ابراهيم الخزعلي(الى علي عذاب الأعلامي والأنسان

في عراق البؤس والحرمان)

 

عالمٌ أحوى...

ومَمْسوخُ الهَويّة

وأنا فيه غريبٌ

أبْحثُ عن  شَمْسٍ وأنسانٍ

وثمّة قلبْ

وعن معنى قضيّة

مَنْ يهدني

لطريقِ الفجرِ

فأنا مُنْذُ ولِدْتُ

مُشتاقٌ لِنَجْمَةِ صُبْحٍ

تُقَبّلُها عيوني

فلقد أتعبني الليلُ الطويل

بأنينِ الجائعين

وآهات الثكالى

وتَنْهَشُ في رأسي ظنوني

مَنْ يعطني بعض دموعٍ

أطفئ بها نار الجحيم

مَنْ يعطني بعض حروفِ الشّمْسِ

أكتُبها إنشودةَ للثائرين

مَنْ يعطني بعض حُبٍّ

بِهِ أبني جنّة للمعدمين

مَنْ يعطني بعض صلاةٍ وصيامٍ

وإيمانٍ يتجلّى عملاَ

به خبزا وأمان

والحق يسمو

ويزداد اليقين

مَنْ يعطني بعض نبضٍ

لقلوبِ الجائعين

مَنْ يعطني بعض الخطى

نحو الإلهِ على السراطِ

هذي حروفيَ  تارة...

صمّاءٌ وبَكْماءٌ وعمْياءٌ

وأخرى ثرثرة أجترّها

بين ضلوعي،

وهي في قلبي داء

مَنْ يعطني ومضة نورٍ

من دون انطفاءْ

كي أرى فيها طريقي

والخطى تعرف معناها إليك

فذا قلبي يراكَ

ياعلي

ويرى فيك المعاني

بعض شيء من نبي

وبعض شيء من رسول

وآخر من وصي

يا علي...

 أنت قِدّيسٌ وراهبْ

بِبِنْطالٍ وقميضٍ

وابتسامة من دموع

وقليلا من بياض،

 يعتلي ناصيتك

فلا غبار على خُطاك

فما أحلى سموّكَ ياعلي

وأحلاها المناقب

تزدان بك

شجن يمضغ قلبي

حين أسمع آهة حرّى

أو أرى دمعة طفل

لكنني لمّا رأيتك

يا علي

تمشي على الأرض ضميرا

فرسمتَ في قلبي أنتَ

 عراقاَ...

 بِكَ يَتَّقِدْ

يا نصيرالفقراءْ

 أنحني أنّي أمامك

 مرتعد...

***

الدكتور ابراهيم الخزعلي

30/01/2019

 

 

 

داود السلمانكصرصار ٍ يتيم

أبحثُ عن غربتي

في وجوه العاطلين عن الكلام

المنزوين في دهاليز الفراغ

اشربُ قهوتي كليلٍ منسي

آهٍ.. كم اشتقتُ لركوب الخريف

واغفو في قطار الجليد

كطفلٌ وقحْ

أستنشق هواء الصليل الداكن

واتعثر بخطوات الشتاء

شتائي لا يعرف ظله

وليلي يتسكع بمطبات النهار

سأقف عاري الكلمات

أهتف بأبجدية الحروف

أعلن عن ركوعي خلف قضبان عينيكِ

اتشبث بأهداب النجوم

كمحارب نسى سلاحه معلقاً

على مشاجب الذكريات

شوقي سألقيه خارج قنطرة الوضوحْ

وعُباب البحر انسفه بالموجة الخامسة

من زمن وعيناي تطارد أعاصير الارق

متى أستلذُ بفاكهة الدفء؟

متى أوزع عشقي، طعاماً للعصافير؟

اسراب ذكراكِ من حولي تتوهج

كجداولٍ من نور

بينما عطركِ يطارد ارنبتي أنفي

كوحشٍ كاسر

الى اين المهرب؟

يا أنتِ، يا سكين صبري

يا دمعي الثاكل

اطعنيني بخنجر الوصال

كما النهار يطعن خاصرة الليل

أنا شرنقة ابحث عن دودة القز

لأصنع حريراً

غير خاضع ٍللسيطرة النوعية

كوني أنتِ سيطرتي

وجواز سفري

جوازي الذي أجوب من خلاله

كل بقاع العالم

واعود كديناصور نزق

كبحر ٍ حامل ٍ موجاته أقواس قزح.

***

 داود السلمان – بغداد

 

حسن السالميخُواء

رأته، لا يكاد يلج بها الباب.

- ممّن؟

- من بركات الثّورة!

وانفجرت في سكون اللّيل زغرودتها. بعد أيّام تساقطوا على دارها بأحذيتهم الثّقيلة..

وجدوها تملأ عرض المطبخ، بيضاء تسرّ النّاظرين.

-  من أين لكَ هذه؟

- (...)

قبضوا على ولدها وجرّوا ...

غمغمت: لو تركوا الثلاّجة!

 

السّقيم

نظر إلى الشّمس فوجدها كابية اللّون يغمرها الرّماد. واغترف من ماء المطر غرفة فوجدها حنظلا...

وهكذا ظلّ يؤلّف طول عمره نظريّات يثبت فيها عدم وجود الشّمس، ومرارة طعم الماء..

 

الجناحان

حدثّني الشّيخ كهفان:

هما في سجال. قبل أن تمتلئ سماء المدينة بالدّخان، كانت العصا هي التي تبني وتهدم وتسطّر وتحاور وتنظّم وتشرف على كلّ شيء... ولم يكن من دور للمسطرة إلاّ أن تلتقط لها صورا جميلة وتبثّها في النّاس..

فلمّا فار التّنّور، أصاب العصا الوهن والضّعف فلم تعد قادرة على شيء... برزت المسطرة إلى العالم وطفقت تثرثر وتثرثر حتّى فلت الزّمام...

قلت: وما السّبيل؟

قال: لا تحليق إلاّ بهما معا.

 

الشّرق

منذ قرون وهو يرى الشمس تشرق من الغرب.. ذات صحو تساءل: متى تشرق الشّمس في يدي؟

 

سراب

شرب من خمرة الأحلام حتّى رأى الدّنيا بلون الورد.. ثمّ وقف في مدينة الأموات يصرخ بلسانه الثّقيل:

"أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي..."

فأظرطت الرّيح...

***

حسن سالمي

 

جمال مصطفىمُذ ْ شَرّدَتْه ُ الرياح ُ راحَ وَ لَمْ

وفي الخطى ما يزالُ تِيهُ قَدَم ْ

 

تِيه ٌ حَكى شَدَّة ً مُعَلّقَــــــــــة ً

مِن فوق ِ ضِلّيلها كتاج ِ عَدَمْ

 

مُسْتَطرِقٌ في دروب ِ مَنْ نَهَروا

سرابَهُم سابحينَ فيه ِ خِضَــــــمْ

 

حتّى أعالي المُحال ِ جَدَّفَ مِنْ

مِنْ سومَر ٍ والهلال ُ ذاكَ (بَلَمْ)

 

مفتاح ُ باب ِ السماء ِ عندكَ لو

سألتَ حتى الترابَ قالَ: نعَم ْ

 

لكنَّ دونَ الدخول ِ سبْعَ رؤى ً

وأفعُوانا ً يَفُحّ ُ كُلَّ ضَـــــرَمْ

 

وخشْيَــة ً مِن إلى مَ، أينَ، مَتى

أنّى، لماذا، على مَ، كيفَ، ألَم؟

 

مِن شهوةٍ في احتيازِ سانحة ٍ

شراهة ٌ قــــــد تَقاتَلَتْ ونَهَمْ

 

دعْ زهرةً قد هَمَمْتَ تَقطفُها

لنَحلةٍ، إنَّ ذاكَ منكَ كَــــرَمْ

 

أنبَلُ ما يستطيعُ عابرُهــــــــا

أنْ يَأخذَنَّ السفوحَ صَوْبَ قِمَمْ

 

ألَدُّ أسقامِها، و أخبَثُهــــــا

ماعاثَ بالغافلين َ دونَ ألَمْ

 

كم عاشق ٍ حينَ مات مِن عطش ٍ

بَكتْ على قبـــــــره ِ السماءُ دِيَمْ

 

قد يَصمتُ العندليبُ مِن هرَم ٍ

وقد تَجُبّ ُ الغناءَ ريحُ سَقَـــمْ

 

أوْسَقتَها بالهموم مُبْحــرة ً

قصيدة ٌ لا تُريدُ منكَ حِكَمْ

 

تُريـــــدُ كلَّ الخيـــــول ِ مُطْلَقـــة ً

والرقصَ حتى الوصولِ دونَ بَرَمْ

 

طفولة َ العندليبِ مِنْ كَرَز ٍ

كُهولة َ العندليبِ تينَ عَجَمْ

 

تريدُ أنْ تَنتقي جواهِرَها

مِن مَنْجَمٍ ما تشاءُ منهُ نَجَمْ

 

القوسَ وشْمَ السَماء مِن قــــزَح ٍ   

والقوسَ فوقَ الكَمانِ عُرْسَ نَغَمْ

 

تُريدُ مِلحاحة ً، متى أمَرَتْ

بُرْكانَها أنْ يَثورَ، قال: حمَمْ

 

مُسْوَدَّةً هكذا مُنَقَّحَــــــة ً

مِدادُها لا يُطيقُ بُوزَ قلَم ْ

 

كمْ أهرقَتْ مِن نبيذِ زرقتِهـــــــا

في حوْضِ أسماكِها العميقِ وكَمْ

 

تَصيحُ: ذاتُ العمادِ غــــارقة ٌ

مَنْ ذا يُزيحُ الرمالَ، تلك إرَم ْ

 

هنا، هنا، مُنْتَهاكِ، إنَّ هنــــــــا

فرْدَوسَ رَمْيِ الشِباكِ: صَيْدَ نِعَمْ

 

وشاشةً في السماءِ مَرَّ على

لُجَيْنِها الكـــــوكبيِّ نَهْرُ أُمَمْ

 

حتى متى تُوغِلينَ ســــادِرة ً

سَبَّحْتِ أمْ تَعبدينَ كلَّ صَنَمْ؟

 

سَبَّحْتُ حتى سَدَرْتُ مُوغِلةً ً

مليكةً في المَجازِ بَيْنَ حَشَمْ

 

زرافة ً، جيدُها تُلَفِّعُـــــــــــهُ

غُيَيْمة ٌ في السماء ِ، أيّ شَمَمْ

***

جمال مصطفى

 

 

حسين يوسف الزويدتناشدني سلمى الرجوع إلى الشعر

و ســلمى - وأيمُ اللهِ - أيقونة العمرِ

 

ووجــدي على سلمى ثقيلٌ وباهضٌ

يؤرقني ذِكْراً ويـجثمُ فـي صــدري

 

ومــن أجل سلمى ما لقيت من الأذى

ومـن أجل عينيها صبـرتُ على المرِّ

 

فكــم عِشــتُ تهيامـــــاً وبــتُّ مــدلّهاً

كما بات (مجنونٌ) ولم يقض من وطْرِ

 

أقــول لسلمى والــدموع ســــواجمٌ:

لديَّ مـن الأعـذارِ عـذرٌ علـى عـذرِ

 

(ذريني فشعري صارَ لحناً بلا صدىً

يطـاوعني دمعـي ويخـذلني شعــري)

 

وسيري إلى الشرقاط نرثـي مدينةً

لهـا في كتاب العز أكثر من سـطرِ

 

ونبكــي زمانــاً كــم تغنــى بشطهـا

بهـا اقتـرن التـاريخ بالزهو والفخرِ

 

أغــاروا عليهــا مــن زنيمٍ ومـــارقٍ

فذاقَتْ جراحاً من ذوي الناب والظفرِ

 

فأوجعهــا شــنآنُ قــومٍ تجبـــــــروا

بغـوا واسـتباحوا كلَّ عـالٍ من القدرِ

 

تمادوا فجوراً في الأنام وأســــــرفوا

فكم عمهوا في الطيش فسقاً على غدرِ

 

و صبوا على آشور حقداً مروعــاً

فتباً لفعـل السـوء مـــن عمـلٍ نُـكْرِ

 

سلاماً على الشرقاط ما لاح طائرٌ

و برداً عليهـا كلما صَدَحَ الكدري(١)

 

رعــى الله فيها من ظلالٍ وفيـــــرةٍ

(يلوذ بها الحران مــن وَهَج الظهرِ)

***

د. حسين يوسف الزويد

..............................

الشرقاط مسقط رأسي ومهد صباي والشرقاط هي احدى أقدم مدن العراق العظيم وطني الغالي فهي أول عاصمة للدولة الآشورية بل كانت العاصمة الدينية للآشوريين وكان اسمها (آشوركات) أي (مدينة الذئاب) باللغة الآشورية وما تزال آثارها وآثار معابدها شاخصة للعيان على الضفة اليمنى لنهر دجلة الخالد وبمرور الأزمنة تحورت لفظة (آشوركات) لتصبح (الشرقاط) وقد عانت الشرقاط ما عانت خلال أيام محنة العراق الأخيرة فلها وفيها كانت هذا الكلمات.

(١) الكدري: هو ضرب من القطا يعيش في السهول .

 

صحيفة المثقفمن رحلة التأمل وعزلة الفكر 

باح الالهام بنوبات الأرق..

ورفض الحال المنقلب

 

على رمل الأماني ضاع فكْري

           ونامت في الثّرى أحلام عمري

على سحْتِ الشرائع  هاجَ نوْحي

                  رياح الظلم بالآثام  تَذري

فيا قوم العروبة كيف نامت

               ضمائركم على احقابِ وِزْرِ

تمَرغْتم  بِأدرانِ  الخطايا

                   وبات الشرُّ يغريكم بِيُسرِ

تبيعون الصلاة بليل فسقٍ

                 على سُرُرِ البغايا والتّعرِّي

تلاشت في متاهتكم فصول

                من الأخلاق في أدناس شرِ

أليس الدين منهاجٌ منيرٌ

                    بكل فصوله نبراسُ خَيرِ

يعزز  في الفؤاد فضيلَةً بال-

             وداد تُضيءُ شمعاتٍ بصدْري

ويا ويلي عليكم في جحيم الـ_

              ضَّلالةِ حالكم  بالعهر مُزري

متى تستيقظ  خيبات التّسالي

                فإن الجهل  فيكم بات يَفْري

تَدَنّستُم  بأفعالٍ لِئامٍ

                      تلطختم بأوحال وعِهرٍ

لما اندثرت معاني الفقهِ منكم

              وسحْتٌ صار يجذِبكم ويُغرِي

فكم من حسرَةٍ تجتاحُ قلبي

         على وطن العروبة جاشَ صبري

فيا ليت العِباد  تَرى سبيل ال

                 --رَّشادِ بعفَّةٍ وتُقى وَ طهْرِ

***

بقلمي ليان عامر

 

فتحي مهذبناداني تمثال باسمي..

كان أبي يطعمه خلسة

كلما زار المتحف..

يقلم أظافره..

يرشه بعطور نادرة جدا..

يسمعه مقاطع مذهلة جدا

من قصائد صلاح فائق..

لشحذ خياله البرونزي..

أحيانا يمنحه تذكرة سفر

ليكسر ايقاع الرتابة

ويزور غابات في مادغشقر

ويدردش مع قردة الغوريلا

ثم يقبل جبهته المثلجة

مثل ابن بار ..

أحيانا يدس في جيبه

عملات أجنبية

وقطع شوكولاطة..

تدوي ضحكته المجلجلة

حين يخاطبه :

سيكون لك شأن عظيم..

يا ابني الأثير

مات أبي مختنقا

بزخات ذكريات حرجة..

ظل التمثال يبكي

طوال الوقت..

حد ذبول عينيه الضيقتين..

يتنهد في خلوته..

لم يعد يتكلم

صار ضريرا

مسمرا في مكان حالك..

يعزيه سياح كثر

نزحوا  من بحيرة مهجورة..

هاهو يموت ببطء

لم ينتبه اليه أحد .

***

فتحي مهذب

 

صالح البياتيفي أجواء مشحونة بالتوتر، كنت أتسائل عن اقتراني السريع بسيناء، أكان بسبب ظروف استثنائية، وضعتنا في علاقة بغير إرادتنا، أم أنها الصدفة الجميلة والحظ السعيد، المشيئة الإلهية، كما يعبرعنها بالقسمة والنصيب، كنت منذ أن بدأت علاقتنا تنمو وتثمر، وستؤتي أكلها بالزواج، أتلهف لمعرفة ميلها العاطفي نحوي، وها انا الآن قد تأكدت أنها تحبني وتعشقني، وأنا أبادلها حباً وعشقاً، لا حدود لهما، ولا شطآن لمحيطهما الواسع، فماذا أريد أكثر من ذلك..!

في صباح اليوم التالي، حينما أنهينا افطارنا، وكنا نهم بالقيام من مائدة الطعام، أومأت أمي بيديها بحركة تدل على رغبتها بأن نبقى في مقاعدنا، من أجل ان تختم حكاية الفتاة ودميتها العجيبة، ورفعت نبرة صوتها، كي تشد انتباهنا وتثيرنا اكثر عند ذروة الحكاية..

إنفجرت الدمية، وإنقذف خنجر مرهف من بطنها، عند تلك اللحظة سمعنا إنفجارا قويا في سماء بغداد، أحدثته طائرة أف 16 إيرانية، كسرت حاجز الصوت، توقفت أمي، أمسكت صدرها، انبجس سائل قيحي اصفر كريه؛ من وراء ثوبها، صرخت متألمة، ثم وقفت متشنجة، وقالت سأذهب لأغير ملابسي، دخلت غرفتها، فساد بيننا صمت وترقب، صحت لتسمعني، أتحتاجين سيناء تساعدك، لم نسمع ردا، بعد قليل عادت الى مكانها وإستأنفت الحكاية..

كادت الفتاة المسكينة أن تغرز الخنجر في صدرها..

تهلل وجهها بالفرح، ورفت ابتسامة رضى على شفتيها الذابلتين، استجمعت قواها، ركزته في نبرة صوتها الذي رن كأجراس الانتصار :

"كادت الفتاة ان تقتل نفسها، لولا يقظة الأمير، الذي أنتزع الخنجر من يدها .." قاطعتها لأضيف:

" وتحذير بائع الدمى "

" الحمد لله.. لقد وهبني القوة.. وما تبقى من الحكاية شئ بسيط.. سيناء اتوقع انك ستعرفين النهاية "

قامت سيناء وقبلت امي وقالت

"  ماما.. نعم أنا اعرف نهاية الحكاية التي أعجبتني كثيراً، وهي باختصار..

أن الأمير بعد سماع قصة الفتاة، رق قلبه فتزوجها، وطرد زوجته المدعية التي انتحلت شخصية السيدة..

" وكيف عرفتِ ذلك؟"

" هكذا عادة تنتهي الحكايات القديمة نهاية سعيدة، وينال الأشرارعقابهم الصارم."

 قاطعت استرسال سيناء.

" ولكن من سيعاقب الذين أشعلوا الحرب، وسعروا نيرانها ؟

غيرت أمي الحديث عن الحرب، ولكن سؤالها أعادنا اليها كما يحدث عادة في لعبة الحية والدرج:

" هل نمتما جيدا ليلة أمس؟"

"  لم ننم، كان صوت تلفاز الجيران عاليا ينعق بأخبار الحرب، يعرض صور من المعركة عن بطولات وانتصارات جيشنا على الفرس المجوس، في ميادين القتال.. قالت:

" كنت مرهقة جدا فلم أسمع شيئا."

استدعيت من مخيلتي شخصا احاوره،  افترضته مكتهلا في أواخر الستينات، عليه سيماء وقار طاغ، جلست مطرقا امامه، افكر بما اطرحه عليه من اسئلة كانت تلح عليَّ منذ بدأت الحرب، فكان عليَّ اختيارها بدقة.. فكرت بصوت عال، فعرف بماذا افكر، اندهشت كيف عرف، قبل ان اصيغ افكاري على شكل اسئلة، ولشدة ارتباكي سألته بدون تحديد:

" أين نحن يا عم؟"

ابتسم كما لو ان كان يتوقع السؤال، ولكنه اراد ان يختصر الجواب على قدر الامكان.

" كما كنا من قبل، في نفس المكان الذي وجدنا فيه.. لم نغادره بعد...

وبعد صمت قصير، أضاف.. على الأقل حتى لحظة طرح السؤال."

" عفوا سيدي، هل افهم من كلامك اننا لا نزال نشغل الحيز من المكان ذاته، الفراغ الذي تشغله الأشياء!"

" نعم بني.. المكان والمكانة والتمكين.. الأشياء الثلاثة مجتمعة في نفس الوقت"

" وهل يرجع ذلك لإفتقادنا روح المغامرة والاكتشاف."

" نعم بني بالتأكيد"

"لماذا؟"

" الخوف من المجهول" 

فقلت في نفسي، اليس خوض غمار الحرب مغامرة كبرى، وعمل جرئ  ينفي الخوف.. فسمع ما افكربه، فأجاب

 " الحرب ارتماء بدون تفكير في احضان الماضي، لإيجاد مخرج من ازمات الحاضر، الماضي الحضن الآمن الذي يلجأ اليه الخائف عندما تعصف الرياح حوله، وقد ينقلب لعدو شرس، كما هو الحال في هذه الحرب الدائرة بين بلدين ينتميان لماض مشترك..

فأكملت كلامه مع نفسي

 "ولنفس المنظومة الفكرية والدينية تقريبا، فرجل إيران الكبير يلوي عنان التاريخ، يرجعه القهقرى، لأربعة عشر قرنا ونيف، فيختار شفرة اسلامية للحرب، " دفاع مقدس " تذكيرا بمعركة بدر، فيقول كما نُقل عنه: الخير فيما وقع.. ورئيس العراق القوي، يختار لحربه شفرة قومية، "القادسية الثانية"، استلهاما لأول معركة اندحر فيها الفرس على ايدي العرب قبل الإسلام.

انتهى الحواربينا، عندما لمحت على شفتيه شبح ابتسامة شاحبة، مرت كضوء خاطف، واختفت سريعا، احترت في تفسيرها، اكانت ابتسامة سخرية ام شفقة وتعاطف..

عدت لنفسي، أفكر بميزان الحق المتقلقل دائما، إحدى كفتيه العدل والأخرى القوة، واستقريت احداث التاريخ، فوجدت أن كفة القوة كثيرا ما تطغى على الأخرى، ونتيجة هذا الطغيان تحدث الحروب والمآسي في العالم.. وقلت في نفسي لذا ينبري الرجال الشجعان في كل عصر، يتصدون بإخلاص، وهم دائما في الصدارة لإنجاز هذا العمل العظيم والخطير.. المحافظة دوما على كفتين متعادلتين.. ولكن ماذا سيفعل الضعفاء المقهورين الذي هم اشبه بخشاش الأرض، عندما لا يجدون أحدا ينبري لهذه المهمة النبيلة! سيهرعون طبعا، وبلا أدني تردد، كما رأيتهم، الى مراقد الائمة..

نستطيع ان نختصرها بكلمتين “العدل الإلهي" المفقود على الأرض والمؤجل في السماء..

الأشياء التي قد تبدو تافهة، ولا قيمة لها بنظر الاخرين، قد تكون على العكس بنظر غيرهم..

اذكر يوما في مدرستي الابتدائية، كنت اثناء فترة الأستراحة والتي نسميها الفرصة، ابري قلم رصاص جديد، جاء تلميذ فخطفه مني وهرب، جريت وراءه، ولكن حين لحقت به لأستعيده، كسره نصفين ورماهما للأرض.. كان الولد أكبر واقوى مني، فلم أستطع ان افعل شئيا، شعرت بانسحاق قاهر.. كان قلبي تلك اللحظة يغلي بنار الغضب..

يا إلهي الرحيم، ان ذرة صغيرة بمقدار خردلة او اصغر من رحمتك الإلهية، تزرعها في قلوب الأقوياء، سادة العالم، كافية كي يسود العدل ويعم السلام، ولما كنا نعاني كل هذا العذاب الذي لا ينتهي.. كما هو عذابي حين اكتشفت ان لي أبا حقيقيا، هو  غير الأب الذي احمل اسمه..

عند تلك النقطة من الحوار مع نفسي، آثرت السكوت، التوقف، لان الاسترسال هكذا وبدون ضوابط عقلية، قد يقودني من تلابيبي للجنون، وكالمتلبس بجرم، يحاول انكاره، توقفت، كي لا اتهم بأني بدأت أكلم نفسي، وتلك علامة خطيرة، كبحت جماح خيولي المنطلقة في براري شاسعة لا حدود لها..

جاءت سيناء فأخرجتني من دوامة افكاري، ذكرتني بالخروج  للعشاء في أحد مطاعم المنصور الراقية، حين رأتني أهم بالدخول لغرفة امي، دخلنا معا، كانت في اغفاءة فاستيقظت، لترانا نقف امام سريرها، كانت ثمة ابتسامة تساؤل واستغراب، ارتسمت باهتة على شفتيها الذابلتين.

 جلسنا على الاريكة المريحة المسندة الى الحائط .

" جئنا لنشكرك، كانت حكاية رائعة حقا، أليست كذلك يا سيناء؟"

"رائعة وذات مغزى."

" قولي لي ماما، لماذا تخلى عني ابي الحقيقي موسى الكيال.. هذه قصة حقيقة اريد ان اعرفها منك!؟"

  استوت جالسة، وأعادت الشيلة السوداء لتغطي شعرها الناصع البياض، في الغرفة المضاءة بمصابيح الفلورسنت الشديدة التوهج، قمت فأسندت وسادة وراء ظهرها، وعدت لمكاني بجانب سيناء، رفعت رأسها الينا ونظرت الي طويلا.

"لم يتخل عنك"

استطرت تستذكر احداثا قديمة..

.. كنا نحن الثلاثة، أبوك وجدك وانا، في منزلة الكيال القديم، الذي تزوج فيه بشقيقتي أمينه، المرحومة أمك، كنت أنت نائماً، أشار جدك اليك، وأومأ الي، خذيه، نظرت اليك، كنت كملاك، فكرهت إيقاظك، فلما رآني لا أتحرك، انحنى عليك ليرفعك، فسبقته، وعندما اقترب وجهي منك، صحوت من نومتك، كنت تنظر إلي ويداك ترفرفان كجناحي عصفور، تخيلتك تلك اللحظة، تريد ان تطير وتحط في حضني، رفعتك وأخفيتك تحت عباءتي وخرجت. سألتها:

" لماذا فعل ذلك، لماذا تخلى عني!؟"

" ليس أبوك، بل جدك هو من أجبره على فعل ذلك.."

"لماذا!"

"لأن زوجة موسى الكيال، لم تكن تعرف بزواجه الثاني، كانت حينذاك تعيش في بغداد."

" هكذا إذاً طوى الرجلان صفحة أمي المتوفية بسرعة، ليمهدا الطريق لمجيء المرأة البغدادية."

" نعم هذا ما حدث، اتفقا وتفاهما فيما بينهما."

" لا بد انها كانت صفقة رابحة لصالح جدي، كم قبض من الكيال" لم تجب على سؤالي..

كنت أجهل تلك العلاقة التي كانت بين الرجلين، وخاصة المتعلق منها بزواج أمي، توقفت عند تلك النقطة، التي دار فيها الحديث حول المرحومة أمي، اختها الصغرى، ولكن استدعيت ما احتففظت ذاكرتي من معلومات عن مدينتي، فأنا اعرف الشيء الكثير، أجزاء هامة من فصول تاريخها، حينما كانت مستوطنة صغيرة، في أواخر القرن التاسع عشر، تحيطها مستنقعات تغطيها حشائش الحلفاء، الطرفة، البردي، والقصب، تعج بخنازير برية، ومرتعا للبعوض، ليس فيها بناء شاخص، بوسع المرء أن يراه مرتفعا عن الأرض، وقائما على أساس، عدا مبنى سراي الحكومة التركية، وبيوت موظفيها المتناثرة حوله، وإسطبلات خيولهم في مكان قريب يطلق عليه السوارية..

سألتها عن الجد الأكبر آغا كيال: أكان من ملاك الأراضي الكبار، فاستطردت في الحديث عن تاريخ العائلة الكيالية، عن الجد الأكبر آغا كيال، الذي جاء في زمن العصملي بصحبة ابنه الوحيد عمران الكيال، جدك لأبيك، لم يكن بوسع أحد حينذاك، مهما كان فضوليا ومحبا للاستطلاع أن يعرف من أين جاءا؟! أمن شرق، ام شمال.. أكان تركيا، شركسيا، أم فارسيا، لا أحد يعلم بأصله، الله وحده العالم بسره المكنون، وسرعان ما أنشأ علاقة متينة مع موظفي السراي، كان يسامر القائم مقام في ديوانه الخاص، حتى منتصف الليل، وقيل إنه كان يحمل توصية من والي بغداد، تمنحنه الحق بامتلاك أراض.. ولكن بعد أن أستقر به المقام بما فيه الكفاية، وصار إقطاعيا صغيرا، حاول أن يمد جذوره للتعايش والبقاء مع من حوله، مثل نبتة غريبة، فلم يستطع منافسة أقطاعيي العمارة الكبار، ذوي القوة والسطوة والأصول القبلية العريقة.. أولئك المستحوذون على أراض شاسعة، بحكم أنها كانت مشاعا، فنشأت الاقطاعيات الكبيرة، التي يكدح فيها الفلاحون كعبيد ارض تحت رحمة حفنة من الشيوخ، الذين استأثروا بخيراتها وتركوا الفلاحين في فقر مدقع، فاعتبروا الكيال منافسا غريباً وضعيفا، ولا ينتمي إليهم مطلقا..كالغراب الأبقع بين الصقور الجارحة..

" بل قولي كان متطفلا؛ ودخيلاً على بيئة عشائرية غريبة عليه، لا يفهمها ولا تفهمه. ولكن عُرفَ عنه، أنه أشتهر بالذكاء والسياسة..

" صحيح،  كان يوصف بهما، ولكن كان يتعين عليه ان يشتغل بالتجارة فهي مهنة اجداده، التي نشأ وتربى عليها."

" هل كان يتكلم اللغة العربية؟"

"والتركية والفارسية بطلاقة أيضاً، ويتفاهم بالهندية، وكانت لهجته العامية بغدادية اصيلة. كان بغداديا قحاً."

فكرت مع نفسي.. إذن قد يكون متحدرا من سلالة من التجار الشرقيين القدامى، الذين كانوا يجوبون البلدان من بحر الخزر حتى الخليج، وقد اختلطت دماؤهم منذ أجيال بعيدة، بالغزاة الذين تناوبوا على حكم العراق، منذ سقوط دولة بني العباس.

" اتشكين بأصله، ألم يكن عربياً!"

"  انا اعرف يا نوح! أنت أعرف مني بذلك، أنت تقرأ كتب التاريخ، أما أنا فقد توقف عندي الزمن منذ مقتل الحسين، وبعده عم الحزن البكاء."

" وكيف تعامل معهم؟:

"مع من؟"

"مع كبار ملاك الأراضي؟"

"إي.. أخذوا يضايقونه ويؤلبون الفلاحين ضده، حتى اضطر أن يتنازل لهم عن اراضيه.."

فكرت بما قالت، فعرفت انه تنازل عنها لقاء امتيازات تجارية، تمنحه حق احتكار شراء الحبوب من أراضيهم الزراعية.. فبنى مخزن كبير للحبوب في محلة السرية، وامتلك بيوتاً فيها، وبساتين في محيط المدينة، كل هذه الثروة الطائلة آلت في النهاية لأبي.. وأثناء احتلال الإنكليز، أستورد مكائن انكليزيه من بريطانيا، لجرش الحبوب وطحنها..

ذكرت لها شيئا مما اعرفه عن عائلة الكيال.

"ها.. أنت تعرف الشيء الكثير عنه، فلماذا تسألني؟"

" لأتأكد من صحة معلوماتي."

"أحكي ماذا تعرف أيضاً؟"

شرعت أحكي لها...

أن الجد الأكبر كان ذو ميول تركية قوية، أما ابنه عمران فقد عقد علاقة قوية مع القوميسير الإيراني في البصرة، مصالح تجارية، وشجع أهالي محلة السرية على تسجيل ابنائهم كرعايا للدولة الفارسية، أقنعهم أن ذلك يعفيهم من التجنيد الإجباري في الجيش التركي، والانخراط  في السفر برلك.. الذي كان الرجال يتهربون منه، كان التنافس التركي الفارسي على العراق، امتدادا للصراع الطويل منذ قرون، بين الدولتين الصفوية والعثمانية، ولكن في أول إحصاء رسمي للسكان، عندما جاء موظفو الحكومة العراقية الى محلة السرية، حيث كان منزله، دقوا الباب، فخرج لهم، رحب بهم وقدم لهم الشاي، وحين سألوه من أي رعايا الدولتين هو، قال انا من رعايا الدولة العلية العثمانية، كان ذكيا يعرف أن رعاياها سيكون لهم شأن هام، ومنهم ستكون الكوادر المدربة لإدارة دفة الدولة، لأنهم كانوا آخر من حكم العراق، قبل هزيمتهم في أواخر الحرب العالمية الأولى، على يد المحتلين الإنكليز.. وأعرف أيضاً أن والدي موسى الكيال كان ذو نزعة رجعية في البداية، وشديد التعصب للملكية، وفي غضون السنوات المتعاقبة، أخذ يتقلب مع السياسة حيثما اتجهت رياحها، حتى أنه انقلب على أفكاره، وتبنى أفكار ثورة 14 تموز، تشفياً بمصادرة الزعيم عبد الكريم قاسم لأراضي الإقطاعيين، وصار من أنصاره، والمتحمسين له، حتى أنه علق صورته في مكتبه، ثم أنزلها بعد إطاحته، واحتفظ بها مع مقتنياته الشخصية القديمة، وبعد ذلك أنطوى على نفسه، وآثر العزلة ومال للزهد، خاصة بعد غرق أبنه منير ورحيل زوجته وسفر ولده الدكتورممتاز للخارج..

شكرا لمتابعتكم

يتبع رجاء

 

صالح البياتي

.........................

حلقة من رواية: بيت الأم

 

 

سليم الحسنيفي بلاد الأرز، كان رفيق المعلم الأعسر، يملك القلوب والعقول، يُحطّم مغاليق الرؤوس، يخطبُ عقب كل صلاة في الناس، يُعلمّهم كيف يستخدمون عقولهم. كان يمسك القلم فيقتلع جبال الزيف، ويفتح ذراعيه يدعو للحوار، يتكلم فتعيش القلوب أمل الحياة.

خاف منه أباطرة النصارى واليهود، فهو يدعو أبناءهم الى كلمة سواء، ويهتف متحدياً بإعادة الأرض المقدسة الى أهلها، ومواجهة أساطيل الغزاة.

كان كلامه يتجاوز حدود الأرز، يسمع الناس كلمات صادقة، تُحرك فيهم العقول، تُبعدهم عن حكايا العنقاء والغيلان، تُقرّبهم من كربلاء الحقيقية.

أحس الأمير رضا بالقلق، فهذا الرجل صار سيد الأرز وما وراءه، ولو دام الحال له فلن يتحقق حلمه.

استعان بكاهن من بقايا أمة تاهت في الصحراء، حدّثه بما رأى في منامه، وما قصته عليه العجوز مفسرة الأحلام. وتوسل أن يعينه على مبتغاه، فهو يريد إتلاف قراطيس المعلم الأعسر وتمزيق عمامة سيد الأرز.

 قال له الكاهن:

ـ إني ورثت من أجدادي رأس سمكة اصطادوها في سبتهم، إنْ وضعته على أذنك وانت تستقبل الهيكل العظيم، فستسمع منه رأياً يعينك على مبتغاك.

فعل الأمير ذلك، وسمع همساً بأذنه، فعاد الى الكاهن يتعثر بالفرح:

ـ سمعت رأس السمكة يقول إستعن برجل من الهند، وإني سأكتب من ساعتي اليه كتاباً، فهو لا يعصي لي أمراً، وسأغطيه بالذهب وأحفظ جميله لآخر العمر.

...

عاد الى المدينة القديمة، دخل بيته، انزوى بغرفته، استغرق في التفكير، تحرك الثعلب في صدره، توقدّت الفكرة في رأسه، وبدأ التنفيذ.

كتب الى الهندي الدجّال، يأمره أن يتجه الى بلاد الري، فهناك يجد صناديق المال تحت تصرفه، ينفق منها بغير حساب، ليصنع فتنة الدُّهَيْمَاءِ.

كان الهندي الدجّال خبير زمانه في الفتن، قيل إنه صار خبيراً بها حين مشى على الجمر وزحف على التراب وربط سلسلة برقبته، ثم شجّ رأسه بسيف ذي قبضة من عظم الضبع، ورش على الجرح رماد النار. فلم يعد يجاريه أحد في صنع الفتن، ينفخ فيها كأنه التنين، ينقلها من مكان لمكان بسرعة فهد، ويضمر في صدره حقد جمل.

قرأ الهندي الدجّال كتاب الأمير، فقبله ووضعه على عينيه، وراح يدور على عدة بيوت ينثر دنانير الذهب والعملة الخضراء، فما يكاد يخرج حتى يتعالى الصراخ بلعن سيد الأرز.

بعث الأمير كتاباً آخر للهندي الدجّال، يعده بأنه أنعم عليه برضاه، وسيأتي عام من الأعوام يجعله على خزائن الديوان.

حلقات الرواية لم تنته بعد

 

عقيل العبودالمتسابقون لم يبق لهم الا بضعة أمتار، السماء كأنما هي الاخرى تنظر نحوهم، تعوم بفضائها المفتوح لتستوعب حضورهم جميعا، تضحك تارة، وتلتزم الصمت تارة اخرى، تلك الزرقة كأنما تعانقهم باتجاه هذا البساط المفروش بالأشجار والورد.  

الساحة تضج بالتصفيق، قلوب المتسابقين تخفق بسرعة هائلة، الجمهور البعض منه من المعنيين بلهفة ينتظر نتيجة الإعلان عن الفائزين، الأول تجاوز خط العبور، الثاني خطواته التحقت، الثالث بإرادة لم يعهدها من قبل، بقي محافظا على النتيجة دون ان يعرف انه قد احرز الفوز بالمرتبة الثانية ذلك بعد عثور المتسابق الثاني بطيات ارض تجاوزت سطح استوائها.

اما تلك الفتاة فقد بقيت نظراتها تختطف قلبه حتى اللحظة الاخيرة.

بعد ايام فقط سيفرح البعض ممن لم يحضر الى السباق وممن حضر الان بعقد قران احدهم.

تلك الواقفة بشعرها الاشقر المنثور وعينيها الزرقاوين وهي تصفق بحفاوة، لم يكن يعلم احد، بسحر تشجيعها، وتأثيرها عليه الا هو؛

كاد قلبه ان يتوقف قبل الوصول الى شريط الحافة، الحافز كانما منحه قوة هائلة وهو يصعق قلبه، اويحثه على الفوز، ذلك النبض عاد الى الحركة، بعدما اصطفت أقدامه وتشنجت تماما في حركتها. 

 تلك الدقات التي كانت تحول دون ان يتنفس بطريقة معتادة، تلك الصدمة التي كأنما انقذت حياته، كل ذلك جعل منه يهتف دون ارادة منه،

 الواقفة تلك التي اسارير وجهها، طريقة تصفيقها، صوتها الذي كانما راح يعانق الجمهور، لينحدر  عند الزاوية المتقاطعة، كانت فرحتها تفوق فرح الجميع حتى الفائز نفسه.

***

عقيل العبود

 

عبد الاله الصائغنفثة الى مصطفى العمري

وقد سألني من هو عبد الاله الآخر

 

ياروحي يا انا يا انتم

 انا لم اكتب قصيدة واحدة في حياتي

في بكائي في ضحكي لم اكتب قصيدة واحدة

في صلاتي في عشقي في خيباتي لم اكتب قصيدة

في سكري في صحوي

في شرودي في ذنوبي لم اكتب

في توباتي لم اكتب قصيدة واحدة

اكتب حين يستيقظ تحت جلدي طفلي

فيقول كلماتٍ لا افهمها

يأمرني ان اكتب فأكتب

آن أحذف ان اضيف فاحذف واضيف

ثمة قبل ان ينام أو أنام يأمرني ان انشر لثغاته في الصباح

فأنشرها ياصاحبي باسمي

وبعد البعد يا أنت !؟

أتريدُ دخولَ الروح ياروحي يا انا يا انتم لتعرفني

أتُريدُ دخولَ الروحِ لكيْ تُبْصِرَنِي

أمْ تكفيكَ جروحٌ تنزفُ مِنْ بَدَنِي

أم يُرضيكَ بأنيْ عريسٌ وثوبيْ كَفَنِي

ياروحي يا انا يانتم

مُذْ مخضتْنيْ الزرقاءْ

في النجفِ الصفراءْ

لم ألمحْ وَجْهِيْ

حدَّقتُ طويلاً في المرآةْ

لكِنِّيْ أنكرتُ الوجْهَ السَّاكنَ في المرآةْ

المرآةُ ماكرةٌ كالمرأةْ

وساحرةٌ كالـ.....مرأةْ

وساخرة كالـ... مرأةْ

حاولتُ مع البابليةِ ليلى

أن أُبْصِرَ وجْهيْ في عينيها النجلاوين

لكنّ البحرَ بعيْنَيْها وبَّخنِي

قذفتْني الامواجُ ولا ورقة توت

ليلاي بحقي دعيني أبصرْ وجهي في عينيكْ

فابتسمتْ تلثغُ ......

إمض ِبعيدا ً

 فانا أخشاكَ أخشى جمرةَ عيني تلسعها عيناك

وسألتُ الأحفادَ الأولادَ الأجدادْ

الطلابَ الاصحابْ

أحبابي سألتهمو والحساد

مَنْ منكُمْ شاهدني كي يخبرَنِي

من منكم يخبرني كي ينصفَنِي

من شاهد وجهي

لا أحداً ..

كيف أراني ياروحي يا انا يانتم

بحقِّ الحق عليك

سأموتُ

وأنا لمْ أُبْصِرْ وجْهي

لمْ أعرفني .

***

عبد الاله الصائغ

 

شلال عنوزلم أدر لماذا تذكرت أمي الآن !!

بعد أن شرب الماء ماءه

وخطب الجدب على منابر القحط

تذكرتها الآن

وأنا الذي امتهن التذكّر

ككل البائسين في بلادي الثيّب

مُذ تفاقم اليباس في شجر العمر

احتدم العقم في رحم الأمنيات

وأنا أحتلب ثديَ العقوق

أرقص على شفرة سيف الحَجّاج

أمضغ لُبان صلف التغرّب

في بلاد تسوسها شراهة المهرجين

تحرسها فيالق الدمى

يهزج في نوافلها الضجيج

تذكرتها ...و القرية النائمة على أخدود الشقاء

ولدت فيها باكيا صباح يوم نازف بالمطر

حينها قال والدي وهو يلقي( المسحاة) جانبا

ويضمني الى صلوات صدره  :

عوّضنا الله به عن أربعة أكلهم التراب

لم يبلغوا الفطام

ما أروع أن يزفني الغيث وليدا

في يوم غرس فيه والدي فسيلة النخل

التي خلّفناها وراءنا محنية الجذع تراقبنا ذاهلة

ونحن نفارقها بلا وداع

صبيحة يوم زاخر بالضجر

لمدينة قيل أن جدّي الأكبر

أول من أشعل فوانيسها

وجاور قبراً فيها ضمّ كل الأيمان

تذكرت الذين أغرقتهم ضراوة الرحيل

شربوا ظمأ غصة الفراق

ومازالوا يشربون من نهر القهر

هناك في أقاصي المأساة

في قريتنا  (التوثي) قبل خمسين عاما ونيفا

(سيد كريّم) يذرع الوقت على ضفاف صمت نهر (الميزر)

يمسك منسأة الزمن المعتوه

يلوح بسوءتها للغافلين

يتلفت حيث لايسمع سوى عنف صريرالقلق

لايرى غير مآتم ظلّ المشوّهين

الشابحة عيونهم في آنية

تستبدّ فيها سطوة الجوع

كان حالما كخيال الشعراء

يغني  غناءً ليس كالغناء

يمزّق أمعاءه بيُتم نواح مكلوم

يخرج من جوف  حنجرة

يحشرجها الأنين

صغار نحن , نشاكس وحدته

نرميه  بحجارة الغربة

نركض وراء هسيس عذاباته

نشاغب أجيج بوحه

و لايتعب عن مسبتنا

صارخا يا أبناء ال ......

لم  يمنعنا الموج الهمجيّ عن مطاردة سِفر تجلياته

قائمة الحرام الحلال تتدلى مشنوقة على شرفات التصحّر

اللغو البليد يتناسل في المدن الموبوءة بشراسة الجهل

العنت  الطفولي  يستصرخ  شهوة الشغب

يتشيطن الفضول

يوقظ  كوامن الأذى

الذي انتقل لنا بالوراثة

من فحولة الصحراء

طواحين الغباء تجتاح المدن الافيون

سكارى وماهم بسكارى

في تلك القرية التي أكلتها صرعات الفاقة

الناس لايقاومون من قيّدهم  بسلاسل الفقر

لم يجرّبوا فكّ شفرة القيد

بل يتلذّذون بعذاب التعساء أمثالهم

بلادي تتناسل في حيطانها رعونة الطغاة

شقوة النفاق

تعشش في خرائبها بشاعة الكراهية

أفانين الذبح المشاع

تتبخّر بدخان الهزائم الخيانات

فتستحم بدماء  ابنائها

بلادي مدمنة بقداسة التبعية

وتنصيب  الغرباء  أئمة

نكاية بالنسب !!!

تذكرت أمي الآن

آآآآه  كم أفتقدك يا أمّي

مازلت تبلّلين ريق لهاثي في مواسم الهجير

تشاكسين سوط ذاكرتي

في محطات الانتظار

هو جوع البكاء على دفء تراتيل صدرها

توق طفل  تجاوز غسق الستين

هو عطش البكاء  حين يفتك بك الجفاف

في تخوم البلاد العطش ياصاحبي

أمي لم تكن أمّاً حسب

كانت ينابيع عنفوان

تتفجر محبة في عنق الهجير

تأتزر صمت آهاتها

فتزق الشذا في نسغ المشاوير

تشعل مواقد الأمل في ذروة القنوط

وتنشد لعرس سيولد في الأفق

هي  مآذن مدن من حنان

قناديل نهاراتها تراقص خضرة الصفصاف

على ضوء حبها السرمدي

سأبقى أغني الأمل المنشود

لعلّي أجدُني

ولو بعد حين

ففي سفوح المواجع

سطوة الزمهرير

احتشاد الحسرات

يطوفني غبش ثورة الحلم

فأتمنى..

دفء حضن أمي

عذق نخلة أبي

ونهر المواويل

على شواطيء دجلة

 

***

نص: شلال عنوز - النجف

 

 

نادية المحمداويلطالما تمنيتُ إن تحملني الريحُ

كخيطِ دخانٍ ينسلُ عبرَ النافذةْ.

مسافرةً إلى أقاصي الجموحِ وحدي...

هذا سبيلي...

لا أعاتبُ قدري على ما أحاقَ بي

ولا أرعوي مهما اعتراني الأفولْ.

سأمتطي جموحَ أحلامي

إلى جنةٍ غرائبيةِ الصورْ.

وأدورُ في سمائها نجمةً قطبيةً شاردةْ.

تجرُ أذيالَ عرسِها المسحورْ.

على ثرى القيامةِ

كل من سبقوني صاعدين

كل من ارتقوا أجنحةَ الغيبِ

إلى الخلودِ قبلي

يتوافدون مسرعين

أبي وأمي وجدتي وأخي

وثلةٌ آخرون

يعرفُهم اللهُ بسيمائهم الودودِ.....

***

نادية المحمداوي

 

 

عبد الجبار الحمدييبحث عن سر وجوده عباس، فلكل مخلوق أساس وعرق دساس، ما أن يُخلق حتى يصبح مخطوط ضياع ينتظر أن يداس، بحكم طبيعة الناس من ولد فقيرا لابد ان يداس خدمة له ولبقية الاجناس، يسارع دوما متخطيا مهاترات عال صخب بين المركبات في زحمة الناس، يحمل مستلزمات حياته جيوب مدرعته التي جعلها خزانة عمره والمقادير التي تمخطت أنفها بفاهه فأبتلعه الى أن ضاع صوته و وئد لسانه في باطن خرس، لم تلقنه الحياة سوى السير حثيثا في أفرع طرق مظلمة وزلقة.. همه الجنون الذي أوجد منه عالمه الذي يمكنه ان يحاسب من يشاء بإشارات وبعض تف يكون مدفع رشاش للمنافق الغشاش، يكره الحياة ليس لأنها لفظته الى جب يسميه وطن، بل يكرهها لجور سلطة وكثرة الحراس... فعباس سليط اللسان بغير كلمات يكتنز شواهد أحداث عالمه في جيوبه مع رغبته المكبوته في الانفتاح حين يرى أن الأعوجاع هو العملة الرائجة التي يرغب بأن ينضم إليها لكن يوخزه ضميره الحساس، سعى جاهدا أن يدلي بصوته رافضا الواقع الجديد والدين الذي بات موديلا مستحدثا جديدا أطلق ذقنك، أحمل مسبحة، ارتدي الخواتم ثم اكتسب شرعية تجفف ماضيك الموبوء حتى يشهد انك إبن من رضعت العوز قنابل عنقودية وسفت تراب وغبار الاسلحة المحرمة ثم سبحت في بحيرات كيماوية شوهت حقيقة أن الله موجود وله القدرة على ان يوقف كل شيء، لكن عباس رفض كل ذلك فواقعه يثبت أن الله قد نسيه و وطنه مع جمع غفير من الخلق الذين يقطنون فيه، كونهم مسلمين مزيفيين لا يؤمنون إلا بوجود عبدة الارباب الانجاس حثالة ارذل الناس... بحث عباس طويلا عن إبن فرناس كي يصنع له أجنحة يطير بها خلاصا عن هكذا أناس، فتوصل قناعة ان في عالمه من يرغب ان يشرب السم في الكاس أو يزرقونه له مع الخبز ثم يضربون الاجراس ليعلنوا مجانية أكله بلعا دون أضراس.. إسوة بعباس الذي لا يمتلك أضراس بعد ان قلعوها له حين كتب على الحائط وجعل منه قرطاس .. الحرية في وطني مداس.. السلطة داعرة يلوط بها الانجاس.. الدين عمامة عرقها دساس.. فلا مناص اننا نتحسس فكلنا على بعضنا نتجسس فالوضع بات طباق وجناس، فمن له رأس حمار حوله الشعب يتكدس، طرطوس ممسوس عطاس، هكذا بات حالنا نضرب بعضنا بعض وهم يضربون كيلا أخماس في اسداس .. فأكثرنا يلفظ آخر الانفاس عار دون لباس بعنوان شهيد وضع أهله محتاس... ضاق عباس بما يدور حوله واختنقت في صدره العبرة والانفاس، فجيثوم الوسواس الخناس قابع كالنخاس، ركب صهوة كومة من الاكياس.. صرخ عليهم بلسان إشارات مجنون اخرس... ضحكت تلك الوجوه التي صفعت بجبنها السلطة بالمداس، فأشار بلغته باكيا... أتك يا عمري المياس لفيتك في وطن لا يمسه المساس، بعيدا عن كل من ارتداك نعلا دون قياس، فالمتناس من الناس تسارعوا تكالبوا على نهبك دون إحساس، غرفوا من باطن قدرك ثرواتك دون ملاس، نفخوا فيك نار حقدهم بالمنخاس، شرعوا دستور بقرطاس وكراس يُفصل لهم أرضك دون إلتباس ... أما الشعب فقد أستأنسوه وصار جاهزا لأي إفتراس.. هل فقدتم الحواس أيها الناس؟ أم لا زلتم تنتظرون من يجيء لكم بالخلاص؟ شرفكم، كبريائكم، ارضكم، عرضكم، حرائركم مستقبل ابنائكم بيعت على يد أكبر نخاس وانتم في طمث ولاداتهم بإنغماس فعرقهم دساس دكاس، أين انتم من وطن ساقته العروض حيث السائس السواس الدحاس قارع الطبل وشارب الكاس؟ اقول لكم دون اي التباس إننا نتجمع تحت أي شعار دين بأكداس، ليس حبا أو لا ورعا إنما فرصة للإرتكاس والانطماس، موبوء جسدك يا وطن وسبب وباءك القرحة والبنكرياس... يا ناس تف لكم ولحياتكم يا من ارتضيتم الكناس رياس، وصاحب النسناس وراقص الطاس، يبللكم الفقر والخنوع وهو على البحر يستجم بالاستشماس هنا في جزر البهاماس، مفتحة ابواب الجنة لهم وجهنمكم متربس بترباس، حرفوا عليكم الكلم فشيطانهم علاس عرناس يحثكم ربط أحزمتكم على الجوع والتقشف حتى ينال منكن الدهاس العفاس الهلاس، فلا قائمة تقوم لكم بعدها ولا رحمة بإلتماس... هنيئا لكم ما انتخبتم من الديماس الهواس وهنيئا لهم البسابس نهارها حين يتنفس وليلها النواس عندما يتعسعس..

أوصيكم ونفسي بالمواضبة على الإبتئاس فهو العلاج الناجع لوجع الراس، فحالنا مزري نرى الخطيئة ثم ندلس... لا ضير نقول ما دمنا نحتفل كما يقول العم سام بالكريسمس ونذبح أضحيتنا أنفسنا ثم في سوبها نترع ونغمس، يا لعاري أنا المجنون الاخرس أعي ما لا تعون ... غير أني ادرك ما تعانون هلموا سارعوا فمثلي قدوة لكم فأنا أول بسباس درباس لا يعي عن عالمه سوى الانطماس والطسطاس.. هلموا دعونا نرقد على بويضاتنا كالدجاج علها تفقس بغير جيل فَقّاس معياس لا يحيط بهم من كل جانب سلطة و الحراس.

 

بقلم/ عبد الجبار الحمدي 

 

مصطفى عليالمَقام العراقي

والچالغي البغدادي

 

بكى (النسْطورُ) أنغاماً فريدَه

                     ليالينا بها سكرى سعيده

فهل لِلْ(الجوْزَةِ) الجذلى جوابٌ

                 يُعيدُ الأُنْسَ للروحِ الشريده

أ يحْدو (الرَقُّ) إيقاعَ الليالي

               و يرجو (طبلةً) في أن تُعيده

بِدمْعِ الوجْدِ طرّزْتُ القوافي

                وشاحاً يعتلي هذي الخريدة

الى بيْتِ (المقامِ) و مُنْشِديهِ

                 لِتنْشُرَ عِطْرَها أبهى جريده

فَللْ (تخْتِ) العراقيِّ إشتياقٌ

                     لبغدادَ التي أمْست بعيده

فمرحى للّذي يشدو مقاماً

        وَ يُعْلي في الورى صوْتَ القصيده

مقاماتُ الهوى فيها تراثي

                   و فيها روحُ بغدادَ العنيده

و مَنْ لم يرْتشفْ منها مقاماً

                      بليدٌ يرتدي روحاً بليده

إذا غنّى (الصَبا) أبكى فُؤادي

                   وَ لِلْـ(سيْگاه) آهاتٌ مديده

وَ إِنْ غنّى (بياتاً) لا تَلُمْهُ

                  إذا ما قطّعَ الحادي وريده

أبو (يعگوب) يُشْعِلُها (حِجازاً)

                 وَ يلهو في سِدارتهِ المجيدة

ينادمُ بال(نهاونْد) الندامى

         و يرمي بال (نوى) مهجاً طريده

ألا سُقياً لِألحانِ الغزالي

                    و ذكرى كُلَّ أُغنيةٍ فقيده

أ ينْسى (ألهالُ) (عزّاوي) مساءا

         و سحُرُ الشايَ في المقهى العتيده

على يُمْناهُ (شعّوبي) ينادي

                 على بغدادِهِ الثكلى الشهيده

و يصرخُ أيْنَ شاعِرُنا النُواسي

                  لكي يُعنى بِلحني أو يزيده

مضى (زريابَ) محْزوناً فأحيا

                  بها (عُثْمان) ذكراه التليده

بِإنشادٍ أفاقا بعدَ سُكْرٍ

                   و كُلٌّ أرضعَ الدنيا نشيده

سلوا (مُلّايتي) الخجلى (صديقه)

               و ما أوْحتْ لجارتها (فريده)

كفى فخراً فتاةٌ إذ تُنادي

                    بِحقٍّ ضائعٍ كي تستعيده

إذا ما صاحَ مُحتالٌ فخورٌ

                يرى النسوان حُلّته النضيده

تضاحكْنَ إنتصاراً هاتِفاتٍ

                        معاذَ أللهِ ما كنا عبيده

فغنّت شهرزادُ لِعاشقيها

                تناغي شهريارَ لكي تصيده

و مالي كُلَّما غنّوا مقاماً

               زَهت في النفس ألوانٌ جديده

و صارت كلُّ أطرافي خفافاً

                  و كانت قبلها كسْلى وئيده

و هاج الرقص في بدن المُعنّى

                     طروباً هزَّ كتْفيهِ وجيده

فيسْلو بُرْهةً أسمى وَقارٍ

                    و تجفوهُ رزانتُه الوطيدة

قديماً قيلَ في ألالحانِ سحرٌ

                يغذّي الروحَ أسراراً عديده

يناجي كلَّ صبٍّ مُستهامٍ

                 و يسْتهويهِ في أحلى مكيده

حصدْنا بيدرَ الانغامِ حَبّاً

                و قلبي طائرٌ يهوى حصيده

حلالٌ في الهوى سحْرُ الأغاني

                     بها نزدانُ أذواقاً حميده

غريبَ الدار هل تنسى عِراقاً

               و هل تنسى المها فِيهِ وغيدَه

لأيّامِ الصِبا تشتاقُ روحي

                    كمفجوعٍ بكا حزْناً وليده

غراماً يسلُبُ العُشّاقَ وعْداً

                    ويسقيهم بلا عدْلٍ وعيده

فمهلاً سادتي أضحى فُؤادي

             صريعَ العشْقِ في الدنيا عميده

أنا المسكون في أشقى بلادٍ

                    كأنَّ الحبَّ دينٌ أو عقيده

و نارُ العشْقِ تكوي قلب صَبٍّ

                  فماءُ النهْرِ لم يُطفئ وقيده

أحقّاً سادتي صارتْ بلادي

                 مزاراً أتعبَ الباغي مُريده

أرى الأوطان بالأعياد تزهو

             سوى وطني الذي سلبوه عيده

***

مصطفى علي

 

نور الدين صمود**المطلع**

نُـغَـنّي لإفريقيا الصامدهْ**ونـَروي لأجيالها الصاعدهْ

حكايـةَ أمجـادها الخالدهْ.

****

وبالشمس نمحو ظلامَ القرونْ*ونملأُ بالنور كلَّ العيونْ

ونبدأُ عهدَ الإخا والسلامْ **وندعو الجميع لنشرِ الوئامْ

ونشـدو لأفريـقيـا المادهْ***نـَـشيدَ عُهودِ الصّفا الماجده

*****

**

نـُغني لأفـريقـيا الصامدهْ....

**

**المقطع الأول* *

جعلنا ليالي العبيدِ صباحْ ** تُنَوِّرهُ بالضياءِ الشموسْ

وراحتْ عهودُ البُكا والنواحْ ** وقد رفع العزُّ كلَّ الرؤوسْ

سنشرَبُ نخْبَ انتصاراتِنا** ونقْرعُ في العيدِ أحلى الكؤوسْ

ونكتُبُ في سِفْرِ أمجادِنا ** سطورًا منَ المجدِ تُحيِي النفوسْ

نـُغني لأفـريقـيا الصامدهْ....

***

رفعنا مشاعلَ هذا الوطنْ**فشعَّتْ على الكونِ مثلَ المنارْ

ورُحنا نبدِّدُ عنه المِحَنْ **ونمحو الظلامَ بنورِ النهارْ

وننزع، بالعزم، عنّا الكفنْ **ونتّخذ الشمسَ أحلى شعارْ

ونصدحُ كالطيْرِ فوقَ الفـَنَنْ **إذا راقه الجوُّ غنَّى وطارْ

ونحكي لأجيالنا الصاعدهْ **حكايـةَ آمـالنـــا الــواحـدهْ

 نغني لإفريقيـا الصامدهْ ...

**

**المقطع الثاني**

**

نُقدِّسُ حقَّ جميعِ الأممْ ** وآمالَها في حقوقِ البشرْ

ونرفعُ روحَ الإخاءِ علمْ ** يُرفرفُ فوقَ روابي الظفرْ

ونسعَى لنبلُغَ أعلى القممْ ** فإنّا سئمنا حياةَ الحُفَرْ

وإفريقيا شعبها قد عزمْ ** وبالعزمِ لا بدَّ أنْ ينتصرْ

**

وأسطورةُ اللونِ صارتْ لنا ** سبيلَ الإخاءِ وعمقِ الودادْ

وإنْ غمرَ الكونَ موجُ السَّنا ** فلنْ تُبصرَ العينُ دونَ سوادْ

نُقدِّسُ في الكونِ ميثاقنا ** ففيه تَساوَى جميعُ العبادْ

ومن أجلِ تحقيقِ آمالنا ** سنرفعُ أعلامنا للجهادْ.

**

وقُوّتُـنا في الحِمَى سائدهْ**بها نُوقِـدُ الشعْلةَ الخامدهْ

نغني لإفريقيا الصامدهْ**ونروي لأجيالنا الصاعدهْ

حكايةَ أمجادنـا الخـالدهْ

**

**المقع الثالث**

سعينا لتحرير أفريقيا ** ونسعَى لتحرير كلِّ الشعوبْ

ستشدو وترقصُ أفريقيا: ** ليحيَ الشمالُ ليحيَ الجنوبْ!

وللشرقِ والغربِ نبغي السلامْ ** ونملأُ بالحبِّ كلَ القلوبْ

ونسعى لنشر الإخا والوئامْ *** ونُبْدِلُ بالوردِ شوكَ الدروبْ

                                * ** *

نُدافعُ عن كلِّ حقٍّ سليبْ *** ونسعى لمستقبلٍ أفضلِ

ونطرُدُ كلَّ دخيلٍ غصــوبْ *** ووحدتُنا غايةُ المأْمَلِ

ونُطْلِعُ في الكونِ فجرًا جديــدْ *** بـأنــوارِهِ لـيـلُـنــا يـنـجـلي

ونُنْشدُ في الكون أسمَى نشيدْ *** يـــُمثـــلُ حُلْمَ الغدِ الأمْثَلِ:

**ختام**

عزيمةُ أجيالنا الصامـدهْ***على عمقِ وحدتِنا شاهدهْ

نغني لأفريقيا الصامـدهْ***ونروي لأجيالنا الصاعدهْ

حكايةَ أمجادنـا الخـالدهْ

***

أ. د: نورالدين صمود

...................

نشيد منظمة الوحدة الإفريقية

ألف هذا النشيد سنة 1986 ، بطلب من الرئيس الثاني لجمهورية السينغال آنذاك ورئيس المنظمة في تلك الدورة، تطبيقا لما أوصت به الدورة التي سبقتها لها، وقد دعا ثلاثة شعراء من إفريقيا يمثلون البلدان الناطقة بالفرنسية والأنكليزية والناطقة بالعربية، وطلب منهم تأليف نشيد يكتب بثلاث لغات: العربية والفرنسية والأنكليزية فيه التعبير عن ماضي إفريقيا وحاضرها ومستقبلها، وقد ألف شاعر من (جزر موريس) النص باللغة الفرنسية، وألف شاعر من الحبشة النص باللغة الأنكليزية، وقد قام شاعرنا بتأليف النص العربي وقام بتلحينه الموسيقار الليبي " حسن العريبي " وغناه في الجلسة الختامية لقمة المنظمة الإفريقية، وهذا نصه:

 

عاطف الدرابسةقلتُ لها:

هذا الجسدُ

تحتشدُ به أقسى أنواعِ السُّمومِ

كأنَّها مظاهراتٌ شعبيَّةٌ

أو عصيانٌ مدنيٌّ

أو اعتصام ..

*

كلُّ الشَّرايينِ

إلى القلبِ والعقلِ مُغلقةٌ

وكلُّ الدِّماءِ

التي تسري فيها فاسدة ..

*

هذا الجسدُ

ينتظرُ الموتَ الجميلَ

الموتَ الذي يُعيدُ إنتاجَ الحياةِ

وينقلنا إلى الشَّاطئِ الآخرِ

بأمان ..

*

لا تسألي يا حبيبةُ :

كيف يكونُ الموتُ حياةٌ

وكيف يكونُ الموتُ عزاء !

*

سرِّحي النَّظرَ

في الشوارعِ والمدنِ

في الأزقَّةِ والقرى

وكلِّ الآفاقِ المجهولةِ والمعلومةِ

في وطني !

كم هي شاحبةٌ

كم هي سوداء

بلونِ العراةِ

ولونِ الفقراء !

 

لِمَ تغيَّرَ لونكَ يا وطنْ

فصارَ بلونِ الخوفِ

ولونِ الظَّمأ ؟

*

لِمَ تغيَّر عطركَ يا وطنْ

فأصبحَ كرائحةِ الرُّعبِ

أو العفن ؟

*

من أين جاءتْ هذه النَّباتاتُ الغريبةُ

لتتفتَّحَ على سطوحِ السُّهولِ

ومعارجِ الجبال ؟

*

هذا الشِّتاءُ الغزيرُ

الذي يسيرُ في شرايينِ الوطنِ

لا نجني منه سوى الموتِ

أو التَّعب !

*

ما أطولَ الطَّريقَ إليكَ

وما أقصرَ الزَّمن !

فكلُّ الزُّهورِ المهاجرةِ يُراقُ دمُها

على شراشفِ أسرَّتِهم

في اللَّيالي الحمراء !

*

كلَّما قلٌبتُ الجسدَ

لا أجدُ إلا الجِراح تزدحمُ فيه

كازدحامِ الأطفالِ في المدارسِ

أو كازدحامِ الدَّعاوى

في المحاكمِ الشرعيَّةِ

أو غيرِ الشَّرعيَّةِ !

*

كم تحملُ أيُّها الجسدُ من ذكرياتٍ

حزينةٍ أو حزينةٍ

كأنَّها مقابرُ جماعيَّةٍ للفقراءِ

على مرِّ العصور

تتراكمُ فيها الآلامُ

كأنَّها الجبالُ

تُقيمُ فيها أسرارٌ وأسرارٌ

كأنَّها أساطيرُ الفراعنةِ

أو اليونان !

*

وداعاً أيُّها الجسدُ المسَّمومُ

فكلُّ المواقدِ مُطفأةٌ

وكلُّ الممرَّاتِ إليكَ ضيَّقةٌ

فلا تسألني عن شمسِ الشِّتاءِ

ولا تسألني عن شمسِ آذارَ

فكلُّ الشَّموسِ التي تُشرقُ عليكَ

مُحرِقَة !

*

هامشٌ:

ما زالَ هذا الجسدُ المسمومُ يبحثُ عن الموتِ الجميلِ

فهل تسمحينَ يا حبيبةُ أن تَهبيهِ قلبكِ مقبرة ؟

***

 

د.عاطف الدرابسة

 

جميل حسين الساعدياختار أحد الملحنين العرب المقيمين في ألمانيا هذه الأبيات

وغنّاها بصوته وهي من قصيدة طويلة

ألقيتها في إحدى الأماسي ألأدبية في برلين .

 

تاهتْ خطايَ وقلبي خابَ مسعــــــــاهُ

أوّاهُ ممّــــــــــا ألاقــــــــــي منكِ أوّاهُ

 

قدْ قلتِ لــي إنَّ هـــــذا الدربَ يجمعنا

فكيفَ أنكرني لمّـــــــــــا سلكنــــــــاهُ

 

الحبُّ ليسَ هو الأهواءُ طائشـــــــــــة

فكيفَ يجتمـــــعُ الشيطــــــــانُ واللـهُ

 

حبٌّ كحبّك شــــئٌ لســتُ أفهمــــــــهُ

لوْ أستطيـــــــعُ بأن أنســـى سأنســاهُ

 

شكوتُ لمْ أجْــــنِ بالشكوى سوى ألمٍ

صبــــرتُ حتّى شكاني الصبرُ والآهُ

 

مســافرٌ أنا قدْ ضيّعتُ قافلتـــــــــــي

ومُبحـــرٌ ليس يدري أيـنَ مرســــاهُ

 

أنــا الغريبُ الذي في الشرقِ مولدهُ

لكنّمـــــا فــي بلادِ الثلجِ سُكنــــــــاهُ

 

أرادَ بالحُبِّ أنْ يُنهـــــــي تغرّبَـــــهُ

فزادهُ الحبُّ منفــىً جنبَ منفـــــــاهُ

 

كنورسِ البحرِ يبكـــي وحْـدهُ ألمــا ً

والبحرُ يهـــــدرُ لا يدري بشكـــواهُ

***

https://www.youtube.com/watch?v=U0vJf9O4vJk

 

جميل حسين الساعدي

 

 

شذى الاقحوان المعلمألا يا اخضرار العمر كم خانني برق

                         إذا ما تماهى في حياتي كبسمتي

وقد عزني إهمال من في حشاشتي

                        يرائي فأنأى عنه صون كرامتي

وكم من ليال عشتها دون سامر

                         وحيدا أهاب الناس تسعى أذيتي

جميل بدا يختال حسناَ كما أبي

                    بلا .. في سبيل الحب أسلمت رايتي

أراني ووجدي هائم حين يختفي

                           كأني ببحر غارق ... وسفينتي

فأقسمت الا أهدي زهوري لغيره

                مدى الدهر مادامت ترى الضوء مقلتي

وأشكو هياماَ بي وكم تطرب الشذا

                          لا أهلاً .. توافيني وتلقى تحيتي

و يا حبذا همس بحرف ومبسم

                              ويا حبذا عشق يزيد بعزتي

هو الروح للأيام بل غيث ديمة

                    إذا أمطرت حباً على أرض همستي

***

شذى الأقحوان المعلم

 

 

صحيفة المثقفالى الزميلة بشرى البستاني

البقاء لله

 

حين يصرخ القلب

وتصمت العيون

حين يندس الأسى تحت الأظافر

يقرضُ يقرضْ

حين يرتجف القلم

لاعناً موجة الذكريات

حين يتبدد العمر

كعطر نفته الزجاجةْ

والأماني معلقة .. تجفَّ

فلا نسغ في الشجرة

ولا عيب في أحاجي الشتاء

يرقد الموت على مُكثٍ

ليرتجل النواح

حين ترتحل الجراح

من وطن لآخر

على خرائط الجسد

يمتري المرء

أساطير الكفاح

مضيفا الى سفره

صفحات أُخر

كيما يليق

بمرمرة شاهدةْ

يحتضن الطفولة دمية

ويدّكر الشباب

يطوي الخطايا

وأستار الجنوح

يمحو ويطوي

لهيب الرؤى .. سويعات الجموح

مضى كل شيء كغيمة

وأمطرت السماء ضفادعها

على مقل السنين

لابأس ... لا بأس

فما عاد في الجبِّ غِيلان

وما من سعالى

تذبُّ عنّا الموت

والنسيانَ

وسقط المتاع

*****

سمية العبيدي

29 /1/2019