سجال الركابيكيف يجرؤ الفجرُ أن يتنفّس

ولست َفيهِ أول شُعاع...!

لا تسلْ عن لون عيوني …إسأل …شظفَ لقاء

مواعيد الشمس رمال فكيف تُبحرُ الأمواج؟

دثِّر قلقي رقائقَ حُلمٍ عذراء الزرقة

ربّما…. ربّما

يعزفك شوقي المتكوّر في طرف القفصِ

تراتيل شعرٍ بنكهةِ غرق….!

وربّما

أخضّب آهاتي بندم:

(أنّك متربّع على عرش عصيّ على تفسيري)

أو:

(أنت شهيق روحي)

أو:

(أنا العامريّة وأنتَ دون جوان)

وأخيراً

(دعنا نحلّق معاً في سموات عصيّة على التفسير)

***

سجال الركابي

14.6.2021

........................

* البرزخ كلمة فارسية الأصل معناها مكان يفصل بين شيئين أو حالتين

 

الحسين بوخرطةفي يوم مشمس صيفي، اشتريت خشب أرز بلدي. أشبعته زيت صيانة دائمة. قطعت القطع النافعة واحتفظت بالباقي. توجهت مع صديقتي إلى مقبرة أرواح العفوية. وصلنا إلى المكان المعد مسبقا لاحتضان مراسيم الفراق المؤلمة. سمرت جوانب صندوق وقاعه بمنطق المقاومة لآفات الزمان وأجيال ديدان التراب المحتملة. صنعت نعشا بصلابة المناعة المطلوبة، رشته معي صديقة بماء الزهر والرياحين، وساعدتني بإفراشه قطنا. وضعت فيه جثمان الغفلة والتماهي والتهور، ودققت آخر مسمار إغلاق على واجهته العليا. وجهته القبلة، قبلت زاويته اليسرى ترحما على ماض كان سعيدا مبتهجا، وصليت عليه صلاة القداسة. اشرأبت بفعل كلمات أنوثية عشوائية وملتوية مشحرجة اعتبرتها رثائية.

ناديت الصديقة، والتمست منها مساعدتي على إنزال النعش إلى مثواه الأخير. فعلت متمتمة بكلمات غير مفهومة. انتهى المهام. طردت غبار التراب عن ثيابي صعقا بقلق اصابع اليد، مسحت حذائي من رذاذ غبار أبيض، ابتسمت صديقتي، وقررت أن أكون إنسانا آخر، ليزلزلني سؤال غريب: أي قدرة لاتخاذ هذا القرار؟

***

الحسين بوخرطة

كفاح الزهاوياستيقظت من النوم ولا زلت اشعر بالنعاس. قفزت من الفراش بتنهيدة وتثاؤب بصوت مرتفع مع إصدار نغمات نشاز كلما صفقت على فمي بأصابع يدي المتراصة.

كان صادق الفلاح القروي في الخمسينيات من عمره قد أرسل ابنته الصغيرة ذات عشر سنوات الى مقرنا في وقت الظهيرة، طالبا المساعدة الطبية، لأن زوجته كانت تشعر بوعكة صحية. اتخذت استعداداتي وتوجهت الى منزلهم المتواضع، كان قد بناه بنفسه من الصخور والطين على الهضبة المطلة على مقرنا. المنزل يتكون من غرفة واحدة يتوسطها موقد. وإلى جانب الغرفة، كوخ صغير كان يؤدي وظيفة المطبخ.

بعد ان انتهيت من فحص زوجته. قدموا لي قدحا من الشاي. وفي هذا الاثناء دخل شاب وهو بيشمرگة ينتمي الى احدى الاحزاب الكردية التي كانت تتواجد قواتها في نفس الوادي. كان نحيل الجسد، عيناه غائصتين في محجريهما، ضامر الوجه، يخفي تحت بشرته حزن عميق. يلبس معطف غامق اللون.

رحب صادق به وقال:

- اهلا بك يا دكتور. تفضل بالجلوس.

أجاب بصوت خفيض:

- تعيش.

ثم جلس قبالتي وعيناه تحومان الغرفة بتفحص كمن يلقي على أجوائها نظرة الوداع. ثم ارخى نظره إلى الأرض، كاد اليشماغ ان يسقط من فوق رأسه. ورغم ذلك لم يرفع عينيه نحوي. بينما صادق طلب من ابنته تقديم الشاي إلى الضيف.

وأردف صادق وهو يوجه كلامه الى الضيف:

- زوجتي كانت تشعر بالتعب منذ يوم أمس، الشكر موصول للدكتور مهند من بيشمركة الحزب الشيوعي العراقي الذي لبى الطلب واعتنى بالأمر.

عندها رفع رأسه والقى نظرة سريعة نحوي مع هزة رأس خفيفة بطريقة كمن يقول مفهوم.

ثم أضاف صادق كمن لا ينسى خدمات الاخرين ايضا:

- دكتور بهزاد كلما يأتي الى هنا يساعدنا إذا احتجنا الى المساعدة.

بهزاد كان رجل في الثلاثينيات من عمره. وهو معاون صحي. جاء مع مفرزة الى المقر التابع لحزبهم في مهمة عمل.

وفي تلك الجلسة القصيرة ترك في نفسي انطباع انه انسان غامض وغير ودود، لذلك حاولت التجنب وعدم الخوض في أي نقاش ودي معه. بعد ان احتسيتُ الشاي، غادرت المنزل.

وفي اليوم الثاني في الساعة الثانية ظهراً وبينما كنت في زيارة لمقر حزبهم تناهى إليّ أصوات تشي بالشجار، عرفت فيما بعد ان بهزاد هو أحد اقطاب التناحر في هذا التراشق الكلامي مع بعض من رفاقه داخل المقر واستولت عليه بغتة رغبة جامحة في ان يغادر المقر عائدا إلى مكان إقامته في مقر آخر، رغم مناشدات البعض لإيقافه عن اتخاذ خطوة قد يندم عليها وأخبروه بمخاطر الطريق.

عند خروجه من الغرفة، كان سلاحه من نوع الكلاشينكوف الروسية قد علا كتفه والغضب يغمر عينيه، ووجهه متجهم حد الانفجار.

كان يوما ثلجياً عاصفاً. رحل وحيدا في هذا الطقس المُهلك، رافضاً الاذعان الى النصائح، بل أصرَّ على العودة بعناد مستميت الى مقرهم والذي كان يبعد بحوالي أربع ساعات سيرا على الاقدام في الأيام المشمسة.

اعتراني قشعريرة في جسدي وانا التمس قراره الخاطئ بمغادرة المكان في ظل هذا الجو العابس الكئيب والمغبر، في شق طريق غير واضحة المعالم وهو يعاني من حالة نفسية حادة، وقد تراءى لي كمن يفكر بالانتحار.

كنت ابحث عن تفسير مقنع لغضبه الذي اشتدَّ في لحظة، وقدرته الذهنية في مواصلة المسيرة لوحده في تلك الوديان العميقة التي تغدو خطرة عندما السماء لا تنقطع ثلوجها عن السقوط. لابد وأن تركيزه منخفض ورؤيته شائبة وفكره مُضْطَرِب. كل تلك العوامل بمجملها كانت كافية في ان تلقي به في متاهة شاقة.

وفي صباح اليوم الثاني توقفت الثلوج عن الهطول والسماء كانت صافية كالزجاج، والشمس تضيء بقوة خاوية من الحرارة، وكأن السماء لم تكن قبل عدة ساعات في حرب ضروس مع الأرض وهي تغرقه بوابل من ندفات الثلج.

خرج صادق في رحلة الصيد كعادته بعد ان تناول فطوره الدسم. لم يدم مكوثه طويلا في رحلته تلك حتى عاد أدراجه بسرعة لينقل خبرا سيئاً إلى رفاقه بعد ان تأكد بان بهزاد كان يرقد متجمدا بالقرب من كهف مفتوح ليس عميقا نزولا الى الوديان القريبة عنا دون إعطاء مزيداً من التفاصيل...

بادره أحدهم بسؤال بينما علامات الحزن ترتسم على وجهه:

- هل هو ميت؟

اجابه صادق بتردد، كمن غير واثق من الأمر:

- لا أدري ولكن جسده جامد ومغطى بالثلج، فأسرعت الخطى اليكم كي ابلغكم عسى ان تتمكنوا من إنقاذه.

وحال وصول الخبر، أبلغونا بالفاجعة وطلبوا منا المساعدة الطبية في إنقاذ رفيقهم. فجهزنا أنفسنا في مفرزة صغيرة، حيث كنت أحد أفرادها، بينما كانت بحوزة مفرزتهم بطانية وبعض الحطب لإشعال النار. وخلال تلك المسيرة كنت ألقي بنظراتي على الطريق الذي سلكه بهزاد.  يبدو انه كان يكابد جدا وهو وحيد وسط طبقة بيضاء غمرت الجبال والوديان، والرؤية كانت سيئة، والتعب قد نال منه وأنهك قواه العضلية، حيث لم يبق سوى ثلاث أمتار نحو كهف صغير. كانت توجد عيدان وبعض الأغصان اليابسة وولاعة (شخاطة) حيث وضعت هناك للاحتياط. كان بامكانه ان يحمر بها نارا ويوقد توهجا في جسده الذي استحال الى صقيع كي يعود إلى حالته الطبيعية فيستعيد الحياة منتعشا.

مشاهداتي لأثار اقدامه الناحلة المتعثرة في الثلوج تؤكد فشله في محاولاته المتكررة واخفاقه الكبير في قدرته للعودة الى الطريق بعد ان انزلق منه على المنحدر المتواري تحت أكوام الثلوج والسعي بكل طاقته في التسلق إلى الأعلى.

ترنح عاجزا يمينة ويسرة حتى صار خائر القوى. يبدو ان الظلام قد داهمه بعد ان امتص ما بقي من ضوء النهار الباهت وتضاءل منسوب الأمل مع تسرب اليأس إلى نفسه رويداً رويداً.

السكون العميق قد خيم على المكان، والريح الباردة قد أطبقت على جسده النحيل في عناق قاس وامسكت بخناقه بعنف حتى أنهكت قواه، ووقع صريعا مستسلما الى نوم هادئ قرب صخرة كبيرة اتخذها كجدار آمن واتكأ عليها ولاذ في صمت عميق بعيدا عن وقع بساطيل الجنود وأزيز رصاصات الموت.

بعد ان وصلنا الى الموقع، كان جسده متجمداً كما لو ان دجاجة ملفوفة في كيس تُركت في المجمدة وظلت هناك في فترة غير محددة. قمنا بإشعال النار وتركناه بالقرب منها ليتسرب الدفء إلى جسمه ويساعده على تحريك الدم.

كنت أتمعن إليه عن كثب. أخال اليَّ تلك الرحلة المشؤومة وما تمخض عنها من صعوبات: في تلك الساعة. كانت أعاصير من الأفكار قد عصفت جوارحي بقوة، وكأن صقيع الجبال ذاب على حين غرة وتدفق بسرعة لينساب مياهاً مدمرة تغرق كل شيء تصادفها في طريقها.

لقد تجمدت اطرافه من البرد وسرى الخدر في جسمه الخاوي من أي سعرات حرارية. كانت هيئته تبدو للناظر كجثة محنطة.

كانت هاوية الليل الطويل تزحف في الديجور أصداء الرعب والموت وتختبئ في الطرقات وتحت الجليد وتلقي ظلالا من العزاء واليأس. كنت أرنو الى وجهه الشاحب واتخيل وحدته في تلك الساعات العصيبة في العراء مرتعداً وهو يصارع أشباح الموت وهم ينقضون عليه تحت جنح الظلام. وناقوس الليل يقرع في سكون بارد في عتمة الوادي إيذانا بانتهاء حمايته. ومن نافذة الفجر تسمع تراتيل الحزن تذوب في توان صدى صوته. ارى من آثار الأقدام المتعبة فريسة يأس أليم ناجم عن محاولاته العديدة في لجة الانهيار النفسي وهو ينحرف عن الطريق ويتدحرج ليسقط من هاوية المنحدر في بحر من أكوام الثلوج التي ما فتئت تنهمر بغزارة دون توقف.

وكلما حاول انتشال نفسه من هذا الوحل الأبيض، تضاءلت قدراته الجسدية وذابت طاقته الذاتية في رفد عضلاته قوة إضافية تمكنه على الصمود. وما ان رفع قدمه إلى الأعلى حتى أحس ان ركبتيه ترتخيان، وقدميه تثقلان فكأن الجليد قيدهما بالأرض.

كان يبذل جهدا اراديا عنيفا في مواجهة الموت الزاحف. استفحل الشعور بالوحدة يملأ بسواد عاتٍ كالرماد، انهارت مقاومته كما ينهار جسر مهترئ عندما يداهمه الطوفان. ذلك الشعور المظلم في متاهة الوحدة وصراخ الصمت الكئيب في عزلة تامة عن العالم ورياح اليأس في زحمة الإخفاق والتراجع جعله واهنا أمام قوة الطبيعة الغاضبة في سلب الحياة. كانت سياط الريح قد خدشت سحنات وجهه الرقيق، ومحت عنها رونقها.

كان جالسا بهدوء غير مألوف، يرنو الى جهة الكهف متحسراً. ربما جال في ذهنه ذكريات مدفونة لم يألف ان يتذكره في حياته الروتينية اليومية، ذكريات الطفولة والمراهقة المجنونة، وتلهفه الى تلك اللحظات التي قد تمدّه بشيء من الدفء، ولكن في هذا الوقت كان يمضي ساعاته الأخيرة في معركة غير متكافئة، في مواجهة عنيفة قد يكون مصيره الحتمي في عالم مجهول، عالم يختفي بخفة في نعاس الليل. عدو لم يرغب في منازلته، وإنما اصراره على التحدي اوصله الى هذا الكمين الواسع. راح الثلج يلفه كغطاء يمتص حرارة جسمه، يفترس جسده من كل جهات، ويجمد أضلاعه ويكبح خلاياه عن الحركة. لم يبق للسماء لونا ولا للوديان طعما. كل شيء صار مراً كالحنظل.  يسدل الليل ستاره وينهي حراسته، فتفاقم في نفسه الشعور بالعزلة حدة.

بالرغم انه كان يميل الى السكينة وقلة الكلام إلا انه في تلك الساعات النادرة كانت أمنيته ان ينبعث من ذلك الصمت ضجيج وصدى أصوات يخترق الكون ويصنع المعجزات. فبرقاده على الأرض المفروشة بالثلوج قد اوعز الى وعيه بالتوقف عن التنفس، وكأنه أراد ان يدفن خلجانه في العتمة بصمت.

راح صوته يتهدج ويضيع في صومعة البرد القارس وفي غياهب السكون القاتل وخوار الروح المستسلم، والضباب الكالح في متاهة المسيرة الضائعة، والصراخ المكتوم في عمق النسيان.

كان ذلك المنظر قد بدا لي مؤلما، بعد ان سرى وهج النار في جسده، وهمد صقيع المتجمد في عروقه، ولكن الدم لم يعد متحمساً على الجريان في قلبه، فظل وجهه باهتا دون ان تغمره نسمات الحياة.

طفق جسده في الاستلقاء على الأرض، ولكن بصمت وهو يرقد في عالم آخر. شعرت بالأسى عليه.

***

كفاح الزهاوي

 

 

علي القاسميفي الأسبوع الأخير من صراعه المرير مع السرطان، جلس في جناحه الخاص في المستشفى الكبير، يحيط به جميع عُوّاده: أفراد أسرته وأقربائه وأصدقائه وطلابه ومحبيه، وجميع مَن طلبهم للمجيء لسببٍ أو لآخر ومَن لم يطلبهم. ابتسامة شجاعة تملأ غضون وجهه وهو لا ينفكّ يروي الطرفة بعد الطرفة والنكتة تلو الأخرى فتنطلق ضحكاتهم ويشيع جوٌّ من السرور، وكأن الجمع قد التئمَ في مناسبةٍ سعيدةٍ، مثل عرس أو ختان أو ميلاد طفل، وليس لوداعِ عزيزٍ راحلٍ إلى العالم الآخر بعد أيام أو ساعات. هنا يختلط الهزل بالجدّ على عتبة الموت.

أتظاهرُ بالابتسام ومتابعة ما يقوله؛ ولكنّني، في حقيقة الأمر، أحاول جاهداً أن أُدرك أمراً، أن أفكَّ لغزاً حيّرني منذ أسابيع، أثناء عياداتي المتكرِّرة المتواصلة المطوّلة له، أو بعبارة أخرى أثناء مكوثي شبه الدائم في جناحه في المستشفى خلال الأشهر الأربعة المنصرمة التي أمضاها هناك، بعد أن ظلّ يسافر كلّ شهر تقريباً إلى باريس للعلاج مدَّة خمس سنواتٍ متعاقبةٍ، ولم ينجح العلاج، وأُغمي عليه ذات يوم فحملوه إلى هذا المستشفى الوطنيِّ.

ما حيّرني وأقلقني وأشعرني بعجزي وأثار غيرتي في آنٍ واحدٍ، أنّ عينه اليمنى كانت تتَّجه إلى مدخل ذلك الجناح بين الوهلة والأُخرى في انتظارِ قادمٍ ما، بَيدَ أنَّ عينه اليسرى تخشى وصول ذلك القادم المُرتقَب ولا تريد حضوره. إحدى مُقلتَيه تستدعي ذلك المجهول والأخرى تحذّره من المجيء وتصرفه.

ثلاثون عاماً من الرفقة الطيِّبة والعِشرة والمحبّة والصداقة الحميمة، بل الأخوّة الخالصة، إضافةً إلى التشابه في خلفيّتنا العائليّة وتعليمنا وخبراتنا ومهنتنا المشتركة، كلّ ذلك كافٍ ليجعلنا ـ أنا وصديقي سيدي محمد ـ قادرَيًن على فهم رغبات الآخر وإدراك مشاعره، بمجرّد النظر إلى العينَيْن. العينُ نافذةٌ مشرَعةٌ على باطن النفس. نأخذ أحياناً، ونحن وسط الآخرين، في التواصل فيما بيننا بعيوننا، نُفصِح عن الرغبات والطلبات، ونعبّر عن مشاعر القبول والرفض، والرضا والسخط، والفرح والحزن، دون أن نتفوّه بحرفٍ أو ننطق بكلمةٍ، ودون أن يعي الآخرون ما نحن فيه. يكفيني أن أنظر إلى عينيْه لأفهم ما يريد، ويكفيه أن يلمح عينيَّ ليستوعب مشاعري ويقف على أحاسيسي. أستبطنه ويستبطنني، أنفذ إلى أغوار نفسه، ويلج في أعماقي. أسراره أسراري، وأسراري أسراره، لا يُخفي أحدنا عن الآخر شيئاً، آمالنا واحدة، وهمومنا مشتركة، وأحاسيسنا متطابقة، ومشاعرنا متماثلة، كأنَّنا أصبحنا كائناً واحداً أو روحاً واحدة حلّت في جسدين، كما يقول الشاعر:

روحُهُ روحي وروحي روحهُ     إنْ يشأْ شئتُ وإن شئتُ يشأْ

ولهذا كلّه، انتابني القلق عندما عجزتُ عن استيعاب ذلك الموقف غير المفهوم: عينه اليمنى تتلهَّف لوصول القادم المجهول، وعينه اليسرى لا ترغب في قدومه.

لعلّ حزني المستعرّ بين جوانحي هو الذي أصاب قدرتي الحدسيّة بالعجز، أو لعلَّ الإرهاق الذي ألمّ بي مؤخَّراً هو الذي عوّق مداركي الاستيعابيّة. ولهذا جمّعتُ قواي الذهنيّة والروحيّة اليوم، وركّزتُ نظراتي عليه دون أن يشعر، وهو منشغل مع عوّاده، فألفيتُ بكلّ وضوح لا يقبل الشكّ ولا التأويل، أنّ عينه اليمنى تستعجل القادم المجهول وعينه اليسرى تثنيه عن القدوم.

في جميع دراساتي الفلسفيّة وأبحاثي النفسيّة لم أطّلع على حالةٍ مماثلةٍ ينقسم فيها عقلُ الكائن بهذه الحدَّة، وتنشرخ إرادته بهذا الوضوح. لم يحضرني في تلك اللحظة إلا حالتان: رسمٌ وبيتُ شعرٍ. رسمٌ منقوشٌ على أحد جدران أطلال بابل يمثّل أفعى برأسين، وكلُّ رأسٍ يندفع بقوة في اتّجاهٍ مضادٍّ. وبيتُ شعرٍ قاله شاعرٌ عربيٌّ قديمٌ يصف فيه ذئباً أصابه الهلع:

ينام بإحدى مقلتيهِ، ويتَّقي الـ    ـمنايا بأُخرى، فهو يقظانُ هاجعُ

لم أقبل الهزيمة، فأنا لستُ بأقلّ عزيمة منه. منذ خمس سنوات وهو في معركةٍ شرسةٍ مع السرطان الذي هاجم نخاع العظم منه بضراوة، ونخر عظامه حتّى أمست مثل قطعة من زجاج انتشرت فيها الشروخ، مثل شبكة عنكبوت بحيث ستنهار بفعل هبّة ريح خفيفة وتتهاوى شظايا مبعثرة، كما قال لي طبيبه وهو يصف حالته. ومع ذلك، فهو يخرج من غرفته مرّتيْن في اليوم ليتمشّى في ممرّات المستشفى في محاولةٍ شرسةٍ لإعادة الحياة إلى عظامه المنهارة. ثمَّ  يعود إلى غرفة الاستقبال في جناحه في المستشفى ليتوسّط المجلس، ويرحّب بعوّاده وزوّاره، ويروي لهم الطُّرف والنكت والحكايات المُضحِكة.

لم يحبّه الناس لروحه الخفيفة وأخلاقه السامية فحسب، بل أحبّوه كذلك لأنّه لم يطمع بما في يد غيره قط. قتل الطمعَ في نفسه، ونقّاها من الخبائث، فصارت صافيةً شفافةً، كمرآةٍ مصقولة. ومِن عينيْه وهو يتحدّث مبتسماً، أُدرِكُ أنّ الألم أخذ يشتدّ به. يرمقني بنظرةٍ ذات معنى ويبتسم. إنّه يريد أن يعلّمني كيف يموت المرءُ بكرامة. فأُرسل إليه نظرةً تقول: كما عاش بكرامة. ثمّ أدلفُ، دون أن استرعي انتباه أحد، إلى غرفة الممرضة المجاورة، وأطلب منها أن تقدّم له قرصَ مسكِّنِ الألم ذائباً في قدح ماء دون أن يلاحظ جلساؤه أنّه يشرب الدواء. إنّه أسبوعه الأخير، كما أسرّ إليَّ بذلك كبير الأطباء المشرف على علاجه.

نظرتُ حولي، تصفّحتُ الوجوه واحداً واحداً. إنّهم جميعاً هناك. أعرفهم جميعهم. لم يتغيّب فردٌ من محبّيه. ولم يتخلّف واحدٌ ممن يحبّ. تُرى مَن هو ذلك القادم المنتظر، إذن؟ لم تعُد المشكلة بالنسبة إليَّ تنحصر في عجزي عن إدراك ماهيّة التناقض بين عينيْه، بل أصبح التحدّي الذي أواجهه هو معرفة سرّ ذلك القادم المرتقَب الذي لا يريد صديقي أن يطّلع أحدٌ عليه. وبعبارة أُخرى، إنّ الذي آلمني وأقلقني أنّ صديقي الحميم  أخفى عنّي سرّاً من أسراره. فأنا لم أكتم عنه أيّاً من أسراري.

اشتعل لهيبُ التحدّي بين ضلوعي. لا بُدَّ لي من معرفة ذلك السرّ. حبُّ الاستطلاع المتجذِّر في نفس الإنسان هو الذي ارتفع به إلى قمم المعرفة، وهو الذي سقاه الردى مرّات. لن أسمح له بدفن سرّه معه. سأحطّم تلك الصدفة، لأُخرج اللؤلؤة منها. سأتّبع طريقةً أُخرى للوقوف على ذلك السرّ من دون أن أستجديه منه. فواضحٌ أنّه لا يريد البوح به حتّى إلى أقرب الناس إليه، بل إنّه يخفيه حتّى على ذاته، أعني عليّ أنا الذي هو. سأمتشق تقنيَّتي الثانية. فالتقنيَّة الأولى، وأعني بها لغة العيون، تساعد في إدراك الرغبات والطلبات والأحاسيس، ولكنّها لا تمكّنني من الوقوف على التعبيرات الدقيقة أو الأسماء المحدَّدة. ففي الحالة الأخيرة، ألجأ عادةً إلى تقنيَّتي الثانية التي تُسمى بقراءة الأفكار.

وتتلخّص فحوى هذه التقنيّة في قدرتي وقدرته على قراءة الأفكار، أفكاره أو أفكاري، من غير الحاجة إلى التعبير عنها بكلماتٍ منطوقة. وكانت هذه الطريقة قد أثارت انتباهي أوّل مرّة عندما كنتُ صبياً، وقد اصطحبني والدي خلال العطلة الصيفيّة إلى مدينة الإسكندريّة في مصر. وذات ليلة، ذهبنا إلى مطعم ـ مسرح لتناول طعام العشاء. وهناك، ظهرَ على خشبة المسرح " ساحران"، هبط أحدهما صوب المشاهدين في حين ظلَّ الآخر واقفاً على خشبة المسرح، وهو معصوب العينيْن وظهره إلى الجمهور. اتّجه الساحر الأوّل إليّ. لعلَّه اختارني لأنّي كنتُ أصغر الحاضرين، أو لأنّه عرف من ملامحي أنّني لستُ مصرياً وإنّما سائحٌ يزور مصر لأوَّل مرَّة. وطلبَ مني بلطفٍ أن أعطيه جواز سفري أو بطاقة التعريف. فناولته إياه. وأخذ يقرأ المعلومات المدوَّنة في جواز السفر قراءةً صامتةً لا يحرّك خلالها حتّى شفتيه. وإذا برفيقه الثاني الواقف على خشبة المسرح يرفع صوته بالمعلومات التي يقرأها زميله.

الاسم: علي بن محمد القاسمي

الجنسية: عراقي

المهنة: طالب... إلخ.

وبعد قليل، اتّجه الساحر الأوَّل إلى سائح آخر وفعل الشيء نفسه. 

أدرتُ وجهي إلى والدِي وعيناي تلمعان دهشة وتتألقان إعجاباً وانشراحاً وأنا أسأله:

ـ أليس في الأمر حيلة؟

ـ لا حيلةَ مطلقاً. إنَّهما يقرآن الأفكار، كما يستطيع غيرهم قراءة الشفتيْن، مثلاً. قارئ الشفتيْن يستخدم بصره، وقارئ الأفكار يستعمل بصيرته. الأمر يتطلّب شيئاً من التوافق الذهنيّ والمران والتركيز.

في تلك اللحظة تلاشت الحدود الفاصلة بين السحر والحقيقة، وتعانق الخيال والواقع في نظري.

ـ ولكن، يا أبي، هل أستطيع أنا، مثلاً، أن أتعلَّم قراءة الأفكار؟

وتفاقمتْ دهشتي وتعاظم سروري حينما سمعتُ والدي يقول:

ـ ولِمَ لا؟ بإمكاني أن أساعدك على ذلك.

وكان والدي قد درس العلوم الدينيّة في الحوزة العلميّة ببغداد، وتعاطى الرياضات الروحيّة والتصوّف.

وبعد عودتنا من مصر، أخذ والدي يدرِّبني على قراءة الأفكار. وهذا الفنّ يختلف قليلاً عن التخاطُر، أي تناقل الخواطر والوجدانيّات من عقلٍ إلى عقلٍ على البُعد بغير استخدام الوسائل الحسّيّة المعروفة. أمّا قراءة الأفكار فتتمُّ بحضور الطرفين في مكانٍ واحد.  أوضح لي والدي أنّ التفكير يختلف عن الفِكرة أو الأفكار، لأنّ التفكير هو العمليّة الذهنيّة التي تتبلور في فكرةٍ تُصاغ على شكلٍ جملة لغويّة داخليّة تستقرّ في الذهن، يُطلِق عليها اللسانيون اسم اللغة الوسيطة. وعندما تنتقل تلك الجملة من التفكير إلى التعبير، ويتلفّظها الفردُ باللسان والشفتَين وبقية أعضاء النطق، تُصبح لغةً منطوقةً، تلتقطها آذان السامع، وتنقلها إلى المخّ لتفسيرها، واستيعابها وتمثُّلها.

وذكّرتني التمارين التي استخدمها والدي بالتمارين التي كانت تستعملها معلمة البيانو معي، لأتعرّف على النغمات الموسيقيّة. كانت تعزف على البيانو إحدى النغمات، وعليّ أن أنطق باسم علامتها الموسيقيّة. أسمع النغمة فأقول:

ـ ري

ـ حاولْ مرةً أخرى.

تقول المعلِّمة ذلك، وتعيد عزف النغمة ذاتها ثانية، فأقول:

ـ فا

ـ حاول مرةً أخرى، اسمع جيداً.

وتعيد عزف النغمة نفسها.

ـ مي.

ـ نعم، أحسنتَ.

وهنا أشعر بارتياح.

وأخذ والدِي يتّبع طريقة مماثلة. يصيغ فكرةً صغيرةً في ذهنه، ثمَّ يطلب مني قراءَتها. استجمع بصيرتي الداخليّة وأركز على ذهنه، كما علّمني، فتتضح لي الفكرة شيئاً فشيئاً على هيئةِ جملةٍ لغويّةٍ، أقرأها بصعوبة أوّل الأمر، ثمَّ بالتكرار والمران أصبحتُ أقرأ أفكاره بيسرٍ وسهولة. 

ها أنا ذا أجلس قبالة صديقي في جناحه في المستشفى. مرّ يومان وأنا في محاولةٍ متّصلةٍ فاشلةٍ لفهم اللغز: عينه اليمنى تشرئِب متطلّعة إلى القادم المجهول، وعينه اليسرى تحذّره من القدوم وتخشى وصوله. لا بُدّ من استخدام تقنيَّتي الثانية " قراءة الأفكار " لفكِّ اللغز. ولكنِّي أتردّد في انتضائها لسببيْن: أوّلهما الإجهاد الذهنيّ الذي يرافق هذه التقنيَّة بسبب الطاقة المُستنفَدة في التركيز، وثانيهما أنَّ صديقي هو الآخر يقرأ الأفكار. والعجيب في الأمر، أنّه، هو كذلك، تعلّمها من أبيه الذي درس العلوم الدينيّة في جامعة القرويين بفاس. ألم أقلْ إنّنا متشابهان في هواياتنا وأخلاقنا وعاداتنا وتعليمنا، وحتّى خلفيَّتنا العائليّة؟

لَم يبقَ له سوى ثلاثة أيام على قيد الحياة، كما أسرّ لي بذلك طبيب الإنعاش. جميع الأحبّة والأقرباء والأصدقاء الأوفياء والطلاب القدامى يحيطون به، وحتّى بعض الأطباء والممرضات الذين أخذوا يُمضون بعضَ أوقات استراحتهم في مجلسه. اصطادهم سيدي محمد الذي كنتُ أسميه " صيّاد القلوب". وقعوا في شباك محبّته. نظرتُ إليه. التقتْ عيوننا. أَدركَ من نظراتي أنّني سأحاول قراءة أفكاره. ابتسم لي ابتسامة خاصَّة ولمعتْ عيناه بطريقةٍ معينة. فهمتُ. إنّه يتحداني وكأنّه يقول لي:

فالسرُّ عنديَ في بيتٍ لهُ غلقٌ     ضاعتْ مفاتيحُهُ والبابُ مختومُ

إنّه يمزح معي. لا ريب في ذلك. إنّه يلعب. هكذا يفعل دائماً، حتّى في أحاديثنا الاعتياديّة، يواظب على اللعب. يستخدمُ في كلامه الجِناس والطباق، يُكثِرُ من المشترك اللفظيّ ذي الدلالات المتعدَّدة، يستعمل عباراتٍ مبهمة، يستثمرُ أبحاثه اللسانيّة للإعجاز والتعجيز. لكنّني لن أسمح له هذه المرّة. سأوقفه عند حدّه. سأريه قُدراتي أنا أيضاً. سأفضُّ الختم، وأخلع الباب، وأهدم الأسوار. فأنتَ تعرف من أنا. لا، يا صديقي العزيز. لقد تخطَّيتَ عتبة الهزل، وحللتَ في فناء الجدّ والحقيقة. الموتُ هو الحقيقة الوحيدة الثابتة في هذا الوجود التي لا تقبل الهزل. وأنتَ ما زلتَ ترتدي زيّ البهلوان وتواصل الضحك والإضحاك. لا، يا صديقي.

أغمضتُ عينيّ وركزتُ قوى بصيرتي على أفكاره لقراءتها. لم أتبيَّن شيئاً. أعدتُ المحاولة بتركيزٍ أشدّ. يا للدهشة ويا للعجب. ليس ثمَّة ما أقرأ. ذهنه خالٍ من أيّة فكرة يمكنني التقاطها. ماذا أقول؟ حتّى الجنين الذي في بطن أُمّه لا يخلو ذهنه الصغير من تلافيف سجّلتْ ما وصل إليه من أصواتٍ وأحداثٍ من العالم الخارجيِّ، ولا يظلّ صفحة بيضاء ناصعة كما هو عقلك الكبير الآن؟ كفى لعباً، فأنا في حالة لا تسمح لي باللعب.

ابتسمَ لي، وواصل كلامه مع الآخرين.

إنّه يتحدّاني وأنا أقبل التحدّي. أحتاجُ إلى تركيزٍ أشدّ، وبذلِ مجهود أكبر للقيام بمحاولةٍ غير مسبوقة: سأحاول قراءة أحاسيسه قبل أن تتبلور في فكرةٍ ذات صياغة لغويّة وسيطة. فلا شكَّ أنَّه تعمّد عدم السماح لعواطفه بالتمظهر في ذهنه. احتفظَ بها هناك في أغوار الأعماق.

أمضيتُ العصر كلّه في التجريب. كان العَرق يتصبّب مني، وارتفعت درجة حرارتي. لاحظني أحد الأطباء كان بين الجالسين. حتّى أطباء المستشفى أخذوا يمضون أوقات استراحتهم في مجلسه. يسحرهم بحديثه. إنّه الساحر الأكبر. خرجتُ من الصالة. تبعني الطبيب.

ـ لا شيء. إنَّني على ما يرام.

ولكنّني لستُ ممن ينهزمون عند أوّل إخفاق. سأحاول غداً صباحاً فقد انصرف عوّاده جميعاً، حان وقت العشاء. سأغادر أنا كذلك. لا أريد أن أرى الممرضة وهي تُطعِمه بالملعقة، لأنّ يديه تعطّلتا عن الحركة منذ يومَيْن. ولكن سأعود غداً صباحاً، فلم يبقَ له سوى يوم أو يومين من الفترة التي حدَّدها الطبيب، ولا بُدَّ لي أن أقف على سرّه الذي لا يريد أن يفشيه لمخلوق.

حاولتُ أن أنام جيداً تلك الليلة، تأهُّباً لمعركتي الأخيرة. لم أفلح. نهضتُ باكراً. تحمّمتُ بالماء البارد لأوقظ جميعَ قواي وحواسي. توجّهت إلى المستشفى في أوّل الصباح قبل أن يغرّد العصفور الدوريّ، وقبل أن ترحل القُبّرة، وقبل أن تتربع الشمس في وسط السماء.

أَلفيتُه وحيداً. تعانقتْ نظراتنا. دخلتِ الممرضة وهي تحمل طعام الفطور. طلبتُ منها الانصراف. شيءٌ في داخلي حبّذَ لي أن نبقى وحيديْن. أخذتُ أطعمه بيدي ونحن صامتان. أعني لا ننطق. ولكنّنا كنا في حديثِ عيونٍ مستمرٍ، مع أنَّ قراءة العيون اليوم أصعب من المعتاد كثيراً، فقد كانت دموعٌ مقموعةٌ تلصف في مآقينا. هكذا هي حالنا خلال الأشهر الأربعة الأخيرة. ما إنْ نبقى وحدنا، حتّى تغزونا دموع عنيدة.

وبغير إرادة مني، رجته عيناي معرفةَ القادم المنتظَر. لا جواب. عيناه فارغتان. لا رفض ولا قبول. هذه هي عادته. لا يرفض لأحدٍ طلباً. يجود بكلّ شيء. ولكن ما هذه المعلومة التي لا يجود بها عليّ؟ نظرتُ إليه. فهمَ من عينَيَّ أنّني، والحالة هذه، سأبذل قصارى جهدي للوقوف على ذلك السرّ.

صَمتُّ. ركّزتُ عينَيّ المغرورقتَيْن بالدمع عليه بأجمعه؛ لا على عينيْه فقط، ولا على ملامح وجهه فحسب، وإنّما على كيانه كلِّه. أَخترقُ بنظراتي العارمة جلده الشاحب، وعظامه المهشَّمة، وقفصه الصدري المضعضع. أنفذُ إلى صميم قلبه، أشترك مع دقّاته الباهتة في معزوفة جنائزيّة، أتسرّب إلى دمائه المنسابة ببطءٍ مميت، أركّز أكثر فأكثر.

جبيني يتصبَّب عرقاً. تشتعل الحمى في جسدي. تتعالى ضربات قلبي بشكلٍ جنونيٍّ. غشاوةٌ تغطّي عينيَّ. أراه أمامي يميل في جلسته ميلاناً غير طبيعيّ. يُغمض عينيْه. يتدلّى رأسه على صدره. يتّجه جسمه إلى الأمام. إنّه ينهار من على مقعده إلى الأرض. لا أرى شيئاً آخر. تظلمّ الدنيا في عينيّ. أسقط أنا الآخر مغشياً عليّ. ننتهي مُسجَّيَين على الأرض جنباً إلى جنب.

***

قصة قصيرة

بقلم: علي القاسمي

....................................

من مجموعتي القصصية:

ـ علي القاسمي. حياة سابقة، ط 4 (القاهرة : دار أروقة للنشر، 2019).

وهذه المجموعة متوافرة في موقع " أصدقاء الدكتور علي القاسمي" على الشابكة، للقراءة والتحميل.

 

عبد اللطيف الصافيكيف لي أن أغض الطرف

عن هذا الصهيل

الذي يمطر برقا في قلبي الملبد بالحنين؟

يلهب غيمات روحي

أنا الذي

حملتكِ أعواما على كاهل الريح

و كنتُ حينها أرعى الحمام في فناء أقداري

أحرسه من أزهار الشر

أدربه على الحب

أطعمه فتات المواعظ

أقرأ له فصولا من كتاب طوق الحمامة

واعِدُّ له من نبضي

مساءات غجرية تليق به

أعرف الآن

كم كنت غريبا

تجري تحت جسور أيامي

وبين أصابعي المتوهجة بالسؤال

أنهار من الصمت الصوفي

وأنت يا سلمى

فراشة مرصعة بالدهشة

تتلألئين كالموج

بين الظل والضوء

تنظرين إلي بعينين غارقتين في السديم

كجمرتين من زبرجد

تمتصين فائض الأرق المتراكم في أحداق ليلي

تلْمسين بيدكِ يدي العارية

فيزهر الضوء في ثغرك

ينصبُ الفرح خيمة في أحلامي

و يمطر صهيله برقا في قلبي.

***

عبد اللطيف الصافي /المغرب

 

 

عادل الحنظلأشجارُ التفّاحْ

تُزهرُ في العُرْيْ

قبل رداءِ الأوراقْ

تُظهرُ كلّ مفاتِنِها

تَعرضُ أعضاءَ تناسلِها

لا تسترُ عَورَتَها خوفَ العُشّاقْ

تدعو الريحْ

وفلولَ النحلْ

كي تأتي باللِّقّاحْ

نُطَفا تبحثُ عن أنثى الوردْ

لا تسألُ مِن أينَ الفَحلْ

إنْ كانَ من السندْ

أو من دارِ الجيرانْ

لا تعبَأُ باللونْ

لا تُذنِبْ

أسبابُ سعادتِها

أن تتعلقَ في الأغصانْ

فيما بعدْ

أثداءٌ تتدلّى في نشوةِ سُكْرْ

أمّا نحنْ

مَنْ جئنا في شكلِ إلهْ

ولَبسنا ما يُخفي الأبدان

وتَعَوّذْنا من شرّ الجِنّْ

لا نأكلُ إلّا باسمِ الرحمنْ

يُغرينا ما يَكمنُ في التُفّاحْ

كي يَقوى فينا الجِنسْ

فنصولُ وراءَ السِترْ

ننثرُ في الأرحامْ

جيناتٍ أسموها ماءَ الظَهرْ

ونجاهدُ في كلّ ظلامْ

نُطْلقُ جلّ فُحولَتِنا

ونفاخرُ أنّ بلوغَ الجِحرْ

من فرطِ رجولتنا

واذا أثمرَ هذا البَذْر

قُلنا جاءَ ابنُ حَرامْ

حلَّ عليهِ البَترْ

مَنْ أولى أن يَرِثَ الأرضَ

وما فوقَ الأرضْ

مَنْ حَلَّ بوصمةِ عارْ

أم طُهْر الزَهرْ؟

***

عادل الحنظل

 

 

صالح الفهدي1- عَلَّقَ الْأَرْضَ عَلَىْ كَوْنٍ فَمَاْ 

           رَزَأَ الْأَرْضَ صــدُوعٌ أَوْ خَلَلْ! 

2- وَهِيَ تَجْرِيْ فِيْ مَدَارَاتٍ لَهَاْ

          دُوْنَ زَيــــغٍ، وَانْهِيَــــارٍ، وَزَلَلْ

3- كُرةٌ فَوْقَ فَضَـــــاءٍ مُطْلَقٍ 

           لَيْسَ يُحْصَـىْ سِرُّهُ مُنْـــذُ الْأَزَلْ 

4- أَمِنَ الْإِنسانُ فِيْ أَرْجَــــائِهَاْ

           فَالتْــهَىْ بِالْعَيْشِ فِيْـــهَاْ وَانْشَغَلْ

5- قـــدَّرَ اللهُ لَـــهُ أَقْـــوَاتَهُ

        فِيْ صَحَــارَىْ، وَبُحُــــورٍ، وَجَبَلْ 

6-  ثُمَّ يَأْتِيْ جَاحــدٌ يُنْكِرُ مَنْ

           خَلَقَ الْكَــوْنَ، وَمَاْ فِيْـــهِ اشْتَمَلْ

7-  يَعْتــَزِيْ بِالْعَقْـــلِ فِيْ نُكْرَانِهِ

          لِوُجُـــودِ اللهِ، يَغْــــوِيْ مَنْ جَهَلْ 

8-  صَعَّرَ الْجَاحِدُ وَجْهاً وَلَوَىْ 

           ظَهْرَهُ عَنْ وِجْهَةِ الْحَقِّ، وَضَلّْ!

9-  لَمْ يَكُنْ يَحْجُبُهُ عَقْـــلٌ وَلَوْ 

            أَعْمَــلَ الْعَقْـــلَ، لـــوَلَّاهُ السُّبُلْ

10-  إِنَّمَاْ أَرْدَاهُ كِبْــرٌ وَغَشــىْ

           قَلْبَـــهُ الـــرَّانُ، وَأَعْمَتْـــهُ الْعِلَلْ 

11-  أَيـهـــا الْمُعْتَـــلُّ فِيْ أَفْكَارِهِ

               حَدِّثِ الْعَاقِـــلَ فِيْمَاْ قَدْ عَقَلْ!

12-  وَاصْحُ مِنْ سُكْرٍ كَفَىْ أُكْذُوَبَةً

                 تَدَّعِيْــهَاْ فَلْسَفَاتٌ يَاْ رَجُلْ!

13-  وَانْجُ مِنْ غَيِّ الْمَتــاهَاتِ فَقَدْ

           ضَاعَ جَدُّ الْعُمْرِ فِيْ جُبِّ الْهَزَلْ 

14-  إِنَّهُ اللهُ الــذِيْ لَيْسَ لــــــهُ

              مِنْ شَرَيكٍ، وَحْــدَهُ عَزَّ وَجَلّْ

15-  إِنَّهُ اللهُ الـــذِيْ دَانَ لــــــهُ

          مَلَكُوتُ الْكَــوْنِ فِيْ طَــوْعٍ وَذَلّْ

16-  إِنَّه اللهُ الــذِيْ يَعْــرِفُـــــهُ

             عَقْلُ إِعْرَابِيْ عَلَىْ ظَهْرِ جَمَلْ

17-  وَاضِحَ الرُّؤْيَةِ لَاْ فَلْســــفَةً

              فِيْ وُجُودِ اللهِ، أَوْ سُقْمَ الْجَدَلْ!

18-  قَالَ: إِنَّ السَّيْــرَ يُبْدِيْهِ الْأَثَـرْ

           وَعَلــىْ مَمْشَـــىْ بَعِيْـــرٍ يُسَتَدَلّْ

19-  "فَسَمَاءٌ ذَاتُ أَبـــرَاجٍ وَأَرْ

      ضٌ بِفِجـــاجٍ" أَيْنَ مِنْهَاْ مَنْ جَهِلْ؟!  

20-   مَنْطِقٌ مَاْ خَالَطَ الزَّيْفَ وَمَاْ

                مَزَجَ السُّمَّ بِشَهْدٍ مِنْ عَسَلْ!

21-  وَالْبَدِيْهِيَّـــاتُ لَاْ سِتْــرَ لَهَاْ

              مُنْذُ أَنْ شَفَّ بِهَاْ وَحْيُ الرُّسُلْ

22-  فَالَّذِيْ كَانَ بَصِيــراً لَمْ يَحُرْ

             فِيْ وُجُـــودِ اللهِ، تَهْدِيــهِ الْمِلَلْ  

23-  وَالَّذِيْ أَعْمَاهُ إِلْحَــادٌ فَمَاْ

         يَهْتَــــدِيْ لِلنـــوْرِ إِنْ تُعْمَى الْمُقَلْ   

               ***

د. صالح الفهدي

 

محمد حمدللكلمات ثياب من سندس وإستبرق

مخضّبة

بزعفران الخيال المفتوح

على جميع الاحتمالات

تتموّج عادة

في مواكب البهجة

وتقرع طبول الفرح المتكيء على شريط الافق المائل إلى البياض

ونادرا

ما تكتفي ب "خير الكلام ما قلّ ودلّ"

فثمّة ظمأ متأصّل خلف جفون

وأفواه

لا زالت تشتهي بريق ضفاف غير مأهولة

بزوارق منكًسة الرؤوس والرايات

تتشبّث عبثا باشرعة بالية وطحالب آمال

لا تُرى بالعين المجرّدة

تستجدي عواطف بحر مُصاب

بداء الإهمال الموسمي..

***

محمد حمد

 

كريم الاسديمثنويّات ورباعيّات عربيّة

ومِن عشتروتَ الى جنتروتْ

أتيتَ ، سيرفضكَ الهابطونَ لأنَّ فؤادَكَ منعقدٌ في أعالي الشموسْ

ولكنْ ستعشقكَ العاشقاتُ لأنكَ سرُّ أثيِر الهوى في خفايا النفوسْ

خسرتَ الألهَ الصغيرَ: النقودَ التي يعبدونَ ، ولكنْ ربحتَ دنى الملكوتْ ..

**

عبرتَ قلوبَ الحبيباتِ نهراً يواصلُ نهرْ

مضيتَ يلاحقكَ الغدرَ دهراً يكمِّلُ دهرْ

**

يروقُ لهمْ أَنْ تكونَ بِلا أملٍ وودادْ

ولوْ لبسَ النجمُ يرثيكَ ثوبَ الحدادْ

**

صعدتَ لتقطفَ مِن شجرِ النجمِ أبهى الثمرْ

وعدتَ بأبهى القطافِ : محالِ المحالِ 

سلالٍ من الماسِ ماستْ بأحلى الدررْ

يقولون : هذا ترابٌ ستذروهُ ريحُ الليالي !!

 **

أرادوا وهمّوا بأنْ يسجنوكَ ، أرادوكَ ان لا تكونْ

وكنتَ ، فأورثتهم حَسَداً وسجونْ .

**

أنْ تكونَ الذي أنتَ أسمى وأنبلْ

وأروعُ ما يملكُ المرءُ  قلبٌ وروحْ

ونفسُ صفاءٍ ومبسمُ وجهٍ صبوحْ

وكلّا لِمَنْ يتمادى سقوطاً وعهراً لكي يصبحَ العيشُ أنكى وأرذلْ .

***

كريم الأسدي - برلين

...........................

ملاحظة:

زمان ومكان كتابة هذه المقاطع: في يوم 12 من حزيران 2021 ، في برلين، وهي  من مشروع طويل بعنوان (مثنويّات ورباعيّات عربيّة) الذي سبق وان نشر الشاعر كاتب السطور العديد من فصوله مع شرح وتوضيح لأهدافه وحيثياته ومواضيعه .

 

 

عبد الله سرمد الجميلبلادي كبيتِ القنافذْ ،

بها كلُّ فردٍ يعيشُ بعيداً وحيداً،

لأنَّ على ظهرِهِ حقلَ شوكٍ،

سيقطعُ حبلَ الوصالْ،

وأقدارُهم أن تظلَّ النوافذْ،

مُحجَّبَةً عن شموسِ السؤالْ،

***

د. عبد الله سرمد الجميل

شاعر وطبيب من العراق

سردار محمد سعيدوطن النخيل والسنابل

والسمُرات الخافرات

والظباء والأيايل

العيون الواسعات أقمار حالمات

بفارس قوي أمين

يحملها على بساط من حنين

لم يمسسهن سوى ماءدجلة

واتشحت اقدامهن بطين الفرات

حبات عرق على الخدود وفي الوجنات

لله أنجمات  بعزالنهاربازغات

إذا مررن امام المساجد

رأيت جفون المنائر مغمضات

وقدام المعاب أبراج النواقيس ساكتات

إذا سرن في رياض يترك العطرالورود الزاهرات

فتحوم حولهن الفراشات

ذوات (الشيلات) يسترن حلوالجدائل

تلتف حول الخصورالناحلات

فمن قبل تبدوالربايا الناهضات

ومن دبرتظهرالجبال الشامخات

وطني

مشدود اليك بسلاسل

ليس عندي سوى لسان يقاتل

تستطيعون قطعه بشتى الوسائل

 لكن عقلاً وفلسفة تبقى تسائل

ماهو الآت؟

فالبليد والسافل صارمناضل 

أتعلمون

الفرق بيننا كالفرق بين جاهل ومتجاهل

والمفعول والفاعل

وطني

وطن السنابل

حصدوك بالمناجل

وطن الثكالى والأرامل

واليتامى والجياع

غزاك اللصوص

وداهمك الرعاع

أسفاً حبيب الروح ياعراق الأوائل

***

سردار محمد سعيد

  

محمد العربي حمودان جَاءَتْ فِي ذِكْرَى مِيلاَدِي

                 جَاءَتْ وَالشَّوْقُ لَهَا حَــادِي

تَــتَهَادَى غُنْجــًا، فـِـي دَلٍّ 

                بِقَــــوَامٍ لـَـــــدْنٍ، مَــيـَّــــادِ

وَوَمـِـيضٍ فِي عَـيْنَيْهَا إِذْ

               يَحْكِي مَا قَدْ تُــخْفِي، بَـــادِي

وُدًّا صِرْفًا وَأنَا الصَّـادِي  

           كَــفَتَى1 مَـخْزُومٍ، لاَ الْبَـــادِي2

قَـالَتْ:أَيـَّـامَـكَ أَعْـيـَـــادَا 

               عِـشْ فِي سَـعْدٍ، مَعْ إِرْشَـــادِ

أَهْــدَتْـنِي دِيــوَانًا مَا أَعْـــــــ

ــــــــــــــــذَبَهُ مِـــــــــــــنْ وِرْدٍ، أَوْ زَادِ

دِيــوَانًا مَـمْهُورًا:"لَكَ أُهـْـــــــــــــــــ

ــــــــــــــدِي حُــــبِّي، فـِـيهِ إِسْـــعَـادِي"

قَالَتْ: أُصْدُقْنِي الْقَوْلَ كَمَا 

          دَوْمـَـا، هَـلْ تَــنْوِي إَبـْـعـَــادِي؟

يَاخَوْفَ فُؤَادِي مِنْ هَجْرٍ    

            فَــتـُـقِرَّ عُيـُــــونَ الْحُـــسَّـــــادِ

آهٍ لـَـوْ أَدْرِي مَا تـُــخْفِي   

           أَمْ كُـــلُّ مِــــنَّـــا فـِــــــي وَادِي

تَاللهِ لَـــقَدْ آثـَـــرْتُــكَ دُو    

          نَهُمُ، مـَــا أَكـْــــثَرَ قـُــــــصَّادِي

فَنـَـظَرْتُ إلَـيْهَا مُبْـتَسِمًا      

           فـِــي إِشْــــفَاقٍ، إِنـِّــي عـَـــــادِ

أَيَّـــــامٌ لَـــمْ تَــلْبَثْ حَتَّى     

           طُــوِيَتْ، فِي مـَــاضِي الْآبَــــادِ

              ***

محمد العربي

...................

* وَأَنَا أُعِيدُ تَرْتيبَ مَكْتَبَتي، إِذَا بي أَفْتَحُ كِتَاباً مِنَ الْكُتُبِ، لَيَقَعَ ناظِري عَلى إِهْداءٍ مَا أَرَقَّهُ مِنْ إِهْدَاءِ، خَطَّتْهُ أَنامِلٌ أَكْرِمْ بِها مِنْ أَنَامِلِ .....أَنَامِلُ مَنْ غَمَرَنِي بِحُبٍّ وَوِدادِ، فَرَأَيْتُني أَرْجِعُ الْقَهْقَرَى إلِىَ عَقْدَيْنِ وَنَيِّفٍ مِنَ الزَّمانِ، وَكَأَنِّي بِهِ يُحَدّثُنِي تَارَةً، وَيَهْمِسُ لِي أُخْرَى، وَأَنَا أَسْمَعُ وَأَرَى......

1- عمر بن أبي ربيعة زعيم الغزل الحضري

2 - جميل بثينة زعيم الغزل البدوي

 

سالم الياس مدالوحلمي يتوارى

خلف جناح

حمامة

بيضاء

2 -

في منفضتي

بقايا سكائر

من شوك

وعوسج

3 -

قهوتها تغلي

وتغلي معها

اطيب

الذكريات

4 -

دق في الحائط

مسمارا

رماديا

فكان صداه

الما حزنا

وهما

5 -

قرب دالية

رايت ثعالبا

ثعالبا تعوي

ويمامات

حزينات تفر

صوب قباب

احلامها

البنفسجية

6 -

اهداها وردة

حمراء قانية

فاهدته

قبلة عشق

بنفسجية

7 -

فوق شجرة سرو

غراب وعصفور

وتحتها

سنجاب حائر

يبتسم لهما

8 -

السماء صافية

وقرب لبلاب

قلبي عصافير

يمامات

وقبرات

ترنو للبرق

للريح

وللمطر

9 -

حلمه من

ماس وفضة

وحلمها من

زمرد وياقوت

وحينما تعانق

الحلمان

فكونا نهرا

نهرا هادرا

مياهه قرص

شمس وشعاع

قوس قزح

***

سالم الياس مدالو

 

 

وليد العرفيالإهداء: إلى (أسامة الأشقر) الأسير الفلسطيني*


 لسْتَ أسطورةً مِنْ نَسيْجِ الخيالْ

أنتَ تاريخُ شعْبٍ تَحدَّى المُحالْ

تَعْلمُ الدَّربَ

كيفَ الوصولُ إليهِ

وتعرفُ أنَّ الأماني بناتُ اليقينِ

وأنَّ الشُّطوطَ بعهدِ البحارِ إذا الموجُ ثارْ

تُدركُ السّرَّ ما بينَ مدٍّ وجزرٍ

تُطيّرُ سربَ يمامٍ إذا أقبلَ الغولُ

تغفو قريراً

ويبقى على قلَقٍ ذلكَ الغولُ ليسَ ينامْ

تصنعُ الحلمَ بينَ يديكَ تُزيّنهُ (ميمُ) أنْثى

تُكحّلهُ بيديكَ لتوقدَ

ــــــ رغمَ جدار القيودِ وزنزانةِ السّجنِ ــــــ

شمْسَ نهارْ

لسْتَ أسطورةً أو حكاياتِ نصٍّ

تقومُ على أنَّ بعضَ المعاني بتأويلِها يُمكنُ الزَّعمُ

بالأصْلِ والضدِّ

والفرْدِ والجمْعِ

والقُرْبِ والبُعْدِ

وحدَكَ أسقطْتَ منْ نحوِنا العربيّ تعدَّدَ هذي الوجوهِ

وعلّْمْتَنا أنَّ لا نظريَّةَ للنَّحْو تُبنى على الظَّنِّ والاحْتمالْ

لسْتَ أسطورةً

منذُ مبتدأ (الفاءِ) أنتَ تُحاوِلُ أنْ تبلغَ (الَّلامَ)

تسكبُ في (السّينِ) ماءً

تفيضُ إلى (الياءِ) تُخصبُ (نوناً) وتثمرُ حُبّاً بعيني (منارْ)

وحدَكَ الوقْتُ

تعرفُ كيفَ يُسلُّ منَ الغمْدِ سيفٌ !

وتعرفُ كيفَ يُصارعُ (خمبابُ) عصرٍ وكيفَ يُصاغ القرار !

وكيفَ تُعاشُ الحياةُ

و(للسَّجْنِ طعمُ مذاقٍ ــــــــ كما ذقْتَهُ ــــــــ آخرٌ)

مِنْ رحيقٍ

ومِنْ شهْدِ روحٍ

ودعوةِ أمّكَ

أعلنْتَها لحظةً للإرادةِ والانْتصارْ

كمْ تكلّسَ حسُّ العدوّ

وصبرُكَ ملحٌ على الجرحِ

يُعْشبُ زيتونةً منْ جُلَّنارْ ؟

لسْتَ أسطورةً يا أسامةُ

أنتَ الحقيقةُ

وعيُ الشُّعوبِ الَّتي عندما تستفيقُ الحياةُ بها

تعرفُ السَّمْتَ والبوصلَةْ

كيمياءَ الإرادةِ

أكسدةَ الجوِّ

جغرافيا المرحلَةْ

وتعي (H ــــــــــــ O) الحنينِ

وما في فلسطينَ مِنْ برتقالْ

تُدرِكُ الرُّوحَ

ما كنهُها ...

.... الجينَ

.... ذرَّاتِ ما في الطبيعةِ منْ نارِها والتُّرابِ

وما في الدَّواءِ مِنَ السمِّ

ما في البيادرِ مِنْ قمْحِها

والَّذي لمْ يزلْ سُنبلةْ

لسْتَ أسطورةً مِنْ بناتِ الخيالْ

وعيُ حُريَّةٍ

يا أسامةُ

أنتَ إرادةُ شَعْبٍ تَحدَّى المُحالْ

***

شعر: د. وليد العرفي

.....................

الخبر: أنه وقع بتاريخ 14/ 11/ 2002م في كمين نصبه جنود الاحتلال له في ضاحية شويكة بطولكرم، بعد مطاردة استمرت مدة عامين، وقد حكمت عليه سلطات الاحتلال بالسجن المؤبد 8 مرات و50 عامًا، بتهمة مواجهة المحتل.

ولكنه صنع حريته الخاصَّة به، فألّف كتابه: (للسجن مذاق آخر) الذي أبصر النور من خلف قضبان السجن، وفي ختام الاحتفال بكتابه تمَّ عقد قران الأسير: أسامة الأشقر على الطبيبة (منار خلاوي). فإليهما وللشعب الحي في فلسطين كتبت القصيدة.

 

 

 

 

عبد الرزاق اسطيطوإليك أينما حللت أو ارتحلت

حنين

أحن إلى ضفافك

كما يحن جدول تائه

إلى مياه الأنهار الجارفة

وأمشي تحت رموش عينيك

كما يمشي غزال شارد

تحت أفياء نخيل

لواحات مترفة

**

شوق

يهزني الشوق إليك بعنف

كما تهزالرياح المراكب التائهة

بين أمواج صاخبة

**

مرآة حالمة

مرايا حالمة

كلما اشرفت منها على نخيلك

شردتني أفياؤها

فهل كانت مرايا

أم شرفات مشرعة؟

**

حلم

يطير الحلم إليك كالسنونو

فوق ربوة مخضرة.. يطير إليك

خفيفا.. شفيفا

لامعا كنور الدمع

ولوعته..

 وهيامه..

 وانكساره..

فهل كان حلما

 أذابته من الشوق لوعة

أم كان رؤى هائمة؟

**

رؤى مسافرة

موج..

صخب..

عزف..

رذاذ...هوس

نورس هائم في الأفق الأزرق

ناي من الحنين يهزه وتر

سفر..

ومطر..

ومابينهما ينفلق الفجرألق

يذوب من الشوق وينصهر

***

عبد الرزاق اسطيطو

  

نبيل عرابيلم ينتبه إليه أحد، حين اتّخذ لنفسه مقعداً في غرفة الإستقبال، حيث كانت مجموعة من الأصدقاء، تتجاذب أطراف الحديث... رجل قد انهى العقد الثامن من العمر، توحي قسمات وجهه التي تماهت مع شعره المتصل بلحيته الكثة بعمق التجربة والمعاناة في سبر أغوار الحياة. ووسط ذهول الجميع بادر بالقول:

"دعوا حياتكم ترقص برشاقة على شواطىء الزمن، كما يرقص الندى في رؤوس البراعم".

لكن الدهشة بقيت سيدة الموقف بانتظار المزيد من انقشاع الرؤية، فأردف:

"من فؤادي تتصاعد صورة أشواقي، فأبصرها تتراقص أمام عيني".

وحين حاول أحد الحاضرين كسر حال الجمود المهيمنة على الموقف،

عاجله الضيف المجهول:

"إنّ في العالم حكماء ومجانين، متبصّرين وغُفّلاً. إنّ فيه عيوناً تضحكُ وعيوناً تبكي وعيناي أنا مملوءتان جنوناً" .

ارتسمت ابتسامات خفيفة على وجوه المحدّقين بهذا المتحدّث اللبق الغريب في آن معا، وتكررت المحاولة ثانية للتدخّل في ما يجري، لكنها باءت بالفشل، فيبدو أن الزائر يمتلك من مقومات الحضور ما لم يكن يخطر على بال، وتابع بثقة عارمة:

"لا يستطيع شاعر أن ينشد دوماً الأغنية القديمة نفسها. والزهرة تذوي وتموت، ولكن لا ينبغي لحاملها أن ينوح دوماً على مصيرها".

هنا أدرك الجميع، أنهم في حضرة أديب من الصف الأول، أو ربما فيلسوف قد أمضى أكثر سنوات حياته باحثاً عن إجابات شافية، لأسئلة تملأ رأسه، وتقضّ مضجعه.

وقبل أن تبدأ تفاصيل وجوده بالتلاشي شيئاً فشيئا، كسحابة دخان أبيض، تناهت إلى أسماعهم كلماته وهو يقول بحسرة:

"إنني أنسى وانسى دائماً أن لا جَناح لي للطيران، وأنني أبداً مشدود إلى هذه الأرض".

وحين استفاقوا من ذهولهم، صاح أحدهم :" أنظروا! هناك شيء ما.." ومدّ يده حيث كان الضيف، وأخذ يقرأ: بستانيّ الحبّ!.. تعريب: سامي الرّياشي..المطبعة البولسية–جونية–لبنان..آه هذا ديوان.. الشاعر الهندي.. آه.. إنه طاغور..!

***

نبيل عرابي

 

 

عبد الجبار الحمديغريبة الأحاين عندما تجبرك أن تمضع ما لا تشتيه وتقودك حيث الظلمة ظنا أنها إرادتك... يا لسخرية القدر!! يدفع به الى حيث يجعله لا يعلم الى أين يذهب؟ سحقت كبرياؤه تلك الحثالات التي امتهنت السياسة طاقية إخفاء، كانت لديه الوسيلة غير أن خط رجعة الى زمن الطمأنينة كان كفيلا بأن يعقد لجام لسانه، أذيع انه لاذ بالفرار حيث الصمت.. فالصمت قالت له نفسه: في الغالب يسبق العاصفة، عالم مخيف هو الصمت متى ما ركب وجه الحقيقة دون ان يدلي بها، وجه تربعت على قسماته قساوة الواقع والخوف من ذكرها، فعناوين سلطة استباحت فض بكارة السكوت بعد ان كان ينصت الى من تعرض الى سلبيات فساد رجالات دولة، بلع لسانه، صار كالحجر لا ينطق باي تعليق فالصفعات التي تدلت بها رقبة من كان معه كفيلة بأن تلزمه الصمت كالخرس الابدي، حتى أنه لم يهز رأسه بلا... تعبيرا عن رفضه للقمع وتكميم الافواه، إننا قالتها نفسه... نعيش زمن (عش واقعك المرير واشرب الزمهرير ثم نم خوفا من ان تطالك يد السلطة تحت السربر)، تلك عبارة سمعها من صاحب له خرج من المعتقل بتهمة نقد للسلطة، كان نتيجتها بأن قَبِعَ وحيدا في ركن بعيد عنا، لا يخوض لسانه بأي عبارة إيجاب او سلب، لقد سحبوا لسانه فاستطال حتى لا يمكنه ان يديره في حَلقهِ لينتقد اي ظاهرة فساد باعت الوطن الذي كان هو أول من خرج يطالب بالحرية والحقوق له، رافضا التحزب والسلطة الماجنة التي قتلت وأرهبت الشعب... الشعب الذي قال مرة عنه.. إنه الضحية الكبرى التي يتلقى الصفعة تلو الصفعة نتيجة اختياره لمن يمثلون الاسلام السياسي... لم يتخيل انه سيكون مطارد فما ان خرج مبتعدا عن تلك الجلبة التي تصاعدت بعدها تحولت الى ضرب وركل كل من يقف في طريقهم، فالمسألة تعدت ان تكون مواطنا مثقفا واعيا، تعتقد انك تمتلك الحرية سلطة رابعة تحمي حقوقك كإنسان كما تدعي تلك المنظمة العالمية لحقوقه المسلوبة تلك للتعبير عن رأيه، حتى هي سيقت كالسبايا فلا سلطة رابعة بعد ان شوهوا صورتها بأنها سبية تباع وتشترى لمن يدفع اكثر، لا سلطة اليوم إلا للترهيب والتخويف والسحل الى السجون.. عناوين الصمت الحقيقي التي مهما صرخت، تعذبت، توجعت أو قتلت لا صوت لك مسموع.. إلا ضحكات ذيول همهم هز اوساطهم لحامل اللحمة... اللحمة الوطنية الواحدة .

اخرس لعنك الله... كيف تضحك الم ألزمك الصمت؟ لمِ لحقت بي وترهاتك حيث ملاذِ؟ إني لن اضحي بنفسي من اجلك وأنا اراك تضحك دون سبب، لقد فررت... جلبتك معي حيث الملاذ الساكن الى الابد لإننا يا هذا نعيش في عالم فحيح الثعابين وحفيف الشجر، فلا ترهقني بأنك بت آمنا تريد الافصاح عما بداخلك، لا اريد لك ذلك ولا احبذه حتى في صلاتك التي لا تجهر بها واخفتها فما عادت تفي بالغرض عندما ترك الله للفاسيدن أن يعيثوا فسادا، حتى كبار القوم يامرهم بالفسوق والفجور لغاية لا يعلمها إلا هو... إننا يا هذا الفقراء الى الله والضحية، وإلا هل سمعت وعلى مدى تلك القرون منذ مجيء الرسول الاعظم وحتى قبله من الانبياء والاقوام التي بعثوا إليها  ان الفقراء انتصروا؟ إنها أزمة بين مكونات مجتمع فاسد وصالح، أما الفاسد فكان يواري سوءة اخية بعد ان قتله، واما صالح فكان ميتا بعد ان نال ضربة اطاحت به و وسدته التراب.. هكذا هم فقراء الصمت قرابين يُضحى بهم بصمت دون ان تكون هناك اشارات او علامات تدل على انهم عانوا ما عانوا، يساقون الى المذبح بعد ان تدق النواقيس وتصدح المآذن بالتكبير... الله أكبر حي على الفلاح... يا له من فلاح دنيوي لا يستكن إلا بقرابين بشرية، كيف تريدني ان أصيغ لك بعد ما قلت عبارات الهروب؟ إني يا هذا ما لذت بالفرار إلا خوفا على ما تبقى من تلكم الشعرة، أتراها باتت الخيط الرفيع بين هروب الصمت والموت؟ واقعا لا أرى إلا فرقا بسيطا هو تماما مثلها، فالموت هو الصمت الابدي والمطبق اما الصمت الهارب فأعتقد انه يمكن ان يخرج عن دائرته ليفضي بما في جعبته على انه يكون متأكدا بأنه الخروج الاخير فبعد ذلك الصمت والعودة يأتي الفناء أولا تظن ذلك؟

واقعا كنت انصت له وهو يتحدث بإسهاب، لا ردة فعل لي سوى هز رأسي مثل تلك الدمية.. دمية الكلب التي ما ان تشعر بالاهتزاز حتى يتحرك رأسها لا اراديا.. هكذا كانت تتحرك مفاصلي لا اراديا وانا اوافق على كل ما سمعت، لا ابدي رأيا، فالرأي في تلك الاحاديث يجعلني طويل اللسان أخرس مثل صاحبنا المنزوي في ركنه... كما قال حنظلة لسيده عندما قسم الغنائم من السبايا لسيده... هذه لك في الفجر، هذه للصبوح، هذه للضحى، هذه قبل الغداء واخرى لما بعده، و واحدة في الغروب وثانية للمساء... ضحك سيده وقال له: من علمك القسمة يا حنظلة رد عليه: اللطمة التي دوت على رقبة صاحبي هههههههههههههههه، كانت لطمة واحدة كفيلة بأن تعيد لحنظلة حساباته في التقسيم ترى كم لطمة نالت من سادة السلطة حتى اعادوا لقسمة بينهم و وزعت مقدرات وثروات وطن... إننا في كل يوم بل في كل لحظة نتلقى اللطمة تلو اللطمة حتى تحشرجت المفردات بعد ان اثخن بالشلل العنق الشوكي، اصاب الخلل احبال الصوت التي نشروا اوساخ أفعالهم عليه فصرنا لا نخرج من افواهنا إلا قبيح افعالهم بعد ان تغتسل في بطون حبلت بالنفاق فصارت تتقن فن الحديث..

في تلك اللحظة هرولت معه كي ادخل تحت ظله الذي اراه آمنا بعض الشيء، لم يتبرم مني ولم يلقي بي خارجا، لكنه اشار لي بالصمت غير ان سؤال في بطن عقلي لا زال يتحرك كان لحظة ولادته حانت، مخاض صراخات طلق يشعر بها هو وانا يراني أريد الولادة... يا للغرابة رجل يلد؟!! هكذا ظننته يريد ان يقول لي، لكني اجبته لا تستغرب!!! فقد دخلنا زمن الرجال تَلِد إنه زمن الخبل في قلب المعايير والموازين... إنها ساعة حانت بها ان تكون كل المحرمات مستباحة حتى الله بات يستباح حقه بعد أن نالوا منه ومن كل الرسالات لقد طالت ايديهم والسنتهم بلوي الحقيقة وبهدوء في رسم مخطط وستراتيجية انهكت حتى الملائكة والشياطين من اللحاق بحقيقتها، بات البهتان عنوان رسالة سماوية.. اشار لي مرة أخرى بالصمت لكني لم استطيع بعد ان دخلت في محرابه ولابد من السؤال... لم يعجبه تحرك شفتي ولساني يضع افراخ المفردات وهي تنجب مثلي سؤالها العقيم أين الله من كل ذلك؟ لم ألحظه بل كان أثره الغبار المتطاير دليل على هروبه الى حيث لا أدري تاركا وراءه ورقة كتب عليها (وما ظلمناهم ولكن كانوا انفسهم يظلمون).   

***

القاص والكاتب

عبد الجبار الحمدي

 

اياد احمد هاشمجُرْحٌ نَما وَعُيونٌ تَدَّعي الأَلَما 

            وَغَيْمَةٌ وَجَدَتْ في غَيْثِها النَّدَما

وَحاطِبونَ أحاطوا مَرْكَباً هَرِماً

                 لِيَقْتُلوهُ،، وَلَكِنْ ظَلَّ مُبْتَسِما

كانَ الشِّراعُ يُغَنّي قَبْلَ بَيْعَتِهِمْ

            لِشَيْخِ قَرْيَتِهِمْ،، والسّارِياتُ فَما

لكِنَّهُمْ حَرَّموا أَشْعارَهُ فَذوى

                 وَشَيْخُ قَرْيَتِهِمْ كَمْ نَمَّ وَاتَّهَما

فَأَجْمَعوا ذاتَ يومٍ أنْ يَسيرَ بِهِمْ

     أَوْ يَحْطِبوهُ،، فَكَانُوا الخَصْمَ والحَكَما

البَحْرُ كانَ لَهُ عَوْناً لِيُخْبِرَهُ

                    بِأنَّهُ آخِرُ الخِلّانِ والنُدَما

كَمْ كانَ يَحْنو على الخُلجانِ يُطْعِمُها

        يُصَفِّفُ الموجَ لا بَلْ صَفَّفَ النُجُما

ما كانَ يَرسو إذا ما قارِبٌ غَدَرَتْ

            بِهِ الرِّياحُ أو اِسْتَلْقَتْ عَلَيْهِ سَما

لَمْ يَرْضَ حَدّاً لِهذا البَحْرِ يُوقِفُهُ

            مَنْ يَقْبَلِ القَيْدَ يَلْقَ الذُلَّ والعَدَما

فَتاهَ لَوْحٌ عَتيدٌ دونَ دَفَّتِهِ

                  وضَلَّلَتْهُ بَناتُ الليلِ فانْثَلَما

وَفِي شِتاءٍ قَديمٍ قَيَّدوهُ على

       الرَصيفِ حَتَّى يَجفَّ الماءُ فانْقَسَما

وَظَلَّ يَنزفُ ماءً مِنْ (دواسِرِهِ)

           ما أغْرَقَ الرّأسَ لكِنْ كَبَّلَ القَدَما

ما كانَ يَشْكو إذا ما جَاءَ واحِدُنا

           لِيَمْتَطيهِ،، فَيُخْفي الكَسْرَ والأَلَما

وَكَمْ لَهَوْنا عَلَيْهِ أَوْ بِشَيْبَتِهِ

               لَمْ نَدْرِ يَوْماً بِأَنَّ اللّهَ كانَ هُما

وَكُنْتُ أسألُ أمّي كَيْفَ مِنْ خَشَبٍ

              تَناسَقَتْ هَذِهِ الألواحُ وَانْسَجَما

قَالَتْ بُنَيَّ فَلا تَعْجَبْ إذا اتَّفَقَتْ

        كُلُّ الأيادي،، فكانوا اللوحَ والقَلَما

تأريخُهُ كُلُّ مِسْمارٍ يُوَثِّقُهُ

             وَكَمْ تَنَخّى بِهِ نوحٌ أَو اعْتَصَما

فَكُلُّ حَبَةِ رَمْلٍ دَوَّنَتْ قَصَصاً

        حَتَّى التَّماثيلُ تَحْكي لَمْ تَكُنْ صَنَما

وَكانَ مِجذافُهُ مِنْ ضِلْعِنا وَبِهِ

        يُصارِعُ المَوْجَ والطوفانَ والسُّدُما

وَحينَ جَاءَتْ غَرابيبٌ تُجَرّحُهُ

             غَنَّتْ عَصافيرُهُ للجُرْحِ فالتَأَما

أَعْناقُها قَبِلَتْ أنْ تَفْتَديهِ كَمَا

          هُوَ الوَفاءُ،، وَأَوْلى أنْ يَكونَ كَمَا

يا ذا الفُراتَيْنِ هَلْ مِنْ راكِبٍ وَطَناً

       أَنْ يَسْتَريحَ،، وَهَلْ مِنْ مَرْكَبٍ نَدِما

                 ***

إياد أحمد هاشم/ عراقي مقيم في النمسا

 

 

صادق السامرائيأمَّةُ العِلْمِ أ جَهْلٌ عَمَّهــــــــــــا

كيفَ تاهَتْ وأضاعَتْ إسْمَها؟

 

قادَتِ الدُنيا وبَثَّتْ نورَهـــا

فأضاءَتْ ما تَخابى حَوْلها

 

واسْتكانَتْ لعِداها إنَّهــــا

بَيْنَ مَمْلوكٍ وتُرْكٍ حَتْفُها

 

أخْرَجوها مِنْ صِراطٍ ساطِعٍ

أقْعَدوها واسْتباحــــوا عِزَّها

 

أمَّةُ الأفذاذِ تَخْشى ذاتَها

وتراها قَدْ أهانَتْ عَقْلَها

 

تَتَلهـــــى باحْترابٍ خائِبٍ

وأشاحَتْ عن وئامٍ طرْفَها

 

ليْتَها أحْيَتْ أصيلاً كامِناً

وتَعالتْ فوقَ ضَيْمٍ حَفَّها

 

أمَّةُ الفرقانِ أوْ أمَّ الرُؤى

ما تَعافَتْ مِنْ سَقيْمٍ شفَّها

 

لا تلمْ غَيْراً وقَرْناً قاسياً

أمَمُ الأرْضِ بعَقلٍ شأنُها

 

دونَ عِلْمٍ لا حَياةٌ تُرْتَجى

وكذا العَصْرُ بعَجْزٍ دَسّها

 

يا علومَ الأرْضِ يا نَبْعَ المُنى

هذهِ الدُنيا بعِلمٍ فِعْلُهــــــــــــا

 

إبْتَعَدْنا عن عُلومٍ أشْرَقَتْ

وبجَهلٍ إسْتَبَقنا نَكْدَهـــــا

 

سادَ عَقلٌ فَتعالتْ أمَّــــةٌ

وبنا العَقلُ تهاوى تحْتَها

 

وَأدَتْ لبًّا لبيْبا مُبْدِعـــــــــاً

فغدى الطوْعُ لأمْرٍ طَبْعَها

 

ولهـــــا مِنّا جروحٌ أدْمَلتْ

أمةُ العُربِ وعُربٌ ضدّها

 

إبْعِدِ العَقلَ وعاقِرْ حُزنَها

وتَغنّى بشديدٍ عِنْدَهــــــا

 

ليْتَها أهدَتْ إليْنا نورَهـــا

مِنْ بَهاءٍ يَتَساقى فَيْضُها

 

أمَلٌ يَبْقى وأمٌّ صَمَدَتْ

ولفَوْقٍ بَعْدَ سُفْلٍ سَعْيُها

***

د. صادق السامرائي

17\5\2021

 

 

علي صالح جيكورفي سبعينيات القرن الماضي، كان لنا قريب من جهة أمي وأبي، لديه محل سمكرة سيارات، في ساحة الطيران، بالباب الشرقي.

وأظن بأنه أول من إمتهن هذه الحرفة المربحة والنادرة في عشيرتنا، آنذاك.

وكان فارع الطول، عريض الأكتاف،ممتليء بدون كرش، كفه قوية مثل كماشة الحديد وكان نزقاً، سريع الغضب بشكل مخيف، يتعارك مع الذباب إذا حوّمَ حول أنفه.

لم يكن الرجل مؤمناً، ليبتليه الله بما يبتلي المؤمنين، فقد كان بلاؤه من نوع آخر، ومصدر هذا البلاء، هم الأقارب ومنهم أهلي!

إذ ما أن يدق جرس آخر يوم من العام الدراسي، حتى يتجمع فصيل كامل من صبيان وفتية العشيرة ، على باب محل (سمكرة الساعدي.) أملاً بتعلم الحرفة التي جعلت من (خلف) غنياً بعد فقر، ومن اجل أن لانتسكع في الشوارع وتحت الشموس كما تقول أمي.

لم يكن بوسع هذا الرجل سوى أن يتقبل الأمر صاغراً وعلى مضض ويتجرع الثلاثة أشهر وعشرة أيام (مدة العطلة الصيفية)، كمن يتجرع السم، فالويل له إن رفض أحدنا، إذ سيصبح علكةً، يمضغها الاقارب وحكاية يلوك بها القاصي والداني، في الأعراس والمآتم وأفراح الختان.

كان لخلف وهذا أسم قريبنا السمكري، ثلاثة مساعدين وهم أيضاً من أقاربنا، يكبرونا بالعمر وسبقونا الى هذه المهنة بسنوات، بعد أن خلفوا مقاعد الدراسة ورائهم دون اسف، وبعد أن تشربوا الصنعة وأتقنوها، يديرون المحل بحضوره أو غيابه ويقومون بتصليح السيارات المقلوبة والمضروبة والمدعوكة.

أما الباقون وكان عددنا يتراوح بين الستة والثمانية ، فقد توزعت علينا وظائف مُستحدثة وبلا معنى وغالباً ما يقوم إثنان أو ثلاثة منا بعمل واحد في ذات الوقت، إذ أن المكان والصنعة محدودين وليس هناك الكثير لتقسيمه علينا، فقد كنا عالة وبلاءً حقيقياً على الرجل.

كنا نتراكض ونتصادم ونتعثر ببعضنا، ما أن ينادي خلف على جلب قدح ماء أو إستكان شاي له او لضيوفه، كنا نتسابق لنيل رضاه والإفلات من صفع رقابنا أونقر رؤوسنا، بسلاميات أصابعه المخيفة!

ولكوني أصغر القطيع سناً، فقد أوكلت الي وظيفة ملأ مبردة الهواء بالماء، اثناء قيلولة خلف النهارية الممتدة مابين الواحدة والرابعة عصراً، في (أوفيس) المحل، وبعد أن يحتسي كأسين أو ثلاثة من الويسكي أو العرق، فكنت أهرع كل ربع ساعة الى ملأ ابريق المرحاض البلاستيكي بالماء، ورش جهات المبردة الثلاث المحشوة بالحلفاء، والجلوس تحتها في إنتظار النوبة الجديدة.

وفي ظهيرة يوم شديد الحر، عاد خلف غاضباً وعيناه تقدحان بالشرر، بعد أن مازحه أسطوات المحلات المجاورة، ليتسلوا بهيجانه، قالوا له: إرفع يافطة (سمكرة الساعدي) وضع محلها (روضة الساعدي)

دخل هائجاً مثل ثور، ركل كل شيء أمامه، ضرب سقف إحدى السيارات بقبضته، دخل الأوفيس، تناول زجاجة ويسكي من الثلاجة وراح يكرع منها بغضب ويدخن، ثم إستلقى على الأريكة ونام.

رششت كالعادة جهات المبردة الثلاث ورطبت الحلفاء، ثم رحت أتطلع اليه بخوف من خلل الزجاج، سمعته يشخر، عدت الى دلق الماء لمرات عديدة ، كان الهروب الى أحلامي باللعب مع أترابي متنفسي الوحيد الذي يدعوني الى تحمل ساعات اللعنة هذه، أحسست بتنمل أطرافي من الإرهاق والتعب، جلست تحت قوائم المبردة، سرت في أوصالي نسائم الحلفاء المبللة الندية، وهدهدني صوت شريطها ورتابة إيقاع محركها، اسندت رأسي الى الحائط وأستسلمت لإغفائة لذيذة.

حلمت كأني في حديقة منبسطة العشب، تحفها الأشجار من كل جانب، وكنت مع زملاء صفي نرتدي ثياب فريق كرة لا أعرف إسمه، كنت أسدد الضربات من بعيد، فتصطدم جميعها بالقائم، وآخرها حلقت بعيداً، ركضنا وراء الكرة طويلاً، ثم دخلنا غابة تحترق، شممت رائحة شواء كريهة..

إستيقظت مرعوباً على كفٍ من النار، ساطت وجهي يصحبها صراخ مجنون ( ياأبن الك..ة إحتركت المبردة،) لم يلحق على صفعي وركلي ثانية، بعد أن أطلقت ساقي للريح وبعد أن تعثر بأحد النائمين من القطيع المتناثر على أرضية المحل.

***

علي صالح جيكور

قصة قصيرة