان الله لم يشرّع تشريعاته وفق انسانية التعامل مع الزوجة على انها حبيبة، بل هو جعل منها جسدا وبالتالي فان التعددية قائمة على تغيير الجسد، لان الحب غير معني به، لذلك كان تعدد الزوجات والاماء، فاقول: ان التعدد حالة اضطرارية كما مر في الجواب المتقدم، وقد اسرفت في بيان حيثياته، لذا كان شرط العدالة تعجيزيا، فكيف لم يرع الله عز وجل مشاعر الزوجة رغم كل الآيات التي تعزز مكانتها، وتحفظ حقوقها. فالقرآن كان بصدد حل مشاكل المجتمع مع تعدد الزوجات ووجود الاماء، وما قدمه حلولا لتلك المشاكل. والدين لم يتجاهل العلاقات الحميمة، بل أكد عليها وعلى الوصال الودود، وأكد أن المرأة سكن، ورحمة، وغشاء، وحث على مراعاتها، والاهتمام بها والاحاديث مفصّلة بهذا الشأن، فكيف ننكر كل ذلك؟.

 

تعدد الزوجات

س21: د. ماجدة غضبان: العدل هو صفة الله واسم من اسمائه، وامتلاك الانسان له مستحيل. أليس في وضعه شرطا للزواج باربعة هو اعلام واضح بتحريمه؟

ج21: ماجد الغرباوي: بعض يرى هذا، والآية واضحة "فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً". وفي آية اخرى: "وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا". فالعدل كما جاء في السؤال قد يكون شبه مستحيل، لهذا استفاد منه بعض الفقهاء وافتوا بعدم جواز الزواج باكثر من واحدة. ولعله حكم صائب لولا الآية التالية التي رتبت حكما آخر مع عدم تحقق العدل وهو ان لا تترك الأخرى كالمعلقة، فتهمل اهمالا كليا، لانه سلوك عدواني يخالف الانصاف. وتعود الآية لتحث على الصلح مما يوحي ان القرآن مع زوجة واحدة في كل الاحوال. وقد اوضحنا رأينا في السؤال المتقدم.

فالقرآن اذاً قنن سلوك الرجل بعدد من الزوجات، للحد من تماديه، إذ كان قبل الاسلام ينكح ويتزوج ما يشاء بلا اي رادع، فجاءت الاية: (َانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً) لكن بشرط صارم كما تقدم، ان تتحقق العدالة. وهي أمر صعب للغاية كما تعلمين: "وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ .. ". وكلمة "ما طاب" هنا ليست للتعدد فلا يستفاد منها الحث على التعدد، وانما للنساء، اي ما طاب من النساء. فالمحصلة النهائية زوجة واحدة، وشرط التعدد تعجيزي.

واحب بهذا المناسب ان اشيءر الى قضية حساسة:

رغم ان الديانات الاخرى كالمسيحية لا تبيح تعدد الزوجات غير ان سلوك الرجل المسيحي مسكون بالخيانة والتعدد كما تقدم، بل ان نسبة الخيانة الزوجية بوتيرة تصاعدية خاصة بعد تطور وسائل الاتصال الحديث وسهولة الالتقاء عبر الشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل الاجتماعي، او التواصل عبر الهواتف النقالة، والمحادثات عبر الميسنجرات، ودور الدعارة، والعلاقات المنفتحه بالشارع والعمل والدراسة. لكن لا احد ينتقد هذا التعدد، ويعتبرونه حقا طبيعيا، بينما ينتقد الاسلام لانه اعترف بهذه الحالة وقننها، واعترف بضعف الرجل، وحاجته في بعض الظروف لامرأة ثانية، فبدلا ان يبيح له التمادي، وما يترتب عليه من مفاسد اجتماعية وصحية واقتصادية قنن علاقته بالمرأة. لكن للاسف المقاييس الاخلاقية تغيرت.

 

س22: د. ماجدة غضبان: لعل المتزوجين بأربع هم أكثر ميلا للفساد والخيانة، فالرجل الذي لا يعشق بقلبه، يعشق بجسده، وعشق الجسد لا نهاية له.

ج22: ماجد الغرباوي: شراهة الرجل لا حدود لها، والمتمادي لا تحده الحدود، ولا تؤثر به الاخلاق. لكن الامر يختلف من انسان الى اخر. والحلول لا تعني عدم الاستثناء. فما تفضلت به ممكن .

كلامك ينطوي على اشكال، هل القول بالتعدد يدفع نحو الفساد والخيانة؟ اعتقد نادرا، وليس مطلقا، اذا اخذنا بنظر الاعتبار الفترة بين واحدة واخرى، فاربع زوجات ينتهي متوسط العمر. لكن كما قلت ان الاستثناء ممكن، وليس قاعدة عامة.

 

salam kadomfarajsaleh altaeiخاص بالمثقف: لو تتبعنا مناهج البحث العلمي في دراسة ظاهرة التأليف في الشأن الاسلامي لوجدنا أن الآثار المكتوبة تعرضت تحت ضغط النزعة العلمانية إلى اعادة نظر في الموروث المعرفي وفق سياقات علمية تعتمد التحليل والإستقراء واستنباط آراء ورؤى وفق أنساق موضوعية تبتعد عن الاكتفاء بالإخبار السردي والتعاطف المسبق المستند على الانحياز العقائدي وجرت مراجعات جذرية في تقديم الفكر الاسلامي وفق سياقات الحداثة .. بعد ان استنفدت السياقات السلفية ما عندها من إطروحات وتحولت الى مجرد اجترار لإطروحات قيلت في وقتها خلال الالف والاربعمائة سنة التي قد خلت ..

القصد من كتابة هذه المقدمة .. إنارة مسألة على غاية من الأهمية .. وهي ان التصدي للبحث العلمي في الشأن الاسلامي بدون الاستجابة للظروف الموضوعية القاهرة والمتغيرة .. تجعل من أية دراسة ليست سوى تكرار لما سبقها من بحوث .. وثمة حقيقة أخرى .. هي ان البحث في الشأن الاسلامي يحمل من المشقة ما تفوق اية مشقة في أي بحث يتوخى العلمية والاقناع ..

وليس كما يشاع ان الكتابة في الامور الاسلامية أمر سهل ومتيسر لكل من يرغب في ركوب الموجة، ..

من خلال اطلاعي على بعض مؤلفات الباحث الاستاذ صالح الطائي. اكتشفت نزعة علمية تؤسس لدراسة (الموضوعات) الاسلامية من خلال ماهي عليه فعلا دون تزويق توفيقي يتوسل الحداثة لينافقها او يتوسل السلفية الموروثة ليؤبدها (يجعلها ابدية ..). فالاستاذ الطائي كما فهمته يرى ان الاسلام الحقيقي هو دين المستقبل ودين الحاضر .. وليس دين الماضي فقط ..

ورغم انتماء الاستاذ الطائي عقائديا لمدرسة عريقة في التأريخ والبحث .. هي مدرسة الإمام جعفر الصادق عليه السلام التي خرجت عشرات المدارس المتفرعة عنها .. نجده يأخذ بناصية الاقناع لا الاعتماد على ناصية الاتباع .. فلا يتعسف في محاججة الوقائع التاريخية .. ولا يصادر الأجوبة قبل طرح الاسئلة .. ولا يعلن مسبقا عن فكرته قبل إشباعها بحثا ودراسة معتمدا على مؤلفات تنتمي لأكثر من مدرسة ..

يغربل الاطروحات ويفند ما يراه قابلا للتفنيد ويرسخ ما يراه راسخا بدون تعصب مسبق. وهذا هو شأن المحقق العلمي. لا الداعية المتحمس. من أجل ذلك .. وجدت ان الدخول معه في حوار مكثف ومطول سيحقق فائدة ومتعة نحن بحاجة اليهما معا في هذه الايام المباركة من شهر رمضان ..

 

س1: سلام كاظم فرج: أهلا بكم استاذ صالح في رواق صحيفة المثقف. وفي باب مرآيا فكرية وثقافية .. . سأبدأ بداية غير تقليدية .. فأسأل جنابكم الكريم عن (الإسرائيليات في الفكر الاسلامي ..) ماهي قصتها؟؟ دورها في مسارت الفكر؟؟ جذورها؟ تاريخها؟ وهل ما زالت تؤثر على منهجية البحث في الفكر الاسلامي؟؟

ج1: صالح الطائي: عن المقدمة: أهلا بك أستاذ سلام، أهنئكم بداية بشهر الخير والمحبة وقبول الطاعات والغفران، شهر رمضان المبارك وأسأل الله أن يعيده عليكم وعلى المسلمين الصادقين كافة وانتم جميعا ترفلون بالعز والنعيم والأمن والأمان.

لقد شدتني مقدمتك العلمية الواقعية لأني اتفق مع مضمونها إذ لا ينكر أن التبدل العلمي وتبدل منهجيات البحث ترك بصمة على الدراسات الإسلامية حالها حال العلوم الأخرى وإن كان قد اقتصر على الدراسات الأكاديمية والقريبة منها،وفي محاولتنا الاستئناس بهذا النمط الكتابي وجدنا معارضة شديدة من بعض التقليديين من رجال الدين، وأنا ما حييت لن أنسى رد فعل أحد رجال الدين الكبار على واحد من كتبي (أخاف أن اذكر اسمه لأسباب معقولة جدا) لمجرد أني خرجت على المألوف الموروث وتكلمت عن الواقع وإفرازاته وتأثيراته، ومما قلته فيه: "إن خروج هذه المجاميع (الحركات المدعية للمهدوية) المدعومة بالمال الوفير والسلاح الكثير وتمكنها من كسب آلاف الشباب في أغلب المحافظات وضعنا جميعا أمام امتحان صعب، ولاسيما المؤسسة الدينية، والامتحان حبل لا ينجح في السير عليه إلا من يجيد فن التوازن، أما أولئك الذين لم يسبق لهم تجربة التوازن بما فيهم بعض رجال المؤسسة الدينية فإنهم سيعرضون أنفسهم لفضيحة كبيرة تجر خلفها ويلات على الجميع" حيث عد ذلك القول تطاولا على هيبة المؤسسة الدينية يجب حذفه وإلا!! جاء هذا مع أني كنت ولا زلت أكن للمؤسسة الدينية الصادقة كامل الاحترام والتقدير ولكن بدون تقديس زائف.

المؤسف أنه منذ بدء التأليف الإسلامي وحتى هذا التاريخ لا زال هناك أصناف كثيرة من الكتاب الإسلاميين، وأعداد التقليديين منهم ممن تقوم كتاباتهم على الموروث الأخباري النقلي المبني على النقل والتكرار مع تجربة استحلاب حالة حزن القارئ واستدرار دموعه؛ أكثر كثيرا من غيرهم مما يضع المؤلف الديني في حيز ضيق لا ينجو من ضغطه إلا من حاول أن يتحرر من ضغوطات الموروث.

الناس أنفسهم منقسمون في هذا الأمر؛ فهناك من يبحث عن الكتب التقليدية وهم الأغلبية، وهناك من يتفاعل مع الكتاب المبني على فكر تحليلي واستقراء منطقي.

التعامل مع الكتاب بات خاضعا لطريقة تناول الكاتب للبحث وهذا يعني تصدي النخبة للتفاعل مع المنجز الفكري بأسلوب جديد وآليات جديدة تستثير المتابع وتجره عنوة إلى متابعة البحث.

أما عن جوابي على سؤالكم الأول فأقول:

الإسرائيليات قصص، وتفسير قصص، وأحاديث، وتفسير أحاديث، اشتهرت من خلال ربطها بما جاء في الكتب القديمة، أغلب شخصياتها من العهد القديم تكرر ذكر قصصهم في القرآن غالبا بأسلوب آخر يختلف عن الأسلوب التوراتي ولاسيما في المضمون فلجأ بعض المسلمين إلى أهل الكتاب الذين كانوا يعيشون بقربهم أو الذين أعلنوا إسلامهم يسألونهم عنها. والمدهش أن هذا النشاط كان فاعلا حتى في عصر البعثة ولا أدري لم أحجم المسلمون عن سؤال النبي (ص) بدل ركضهم خلف اليهود يبحثون عندهم عن تفسير.

والإسرائيليات قصص يهودية مسيحية، موضوعة غالبا بعضها مرتجل دون تخطيط وبعضها الآخر تمت صياغته بعناية كبيرة ومكر شديد، ولكنها تشترك جميعا بالكذب والوضع والمبالغة والتهويل. والغريب أن مصدر الإسرائيليات ليست التوراة التي هي كتاب سماوي مقدس معناه موجود في صلب بنيان القرآن الكريم وخطابه، بل كتبا أخرى وضعها أحبار اليهود مثل: المشنا والبسيقتا والمدرش وسفر زوهر وسفر يصيرا، وهي الكتب التي قال عنها القرآن الكريم: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون}.

وقد كثر دخول الإسرائيليات إلى المجتمع الإسلامي في عصر خلافة عمر (رض) إذ من الملاحظ أن أعداد اليهود الذين انتموا إلى الإسلام تكاثرت في عهده بشكل غريب فأسلم عمرو بن شعيب، وكعب بن باتع الحميري المعروف بكعب الأحبار وكان من كبار أحبار يهود اليمن، ووهب بن منبه وهو يهودي فارسي يمني صنعاني، تقول بعض المصادر: إنه ولد في عهد عثمان (رض) وتقول أخرى أنه أسلم في عهد النبي (ص) وتقول ثالثة أنه أسلم في عهد عمر. وقد حوله الذهبي وغيره إلى إمام للمسلمين، يكفي أن هناك من كتب عنه: "الإمام وهب بن منبه (34 هـ - 114 هـ) هو تابعي جليل، له معرفة بكتب الأوائل وإخباري قصصي يُعد أقدم من كتب في الإسلام. كان ممن قرأ الكُتب ولزم العبادة وواظب على العلم وتجرد للزهد. روى له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في التفسير". وعبد الله بن سلام يقال أنه أسلم في عصر البعثة قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء: "الإمام الحَبْر، المشهود له بالجنة، حليف الأنصار، من خواصِّ أصحاب النبي ". وكان من يهود بني قينقاع، وتميم الداري صاحب إسرائيلية الجساسة والدجال، وعشرات غير هؤلاء بعضهم كان كبير الأثر خامل الذكر، وكان بعضهم يدعم بعضا ويعضده، ففي موطأ مالك أن أبا هريرة أخبر كعب الأحبار بأن رسول الله قال عن يوم الجمعة: "وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه". فقال كعب: ذلك في كل سنة يوم. فرد عليه أبو هريرة، وقال: بل في كل جمعة. وقال عبد الله بن سلام: كَذَبَ كعب. فقرأ كعب التوراة فقال: صدق رسول الله. هي في كل جمعة. فقال عبد الله بن سلام: صدق كعب".

كما يلاحظ أن هؤلاء كانوا من خيرة رجال اليهود إيمانا وعلما ودراية بالعهد القديم وأحكامه وهذا يثير الشك أكثر لأن اليهود الذين كانوا يقيمون في مكة والمدينة كانوا يساوون العرب في التخلف الفكري كما يرى ابن خلدون في قوله: " وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم، ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، ومعظمهم من (حِمْيَر)، الذين أخذوا بدين اليهودية، فلمّا أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها مثل أخبار بدء الخليقة، وما يرجع إلى الحدثان والملاحم، وأمثال ذلك" وقدوم تلك الأنموذجات المثقفة الواعية لتعلن إسلامها لابد وان يكون لغاية مدروسة.

المهم أن هؤلاء بعد أن أذن لهم الخليفة الراشد عمر (رض) بالجلوس في مسجد رسول الله ورواية القصص الإسرائيلية بكل ما تنطوي عليه من كذب ودجل وتهويل وخرافة هم الذين أدخلوا الإسرائيليات إلى كتب التفسير الإسلامية، أما تلامذتهم الذين استمعوا إلى قصصهم وحفظوها ثم أصبحوا فيما بعد من مفسري القرآن والحديث فقد استغنوا أحيانا عن آراء أساتذتهم وصاروا يعودون بأنفسهم إلى الكتب اليهودية للاقتباس منها لتفسـير القصص القرآنية، ثم نما فن الإسرائيليات ليشمل آيات بداية الخلق والظواهر الطبيعية وخلق الأكوان وربما يكون قد نجح في اختراق بعض قواعد الفقه وغيرها.

والملفت للنظر أن جميع المفسرين وأغلب المؤرخين ـ إلا من رحم ربي ـ وقعوا في فخ الإسرائيليات ابتداء من سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح وصولا إلى ابن ماجه وابن جرير الطبري وابن الأثير والقرطبي وابن حبان والحاكم.

عزا ابن خلدون في مقدمته أسباب اعتماد المفسرين على الإسرائيليات إلى: "أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية، وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تتشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات،وبدء الخليقة، وأسرار الوجود، فإنما يسألون عنها أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى".

وللمفسرين مواقف مختلفة من الإسرائيليات فمنهم قسم اعتمدها وأكثر منها مقرونة بأسانيدها باعتبار أنه متى ما ذكر سندها خرج من عهدتها،مثلما فعل الطبري، الذي ذكر الكثير منها دون أن يتعقبها بما ينبغي ولاسيما وأن غالبيتها موقوفة على اليهود الكبار الثلاثة الذين مر ذكرهم. ومنهم قسم اعتمدها وأكثروا منها، بعد أن حذف أسانيدها مثل البغوي الذي نقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع. ومنهم قسم أكثر منها ولكنه أنكر ما اعتقد أنه ضعيف، مثل ابن كثير. ومنهم قسم ادعى أنه ردها ولم يذكر منها شيئا في تفسيره ولكنها تسللت من بين يديه وتربعت وسط التفسير، ومن هؤلاء محمد رشيد رضا والشوكاني والآلوسي.

كما استغرب جدا من تقسيم العلماء لحكم رواية الإسرائيليات إلى أقسام ثلاثة، وكأنهم يتشبثون بها ولا يرغبون بالتخلص منها، فقالوا: منها قسم حكم بقبوله وهو ما علم صحته بالنقل الصحيح، أو ما كان له شاهد من الشرع يؤيده إذا ورد في البخاري ومسلم. ومنها قسم مسكوت عنه: وهو ما لم يعلم صحته ولا كذبه، وهذا القسم تجوز حكايته للعظة والعبرة، وعدم وجوب الإيمان بصدقه ولا كذبه. ومنها قسم مرفوض: وهو ما علم كذبه لتناقضه مع الإسلام أو لمخالفته للعقل، ولكنهم مع حكمهم هذا قالوا: "وإذا رواه المفسر في تفسيره وجب عليه بيانه". ولا أدري لماذا يرويه!!

كذلك جعلوا أهل الإسرائيليات على مراتب من حيث الإكثار، وهم:

أولا: المكثرون جداً: كعب الأحبار، ثم وَهَب بن منبه، وابن جريج، وابن إسحاق، والسدي الكبير.

ثانيا: دونهم في النقل وهم: قتادة، ومحمد بن كعب القرظي

ثالثا: المقلون نسبياً، وهم: مجاهد، وابن عباس.

رابعا: الكذابون المكثرون في النقل الذين يرجح كون الإسرائيليات من وضعهم.

وأشد الأمور غرابة أن علماء الجرح والتعديل تهاونوا كثيرا مع الإسرائيليات ومرروها بيسر مع علمهم بتهافتها وضعفها وخرافتها.

ومنه يتضح بما لا يقبل الشك أن تأثير الإسرائيليات على منهجيات البحث الإسلامي لا زال على أشده ولا زالت هناك مدارس إسلامية تقدس الإسرائيليات كأي مقدس آخر. والذي أراه أننا بحاجة اليوم إلى تنقية العقيدة من مؤثرات التحريف اليهودي القديم والجديد فالجزء الأكبر من مصائبنا سببه تلك القصص الخرافية.

 

س2: سلام كاظم فرج: قد يكون هذا السؤال محرجا لي ولكم .. لكن طرحه على باحث إسلامي وجدته من الممكنات .. بعد أن أعياني البحث عن إجابة شافية من باحث في الشأن الإسلامي.

قد تجد بعض الدارسين العلمانيين قد تطرقوا إليه. وقد تجده في أطروحات خصوم الإسلاميين .. ولكن حسب معلوماتي المتواضعة أن الإسلاميين يتجنبون الخوض فيه .. السؤال يتعلق بجوابكم عن السؤال الأول .. وهو:

ولكن في القرآن الكريم . ثمة إشارات لموضوعات إسرائيلية بحتة .. وإشارات لبني إسرائيل بعضها أتى على شكل مديح .. (وفضلناكم على العالمين ..) وبعضها أتى على شكل ذم .. سورة يوسف في القرآن الكريم .. تكاد ان تكون متقاربة مع ما جاء في واحد من أسفار العهد القديم .. كذلك قصة النبي يونس (يونان ..) وقصة أيوب عليه السلام .. وهكذا .. كيف نوفق بين رفض الإسرائيليات في السنة الشريفة وتسربها إلى الأحاديث النبوية وقبولها في القرآن الكريم؟؟

ج2: صالح الطائي: رائع سؤالك هذا وجريء، وفي جوابي أقول: هناك آية في القرآن تقول: {إن الدين عند الله الإسلام} ومع اختلاف المفسرين في معناها إلا أن ما جاءت به مدرسة أهل البيت يكاد يكون الأكثر قربا لمعناها إذا لم يكن المعنى الأوحد لها. تقول مدرستنا: إن الآية تعني أن جميع الأديان التي جاءت قبل الإسلام تلتقي مع الإسلام المحمدي بشرط الوحدانية الخالصة لله تعالى وبالتالي تشترك كلها بالتسليم بوحدانية الله، وبناء عليه، ولأن مصدرها واحد فمن المؤكد أنها تشترك في الكليات وتختلف في الجزئيات، ويعني هذا أن الخطوط العريضة لحقائقها لا تسقط بالتقادم فالحديث عن آدم ونوح وموسى يأتي في سياق الخطاب القرآني كحقيقة مكملا لخطاب الكتب التي سبقت الإسلام .. وهذا لا يعني قبول الإسرائيليات، وإنما قبول ما جاءت به الكتب المقدسة القديمة مما أشار إليه القرآن وذكره، أما ما لم يذكره فلا يجب الأخذ به. وغالبية الإسرائيليات ليست من الكتب المقدسة؛ بل هي تهويمات من صنع اليهود جاءوا بها لمحاربة الإسلام وتوهينه.

أما مدح القرآن لليهود والنصارى في مواطن معينة فصحيح جدا والمدح هنا يخص اليهود والنصارى الأوائل من الذين آمنوا بالله واليوم الآخر وتحملوا العسف والأذى نتيجة موقفهم هذا، ولا يخص المحرفين والمنحرفين.

 

س3:  سلام كاظم فرج: لكم كتابات قيمة عن (الإمام المهدي عليه السلام) وأطروحات تقرب الفكرة إلى الأذهان بشكل شفيف ورائع .. وتطمح محاولاتكم الى المقاربة مع أطروحات المفكرين غير المنضوين تحت سقف الإمامية الأثنى عشرية .. / من خلال اطلاعي المتواضع على تاريخ الكتابات في هذا الموضوع. وجدت أن الفكرة تعود الى عهد الرسول الأعظم. إلا أنها مرت بتطورات ومنعرجات. حتى وصل الأمر إلى تقاطع بعض الرؤى الإسلامية في التعرف على شخصية الإمام عجل الله فرجه الشريف .. فهناك من وجد أن الإمام إنما هو محمد ابن الحنفية (محمد بن علي بن ابي طالب ..) بعد ان غيبه الأمويون .. وهناك مذهب الواقفية الذي رأى ان الإمام هو إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق. وهناك من يرى أن الإمام عليه السلام لم يولد بعد .. لكنه سيولد في آخر الزمان .. وثمة بدع في بلاد فارس بعد قتل المنصور الدوانيقي لأبي مسلم الخراساني.ترى ان أبا مسلم سيظهر في آخر الزمان ..

أطلت عليكم ولكني أطمح بإجابة مختصرة عن السؤال .. هل الخوض في شأن الإمام المهدي مع كل هذه التقاطعات تجدونه أمرا محببا؟ أم انه يحمل من الحرج بحيث تفضلون ترك قناعات كل فريق كما هي عليه وكما وصلت إليه عبر التاريخ وعبر توريث المعلومة بدون تمحيص؟؟

ج3: صالح الطائي: رائع هذا الإلمام بتفاصيل المهدوية، وهذه التفاصيل هي التي تزيدنا يقينا بوجوب الحديث عن المهدوية من منظور علمي منهجي بعيدا عن التشنجات والدوافع الفئوية، إن المهدوية فكر واعد يقول للمسلم المعاصر الضعيف المهزوم المهزوز أنك ستكون سيد الأكوان كلها مستقبلا فكن على قدر هذه المسؤولية وأبدأ ببناء نفسك ومجتمعك.

وأنا أعمل على تقريب فكرة المهدوية لدى المسلمين كافة وفق هذه الرؤى لأننا نشترك في المصدر حتى وإن اختلفت آراؤنا الفرعية، وهذا ما أكدت عليه بكتابي "عوالم الحومة المهدوية".

ثم لا تنسى أن في الإسلام الأول لم يكن هناك تقاطع، وقد جاء التقاطع بعد هيمنة الفكر السياسي الإسلامي على مقاليد الأمور وبعد ولادة المذاهب والشحن الذي حدث بينها، أما الآن فقد وصلنا إلى أبعد من التقاطع، وصلنا إلى الافتراق القطعي بعد أن ادعى بعض المسلمين أن مهديهم ليس هو مهدي الفئة الأخرى، أو أن مهدي الفئة الفلانية مجرد خرافة كما يقول طبيب التخدير طه حامد الدليمي.

إن المهدوية لا تتحمل الكثير من تقاطع الرؤى والأفكار والعقائد ولكن تمسُك كل طرف بما آل إليه أمر المهدوية في فكره وعدم استعداده للتخلي عن أي جزئية مهما كانت بسيطة فضلا عن عدم استعداده لتقبل فكرة ما من الطرف الآخر يجعل أمر احتفاظ كل طرف بقناعاته حلا فيه الكثير من المنطقية ولكن بشرط عدم الاستهانة بما في يد الطرف الآخر من قناعات، فنحن نتفق من حيث كلية الفكرة واختلافنا بالجزئيات لا يمكن أن يحولنا إلى أمتين، فتعالوا نتفق على الكليات ومنها وجوب ظهور المهدي ووجوب انتصاره على الأمم الأخرى كلها ووجوب تحول المسلمين إلى أسياد العالم وان المهدوية من مقدمات واشراط يوم القيامة ولنترك الحديث في الفرعيات والجزئيات البسيطة إلى عصر الظهور فهو وحده كفيل بترجيح هذه الكفة أو تلك على أرض الواقع. وأنا أرى المهدوية هوية جمعية لا بأس أن يتحد تحت لوائها المؤمنون بأطروحتها دون حاجة إلى وجوب تساوي الأهواء والأفكار والرؤى والتصورات وتطابق التفكير والتصور، إذ يكفي أن كلا منا يحمل في قوانينه التي يؤمن بها شيئا ولو بسيطا عن المهدوية.

 

س4: سلام كاظم فرج: لكم ادوار مشهودة في مؤتمرات فكرية للتقريب بين المذاهب الإسلامية. وكأنكم تكملون رسالة المؤسسات الدينية الشيعية والسنية في بدايات القرن العشرين. هلا حدثتنا عن فكرة التواصل بين المذاهب لدرء المؤامرة على الإسلام والمسلمين ودوركم في هذه المشاريع النبيلة؟؟

ج4: صالح الطائي: قد تختلف نظرتي عن نظرة الآخرين لموضوع التواصل والحوار بين المذاهب الإسلامية لأن العلاقة بينها خضعت عبر التاريخ إلى كثير من المؤثرات وتعرضت إلى كثير من الضغوطات الشديدة مما ترك آثارا لا يمكن محوها أو نسيانها، كما أن ما بينها خلاف حقيقي وليس مجرد اختلاف في الفروع كما يحلو للبعض أن يقول، لا. الخلاف بين المذاهب في الأصول قبل الفروع؛ ويكفي دليلا أن الخلاف في الإمامة التي هي الركن الرابع من أصول الدين عند الشيعة كان أول خلاف بين المسلمين وهو الخلاف الذي تحكم بأطروحات المذاهب التي ولدت عادة تبعا لرؤى مؤسسيها.

إن اعتماد الموروث الديني لخلق تقارب بين المذاهب ممكن أن ينجح ولكن بشكل محدود جدا ومع فئة تابعة لهذا المذهب أو ذاك أما أن يكون أساس الحوار للوصول إلى توافق فذلك من المستحيلات، ويكفي دليلا أن دار التقريب التي أنشئت في القاهرة وبرغم الجهود الجبارة باءت بالفشل وتلاشى ذكرها، ومركز التقريب بين المذاهب في لندن عقد لحد الآن ستة مؤتمرات دولية ولم يحقق خطوة واحدة إلى الأمام، كذلك مركز التقريب بين المذاهب وحوار الأديان في إيران بالرغم من الجهود الكبيرة التي بذلها القائمون عليه لم يحقق لحد الآن نجاحا يذكر. ورافق الفشل دعوات حوار الأديان والمذاهب التي تبنتها المملكة السعودية ودولة الإمارات والمنظمات الدولية.

فضلا عن ذلك يؤثر الخلاف الفقهي في جدية الحوار فتقاطع القواعد الفقهية فيما بينها يخلق هوة تباعد بين المذاهب، فالتشيع يؤمن بمبدأ التقية العقلائي وفي كتاباتهم عن التقية وضعوا قواعد رائعة أقرب ما تكون لفطرة الإنسان السليم، ولكن بعض المذاهب الأخرى اتخذت التقية التي هي قبل كل شيء قاعدة فقهية إسلامية وردت في القرآن الكريم في قوله تعالى:{إلا أن تتقوا منهم تقاة .. } حجة للتشكيك بمواقف الشيعة، فكل موقف تقريبي يتخذه الشيعة يفسره الآخرون على أنه تقية وان الشيعة يضمرون خلاف ما يعلنون وكأنهم يعلمون ما في قلوبهم او يعلمون الغيب!، ومع شك بهذه الدرجة والشدة لا يمكن للتقارب أن يتحقق حتى في أبسط صوره.

ربما للأسباب المتقدمة تجدني أهتم بمشاريع التقارب التي تدعو إليها العلوم والنظم العلمانية الغربية والمؤسسات العالمية المتخصصة التي تدعوا إلى الحوار لأسباب إنسانية أكثر من اهتمامي بالأسلوب التقليدي الإسلامي، لأن الآخرين وضعوا أسس وقواعد ونظريات وآليات تستند إلى معطيات العلوم الحديثة بكل مفاصلها المجتمعية مثل علم النفس وعلم الاجتماع ومهارات التفاوض والعلوم السياسية والأخلاقية وغيرها، أما نحن المسلمين فنستند إلى آيات وأحاديث نختلف في تفسيرها ونشكك في صحتها. معنى هذا أني أشجع على استعارة نتائج وآليات العلوم الغربية لتوظيفها في برامج حوارنا المذهبي بهدف خلق مشتركات تيسير عيشها معا ..

 

س5: سلام كاظم فرج: في كتابكم جزئيات في السيرة النبوية .. عرضتم بالتحليل العلمي مسألة التقاطع بين قدرات الرسول القيادية وعبقريته الفذة .. وبين عدم توفر الأرضية المتكاملة للتفاعل مع تلك القيادة .. مما قادنا الى الى مسألة على غاية من الأهمية والخطورة .. وهي مسألة تحديد معنى الصحبة والصحابي .. ليس من الباب اللغوي البحت . بل من باب تعميم تقديس الصحابة. بمعنى . كيف يمكننا فهم الحديث الشريف (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم .. اهتديتم؟؟)

ج5: صالح الطائي: بعد عصر الخلفاء الراشدين (رض) تمكنت السياسة من قيادة المجتمع الإسلامي ودخلت في مواجهات دموية مع السلطة الشرعية ممثلة بالإمامة المعصومة التي كان الحسن بن علي (ع) يمثلها. الناس من جانبهم كانوا على مذاهب، مذهب يؤيد الإمامة ويتبعها في فتواها، ومذهب عام يرى الإمامة والسياسة من صلب الإسلام، ومذهب يرى السلطة هدفا يستحق محاربة الإمامة ووحدة المسلمين. سطوع نجم الإمامة احتاج من الآخرين صناعة نجم بمستوى نور الإمامة يصبح معادلا موضوعا للخلاف الدائر فتم تقديم مشروع تقديس الصحابة وعصمتهم وكونهم "كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" ليقف قبالة الشرعية، ثم وجد هذا المشروع من يتبناه لأنه يحقق له بعض مطالبه؛ فضخمه وضخم الحديث عنه ليتحول إلى قواعد فقهية يتعارض الكثير منها مع روح الإسلام، وإلا بربك هل من المعقول أن اهتدي بالصحابي عمران بن حطان الذي امتدح المجرم ابن ملجم الذي قتل سيد المسلمين وإمام المتقين علي بن أبي طالب (ع) الذي تصادف ذكرى استشهاده في هذه الأيام المباركة؟ أي عقل يتقبل مثل هذا الهراء؟ جاء في أضواء البيان للشنقيطي، قال: قال عمران بن حطان السدوسي يمدح ابن ملجم (قبحه اللـه) في قتلـه أمير المؤمنين علياً (رض):

يَا ضَرْبَةً مِنْ تَقِيَ مَا أَرَادَ بِهَا * * * إلاَّ لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي العَرْشِ رِضْوَانا

إنِّي لأَذْكُرُهُ يَوْماً فَأَحْسَبُهُ * * * أَوْفَى البَرِيَّةِ عِنْدَ الله مِيزَانا

أَكْرِمْ بِقَوْمٍ بُطُونُ الطَّيْرِ أَقْبُرُهُمْ * * * لَمْ يَخْلِطُوا دِينَهُمْ بَغياً وَعُدْوَانا

أم أقتدي بالمغيرة بن شعبة أم بالأشعث بن قيس الكندي أم بالضحاك بن قيس الفهري أم بحاطب بن أبي بلتعة؟

وبناء عليه أجد موضوع تقديس الصحابة بالشكل المعروف حاليا قد جاء بوقت متأخر جدا عن صدر الإسلام وعصر البعثة وعصر الخلفاء الراشدين بدوافع سياسية بحتة لا علاقة لها بالدين، ثم يجب أن لا ننسى أن جيل عصر البعثة مثل أي جيل بشري آخر باستثناء تلك الفرصة النادرة التي أتيحت لهم برؤية رسول الله (ص) فلماذا هذا الإفراط في التقديس؟ نعم لرؤية النبي (ص) حقها وحقوقها ولكنها ليست عاصمة من الخطأ والانحراف وإنما التقوى هي الميزان المعياري العاصم، فالآية تقول: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم ..} وليس أكثركم مشاهدة للنبي أتقاكم.

ولو كانت رؤية النبي لوحدها عاصمة لتحول كل من يرى النبي في عالم الرؤيا إلى صحابي حتى ولو حدثت الرؤية اليوم؛ وذلك لأن النبي (ص) قال: "من رآني في المنام فقد رآني لأن الشيطان لا يتمثل بي" فرؤية النبي في المنام كما هي رؤيته في الحقيقة وبالتالي يجب أن تنطبق شروط الصحبة على من يراه اليوم تماما مثل من رآه في عصر البعثة المشرفة.

أقول هذا وأنا أكن احتراما كبيرا لا تحده حدود للصحابة الكرام ذلك الجيل المثالي المجاهد البطل المضحي، ولكني أقف عند عصمتهم بمجموعهم وباقي الأغراض التي أضفتها السياسة عليهم

 

س6: سلام كاظم فرج: في كتابكم المهم (نظرية فارسية التشيع) عرضتم جملة من النظريات تفند مقولة ان أصل التشيع من فارس. وقررتم ان جذوره عربية قبل ان تكون أعجمية .. ولكن ماهو السر في اتهام الشيعة دائما بالصفوية ..؟؟ ألا يعتبر ذلك قصورا في فهم التاريخ ام هي محاولات متعمدة لإيذاء الفكر الإسلامي المحمدي العلوي؟؟ في رأيي المتواضع ان ازدهار الفكر الشيعي (نظرية الإمامة ..) على مستوى التنظير كان على يد هشام بن الحكم مولى جعفر الصادق في العصر العباسي الأول .. وكان متقدما وعلميا ومقنعا .. ثم كثرت الدراسات وتنوعت فكان منها الغث والسمين .. فتعرفنا على أطروحات المجلسي والشيخ المفيد في نهايات العصر العباسي .. اي في عهد البويهيين .. وليس الصفويين كما يشاع. فما هي وجهة نظركم؟؟

ج6: صالح الطائي: إن الحديث عن فارسية التشيع أو التشيع الرافضي الصفوي يؤلم قلبي كثيرا ليس لأني شيعي بل لأن من يتحدث عن هذا الأمر يثبت جهله بأصول الدين والمجتمع العربي ومنظومة القيم الإسلامية ودعوات القرآن للوحدة والجسد الواحد وأخيرا يثبت جهله بالتاريخ والأصول والأجناس وبالتالي يتحول إلى جاهل جهلا مركبا، ويحز في قلبي أن أرى مسلما جاهلا لهذه الدرجة المتدنية.

إن المماحكة والخلاف والحسد بين المذاهب الإسلامية هو الذي أوجد هذه النظرية الغبية، فالمعروف أن إيران كانت مغلقة على المذاهب السنية بشكل شبه كامل وليس من اليسير على أتباع هذه المذاهب أن يشاهدوا إيران تتفلت من بين أيديهم لتعتنق مذهبا منافسا، ولذا ما إن وجدوا التشيع ينجح في اقتناصها أو بالأحرى ما إن شاهدوها تقتنص التشيع حتى ثارت ثائرتهم وصدر منهم الكثير من الكلام الجارح القاسي ومنه القول بالفارسية أو (الشيعة الفرس الصفويين المجوس) وهو خلط لا يصدر عن عاقل عارف.

لقد تحولت إيران من التسنن إلى التشيع في القرن السادس عشر الميلادي وتحديدا في عام (1501) ميلادية القرن العاشر الهجري على يد الصفويين الأتراك الذي غزوها وأقاموا فيها إمبراطوريتهم، فهل من المعقول أن ينجح الصفويون أو غيرهم في وضع قواعد مذهب ولد قبل إسلامهم وقبل تشيعهم بعشرة قرون؟ نعم لا ينكر أثر التناقل الثقافي أو المثاقفة ولكن تأثيرها محدود عادة وهي تحدث في كل المجتمعات الإنسانية فما نقله الصفويون للتشيع يقابله ويزيد عليه ما نقله العثمانيون إلى التسنن، يكفي دليلا أن الشيعة لم يعترفوا بإمامة السلاطين الصفويين ولكن السنة عدوا سلاطين آل عثمان مكملين للخلافة الإسلامية وقال الدكتور الصلابي عن سقوط الإمبراطورية العثمانية: "بسقوطهم سقطت الخلافة الإسلامية".

ومن يتابع تواريخ ولادة المذاهب يجد ولادة التشيع تتقدم على جميع المذاهب الأخرى بقرون فالتشيع ولد باتفاق المؤرخين في المدة المحصورة بين عصر البعثة وسنة ست وثلاثين هجرية. نعم توجد أقوال شاذة تدفع تاريخ الولادة إلى سنة ستين هجرية ولكن لا يعول عليها بسبب ضعفها، كما أنها حتى لو كانت صحيحة فمعنى ذلك أن التشيع ولد قبل أول مذهب آخر بنحو مائة وسبعين عاما وكانت ولادته عربية قرشية هاشمية باتفاق المؤرخين أما باقي المذاهب فتشوبها الأعجمية قمة وقاعدة.

 

س7: سلام كاظم فرج: لم تصلني مؤلفاتكم التي صدرت مؤخرا .. هلا حدثتنا. أبا أيمن .. عنها .. علمت أن لكم إصدارات عن الإمام الكاظم عليه السلام. وعن الإمام الحسن عليه السلام .. هل حققتم في رأيكم الكريم ــ إضافة نوعية على ما نعرفه عن تاريخ الإمامين عليهما السلام والرؤية التأريخية العلمية لطبيعة تأثيرهما على الفكر الإسلامي؟؟

ج7: صالح الطائي: المهم في الكتابة أن لا تكون تقليدا لما سار عليه السلف، فالتجديد ولاسيما في الشأن الديني أكثر أهمية من غيره نظرا لمؤثراته على الوعي العام. والعالم اليوم يحاكم النصوص بعقليته لا بعقلية النص الديني ويفكك المناهج برؤاه لا برؤى الدين، ولا يمكن أن يحدث التواصل بين الجانبين إلا إذا ما تم الحديث بلغة مفهومة للطرفين.

في مؤلفاتي أحاول التناغم مع التجديد ورفض التقليد مع أن هناك من يعترض على هذا المنهج ولا يرضاه بل ويطعن فيه، فالفاشي بين المؤلفين أن يتحدثوا عن الظلامة المعادية التحريضية فقط وأنا أتحدث عن الظلم بأنواعه، بما فيه ظلم ذوي القربى، ومنه على سبيل المثال تلك التهمة السمجة التي نسبتها السياسة وأتباع الفصيل السياسي العربي إلى الإمام الحسن (ع) بأنه كان مزواجا مطلاقا مما دفع أحد المستشرقين للقول بأنه تزوج بين 300 إلى 900 زوجة، حيث وجدت في نقول مدرسة أهل البيت لأحد الكتاب المشهورين وله كتاب بعنوان (قصص الأنبياء) هو من الشهرة بمكان لدرجة أنك يصعب أن تجد بيتا خال منه، وجدت قولا جاء فيه: "كان الإمام الحسن مزواجا مطلاقا مذواقا" ولا أدري كيف اختار كلمة (مذواق) التي لم أجدها في أحاديث باقي المسلمين ربما لأنه أراد التأكيد على قوة ذكورية الإمام الحسن (ع) ولكنك حينما ترجع إلى النقول المعتبرة تجد أحاديث صحيحة لرسول الله (ص) تلعن الذواقين من الرجال والذواقات من النساء؛ ومنها قوله (ص): "لعن الله الذواقين من الرجال والذواقات من النساء" وعن أبي هريرة: "تزوجوا ولا تطلقوا فإن الله لا يحب الذواقين والذواقات" وفي مصنف ابن أبي شيبة قال: عن شهر بن حوشب قال : تزوج رجل وامرأة على عهد النبي (ص) فطلقها فقال له النبي: "طلقتها؟ قال: نعم! قال: من بأس؟ قال: لا يا رسول الله! ثم تزوج أخرى ثم طلقها فقال له رسول الله: طلقتها؟ قال: نعم! قال: من بأس؟ قال: لا يا رسول الله! ثم تزوج أخرى ثم طلقها فقال له رسول الله: أطلقتها؟ قال: نعم! قال: من بأس؟ قال: لا. فقال رسول الله في الثالثة: "إن الله لا يحب كل ذواق من الرجال ولا كل ذواقة من النساء". فكيف يستقيم هذا القول مع ما معروف عن الإمام الحسن؟ كيف يكون الحسن غافلا عن حديث جده؟

ولذا جاء كتابي عن الإمام الحسن بجزئين تحت عنوان (الحسن بن علي الإمامة المنسية) خصصت الجزء الأول منه للحديث عن دور السياسيين العرب في الحراك الذي دار في جزيرة العرب منذ الأيام الأولى للبعثة ولغاية قيام الدولة العباسية لأثبت من خلال ذلك أن العداء بين المذاهب الإسلامية سببه السياسة العربية وليس الاختلاف الديني.

أما كتابي عن الإمام الكاظم وهو بعنوان (خرافة كثرة زوجات الإمام الكاظم) فينح نفس المنحى في رد الروايات الضعيفة والمدسوسة سواء صدرت من مدرسة الخلفاء أو من مدرسة أهل البيت لا فرق في ذلك. وأما كتابي الذي قامت بإصداره ونشره شبكة الإعلام العراقي وهو بعنوان (نحن والآخر والهوية) فيتناول الدين من حيث هو بؤرة تجتمع عندها النفوس النقية دون حاجة لاستيراد مناهج تعليمية فالأمركة التي نجحت في توحيد أمريكا لا يمكن أن تنجح في توحيد العراقيين الذين لا يحتاجون إلى أمركة أو عرقنة لأنهم أصل واحد حتى وإن اختلفوا اثنيا فالسومريين والأكديين والأشوريين والبابليين والعرب المسلمين والأكراد كلهم من أصل عراقي جمعتهم العرقنة عبر التاريخ. وأنا في رأيي هذا لا أعارض رأيي السابق بضرورة الإفادة من الخبرة الغربية في الحوار بين المذاهب.

وسأنتهي قريبا إن شاء الله من تأليف كتاب بعنوان (سعيد بن جبير تابعي قتله تشيعه) أثبت من خلاله أن المجتمع الأول كان شيعيا وسنيا متحدا متآخيا يصعب عليك معرفة شيعيه من سنيه لأنهم على منهج واحد.

كما قاربت الانتهاء من كتاب بعنوان (أثر الطعام على السلوك البشري وعلاقته بالعمليات الإرهابية) اعتقد أنه سيثير ضجة كبيرة مع أني اعتمدت على كتب الفقه التي ألفتها المذاهب نفسها لاستقاء آراء البحث.

ما أريد قوله: إني إنسان صاحب مشروع بنائي أتمنى وارغب بإنجازه وهو يهدف إلى تصحيح بعض مواطن الاعوجاج في حياتنا وعلاقتنا وعيشنا وعقائدنا وطقوسنا، وأنا هنا لا أخاطب فئة بعينها وإنما أخاطب المسلم وغير المسلم مهما كان مذهبه، فالحياة لا يمكن أن تكون مريئة هنيئة إلا بالعيش المشترك.

 

س8: سلام كاظم فرج: إضافة الى الكتب البحثية. اعلم أنكم قد حصدتم جوائز في مسابقات في المقالة الاجتماعية .. هل حدثتنا عن نوعية تلك المسابقات والمشاركات؟

ج8: صالح الطائي: أنا لا زلت هاو لكتابة المقالات والنقد الأدبي، فحينما أشعر بوجود وقت فراغ أو حينما يستفزني خبر ما، أو حينما أتعب من البحث في بطون الكتب عن معلومة تخصني ألجأ إلى الكتابة في الشأن السياسي والتربوي والأدبي والحياتي.

وقد توافقت رؤاي مع موقع صحيفة المثقف الذي نشرت فيه الأعم الأغلب من مقالاتي مما دفع القائمين عليه بتكريمي بشهادة تقديرية مع درع المثقف وهو تكريم أعتز به كثيرا، كما قام موقع رابطة الكتاب العراقيين بتكريمي للسبب نفسه، وقد اتيحت لي فرصة الاشتراك بمسابقة كتاب بلا حدود الدولية في محور المقالة وشاء الله أن تفوز مقالتي بالجائزة الثانية من بين (27) دولة اشتركت بـ(475) موضوعا، اما المقالة فكانت بعنوان (الأشياء الصغيرة قد تغير حياتنا) كما تم تكريمي من معهد السلام الأمريكي بسبب مجموعة دراسات نشرتها عن صنع السلام في الإسلام وعن حوار الأديان، فضلا عن ذلك كرمت من قبل الكثير من المؤتمرات العلمية في داخل العراق وخارجه.

وقد فزت مؤخرا (خلال شهر رمضان الجاري) بالجائزة الأولى في مسابقة الكتابة عن الإمام الحسن بن علي (ع) عن كتابي الموسوم (الحسن بن علي الإمامة المنسية) وهو كتاب بجزئين، كان واحدا من أصل (25) كتابا لمؤلفين عراقيين وعرب اشتركوا في المسابقة التي أقامتها العتبة العباسية المشرفة؛ وهو تكريم لا يوصف نظرا لأهمية الموضوع. تكريم كبير آخر تحقق من خلال اعتماد كتابي الموسوم (جزئيات في السيرة النبوية) ككتاب منهجي يدرس لطلاب قسم التاريخ في جامعة واسط. وهناك جوائز كثيرة أخرى والحمد لله

 

س9: سلام كاظم فرج: تتميز كتبكم،  وهذه ظاهرة نادرة بسرعة نفاد النسخ المطبوعة .. سيما كتابكم القيم (نظرية فارسية التشيع ..) الصادر عن دار العارف .. وكتابكم القيم (جزئيات . الصادر عن دار ميزوبوتاميا .. كيف تعللون ذلك؟ في زمن شح فيه القراء .. وتعثر فيه تسويق المطبوعات على الورق. بعد انتشار المطبوع الالكتروني؟؟

ج9: صالح الطائي: ثبت لي بالتجربة أن شخصية الكاتب والموضوع الذي يكتب عنه وعنوان الكتاب وتصميم الغلاف وحجم الكتاب وسعره وتقارب موضوعة الكتاب مع حدث مجتمعي معين؛ كلها عوامل تتحكم بالطلب على الكتاب ولاسيما إذا كانت مادة البحث غير منشورة على مواقع الانترنيت أو لا توجد معلومات وافية عنها. وبتوفيق من الله ومنه اخترت تلك المواضيع الحساسة وحاولت جاهدا أن أتحكم بعوامل العرض والطلب وإذا ما كنت قد حققت النجاح فذلك بفضل الله تعالى.

 

س10: سلام كاظم فرج: لن أتعبكم أستاذنا العزيز ونحن في شهر الصوم الكريم . واترك لكم المساحة التي ترونها مناسبة لكم في التعريف بأسماء تركت تأثيرا كبيرا في تاريخ الفكر الاسلامي .. قد يكون هذا التأثير سلبيا. وقد يكون إيجابيا ..

1 / عبد الله بن سبأ .. (هل هي شخصية حقيقية ام وهمية؟)

2 / المغيرة بن شعبة

3/ ابو موسى الاشعري

4 زياد بن ابيه (ابن ابي سفيان ..)

5/ حجر بن عدي

6/ عمر بن عبد العزيز

7عبد الله بن بلتعة ..

8 أم المؤمنين جويرية بنت الحارث ..

 

ج10: صالح الطائي: ربما تجد هذه الأسماء كلها قد مر ذكرها في كتبي بشكل موسع أو مختصر، ولا بأس أن نتحدث عنها قليلا.

1ـ عبد الله بن سبأ: شخصية وهمية بامتياز وأجد أن كل من يعتقد بصحة وجوده وصحة دوره في الأحداث يوجه إهانة عظيمة جدا للعقل العربي المسلم، ومن العار أن يدفعنا التنافس للنزول إلى هذه الدرجة المنحطة لنظهر بإرادتنا يهوديا لقيطا لا أصل ولا فصل له يستغفل عقول الصحابة والتابعين ويضحك على ذقونهم. من يتكلم عن هذا النكرة يسيء إلى الإسلام ونبيه وقرآنه وعقيدته وقد آن الأوان ليتخلى عنه الذين تعلقوا به عبر التاريخ فمجرد ذكره يعد خزيا كبير لا نرضى به لمسلم.

2ـ أما المغيرة بن شعبة: فهو رجل ذكوري ماكر خبيث بمعنى الكلمة طوع الدين لخدمة السياسة وطوع السياسة لخدمة المصلحة الشخصية، متلون بكل ما للكلمة من معنى، طلق في يوم ما أربع نساء دفعة واحدة لمجرد نزوة وتزوج غيرهن في اليوم ذاته مخالفة الشريعة، وهو بطل قصة الميل والمكحلة مع أم جميل التي أنقذه منها الخليفة عمر. كان يجيد الفارسية واليهودية ويتعامل مع الجانبين خدمة لمصالحه. توقف الآخرون عن الحديث عنه بسبب العصمة التي أضفتها السياسة على جيل الصحابة ولولا هذه العصمة لسمعت عنه هوائل تقرب من الخرافة.

3ـ أبو موسى الاشعري: أسلم هو والأشعريون وأبو هريرة بعد فتح خيبر وكان مثل باقي المسلمين ولكنه بسبب ضغوطات السياسيين وإغراءاتهم حاول تثبيط عزائم الناس عن نصرة علي بن أبي طالب (ع) في حربه مع أهل الجمل وهو ما دفع الإمام الحسن (ع) للتطاول عليه، وبسبب الضغوطات نفسها اختار أن يكون ممثلا لعلي في مفاوضات حرب صفين وتسبب في خلع الإمام وتثبيت معاوية مقابل الثمن الذي قبضه من السياسيين. من الصفات التي أضفوها عليه أن صوته في قراءة القرآن كان يشبه مزامير داود، وقد جاءته هذه الصفة من حديث رواه بنفسه قال فيه: " قال رسول الله (ص): لو رأيتني وأنا أستمع قراءتك البارحة لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود، فقلت يا رسول الله، لو علمت أنك تسمع قراءتي لحبرته لك تحبيرًا". ولا أدري كيف دمجوا بين صوت المزمار الآلة الموسيقية التي يقاس بها الصوت الجميل، وبين النص الديني الوارد في التوراة والذي يطلق عليه اسم مزمور وجمعها مزامير، وهي المعروفة بمزامير داود!

4ـ زياد بن أبيه يكفيه أنهم حينما يتحدثون عنه لا يكملون كلامهم؛ كما في قولهم المشهور: "ولد في السنة الهجرية الأولى، في الطائف، أمه سمية كانت جارية عند الحارث بن كلدة الثقفي الطبيب الشهير". ولا يكملون حديثهم عن أبيه. قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء: " وهو زياد بن عبيد الثقفي، وهو زياد ابن سمية، وهي أمه، وهو زياد بن أبي سفيان الذي استلحقه معاوية بأنه أخوه". أخوه لأمه الصحابي أبو بكرة المنحرف عن علي (ع)

وقد بلغ الحسن بن علي (ع) أن زيادا يتتبع شيعة علي (ع) بالبصرة، فيقتلهم، فدعا عليه . ثم جمع أهل الكوفة ليعرضهم على البراءة من الإمام علي (ع)، فأصابه حينئذ طاعون في سنة ثلاث وخمسين ومات.

5ـ حجر بن عدي: يكفيه أنه كان يدعى حجر الخير وأنه وصف بالصلاح والتعبد، ومن قتله كان يدعى الطليق ابن الطليق، يكفيه أن كل المسلمين حزنوا على قتله، يكفيه أن أم المؤمنين عائشة غضبت على معاوية وأنكرت أن يكون حليما كما روج له أتباعه، يكفيه أنه استشهد لأنه رفض أن يسب أسد الإسلام وقديسه علي بن أبي طالب (ع). كان حجر بن عدي قائدا عسكريا معروفا بالشجاعة والشهامة والورع والتقوى والزهد والأمانة والصدق، وهو من أعظم قادة الفتوحات الإسلامية، وصفته كتب التراجم بأنه كثير العبادة حتى وصفه الحاكم في المستدرك براهب صحابة خاتم الأنبياء، و جاء في تفسير ابن كثير أن حجرا كان شجاعا تقيا ظهرت له كرامات في حروبه و شهادته في ما وصفه الطبري و ابن الأعثم.

حجر بن عدي أنموذج للشهيد الإسلامي على مر العصور، وسيبقى المثل الأعلى لقيم الشهادة والمروءة والثبات على المعتقد، رحم الله حجرا فقد كان صادق الإيمان.

6ـ عمر بن عبد العزيز: قد يكون شمعة البيت الأموي، ولكن أمره ضخم أكثر مما يحتمل، ونسب إليه من فضائل غيره الكثير، لعبت السياسة لعبتها في تجميل صورته حينما أطلقوا عليه لقب الخليفة الراشد الخامس متجاوزين الحسن بن علي (ع) الذي كانت مدة حكمه مكملة لحديث: "الخلافة ثلاثون عاما" على كل حال أعتقد أنه لو أتيح له أن يحكم كما حكم الأمويون الآخرون لصدر منه ما صدر منهم، وهذا مجرد رأي.

7ـ عبد الله بن بلتعة: لا أعرف عبد الله بن بلتعة هذا ولكني أعرف حاطب بن أبي بلتعة الذي أرسله النبي (ص) إلى المقوقس. قال المرزباني في معجم الشعراء: "كان أحد فرسان قريش في الجاهلية وشعرائها". وهو من المخضرمين، ولد قبل البعثة المشرفة، شهد مشاهد الرسول ومع ذلك ثبت أنه راسل قريش ليدلهم على نية النبي بغزوهم. وهو أحد الذين رووا حديث: "من رآني بعد موتي فكأنما رآني في حياتي ومن مات في أحد الحرمين بعث في الآمنين يوم القيامة". الذي ذكرناه آنفا، وبالرغم من انه مات سنة 30 للهجرة عن 65 عاما إلا انه لم يرو غير هذا الحديث. أعتقد انه هو الآخر ضخمت سيرته.

سلام كاظم فرج: نعم كنت اقصد حاطب بن أبي بلتعة . شكرا للتصويب

8ـ أم المؤمنين جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن عائذ بن مالك بن المصطلق سباها الرسول (ص) يوم المريسيع أو ما يعرف بغزوة بني المصطلق سنة (5) للهجرة، كانت متزوجة بابن عمها مسافع بن صفوان الذي قتل في المعركة، يقولون في السيرة: إنه عندما قسمت الغنائم وقعت جويرية في سهم ثابت بن قيس فكاتبته على نفسها، وكانت امرأة جميلة فأتت النبي (ص) تستعينه على كتابتها فرأتها السيدة عائشة فكرهتها لملاحتها وحلاوتها وعرفت أن رسول الله (ص) سيرى منها ما رأت، أي سيفطن إلى جمالها وكأنه كان يترصد الجميلات ليتزوجهن، فقالت: "يا رسول الله! أنا جويرية بنت الحارث سيد قومه وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك وقد كاتبت فأعني" فقال: "أو خير من ذلك؟ أؤدي عنك وأتزوجك؟" فقالت: "نعم"، فقال: "قد فعلت." فبلغ الناس، فقالوا: "أصهار رسول الله. فأرسلوا ما كان في أيديهم من الأسرى. كان عمرها يوم زواجها من رسول الله عشرين سنة. وقد تكلمت عن هذا الزواج في كتابي "جزئيات في السيرة النبوية" لما فيه من إساءة لرسول الله (ص) حيث يتضح من هذا النص أنه كان يزايد أصحابه على الجميلات فيأخذهن منهم عنوة.

وأخيرا أتوجه بالثناء الكبير والشكر الجزيل للأخ والصديق العزيز الأستاذ سلام كاظم فرج لتفضله بإجراء هذا الحوار في هذا الشهر المبارك الفضيل وأدعو له ولصحيفة ومؤسسة المثقف وأسرتها بكل خير، كما أدو الله سبحانه ان يجمع شملنا ويوحد كلمتنا وينصرنا على أعدائنا ويؤمنا في أوطاننا، وله الحمد أولا وأخرا

 

سلام كاظم: وفي الختام لا يسعني سوى تقديم الشكر الجزيل الى الباحث الأستاذ صالح الطائي على طيب تقبله لأسئلتنا وسماحة فكره، وأناته وصبره على أسئلة قد تكون شائكة .. تعمدنا طرحها لكي نثبت ان الفكر الإسلامي .. أكثر حرية وسماحة مما يتصور خصومه. وقد أثبت الأستاذ صالح الطائي هذه الحقيقة فشكرا له . ألف شكر ..

 

خاص بالمثقف

 

سلام كاظم فرج

صحيفة المثقف

29-7-2013

 

salam kadomfarajraed sodaniخاص بالمثقف: للمؤرخ الاستاذ رائد السوداني مؤلفات مهمة وجديرة بالقراءة والتأمل .. تحمل تحليلات وإرهاصات مستقبلية رغم انها تتناول حوادث تاريخية .. ميزة الاستاذ السوداني إنه لا يكتفي بسرد التاريخ . بل يبني على سرده نظرات لما سيكون عليه تأثير ذلك التاريخ على حركة الحاضر والمستقبل .. اختلفت معه في محطات . واتفقت معه في محطات .. تبعا لقناعاتي الفكرية وركام ما املكه قياسا لما يملكه الرجل من وعي بقراءة التاريخ وتراكم معرفي .. وتلك من بين اهم الاسباب التي تجعل التحاور معه لذيذا ومفيدا .. وبسبب ذلك .. اعددت هذه الحلقة من باب مرآيا ..

للأستاذ السوداني مؤلفات عديدة .. من اهمها واكثرها نفوذا في ذائقتي كتابه في التاريخ العراقي المعاصر (حكم الازمة ..) الذي اهداه إلى من امتلك قلبه (العراق ..). وله ايضا كتاب (الاستشراق والتبشير تأملات في دورهما السياسي) .. وله ايضا (الاحتلال الاميركي للعراق مقدمات وأسباب) .. سأبدأ كعادتي مشاكسا. وأرجو ان انتهي متصالحا مع الاستاذ رائد السوداني ..

 

س1: سلام كاظم فرج: رمضان كريم استاذ رائد .. تقبل الله صيامكم. واعاده عليكم وعلى أمة العرب والمسلمين باليمن والبركات.،  واهلا بكم في صحيفة المثقف،  مرايا حوارية: ثقافية - فكرية.

ج1: رائد السوداني: رمضان كريم عليك أستاذي سلام وعلى كل من يتصفح المثقف وغير المثقف ولاسيما أستاذنا ماجد الغرباوي والعاملين معه متمنيا للجميع في شهر التسامح والكرم هذا كل التقدم والعطاء وراجيا من الله العلي القدير أن يعم السلام في ربوع وطننا الجريح (العراق) وفي أرجاء المعمورة عموما .

 

س2: سلام كاظم فرج: (التعصب ليس خبثا .. ) .. هذه الجملة وردت في (حكم الازمة ) على لسان بيير دي فوميل وهو يتحدث عن مدحت باشا .. هل ترى استاذ رائد ان هذه الجملة صحيحة من ناحية عقيدتك الفكرية من جهة. ومن ناحية كونك كاتبا في علم مهم .. هو علم التاريخ؟؟

ج2: رائد السوداني: بعيدا عن توصيف هذه الجملة (التعصب ليس خبثا) أود أن أذكر ما أؤمن به من حقيقة مفادها، أن تحمل أنت أو شخص آخر أو أنا  فكراً أو عقيدة ما ويحاول كل منا  أن يروج لها ويدعو الناس لاعتناقها فهذا العمل مما لا أعده مثلبة، ولا خبثاً أيضاً إن أحببت أن أردد كلمة الرحالة الفرنسي المذكور أعلاه (بيير دي فوصيل) لكن أين هي مكامن الخلل أو المثلبة والذنب؟ من خلال التجارب التي مرت تكمن كل هذه التوصيفات عندما يصدق صاحب الفكرة والعقيدة (وهنا أتحدث عن النشاط الانساني) بأنه الأوحد في هذا العالم فكر واستقرأ ومن ثم  استنتج وبالتالي فإن فكرته الوحيدة التي تصلح لهذا العالم وحل مشاكله ومعضلاته، وعليه يجب أن لا يجرؤ أحد على التفكير وصياغة أفكار جديدة وإن حصل هذا فتلك جريمة يجب أن تستأصل فوراً بكل الأساليب .والحقيقة الاخرى التي أؤمن بها،  أن الأفكار لا تحبس ولا تسجن ولا تحاصر ولا تستأصل وهنا أحيلك أيها الأخ والاستاذ سلام كاظم فرج إلى واحدة من عيون الأدب الروائي العراقي وأنت الضليع في هذا المجال وهنا أسجل اعترافا بأنني فوجأت بالأدب الروائي العراقي إذ أخذت بقرائته متأخرا جدا، وهنا أعني برواية الأديب هشام توفيق الركابي (المبعدون) والتي تتناول قضية تحويل السلطات الملكية في العراق من بدرة النائية إلى منفى لمعارضيها وأغلبهم بطبيعة الحال في ذلك الوقت إن لم نؤكد جميعهم  من (الشيوعيين) وإن لم يذكر الروائي أن أبطاله ينتمون إلى هذا الحزب لكن مجريات الرواية تؤكد ذلك وتاريخ المدينة يؤكد هذا الشيء، والأمر المهم الذي أريد أن أبينه من هذه الرواية أنه وعلى الرغم من أن الحصار الذي ضرب على المبعدين فإنهم لم ينقطعوا عن انتمائهم الذين أبعدوا جرائه، ولا استطاع الحصار الذي ضرب عليهم في بدرة، فقد عاشوا حصارين، حصار المكان النائي، وحصار داخل هذا المكان أيضا لكن لم يحد الإجراء القاسي والتعسفي هذا دون وصول المنشورات إليهم ومن ثم إيصالها وتوزيعها إلى أبعد نقطة في بدرة ولم يمنعهم حتى قتل رفيقهم جراء التعذيب من مواصلة دربهم الذي اختطوه .وقد وجدنا أنا وأنت أستاذنا سلام كاظم فرج أن التفكير الواحد والحزب الواحد القائد كيف قادنا إلى المفكر الأوحد والحاكم الأوحد الذي رسم الحياة العراقية ودخل فيها وتدخل في دقائقها الدقيقة حتى قادنا إلى ما جرى يوم 9/4/2003، فلم ينظر هذا القائد الضرورة عند نفسه إلى ما حوله، إلى العالم الرحب وإلى التقدم الحاصل فيه وحسب نفسه أنه الوحيد فيه، الحقيقة المطلقة،  بل وصل إلى حقيقة أنه العالم بأسره، وبطبيعة الحال هذا ديدن كل المستبدين بأفكارهم الذين ينزعون عن أنفسهم كل حواس التفكير إلا حاسة الأنا .وتجدر الإشارة إلى هذا الأمر والتكرار أيضا إلى أن حاسة الأنا تكون كارثية عندما يكون حاملها قد تسلط فيتحول الحكم إلى فرداني أي حكم الفرد الواحد الذي لا شريك له، الذي يصل إلى عبادة الفرد الحاكم، أي بمعنى أن يصل الحاكم إلى تصور نفسه الأوحد على الأرض، فلا راد لأمره، هذا الفكر والتصور ليس فقط خبثا بل قل كفرا.

 

س3: سلام كاظم فرج: أًعتبر مدحت باشا في زمنه كرجل غريب الاطوار وشاذ. واتهم بالماسونية والعمالة للغرب كونه أدخل او حاول ان يدخل الحياة البرلمانية الى الدولة العثمانية .. محاولاته تلك انتهت بقتله على يد السلطان عبد الحميد؟ على المدى البعيد من انتصر من وجهة نظر الاستاذ رائد .. في تركيا على الاقل .. عبد الحميد ام مدحت؟؟

ج3: رائد السوداني: بالنسبة لمدحت باشا فقد اختلف عليه من تناول سيرته، فمنهم من جعله مصلحا كبيرا، ومنهم من جعله ابنا شرعيا للأجنبي وقبل أن أنقل رأيي في مدحت باشا وهو مستل من حكم الأزمة ج1أود أن أذكر ما توصلت إليه في من نجح سواء مدحت باشا أو عبد الحميد الثاني وأقول كلاهما لم ينجح لأنهما مستبدان برأيهما ولا يمتلكان نقطة التقاء بينهما ولا بين من يختلف معهما من الآخرين وهذا غير جائز بطبيعة الحال لا بالعمل السياسي ولا بالعلاقات الانسانية بطبيعة الحال وأما ما ذكرته عن مدحت باشا وتهمة العمالة والماسونية إذ جاء في هامش صفحة 122طبعة دار ضفاف امن حكم الأزمة الآتي "عندما يتحدث الباحث عن مدحت باشا يجب أن يعطي الصورة كاملة عن هذا الشخص صاحب الانجازات الإدارية (وحتى هذه الانجازات لم تكن من عندياته بل سياسة مركزية حتمت الظروف المحيطة بالدولة العثمانية أن تقوم ببعض ما سمي بالاصلاحات) لكنه كسياسي يعرف عنه أنه غير ملم بالقضايا الستراتيجية ولا بالعلاقات الدولية المبنية على المصالح فعندما طالب مدحت باشا بالتجديد فإن الصورة كانت أمامه ضبابية فتصور أن مجرد أن تعلن الحياة الدستورية في الدولة العثمانية ستكف بريطانيا وفرنسا والنمسا وبروسيا وروسيا عن تدخلاتها في شأن الدولة أو أن السلطان ذاته سيقتنع بأن الحياة الدستورية الحقيقية لا الصورية التي أعلنت في 1876ستكون مانعا لهذه التدخلات فقد جرت الوقائع أن الدول أو المجتمعات المتماسكة والتي تبني نظمها السياسية باتفاق أطياف المجتمع كافة تكون طرقها مسدودة أمام التدخلات ومن أي نوع، وحتى ارتباط مدحت باشا واتصاله بالسفير كاننغ ليلة عزل السلطان عبد العزيز لا يمكن أن يضعها المرء في خانة العمالة والماسونية كما ذكر السلطان عبد الحميد في مذكراته فهذا يحتاج إلى اثبات، فالسفير المذكور كانت له اليد الطولى على مصدر القرار في اسطنبول بدءا من السلطان وانتهاءا بالباب العالي أو الصدر الأعظم وكان نفوذه حد عزل وابقاء وإعادة الصدر الأعظم، فهل يستبعد السلطان عن العمالة وتلصق بمدحت باشا فقط لكن ومن الوقائع أن الدولة العثمانية بأجمعها كانت دون قانون ودستور ولا سياسة مبنية على أسس علمية يهتدي بموجبها الساسة الأتراك آنذاك" وهناك أمر جوهري يجب أن ندركه حول مفهوم العمالة فهذه المفردة لم تعد لها معان كالسابق وتغيرت معطياتها هذا إن وجدت لها معطيات في الوقت الحاضر، فعلى سبيل المثال لم تعد إسرائيل لدى الكثير من الباحثين هي العدو المركزي الأول أو التهديد الأول للأمة العربية وتحول اللقاء المسؤول العربي بالإسرائيلي شيئا مألوفا وتحول العداء إلى صورة أخرى، إذ تقوقع إلى الذات، أعني تحول العربي أو المسلم إلى أن يعد المسلم الآخر الذي يعتنق مذهبا إسلاميا مغايرا لما يعتنق هو إلى عدو وإلى تهديد على الوجود العربي ككل، وكي لا أغرق القاريء في التكهنات أتكلم بصراحة، لم يعد الاتصال بإسرائيل لا عمالة ولا خيانة بل إيران الشيعية هي الخطر المحدق بالأمة وعلى العرب التحالف مع أمريكا وإسرائيل لإزالته .أليس هذا الحاصل الآن؟ ألم يتحول سلاح المقاومة في لبنان إلى خطر  عليها نزعه وبكل الوسائل .فقد انقلب الحال رأسا على عقب ولم تعد إسرائيل هي العدو ياصديقي بنظر أكثر العرب والمسلمين.

 

س4: سلام كاظم فرج: لي وجهة نظر في حركة السيد محمد سعيد الحبوبي في مواجهة الانكليز في الشعيبة (البصرة ..) تختلف عن وجهة نظركم. وان كنت مخطئا ارجو التصويب .. الحبوبي رحمه الله .. هانت عليه سنين الاحتلال العثماني التي مزقت العراق وأذلت العراقيين لاربعة قرون من الزمن. فتعاون مع العثمانيين ضد الانكليز وهو بعد لم يجرب حكم الأنكليز .. والسبب ان هؤلاء مسلمون . والقادمون كفرة؟؟ اليس في ذلك فهما مبتسرا لمعنى الاسلام؟؟ وهل يبيح الاسلام إذلال شعب عريق مثل شعب العراق؟

ج4: رائد السوداني: لا لم أختلف معك في توصيف الوجود التركي في العراق بالاحتلال لا اليوم ولا بالأمس ولا غدا بل أعده من الاحتلالات المقيتة جدا إذا جاز لنا وصفها وهنا لابد لي من العودة إلى حكم الأزمة لأجتزء منه هذا النص والذي أجده ضروريا للإجابة على سؤالك هذا  والذي يؤكد  في صفحة (54) أن "الاحتلال التركي يبقى هو الأبرز في حقبة ما قبل الاحتلال البريطاني للأثر الذي تركه على الحياة الاجتماعية في البلد حيث مارست السلطة العثمانية السياسة الطائفية بكل أبعادها المعروفة، حتى أنها عدت مناهضة المذهب الجعفري نوعا من أنواع الجهاد وأحد عوامل النهوض بالنسبة للحكم العثماني حيث يصرح صاحب هذا النص (علي محمد الصلابي في الدولة العثمانية عوامل النهوض والسقوط) في توضيحه وتقديمه لكتابه بالقول بقوله (ويوضح للقاريء حقيقة الدولة العثمانية والأسس التي قامت عليها والأعمال الجليلة التي قدمتها للأمة كحماية الأماكن المقدسة الإسلامية من مخططات الصليبية البرتغالية، ومناصرة أهالي الشمال الإفريقي ضد الحملات الصليبية الأسبانية وغيرها، وإيجاد وحدة طبيعية بين الولايات العربية، وإبعاد الزحف الاستعماري عن ديار الشام ومصر، وغيرها من الأراضي الإسلامية، ومنع انتشار المذهب الاثنا عشري الشيعي الرافضي إلى الولايات الإسلامية التابعة للدولة العثمانية ومنع اليهود من استيطان فلسطين) وعلينا أن ننظر إلى الخطورة في الموضوع من خلال أن العراق يعد موطن التشيع الأول ويضم مراقد أئمة الشيعة كما يضم مراقد الإمام أبو حنيفة والشيخ الكيلاني وغيرهما، كيف يكون التعامل السياسي هنا داخل المجتمع الواحد ،  وهكذا فلسفة تحكم الحاكم، سوى عقلية إلغاء الآخر ، وكيف تكون العلاقة بين أبناء المجتمع، بطبيعة الحال ستكون النتائج سلبية على هذا المجتمع من خلال التراكم الزمني .أما عن موقف السيد محمد سعيد الحبوبي فالجواب عنه يكون على مستويين أو أكثر.

المستوى الأول: ينطلق من حقيقة مفادها، إذا كان البلد تحت احتلال تركي لا يعني أن أقبل أن يأتي غاز آخر مكانه وهذا مما لا يقبله العقل أو المنطق بأي حال من الأحوال لاسيما من رجال أمثال السيد الحبوبي وعبد الرزاق الحلو وغيرهما ولم يكن هذا حال السيد الحبوبي بطبيعة الحال بل أن الأمر ينطبق على العشائر العربية القاطنة على حوض دجلة أي من شيخ سعد وحتى المدائن فكانت هذه العشائر مصدر قلق كبير وكبدت القوات البريطانية خسائر كبيرة أثناء الحملة الأولى على بغداد التي وصلت فيها القوات البريطانية إلى المدائن ومن ثم تقهقرها وحصارها الشهير في الكوت، فكانت لإمارتي زبيد، وربيعة والعشائر  المكونة لهما صولات ضد الجيش البريطاني ولا ننسى عشائر بني لام بزعامة غضبان البنية على الرغم من أن هذه العشائر لها صولات وجولات ضد العثمانيين نتيجة السياسة الضرائبية والعسكرية في العراق، أي بمعنى كان السيد الحبوبي ينظر إلى أفق أبعد من وجود بني عثمان المتهالك تلك الأيام.

المستوى الثاني: هو الوازع الديني الذي يتحرك بموجبه السيد الحبوبي وصحبه والذي يجد في الغزو البريطاني عملا واجب التصدي له لكن هل موقف السيد الحبوبي كان الموقف الوحيد في المؤسسة الدينية، لم يكن هذا الموقف الوحيد فقد قابله موقف للسيد محمد الصدر المضاد للدولة التركية وقد بينه الأستاذ عباس علي في كتابه عن السيد الصدر بعنوان (زعيم الثورة العراقية) وبطبيعة الحال أن موقف السيد لم يكن مؤيداً للغزو البريطاني فقد كانت له القيادة البارزة إبان ثورة العشرين لكن ما وجده من الأتراك جعله لا يحرك ساكنا باتجاه الدفاع عنها وإن لم ينتقد الحركة التي قادها السيد الحبوبي.

المستوى الثالث : وحسب اعتقادي أن السيد الحبوبي وصحبه والمؤسسة التي ينتمي إليها لم ترد أن يتحدث التاريخ فيما بعد أن الحوزة لم تحرك ساكنا تجاه الغزو البريطاني الذي بدأ بعد يوم واحد من دخول العثمانيين للحرب العالمية الأولى وهنا وقعت المؤسسة الدينية أمام لحظة تاريخية بالفعل، فقد وقعت ردة الفعل البريطانية على الخطوة التركية بدءا من الفاو والبصرة وكان الهدف بغداد(يعني العراق لا غيره كان الهدف) فهل تقف الحوزة موقف المتفرج، لا أعتقد أن اللحظة التاريخية كانت تقف بصف القول بالانتظار .لاسيما أن المجتمع العراقي وعلى وجه التحديد الشيعة منه مرتبط ارتباطا وثيقا بالحوزة، وقد مرت بنا أحداث ثورة العشرين وكيف هو التلاحم بين العشائر والحوزة ) فلا يمكن والحال هذه أن تقف مكتوفة الأيدي مع تعرضها للسؤال عن موقفها من الغزو، وهو منكر ومرفوض في كل الأحوال.

 

س5: سلام كاظم فرج: تعقيبا على جوابكم على السؤال الرابع .. ولكن الانكليز بنوا في خمسين عاما . مالم يستطع العثمانيون تقديمه خلال خمسمائة عام؟؟!!. قدموا لنا حكما وطنيا. وبرلمانا عراقيا؟؟ وفتحوا مدارس. وانشأوا سكك حديد؟؟ جلبوا ساطع الحصري لتأسيس نظام تعليمي متطور ووضعوا عبد المهدي المنتفكي وزيرا للمعارف؟ العثمانيون لم يقدموا شيئا. بل دمروا كل شيء .. فكيف غاب ذلك عن السيد الحبوبي في إرهاصاته؟؟ ورؤيته للمستقبل؟؟

ج5: رائد السوداني: فأما مقولة حكومة وطنية فلها وعليها ردود كثيرة ولو راجعنا التاريخ قليلا والوثائق والمذكرات التي صدرت لتوصلنا إلى نتيجة تكون بالضد من  هذه المقولة فعلى سبيل المثال، لم يرفض الملك فيصل الأول طيلة عهده أي أمر أو رأي أراده الإنكليز بالمطلق وكان القرار أو الرأي أو أي مشروع لا يمرر إذا لم يوقع عليه بالموافقة من قبل المندوب السامي ولا يعين رئيس وزراء ولا يستقيل ولا تقبل استقالته إلا بموافقة دار الاعتماد البريطانية ويطول الحديث في هذا المجال، أما البرلمان فقد كانت مؤسسة عبارة عن ألعوبة بيد كل من الملك والمندوب السامي ورئيس الوزراء المعين، فكل رئيس وزراء يكلف بتشكيل الوزارة يعمد إلى حل البرلمان القائم ويأتي ببرلمان يفصل على مقاس المهمة التي جاء من أجلها وقد حدث هذا مع عبد المحسن السعدون ومع نوري السعيد الذي اشترط حل البرلمان في دورته الثانية ليصار إلى انتخاب البرلمان في الدورة الثالثة وقد كانت مهمته الرئيسة والوحيدة المصادقة على معاهدة 1930مما ولد العديد من التساؤلات حول أحقية البرلمان هذا في التصديق على باقي القوانين والتشريعان لأن الإرادة الملكية نصت على أن مهمته التصديق على هذه المعاهدة (أرجو أن يراجع من يريد المراجعة مذكرات توفيق السويدي وهو ركن من أركان الحقبة الملكية وسيجد موقفه من البرلمان العراقي).أما السكك الحديدية أتعرف أستاذ سلام أنها كانت تعد من طرق المواصلات (لحكومة جلالة الملك البريطاني) ومارسوا شتى الأساليب للمحافظة والاحتفاظ بهذا المرفق المهم لهم مع الموانيء والطرق الجوية .أما ساطع الحصري وعبد المهدي المنتفكي فهذه حكاية طويلة ومؤلمة من تاريخ العراق والأمر لا يتعلق بالسيد عبد المهدي وزملائه الآخرين من وزراء المعارف الذين في غالبيتهم يتم اختيارهم من الشيعة لكن لا صلاحيات لهم، فالصلاحيات عند مدير عام المعارف (ساطع الحصري) وليتك تدرس مذكراته في الجزء الأول وكيف يذكر هؤلاء الوزراء والذين من ضمنهم المجدد هبة الدين الشهرستاني ومحمد رضا الشبيبي، ومحمد أبو المحاسن وغيرهم بالهزء والسخرية منهم والحط من شأنهم الإداري والثقافي والسياسي، وأما عن مشروعه الذي ناقشناه في الجزء الأول من حكم الأزمة بشيء من التفصيل ففي  صفحة 409و410جاء فيها "أن مناهج التعليم التي وضعت في العراق بإشراف الإنكليز، وبقيادة ساطع الحصري لم تكن تركز على حب العراق كبلد وحضارة مثلما تؤكد على التمسك بحب البلدان العربية الأخرى، وقد كان ساطع الحصري المحرض على سياسة المكافحة الثقافية التي طالت الشيعة، بالتوازي مع سياسة الإبعاد السياسي والإداري في العراق، وقد كان ساطع الحصري جاهلا جهلا تاما بتشكيلات المجتمع العراقي عموما، كما أنه يجهل، أو يتجاهل متعمدا في حقيقة الأمر، العلاقة بين الشيعة في العراق والشيعة في إيران واعتبر ولاء الكل لإيران" والحقيقة وكما ذكرنا أعلاه أن موضوع ساطع الحصري موضوع له أهميته فقد تداخل فيه التربوي مع السياسي مع العقائدي فلا انفكاك بينها، ولا يستطيع الباحث تفكيك العلاقة في ساطع الحصري بين هذا الثالوث المهم إذا جاز لنا التعبير في ذلك (التربوي – السياسي – العقائدي) إلا بتفكيك شخصيته، وعلاقته بفيصل الأول وبرسي كوكس ليكونوا أيضا ثالوثا خطيرا له تأثيره الكبير على المجتمع العراقي على المساحة الزمنية بأكملها منذ تنصيب فيصل الأول وإلى يومنا هذا وفي صفحة 411من حكم الأزمة جاء عن ساطع الحصري أيضا "ولم يكن الحال مع ساطع الحصري عند الشيعة فقط بل تعداه إلى كل ما هو وطني، أو متعلق بالتراث، والحقيقة إذا أخضعنا موقف كل من كوكس، فيصل، وساطع الحصري إلى تفكيك بسيط، نجد أن الثلاثة كل مرتبط بالآخر، فكوكس هو عنوان الاحتلال، وفيصل صنيعة الاحتلال، أما ساطع الحصري فهو عثماني التوجه، والهوى، وفرنسي الثقافة، علماني دعا إلى إيجاد قومية عثمانية بدلا عن القومية العربية أو القومية التركية، وقد رفضهما بشدة، أن الحصري كان في رأيه أنه بالإمكان أن يتم الوصول إلى الوطنية بانصهار  جميع الأطياف الدينية والعرقية بالدولة، لكنه عندما أصبح مديرا للمعارف لم يستطع أن يروض نفسه بقبول الآخر كشريك في البلد (ويعامله بالمواطنة المنصهرة في بلد واحد)؛على أن الآخر هو من أبناء البلد ومنذ قرون؛ والحصري جديد جاء مع فيصل والمشروع البريطاني وأخذ يحدد الولاءات على الأشخاص لمجرد أنهم ينتمون إلى الطائفة المحكومة، ولا يختلف الحصري عن النقيب في تغيير الولاءات مثلا، فكلاهما عثماني التوجه ولكنهما غيرا وجهتهما لمجرد انتصار البريطانيين " وبهذا نخلص في صفحة 412إلى أن " من الطبيعي أن يبحث الثلاثة عن آلية فكرية تبعد ابن البلد عن جذوره سواء الدينية أو الوطنية، وكانت هذه الآلية هي فكرة القومية العربية، المنسلخة تماما عن كل جذر عربي، بل هي موتورة، وهنا تثير فقرة الدكتور فرهاد إبراهيم إشكالية ذكرناها آنفا، وهي أن العلماني في العراق على وجه الخصوص، هو من يمارس السياسة الطائفية، وهذا ما يمثله الحصري الذي ليس لديه أية معلومات دينية مسبقة حول الشيعة وموقفه من هذه الطائفة لأنه في الأصل طوال حياته علمانيا لكنه يعتقد أن شيعة العراق هم هوية وانتماءا خاصا من الواجب استئصاله والتغلب على هذا الانتماء لصالح القومية العربية " وفي صفحة 413جاء "وأما الإنكليز عندما وصلوا إلى العراق فهم حملوا معهم مشروع التعاون مع إيجاد أفراد يحملون الفكرة القومية اليمينية، وهؤلاء لا وجود للشيعة بينهم .إذاً ساطع الحصري أعطى مبايعته لهذين الاتجاهين، ولم تأت أفكاره وممارسته التعليمية من فراغ، أو عدم معرفة، يقول الدكتور أحمد جودة (نجد أن سياسة ساطع الحصري قد سارت على أسس سلجوقية وعثمانية فخلال الاحتلال التركي السلجوقي لبغداد والذي أخذ على عاتقه مهمة التمييز بين المذاهب الإسلامية وحرمان المسلمين من غير مذهب السلطة حق التعليم وهي السياسة التي سار عليها العثمانيون وعانى منها العراق الكثير) " علما أن ساطع الحصري يمثل إشكالية أخرى مع إشكالية إيمانه بالقومية العثمانية قبل أن يتحول إلى القومية العربية وتتمثل هذه الإشكالية بعد معرفته للغة العربية حتى بلوغه الأربعين عاما من عمره، ومع ذلك يصر على أن الشيعة ليسوا بعرب  حتى صدر في عام 1931وأثناء ولاية الحصري في وزارة المعارف كتاب لأحد الذين يعملون في هذه الوزارة بعنوان (العروبة في الميزان) أنكر فيه عروبة الشيعة بل عدهم سليلي المجوس وفي العراق هم بقايا الساسانيين وإن ولائهم لإيران .هذا يعني أن البريطانيين لم يقتصر عملهم بالمنهج الطائفي على النخبة السياسية بل امتد لخلق نشأ جديد مبني على القومية الطائفية الإقصائية في البلد وينكر وجود الآخر في البلد ويعتبره دخيلا. أما لماذا استبق السيد الحبوبي الأمر وقاوم الغزو البريطاني فأعتقد أنه بفكره الثاقب ومن خلال معايشته للاحتلال العثماني لم يرد أن ينتظر ماذا يفعل الغزاة حتى يبادر إما إلى حراك فيه مقاومة أو مهادنة .

 

س6: سلام كاظم فرج: العراق بلد عشائر .. وطوائف .. هل ترى ان الطائفية صنيعة الاحتلال الاميركي. ام انها صنيعتنا؟؟ في الستينات خفت وتيرة حديث الطائفية وكنا نخجل من الحديث فيها وعنها . على الاقل المثقف كان يخجل من حديث الطائفية وكان يجري التركيز على الخدمات ووعود التحرر الوطني.والاقتصادي والاجتماعي ..

الان حتى المثقف شمر ساعده ينافح عن طائفته. حتى ان شاعرا ماركسيا مثل سعدي يوسف. عز عليه تهميش طائفته فانبرى مهاجما مرجعيات الشيعة. هل ترى في ذلك نكوصا ام ارتقاء .. وهل ترى ان الخطاب الشيعي العالي النبرات صعد الخطاب السني؟ ام العكس هو الصحيح؟ وكيف يفسر الاستاذ رائد كمؤرخ إنزواء الخطاب الوطني البحت وتراجع مفردة عراق امام مفردة الطائفة والقومية .. حتى تقدمت العصبية الطائفية والقومية على العصبية لعراق مزدهر خدماتي؟؟

ج6: رائد السوداني: لا يوجد حدث سياسي ابن يومه ولا ظاهرة سواء اجتماعية أم سياسية بنت لحظتها، بل هما بفعل التراكمات الزمنية والتي تبقى كامنة تحت السطح إلى أن تأتي اللحظة المناسبة لإظهارها وهذا ما حدث بعد الاحتلال الأمريكي، الذي جاء وإحدى حججه طائفية الحكم، وعندما انقلب أو تحول الوضع أصبحت الطائفة الحاكمة والتي اكتسبت هذا الحق كما ترى هي بفعل عامل الزمن المتراكم من أيام الدولة العثمانية مرورا بتنصيب عبد الرحمن النقيب رجل الدين السني بهيئته المعروفة رئيسا لأول حكومة بعد الاحتلال البريطاني، وصولا إلى حكم البعث وصدام حسين، تشعر بأن حقا قد ضاع أو انتزع منها، و لا فرق هنا بين علماني (سني) أو إسلامي (سني) ولو أشارت الوقائع بأن طائفية العلماني أشد من طائفية الإسلامي  .هذا وقد بينا جانبا ضئيلا في هذا المجال في فلسفة الحكم العثماني، ومايسمى بالحكم الوطني بقيادة الملك فيصل الأول ومن ثم السياسات التي مارستها السلطات المتعاقبة على حكم العراق، وربما باستثناء عبد الكريم قاسم .ولو عدنا إلى ما قرره الإنكليز لحكم العراق وكيفيته لوجدنا ما حدث بعد 2003 شيء حتمي، وقد ابتدأت الحكاية من هنا من مراسلات المس بيل التي تذكر فيها صانعة عرش فيصل الأول في العراق عام 1921في رسالة بعثتها إلى ذويها بتاريخ 3/10/1920وتقول ما نصه في صفحة 291من جيرترود بيل من أوراقها الشخصية 1914-1926لإليزابيث بيرغوين وترجمة نمير عباس مظفر "تعتبر مسألة الشيعة على الأرجح المشكلة الأكثر جسامة في هذا القطر " وفي صفحة 292تؤكد"إذا ما أردنا إقامة كيانات تعتبر بحق نظائر للمؤسسات التمثيلية،  فإننا سنجد أن العناصر الشيعية تشكل أغلبية الأعضاء فيها .ولهذا السبب بالذات لا يمكن إقامة ثلاث مناطق تتمتع جميعها بالحكم الذاتي .ولابد من الاحتفاظ بمنطقة الموصل السنية لتشكل جزءا من دولة وادي الرافدين لغرض تعديل التوازن .وتعتبر هذه الحجة برأيي من بين الحجج الرئيسة باتجاه منح بلاد مابين النهرين حكومة مسؤولة .وباعتبارنا أشخاصا خارجيين،  فإننا غير قادرين على التمييز بين أبناء الشيعة والسنة،  ولابد من ترك هذا الجانب لهم لأنهم سيتمكنون بالنتيجة من تجاوزه،  تماما كما فعل الأتراك من قبلهم،  بطرق ملتوية معينة تعتبر في الوقت الحاضر السبيل الوحيد للتخلص من المشكلة .ولابد للسلطة أن تكون بيد أبناء السنة،  على الرغم من كونهم أقل عددا،  لتفادي قيام دولة يديرها المجتهدون تعتبر شرا ما بعده من شر" ولا بد من الإشارة إلى ما يؤكده  أيضا وعلى نفس الصعيد تشارلز تريب في كتابه المهم صفحات من تاريخ العراق وفي صفحة 68"أما بيل (ويقصد المس بيل)،  فقد صارت مقتنعة بأن القومية العربية كانت تتطور بزخم لا يمكن الوقوف بوجهه .وبالنسبة إليها،  كانت تلك إشارة إلى أنه على البريطانيين أن يعملوا مع القوميين الذين ينتمون بمعظمهم إلى الحضر والسنة لتحديث البلاد وإنهاء ما اعتبرته التأثير الرجعي لرجال الدين الشيعة وأتباعهم من القبائل" وفي صفحة 85يؤكد تريب هذه الحقائق الخطيرة قائلا" ومن الخصائص التي سرعان ما بدت واضحة في تركيبات الدولة الجديدة هي غياب الموظفين الشيعة عن المناصب الإدارية العليا في ما عدا العتبات .فالنظام القديم الذي كان سائدا في العهد العثماني والذي غلب السنة على تكوينه،  أعيد إحياؤه على ما يبدو .والحقيقة أن الوضع ما كان ليكون غير ذلك .فقد استبعد الشيعة عن الإدارة العثمانية بشكل واسع وقلة منهم تمتعوا بخبرة إدارية" وبطبيعة الحال لم تكن هذه حجة دامغة لاستبعاد شريحة واسعة من الشعب،  فاستدرك المؤلف القول ليؤكد حقيقة الأمر بقوله "أضف إلى أن موقف النقيب (يقصد عبد الرحمن النقيب) وغيره من أعيان بغداد تجاه الشيعة عموما والحذر الذي ساد بين الأوساط البريطانية نحوهم عقب الثورة شكلا أساسا مشتركا لاختيار موظفي الدولة الجديدة من فئات أخرى .ولم يكن عليهم ليبحثوا بعيدا .ذلك أن أعدادا كبيرة من الموظفين العثمانيين السابقين العرب السنة بمعظمهم،  والذين استبعدوا حتى الآن من قبل البريطانيين،  كانوا يتطلعون الآن إلى الحكومة الجديدة لتعيدهم إلى المكان الذي اعتبروه حقا من حقوقهم الشرعية " هذا على الجانب المدني أما على الجانب العسكري،  فيذكر تشارلز تريب "وكان هذا الأمر الأكثر وضوحا في تشكيل الجيش العراقي،  وهي واحدة من أولى الخطوات التي اتخذتها الحكومة الجديدة عام 1921.فقد احتل جعفر العسكري،  وهو ضابط عثماني سابق في بغداد انضم إلى قوات الشريف في مكة إبان الثورة العربية،  منصب وزير الدفاع .ونظم عودة حوالي 600 ضابط عثماني سابق من أصل عراقي،  ومن أولئك الرجال،  الذين تم اختيارهم على نحو حصري تقريبا من عائلات سنية عربية من الولايات الثلاث،  تشكل الجيش العراقي الجديد" وإليك ما تذكره الباحثة الأمريكية الدكتورة فيبي مار في كتابها تاريخ العراق المعاصر العهد الملكي وفي صفحة 59"في المراحل المبكرة للمعارضة كان البعض راغبا بالتعاون مع السنة الأكثر اعتدالا .وحتى في أواخر نيسان 1922،  فإن جعفر أبو التمن،   رجل أعمال شيعي وسياسي بغدادي معروف بآرائه الوطنية الجياشة،  كان راغبا بالمشاركة في وزارة يهيمن عليها السنة .آثر أبو التمن الاستقالة على توقيع المعاهدة،  وبعد استقالته،  توسعت شقة الخلاف بين المتشددين الشيعة والمعتدلين السنة،  الراغبين بالتعاون مع بريطانيا" (لاحظ من يرفض التعاون متشدد ومن يتعاون معتدل)، هذه بعض من فلسفة الإنكليز في طريقة وشكل الحكم في العراق، أما من نصبتهم من العراقيين فانظر كيف يفكرون، فهذا عبد الرحمن النقيب، فإليك هذا الموقف منه "تذكر المس بيل في كتابها فصول من تاريخ العراق في صفحة 478 والذي هو عبارة عن تقارير ترسلها لمراجعها في لندن بأنها قابلت النقيب في عام 1919إذ تقول أنه قال لها"لكنني أقول لك أن تكوني حذرة من الشيعة،  وإنني ليست لي خصومة مع الطائفة الشيعية .واستطرد قائلا إنهم يودونني ويحترموني،  وهم يعدونني شيخهم .لكنك إذا رجعت إلى صفحات التاريخ ستجد أن أبرز ميزة تميز الشيعة هي خفتهم .ألم يقتلوا هم أنفسهم الحسين بن علي الذي يعبدونه الآن كما يعبدون الله؟  فالتقلب والوثنية تجتمعان فيهم إياك أن تعتمدي عليهم" ولم يتغير موقف النقيب هذا بعد أن تولى رئاسة الحكومة المؤقتة بأمر بريطاني،  وينقله أمين الريحاني في كتابه ملوك العرب في صفحة 857إذ ذكر النقيب للريحاني "في البلاد وطنيون كثيرون وكلهم رجال سياسة .ولكن ليس في رؤوسهم عيون تريهم ما هم فيه .أين هم من البلاد،  وأين البلاد منهم؟ كانوا أمس تحت الترك،  واليوم يبيعون البلاد إلى الترك بفلس لينتقموا ممن يظنونهم أعداءهم .نحن أخذنا الأمر على عاتقنا،  ولا نسأل التوفيق من غير الله،  ولا نتوكل إلا عليه سبحانه وتعالى  .. أما اجتمعت بالوطنيين ياأفندي وسمعتهم يتبجحون؟ غدا تجتمع بكبارهم في كربلاء والنجف ..نصف هذا الاجتهاد جهل،  ونصفه عناد ."ثم قال للريحاني "أما الوطنيون في البلاد فأي شيء عندهم؟ هل هم يحبون البلاد أكثر منا وهي بلادنا قبل أن تكون بلادهم؟ وأكثرهم لا يزالون من الأجانب "في إشارة أنهم ليس من العراقيين.هذا موقف الساسة الذين نصبتهم بريطانيا ولا يختلف موقف السعدون عن هذا الموقف ولا موقف الملك فيصل أيضا واستمر الحال حتى نهاية العهد الملكي من الحقبة البريطانية، إذ أنا في تقديري وأكررها دائما أن الحقبة البريطانية تنقسم إلى عهد ملكي وعهد جمهوري باستثناء عبد الكريم قاسم كشخص والحلقة الضيقة التي استشهدت معه يوم 8/2/1963، ومن أراد التفصيل أكثر عليه أن يراجع كتاب حنا بطاطو الأول، وفي تقديري أن ما ورد أعلاه كان ضروريا للوصول إلى مرحلة الستينيات التي تتحدث عنها أستاذنا الكريم سلام كاظم فرج، فالانقلابيون على عبد الكريم قاسم من نفس المدرسة التي تخرج منها ساسة العراق،  (الضباط الشريفيون)، أو تلامذتهم، المتأثرون بالمدرسة التركية والتي امتزجت فيما بعد بالفلسفة الطائفية السياسية للإنكليز بعد الغزو البريطاني  .وفي الستينيات من القرن العشرين سيطر على الساحة السياسية العراقية من 1963إلى1968كل من الأخوين عبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف بعد مقتل الأول الذي عرف عنه بالحكم الطائفي وقد تحرك السيد محسن الحكيم بهذا الاتجاه وأعرب عن امتعاضه وعدم رضاه في قضية التعيينات التي يحرم منها أبناء الشيعة عندما زاره طاهر يحيى رئيس الوزراء في عهد عبد الرحمن عارف مع عدد من وزرائه، والطائفية موجودة حتى في وبين أعضاء الأحزاب العلمانية لاسيما حزب البعث فقد كان ينظر إلى الأعضاء الشيعة على أنهم من العجم، ولو نظرنا إلى الحلقة الضيقة التي كانت تحيط بعبد الرحمن عارف لتوصلنا إلى نتيجة كباقي النتائج عن أخيه أو من تلاه في الحكم، فقد كان يحيط بالرئيس عبد الرحمن عارف كل من عبد الرزاق النايف، وإبراهيم الداوود، وسعدون غيدان، هؤلاء في القصر الجمهوري الذين ضربوا عليه الطوق، وبعد ذلك طاهر يحيى وعبد الرحمن البزاز وغيرهما كثير .وهناك أبيات من الشعر الشعبي ظهرت في تلك المرحلة تعبر عن الحالة الطائفية التي كانت في الستينيات لطالما رددها على مسامعي الاستاذ صالح الطائي، وهذه الأبيات تقول

مستاهل وحيل وياي ما عدلت جنسيتي

لو عندي ذرة من العقل جا سجلت تكريتي

لا وين ما ننطي الوجه نسمع بنغمة تكريت

عالعمل لو ردت أنسئل من عانة أصلك لو هيت

شجابني بديرة علي يا ناس آني شسويت

بالحق أجيت وجلبت وتمزكت حدريتي

لا ريت لا شفت النجف لا شفت وجهج كربلا

كلمن تسمى بهالاسم بأول على عمرة ابتلى

من راوة دبرلك نسب وأركض وحل المشكلة

لا تظل تلف طول العمر محد يعينك تيتي

واسمع بعد هذا الخبر أصل العرب عثماني

عدنان بلبل لو رطن يحسن التركستاني

دور وثيقة تأيدك تركي الأصل عثماني

تصبح من أقطاب العرب وتصيح يا قوميتي.

وبطبيعة الحال مع كامل الاحترام لأهل هذه المناطق الكرام لكن الواقع السياسي الطائفي فرض نفسه في هذه القصيدة التي اختزلت الواقع العراقي السياسي طيلة 82عاما وليست الستينيات فقط ، وليس هذا فقط، فالتأميمات التي حدثت إبان حكم عبد السلام عارف كانت وحسب بعض المصادر وفي مقدمتها كتاب طارق مجيد العقيلي في كتابه المهم (بريطانيا ولعبة السلطة في العراق، التيار القوموالطائفية السياسية) أنها حدثت لمصادرة أموال الشيعة، إذ كان التجار في غالبيتهم من الشيعة، علما أن التأميمات قادها الثلاثي عبد السلام عارف – طاهر يحيى – خيري الدين حسيب.كما أن البكر وأثناء التحضير لإنقلاب 17/تموز /1968وفي مناقشتهم لمن يشغل منصب نائب رئيس الجمهورية أقترح اسم ناجي طالب فرفض رفضا قاطعا بزعم أنه شيعي ولا يريد أن تكون سابقة تصدر منهم تتمثل أن يتولى هذا المنصب شخص من الطائفة الشيعية .هذا هو الحال في الحقبة البريطانية .ولا ننسى أيام الحرب العراقية الإيرانية كيف كان التعامل مع الجندي على أساس الهوية بعد سؤاله عن منطقة سكناه، فإن كان من الجنوب فيرسل إلى الجبهات وإن كان من المناطق الأخرى يرسل إلى وحدات كالاستخبارات أو الأمن العسكري التي لا موت فيها، هذا كان الحال سواء في أوائل تأسيس ما يسمى بالحكم الوطني إلى 2003ليأتي الدور على أمريكا التي لعبت هي الأخرى على هذا الوتر وننقل عن الكاتب العبد الحميد سلوم هذا النص "في شباط 2011 نشر الكاتب الأمريكي / مايكل كولينز بايبر/ مقالاً في موقع / أمريكان فري برس  American Free Press/أشار فيه إلى بحث نشرته دورية المنظمة الصهيونية العالمية المعروفة/كيفونيم/بقلم الصحفي اليهودي/عوديد ينون/المرتبط بالخارجية العبرية،  ودعا فيه بوضوح  إلى نشر الفوضى في العالم العربي،  وإحداث انقسام في الدول العربية من الداخل إلى درجة تصل إلى/بلقنة/مختلف الجمهوريات العربية وتجزئتها إلى جيوب طائفية..! وهذا كان ترداد لذات الأجندة التي طرحها البروفسور اليهودي الراحل/ إسرائيل شاحاك/ وهدفها تحويل الكيان العبري إلى قوة عالمية من خلال نشر الفوضى في الدول العربية وبالتالي إعداد المسرح في الشرق الأوسط للهيمنة العبرية.

هذه الإستراتيجية سبق وتحدث عن شبيه لها الأكاديمي الأمريكي/زبغنيو بريجنسكي/ قبل أن يصبح فيما بعد مستشار الرئيس كارتر لشؤون الأمن القومي،  وذلك في كتابه/بين عصرين العصر التكنوتروني/الصادر في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي والذي دعا فيه للاعتماد على الأصوليات الدينية لمواجهة الخطر الماركسي،  ودعا لهيمنة رجال الدين وإشعال حروب الأديان والطوائف،  وتقوية التيارات الدينية التي لا ترى العالم إلا من زاوية الدين والخلافات الدينية ....! وفي إحدى تصريحاته يقول: إن منطقة الشرق الأوسط ستحتاج إلى تصحيح الحدود التي رسمتها اتفاقية سايكس - بيكو ومقررات مؤتمر فرساي.! وكان قد سبق لوزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر أن صرح أنه بهذه المنطقة تواجدت كل الأديان ولا يمكن التعامل معها إلا من خلال الدين!  أي أن اللعب على وتر الدين هو المدخل المناسب لتنفيذ المشاريع التي تصبو إليها الصهيونية العالمية!

وأعتقد أن كل منا قد قرأ مشروع المستشرق الصهيوني الأمريكي،  البريطاني الأصل/بيرنار لويس/ عن تقسيم الشرق الأوسط بكامله بحيث يشمل تركيا وإيران وأفغانستان،  وقد تمت الموافقة على هذا المشروع بالإجماع في الكونغرس الأمريكي عام 1983. وفي مقابلة لبرنار لويس في 20/5/2005  قال تماما ما يلي: " إن العرب والمسلمين قومٌ فاسدون ومفسدون فوضويون،  لا يمكن تحضرهم،  وإذا تركوا لأنفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمر الحضارات وتقوّض المجتمعات،  ولذلك فإن الحل السليم للتعامل معهم هو إعادة احتلالهم واستعمارهم،  وفي حال قيام أمريكا بهذا الدور فإن عليها أن تستفيد من التجربة البريطانية والفرنسية في استعمار المنطقة،  لتجنب الأخطاء والمواقف السلبية التي اقترفتها الدولتان... وأنه من الضروري إعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية،  ولا داعي لمراعاة خواطرهم أو التأثر بانفعالاتهم وردود الأفعال عندهم،  ولذا يجب تضييق الخناق على هذه الشعوب ومحاصرتها واستثمار التناقضات العرقية والعصبيات القبلية والطائفية فيها،  قبل أن تغزو أمريكا وأوروبا لتدمر الحضارة فيها". وفي البحث الذي كتبه الصحفي البريطاني جوناثان كوك في العام 2008 كشف عن الدور الذي لعبته اليهودية في إذكاء الصراع بين الحضارات ومحاولة جعل تلك المقولة أساسا لنظرة العالم إلى مكوناته الأساسية لا سيما البلدان الإسلامية!" فهل ياترى لمكونات مجتمعنا دور أو أثر فيما نحن فيه، أعتقد أنك تتفق معي في توصيف أنفسنا بالأدوات لا غير .أما عن المثقف العراقي، فإن أغلب المثقفين العراقيين مؤدلجين غير مجردين من انتمائهم، وإن تجردوا ففي زمن القوقعة الفكرية يحتمي بأبناء جلدته لو صح التعبير، ولم يظهر لحد الآن فيما بيننا من يلعب دور المصلح من المثقفين ويبدو لي من خلال الوقائع أن مجتمعنا العراقي غير مهيأ لأن يكون المثقف مصلحا، وأستطيع القول أن رجل الدين في العراق هو الأقدر على لعب هذا الدور .ومرة أخرى أؤكد أن التراكمات الزمنية للمارسات الطائفية على المستوى السياسي جعلها تتجلى وتظهر على السطح في أول سانحة لها .وهنا يجب أن نسجل حقيقة مهمة حول من السبب الخطاب السني أم الخطاب الشيعي وهي أن الطرفين يتحملان المسؤولية كاملة، فالسني الحزبي أو المثقف السني عد الأمر سلبا لحق شرعي اكتسب بمرور الزمن كما أكدنا سابقا ونؤكد حاليا وهي السلطة، فهو حاكم ولا يستطيع أن يكون محكوما، أما الشيعي المثقف أو الحزبي عاش على مظلومية الشيعة والمظلومية تتمثل في السلطة، هنا تكمن الإشكالية من يتنازل للآخر في وضع تؤججه الأيادي الخفية، هنا يأتي دور المصلح الديني من الطرفين لإيجاد نقاط مشتركة ويصار إلى عقد اجتماعي تلتئم بموجبه كافة الأطراف، وأفترض في قولي هذا أن الأطراف كلها تمتلك قرارها، وهذا مستبعد في الوقت الراهن.فالقرارات تتخذ عبر الحدود.

 

س7: سلام كاظم فرج: صدر الجزء الاول من حكم الازمة لكم. فمتى يصدر الجزء الثاني؟

ج7: رائد السوداني:  بالنسبة للجزء الثاني أن شاء الله سيكون في متناول القراء قبل عيد الفطر المبارك حسبما ذكر الناشر ويقع في تسعة فصول ويتناول حقبة الملك فيصل الأول في ظل المعاهدات، وهي معاهدة 1922و1926و1927و1930فضلا تناول قضية مهمة وهي قانون الجنسية العراقي رقم 42لسنة 1924وقد أبديت استغرابي بأن هذا القانون لم يتم تناوله من قبل أغلب من كتب في الشأن العراقي حتى من الأجانب مثل حنا بطاطو، فإذا كان مفهوما أن لا يتناول الموضوع كل من علي الوردي وعبد الرزاق الحسني لوجود الخطوط الحمر في هذا المجال، لكن من غير المفهوم أن يتم تجاهل الأمر من قبل الكتاب من غير العراقيين، ويبين الجزء الثاني كيف كان عبد المحسن السعدون مسيطرا على الساحة السياسية بتأييد وإرادة إنكليزية، كما يبين كيف تتعامل الجهات البريطانية مع الجانب العراقي عند التحضير لمعاهدة جديدة وتدخلات الملك فيصل في هذه التحضيرات .كما تناول النفط في حياة العراقيين وكيفية فرض الامتيازات لشركة النفط  التركية وإقراراها قبل صدور القانون الأساسي مما أثار استياء الفعاليات السياسية من رئيس الوزراء آنذاك صاحب المواقف المزدوجة على مدى حياته السياسية.

 

س8: سلام كاظم فرج: تتويج فيصل ملكا على العراق اليس فيه استهانة بقدرات العراقيين؟؟ اليس في العراقيين رجال أكفاء؟ طالب النقيب؟ عبد الرحمن النقيب؟ عبد الواحد الحاج سكر؟ علوان الياسري؟؟ كيف ارتضى أولئك الرجال ان يستورد لهم ملك من الحجاز؟

ج8: رائد السوداني: هذا فيه إجابة على عدة مستويات :المستوى الأول :- أن العراقيين وقبل سايكس بيكو والاحتلال البريطاني، حالهم كحال العرب الآخرين لم يعرفوا كيانا سياسيا مستقلا و لاحدود بينهم، فهم توارثوا دولة اسلامية لا حدود فيها و لاجنسيات، فالملك فيصل نفسه توج ملكا على سوريا، وأغلب الضباط الذين حاربوا معه أثناء ما سميت بالثورة العربية الكبرى بقيادة لورنس العرب عام 1916أصبحوا فيما بعد كبار الساسة العراقيين بعد تتويجه ملكا على العراق، ومنهم نوري السعيد على سبيل المثال، وهذا ليس استثناءا في التاريخ فملكة بريطانيا الحالية لا تنحدر من أصول بريطانية، بل من أصول جرمانية وحتى عام 1917كانت عائلة الوندسور وهو الاسم الحالي لعائلة الملكة البريطانية تحمل اسما جرمانيا .

المستوى الثاني :ويتعلق بالمستوى الأول بما أن العرب لا يعرفون آنذاك الحدود فيما بينهم فقد طالب الثوار العراقيين بحكومة عربية، إسلامية، وهنا إسلامية لا تعني تحكم بالشريعة الإسلامية، لكنهم يعنون حاكما مسلما حسب تفسيري واقترحوا أحد أنجال الشريف حسين الذي كان يحمل آنذاك وحسب ما صورته الأحداث بأنه يحمل راية الاستقلال العربية من الاحتلال التركي (ليضع يده بيد الاحتلال الإنكليزي) فوجدوا أنه الأجدر ليحكم العراق، لكن وكطلبات سياسية تنم عن عمق التفكير للمطالبين بحكومة عربية، أردوا ملكا دستوريا، وأرادوا حكومة منتخبة، لكن المشروع البريطاني وإن جاء بمجلس تأسيسي وبرلمان لكنها حسب الطلب .

المستوى الثالث: فيصل بن الحسين خيار بريطانيا الأوحد سواء رضي وقبل العراقيون أم لا وقد كان اختيارهم الأفضل وقد ذكر ونستون تشرتشل ذلك إلى رئيس الوزراء البريطاني يصف الأمير فيصل بأنه يقدم أحسن حل وبأقل ثمن .أما عن العراقيين فطالب النقيب طالب بالعرش لكنه قمع فيما بعد، وأما عن عبد الرحمن النقيب فإنه لا يود فيصلا لكنه خضع لأمر بريطانيا وأبرق إلى فيصل مرحبا ومهللا، أما عن العشائر في الفرات الأوسط فقد ورد أحد الأسماء كي يرشح لكن العشائر ومن ورائها المرجعيات لم تقف عندها طويلا .

 

س9: سلام كاظم فرج: هل ترى ان الاحتلال الاميركي للعراق مازال قائما .. ام اننا عبرنا صوب الاستقلال؟؟ واتفاقية الاطار المشترك .. مع الولايات المتحدة الا تساعد في الحصول على دعم اميركي في مواجهة الاخطار المحدقة بنا .. بمعنى . هل نحن قد تحررنا بما يكفي لكي نستغني عن دعم اية قوى دولية او اقليمية؟؟. وهل وصلنا كشعب ومؤسسات الى سن الرشد السياسي لكي نطالب بالتحرر التام. ام سنظل مكبلين بالحاجة الى دعم هذا الطرف او ذاك؟

ج9: رائد السوداني:  يجب علي أن أكرر مقولة لا يوجد حدث سياسي ابن يومه، فالحدث نتاج تراكمات، وهذه قد تطول إلى عقود أو سنين، ولا يشذ غزو العراق من قبل أمريكا عن هذه القاعدة، فهي تحضر وبشكل مباشر وعلني لغزو العراق منذ 1990، أي بمعنى أن الغزو ليس وليد 2003أو أواخر 2002.هذا جانب أما الجانب الآخر، لا يوجد في السياسة عبثية، فالعبثية تقتل صاحبها، والعبثية لا تصدر إلا من مستبد ليس لديه إلا الحدث الآني ليرقص ويغني على أمجاده كي يعبر به أياما أخر في الحكم والسلطة لكن في حالة دولة من طراز أمريكا يختلف الوضع تماما، فهي دولة ستراتيجيات كبرى وعظمى، ودولة مشاريع على المستوى العالمي لسنين طويلة، فهل من المنطقي ترسل 150000جندي ومثلهم شركات أمنية وتخسر آلاف القتلى وآلاف الجرحى، وتنفق مليارات الدولارات وتعرض اقتصادها لأكبر هزة ومن ثم تقول تعالوا ياعراقيين لقد حققت لكم ما تريدون، فأزحت لكم صدام حسين فتعالوا احكموا أنفسكم بأنفسكم، وأقيموا الحريات والعدالة والمساواة، وتصرفوا بثرواتكم كما شأتم، من يقرأ تعاليم الأب الروحي للمحافظين الجدد (ليو شتراوس) سيجد أن أحد أهم تعاليمه الاختباء وراء أهداف نبيلة لتحقيق أهداف غير مرئية إلا لأصحاب القرار، والحقيقة أن قرار احتلال العراق تداخلت فيها السياسة مع الدين وهو المحرك الرئيسي في السياسة الأمريكية، ولا فرق بين أن يحكم جمهوري أو ديمقراطي، ولو إن الجمهوريين يظهرون هذا المبدأ أكثر من الديمقراطيين، لكن العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة يربطها الدين أكثر من السياسة وهذا ما صرح به باراك أوباما عندما خطب في جامعة القاهرة أكد أن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل غير قابلة للإنكسار فهناك روابط ثقافية وتاريخية بينهما، ياترى أي تاريخ هذا الذي يحكم بلدين حديثين بكل المقاييس وأي ثقافة غير الدين، والعراق منطلق الأديان في العالم حتى الدين الإسلامي تبلورت مذاهبه فيه وعلى أرضه، لابد أن يكون منطلق الفوضى في العالم وقد ورد في إجابة سابقة بعض من أهداف الطائفية في العالم الإسلامي والعراق جزء فاعل فيه .أما هل انسحبت أم لا، فبقاء الجيوش من عدمه لا يعني الانسحاب فأمريكا لم تأت لتستوطن في العراق كي تبقي جنودها عرضة للقتل، فقد أبقت أدواتها وصاغت فلسفتها السياسية التي تريد وشكلت منظمات تأتمر بأمرها، فلماذا بقاء الجنود والتكنلوجيا سريعة جدا والتأثير الاقتصادي جاهز، وأتصور في حالة مثل حالة العراق أن الساسة أنفسهم لا يرغبون بترك أمريكا للعراق فبتركه يذهبون، وأما اتفاقية الإطار المشترك فأين ومن يعرف عنها شيء حتى أكثر الساسة نفوذا في العراق لا يعرفون ماهية هذه الاتفاقية، والمسألة ليست وصلنا إلى سن الرشد السياسي أم لا، إنما الأمر يتعلق بالأهداف الأمريكية، والسؤال يجب أن يكون من وجهة نظري ؛هل أمريكا استغنت عن العراق؟ وهل العراق قابل لأن يستغنى عنه، وتركه وهو منطقة الصراعات بين الحضارات منذ الأزل؟ والجواب على ذلك يكون كالآتي ؛لو لم يكن العراق الجغرافي يمثل  أقصر الطرق وأهمها وملتقى بين ثلاث قارات وحضارات، وزالت عنه أهميته التاريخية والعقائدية، عندها نقول أن أمريكا قد تستغني عن العراق .

 

س10: سلام كاظم فرج: ثمة ثوابت في العملية السياسية لا تستقيم والديمقراطية الحقة .. مثل ان رئاسة الجمهورية مخصصة للكرد فقط ورئاسة البرلمان للسنة؟ ورئاسة الحكومة للشيعة؟؟ بل وصل الامر الى الوزارات الاخرى كالخارجية والتجارة للكرد والثقافة والدفاع والكهرباء والمالية للسنة .. والداخلية والتخطيط للشيعة ..

متى في رأيكم يخرج العراق الى دائرة الكفاءة والمهنية بدلا من المحاصصة الطائفية؟؟

ج10: رائد السوداني: من الأمور المفرحة (بعيداً عن الاحتلال وارهاصاته) أن نرى نحن الجيل الذي زامن وعاش فترة عرفت بحرب الشمال أن يكون كرديا رئيسا للعراق، مما يعني أن العراق وشعبه قادران على تجاوز المحن بهذه الطريقة الحضارية، لكن الذي حصل أن هذه إرادة أمريكية وأعني بها المحاصصة والتوافقات، إذ جاؤوا بقوانين وأنظمة انتخابية لا يمكن لأي طرف من الأطراف أن يشكل حكومة بمفرده هذا فضلا عن غياب قانون الأحزاب واللجوء إلى الكيانات والقوائم المبنية على أسس مذهبية وقومية وعندها تتشكل الحكومة من كل الأطراف المتنافسة فيحصل الشلل في مؤسساتها لأنها تضم أطراف متنافسة ومتخاصمة، والتخاصم والتنافس ليس على مستوى النخب كما كان يحصل في ستينيات القرن العشرين أو مخفيا بفعل التسلط  والقمع، إنما حاضر في الشارع وفي معظم الأحيان يتأثر الساسة بالشارع وليس الشارع يتأثر بالساسة فتنتقل آثارها على العلاقة فيما بين الأطراف التي شكلت الحكومة والبرلمان وعندما أقول الشارع، أعني به الشارع المتحرك بفعل أياد تحركه كيفما أرادت وأنى شاءت. أما كيف ومتى نتخلص من هذه السياسة ونقترب من السياسة القائمة على المهنية والكفاءة، أعتقد عندما يكون العراق خارج الاهتمام الأمريكي، أو تقوم حركة تحرر جامعة لكل أطياف الشعب تستعيد العراق من براثن الأمريكان عندها يمكن أن يصار إلى انتخابات رئاسية مباشرة بحيث يجوب المرشح كل أرجاء العراق ليطرح برنامجه على الشعب ويكون اختياره لا اختيار القوائم، لكن هذا يتطلب وعيا شاملا وتضحيات كبيرة لابد منها.

 

س11: سلام كاظم فرج: اختلفت معكم في علاقة الديمقراطية بالاسلام السياسي .. هل يمكن لإسلامي ان يكون ديمقراطيا.؟ وكيف؟ الإسلامي بطبيعته يسعى لأسلمة المجتمع والقوانين والمؤسسات .. فأين حصة غير الاسلاميين ونسبتهم في كل مجتمع ليست أقل من الثلث في كل العهود .. في العصر العباسي. صلب الحلاج وهو المسلم . وقتل ابن الراوندي .. واعدم بابك الخرمي. وقتل محمد النفس الزكية .. وفي العصر الاموي .. قتل ايضا حجر بن عدي وابن جبير . بسبب اجتهادات فكرية للإسلام السياسي .. حسن البنا. نظم سلسلة اغتيالات ضد مخالفيه .. في عهد البعث ( المسلم) كان القتل بمئات الالوف . والمقابر الجماعية تشهد .. وهجر الكرد الفيلية بمئات الالوف لانهم يختلفون عقائديا بعض الشيء عن اسلام الحكومة .. تقول استاذي الكريم ان بعض العلمانيين ينشرون فكرة خاطئة ان ثمة اكثر من اسلام. بمعنى هناك اسلامين او ثلاثة او اربعة. انا اقول. ان ثمة الف إسلام سياسي .. فكيف نوفق عمليا بين تلك الاسلامات ..؟

ج11: رائد السوداني: بالنسبة لأسلمة المجتمع إذا كانت عند تسلم الحكم من قبل حزب إسلامي فهذا مما لا أقره، فهذا استحواذ على الحقوق، أما إذا كان الحزب أو الحركة يجعل هدفه أسلمة المجتمع من خلال الحجة بالحجة والرأي حاله كحال أي حزب وأي حركة، فهذا حق مشروع ومبدأ وحراك سليم لكن إذا كانت العملية كما قلت في باديء الأمر لا يعني إلا الاستبداد لاسيما في مجتمع غير مستعد لتقبل ذلك وفي ظل محيط إقليمي ينظر بريبة وتحفظ لهذا الاتجاه، أما هل يكون الإسلامي ديمقراطيا، الجواب يكون كالآتي، إذا كان الحزب أو الحركة واعيا لما حوله يكون ديمقراطيا وإذا كان الحزب الإسلامي خارج الزمن وكأنه يعيش في جزيرة معزولة بالطبع النتيجة تكون معكوسة، وهناك مثل من العراق قريب، من المعروف أن الدستور الحالي ليس إسلاميا وليس فيه ما يشير إلى أنه إسلامي بالمطلق إلا في حدود  إن الإسلام مصدر رئيسي من مصادر التشريع لكن من دعا لهذا الدستور الذي يؤكد على تداولية السلطة واستقلال القضاء والفصل بين السلطات هو السيد السيستاني وأن الأحزاب الإسلامية (السنة والشيعة) تشارك في حكومة رسم خطها هذا الدستور على الرغم من الالغام الموجودة فيه، وقد شارك في العملية السياسية التي يرسمها هذا الدستور كل الفعاليات الإسلامية على الرغم من انتمائهم لفلسفة تقول بالحاكمية لله لكن الواقعية هي التي جعلتهم يتحركون في هذا المضمار .أما بالنسبة لما شهده التاريخ من قتل للمخالفين أعتقد سنصل أنا وإياك إلى نقطة الاتفاق لكن قبل هذا أرجو أن نخرج البعث من دائرة الإسلام فهو حزب خارج عن دائرة الفعل الإنساني ذو مشاريع غريبة ومغتربة أراد تطبيقها على أرض العراق، أما نقطة المصالحة فكل الحوادث التي شهدها التاريخ الإسلامي هي عبارة عن صراع سياسي وبهذا أنا قلت وذكرت أن الدين جزء منه السياسة، وأسوق مثلين، الأول استشهاد الحسين نتيجة قيامه بثورة أراد منها الإصلاح في دين جده، فمن الذي أفسد في دين جده، أليس الحاكم، إذاً الثورة قام بها إمام لكن قام بحركة ضد حاكم .المثل الثاني، وكان من المفترض أن يكون الأول وهو صلح الإمام الحسن مع معاوية فهل هذا الصلح ديني أم سياسي .ومثال آخر ؛الدولة العباسية عندما أزاحت بني أمية، بم نسمي هذه العملية، سياسية أم اجتماعية أم دينية، نعم صورتها دينية لكن مصداقها سياسي وتطبيقها سياسي، ثم بمرور الزمن وضروراته تحول الحراك السياسي إلى أحزاب مؤدلجة، كانت في البدء أسر لها أنصارها ومبدئها كالبيت الهاشمي وأنصاره، يقابله بالضد البيت الأموي وبعد ذلك العباسي، بعد ذلك حدثت وتشكلت المذاهب في العصر العباسي وتشكيلها كان ضرورة سياسية إلى أن وصلنا إلى الوقت الحاضر زمن الأحزاب، حتى ذكرت أن ظهور الإمام المهدي عليه السلام مصداق عدله هو الحكم (يعني السياسة) إذاً لا تعارض بينها وبين الدين، أما جواب سؤالك عن كيف نوفق بين الإسلامات السياسية والتي أنا أدعوها بالأحزاب السياسية الإسلامية أعتقد ليس الواجب التوفيق بينها بقدر ما هو الفرز بين الطالح منها والصالح وهذا يعتمد على الوعي وفهم الخطاب .

 

س12: سلام كاظم فرج: هل العمامة وإطالة اللحى. وتقصير الملابس علامة فارقة في الاسلام السياسي؟؟ ام ان الاسلام في جوهره دين فكر؟ هناك من يشكل علينا في إرتداء ربطة العنق واستعمال موس الحلاقة العادي .. وهل يعرف الجيل الحالي. ان العمامة واللحى الطويلة لم تكن تقتصر على المسلمين .. بل ان المشركين كانوا كذلك .. كمؤرخ أسألكم هل نحتاج الى دراسات عن تاريخ العمامة؟؟ وأذكركم باقتباس الحجاج الثقفي (انا ابن جلا. وطلاع الثنايا .. متى اضع العمامة تعرفوني!!)

الجيل الجديد يظن ان القداسة تكمن في تلكم الاشياء .. من يطلعه على ان القداسة تكمن في عفة الضمير والصدق في القول والامانة في حفظ حقوق الناس والمال العام؟؟ من سوى المؤرخ؟؟

ج12: رائد السوداني: أبدا لم تكن المظاهر هي الحاكمة على الشخص سواء من جهة إيمانه أو ولائه ولم تكن العمامة وحجمها وشكلها معيارا لحجم رجل الدين بل المعيار العمل مع العلم والعمل يجب أن يكون ميدانيا مع الناس وفهم ومعايشة معاناتهم حتى تكون أحكام رجل الدين نابعة من الواقع وليس من كتب أكل عليها الدهر وشرب، أما أن العمامة لوحدها تعطي قداسة فهذا مما عد سببا في إشكاليات مجتمعنا لاسيما بين رجال الدين وأنصارهم فمن يقدس لمجرد التقديس لرجل الدين ومنهم وجد في رجل دين آخر مصلحا لأمور اجتماعية وسياسية وتعووية كبيرة قام بها من خلال نهضة فكرية، أما من يبين القداسة من عدمها فرجل نفسه يقوم بهذا الواجب، وإذا قام بها المؤرخ ستكون بلا تأثير بقدر ما تصدر من رجل الدين .

 

س13: سلام كاظم فرج: علاقة المثقف برجل الدولة او السياسي كيف تنظرون اليها؟؟ قرأت لكم مقالة تضامنية اثناء الانتخابات المحلية قبل اكثر من شهرين دعمتم  فيها الاستاذ علي دواي محافظ ميسان.. من خلال زيارة تفقدية للمحافظة وتبيان منجزات حكومة العمارة خلال الفترة السابقة. وانتم المفكر والمؤرخ / قد يعرف اهل ميسان ابن محافظتهم.. لكن المتابع لا يعرف مبررات دعم المفكر للسياسي.. وهنا يحضرني موقف قد يساعدك اكثر مما يساعدني في الاجابة ـــ ابتسم ـــ عن دعم اندريه مالرو الروائي الفرنسي الكبير للجنرال ديغول.. ولكن بالنسبة لي ومن أجل إثارة وإنارة الموضوع بشكل أعمق أرى ان التخصص يجعل  المسافة بين المؤرخ والاعلامي والمفكر والاعلامي ينبغي ان تبقى واضحة ولا تلغى.. فما هو ردكم؟

ج13: رائد السوداني:  في البدء لابد لي من القول أن حلقات الاستاذ علي دواي جاءت بعد الانتخابات مباشرة وليست قبلها، نعم الحلقات التي كانت تخص أعضاء مجلس المحافظة جاءت قبل الانتخابات، أما لماذا هذا التحرك على العمارة والتركيز على محافظها فذلك يعود لعدة أسباب، منها :-

1- تعد العمارة من المحافظات الأولى التي حازت على التدمير والتخريب الممنهج طيلة 35عاما على يد سلطة البعث .2- وعلى الرغم من هذا التخريب الممنهج بقت المدينة تحتفظ بإرثين فضلا عن الإرث الحضاري، فللعمارة إرث توالد الكفاءات الثقافية، وهناك إرث احتفاظها وإبقائها على بيوتات كبيرة ظلت محافظة على كل عادات وتقاليد أهل العمارة القديمة، لكن هذه البيوتات لم تكن خارج الزمن بل هي في صلب الحداثة والتطور لكن بقت الصورة على أهل العمارة هي الصورة التلفزيونية المعروفة .3- وارتباطا بأعلاه فإن العمارة تعد عاصمة (الشروك) وتفسير هذه المفردة بعيدا عن المعاني التي تطلق بأنه أصل سومري أريد أن أقترب من الواقع وأقول أنها تعني أبناء المناطق القاطنين جنوب بغداد (العمارة أولا، والناصرية، والبصرة، وقد تلحق بهم الكوت) أي بمعنى مناطقي ثم بمرور الزمن تطورت المفردة لتطلق على كل شيعي لا بل تحولت إلى سبة، فالشروكي شيعي، والشيعي عدو للسلطة يجب اسئصاله، والاستئصال بعدة طرق، منها القتل والتهجير والاعتقال وهذه معروفة، لكن أهم عمليات الاستئصال هو الثقافي من خلال إبراز ظاهرة معينة تفيد بأن الرجل المنحدر من هذه المدينة أو هذه المناطق (الشروكية) محل سخرية لأنه بالأساس خارج حدود الزمن، بدائي، تافه، ساذج، وقد ساهم العديد من كتاب الدراما المنحدرين من هذه المناطق وتماشيا مع ذوق السلطة الباطشة آنذاك في ترسيخ هذه الصورة، علما أن هذه المناطق والعمارة تحديدا كانت مصدر رئيسي للكفاءات إلى العاصمة .4- لم تكن العمارة عاصمة للشروك فقط بل صدرتهم للعاصمة وكانت في البدء منطقة الصرائف ثم بعد ذلك جاء عبد الكريم قاسم ومنحهم الأراضي (الساكنين) عليها لتتحول إلى بيوت فأصبحت لدينا (الثورة) ثم الشعلة بما فيها منطقة الرحمانية لكن تبقى  الثورة هي المنار التي تشير إلى فلسفة عبد الكريم قاسم السياسية في تكريم الفرد العراقي ولذلك سلطت الحكومات أجهزتها عليها لأنها تحولت كتوأمها (العمارة) إلى منجم للكفاءات وفي كل المجالات، الأدبية، والفنية، والرياضية، كما ظهر العديد من السياسيين من أرض الثورة، علما أن أهل الثورة لم يقطعوا الصلة بالعمارة مما جعل التأثير متواصل، ولذلك كان التركيز السلطوي عليها يتم بصورة شديدة حتى أن رأس الحكم البعثي زارها عدة مرات، وحول اسمها إلى مدينة صدام للإيحاء بأنه مهتم بإعمارها ولكن الحقيقة كانت اهتماما بالتركيز على مجريات الأحداث فيها .وهنا يجب أن تسلط الأضواء على هذه الظاهرة، فقبل ظهور الأحزاب الإسلامية الشيعية كانت العمارة متهمة بالشيوعية، وكذلك اتهمت الثورة وبعد الثورة الإيرانية وظهور الأحزاب الإسلامية وأسمائها على الساحة اتهمت المدينتان بأنهما يضمان العديد من قادة وقواعد هذه الأحزاب مما عرض أبنائهما للقتل والقمع والتشريد، بعد ذلك جاءت المرحلة الثالثة عند ظهور مرجعية السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر الميدانية فكانت كل من العمارة والثورة على موعد مع الحدث وتحولت كل منهما إلى معقل من معاقل مرجعية السيد الصدر مما عرضهما للكثير من قمع السلطات لاسيما بعد استشهاد المرجع في 1999وحادثة جامع المحسن في الثورة معروفة .5- لكل هذا وبعد بروز ظاهرة المحافظ علي دواي كعامل ميداني وجدت من الضروري بالنسبة لي كباحث في الشأن السياسي وكشخص تنحدر أسرته ومن الأبوين من هذه المحافظة أو المدينة أن أعاين الحدث بنفسي، فتحركت على هذا الأساس واستطلعت في باديء الأمر عن مشاعر الناس وتعمدت أن أسأل من هم خارج انتماء المحافظ فوجدت زهوا يحمله أهل العمارة بمدينتهم وحبا بها وبما حققت من انجازات ثم التقيت بالمحافظ ومادار بيننا مسجل في الحلقات التي نشرت عنه .6- اتفقت مع صاحب دار ضفاف السيد باسم الياسري المعجب بعمل علي دواي على إصدار كتاب في هذا المجال .

 

س14: سلام كاظم فرج: كيف تنظرون الى مسيرة الديمقراطية في ايران؟؟ الكاتب صائب خليل يقول انها تفوقت على الديمقراطية في الولايات المتحدة الاميركية .. ودليله ان ستين بالمائة او اكثر بقليل كانت نسبة المشاركة في الانتخابات الاخيرة .. قياسا الى اقل من خمسين بالمائة نسبة المشاركين في انتخابات الولايات المتحدة؟؟

ج14 أولا أن النسبة لا تعني هناك ديمقراطية وهنا لا توجد ديمقراطية، فالذين شاركوا مارسوا حقهم الديمقراطي والذين امتنعوا أيضا مارسوا حقهم الديمقراطي، أما إيران فأعتقد أنني لست من المطلعين على الشأن الإيراني بشكل دقيق، لكن من الملاحظ أن الانتخابات الإيرانية كانت موضع اهتمام الدوائر الغربية لاسيما كانوا يترقبون خسارة معسكر الإصلاحيين كي يتدخلوا تدخلا مباشرا في إيران .

 

سلام كاظم فرج: في الختام لا يسعني باسم صحيفة المثقف سوى تقديم الشكر والامتنان للمؤرخ الاستاذ رائد عبد الحسين السوداني على سعة صدره . وتقبله الاختلاف بحلمه المعهود ..

رائد السوداني- أشكرك أستاذنا سلام كاظم فرج وامتناني الكبير لك أخي العزيز

 

خاص بالمثقف

 

سلام كاظم فرج

صحيفة المثقف

 

salam kadomfarajsaieb khalilالمثقف تستضيف الكاتب والسياسي الاستاذ صائب خليل، ضمن مرايا ثقافية – فكرية لتحاوره حول مجموعة من القضايا الراهنة، ذات البعد الفكري والثقافي والسياسي، فاهلا ومرحبا به.

 

سلام كاظم فرج: ربما هو غرامشي الذي قال (إن على المثقف ان يكون متشائما، لكن إرادته ينبغي ان تكون متفائلة دائما). والمثقف في حقيقته هو مصدرإزعاج دائمي للسائد والمتعارف عليه، فكريا وسياسيا، لا يستكين ولا يهدأ لأن الحياة نفسها حبلى بالمتناقضات والمنغصات والاحباطات والتحديات وتبقى مهمة المثقف مهمة صعبة تكتنفها إشكالات عدة،، ولكن يبقى قبول نظرية الاختلاف واحترامها هو الطريق الاسلم لتلاقح الافكار للوصول الى الحد الادنى على الاقل من التفاهمات من اجل حياة اكثر سعادة وطمأنينة ورخاء ..

هذه المقدمة سقتها لتبرير ما أنا مقدم عليه من كشف اكثر المرآيا المقعرة والمحدبة إشكالا في الواقع العربي والعراقي والدولي مع رجل طالما اختلفت معه واختلف معي .. لكننا بقينا يحترم احدنا الآخر ما وسعنا الى ذلك سبيلا منطلقين من مقولة جميلة لفولتير (قد اختلف معك في الرأي لكني على استعداد للتضحية بحياتي في سبيل ممارسة حقك في قول ما تريد ..)

ويبقى صائب خليل كاتبا إشكاليا، يثير غضبي احيانا، ويثير رضاي احيانا، أجده مقنعا تارة ومستفزا تارة أخرى ..

 وجدت نفسي قبل يومين مضطرا لمشاكسته في رسالة خاصة بعد اعتذار نتانياهو لاوردغان وموافقته على السماح بدخول البضائع بمختلف انواعها الى غزة بعد حصار امتد لسنين طويلة،، ومشاكستي أتت بسبب مساهمة الاخ صائب مساهمة اعلامية فاعلة قبل اكثر من عام في دعم سفينة الحرية المحملة ببضائع متنوعة لغزة والتي تعرضت الى ردود قتالية من قبل حكومة اسرائيل ووقع بعض الناشطين الاتراك وغيرهم ضحايا الضربة الاسرائيلية .. وقتها اعتبرت ان حماس صديقي صائب ليس في محله، وقلت له ذلك لكنه استمر في اعتبار ان ازمة سفينة الحرية ستسفر عن انتصارات باهرة، قلت له بل ان دم الضحايا سيذهب هدرا،، وانها قد تكون لعبة لتلميع صورة اوردغان عربيا ولا ادري هل كسبت انا الرهان (وياليتني لا اكسبه ام صائب هو الذي كسب الرهان وياليته يكسبه) ..

 قبل يومين كتبت له: لا ادري هل يستوجب الامر تهنئتك ام لا،، فأنت احد الناشطين في هذا الامر.

س1: سلام كاظم فرج: هل تعتبر اعتذار نتنياهو مكسبا، ام هي لعبة جديدة تضاف لترويض العرب على الاقتراب اكثر من المصالحة مع اولاد يعقوب؟؟؟

 استاذ صائب هذا سيكون سؤالي الاول لك (والى القراء الكرام لابد من التنويه اني هنا العب دور الصحفي واسئلتي لا تعبر بالضرورة ولا تماما عن وجهات نظري الشخصية فما يهمني هنا آراء الاستاذ صائب، ودوري ينحصر في التعرف على افكاره ولا يتأتى ذلك الا من خلال الاختلاف، والاختلاف المر احيانا، ويمكن للأخوة كتاب الصحيفة وكاتباتها توجيه اية اسئلة موضوعية وكل ما يدور في خلدهم من اسئلة ..)

ج1: صائب خليل: نعم أخي أعترف لك بالنصر في قضية اردوغان، لكني معذور في الإنخداع بها يا صاحبي، فقد كانت لعبة كبيرة تفوقت على كل ألعابهم السابقة، وفيها تضحيات حقيقية من جانبهم، فقد رفعت الجانب المعنوي العربي بشكل كبير جداً، وهذا ليس أمراً هيناً. لم يكن من الممكن فهم اللعبة إلا ضمن رؤية الخطة الهائلة الحجم للربيع العربي، والتي لم تكن قد بانت بعد. إنني لا أشعر بالكثير من الخجل، إني وقعت في فخ بهذا الحجم، ولو عادوا ووضعوا فخاً مماثلاً له بالحجم والتضحيات، فسأقع فيه وبكل سرور (ههههه)

نعم اعتذار نتانياهو جزء من اللعبة وهذا الرجل، اردوغان إنسان وضيع حين قبل أن يلعب هذا الدور، وقد ناله من جرائه الكثير مما يستحق من إهانة في تركيا حيث لم تعد سياسته تنطلي على احد هناك، واعتذار نتانياهو ليس إلا محاولة لتعويضه لبيعه شرفه وإظهاره بأنه الرجل الوحيد الذي أجبر إسرائيل أن تعتذر.

 

س2: سلام كاظم فرج: ياسر عرفات له قول كنت اجده معقولا .. يقول انه يفضل التحاور مع الليكود اليميني جدا على التحاور مع بيريز اليساري وحزب الماباي (العمل). وقفازته الحرير،،

 كان عرفات رحمه الله يفضل الحوار مع صاحب القرار الفعلي والواضح .. فما هو رأي الاستاذ صائب في هذا؟ ام انك تفضل ان تضع البعوضة في حسائهم؟ حساء كل الاطراف؟

ج2: صائب خليل: هناك "فيل" في حساء كل الأطراف يغنيني عن وضع بعوضة فيه. أنا أفهم اليسار على أنه الرفض للظلم، من يبحث عن "فائض القيمة" ليعيده لأصحابه، ويحرص أن لا تبنى الأسواق والعمارات الفارهة من سرقة طعام الجياع، ويرفض التمييز العنصري بين بني البشر، لا يمكن أن يقبل بالعيش في وطن تمت سرقته بالكامل، ومؤسس على التمييز العنصري. اليسار الإسرائيلي الوحيد هو يسار أوري أفنري وأميره هاس، والناشطون الرائعون الذين تعتبرهم السلطات الإسرائيلية بيسارها ويمينها "أعداء رقم 1" للبلاد، وهم كذلك فعلاً.

 

غاندي

س3: سلام كاظم فرج: ماهي نظرة الاستاذ صائب الى المهاتما غاندي وفلسفته في اللاعنف؟؟؟

ج3: صائب خليل: هذا سؤال جميل. عندما يتهددك أمر، لكنك تشعر أنه تحت سيطرتك فإنك تبتعد عنه أو تكتفي بمراقبته أو رفض التجاوب معه. أما إذا كان خطراً فقد تلجأ إلى إخافته بالعنف أو ضربه قبل أن يضربك، أما إذا كان الخطر قد أرعبك فلا تجرؤ على محاولة إخافته فعندها تعود إلى محاولة إرضائه. إذن فأنت تلجأ إلى اللاعنف في حالتين: عندما لا تكون خائفاً، وعندما تكون مرعوباً. "لا عنف غاندي" هو من النوع الأول حصراً، إنه يدعوك أن تكون شجاعاً بما يكفي لتجنب العنف، ولا يمكنك أن تلجأ إلى لا عنف غاندي لأنك خائف.

لقد أوضح غاندي ذلك عندما قال إن كان الخيار الوحيد المتوفر هو بين الإستسلام للإضطهاد أو العنف في مواجهته، فإني أفضل العنف!

ما يميز لاعنف غاندي إذن أن يستطيع صاحبه أن يقف في مكانه يتلقى الضربات ولا يتزحزح إلى الخلف ولا يقدم تنازلاً. دعاة اللاعنف في المنطقة العربية، هم دعاة لاعنف الجبان المتنازل الذي لا يحترمه غاندي.

خذ أيضاً داعية السلام العالمي والحاصل على جائزة نوبل فيه نلسون مانديلا. لقد رفض أن يتعهد بعدم استعمال السلاح مقابل إطلاق سراحه وهو في السجن! كان من السهولة جداً أن يقنع نفسه بأنه لن يستخدم السلاح في السجن ايضاً، لذا فمن الأفضل الخروج منه والمحاربة بالكلمة فقط، لكنه، وهو رجل سلام شجاع بحق، أدرك أن هذا يعتبر تنازلاً أمام الظلم، فرفضه وفضل السجن الطويل. بمثل رجال السلام الشجعان هؤلاء من أمثال غاندي ومانديلا يفترض أن تقتدي البشرية، وليس بسلام محمود عباس مثلاً، الذي رضي في نهاية الأمر أن يتحول إلى رجل أمن لإسرائيل، وأن يمارس العنف ضد رفاقه، وبقي يوصف بأنه رجل سلام!

 

العراق قبل كل شي

س4: سلام كاظم فرج: لنتحول الى الشأن العراقي،، لم تترك كتلة او فصيلا عراقيا دون ان تناله سهام نقدك،، وبالمقابل هناك نصائح كثيرة كنت تسديها بقلب محب لنفس الكتل التي تنتقدها بقوة .. رأيتك ترثي كامل شياع بألم ثم تعود لكي تنتقد اليسار العراقي وبقوة،، ووجدتك قريبا جدا من دولة القانون في مقالات عدة .. وحتى ان مقالاتك تنشر في الموقع الرسمي لها،، لكنك بالامس كتبت مقالا عنيفا ضد فكرة ان نكون دولة مانحة ونعيت على الحكومة سعيها لمنح مصر مبلغا من المساعدات .. وكنت في الاصل ضد صولة الفرسان. في حين ان البصرة لولا صولة الفرسان لم تلق الى الاستقرار سبيلا؟ السؤال الا تجد في ذلك تناقضا وتحولا غير مفهوم في مواقفك؟؟

ج4: صائب خليل: لا أجد في الحقيقة أي تناقض في مواقفي، ومازلت مستعداً لمناقشة أي منها وأي تناقض يمكنك أن تأتيني به من ما يقارب 1000 مقالة لي على النت، وأغلبها الساحق من النوع الذي لا يتهرب من المواقف المحددة.

التناقض الذي تراه هو في الحقيقة، هو تناقض الجو الثقافي والسياسي العراقي وليس تناقض صائب خليل. لقد كتب لي أحد المعلقين يوماً منزعجاً: إننا لا نفهمك! مرة تكتب ضد هذا ومرة ضد ذاك، فما هو موقفك؟؟

هذا القارئ اعتاد أن "الموقف" هو الإنتماء إلى هذه الجهة أو تلك: هذا "موقفه" مع المالكي، وهذا "موقفه" مع أياد علاوي، الخ. وهذه ليست "مواقف"، هذه اصطفافات وتبعيات وربما عصابات. المواقف هي من "القضايا" وليس من الأشخاص، إلا بقدر ما تحكم القضايا عليهم. فالموقف اليساري مع مصالح الشعب مثلاً، يتوجب أن ينتقد المالكي وحكومته عندما تهدر أموال الشعب في بنايات لا حاجة لها ومؤتمرات لا فائدة منها في الوقت الذي يتضور الشعب فيه جوعاً ويحتاج المجتمع فيه إلى صرف أموال طائلة لإصلاحه. ونفس هذا الموقف يدافع بقوة عن المالكي وحكومته عندما تقاوم إقرار قانون النفط الهادف إلى تحطيم العراق وسرقة ثرواته، وعندما تتبنى عقود الخدمة بدلاً من شراكة الإنتاج وعندما تحاسب كردستان على لصوصية الـ 17%، فهل في هذا تناقض في الموقف؟ إنني كإنساني يساري، أجد أنه انسجام أكيد مع ما أشعر به، وأن التناقض حين تؤيد فريق المالكي مثلاً في مهاجمته (عن حق) للمفوضية العليا للإنتخابات وفضحه فضائحها، ثم تؤيده أيضاً حين يقف درعاً بين وزير الشباب اللص وبين القانون، لمجرد أن وزير الشباب منهم! لقد كان هناك أدلة على لصوصية وزير الشباب ما لا يقل عن أدلة فساد فرج الحيدري! فهل هذا البقاء في التأييد لدولة القانون، "ضالمة أو مضلومة" تناقض أم أنسجام في المواقف؟ إنه يعتمد على تعريفك لـ "الموقف"، إن كان المطلوب إنسجام الموقف من الحق والظلم، فسيكون الدفاع الدائم عن جهة ما، هو موقف متناقض، وإن كان الإنسجام يعرف بأنه الإصطفاف الثابت مع جهة ما، فهو موقف منسجم. أنا أسعى لموقف منسجم من الحق والباطل، فاجدني مضطراً لتغيير من أدافع عنهم حسب موقفهم، لكن المناخ الثقافي والسياسي العراقي اعتاد على القياس الآخر، وهذا ما يجعل مواقفي متناقضة في نظر الكثيرين. هذا المناخ لا يبني وطناً ومجتمعاً، وإنما يشكل مجموعات من العصابات يقرر توازن القوة بينها علاقاتها، ولا تجد في مثل هذا التجمع مكان لمفاهيم العدل أو الأخلاق أو الدين الحقيقي، بل يشيع جواً يعوّد المواطن تدريجياً على قبول الغش والسرقة والكذب واعتبارها علامات قوة، وهذا ما يجري فعلاً في العراق إلى حد بعيد كما أتصور.

 

الصدريون

س5: سلام كاظم فرج: الصدريون ايضا كنت تقدم لهم نصائح محب لا نصائح مختلف. ربما اياد علاوي وحده الذي لم ينل منك سوى النقد الحاد والجارح .. القادة الكورد ايضا لم يسمعوا منك مديحا وكأنهم لا يحملون اية ايجابية تذكر؟؟

ج5: صائب خليل: الصدريون كانوا في السنوات الأولى، على الأقل في البرلمان، الأروع بين كل الكتل السياسية العراقية، وكانت أصواتهم وحدها الوطنية التي لا تشوبها شائبة، وفي كل شيء أساسي أتذكره في تصويت البرلمان، وليس فقط في موقفهم المشرف من الإحتلال والمعاهدة، والعراقيون مدينون لهم أكثر من أية جهة أخرى بأننا لا نجد جنوداً أمريكان في شوارعنا اليوم. لكنهم تغيروا كثيراً، صاروا يجمعون الأموال ويدافعون بحماس مثير للريبة عن الخصخصة ويرشحون المقرب من أميركا، عادل عبد المهدي لرئاسة الحكومة رغم وعودهم لجماهيرهم بالإلتزام بخيارها الذي كان الجعفري، ويقفون ضد المالكي في كل شيء، حتى حينما يكون محقاً ..

بالنسبة لأياد علاوي، ربما يمثل الشخصية الأكثر تجسيداً لكل ما أكره أن يكونه الإنسان. فإضافة إلى عمالته الصريحة، فإني أجده متملقا وكذابا وأبله ووحشي ودكتاتور ولص. لو كان هناك خيار وحيد بينه وبين صدام لأخترت صدام، فهو لا يتميز عنه سوى بالبلاهة وشدة الإنبطاح. إنني أتمنى أن لا يحصل على مقعد واحد في الإنتخابات القادمة، وسيكون هذا من مقاييسي لمدى تحسن وعي الشعب العراقي.

بالنسبة للقادة الكرد،(وأركز على كلمة القادة) أنا لا تهمني التفاصيل الصغيرة، وإن فعلت لوجدت بعض الإيجابيات في محمود عثمان وكتلة التغيير مثلاً، لكن الموقف العام سيء للغاية. إنهم بشكل عام ينظرون إلى العراق كبيت محترق أو حتى ربما "يجب حرقه"، وأن أي مكسب منه هو "شعراية من جلد خنزير". مقاعدهم في البرلمان ولجانه، مقاعد للخندق الإسرائيلي الأمريكي في كل المواقف، من المعاهدة إلى النفط إلى تقسيم العراق. إني لا أذكر موقف واحد إيجابي لكتلة التحالف الكردستاني في البرلمان، في قياساتي لما هو إيجابي. الحزبان الكبيران لا يخفيان علاقتهما بإسرائيل، والتغيير خرج من معطفهم وله تاريخهم. وممثلهم في "اللوبي الكردي" في أميركا قال صراحة أنهم يطمحون إلى مكانة إسرئيل في أميركا، فكيف تحصل على تلك المكانة، ما لم تكن مستعداً لأن تلعب الدور نفسه الذي تلعبه إسرائيل في المنطقة، إن لم يكن أشد منه أذيةً؟

إضافة لذلك، فكردستان أستغلال لصوصي بشع ومستمر للعراق، وقد أصبح مهيناً أيضاً بعد أن كشف بشكل صريح وصار سطواً مسلحاً، خاصة فيما يتعلق بالمناطق المتنازع عليها وقضية الـ 17% التي كتبت عنها كثيراً جداً، وهي من أنعام أميركا وأياد علاوي على العراق. لقد كادت هذه الفضيحة أن تنتهي قبل فترة لولا تظاهرات الأنبار. حينها كتب لي زميلي خبير النفط الأستاذ حمزة الجواهري مهنئاً وقال أن سياسياً متقدماً سأله: من الذي أثار قضية الـ 17%، فقلت له صائب خليل بلا شك، لأنه لاحقها طويلا. وقال الجواهري أن القضية ستحل بلا شك لأن ما كشفته عنها أصبح لا يمكن التستر عليه بعد الآن. وجاءت التظاهرات واستغلت من قبل كردستان المتربصة بأي خلل أو ضعف في العراق، لكي تفرض استمرار هذه السرقة، رغم أن إحصائية لبرلمان كردستان تبين وبشكل كلمات صريحة ومباشرة أن نسبة الكرد هي 12،6% ! علماً أنني قد حصلت على معلومات من داخل قيادات كردستان، بأن النسبة هي 11% فقط!

سياسيو كردستان لايكتفون بالسرقات والإبتزاز وعلاقتهم المباشرة بإسرائيل بل يفتحون أبواب إقليمهم لكل حثالات المنطقة، فيختارون من لبنان مثلاً أمثال القاتل المدان سمير جعجع والسنيورة، ولا يجد مثقفوا سلطتهم من يدعوه من رجال الدين غير القرضاوي، ذلك المتوحش للقتل في قطر، ألذي يتشفى اليوم باغتيال "صاحبه" الشيخ السوري من قبل عصابات الناتو. وفي قضايا الخصخصة ووحشية الرأسمالية وصراع الشركات مع الحكومة المركزية، فإنهم يلقون بكل ثقلهم في خندق الشركات ليس فقط في السماح لها بنهب ثروات كردستان بل أيضاً في مساعدتها على نهب نفط بقية العراق، وابتزاز الحكومة المركزية. لو وعى الشعب الكردي ما يجري، لنصب تمثالاً للشهرستاني، العراقي الوحيد الذي حاول أن يمنع اللصوص من سرقة نفطهم، لكنهم بدلاً من ذلك يكرهونه! أية تفاصيل يمكنها أن تمحوا كل هذا الكبائر وتترك مجالاً للمديح؟

 

س6: سلام كاظم فرج: ولكن يا صديقي صائب. ان كردستان توشك ان تكون دبي الثانية في المنطقة؟؟

ج6: صائب خليل: أنا يا صاحبي أحتقر من اللصوص أكثر، من يرتدون الأربطة، وهذا يعني بأني لا أحتفظ لدبي أو السعودية التي يباهي البعض بأننا سننافسها في تبديد النفط، إلا صورة سلبية جداً. لا أرى في عماراتهم الشاهقة إلا علامات تحطيم الإنسان ومص دمه، لصالح مجموعة من السمان الذين بقى حجم عقولهم كما كان، طفلاً يلهو ببناء أعلى بناية في العالم ويشتري مئات من أغلى السيارات التي قد لا يركب بعضها، فكيف يمكن أن أعجب بمثل هذا وأعتبره مثلاً؟ إنني أحترم المرحوم شافيز وأحمدي نجاد وموخيكا رئيس الأوروغواي، اليساري من منظمة التوباماروس التي مزقها الأمريكان وعملائهم وعذبوا افرادها في الثمانينات، والذي يتبرع بـ 90% من راتبه، لمثل هؤلاء يتوجه إعجابي واحترامي. أما بالنسبة لدبي وشيوخ الخليج ومن يقتدي بهم، فكيساري أحترم الإنسان لا أملك سوى ان احتقر هذا – وإلا كنت متناقضاً ..(!!!)

 

س7: سلام كاظم فرج: حسنا .. لك رأي متحفظ حول ضخامة حجم استخراج النفط في العراق عموما. الا ترى ان اعباء العراق المالية تستلزم تثوير الانتاج النفطي وتعويض سنين الحصار واستثمار العائدات الضخمة في بناء عراق جديد؟؟

ج7: صائب خليل: أنت تقول "وأستثمار العائدات الضخمة في بناء عراق جديد"، فأين هذا الإستثمار؟ وأين هي علامات بناء عراق جديد؟ دعني أرى هذا الإستثمار، وعندها سأدعو إلى رفع "الإنتاج" إلى أقصى طاقة (إنني أضع كلمة "الإنتاج" بين أقواس لأنه ليس إنتاجاً، بل سحب من مخزون واستهلاك، يتفوق به كل متخلف في المنطقة). إننا نسحبه لنقيم مؤتمر قمة عربي (لخدمة مشاريع أمريكية وإسرائيلية في التآمر على سوريا وإيران) أو لندعو إلى مؤتمر دولي ضد الإرهاب، الذي نتبنى التعريف الأمريكي الإسرائيلي له، أو لنبني عمارات بأسعار لم يسمع بمثلها حتى المجانين، ونترك البلاد تكاد تنهار من شدة تهالك بنيتها التحتية المادية والإجتماعية، فهل ترى أن هذا "استثمار في بناء العراق الجديد"؟

 

اقليم كردستان

س8: سلام كاظم فرج: الاخوة في اقليم كردستان اعتمدوا مبدأ المشاركة في انتاج النفط بتخصيص نسبة ما عن كل برميل منتج يباع للشركة المكتشفة، والاخوة في الحكومة الاتحادية يفضلون مبدأ عقود الخدمة . الا ترى ان عقود المشاركة ستحقق جذبا استثماريا افضل ؟؟ من عقود الخدمة .. التي قد تسبب عزوفا عن الاستثمار وكما تعرف ان الوقت كالسيف وعامل الوقت مهم في تفعيل الاستثمار؟؟

ج8: صائب خليل: "الإستثمار" من كلمات الخداع، وكلمات الخداع في الإقتصاد أكثر من أي علم آخر، ولو قلبت معاني أكثر تلك الكلمات في العبارات الإقتصادية، لربما زاد معناها قرباً من الواقع. فما يسمى الإستثمار، خاصة في الدول المتخلفة والفاسدة مثل العراق، ليس إلا الإسم الجميل للسرقات "الشرعية" كبيرة الحجم.

لا يكشف لك ذلك شيء خير من مقارنة مشروع "إستثماري" للقطاع الخاص، مع كلفته في القطاع العام، وقد أعطانا وزير الكهرباء السابق فرصة للنظر في حقيقة الإستثمار، وأتصور أن "جريمته" تلك كانت أحد عوامل التخلص منه.

وجد الوزير تعاقداً من الوزارة السابقة مع القطاع الخاص، لتجهيز كمية من الكهرباء، تتطلب أن تدفع لها الدولة 12،5 مليار دولار على مدى ربع قرن. وأكتشف بحسابات بسيطة كما أخبرني في لقاء في فينا، أنه يستطيع أن يحصل على نفس تلك الكمية من الكهرباء بـ 880 مليون دولار فقط، أي بحوالي 7% فقط من كلفة "الإستثمار"! ثم تبين له، قبل إبعاده مباشرة، أن 800 مليون تكفي، لكن لم يلحق أن ينفذها وأتصور أن المشروع قد تم الغاؤه. يعني، الإستثمار في هذه الحالة يقدم لنا نفس الخدمة بسعر يزيد عن سعرها الحقيقي بأكثر من 15 مرة! وهي ليست فقط نفس البضاعة بالضبط، بل ان لها مساوئ أخرى مثل عائدية الأجهزة إلى المستثمر التاجر، وهو ما يتيح تحكم التجار باسعار الكهرباء مستقبلاً! هل يمكن لأحد أن يقنعك أن تشتري بضاعة لنفسك بسعر أكثر 15 مرة، لمجرد أن يقول لك أن هذه تمثل "استثمار"، وأن هذه "حداثة"؟ ليس من بين هؤلاء المنافقين الذين يدعون لخصخصة الكهرباء وغيره شخص واحد يمكن أن يفعل ذلك بماله، لكنك تراه شديد الحماس لخصخصة ما للعراق. فهو في الجانب الآخر من المعادلة، جانب المستثمرين وليس جانب الشعب المنهوب.

الأمر لا يختلف فيما يتعلق بالجماعة في كردستان. عقودهم تعطي الشركات أرباحاً أربع مرات أكثر من العقود الحكومية المماثلة، كما اكد ذلك أكثر من خبير نفطي، ولم ترد عليهم كردستان ولا أعرف خبيراً واحداً قال بغير ذلك، وتجد التفاصيل في مقالاتي عن الموضوع. عقود مشاركة الإنتاج هي الأقرب إلى قوانين "تحرير السوق" (عبارة مخادعة أخرى) والإستثمار، وقادة الكرد من أشد المتحمسين لها، فأي استثمار هذا؟ هل يشتري قادة الكرد حاجاتهم الخاصة من تاجر يطلب أربعة أضعاف الربح الذي يطلبه جاره؟

من الطبيعي في هذه الحالة أن تسارع الشركات إليك، وأنت تبيعها ثروات بلادك بسعر أدنى مما تبيعه الحكومة المركزية، وتقدم لها السلطة على ثروتك النفطية ما لم تفعله الحكومة المركزية، لكن هذا ليس دليلاً على صحة العقود الكردستانية بل العكس. إنها مضاربة صريحة وحرب إقتصادية تشنها كردستان على الحكومة المركزية، وتستخدم نفط بلادها هراوة لتحطيم المركز وتحطيم الهراوة. تستطيع الحكومة المركزية أن تقلد كردستان و"تتبرع" بعقود باذخة مثل كردستان وتدفع للشركات أربعة مرات أكثر، وتستعيد شركاتها، لكن أما كان الأجدى بكردستان أن تقلد الحكومة وتعطي الشركات ربع ما تعطيه الآن من ثروات بلادها، وتحتفظ بالفارق لشعبها؟ من هو الصحيح هنا؟

 

س9: سلام كاظم فرج: ولكن الا تؤمن بحق تقرير المصير للشعوب؟؟ وانا ارى الكرد مصطفين بشكل جيد فيما بينهم بعكس الاخوة عرب العراق وهم الذين انتخبوا قادتهم بشكل ديمقراطي وبدون تدخل في حين الاخوة عرب العراق ووفق رأيك تعرضوا الى تدخل كومبويتري كما فهمت من عدة مقالات لك؟؟ سؤال متشعب . اطمح في سعة صدرك وردك الوافي على كل تشعباته ..

س9: صائب خليل: أخي العزيز، "حق تقرير المصير" اصبح نكتة بالنسبة لعلاقة كردستان بالعراق. أولاً لا احد ينكر هذا الحق، وثانياً لا أحد له القوة أن يمنع كردستان من هذا الحق لو ارادت ذلك، وثالثاً لم يعد هناك أحد يريد إنكار هذا الحق، بل العكس. كردستان هي التي تحتل العراق عملياً، ولو أجري إحصاء أو استفتاء بين عرب العراق، لوجدت أغلبية كبيرة تنادي باستقلال كردستان، أو بالأحرى باستقلالها عن كردستان. علاقة كردستان بالعراق علاقة ابتزاز قبيحة ومهينة وعلاقة ضحك على الذقون ورشاوي ومصالح متناقضة تماماً، مثل علاقة الأردن به. إنني من الناس، سوف اؤيد تقديم تنازلات لكردستان فوق حقها من أجل استقلال العراق عنها.

إنني أشير هنا إلى كردستان كحكومة فقط، كجماعة (!!) تحكم الإقليم، كنواب يمثلون الخندق الرأسمالي الأمريكي الإسرائيلي، وليس الشعب الكردي الذي أكن له كل الإحترام والمحبة، ولكن إن كان هذا الشعب راض بهذا الحال فلا أرى خير من أنفصال سلمي عادل بإشراف دولي يرضى الطرفان عنه.

 

القومية مفهوما

 س10: سلام كاظم فرج: ما هو رأيك بمفهوم العروبة والقومية وما الفرق بينهما وبين القومانية او القوموية؟؟ وهل يمكنني اعتبارك قوميا ام امميا؟؟. وهل يمكن للأممي ان يكون قوميا وبالعكس؟؟

ج10: صائب خليل: القومية كلمة حيادية تأخذ بعداً سلبياً في نظري عندما يكون الحديث عن أمة قوية ومتسلطة مثل المانيا وأميركا وبريطانيا (في الماضي)، فالشعور القومي هنا يدفع للإحتلال والإعتداء، لكنها بالعكس لدى الشعوب المضطهدة (بفتح الهاء)، تكون طريقة لإحقاق بعض العدالة، وللشعور ببعض المساواة، على أن تحذر الإندفاع والإنتفاخ على حساب الآخرين.

أنا لا أشعر أنني قومي، ولا أدافع عن العرب إلا كقومية يمارس ضدها الكثير من الظلم والقهر، لكني لا احب الشخص العربي أكثر من الكردي أو الأمريكي، لمجرد كونه عربي، ولا أشعر أنه يتفوق على غيره بشيء. مثل هذا الشعور "القومي" إن شئت، لا يتناقض مع الأممية، إنه ينحو إلى خدمة الإنسانية عموماً، من خلال خدمته لقوميته التي تحتاج إليه أكثر من غيرها، ويكون فيه تأثيره أكثر من غيرها. ويمكنك أن تميز هذا من خلال اهتمامه بالإنسان في نفس الوقت الذي يهتم فيه بالقومية، وبشكل أعمق منها. نعم أنا إنساني، أممي إن شئت، ولست قومياً حقاً.

الحقيقة لا أعرف الفرق بين العبارات التي ذكرتها عن القومانية او القوموية ولا أهتم به. أتصور أنها ليست سوى "حيل لفظية" لإعطاء صبغة سلبية لإسم محايد أو إيجابي، مثل كلمات أخرى أخترعت لهذا الغرض، مثل "العربان" و "الإسلامويون"، وهي عبارات في رأيي، وجدت لتتيح لمستعملها أن يكيل الشتائم للعرب والمسلمين مع ترك الباب مفتوحاً أمامه لإنكار مقاصده إن احتاج إلى ذلك.

 

س11: سلام كاظم فرج: هل ترى ان الافكار القومية في العالم وفي منطقتنا قد انتهت تماما ام انها ستعمر طويلا؟؟

س12: سلام كاظم فرج: العولمة .. ؟؟ هل ستكتسح العالم كله؟ وما هي بدائل العولمة برأيك؟؟

ج11و12: صائب خليل: سأجيبك على السؤالين معا ..: فمابينهما علاقة تتيح ذلك

لست ماهراً بفتح الفال لأتنبأ للأسف، لكني أستطيع أن أقول لك ما أتمنى.

لننظر قليلاً إلى التاريخ. الدولة القومية نشأت من الدولة الملكية، والتي نشأت في أوروبا من تحطيم أسوار الإقطاعيات، بعد تطور استعمال البارود في القرن الخامس عشر. وحينها كانت الدولة تعرف بحاكمها، والمساحة التي يسيطر عليها، بغض النظر عن القوميات التي تقع تحت حكمه في تلك المساحة وصفتها الأثنية. وقدمت التجارة التي تتطلب طرقاً طويلة، أفضلية ساعدت على تكوين تلك الدول، مثلما ساعدها البارود على تحطيم قلاع الإقطاعيات وضمها. وقد خاضت تلك الدول في أوروبا حروباً مدمرة منها حرب المئة عام، وحربالثلاثين عاماً، والتي كلفت المانيا ثلثي سكانها وثلاثة أخماس قراها، وانتهت باتفاقية "وستفاليا" في عام 1648 بعد ما رأت أوروبا ويلات تلك الحروب. كانت علامة في فصل الكنيسة عن الدولة على المستوى العالمي، ومن ثم كانت أساساً لفكرة "سيادة الدولة" وسلطتها المطلقة على رعاياها، وأطلقت عملية بناء الدولة الحديثة. وجاءت الثورة الفرنسية عام 1789 بفكرة المساواة بين المواطنين في الدولة، وكان من نتائجها الضمنية أن الدولة تعود للشعب وليس للحاكم! وهكذا تطورت فكرة حق الشعب بدولة إلى حق كل قومية بدولة وبـ "تقرير المصير". وكانت المشاعر القومية السبب المباشر في قيام الحرب العالمية الأولى ثم الثانية، أو على الأقل استعملت كدافع قوي. وخلال هذه الفترة وبعدها انتشر الإحساس القومي وصار كل شعب يشعر بحقه بدولة قومية مستقلة.

القومية، او الدولة القومية إذن ليست شديدة القدم في تاريخ الإنسانية كما نتصور بل هي نتيجة تطور حديث، ويمكن أن تزول بالتالي. والسؤال المهم هو كيف ستزول، ولصالح أي نظام؟ العولمة باعتبارها تحطيماً لحدود إصطناعية بين البشر، هي تقدم إيجابي، لكن العولمة التي يجهد السوق لفرضها، ليست العولمة الوحيدة الممكنة، وليست الطريقة الوحيدة لتحطيم الحدود. لقد حاول الأمميون تحرير الإنسان من الحدود ففشلوا، والآن يحاول "السوق" أن يتحرر من نفس تلك الحدود، وقد حقق نجاحات ما، وإن كانت مشكوك بها وبقدرتها على الإستمرار، وأهم من ذلك شكوك "الإنسان" بفائدتها له في شكلها الحالي، رغم إصرار السوق عليها. والمستقبل يعتمد الآن على نتيجة هذا الصراع، وبضمن ذلك مصير القومية.

لا أستطيع التنبؤ بالنتيجة، فنحن في عالم مهدد حتى بالفناء تماماً، لكني أستطيع أن أتمنى كما قلت لك. وما أتمناه كيساري، أن لا تتم الوحدة البشرية على أساس مقاييس "السوق"، بل على اساس المقاييس الإنسانية.

 

عقود النفط

 س13: سلام كاظم فرج: ما هو تحليلك العلمي لاستحقاقات الشركات العاملة في كردستان،، ولو كنت في الوفد المفاوض كيف ستحل الاشكالية بين المركز والاقليم مع الأخذ بنظر الاعتبار مصلحة كل الاطراف وتحقيق السلم الاهلي بين الاخوة؟؟

ج13: صائب خليل: عندما تقول "السلم الأهلي بين الأخوة" فهل تتحدث عن السلم بين الشعبين العربي والكردي أم حكامهما؟

دعني أقول لك بصراحة وأتخذ موقفاً محدداً لا يجامل في الوسط، أن عقود الحكومة المركزية سليمة (على الأقل نسبة إلى عقود كردستان) وأي تراجع عنها نحو "الوسط" هو خسارة وإذعان للسرقة. أن عقود حكومة كردستان، هي في تقديري عقود لصوصية تمت بشكل سري مشبوه، وكان سلاح كردستان هو الإبتزاز وقوة الشركات التي وصف أحدها مسعود البرزاني مفتخراً بأنها تعادل عشرة فرق عسكرية.

لماذا هي لصوصية؟ ببساطة لأنها تعطي الشركات أضعاف الربح المعقول الذي يمكن ان تقبل به، وكانت قد قبلت به فعلاً في عقود بغداد، وما تراجعها إلا نتيجة رؤيتها إمكانية أفضل لها بالتعامل مع لصوص شعبهم، من قادة الكرد.

الوقوف مع قادة كردستان في هذه النقطة هو وقوف ضد الشعب الكردي بالدرجة الأولى. فالسماح بمثل تلك العقود يبدد ثروة الشعب الكردي، خاصة إن حصل على استقلاله في المستقبل.

الدستور العراقي يؤكد أن نفط العراق لكل الشعب العراقي، ولو كان قادة الكرد حريصين حقاً على شعبهم وثروته، لما تحمسوا بهذا الشكل لتوقيع العقود وسرعة استخراج نفطه، ولتركوا العرب يستهلكون نفطهم أولاً، ويحصلون منه على نسبتهم، ويحتفظون بنفطهم للمستقبل! لو كان هناك صراع حقيقي لحكومات تمثل شعوبها لرأينا الصراع معكوساً، ولرأينا حكومة كردستان تتملص وتماطل في حفر الآبار وتوقيع العقود وسحب النفط من أرض كردستان، لكنه صراع من يريدون أن يثروا، حتى ولو على حساب مستقبل شعبهم! إذن فلصالح الشعبين، وخاصة الكردي، أن تقبل شروط الحكومة المركزية كما هي، ولا يمكن لأي سياسي كردي أن يثبت العكس. إذن أنا أرى الصراع في هذه النقطة بالذات ليست بين كردستان والعراق، بل بين خندقين يمثل أحدهما الحكومة المركزية والشعب العربي والشعب الكردي، وفي الخندق الآخر حكام كردستان والشركات النفطية. أنا لا أريد أن افاوض بين خندق الشعب وخندق اللصوص والشركات، بل أتمنى أن ينتصر الأول كاملاً في هذه المعركة.

أما استحقاق شركات كردستان، فقد كتبت عنه عدة مقالات وعن الشكوك والتساؤلات التي تحوم حوله، خاصة في ظروف عدم الثقة الشديدة من قبل المركز بكردستان واتهامها بتهريب النفط. الحكومة المركزية تقول أنها لم تستلم المعطيات من كردستان التي تتيح لها التدقيق في الحسابات، وهي تقدم عادة لكردستان المبالغ مقدماً بشكل أقساط في انتظار الحسابات النهائية. وقد أثار العديد من الخبراء العديد من التساؤلات حول صحة ما قدمته كردستان من أرقام، وهي تساؤلات أساسية وخطيرة، ولم تجب عنها كردستان.

الأستاذ فؤاد الأمير كتب في الفترة الماضية كثيراً حول الموضوع وقد اقتبست منه بعض المعلومات في مقالاتي عن الموضوع، وهو بصدد كتابة جزء هام عنها في الجزء الأخير من كتابه الذي يعكف على إصداره حالياً بشكل اجزاء، والذي يرتكز على جهده الشخصي المضني في دراسة تقارير الشركات العاملة في كردستان واستنتاج الحقائق منها. لقد أخبرني الأستاذ الأمير قبل يومين أن الجزء الأخير الذي سيصدر في الأسبوع القادم، سيكون كبير الأهمية، وسأحاول الكتابة عن الموضوع أيضا.

والحقيقة لسنا بحاجة إلى شهادة الأستاذ الأمير لنعرف إن كان لنا أن نثق بأرقام كردستان في هذا الأمر، فقد اعلنت كتلة التغيير "كوران" قبل فترة أنها لا تعرف أي شيء عن عقود الشركات مع كردستان. وقد عبرت عن اعتراضها على ذلك بأن انفصلت عن التحالف الكردستاني في رفضه للميزانية، وقبلتها قائلة أنها ممتازة وأفضل من اية ميزانية سابقة، وفعلت ذلك رغم عدم الإتفاق على تسديد "مستحقات" الشركات. كتلة التغيير لا تقر بأن الـ 17% هي سرقة، وبالتالي فهي لا تحقق الأمل في كتلة تنظر بعدل إلى العلاقة العربية الكردية، ومع ذلك، فظلمها ربما يكون الأقل بين الجهات الكردية، وهي شاهد ممتاز على فساد وأبتزاز كردستان لبغداد.

 

س14: سلام كاظم فرج: ولكن النائب عن التحالف الكردستاني السيد فرهاد الاتروشي ذكر في تصريح له ان تكاليف عقود الخدمة لا تقل جسامة عن عقود المشاركة وتشوبها شبهة فساد. وحسب قوله ان سعر الحفارة يشترى بخمسة اضعاف سعرها الحقيقي .. ؟؟

ج14: صائب خليل: عظيم ...إذن تعالوا نكشف أمام الشعب كل الحقائق والتفاصيل عن كل العقود ولنر أي منها أفضل وأكثر عائداً للشعب، وعندها أما أن تتحول الحكومة إلى عقود المشاركة أو أن تتحول كردستان إلى عقود الخدمة، أو على الأقل أن تعتذر الجهة الخاسرة لشعبها عن تبديد أمواله، وأن يقتصر توقيع العقود مستقبلاً على النوع الفائز، على ان تكون المناقشات شفافة أمام كل الناس. إن كانت عقودهم ممتازة فلماذا يخفوها حتى تشتكي كتلة كوران بأنها لا تعلم أي شيء عنها؟

هذا كلام فارغ. الفساد يمكن أن يتم في أي نوع كان من العقود. وعقود الخدمة يمكن أن تكون أكثر تكلفة من عقود مشاركة الإنتاج إن تولاها فاسدون. إننا لا نعرف تفاصيل سعر كل حفارة ولم يقل لنا الأتروشي عن أي عقد من العقود يتحدث، ولماذا لم يكشف هذا الفساد إلا حين حاول الدفاع عن عقود الإنتاج. هناك محصلة عامة كتب عنها خبراء النفط العراقيون والأجانب أيضاً، وهي موثقة المصادر في مقالاتي تبين أن الشركات الأجنبية تحصل على أربعة أضعاف الأرباح في عقود كردستان مما تحصل عليه في عقود الحكومة ولم ترد كردستان على ذلك حسب علمي. دعني أسألك، إن كان كلام الأتروشي صحيح فلماذا صارت الشركات تهرب من عقود الحكومة لتذهب إلى عقود كردستان، ولماذا تضغط الشركات وأميركا وعملائها في لجنة الطاقة البرلمانية التي يسيطر على قيادتها الكرد وقائمة علاوي، على الشهرستاني والحكومة لإقرار قانون النفط بالشكل الذي يقبل فيه عقود المشاركة؟ لماذا لا تستفيد من هذا الفساد وتبيع الحفارات بخمسة أضعاف سعرها؟

كلام الأتروشي حول النفط لا يختلف عن كلامه ورفاقه عن الـ 17%. إنهم يتفننون في محاولة جعل الأبيض أسود وبالعكس، ولا يستنكفون أية وسيلة مهما كانت واطئة. ألم تسمع العديد من النواب الكرد يشيرون إلى أن كردستان لا تحصل إلا على 10.5%؟ فما هي قصة هذا الرقم؟ إنهم يقومون بحركة رياضيات بهلوانية، فيحسبون الرقم بدون حذف الكلفة السيادية للحكومة التي يشارك فيها وزرائهم ونوابهم برواتبهم وأماكن عملهم الخ، وهذا تلاعب بالأرقام من الغريب أن يلجأ إليه شخص يحترم نفسه، دع عنك أن يكون برلمانياً يمثل شعبه. بنفس الطريقة تجد من يهتف منهم: صحيح أننا كنا 11% لكن الشعب الكردي لم يبق على نفس العدد منذ ذلك الزمن! وهذا ايضاً احتيال على الأرقام يأمل صاحبها أن من يقف أمامه مغفل، لا يعرف أننا نتحدث عن نسبة وليس عدد سكان. فعدد العرب وبقية العراقيين تضاعف خلال السنين مثلما تضاعف عدد الكرد، لكن النسبة بينهما ستبقى ثابتة بدرجة كبيرة. ولكي نقبل الـ 17% فيجب أن نفترض أن سكان كردستان تناسلوا أسرع من غيرهم من العراقيين بمرة ونصف! لقد حسبت مرة الأرقام حسب ادعاءاتهم الملفقة فوجدت أن كردستان سوف تسبق الصين في عدد السكان خلال بضعة سنوات إن كان ما يقولونه صحيحاً، واعتمدت على أرقامهم الرسمية في ذلك الإستنتاج!

لا أدري كيف أصف ذلك، لكني أجد أن من يسمح لنفسه بالهبوط إلى مثل هذه المخادعات، شخص يصعب احترامه! أحياناً يبدو وكأن الأمر يتجاوز الطمع بالمزيد من المال، إلى الولع بالكذب و "الشطارة" والمخاتلة والبيع بالأسود. وقد أشرت في إحدى مقالاتي إلى أن خبير النفط حمزة الجواهري برهن مرة بالأرقام الصادرة من كردستان نفسها، أن الإقليم كان يخسر كما يبدو من تهريب النفط مقارنة ببيعه من خلال الأطر القانونية من خلال بغداد والحصول على 17% من سعره، ورغم ذلك فضلوا التهريب!."

 

ايران

س15: سلام كاظم فرج: ايران مواقفك منها طيبة دائما .. ما هو السر؟ هل هي الملاك الوحيد في العالم؟

ج15: صائب خليل: بالتأكيد لا، ولا حتى في المنطقة، لكنها مركز اهتمام تآمري لأعداء شعوب المنطقة، وتتعرض للكثير من الظلم والتزييف، وهذا سر اهتمامي الأول بها. لقد بحثت في كل الإتهامات التي وصلتني عنها فلم أجد منها الكثير من الحقيقة، ووجدت جبالاً من الأكاذيب، وقد خصصت لهذه الأكاذيب مقالة أو أثنتين ومايزال لدي الكثير، وهذا ما دفعني دائماً نحو المزيد من الثقة بها. فعندما يبذل خصومها كل هذا الجهد للكذب حولها، فهذا يعني أنهم لم يجدوا حقائق ضدها رغم جهودهم، وهذا مؤشر إيجابي قوي لصالحها. لقد أصبح الخوف من إيران مرضاً نفسياً حقيقياً، يصيب السنة بشكل خاص، لكن ليس كل الشيعة أبرياء منه. وعندما يصيبك الرهاب من شيء غير حقيقي فأن مواقفك تتعرض للخطر الشديد. فمثلاً إسرائيل تتحدث اليوم عن مصالح مشتركة مع السنة وأعداء مشتركين!

عدا السنة، فأن العلمانيين والكثير من اليساريين يفقدون صوابهم أيضاً عندما يبدأ الحديث عن إيران. إنهم يشعرون أنهم معفيون من أي برهان على كلامهم، وإن طالبتهم فسوف تواجه بالغضب ونظرات الشك. هذا مع العلم أن الكثير من هؤلاء كانوا ضحايا نفس أجهزة الإعلام الأمريكية التي صورت الشيوعيين كوحوش إباحيين، يؤمنون بمشاعية المرأة، وفي دول أخرى اقنعوهم بأن الشيوعيين يأكلون أطفالهم! ربما تضحك من هذا، لكن ما يقال عن إيران لا يختلف كثيراً في بعده عن المنطق وعدم وجود أدلة عليه. رغم ذلك فإيران ليست سوى دولة اخرى، لها مصالحها الخاصة وفيها عواملها السياسية والإجتماعية التي يناسبنا بعضها ولا يناسبنا بعضها الأخر، ومتى ما حصل هؤلاء الآخرين على الحكم فقد لا تعود إيران دولة صديقة. إنني أعتبر إيران أحمدي نجاد جارة مرشحة لتكون صديقة رائعة، ولم أجد من خطاياها ما يستحق أن يجعلنا ننفر منها أو نيأس من صداقتها، على العكس من إسرائيل وأميركا وكل ذيولها العربية. إيران دولة حرة القرار، وحكومتها تمثل شعبها بانتخابات أكثر سلامة من الكثير من الدول الديمقراطية، وبالتأكيد أفضل من انتخابات العراق، فلم يكن يديرها محتال يصرخ بأن الحاسبة لا يمكن أن تتحيز، وأن إعادة عد الأصوات أمر مستحيل. لديها حكومة تستطيع أن تقف مع مصالحها والتي تنسجم مصالح المنطقة إلى حد بعيد، وقد تكون، مثل فنزويلا شافيز، أهم نواة يلتف حولها الشرق الأوسط (اللا إسرائيلي) من اجل تقارب وتكامل إقتصادي وأمني وتكنولوجي وغذائي، وهي لنفس هذه الأسباب مركز الهجوم الأمريكي الإسرائيلي، ومن يدور في فلكهما.

في مجموعة مقالات لي، كتبت عن كيفية الدفاع عن مصالح الدول الصغيرة أمام دولة عظمى، وكان من أهم تلك الطرق، إنشاء التحالفات الإقليمية، ولأن تلك الدولة العظمى تدرك ذلك بأفضل مما ندركه، فهي تسارع لقطع الطريق علينا دون إنجازه. إنه نفس السبب الذي جعل هذه الدولة تكره شافيز إلى تلك الدرجة وتحاول اغتياله، وقد اتهمها بنفسه بالتسبب له بالسرطان وكذلك فعل الرئيس الجديد المؤقت لفنزويلا. فأمثال شافيز ونجاد وموخيكا، أعداء الإمبراطورية الألداء.

 

الحرب في سوريا

 س16: سلام كاظم فرج: سوريا .. بركان قريب من العراق؟؟ هل ترى في رحيل الاسد خطوة الى امام؟؟ بالنسبة لكل من سوريا، العراق، البلدان العربية، العالم؟

ج16: صائب خليل: قبل أن نستطيع أن نقرر إن كان رحيل نظام ما، هو خطوة إلى الأمام أم الخلف، يجب أن نعرف النظام الذي سيحل محله. المؤشرات لا تبشر بخير أبداً، ويبدو أن البديل الذي يريده الأمريكان والفرنسيون في سوريا هو كارثة للعراق والمنطقة. ليس ذلك غريباً أو غير متوقع على كل حال. الغريب في الأمر أن الساسة العراقيين بشكل عام يعترفون بذلك لكنهم لا يجرؤون على اتخاذ موقف يتناسب مع هذا الخطر الذي يتوقعونه! إنهم يقولون أنه سيدمرنا، لكننا لن نتدخل في توجيه مسار الأمور! قارن هذا بموقف أميركا التي تتحجج أي سبب حقيقي أو وهمي قد يعرض بعض مصالحها للخطر، لتعتبره حجة كافية للتدخل المسلح وتدمير دولة كاملة!

 

س17: سلام كاظم فرج: ولكن اميركا تفعل ما بوسعها للمساعدة وهي فقط متخوفة من صعود القاعدة المتطرفة في سوريا .. ؟؟؟

ج17: صائب خليل: بريجنسكي شرح بعد 11 سبتمبر بافتخار عن صناعتهم لـ "القاعدة" وسخر من فكرة أن يكونوا نادمين على صناعتها، والوزيرة كلنتون ذكرت نفس الحقيقة قبل فترة قصيرة، فلا يمكن أن تخشى أميركا القاعدة. ما نراه من تردد في الإجهاز على النظام السوري له أسباب أخرى، أهمها المعارضة الروسية والتردد في الإصطدام بها، والثاني ربما الرغبة في إطالة الحرب السورية بهدف تحقيق أقصى تدمير ممكن قبل أن يحقق أي طرف "النصر". لقد قامت هيمنة أميركا على العالم على اساس حروب الآخرين فيما بينهم، خاصة في الحربين العالميتين، وهي تدرك ذلك جيداً، وتحاول أن تكرره في كل مناسبة ممكنة، ويمكنك ملاحظة أنها أدامت الحرب العراقية الإيرانية حتى أوقعت الطرفين بديون هائلة قبل إنهائها.

 

اليسار العراقي

س18: سلام كاظم فرج: هل انت متفائل بوحدة الفصائل اليسارية العراقية؟؟. كيساري نادرا ما اجدك تتناول ذلك؟؟

ج18: صائب خليل: اليسار العراقي يتحمل جزءاً كبيراً من المصيبة التي يجد العراق نفسه فيها. كل بلد يتعرض إلى الهجوم الشرس لدولة استعمارية، يجد درعاً ما، بدرجة أو بأخرى، من يسارييه الذين يحدون من التدمير الحاصل في بلادهم قدر الإمكان، من خلال التوعية والتهديد ببديل. اليسار العراقي لم يلعب دوره ولا يوجد إحساس بوجوده، لا من قبل الشعب ولا من قبل اعداءه. اليسار يمر بمرحلة لن يفخر بها، مع تفهمي للظروف التي اوصلته إليها. إنه تائه لا يعرف طريقه، لا يستطيع تمييز نفسه حتى عن الليبرالية النقيضة له تماماً. إنه يريد أن "يتطور"، ولكن لا يدري إلى أين. إنه يتهافت إلى "التغيير" دون أن يحدد أين الخطأ! إنه يتصرف كشخص متعب لم يعد قادراً على التفكير والحكم. لقد وصفته في مقالة ما بأنه "يسار تائب"، يتم اللعب به وتثبيت توبته من خلال أجهزة إعلامية مشبوهة قدمت نفسها على أنها يسارية مثل موقع "الحوار المتمدن" وغيره. ومع ذلك فهناك مقاومة ما، وهناك مواقع يسارية حقيقة وإن كانت ذات إمكانيات أبسط مثل طريق الشعب و"الناس" و "ينابيع العراق" و"صوت العمال". أما على المستوى السياسي فلا أثر لليسار على الساحة، ويجب تغيير هذا الوضع. هناك الكثير من الحديث عن "توحيد اليسار"، لكن يجب أن تؤمن كتلة يسارية كافية الحجم باليسارية أولاً، لكي تكون نواة لهذا التوحيد. لا توجد أسس للتوحيد حالياً. إن أقصى ما يفكرون به عندما يفكرون بالإتحاد هو الإتحاد ضد الكتل الدينية، بينما الليبرالية التي يتحدون معها، والتي تتفق غالباً مع الخندق الأمريكي الإسرائيلي وشركات النفط، هي خصمهم الحقيقي الذي لا يمكن الإجتماع معه. نعم أنا مقصر في الكتابة حول اليسار وما أراه من حلول، لأن الأحداث تضربنا بتسارع مدوخ!

 

س19: سلام كاظم فرج: والتيارات الديمقراطية العلمانية؟؟ ماهو واقعها،، حجمها؟؟ وماهي توقعاتك؟ ونصائحك؟؟ ..

ج19: صائب خليل: "الديمقراطية العلمانية" ليست شيئاً معرفاً. الجميع اليوم "ديمقراطيون"، حتى أياد علاوي! فالكلمة لا تعني شيئاً إذن. والعلمانية لا تعني سوى موقف مرن من الدين ورفض علاقته بالدولة (وحتى هذا غير واضح)، وهذا لا يكفي أبداً. إنها تشمل الشيوعيين مثلما تشمل علاوي و اياد جمال الدين ... فكيف تضع كل هؤلاء في خانة واحدة؟ نصيحتي الوحيدة أن لا يكتفي احد بوصف نفسه بأنه علماني ديمقراطي، بل عليه أيضاً أن يحدد موقفه من الإقتصاد ومن القضايا الأساسية في الساحة وشخوصها والعلاقات الخارجية وغيرها لكي يمكن تمييزه عن الأفاعي التي تتلوى تحت راية العلمانية والديمقراطية. نريد أن نعرف رأيه بالسفارة الأمريكية، وبالإستثمار وحرية السوق ووزير الشباب والمفوضية العليا للإنتخابات والـ 17% وعقود نفط كردستان وخصخصة الكهرباء والتظاهرات والعلاقات مع سوريا والأردن والسعودية وإيران وأميركا وإسرائيل وأوروبا والمرأة وغيرها. إن كان نائباً في الدورة السابقة فعلينا أن نعرف على أي شيء صوت بالقبول أو الرفض، وعندها فقط يمكننا أن نحدد شكل هذا "الديمقراطي العلماني".

 

الموقف من امريكا

س20: سلام كاظم فرج: جادلتك مرة حول اميركا . وكتبت عني مقالة قاسية .. ما زلت على رأيي في اميركا .. يعني انها تطورت (اعني ادارتها) .. والادارة الحالية افضل بكثير من ادارة ترومان مثلا او ايزنهاور. اما زلت على رأيك ان اميركا هي نفسها قبل ستين عاما؟؟ ولا تستطيع ان تكسب ثقة الشعوب الأخرى؟؟

س20: صائب خليل: الحقيقة لا أتذكر تلك المقالة. هناك إحصائية قدمت في عام 2001 وقبل أحداث سبتمبر، بينت أن جميع شعوب أوروبا الغربية أختارت أميركا كثاني أكبر خطر على السلام العالمي بعد إسرائيل (التي فازت بامتياز)، ولاحظ هنا أننا نتحدث عن شعوب أوروبا الغربية، الأقرب إلى أميركا وإسرائيل من أية شعوب أخرى! إنها الشعوب التي يفترض أنها أستفادت من اميركا أكثر من أية منطقة أخرى في العالم، بل ربما المنطقة الوحيدة في العالم. فأين ما كسبته أميركا من ثقة الشعوب الأخرى؟ ماذا تقول عنها إذن شعوب أميركا اللاتينية أو آسيا أو افريقيا التي رأت منها الأهوال؟ دعني أذكر لك قول رئيس سابق للمكسيك وهو ينعى بلاده بالقول: "مسكينة أنت أيتها المكسيك، ما أبعدك عن الله وما أقربك من أميركا"! لقد اصطبغت أميركا الجنوبية باليسار، وفقدت أميركا حلفائها من الأنظمة التي جاءت بها كما جاءت بالبعث للعراق في الستينات، وبنفس الطرق ونفس الوحشية. ونلاحظ مثلاً أننا أكتشفنا في فضيحة توزيع أميركا لمعتقليها على سجون سرية في مختلف أنحاء العالم من أجل تعذيبهم، أن المنطقة الوحيدة التي خلت من تلك السجون كانت أميركا اللاتينية، التي كانت تسميها أميركا، "حديقتها الخلفية"!

هل هي أفضل من أميركا ترومان أو ايزنهاور؟ نعم كان الرجلان وحشين، لكن بوش لم يكن أقل وحشية، ولا توجد أية علامة أنه كان يتردد في تدمير أي بلد أو أي شعب، إن سمحت له ظروفه. بوش الأب كان محتالاً مدمراً هو الآخر وكذلك كلنتون وريكان كان وحش الثمانينات على العالم وأميركا الجنوبية بالذات. يقول العاشق الولهان بأميركا الدكتور عبد الخالق حسين أن اميركا بلد مؤسسات ولا يغير مواقفها نوع الرئيس الذي يأتي إليها، وهو محق من ناحية، فنجد الكثير من المحللين يصفون أوباما الآن بأنه أسوأ من بوش ولديهم حججهم لذلك. إنما السبب ليس في أن أميركا بلد مؤسسات، بل هو بلد شركات وبزنز، ولا يؤثر في سياسته من ينتخبه الشعب، وهذا مؤشر فشل الديمقراطية الأمريكية وليس نجاحها. الفيلسوف الأمريكي جون ديوي يصف الوضع بأن السياسة هي ظل البزنز على المجتمع. ولا يمكنك أن تغير الواقع بتغيير الظل.

ما قد تلاحظه من تغير إيجابي في أميركا، هو نتيجة وعي الناس وسرعة الإتصال واتخاذ المواقف. وهنا يذكرنا جومسكي بأن حرب فيتنام احتاجت عدة سنوات قبل أن تستثير الرأي العام الأميركي، اما حرب العراق فكانت التظاهرات المناهضة تهز العالم قبل أن تبدأ الحرب. لذلك توجب على بوش وأوباما مراعاة ضغوط لم يكن على ترومان أو كندي أن يحسب لها ذلك الحساب.

ولجومسكي، وهو خير العارفين بأميركا وتاريخها الحديث، عبارة يقول فيها لو ان رؤساء الولايات المتحدة لما بعد الحرب العالمية الثانية حوكموا وفق محاكمة نورمبرغ (التي حكمت النازيين الكبار) لما نجا أحد منهم من حبل المشنقة.

 

س21: سلام كاظم فرج: انا ابتسم الان. خوفا من سلقي بمقالة نارية تتهمني فيها بالانحياز للأمبريالية.(وبالتأكيد انا لا اتفق معك بالنعوت القاسية التي توجهها لبعض الاسماء). ولكني أسأل هنا سؤالا دقيقا لكي اعرف .. الدكتور علي الوردي يقول لولا الاحتلال البريطاني للعراق لبقيت عطارا في دكان أبي .. ما رأيك في قول الوردي رحمه الله؟؟

ج21: صائب خليل: لاشك أن للإستعمار كان له بعض الفوائد، مثلما له مساوئ، لكنه لم يأت بقصد الفائدة. إنه مثل العاصفة التي تقتلع لنا شجرة كنا نريد قلعها. هذا لا يعني أن نتمنى العواصف. كذلك فأن اعطاء الإستعمار كل أفضليات التقدم، ابتزاز لبقية العوامل. الإستعمار من النوع الذي يقدمك مربعاً ثم يسعى بقية الحياة أن يبقيك في ذلك المربع، فعليك أن لا تستلم للشعور بالإمتنان له، وإلا فقد كان علينا أن نبقي العبودية أمتناناً لها لأنها كانت أكثر انتاجية من المشاعية، ثم على الإقطاع لأنه كان اكثر انتاجية من العبودية والآن على الرأسمالية لأنها أكثر إنتاجية من الإقطاعية. ولو كان البشر يفكر بهذه الطريقة لبقي عند الخطوة الأولى، العبودية، ولما وصلنا إلى هذه الرأسمالية "العظيمة" التي يوحي البعض بأن علينا الإمتنان لها.

إضافة إلى ذلك، وبعد توفر الإتصالات، فلم يعد للإحتلال أية فائدة، لأنه في الماضي لم يكن الناس يعلمون ما هو التقدم حتى يدخل بيوتهم. الآن الجميع يرى ويسمع كل ما يحدث في العالم ويستطيع شراءه من اي مكان. الإستعمار لا يزيد قدرتنا على الوصول إلى التقدم أو شراءه بل العكس، هو يشترط الكثير من القيود بشكل مباشر (شروط جي بي موركان على بنوكنا بعدم التعامل مع إيران فوق حد معين) أو بشكل خفي (تحويل صفقة الأسلحة الروسية إلى دراما).

كذلك أرجو الإنتباه إلى أن الإستعمار البريطاني لم يكن يمتلك أجندة تدميرية، عدا ما يتطلبه منه امتصاصه للإقتصاد، اما في حالة أميركا والعراق حالياً فهناك مشكلة إضافية هي خضوع أميركا للإملاءات الإسرائيلية حول المنطقة، وهذه أجندة تشترط التدمير حتى لو لم يكن منه فائدة لأميركا، بل حتى لو تسبب بالضرر لها في علاقتها بالعراق.

أخيراً أشير إلى مقولة مهمة لنهرو حول الإستعمار وفوائده المزعومة، فهو يؤكد أن النظر إلى خارطة الهند الإقتصادية تبين أن تخلف المناطق يتناسب طردياً مع قدم استعمارها من قبل بريطانيا!

 

كردستان ثانية

 س22: سلام كاظم فرج: كردستان العراق تحث الخطى لكي تكون دبي الثانية. هل تتفق معي في هذا؟ واذا اتفقت فما هي الاسباب؟ اليست صداقتها لاميركا و الغرب وعدم الدخول في عداء معهما اتاح لها تعاطفا واستقرارا اكسبها هذا التقدم؟؟ وهنا يبرز السؤال. الا ترى ان الجنوبيين. لو كسبوا صداقة اميركا على سلبياتها التي تظنها فيها وبعضها صحيح واتفق معك به. اما وفروا لانفسهم ما وفره الكورد لانفسهم من دعة واستقرار وبناء؟؟

ج22: صائب خليل: أعطيتك رأيي بدبي، أما بالنسبة للبقية فلدي اعتراضان على هذا المنطق. الأول أنه ليس من السهل أن تكسب صداقة أميركا، فلأميركا مصالحها التي قد لا تتلاءم مع "صداقتك". مع ذلك سيكون الذئب سعيداً لو لبس جلد الخروف وأفهم جميع الخراف أنهم مدعوون لصداقته. هذا يوفر ولائم سهلة.

 

هناك مفهوم خاطئ بأن هذه الشعوب هي التي "تعادي أميركا" وأن أميركا مستعدة للصداقة، وأن من "قبل صداقتها" حصل على الفوائد. لو راجعت التاريخ لدهشت تماماً. فعبد الناصر طلب القرض من اميركا أولاً من أجل السد العالي، فرفضت فذهب للسوفيت. كاسترو بادر بزيارة أميركا فور استلامه الحكم وطلب مساعدتها على بناء بلاده فغضب الرئيس الأمريكي منه وقال أنه يتكلم كشيوعي وإن لم يكن كذلك. الصين الشيوعية حاولت كثيراً مع أميركا وكان لها بها أمل كبير، وكذلك هوشي منه في فيتنام كتب عدداً كبيراً من الرسائل يرجو الرؤساء الأمريكان مساعدته عندما كان تحت الإستعمار الفرنسي والياباني، ولم يحصل على جواب واحد لأية رسالة! لم تجد أميركا أي من هؤلاء من تستفيد من "صداقته"، ولم يكن لجهودهم أي أثر في تغيير ذلك. أميركا اليوم ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، هي "شقاوة" العالم، وما يحتاجه الشقاوة هو السركالية الذين يقومون بابتزاز الناس لحسابه ويكونون هراوات لخوض معاركه، ولصوصاً لثروات شعوبهم لحسابه. عندها يمكن أن يقدم لهم يده، ولو موقتاً. أقول مؤقتاً لأنه في اللحظة التي يجد فيها مصلحة تتطلب التخلي عنك فسيقفز إليها فوراً، وفي هذه الحالة ستكون صداقته أداة لضربك لأنك قد أدخلته بيتك وأتحت له الكثير من الحرية فيه وهو ماهر في استخدامها للتآمر عليك.

أنظر مثلاً كم كان الخليج "صديقاً" لأميركا، ولكن في اللحظة التي خطر ببالهم المخطط الشيطاني لإحتلال صدام للكويت، ووزنوا نتائجه، فوجدوها أنفع لهم من صداقتهم، قذفوا بأصدقائهم هؤلاء في النار. المشكلة في صداقة من هو أقوى منك أنها تفقدك القدرة على أن تقول لا مستقبلاً، لذلك كان أهلنا يمنعونا من صداقة من هم أكبر منا لأنهم يعلمون أنه لا توجد صداقة غير متوازنة. الأكبر له مصالح مختلفة تدفعه إلى العدوان على الأصغر، لذا على هذا الأصغر أن لا يخدع نفسه بكلمات لا تعبر عن الحقيقة. وهذا ليس إتهام أخلاقي للمستعمر، بل هي مسألة بقاءه على قيد الحياة كمستعمر. فلو صادق الذئب كل الخراف لمات جوعاً.

 

سلام كاظم فرج: شكرا للأستاذ صائب خليل على سعة صدره. هي محاولة للتعرف على بعض افكارك اخي الكريم فارجو عفوك ان وجدت في بعض اسئلتي استفزازا .. ومن جهة أخرى لا بد من التوضيح ان حق الرد مكفول من قبل من تناولتهم بالنقد وباب مرآيا مفتوح لأي رأي يصلنا متفقا او مختلفا مع جنابكم . اخي الاستاذ صائب. وأنا هنا لاالعب دور الداعية بل دور الصحفي كما ارجو ان أُفهم هكذا كما في كل حوارتي المنشورة السابقة .. واللاحقة ..

صائب خليل: وشكرا جزيلا استاذ سلام لأسئلتك التي أتاحت لي أن أوضح مواقفي بشكل مباشر، في المواضيع الأساسية في عالمنا اليوم.

 

خاص بصحيفة المثقف

سلام كاظم فرج

مرايا حوارية

 

salam kadomfarajmohsen ouniالمثقف تستضيف الاستاذ الباحث والاديب د. محسن العوني ضمن مرايا ثقافية – فكرية لتحاوره حول مجموعة من القضايا الراهنة، ذات البعد الفكري والثقافي والسياسي، فاهلا ومرحبا به.

 

 تونس الخضراء في ماضيها وحاضرها والآفاق التي تنتظرها..

سلام كاظم فرج: تونس الخضراء ترتبط في وجداني بالشاعر الشابي الذي سمعت باسمه وأنا بعد في مرحلة طفولتي..كنت أتأمل صورته على ديوانه المطبوع وأقارن بينها وبين صوت حليم الرومي الدافئ وهو يغني قصيدته المعروفة.(إذا الشعب يوما أراد الحياة..).. وحين انشغل جيلنا بشجون السياسة تعرفنا على فلسفة بورقيبة ورؤيته .. وموقفه المغرد خارج السرب الذي كان يقوده المرحوم عبد الناصر.. لكن تونس ظلت في خاطري عنوانا للجمال والهدوء والرقي.. قرينة البحر المتوسط.. والخضرة.. والطيبة. والتحضر..

 ومساحتها الصغيرة وشعبها القليل العدد والكثافة مقارنة بجيرانها المغاربة والجزائريين..

 وتونس في ذاكرتي كهلا.. تقترن بأعظم مفكر في علم الاجتماع بل هو مؤسسه وواضع لبناته الأولى وما سمي لاحقا بعلم الاجتماع السياسي تعود جذوره إلى شذرات وآراء تناثرت في مقدمة ابن خلدون والذي سبق كونت وماركس في قراءة التأريخ قراءة علمية وله يعود الفضل في فصل الخرافة عن علم التأريخ. وله يعود الفضل في تشخيص قيم البداوة وتفاعلها مع قيم التمدن في صناعة الحدث السياسي والاجتماعي...وما سمي بالتفسير المادي لحركة التأريخ تجد خطرات خلدونية منه في كتابه الفخم (المقدمة)..

 بعد لقائي بالمفكر الدكتور محسن العوني وتعرفي عليه من خلال صفحات المثقف الغراء وإطلاعي على شذرات من فكره النير وترجماته الرصينة لعيون الأدب العالمي. انتبهت إلى عمق مداخلاته على كتابات الأصدقاء وشخصت فيه تواضع الكبار ورقة الأديب الانسانوي .. وعمق المثقف العضوي الحريص على إرتقاء شعبه وأمته والانسانية جمعاء.

 وكانت لي مراسلات عميقة معه نتبادل فيها التهاني في المناسبات ونستغرق في أحاديث طويلة في شؤون الفكر والأدب والفن .. وكنت حذرا من الخوض في شؤون السياسة معه تجنبا لإحراج قد اسببه لصديقي لخوف كامن من تداعيات العيش في ظل نظام قمعي كنظام (بن علي) .. وعندما بدأت تباشير ثورة الشعب التونسي زاد قلقي على صديقي الدكتور حتى عاد للكتابة في صحيفة المثقف..

 

ارهاب السطلة

س1: سلام كاظم فرج:أستاذنا العوني. سأبدأ بسؤالكم سؤالا أتمنى أن لايكون محرجا.. هل ما زال الخوف الكامن..من تبعة إبداء الرأي.. وما كنا نسميه بسجناء الرأي يمتلك حضوره ام اننا قد تجاوزنا محنته؟؟

ج1: د. محسن العوني: الشاعر المفكر والمثقف الكبير والإنسانوي الرائع العزيز سلام كاظم فرج .. أيها المحاور السامق

كم كنت كبيرا وعميقا وأنت تموضع تونس في التاريخ والجغرافيا وفي قلبك ووجدانك ..لا غرابة في الأمر فأنت الشاعر المفكر الذي يرى بعين التاريخ وقد تبوّأت الحضارة والإنسانية لديه مكانا عليّا ..

ألف شكر ومحبة لنبلك وكرمك أستاذي الكريم ..

أسئلتك أثارت في الفكر والنفس أشياء وأشياء كانت ثاوية تنتظر محاورا بقامتك وعمقك.........

جمهورية الخوف تركت بصمتها وثقافة الانسحاب لا يمكن أن تختفي بسهولة والخوف من إبداء الرأي وخاصة الرأي الذي يصنّف ضمن خانة "التغريد خارج السرب".. ما يزال قائما والرقابة الذاتية ما تزال قوية نظرا لطول أمد الاستبداد وقسوة وتوحش النظام البوليسي الذي ظل حاكما بأمره لعقود.. الطاغية المستبد رحل غير أن إفرازات نظامه لم تضمحل وما يزال لها حضور ملحوظ وهي تتحرّك وفقا للمتغيّرات على الأرض.. والعقل الجمعي والنفسية الجماعية لم تتخلص بعد من شبح التسلط.. يحضرني مثل ذلك الطائر الذي تربّى وترعرع في القفص فأدمن المشي وفقد القدرة على الطيران والتحليق أو كاد بعد أن تعطلت فيه الأجنحة.. التربية والتنشئة والثقافة.. هنا مكمن الخطر.. الثقافة يمكن أن تشوّه الطبيعة وتحوّل وجهتها وتضعف نداء الأقاصي.. يحضرني مشهد المواطن التونسي أحمد الحفناوي الذي صار يعرف باسم أحمد هرمنا.. في لقطته التي تحوّلت إلى ما يشبه الطـغراء بعد أن رسّختها قناة الجزيرة وهو يقول : "هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية" الاستبداد والفساد سرق الأعمار كما سرق الفرح.. وشعوبنا لم تعد تعرف متى تفرح ومتى تحزن وهي تحتاج إلى علاج نفسي سيكولوجي طويل المدى.."الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم لهم الأمن وهم مهتدون"..

 

تونس والانتخابات

س2: سلام كاظم فرج:كيف تقرأ نتائج انتخابات المجلس التشريعي في تونس العزيزة...؟؟

ج2: د. محسن العوني: في هذا السياق لعله من المفيد الوقوف عند عبارة لافتة وردت في كتاب "إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان" للمصلح التونسي المؤرخ أحمد بن أبي الضياف (1802 – 1874) "ومن المعلوم أن شدّة الملك القهري تفضي إلى نقص في بعض الملكات الإنسانية من الشجاعة وإباء الضيم والمدافعة عن المروءة وحبّ الوطن والغيرة عليه حتى صار بعض الجهات من المسلمين عبيد جباية ليس لهم من مسقط رؤوسهم وبلادهم ومنبت آبائهم وأجدادهم إلا إعطاء الدرهم والدينار على مذلة وصغار والرّبط على الخسف ربط الحمار حتى زهدوا في حبّ الوطن والدّار وانسلخوا من أخلاق الأحرار وهذه أعظم الأسباب في ضعف الممالك الإسلامية وخرابها" بعد مضيّ قرن ونصف على نصّ المؤرخ ابن أبي الضياف.. هل تغيّرت هذه الوضعية ؟.. لعلها لبست لبُوسا حديثا !؟.. ثنائية المواطنة (الوجه الآخر للحقوق المدنيّة والسياسيّة) و.. الحرّية تبدو متلازمة في فكر المصلحين.. خير الدين التونسي في كتابه "أقوم المسالك" يؤكد بدوره على أهمية الحرية وحيويتها في تحقيق التقدم الذي حققته أوروبا .. قائلا "الحرية هي منشأ سعة نطاق العرفان والتمدّن بالممالك الأوربّاوية".. وهاهو سلفهم العظيم عبد الرحمان بن خلدون يؤكد بعبارة واضحة يقولها بلسان التاريخ :"العدل أساس العمران والظلم مؤذن بخراب الأمصار".. ابن خلدون / ابن أبي الضياف / خير الدين التونسي.. ثالوث إصلاحي من نور في الحركة الإصلاحية العربية..

قبل الانتخابات استيقظ سكان حلق الوادي الضاحية الشمالية للعاصمة تونس غير بعيد عن قرطاج على صورة عملاقة لبن علي معلّقة على جدار معلم تاريخي هو الكرّاكة سجن قديم يشبه القلعة بناه الإسبان تحوّل إلى مسرح

وقد اجتمع الناس أمامها والذهول يملأ منهم العيون والأفواه فاغرة وهم يتساءلون بحيرة: هل هي الكاميرا الخفية أم مقلب للضحك والفكاهة أم.. تقدّمت فتاة تونسية شجاعة ومزقت الصورة العملاقة بمساعدة بعض الحاضرين وسط تصفيق المواطنين وبسقوط الصورة وجدوا تحتها العبارة التالية : " أَفـِقْ.. الديكتاتورية يمكن أن تعود.. سيعود بن علي إن أنت لم تصوّت يوم 23 أكتوبر !!!؟؟؟.. " واكتشف الناس أن جمعية تونسية قامت بهذا الأمر في إطار حثها التونسيين على الذهاب إلى صناديق الاقتراع في أول انتخابات بعد الثورة المجيدة.. طالما حوّل بن علي الإسلاميين في تونس إلى فزاعة وبهم وعن طريقهم وصل إلى السلطة وكان يقضي ليله في الشراب واللهو و..مع حلقة من رفاقه حتى مطلع الفجر وعند الصباح الباكر يضع بعض الأسلحة والعبوات والمتفجرات في سيارته ويذهب إلى بورقيبة في المنستير ويقول له : بتّ ليلتي أمس أطارد الإسلاميين في ضواحي منوبة والدندان وحي الزهور وقصر السعيد وباردو ...إنهم يسعون إلى إسقاط نظامك العلماني وإقامة النظام الإسلامي ومحاكمتك!!؟؟؟ فيصدّقه بورقيبة وهو في ضعف الشيخوخة وعجزها وكل قوّة إلى الضعف راجعة ..ويقول له: أنا بحاجتك واصل تتبّعهم وسنحاكمهم ونعدمهم؟؟؟ وها هو اليوم يتحوّل بدوره إلى فزّاعة وعلى الباغي تدور الدوائر؟؟؟.."ويريكم آياته فأيّ آيات الله تنكرون ".. التونسيون اختاروا مواطنتهم وأسقطوا رموز الطاغية وكل ما يذكرهم به وبعقوده بعد أن أسقطوه.. ومن خلال خروجهم للانتخابات منذ الصباح الباكر قالوا عبارة تأسيسية : "نحن مواطنون بحقوق كاملة وكرامة غير منقوصة .. لسنا رعايا ولا غبارا بشريا تذروه رياح الاستبداد والأهواء والجهالات".. أجمل ما في هذه الانتخابات.. تلك الروح وتلك الشعلة الزرقاء التي رأيتها في العيون.. روح المواطنة والمحبة والسلوك الحضاري.. وشعلة الإرادة والعزم على عدم الرجوع إلى الوراء.. رأيت يوم الانتخابات في عيون التونسيين والتونسيات وعلى وجوههم الفخر والاعتزاز والفرح والتأثر(émotion) .. أظهرت انتخابات المجلس التأسيسي نضجا سياسيا لدى المواطن التونسي وتقبلا لثقافة الديمقراطية.. كانت النكتة السياسية الذكية حاضرة والحوار الودي الباسم بين المواطنين والمواطنات وهم يقفون صفوفا أمام مكاتب التصويت ولو شاهدت جولدا مائير طوابير الاقتراع في تونس يوم 23 أكتوبر لأغمي عليها حزنا وأسفا وخوفا وهي القائلة : "يبدأ الخوف من العرب حينما يتعلمون الوقوف في الصف دون عراك".. رغم كثرة الأحزاب وقلة الخبرة السياسية لدى كثير منها فإنها تجاوبت مع استحقاقات المرحلة لكسب رهان الحوار الديمقراطي وهذا ما يخوّل للأحزاب أن تتعايش في ظل الاختلاف أو أن تختفي..رغم أن ظاهرة كثرة الأحزاب لم تكن بريئة وكان الغرض منها تعويم الساحة السياسية والتعمية على المواطنين وتعميق ظاهرة العزوف عن السياسة ومقاطعة الانتخابات.. فالأحزاب الحقيقية ذات الوزن لا تتعدّى (5-6) أحزاب.. الشعب التونسي بعث برسائله مضمونة الوصول من خلال الانتخابات وكان حاسما في ذلك :

- لا لبقايا التجمع وفلوله مهما أمعنوا في التخفي.. فالشعب يرفض أن يجد مجرّد رائحتهم.

- لا لمن يرغب في شراء الذمم بالمال السياسي..

- نعم للمحاسبة والمكاشفة والقطع مع ممارسات الماضي..

- نعم للدولة المدنية التي تحفظ حقوق المواطنين وحرياتهم الخاصة والعامة..

- الشعب يكتب تاريخه الكبير وديوان عبره وقد انخرط في كتابة المقدمة.. الدستور.

خروج الشعب التونسي من دائرة السلبية إلى مرحلة المشاركة السياسية الفاعلة أظهر حقيقة دامغة جاءت نتيجة للثورة وهي أن الشعب قد حقق سبقا على الأحزاب السياسية في استيعابه الديمقراطية واستحقاقات المرحلة..

بعد الانتخابات التونسية لن يكون الحاكم إلا محكوما بمواطنيه وتلك النكتة السياسية الجارحة الرائجة في أوساط المهاجرين "الفرق بين رئيس عربي ورئيس غير عربي أن الثاني يعتبر نفسه في خدمة شعبه ومواطنيه بينما الأول يعتبر الشعب في خدمته!!؟.." ستصبح نكتة تاريخية وتدخل متحف الثورة مثل نكتة ماري أنطوانيت..

 

س3: سلام كاظم فرج:حزب النهضة.. من أكثر الأحزاب التي لقيت عنتا من النظام السابق. وكان في طليعة المتصدين له. واعتقد أن سبب شعبيته المتنامية تعود إلى ذلك التصدي.. هل ترى إن قراءتي قريبة من الواقع. أم أن إسلاميته منحته تلك الشعبية؟؟..وهل ترى تناقضا بين (الإسلامية) والحداثة؟؟.

ج3: د. محسن العوني: حزب النهضة لا يقدم نفسه كحزب دينيّ وقد نفى ذلك في أكثر من مناسبة وعلى أكثر من منبر.. فهو حزب مدني أو حركة سياسية ذات خلفية إسلامية تجمع أطيافا من الرؤى والتصورات تجتمع على كلمة سواء تتمثل في: عدم التشكيك في الإسلام.. الإيمان بالمساواة بين المرأة والرّجل في القيمة الإنسانية والكرامة والحقوق والواجبات.. الإيمان بالخيار السلمي وعدم اللجوء إلى العنف.. الإيمان بحقوق الإنسان.. السجون والمنافي والتعذيب والملاحقة غيّرت رؤية حزب النهضة لنفسه ولغيره وطوّرت طروحاته.. ومن رحمة الله بالمجتمع التونسي أن حركة النهضة لم تتحوّل إلى حركة مسلحة كنتيجة حتمية للعنف والتوحش وسياسية تجفيف المنابع والذبح بغير دم كما نقول في تونس الذي قوبلت به على مدى عقود من زمن بورقيبة الذي أطلق عليه الأستاذ راشد الغنوشي ذات برنامج "المخلوع الأول" إلى عهد بن علي "المخلوع الثاني"..

الخطأ القاتل الذي ترتكبه أنظمة الاستبداد أنها تستغفل شعوبها وتتعامل معها بالمكر والخديعة ولا تحترمها وهو ما يجعل الشعوب لا تتوقف عن التعبير عن احتقارها وعدم اعترافها بهذه الأنظمة الساقطة أخلاقيا قبل سقوط شرعيتها بفعل التزوير والغش والفساد والاستبداد.. أذكر أني خلال العام 2002 كتبت مقالا حول واقع حقوق الإنسان في العالم العربي (أغلب المقالات التي كنت أكتبها حول موضوع حقوق الإنسان أو دعم سجناء الرأي أو أدب السجون.. كانت تمنع بحجة أو بأخرى وإن كانوا غير محتاجين إلى تبرير المنع فالمسألة واضحة ومفهومة ومن لا يرى من الغربال يسمى أعمى). وقد وردت في هذا المقال العبارة التالية :"حرمة الذات الإنسانية أكبر من تقرير تكتبه يد مرتجفة.. " فما كان من مدير مكتب الصحيفة في تونس المعيّن من قبل النظام وهو يعرفني جيدا ويعرف قناعاتي الفكرية.. إلا أن جمع بعض المحرّرين في مكتبه وقرأ عليهم المقال وسألهم: ماذا يقصد كاتب المقال بالعبارة.. هل يقصد الدفاع عن الإسلاميين!!؟.. فأجابه بعضهم.. إن دلالة العبارة واضحة في إدانة أخذ المواطنين بالشبهة والكيد للانتقام من الخصوم والمعارضين وتصفيتهم.. واتصلوا بي هاتفيا من مكتب الصحيفة ليسألني مدير المكتب سؤالا محدّدا.. من تقصد بالعبارة؟ فأجبت : أقصد جميع الناس بلا تخصيص.. الذات الإنسانية كما هو مذكور في المقال بلا ألوان سياسية ولا انتماءات.. يسار.. يمين.. وسط.. بلا انتماء.. قال : ولكن اليساريين كانوا يعذبون ويضيق عليهم في الستينات والسبعينات أما اليوم فعبارتك لا تصح إلا على الإسلاميين.. فهل تدافع عنهم!!؟.. (هكذا).. قلت: أليسوا بشرا.. ألا ينتمون إلى العائلة الإنسانية!!؟.. وكأن سلخ الإسلاميين قبل قتلهم وتصفيتهم أمر جائز أو بالعبارة التي يعلقها بعض الجزارين "كاشير" حلال..!!!. وكأن من يدافع عن إنسانيتهم يقترف جرما لا يغتفر أو يتطوع للدفاع عن الشيطان..!! هكذا هي طبائع الاستبداد..

إن معاناة حزب النهضة من القمع لعقود طويلة وصراعه المرير والعنيف مع نظام الاستبداد الوالغ في الدم وخروجه إلى المهاجر والآفاق.. أكسبه خبرة ومرونة جعلته يتأقلم مع واقع مجتمعه ويغلب السياسي/الآني/ اليومي على الديني الغيبي.. يلتقي الشعب التونسي مع حزب النهضة في أكثر من نقطة:

- كلاهما كان ضحية النظام..

- عدم الثقة في النظام..

- الخوف على الهوية والقيم الحافظة لكيان الأمة..

- السعي إلى انتهاج خطاب براغماتي يجمع بين العقلانية والبعد الروحي والأخلاقي القيمي..

حركة النهضة ليست حركة نخبة كما أنها ليست قالبا واحدا.. هي حركة شعبية واسعة متغلغلة في المجتمع وهي إطار واسع وأمزجة وتلوينات منسجمة وغير متنافرة.. وتراث الاعتدال والوسطية في تونس تراث أصيل وعريق والإسلام ليس جملة من الزواجر والممنوعات والحدود.. بقدر ما هو أفق ورؤية تتجلى في كل عقل بما يناسبه وذلك من دلالات ختم النبوّة "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا".. إن الإقامة في الحداثة لا تتأتى إلا لمن بنى حداثته بنفسه وتعب عليها.. "مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها". الأصل الثابت أساس وشرط الفرع الذي في السماء.

 

س4: سلام كاظم فرج:أراه قريبا من الاردوغانية التركية في تبنيه الإسلام السياسي وقبول التفاعل مع الديمقراطية ؟؟

ج4: د. محسن العوني: رئيس الوزراء التركي السيد رجب طيب أردوغان كان أول المهنئين بفوز حزب النهضة في الانتخابات والنموذج التركي التنموي والديمقراطي ومنهج التحوّل من نظام عسكري إلى نظام مدني وبناء المصالحة مع الهوية والتاريخ وتجاوز أخطاء الماضي.. ماثل وحاضر في الأذهان وإن كانت النماذج لا تستنسخ.. وقد ذكر الأستاذ راشد الغنوشي ذات لقاء أن الأتراك يشهدون أن فكر النهضة كان حاضرا في تجربتهم الديمقراطية وهم يستفيدون من طروحاته.. كما ذكر أنه خلال كل زيارة له إلى تركيا يلاحظ أنهم ترجموا له كتابا جديدا إلى اللغة التركية..

التشابه بين حزب النهضة التونسي وحزب العدالة التركي يشبه التشابه بين العلم التونسي والعلم التركي.. كما نلاحظ تقاربا وتشابها ونقاط اتفاق بين التجربة التركية والتجربة التونسية (أتاتورك/ بورقيبة.. القرب من أوروبا، البراغماتية، ثقل التاريخ والتحديات).. حزب النهضة لا يتوقف عن ترديد مقولاته ونداءاته :" اسمعونا ولا تسمعوا عنا.." لا تناقض بين الدين والعقل والحداثة والديمقراطية" "لسنا حزبا دينيا" "الدولة ليست جهاز قمع أو قسْر وليس من مهمتها فرض نمط معين من العيش.. ليس من مهمة الدولة تفكيك المجتمع وإعادة تركيبته، بل تجسيم إرادة المواطنين وحماية الحريات الخاصة والعامة".

"نحن حركة ذات خلفية دينية بتصور حديث" "الثورة التونسية ليست صنيعة أحد .. هي صنيعة شعبها".

- "سنحترم حقوق الإنسان لأننا نؤمن بحقوق الإنسان لا من أجل فرنسا أو أوروبا أو الغرب ولا نقبل مساعدات مشروطة".

- نسأل الله أن نكون عند حسن ظن شعبنا وأن تتحول الدماء والتضحيات التي بذلها إلى سلم وعدالة وتنمية لجميع أبنائه".

- "الإسلام يشجع على الإبداع لأنه قطعة إبداعية وآية فنّية ومعجزته قطعة أدبيّة (القرآن الكريم) قبل أن تكون تشريعا.."

- "المؤسسة التشريعية هي التي تترجم التدافع بين قوى المجتمع.."

- "الهوية لا توكل للحكومة أو لحزب حاكم بل للمجتمع وقواه الحيّة.."

- "الإسلام فاعل أساسي في السياسة الدولية وهو بحالة صعود والعلمنة بحالة تقلّص وفي المستقبل سيأتي إلينا سفراء مسلمون من فرنسا وبريطانيا وألمانيا وغيرها.. ووزراء وعلينا أن نستوعب ذلك.."

- "الصخر لا يتطور أما الإنسان فيتطور.."

- "للمرة الأولى تجتمع مصلحة الداخل (المجتمعات) مع مصلحة الخارج في الديمقراطية وحقوق الإنسان ليتهم تمسّكوا بحقوق الإنسان وحكـّموها مع الأنظمة المتهاوية ولم يدعموها كما كانوا بفعلون.."

- "بين الجلاد والضحية ثمّة مشكلة والتعذيب طال أجيالا.. هذا الجرح المتعفن يجب أن ينظف ويخاط ونمضي إلى الأمام.."

- "ضحايا التعذيب بالآلاف ومن خضع للتعذيب يعرف جلاده وأحيانا يعرف داره ومسكنه ولكن لم نسمع عن حادثة واحدة للانتقام أو الثـأر، وهو ما يحيل على الالتزام.. (رسالة لها أكثر من معنى!!؟؟..)"

- "خبراء الظواهر الإسلامية لهم من المعرفة والخبرة ما يجعلهم يفرقون بين تيار وتيار".

- "لن نعطي شهادة وفاة لأحد وإن أعطونا طيلة ثلاثين سنة شهادات الوفاة.. وعلينا أن نستوعب حركات اليمين المتطرف.. وفي أوروبا تجد كتلة لأقصى اليمين وأخرى لأقصى اليسار.. هؤلاء كانوا خلال الستينات مسلحين ويشكلون خطرا على مجتمعاتهم".

- "من فضل الله أن الثورات اندلعت في وقت كانت فيه السياسات الغربية تتجه نحو التقشف والانحسار".

- "لم يبق أمام الغرب طريق للمحافظة على الاستقرار إلا بصناديق الاقتراع بعد أن استنفدت الطرق الأخرى أغراضها فضلا عن كونها لم تعد مضمونة."

- "تحقق الاستقرار والديمقراطية فيه مصلحة للشمال والجنوب".

- "تضخيم الدور الأمريكي وكأنه من عالم السحر غير موضوعي وكثير مما يحصل في العالم ليس بإدارة الولايات المتحدة ويتم رغما عنها.. كما أن تهوين دور الشعوب وما قدمت من الدماء والشهداء والمنافي والنضالات وكأنها لا شيء.. عيب واحتقار مرفوض."

- "الثورة التونسية صنعت شرعية وفتحت أفقا وشقت طريقا."

- "لا نحتقر ثوراتنا ولا نستكثر على أنفسنا هذا الشرف والفعل الحضاري."

- "40 سنة قمع 40.000 سجين سياسي هذا هو رصيد حركة النهضة التونسية."

معاناة حزب النهضة من الاستبداد والظلم ضمانة أخلاقية للشعب التونسي - أو يجدر بها أن تمنع حزب النهضة- من إعادة إنتاج ما لاقاه من عنت مع هؤلاء الذين صوّتوا لصالحة أو لم يصوّتوا له.

بعضهم يراهن على فشل حركة النهضة لأسباب وغايات وخلفيات إيديولوجية ونفسية ومصلحية ضيقة وحتى شخصية.. معتمدين في ذلك أسلوبا غير أخلاقي مثل التشويه والتخويف والدس وتضخيم الأمور واستعجال السيئة قبل الحسنة وهم يرددون :"دعه يفشل.. دعه يموت" وبعضهم يتهم النهضة بأنها استفادت من اضطراب التونسيين وقلقهم على المستقبل ويذهب إلى أن اليسار كان ضحية تشتته وتفككه ويطرح تساؤلا ماكرا كأنه يتمناه :"هل يكون عمل الغرب مع الإسلام السياسي من قِبيل دفع المتباهي بالشجاعة إلى مقدمة المعركة ليموت!؟.. ولكن ماذا إن أيده الله بنصره وكتب له الحياة والعزّة والتمكين؟..

ولا أحسب أن حركة النهضة غافلة عن ذلك بعد هذه الخبرة وهذا الرصيد.. وإن كان فشل حركة النهضة -لا قدر الله- ليس في مصلحة أحد .. ولله درّ الإمام علي عليه السلام وهو يضرب مثل "الطاعن نفسه ليقتل ردفه".

إن تصميم حزب حركة النهضة أن يكون مشاركا فاعلا في الحياة السياسية وإدراكه لخطورة وجدية الإسلاموفوبيا لدى الغرب وضرورة إسقاط أسبابها وتكذيبها ووعيه بأن نجاحه لا يمكن أن يكون خارج المعادلة الدولية والمعطيات الجيو سياسية.. مما يدفعه إلى انتهاج خطاب منفتح إلى الحدّ الذي يجعله غير مختلف عن كثير من الحركات السياسية.. قاسمة المشترك مع حزب العدالة التركي أن نجاحه سيكون في التركيز أكثر على الجانب الاقتصادي واعتماد خطاب ديني لين مرن منفتح يقبل التعايش مع الألوان السياسية والفكرية الأخرى.. يجدر بالأحزاب اليسارية والعلمانية أن تقف موقفا ناضجا ومسؤولا ومتعاونا.. فلا يوجد في الديمقراطية منتصر دائم ولا خاسر دائم.. وإذا كانت المحاذير والخطوط الحمراء هي حقوق الإنسان والمساواة بين جميع المواطنين وحرية الإعلام واستقلالية القضاء واحترام الحريات الشخصية وعدم فرض نمط عيش على المواطنين.. فإذا ضمنت جميع ذلك فلم ترفض حزب النهضة!؟.. هل هي حساسية مفرطة من صفتها الإسلامية؟ في جميع الأحوال ما يمكن قوله هو أن حزب النهضة لم يسرق فوزه وانتصاره.. وصناديق الاقتراع صارت قادرة على تغيير السلطة بعد خمسة عقود كاملة كان خلالها جهاز القمع شغـّالا وقد حكم على الناس أن يسمعوا بأذن واحدة؟ ثم إن على الأحزاب اليسارية والعلمانية أن تتعلم من براغماتية الغرب..

 

س5: سلام كاظم فرج:الكارزما السياسية للزعماء هل ما زالت مؤثرة؟ وهل تحتاج الشعوب الى كارزيما؟؟

ج5: د. محسن العوني: سؤال وجيه.. الكاريزما هي قوة الحضور وشدة التأثير وامتلاك الجاذبية الشخصية.. وهي في أصلها إيجابية غير أننا حمّلناها فوق ما تتحمل حتى غدت بعض المجتمعات ترزح تحت وطأة الزعيم الرّمز والزعيم الأوحد حامي الحمى والدين والقائد الملهم.. ومن هنا تبدأ الديكتاتورية وأحسب أننا في المرحلة القادمة نحتاج إلى كاريزما الشعب.. كاريزما الشباب.. كاريزما المثقفين.. كاريزما القوى الحيّة.. من أجل الخروج من دائرة المطلبيّة إلى دائرة المشاركة الفعليّة في أخذ القرار وتحديد الأولويات وهذا يتطلب مبادرة واستشرافا.. مفهوم الدولة التقليدية ولى وانقضى عهده.. علينا أن نعدّل الساعات على التوقيت العالمي..

فوق المربعات التي ألصقت عليها القوائم على جدار بعض المعاهد التونسية في الضاحية عمد أحدهم إلى كتابة العبارة التالية بالبند العريض :"صوّت لنفسك" إنها كاريزما الشعب.. والأوطان يبنيها ملايين من الرّجال والنساء الأحرار ولا يصنعها قائد مهما كان مُلهما وعبقريّا أو حفنة من المستفيدين والانتهازيين..

 

الثورة والانتماء الطبقي في تونس

س6: سلام كاظم فرج:الشريحة التي ينتمي إليها الشهيد بوعزيزي (الفقراء والمهمشين). هل وجدت او ستجد من يأخذ بيدها؟ وما هي السبل لتحقيق ذلك؟؟

ج6: د. محسن العوني: شريحة الفقراء والمهمشين الذين ينتمي إليهم الشهيد محمد البوعزيزي شريحة ضاغطة على الدولة وكان لها شرف إعلان الثورة المجيدة سواء في منطقة سيدي بوزيد أو القصرين أو غيرها من المناطق الداخلية المحرومة البعيدة عن الشريط الساحلي.. وهي شريحة يقرأ لها حساب.. أكثر حتى من الطبقة المثقفة.. ويظهر أن النية تتجه نحو تمتيع هذه المناطق بالأولوية في التنمية لتعويضها عن الحرمان الذي قاسته طويلا واعترافا بفضلها وما قدمته من شهداء وتضحيات..

إن مجرّد تشديد إجراءات مكافحة الفساد يزيد إيرادات الدولة وهو ما يسمح بالاستثمار في تلك الجهات لصالح الشرائح الأقل حظا كما أن برامج مؤسسات المجتمع المدني ستوجّه لفائدة الطبقة المتوسطة والمحرومة.. هذا ما يصرّح به أما من الناحية العملية فهو يتوقف على أداء الحكومات التي ستتعاقب على الحكم وعلى فاعلية مؤسسات المجتمع المدني.. وعلى كاريزما الشعب.. خاصة وأن عبارة "الشعب يريد إسقاط النظام" خرجت أول ما خرجت من تونس.. " إن أعداء المجتمع الحقيقيون ليسوا هؤلاء الذين يستغلهم أو يطغى عليهم.. إنهم هؤلاء الذين يهينهم ويذلهم.. لهذا تجد بين صفوف الأحزاب الثورية أعدادا كبيرة من حملة البكالوريا الذين يبحثون عن عمل" جورج برنانوس.

 

س7: سلام كاظم فرج:الاقتصاد التونسي يعتمد على السياحة والزراعة.. ما هي آفاق الاستثمار .. في تونس..؟؟

ج7: د. محسن العوني: آفاق الاستثمار في تونس واعدة جدا.. يوم 24 أكتوبر ا مؤشر البورصة في تونس بنقطة واحدة مما دفع إدارة البورصة إلى عقد جلسة عمل مع حزب النهضة وسمعوا منهم بخصوص البرنامج الاقتصادي الذي يرونه :

- تشجيع الاستثمار وتقديم ضمانات للمستثمرين لأنّ الاستثمار انكمش نظرا لهروب رؤوس الأموال بسبب الفساد.

- وضع تشريعات تحمي الاستثمار وتشجع عليه لأن نموذج الإسلام هو الغني لا الفقر.. "لو كان الفقر رجلا لقتلته" (الإمام علي عليه السلام).

- رجال الأعمال الجديون يقبلون على الاستثمار والمخاطرة.. لا على مجرّد الربح السريع.

- الدينار التونسي قابل للتحويل.

- الدولة توفر الضمانات والتسهيلات.

- تنويع المنتوج البنكي وكل يختار ما يساعده.

بعد جلسة العمل هذه وخلال اليوم الموالي ارتفع المؤشر بثلاث نقاط كاملة بالنظر إلى حساسية الوضع المالي وتأثره بالوضع السياسي في البلد.

إن موقع تونس في قلب المتوسط وتنوع مواردها الطبيعية وبنيتها التحتية الجيدة وانفتاح شعبها يجعل منها منطقة جذب للاستثمار كما أن السياحة والزراعة ليست القطاعات الوحيدة المرشحة.. فهناك قطاعات الصناعة والتقنيات والعقارات والبحث العلمي وربطه بالاقتصاد والصناعة من أجل صناعة قابلة للحياة وقادرة على المنافسة مع التركيز على الجودة..

 

اليسار في تونس

س8: سلام كاظم فرج:يسار الوسط فشل في الحصول على أصوات كنا نتوقعها.. واللبراليون العلمانيون كذلك؟؟ كيف تقرأ واقع اليسار العلماني وآفاقه؟.

ج8: د. محسن العوني: بعض الأحزاب دخلت انتخابات المجلس التأسيسي ببرنامج يمكن اختزاله في عبارة واحدة :"رفض حزب النهضة مناصبته العداء!!؟" وقد نسوا أو تناسوا أن ذلك ليس برنامجا فضلا عن كونه يكشف نقصا في النضج السياسي وكأنهم يطلبون من مواطنيهم أن يصوّتوا لهم لا لشيء أو لفضيله إلا لكونهم يناصبون ذاك الحزب أو التوجه ورموزه العداء..

رغم فاعلية اليسار بجميع أطيافه في المجال الفكري والثقافي إلا أن خطابهم يغلب عليه التشنّج وهو غير قادر على استقطاب الجماهير بالكثافة المطلوبة ولعل ذلك عائد إلى تبنيهم أفكارا جاهزة مستوردة لا تجد قبولا لدى عموم الشعب.. اليسار دفع ضريبة نخبويّته.. الليبرليون والعلمانيون لم يكونوا فاعلين .. الشعب التونسي منذ القديم منفتح على جميع الديانات والأفكار والثقافات غير أنه في جوهره يميل إلى نوع من المحافظة سقفها الأدنى المحافظة على الهوية لغة ودينا وثقافة وقيما وهو ما لم يستوعبه اليسار في تونس.. فاليسار إذا ما أراد أن يتقدم في المنظومة الانتخابية عليه ألا يحتقر البعد الأخلاقي وألا يتجنب البعد الديني وألا يخضع إلى المنهج المادي الذي يفسّر كل شيء بالعودة إلى المحدّدات الاقتصادية والمادية فالفكر يلعب دورا يكون أحيانا رئيسيا في اختيارات الأمة وللوجدان نصيب كبير في السياسة والفعل.. كذلك الشأن بالنسبة إلى الدين الذي ما يزال المحرك الرئيسي في مجتمعاتنا باعتباره الضامن لسلامة الأخلاق والتعامل نبذا للفساد والقهر والطغيان.. إلى هذا ذهب المفكر التونسي فتحي التريكي في تأملاته الأولية في الانتخابات التونسية.. لقد أفرزت الانتخابات التونسية تفوّق منظومة النجاعة على منظومة الحقيقة وهو ما سماه البعض انكسار أحزاب الإيديولوجيات التي تقوم على تدقيق حقائق النظريات وتحاول تطبيقها على الواقع.. فالأحزاب التي كانت ناجعة في ممارساتها ونظرياتها هي التي تحصلت على أصوات الناخبين.

والنجاعة تتطلب جرأة في أخذ قرارات أحيانا منافية للبناء الإيديولوجي المتعلق بالبنية الأساسية للحزب كأن يتخذ حزب ذو مرجعيات إسلامية قرارات تحرّرية في ميادين شخصية أو اجتماعية.. كما تتطلب النجاعة دراية دقيقة ببنية المجتمع وبمطالب شعبية وتكوينية وخصوصياته ومطامحه أمراضه.. وقد فازت الحركة بـ91 مقعدا في المجلس التأسيسي وشكلت بذلك الأغلبية، يليها حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، وهو حزب عانى بعض زعمائه ورموزه خلال العهد البائد مثل مؤسسه الدكتور المنصف المرزوقي والمحامي محمد عبّو.. وهو ينادي بالدولة المدنية التي تكفل الحريات للمجتمع ويحقق التنمية المتوازنة والعدالة الاجتماعية.. وفاز بـ30 مقعدا يليه التكتل الذي فاز بـ21 مقعدا.. أما العريضة الشعبية فتنتظر حكم المحكمة.. ومن خلال قراءة أولية لهذه النتائج يظهر أن الناخبين كانوا حاسمين مع الأحزاب المشبوهة سواء من جهة فلول وبقاياة التجمع أو التمويل أو أحزاب الالتفاف على الثورة أو تلك الأحزاب التي ظهرت فجأة كالفقاقيع وليس لها تاريخ نضالي أو برامج مقنعة فضلا عن أن الناخبين كانوا ينظرون إليها بريبة بعد أن هاجمتها الأحزاب ذات التاريخ والوزن النضالي.

 في هذه المرحلة تتجه جميع شرائح الشعب إلى تأمين استحقاقاتها في التنمية العادلة بين الجهات وتوفير الشغل للجميع والتوزيع العادل للثروات وإثارة المسائل الحساسة التي تثير مخاوف الشعب على هويته وثقافته وعقيدته من المسائل التي أساءت إلى اليسار عموما وإلى العلمانيين على وجه الخصوص لازدواجية الخطاب.. ففي الوقت الذي ينادي فيه بفصل الدين عن السياسة تراهم يحاربون بلا هوادة تاريخ أمتهم وثقافتها ومقدساتها من خلال خطاب متشنج تكتنفه الريبة ولعل ذلك هو السبب الحاسم الذي جعل الشرائح العريضة للشعب تنتخب حركة النهضة ولا تتحمس لليسار لأنهم يرونها الأسلم.. وفي الأمثال التونسية "إذا اختلطت الأديان.. فعليك بدينك".

 

س9: سلام كاظم فرج:هل تؤمن استأذنا العزيز.. بمقولة اليسار الإسلامي؟؟

ج9: د. محسن العوني: مقولة اليسار الإسلامي تجاوزتها الأحداث وإن تشكلت لها ملامح مميّزة في التاريخ الإسلامي.. فالإسلام واحد يتجلى في كل ذهن بما يناسبه وأصالته عنوان حداثته.. العلم والإيمان يغذي ويفعّل أحدهما الآخر وأول كلمة من الوحي دعت إلى رفع المستوى والتأهيل الشامل لأن ذلك هو الذي يحدّد فاعلية الإيمان وإن كانت حضارتنا تحتاج إلى تصفية وتنقية من تاريخ طويل من الجهل والخرافة والاستبداد .. اليسار مرتبط بثقافة غربية كانت لها ذكريات أليمة ودمويّة مع مؤسستها الدينية التي تطرّفت في قمع العلم والعلماء.. مما أدى إلى تطرف خصومها في القول بالمادية الشيء الذين جعل الحداثة الغربية تنبني على التقابل النقضي بين العقل والإيمان.. وإنكار البعد الغيبي والمطلق والتعلق بالعبارة اللاتينية :"الآن وهنا".. إن فهم وإدراك هذا التماس والتمفصل بين العقلي والرّوحي والوجداني.. سرّ من أسرار الحضارة والفكر الإنساني.. وهي من مناجم الحياة التي يمكن أن تفتح الطريق أمام مستقبل أكثر إنسانية وتسامحا..

 

ابن خلدون عالم الاجتماع

س10: سلام كاظم فرج: هل كنت موفقا في قولي إن ابن خلدون سبق كونت في تأسيس علم الاجتماع؟؟. في الترجمات العربية نقرأ اسم مؤسس علم الاجتماع أوغست كونت.. أخبرني صديق فاضل ان قراءة اسمه. الصحيحة (كوميت)..؟؟ . ماهي إضافات كونت؟ وهل حقا إن الفهم المادي لحركة التأريخ بدأ من ابن خلدون.

ج10: د. محسن العوني: ريادة العلامة ابن خلدون لا شك فيها.. فقد ولد في وسط ثقافي إسلامي عريق واستوفى عدّته العلمية وارتحل وشغل الوظائف وتمرّس في السياسة واختلط بالملوك والأمراء واطلع على الخبايا وعرف التقلبات وحُبِسَ واختلى بنفسه للتأليف والتصنيف ودرّس الفقه وتولى القضاء وفاوض تيمورلنك على مصير دمشق ووجد فكره في تلك الحياة المضطربة مادة للتحليل وأراد أن يقدّم نقدا واقعيا يكون أشبه بالضوء المبدّد للظلمات في عالم الإسلام الوسيطي المأزوم.. وحدّد في المقدمة التي هي مدخل كبير لتاريخه الكوني "كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر" هدف بحثه ومنهجه "فالتاريخ في ظاهر لا يزيد عن الإخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى تنمق فيها الأقوال وتضرب الأمثال وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق.. فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق" ابن خلدون لم يقدم جردا بأحداث التاريخ كما فعل المتقدمون بل تبنى المبادئ المنهجية الواقعية للعلوم الدقيقة طلبا للموضوعية.. الحديث عن ابن خلدون يطول.. فهو فيلسوف عظيم وشخصية بالغة الثراء وباقياته الصالحات من الأصالة والكثرة بحيث لا يمكن تبسيطها واختزالها.. منها تأكيده على "قيمة العمل" مما جعل بعضهم يعدّه رائدا للمادية التاريخية.. ومنها تأكيده على الجمال بمعنى التناغم مما جعل بعضهم يعتبره من فلاسفة الجمال.. وحديثه عن ظاهرة تعاطي السلطان للتجارة ومنافسة أهلها واعتبار ذلك من مؤشرات الفساد.. مما جعل بعضهم يتحدث عنه كعالم اقتصاد.. بالإضافة إلى وضعه أسس "علم العمران البشري" وخصائص المجتمع البدوي والمجتمع الحضري والمعاش والكسب والمهن والعلوم وتطورها والسلطة وهرميّة الدولة و..العصبية.. الفهم المادي لحركة التاريخ لم يبدأ مع ابن خلدون ولا يمكن لأحد أن يقول ذلك.. إنما إضافة ابن خلدون أنه وضع نظرية متكاملة بصرامة تحليلية للظواهر الاجتماعية السياسية.. ابن خلدون (1332م – 1406م) سابق على كانط (1798 م – 1857م) بما يقرب من أربعة قرون.. وريادة كانط وإضافته لم تكن محل إجماع من الفلاسفة والمفكرين الغربيين وكان محل انتقاد شديد من رينان ورينوفييه ودوركهايم وجورج بوليتزر..

الفرق بين ابن خلدون وكانطA. Compte /Auguste Comte هو تماما الفرق بين "علم العمران البشري" الخلدوني و"علم الاجتماع" الكانطي.. فالأول ثمرة ناضجة لرسوخ قدم ابن خلدون في العلوم الإسلامية وعلم المنطق والثاني ثمرة للفلسفة الوضعية (Positivisme) القائمة على قانون الأدوار الثلاث(trois états) وتجاوز الإنسانية لثلاثة أزمنة : الزمن اللاهوتي، الزمن الميتافيزيقي والزمن الوضعي وفي الزمن الأخير (الوضعي) يدشن منهجا علميا يهدف إلى إحلال البحث عن القوانين محلّ تحديد الأسباب الذي لا يمكن تحقيقه (التحديد) وهو ما خلص به إلى وضع مبادئ علم جديد هو علم "الفيزياء الاجتماعية" أو "السوسيولوجيا" بما هي الزمن الوضعي وسوف تهتم بالواقع والإنسان بما هو مفيد له لتغيير ظروفه وفي نهاية حياته ابتكر كانط دينا وضعيا مكرّما الكائن الأعظم للبشرية لأن الإنسان يحتاج إلى حبّ ويكون أعلى منه يشده إلى فوق ويمنحه القوّة الروحية.. وكان الحل في نظره هو أن تحبّ الإنسانية ذاتها(la Religion de l’humanité) ويوجد في مدينة ريودي جانييرو البرازيلية معبد الإنسانية وعلى جبينه فوق أعمدته الشعار المشهور للكنيسة الوضعية.. بين ابن خلدون وكانط يتجلى الفرق بين الثقافة الإسلامية حيث يحتل العقل مركز المؤسسة.. والثقافة الغربية التي ترتبط بذكريات أليمة مع مؤسستها الدينية .

- إن ابن خلدون، الفيلسوف وعالم الاجتماع والمؤرخ الأول للعمران البشري، يحتل مكانة اليوم في مصاف كبار الرواد للعلم التاريخي الحديث (هيلين بروتون).

- إن أصالة ابن خلدون غير القابلة للاختزال في تاريخ الفكر الإسلامي تكمن في أنه استبدل سرد أحداث الماضي ببحث، تحليلي تارة وجدلي طورا، عن علة وجود الظاهرات الاجتماعية، وهو يمثل بنوع ما حالة مفردة بوصفه مكتشف منهج جديد يتطلب رؤية جديدة لتاريخ البشر المنضوين في مجتمع (لوي غارديه).

- أول من وضع بمثل هذه القوة وهذا الشموخ، منذ ثوقوديدس، مبادئ فلسفة في التاريخ (أندريه ميكيل)

 

س11: سلام كاظم فرج: هل هنالك صرح يخلد ابن خلدون في تونس. ضريح أو تمثال. أو مزار؟؟

ج11: د. محسن العوني: ينتصب تمثال العلامة عبد الرحمان بن خلدون شامخا في الشارع الرئيسي للعاصمة تونس بين الكاتدرائية والقنصلية العامة الفرنسية.. عمامة العلماء فوق رأسه المهيب وعلى كتفيه البرنس التونسي وهو يحمل سفر تاريخه وينظر باتجاه الشرق.. وهو من عمل الرسام والنحات التونسي الزبير التركي رحمه الله.. وقد رأيت في بداية التسعينات الفيلسوف الفرنسي روجيه رجاء غارودي وهو ينقل بصره بين تمثال ابن خلدون والكاتدرائية في لقطة مثيرة دالة.. وكان مرفوقا بزوجته الفلسطينية سلمى الفاروقي وهي تضع فولارا فوق رأسها على طريقة بينازير بوتو وكان يتقدّمها بخطوات.. كما يوجد وسط مدينة تونس العتيقة في منطقة تربة الباي البيت الذي ولد فيه العلامة وهو بيت تونسي جميل على الطراز الأندلسي عليه لوحة من رخام كتب عليها ما يفيد ذلك.. وقد تحوّل إلى مقر لجمعية صيانة مدينة تونس وعلى بعد مسافة منه توجد المدرسة القرآنية أو الكتاب الذي حفظ فيه القرآن الكريم تعلوه قبة وبه مصلى صغير.. كما أن الورقة النقدية التونسية من فئة العشرة دنانير (القديمة) تحمل صورة رأس العلامة ابن خلدون بتلك العيون الواسعة وتلك العمامة المهيبة وهي عمل الرسام حاتم المكي رحمه الله (الورقة النقدية الجديدة من فئة العشرة دنانير تحمل صورة نصفية لعليسة) كما يوجد في العاصمة حيّ يحمل اسمه.. أما المؤسسات التربويّة والثقافية والمحطات وقاعات العرض وقاعات المحاضرات والشوارع والجوائز التي تحمل اسمه فهي أكثر من أن تحصى..قرأت في مجلةLeaders التونسية الصادرة بالفرنسية.. أن أعضاء تجمّع التونسيين بالولايات المتحدة قرّروا تكريم مواطنهم المهندس محمد الصالح بالحاج قاسم الأستاذ بجامعة فرجينيا بإسناده جائزة العلامة ابن خلدون.. وزير الثقافة المغربي الحالي بن سالم حمّيش كتب رواية بديعة استلهمها من حياة ابن خلدون وسيرته عنوانها "العلامة".. من الطريف أنك تجد ملامح من البيئة التي عاش فيها العلامة في مؤلفاته.. من ذلك ميزان الذهب الذي كان يراه وهو يمرّ أمام دكاكين تجار الذهب والمجوهرات والمصوغ في سوق الصاغة أو البركة (بكسر الباء وسكون الراء وفتح الكاف) كما تعرف عند أهل الحضارة تونس قريبا من الجامع الأعظم جامع الزيتونة المعمور – عمّره الله بدوام ذكره – كما في هذه الفقرة من المقدّمة "العقل ميزان صحيح وأحكامه يقينية لا كذب فيها غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوّة وحقائق الصفات الإلهية وكل ما وراء طوره فإن ذلك طمع في محال ومثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب فطمع أن يزن به الجبال.." فهو يؤكد قيمة العقل ودوره في المعرفة وكونه ميزانا صحيحا مع إيمانه بحدوده.. ويحتاط حتى لا يقع في خلف حينما يستخرج بالعقل قرائن وبراهين تؤكد محدودية العقل!!؟.. وكيف يقع في الخلف وهو يدرك أكثر من غيره شرف العقل ودوره!!؟. "إن عظمة الإنسان بالفكر" أندريه مالرو.

 

الكنيسة الكاثوليكية

س12: سلام كاظم فرج: لكم اهتمامات بحثية عن الكنيسة الكاثوليكية في تونس. وعن المسيحية في شمال افريقية.. . اطمح أن اعرف وقراء المثقف الغراء شيئا عن تلك الأبحاث..؟

ج12: د. محسن العوني: هتمامي بالكنسية الكاثوليكية في تونس والمسيحية في شمال إفريقيا نابع من إيماني بضرورة تحقيق المصالحة مع ذاكرتنا التاريخية وأهمية قراءة تاريخنا القراءة الصحيحة التي تعزّز إيماننا بقدرتنا على تقديم الإضافة حاضرا ومستقبلا كما كان شأننا في الماضي.. تونس وإن لم تكن تملك موارد طبيعية ومدخرات من البترول والغاز الطبيعي ذات عائدات ضخمة.. إلا أنها تملك ما هو أهم من ذلك إن أحسن شعبها استغلاله وتوظيفه.. فهي تملك حضارة بالغة الثراء.. أذكر كتابا قرأته منذ الثمانينات حول تاريخ تونس عنوانه "تونس كوكب صغير" ألفه بالفرنسية يوناني مولود في تونس "كاتزاراس".. بقيت في ذاكرتي منه العبارة التالية :"لا تكاد تقطع مائة متر في تونس من غير أن تعثر على موقع أو معلم أو آثار.. ثلج في الشمال.. صحراء في الجنوب.. بحر وجبال.. واجهة على الشرق وأخرى على الشمال.. زخم حضاري كبير.. إنها متحف حضاري وطبيعي مفتوح.. في كلمة إنها كوكب صغير" .. المنطقة الممتدة بين قرطاج وعنابة (كان لتونس منذ القديم امتداد في العمق الجزائري ) لعبت دورا أساسيا في تاريخ المسيحية اللاتينية حيث كانت الكنيسة الإفريقية هي الكنيسة الأم التي قدّمت أقدم ترجمات الكتاب المقدس إلى اللاتينية وكبار آباء الكنيسة ينتمون إلى هذه المنطقة : البابا فيكتور الأول.. الأسقف الشهيد سيبريانوس .. الأسقف تيرتيليانوس، القديس أوغسطين.. هذه الروح المبدعة الأصيلة لم تغادر منطقتنا وإنما تحولت إلى الإسلام وأبدعت من خلاله.. إنه منطق التاريخ الذي لا تتوقف دورته.. تونس كانت مهدا للمسيحية هذا الدين الجليل وقدمت قوافل من الشهداء والعلماء والرجال الأفذاذ الذين قدّموا أمثلة في الثبات والتضحية في سبيل المبدإ والقدرة على التأثير والإشعاع.. وذلك مما يعزّز ويؤكد دورها في الإسلام وبصمتها الخاصة في حضارته العظيمة.. القراءة الصحيحة لتاريخنا من شأنها أن تحوّله إلى تاريخ حافز بعبارة قسطنطين زريق.. فالحضارات والأمم تعطي وتضيف وتسهم بقدر إيمانها بقدرتها على ذلك.. تونس ودول المغرب العربي عموما مرشحة أن تقوم بالوساطة الحضارية بين أوروبا وإفريقيا والعالم العربي والإسلامي.. هذا الدور قامت به تونس منذ القديم.. يقول دومينيك دوكورسال في كتابه "أوغسطين أو عبقرية أوروبا" .. "لم يقابل نتاج كاتب مسيحي باللغة اللاتينية في أوروبا المسيحية مثل الإعجاب والإكبار والانشغال الذي قوبل به نتاج أوغسطين ولا عرف مجدا كمجده".. يعلق هنري تيسيي أسقف الجزائر على عبارة دومينيك دوكورسال في بحثه الذي قدّمه في ندوة نظمها معهد الدراسات الأوغسطية بباريس 2003 تحت عنوان "أوغسطين، المتوسط، أوروبا" قائلا "مع وعيه بأنه بصدد الحديث بعبارته الخاصة عن "بربري مسيحي" يطلق على عمله "أوغسطين أو نبوغ أوروبا" وهذا النبوغ كان نوميديا من الإمبراطورية الرومانية.. يا له من انتقال للحكمة من جنوب المتوسط إلى شماله!؟.." ويقول جون كلود أسلن في كتابه "القديس أوغسطين الرجل الغربي" :"من وجهة نظرنا عمل أوغسطين يرتكز على قدرته على أن يصنع من خلال نتاج يضم أكثر من 90 كتابا تمفصلا مستحدثا لم يسبق إليه بين عالم العصور القديمة والعالم المسيحي الذي يعطيه شكلا جديدا.. بهذا المعنى يمثل أوغسطين أول رجل غربي.. أول رجل حديث.. لأنه أول من جرّب وحاول ذلك التمفصل بعبارة معقولة فلسفيا وواضحة جلية، ولأنه فعلها قدّم لوجهة نظرنا وحساسيتنا نموذجا مجسما لقرون.. بالنسبة للإمبراطورية الرومانية كذلك بالنسبة لمسيحية الشرق وبالنسبة لاستقرار قيم هذا العالم وقيم الرجل القديم الواثق من نفسه في ظروف غير مستقرّة، إنه يسجل قطيعة.. إنه يمثل اللحظة التأسيسية في ما يشيده.. لحظة القلق الغربي.. أشاع حالة عدم استقرار بناءة في السياسة والحياة الخاصة.. دينامية لم تهدأ ولم تسكن بعد خمسة عشر قرنا.. أوغسطين هو قلق الفكر حتى وهو في عقر المرفأ الذي كان يبحث عنه" قامة بهذا الوزن والإشعاع من منطقتنا مولود في سوق أهراس/ طاغست مدينة حدودية بين تونس والجزائر.. درس في أكاديمية قرطاج .. لا يوجد متخصص واحد فيه من تونس أو المغرب العربي.. ما هذه الاستقالة.. ما هذا التفريط وهذه اللامبالاة !!؟.. لدى تونس أكبر مجموعة من الفسيفساء (الموزاييك) في العالم.. لوحات رائعة توحي بالعتاقة.. تموج بالشعر والجمال.. لوحة فرجيل وملهماته.. لوحة الرّبة أفريكا.. لوحة أوليس وعرائس البحر.. فصل من الأوديسا.. لوحة انتصار باخوس.. لوحة دينا آلهة الصيد.. لوحة المصارعون والوحوش.. لوحة ضيعة السيد جوليوس قرطاج..رقة تلك الرّسوم وثراء و دقة تلك الملامح والوجوه وفرادة وتميّز تلك الحركات وتقنية الضوء والظل وتلك الألوان الرائعة ..تجعل من تلك الرسوم واحدة من أجمل رسومات العالم القديم..وقد حدّثني الصديق الفنان صلاح الدين المقراني أن تونس قدّمت لوحة من الفسيفساء هدية للأمم المتحدة أيام كان المرحوم الأستاذ المنجي سليم ممثلا لتونس في المنتظم الأممي ..هدية غالية بلا شك ..أرجو أن تكون الجهة التي قدمت الهدية - وزارة الثقافة أو المعهد الوطني للآثار- قد احتفظت بنسخة من هذه اللوحة البديعة ..الآثار ملك الأجيال.. أرجو أن أكتب إن شاء الله عن هذا الفن العريق الفسيفساء مقالا يرفق بنماذج منها وينشر في المثقف..

 

الحركة الادبية في تونس

س13: سلام كاظم فرج: محمد ديب.. كاتب ياسين. الطاهر وطار. الطاهر بن جلون..عبد اللطيف اللعبي.. أسماء في وجداني. تحيلني دائما الى شمال افريقية.. الى م.. تحيل هذه الأسماء الأستاذ العوني؟؟

ج13: د. محسن العوني: أستاذي الرائع.. وأنت تسألني عن محمد ديب ومالك حداد ومولود فرعون والطاهر وطار والطاهر بن جلون وعبد اللطيف اللعبي وإدمون عمران المالح وألبير ممّي وعبد الحق سرحان وكاتب ياسين وعبد الكبير الخطيبي ومحمد خير الدين.. تعيدني إلى أوقات طافحة بمتعتها كنت أقضيها في قراءتهم ورفقتهم .. كلما اقتنيت بعض كتبهم ورواياتهم ومجموعاتهم الشعرية ودراساتهم.. جلست لساعات في الحدائق العامة لأقرأها ولم أكن أصبر حتى أعود إلى المنزل لأختلي بها .. كنت أقرأها بغاية التأثر.لأني أفهمهم وأفهم أجواءهم وأستوعب شرطهم الإنساني وجرحهم ومأزقهم وصدقهم الجارح.. أعرف عاشقا آخر لهؤلاء هو الراحل الكبير المرحوم الطاهر قيقة صاحب "نسور وضفادع " و"كاليبسو "و"الصخرة العالية" ..

دور النشر الفرنسية أدركت أصالة هذا الأدب وإنسانويته التي جاءت نتيجة بلوغه درجة عالية من الصدق والفنية فهو أدب صادق، بل طافح بصدقه وهو مقنع فنيا.. فتلقفته وتبنته وادعت نسبته إلى الأدب الفرنسي خاصة وإلى الأدب الغربي عامة.. وهو أدب عربي صميم روحا وأسلوبا والتزاما وإن كتب بلغة غير عربية لأسباب معلومة ومفهومة.. حتى أن مجلة "الأخبار الأدبية"(les nouvelles littéraires) قامت عام 1953 باستفتاء حول هذا السؤال "هل هناك مدرسة أدبية شمال إفريقية؟" واضع السؤال يتصوّر أن الأدب الذي يبدعه كتاب شمال إفريقيا باللغة الفرنسية إنما هو جزء من الأدب الفرنسي ولكن يتميز بطابع خاص يجعله خليقا بأن يُعدّ مدرسة قائمة بذاتها من مدارس الأدب الفرنسي..

وقد كتب ناقد فرنسي مقدمة لرواية من روايات كاتب ياسين قائلا :"يجب أن نعدّ هذا الكتاب رواية عربية مترجمة إلى اللغة الفرنسية، لا لأن أبطالها عرب، ولا لأن أحداثها تجري فوق أرض عربية، ولا لأنّ مدارها على الآلام التي يتحمّلها العرب في الجزائر وعلى الآمال التي تجيش بها صدورهم بل أولا وقبل كل شيء لأن العقل الذي أنجبها عقل عربي له أسلوبه الخاص في كل شيء، في النظر إلى الأمور، في الإحساس بالمشكلات، في معاناة الحياة، بل حتى في تصوّر الزمان والمكان" الحديث عن الأدب المغاربي المكتوب بالفرنسية يطول لأنه ظاهرة لغوية فنية إبداعية مركبة مثلما هو ظاهرة سوسيولوجية نفسية إنسانية بالغة الثراء والخصوصية..

منذ أيام وبينما كنت أبحث في مكتبتي عن كتاب وجدت بين يديّ رواية "الحريق"(l’incendie) وهي الرواية الثانية في ثلاثية "الدار الكبيرة" لمحمد ديب الصادرة عن منشورات لوسوي ضمن "مجموعة المتوسط" (1954Collection Méditerranée Aux éditions Du Seuil /) فكنت كمن عثر عن لؤلؤة في أعماق البحر.. يجمعني بهذا الأدب رابط وجداني خاص وحميم.. إنه أدب محبّة الإنسان والتعلق بالأرض والحرية والحلم وحق الإنسان أن يكون مختلفا.. أن يكون هو بلا عقد ولا دم مغشوش .. هل ثمّة أروع!!؟.. في هذا الأدب لوحات إنسانية رائعة طافحة بالشعر والجمال والمحبة فوق أرض جميع ما فيها يوحي بالشباب والنضارة.. أرض الشمس والسماء الزرقاء والبحر الزاخر.. فرنسا الاستعمارية حاولت دائما تحويل وجهة واقتطاع مكوّنات(composantes) من المجتمع والثقافة المغاربية إيمانا منها بقوّة وقدرة هذا الكيان وسعيا لإضعافه.. وهي لا تتوقف عن إحداث ذلك الشرخ وتعميقه بين العرب المسلمين والأمازيغ واليهود والفرنكوفونيين ذوي الثقافة الفرنسية.. وتلك بعض جرائمها الموصوفة الثابتة..

 

س14: سلام كاظم فرج:لك قراءات متقدمة وتراجم لمقالات المفكر انتونيو غرامشي.. مفهوم المثقف.. والكتلة التاريخية ..والعوامل المؤثرة في صناعة الكتلة.. لو تفضلتم بتقديم نبذة عن تلك القراءات.. وهل يمكن قراءة الواقع التونسي وفق معطيات غرامشي؟؟

ج14: د. محسن العوني: أنطونيو غرامشي سياسي وفيلسوف إيطالي ماركسي ولد في سردينيا (1891) في الجنوب الايطالي الفقير هاجر إلى تورينو حيث أتم دراسته الجامعية (فلسفة وتاريخ وفيلولوجيا) انتسب إلى الحزب الاشتراكي وأصبح من قادة الجناح اليساري.. يعتبر من ضمن قادة ومنظّري الدولية الثالثة وهو يحظى مكانة خاصة.. شغل منصب أمين عام الحزب الشيوعي الإيطالي وأسس صحيفة (يونيتا)(unita) انتخب نائبا عن مدينة تورينو (1924 – 1926) لكن الحكومة الفاشية جرّدته من هذا المنصب وحاكمته وبعد عامين حكمت بسجنه عشرين عاما تأثر في شبابه الأول بجيوفاني جنتيلي مؤلف كتاب "فلسفة ماركس" وشدّته معارضته للحتمية وفلسفة العمل والفعل (l’antidéterminisme et philosophie de l’action ) تحمّس ومجّد سلطة الإرادة الجماعية لدى البلشيفيين الروس وهو يعتمد عبارة مرجعية لانطونيو لا بريولا في تعريفه للماركسية بكونها "فلسفة البركسيس" « philosophie de la praxis » مطابقا بين الفكر والعمل وبين الفلسفة والتاريخ.. أخذ غرامشي كذلك عن جنتيلي التصوّرات التربويّة.. فإذا كانت الاشتراكية رؤية شاملة للحياة فإنها تتطلب عملا تربويا في الطبقة العمالية حيث لا مجال لطغيان المفكرين والمثقفين وإنما تتأسس مسيرة "سقراطية" « socratique » حيث العمال والمفكرون يكونون في نفس الوقت تلامذة وأساتذة.

استغرق في سجنه في تأمل عقلي عميق كشف عن فكر موسوعي.. وقع فريسة مرض خطير بسبب ظروف السجن فارتفعت صرخات الاستنكار في عدد من عواصم العالم الأمر الذي اضطر الحكومة الفاشية إلى إطلاق سراحه لا سيما وأنها كانت واثقة من دنو أجله ونقل إلى أحد مستشفيات فورميا ثم إلى روما حيث توفي (1937) استخلصت من الكتلة الهائلة من دفاترة في السجن (32 كراسا) كتب عدة صدرت بعد وفاته "دفاتر السجن" 1947 "المادية التاريخية وفلسفة بنديتو كروتشه" 1948 "المثقفون وتنظيم الثقافة" 1949 "الأدب والحياة القومية" 1950 "ملاحظات حول ميكيافلي والسياسة والدولة الحديثة" (1949) إلى جانب رسائل السجن (1947).

- كان معارضا للستالينية والتروتسكية ملاحظا أن الماركسية لم تدافع عن البروليتاريين ضد الفاشية.

- أولى أهمية لدور الإيديولوجيا التي كان منظرها الماركسي الأكثر تميزا

- الدولة بنظره "أداة ذات صفة قمعية غالبة"

- الكنيسة والأحزاب السياسية هي "أدوات ذات صفة إيديولوجية غالبة"

- ينبغي على المثقفين أن يلعبوا دورا عضويا في البركسيس.

- وظيفة البركسيس أو التطبيق العملي هي نسج الروابط الضرورية بين الاقتصادي والأخلاقي السياسي.. (البركسيس في الفلسفة الماركسية هي محاولات تغيير العالم وخاصة وسائل الإنتاج التي تقوم عليها البنية الاجتماعية).

- تناول من جديد العلاقة بين البنية التحتية الاقتصادية والبنية الفوقية الإيديولوجية وقد أعاد إليها القيمة التي كانت الآلية الستالينية قد أنكرتها عليها.

- ماركسية غرامشي تدخل من جديد الإنسان بكل تعقيداته داخل السيرورة الديالكتيكية وإذا كان بقي ماديا فقد عرف كيف يحفظ فعالية الفكرة شريطة أن تندمج في ظروف الناس الفعلية الذين يتصورونها ويستخدمونها.. كل هذا من الدقة والفطنة بحيث يعجز الستالينيون على فهمه.

"الغرامشيزم"((gramscisme المركب والمتناقض حل محل عمل الفيلسوف الايطالي مولـّدا ازدهارا معتبرا للبحث النظري التاريخي حول مسيرة هذا السرديني التي تجاوزت إيطاليا وشملت جميع أوروبا وأمريكا اللاتينية وحتى العالم العربي.. نادى غرامشي بنمط جديد من المثقفين يملكون تصورا إنسانيا للتاريخ تصوّر يظلون بدونه مجرد "أخصائيين" ويستحيل عليهم أن يصبحوا يوما "مرشدين".. كما رسم الخطوط العريضة لنظرية الحزب السياسي الطليعي وكتب نقدا عاما لجميع التشوهات والتحريفات التي فرضت على "فلسفة الممارسة" باعتبار هذه الفلسفة هي الشكل العصري والراهن للمذهب الإنساني.. كما اقترن نقده بتعميق المفهوم الليليني عن "الهيمنة" أي تطوير البنى الفوقية بقيادة الطبقة العاملة والعناصر التقدمية في المجتمع.. الجدير بالذكر أن غرامشي وخاصة بعد فشل الثورات العمالية في أوروبا الغربية خلال السنوات (1917 /1923) اقتنع بضرورة ملاءمة الإستراتيجية البلشيفية للواقع الايطالي مؤكدا على الدور المخصوص للبنى الفوقية الثقافية والسياسية.. المجتمع المدني يلعب دورا محدّدا بالنسبة للمجتمع السياسي والنضال من أجل قلب الكتلة الاجتماعية المهيمنة الذي يمر عبر "حرب مواقع" ... حيث يجب غزو مختلف "كازيمات" المجتمع..

إن ما يشدني في فكر غرامشي قبل كل شيء.. تلك المبدئية الثابتة وتلك الروح المتوهجة التي هي خاصية الجنوبيين الحالمين المثاليين.. كرّس فكره لدراسة مشكلات المادية التاريخية وشغف بعلم الجمال وعلم الاجتماع وتاريخ الفلسفة ولدراساته في تاريخ الثقافة الإيطالية ولنقده للكاثوليكية أهمية كبرى.. وقد تناول مسألة علاقة القاعدة بالبناء الفوقي والبروليتاريا بطبقة المثقفين كما تناول مسألتي الثورة الثقافية ودور الإيديولوجيا في التطور.. كما كافح ضد التيارات الاجتماعية والفلسفية المثالية.. كان يمكنه الاكتفاء بما وصل إليه عبر مهادنة الفاشية وقد أرسل إليه موسوليني من يقترح عليه أن يتخلى عن فكره المثالي ويتبنى الفاشية ويعده أن يتحوّل إلى فيلسوف محور روما برلين (الفاشية / النازية) فكان ردّه الساخر:" كان يمكن أن أنظر في عرضكم لو كان لحركتكم أمل حياة يتجاور العشر سنوات ؟؟؟.." من هنا كانت عبارة النائب العام الناطق باسم الفاشية "يجب منع هذا العقل عن الاشتغال عشرين سنة"..وقد تابعت على القناة الإيطالية خلال الثمانينات برنامجا وثائقيا عن حياة غرامشي وقد صوّروا الزنزانة التي قضى فيها سنوات والفراش البسيط الذي كان ينام عليه ولا ينام قلبه المفعم بالحلم والأمل والطاولة التي كان يكتب عليها .. بخصوص إمكان قراءة الواقع التونسي وفق معطيات غرامشي.. فإن أي واقع هو أكبر وأكثر تعقيدا وتركيبا من أن تستوعبه نظرية واحدة.. أو حتى نظريات.. أحيلك على عبارة غوته التي أوردتها أكثر من مرّة في تعاليقك الرائعة.. "النظرية رمادية، بينما شجرة الحياة خضراء" وإن كنت ألاحظ حضور وقوّة بعض طروحات غرامشي في الثورة التونسية تتجلى خاصة في أهمية توحّد جبهة المجتمع المدني وتحرّكه واحتضانه وتأطيره لحركة الشارع ووقوفه في وجه الفلول ومحاولاتهم اليائسة.. ودوره المحدّد الحاسم في القطع مع الاستبداد والفساد..

الواقع التونسي نتيجة معايشات ومعاناة على الأرض وقد مرّ بمراحل أساسية.. مرحلة البحث عن الذات وبناء الدولة.. ومرحلة التنمية ومرحلة التوفيق بين الحاجات الأساسية الداخلية والبحث عن منظومة تضمن الفاعلية على مستوى الشريك الحضاري واستحقاقات ذلك.. في هذا الإطار تتنزل خصوصية الثقافة المغاربية ذات الطابع العقلاني.. ولأن تونس في قلب المتوسط كان تاريخها قائما على الصراع الحضاري مع الوافد مما كوّن لديها حصانة في التعامل مع الآخر.. فالشخصية التونسية قابلة للتحوّل والتشكل الدائم في كنف الخصوصية التي تجعلها تتقبل الآخر وتتفاعل معه من غير أن تذوب فيه.. إنها أرض المزج والنار كما أطلق عليها بعض المؤرخين.. حارقة الأكباد كما قال بيرم التونسي..

"المجتمع المدني وليس الدولة هو الذي يمثل لدى كل من ماركس وغرامشي اللحظة الايجابية في التطور التاريخي إلا أن هذه اللحظة الايجابية بنيوية لدى ماركس، بينما هي بنيوية فوقية لدى غرامشي" (نوربرتو بوبيو).

"إنما في إبراز وظيفة المثقفين في قطاعات النشاط الإنساني قاطبة تكمن أصالة فكر غرامشي" (أ.ر.بوتزي)"

"يقصر ماركس دور المثقف على وضع إيديولوجيا الطبقة السائدة، لكن هذا المثقف يمارس في تقدير غرامشي وظائف الباحث وناشر المعرفة والمنظم على مستويات الاقتصاد والسياسة والثقافة. ويؤلف المثقفون من منظار ماركس جزءا من الطبقة البورجوازية (باستثناء المنشقين الملتحقين بصفوف البروليتاريا)، أما في منظار غرامشي فيؤلفون شرائح مرتبطة بمختلف الطبقات الاجتماعية ومستقلة عنها ذاتيا، وتعريف ماركس الضيق يقوده بطبيعة الحال إلى تعليق أهمية طفيفة على المثقف بالمقارنة مع تلك التي يعلقها على "الأعضاء الفعالين" في الطبقة السائدة أي الرأسماليين، وبالمقابل يتلبس المثقفون أهمية عظيمة في التصور الغرامشي" (جان مارك بيوتي)

"لقد أخذ غرامشي على عاتقه أن يؤوّل المضمار التاريخي بمفردات الأفكار – الإرادات، بحيث يكون الانتقال متصلا من تصوّر العالم إلى الأخلاق ومن المعاينة إلى العمل ومن الفلسفة إلى الفعل" (نيقولا بادالوني).

 

س9: سلام كاظم فرج: الفن والأدب . الشعر. المسرح. الكتاب المطبوع. الترجمة.. السينما..الموسيقى . التشكيل.. الصحافة.. (الماضي. الواقع.. التوقعات).. كيف تقرأون المشهد الثقافي لشعب تونس الخضراء؟؟

ج15: د. محسن العوني: الاستبداد ألقى بظله الثقيل على كل شيء والمشهد الثقافي عموما تأثر سلبا كغيره بسياسة الاستبداد ومركزية الحكم والفساد الذي عمّ جميع القطاعات مما أوجد لدى المثقفين رقابة ذاتية قويّة إلى جانب رقابة أذرع الاستبداد في القطاع الثقافي والإبداعي.. كما أوجد لدى البعض الآخر نوعا من الانتهازية واغتنام الفرصة للاستفادة من النظام الفاسد.. ظلت الثقافة والفنون مسيّستان لعقود طويلة حتى صار من الصعب تخليصهما من سلبيات هذا الداء العضال الذي يتنافى مع روح الإبداع.. كثير من الأحزاب السياسية سعت إلى استقطاب المثقفين ولم تستفد من ذلك لأن ذلك الاستقطاب كان بعقلية الاحتواء وضمان الولاء وهو نفس الخطأ الذي وقع فيه النظام السابق وحزبه التجمع.. تجمّع الانتهازيين والفاسدين.. خلافا لحركة النهضة التي سعت إلى استقطاب الشرائح الشعبية والطبقة الوسطى وكان لها نصيب من المثقفين والفنانين والأكاديميين والمفكرين.. الثورة التونسية ثورة حرّية وكرامة.. فلا يجوز أن تعود الأحزاب إلى ممارسات السابق عندما كان التجمع يعمل إلى تلك الممارسات المهينة للكرامة الإنسانية فيقدّم للمواطنين ضعفاء الحال في المواسم الدينية وعند اشتداد البرد والفيضانات.. مساعدات غذائية لا تكفيهم أسبوعا واحدا بل أياما.. ويحتفل بذلك على طريقته فيصوّرهم وهو يستلمون كرتون المؤن والأغطية والكاميرا تصوّر وتسجل التصريحات التي تنتهي دائما بالدعاء لصانع التغيير ولعلكم تعرفون بقية القصة.. نهب وفساد واستبداد وذراعك يا علاف.. متى أحسّ المثقفون والفنانون باستقلالية الرأي وتصالحوا مع واقعهم وثقافتهم وحققوا المعادلة الصعبة التي يتطلبها الظرف الراهن ويستوجبها العصر دون جمود ولا تبعية ومن غير أدلجة.. أمكنهم أن يكونوا طرفا فاعلا في القيام باستحقاقات الثورة التي لا تتحقق بمجرد التخلص من الدكتاتورية وممارساتها المتخلفة.. بعض الصحافيين لم يستوعبوا بعد دور الصحافة بعد الثورة.. من ذلك أنهم ظلوا على عدائهم للمعارضة لا يتوقفون عن مهاجمتها كما كانوا يفعلون قبل الثورة.. غير مدركين دورها.. بعد أن كانوا يسبّحون بحمد الاستبداد ورموزه.. والحال أن البلاد خرجت من انتصار ديمقراطي حقيقي.. تونس الآن ورشة حوار ونقاس وجدال بعرض الخارطة على القنوات والإذاعات والصحف والمجلات والمواقع والفيسبوك والمقاهي والمحطات والشارع.. وهذا بحدّ ذاته ظاهرة صحية.. لا ضمانة سوى :"الشعـــب يـُريــد.........." لا يوجد مجتمع ديمقراطي يحترم نفسه حيث لا نجد معارضة للنظام والحكم القائم.. لأنّ كل سلطة ذات طابع قمعيّ بالضرورة (عودة إلى غرامشي).. المعارضة موقع وموقف لا يقتصر على المعارضة السياسية بل يتجاوزها إلى المعارضة الفكرية والفلسفية والرؤية المغايرة للرؤية السائدة.. إنها فكر يفكر ويبحث وحالة قلق خلاق.. المتابع للشأن الثقافي في تونس بعد الثورة يلاحظ حركة نشر واسعة.. مذكرات ويوميات وذكريات وتجارب ومعاناة ومواقف من سنوات الجمر.. سنوات الفساد والاستبداد وتعطيل القانون والهيمنة على مقدرات الوطن وغياب الدولة في الفئة الفاسدة التي اختطفت البلد ولولا ألطاف الله لوقع المحظور وحصل حمّام الدم.. دواوين شعرية.. روايات.. مجموعات قصصية.. أفلام وثائقية وروائية ومسلسلات.. أغاني الراب التي أذكت الثورة وفضحت الفساد والظلم.. صحف ومجلات جديدة ناطقة بالعربية والفرنسية.. بعث إذاعات منها إذاعة "إبتسامة"Lol & Hits  (Le meilleur du rire et de la Musique) للإذاعي والإعلامي الصديق حامد السويّح صاحب التجربة الطويلة في إذاعة فرنسا الدولية والمراسل الإذاعي الذي ساهم في بعث أول برنامج إذاعي يومي فرنكوفونــي بعاصمة كمبوديــــا (Phnom Penh / Combodge) إذاعة تتوسل الهزل والموسيقى للوصول إلى المستمعين وتحرص على تقديم برمجة جديدة مغايرة لنوعية البرامج التي تبثها الإذاعات الأخرى "الضحك ميزة الإنسان وخاصته" و "الموسيقى لغة العالم وصوت الحقيقة" الكتب والإبداعات التي تشد الانتباه كثيرة.. لفت انتباهي كتاب الدكتور عبد السلام المسدي "تونس وجراح الذاكرة" الذي روى فيه قصته مع بن علي ونظامه حيث كان شاهدا على تركيز دعائم دولة القمع والفساد.. أفكر في إجراء مقابلة مع الدكتور المسدّي تنشر إن شاء الله على المثقف.. ظاهرة سوسيولوجية لافتة.. البعض ممن كانوا محسوبين على النظام في الإعلام والثقافة والجامعة والمحاماة والقضاء.. يمارسون مراسم البراءة من النظام الفاسد الذي دعّموه واستفادوا منه ونظـّروا له ودافعوا عنه حتى آخر لحظة.. معتمدين في ذلك فلسفة الحرباء الخالدة.. هذه التحولات الكبرى على أكثر من صعيد رصيد ذهبيّ لفعل إبداعي قد يستمر عقودا..

 

تونس والحرية

س16: سلام كاظم فرج:كنت اعرف ان خدمات الفيسبوك والانترنيت تخضع لرقابة صارمة في تونس قبل الثورة... التلفزيون والإذاعة.. هل ما زالت ترتبط بالإدارة الحكومية.. ام ان خصخصتها او دمقرطتها قد بدأت. ومتى؟؟

ج16: د. محسن العوني: ثقافة تلقى الأوامر من التشوهات التي خلّفها الاستبداد ويتطلب التخلص منها وقتا.. تمت مصادرة الإعلام من قبل الدولة/ السلطة / الحزب الحاكم / الفئة المستفيدة.. فلم يكن بالمرة إعلام الشعب.. عقلية انتظار الأوامر تجعل البعض ينتظر الحاكم الجديد والسلطة الجديدة حتى يأتمر بأمرها كما كانوا يفعلون مع سابقتها وتجعلهم بالتالي غير قادرين على المبادرة.. ثمة جدلية ثابتة :المجتمع المدني الضعيف يعطي دولة مدنية ضعيفة.. والعكس بالعكس.. الانتخابات آلية للديمقراطية وليست الديمقراطية.. من هنا ضرورة التربية على الديمقراطية باعتبارها أمرا أساسيا.. إن مثل هذه التحولات لا تأتي بين عشية وضحاها ولا يمكن لوسائل الإعلام أن تتخلص من عقدة الرقابة والرقابة الذاتية بعد أن كرّستا لأكثر من نصف قرن .. الثورة كما الولادة الروحية والعقلية .. تتمّ على دفعات ومراحل.. خروج نسبة كبيرة من المواطنين للانتخابات له معنى واحد.. وهو أن هذه النسبة إنما خرجت لتحمّل المسؤولية للمترشحين ويضعوا الأمانة في رقابهم قبل أن يحاسبوهم.. الفيسبوك والانترنت والمواقع.. تعني الديمقراطية التشاركية لأن وراءها ذهنية وعقلية تراقب وتلاحظ وتقيس الأداء وتحتج وتضغط قبل أن تحاسب.. في بعض دول أمريكا اللاتينية تعتبر مراقبة الانتخابات السلطة الخامسة فهي سلطة من بين السلط وتسمى البودار « El Podar ».. خوصصة القطاع الإعلامي سلاح ذو حدّين يمكن أن تتحوّل إلى خطر يهدّد هوية الشعب وثقافته واستقرار المجتمع إذا لم يتقيد بميثاق أخلاقي ومناقبية إعلامية عالية.. كما يمكن أن تساهم في ازدهار القطاع وتطويره.. المهم أن لا تقوم على مبدإ الربحية والكسب السريع..   

 

س17: سلام كاظم فرج:العلم. التكنولوجيا. الهندسة.. الاستثمار.. الطب والصحة. الطفل وحقوق الانسان. المرأة ودورها... هذه المفردات. كيف يقرأها الاستاذ الدكتور العوني في حاضر تونس ومستقبلها؟؟

ج17: د. محسن العوني: مفردات أساسية في معجم المستقبل.. كما كانت دائما في واقع المجتمعات ونوعيّة الحياة فيها.. مفردات عليها مدار التقدّم لأنها تصبّ في التأسيس لذاكرة الفجر لو استعرنا عبارة فريدريكو مايور.. تونس رائدة في إدراك حيوية هذه المفردات التي كانت حاضرة في فكر المصلحين والرواد على مدى تاريخها الحديث ولديها خبرة في التعاطي معها وقاعدة لا بأس بها غير أنها تحتاج إلى رؤية مستقبلية استشرافية وتخطيط مع مزيد التأسيس.. خاصة وأن الإنسان في تونس هو الغاية والوسيلة وهو الثروة ورأس المال.. كما تحتاج إلى تأهيل شامل حتى تكون بمستوى انتظارات شعبها المتطلع للغدي الأفضل المتعلق بالتقدم وجودة الحياة في عالم تسابق فيه الأمم عقارب الساعة وتقارن نفسها بمن هو أفضل .. تونس تستلهم شاعر النور والحياة والصباح الجديد.. الشابي الخالد :

 ألا انهض وسر في سبيل الحياة      فمن نام لم تنتظره الحياة

إلى النور فالنور عذب جميـــــل      إلى النور فالنور ظل الإله

أيها السامق.. بمناسبة استمتاعك بكلمات الشابي يؤديها صوت الفنان حليم الرومي.. رأيت مرة الولد الأكبر لأبي القاسم الشابي وهو شيخ مهيب تجاوز السبعين كان يعتمر شاشية حمراء ويلبس الجبة التونسية وكنت وأنا أراه استحضر صورة والده شاعرنا الكبير.. فيبدو لي أكثر شبابا وإشراقا ونضارة من ابنه الشيخ الوقور.. هكذا الشعر شباب دائم ونضارة وثورة وتجدّد .. لعل الشابي قضى في شرخ شبابه ليظل شابا إلى الأبد.. أليس هو القائل :

أنا من عشقت الحياة     وعمر الورود قصير (Hélas)

بقدر ما نؤجل التأدلج لدى الشباب بقدر ما يتواصل نموّه ويتحقق توازنه وتقل وتضعف معطوبيته ومجروحيّته وحساسيته، الإيديولوجيا توقف نمو الشباب وتضع له سقفا واطئا.. كل مربّ أومدرّس أوأستاذ في أي مستوى من مستويات التعليم.. يلقي بظله الإيديولوجي الثقيل على عقول طلابه وقلوبهم الغضة الطريّة الخضراء.. إنما يقترف في حقهم جريمة أخلاقة (كم من الجرائم الأخلاقية لا يعاقب عليها القانون!!!؟) فضلا عن سوء تقديره وقلة خبرته حين يحسبهم جمهورا سهلا ولا يحترم اختيارهم وقناعتهم ولا ينهض بدوره العلمي والمنهجي بتجرّد العلماء ونزاهتهم .. الطالب ضيف عندك أيها المربي الفاضل الكريم..فأكرمه واحتفل بعقله وبقلبه وأحبّه واصبر نفسك معه ولا تمنع عنه النور والهواء النقيّ قوت الأرواح الحية.. فهو نبات وهو بحالة نموّ وملكاته بمثابة حبّة تبحث عن الماء لتشق التربة وتصافح الشمس والنور.. "اتهموا أنفسكم بعدم الأهليّة !!!؟" هكذا كتب ستيفان هاسّلStéphane Hessel « Indignez-vous ! » بعد ذلك ابنوا ذواتكم وشيّدوها.. أذكر ذلك الأستاذ الذي كان يدعو طلابه إلى قراءة جميع الكتب السماوية وعدم الاقتصار على القرآن الكريم رغم أنها لا تملك بلاغته.. لأنّ تلك القراءة بحدّ ذاتها درس عملي في التسامح.. أذكر تلك المربية الفاضلة التي كانت توصي طلابها وتذكرهم: "لا وجود لتربية من غير ثقافة كما لا وجود لثقافة من غير تربية" " نسّبوا الأشياء والظواهر.. « Relativiser » كونوا متواضعين.. (être humble) احترموا الغيريّة والتنوّع والاختلاف.. (respecter l’altérité, la diversité) شاركوا وتقاسموا.. (Partager)

 

نظرية المؤامرة

س18: سلام كاظم فرج:في العراق وبسبب تسيد الدكتاتورية القاتمة لعقود طويلة وبسبب ملابسات التغييرات التي شهدناها.. تهيمن نظرية المؤامرة على عقول جمهرة من المثقفين ويجري تحليل المتغيرات وفقها؟؟

 ما هو تحليلكم لنظرية المؤامرة؟؟ اجتماعيا وسياسيا؟؟

ج18: د. محسن العوني: نظرية المؤامرة التي تهيمن على عقول قطاعات واسعة من المثقفين في العالم العربي وليس في العراق وحده.. والتي ترجع جميع عللنا إلى الآخر سواء كان مستبدا أو مستعمرا أو ظروفا أو مؤامرة تنبئ عن وجود أزمة تحوّلت إلى ما يشبه عقدة الضحية .. لا تخدم هؤلاء الذين يحملونها وإن أقررنا بوجود ما يبرّرها.. لأنها طريقة غير سليمة في التفكير..تصل إلى حد القول بأن الثورات العربية صنيعة غربية أخرجتها الولايات المتحدة بالتعاون (أو التواطؤ..) مع الإسلام السياسي وقناة الجزيرة و رجب طيب أردوغان ..فهي بعبارة بعضهم "طبخة حصى غربية تتحول إلى وجبة تحليلية تستقرّ في عقول أصحابها !!؟؟؟.. فهي تحيل على عقلية التابع الضعيف الذي لا يملك أمر نفسه.. ويصرّ على إدانة الآخر الذي لن يهبه ما يتصوّره حقه على وجه الصدقة والفضل!!؟.. وهو يقف أو يجلس مكتوف اليدين.. الواقع أن ما نحن فيه من ضعف هو الذي يغري بنا الآخر.. وأزمتنا كامنة في أننا نردّ الفعل بطريقة سيئة ولا نفعل.. رد الفعل انفعال غير مدروس ومتشنج.. أما الفعل فينهض ويتأسس على التخطيط والعقلانية والبناء.. وفي المثل الفرنسي " الثأرصحن (أكلة ) يؤكل باردا ".. وإن كنا لا نشجع على الثأر.. اللهم إلا من تخلفنا وضعفنا.. "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" في علم النفس التربوي.. الطالب الذي يرجع أسباب فشله إلى أسباب خارجية لا يتجاوز أسباب فشله.. أما ذاك الذي يرجعها إلى أسباب ذاتية كعدم اجتهاده وقلة انتظامه وإهماله فإن النجاح يكون حليفة في المرّة القادمة.. عبارة كان قسطنطين زريق يردّدها دائما على مسامع طلابه : "علينا دائما أن نستحق حقوقنا" التساؤل الذي نطرحه على أنفسنا :"هل نستحق حقوقنا..؟؟؟"

 

س19: سلام كاظم فرج:تفاعل الغرب مع الربيع العربي كان ايجابيا على العموم.. البعض يتخوف من علاقات وثيقة مع الغرب.. هنالك خوف كامن من عقود طويلة من الهيمنة الاستعمارية والخطاب الوطني التقليدي كان متقاطعا مع معطيات الغرب السياسية؟؟

ج19: د. محسن العوني: الثورات العربية أو الربيع العربي.. نتيجة موضوعية لواقع على الأرض سواء في ذلك واقع الاستبداد والفساد.. أم واقع "الثورات.. وهذه الثورات جاءت تدق ناقوس الخطر.. والعالم العربي في حاجة إلى مواكبة المتغيرات العالمية، القول بأن هذه الثورات صنيعة غربية أو جاءت بتوجيه خارجي.. إهانة للشعوب واستخفاف بتضحياتها.. فضلا عن كونه سفه وقلة عقل وانعدام حيلة .. لا يمكن إنكار وإغفال علاقة هذه الثورات بالغرب لأنه ركب القطار وهو يسير وسرّع وتيرة سيره ليوجهه نحو ما يخدم مصالحه.. الغرب ذرائعيّ إلى ابعد الحدود وهو استباقيّ واستشرافي وهو لا يعطي شيئا مقابل لا شيء.. وقد استعان على أمره بما مهّد له من أفكار تحرّرية تشبّع بها مثقفون عرب في الهجرة وجدت تفاعلا وترحيبا في الداخل.. وعلى أصحاب الثورة – أصحاب الشأن - أن يسيروا بها نحو ما يحقق آمالهم وتطلعاتهم وأن يجعلوها مثل ابن لبون لا ظهرا فيركب ولا ضرعا فيحلب ..إحالة على قول الإمام علي عليه السلام..

 

س20: سلام كاظم فرج:لديك تنظيرات رائعة حول مفهوم بدائل العولمة على صعيد الفكر والفن والأدب. . . العولمة.. ما تعريفها الدقيق؟؟ والبدائل . بدائل العولمة. كيف تقدمها للقراء؟؟

ج20: د. محسن العوني: العولمة نظام اقتصادي رأسمالي حقق توحيد العالم اقتصاديا بعد نهاية الحرب الباردة بثقافة استهلاكية على علاقة مباشرة مع إنتاج البضائع كل همّها إنتاج مستهلكين لبضائعها وأفكارها.. وهي ثمرة للإمبريالية الاستعمارية الساعية إلى الهيمنة على العالم لترويج بضائعها وتوفير المواد الخام.. هي إمبريالية جديدة.. العولمة وأمركة العالم بدأت قبل انهيار جدار برلين بخمس سنوات وتمتد جذورها إلى القرن 17.. والرجوع إلى التاريخ هام لفهمها واستيعاب خطرها .. ارتبطت بالشركات متعددة الجنسيات واشتغلت المخابر والمخترعات لصالحها وقامت بإحداث لبس ومغالطة للمشروع الإنساني من خلال إيديولوجيتها لإعطاء صبغة شرعية وغطاء أخلاقي لسعيها اللاهث من أجل توحيد العالم تحت راية الدولار واللغة الانجليزية والموضه ونمط العيش ..

العولمة تشي بالافتعال والتصنع وقد استغلت المجتمعات المدنية أبشع استغلال :

دعم أناس وتنصيب آخرين واستشعار وتحكم عن بعد واستباق وتدخل واستقطاب الحركات الوطنية أثناء المرحلة الاستعمارية.. تفريغ المجتمعات من رصيدها الثقافي باسم الموضة.. تآكل الهوية الثقافية عن طريق الفضائيات والبرامج والسينما.. قولبة الإنسان وتسليعه ومسح ملامحه المميّزة .. وراء كل ذلك فاعل ومخطط يعتمد أداة الثقافة الاستهلاكية لتجريد الإنسان من هويته وخصوصيته معقله الحصين قبل أن تصنع منه شيئاObjet .. المضمون الثقافي للعولمة خطير وأهدافه وغاياته تجعل منه مشروعا مضادا للمشروع الإنساني الكوني.

ما هو موقف الفكر العربي المعاصر من هذا الخطر الداهم الذي تحوّل إلى واقع يهدّد الثقافة المرجعية.. هل يوجد مشروع مضاد يحمي المجتمعات.. كيف يمكن أن تستغل الثقافة المرجعيّة لخدمة الثقافة الإنسانية؟..مشروع إنتاج المعرفة وتوظيف العلوم الإنسانية والدينية وحوار الأديان والثقافات في خدمة المشروع الإنساني المضاد للاستهلاك من أجل التأسيس لإنسانية الإنسان وإنسانية المجتمع وتحقيق النهضة والمعاصرة والعالمية والكونية.. وفي هذا الإطار تتنزل بدائل العولمة وهي جبهة معارضة للعولمة برزت مكان الأحزاب اليسارية الاشتراكية في العالم وجمعت كل الحساسيات التي لها مصلحة في الإنسانية وتشترك في قيم واحدة كونية وهذه الجبهة تبحث عن إيديولوجيا والأشكال الجديدة التي أخذها الصراع سيولد أشياء جديدة في مستقبل الأيام وخاصة في أمريكا اللاتينية ودول الجنوب..الأوار ما زال كامنا .. نرجو أن تكون التحوّلات نحو الأحسن لأن الضحايا دائما هم الضعفاء ولأنهم يموتون في صمت ومن غير أن يشعر بهم أحد لأنهم على هامش الظل.. بروز قوّة جديدة مناهضة لأمركة العالم تتشكل يوما بعد يوم لتحل محل المعارضة الاشتراكية التي كان يحتلها الاتحاد السوفياتي وهي معارضة مدنية سلمية ولها صمود ونضال بدأ في بلدان الجنوب ضد سياسة التجويع (البنك العالمي) عبر إغراق العالم الثالث في الديون "مظاهرات اكتسحت العالم ضد صندوق النقد العالمي وضد التداين" كما ظهرت حركات معارضة تضامنية في بلدان الشمال ضد العولمة والظلم الاقتصادي والحيف في عالم قدره أن يكون واحدا.. حركات الصمود ضد العولمة لها مستقبل واعد في التصدي للإقطاع الجديد المتمثل في العولمة.. مرجعيتها دينية وتراث الإنسانية وفلسفة الأنوار وحقوق الإنسان.. حركة الإنسان والبضائع والأفكار لم تتوقف عبر التاريخ.. والقواسم المشتركة : العلم والقيم والمهارات (الصواب).. الممانعة الثقافية وجه من وجوه العولمة المضادة (البدائل) مع الخوف من أن تتحوّل إلى انغلاق وتشرنق على الذات.. كما أن العالمية والكونية تغتذي مباشرة من الخصوصية.. العالم يبدأ من عتبة بيتنا.. بل من المكان الذي نحن فيه والعالمية هي المحلية تنقصها الجدران ومن يتنكر لبقعة من الأرض تتنكر له الأرض جميعا لأنها وفية لنفسها..

العولمة مناقضة للمشروع الانساني لأنها تؤسس لنظام إقطاعي جديد وتفصح عن نواياها وتظهر وجهها الحقيقي من خلال سياسة الولايات المتحدة.. كما أن التأسيس لإنسانية الإنسان وإنسانية المجتمع وتحقيق النهضة والمعاصرة والحداثة والانخراط في العالمية والكونية ..في العالم العربي أشبه بالورشات المفتوحة..يالها من ورشة ؟؟؟..

 

الجامعات في تونس

س21: سلام كاظم فرج: الجامعات التونسية ودورها في البناء. . هل هي مواكبة للتطور المتسارع في العلوم والفكر؟؟

ج21: د. محسن العوني: مرّت الجامعة التونسية بمرحلتين أساسيتين.. مرحلة بناء المؤسسات حيث كانت الإنسانيات والاجتماعيات والأدبيات غالبة.. ثم مرحلة تحويل التوجه من الإنسانيات إلى العلوم الصحيحة.. الجامعة التونسية في أمس الحاجة إلى المراجعة والإصلاح رغم مواكبتها للتطور المتسارع في بعض التخصّصات العلمية وخاصة الطب وعلوم الحياة والتطبيقات.. تحتاج الجامعة التونسية إلى منظومة بحث علمي تستشرف الآفاق التي فتحتها الثورة المجيدة و تستفيد من خبرة تتجاوز نصف قرن .. وهي في حاجة إلى عمل تصحيحي وإعادة بناء المناهج من أجل مزيد رفع كفاءة الخرّيجين واستقطاب الكفاءات التونسية المهاجرة التي يمكن أن تقوم بدور هام في هذا الاتجاه.. الدور المنتظر للجامعة هو أن تتحوّل إلى قاطرة للتقدّم من خلال ربط مخابر البحث العلمي ووحدات البحث ومراكز الأبحاث بالمؤسسات الصناعية والاقتصادية ومراكز القرار.. البحث العلمي يمكن أن يحوّل تونس إلى قطب استشفائي متوسطي ومركز إقليمي للتقنيات الدقيقة وعلوم الاتصال وهو ما يتطلب وقف نزيف حقيقي يتمثل في الكفاءات التونسية العالية سواء في العلوم والتقنيات أو الإنسانيات التي تستقطبها الجامعات الكبرى في العالم..

 

س22: سلام كاظم فرج:رؤيتك لمستقبل الإنسان. مستقبل الأرض؟؟ مستقبل الكون؟؟ والإنسان العربي والتونسي؟؟

ج22: د. محسن العوني: نقرأ في كتاب "كيف أصبح الإنسان إنسانيا" "Comment l’homme devint humain" لروجيه غارودي .. في فصل "ولادة الإنسان" العبارة التالية :"وأنت تراها من هنا.. تبدو الأرض جميلة، مضيئة، إنها واحدة ومسالمة.. كان رائد الفضاء الذي يقول هذا الكلام..وهو يمشي فوق سطح القمر أول إنسان يلمح الأرض في كليتها في الفضاء، بلا حدود في وحدتها" خصّص غارودي في كتابه المذكور ست صفحات لميزوبوتاميا "La Mésopotamie" طرّزها بصور بديعة ووضع حضارة العراق في صدارة ما أسماه "المهود والشبكات الأولى للحضارة" Les premiers berceaux et les premiers réseaux de civilisation" منها صورة لزاقورة أور وصورة وجه رجل بحالة صلاة بعيون ذات نظرة فوق طبيعية "vision surnaturelle" تعود إلى نحو 2600 – 2700 قبل الميلاد / تل أسمر.

 مستقبل الإنسانية في المنابع الصافية الكفيلة بشفاء غلتها وعطشها الشديد إلى المعرفة والعدل والمساواة والتواصل والتعارف والمحبة والأخوّة الإنسانية.. وأن يكون الدين لله وحده والحبّ والخير للجميع.. شدّني مشهد العازفين وهم يعزفون ويحتفلون بسقوط جدار برلين.. الجدران المرشحة للسقوط كثيرة وفي مقدمتها الجدران الداخلية.. جدران الخوف والخنوع والرضا بالدون والعقد .. التفاؤل العقلاني مطلوب والمثل الأعلى الذي تكدح نحوه الإنسانية لا يتحقق إلا في المستقبل.. العائلة الإنسانية تكدح نحو وحدتها وتحلم بغدها المنشود الذي تعدل فيه بين أبنائها وفلذاتها.."فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين جزاء بما كانوا يعملون" السجدة 17.

 "خذ من غدك زادا ليومك" ميخائيل نعيمة .. "الله ليس هو الماضي.. الله هو الآتي" أندريه جيد..

فطوبى لهؤلاء الذين يبشرون بالصباح الجديد ولا يتوقفون عن الغناء لأيامنا الآتية.. مستقبل الإنسان العربي والتونسي في التعلق بالقيم الإنسانية الكونية والدفاع عنها وإيمانه بقيمة العطاء وشرفه ونبله وكدحه من أجل أن يكون مستحقا لحقوقه.. "ما تأخذ فذلك ما به تعيش.. أما ما تعطي فذلك هو الحياة" إيليا كازان ..

أذكر إني كتبت في المقال الذي قدّمت به لبحث نشر خلال العام 1990 على صفحات مجلة الفن السابع تحت عنوان "القضية الاجتماعية في السينما العربية" عن حاجة المجتمعات العربية الحيويّة الملحة إلى عقد اجتماعي وأخلاقي يوقف حالة الهدر التي تعيشها هذه المجتمعات.. هدر للطاقات.. هدر للمقدرات.. هدر للمجهودات.. وكأن هناك من يراهن على عجزها وضعفها بل يريد لها ذلك ويسعى إليه .. لا غنى عن التربية الجديدة ولا يوجد مجتمع محكوم عليه بالعجز الفكري.. إذا طمحت للحياة النفوس..

 

س23: سلام كاظم فرج:ما شدني إليك أستاذي العزيز. تلك التوليفة الرائعة بين قبول كل معطيات الحضارة العالمية والاطلاع على معظم النظريات والحركات الفكرية. ورؤيتك المتسامحة في قرائتها.. وبين إيمانك العميق بوجود خالق حكيم مدبر لهذا الكون. ما شدني اليك ذلك التفاعل الذي افتقده في تبني منظومة افكار متحررة وعلمانية ويسارية وبين الاحتفاظ بالإيمان الديني . وعدم تخليك عن الارتباط بالمطلق الذي هو اقرب اليك من حبل الوريد.

 هل ان إنشدادي كان في محله في تشخيص جوهر فكر الأستاذ العوني. ام انني قد بالغت في قدرتي على قراءة مواقفه فكريا؟؟

ج23: د. محسن العوني: نور قلبك وبصيرتك وإنسانويتك وفكرك النير أجمل الجسور إليك وهي لا تخطئ أبدا ولا تبالغ لأنها قسطاس ذاتها.. والقلوب سواقي كما في اللهجة العراقية الجميلة.. أشكرك على هذا السؤال / اللوحة الذي يجمع بين العمق والجمال والذوق الرفيع .. لا يطرحه إلا شاعر مفكر ومثقف كبير وإنسانوي فذ.. صديقك أيها السامق.. إنسانوي يتوسّم الخير في الإنسان.. يحسن الظنّ بالله تعالى ويبتغي إليه الوسيلة بما يراه نافعا لخلقه ويرجو منه التوفيق والقبول.. أذكر دائما عبارة الفخر الرازي في تفسيره وهو يعرّف معنى العبادة في قوله تعالى :"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون".. "العبادة تعظيم أمر الله والشفقة على الخلق.." كما أذكر أنّ أول يوم ذهبت فيه إلى المدرسة درست حصّة لغة عربية وحصّة لغة فرنسية.. ولا أذكر أي الحصّتين كانت الأسبق.. كنت أتردّد على المركز الثقافي الفرنسي والمركز الثقافي الرّوسي كما أتردّد على مكتبة العطارين ومكتبة الديوان.. أقتفي أثر عبقرية الفكر الإنساني.. التونسيون يشاهدون القناة الإيطالية الرّاي أونو وبرامج القنوات الفرنسية حتى قبل بعث التلفزة الوطنية التونسية ولديهم برامجهم المفضلة التي يحرصون على مشاهدتها.. منوعات.. برامج وثائقية.. حوارات سياسية.. رياضة..مسلسلات واستطلاعات.. سينما وفنون.. أدب وثقافة وفكر ومنشورات ومقابلات وحتى برامج دينيّة.. علما بأن التلفزة الإيطالية من أثرى تلفزات العالم بطاقم مراسلين من كافة أنحاء العالم.. هذا التعدّد والتنوع الكبير عامل ثراء واعتدال وانفتاح.. وهو لا يصطدم ولا يتنافى مع الثوابت والخصوصيات بقدر ما يقوّيها ويعزّزها.. فالهوية والخصوصية لا تتأسس على إلغاء الآخر ونفيه بقدر ما تتأسس على معرفته بما له وما عليه في تاريخيّته وحاضره وآفاقه.. وإذا أردت أن تكون أنت فعليك أن تكون الآخر.. هكذا كان جاك بارك يردّد.. قراءاتي متنوعة إلى أبعد الحدود خاصة في مجال الإنسانيات والحضارة.. المرء حين يستوفي عدّته الفكرية والنفسيّة والعقلية وأدواته.. تنتفي لديه أسباب التوتر والتحفز والخوف من الآخر.. بخصوص الأفكار العلمانية واليسارية.. فإني أفهمها وأتفهّم دواعيها وأسبابها وسياقاتها وظروفها .. ولا أتبناها بالضرورة.. والإيمان الدّيني عامل توازن ونقطة ارتكاز لا بدّ منها وأحمد الله أن إيماني لم يتأثر سلبا بقراءاتي ومعايشاتي ومعاناتي.. بل لعله وجد فيها تثبيتا ومددا كما أعتقد أن للتنشئة دورا في ذلك.. أو بعبارة الصديق الدكتور محمود الذوادي.."المناعة الثقافية واللغوية".. كما أني أجد في الارتباط بالمطلق انشدادا وتعلقا بالجوهر وارتفاعا وتساميا فوق الأعراض.. أذكر أني كنت من وقت لآخر أتفرّغ لقراءة كتب الصّوفية وأشعارهم أتفيّأ تلك الظلال و أجد متعة تلك الأوقات.. ابن عربي.. ابن الفارض.. النفري .. الحلاج .. سهل التستري.. الغزالي.. الإمام القشيري.. أبو الحسن الشاذلي.. السهروردي.. ابن عطاء الله.. جلال الدين الرومي.. عبد الحليم محمود... إنها من التجارب التي تعاش ولا توصف.. العقلانية والحداثة لا تعني بالضرورة المادية ويحضرني بيت المعري "أثبت لي خالقا حكيما ولست من معشر نفاة..".. يذكر الغزالي في كتابه الذي يعتبر من أجمل السير الذاتية "المنقذ من الضلال" أنه في رحلته نحو الله.. تلك الرحلة الشيقة الفريدة الحافلة بالعذاب والعذوبة.. كان لا يرى يهوديا إلا أراد أن يقف على سرّ يهوديته.. ولا نصرانيا إلا أراد أن يقف على سرّ نصرانيته.. ولا معطلا إلا أراد أن يقف على سرّ تعطيله.. ولا زنديقا إلا أراد أن يقف على سرّ زندقته وهكذا.. وهو أمر يصحّ مع كلّ روح متوهج وفكر حيّ.. غير أن الغالبية لا تملك من الصبر والدأب والقوّة ما يجعلها تواصل البحث فتتوقف ويتوقف نموّها.. والحمد لله الذي لا يكلف نفسا إلا ما آتاها .. الإيمان أنقذني من مآزق عقلية ونفسية وحالات لا يعلمها إلا الله.. فلله الحمد والمنّة.. ما أروع الدعاء القرآني ينساب في الداخل كالسلسبيل "رب أوزعني أن اشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين" 15 الأحقاف.

 

س24: سلام كاظم فرج: آخر كتاب قرأته؟؟ آخر فلم شاهدته؟ آخر مسرحية؟. آخر نص ترجمته؟؟ آخر نص كتبته. آخر درس درسته؟؟

ج24: د. محسن العوني: من عادتي أن أقرأ بالتوازي أكثر من كتاب وأحرص على أن أحتفظ في ذهني بفكرتها المحرّكة وعناصر الجدّة والإضافة فيها وأثبّــتها بكتابة ملاحظات وشواهد.. بعض الكتب تدعوني أصالتها وإضافتها إلى الكتابة عنها.. فأسجل بعض الخطوط العريضة وأكتب مخططا أوليا وقد أعود لقراءتها .. آخر ما قرأت كتاب المؤرخ التونسي الأستاذ محمد الطالبي الذي كتبه بالفرنسية "Goulag et démocratie" "غولاك والديمقراطية" وكتاب تيري ماك لوهن المترجم إلى الفرنسية عن الأنجليزية "Cathédrales de l’esprit.. l’appel des sites sacrés" "كاتدرائيات الروح ..نداء المواقع المقدسة " وكتاب "علم الأديان ..مساهمة في التأسيس" لميشال مسلان ترجمة الدكتور عزالدين عناية.. آخر فيلم شاهدته.. فيلم وثائقي عن حياة نلسن مانديلا .. آخر مسرحية.. مسرحية مفتوحة انطلقت مع الربيع العربي في جميع البلاد العربية.. عنوانها :"فهمتكم!!".. من يقرأ بين سطورها ودلالاتها البعيدة يدرك أن ما لم يقل فيها أهم بكثير مما قيل.. وهناك مكمن سرّها.. آخر نصّ ترجمته.. نصّ لفيكتور هوجو "كلمات فوق الكثبان".. آخر نص كتبته .. نص "الجبل المزهر" أو "مونفلوري".. أجمل اللحظات في كل درس.. تلك التي يستغرقها التأمل.. وهو جزء لا يتجزأ من الدرس.. بل هو روح الدرس ومداه الفكري والنفسي والعرفاني.. ارتباط العلم بالقيم سرّ من أسرار عظمة الإسلام.. حتى لا يتحوّل العلم إلى أداة ابتزاز وفساد في الأرض.. ويشدني دائما انحياز العلماء للعلم "كونوا ربّانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون".. تحضرني عبارة لأبي الأسود الدؤلي :" ليس شيء أعز من العلم، الملوك حكـّام على الناس والعلماء حكـّام على الملوك" قول ينطوي على شجاعة نادرة.. العلم قيمة ثابتة.. بهذه القيم والمعاني فتح الإسلام العقول والقلوب قبل أن يفتح الأمصار والبلدان.. ويوم القيامة تقوم الموازنة بين دماء الشهداء ومداد العلماء.. إنها بورصة القيم الحقيقية.. فطوبى للصادقين ..

 

شكرا استاذنا الفاضل المفكر الدكتور محسن العوني. في الختام اجد من المناسب ان اذكر اني كتبت اسئلتي هذه وانا استمتع بصوت حليم الرومي وهو يشدو (كذلك قالت لي الكائنات وحدثني روحها المستتر..). ودمدمت الريح بين الفجاج وفوق الجبال وتحت الشجر: إذا ما طمحت إلى غاية ركبت المنى ونسيت الحذر

 

خاص بالمثقف

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1944الجمعة 18 / 11 / 2011)

 

 

salam kadomfarajshaker faredhasan

المثقفتستضيف الاستاذ الكاتب والناقد الفلسطيني شاكر فريد حسن ضمن مرايا ثقافية – فكرية لتحاوره حول مجموعة من القضايا الراهنة، ذات البعد الفكري والثقافي والسياسي، فاهلا ومرحبا به.


 

سلام كاظم فرج:الباحث الفلسطيني الاعلامي والاديب الاستاذ شاكر فريد حسن غني عن التعريف .. واستطيع أن أزعم انني متابع جيد لكتاباتهوإنني أنحاز لمعظم الرؤى والافكار التي تطرحها كتاباته .. ودعواته .. وإن إطروحته الفكرية تجد صدى طيبا عندي. لكنني سأجازف .. لكي اتخذ ما تتخذه المرآة المحدبة من وظيفة.. لكي ا جمع ما يمكنني من شعاع هذا الرجل المثابر. فسأختلف معه. وسأسأله اسئلة صعبة.. ربما . لكن ثقتي به وبحسن تفهمه. . يتيحان لي المغامرة بتنوع مرايانا. رغم اننا نتنمي لمنظومة فكرية واحدة.. اعني المنظومة التي تتبنى هموم الشعب الفلسطيني. وشرائحه الاكثر معاناة.. .

 ومحور باب مرآيا لهذا الشهر سيكون القضية الفلسطينية. ما ضيها. حاضرها والافاق. التي تنتظرها.. الواقع والتوقعات. حسب رؤية الاستاذ الفاضل شاكر فريد حسن.. فاهلا بك في صحيفة المثقف ومرايا ثقافية - فكرية.

 

صفقة شاليط

س1: سلام كاظم فرج:سأبدأ من الحدث الساخن.. صفقة شاليط. مقابل الف اسير فلسطيني.. رأيتم فيها ما ترونه في الانجاز التأريخي. واحتفلت حماس. وباقي الفصائل. بحماس منقطع النظير.. من جهة اخرى. نتنياهو اعتبر الصفقة انتصارا اسرائيليا باهرا؟؟ افكر بالمدرسة السوفسطائية استاذي العزيز. عن إثبات الشيء ونقيضه في آن؟؟. ماهو تعليقكم؟؟

شاكر فريد حسن: بدءا، اتقدم بالشكر الجزيل لصحيفة المثقف التي اتاحت هذه الفرصة للحوار كما اشكر الاستاذ سلام كاظم فرج، وبرنامج مرايا ثقافية – فكرية.

موافقة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو على صفقة شاليط تتناقض مع توجهاته ومواقفه السياسية المعروفة وتنازلاً عن شروطه . وقراره بالموافقة اثار العديد من الاسئلة حول الدوافع والاسباب والعوامل التي جعلته يمضي قدماً في اتمام وتنفيذ صفقة التبادل . ومن هذه العوامل موقف المؤسسة الامنية والعسكرية الاسرائيلية، رغم انها رأت في تنفيذ الصفقة بانه انجاز وانتصار لحماس .كذلك مرونة حماس وتنازلها عن بعض المطالب والشروط، التي احدثت اختراقاً في جدار المفاوضات، كتنازلها بخصوص اطلاق سراح عدد من القيادات الفلسطينية مثل مروان البرغوثي واحمد سعدات، وموافقتها على ابعاد عدد من الاسرى المحررين خارج الوطن المحتل .

هذا بالاضافة الى توجه السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس الى الامم المتحدة لنيل الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ومصلحة نتنياهو توجيه ضربة للرئيس الفلسطيني والانتقام منه على ادائه الاخير في الساحة الدولية، عدا عن التطورات والتغيرات التي يشهدها العالم العربي بما يسمى "الربيع العربي" وخاصة ما يحدث بمصر وسوريا، وتراجع شعبية ومكانة نتنياهو السياسية على اثر موجة الاحتجاجات الاجتماعية والاقتصادية التي اجتاحت اسرائيل، واضراب الاطباء واستقالة المختصين والخبراء في المستشفيات .

ولذلك فان انجاز الصفقة بهذا الشكل هو انتصار سياسي وانجاز للشعب الفلسطيني ولخيار المقاومة، وليس لنتنياهو الذي رضخ في نهاية المطاف للشروط والمطالب الفلسطينية، وتنازل عن الخطوط الحمراء وكسر الكثير من المحرمات، وقد بانت على وجهه تعابير الهزيمة والخسارة يوم الاعلان عن التوصل لاتفاق التبادل.

 

س2: سلام كاظم فرج:لكنني أقرأ حزنا لدى بعض الاعلاميين المحبين لشعب فلسطين.. في البون الشاسع بين. اسير واحد مقابل الف اسير. هناك من يرى في ذلك.. ضربة اسرائيلية واضحة لمشاعرنا كعرب..واللؤم واضح في بعض هذه الاطروحات؟ اود ان اتعرف على قراءة الاخ شاكر فريد؟؟

شاكر فريد حسن: اسير مقابل الف اسير لا يشكل ضربة واضحة لمشاعرنا كعرب . فهذه الصفقة لم تكن بالامر السهل، وقد جربت اسرائيل الحل العسكري لتحرير وفك اسر شاليط، وفشلت بذلك عندما شنت الحرب على غزة وضربت حصاراً على عنقها الحق اشد الضرر بالاقتصاد الفلسطيني والبنية التحتية . ولولا صمود الشعب الفلسطيني والارادة التي يتمتع بها والتمسك بصلابة بشروطه لاطلاق سراح شاليط لما تمت الصفقة ولما كانت تخرج الى النور . وهذا بلا شك يعتبر انجازاً كبيرا ًوانتصاراً على السجان وحكومة الاحتلال . ولا اعرف اذا كانت هنالك صفقة او معجزة اخرى كانت ستحرر هذا العدد من الاسرى والاسيرات من مختلف الفصائل الفلسطينية . وعليه فان الغمز واللمز واللؤم الواضح في بعض الطروحات هدفها استفزاز المشاعر العربية والفلسطينية والتقليل من شأن واهمية صفقة التبادل.

 

الكاتب اليساري والمحنة

س3: سلام كاظم فرج:سأطرح سؤالا غريبا. ارجو ان لا أرجم من خلاله من قبل البعض كما يفعلون معي احيانا حين اتبنى اسئلة تخطر في البال حين اضع نفسي في ضفة خارج الضفاف التقليدية

 استاذي العزيز.. من خلال متابعتي لكتاباتك اجد فيها تلك التلقائية الجميلة والروح الصافية والمبدأية والاخلاص لرؤيتك فاغبطك.. .. . هذه الروح أجدها ايضا عند توفيق زياد ومعين بسيسو واميل حبيبي.. اليساري الفلسطيني يتعرض لقمع سلطوي لكنه لم يفقد إنسانيته.. اليساري في البلدان العربية حين يخرج من السجن يخرج محطما كما وصفه عبد الرحمن منيف.( في شرق المتوسط) رؤيتي الغريبة تقول ان الفضل يعود للسجان!!!!؟؟

شاكر فريد حسن: ليس كل يساري يخرج من السجن محطماً، فهنالك من يخرج اكثر صلابة وعناداً وتفولذاً وتجربة وايماناً بالقضايا المقدسة التي يدافع عنها، واكثر التحاماً بطريق الكفاح والنضال، ويرى في السجن مدرسة للتحدي .وبالمقابل هناك من يقضي فترات في غياهب السجن ويخرج محطماً من الناحية النفسية نتيجة آلام التعذيب والتنكيل وكرباج السجان، وعدم تحمله واقع المعاناة وراء قضبان واغلال المعتقل . وفي هذا المقام يحضرني ما قاله الكاتب السوري الراحل محمد الماغوط :" حسيت انه بداخلي شيء تحطم بعد السجن، كل كتاباتي مسرح شعر سينما صحافة حتى ارمم هذا الكسر وما قدرت . السجن مثل الشجرة له شروش شروشه يتروح على القصيدة على المسرحية على الفيلم".

 

س4: سلام كاظم فرج:ما نديلا خرج بعد ثلاثين عاما من السجن وقاد أمة نحو الحرية.. لم اجد سجينا عربيا يفعل ذلك.. شهر واحد يكفي لتحطيمه تماما.. ويحتاج الى مراجعة عشرات العيادات في الطب النفسي.. هل الفضل هنا يعود للسجين ام السجان؟؟

شاكر فريد حسن: مانديلا اشهر سجين في العالم، ومن اعظم من انجبتهم البشرية وحركات التحرر . وهو رمز للنضال والمقاومة والكرامة والصمود والاباء والشموخ ورفض التمييز العنصري الابرتهايدي . قضى 30 عاماً وراء القضبان فلم يرضخ او يستسلم، ولم يساوم وفدى شعبه بحريتة، رافضاً عرضاً بتحريره من الاسر مقابل وقف المقاومة المسلحة .

والفضل هنا يعود لشخصية هذا السجين والمناضل الافريقي العنيد، الذي كان يقول دائماً "الانسان الحر كلما صعد جبلاً عظيماً وجد وراءه اجيالاً يصعدها". والسؤال كم مانديلاً في هذا العالم الرحب ..؟!

 

الربيع العربي وفلسطين

س5: سلام كاظم فرج: الاعلام يسلط الضوء بضجيج واضح على الربيع العربي.. لكني أجد ان الربيع الفلسطيني ... مهمش اعلاميا. وقرأت من خلالك ان ثمة ربيع واعد.. في فلسطين.. هنالك من وصل به القرف. من نزاع الاخوة في حماس وفتح الى مطالبتهما بالكف عن المهاترات. واجد ان هنالك تهديدا حقيقيا من شباب فلسطين لنبذ الطرفين والبحث عن بدائل سياسية. هذا الربيع. انا كمتابع ومحب لشعب فلسطين اجده. واعدا ويبشر بتغيير شامل. كيف ينظر اليه الاستاذ شاكر؟

شاكر فريد حسن: الربيع الفلسطيني الحقيقي مثله اي ربيع حرية في العالم لا يخرج الى الحياة والوجود الا عبر الحق والتشبث بالحقوق الوطنية والمشروع التحرري الاستقلالي الوطني، الذي يلبي احلام ومطالب شعبنا بالعودة وتقرير المصير واقامة الدولة الوطنية المستقلة على التراب الوطني الفلسطيني في حدود العام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

ونسائم هذا الربيع هبت حين نزل الشباب الفلسطيني الى الشوارع والميادين في الخامس عشر من آذار مطالبين بانهاء الانقسام الفلسطيني الداخلي المدمر، لما له من آثار ضارة على مسيرة النضال والتحرر والبناء . وهذا التحرك الشبابي اثمر عن التوصل لاتفاق المصالحة بين حركتي "فتح" و"حماس"، الذي للاسف لم ينفذ ولم يترجم على ارض الواقع حتى اليوم .

وكنا تلمسنا معالم طريق الربيع الفلسطيني في خطاب محمود عباس وتقديمه استحقاق ايلول في الامم المتحدة، حيث قال :" دقت ساعة الربيع الفلسطيني، دقت ساعة الاستقلال".

لا اريد ان اتفاءل كثيراً بل ساتشاءل على حد تعبير الروائي الفلسطيني الراحل اميل حبيبي، واقول لن تتفتح براعم حقيقية، ولن يبرعم الروض الفلسطيني دون الفرح الفلسطيني، باعتراف العالم كله بدولة فلسطين المستقلة.

 

س6: سلام كاظم فرج:كيف تنظر. للربيع الشعبي الاسرائيلي؟! هل عندهم ربيع ايضا.؟

شاكر فريد حسن: الربيع الشعبي الاسرائيلي بدأ مع انتفاضة الخيام واندلاع شرارة الاحتجاجات الشعبية على الاوضاع الاجتماعية وارتفاع اسعار السكن، وتجلى في المظاهرة الجبارة التي شارك فيها عشرات الآلاف من الاسرائيليين .

<