عدنان الظاهر7ـ مع الوالدة في بيروت

[1965 ــ 1966]

هل تأتي

لتزورَ مرابضَ قريةِ مِحرابي

فصّلتُ مُقامي فيها فصْلاً فصْلا

ونشرتُ ثيابي لصدى أهوائي حَبْلا

ضمّتني غُصُناً في قبرِ

وبكتني برّاً في بحرِ

ومطاراً لعهودٍ طالتْ ... أفنتني ... كادتْ

من ثُمَّ رأيناها رأيَّ التُفاحةِ في العينِ

شَبَحاً أسودَ في ظلِّ جِدارٍ مُنهارِ

صَرَختْ ثم انهارتْ

جمّعتُ الأنفاسَ ولمْ تنهضْ

مَنْ ينهضُ والصوتُ العالي مأزومُ

يترددُ في مركبِ نُوحٍ في عَرْضِ اليمِّ

أُمّي ! آهٍ أُمّي آهٍ أُوّاها

خَفتَ الصوتُ ومرَّ المركبُ مرَّ الوهنِ

هل بقيتْ بيروتُ كما كانتْ

وكما شاهدتُ خطوطَ النملِ على رملِ الأهلِ ؟

بيروتُ حنينُ الناقةِ للحِمْلِ

حَمَلتني من بهوِ الطبِّ لبارِالجنِّ

شقَّ البدرُ جناحاً

يحملُ أُمّي بَرْقاً من جُندِ

وحلولِ الجسدِ النازلِ في ليلةِ قَبْرِ

قَدَري هذا .. قالتْ نَزَلَتْ تسقيني ماءَ الحُمّى

وأُعاطيها أخبارَ الجنِّ الحُمْرِ

تُبعِدُني ... تخشى العدوى !

بيروتُ مناجلُ عيدِ الإعصارِ

وبنادقُ شقِّ الأنفاقِ

تركتني أُحصي أنفاسَ البحريّةِ والطوقً الأمني

أُخفي دَمْعاتِ الموجِ بحبّاتِ الرملِ

أسمعُ فيها دقَّ طبولِ حِدادِ الأهلِ

فأقولُ سلاماً

تركتني عَظْماً يقرأُ آياتِ الفجرِ..

أوقفتُ خسائرَ فادحةً

في قلبِ الإعصارِ الضاربِ في سوءِ الظَنِّ

طارَ صوابُ الجاني والسادرِ في أنصافِ الحَلِّ

والغافي تحتَ الظُلّةِ في قيلولةِ عِزِّ الصيفِ

ما يعني شأني للضاربِ طُنبورَ أخاديدِ النسيانِ ؟

هيّا .. نبدأُ عصرَ التجديفِ المُرِّ

لا بحرٌ يبدأُ فينا لا ريحٌ لا قوسٌ لا بحّارُ

مِجدافُ البحرِ يُعطِّلُ موجاتِ الريحِ

أشرعةُ المدِّ قِصارُ ...

قلّبتُ الدُنيا فانقلبتْ بي

وتقلّبَ جرّاها منظورُ التعبيرِ

ما كانَ الوزنُ الصافي معروفا

أو كانَ الدِرعُ الواقي مصفوفا

وجّهتُ التوقَ لوجهةِ فوجِ التدريبِ الإجباري

لأُراقبَ ما يجري خلفَ متاريسِ الأنصابِ

هذا توق الماشي عَكْسَ التيّارِ

كُفّوا يا ناسُ خذوا رأسي مقصوصا

الحربُ سِجالُ

قاصيها دجّالٌ أحمقُ معزولُ

والنارُ سعيرُ سُعارِ الأبراجِ ..

جاءتْ تتخطّى ماضي الأشواقِ

تمشي الدُنيا تتوكّأُ شِبْراً شِبْرا

تُحصي السيّارةُ أنفاسَ هدوءِ الصدرِ

تفتحُ أنوارَ الشرقِ مصابيحا

هل وجدتني أنزلُ مِعراجَ النورِ حثيثا

وأصفُّ الدمعَ شموعا

لطريقِ العُزلةِ في الدربِ النائي

صَرَختْ أُمّاهُ تعالوا

هَفَتتْ غابتْ

سَقطتْ من بُرْجِ النوءِ العالي

قَمَراً ينزفُ مخسوفا.

***

د. عدنان الظاهر

 

 

بن يونس ماجنكمامات تزخر بشتى الالوان

ما عدى الاسود

امرأة منقبة في لندن

2

على ضفاف "التايمز"

حدائق "الهايد بارك"

جنة الرواة والخطباء والدعاة

وجماعة المشاغبين

3

في شوارع لندن

المكتظة بالضباب

والطقس البارد والمظلات

ثمة مطر سخي لا ينضب

4

صعلوك متشرد

سرق مقعد حديقة

ليطل على صناديق القمامة

لا شيء سوى تثاِؤب النفايات

5

تحت جنح الظلام

خفافيش "بج بن"

تخشى من ضربة عمود الانارة

قبل هبوط الليل

على مجلس العموم

6

في أعياد المسيح

أطفال لندن ينتظرون على احر من الجمر

خروج "بابا نويل"

من مداخن بيوتهم

7

كتابان متباعدان

على رفوف المكتبة البريطانية

ما للحجر الصحي

لا يحترم غبار الاغلفة؟

8

المتحف البريطاني

حفريات الثقافة البشرية

يا لها من السرقة الموصوفة

9

ميدان الطرف الأغر

حقل المجسمات

وفضلات الحمام

10

"ادجوار رود"

شارع الشيشة العربية

والكباب والشاورمة

وهز البطن الى مطلع الفجر

***

بن يونس ماجن

 

وليد العرفي النص

تعبيرٌ عنْ تجربةٍ لا تعني التَّعميم ولا التَّخصيص

حبرٌ في علمِ التَّنصيص

المعنى

المعنى ليسَ الظَّاهر في الكلماتْ

المعنى في قلبِ الشَّاعرِ ماتْ

التاريخ

التاريخُ كتابٌ عنْ ماضٍ لنْ يرجعْ

الحاضر

إحساسٌ بحياةٍ وعبورٍ موجعْ

المستقبل

؟ ؟ ؟

الجغرافيا

منظقةٌ يقبلُها العقلُ

ويعشقُها القلب

الحب

قاموسٌ تتشكَّلُ أحرفهُ منْ نبضْ

لغةٌ معناها وسعُ فضا ومساحةُ أرضْ

الفراق

موقفُ  فقْدٍ يُشبهُ  لحظةَ موتْ

ترجمةٌ لكتابِ الصَّمتْ

***

وليد العرفي

 

 

فتحي مهذبNothingness knocks on doors.

بقلم فتحي مهذب تونس.

مع ترجمة: د. يوسف حنا. فلسطين.

** العدم يقترب كثيرا من ضيعتنا

يقفز مثل كنغر في السافانا

السنة الفائتة

قتل شجرة لوز معمرة

ضربتها صاعقة من إصطبله السماوي

وبرغم موتها التراجيدي

لم تزل تأخذ هيئة صليب

سابلة جناحيها المتفحمين

كل طائر يمر بمحاذاتها

يرسم علامة الصليب في الهواء

ويمضي.

**

العدم لم يترك أحدا في البيت

ابتلع قارب شاوول الأشقر

في أعماق المحيط

شاوول إبتلعه حوت كبير

لكن ثمة موجة

تشبه سيارة ليموزين

بصفير متقطع

تنعاه بمحاذاة الشط.

**

العدم

يمنحنا عند الولادة قرصة لاذعة

ليكون زعيقنا أشبه بجراء الفقمة

نادمين على الهبوط الأرعن

يلعق دمنا في القماط

ثم يختفي في الجذور العميقة

متوعدا حياتنا بنقصان فادح.

**

كنا نتقاسم شطائر الهمبرقر.

نربط روحينا بحبل هواجسنا

نعبر جسر المرئيات

مثل فراشتين من النور الخالص

تذهبين إلى قلبي

تقلعين الأعشاب الضارة

ما خلفه الأصدقاء من أصداف ميتة

أذهب إلى قلبك مثل فارس شركسي

أطرد الشياطين التي تتربص بنا

الغراب الذي يلتهم سماءك المغمى عليها

كنا نمتطي الباص ونصعد إلى المستقبل

يتبعنا مطر من الموسيقى

تتبعنا كلماتنا المضيئة

مثل جواري توت عنخ أمون

والهواء كاهن يبارك صلواتنا

من شرفتها الكنسية

تطل العذراء مطوقة بمترين من الفراشات المتلامعة

لا نتكلم بل نحدق كالمجانين

في أرجوحة النهار

وعلى غرة

ونحن في قلب التجربة

هاجمنا العدم كقاطع طريق.

أنت ذهبت إلى المقبرة

وأنا ذهبت إلى وادي الملوك.

بحثا عن* كتاب الأموات*.

**

سأقتل برصاصة

أو بشظية قناص

أو ستدهسني عربة نقل الأموات

وأنا مستلق على سريري

أفكر في شراء إلاه طيب

من كاهن ثري

ليساعدني في رأب شقوق الميتافيزيق.

في الحرب التي أخوضها كل يوم

بكيس مليء بفواكه اللامعنى.

سأقتل بحبل مشنقة

في قاع النص

أو بضربة حمى

بين نهدين ثرثارين

يغردان بمنتهى العذوبة

سأقتل عمدا أو سهوا

في الهجرة

أو في حانة مليئة بالأرامل

أو في برج مائل يدفعه فهد

إلى التهلكة.

سيكون العدم شقيقي الأكبر

سيمنحني وساما ذهبيا

ثم يشيعني إلى العالم الآخر

بدم بارد.

**

تعبنا كثيرا

الدم يشرشر من أقدامنا

الحرب عجوز شريرة

لا تنام أبدا

تذهب إلى المبغى

لتقتل النهار الأشيب بعضة أفعى المامبا

تفرغ خراءها في جيوب القادة

يذهب الجنود إلى النسيان

والبيوت إلى الرماد

تعبنا كثيرا

الحرب

العجوز الشريرة

كانت صديقة نادرة جدا

لكلاب العدم.

**

حينما نتحول إلى عدم

ستتبعنا الأشياء بخطى متماسكة

لتنال وجبتها من الوليمة

سيبقى العدم وحده في المنفى

مالئا دورقه المثقوب بحجج هشة.

**

رأيت الوجود والعدم

يتحاوران بالإشارة

فوق الجسر .

***

فتحي مهذب

....................

 

Nothingness knocks on doorsيوسف حنا

By Fathi Muhadub / Tunisia

From Arabic Dr. Yousef Hanna / Palestine

Nothingness is very close to our estate

He jumps like a kangaroo in Savanna

Last Year

He killed a perennial almond tree

Was struck by lightning from his heavenly stable

Despite her tragic death

It is still taking the form of a cross

Letting down her charred wings

Every bird passes by

Paints the sign of the cross in the air

And goes on.

**

Nothingness left no one at home

Saul swallowed the blond boat

In the depths of the ocean

Shaul was swallowed by a large whale

But there is a wave

That resembles a limousine

With intermittent beeping

Mourns him along the beach.

**

Nothingness

Gives us a stinging pinch at birth

Making our squawk more like seals puppies

Regretful the reckless landing

He licks our blood in the swaddle

Then he disappears into the deep roots

Threatening our lives with serious omission.

**

We were sharing burger sandwiches.

Tying our souls to the rope of our obsessions

Crossing the Visuals' bridge

Like two pure light butterflies

You go to my heart

You take off the weeds

What friends left from dead shells

I go to your heart like a Circassian knight

Drive out the demons that lie in wait for us

The crow that devours your unconscious sky

We were riding the bus and ascending into the future

A rain of music follows us

Our luminous words follow us

Like Tutankhamun's maidservants

And the air is a priest who blesses our prayers...

From her ecclesiastical balcony,

The Virgin peeks surrounded by two meters of glittering butterflies

We don't talk, we just stare like crazy

In the swing of the day.

And by surprise

Whereas we were at the heart of the experience

Nothingness attacked us like a roadblock.

You went to the cemetery

And I went to the Valley of the Kings

In search of "The Book of the Dead".

**

I will be killed by a bullet

Or with a sniper shrapnel

Or I'd be run over by a dead carriage

While I'm lying on my bed

Thinking of buying a generous god

From a wealthy priest

To help me heal the cracks of metaphysics.

In the war that I fight every day

With a sachet full of meaningless fruits.

I will be killed with a noose

At the bottom of the text

Or by a fever stroke

Between two garrulous breasts

Twittering very sweetly.

I will be killed intentionally or inadvertently

In migration

Or in a bar full of widows

Or in a leaning tower pushed by a leopard

Into a punch.

Nothingness will be my older brother

He will award me a golden medal

Then he mourns me to the next world

In cold blood.

**

We got tired so much

Blood splatters from our feet

War is a wicked old woman

Never sleeps

She goes to the brothel

To kill the graying day with a bite of a mamba snake

Empties her shit in the pockets of the leaders.

Soldiers go into oblivion

And homes to ashes

We got tired so much

the war

The evil old woman

Was a very rare friend

Of the dogs of nothingness.

**

When we turn to nothing

Things will follow us at a coherent pace

To get her meal from the feast

Nothingness will remain alone in the exile

Filling his perforated beaker with brittle arguments.

****

I saw being and nothingness

Talking with a signal

Over the bridge.

***

 

 

سوف عبيدرُوحي فِدَى شيخ بساق الخشبِ

في الشّمس

أو في البرد

يقرعُ الحَجرْ

تراهُ صَلدًا شامخًا

لا يشتكِي

فالمجدُ هذا

لو يرى كلُّ البَشرْ !

***

سُوف عبيد

قصي الشيخ عسكرذكّرني

وجهُ عجوز

أغرتني أن ألعبً في البيكلدللي الروليت

ذكّرني

بعجائز في قريتنا

رتلنَ القرآن وأغرين الأطفال بخبز العبّاس

**

دراية

بقعة شمسِ تبحث عني

في أيِّ مكان لاتدري

لا وعداً يخفيني

بعض الأحيان أكون على بعد من صمتي

**

تأمّل

من يتأملني فيكِ إلى

فرح من حزنٍ يُنفَى

وإلى حزن من فرحٍ يُنفى

تلفت أم التفات

**

لؤلوةٌ

تلفتت قافلةً من الزمان

والتفتت بعبرةٍ من البريق

كان لها قلبي صدى

يعانق الأريج

***

شعر

قصي الشيخ عسكر

 

زهرة الحواشييا ندى الليل المحمّل بالآمال

قبلة العشّاق...نيروز الأماني

 

يا نديم الرّوح يا لحن الأغاني

يا قطوفا داعبت خــــدّ الدّنان

 

يا ندى الليل المحمّل بالـــــوعود

يا مزاهير الغرام و تيسير العهود

 

يا احتفاءً و انتماءً و احتفالا

و شموعا وولوعا..وصواني

 

يا ندى اللّيل المعطّر بالرّبيع

يا ابتسامات بِراءً..كالرّضيع

 

يا عذوبة ليل نيسان البديع

يا طيوبا هيّجت ورد افتتاني

 

يا ندى اللّيل المسافر في سلام

فوق كاسات الكواكب و الغِيام

 

هاتني بعض النّسائم و العطور

من أريج أحبّتي ..فَيْحِ الجنان...

***

للشاعرة التونسية زهرة الحواشي

من مجموعة حديث الروّح .

 

صادق السامرائيألاعِيْبٌ تُمارِسُهـــا الشُّعُوبُ

ومِنْ غَفلٍ تُداهِمُها الخُطوبُ

 

ورُقْعَتُها بأرْضٍ ذاتِ خَيْرٍ

تَلهّى خَلْقُها وبها يَلـــــوبُ

 

مَراسيْمُ انْتِهابٍ دونَ قَيْــــدٍ

ويَفْرِضُها بإجْحافٍ غَلوبُ

 

وقد أخَذوا غَنائمَهمْ وجاروا

وإنَّ الشَّعْبَ مَكْــدودٌ نَكوبُ

 

حياةُ شُعُوبِنا فاقَتْ أساها

وكُلُّ أثِيمَةٍ فيها تَجُـــوبُ

 

أضاليلٌ مُعَمَّمــــةٌ بأفْكٍ

تُسوِّغُها شَياطينٌ تَنوبُ

 

رذائِلها بها بلغَتْ مَداهــا

فَضائِلُها بما أفْتَتْ ذُنوبُ

 

تِجارَةُ ديْنِها رَبَحَتْ وفازتْ

وإنّ الجَهْلَ تَسْــويْقٌ دَؤوبُ

 

ألاعيْبٌ لها أشْواطُ كَسْبٍ

مُبَرْمَجَةٌ يُحَرِّكها اللَّعوبُ

 

وكمْ فَتَكَتْ بأجْيالٍ وأخْــرى

وما بَرِحَتْ على أمَمٍ تَؤوبُ

 

إذا لعِبَتْ بنا كَسَبَتْ أناسا

تُغَفِّلهُمْ بإغْـــــراءٍ يَطيْبُ

 

وتَأخُذُهُمْ سُكارى نَحْوَ وَيْلٍ

وتُطْعِمُهمْ وتَمْلِكُهمْ جُيوبُ

 

تُصَنِّعُهُمْ وتَمْلأهُمْ عَداءً

لأمَّتِهمْ فَتَفْتِنُهُمْ كــروبُ

 

لماذا أمّتي فيها نفــــــوسٌ

تُعاديها وقائِدُها الغَصوبُ؟

 

خِياناتٌ تُفاعِلهــــــا بقَهْرٍ

ويَرْجِمُها بفادِحَةٍ ذَؤوبُ

***

د. صادق السامرائي

 25\12\2020

 

 

جمال ابو زيدترجمة: جمال أبو زيد

16- المرأةُ العجوز والطبيب


استدعتْ عجوزٌ كانت عيناها قد بدأتا تضعفان طبيباً لقاءَ أجرٍ متفقٍ عليه. ذهب إلى منزلها، وكان يعالجُ عينيها كلَّ مرّة ٍ بمَرْهَم. وفي كل جلسةٍ، وفيما كانت عيناها مغلقتيْن جرّاءَ العلاج، كان يسرق أثاثَ منزلها قطعةً في إثر قطعة. وحين نقلَ كلَّ شيءٍ، انتهى العلاج وطالبها بالأجر المُتفق عليه. رفضت العجوز أن تدفع له أجْرَهُ فأخذها إلى المحكمة. وصرَّحَتْ عندئذٍ بأنها كانت حقّاً قد وعَدَتْهُ بأجْرٍ إذا أعاد لها بصرَها، ولكنْ منذ أن بدأ برنامج الطبيب في العلاج، ساء وضعُها أكثر من ذي قبل، إذْ، كما قالت، " في السابق كان في مقدوري أن أرى الأثاثَ في البيت، أمّا الآن فلم يعد في وسعي أن أرى أيَّ شيءِ منه".

**

17- الحصان والحمار

كان لدى رجلٍ حصانٌ وحمار. ذات يومٍ، وفيما كانا على الطريق، قال الحمار للحصان:

"خذ عنّي بعضَ الحِمْلِ إذا كانت لديكَ قيمةٌ لحياتي".

أدار له الحصانُ الأذنَ الصمّاءَ، وسقط الحمارُ مُنْهَكاً من الإعياء ومات. وعندئذٍ نقلَ المالكُ الحِمْلَ إلى الحصان بالإضافة إلى جلد الحمار المسلوخ، فتنهّدَ الحصانُ وقال: " آه. لا أملَ لي. وا أسفاه! ماذا أصابني؟ لأنني لم أُرِدْ أن أحملَ حِمْلاً خفيفاً، ها أنذا أحملُ الحِمْلَ كلَّه وحتى الجلد أيضاً! ".

**

18- البستاني والكلب

سقط كلبُ البستاني في بئر. وبُغية إنقاذه، نزل البستانيُّ بنفسه إلى البئر. بَيْدَ أن الكلب، الذي ظنَّ أن البستانيَّ كان بصددِ دفعه إلى نقطة أعمق، استدار وعَضَّه. فصعد البستانيُّ إلى خارج البئر وهو يتألم من جرحه قائلاً: " الأمرُ سيّان بالنسبة إليّ. لماذا أضايق نفسي لأنقذ حيواناً يريد أن يهلك؟".

**

19- اللصوص والديك

 لم يجد بعضُ اللصوص، الذين اقتحموا بيتاً بُغية سرقته، شيئاً فيه باستثناء ديك ٍ صغير فأخذوه ومضوا به. وحين دنا أجلُهُ على أيديهم، توسّل إليهم أن يطلقوا سراحه مدافعاً عن نفسه بقوله إنه كان ذا عونٍ للرجال بإيقاظهم ليلاً للذهاب إلى أعمالهم، فقالوا له: "وهذا سبب آخر لقتلك، إذ بإيقاظك الرجال تمنعنا من السرقة".

**

20- الرجل الذي عَضَّهُ كلب

طاف رجلٌ، كان قد عضَّهُ كلبٌ، في كلِّ مكان بحثاً عمَّنْ يعالج جرحَه. أخبره أحدُهُم أنّ كلَّ ما يتحتّم عليه أن يفعله هو أن يمسح الدمَ عن جرحِهِ بكِسْرَة ِ خبزٍ ويرميها إلى الكلب الذي كان قد عضَّه، فأجاب الرجلُ المتأذّي قائلاً: " ولكنْ، لو فَعَلْتُ ذلك سيعضُّني كلُّ كلبٍ في المدينة". 

**

21- الكلبُ الذي أُكْرِمَتْ وفادتُهُ كضَيْفٍ

أو الرجلُ وكلبُه

أعدَّ رجلٌ عشاءً ليكرمَ وفادةَ صديقٍ للعائلة. ودعا كلْبُهُ كلباً آخرَ قائلاً له: " يا صديقي، تعالَ إلى البيت لتناول العشاء معي".

وصل ضيفُهُ يحدوهُ الحُبورُ وتوقف لإلقاء نظرة ٍ على كلِّ الطعام الممدودِ، مغمغماً في قرارة نفسه: " أوه. يا لها من لُقْيَة ٍ بالنسبة إليّ. سوف أُسْرفُ في الشراب وأعطي نفسي ما يُتْخِمُ بطني بحيث لن أشعرَ بالجوع طوالَ يوم غد".

وطوال الوقت الذي كان يُغمغمُ فيه بذلك كان ذيلُهُ يهتزّ وهو يُظهر ثقته بصديقه.

أمسكهُ الطاهي، وقد رأى ذيْلَهُ يتحرك ذات اليمين وذات اليسار، من قدمه وطوَّحَ به من النافذة. ذهب الكلبُ إلى البيت وهو يعوي. في طريقه قابل بعض الكلاب، وسأله أحدُها: " كيف كان عشاؤك؟".

أجاب الكلب: " لقد أسْرَفْتُ في الشراب حتى الثمالة. ولا أعرف حتى كيف خرجتُ من ذلك البيت".

***

..................... 

إيسوب ( 620 ق.م – 564) كاتب إغريقي ولد عبداً في القرن السادس قبل الميلاد في اليونان في جزيرة ساموز، ثم أعتقه سيده الأخير. انطلق بعد ذلك يجوب الآفاق وينشر أفكاره وحِكَمَهُ وقد ألّف مئات الحكايات الخرافية حتى صار أحدَ رُوّادِ هذا الفن. وهو شخصية مثيرة للجدل، ولا يُعرف عن حياته إلا القليل. فثمةّ من يشكك في وجوده أصلاً ويعتبره شخصية أسطورية اخترعها اليونانيون، الذين كان من عادتهم نسبة الأعمال الأدبية إلى مؤلف، فنسبوا تلك الحكايات إلى شخصية وهمية تدعى إيسوب.

بيد أننا في حقيقة الأمر نرى أنّ الجميع اتفقوا على أنَّ "حكايات إيسوب" عمل أدبي رائع، صيغ بأسلوب طريف وممتع. وتضع تلك الحكايات فلسفة للحياة والسياسة مليئة بالحِكَمِ والدلالات التي جاءت على ألسنة الحيوانات. تُعدُّ كلُّ حكاية منها ذات معنى خاص يستطيع القارئ الوصول إليه بسهولة. لاقت تلك الحكايات رواجاً كبيراً، واهتم بها كثير من الكُتّاب والنقاد والقرّاء والمترجمين على مَرّ القرون اهتماماً بالغاً. 

 

 

صالح البياتيكان الزقاق الذي سرنا فيه ضيقاً، أشبه بمرآة عاكسة لبيوت متقابلة، كلها متشابهة، حتى في  لون الأبواب والنوافذ؛ التي رُكبت عليها مبردات الهواء، كانت كلها بلون ازرق.

جئنا هنا لزيارة السيدة سين، التي رحبت بنا بطريقتها الخاصة، غير المتكلفة، جلسنا على كنبة تتسع لإثنين، زوجتي وأنا، وجلست هي على كرسي امامنا، سألتها عن ولديها، دمعت عيناها، خشيت ان زدت كلمة، فقد تنفجر باكية، قالت بعد أن كفكفت عبراتها، ومسحت دموعها، بكم ثوبها " هاجرا بعدما اشتد علينا الحصار الأمريكي "

وتفاديا لنظرة الشفقة التي ارتسمت على وجهينا، اسرعت لتقول" هما بخير، ويبعثان ما يغطي حاجتي"

 اعرفها؛ امرأة ذات  نفس ابية، توقعت في تلك اللحظة الرفض؛ إن عرضت عليها المساعدة، هذا بالإضافة الى انني سأحرجها، وربما أجرح مشاعرها.  

 إستأذنت منا لتقدم لنا شيئا، القيت نظرة على أثاث غرفة الإستقبال، فأدركت مدى الإختلاف الذي طرأ على حياتها، فقد كانت قبل عودتها الإضطرارية للوطن، تعيش في شقة كبيرة، بمنطقة السالمية الراقية بالكويت،  المطلة على البحر، نظرة سريعة، تكفي المرء ان يعرف، انها الآن في أسوأ حال.

 لن انسي أبداً تلك الظروف التي مرت بنا؛ عندما اجبرتني الحرب على الهرب، استجابة لمبادئي الإنسانية الرافضة للعنف، كما فعل آخرون على إختلاف مشاربهم ونواياهم وأهدافهم، فأنا نوعاً ما مثل هيرمان هسه، في رفضه للحرب التي أثارها هتلر، واتخذ من مدينة سويسرية مكانا لإقامته، وهناك الف كتابه " إذا ما إستمرت الحرب*" ولكن مع اختلاف واضح ، ان سويسرا كانت على الحياد، اما الكويت فلم تكن كذلك، لذا كان على الذين التجأوا اليها؛ توخي الحذر والحيطة قبل الجهر بآرائهم السياسية، او مواقفهم الرافضة للحرب.

في تلك الأيام الصعبة، رحبت بنا السيدة سين واستضافتنا في شقتها لفترة قصيرة، على كل حال ، في معمعان تلك الظروف الحرجة، مدت لنا السيدة سين، يدها الكريمة، حتى حصلنا على العمل والسكن، واستقر بنا المقام، وكأي مغترب   لبلد آخر، يحتاج الى التعارف على أبناء بلده، خاصة أولئك الذين ينسجم معهم، ويرتاح لصداقتهم، ومن حسن الحظ ان معرفتنا بالسيدة سين قديمة،  لذا تبادلنا معها الزيارات العائلية، طوال فترة اقامتنا، التي استمرت حتى إحتلال الكويت في الثامن من أغسطس، آب 1990 .

 قبل ان نودع السيدة سين، نأمل في زيارة آخرى، ان نؤدي لها واجب المساعدة المطلوبة التي تستحقها.

 تذكرت فجأة القط يسترداي، فسألتها عنه، تبسمت، قالت انه لا يزال معي، فقلت لقد ظل وفيا ومخلصاً لك، هزت رأسها بالإيجاب، نادته، فجاء كطفل يحبو، ندت مني صرخة خافته، يا إلهي..  لقد كبر الهر وهرم كثيرا، وبطؤَت حركته.

 قعد بين قدميها، وراح يتطلع الينا، كأنه يحاول ان يتذكرنا، غشت وجهه كآبة حزن، لم تفت عن العين الفاحصة، قلت لها، لم أكن أتوقع ان اراه حياً، قالت،  انت تعرف جانباً من حياته، وآخر لا تعرفه، استأذنتنا، خرجت وعادت بيدها  رزمة أوراق، مدتها إليَّ، خذها أقرأها، فيها كل ما تحب ان تعرفه عنه .. وعني، اعرف انك تهوى الكتابة، لعلك تجد فيها ما يثير اهتمامك، فتكتبه وتنشره، ولكن رجاء لا تنسبه لي شخصياً، دع القصة تُسردْ من دون ذكر الأسماء،  لتكن مثلا سيرة ذاتية لإمرأة مجهولة وقطها ، اخذت الأوراق، دون ان الفظ  كلمة، صافحتها مودعاً ومضينا.

في البيت تركت الأوراق على المنضدة الجانبية لسرير النوم، شعرت ان مجرد تصفحها، يعتبر انتهاكاً لخصوصيتها، رغم انها منحتني الإذن بالأطلاع على ما فيها، كنت أحيانا اختلس النظر اليها؛ فأتراجع دون ان أجرأ فأمد يدي، بقت في مكانها لعدة أيام، قمنا بأكثر من زيارة للسيدة سين، تمكنا في إحداها وبصعوبة بالغة؛ ان نقنعها على قبول مساعدتنا المالية. سألتني عن الأوراق، قبل ان نودعها: أكيد قرأتها، فأعتذرت بالإنشغال وضيق الوقت، وبهذا التبرير لم أقطع بشئ، بعد تلك الزيارة، انكببت اقرأ الأوراق، وأكتب الملاحظات على هوامشها، حتى أكملت القصة وبصيغة ضمير المتكلم، احب ان انبه القارئ، انني سأتدخل عند الضرورة، كشاهد عيان، على الإحداث التي تسردها السيدة، والمدونة في الأوراق بخط يدها، وما قمت به، كان مجرد إعادة صياغتها، لتناسب أساليب كتابة القصة القصيرة، وهي كما يأتي:   

 كان يوما عاديا، يبدأ عند السادسة صباحا، بإعداد الطعام لترويقة الصباح، يخرج زوجي عادة قبلي  للعمل، بعد ان يتناول طعامه بسرعة، أقوم انا بمساعدة الولدين على ارتداء ملابسهما المدرسية، وهما يلتهمان طعامهما، ولا انسى أبدا ان ادس في حقيبتيهما ساندويتشتين، تصبيرة لما قبل العودة الى البيت، اي بعد الواحدة ظهرا.

 حكيت لزميلاتي في مكان العمل، عن القط  الذي عثرت عليه، اقترحت احداهن ان نسميه يسترداي، اعجبني الأسم، فهو جميل ومودرن، لكنني قلت لماذا لا ندعوه أسعد، قالت الزميلة أوكي، الأسم الأول يشير الى الى الماضي، والثاني للمستقبل ، وهو أيضا جميل، ويضفي على هذا المخلوق الضعيف، الذي عثرت عليه اليوم، شيء من التألق، الجاذبية، الفرح، ادهشني انني اخترت له أسماً جميلا، جاء عفو الخاطر، لم أفكر به قبل لحظة واحدة، فقلت في نفسي يا لها من مصادفة جميلة.

 عندما عدنا الى البيت، كان القط الصغير، يموء تحت مائدة الطعام، وينوص بين قوائم الكراسي، إستأنس بالمكان الدافئ، المفروش بالموكيت الرمادي، الشبيه بلونه، عدا البياض الذي يبقع  صدره وظهره، راح الولدان يداعبانه، يمسدان على رأسه وظهره، سألني الأكبر، ماما ماذا نسميه.. قلت أسعد، واحياناً عندما نفكر بماضيه، ندعوه يسترداي، اتفقنا.. هل اعجبكما الأسمين، صرخا هيه هيه، وأخذا ينطان حوله متحمسين، ذكرتهما ان ذلك يزعج الجيران تحتنا، فهدئا.

لا زلت اذكر صباح ذلك اليوم، نزلت من الطابق الثاني، لأرمي كيس القمامة في حاوية العمارة، سمعت مواءً خافتاً، كان المسكين يلتصق خائفاً بالحاوية، انحنيت علية، رأيته يغمض عينيه، كالجراء الحديثة الولادة، يحرك رأسه حركة بطيئة، عدت للشقة، احمله بين يدي، دلقت حليباً في صحن غير عميق، وقربته منه، أخذ يلعق حافته المستديرة، فتح عينيه قليلا، مد رأسه، وأخذ يتحسس الحليب بلسانه الوردي، كما لو انه يريد ان يتذوقه اولاً، نظرت اليه متعاطفة، وفي نفسي تساؤل حزين، يا له من مخلوق مسكين، تُرى هل سبق ان ذاق الحليب من قبل، هل ارضعته امه من أثدائها البارزة كحبات العنب، والغزيرة باللبن، قبل ان تنفصل عنه، يبدو ان المسكين قد حُرم حتى من قطرة واحدة يتذوقها، ربما تركته الأم لسبب ما، أوحدث لها ما حدث، فأخذه احدهم ورماه جنب الحاوية، او ان الأم كانت قطة منزلية، تخلوا عنها مع صغارها، على كل الأحوال، وجد من يرعاه، الولدان احباه، كانا يلحان علي ان اشتري لهما قطاً شيرازياً او سيامياً ، لكنني كنت ارفض دائما، ليس لدي الوقت الكافي حتى لنفسي، كما انني كنت أخشى تعلقهما عاطفيا به، الأطفال سريعو التعلق بالحيوان، سواء كان قطاً او كلباً، او حتى طيرا في قفص، ناهيك عن العناية المطلوبة، من تلقيح وتنظيف وما اليه، مسؤلية أخلاقية، وعاطفية أيضا، اذا ما حدث له شيء، سيكون تأثيره العاطفي على الولدين مؤلماً، وما يدريني كيف سأواجه ذلك، بعد ان اتعلق به، لكن ها انا ذا اتقبل ما كنت اخشاه.

 سيدتي سين لا عليك، لقد وضعتكما الصدفة في طريق واحد.. ليسامحني القارئ لأنني اربكت بتدخلي تيار السرد، لنعد للسيدة سين وقطها.

  اذكر اني سحبت الطفلين، عندما كنت اروم مغادرة الشقة للذهاب للعمل، كانا يتشبثان بقوة بكراسي مائدة الطعام، يتوسلان بي ان ابقيهما مع القط، وأذكر أيضاً انني القيت عليه نظرة شفيقة،عندما تركناه لوحده، لكنني ارتحت وإطمأنت نفسي، حين رأيته قد شبع، وتمدد غافياً على الموكيت الرمادي، اسرعنا نهبط السلالم،  ومشينا الى ساحة العمارة، حيث ركنت سيارتي.

لن أنسى ابداً، ما حدث في ذلك اليوم، أذكر كل دقائق ذلك الصباح، الذي انطبع في ذاكرتي، بطابع مزيج من الفرح والحزن، لا أعرف لماذا أحببت ذلك الحيوان الأليف، وتعلقت به بقوة.

 لأعود أحكي عن نفسي، فقدت والدي وأنا صغيرة، وفي الثامنة عشر، فُرض علي زواج قسري، من رجل يكبرني عقدين على الأقل، لم أحبه، كانت غرفة النوم الشئ الوحيد الذي يجمعنا، وسريرها بالنسبة لي اشبه بنسيج العنكبوت، كان هو يعتبر العلاقة الجنسية، حق شرعي مقدس، لا يتنازل عنه، وعدا ذلك لم يقم له وزناً، او يعر له أي إهتمام يذكر، وعندما ابديت له رغبتي بالدراسة، راح يسخر مني، ولا غرابة في ذلك، فهورجل تقليدي، يؤدي واجبه كأي زوج ، على الوجه المطلوب إجتماعيا، قد لا يرضي ذلك كل امرأة، وأن كان البعض منهن يعتبرنه زوجاً مقبولا، على كل حال، لم اكن انا من هذا الصنف، كنت  افهم ان زمن العلاقة الحقيقية المتكافئة، والمشتركة بين الزوجين، لم يحن وقته بعد، ولكنه سيأتي آجلا ام عاجلا، ومع ذلك كنت زوجة قانعة، لا انتظر منه شئيا افضل مما هو عليه، كنت اريد ان احقق ذاتي في شيء آخر احبه، يرضي طموحي، ينتشلني من حياتي السطحية التافهة، التي بدأت تذوي يوماً بعد يوم، خاصة عندما انتقلت من بلدي، لأعيش معه، حيث يقيم ويعمل، حرمني من ابسط حق، انجبت له الطفل الأول في السنة الأولى، وجاء الثاني بعد سنتين، وبينما كان الولدان يكبران، ويتقدمان في مراحل الدراسة، كانت علاقتنا تذوي مع مرور الزمن، وتزداد بروداً وابتعاداً، حتى أصبحت اشبه بالميتة سريرياً.

 في المقابل كونا نحن الأعضاء الأربعة ( الولدان، يسترداي، وأنا ) أسرة  بدون أب، انا الأم الشابه، في أوائل الثلاثينات، امرأة جميلة وناضجة، امتزجت حياتنا ببعض، فكان عيد ميلاد يسترداي؛ هو يوم عثرت عليه في الثالث من يوليو/ تموز، عام الف وتسعمائة وست وثمانون، كانت مناسبة هامة، لا تقل أهمية، عن عيدي ميلادي الولدين، نحتفي بها كل عام، وفِي هذا العام أطفأ يسترداي اربع شمعات، موزعة حول كعكة على شكل قطة، وقد بدأت عليه علامات شيخوخة مبكرة.

 كان يسترداي او القط أسعد هو التجربة الجديدة في حياتي، بعد ان كبر الولدان، وصارا يعتمدان على نفسيهما، ولكن زوجي لم يرق له ذلك، وكنت كلما أمعن في إيذاءه، ازداد تعلقا به، حتى ان زوجي المسكين من شدة غيرته، اعتقد انني سأتخلى عنه قريباً، من أجل القط. 

عندما اكمل يسترداي نصف السنة الأولى من عمره، دخل مرحلة البلوغ، راح ينثر رذاذ بوله في زوايا صالة الإستقبال، لجذب الإناث، انتبهت للرائحة النفاذة، فنظفت المكان وعطرته، وتفاديا لأي مشكلة يثيرها زوجي الذي يكرهه أصلا، رحت اتركه في ساحة العمارة، عندما أكون خارج البيت، كان زوجي يريد اخذه للطبيب البيطري لإخصاءه، لكنني اعرف نواياه العدائية تجاهه ، فهو في الحقيقة كان يريد التخلص منه نهائياً، فلم أثق به، لذا عارضته، لإحباط خطته، لم تنته المشكلة بإنتهاء موسم التزاوج ، بل ازدادت كل يوم، بسبب اصراري على الإحتفاظ به، حتى وصل به الشك، بإتهامي انني امارس الجنس معه، فيقول مستهزئا، دعي عشيقك يسترداي يشبع غريزتك الجائعة للجنس..

تقاعد زوجي وحصل على مكافأة مالية، عن نهاية خدمته الطويلة، وفِي تلك السنة، تفجر نزاع عنيف بين البلدين، بلدي الأصلي والبلد الذي نقيم فيه، لم يكن يهمني قط، ايهما على حق، لو لم  تتطور الأمور، وتنته الى غزو وإحتلال، غير مجرى حياتي الى الأبد، كان ذلك في أواخر العطلة الصيفية للمدارس.

 لم أهتم بشيءٍ، عدا مستقبل الولدين الدراسي، كما انني لم أشعر بأي ميزة خاصة، نتيجة احتلال وطني الأم، للبلد الذي أقيم فيه منذ اكثرمن عقد ونصف، بالعكس، فقدت الإحساس بالأمان، رأيت الناس لأول مرة على حقيقتهم، ينقلبون على انفسهم، ولَم تعد الحياة في ظل غياب الدولة، كما كانت من قبل، قائمة على إحترام القانون، انتشرت السرقات على نطاق واسع، وتطاول خدم المنازل على مخدوميهم، البعض منهم فروا، بعد ان سرقوا أشياء ثمينة، وبدا من المألوف رؤيتهم  يتسكعون في الشوارع، يتجاهرون بالسكر، يرفعون قنان البيرة، ويطوقون خصور صديقاتهم..

 اسمحوا لي ان اقاطع السيدة سين، وأضيف على ما ذكرت، فأنا نفسي كنت شاهداً على الأحداث، رأيت زوجها مرة وبالصدفة، يعانق خادمة اسيوية، وسط مجموعة من السكارى، خدم المنازل، لم أجرأ على إنتقاد سلوكه، فقد جاهر بتأييده للغزو والإحتلال، كما انه انضم للجيش الشعبي، وارتدى بزتهم الزيتونية اللون، وحمل رشاشا، وتمنطق بمسدس يلتصق بخاصرته، كنت اتجنب ان اخوض معه نقاشاً عن شرعية الاحتلال، او الضم القسري، الذي اعتبره هو شرعيا، كما كانت تروج له آنذاك وسائل اعلام النظام، بعودة  الفرع الى للأصل.

 ما شاهدته من تحول جذري مفاجئ، جعلني افكر ان الفوضى شيء مرادف للكفر، وأن النظام  قرين للإيمان ، هذا ما خطر لي عندما كنت اتجول وارى مظاهر الإنفلات في الشارع، وعند محطات الوقود، وفي الأسواق المركزية، كل شيء انقلب رأسا على عقب..  لنعد بعد هذه المداخلة الى السيدة سين.         

 تعاون زوجي مع المحتل، واستفادوا من معرفته الطويلة بالبلد، اما علاقته معي فإزدادت تدهورا، وتضاعف إضطهاده ليسترداي، وبعد محاولته الفاشلة لتسميمه، والتي نجا منها، لأنه لم يكن يأكل من يد أحد غيري، صرت يقضة، فكنت أثناء غيابي أودعه عند صديقتي؛ التي تسكن في نفس العمارة، ريثما اعود الى البيت، ولولا حذري لكان من الممكن ان يقتله بطريقة او بآخرى. 

 يسترداي ذكي جدا، خصصت له المرحاض الشرقي، وعلمته كيف يستعمله كالآدمي، وكنّا نحن نستعمل الآخر الغربي، وبذلك استغنى في وقت مبكر، عن طبق الرمل الذي كان يتبرز او يبول فيه، علمته ان يطفئ مفاتيح الأضوية التي ننساها مضاءة، تعلم أشياء كثيرة، علمته كيف يلاعب أطفال الضيوف، ويصف الأحذية خارج الشقة، على قطعة المسح.

 كنت اكافؤه بأكسوارات جميلة، تزين رقبته، وأعرضه على البيطري إذا الم به مغص، وعامة كأي قط كان يمتنع عن الطعام ليوم او يومين، حتى يستعيد عافيته، ساءت علاقتي بزوجي؛ بسبب محاولاته العديدة الفاشلة لخطفه، أدت أخيراً الى إنفصالنا، وظل الحال كما هو، حتى أختفى زوجي فجأة قبل التحرير، فإرتحت وشعرت بالأمان.        

في نهاية تلك السنة، كان الإستعداد يجري على قدم وساق، لتحرير المدينة، بدأت العمليات العسكرية تقترب، كنّا نسمع دوي القصف الجوي، فكرت بالهرب، ليس خوفاً من جريمة أقترفتها، ولكنني ان بقيت، سأعاقب بجريرة زوجي الذي  تعاون مع المحتل، كنت أؤجل السفر كل يوم، فقد اعتدت العيش في هذا البلد، اين سأذهب، انا امرأة لا أملك  ما يكفي من النقود، لأعيش بدون عمل، مع ولدين في سن المراهقة، وقط بدأ يشيخ وتبطئ حركته، اخيراً قررت المغادرة، وضبت الحقائب، وأخذت ما نحتاج لرحلة محفوفة بالخطر.

 تركت شقتي بما فيها من أثاث، واتجهنا بعد الظهيرة شمالا، على الطريق الصحرواي الذي سيعرف فيما بعد بطريق الموت، قطعنا مسافة قصيرة فبدأ دوي الطائرات يٌسمع من بعيد، ادركت ان توقيت السفر كان خاطئا، توقفت على جانب الطريق، سمعت صوتا يناديني، يصرخ  انزلوا قبل ان تقترب الطائرات، كان  ذلك صوت ضابط عراقي، يختبئ في حفرة كبيرة، مع جنديين آخرين، وعندما رأوني مع الولدين، اخلى الجنديان مكانهما، واختفيا في حفرة آخرى، نزل الولدان للحفرة مع الضابط، صرخت يا للغباء تركته في السيارة، حاول الضابط ان يمنعني، ويقوم هو بالذهاب، لكنني اسرعت راكضة، رأيت يسترداي ينظر للطريق، من وراء الزجاج المغلق، حملته وعدت مسرعة، فسقطت حقيبتي عن  كتفي في عرض الطريق، تبسم الضابط حينما رآنا، شكرته، قلت في نفسي ليحميك الله، انت رجل طيب، لا ادري بماذا كان يفكر، هل فكر قبل ان يراني  عائدة مع القط، بأنني لشدة إرتباكي تركت طفلا في السيارة، على أي حال، يستحق حتى الحيوان ان نفكر به، نحافظ على حياته، وليس هناك حياة أثمن من آخرى، هذا ما كنت احب ان يفكر به الضابط، اذا كان يفكر بغير ذلك، وفِي النهاية كلنا سنموت، انفلت القط من بين يدي، ركض بسرعة نحو الحقيبة، التقطها بين اسنانه، وعاد بها، سمعت الجنديان يهتفان ويصفقان له، ضحكنا كثيرا تلك اللحظة، التي ستبقى خالدة الى الأبد، لأنها بددت الخوف الذي كان يخيم علينا. 

بتنا تلك الليلة في الحفرة، وعندما طلع الفجر، وانكشف الظلام قليلا، طلب مني الضابط ان ارحل سريعاً، تركنا الحفرة، وإتجهنا للسيارة، جلس الولدان في المقعد الخلفي وبينهما يسترداي، فتحت الصندوق واخرجت بعض المعلبات وقناني المياه، ومواد غذائية، وركضت بما حملت الى الحفرة، شكرت الضابط، أعطيته هذه الأشياء، ودعته متمنية لهم السلامة، وعدت للسيارة، انطلقت على طريق، لا اعلم الى اين  يقودني، الى طرق محفوفة بالرعب والموت.

انتهى سرد السيدة سين كما قرأته مكتوبا على الأوراق، كل ما حدث لها وليسترداي.

 اتفقت مع زوجتي ان نزورها، لأعيد لها الأوراق، وأقرأ لها القصة التي كتبتها، لم أتوقع ان تكون للقصة نهاية آخرى غير التي انتهت بها، استقبلتنا بثوب اسود، لم نجرأ ان نسألها، خوفاً ان يكون قد حصل شيء مكروه لولديها المغتربين، جلسنا صامتين، انفجرت باكية، قالت :

"رحل عني يسترداي أخيراً وتركني وحيدة "

اعتقدت ربما  أنه خرج وتاه، لكنها قالت بحزن مات، رفعت يدي متألما،  وقلت ليرحمه الله، كما نفعل عادة طالبين الرحمة للأموات، نظرت لي زوجتي فأنزلت كفيَّ، وقلت لترقد روحه بسلام الى الأبد.

 

صالح البياتي  

.....................

* مذكرات في الحب والحرب والسلام.

* منطقة تيسين المشمسة/ أوتيتشينو، كانتون في سويسرا، يتكلم قاطنوه الإيطالية بالدرجة الأولى.

 

 

 

كريم الاسديالى أبي الحسنين، أبي تراب،

علي بن أبي طالب


ياماليء الدهرِ اِشفاقاً واِنصافا

ومُنصِفاً لرغيفِ الخبزِ أنصافا

 

وبائتاً جائعاً بَعــــدَ الصيامِ اذا

أتاكَ مَن يشتكي فقراً واِجحافا

 

مِن الزمانِ ومِن جورِ الزمانِ طغى

فصُنفتْ طبقاتُ الناسِ أصنافـــــــا

 

أنـــي أحييك عن بُعْدٍ وعن كَثَبٍ

فقدْ أحلتَ جهاتِ الأرضِ أنجافا

 

فكلُّ طالبِ عدلٍ عندهُ نجفٌ

والساكنون بها تُرباً وأسلافا

 

هُمْ تحتَ رايتِكَ العظمى يوحدهمْ

وهجٌ بأرجاءِ هذا الكونِ قد طافا

 

لو لَمْ تكنْ علماً فوقَ الجبالِ لما

امتدَّ سفحُكَ للأجيالِ مضيافا

 

امسكْ بلادَك َحاقَ الشرُّ أخطرُهُ

بها، فأبدعَ ألــــــــــواناً وأطيافا

 

وأنتَ أدرى بما تنوي سرائرُهم

ومـــــا يقوّضُ أمصاراً وأريافا

           ***

مارتْ بِظلمٍ رحابُ الأرض ما وسعتْ

وأنجبَ الصَلَفُ المسمـــــــومُ أصلافا

 

واستهترتْ زمرُ الشذّاذِ مزبدةً

وسلَّ أجبنُ أهلِ الجُبنِ أسيافا

 

وسارَ طامعُ مـــالٍ نحوَ غايتهِ

يدوسُ في النيرِ أعناقاً وأكتافا

 

ووُزعتْ ثرواتُ الناسٍ فــــي نَفَرٍ

كانوا ومابرحوا في الطبعِ أجلافا

 

يموتُ طفلٌ بِلا زادٍ وطفلُهمُ

لَهُ الرصيدُ الذي يكفيه آلافا

 

كأنَّهُ ماكثٌ كلَّ الدهــــورِ هنا

وكانَ أبناءُ هذا الكونِ أضيافا

 

أما تعــــــــودُ بجيلٍ فيهِ كلُّ فتىً

مَن يَخلقُ العدلَ أَخلاقاً وأَعرافا؟

***

كريم الاسدي - برلين

.............................

ملاحظة: زمان ومكان كتابة المقطع الأول من هذه القصيدة في الثالث من حزيران 2018 في برلين، أما المقطع الثاني ففي اليوم الثاني من آيار 2021 وفي برلين أيضاً، وقد تزامن التفكير في كتابته مع المظاهرات العارمة التي شهدتها برلين والمدن الألمانية والأوربية بمناسبة اليوم الأول من أيار عيد العمّال العالمي احتجاجاً على الظلم الذي يعمُّ الكوكب الأرضي .

 

 

 

ابويوسف المنشدتصافحني قبلة ً قبلة ً

              ويسكر في القلب حتى الدمُ

على ساحلٍ شبقيّ الرؤى

               بنا الوقت يمضي ولا نعلم ُ

نعيد صياغة فنّ الهوى

                بخمر الهوى خمره ملهم ُ

شفاهٌ من اللّثم لا ترتوي

                    وعاطفةٌ نارها تُضرم ُ

كأنّا ابتكرنا رحيق الهوى

                       فما ذاقه قبلنا مغرم ُ

ولا ما حكاه دفوق الشذى

               ولا النبع أو كوثرٌ ، زمزم ُ

وها نحن بوحٌ على شاطيءٍ

                  تداعبه ضوؤها الأنجمُ

على وجنتيها يضيء دمي

                وفي الناهدين يصلّي الفم ُ

هي الأمنيات التي أشتهي

             هي الضوء والطلّ والبرعم ُ

لها آهة ُ الإحتراق معي

                       لغات التأوّه لا تُكتم ُ

نبيذيّة الثغر حبّي لها

              هو الهوس المطلق الأعظم ُ

وكلّ الجنون الذي في الهوى

                       بنا قد بدا وبنا يُختم ُ

سنترك للبحر تنهيدة  ً

               يموسقها الموج أو يُضرم ُ

لُعابٌ من النار في لثمنا

                   تلذّ به الروح والأعظم ُ

وذا الحبّ بالخمر طاف بنا

                كما طاف بالكعبة المسلم ُ

ورتّلنا ضمّة ً ضمّة ً

              على شاطيء ٍ أزرق ٍ يبسم ُ

وفاق الزمان ولم نستفق

                        كأنّا قتيلان لا نعلم ُ

                    ***

بغداد – الشاعر أبو يوسف المنشد

 

 

عدنان البلداويالى صوت الإنسانية الخالد

في ذكرى استشهاده عليه السلام


المَـجْــدُ، والعِـزُّ، والعَـلـياءُ، والــشِـيَــمُ

في جَـوْهرٍ، عجَـزَتْ عن وصفه الكـَـلِمُ

 

لـمّـا الـعَـلِـيُّ قــضى، أنْ يُــولـدَ الأمَـلُ

فـي الكعـبة ، ازدانَتْ الأركانُ والحَـرَمُ

 

وشاءَ أنْ يَصطفي للمُصطفى، عَـضُـداً

بــه المَـسِـيـرَةُ ، نِــبْــراسٌ ومُــعْـتَـصَمُ

 

لــلأفــقِ إشــراقــةٌ ، فــي يـوم مـولِــدِه

ولِـلكـواكـبِ  مِــنْ عَـــليائــهِ ، سَـــهَــمُ

 

إرادةُ الـلــهِ ، أنْ يــخــتـارَ فــاطـــمــةً

لـِـمَـنْ ، لـِـوالِـدهــا  أزْرٌ ، بـــه شَــمَـمُ

 

فَـحـاطَ بالـنـور نـورٌ ، فــي اقـتـِرانِهما

وبـارَكَ الـمُصطفـى ، فانْهـالـت النِـعَـمُ

 

ولــلـكـرامـاتِ  أحْــداثٌ ،  مُــؤرَّخَــةٌ

ولـلمَـواقِــفِ رأيٌ ، فـــيــه تـنـحَــسِــمُ

 

فالـشمـسُ مَـدّتْ سـناهــا فــي تـألُـقِـهـا

وانـسـابَ بـين يـديـهـا الحِـلـمُ والحِــكَمُ

 

وَزانَـهــا، أنّ طـيْـفـاً مـِــن مَـحاسِـنِـهـا

نــظِـيرُه فــيك، حـيـث الـنورُ يـرْتـسِـمُ

 

مَن رامَ وَصْـلَ المَعالي، صِرْتَ قدْوَتَه

والـشـأنُ تـُـعْـلِيـه أســـبابٌ، لـهـا قِــيَـمُ

 

خُـلِقـتَ أن لاتـُحابـي فــي الخَـفـاء يَـداً

لأن كــفّــكَ فـــي وضح الـنهــار، فَــمُ

 

لـلـتِّـبْـرِ أمْـنِــيــةٌ، فــــي أنْ تُــقَــلِــبَــه

يَــداك، حــيـث تَـباهى السـيفُ والقـلـمُ

 

والعَـبْـقـريـةُ، مُـذ  فـعّـلـتَـهـا سَــجَـدَتْ

لله، إذ حَـلَّ فــيـهـــا الــعَــدلُ والـكـرَمُ

 

وفي القضاء ، انحَنى كلُّ القُضاةِ لـِـما

حَـكَـمْـتَ فــيه ، فزالَ الشـكُ والـوَهَــمُ

 

أنصفْـتَ حتى عَلا، في الأفق صوتُهُمُ:

(عَـدْلُ عَــلـيٍّ)، بــه المـيـزانُ يَـسْـتـقِمُ

 

والـمَعْـنَـويَّـةُ قــد فَــعَّـلـتَ هــاجِــسَـهـا

فـي نَـفْـسِ مَن قـد غزاهُ الوَهْنُ والهَرَمُ

 

لـِذي الـفــقـار اقــتـِرانٌ فــيـك، أرّخَــهُ

مـا كـلُّ سـَــيـفٍ ، بــه الأعـداءُ تَـنهَزِمُ

 

به، قطعتَ جــذورَ الشِـركِ، مُـرْتَـجِـزاً

واسـتسلمَ الخَـصمُ ، لا سـيـفٌ ولا عَـلمُ

 

زَهْـوُ الرؤوس  تَـهاوى بـَعـدَ مُـعْـجِـزةٍ

بـ (بابِ خـيبرَ) أوْدَتْ،واخـتـفـتْ قـِـمَـمُ

 

يامَـن أخَفْـتَ الـعِـدا فــي كـلِّ مَـلحَـمَـةٍ

إذ كـلـمـا قَــيـل: ذا  الكـرّارُ ، هـالَـهُــمُ

 

دَيْـمـومَـةُ الـنصرِ، فــي قــوْلٍ يـُجَـسِّـدُهُ

فِـعْـلٌ، وقـد فُـقْـتَ في التجْـسيدِ خَطوَهُمُ

 

أعطيتَ دَرسـاً لِمَن ضَلَّ السَبيلَ، وعـنْ

مـن اهـتدى،  زالَ عـنه الوَهْـمُ والعَـتَـمُ

 

تَـبـاشَــرَ الجُـنـدُ لمّـا الــنـصرُ حالـفَـهـم

وكَــبَّـروا:  لافــتـىً إلّاكَ ،  بَــيــنَـهـُــمُ

 

مــا دارَ طـرْفُــكَ ، إلّا الـحَـقُ هـاجِـسـه

والحـقُ صِنْـوكَ ، موصولٌ بــه الـرَحِـمُ

 

نـاداهُــمُ المصطفـى : انــتَ الولِـيُّ لـهـم

فـصَــوَّتَ الــقـومُ ، بالإيــجـاب كُــلُـهُـمُ

 

إنّ الأنـاةَ ونــهْــجَ الحِـلـمِ، إنْ جُــمِـعَـتْ

كـما أشَــرْتَ لــها ...تـعـلو بـــها الهِـمَمُ

 

والصَّـمْتُ إنْ لاءَمَ الأجْواءَ، يَسْـمو بهـا

والـهَـذْرُ آخِـــرُه ... الإحْــبـاطُ والــنّـدَمُ

 

كــلامُــك الــدّرُ ، والآفـــاقُ تَــشــهَــدُه

قــد حَـرّكَ الـوعْـيَ (فـيـمَـن قـلبُه شبِـمُ)

 

خـُـطىً مَــشــيـتَ، بإيـمانٍ وتــضحـيـةٍ

فـانْهارَ مِـن وَقْـعِها الطاغـوتُ والصَّنَـمُ

 

فـي سِـفْـرِ نَـهْـجِـك، للأجـيـال مَـدرسَـةٌ

تَـبْـني العُـقـولَ، وفيـهـا تـرتـقـي الأمـمُ

 

عَـقـلٌ بــلا أدبٍ ، مِـثـلُ الشــجـاع بــلا

ســيـفٍ ، وقــولـك هــذا مــنه نَـغْــتَـنِـمُ

 

بَـلغْـتَ فــــي صِـلةِ الأرحـام مَـرْتَــبَــةً

مَـن ســارَ سَــيْرَك، لـم تَـعْـثـرْ بـه قَـدَمُ

 

طـمْأنْــتَ أنْــفُـــسَ أيــتـامٍ، جَـعـلـتَـهُــُم

يَــرَونَ فــيـك أبـاً، يـَـجْـلـي هُـمُـومَـهـُمُ

 

أوْصيْـتَ: أنْ يَسْـتَـشيرَ المرءُ مَنْ وثقتْ

بــهِ العُـقـولُ ، ومَـنْ بالـرأي يـُــحْــتَـرَمُ

 

كـما اسـتَـشَـرْتَ عقيلاً ، إذ  أشــارَ الى:

(أم البنين).. بِــبَـيـْت الطُـهْـرِ تَــنْــتَـظِـمُ

 

لاطـائـفـيّــةَ ، لاتــفــريــقَ فــــي زمَـنٍ

قــد كان رأيـُك، فـيــه الحَـسْـمُ والحَـكَـمُ

 

فـــي قـولِـك:  الناسُ صِـنـفـانٌ فـإمـا أخٌ

في الدِّينِ أو في صفات الخَـلْقِ يَـنـسَجِمُ

 

اسْـتـهـدَفـوك بـبـيـت الــلـهِ ،إذ غــدَروا

ما اسْـتمكنوا منك في حربٍ، لها ضَرَمُ

 

وقــادَهـم حـِقــدُهـم، أن يـحجُـبوا قـمَراً

فـــسـاءَ ظـنُـهُــمُ ، وانـتـابـَـهـم سـَـــقـمُ

 

الحَــقُّ يَعْـلـو، فـطُـوبى لـلـذيـن سَــعَـوا

أنْ يَــقْــتَـدوا، لِـيَـزولَ الـظُـلْـمُ والظـلَـَمُ

                   ***

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

 

 

محمد الذهبيبالأمس بمحراب النسك يصلّي

واليوم يصلّي بمحرابِ الحبيب

بالأمس أكمل صلاتَهُ في مسجدٍ

واليوم جلسَ يصلّي في حانة

هكذا هو

يعشقُ جميعَ الأديان

ويحبُّهُنَّ سماواتٍ سبع

هكذا هو يذوبُ حسرةً على طفلٍ يبكي

ويدعو الى اقترابِ الحرب كي تقلِّلُ من عددِ السكان

هكذا هو يقول : ما من دابةٍ الّا على اللهِ رزقُها

ويقنِّنُ إنجابَ الابناء

هكذا هو يضعُ لِجاماً على فمهِ وعينيهِ أمامَ الجميلات

ويبوحُ بأجمل المفرداتِ اذا خلا بنفسهِ

هكذا هو يعشقُ اللهَ

ولكنهُ لا يدافعُ عن اللهِ أمامَ زنديقٍ

هكذا هو فاتهُ الكثيرُ الكثير

وحتى اللحظة يحلمُ بذاك الكثير الذي فاتهُ

يعتني متعباً ليزور أحدَهم وحين يصلُ البابَ يطرقُ بابَ الجيران ويعود

هكذا هو يذهبُ الى صحيفةٍ ما لنشرِ مقالةٍ سياسيةٍ

لكنهُ يعدلُ عن رأيهِ ويدخلُ الى أولِ متجرٍ للأحذية

هكذا هو لا يستيقظُ صباحاً

ولكنهُ يلعنُ النومَ لأنهُ لم يرَ العصافيرَ وهي تخرجُ من أوكارِها للعمل

هكذا هو يعملُ بجدٍّ ويعمدُ الى عملهِ قبلَ نهايةِ الدوام ويبولُ عليه

هكذا هو تشكّلَ هكذا

لا يريدُ شيئاً يريدُهُ ولا يترُكُ شيئاً هو في غنىً عنهُ

هكذا هو يكرهُ المرضَ ويشتريه من الصيادلة باستمرار

هكذا هو لا يحبُّ شيئاً محدداً ولا يكرهُ شيئاً محدداً

حين يكون منفرداً يشعرُ بالشوقِ الى الآخرين

وحين يتجمعُ الناسُ حولَهُ يشعرُ بالضيقِ والاشمئزاز

لا يقسِّمُ السنةَ الى أربعةِ فصولٍ كما هو معروفٌ

يحسبُ السنةَ بكثرةِ الأنّاتِ والمواجعِ

هكذا هو

هكذا هو

هكذا هو

***

محمد الذهبي

 

محمد حمدخلّفني النسيان طريدا

على مقربة من ذاكرة مغلقة ككتاب

تجمع اضداد لياليّ الحمراء (القلائل جدا)

وأخرى لم تترك  في القلب سوى اوهام حضور يعقبه هجر وغياب...

 

ابوابي تفتح بانامل ناعمة

ورحابة صدر

تغلقها خلفي نظرات فتور جاحظة

وهمسات عتاب

اترقب في لهفة ذئب جائع

قمرا فضيّ العينين

من اين يجيء؟

يتأرجح عاري الصدر بين بُحور

وسحاب

لا يحرجني في ألف سؤال

وسؤال

فانا لا أملك نصف جواب !

 

اوهمني الحاضرُ

ان يجمع بين يديّ ما لذّ وطاب

نهر جنون تتموّج فيه قُُبل دافئة بيضاء

في وحشة صحرائي الكبرى  ينساب

أو ليلة عشق صاخبة الأجواء 

تتلألأ فيها الروح صعودا ونزولا

حين يمرّ على بالي ذكرُ سُليمى

ورباب

خاب الظنّ تماما

وضاعت سنوات العمر جزافا

وارهقني البحث العبثيٌ عن الاسباب...

***

محمد حمد

 

 

 

سالم الياس مدالومسرحية صامتة

مشهد (1)

المسرح: غرفة ذات نافذة واحدة تطل على حديقة، في جهة الغرفة المقابلة للنافذة سرير وبجانبة الة تسجيل

ظلام:

يضاء المسرح تدريجيا بحيث تكون شدة الاستضاءة في وسطه اكثر من اجزاءه الباقية

رجل في العقد الخامس من عمره قصير القامة ضعيف البنية اصلع الرأس، رجل حزين يرتدي ثوبا وبنطالا.

الرجل وسط المسرح صامتا وبعد دقيقتين من اضاءة المسرح يتقدم الرجل بخطى وئيده نحو النافذة يتنصت لصوت بلبل يشدو على نخلة في الحديقة

تنشرح اساريره قليلا لحظات ويتوقف البلبل عن الشدو

يتجهم وجه الرجل ويحك صلعته بعصبية واضحة

يفرك عينيه متاوها، يعود الى وسط المسرح

يستخرج من جيب بنطاله صورة يحدق فيها مليا، يبكي يقبل الصورة مرات عديدة ومن ثم يعيدها الى جيب بنطاله، يفكر مليا، يقتعد الارض وسط المسرح

في هذه الاثناء تنطلق من جهاز التسجيل موسيقى حزينة يهز راسه يمينا ويسارا،  يتأوه يسمع مرة ثانية شدو البلبل يتداخل وصوت الموسيقى الحزينة المنبعثة من جهاز التسجيل

ينهض مسرعا يطفي جهاز التسجيل ومن ثم يهرع صوب النافذة ليتنصت لشدو البلبل، دقيقة واحدة ومن ثم يتوقف البلبل عن الشدو، يظلم المسرح تدريجيا، سكون، ظلام دامس

مشهد (2)

المسرح نفس الغرفة في المشهد الاول

يضاء المسرح تدريجيا وحينما تبلغ شدة الاستضاءة ذروتها تكون موزعة على جميع اجزاء المسرح بصورة متساوية

الرجل جالس على السرير يستل من علبة ادوية حبة ويزدردها مشمئزا

ينهض ليسير قاطعا المسافة بين السرير والنافذة ثلاث مرات ماسكا براحة يده اليمنى جبينه .

الرجل فوق السرير، يظلم المسرح ويضاء لمرات عديدة

ينهض الرجل يقف ازاء السرير يفكر مليا

يستخرج الصورة من جيب بنطاله مرة اخرى

يحدق فيها مليا يقلبها، يبكي، يعيدها الى جيب بنطاله

يستخرج من جيب ثوبه سيجارة، يدخنها بشراهه يرمي عقب السيجارة بعصبية ثم يسحقه بقدمه اليمنى

يسمع شدو البلبل مرة اخرى في الحديقة يحاول السير تجاه النافذة لكن قدماه تخذلانه فيسقط على الارض، تبعث من جهاز التسجيل موسيقى حزينة

يظلم المسرح تدريجيا

فيما شدو البلبل ينطلق عاليا عاليا عبر الفضاء

ستار

***

سالم الياس مدالو

 

احمد الحليخوذةٌ مثقوبة

إلى الصديق/ ولاء الصوّاف


مضى عليَّ وقتٌ طويلٌ

وأنا مدفونةٌ هنا

في سفحِ الساترِ الترابي

مهملةً ومنسية

لا أحدَ يسألُ عني

لا شيءَ يؤنسني في وحدتي

ثمةَ بعضُ النباتاتِ الهزيلةِ

التي تنمو بقربي

بعدَ زخاتِ المطرِ شتاءً

ثمَّ ما تلبثُ أن تتلاشى وتضمحِلّ

وتغريدةٌ حزينةٌ تنطلقُ

من حنجرةِ طائرٍ وحيد

يبدو أنه أضاعَ أنثاه

وعلى الرغمِ من أنني

لا انتمي لعالمِ الأحياء

كذلك فأنا لستُ ميِّتة

بوسعي أن أقتاتَ على الذكريات

ما يزالُ الجنديُّ الذي

تقعُ على عاتقي

مسؤوليةُ حمايةِ رأسِهِ ،

ما يزالُ يحتفي بي ، 

تُمسِكُ بي يداهُ الغضَّتانِ بحنوٍّ

ثمَّ يضعُني فوقَ رأسِهِ

بوسعي الآنَ أن أسمعَ دقّاتِ قلبِهِ

وهي تتسارعُ وجِلةً

في ذلكَ اليومِ المشؤومِ

قبلَ أن يُسددَ

ذلك العدو المجهولُ

رصاصتَهُ نحوي .

 

ذبولُ وردةٍ

يؤذِنُ بشِفاءِ جُرحِ

إنطفاءُ نجمةٍ

مولدُ صُبحِ

 

الغيمةُ الخائنة

منذُ أمدٍ والغيمةُ تُظلِّلنا

وهي قد وعدتنا

بوابلٍ يُحيينا

لكنَّها لم تُمطِر سوى النار

كأنَّ في السماءِ مارداً

أو تنِّينا

***

أحمد الحلي

 

سلوى فرحبين أروِقة المَساء..

أحلامٌ مؤجلةٌ تَعجنُ كعكةَ العيد

ما بين شغفٍ وصمتِ عاشقٍ

يَسدِلُ الحنينُ ستائره

تَنطوي المَسافات

أبحثُ عنكَ بينَ مساحاتِ أنفاسي

ويبقى على شَفَةِ الحُلم

علامةُ اِستِفهَام؟...

رموزٌ مُبهمةٌ  تشقُّ عُبَاب الآهات

أسرارٌ تتأرجح على أكتافِ الرِّياح

وشهيقُ العواصفِ يختصرُ الوقتَ

بعدَ المُنتَصف

تَكمنُ الشَّهقة الأُولى والأخيرة

هي امتدادُ المَرايا

على أجنحة النَّوارس ..

واحتضارُ الموجِ

عند شواطئِ الرُّوح

هي الليل ُفي مرايا البحر

وسُحبُ الشَّهدِ على صفحاتٍ بيلسانية

من أهدابِ اللَّيل أَخيطُ حنيناً لشفتيك

أُجدلُ من غُرَّة الشَّوقِ

أرجوحةً للمَطر.. تنتظرُ الزَنابِق

مابعد انتِصافِ الجُنون

وبعدَ اشتياقِ الحقيقةِ لوجهِ النَّهار

سيكونُ لي موعدٌ مع اِهتزازِ

أُرجوحَتكَ وخَفقِ المَطر

سأمنًحُ الرَّبيعَ النَّابت على مُقلتيكَ

ميلاداً جديداً لكُلِّ السَّنابل

***

سلوى فرح - كندا

 

 

لطفي شفيق سعيدتجثم صخرة الحاضر فوق صدور البلهاء

تتغذى عقابيل العقل بسحالي الأخبار

ينتشر الكذب الأبيض فوق حبال الحيلة

يقطع سيف الوقت اعناق الأيام الملعونة

تنام الأعوام الماضية في سرير الأزمنة

عارية بأوضاع مغرية مفضوحة

فتغري الآباء والأبناء الجهلاء

باع الساكت أيامه بثمن بخس

وظل يلوم حظه النحس

تأرجحت بين الماضي والحاضر

لتكشف عورته المخفية

عنكبوت البلادة بنى عشه

داخل أسوار المدينة المنسية

وبين اضلاع الناس المدفونة

في رمال ودماء وغباء

يهرش غول العداوة جلودهم

صباحا ومساء

والسيد المختار

يقذف ماء رجولته

في احشاء البسطاء

يقطع وحش السلطة الانفاس

ويدخل في أنوف العباد

يسرق طائر الأعمار

يدق أوتاد الموت في كل الأجساد

يجوب الحارات

يفتش عن صيد آخر

لينعش قلبه

في الحاضر والمستقبل

وفي كل الأوقات

***

لطفي شفيق سعيد

بغداد في كانون أول 1991

...........................

* نشرة في زمن النظام البائد.

 

فتحي مهذبكلب المتناقضات ينبح في حديقة رأسي

A dog of contrasts barking in my head

ترجمة  الدكتور يوسف حنا . فلسطين.


** بعد اختفاء شجرة العائلة

انتهيت بواقا في مستشفى

أدعو جميع المرضى إلى حصتهم من المورفين

لاستدراج شياه ضريرة في النوم

لزجر النسر العالق في مضيق الخلايا

أدعو نيزكا صديقا لتغيير وجهته

وأخطط لاغتيال صحن طائر

يلعب النرد في بيت الأموات

في جعبتي رصاصة يتيمة

والموت تنين برؤوس لا تحصى

**

تنامين بعيدا

غير أن صوتك يقرع باب قلبي

باستمرار

مثل ضيف مدهش من درب التبانة.

**

أنا الله

وعبادي جمهور الكلمات

**

لما كسر الجرة سهوا

تبجس من مزق الفخار دم الأسلاف.

**

ثمة كلمات تضيء في الليل.

**

الإسكافي

قبل رتق الأحذية يقبلها

لأن فيها رائحة النساء.

**

نقطة ضوء

بين عدمين

كينونة العارف.

**

من فرط الوحدة

كدت أصير إلاه.

**

أيها الراعي

نايك الحزين

يخطف إوزا كثيرا من حديقة قلبي.

**

فراشتان

تئزان في المرعى

وأنا قنديل ميت

دون فراشة.

**

الشتاء القادم

سأبتاع قبرا وأهديه

إلى مصاص الدماء.

**

ظلك يبكي

مثل أقحوانة

على حافة السهو.

**

أيها الأب

غيمتك الكثيفة

مثل بومة مينيرفا.

**

لم تذر شريانا إلا ومزقته بأسنانها

تلك اللبؤءة

التي ابتلعت قاربي الصغير.

**

لم أر شيئا طوال حياتي

لكن رأيت أشياء كثيرة في النوم.

رأيت الحقيقة

مثل إمرأة ضريرة في مبغى.

**

أنت بندقية مهذبة

وأنا صوتك الشرير

صوتك الذي يقفز مثل كلب سلوقي

وراء فريسته.

**

تركل سفينة النهار

وفي المساء تنام في قاع الهاوية.

**

الوهم هو الحقيقة

لذلك أدحض حجج النهار

منتظرا قيامة زرقاء اليمامة

قد ترشدني إلى لمع الينابيع.

**

وجه الله

يتمرأى في الكلمات الجميلة.

الشاعر هو الوحيد الذي ينزل الله إلى الأرض.

بواسطة نور الكلمات.

**

قال للحيوان :

كم أحبك يا أخي الذي لا يتكلم.

**

لما جن

اكتشف عيونا عميقة

في جسده.

**

كلب المنتاقضات

ينبح طوال الليل

في حديقة رأسي.

**

الطين يحب الطين

قال للجرة:

ما أبهاك يا أختي.

**

من صليبي صنعوا هراوة

لاغتيال الضوء.

**

تذهب الغيوم إلى دار الأوبرا

في الليل

إلا غيمة واحدة

تنام على سريري

مثل بنت من السيراميك

تمضغ فستق ذكرياتي ببطء.

ومن ركبتها

تتساقط طيور ميتة.

**

الوحدة باب

كلما أطرقه طرقا خفيفا

يفتح رويدا رويدا

يسحبني خمسون ذراعا لكائن

غير مرئي

إلى قاع ثقب أسود.

**

قلبها مدينة ملآىء بالنعوش

سرقت جميع نجومي

التي ربيتها في المنفى

بعد مؤامرة بدائية

حولتني إلى تمثال

يملأ جيبها المثقوب

بمياه السعادة.

**

المجانين ينقلون بيتي

من الضفة المتجمدة

إلى جزر السيمياء

كنت راكبا عربة يجرها ضرير

كان الهواء جسرا

والنجوم بنات يمارسن الجنس

في الفضاء

كنت أرمي النقود والفواكه للسحرة

سيكون بيتي نهرا من الموسيقى

دافئا وعميقا مثل لهيب صلاة.

***

بقلم فتحي مهذب تونس

.........................

A dog of contrasts barking in my head gardenيوسف حنا

Dedicated to the Palestinian poet Dr. Yusef Hanna

Fathi Muhadub / Tunisia

From Arabic Dr. Yousef Hanna / Palestine

After the family tree has disappeared

I wound up as Hornblower in a hospital

I invite all patients to take their morphine quota

To lure a blind sheep to sleep

To rebel eagle stuck in the strait of cells

I invite a friendly meteor to change direction

And I plan to assassinate a flying saucer

He plays dice in the house of the dead

I have an orphan bullet in my pocket

But death a dragon with countless heads

**

You sleep away

However, your voice knocks at the door of my heart

continuously

Like an amazing guest from the Milky Way.

**

I am God

And the community of words are my servants

**

When he accidentally broke the jar

From pottery tore shrouded blood of ancestors.

**

There are words that light up at night.

**

Cobbler

Kisses the shoes before darning

Since it's felled with women scent.

**

A point of light

Between two nullities

Connoisseur’s entity

**

Of loneliness excess

I almost got to be a god.

**

Dear Shepherd

Your sad flute

Snatches a lot of geese from my heart garden.

**

Two butterflies

Wheezing in the meadow

And I am a dead lamp

Without a butterfly.

**

Coming winter

I’ll buy a grave and dedicate it

To a vampire.

**

Your shadow is crying

Like a daisy

On the brink of omission.

**

Dear father

Your dense cloud

Like Minerva’s owl.

**

She did not scrape an artery

Unless tore it off with her teeth

That lioness

Who swallowed my little boat.

**

I haven't seen anything all my life

But I saw many things in sleep.

I saw the truth

Like a blind woman in a brothel.

**

You are a polite gun

I am your evil voice

Your voice that jumps like a greyhound

Behind its prey.

**

Kick day ship

And evening, you sleep at the bottom of the abyss.

***

Illusion is the truth

Therefore, I refute the arguments of the day

Waiting for the resurrection of Zarkaa Al Yamama

May you guide me to shiny springs.

**

God's face

Is seen in beautiful words.

The poet is the only one who brings God down to earth.

By the light of words.

**

He said to the animal:

How much I love you, O my brother who does not speak.

**

When he went mad

Discovered deep eyes

In his body.

**

Dog of contrasts

Barking all night long

In my head garden.

**

Clay loves clay

He said to the jar:

What gorgeous you are, my sister.

**

From my cross they made a cudgel

To assassinate the light.

**

Clouds go to the opera house

At night

Only one cloud

Sleeps on my bed

Like a girl from ceramics

Slowly chews pistachio of my memories.

And from her knee

Dead birds fall.

**

Loneliness is a door

Whenever I knock him lightly

It opens slowly

Fifty cubits of an invisible being

Pull me

To the bottom of a black hole.

**

Her heart is a city full of coffins

She has stolen all my stars

Which I raised in exile

After a primitive plot

She turned me into a statue

Fills in her perforated pocket

Water of happiness.

**

Maniacs move my house

From the frozen bank

To the islands of semiotics

I was in a blind-drawn carriage.

Air was a bridge

And the stars are girls having sex

in the space

I was throwing cash and fruits to witches

My home will be a river of music

Warm and deep like flames of prayer.

***