 ترجمات أدبية

شيماماندا نغوزي أديشي: تعقيبات حول المفجع

2464 adichiترجمة صالح الرزوق

كان شقيقي يرتب مكالمات الزوم من إنكلترا كل يوم أحد، حتى أصبحت هذه المكالمات الطقس الشرير الملازم لسياسة الإغلاق: وكان ينضم إلينا اثنان من أقاربنا في لاغوس، بالإضافة لثلاثتنا المقيمين في الولايات المتحدة، ثم والداي، من آبا، موطن أسلافنا في جنوب شرق نيجيريا، وأحيانا يتخلل هذه المكالمة الصدى والخشخشة.

في 7 حزيران لم ينضم للجلسة غير والدي، كان جبينه يملأ الشاشة، كالعادة، لأنه لا يعرف تماما كيفية القبض على الهاتف في مكالمات الفيديو. وكان أحدنا غالبا ما يتطوع ليقول له:”ابتعد قليلا عن الهاتف يا والدي”.

في ذلك اليوم كان يلعب بأعصاب شقيقي أوكي، ويطلق عليه لقبا جديدا مزعجا، ثم قال له إنه لم يتناول وجبة منتصف اليوم لأن غداءهم يتأخر موعده كثيرا. ثم تكلم عن ملياردير من بلدة مجاورة اعتاد أن يطالب بملكية أرض قرية أسلافنا. وأبدى قليلا من الامتعاض حيال صحته، وأخبرنا أنه قليل النوم، ولكن ليس علينا أن نقلق.

في 8 حزيران غادر أوكي إلى آبا ليقابله، وأخبرنا أنه بدا متعبا.

في 9 حزيران، اختصرت حديثنا، ليتسنى له الوقت الكافي للخلود للراحة. وكان يضحك ببرود حينما ألقيت طرفة عن أحد الأقارب. قال لي:”كا شي فو”. ليلة طيبة. وهذه آخر عبارة سمعتها منه.

في 10 حزيران كان قد رحل. اتصل بي أخي شاكس ليخبرني بهذا النبأ، وهكذا شعرت بالصدمة.

2-

قالت لي ابنتي التي تبلغ من العمر أربع سنوات إنني أرعبتها. وهبطت على ركبتيها لمزيد من التوضيح، وقبضتها المضمومة ترتفع وتنزل، وهذه المحاكاة جعلتني أرى نفسي كما كنت: غير متماسكة أبدا، وبحالة اهتياج يتخلله الصراخ والضرب على الأرض. كان الخبر مثل اقتلاع شيء من جذوره دون رأفة. وانفصلت عن العالم الذي أعرفه منذ أيام طفولتي.

 ثم دخلت في حالة عناد أو ممانعة وهمية: رأيت والدي يقرأ صحيفة المساء، ويتبادل النكات مع أوكي حول الحلاقة قبيل الموعد المحدد غدا للقاء أونيتشا اختصاصي الكلى. وناقش نتائج اختبارات المستشفى بالهاتف مع شقيقتي إيجيوما، وهي طبيبة - ولكن كيف يمكن لذلك أن يجري؟.

ها هو أمامي. وأوكي يمسك بالهاتف قبالة وجه الوالد الذي يبدو مستغرقا بالنوم، الوجه مطمئن، وبوضعية مدهشة وأخاذة.

كانت مكالمة الزوم سريالية، كلنا انخرط بعاصفة من البكاء، وفي أجزاء متفرقة من العالم، ونظرنا بكثير من الشك لوالدنا المحبوب الذي يستلقي الآن بسكون على سرير المستشفى.  لقد حصل ذلك قبل منتصف الليل بدقائق، بتوقيت نيجيريا، وكان أوكي بجانبه، وشاكس على مكبر صوت الهاتف. قلبت النظر بإمعان بالوالد. وتعثرت أنفاسي. هل هذا هو معنى الصدمة، أن يتحول الهواء إلى صمغ؟. قالت أختي أوشي إنها نقلت الخبر للتو لصديق للعائلة برسالة نصية، وأوشكت أن أعنفها وأصيح:”كلا!. لا تخبري أحدا، لأننا إذا أعلنا النبأ، سيصبح حقيقة”. وقال زوجي:”أمسكي أنفاسك، واشربي جرعة من الماء”. ثم رأيت مئزري المنزلي وكمامة الإغلاق الصحي ملقاة برعونة على الأرض. ولاحقا سيقول لي أخي كيني ضاحكا:”لا يحسن بك تلقي الأخبار السيئة في العلن، فأنت تمزقين ثيابك عند سماع الفجائع”.

3-

الفجيعة فرع خشن من فروع المعرفة. تتعلم منها كيف يمكن للعزاء أن يكون قاسيا، وكيف يكون الغضب عنيفا. وكذلك تعلم كيف أن التعزية شيء لا فائدة منه. وتلاحظ أن الحزن مسألة متعلقة باللغة. فاللغة تفشل أمام الأحزان البالغة وأنت تطارد الكلمات لتعبر بها عن أحاسيسك. لماذا كان جنباي متألمين ومتخاذلين؟. لا بد أنه بسبب البكاء كما أرى. لم أكن أعلم أننا نبكي بعضلاتنا. فالألم لا يفاجئ أحدا، ولكن الشعور به يفاجئك: كان لساني مرا بشكل لا يحتمل، كما لو أنني تناولت وجبة غير طيبة ونسيت تنظيف أسناني. وربض على صدري ثقل مزعج وكبير ومحزن. وفي داخل جسمي، تفشى إحساس دائم انتشر في كل الأرجاء.

أما قلبي - قلبي الحقيقي بذاته، لم يكن فيه أي شيء ملموس - كان يهرب مني، وأصبح شيئا منفلتا مستقلا يتحكم بنفسه. ينبض بسرعة، وإيقاعه لا يستطيع أن يتوافق معي.

لم يكن ذلك صدعا بالروح فقط بل بالجسم. محملا بالتعب والقوة المعطلة. أما البدن، العضلات وبقية الأعضاء، فقد خارت كلها. لم يكن هناك موضع فيزيائي بوضعية الراحة. ولأسابيع، كانت معدتي تدور حول نفسها، متوترة ومنقبضة لأقصى درجة. وتتناوشها أفكار لا أقبل بها: فقد كنت أعتقد أن شخصا آخر سوف يلقى منيته بكل تأكيد، وأنه مكتوب علينا تقديم المزيد من التنازلات. وفي أحد الأيام، اتصل أوكي بي، أبكر من المعتاد كما أعتقد، وأخبرني، أخبرني فقط وفورا، بنبأ الوفاة التالية. لقد كانت والدتي.

4-

في بيتي الأمريكي، أحب أن أستمع لمحطة الإذاعة الوطنية، وأتركها طوال الوقت خلف المشهد بشكل صخب لا ينقطع. ولو أن والدي على قيد الحياة سيغلقها، في حال عدم وجود شخص محدد يصغي لها.

قلت لأوكي:”كنت أفكر كيف أن والدي اعتاد على إغلاق الراديو دائما، وكيف كنت أشعلها مجددا. ربما كان يعتقد أنه هدر بطريقة من الطرق”.

قال أوكي:”مثلما اعتاد أن يغلق المولد بوقت مبكر في آبا. لو عاد إلينا سأكون مسرورا من هذا التصرف”. وأغرق كلانا بالضحك.

قلت له:”وسيصبح من دأبي أن أستيقظ باكرا وأتناول الغاري*  وأصلي كل يوم أحد في الكنيسة”.  وضحكنا أيضا.

وأعدت عليه سرد حكاية زيارة الوالدين لشقتي المخصصة للدراسة الجامعية في يال، ولا سيما حينما قلت:”هل تريد ياوالدي عصير الرمان؟”. فرد يقول:”لا. شكرا. ولكن ما هو هذا”.

وأصبح عصير الرمان طرفة دائمة. كل تلك النكات المضحكة، التي نرويها مرارا وتكرار، كان والدي يقف حيالها لدقيقة من الوقت دون أي ردة فعل، قبل أن يفهم مغزاها وينفجر بضحكته المرحة.

اكتشاف آخر: الضحك جزء لا يتجزأ من الفجائع. والضحك يلقى عناية خاصة من لسان عائلتنا، والآن نحن نضحك لنتذكر والدي، ولكن في مكان ما في الخلفية تلاحظ طبقة خفيفة من الشك وقلة الإيمان. كانت الضحكة تختفي بالتدريج. وتتحول لدموع وأحزان وغضب. لم أكن مجهزة لهذا البؤس، وكل هذا الكم من الحنق الهادر. بوجه هذا الجحيم والذي نسميه الحزن، أصبحت ضعيفة وغير تامة الإنجاز. ولكن كيف يمكنه أن يضحك ويثرثر في الصباح الباكر، وأن يرحل للأبد في المساء؟.

لقد جرى الأمر بسرعة، بسرعة فائقة. لم يكن من المفترض أن يتم بهذا الشكل، ليس على شاكلة مفاجأة شريرة، وليس خلال وباء أحكم إغلاق العالم.

أثناء الإغلاق، كنت أتكلم مع والدي عن غرابة ما يحصل، وكان مرعوبا، وأخبرني عدة مرات أنه لا يمكن أن يقلق على زوجة طبيب**.

سألته في أحد الأيام:”هل تشرب الماء الدافئ يا والدي؟”.

وشعرت بالدهشة، وضحكت كثيرا، بعد أن قال، بمرح رخيص، إنه قرأ في مكان ما أن تناول الماء الدافئ يقلل من فرص الإصابة بفيروس كورونا.

وضحك من نفسه وأضاف إن الماء الدافئ في نهاية الأمر غير ضار. لم يكن هذا يشبه ما أحاط من ملابسات انتشار مرض إيبولا المرعب، كان الناس يغتسلون بالماء المالح قبل الفجر.

كنت إذا سألته:”كيف حالك يا والدي؟” يرد دائما “إيويروم نسوغبو شاشا”. (لا أعاني من أي مشكلة. أنا على أتم ما يرام). وفعلا هكذا كان. حتى وضع القدر نهاية لذلك.

***

.....................

* من مسحوق الكسافا

** زوج أديشي طبيب.

شيماماندا نغوزي أديشي  Chimamanda Ngozi Adichie قاصة وروائية مولودة في نيجيريا عام 1977. تعيش في الولايات المتحدة. من أهم أعمالها: أميركانا، القلادة التي حول عنقك، نصف شمس صفراء، مانيفيستو الأنوثة، وغير ذلك...

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

استمتعت بقراءتها قصة جميلة وبترجمة
رائدة وبلغة محكمة
المبدع الدكتور صالح الرزوق
دام ابداعك .

سالم الياس مدالو
This comment was minimized by the moderator on the site

ع التقدير للمتابعة و الاهتمام.
هذه هي الصفحات الأولى من سيرة حياة الكاتبة التي تورط والدها بجمهورية بيافرا المستقلة و استمرت لثلاث سنوات قبل أن تحاصرها القوات الاتحادية و تسحقها و تنهي طموحات الإغبو الاستقلال

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي الحبيب العالم الأديب الدكتور صالح الرزوق حفظه الله وحقق مناه.
الترجمة رائعة : لغة سلسة سليمة يفهمها القارئ بلا عناء. وهذا هو معياري لفهم المترجم للنص الأصلي.
ولكن لم أفهم الغاية من هذه القصة التي تخلو من أية عناصر ثقافية. مجرد حكي، ولا تطور لأي حدث.
تمنياتي الطيبة لك بالصحة والهناء والإبداع والعطاء.
محبّكم: علي القاسمي

علي القاسمي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا.
هي مقتطفات من انطباعات الكاتبة عن وفاة والديها بكورونا. كامل القصة يبلغ ٩٤ ص.

صالح الرزوق
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5369 المصادف: 2021-05-18 03:26:24


Share on Myspace