2499 مايكل سيمزترجمة: صالح الرزوق


 الآن حان وقت عصفور التناجر النعسان. “إي. إس”

أولا فقدت صوت بلورة الثلج وهي تضرب الزجاج.

ثم صوت لسان الهرة وهو يجري على فرائها.

كنت بالعادة أسمع تقريبا صوت اهتزاز ذيلها.

وصوت عضلات الظهر وهي تستطيل، وتثاؤبها وهو

يبدل نغماته...

فقدت أزيز الذبابة، ولعلعة مطرقة جاري

الذي يعمل على سقف بيته،

ونواح الريح بين الدعامات والكلمات التي تقولها

وأنت تبتعد، وفتح باب غرفة على غرفة تالية، وصوت موسيقا

في بيت تمر بجواره، لن أسمع هذا أبدا. حتى الضحكة الناعمة

من كوميديا تلفزيونية لم تكن تفوتني،

ولا دخان عادم الحافلة ولا طلقة رصاص من الشرطة

باستثناء صوت لوي أرمسترونغ وبيسي سميث... مع غياب بعض النبرات.

هذا يعني أن أفقد كل الأغنية، بالطريقة التي تسقط

بها كل الخرزات على الأرض حينما ينقطع الخيط.

*

ما أفتقده حقا الأصوات التي تريد مني أن أسمعها:

زقزقة.. تغريدة عصفور دوري جائع في العالم الجديد،

صفرة القرقف، ضربات وطرقات

نقار الخشب،

والصقر ذو الذيل الأحمر وهو ينادي على شريكته،

وغناء أمك، وتعتعة صوتها في طبقات متراكمة من السنوات

ثم انكساره والركون للسكينة في صدرك.

*

وأستطيع أن أشاهد لمعان النجوم الرئيسية بين الأغصان،

مع أن نثار الخشب غير مرئي تقريبا وهو بين أوراق تفترش الأرض،

والأغنية الصامتة لعصفور يحمل حبلا بمنقاره

وعودة مئات الغربان لتأوي بين جبالنا كل أمسية.

*

لفترة طويلة، يخالك أنني دون مشكلة بالسمع،

هي مشكلة إصغاء. ولكن يا لللعنة، أنت محق...

أصوات عديدة تجاهلتها مع أنه لدي فرصة لسماعها.

كل صباح تدب الفوضى بالأغاني، وتضمحل النجوم، واحدة بعد الأخرى-

وتقريبا يمكنني سماعها.

وكل يوم يتعلم أطفالنا كلمة جديدة،

وكل أمسية ننطوي على أنفسنا.

ماذا يعني صوت يدين تصفقان؟.

*

ما نفقده هو المعنى الملتبس لصرير السرير في الليل،

والقافية النفاذة لصوت الريح وهي تشتبك بالأشجار،

وعويل الجندب النطاط. وأغنية بلحن لزج لضفدع متوحش،

كل تلك الرواسب هي الضوء المتوهج فوق الثلوج.

والرياح تحرك آخر الأوراق المتبقية على شجر الصفصاف.

*

سريعا يحل الصمت، في البدء صمت الصمم البسيط،

ثم الصمت العميق المتنامي من بقعة مظلمة سوف

تتحول لظل تحت شجرة، وأخيرا إلى ليل، بلا نجوم ولا نهايات.

ربما مع انحسار قدراتي على السمع، مهارتي بالإضغاء ستتحسن،

وهكذا كل صوت سيدعونا للعودة إلى البيت

كما تفعل أمهاتنا في المساء،

وكل المخاوف تصبح صوتا مثل

أصداء في صالة السباحة -

ربما سأستمع لشوبان وأنا أخلع عنك حمالة أثدائك.

تذكري يوم قراننا لأول مرة،

كم كنا نعشق أن نكون معا وحدنا،

نمتطي القطار البطيئ من نيويورك إلى بيتسبرا،

وإيقاعه مثل سحر عاطفي بيننا؟.

وفي البيت، نستلقي على السرير، ونتبادل قبلات تسقط بيننا كالشلال.

*

الموسيقا ستكون حلما،

ثم ذكرى عن هذا الحلم،

ثم لا شيء على الإطلاق، كلمة فقط،

فكرة لم تكتمل

مثل لون بنظر رجل أعمى

أو مثل رائحة زنبقات تتململ في الجو

بعد أن حملناها إلى خارج الغرفة.

*

أنت، نصفي المفضل، تعلمين

متى أكره نفسي، وأكره كلينا

حين تهربين إلى الغابة لتعتزلي

مع عصافيرك، ومع خطواتك المليئة بالثلج

وواديك السحيق وجسورك الخشبية

والشلالات الممشطة، والقنوات الحجرية

وأغاني النجوم

وهي تنبعث كل على حدة.

*

ها هو طير السمان، الطير الحارس، يطلق صيحة

ونقار الخشب ذو العرف يطارد صقرا.

آه أيها الحب، اسمح لنا للأبد بامتطاء القطار الوحيد إلى بيتسبرا

حيث سيمفونية تشرين الثاني تخفت بصوتها مع توالي السنين.

2016

***

........................

مايكل سيمز  Michael Simms شاعر أمريكي معاصر. آخر أعماله (رماد أمريكي). الترجمة بالتنسيق مع الشاعر.

 

سوف عبيدحَفنةً حفنةً

القمحُ ينهمرُ

يَسْحَقُهُ حَجَرُ

حفنةً حفنةً

الدّقيقُ يمضِي

يُسقِطهُ الغِربالُ

الفتَى ناعسٌ

تُهَدْهِدُهُ شَنْشَنةُ الفضّةِ

في مِعصمِ البِلّور يَدُورُ

وأغنياتٌ

للذي في الصَّيفِ

مرةً واحدةً في العام

يعودُ

تَدَحرجتِ الشّمسُ على الحَصير

عندما القمحُ اِنتهَى

أفاقَ الفتَى

بعدما العُمْرُ اِنقضَى

وجدَ نفسَهُ

في قلبِ الرَّحَى

***

سُوف عبيد

 

حسن السالميوقصص أخرى قصيرة جدّا.


الإعدام شنقا

اكتظّت قاعة المحكمة بمئات الصّحفيين جاؤوا من مختلف أنحاء العالم يسجّلون آخر محاكمة لرجل شغل النّاس...

وما يثير الحيرة والتّسآل، هو ذاك المظهر الذي بدا عليه الرّجل داخل قفص الاتّهام...

وسرعان ما سطعت مصابيح التّصوير في وجهه الشّاحب، وتزاحم حول قفصه جمهرة من الصّحفيين:

"هل تعرّضت للتّعذيب؟"

"هل حقّا حاولت الانتحار؟"

"حدثّنا عن أحوالك في السّجن؟" ...

**

جحيم العرفان

"مفعولها ساعة واحدة."

وناولني حبّة دواء وانصرف باسما...

عندما وقفت زوجتي تنثر في مسامعي ورد الكلام، كانت حاسّة أخرى لا أدري منذ متى نبتت في، تنبئني بما يدور في خلدها فصُدِمت وذُهِلت. ثمّة رجل آخر في حياتها تقاسمه فراشي...

وعندما حضر لديّ ابن أبي وأمّي كنت قد نفذت إلى سريرته فذُهِلت وصُدِمت أيضا...

"ها قد رفعنا عنك الحجاب فماذا وجدت؟"

"إذا تعرّى العالم فقد بهاءه."

**

النّصر للظّلام

فجأة قفزت أفعى في الهواء، التفّت على الشّمس وابتلعتها...

**

السّرّ

قطَف زهرة...

"خذ، هذه حياتك!"

**

التّرجمان

ما فتحوا أفواههم قطّ، إلّا وامتلأ الفضاء والتّراب بروائح أنتن من الجيفة. بعد الفحص والتّشخيص، شرحت صدورهم فإذا هي مملوءة دما وقيحا...

ضِدّ الطّبيعة

"انصبوا المشانق..."

"إليّ بالطّين."

"ماذا تصنع يا مولاي؟"

"أصنع شعبا آخر."!

**

العصر

رأيته يطوي السّماء كسجّادة صلاة، ويأكل النّجوم بالشّوكة والسكّين...

**

حدّثتني قهوتي

في قعر الفنجان فجوة للغيب. أنا وحسناء وكرسيّ ومقصلة...

***

بقلم: حسن سالمي

 

عبد الجبار الحمدييا للغرابة!!! صرخ دون ان يشعر بخروج صوته وهو يرى ذلك الذي يستقبلهم عند باب دخولهم قبو شبه مضيء... فجاة تسارعت الاكف كالمراوح تعمل على قفاهم دون هوادة، يمسك هو بملف كان يحمله ضمن طوابير كثيرة تساق كالعبيد، ربما احدها كان لتقديم معاملته كسجين سياسي سابق هكذا قال له ظنه... لقد علقت أذياله بحافة نتوء في باب سلطة كان ديتها انه لم يصرخ بعدها طالبا الحرية فقد تلونت مقارع السلطة التي قاست جلده شبرا شبرا وأحصت عظامه عظما عظما... قدره قاده ليؤمن بحرية التعبير، كان قد تحرر من قيود وأصفاد سلطة جائرة قبل زمن، هاهو يقف على بوابة حقوق الانسان في الافصاح عن مكنون معاناته، شأنه مثل المئات من الآلاف الذين زحفوا على بطونهم في إتون حرب مزقت ثوب حيائهم فبانت عوارتهم، حتى ان البعض استطالت معاناته مثل خصيتي رجل كهل تدلت من الحرارة والرطوبة وهو يقضي حاجته في العراء يهش الذباب الذي يلاحقه طلبا لمعونة... تلك الحادثة التي رآها اعادته الى زمن تصوره أنه زمن البداوة... فذلك الزمن إما أن تكون غازيا او تكون مغزيا عليك، هاهو الآن يعيده الزمن دون ان يكترث لحاله فعندما تعلو النفايات يكثر حولها الكلاب السائبة ويروج لها طنين الذباب على إنها مائدة مسؤول رفيع المستوى، لا تصاب بالدهشة ولا تصغي لمن يذيب كل دهشتك فالدهشة أحيانا تعطيك عكس حقيقية ما لا يدهشك، لقد صرنا مثل لفافة التبغ نطوي أيام اعمارنا ثم ندخنها بحرقة بعدما نشعل رؤوسها بأحلام كاذبة لنبكي شاهد ذكريات بأننا أحرار في زمن الوئد البشري، كلنا عبيد نباع في اوقات لا نشعر بها إلا حينما ندخل سجون النخاسة حيث ذلك السجان والذي علمت بعدها بأن اسمه المبيد الحشري، سمي بذلك لأننا بالنسبة له حشرات همه ان يبيدنا حتى لا نلوث بيئة السلطة التي شرعت له بأن يمارس الغزو كيفما يشاء، فما نحن بالنسبة له إلا قاذورات علقت بأحذية اصحاب السلطة وكونه لاعق أحذية من الدرجة الأولى التي صنف بها فمآلنا لسانه المتعفن، دميم الشكل شَهِدُت الحقارة فلم اتصورها إلا في وجهه، أما البذائة وسوق الخلق أظنها أنجبته ليكون إبنها الأكثر قذارة ممن حملت بطون عاهرات السلطة، ما يؤخذ على الزمن أن العاهات تسابق الريح، والأدهى انها تصل خط النهاية متأخرة كونها متطايرة كالنفايات الورقية... أما الإنسانية فقد تركوها على أعتاب القضاء تستجدي الحقيقة وهي عارية يتهموها بالفساد ليثبتوا أن ميزان عدالتهم بيد إمرأة عمياء يستحون لمسها فصرت اردد بيت شعر كتبته مرة نلت عليه صفعة جعلتني احفظه فلم انساه ابدا (توافه الزبد تطفو على السطح والدر في قاع البحر يندثر... لعمري انه زمن العاهرات راجت بضاعتها الكل منبهر)، لم اخرج من حالتي إلا حينما امسك بي ذلك السجان وقد أدار رأسي بضربة جعلتني افقد توازني فتطاير الملف والاوراق التي فيه.. فصرخ اظنك ممن يثيرون الفتنة؟ أنت مثقف لابد... جاء الجواب على سؤالة ركلة كسرت البيضتين اللاتي كانتا تثبت اني رجل غير مخصي، شعرت لحظتها ان روحي قد خرجت من أنفي لولا ذلك الخنزير الذي امسك بها قائلا: أين تريدين الذهاب؟ ليس الآن فما زلنا في بداية الطريق ثم دفع بي احدهم فرحت اتدحرج على سلم نال من جسدي الذي تذوق الآه من قبل وهو يصرخ علي اللعنة عليك وعلى الحرية... ها انا اعود بمعيتك حيث خرجت لاشك أنك ملعون بلعنة العراق الذي لم يستكن له امر طوال حياته فمن حرب الى حرب ومن نكسة الى نكسة ومن وبال الى وبال حتى شرعت القوانين في صناعة نعش خاص بكل إنسان من هذه الأرض... اللعنة عليك حتى الصراخ ما عاد يجدي فحياتنا صارت كما أخاديد الألم تتشقق مفردات عطشى لآه طويلة بعنوان أريد وطن، وطن يحيط به مثل مبيد الحشرات هذا ولا ادري هل بسبب الملة ام أم بسبب النفاق؟ فنفاقنا قد فاض وتدلى مثل تلك الخصيتين، وما الثقفي ببعيد في مقولته.. وما ابا الحسنين ببعيد عن مقولته لقد ملئتم قلبي قيحا أظنها قيلت لأهل هذا الوطن، وألا بماذا تفسر تلك الكوارث التي تلاحقنا مثل لعنة الفراعنة، ما أن نفتح بابا حتى تخرح اللعنة تسحق كل من قام بفتحه مواربا للحرية او المعرفة، كنت استمع له وانا اردد عادت ريمة الى حالتها القديمة فما ان خرجت حتى عدت حيث بطانة سجون ودهاليز عكرة، يبدو أن الله قد كتب في شهادة ميلادي وتحت عنوان السكن سجون السلطةهههههههه... يا لضيمي وحتى اكون صادقا في حدسي أظنى اعرف من هو المسؤول عن فهرسة بيان الولادة أكاد أجزم انها تحت توقيع المبيد الحشري.... تقترب ساعة الخلاص عندما يصلب المسيح قصاص فلا مناص، تلك واحدة كانت دلالة على ان العالم لا تسوده الرحمة او العدل فحتى عيسى النبي صلب، كان مثلا كإنسان فما ان قال الله ربي وما انا سوى عبدا لله حتى مزقته المقارع، صلبوه... وها أنا وذلك الطابور ما ان قلنا نريد الحرية واننا عباد الله حتى نزل ابليس يحمل مبيداته ليوسعنا ضربا بأن الله جعلنا احجار شطرنح، فمال بنا العدل ورفعت الصحف وجفت الاقلام، لا عدالة لمظلوم في زمن الموبقات، الدين ترك هناك تحت الشجرة، اما الإيمان فقد مزق مع الصحيفة لم يبقى سوى اسم من خلق وهذا ما لا يستطيع صاحب السلطة ان يقارعه...

أما دون ذلك فمباح... كل شيء يمكن تدويره وإعادة تأهيلة ليكون مطواعا وعبدا حقه ان يكون نعلا للسلطة، كانت ايامي سوداء حفظت وقعها، صرت اسارع في لقم نفسي الخوازيق، اسارع في كل ما يطلبه المبيد الحشري الذي راق له تطبعي بما يقول... حتى في لحظة توقف فيها الزمن، صرخ بي قائلا: هيه أنت... يبدو أننا قد أشتبهنا في حقيقتك، فأنت لست مع الذين اقتيدوا نتيجة تمردهم على السلطة، لم يكن من جانبي خطأك لكن هناك من سأل واستقصى عنك فَعَلِمَ انك كنت في المكان الخطأ لا عليك، هيا جهز نفسك للخروج من هنا فقد كان مجرد اشتباه.

 

القاص والكاتب

عبد الجبار الحمدي

 

قصي الشيخ عسكرزادك الصمت هيبة وجلالا

                      فلقد كنت للجمال مثالا

فتماديتُ فيك أودي بصمتي

              علّني عن هواك أنفي المحالا

فتجليتِ  همسة من عبير

                       وتماديتِ رقًّةً  ودلالا

                ***

قسم

قسما

بالصمت وعينيك

إنّي

لا أنفي أحلاماً

مادامت لا تنفيك

بياض

 

لون أبيض  يطغى

ما بين الفرحة والقبر

**

سنوات

كنتِ بقلبي

سبع سماوات

واحدة منها سرقت نومي

والأخرى سرقت يومي

ماذا تفعل بعد السنوات الخمس؟

***

قصي الشيخ عسكر

 

 

صالح الفهديتخميس قصيدة أبي المتنبي لسيف الدولة

(واحرَّ قلباه)

التخميس للدكتور صالح الفهدي


(1)

شَرُّ الْبَلِيَّةِ إِنْ عَادَاكَ مُنْتَقِمُ .. قَدْ كَانَ خِلّاً كَفَاهُ الْعَهْدُ وَالذِّمَمُ

وَلَيْتَ حُبِّيْ لَهُ فِيْ أَصْلِهِ عَدَمُ .. وَاحَرَّ قَلْبَاهُ مِمَّنْ قَلْبُهُ شَبِمُ

وَمَن بِجِسْمِيْ وَحَالِيْ عِنْدَهُ سَقَمُ

(2)

مَاذَاْ أَقُولُ وَقَدْ أَضْحَتْ مُرَافَعَتِيْ .. بَيْنَ الْخُصُومِ، وَمَاْ تُجْدِيْ مُعَاتَبَتِيْ

لَكِنَّهَاْ عِظَةٌ فِيْ فَصْلِ خَاتِمَتِيْ .. يَاْ أَعْدَلَ النَّاسِ إِلّاْ فِيْ مُعَامَلَتِيْ

فِيْكَ الْخِصَامُ وَأَنْتَ الْخَصْمُ وَالْحَكَمُ

(3)

مُنِحْتَ تبْصِرَةً فِي النَّاسِ حَاذِقَةً .. لَاْ تُعْدَمَنَّ بِصَوْتِ الْحَقِّ نَاطِقَةً

وَإِنْ قَطَعْتَ لَهَاْ فِيْ صِدْقِهَا ثِقَةً .. أُعِيْذُهَاْ نَظَرَاتٍ مِنْكَ صَادِقَةً

أَنْ تَحْسَبَ الشَّحْمَ فِيْمَنْ شَحْمُهُ وَرَمُ

(4)

مَصِيْرُ أَمْرِكَ رَهْنٌ فِيْ مَآثِرِهِ .. هُوَ الْمُخَلَّدُ فِيْ أَقْوَالِ ذَاكِرِهِ

مَا الْمَرْءُ إِنْ عُدِمَتْ نُعْمَى بَصَائِرِهِ .. وَمَا انْتِفَاعُ أَخِي الدُّنْيَاْ بِنَاظِرِهِ

إِذَا اسْتَوَتْ عِنْدَهُ الْأَنْوَارُ وَالظُّلَمُ

(5)

أَدْرِكْ نفوساً لِكَشْفِ السُّوءِ عَاجِزَةً .. تُدني وجوهَاً بِطِيْبِ الْوِدِّ غَامِزَةً

فَإِنْ تُمَكَّنُ؛ تَدْنُوْ مِنْكَ رَاكِزةً.. إِذَاْ رَأَيْتَ نُيُوبَ اللَّيْثِ بَارِزَةً

فَلَاْ تَظُنَّنَّ أَنَّ اللَّيْثَ يَبْتَسِمُ

(6)

إِنِّيْ ظَنَنْتُ بِصَحْبٍ لَاْ أُبَارِحُهُمْ .. وَلَاْ تَصَوَّرْتُ هَجْراً مِنْ مَطَارِحِهِمْ

أَقُولُهَا بِلِسَانٍ لَيْسَ عَاذِرَهُمْ .. يَاْ مَنْ يَعِزُّ عَلَيْنا أَنْ نُفَارِقَهُمْ

وِجْدَانُنَاْ كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَكُمْ عَدَمُ

(7)

إِذَا الْفَضَائِلُ لَمْ تُمْنَحْ لِذِيْ سِمَةٍ .. مِنَ الْكِرَامِ فَقَدْ أُسَّتْ لِمَظْلَمَةٍ

أَهْلُ الْكَفَاءَةِ ذِيْ زُلْفَىْ مُقَدَّمَةٍ .. مَاْ كَانَ أَخْلَقَنَاْ مِنْكُمْ بِتَكْرُمَةٍ

لَوْ أَنَّ أَمْرَكُمُ مِنْ أَمْرِنا أَمَمُ

(8)

نَدَّتْ كَوَبْلِ سَحَابَاتٍ قَصَائِدُنَاْ .. وَخَلَّدَتْكُمْ بِمَاْ جَادَتْ شَوَارِدُنَاْ

حَتَّى اكْتَفَيْتُمْ، سَمِعْتُمْ مَنْ يُكَايِدُنَاْ .. إِنْ كَانَ سَرَّكُمُ مَاْ قَالَ حَاسِدُنَاْ

فَمَاْ لِجُرْحٍ إِذَاْ أَرْضَاكُمُ أَلَمُ

(9)

أَنَا الَّذِيْ بِقَشِيْبِ الشِّعْرِ طَرَّزَكُمْ .. وَجَاوَزَ الْفَخْرَ مَرْقَاهُ فَأَبْرَزَكُمْ

حَتَّىْ أَذِنْتُمْ لِهَمَّــــــازٍ لِيَهْمُزَكُمْ .. كَمْ تَطْلُبُوْنَ لَنَاْ عَيْباً فَيُعْجِزُكُمْ

وَيَكْرَهُ اللهُ مَاْ تَأْتُوْنَ وَالْكَرَمُ

(10)

عِرْضِيْ كَثَوْبِ بَيَاضٍ، وَالْفُؤَادُ وَفِيْ .. وَمَنْهَجِيْ فِي اقْتِفَاءِ الْحَقِّ كَالْأَلِفِ

وَمَا انْتَحَيْتُ لِبُهْتَانٍ عَلَىْ طَرَفِ .. مَاْ أَبْعَدَ الْعَيْبَ وَالنُّقْصَانَ عَنْ شَرَفِيْ

أَنَا الثُّرَيَّاْ وَذَانِ الشَّيْبُ وَالْهَرَمُ

(11)

إِنْ أَنْتَ بِالْعَهْدِ قَوَّامٌ فَقَدْ نَكَرُوْا .. مَنْ أَبْرَمُوا الْعَهْدَ؛ بَلْ قُلْ: إِنَّهُمْ غَدَرُوْا

فَلَاْ تَرُدَنَّ مَـــــاْ يَأْتِيْ بِهِ الْقَدَرُ .. إِذَاْ تَرَحَّلْتَ عَنْ قَوْمٍ وَقَدْ قَدَرُوْا

أَلَّاْ تُفَارِقَهُمْ فَالرَّاحِلُوْنَ هُمُ

(12)

مَاْ عَيْشَةُ الْمَرْءِ إِنْ أَنْكَىْ بِمَطْلَبِهِ .. مَاْ لَاْ يُوَافِقُهُ فِيْ نَهْجِ مَذْهَبِهِ

شَرَّانِ لِلْمَرْءِ مِنْ أَدْهَىْ نَوَائِبِهِ: .. شَرُّ الْبِلَادِ مَكانٌ لَاْ صَدِيْقَ بِهِ،

وَشَرُّ مَاْ يَكْسِبُ الْإِنسَانُ مَاْ يَصِمُ

(13)

إِنَّ الْعَيِيَّ الَّذِيْ ضَاعَتْ لَهُ فُرَصٌ .. كَأنَّمَا ضَفَّ أَسْمَاهَاْ لَهُ قَفَصٌ

فَأَعْظَمُ الشَّرِّ مَا احْتَدَّتْ بِهِ غُصَصٌ .. وَشَرُّ مَاْ قَنَصَتْهُ رَاحَتِيْ قَنَصٌ

شُهَبُ الْبُزَاةِ سَوَاءٌ فِيْهِ وَالرَّخَمُ

(14)

مَاْ كُلُّ سَطْرٍ تَنَاهَتْ مِنْهُ مَعْرِفَةٌ .. وَلَاْ مَقَالٌ تَبَاهَتْ قَوْلُهُ شَفَةٌ

فَيَاْ حَكِيْماً لَهُ مِنْ رُشْدِهِ صِفَةٌ .. بِأَيِّ لَفْظٍ تَقُولُ الشِّعْرَ زِعْنِفَةٌ

تَجُوزُ عِنْدَكَ لَاْ عُرْبٌ وَلَاْ عَجَمُ

(15)

قَلَائِدٌ مِثْلَ دُرِّ الْغِيْدِ مُشْرِقَةٌ .. نَظَمْتُهاْ وَهِيَ بِالتَّزْوِيْقِ رَائِقَةٌ

مَاْ شَابَهَاْ مِنْ رِيَاءٍ فَهِيَ صَادِقَةٌ ..هَذَاْ عِتَابُكَ إِلَّاْ أَنَّهُ مِقَةٌ

قَدْ ضُمِّنَ الدُّرَّ إِلَّاْ أَنَّهُ كَلِمُ

***

القصيدة في اليوتيوب:

https://youtu.be/4yeEz9hdzRU

 

ايمن الناصحبعيد عنا كل من نحب

بعيد عنا كل ما ننتويه في خلسة الليل

يشيخ الليل في احداقنا المجعدة اليابسة

الحلم بعيد

 مثل ذاكرة الصبا الماحل

القرب بعيد جدا

لا مسافة تنعقد سوى الفراغ

بارد وعتيد ...

وبيني وبينك الف الف شهيد

وظل باهت من تلك القصيدة المنفية عن الأوطان

مطرودة عطشى تحن الى السطور بلا لقاء

تَخْتَبِئُ الشموس خلفنا

تَخْتَبِئُ ملامحنا في بقايا الزمن

يمتد عناق الغربة خلف أقنعتنا المعتقة بالخوف

البرد يا أماه اغتال تموزنا الحاني الحارق

البرد مثلنا غريب قريب

حتى انت يا أماه

 بعيدة متعوبة الاكتاف والضلوع والاجفان

حتى الفرات وكلكامش المصلوب فوق المآذن الضرار

وعشتار تفترش الرصيف غريبة وبعيدة

لا تشبه الوجوه سوى الغرباء

لاشيء في الجوار

سوى النواح والنباح

لاشيء يهمس للغد البعيد

سوى الوعيد

وتلك الرياح

تنذر بالثبور وتنثر القبور

في حينا الموحش المهجور

لا أخوة ولا صحاب على الطريق

سوى صخب الجنون

سوى سقوط

يحتام للقاع

يحتام للموت الودود بلا التياع

***

 ايمن الناصح

 

كفاح الزهاوي1 - غارق في الظلام

فوق التلة المطلة على قرية الحياة يقع قصر فاخر، يعيش فيه رجل في غاية الثراء. خرج الى العالم في رحلة البحث عن معنى الحياة، حاملا بيده لوحة زيتية غالية الثمن ويرتدي نظارة سوداء. دخل الى دكان صغير يقع على أطراف القرية لشراء قداحة.

وفي هذه الأثناء دخلت فتاة شابة قروية غير متعلمة، يتدفق من محياها سيماء التعب وفي راحتيها تتجلى آثار الشقاء. انزلقت نظراتها على اللوحة الزيتية في يد الرجل، اغرورقت عينا الفتاة بالدموع، حيث أضاء في نفسها فيض من العذوبة. سألتْ الرجل الغني عن ماهية اللوحة:

أجابها:

- لا تكترثي فليس هناك ما يثير الاهتمام…

إجابة الرجل قد ألقت بظلال الغضب على وجه الفتاة القروية.

قالت بصوت شجي:

- لِمَ تسخر مني. هل لأنني فتاة فقيرة؟

قال لها متجاهلا نظراتها المتوسلة:

- صدقيني لا شيء مهم في هذه اللوحة سوى انها تضم في ثناياها السماء، القرية، الطريق، النهر، الجبال، الوديان، الشمس، البيوت، الأشجار، الطيور، والبشر.

انفجرت الفتاة بالبكاء وغادرت المكان بسرعة، بعد ان استولى عليها الحزن، عندما احست بان الرجل يهوي في الفراغ وانه غارق في الظلام.

**

2- العقل يشع

مصاب بداء النرجسية والفردية المطلقة، يقبع على الأرض في زاوية معتمة في الغرفة المغلقة، يحدق في نقطة مضيئة، تتدفق من براثن الظلام حروفاً، يراوده القلق ممزوجا بالغضب، وهو يرى بريق الكلمة يزداد نوره اتساعا، حتى بات يتخيله قنبلة موقوتة، قد تنفجر في تلك اللحظة، عندما  تتحول الكلمة من كتاب إلى مكتبة.

**

3 - همسات في زمن الضياع

في ليل عاتٍ هبت رياح صفراء، اتلفت معالم المدينة و أخفت وجه القمر... في غفلة من الزمن الرديء تبدى خفافيش الليل بلحايا رثة ورداء متنافر ... فانهارت ركائز الأخلاق وغاب صوت الضمير… اشجار عارية و صخور صماء تناشد السماء طالبة من السراب الخلاص... عاصفة هوجاء مع تلاطم الامواج تهامست في زمن تهاوت أسوار القلاع... ومن ذات التربة انطلقت الوحوش الكاسرة في غمرة نيام الوعي وشيوع اليأس مُكَشِّرَة عن أنيابها الحادة، حاملة بذرات موروثة من زمن مضى على تاريخها دُهور... أصوات خافتة تتصادم  بصخب المخلوقات التي اصابها الاكتئاب و ازدواجية العقل، كانت تبحث عن معنى الحياة في سراديب الموت... تاهت في غمرة الفوضى، وكثافة الضباب... وجدت نفسها هائمة، تتأرجح في بحر النسيان

**

4 - استنفاد

في صباح يوم مشمس، كانت الرياح ساكنة والاجواء يعتريها الصمت، وكنت أرنو إلى سحر الطبيعة وعذوبتها من خلال الواجهة الزجاجية للمقهى الواقع في وسط حديقة كبيرة.  وبينما كنت احتسي رشفة من القهوة، فجأة أمطرت السماء بغزارة أطنانا من الموز حتى امتلأت الحديقة، وإذا بعاصفة من الناس يهرعون من كل منافذ الحديقة سعيا منهم للحصول على أكبر كمية منها. ارتأيت أن اتلذّذ بشرب القهوة حتى النهاية وأتريث حتى تهدأ العاصفة، عندها خرجت متفائل كي اغتنم نصيبي من الموز، وجدت فناء الحديقة الواسعة خاوية.

**

5 - النور المخادع

يعيش في نفق مظلم، وحيدا، منعزلا، غافلا للنهارات المشرقة، متكلا، ينتظر حلولا من السماء... وفجأة تراءى له من بعيد ضياء خافت يتدفق. بعد ان قضى سنوات جحاف من العزلة في هذا الصمت الموحش، كصمت القبور، سار باتجاه النور. ما كاد ان وصل الى نهاية النفق، حتى وقع في حفرة سحيقة أشد عتمة.

**

6 - آمال

لم تدم طويلا هذه الغلالة من الصفاء الوهمي حتى اكفهرَّتِ السماء من جديد على حين غرة، بعد ان عصفت الارض رياح صفراء، عاوية، فسَعَرَت النيران المدفونة من تحت بقايا الركام، ومنها تصاعدت أعمدة من الدخان الأسود، فأنتجت غيوم داكنة، فأدلهم الكون.

ومن السُحب المثقلة بالظلمات نُسجتْ غلاف، صار عازلا بين الأرض وسقفها الأزرق حتى غدا لون البحر رمادياً واهناً متجهماً.

وترامى الفضاء في غاية الاتساع، بلا هيئة، يخنق الحياة. ومن ضراوة الحدث، سرعان ما رحلت طيور النوارس مهاجرةً باحثةً داعيةً عن نقاوة الهواء.

الأقلام البيضاء التي كانت تصوغ افكارها عكس اليمين، بعد ان كانت تنقش من الكلمات، صارت مشلولة الحروف، مما ضاعفت من شدة الظلام على الجموع. انتزعت عنهم الرؤية، فأضَلوا الطريق، حتى تبددت أحلامهم في الوصول إلى أبواب الأمل، فصاروا ثُمالة الكأس تفرغ سكرتها في جوف الموت.

***

كفاح الزهاوي

 

ناجي ظاهرعند باب الكانيون - المجمع التجاري أراهما يقتربان مني، تُفلت ابنتهما يدَها من يد والدِها، تجري نحوي، أتلقفها مثل طائر حبيب، احتضنها كم أنا أحبها. الصغيرة كبرت، احتضنها بين يدي اقترب منها، يتوجه إليّ والدُها، أبي ادخل معنا إلى المجمع، يشير إليها في حضني إنها تحبك، منذ فترة لم تزرنا، لهذا هي تسأل عنك دائما، تريد أن تراك، ادخل معنا ريثما تشبع منك فيما بعد تنصرف، أقول لابني أنا مشغول يا ولدي، لديّ الكثير من الكتابات التي تنتظر، سأعود إلى معتزلي، هناك أنا يجب أن أكون، سأزوركم فيما بعد، أما الآن لا استطيع، القصة لا تنتظر وعلي أن اكتبها قبل أن تطير شوختها من راسي.

تُداعب الصغيرة في حضني شاربي، جدي أنا احبك، أريد أن آتي معك. الصغيرة الشقية تحل المشكلة، لكن إلى أين تأتي معي؟ أنا في معتزلي هناك، حيث الغرفة الموحشة، الكلمات المهوّمة في الفضاء، الجنون الهارب، الفضاء الموحش اللامتناهي، ماذا افعل، يقرأ ابني الحيرة في عيني، أبي خذها مشوارًا قصيرًا، واعدها بعده، هي ستملّ بسرعة، لكن كيف أعيدها يا ولدي؟ يشير ابني إلى فتحة في سياج ضُرب حول المجمّع حتى لا يتمكن احد من الهرب، في حال وجود " غرض مشكوك في أمره" أو عملية تفجيرية، من هذه الفتحة يمكنك إدخالها والدخول معها أيضا.

يبتسم ابني وزوجته. يمضيان، تتعلّق الصغيرةُ برقبتي، أين أنت يا جدي؟ اشتقت إليك، ابتسم لها، أنا هنا، أفكر في أن اشرح لها عن معتزلي، أن أقول لها إن جدك بات شيخًا كبيرًا، يجري وراء أوهامه في الابداع والكتابة، أتراجع في اللحظة الأخيرة، تلح الصغيرة طالبة إجابة، لا أجد أمامي من مفر سوى أن أقدم لها ما أرادت، سأكتب قصة لك. تبتسم الصغيرة، تكتب قصة لي، اروها لي.. اروها الآن، أحب أن استمع إلى القصص، لا أحب القصص التي يحكيها لي أبي وأمي، هم يرددونها دائما، أريد أن استمع إلى قصة جديدة منك. أبي قال لي انك تكتب القصص، احكِ لي قصة.

أرسل نظرة إليها، كم أحب هذه الشقية الصغيرة، تركتها قبل فترة وانصرفت إلى معتزلي، وها أنذا أعود بعد فترة لتملأ عالمي بالكلام الطلي الجميل، لم أكن أتصور أن يفلت لسانُها بكل هذا الكلام بهذه السرعة، والدها، ابني، لم ينطق بكلمة إلا بعد أن بات اكبر منها الآن بسنة أو سنتين، ما زلت أتذكّر كيف نطق بكلمته الأولى، كان ذلك حين وضعت فمي قريبا من أذنه وهمست فيها قائلًا، كم احبك، فما كان منه إلا أن احتضنني، وأنا احبّك يا أبي. من يومها زال حاجز الخجل وانطلق لسانُه يقول أحلى الكلام وكثره طلاوة، أما هذه الشقية ابنته الصغيرة، فها هي تطلب مني أن احكي لها قصة، لا خوف ولا وجل، ما افتح هذا الجيل.

انطلقُ مبتعدًا عن المجمع التجاري، تسألني الصغيرة في حضني، إلى أين أنا متوجه؟ تمسك بياقتي، أريد أن أعود، أريد أمي وأبي. افهم أن المشهد انتهى، الآن لا بد لي من أن أعيدها.

أبواب المجمّع مغلقة، تصدّني عنها، يعترضني حارس، أنت لا تستطيع أن تدخل. اسأله ماذا حصل، يرسل نظرة حاقدة نحوي، اقرأ فيها كلامًا اسودَ، اشعر به يقول لي تفعلون فعلتكم وتتساءلون؟.

انزل الصغيرة على الأرض، لعلّه يراها، نحن أيضا يوجد لدينا صغار، نخشى عليهم من نسمة الهواء، يبرم بوزه أكثر، يبدو انه لم يفهم الرسالة.

ابتعد عنه، انظر إلى عدد من الرجال يحملون صغارهم في أحضانهم، ربما كانوا مثلي. أتذكر الفتحة التي تحدّث عنها ابني، الفتحة في السياج، ارفع الصغيرة، أدليها بصعوبة منها، ما أن تلامس قدما الصغيرة الأرض حتى تطير منطلقة إلى الداخل كأنما هي فهمت الرسالة، بدون أن تركض قد لا تدخل وقد لا ترى والديها. ما أن أحاول أن ادخل وراءها، حتى يقترب مني مجند وقف هناك حاملًا سلاحه، عُد وإلا.. افهم الرسالة، بسرعة افهمها، لست بحاجة إلى تكراره لها، نحن نفهم عليهم بسرعة، أما هم لا يفهمون علينا، سبعون عاما ونيّف مضت ونحن نحاول أن نوصل إليهم الرسالة، وهم لا يسمعون، أما هم لا يحتاجون إلا إلى نظرة تقطر سمًا، حتى نفهم عليهم، نفهم رسالتهم الملأى حقدًا.

ارتد إلى الوراء، حالة من العجز تستولي علي، ما الذي حصل، اشعر بحاجة، إلى فهم ما حصل، اركن راسي إلى جدار قريب من هناك.. من المجمع، أحاول أن استعيد ما حصل. شريط سينمائي ذو صور متلاحقة يمر من قبالة عيني، أتوصّل في النهاية إلى النتيجة المُرعبة، ما أدراني أن ابني وزوجته في الداخل؟ ومن أين لي أن اعرف أن الصغيرة وصلت إليهما؟ ألا يمكن أن تتوه هناك وان يأتي من يقضي على الابتسامة الجميلة الحالمة برواية القصص الجديدة؟ ما أتعسني إذا حصل هذا. اشعر بنشاف في فمي، هل نحن على أبواب فترة قاسية جديدة؟ هل أنا أعيش الآن لحظة ستضحي فاصلة في تاريخي الشخصي؟ هل سأؤرخ بها لنفسي قائلًا قبل حادثة المجمع وبعدها؟

حالة من الخدر تجتاح أطرافي، ابني في خطر زوجته في خطر محبوبتي الصغيرة التي كبرت في خطر، أية لحظة هذه؟ ولماذا قُيض لي أن أعيش في هذه البلاد المنكوبة بالسخط. لماذا لم أولد في بلاد أخرى بعيدة.. تتقافز الطيور على أفنانها، وتطلق أغاريدها؟ لماذا ولدتُ هنا في هذه البلاد، حيث تصمت اللحظات، وتتوقف الطيور عن التغريد، وتكفهر السماء؟ وماذا سأقول لابني وزوجته، إذا ما خرجا، الآن بعد ساعة أو ساعتين، بعد يوم أو يومين.. ثلاثة؟ بل ماذا سأقول لنفسي؟ سأقول إنني كنت غبيًا وتصرفت برعونة كاتب يريد أن يكتب قصة؟ ما أتفه ما سأقوله، أمام دمعة والد ووالدة وجد ما زال يحلم بان يصبح كاتبا يشار إليه بالبنان.

استرخي استرخي استرخي، حالة من الاسترخاء تستولي علي، أهي لحظة النهاية تقترب؟ ربّما، آه لو لم أمر من هنا.. من قرب هذا المجمع اللعين، آه لو بقيت هناك في معتزلي البدوي المشرد، بعيدًا عن هذا المعترك المدني المتأورب.

اللحظات تمر ثقيلة عسيرة. تمر كأنما هي لا تريد أن تمر وأنا وحيد أمام كتل الاسمنت والبطون، لا أرى إلا حزني الصحراوي يطل على هناك ترافقه ارض رملية لا حدود لتعاستها، كم أود لو أن اللحظة ما كانت، لو أنني بقيت هناك في عالمي الموحش اركض وراء قصة هاربة اكتبها، الآن اكتملت دائرة الألم، الآن اشعر أنني بت نخلةً وحية في صحراء العرب.

ماذا بإمكاني أن افعل والمجمع مغلق وعلى أبوابه جنود لا تعرف نظـّاراتـُهم الرحمة؟ ماذا بإمكاني وأنا أواجه لحظة مصيرية قد افقد فيها سعفي وشمسي؟ مستقبلي وأيامي القادمات؟ اترك الأمور تجري كما هي وكما يشاء لها الجنود والحراس؟ نعم لأتركها، ثم من أنا الآن في هذه اللحظة خاصة، حتى أملي إرادتي على كل هذا الفضاء، بجنوده المدججين بالسلاح وحراسه؟ لاستسلم إلى اللحظة ولأدع الوقت يقدم الإجابة، أنا لا استطيع أن أقدم أية إجابة، ما كتبته من قصص خـُلـّب ٍ الآن، لن ينفعني إلا في أمر واحد، هو كيف أتعامل مع لحظة قاسية لا تقل فيها فظاظة نظرة الجندي قدرة عن التوماهوك.

نعم لأرخي راسي إلى كتلة اسمنت أخرى، ما أن افعل.. ما أن أرخي راسي، حتى تطل صورة صغيرتي، من سمائي، جديّ؟ لماذا تركتني وحيدة هنا بين أعداء لا يرحمون؟ أإلى هذا الحد أغرتك القصة فجريت وراءها. تهمي من عيني دمعة، لا اعرف ماذا يمكنني أن أقول لها. لا اعرف سوى أن انتظر فمن يعرف.. فقد يأتيني غدا بالأخبار من لم أزود.

أغمض عيني لا أريد أن أرى هكذا عالمًا، ليعش هذا العالم جحيمه، وليدع لي فسحة من الحلم، افتح عيني، لا أرى سوى الجنود والحراس، أحاول أن اهتف بهم، أن أقول لهم دعوني ادخل إلى المجمع، دعوني أكون مع أحبائي هناك، إلا أن لساني يخونني، أغمض عيني، افتحهما .. كم هو مرعب هذا المكان.

 

قصة: ناجي ظاهر

 

 

 

مصطفى عليبَدَويُّ على الربابِ تَغَنّى

فَتَغَنّتْ قوافِــــــلٌ وخِيامُ

 

موقِداتٍ فَراقِداً في فُؤادٍ

خَلّفوهُ مَعَ الدِيارِ وهاموا

 

كَمْ تَراءتْ هَوادِجٌ في خَيالي

كُلَّما لاحَ فــي السَرابِ سَنامُ

 

ثُمَّ لاحَتْ شَقائِقُ الحَيِّ حَوْلي

والْحَبارى هُناكَ حيْثُ أقاموا

 

خِلْتُ لَمّا شَقائِقُ الروحِ غَنّتْ

الصحارى تَنَهَّدتْ والخُــزامُ

 

ليْتَ ياهِنْدُ القُبّراتِ تُنادي

كي تُوافي عُبيْلَةٌ وحُــذامُ

 

مُذْ تَهاوَتْ شقائقي والحبارى

في حِمانا تَنكَّستْ أعــــــلامُ

 

أُغْنياتي للضاعِنينَ صلاةٌ

وَ قُنوتٌ في خيْمَةٍ وصِيامُ

 

لَمْ تَنَمْ بعدَهمْ لـــــــواحظُ قلبـــي

ليْتَ شِعْري، بُعَيْدَنا، كيفَ ناموا

 

ياقُضاتي مُسْتَفْتِياًجِئْتُ أشكو

أحَلالٌ في شَرْعِكُمْ أم حَرامُ

 

إِنْ جَفوْني كَراهِبٍ في دِيارٍ

رَهْنَ دَيْرٍ بِهِ يَصيــــحُ نُهامُ

 

قد سَقوْني كُؤوسَ هَجْرٍ وراحوا

فإسْقِنيها سُلافَةً يا غُــــــــــــلامُ

 

فَإذا ما نَبيذُها مَسَّ روحـــــي

أشْعلَ الشوقُ مُهْجتي والهُيامُ

 

ياحُداةً رُويْدَكُم فَدَليلي

ذِمَّةٌ حَبَّذا تجودُ الذِمامُ

 

عَلِّلوني فَذا فُؤادي عَليلٌ

وَتَعِلّاتُ الراحِلينَ عظامُ

 

إنّما الدمْعُ في الحوادِثِ غالٍ

سِيَّمـــا دمعةِ الجوى لا تُسامُ

 

أكَديٌّ ظِباؤهُ شارِداتٌ

فَتَماهى حُداؤهُ والبُغامُ

 

بينَ نهرٍ مياهُهُ تَتَهادى

فَتُزكّي ضِفافَهُ الآجامُ

 

وَ مَوامٍ سَرابُها من بَعيدٍ

يَتَلــــــوّى لِيَسْتَكينَ أُوامُ

 

وَبُحيْراتٍ أرْبَعٍ كالغَوالي

قد تَباعدْنَ إنّما لا صِلامُ

 

و ضِفافُ ألفُراتِ تعزفُ لحْناً

للنواعيرِ إِذْ طَــــــواها الوِئامُ

 

والبوادي فسيحةٌ مِثْلَ روحي

وَبِهــا العِشْقُ حُرْقَةٌ وإنْسِجامُ

 

لو شَهِدْتَ الهِضابَ ذاتَ ربيعٍ

بعدما أيْنعتْ بهــــــــــا الآكامُ

 

كَمَأً كالبَياضِ شَعَّ وفِيهِ

للبَرايا حديقةٌ وطعامُ

 

عَرَبيٌّ أفاقَ فجــــراً وغنّى

صَلَواتٍ طُقوسُهُنَّ إحْتِشامُ

 

عربيٌّ في غُرّةِ الفجْرِ نادى

مِثْلَ ديكٍ فــي فَجْرِهِ لا ينامُ

 

عَرَبيٌ وَعى الأذانَ هديلاً

فالسماواتُ أيْكَةٌ وحَمـــامُ

 

نازِفاتٌ قصائدي كَجُروحي

وَبِروحـــــــي بلابلٌ ويَمامُ

 

وَدموعي قَصيدةٌ وقوافٍ

وَ نَدامايَ لَـــوْعَةٌ وسَقامُ

 

هاتِ قَيْثارتي وَهاكَ لُحوني

فَخُلودٌ كَساهُمــــــــا ودَوامُ

 

أسْكَرانـــي بلا دِنانِ نَبيذٍ

رُبَّ سُكْرٍ لَمْ تَدّعيهِ مُدامُ

 

كَمَسيحٍ بِشِعْرِهِ يَتَداوى

شاهِــــداهُ قِيامَةٌ وقِيامُ

 

مُدْمِناً خَمْرَ لَحْنِهِ كالسُكارى

فَحَنانَيْكَ إذ يَحيـــــــنُ فِطامُ

 

قُمْ وَنادِمْ ذَوي القُلوبِ الحَيارى

يَفْتَديكَ الــــــورى إذن والأنامُ

 

وقضى الدهرُ أنْ يُعَتّقَ قلْبي

في خَوابٍ هفا إليْها الكِرامُ

 

مِنْ كُرومٍ عَصيرُها كَدِمائي

يحتسي كأسَها فتىً مُسْتَهامُ

 

مِلْءُ قلبي صُنوْبَرٌ وطُيورٌ

طالما نالَها أذىً وحِمـــامُ

 

غَرّدتْ صاحِ مُهْجَتي ثُمَّ طارتْ

عَنْدَليبـــــاً له عِــــدىً وسِهـــامُ

 

كَرَواناً متى شكى أو تَغنّى

جادَ شِعْراً وغَـــرَّدَ الإيلامُ

 

ما لَظاهُ سِوى وَميضِ رُؤاهُ

وَطُيوفٍ كَأنّها الأوهـــــــامُ

 

بَلْ مَجازٍ وغُنْوَةٍ للحيارى

من خَيالٍ أوْحتْ بِهِ الآلامُ

 

وَنَديمٍ بِها طغى وراحَ يهذي

بِكَـــــلامٍ يَنِزُّ مِنْهُ كِـــــــلامُ

 

يا نديمَ الصِبا أراكَ غَريماً

عَجَباً مــــا تُبْدي لَنا الأيّامُ

 

صاحِ عُذْراً وإنّما ذَا عِتابٌ

عن هُذاءٍ مِدادُهُ إيهـــــــــامُ

 

وإنفصامٌ عن رِفْقَةٍ قد تَهاوتْ

فَهَنيئاً إذا عَـــــــــــداكَ فِصامُ

 

كُنْتَ تشدو قوافياً ثُمَّ نَشدو

وَكِلانا تحــــدو به الأنغامُ

 

وَهَواءُ القرى يُناغي الفيافي

وَيُحاكي سَماءَهُنَّ غَـــــرامُ

 

والشواطي متى تَحينُ الليالي

حانَةٌ تزدهي بهـــــا الأحلامُ.

 

لُغَةُ العِشْقِ للدِيارِ غِناءٌ

أسَفاً لم يَدمْ هُناكَ مُقامُ

 

لُغَةٌ حالما يضوعُ شذاها

جُلَّناراً يَصيرُ فيها الكَلامُ

 

فَبِها زَفْرَتي وبَثُّ شُجوني

من فُؤادٍ رَغْمَ النوى بَسّامُ

 

فَنُعاماكَ أنْ تَشُمَّ ألْنُعــــامى

والصَبا إِنْ ساقَتْهما الأنسامُ

 

وَقُصاراكَ أن تَذوبَ إحْتِراقاً

إنّما العِشْقُ أن يَدومَ الضَرامُ

 

قاتِماتٌ ليْلاتُنا دُونَ عِشْقٍ

وَ حياةٌ بِغيْرِ وِدٍّ قَتـــــــامُ

 

فَإذا لَمْ تَذُقْ هَواطِلَ غَيْبٍ

فالسماواتُ خُلَّبٌ وجَهامُ

 

هَلّلَتْ حينما أطَلّتْ غُيوبٌ

وَأهَلّتْ أرواحُنــا والغَمامُ

 

وإسْتَهلّتْ أريجَ طَلْعٍ نَضيدٍ

حِينَ عَنهُ تَفَتّقتْ أكْمــــــامُ

 

ليسَ شِعْري غِوايَةً فَـــــرُؤاهُ

عِصْمَةٌ من خطيئةٍ وإعتصامُ

 

بِحِبالٍ نَسيجُها مـــــــن ودادٍ

في مَحاريبَ ما بِهِنَّ خِصامُ

 

هائماتٌ قصائدي قُرْبَ وادٍ

حيثُ صلّى مع الغواةِ إمامُ

 

دانياتٌ فهل تجودُ الدَوالي

للندامى وهل يفيضُ الجامُ

 

والكَمَنْجاتُ نازِفاتٌ قُدوداً

حَلَبٌ ذِكْرَياتُها والشــــامُ

 

والغوانـــــــــــي عبيرُهُنَّ مساءً

فَوْقَ صدري مَدى الجِراحِ وسامُ

 

والخيولُ خَيالُهُنَّ صَهيلٌ

لم تَسَعْ عُنْفوانُهُنّ لِجامُ

 

والحَنايا دُموعُهُنَّ مَـــــــرايا

عاكِساتٍ طُيوفَ من لا يُرامُ

 

ياإبْنَ ماءِ السَماءِ أيْنَ مُلوكٌ

و سَديرٌ ، خَوَرْنَقٌ وحُسامُ

 

فَهباءً قد أصبحتْ ورَماداً

وَطُلولاً كَأنَّهُنَّ حُطــــــامُ

 

لم يَدُمْ إلّا شاعِرٌ فَصَداهُ

نَغَماتٌ يَهابُهُنَّ رُكــــامُ

 

جادَ بالهالِ من شذى هَيْلَمانٍ

فُهُنــــاكَ المَدى شَفيفٌ هُلامُ

 

يا مَليكاً بكـى مَليكَ القوافي

لم تَزَلْ في خُدورِها الآرامُ

 

ألْفَ ليلٍ وليلةٍ شهرزادي

والصباحاتُ ما لَهُنَّ خِتامُ

 

وَ حِكاياتٍ سِحْرُها كَهَوانا

فـــــي ليالٍ بُدورُهنَّ تَمامُ.

 

صُحُفُ الأمْسِ أمْطَرتْ والأماسي

تَتَلاشى لـــــــــــــــو جَفّتِ الأقلامُ

 

والدواوينُ مثلَ سِحْرٍ تُداوي

ساهِرَ الليلِ لو غَشاهُ ظلامُ

 

فَسَلامي على الطيورِ اللواتي

بعدما هاجرتْ جفاها السَلامُ

***

مصطفى علي

 

عبد اللطيف الصافيلشفتيكِ مذاقُ الشَّمسِ

هكَذا قالتْ لي العاصِفةُ

حينَ مرَّت في أحْلامي

بيْنما كنتُ أُرتِّب حروف أُغنيتي القادمة

علَى سلَّمِ الإنتِظاراتِ

أُبلِّلها بماءِ الغيْمِ

والأمنِياتِ

لعينيكِ رعشةُ الناياتِ

هكذا حدثَتْني عنكِ النجومُ الشارِدَة

بينما كنتُ أرقِّدُ عظامَ الريحِ

في صحْنِ اللَّيالي البارِدَة

أغرِسُ نجمةً في قلْبها اليابسِ

وأمسحُ الغبارَ المُرَّ عن ساقيْها المُرْتجفتينِ

لثغْركِ لوعةُ البروق

هكذا همسَ لي قوسُ قُزح

بينما كنتُ أدثِّرُ الفراشات

بِسحرِ الشُّروق

أَرْشُدها لِحدائقِ الفرح

لذَاكرتي بياضُ الليلكْ

هكذا قلتُ في سرِّي

بينما كنتِ تلْمَعين في مِرآتي

وتبْتسمينَ لي كملكْ

***

عبد اللطيف الصافي /المغرب

 

 

سلوى فرحزفراتٌ على ضفةِ المسافَة

تُعاتبُ الرِّيحَ

الغافية في عينيكَ

تمتَطي جناحَ اللَّيل..

تطيرُ إليكَ بغفلةِ الرِّيح

توقظُ صمتَ الهَدير

تنثرُ نرجساًعلى قلبِكَ

ترِدُ على الغَدير

ترتوي من نهدِهِ..

قبلاتٌ مسافرةٌ

بين عناقيدِ الشَّهد

تبتهلُ إلى الرَّحيق

وتُصلِّي مع الفجرِ

ألا يغفو الحنينُ

في أكمامِ الشَّمس

شِفاهٌ مُتمردَةٌ

تبعثرُ الزَّنابقَ السَّوداء

تهدمُ تاريخَ الانتِحار

تزرعُ الضوءَ بين الرِّضاب

إنهُ زمنَ الوِلادَة

***

سلوى فرح - كندا

 

سالم الياس مدالوقصص قصيرة جدا

ظلام

فجاة حل ظلام أين يذهب ماذا يعمل تفكر أوقد شموع ذاكرته البريئة خبأها في قلبه حدق مليا مليا في شمس طفولته طبع صورتها. في خلايا شغافه وشيئا فشيئا كان ضوء وكان نهار .

 **

2 -  استقالة

القمر للشمس : ساقدم استقالتي فلقد مللت عملي . ونوري لم يعد يكفي لانارة القلوب .

**

3 -  انفاق

دخل نفقا مظلما وخرج ودخل آخر وخرج، وهكذا دخل عشرات الأنفاق وكان آخرهم نفق جد مظلم وطويل وهناك صرخ صرخ  .يا قوم يا قوم أما من هناك ضوء في نهاية النفق.

 

 سالم الياس مدالو

 

عادل الحنظلأهذا الذي ما أرى

كانَ أنتِ

رُكاما ضئيلا

وعِرقا يئنُّ من النبضِ

في لوعةٍ

يسألُ اللهَ ماذا جَنيتِ

أمِنْ رَحْمةٍ أنْ تَؤولي ذُبولا

كما يذبلُ الوردُ صَمتا بصَمتِ

تُصارعُ فيكِ المنيّةَ روحٌ

ويَفتكُ في جَنْبكِ الوجْعُ مثلي

فأمسِكُ دَمعي

وأشقى بكَبْتي 

يقينا تناجينَ من لا أناجي

ويدعو فؤادُكِ في وهنهِ

لي

وذلكَ موتي

أتدرينَ بي

حيثُ لاشيئَ منكِ سوى نَظرةٍ

تجولُ بوَجهي

كَمَنْ عامَ في لجّةٍ

باهتٌ لونُها

مُثقلٌ حُزنُها

كالسُؤالِ المُحيّرِ كيفَ انتهيتِ

يُحاوِرُني ما بَقيْ منكِ في هدأةٍ

في سكونٍ .. ولكنْ

تراءى أصفرارُكِ كالنارِ

تَحرقُ فَوقي وتحتي

أيا آهِ أُختي

لماذا برمشةِ عينٍ

وقد عَجَزَ النُطقُ أن تقولي

وداعا

فيا للوداعِ الذي ما نَطَقْتِ

أغالبُ ضَعفي لكي لا تُرى غصّتي

لا..

وما أنا إلّا كَسيرٌ بحُزني

وأرخَيْتُ جَفْني

ذهولا

وأطفأتُ عيني

فعادَتْ سراعا سنونٌ طِوالٌ

وعُدتِ

أيُعقلُ أني أرى

بضعةَ اللحمِ هذي وكانت

كَمَوْشُورِ ضَوءٍ

كَمِشكاةِ نورٍ.. كنَبْتِ

لُجِمتُ وقد بانَ منكِ ارتجافٌ

وقُربُ الردى

حالَ بيني وبين الكلامِ

فصرتُ كمن لا يرى في الظلامِ

ويدري الحِمامَ سيأتي

صريعٌ أنا إذْ أقولُ وداعا ...

وداعا ..

وما مِنْ أسىً بعدَ فقدِكِ ..

أُختي

***

عادل الحنظل

 

سعد جاسمفي زمنِ الكورونا

الغامضةِ ؛

القاتلةِ ؛

 والحمقاءْ

أَصبحتُ أُحبُّكِ

 أَكثرَ وأَكثرَ وأَكثر

كما لو أَنني لمْ أُحبُّكِ

مثلَ هذا الحبِّ

الخائفِ ؛

ا

 لـ

 نـ

 ا

ز

 فِ

و ا لـ عـ ا صـ فِ

القَلِقِ ؛ الهَشِّ

الفاجعِ ؛ الضائعِ

الحائرِ ؛ النافرِ

المُشاكسِ ؛ المجنون

والحارسِ لوجودِكِ

وحضوركِ وشؤونكِ

وشفاهِكِ وعيونكِ

وسِيرَتِكِ وسُرَّتِكِ

ونهرِكِ الرافديني

الحارقِ والدافق

والشهويِّ والصاهلِ

مثلَ حصانٍ هاربٍ

من جنونِ البَشَر

والحياةِ والوجودِ

والخليقةِ والقطيعِ

والوباءِ والهباءِ

ووو...الخ الخ

آآآآآآآخ آآآآآآآخ

ياإلهي ........

 كم أَنا أَخافُ عليكِ

 من {الكورونا} الشريرةِ

ومشتقاتِها الشيطانية الفاتكة

*

وفي هذا الزمنِ الكوروني

أَصبحتُ أَنا راعي عصافيرِ وفراشاتِ

وغزلانِ  جسدِكِ  النافرةِ

التي ترعى دائماً

في حقولِ رغباتي

وبساتينِ مسرّاتي

ومباهجي فيكِ

 وفي كركراتكِ وحكاياتكِ

 وترانيمِكِ وأُغنياتِكِ

التي تُمْوسقينَ بها

قلبي وروحي وجسدي

 الذينَ يعشقونَكِ كلَّكِ

مسامةً مسامةً

وخليةً خليةً

وقبلةً قبلةَ

وشهقةً شهقةً

وحلماً وحلمةً

وأُغنيةً ورقصةً

وجنوناً أُنثوياً

لايُشبههُ أَيَّ جنونٍ آخرَ

 في هذا العالم

 *

وكذلكَ أَصبحتُ أَخافُ عليكِ

 من كائنٍ غامضٍ

وشيطانٍ خادعٍ

وفايروسٍ فاتكٍ

ومصيرٍ فاجع ٍ

يُشبهُ الموتَ

او في الحقيقةِ : هو الموتُ

وعزرائيلُهُ الطاغي والقاسي

والخانقُ والصاعقُ والسارقُ

لأرواحِنا الوحيداتِ والشريداتِ

والطريداتِ في متاهاتِ

وهاوياتِ هذهِ الارضِ

التي صارتْ مُقبرةً

مُخيفةً وخائفةً كجحيمٍ

لا يعرفُ حدودَهُ وزمانَهُ

ولايعرفُ كيانَهُ ومكانَهُ

ولايُدركُ معناهُ وجدواهْ

غيرُ السيدِ " كوفيد "

 وأَبالسةِ وملائكةِ

وشياطينِ اللهْ

ياااااااااااااااهْ

***

سعد جاسم

........................

2020-9-28اوتاوا \   

 

 

عبد الله سرمد الجميل- بائعُ الثلجْ -

منذُ الصبحِ الباكرْ،

يضعُ قوالبَه الثلجيةَ فوقَ القَشِّ على أرصفةِ الطرقِ العامّةْ،

ويُحزِّزُها بالمنشارْ،

تتأخّرُ سياراتُ المُصطافينَ،

ويبدأُ هذا الثلجُ المُتلألئُ بالذَّوَبانْ

***

عبد الله سرمد الجميل - شاعر وطبيب من العراق

 

 

 

في غرفة الإنعاش

يسيل الوقت بين أصابعي الشاحبة

أنزف على السرير حمى وألما

وحمم بركان -كوفيد19

تتهادى على جسدي

ليل مدينة - تبليتسه - يسكب عتمته

على زجاج نوافذ المستشفى

وكلما أطبقت أشرعة أجفاني

طفق السهاد يفتح جفوني بأصابعه الحجرية

سيارات الإسعاف تنبح ككلاب سائبة

رقاص ساعة الحائط توقف عن الرقص

لا رقص بعد اليوم ولا غناء

وحده قلبي الشجاع يقرع طبوله

أعرف أن الموت حق

وأعرف أن رحلتي قصيرة

لكنني أوهم نفسي بأنني سأعمر طويلا

ربما لأن أبي عاش أكثر من قرن كأبيه

لكن الأعمار بيد الباري

والحياة والموت من هداياه

سأقول للباري شكرا على هداياك

سأقول : رباه طال إنتظاري

وذوت أزهار الوقت في غرفة إحتظاري

آه لو يطيل عمري الحبيب

آه لو يسمح لي الطبيب

لخرجت من غرفة الإنعاش

في هذا الفجر الأحمر القريب

وزرعت جنائن الوقت  قناديلا

لزرعت حدائق النور أزهار محبة

فعصافير الربيع على الأغصان تنتظرني

وعلى شرفة أزهار وقتي

سيأتي شحرور الصيف ليغرد لي

***

حسين السوداني

تبليتسه 29.5.2021

 

 

خالد الحليبين بحارِ الجدوى واللا جدوى

كانتْ أوقاتُكَ تبحثُ عن مأوى

و أنا أوقاتي تخشى ريحَ الأيّامْ

تتجاهلُ كيفَ بعينيَّ الفجرُ  ينامْ

تتمرى بظلامِ الليلِ

و لا تعرفُ ما يجري خلف العَتَمةْ

من مسخِ حقائقَ

أو نسجِ خرافاتٍ أو أوهامْ

أيّامُكَ صامتةٌ

أيّاميَ صاخبةٌ

وكلانا تتقاذفه أمواجُ الجدوى و اللا جدوى

يتنافسُ كلٌّ منّا

في أن يظفرَ قبل الآخرِ  بالمأوى

لكنّا صِرنا

ذات صباحٍ مُفترِقيْن

و وجدنا البحرَ الهائجَ أضحى بَحْريْنْ

   

- 2 -

بين الجدوى و اللاجدوى سفنٌ تغرقْ

و مياهٌ تُحرقْ

و شموسٌ و ظلامْ

تتجمّعُ كلُّ غراباتِ الأيّامْ 

و يظلُ لسانيَ يسألُ،

يسألُ،

يسألُ

من يُنقذني من أسئلتي؟

من يُنقذ أسئلتي منّي؟

لا تُوجدُ أجوبةٌ تُنقِذُ

لا يُوجدُ ساحلُ

لا يُوجدُ مرفأْ

***

شعر: خالد الحلّي - ملبورن

 

علي الشوابكةبان الخليطُ

و(يغجُّني) ليلُ العاصمة

إلى أوّل الطين

وأول القمح

أول حليب الماعز الشاميّ

وأول الفوضى الجميلة

أول (الحجرات السبعة)

أول الرفاق العادية أحلامهم

أول (المُحاحاة) فجر نطردها ناهبات الحقول

أول صلوات الاستسقاء طالبين الغيث

إليها أمي الحنون

أم القرى ...

(2)

للتوّ

عائد فيها أم القرى

وبم سأعود بعد الغياب؟

بعد موتي في رحم العواصم الهشة

تسألني أول العشق:

وما تلكم بيمينك يا حبيبي؟

فقلت لها: خيبة الشطرنج

لست أحمل معي منها

إلاّ الجنود الصامتين

وبكاء الفيلة

ومثيولوجيا القلاع

وخيلا أرهقتها الهزائم.

وأمّا الوزير نسيته هناك يرسم للقرى هلاكها

أقسمت عليه أن يبقى مجمّداً عند مدخل أول الأحلام

***

د. علي الشوابكة

 

فتحي مهذبRita is my last salvation

مع ترجمة د. يوسف حنا


 

عزيزتي ريتا

هل وصلت حمامتي إلى شرفتك

هل قال لك القمر:

أن روحي تساوي مترا من الفراشات النافقة

أن غيابك كان ثعبانا سيء السمعة

إلتهم كل شيء

وردتنا المعلولة بشيخوخة مبكرة

كلماتنا التي قاومت طويلا

جنود النسيان

الضوء المعلق في السقف

مثل إلاه من الفضة

عزيزتي ريتا

أنا حزين جدا جدا

لأن جنازتي

مطوقة بنار الهنود الحمر

والغيمة تأكل الجدران السميكة

لقلعة حبنا الملكي

لأن المساء قاتل وعنيف

العزلة ضفدع عجوز

يتسلق قامتي

بمائتي رطل من الجنون الخالص

عزيزتي ريتا

صوتك قس يقرع النواقيس

في كنيسة قلبي

الفراغ وحده يصلي

مكسور الخاطر

أنتظر قدومك يا ريتا

تمتطين جوادا مجنحا

ومفاتيح الجنة تشقشق بين أناملك

ولابتسامتك أبهة كبير الملائكة

أنتظر البركة المجد والخلاص

قيامتي المشرفة

حياتي الأبدية الهادئة

تعبت يا ريتا

خذلتني المدن الحجرية

عيون المامبا الكريهة

القراصنة وعواء الذئاب الليلي

الحطابون بزيهم العدمي

المستذئبون في عز النهار

تعبت يا ريتا جدا جدا

أنا ضرير يا ريتا

والعالم مليء بالزواحف والقتلة

بالقيح والصديد والعار

وسنابك أحصنة هولاكو

تدهس حرير قلبي

تعالي يا فراشة الشرق البديعة

وانقذي هذه الأطلال المتفحمة

كوني اليد المباركة

الخلاص النهائي

تعبت كثيرا يا ريتا

تعبت كثيرا ياريتا.

***

فتحي مهذب - تونس

...........................

Rita is my last salvationيوسف حنا

By Fathi Muhadub / Tunisia

From Arabic Dr. Yousef Hanna / Palestine

Dear Rita

Did my dove come to your balcony?

Did the moon tell you:

That my soul is worth a meter of dead butterflies

That your absence was a notorious snake

Devoured everything

Our effected rose due to an early aging

Our words that long resisted

The soldiers of oblivion

Ceiling Light

Like a goddess of silver.

Dear Rita

I am so sad

Because my funeral

Encircled by the Red Indians' fire

And the cloud eats the thicker walls

Of our royal love castle

Because the evening is fatal and violent

Seclusion is an old frog

Climbs up my stature

With two hundred pounds of pure madness...

Dear Rita

Your voice, a priest knocks bells

In the church of my heart

Void is praying alone

Broken-hearted

I'm Waiting for your arrival, Rita

Riding a winged horse

And the keys to Heaven are erupting among your fingertips

And your smile has the Archangel's pride

I wait for the blessing, glory and salvation

My honorable resurrection

My eternal quiet life...

I got tired, Rita

Stone cities let me down

The stinking mamba eyes

Pirates and Night Wolves Howl

Woodmen in their nihilistic uniforms

Werewolves in broad daylight

Oh, Rita, I'm very very tired

I'm blind, Rita

And the world is full of reptiles and killers

With pus, purulence, and shame

And Hulagu horses' hooves

Run over my silky heart

Come, O beautiful butterfly of the East

And save these charred ruins

Be the blessed hand

Final salvation

I am very tired, Rita

I am so tired, Rita.