باسم الحسناوي

 أنتَ نهـــرُ الفراتِ أعْلَمُ هذا

وكذا أنتَ حينَ تجْري النيلُ

أنا والشِّعْرُ والمنايا الصَّبايا

راقصاتٍ نميلُ حيثُ تميلُ

كلُّ حــــــيٍّ فداكَ إنَّ فداءً

لكَ مهما يكن كثيراً قليلُ

لا جليلٌ تراهُ عيني جليلاً

وَحْدَهُ حُزْنُكَ الجليلُ جليلُ

أيُّ نُبْلٍ تحدَّثوا عنهُ؟ دَعْنِي

كلُّهم أحْقَرونَ، أنتَ النَّبيلُ

2-

أنا كلَّما دهستنـــــــي الحياةُ

فشاهدَني الناسُ فيها كسيرا

قبضتُ ترابَ حبيبي متى

سارَ ثمَّ أقبِّلُ ذاكَ المسيرا

وأنفخُ روحي بذاكَ الترابِ

وأنفثُ فيهِ الهيامَ الكبيــــرا

وأسكبُهُ فــــــــوقَ هذا الكيانِ

الكسيرِ كأنْ قد سكبتُ العبيرا

فأنهـــــــــــــــضُ ثانيةً ليسَ فـــيَّ

اعوجاجٌ وأطوي السحابَ الأثيرا

3-

فقدتُكَ كيفَ فقدتُكَ أنتَ

الفؤادُ السحيقُ الذي في فؤادي

فقدتُكَ كيفَ فقدتُكَ أنتَ

البلادُ التي لم تفارِقْ بلادي

صحيحٌ بأنكَ نجمٌ بعيدٌ

ولكنَّني قطبُ سبعٍ شدادِ

فأينَ تدورُ تدورُ هناكَ

وليسَ أمامَكَ إلا احتشادي

فإن شئتَ لا تقترِبْ أنتَ قمحٌ

وإني أنا موسمٌ للحصادِ 

4-

إذا لم تمتلكْ إلا فؤادَكْ

فبِعْ كي تشتري الدُّنيا سُهادَكْ

وأعْلمُ أنَّها نفسٌ أبوها

عنادُكَ فاطَّرِحْ حالاً عنادَكْ

وحاولْ أن تكونَ أخا ذويها

من الأصْهارِ إذْ صاروا بلادَكْ

وأخبرْهم بأنَّكَ عدتَ طيناً

بلا ضوْءٍ ليحتضنوا سوادَكْ

وحدِّثْهم طويلاً عن جهادٍ

بلا معنى فقد نبَذوا جهادَكْ 

5-

لا تسمعوا خطبي البليغةَ إنَّها

صَنَمٌ بفأسِ الأوْلياءِ سيُكسَرُ

لي منبرٌ أعوادُهُ من زُخْرُفٍ

ضلَّت بهِ الدُّنيا فساءَ المنبرُ

لي شهرةٌ أيضاً سأبصقُ فوقَها

فأنا لها واللهِ شَزْراً أنظرُ

إنِّي أصونُ الذَّنبَ من غفرانِهِ

فأحقُّ بالتَّحقيرِ ذنبٌ يُغفَرُ

هذا ضَريحي في الخيالِ مكانُهُ

ودمي بأمرٍ من حنانِكَ يُهْدَرُ

6-

إذا أنا قابلتُ وجهَ المنيَّةِ

فالعشْقُ أجمعُهُ في إهابي

أموتُ وأحيا وأحيا وأحيا

وذا الموتُ سُكْرٌ بفعْلِ الشَّرابِ

أتحسبُ أنَّ العظامَ عظامٌ

ستفقدُ رونقَها في التُّرابِ

فإنَّ دمائي ولحمي وعظمي

من الضَّوءِ فانظُرْ لضَوْءِ شهابي

ألسْتَ ترى أنَّهُ سرمديٌّ

كوحْيِ الإلهِ الذي في الكتابِ 

7-

مكثوا ببطْنِ الأرْضِ في أمْعائِهم

دخلت أفاعٍ أشْبَعت أمعاءَها

وتراقصَ الدّودُ الأكولُ كأنَّما

هيَ حفلةٌ نصَبَ الحِمامُ خباءَها

حتى إذا جفَّت عظامُ جسومِهم

في الأرْضِ صارَ رميمُها بيداءَها

فإذا بهم رملٌ وريحٌ صَرْصَرٌ

وصنوفُ أشْواكٍ تجفِّفُ ماءَها

وتظلُّ أمُّهم التي عقَّتهمو

تعطي الحنانَ لمن يرومُ زِناءَها

8-

قالتِ المرأةُ وَيحي

إنَّني أصْبَحْتُ تلكَ الدّائرَهْ

يطعنُ الأنجمَ رمحي

إنَّما الأنجمُ أنثى نافرَهْ

ما الذي ينفعُ بَوْحي

إنَّ بَوْحي خنجرٌ في الخاصرَهْ

أَحَلالٌ لكَ ذبحي

بسكاكينِ لحاظٍ غادرَهْ

إنَّ فتحاً أيَّ فتحِ

أنتَ لي دنيا بمعنى الآخرَهْ

***

باسم الحسناوي

 

صادق السامرائيلغةٌ تَحْيا وأمٌّ عاصَرَتْ

وثِمارٌ في رُباها أيْنَعَتْ

 

بشَبابٍ طالِعٍ نَحْوَ العُلى

ومُروجٍ ببَديعٍ إزْدَهَتْ

 

لغَةُ الضـــــادِ مُنيرٌ حَرْفُها

وبها هامَتْ عُقولٌ وانْبرَتْ

 

إحْتَوَتَ خيْرَ علومٍ ورؤى

وأجادَتْ بجَديْدٍ أبْدَعَتْ

 

إنّها نورٌ وضادٌ ضَوْؤها

شعْشَعَتْ فِكْرا وعِلما واسْتوَتْ

 

لغة العُرب وعُربٌ صَوْتُها

وبشِعْرٍ وبنَثرٍ أسْهَمَتْ

 

دوَّنَتْ سِفرَ عَطاءٍ مُبْدعٍ

وبقرْطاسِ وُجودٍ أوْدَعَتْ

 

تاجُها ضادٌ فريدٌ ناصِعٌ

برموزِ الروحِ كَوْناً رَصَّعَتْ

 

بكِتابٍ مِنْ عَلاءٍ وافدٍ

أمّة الأفكارِ قادَتْ واقْتدَتْ

 

جوْهَرُ المَعْنى ودُرُّ المُحْتَوى

يَتَماهى بحُروفٍ أشْجّرَت

 

يا شبابَ اليومِ يا ذُخْرَ غَدٍ

عانِقوا ضاداً تَسامَتْ واعْتلتْ

 

فبها نَسْعى لمَجْدٍ سامِقٍ

فوْقَ آفاقٍ تواصَتْ واغْتدَتْ

 

وقِفوا سّدّاَ مَنيعاَ حارِساً

ضدَّ أقوامٍ عليْها إعْتَدَتْ

 

تُوهِمُ الأجْيالَ فيها عِلةٌ

ودَمارَ العُرْبِ حَقاً إبْتَغَتْ

 

أبْصِروها أنَّ فيها مَنْهَلاً

لغةٌ تأبى جُمُوعاً أغْفلتْ

 

إصْنعوا ذاتاً بنَسْغٍ صاعِدٍ

نحوَ شمْسٍ برُبانا أشْرَقَتْ

 

واطْرِدوا دَسّاً لئيماً ناقِماً

وامْنَحوا الضادَ بَريقاً إرْتأتْ

 

إنّنا هِيَّ وفيها ذاتُنا

لغةٌ تَبقى وتَحْيا ما بَقَتْ!!

 

لغة العُربِ عَلامٌ واضحٌ

وهَوِيٌّ عَنْ مَعانٍ أسْفَرَتْ

 

لا تقلْ هانَتْ وخابَتْ وانْتَهَتْ

بلْ أراها لعَلاءٍ إرْتقَتْ!!

 

يا عَدوَّ الضادِ يا ضُدَ المُنى

أمّةٌ تَرقى بضادٍ أوْقدَتْ!!

 

فتَعلمْ كيفَ تُسْقى طيِّباً

مِنْ جَديدٍ في تليدٍ أوْرَثتْ

 

لُغَتي روحٌ بَديعٌ ظافِرٌ

وبنا شادَتْ عُصورا أبْهَرتْ

 

وبها نَسْعى بعَصْرٍ فاتِنٍ

وبأجْيالٍ لها ما أذْخَرَتْ!!

 

أيُّها الشعبُ العَريقُ المُحْتَوى

لغَتي الأكوانُ فيها إنْضَوَتْ

 

كيْفَما عاشَتْ فإنّا رَمْزُها

ولنا مِنْها بَديْعاً أمْطرَتْ

 

يا لسانَ الضادِ يا نَبعَ السَنى

وفيوضاً من سَماكٍ قد أتَتْ

 

أنتِ روحٌ لبَرايا أمَّتي

وشموعٌ بقلوبٍ أذْكِيَتْ

 

لغةٌ أحْيَتْ عقولاً عُطِّلَت

وبضادٍ فوقَ ضادٍ توِّجَتْ!!

 

لا تَقلْ كانَتْ وعاصِرْ كَوْنَها

واطْعِمِ الحَرْفَ جُماناً ألمَعَتْ

***

د. صادق السامرائي

9\10\2021

 

عبد اللطيف الصافيعندما أَتذَكَّرهُ

أَعْرفُ أنَّ وراءهُ تاريخاً مَنْسيّاً

بَعِيداً

على ضِفافِ وادِي الْعَبِيد

حيْثْ الشمسُ بِشَعَرها الذَّهَبي

تغْفُو في أحْضانِ الْقَواربِ

والْأسْماكُ تُنَظَّمُ مُسابَقاتٍ في الْغَطس

و مُراوَغَةِ شِباكِ الصَّيْد

تاريخاً حَافلاً بالسَّبْي واقْتِلاع الْجذور

ممْتلئةٌ به عصاهُ

تلكَ الْعَصا التي بِطولِ قامَتِه

يُلوِّح بها ضدَّ الغنمِ الشَّاردة

و ليسَ له فيها مآربَ أُخرى

عنْدما أتذكَّر " رْجَيْلَاتْ النَّمْلة"

أعرفُ أنَّه لمْ يكنْ مُجَردَ عبدٍ أسْود

كانَ راعياً ماهراً للغنمِ والمَاعز

بارعاً في اسْتِدراج قِطْعانه إلى الْبَرِّية

خالياً من الضَّغائنِ والأحْقادِ

منْ ثُغائها المَشْحونِ بالْغرابَة

وحِكاياتِ الْعَجائِب

يَبْني جِسْراً للسُّؤالِ

عنِ الْحَال والْأَحْوال

عن تشَظِّي الإِنْسانِ

و عُزْلتهِ

عن الخُبزِ الخَالِي منَ الْمِلح

عن الدَّمِ الذي سالَ في حلْمِ الْمُهمَّشينَ

وَقْعُ سَنابكِ الخَيْل علَى الرَّمْل

دوائرُ الْغبارِ

صَدى الغَيْلان

في لَيْل الأرضِ الْبَوار

ورغْمَ أنَّه لمْ يكنْ يحملُ في جِرابهِ ناياً

يُلَطِّف به رَتابةَ الزَّمنِ

وعُنفَ الأقْدارِ

مِثْلما يفْعلُ الرُّعاةُ

الْحُفاةُ

فقدْ كان يعرفُ كيفَ يجْعلُ الْعُشبَ الأَخْضرَ

ينْسجمُ مع القَطيع

في "تْهَيْدينَة" تسلُب لُبَّ السَّناجب

التِي لا تتوقَّفُ عن الرَّقصِ

إلا بعدَ أنْ تهْتزَّ شُجَيْراتُ " النَّبقِ"

تلمَعُ حُبَيْباتها القانِيَّةُ مثلَ عيونٍ حَمْراء

تنْفجرُ ضَاحكةً

فتَسقطُ الأَغنامُ

صَرْعى

تسْقطُ الأحلامُ

تصْمتُ الْخيامُ

وَحْدها نعْجتهُ الوحيدةُ تموتُ واقفةً

تُذكِّرُه بِأُمهِ التي لمْ يعُدْ يَتَذكَّرها

سِوى في عينيْ نعْجتةِ

يهُمُّ بها ليأكلها

يلبسُ جِلدها مُتَقمصاً روحَ " شَرْتات "

وهناكَ وراء الأكَمة ذئبٌ

يدرِّب فكَّيْه على تمزيق خرائطِ الماء

يمشُطُ شَعَر الريح

ما كادَ يعْوي ويَثِبُ

حَتى طارَ " رْجَيْلَاتْ النَّمْلة" مُسَرْبلاً في جلدِ نعْجته

مَفْزُوعاً

هَارِباً

يطارِدهُ تاريخٌ منْسيٌّ منَ الغَارات

والمُداهَمات

والتَّوَسُّلات

والمُزايداتِ في الأسْواقِ الْمُظْلِمة

حيث الصُّدور عَاريَّة

والْقُيودُ منْ حَديدٍ

و تَهْديدٍ

و حُكْمُ الْأسْلافِ

و الْأعرافِ

وَبيْنَما هُو يجْري

والذِّئْب خَلْفَه يَجّري

تَعَثَّر فِي حُلْمِه

وسقَط عَلَى أنْفِه

و حِينَما فَتَح عَيْنيْه

لمْ يَكُن هُناكَ ذِئْب ولا غُبار

كانَ الْجَرادُ يَزْحفُ فَوْق صَدْره

مُلْتهماً الْعُشبَ الْأخْضرَ

والْقَطيعُ أمامهُ يَثْغُو مُتسائِلاً :

هلْ خُلِقْنا حقاًّ مُتَساوُونَ؟

***

عبد اللطيف الصافي

..........................

* رْجَيْلَاتْ النَّمْلة: شخصية معروفة في وادنون، أسود البشرة، قصير القامة ونحيل. كان يرعى الغنم.

* شَرْتاتْ: إحدى شخصيات الحكايات الشعبية الصحراوية

* تهيدينة: مصطلح يطلق على الأدب الملحمي في الشعر الحساني

 

سالم الياس مدالوصباح اليوم

ممطر حزين

واحلامي الليلة

البارحة

احلام عميقة

ومرتبكة

حلمت بسهول

بسفوح وقمم

لا نبتة فيها

لا شفق ازرق

ولا ماء

دود جرذان وجراد

تغزو الشوارع

والضفاف

تناولت طعام

افطاري

ولمعت زجاجات

مرايا افكاري

بقوس قزح قلبي

عاكسا عليها

شموس امالي

واقمار تفاؤلي

حقولا وسفوحا

تلالا وهضابا

وقمما مضيئة

بهيجة ومزدهرة

وحينذاك ابتسمت

لذاتي واطعمت

حساسين قلبي*

بحبات املي

وتفاؤلي

مقتعدا دكة

عمري الحزين

مغنيا للبرق

للريح وللمطر

سالم الياس مدالو

***

سالم الياس مدالو

.......................

* جمع حسون طائر صغير مغرد

 

الحسين بوخرطةقرية "كوجازة" كانت من أبرز القرى تنظيما على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في تاريخ بلد مغاربي. امتدت على جنبات نهر عظيم. منابع مائه الزلال انفجرت من سفوح جبال شاهقة. مستوى تنظيم ساكنتها كان يبهر الدولة ويخيفها في نفس الوقت. الحنان والاحترام اللذان كانا سائدين داخل الأسر حول المودة والحب إلى مقومين وزادين منعشين ومحفزين لحيوية الكبار والأطفال والشباب الدائمة. كل أسرة أنتجت على الأقل متعلما جامعيا. تخرج من مؤسسات الدولة التعليمية والفضاء الثقافي الترابي للقرية عدد كبير من الشباب المختصين في الهندسة بمختلف شعبها، والطب، والفلك، والأركيولوجيا، والأنتربولوجيا، والأدب، والفلسفة، والفنون، وعلمي النفس والاجتماع.

تعودت الأسر على مستويات عليا  مترسخة من التضامن والتعاون في كل أمور الحياة. اعتمدوا على سواعدهم في توفير لقمة العيش الكريمة، وتفوقوا في جلب دعم المنظمات الدولية الرسمية وغير الرسمية المدعمة للمقاربة التشاركية الحقيقية، أي النابعة معرفيا وعمليا من الروح والعقل الجماعيين لأهل القبيلة. زواج شاب أو شابة هو بمثابة طقس ثقافي احتفالي ينظم بمسؤولية جماعية عليا. بنفس المنطق، يتم تشييع وتأبين الموتى، وبناء التجهيزات والبنايات العمومية من طرق ومسالك ومدارس وإعداديات وثانويات ومستوصفات ومختلف مؤسسات التنشئة. يجتمع كبار الجماعة وشبابها في المسجد بعد صلاة المغرب. يحتد النقاش في القضايا المعقدة، ليحسم بتدخل حكيم من أمغار القرية، ويتوج بعناق الأحبة والرفع من معنويات العمل الجماعي التعاوني. يتم توزيع مهام الغد على كل فرد من الجماعة، وتتخذ إجراءات حاسمة لتوزيع الأدوار العادلة وتدبير الأسبقيات في مجالي الحق في مياه السقي المتقاذفة بزخاتها وزبدها من عيون أعلى الجبل، ويتم السهر عن كتب عن توزيع الأدوار لاستغلال آلات طحن الزيتون التقليدية لاستخراج زيتها البلدية ذات الجودة العالية والمنافع الصحية والذوق الرفيع.

أما ما يتعلق بالاستجابة لمتطلبات الدولة في مجال مأسسة الخدمات العصرية، فقد ألفت الأجهزة الرسمية مضطرة قبول المرشح الفريد في الدائرة الانتخابية التي تشمل تراب القبيلة بكامله. جربت الدولة حيلة تقسيم تراب القبيلة إلى دائرتين انتخابيتين لخلق التنافر والصراع بين سكانها، لكنها فوجئت بإشهار سلاح المقاطعة التامة. تم إرجاع الأمور إلى حالها، إلى أن تم التنقيب عن منبع الأنانية في نفوس الشباب المتعلم، بحيث تم انتقاء شاب في مقتبل العمر اسمه عبروق، لم يتجاوز مستواه الدراسي الباكالوريا، ليكون بطل خطة اختراق ومشروع وأد للروح الجماعية. كان شديد الانعزال بسبب شعوره بالدونية. تنفجر بداخله الضغينة والألم ونوع من الشعور بالانتقام كلما نوه كبار قومه بأسماء الشباب الناجح في حياته والداعم لقبيلته بدون قيد أو شرط.

حبكت الخطة من طرف قائد الوحدة الترابية المختصة بتنسيق مع رجال الدولة الكبار. تم احتيار هذه القبيلة المجيدة بتاريخها كفضاء لتجربة نموذجية عسيرة لتيسير الاختراق والتفرقة وسيادة التحكم. تمت دراسة شخصية عبروق ونفسيته لمدة تقارب السنة. رفعت في شأنه التقارير التفصيلية، وأعطيت الانطلاقة لتنفيذ مراحلها بيقظة وحذر شديدين. كان عبروق متعودا الذهاب إلى المدينة عاصمة الإقليم كل سبت للترفيه على نفسه وشراء ما يلزمه ويلزم أفراد أسرته من حاجيات. في زيارته الأخيرة، أنهى أشغاله، وجلس في مقهاه الاعتيادية، معتبرا ارتشافه لكوب قهوة في هدوء سيهون عنه الكثير من التعب والهموم. بعد برهة، جلس على كرسي طاولة بجانبه رجل كهل كالح الوجه، لا هو بالنحيف ولا السمين، متأنق الملبس والأسلوب، وتفوح منه رائحة عطر من النوع الرفيع. أخرج هاتفه النقال آخر موديل، ركب رقما محفوظا في ذاكرته، وارتبط بمخاطب من جهة الاستقبال. سأل عن تقدم عدة مشاريع كلفته الملايير من الدراهم. انتابه غضب شديد، وبدأ يؤنب مخاطبه على ضعف تدبيره وعدم قدرته على قيادة مشاريعه بالدقة والنجاعة المطلوبين. افتعل فقدان أعصابه، فصدرت عنه حركة وكأنها اللاإرادية، فسقط كوب قهوته وتكسر بجانب طاولة عبروق. نهض هذا الأخير من كرسيه، وأخذ يجمع شظايا الكوب، مناديا النادل لتنظيف المكان. لقد اعتبر الحدث فرصة لإنقاذ نفسه من الضياع والدونية التي يعيشها داخل قبيلته.

خاطبه عبروق: أنا اسمي عبروق من قرية "كوجازة". هون عن نفسك سيدي، فصحة الإنسان لا تحتمل الغضب والانفعال والأحزان.

أجابه الرجل: أنا اسمي عصمت، الملياردير المشهور في مجال الاستثمار والأعمال وصاحب المشاريع الصناعية الكبرى في البلاد. لقد تعبت كثيرا، وجاهدت نفسي بلا هوادة، وحملتها ما لا تحتمل من أجل تسريع تراكم ثروتي وخلق مناصب شغل لشباب بلادي. وكما سمعت، مدير أعمالي مسطول لا يعير الاهتمام اللازم لانشغالاتي ومشاريعي التي تعم التراب الوطني. أعطاني الانطباع أنه ملاك مترفع عن الأذى ومقاوما له. مع مرور الأيام افتضح أمره، واكتشفت أنه مارد مشيطن لا يرتاح إلا بعد أن يبلس علاقات العمال الشرفاء، وتحول إلى صانع للإزعاج والسأم داخل الوحدات الإنتاجية لشركاتي.

تدخل عبروق مسهبا في الكلام: سمعت كل شيء سيدي. فعلا جهودكم المضنية، وما ترتب عنها من نجاحات، تتطلب الرعاية والتفاني من طرف فريق متعاونيك. إن أفظع الأمور التي لا تطاق في العلاقات المهنية هو أن يتحول مسؤول إلى جثامة لا يطيقها أحد.

عصمت: قلت لي إنك من قبيلة "كوجازة" المعروفة بمروءة ناسها، وقوة وبسالة مواقفهم.

عبروق: بالتأكيد سيدي. أنا الرجل الثاني في أسرتي، أعين أبي في أنشطته الفلاحية، وأزور المدينة كل يوم سبت لقضاء حاجياتنا الأسبوعية.

عصمت: ما ردك إذا اقترحت عليه وظيفة مراقب لكل مشاريعي الصناعية والمالية. وفي حالة الاستجابة لانتظاراتي بالحزم المطلوب، سأمكنك من أجرة شهرية محترمة وسيارة شخصية من النوع الرفيع. كما يمكن أن أفتح لك المجال لاقتراح شباب من قبيلتك في وظائف مختلفة ومتنوعة.

عبروق: بكل فرح وسرور سيدي. ثم خاطب نفسه "ما هذا الحظ المفاجئ يا عبروق. اغتنم هذه الفرصة وتمسك بها بكل ما لديك من قوة، لترفع من شأنك ومن شأن أسرتك، وترفع رأس أبيك وقيمته بين ناس القبيلة".

رجع عبروق إلى القرية، جمع كل حاجياته في حقيبة راقية الصنع اشتراها له مشغله الجديد. اخرج هاتفه الخاص، واتصل بالسيد عصمت معلنا استعداده للالتحاق بمنصبه. فرح فرحا عارما هو وأبوه وأمه وإخوانه وأخواته وباقي أفراد العائلة من الأصول والفروع. بعد ساعة، وقفت سيارة فارهة براقة اللون أمام المنزل، نزل السائق وحمل الحقيبة، ووضعها في صندوق السيارة، فتح الباب الأيمن، وطلب بلطف وأدب شديدين من عبروق الصعود إلى الأريكة الجلدية الخلفية. تسجى بظهره عليها لتستقبل رأسه وسادة جلدية وثيرة. أحس بالراحة التامة. التفت يسارا ويمينا منبهرا بجمالية السيارة الداخلي، فلمح أمامه هاتفا ثابتا بسماعة تثير العقل والنظر.

السائق: هذه سيارتك، وأنا سائقك الدائم.

عبروق: تشرفت بمعرفتك سيدي، وهل بإمكاني أن أسوقها لوحدي أيام زياراتي لأسرتي بالقبيلة.

السائق: بكل تأكيد. السيارة وأنا تحت تصرفك ورهن إشارتك ليلا ونهارا.

أعطى عصمت الانطلاقة لتنفيذ خطة اختراق أهل القبيلة بالتدريج، هادفا ترسيخ شرعيته ترابيا، ومن تم التحكم في مصير ناسها. مكن عبروق من إمكانية توظيف اثنان في الشهر الأول، ثم ثلاثة في الشهر الثاني. ارتاب أمغار الجماعة من هذا المستجد المفاجئ وغير المفهوم. طلب انعقاد اجتماع مستعجل في المسجد، مبعدا أب وإخوان عبروق مرحليا. تم حبك الخطة المضادة بذكاء شديد. تشكل فريق النبهاء لتدريب المنتقين للالتحاق بوظائف عصمت. تم التواصل بحكمة وبتدرج مع أب عبروق. اندمج الكل في حماية استقرار وكرامة وسعادة وطمأنينة وإيمان ناس القبيلة رجالا ونساء أطفالا وشبابا.

اغتنى عبروق بدون تقصير أو خيانة في عمله، وتحسن المستوى المادي لكل الملتحقين بوظائف عصمت. استنفعوا من خيراته وماله، ونفعوه بجديتهم وأمانتهم، لترتفع نسبة نمو شركاته الاقتصادية. اقترب موعد الانتخابات الجماعية، استقبل هذا الثري من طرف أهل القبيلة استقبال الملوك. رددت النساء الزغاريد، واصطفت الفتيات الجميلات مقدمة إياه التمر والحليب، وارتفعت هتافات الترحيب في صفوف الرجال والشباب. تشجع عصمت مفتخرا بأمجاد هذا الاستقبال. رشح نفسه لعضوية مجلس الجماعة طامعا في السيطرة على رئاسته. ترشح منافس له من القبيلة اسمه عيسى. تظاهر كل الناخبين بعدم اهتمامهم به. أعلنت النتائج، حصل عصمت على صفر صوت، وعيسى على مجموع الأصوات بدون أوراق ملغاة.

اشتد اللوم والعتاب والعقاب صفوف أهل الأمر والعقد الطامعين في تفكيك قيم التضامن القبلي. اعتبروا ما وقع مصيبة مدوية ووصمة عار ألصقت بجبين القيادات المسؤولة. أصيب عصمت بنوبة غضب شديدة. أغمي عليه، وتم نقله إلى مستشفى الأمراض العصبية. استحضر حق القبيلة في الدفاع عن نفسها، وكون الحق يعلو بقدرة الرحمان ولا يعلى عليه. شفي في أجل قياسي. بعد تفكير عميق، وباقتراح منه، أقنع السلطات بمبادرة جديدة. سمح له بإعداد موكب يشرف مقام القبيلة. حل بين ساكنتها ضيفا طالبا المصالحة والصفح والمغفرة. تم الاحتفاء به بمنطق آخر. زغردت النساء، وهتفت حناجير الشباب مرحبة بالصدق وصفاء النية.

انعقد اجتماع في أعلى المستويات. سمح للسيد عصمت للتقرب مجددا من أهل القبيلة. عبر عن صدقه في عدة مبادرات حتى تيقن الجميع من مروءته. اندمج في الحياة الترابية، معبرا عن زهوه بعبر ودروس هذا الامتحان النادر. اشترط عليه أن يكون وسيطا رسميا بين زعيم الجماعة والدولة لا أكثر ولا أقل. وافق الجميع، باتفاق مع كل القبائل، على ترشيحه بدون منافس في الانتخابات البرلمانية. مكنوه من قطعة أرضية شيد عليها منزله. لعب دور الوساطة الانتدابية المؤسساتية بمنطق النماء في احترام تام لسلطة الروح الجماعية. اجتمع أمغار القبيلة مع كبار القوم. شكلوا لجنة لليقظة والمراقبة ومناهضة الاختراق.

عبر السيد عصمت عن افتخاره واعتزازه بما قدمه عبروق وشباب القرية من خدمات جليلة لشركاته. توسع سوق منتوجات معامله وخدماته، وتحول رجال ونساء القبيلة إلى رافعة للتنمية الترابية. تحولت شركات عصمت إلى مجموعة إنتاجية مواطنة ضخمة حصلت على جوائز وشواهد في الجودة وأنماط التدبير التشاركية.

***

الحسين بوخرطة

 

 

يحيى السماويورحيل أنكيدو الى اللامكان


  

 

(1) هبوط اينانا

هَـبَـطـتْ مـن بُـرجِـهـا الـعـلـويِّ  " إيـنـانـا " (1)

احـتِـجـاجـاً

ضـدَّ " أنـلـيـلَ " ومـا يـكـنـزُ مـن تِـبـرٍ

ومـالٍ  وقِـيـانْ

*

وريـاشٍ  فـي رِحـابِ  " الـمـعـبـدِ الأخـضـرِ "

فـي وادي الـيَـتـامـى  ..

والــمُــرائـيـنَ الــمُـصَـلِّـيـنَ  أمـامَ الـنـاسِ

جَـهـراً  ..

ووراءَ الـسُّـورِ مـا نـالَ امـرؤُ الـقـيـسِ مـن الـلـذةِ

مـن زادٍ وكـأسٍ ونـدامـى

وغَــوانْ

*

هَــبَـطَــتْ مـن بُـرجـهـا  الـعـلـويّ

أنـثـى

مـثـلَ بـاقـي الأنـثَـيـاتِ الـغِـيـدِ

إلآ أنـهـا لـم تـكُ مـن طـيـنٍ

فـقـد كـانـتْ مـن  الإبـريـزِ والـمـاءِ (2)

وزَهــرِ الــزُّعْــفُــرانْ

*

تـرتـدي ثـوبـاً مـن الـبـرديِّ والـعـشـبِ

وقـد  أبـدَلَـتِ  الـقُـبَّـعـةَ الـقـطـنَ

بـمـا تـحـمـلـهُ كـاهـنـةُ الـمـعـبَـدِ  ..

والـمـشـحـوفَ بـالـهـودجِ .. (3)

واسْــتـغـنـتْ عـن الـقـزِّ

فـأضـحـتْ تـرتـدي الـعُـشـبَ وزهــرَ الأقـحـوانْ

*

لـم تـقُـلْ شُــكـراً  لِـيـاقـوتٍ

ولا أفٍّ  لـفـقـرٍ

رمَـتِ الـمِـكـحَـلـةَ الـفِـضَّـةَ

والـعِـقـدَ الـمُـوشَّـى بـعـقـيـقٍ

ورمَـتْ بـالـصَّـوْلَـجـانْ

*

جـابَـتِ الأحـيـاءَ

تَـسـتـقـرئُ حـالَ الـنـاسِ فـي أوروكَ

فـي عـهـدِ الـسـلاطـيـن الــسِّــمـانْ

*

فـرأتْ ما لـمْ يَـرَ الآلـهـةُ الأعـلـونَ :

أكـواخـاً مـن الـبـرديِّ والـطـيـنِ ..

قـصـوراً ..

وقـلاعـاً  ومَـغـانْ

*

وجَـدَتـنـي ألـعَـبُ الـنـرْدَ

وأحـسـو مـن مُـضـاغِ الـعَـسَـلِ الــمُــرِّ كـؤوســاً (4)

تـائـهـا أبـحـثُ عـنـي فـي فـصـولِ الـلامـكـانْ

*

أخَـذَتْـنـي مـن تـلابـيـبِ قـصـيـدي

أسْــكَـنَـتْـنـي

فـي مـكـانِ الـلازمـانْ

*

أدخَـلَـتْـنـي ســبـعَ واحـاتٍ

وقـالـتْ:

لـكَ مـنـهـا مـا تـشــاءُ

الـزرعُ والـضَّـرعُ

ومـا فـي داخـلِ الأرضِ وفـوقَ الأرضِ

إلآ

ما عـلـى الأرضِ مـن الـغِـيـدِ الـحِـسـانْ

*

فـأنـا رغـمَ هـبـوطـي مـن سَــمـاواتـي الـى الأرض

فـلا زلـتُ عـلـى طـبـعـيَ:

لا أقـبَـلُ أنْ تُـشْــرِكَ بـيْ أخـرى

ولـو كـانـتْ يـواقـيـتَ ودُرَّاً وجُـمـانْ

*

كـلُّ مَـنْ  يـنـكـثُ عـهـداً بـالألــوهِــيَّــةِ

قـد أبـدَلَ بـالـعـزِّ الـهَـوانْ

*

لا يَـغـرَّنَّـكَ  أنْ أنـتَ قـتـلـتَ الـوحـشَ  " خـمـبـابـا " (5)

فـمـا زلــتَ ضـعـيـفـاً ..

أنـتَ لا تـمـلـكُ  أنْ تـمـسـكَ خـيـطـاً مـن دُخـانْ

*

فـاحْـتـرسْ مـن  حِـلـمِ " إيـنـانـا "

إذا حـارسُـهـا الأرضـيُّ خـانْ

*

قـلـتُ:

يـامـولاتـيَ الـمـعــصـومـةَ الـلـذّاتِ

ســمـعـاً وامْـتـنـانْ

*

فـأنـا أتـعَـبَـنـي الـلـهــوُ

فـلا " شـامـاتُ " تـغـويـنـي كـمـا  فـي الأمـسِ

أمـسـيـتُ نـدامـايَ قـصـيـدي

وأنـيـسـي الـبـحـرُ  والـوردُ

وغـابُ الـسـنـديـانْ

*

رفـعـتْ سُــبّـابـةَ الـيُـمـنـى

وقـالــتْ:

قـبـلَ أنْ تـدنـوَ مـن بـحـرِ قـصـيـدٍ

حَـدِّدِ  الـقـصـدَ

فـشِـعـرٌ دونَ  قــصــدٍ طـاهـرِ الـنِّـيَّـةِ

ضَـربٌ

مـن ضـروبِ الـهَـذَيـانْ

*

وأضـافـتْ:

يـذكـرُ  الآبـاءُ والأجـدادُ

أنَّ الـنـاسَ فـي أوروكَ كـانـوا

" عـروةَ  بـن الـوردِ " فـي  الـغُـنْـمِ  (6)

وصَـحـنـاً  واحـداً  فـي الـقـحـطِ

كـلُّ الـنـاسِ كـانـوا  واحـداً فـي رزقِ بـيـتِ الـمـالِ

راعـي الـشـاةِ  والـوالـي

ونـجـلُ الـراهــبِ الــقــسِّ

ونـجـلُ  الـزّبْـرقـانْ (7)

*

 

فـلـمـاذا أصـبـحـوا الان كـأسـنـانِ الـتـمـاسـيـحِ

وكـانـوا  مِــثــلَ مِــشــطٍ ؟ (8)

حـانَ وقـتُ  الـفـصـلِ بـيـنَ الـصـدقِ والـزيـفِ

وبـيـن الله والأصـنـامِ

حـانْ

***

يحيى السماوي

.....................

القصيدة من مجموعتي الجديدة  (فراديس إينانا) التي ستصدر مطلع العام الجديد  بإذن الله .

(1) إينانا إلهة المطر والخصب والحكمة والحب والجنس .. وإنليل رئيس مجمع الآلهة في ملحمة كلكامش .

(2) الإبريز: الذهب الخالص .

(3) المشحوف: زورق رشيق يصنع من قصب البردي، سومري الأصل، يستخدم للصيد والتنقل بين الأهوار.

(4) العسل المرّ:  مصطلح كنت أطلقه على الخمر في شبابي .

(5) خمبابا: وحش غابة الأرز القويّ  الذي كان يرعب مواطني أوروك.

(6) عروة بن الورد: أمير الصعاليك ونصير الفقراء القائل:

أوزّع جسمي في جسوم كثيرة

وأحسو قراح الماء والماء بارد .

(7) الزبرقان: صحابي جليل واسمه الحصين بن بدر التغلبي . والمراد في المقطع أن الناس كانوا متساوين في الحقوق فلا فرق بين ابن نصراني وابن صحابي  أو بين مذهب وآخر .

(8) إشارة الى القول المنسوب للإمام جعفر الصادق "ع ": الناس سواءٌ كأسنان المشط " .

 

 

انور بن حسيننَبِيّ الخِتَامِ عَلِيُّ المَقَامِ

              لَهُ المَجْدُ والحُسْنُ بَيْنَ الشّهَامِ

أطَلَّ لِدُنْيَا بِوَحْيٍ شَرِيفٍ

                   بِذِكْرٍ و بُشْرَى لِكُلِّ الأَنَامِ

يَضِيقُ المَجَازُ بِكُلِّ اللّغَاتِ

           ويَعْجِزُ فِي الوَصْفِ سَيْلُ الكَلَامِ

فَأَنْتَ رَسُولُ الإلَهِ نَذِيرٌ

                    وَنَبْعُ الهُدَى وأبَرُّ العِظَامِ

وأنْتَ عَزِيز قَوِيمٌ مُبِينٌ

                   فِدَاكَ الأُبَاةُ وقَرْعُ الحُسَامِ

أجُوبُ الدُّرُوبَ بِأَرْضِكَ شَوْقًا

                   أُنَادِي العِبَادَ لِنَشْرِ السَّلاَمِ

تَأسَّى بِكَ القَوْمُ إِنْسًا وجِنٌّا

             فَلَا خَابَ مَنْ صَانَ دِينَ الوِئامِ

وَقُرْآنُنَا يَشْرَحُ الصَّدْرَ لَيْلا

                    نَهَارًا وَيُتْلَى بِكُلِّ انْسِجَامِ

مُدُودٌ تَزِيدُ المُرَتِّلَ وَقْعًا

          وصَوْتُ الحُرُوفِ كَنَقْشِ الرُّخَامِ

وَفِي النّفَحَاتِ سُطورٌ تُضِيءُ

                 ومِنْهَا خَلَاصٌ لِأَهْلِ الكِرَامِ

                    ***

خُلِقْتَ جَمِيلًا سَمِيحًا خَلُوقًا

                     نَقِيًّا بَهِيًّا كَضَوْءِ السَّمَاءِ

رَسُولا كَرِيمًا تَقِيًّا خَلِيلا

                    حَلِيمًا رَحِيمًا بِيَوْمِ اللّقَاءِ

كَأنّكَ نُورٌ تُنِيرُ الدّهُورَ

                    صَلَاةٌ عَلَيْكَ نَبِيَّ الحِرَاءِ

بِنَفْسِي لَكَ الحُبُّ تَوْقٌ تَلِيدٌ

                    يَفِيضُ قَصِيدًا بِكُلِّ الثّنَاءِ

نَشِيدُ الأَحَادِيثَ صَرْحًا مَتِينًا

                    وَمِنْهَا سَنَاءٌ لِوَقْتِ البَلَاءِ

نُجَاهِدُ فِي الدِّينِ جُنْدًا وطَوْعًا

                   وإِسْلَامُنَا رَايَة فِي العَلَاءِ

وأُمْنِيَتِي أَنْ تَزُورَ مَنَامِي

                 فَطوبَى لِسُؤلٍ بِجُنْحِ الخَفَاءِ

وكَمْ مِنْ سَقِيمٍ بِيُسْرٍ تَعافَى

                   فَأنْتَ الدَّوَاءُ وسِرُّ الشِّفَاءِ

لِأَنّي أُحِبُّ الرَّسُولَ بِصِدْقٍ

                 أوَارِي الأثَامَ بِفَيْضِ الدّعَاءِ

أعُوذ بِرَبٍّ سَمِيعٍ عَلِيمٍ

               وَنِعْمَ النّصِيرُ بِجَوْفِ الخَلَاءِ

                ***

وأغْدَقَ سُلْطَانُ قُطرٍ أثِيلٍ

                 لِنَسْمُو بِمَدْحِكَ فَوْقَ الخَيَالِ

ويَسْعَى لَكَ المُؤمِنُونَ كَثِيرًا

               ومِنْ كُلِّ صَوْبٍ بِشَدِّ الرِّحَالِ

وأعْجَبُ مِنْ امْرِئٍ فِي القُرَى

             أضَاعَ الرَّشَادَ وقُرْبَ الوِصَالِ

وكَمْ مِنْ عَنِيدٍ تَهَاوَى بِلِينٍ

              فَأمْسَى يَتُوقُ لِكَسْبِ الخِصَالِ

ويَبْكِيكَ جِذْعٌ يَحِنُّ حَنِينًا

              وتَخْشَعُ قِسْرًا رَوَاسِي الجِبَالِ

خَرَجْتُمْ و كُنْتُمْ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ

                   فَفَاضَتْ يَدَاكَ بمَاءٍ زُلَالِ

وَقَالوا فَشُقَّ لِنِصْفَيْنِ بَدْرًا

              فَزَاغُوا عَنِ العَهْدِ بَعْدَ الجِدَالِ

سَرَيْتَ بِلَيْلٍ عَرَجْتَ السّمَاءَ

                عُرُوجًا  لِتُنْبِئَ خَيْرَ المُحَالِ

وَصَلْتَ إلَى سِدْرَةِ المُنْتَهَى

                لِمَأوَى الجِنَانِ كَأسْمَى مِثَالِ

لَكَ المُعْجِزَاتُ دَلِيلُ سُمُوٍّ

                     وفِيهَا بَيَانٌ لِيَوْمِ السِّجَالِ

                    ***

الشاعر: أنور بن حسين

تونس

 

 

علي القاسميأو الوطن

طرقت الكاتبةُ بابَ مكتبي وقالت:

ـ الأستاذ مزيد العلوان.

وانصرفتْ.

ودخل رجلٌ في مطلع الثلاثينيات من عمره، متوسطُ الطول، متوسط ُالوزن، ووجهُه الوسيم محمرٌّ، كما لو أن أحدهم قد وجه إليه صفعة، أو سيوجهها بعد قليل.

والسيد مزيد العلوان واحد من عدد من الأدباء والفنانين العراقيين الذين طلبوا مقابلتي في مكتبي بمدينة الرباط، عندما كنت أعمل مديراً في منظَّمةٍ دولية. وكان في وسع الكاتبة أن تعتذر نيابة عني بانشغالاتي أو أسفاري أو بما شابه ذلك، ولكني كنتُ أدرك أن رفضي مقابلتهم قد يحوِّل الصفعةَ إلى طعنةٍ نافذة، قد لا تتحمَّلها قلوبُ بعضهم المرهفة.

في سنوات الحكم الشمولي في العراق، خلال السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، ازدادت الهجرة من العراق، لا هرباً من الحروب العبثية فحسب، بل كذلك بحثاً عن مكانٍ فسيحٍ وهواءٍ نقي. وكان في مقدِّمة المهاجرين، الشعراءُ والرسّامون والفنانون وغيرهم من المُبدعين. فالمبدع لا يُنتج ما لم يعِش في فضاءِ حرٍّ، فالحرِّية منبع الإبداع. وكان معظمهم يختار المغرب، لأنَّ المغرب بلدٌ مضياف، ولأنه في بداية تلك الفترة لم يكُن يطلب من القادمين العرب تأشيرةَ دخولٍ مسبقة. (وما تزال الهجرة من العراق مستمرة، لمن استطاع إليها سبيلا، في زمن المحاصصة الطائفية وحكم الأحزاب الدينية التي جهَّلت الشعب ونهبت موارده).

لم أسمع باسم السيد مزيد العلوان من قبل، على خلاف معظم العراقيين الذين قابلتُهم قبله، فقد كانوا يحملون شهادات عليا، ويجيدون لغات عالمية، ولهم خبرة معمقة في مجال تخصصهم. كنتُ أحرص على استقبالهم، وأبالغ في التعبير عن احترامي لهم، لعلمي برهافة إحساسهم، ومدى عزّة النفس لدى العراقي، حتى إن جاء يبحث عن عملٍ مَهما كان، لسدِّ رمقه. ثمَّ أشرح لهم بلطف أنَّ المنظَّمة الدولية التي أعمل فيها لا تستخدم الموظَّفين إلا عندما يوجد شاغر، وتبلّغ جميع الدول الأعضاء بذلك، فترشح الدول منها مَن تراه "مناسباً"، وتختار المنظَّمةُ الأنسب، آخذةً في النظر نسبة الموظفين من كلِّ دولة عضو فيها.  (ومن حسن حظي، أو من حُسن مجاملتهم لي، لم يسألني أيٌّ منهم كيف اشتغلتُ أنا مديراً في المنظَّمة، وأيّة حكومة عراقية رشحتني لهذه الوظيفة؟!!)

وبطريقة الإقناع ذاتها، أشرح لهم ـ لأوفِّر عليهم الجهد ـ أنَّ الإدارات المغربية لا تشغّل إلا المغاربة، وأنَّ الفرص لغير المغربي في القطاع الخاص نادرة إنْ لم تكُن معدومة.

وأُبيّن لهم أنَّ أملهم الوحيد هو الاتصال بمكتب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بالرباط، أو مراجعة سفارات دول الشمال مثل كندا والدول الإسكندنافية التي ترغب في زيادة اليد العاملة فيها باستقدام العنصر الشرق أوسطي، الذي لا يؤدي إلى مشاكل التمييز العنصري في المستقبل. وقد نجح عدد منهم في الهجرة إلى بعض تلك الدول، (ليموت فيها مرات عديدة يومياً، بسبب عدم وجود الشمس التي اعتاد عليها في العراق، وما يسبِّبه ذلك من اكتئابٍ، زيادة على الغربة. والغربة تقتل مثل رصاصةٍ).

مزيد العلوان مختلف عنهم، فهو لا يحمل شهادات عليا، ولا يُجيد لغاتٍ أجنبية، وليست له إنجازات معروفة. ولكنَّه فنّان موهوب مطبوع: رسّام وخطّاط. وعرض عليّ نماذج من خطّه ورسومه. وكانت البرامج الحاسوبية في تلك الفترة لم تتطوُّر بعد لتغطي الرسم وجميع أنواع الخطِّ العربي. ولهذا نصحتُه بمراجعة إدارات تحرير الصحف المغربية الموجودة في الرباط والدار البيضاء، فقد يحتاج بعضها إلى خطّاط، لخطّْ العناوين الكبرى في كلِّ صفحة من صفحات الجريدة يومياً. وأضفتُ قائلاً:

ـ " وسأوصي المسؤول بالاتصال بك للمساعدة، عندما تنشر منظمتنا كتاباً."

يبدو أن مزيد العلوان نجح في الحصول على عمل في جريدتَيْن بالرباط، وتحسّنت أحواله المادية، فانتقل من الفندق البسيط الذي كان ينزل فيه، الى شقّةٍ قديمةٍ صغيرة في وسط المدينة. وعندما جاء إلى كاتبتي راجيا مقابلتي ليشكرني، قالت له الكاتبة:

ـ " مع الأسف، المدير مشغول جدّاً اليوم. ولكنَّني سأبلِّغه أخبارك السارة وشكرك. وعندنا رقم هاتفك ".

***

تُعامَلُ المنظماتُ الدولية بوصفها مؤسَّسات دبلوماسية، وأسماءُ مديريها مُدرَجَة، في كتيب الهيئات الدبلوماسية في المغرب الذي تصدره وزارة الخارجية والتعاون الدولي بالرباط، لتستعين به تلك الهيئات للتواصل فيما بينها. وتقيم السفارات حفلاً واحداً على الأقلّ في العامّ بمناسبة العيد الوطني لبلادها.  ويحرص على حضور تلك الحفلات المولعون بتناول الخمور في المساء. أمّا أنا، فقلَّما كنتُ أحضر تلك الحفلات، لأنني كنتُ انتظر المساءَ لممارسة إدمانٍ من نوع آخر، ومعانقة أصدقائي الذين أفارقهم طوال النهار، أعني الكتب. فقد كنتُ كما قال المفكر الفلسطيني الدكتور داهش (سليم موسى العشي):

" أحبُّ الكتبَ حبَّ السكارى للخمر، لكنَّني كلّما ازددتُ شرباً منها، زادتني صحواً."

بعد بضعة شهور، التقيتُ، ذات مساء، بالسيد مزيد العلوان في حفل إحدى السفارات بمناسة عيدها الوطني. وتحرص السفارات على توجيه أكبر عدد من الدعوات إلى إدارة كلِّ صحيفة، لأنّ نشر إحدى الصحف خبر ذلك الحفل الباذخ ومن حضره من المسؤولين وغيرهم، أهمُّ بكثير من اضطلاع دبلوماسيٍّ مدمن، بشربِ لتراتٍ من الخمور الغالية الثمن. وكنتُ ذلك الأسبوع أقيم مأدبة عشاء في منزلي لعدد من الضيوف المشارقة المشاركين في ندوةٍ من ندوات المنظَّمة. فرأيتُ أن أدعو السيد مزيد العلوان كذلك. وعندما دعوته، قال بلطف:

ـ "هل أستطيع أن أصحب خطيبتي معي؟"

ـ "مبروك، لديك خطيبة الآن؟ بعض المدعوين معهم أزواجهم، في وسعكَ اصطحاب خطيبتك."

في مأدبة العشاء، حضر السيد مزيد العلوان مع فتاة في أوائل العشرينيات من عمرها، مليحة الوجه باسمة، طويلة القوام رشيقة (وعادة ما تحتفظ كلُّ فتاة بثلاثة أنواع من الأحذية لديها: من الحذاء المسطح الى الكعب العالي، لتتحكَّم بطولها الظاهر بحسب مقاس رفيقها)، وقدّمها إليّ قائلاً:

ـ "دكتور سليم الهاشمي، أقدّم لك خطيبتي الآنسة حسناء."

بعد شهور طويلة، أتيحت لي الفرصة لأسأل  المكلَّف بطباعةِ كُتبِ المنظمة ما إذا كان السيد مزيد العلوان يستفيد من خطِّ عناوين الكتب او عناوين الفصول فيها، أجاب:

ـ "لم يعُد الأمر كذلك، فجميع المطابع اقتنت برامج الخطِّ العربي الحاسوبية، ولا حاجة للخطّاطين بعد اليوم."

ذات يوم التقيتُ السيد مزيد العلوان في الطريق مصادفةً، فسلَّم عليَّ بحرارة، وقال لي:

ـ " أودُّ أن أستشيرك في موضوع شخصي إذا كان لديك خمس دقائق. إن خطيبتي تقول إنها حامل. وأن الوقت فات لإسقاط الحمل. ".

قلتُ:

ـ "إذن ينبغي أن تتوكل على الله وتتزوجها."

قال بشيء من الاستغراب:

ـ "ولكنها فقيرة ؟!"

قلتُ:

ـ ﴿ وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم؛ إنْ يكونوا فقراء، يُغنِهم اللهُ من فضله﴾.

قال:

ـ " ولكن أحد الأصدقاء قال لي إنَّ زوجته محامية، وتستطيع ان تثبت أمام المحكمة بأنه لا علاقة لي بالجنين."

قاطعتُه قائلاً:

ـ "هذا كذب وحرام، وأنتَ تعلم ذلك."

وأضفتُ مُنهيّاً النقاش:

ـ "أنت طلبتَ مشورتي، وأخبرتُك برأيي. مع السلامة."

***

لم أَرَ مزيد العلوان بعد ذلك، ولم أسمع منه أو عنه شيئاً. ولكن ذات صباحِ عطلةٍ أسبوعية، طُرِقَ بابُ منزلي، وعندما فتحتُ الباب، الفيتُ فتاةً جميلةً صغيرة لا تتعدى العشرين عاماً، سلّمت عليّ وقالت:

ـ "أنا هيفاء، أخت حسناء الصغرى. أختي تسلّم عليك وتخبرك بأنَّ ابنتها الوليدة مريضة ويجب أن تأخذها إلى الطبيب، ولكن لا مال عندها؟"

ـ "أختكِ ولدت؟ الحمد لله! وأين مزيد العلوان؟!"

ـ " لا نعرف. ربّما غادر المغرب."

تركتُها واقفةً في باب المنزل، ودخلتُ وأخرجتُ معي مبلغاً من المال يكفي لما طلبت، وودَّعتُها.

بعد حوالي شهرين، طًرِقَ باب منزلي. وعندما فتحتُه، وجدتُ فتاة جميلة صغيرة. سلّمت عليّ وقالت:

ـ "أنا نجلاء أخت حسناء. أختي تسلّم عليك، وتخبرك بأنَّ ابنتها مريضة وتريد أن تأخذها إلى الطبيب ويعوزها المال. "

سألتُها:

ـ "كم أختاً، أنتُنَّ؟"

ـ "ثلاث أخوات، وأُمّنا، ولنا أخٌ واحد يعمل في منجم فحم، وما يرسله إلينا بالكاد يكفي لدفع كراء الشقَّة وما يسدّ الرمق."

ـ "ولماذا لا تعمل حسناء؟!"

ـ "حاولتِ الحصول على عمل قارّ ولم تفلح. وبين وقت وآخر تجد مَن يطلبها للقيام بتنظيف شقته أو منزله."

ـ "وماذا تفعل طوال النهار؟"

ـ "تقضي الوقت مع أمِّها وابنتها، وتمضي وقتاً طويلاً في بكاء حظِّها العاثر".

 

تركتُها واقفةً عند الباب، ورجعتُ إلى غرفتي لأجلب لها بعض المال. وبلا إرادة مني، داهمتني بعض مقاطع من قصيدة الشاعر المغربي بن ماجن يونس التي يصف فيها منجمَ فحم في بلدة اسمها "جرادة ":

 

" ... في جرادة

الامواتُ يدفنون الاًحياء

ويصلّون عليهم صلاة الغائب

 

في جرادة

هناك اجسادٌ ميتة

قبلَ قبض أرواحها

 

العائدون من الانفاق

داخل آبار الفحم

يخرجون منها احياء-اموات

اجسادهم متفحِّمة

 

بلا كفن

يهبطون الى مقابرهم الرهيبة

حيث شبح الموت

يحدِّق في وجوههم البائسة ..."

***

في تلك الأيام، تلقيتُ دعوةً من السفير الباكستاني بالرباط لتناول طعام العشاء معه في آخر الأسبوع. والمطبخ المشترك للهند وباكستان وبنغلاديش وكشمير يزخر بأطباق لذيذة، لا سيَّما في ذائقة الذين اعتادوا على البهارات أو أولئك الذين يقدِّرون فوائدها ومزاياها. والبهارات مواد تُضاف إلى الطعام لإعطائه نكهة وطعماً متميزاً؛ وتُستخلَص هذه المواد من بذور الأشجار، وجذورها، ولحائها، وأوراقها، وثمارها. ولعلَّ سوق (أكبري مندي) في مدينة لاهور الباكستانية من أشهر أسواق البهارات في العالم، ففيه يُباع أكثر من ألف نوعٍ من البهارات.

عندما دخلتُ إقامة السفير الباكستاني، رحَّب بي سعادته. وألفيتُ عددَ المدعوين محدوداً لا يتجاوز سبعة أشخاص، كنتُ أعرفهم جميعاً ما عدا واحداً، فمعظمهم من كبار الموظفين الباكستانيين الذين يعملون معي في المنظَّمة. قدّمني السفير للضيف الوحيد الذي لم أكن أعرفه، ووصفه بأنَّه رجل أعمال باكستاني اسمه أحمد، قائلاً:

ـ "إنَّ مقرَّه دولة الإمارات العربية المتحدة، وإنه أخذ يفتح فروعاً لمحلّاته المتخصِّصة في التصوير الفوتوغرافي، في المغرب: في الرباط وفاس وطنجة ومراكش."

ولسببٍ أو لآخر، أو بلا أيّ سبب على الإطلاق، وجدتني أجلس إلى جانبِ رجل الأعمال السيد أحمد. فسألته عن الفروع التي يفتحها في المغرب، وطبيعة عملها، فقال:

ـ "عندما تنتهي من التقاط جميع صور الفيلم في مصوِّرتك (كاميرتك)، تُخرِج الفيلم من الكاميرة، وتعطيه إلى مصوِّرٍ محترف. فيقوم بتحميض الصور ثم تظهيرها على ورقٍ خاصّ، بجميع ألوانها. وهذه العملية تستغرق بضع ساعات. ولكنَّ شركةً يابانية ابتكرت جهازاً يقوم بتحميض الفيلم وتظهير جميع الصور بألوانها المختلفة، خلال بضع دقائق فقط. فلا يحتاج الزبون إلى الانصراف من محلِّ التصوير والعودة في اليوم الثاني أو الثالث لاستلام الصور. بل ينتظر لدقائق معدودة للحصول على صورهِ ومغادرة المحل. وعندما استوردتُ ذلك الجهاز من اليابان، لاستخدامه في أحد محلاتنا في الإمارات العربية، حقَّق نجاحاً هائلاً وأرباحا طائلة. فسافرتُ إلى اليابان، وسألتُ أحد مديري الشركة عن البلدان التي لم تستورد ذلك الجهاز بعد، فأعطوني قائمة بتلك البلدان ومن بينها المغرب، فقمتُ بشراء عدد من تلك الأجهزة وجلبتها إلى المغرب." ( وخلع على محلاته في المغرب اسم " فوتو ماجيك" : التصوير السحري. وقد قلَّل التصوير الرقمي الذي تطوَّر في الألفية الثالثة ويتم بالهاتف النقال، من أهمية تلك الأجهزة ).

أثنيتُ على ذكائه ونجاحه المستحق.

شكرني  وأضاف قائلاً:

ـ " ومع ذلك، فأنا أواجه مشكلة في الفرع الذي بدأتُ به في الرباط. فأمين الصندوق الذي يسلّم الصور إلى الزبون، ويقبض الثمن، يستلم ثمناً لعددٍ من الصور يقلُّ عن عدد الصور التي أنجزها الجهاز ذلك اليوم، بحسب عدّاد الجهاز. وأنا أشك في أمانة أمين الصندوق هذا. ألا تعرف شخصا أمينا ليعمل معنا؟؟!"

قلتُ:

ـ "أعرف أكثر من شخص يبحث عن عمل، ولكن لا أعرف مدى أمانتهم. جرّبهم. سأبعث إليك بواحد منهم غداً، إن شاء الله."

في صباح اليوم التالي، اتصلتُ هاتفياً بالسيدة حسناء، وأخبرتها ما جرى بيني وبين رجل الأعمال الباكستاني السيد أحمد، وأعطيتها عنوانه.

بعد أكثر من أسبوعَيْن مررتُ بمحل " التصوير السحري " في شارع محمد الخامس بالرباط، فلاحت لي حسناء وهي تجلس في أمانة الصندوق. فذهبتُ إليها، سلمتُ عليها. وسألتها ما إذا كانت قد اكتشفت السر في نقص الدخل.

أجابت بكل ثقة:

ـ نعم. إنه الشخص الذي يشغّل جهاز تحميض الأفلام وتظهيرها. فهو كثيراً ما يأتي إلى المحل وهو يحمل في جيوبه أفلاماً، ويقوم بإخراج صورها بالجهاز، ويحملها معه إلى منزله. وهكذا فالجهاز يحسب هذه الصور، ولكن أمين الصندوق لا يستلم ثمنها. ولقد أخبرتُ صاحب المحل السيد أحمد بذلك، لئلا أكون متَّهمةً. وقد اتَّخذ الإجراءات اللازمة."

***

مرّتَ مدَّةٌ طويلة من دون أن ألتقي بها. ولا بالسيد أحمد، ولا بالسيد مزيد العلوان. ولم أرَ حسناء، ولا أختها الصغرى، ولا أختها الوسطى. ولم أذهب إلى شارع محمد الخامس، ولا بمحل " التصوير السحري". وذات يوم، وكنتُ قد وعدتُ ابنتي الصغيرة علياء بشراء لعبة حسب اختيارها إذا ما حقَّقت أعلى نتيجة في الامتحانات، وقد حصل ذلك فعلاً؛ فأصرّت علياء على أن أفضل محل لألعاب الأطفال موجود في شارع محمد الخامس، فقد أخبرتْها بذلك زميلتها خديجة في المدرسة. "وعند جهينة الخبر اليقين". ولا بُدَّ أن أصحبَها بنفسي إلى ذلك المحل. وفيما كنا نمر على  استوديو " التصوير السحري"، لاحت لي فتاةٌ غير حسناء تجلس في مكانها في أمانة الصندوق. فاستأذنتُ علياء أن نعرِّج على الأستوديو لأسأل عن شخص. سلَّمتُ على الفتاة الجديدة، وسألتها عن حسناء التي كانت تعمل هناك. فأجابت الفتاة بلا اكتراث:

ـ " إنها تركت العمل منذ مدَّة طويلة."

ـ " هل لديك عنوان عملها الجديد؟ أو هاتفها؟"

ـ " لا."

عندما عدتُ إلى منزلي، حاولتُ الاتصال بهاتف منزل حسناء. الخطُّ مقطوع تماماً. لا حيلةَ في اليد. ونسيتُ الأمر متعلّلاً بالمثل المغربي " كم حاجة قضيناها بتركها.".

***

مرّت سنتان أو أكثر، لا أدري بالضبط، حينما ذهبتُ إلى شارع محمد الخامس، لأمرٍ ما. وفيما كنتُ أمشي، لفتت نظري امرأةٌ فارعةُ الطول قادمة من الجهة المقابلة، تلبس بدلةً حريرية زاهية الألوان مثل ألوان ريش الطاووس وهو يستعرض جماله أمام أنثاه؛ بدلة طويلة بسخاء تخط وراءها، كما لو كانت عارضة أزياء جميلة خرجت لتوّها من إحدى دور الأزياء الإيطالية في ميلانو، أو روما، أو البندقية. وعلى حين كنتُ أحدِّق في تفاصيل البدلة الحريرية والمجوهرات (الحقيقية أو المزيفة) الجميلة التي تصاحبها، انتبهتُ إلى أن صاحبة البدلة تبتسم لي بل تخاطبني باسمي!  إنها حسناء نفسها، وقد ازدادت طولاً، وتألقاً، وجمالاً!

رفعتُ صوتي بدهشة وانشراح قائلاً:

ـ "هذه أنتِ حسناء؟! أين كنتِ"؟

ـ القصة طويلة، لا يمكن أن أسردها عليك وقوفاً. لهذا أدعوك على حسابي لتناول ما تحب في " المقهى الإيطالي"، على بُعد خطوتين من هنا. ألديك الوقت؟؟

ـ "طبعاً، حتى لو لم يكن لدي الوقت، لأوجدته من أجل سماع أخبارك".

في المقهى الإيطالي، لحظتُ أن النُّدل يعرفون حسناء باسمها، كما تعرف هي المقهى ومَّن فيه وما فيه. فاقترحتْ عليَّ أفضل ما لديهم من مشروبات وحلويات. فطلبتُ فنجان قهوة (لافاتزا) الإيطالية فقط، وطلبت حسناء نفس الشيء، وأضافت قائلة:

ـ " مع فطيرة (كروستاتا) بالتوت الأحمر، مع قليل من الآيس كريم بالليمون، لنا معاً."

ولم أمانع إرضاء لها.

 

لم تكُن حسناء في عجلة من سرد قصَّتها، فقد كانت تستمتع، بل تتلذذ، في تناول الحلوى مع القهوة، وتسألني عن أحوالي. ثمَّ نظرت إليّ بابتسامةٍ ساحرة، وسألتني:

ـ " هل أنتَ مستعدٌّ لسماع قصَّتي، قصَّتنا؟"

ـ " نعم. بلهفة."

ـ " هل تذكر أختي الصغرى؟"

ـ " نعم. اسمها نجلاء، أليس كذلك؟

ـ "نجلاء هي أختي الوسطى، أم الصغرى فهي هيفاء، أو أمُّ الخير كما ألقّبها."

ـ " آسف. نعم هيفاء. أذكر الأدب واللطف والحياء على ملامح وجهها."

ـ " فعلاً، هي ألطفنا وأكثرنا أدباً وحياء. وأجملنا. "

قلتُ معترضاَ:

ـ "نعم، هي جميلة. ولكن الجمال نسبي، فهو يعتمد على الشخص الذي يرى الجمال، فما قد يراه أحدنا جميلاً، قد لا يجده الآخر كذلك؛ أو كما يقول المثل الإنجليزي " الجمال بعين الرائي"

“Beauty is in the eye of the beholder.”

أمّا العرب فقد سبقوا الإنجليز بالتعبير عن هذا المعنى بمثلهم: " لِكلِّ فتاةٍ خاطبٌ، ولِكلِ مرعى طالبٌ". 

قالت مع ابتسامة:

ـ " وعلى الرغم من جميع أمثالكَ، فإن هيفاء جميلة جداً. المهمُّ، أنَّ سائحاً إيطالياً استوقفها في الرباط، ليسألها عن مطعم لديه اسمه، ولا يعرف مكانه. فلم تكتفِ بوصف الطريق له، بل سارت معه حتى أوصلته إليه. وفي باب المطعم، دعاها ذلك السائح لتناول الطعام معه على حسابه. اعتذرت له، لأنَّها ينبغي أن تعود إلى منزلها لتناول الطعام مع أُمّها وأختيها. وعندما ألحَّ عليها، قالت إنها ستجلس معه ريثما ينتهي من تناول طعامه."ِ

قلتُ مثنياً على كرم هيفاء ولطفها:

ـ " هذا سخاء ونبل من طرف هيفاء."

ـ " لا، إنه الحب، يا دكتور سليم."

ـ " ما الذي تقصدين؟ هل هو الحبُّ من أوَّل نظرة؟!"

ـ " الرجل في الخمسين من عمره، وكان يعاملها بحنان الأب، الذي حُرمت منه بعد أن اختطفه الموتُ منها، ويتَّمها وهي صغيرة."

كان الحنان والمحبة يفيضان من عينيه وهو يتحدَّث معها، كما يفيض نبع في أعلى جبال الأطلس الكبير بغزارة وقوة في فصل الربيع، فيجد أرضاً خصبة متلهفة، سرعان ما تينع بالزهر وتنتشي بالفرح.

شعر الرجل، واسمه ألبيرتينو، بأن تلك الفتاة الصغيرة الجميلة عوّضته، خلال ساعة واحدة فقط، باحترامها ومحبتها وسلوكها المهذَّب، عن السنواتٍ الطويلة من التعاسة والخصام والنكد التي أمضاها مع زوجته قبل طلاقهما، ومع ابنتهما المراهقة التي لم يستطِع توجيهها أو التحكُّم بها حتى تركت المنزل واختفت في إحدى مدن أوربا ـ برفقة أحد الشبان الذي جعلها تدمن على المخدرات، من دون أن تترك لوالديها عنواناً ولا رقم هاتف.

عندما التقى البيرتينو وهيفاء في اليوم التالي، حمل لها معه قنينة عطر إيطالية فاخرة من علامة جورجي آرماني مع علبة مصاحبة من مستحضرات التجميل، وقال:

ـ "وجهك لا يحتاج إلى هذه العلبة من المستحضرات، فوجهك في قمة الصفاء والروعة والجمال."

ثم أراد أن يقول شيئاً، ولكن ارتُجَّ عليه. فلم يطاوعه الكلام. حاول عدّة مرات، بيدَ أن الكلمات لم تخرج من لهاته كما لو كانت من حصى. شجَّعته هيفاء بنظرتها وابتسامتها، ليتكلّم، وأخيراً أمسكت بيده بحرارة، وضمتها إلى صدرها الريّان. وهنا نطق الرجل:

أمضى الليل كله في التفكير فيما كان يريد أن يقوله لها الآن. أتُرى هل توافق هذه الفتاة الصغيرة على الزواج به.؟! كان الجواب بسيطاً: هيفاء أحبَّته من كلِّ قلبها، دون أن تعلم شيئاً عن مكانته الاجتماعية أو الاقتصادية أو ظروفه. ولكن الزواج يتطلَّب منه التقدُّمَ لخطبتها من عائلتها، خاصة من ولي أمرها، الأخ الأكبر، الذي يحتاج على الأقل إلى يومين للقدوم من منجم الفحم، والذهاب إلى حمّام جيد للتخلُّص من آثر لون الفحم ورائحته. لم تشرح له ظروفهم، بل قالت:

ـ "أهلي فقراء، ولكنهم شرفاء طيبون".

كان ردّ فعل ألبرتينو مجرَّد ابتسامة.

قبل أن يعود ألبيرتينو إلى إيطالياً في نهاية عطلته القصيرة، ترك لهيفاء بعض المال للتسجيل في برنامج اللغة الإيطالية. فالحكومات الأوربية تحترم لغاتها، أي تحترم نفسها، ولا تمنح تأشيرة إقامة أو عمل أو زواج أو دراسة، ما لم يجتَز الفرد على اختبارِ المستوى الأول من لغتها على الأقل. ويتطلَّب ذلك، عادةً، دراسة سنة في معهد تعلُّم تلك اللغة. ولكن هيفاء التهمت دروس اللغة الإيطالية التهاماً، وأتقنتها قراءة، وكتابة، وتحدّثا، وفهماً، في ظرف ثلاثة أشهر فقط. كان على ألبيرتينو أن يغيّر خططه، ويعود إلى المغرب ليصحب عروسه معه قبل الموعد المفترض.

في ليلة زفافهما قدّم ألبيرتينو لعروسه بعض المجوهرات الغالية الثمن التي ورث بعضها من أسرته العريقة. فقالت هيفاء تشكره:

ـ لا احتاج هذه المجوهرات، فأنت عندي أغلى جوهرة في الوجود. وأنا فقيرة لا أملك شيئاً أقدمه لك في المقابل، سوى وعد مني هو أن أجعلك سعيداً ما أمكنني ذلك، وأملأ حياتك فرحاً وبهجة.

وبعد أن أمضيا ما يسمونه بشهر العسل، في زيارة أجمل المدن الإيطالية، صحبها إلى منزلها الجديد في مدينة ميلانو، وهناك اكتشفت هيفاء أن زوجها يمتلك أكبر محل لبيع السيارات الإيطالية والأوربية، بجناحين: أحدهما للسيارات الجديدة، والآخر للقديمة منها. وأنها ستساعد زوجها في إدارة المحل. وفي ظرف أيام معدودات، حفظتْ عن ظهر قلب، جميعَ أنواع السيّارات المعروضة للبيع، مع مواصفاتها التقنية، وأثمانها، وشروط بيع كلِّ سيارة منها.

غمرتني السعادة والحماسة لسماع هذه القصَّة، فرفعت صوتي المنتشي بالفرح قائلاً:

ـ " حسناء! شكراً جزيلاً على هذه القصَّة التي أسعدتني حقاً. أتمنّى لهيفاء كلَّ خير..."

قالت حسناء:

ـ "ولكن القصَّة لم تنتهِ بعد. وأنتَ لم تسمع سوى أوَّلها ... هل أنتَ مستعجل؟"

قلتُ بلهجة اعتذار:

ـ " أبداً، يسعدني أن اسمع بقية القصة..."

قالت بابتسامة انتصار:

ـ " لألبيرتينو صديق (وربما قريبه كذلك) اسمه أنطونيو، في مثل عمره، وظروفه العائلية. ودأبا على تبادل أسرارهما. فكان ألبيرتينو يحدِّثه عن طعم السعادة الزوجية التي ذاقها لأوّل مرة بفضل هيفاء، وإخلاصها، ومحبتها، وتفانيها في إرضائه وإسعاده. فتمنّى أنطونيو أن يلتقي بفتاةٍ مثلها، وأعرب عن استعداده لتمضية ما يلزم من وقت في المغرب لتحقيق ذلك. فابتسم البيرتينو وقال:

ـ لهيفاء أخت تكبرها بسنة أو سنتين، اسمها نجلاء، وهي بمثل أخلاقها وجمالها. ولا نحتاج إلى أكثر من بضعة أيام للالتقاء بها. وإذا كان ثمّة نصيب فستحظى بزوجة فاخرة، يا عزيزي أنطونيو."

وهذا ما كان. وعندما التحقت نجلاء بزوجها في مدينة ميلانو، وجدت أنه يملك فندقاً من فئة أربع نجوم. فأخذت تساعده في إدارته بكل جدّ واجتهاد.

هنا صرختُ فرحاً قائلاً:

ـ " رائع، رائع"

ومددتُ يدي لأخذ ورقة حساب المقهى من على الطاولة. فقالت حسناء بنبرة مزاح:

ـ ألم أقل لكَ أنك مستعجل ولا تريد أن تسمع بقية القصة؟! إضافة إلى أنَّ النادل لن يقبل منك شيئاً، لأنه يعرف أنكَ ضيفي؟

قلتُ معتذراً:

ـ " هل هناك أجمل من هذه النهاية؟!"

ـ " نعم، ينبغي أن تعلم أن ألبيرتينو قبل أن يصحب هيفاء معه إلى إيطاليا، اشترى فيلا فاخرة لوالدتي في أحد الأحياء الراقية في مدينة سلا، لأنَّ هيفاء لم تقبل صداقاً مقابل زواجها إلا مبلغا رمزياً هو عشرة دراهم، فقال ألبيرتينو: طيب، سأقدّم فيلا فاخرة مقابل المهر، لأمِّكِ العزيزة لأنها أحسنت تربيتكِ. وأنتِ أغلى من أي فيلا أو قصر منيف."

ثمَّ طلب ألبيرتينو من أخيها محمد أن يترك عمله في المنجم، ويبحث عن محل يصلح ليكون معرضا لبيع السيارات الأوربية، ليصبح وكيله في المغرب؛ وأعطاه رسالة إلى الملحق التجاري في السفارة الإيطالية بالرباط ليساعده في ذلك.

ـ " رائع، رائع. إنَّ ألبيرتينو رجل جواد حقاً."

قالت حسناء مازحةً:

ـ " أنت مستعجلٌ هذا الصباح، لا تريد أن تسمع بقية القصة؟"

ـ "وهل هنالك بقيةٌ أجمل من تلك النهاية؟؟!!"

قالت حسناء:

ـ " نعم، نعم. عندما رفضت هيفاء ونجلاء تقاضي مقابلاً عن عملهما في معرض بيع السيارات وإدارة الفندق، أخذ كلٌّ من ألبيرتينو وأنطونيو بتحويل مبلغٍ شهري مُجزٍ إلى حسابٍ فتحاه لأمي في بنك بمدينة سلا..."

قاطعتُها قائلاً :

ـ " هذا منتهى الكرم الأصيل، وقمة احترام حقوق الإنسان."

فواصلت كلامها قائلةً:

ـ أصبحنا أغنياء والحمد لله. ولهذا لم أعُد في حاجة إلى العمل في محل التصوير السحري، ورجعتُ إلى الجامعة لاستكمال دراستي. وهي أمنية حُرمتُ منها عندما اضطررتُ إلى ترك الدراسة والعمل خادمة في تنظيف المنازل باليوم أو الساعة أو القطعة، وعملتُ في تنظيف شقة مزيد العلوان وتعرّفتُ عليه."

ـ " رائع. بوصفي معلِّماً سابقاً، أؤكِّدُ لكِ أن لا شيءَ أفضل من إكمال دراستكِ."

قالت مداعبة بابتسامة:

ـ " أنت مستعجل هذا الصباح. لا ترغب في سماع بقية القصة."

فتحت عينيَّ باتساع، أتساءل عن خاتمة القصة، فقالت:

ـ " لقد أنجبت هيفاء ونجلاء طفلَين ذكرين في صحّة جيدة."

قلتُ:

ـ " مبروك. حفظهم الله جميعاً."

صمتُّ لحظات مفكِّراً، ثمَّ رفعتُ رأسي وقلتُ لها بابتسامة ودود:

ـ "عزيزتي حسناء. وانتِ تسردين هذه القصة الجميلة عليَّ، أخذ سؤال يجول في أرجاء روحي ويلحّ عليَّ. بكل إخلاص وبلا مجاملة: أنتِ أجمل أخواتكِ وجهاً وقواماً، وألطفهن قولاً وحديثاً وحسن بديهة، فمتى ستتزوجين برجل أعمال إيطاليّ كريم؟!"

اكتست ملامحُ وجهها المليح غلالةً من الجدِّية، وهي تتناول حقيبتها وتقف، قائلةً:

ـ " أنا أختلف عن أختيَّ. والله، لو أعطوني جميع فنادق إيطاليا وسيّاراتها، لما تركتُ وطني وأهلي، حتى لو بقيتُ أنظِّف الشقق."

وقفتُ مودعاً، وشعرتُ بدموع قلبي تنبجس من أعماقه، وتتصاعد متجمِّعة في مآقي عينيّ. فأشحتُ بوجهي عنها لئلا ترى الدموع.

تظاهرتْ بأنّها لم تلحظ دموعي، ومدّت يدها مودعة وهي تناولني ورقة قائلةً:

ـ "هذا رقم هاتفنا الجديد ومرحبا بك في أيِّ وقت."

***

قصة قصيرة

بحاسوب: علي القاسمي

 

 

 

 

مصطفى معروفيفي داخله ما زال يعسكر  جند هواجسه

فلديه ذاكرة

لو مال بها شيئا ما

لاندلقت تحكي التاريخ السري

لكل هزائمنا

لا الشمس بها شمس

لا القمر الواقف في الشرفة

و الدكنة تعلوه قمر،

كان صديقا و الأشياء تحب صداقته

حتى السيجارة في شفتيه أقامت خيمتها

و الولاعة صارت مولعة بأنامله

أما المنديل فلا يرتاح سوى فوق محياه،

كان كبيرا

حتى البحر حين يمر قريبا منه يتهيبه

و يمد يد السلم

 إلى السفن المفزوعة،

لا شيء يفل نقاء سريرته

هو في السر كما في العلنِ

مات و ما زال يموت بحب الوطنِ

هل يثنيه زمن الردة

أن يقلب معطفه؟

لا...هو فوق الحربائية

حتى يرحل صحبة مبدئه في كفنِ.

**

لي في أزمنة الأزمات حدوس

تخبرني

أن البحر يغادر شرفته

عند قدوم برابرة العصر

و يطلب شبْه لجوء

لضفاف أخرى حين تمر الريح عليها

يبقى النخل في وقفته الشامخة....

ما زالت بغداد تفبض غناء

و تمارس بيروت حياة الواحات

لقد أنبأني العراف

بأن الأمل الرابض في مقل الأطفال

سيكبر

يكبر

 يكبر

و بأن فضائيات العبث المزمن

سوف تميد بها الأرض

و تحت سبوف الجد

ستندحر المهزلة.

**

خاتمة:

بــواتـــرُ العـرْب يعلو حـــدَّها الصدأُ

و خــيـلهم هزلت،عـنــها نـــأى الكـلأُ

 

تعـــــودوا فرقــةً لا شيءَ يـجـمـعهـم

في العـيـــن هـم قلةٌ مــعْ أنهـــم مــلأُ

 

في أرضهم أعـــذب الأنهار راكضـة

و يـبطــــش الحَـرُّ بالأقـوامِ و الظـمأُ

***

شعر: مصطفى معروفي

 

جواد غلوملو عزمت على كتابة شعرٍ مؤثر

ينزف صدقاً

يكون صيحةً مدوية تهزّ الأسماع

تفجّر قريحتك قنابلَ موقوتة

تستصرخ الثكالى والمحزونين

ترفع لافتة اليتامى والباحثين على هدأة الخلاص

احملْ قلب امرأة يغادرها ابنها ..

الى دارهِ الآخرة دون وداع

امرأة لا تعبأ بمداواة نفسها بذريعة الشهادة

لا تبالي بالخلود في جنات الله الرحيبة

املأ عينيك بخزائن دمعٍ مديد عمرك

اترك بيتك ، منبتك ، ملاذك الآمن مرغما

محتدك ومولدك وملاعب صباك وميعة فتوتك

 وعش نازحا بين أكوام المكدودين المهجّرين

انسَ طاولتك وحاسوبك وفراشك الوثير

خزانة ملابسك المرتّبة بإمعان

نم على وسائد العشب والصخر في هجير الصحراء

احتمل رجفات البرد أيام الزمهرير

مثل عنكبوت في البيداء ...

لا يريد ان تشهق أنفاسه

انظر الى نفسك وأنت ترى ابنتك سبيةً

 مباعة في أسواق النخاسة

يقودها خرتيت متوحش الى عنبر المغتصبات

لا تكن راجفا ، خائفا

ابحث عن سلاحك المترب القديم

اصقله وامسكه بيدٍ حازمة الساعد

لتقاتل برباطة جأش وعزمٍ محال ان يلين

قلْ ان القصيدة وشجاعة الموقف

صديقتان لا تفترقان

لو أردت ان تبكيا معاً أنت وقصيدتك

انظر الى الأطفال المتسولين

وهم يتوسلون إليك من اجل عملة نحاسية بخسة

دع قلبك يبصر آلاف البيوت المهجورة

 المعتمة ؛ الرابضة بلا سكّانها

اشتم الساسة العاهرين فاقدي الضمائر 

ممن يعتاشون على بلايا الضعفاء الواهنين

مَن يخسف صدور المحزونين

من يقود الفتية الى سعير الحروب

هؤلاء  الخسيسون  صانعو النزاعات

مبتكرو أبشع دنايا العذاب

وجوههم يومئذٍ خاسئة ملوِّعة 

الى أهليها مروّعة

إن كان سلاحك الشعريّ ماضيا حادّا

حروفُهُ صقلت جرأة وعزما

لا تخفْ لومة حاكم سافلٍ عاهر

تعفَفْ عن دنانيا مطامعه

من رقرقة أخضرهِ

من لمعان أصفرِه

ممن يشتهيها الأوغاد المردة 

رعاة الكلمات الوسخة ...

المدماة من دماء المحزونين

لا تعبأ بسيفه المسلّط

على رقاب صحبك الانقياء

هنا يجدر بنا ان نسميك شاعراً

تتحلى بالنبل ؛ تتزين برباطة الجأش

تلتفّ بحشمة العفّة

تتعطّر بالطهر ، تتصافح بالوداد والمحبة

أيها الجدير بان نسميك " تاج الرأس "

***

جواد غلوم

 

 

سعيد ساجد الكروانيأَرَى فِي سَمَاءِ مُخَيِّلَتِي

مِنْ قَرِيبٍ سُلَيْمَى

يُطَارِدُهَا الْعِشْقُ كَيْ

تَرْتَقِي سُلَّماً فِي الْبَهَاءْ

وَتَمْضِي عَلَى خَطْوِهَا الْمُتَمَرِّدِ

لَكِنَّهَا لاَ تَرَى فِي رَحِيقِ الْوِدَادِ

سِوَى كُتْلَةٍ مِنْ صَفَاءْ

أَرَاهَا تَرَى مَنْفَذَا

كَيْ تُرَاوِدَ فِي شَمْسِ

بَهْجَتِهَا أَسْعَدَا

تَرَاهُ فَتىً عَاشِقاً أَبَدَا

كَثِيرَ الْوَفَاءِ كَعِشْقٍ

إِذَا مَا بَدَا

يَقُولُ لَهَا:

عِشْقِيَ الْمُجْتَبَى كُنْ صَدِيقِي

لِتُؤْنِسَ لِي وَحْدَتِي الْمُوحِشَةْ

أَنِرْ لِي طَرِيقِي

فَلاَ أَسْتَطِيعُ الْمُكُوثَ

بِبَيْتِ الْهَوَى مُفْرَدَا

فَكُونِي لِسِحْرِ النَّدَى مُنْعِشَةْ

لِأَنِّي أَخَافُ

أَخَافُ عَلَى نَبْضَتِي أَنْ تُمَسّْ

أُرِيدُ لِأَشْوَاقِنَا أَنْ تُحَسّْ

أَخَافُ عَلَى وَرْدَتِي

مِنْ عُيُونِ الْعِدَى

وَسِحْرِ الْوَصِيفَاتِ

حِينَ تُنَاغِي الْمَدَى

فَكُنْ يَا وَجِيبِي لَنَا سَنَدَا

مَدَى الْعُمْرِ نَجْنِ النَّدَى

وَصُبِّي عَلَيَّ رَحِيقَ الْبَهَاءِ

عَلَيَّ يَصُبُّ الصَّفَاءُ

سَمِيرَ السَّنَاءِ

وَبَرْدَ الْبَهَاءِ

وَوِرْدَ الرَّجَاءِ

لِنَمْضِي سَوِيَّا

وَنَقْتَسِمَ الْوَقْتَ

وَالدَّرْبَ

وَالْعِطْرَ

وَالسِّحْرَ

وَالشِّعْرَ

وَالنُّورَ

وَالْعِشْقَ

وَالسُّؤْدَدَا

أَرَاكِ سُلَيْمَى وَفِيَّةَ عِشْقِي

مَدَاكِ مُخَيِّلَتِي

فَمُخَيِّلَتِي تَنْتَشِي

مِنْ قَرِيبِ الْقَرِيبِ

أَرَاكِ مَدَى الْعُمْرِ أَحْلَى صَبِيَّةْ

فَدُمْتِ لِصَبِّكِ دَهْراً وَفِيَّةْ

تُلاَقِي كَمَا يَشْتَهِي

طَيْفُهُ أَسْعَدَا

فَرَاشَتِيَ الْعَاشِقَةْ

فُؤَادِي وَعِشْقُكِ هَا انْطَلَقَا

يَعْزِفَانِ قَصِيداً لِعِشْقِ الْجَمَالِ

وَفِي صَبْوَةِ الْإِلْفِ

لِلْإِلْفِ هَا اتَّحَدَا

يَقُولُ لَهَا:

عِشْقِيَ الْمُجْتَبَى

فَتَحْتُ لَكِ مِنْ مِسَاحَاتِ

قَلْبِي مَدىً أَرْغَدَا

أَتَأْذَنُ لِي ظَبْيَتِي

أَنْ أَكُونَ لَهَا

وَرْدَهَا الْمُشْتَهَى

فِي سَمِيرِ الْأَعَالِي؟

تُعَانِقُهُ فِي الطَّرِيقِ

فُؤَاداً يَدَا

وَتَلْبَسُهُ نَفْحَةً لَفْحَةً

مُهْجَةً جَسَدَا

وَرُوحاً كَرَعْدٍ

يُعَانِقُ بَرْقاً

وَمَا رَدَّدَا

مِنْ صَهِيلٍ

وَمَا غَرَّدَا

مِنْ هَدِيلٍ

يَجُولُ بِعِشْقَيْنِ هَامَا

سَنىً سَرْمَدَا

كَأَنَّ الْهُيَامَ اجْتَبَاهُ لَهَا

مُهْجَةً تُرْتَدَى

كَأَنَّ الْهُيَامَ اجْتَبَاهَا لَهُ

زَهْرَةً تُفْتَدَى

تَقُولُ لَهُ:

يَسْكُنُ الْعِشْقُ

وَالْبَحْرُ

فِي نَبْضَتِي

فَإِنْ نَقْتَبِسْ مِنْ سَنَائِهِمَا

وَبَهَائِهِمَا

نُحَلِّقْ مَعاً فِي

سَمَاءِ الْقَرِيضْ

نُطَوِّفْ بِجَنَّةِ حَقْلٍ أَرِيضْ

إِلَى ذِرْوَةِ الْبَرْقِ وَالرَّعْدِ

عِنْدَ السُّرَى

يُمَازِجُهُ مِنْ حُبُورِ السُّعُودْ

إِذَا عَانَقَتْ وَرْدَةٌ زَهْرَةً

يَنْتَشِي الْعَرْفُ مِنْ سِحْرِ

هَذِي الْوُرُودْ

وَمِنْ لَثْغَةٍ بِيَدَيْكِ

أَنَالُ الْمُنَى فِي الْمَسَاءْ

فَتَهْمِي اللُّحُونُ

مِنَ النَّبْضِ يَسْرِي الْوِدَادْ

لِعِطْرِ الصَّبَاحْ

خُذِينِي إِلَى دَوْحَةِ الْعِطْرِ

سَارِيَةً فَوْقَ مَوْجِ الْأَعَالِي

فَفِي نَبْضَتَيْكِ

رَأَيْتُ سَفِينِي

رَأَيْتُ شِرَاعِي

رَأَيْتُ مَآلِي

أَرَى فِي وَجِيبِي سُلَيْمَى

أَرَاهَا تَرَى

فِي مَرَايَا حَقِيقَتِهَا أَسْعَدَا

حَبِيبِي انْتَشَلْتُكَ

مِنْ بَوْحِ قَلْبِكَ

فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةْ

حَبِيبِي سَجَنْتُكَ

فِي بَحْرِ عَيْنَيَّ

خَوْفاً عَلَى نَبَضَاتِكَ

مِنْ شَهْقَةٍ شَارِدَةْ

حَبِيبِي تَحَدَّيْتُ عَقْلِي

وَأَهْلِي

وَآثَرْتُ عِشْقِي

إِلَى الصَّبْوَةِ الرَّائِدَةْ

سُلَيْمَى

أَيَا سِحْرَ كُلِّ السَّنَاءْ

عَشِقْتُكِ

لَكِنَّ عِشْقَكِ

جَرَّأَنِي أَنْ أَبُوحْ

وَصَيَّرَنِي

كَوْكَباً شَاعِراً

إِذْ يَلُوحْ

وَصَيَّرَنِي

مِزْهَراً صَادِحاً أَبَدَا

أَمَا كَانَ أَوْلَى بِعِشْقِكِ

أَنْ يَتَقَدَّمَ قَرْناً

لِأُعْلِنَ عِشْقِيَ

مِنْ قَبْلِ أَنْ تَغْمُرِينِي بِهِ

مِثْلَ وَارِدَةٍ

مِنْ وَفِيِّ الْوَفَاءْ

لِيَصْدَعَ مِنِّي الْوَجِيبْ

يُنَادِي الْحَبِيبْ

أَكُونُ عَلَى زَمَنِي الْأَسْعَدَا؟

لَكِ الْآنَ أَنْ تَذْكُرِي

لَمْ يَكُنْ مُمْكِناً

أَنْ أُحِبَّ سِوَاكِ

وَلاَ أَتَدَثَّرَ مِنْ

غَيْرِ سِحْرِ يَدَيْكِ

وَلاَ أَتَنَفَّسَ مِنْ

عِشْقِ غَيْرِكِ لاَ

لَمْ يَكُنْ مُمْكِناً أَبَدَا

وَلَكِنَّ صَوْتَكِ

حَوَّلَ كُلَّ حُرُوفِ اعْتِرَافِي

عَلَى شَفَتِي كَلِماً يَتَصَادَى

مَعَ الْعِشْقِ

وَالْبَحْرِ

وَالْوِرْدِ

مُبْتَهِجاً سَرْمَدَا

أَرَى فِي فُؤَادِي سُلَيْمَى

تُكَلِّمُ فِي سِحْرِهَا أَسْعَدَا

حَبِيبِي الَّذِي قَدْ مَنَحْتُهُ

أَمْوَاجَ سَانِيَتِي مَوْرِدَا

وَفَصَّلْتُ عِشْقِي

عَلَى قَدْرِهِ

نَبْضَةً

شَهْقَةً

مَوْجَةً تُفْتَدَى

أَتَتْرُكُ سَهْمَ الْهَوَى

بَيْنَ أَجْنِحَتِي مُغْمَدَا؟

وَعِشْقِي يَفُوحْ

وَقَلْبِي يَنُوحْ

وَشِعْرِي يَبُوحْ

يُلاَحِقُنِي مِنْ وَرَاءِ هَوَانَا

صَدىً رَائِعٌ

رَاتِعٌ فِي الْمَدَى؟

يُعَلِّمُنِي الْعِشْقُ أَنْ

أَصْطَفِيكِ سُلَيْمَى

كَمَا تَنْثُرُ الْوَرْدَةُ الْمَلَكِيَّةُ أَشْوَاقَهَا

فِي الصَّبَاحْ

فَيَهْمِي الصُّدَاحْ

وَيَسْرِي الْوِدَادْ

فَهَا طَيْرُكِ النَّاهِلُ الْعِشْقَ

فِي الْمُنْتَدَى

يُنَادِيكِ نَحْيَا أَلِيفَيْنِ

فِي سَوْرَةٍ مِنْ صَفَاءْ

يُعَلِّمُنِي الْعِشْقُ أَنْ

أَتَلَمَّسَ مِنْ

شَهْقَةِ الْوَجْدِ

وَالْحُلْمِ

مَا قَدْ يُنَاغِي الرَّجَاءْ

سَأُدْرِكُ أَنَّ الْعَشِيقَةَ

حِينَ تَبُوحُ بِسِحْرِ الْهَوَى

كَشَلاَّلِ نُورْ

وَوِرْدٍ

وَمَاءْ

عَلَى نَبْضَتَيْ شَاعِرٍ

غَارِقٍ فِي الْوَفَاءْ

تُنَصِّبُهُ دَائِماً أَبَدَا

سُلَيْمَى

عَلَى عَرْشِ أَبْحُرِهَا

عَاشِقاً أَوْحَدَا

***

سعيد ساجد

 

 

سعد جاسمالى علي السوداني وخالد البابلي والى جميع اصدقاء القهر والضيم والحروب والحصارات السود


 كل قطارات الله

تنبح في راسي

والاصدقاء الفقراء والصعاليك

 والحمقى والمجانين

كانوا ومازالوا يطالبونني،

بعيونهم الداوية

وبطونهم الخاوية

وعوايلهم الذاوية

ومصايرهم العاوية ،

 اي وحق " علي ابن ابي طالب "

انهم يطالبونني بكل تعاسة

وشراسة وضراوة احيانا

بحصصهم من النفط

(وبويه سعد يابويه

الحصة ضاعت ياسعد

يابووووووووويه )

* اليس كذلك ياعلي السوداني؟

* اليس كذلك ياخالد البابلي؟

* اليس كذلك ياصدام حسين؟

* أليس كذلك ياحبيبنا وصديقنا

 الله الطيب الجميل؟

( اااااااااااخ يمه يا يمممممممممه

واااااااااااخ يابويييييييييه

يتلولح يريد يطيييييييح قلبي )

وانا الياوييييييييييييييييييييل

كم انت طووويل وثقيييييييييل

ياليل اهلي العراقيييييين

 المهمومين والمحرومين والمجروحين والمذبوحين

وكم انت مظلوم ومهضوم

وملغوم ايها العراق العليل؟

كم وهم وغم ودم

قد نزفنا وزحفنا

وعرفنا وقرفنا

نحن المسبيين

ونحن المحتلين

والمستعبدين

والمستبعدين

والمهانين والنازفين

والضايعين والجايعين؟

 كم وكيف وهل واين؟

ومتى سنكون

كما نحلم

وكما نريد

 وكما يليق بنا

نحن العراقيين؟

***

سعد جاسم

 

هشام بن الشاويما بعد التاسعة مساء، أبدأ في التثاؤب.. أنتظر بفارغ الصبر، الساعة التي آوي فيها إلى الفراش. لم أحب الخريف أبدا، ولن أحبه أبدًا.. كان شاهدا على مذبحة القلب والروح، عانيت فيه من لسعات برد مضاعف.. برد الموسم متقلب المزاج مثلي تمامًا، وبرد الفراق... أيضا، سرق مني الخريف طائرا تعلق بي كثيرا، كنت أضعه - وحده- في محل العمل، خشية أن يلتقط أصوات تشكيلة غريبة من العصافير، من فصيلة الشرشوريات في البيت.. هكذا نَمَت في المسافة الفاصلة بيننا حديقة مشاعر، تحولت -لاحقا- إلى حداد طويل، لم ينته بعد.. كان ذلك العصفور يرحب بي بتغريده، حين يسمع خطواتي، وأنا في الخارج.. بمجرد أن تتناهى إليه صلصلة المفاتيح، ويبتهج حين يراني قبالته منحنيا على حاسوب متهالك، للأسف، خذلني ذلك الحاسوب، مثل كثيرين، وتركني مثل لاجئ غير مرحب به.

ها أنت ترين - يا سيدتي الجميلة- أنني أستطيع أن أكتب من لا شيء.. وربما، أكون جديرًا بصداقتك، مثل أولئك البارعين في تمثيل دور القديس، وهم شياطين. أستطيع أن أكتب تماما، مثلما أجيد دحرجة تلك الضحكات الفاجرة، نكاية في تفسخ جثة الوقت العاهر.. لأنه من السهل أن تكون بائسا، حقيرا.. لكن من الصعب أن تنسحب من حياة امرأة، لأن الشيطان بدأ يدسها في أحلامك، لأنه لا يحب النبلاء...

 ماذا يحدث؟! لا شيء. فقط.. تكتشف أن المشاعر تنبت أحيانا في بيئة غير صالحة للزراعة، ولا للصناعة أو السياحة.. لا تصلح حتى لالتقاط حصتنا الأسبوعية من فيتامين D .

تحاول أن تشرب قهوتك الرابعة، قهوة بلا طعم.. مثل أيام الخريف. كل هذه الخناجر تهدى إلى قلبي، لأنه ممعن في طفولته.. أن أكتب عن انحطاط اللحظة، فليس معنى هذا أنني منحط تماما.. كذلك الجار القديم، الذي كان يعرف الجميع أنه كان على علاقة محرمة بجارة، لا تكف عن رشق رأسها في إطار النافذة، طوال النهار، مثل أفعى لقيطة، وخلف تلك النافذة، أسرة - ربما - سعيدة، تتكون من زوج و ابن بكر وأربع بنات.. أكبرهن تدعى حكيمة. يا لحكمة الطفولة..! كل أصيل، تمتطى صهوة دراجته النارية، وتلف ذراعيها تحت صدره في إحكام، تتمسك به بقوة، ويذهبان لممارسة الرذيلة عند شاطىء البحر، ذلك البحر الذي كان يعتبر مصدر رزق العائلة بأكملها، حتما، كانا يلوثان جنباته بخرق ملوثة بالمني..

عفوا، صديقتي، كلنا مثقلون بهذا الإرث العفن.. لكننا، نحاول أن نساير وهم الحداثة، لكنني لا أستطيع أن أخفي هذا الثقل، لأنه يجلد روحي.. إنه صراع الروح والجسد، وعلينا ألا ننحاز لأي طرف.. وبلا تطرف.

 إنه امتحاننا الأكبر، أول امتحان لأبوينا آدم وحواء.. فلا تخذلي طفولة القلب ولا تخوني غربة الدمع !

دعينا نتوقف عن الحديث عن هذه السفسطة العقيمة، فكل ما يهمني الآن ضحكتك، التي تعتبر ميراثي الوحيد في هذا الوجود، رغم أنني لم أرها ولم أسمعها، لكن صدى موسيقاها يتردد في بهو الروح، وحدها موسيقى ضحكتك، تجعل الروح تبرأ من يتمها الأزلي، أريد أن أحكي لك عن ذلك الصبي الإفريقي، الذي أراه منذ شهر تقريبا في الحي، يتقافز طوال النهار مثل جندب سعيد، وهو لا يفقه لغتنا. كنت متعبا، وكان بصحبة طفل آخر.. بدأ اللعين يتقافز كالعادة، وتذكرت هذه الشيخوخة الزاحفة ببطء، لم أفكر فيها، لأن عقلي يصاب بالشلل، ما بعد التاسعة، حيث يبدأ النوم في مغازلة خلايا جسدي، أبدأ في التثارب، أفقد مرحي الطارئ، لا أتحدث، بل أصير شخصا آخر.. لا يطاق..

كنت أطلب من البقال أن يناولني أغراضي بسرعة، التفت إلى الصبي الإفريقي، وقلت فيما يشبه الحقد: "تاربااااط"، ولاحظت ابتسامة مشنوقة على شفتي صديقي البقال الأمازيغي.. السوسي.. حتما، هو يعرف معنى هذه الكلمة، أو ربما ينهرون بها العجل هناك، وهم يهدونه، وبكل مودة، لطمة قوية على رقبته أو خده، لكي يتوقف عن الحركة.

***

هشام بن الشاوي

 

 

جاسم الخالديما كنتُ  أحسـبني ازوركَ راثيا

قُضيَ النهارُ ولـــم تعدْ متشافيا

 

وأنا هنا  أمضيتُ يومي واقفاً

علّ الذي قد غابَ يطلع ثانيا

 

يمضي بك العمرُ القصيرُ مهرولاً

وقضى عليك الموتُ  إلآ مـاضيا

 

ما كنتُ أحسبُ أنّهــــا لحقيرةٌ

هذي الحياة، ولم أعِشها لاهيا

 

يا أيّها الـــــولدُ المفارقُ أمَـهُ

هلّا انتظرتْ مجيئَها متعافيا

 

ما كان عهدي أن تغادرَنا فتىً

 وأنا الذي أبصرتُ فيكَ شبابيا

 

هَبني صبرتُ فكيف أنسى بهجتي

وقد استحالتْ مذ رحلتَ دواهيا

 

هـــــــــذي ملابسُكَ التي فارقتها

ضاقت عليك، وأنت تجلس خاليا

 

ما أجمل الذوقُ الرفيعُ وأنّه

يبقى على مرِّ السنين محاكيا

 

ويضوع منها العطرُ حتى أنّها

قارورةٌ تشفي العليلَ البـــــاكيا

 

وطني أضعتُك مرتين وكلما

ضيّعتني قد عدت منك مُواليا

 

ضيعتني لمّا رحلتَ ولم تعدْ

ووجدتني لمـــــا فقدتُك باكيا

 

وبكيتني لمــــــــــا بكيتك راثياً

وتركتني وحدي أصارع حاليا

 

خذني فما عاد الربيعُ يطيبُ لي

خذني فزهرُ العمر أصبح ذاويا

 

ولدي، أيا ولدي، ايا ولدي أما

 تأتي للقيانا لقاء حـــــــــــانيا

 

  أمستْ نوافذنا تواسي بعضها

وأنينها جعـــــل العيون بواكيا

 

اصغي إليك وكل ما بي سامعٌ

حتى انين الباب يصغي شاديا

***

د. جاسم الخالدي

 

فينوس فايقبشعاع غاية في الازدحام

إزدحام غاية في التناغم

شعاع يغيب بين لهاث المطر

وخطواتي بين حزن النافذة

حتى شقاء جدار يكابر،

ألوّح لك بيدي

وكأني ألوّح لغابةٍ من الضحك

يوارب تأريخاَ كان هنا شعلة

**

لصمتك الصاخب

ولمرورك البهي

وقعٌ على قلبي

لصوتك

المتواطئ مع صمتي

أشعل آخر شمعة

وأحترق فيك

حتى الصحو

**

لصمتك المبحوح

المثقوب، المعلق

على صدري

لحضورك الباهت

حين يمرُّ  الربيع على عجالة

ويتربص بي

شتاءً دون ذاكرة

هل كبرت بما يكفي

لأفرق بين

صمتك المثقوب في ذاكرتي

وصوتك المقيم

بين شتاءٍ بعباءةٍ بيضاء

وربيع يتنكر لخضرة نظري؟

***

فينوس فائق

 

 

حسن العاصيفي صخب النهار

يركض الأطفال

مع ألعابهم

نحو حقول الرمّان

يثرثرون

مثل غراس صغيرة

في أصيص النهار

يتحسّسون ذيل الغيمة

كسوار من مطر

تبدو أكفهم الصغيرة

بمعصم الدهشة

يتثاءب الضوء بكسل

قبل أن يرحل

يهجع تعب الصغار

لتغفو قلوبهم

كما تخلد أوراق الحبق

للنوم

على صدر الزهرة

في النهار

بحور الندى

تتوسد أوراق السنديان

في النهار

يعلن الأولاد عصيانهم

كلما رمتهم المواسم

بما تخلّفه اسفل الشروخ

وتتوارى

2

الشرفات الخالية

تجهش من وحدتها

وتقيّدها الفصول

الأبواب صاخبة شوقاً

لقبضات للراحلين

قوس ألوان النافذة

مشرّع

على قزحية الحنين

المكان قلب حزين

شراع مبعثر

ووجع

يراود الجدران الباردة

على عتبات القحل

نرقب درب الغيوم

علّها تُبرعم

وجوه الأحبة

3

تُلقي العاصفة صوتاً

في صلب الوقت

ينجب حكاية

لا تشبه الريح

ينتظم وجه الكتاب

في وعد المرآة

ساد الراوي قومه

توحّدت فيهم

فصول الاسفار

قال لهم

مزّقوا

خرافة البحر الطائر

لكتم سر

أقراط العصافير

4

أزقة المدينة

تلتحف قلقها

منذ رمادية القدر

يفتح الحنين

أبواب الخريف باكراً

بعض من زهر الريح

لي

وما بقي من السور الشرقي

للحزن بيننا

يختنق ليل المدينة

وندف صباحها

تبدي الاحتضار

خلف كل باب

تخال عيون الناس

تخرج من أنوفهم

ويساقون

من الورع للخطيئة

هذه الأوصال استحالت أوطان

5

مثلما ينتظر الصغار

صباح العيد

تنتظره أمه

كل مساء

تُباغت ريح المنايا

خلخال الطيور

من الأعلى

لا مهرب

من المرايا المغلقة

لم ترى المسافة

مكث الضباب

على عيون الصباح

كانت تناديه

من حيث لا يرى

ويراها

من حيث لا يسمع

سألت عنه شال الغرباء

قبل أن

تظهر الفوهة الخضراء

فوق صفصاف القرية

تصعد منها

فراشة الله

***

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدنمارك

 

أيقن أنه يستطيع أن يكف عن التفكير، ويترك نفسه في خارج اطار أية فكرة، وأبدا استعداده لكسر تلك الأطر إذا ما تزاحمت أمامه، والتي سرعان ما تحيط الفكرة العقل باطار سميك قد يكون على شكل مجموعة من الأسئلة، التي يتوجب الأجابة عليها.. وحالما يبدي استعداده للإجابة على إحدى هذه الأسئلة التي تطرحها الفكرة.. ينساق إلى الدخول في حوار ذاتي، ثم تبرز تفرعات وتشعبات قد لا تنتهي باجابة واحدة.. نعم، أن الفكرة تتناسل، وهي عجيبة وغريبة في تناسلها، والمهم في الأمر أنه بات يدرك هذه الحقيقة، وقد قرر أن يتلافى الأفكار التي تحلق حول رأسه أحياناً بإصرار عنيد، واحياناً تبدو بعضها سخيفة وبعذها الآخر مقرفاً وسوداوياً .

هل ترون.. أنه حتى هذه اللحظة التي يتحدث فيها عن عزمه على إبعاد الفكرة وإطارها، تحول حديثه ذاته إلى فكرة تشتمل على ضرورة استبعادها وتهشيم إطارها وإفراغ مضمونها، والمهم كيفية الوصول إلى هذه النتيجة، التي تستدعي التفكير بأساليب غير تقليدية تطمر الفكرة في مهدها ولا تفسح لها مجالاً لكي تستحوذ على تفكيره من جديد، طالما هو قد أدرك هذا الأسلوب، على ما يبدو، لأنه فتش عن حلول، وحين أغمض عينيه لحظة وهو مستلقي في مقهى ارستقرطي فخم تابع لأحد الفنادق الكبيرة الراقية في اسطنبول .

عصر ذلك اليوم البارد المشمس، ظهرت على شاشة تفكيره فكرة مقلقة سوداوية.. حاول أن يتجاهلها ولم يتمكن، فقد كانت تلح عليه.. أخرج دفتر مذكراته وتصفح ما كتبه مساء اليوم الماضي.. فرأى الفكرة تطفح من بين السطور بإلحاح.. قلَبَ الصفحات، فأخذت الفكرة تتقافز بين السطور كسمك السلمون على سطح الماء.. وفكر كيف سيعالج الأمر؟ ومن أين يبدأ ؟ ركز بامعان شديد على البديل أو نقيض الفكرة.. البديل الذي يكسر الفكرة، ويستمر في الطرق عليها والتركيز على البديل.. عندها وجد نفسه قد استطاع ان يبعد الفكرة السوداوية عن تفكيره ويحل بديلها.. لقد تمكن من ان يدخل شيئاً من الارتياح الى نفسه .

الفكرة السوداوية التي هاجمته جاءت بشكل تراتيبي مستفز:

إن زوجته لم تتصل به لحد الآن.. وهذا شيء غريب حقاً.. ربما هنالك ما يمنع من اتصالها.. فهو يعرفها جيداً، كم هي حريصة على ذلك.. ولكن لماذا لم تتصل لحد الآن؟ هل أن ثمة مكروهاً حل بها.. لماذا لا تجيب على الهاتف.. وكذلك الأولاد، كل هواتفهم مقفلة.. عجيب، من المستحيل أن يكون اقفالها صدفة.. إذن، هنالك مانع قاهر.

طبعاً.. هذا مسلسل الفكرة قد اشاع القلق حقاً وسيطر على تفكيره بالكامل وبلغ به حافة الشلل الفكري.. عالج فيها الموقف، فقد بدأ يفكر في نقيض الفكرة، في البديل، وهو أن شبكة الهاتف معطلة فنياً، الأمر الذي يجعل الهواتف الجوالة مقفلة وإن عدم اتصالها قد يكون مرجعه هذا الاحتمال أو أن هاتفها قد تعطل أو تحطم أو ضاع.. وربما هي مشغولة بأمور تمنعها من الإتصال، والحالة تستوجب التريث حتى الصباح.

كان هذا الحل يبعث على الراحة النفسية والهدوء ويدفع باتجاه الأمل .

وفي أقل من ثلاث أو أربع ساعات شعر بالحاجة إلى الإتصال.. وظهر الصوت في الطرف الآخر.

– لقد فزعت من عدم اتصالك، لقد تملكني الخوف .

– وجاءت ضحكتها تهز ارجاء العالم كله.. لقد اوقفوا شبكة الاتصالات لاسباب تعرفها منذ مساء أمس.. كما أني لم اتصل بك لأن رصيدي قد نفد أولاً، كما أن شحن البطارية قد نفد هو الآخر بسبب عطل في الكهرباء.. لقد انفجرت محولة المنطقة نتيجة الزخم الهائل عليها دونما تخطيط.!!

إذن.. كان بديل الفكرة السوداوية حاضراً، استطاع ان يكسر التراتيبية في الحالة السوداوية، التي هاجمت تفكيره وعكرت مزاجه ساعات وساعات من الإختناق والشعور بعدم الأرتياح.!!

كان عليه أن يتخطى ذلك الشعور الذي يراوده كلما أمعن في النظر في تلك المقولة، التي تتحدث عن الصدفة، وفي ما إذا كانت محكومة بقوى خارجية.. بمعنى الأحداث والأفعال ومساراتها في الخارج قد يكون لها دخل في ايقاع الصدفة في المكان والزمان المعينين.. أو أن الفعل او الحدث لا تحكمه الصدفة أبداً وهو محدد ومقنن مسبقاً لا يحيد عن نهايته المرسومة بقدر.. تلك هي اللمحة الغيبية التي تراود تفكيره والتي سرعان ما حاول ان يستبعدها عن ذهنه المرهق، لأنه لم يجد لها جواباً قاطعاً.. كيف تحدث الصدفة ولماذا؟

في هذه اللحظة.. كان قد عاف مقعده وغادر المقهى ومشى على الرصيف، ثم استقل حافلة كانت مزدحمة بالأجساد البشرية.. وعند منعطف الشارع المحاذي للبحر الذي تجاوز السور الحجري، كانت مآذن الجامع الأزرق تطل من بعيد .

توقفت الحافلة.. أفرغت ما في جوفها دفعة واحدة ولم يبق فيها احد.. نزل إلى الشارع الذي كان مكتظاً بالناس.. رأى جمهرة تتحلق بشكل دائري.. وحين اقترب منها رأى رجلا ممددأً على الأرض ينزف صدمته سيارة أجرة حين كان يهم بالعبور.

– ياأألله.. ما هذا الحادث المروع؟ وكيف حدث ذلك لهذا المسكين.. لقد كان واثقاً بأنه سيعود إلى بيته بعد هذا المشوار.. ولكنه لم يكن يتوقع، وفي هذا المكان من التقاطع المزدحم أن تكون نهايته المفجعة.. ثم لماذا كان السائق مسرعاً إلى تلك الدرجة.. ربما كان يطارده أحد وانه يريد أن يختفي عن الأنظار بين تلك الشوارع الضيقة المزدحمة.. كل تلك الأسئلة دارت في ذهنه، ولكن جدالاً بين احد المارة وشرطي المرور صاحب الدراجة الذي كان يطارده، اسفر عن ان السائق كان في حالة من الخوف بعد تجاوزه الإشارة الضوئية، وهو يعلم أن مثل هذه المخالفة ستحرمه وفقاً للقانون من استخدام اجازة السوق لمدة ستة أشهر مع غرامة كبيرة.. لقد طار صوابه حين طارده شرطي المرور بدراجته، لأن جريمته في هذا الشأن مضاعفة.. لقد كان مذعوراً، ولكن كان عليه أن يتوقف.. هذا الحوار وضعه تماماً أمام موضوع الصدفة .

السائق مطارد ومسرع ومذعور.. والضحية مسترخي يريد أن يعبر الطريق، ولكن أين هو الخطأ ؟ فهو لم يكن يأخذ الأمر على أساس الخطأ.. كلاهما كان مخطئاً.. ولكن كيف شاءت الصدفة أن يأتي في هذا المكان وذاك التوقيت ليعبر الشارع، وفي الوقت ذاته يقع الحادث ؟ لماذا هذا وليس غيره؟ ربما لو كان قد تأخر ثوان معدودات لكان قد عاد إلى بيته.. لو كان قد تأخر دقيقة واحدة، ربما لكان هنالك ضحية أخرى غيره، وربما لا ضحية على الأطلاق.. لأن الناس ربما في تلك الثانية قد كفوا عن العبور.. وربما قد تمكن السائق المذعور من الهرب.. وربما راكب الدراجة الشرطي قد عمل حادثاً آخر بدلاً منه.. لو كان قد قرر أن لا يخرج من البيت لبقي حياً .!!

يقول الشاعر العربي الكبير محمود درويش عن الصدفة :

لو لم أكن أو أكون..

نجوت مصادفة

كنت اصغر من هدف عسكري

واكبر من نحلة تتنقل بين زهور السياج

كان يمكن ان لا احب الفتاة التي سالتني كم الساعة الان

لو لم اكن في طريقي الى السينما،

كان يمكن ان تكون خلاسية مثلما..

هي او خاطراً مبهما..

كان يمكن ان تسقط الطائرة بي صباحاً..

ومن حسن حظي اني نؤوم الضحى

فتأخرت عن موعد الطائرة..

كان يمكن ان لا ارى الشام والقاهرة..

ولا متحف اللوفر والمدن الساحرة..

كان يمكن لو كنت ابطأ في المشي

ان تقطع البندقية ظلي

مع الأرزة الساهرة..

كان يمكن لو كنت اسرع في المشي

ان اتشظى

واصبح خاطرة عابرة..

كان يمكن لو كنت أسرف في الحلم

ان افقد الذاكرة..!!

عاد مهموماً..ولم تفلح مداخلاته في التوصل الى نتيجة، فقرر العودة الى البديل لتكسير الحادث المأساوي الذي ظل عالقاً في ذهنه، حين دخل الى مكتب الحجوزات في الميناء لحجز مقعد في (عبارة) تقله الى مدينة (يلوا) الساحلية لقضاء يوم أو يومين، ولم توقفه حزمة الأسئلة التي طرحها على نفسه حول الضحية.. ومنها على وجه التحديد.. لو لم يخرج من البيت فهل كان قد مات ؟، إنه ربما سيؤجل موته، ولكنه لا يعرف متى وكيف؟!

***

 

د. جودت صالح

01/09/2019        

 

 

يحيى السماويفنَقضتُ العهدَ  في خِلوةِ إغواءٍ

فكنتُ الحَطَبَ المحكومَ

بالإثمِ المُبينِ


  (1)

لـسـتُ أدري

أأنـا فـي جُـزُرِ الـكـنـغـرِ؟

أمْ فـي الــنــيــلِ؟

أمْ   لـنـدنَ؟

أمْ فـي حـضْـرَمـوتْ؟

*

مَـرَّ يـومـانِ ولـم  يـبـزغْ بِـلـيـلـي بـدرُ " إيــنـانـا" (1)

فـأغـفـو ..

جُـثَّـةً تـمـشـي عـلـى الأرضِ

غَـدوتْ

*

أنـا لـسـتُ اللهَ كيْ  أُحـيـيْ رُفـاتـي

بـعـد مَـوتْ

*

شُـلَّ أنـكـيـدو   .. (2)

وأوروكُ تـنـاءتْ   ..

وزهـورُ الـلـوزِ مـا عـادَتْ  قـواريـرَ الـفـراشـاتِ ..

الـدُّجـى خـاطَ جـفـونَ الـشـمــسِ

والـنـجـمُ يـتـيـمٌ

فـأنـا نـهــرٌ بـلا مـاءٍ

وثـغـرٌ دون صـوتْ

*

ألـبَـسَـتْـنـي كـفَـنـاً مـن حَـسَـكٍ ـ  غـيـرةُ مَـلـهـوفٍ ـ وجـمـرٍ

لـيـتـنـي  لـم أعـرفِ الـعـشـقَ

ولا كـنـتُ صَـبَـوتْ

*

لـيـتـنـي لـم أُدمِـنِ الـنـومَ

عـلـى وقْـعِ  حَـفـيـفِ  الـشَّـجَـرِ الـضـوئـيِّ

فـي فـردوس  " إيـنـانـا "

ودفءِ الـزَّنـدِ  والـسـاعِـدِ

مـا كـنـتُ غـفـوتْ

*

جـزتُ وديـانـاً وأنـهـاراً ..

صـحـارى وسـهـوبـاً وجـبـالا  ..

ما كـبـا بـيْ فَـرَسـي يـومـاً

فـكـيـف الـيـومَ  فـي مـخـدَعِ " شـامـاتِ " كَـبَـوتْ؟ (3)

***

(2)

هـارِبـاً مـن يـومِـهِ فـرَّ الـى مـاضـيـهِ " أنـكـيـدو "

حَـسـيـرَ الـعـيـنِ إلآ مـن طـيـوفٍ

بـعـضُـهـا قـوسُ قُـزَحْ

*

طـرَقَ الـبـابُ عـلـى حـانـةِ ســيـدوري ظـمـيـئـاً

أمـلاً فـي شِــربَـةٍ مِـلءَ قَـدَحْ

*

وسـريـرٍ مـن أمـانٍ يُـغـمِضُ الـعـيـنَ الـتـي قَـرَّحَـهـا الـسـهـدُ

فـجـاءَ الـصـوتُ:

مَـنْ  هـذا الـشَـبَـحْ؟

قـال:

لا أعـرفُـنـي ..

يـدعـونـنـي حـيـنـاً أمـيـرَ الـغـابـةِ الـمسـحـورةِ الأشـجـارِ

والـطـفـلَ / الـفـتـى / الـشـيـخَ  ..

وأحـيـانـاً أنـيـسَ الـطـيـرِ والـنـهــرِ

وحـيـنـاً قـاهِـرَ الـمُـرعِـبِ " خـمـبـابـا "  (4)

ولـكـنْ:

أكـثـرَ الأحـيـانِ أُدعـى سـادنَ الـمـحـرابِ فـي مـعـبـدِ " إيـنـانـا "

وحـاديـهـا إذا شــدَّتْ الـى الـصـبـحِ خـيـولَ الـلـيـلِ

والـعـبـدَ الـمـلـيـكَ / الـمَـلِـكَ الـعـبـدَ / الأمـيـرَ الـمُـقــتَــرَحْ

*

لِـبـلادِ الإنـسِ والـجـنِّ بــ " أوروكَ " ..

أنـا راعـي قـطـيـعِ الـغَـيـمِ

مـرعـايَ الـصـحـارى

كـلـمـا أعـزفُ بـالـنـايِ يـقـومُ الـعـشـبُ

والـبـابُ الـى جـنَّـةِ  " إيـنـانـا " انـفـتَـحْ

***

(3)

بَـسَـطَ الـرّاحَـةَ لـلـعَـرّافِ أنـكـيـدو:

أعـرسٌ فـي غـدي يـجـمـعُ أغـصـانـي بـجَـذري؟

أمْ تَـرَحْ؟

*

أطـرَقَ الـعَـرّافُ ..

واسْــتـنْـطَـقَ  وجْـهـاً وخـطـوطاً ..

هَـدأتْ ريـحٌ ..

رمـى بـضـعَ حـصـاةٍ تُـشـبِـهُ  " الـخِـرَّيْـطَ " (5)

واسـتـرسـلَ قَـولاً:

أيُّـهـذا الـسـومـريُّ  الـعـاشـقُ الـمـحـكـومُ بـالـغـربـةِ

صـبـراً

أنـتَ لا تـصـلـحُ إلآ لـلـفـرَحْ

*

ولِـغـابـاتٍ مـن الـشِّـعـرِ الـبـتـولـيِّ مِـداداً وحـروفـاً ..

كـلُّ صـدرٍ ضـاقَ مـن عُـسـرٍ

إذا يُـلـجِـمُ بـلـواهُ بِـحَـبـلِ الأمـلِ / الـصَّـبْـرِ  (6)

انـشـرَحْ

***

(4)

كـنـتُ عـاهـدتُـكِ والـشـاهـد كـانَ الـلـهُ

أنْ أخـلـعَ  عـنـي بُـردةَ الـطـيـشِ

وجـلـبـابَ الـمـجـونِ

*

فـنَـقـضـتُ الـعـهـدَ  فـي خِـلـوةِ إغـواءٍ

فـكـنـتُ الـحَـطَـبَ الـمـحـكـومَ

بـالإثـمِ الـمُـبـيـنِ

*

فـامـنـحـيـنـي زخَّـةً مـن مَـطَـرِ الـعـفـوِ

اطْـفِـئـي نـارَ  عـذابِ الـنَّـدَمِ الـوحـشـيَّـةَ الـجـمـرِ

فـقـدْ  ثِـبْـتُ الـى الـرُّشــدِ

وأصـبَـحـتُ أُبـاهـي فـي الـهـوى سِــفـرَ يـسـاري

بِـصـحـيـفـاتِ يـمـيـنـي

*

هـا أنـا أعـقـدُ عـهـدَ الـتـائِـبِ الـصِّـدقِ مـع الـلـهِ

وأنـتِ الـشـاهـدُ الـحَـقُّ

فـإنْ عـدتُ الـى تـفّـاحَـةِ الإثـمِ

اطْـرديـنـي

*

مـن فـراديـسِـكِ ..

لا غـفـرانَ لـيْ لـو جَـنـحَـتْ بـيْ مُـقـلـتـي

نـحـوَ  سـريـرٍ نـاعِـمِ الـدفءِ

ونـهـدٍ وعـيـونِ

*

جـئـتُ أسـتـجـديـكِ عـفـواً

فـأغـيـثـي عـبـدَكِ الـتـائـبَ صِـدقـاً

وأضـيـئـي كـهـفَ آثـامِ ظـنـونِ الـجـاحِـدِ الـنـعـمـى

بـقـنـديـلِـكِ يـا شـمـسَ يـقـيـنـي

***

يحيى السماوي

أديليد 17/10/2021

...................

(1) إينانا: إلهة الحب والخصوبة والجمال والرغبة والعدالة في ملحمة كلكامش ..

(2) أنكيدو: المتوحش القوي  الذي مارس الحب مع شامات فتأنسن ..

(3) شامات: الحسناء التي أرسلها كلكامش لإغواء أنكيدو

(4) خمبابا: الوحش المدمر في غابة الأرز ، وقد قتله كلكامش وأنكيدو بعد معركة ضارية .

(5) الخِرَّيط: حلوى سومرية الأصل  ذهبية اللون تصنع من زهور قصب الأهوار في جنوب العراق .

(6) تناص خفيّ مع قوله تعالى (فإن مع العسر يسرا) وقوله تعالى بلسان نبيه الأكرم " ص " (ربِّ اشرح لي صدري .. )

 

  

صلاح الغريبياقتحم الإعصار شاهين سكون مدن سلطنة عمان وهدوئها ومنها: (السويق، والخابورة، وصحم).. وقد قلت:


 قالوا أُصِبْنا بشاْهيْنَ الذي ســـارا

إعصارُ بحرٍ أحال الدارَ أحجارا

 

كانت (سويقٌ) كثغر الحسنِ مبتسما

واليوم حلّ أذىً من قبل مـــا صارَا

 

يا (للسّويق) ومن شطآنِها زأرت

عواصفٌ؛ وجنونُ البحر قد ثارَا

 

ويا (لخابورةٍ) دمعُ السماء بهــا

أمَالَ في الرملِ أبراجا وأسوارا

 

تبكي النّخيل وتدوي الريح في (صحمٍ)

حتّى تظنّ بهـــــــــــــا كلّ الأسى دارا

 

فالشيخ ما أسعفت رجلاه في هربٍ

والرمل بان بفعل المدّ مــــــا وارى

 

قد كان طفلٌ وحزن اليوم يُنشِدهُ

يبكي قريبا عليه اليمُّ قد جـــارَا!

 

لم يبقِ في ساحل الأفراح مـــن فرَحٍ

وخرّب الأرض حتى لا ترى دارَا؟!

 

أمٌّ تلوذُ بربّ الكون من فزعٍ

على بنيها، وعقلٌ مبتلىً حارَا

 

عمّ الظلام بأرض الخيرِ قاطبةً

حتّى أضاءت جباهُ العزّ أنوارا

 

مضت عمان لثغر الحسنِ في هِمم

من الرّجال تخطّ الدربَ أنهـــــارا

 

قالوا نجودُ ولا يشقى هنا أحدٌ

حاشا لحرٍّ ينام بعدما صارَا !

 

نجود بالروح أو بالمــــال نبذله

نخفّفُ الحزن نبني كلّ ما انهارَا

 

إن كان كسرٌ فِعال الــودّ تجبُرُهُ

غدا سينْبتُ وجهُ الأرضِ نوّارا

 

رأيتُ أرضي جنود الله تعمُرُها

والشّعب فيها بفضلٍ منه ما خارَا

***

صلاح بن راشد الغريبي

 

محمد حمدقلبي الواقف على الضفة اليسرى

من الفرات

ما زال نقيّ الخصال حسن السلوك

"العاطفي"

هكذا وصفوه لي مؤخرا !

يحترق ببطء

وعلى مراحل عمرية

مختلفة

ليضيء ثلاثة أرباع هذه المدينة

المعتمة نهارا

ونصف قرية مجاورة لمقهى ذكرياتي

لا يشملها قانون حظر التسكّع

في شارع ابي نؤاس

ولا تكترث لهجرة النجوم الجماعية

على زوارق صفراء

من زهور ذبلت كمدا في انتظار

ربيع مُضاد للتصحّر

خلّفها عشاق جهلة في فنون الغزل المعاصر

لم يتشبثوا بما فيه الكفاية باول نظرة حُب

طائشة

انطلقت فجأءة من عين حوراء...

***

محمد حمد