غانم العنازقــل لـلـذي باهـى بوفـرِ المالِ

            لـقــد تـبـاهـيـتَ بـشئ ٍ بـالـي

إن ْ كـنتَ ممّن يعـشق ُ التـباهـي

          هــلا تـبـاهـيـتَ بـخُلـق ٍ عـالـي

أو كـنـت من يـتـوقُ للإطـراءِ

          هــلا تـرفـعــتَ عن الأخـطـالِ

إنّ الـتـبـاهـي لـعــبـة ٌ سـاذجــة ٌ

         تــروق ُ لـلحـمقـى وللأ طـفــالِ

فالـمال يـبـقـى نـعـمة ً محـمـودة ً

          إن عاد بالـخـيـرعلى الأجـيـالِ

والـمال يـضحى سلعة ً مذمومة ً

             إن قــاد لـلـبـخــل ولــلإذلالِ

يا صاحبي كن حذرا ً ثم ابـتعـد

           عن صحبةِ المـيّاسِ والمخـتالِ

فالـمـرءُ يـبـقـى مـالـكـاً لـلـمالِ

          إن أطلـق َ في صالـح الأعـمالِ

والـمال يـمـسي مـالـكـا ً لـلـمـرءِ

           إن كُــبّــل َ ونـــاءَ بـالأغــلالِ

إنّ اكـتساب الـمال يـبقى شـرفـا ً

             بـشـرط أن يكـون من حـلالِ

فالـمال يـبـقـى زيـنـة ً لـلـدنـيــا

           فـي حالــةِ الـوفــرةِ والإقــبـالِ

والمال يضحى غـصة ً في الـدنيا

           فـي حـالـةِ الـنـدرةِ والامـحـالِ

وفــي كلا الإدبــار والإقـــبــالِ

          ألـكـلُ يــبـقـى طالـبــا ً لـلـمــالِ

تـلـك هـي طـبـيـعــة ُ الإنـســان

             مـاثــلــة ً مــن أقـــدم الآزالِ

          ***

غـانـم الـعــنّــاز

واتـفورد – ضواحي لـنـدن

تشرين أول 2009

 

 

ابراهيم الخزعليثمة أحلام مغترب أفنى جُلَّ حياته في المنفى الذي اختاره مُكْرَهاً، فتناثر عمره على قارعة كل طريق، مع دوام تشظي براكين أشواقه الملتهبة  وحنينه المشتعل في فضاءات حِلّهِ وترحاله.

 فأينما ولّى وجهه لم يجد هناءة ولا مستقرّاً ولا مقاماً محموداً.

 فهو في كل يوم يتجرّع أكؤس صبر دهاقا، على أملٍ بإشراقة وطن..

وذات غُصّة بعد مكالمة تلفونية مع أهله سألهم فيها عن حال البلاد والعباد بعد الخلاص من السلطان الجائر والجلاد، فجاءه الجواب مقتضباً، صار الشرطي وزيراً، والحاجب سلطاناً، والسمسارعرّابا...

***

قصة قصيرة جدّاً

الدكتور ابراهيم الخزعلي

29/5/2020

 

 

كريم سهرابرغم هطول المطر

هوت أوراق البتولا

كل قطرة وكل ورقة

تحميني من صقيع البرد

ويزداد يوم بعد يوم

أنيني للماضي الجميل

 

ماذا جرى؟

هل مالت ظل رمشِ

على خد قرنفلة

وذاب عبقها وأنا

حائر بين الخد

وذاك العبق.

ماذا جرى؟

وجعي  ليست ثياباً

لأخلعها ولاصرخة

أطلقها من أعماقي..

الأشجار تخط شيئا

على وجنة السماء

وترسخ جذورها في

التربة لبزوخ الشمس.

ألآن ليست رغبة

ولاحلم للتفسير

سوى نظرة دافئة

نحو غابة تصحو

من رقادها ليلا

واغلق باب العالم

على نفسي.

***

شعر كريم سهراب

 

 

غانم العنازلو كان قلب المرء يرضى سامعاً

               للعقـل حكماً ثم يـبقى طائـعـا

لمـا سـمـعـنا هـائمـاً في عـشـقـه ِ

              يـشقى ولا صباً يداري أدمعا

ولا شـجـاعـاً قد غـدا مـستـسلماً

              أو عاقـلاً من حـبه قـد روّعـا

أو نـاسـكاً قـد طـار مـنــه لـبـه ُ

            من نظرة ٍ لا يرتجى أن يرجعا

لـكـنه في الـحب يـبـقـى حاكـمـاً

            قلب الفتى والعقل يبدو ضائعـا

حتى تساوى فى الهوى شيخ وقـو

           رٌ مع غرير ٍ جامح ٍ ما قد وعى

أهـل الهوى لو حاولوا أن يكـتموا

             سـر الهوى لـبات سـراً ذائـعـا

أهل الهوى لو جاهدوا من حبهـم

            أن يفلـتوا ما أجدى ذاك إصبعا

كـم ناصح ٍ أو عـاذل ٍ قـد حـاولـوا

         صد محـب ٍ عن حـبـيـب ٍ أذرعـا

لكـنه يـجـري الهوى مـستـرسلا ً

         ما كان من طبع الهوى أن يركعا

في الحب تسمو الـروح في عـليائها

           والنفس قد تصفو صفاءً ناصعـا

الـحـب حـلـوٌ طـعـمـه أو عـلـقـمٌ

           من لم يـذق للحب طعـماً أدقـعـا

         ***

غـانـم الـعــنــاز - ألـشــارقـــــــة

نـيـسـان 2002

 

 

تواتيت نصر الدينفلسطين يا موطن العرب

            ويا موطن الدّين والنسب

ويا آية بثّ فيها الاله

            معاني القداسة في الكتب

ويا معدن الدّين في أرضه

             تجلى جلالك في الشّهب

ويا كوكب الشرق في موطني

         واشراقة الحبّ في المغرب

       ***

فلسطين أنت جمال الدنا

           ويا منبع الحب في أرضنا

تغنى بحبّك كلّ أصيل

             بصوت جميل يهزّ الدنا

وعانق صوته لحن الخلود

          وفي موطن الحقّ شاد البنا

وعمّر أرض السلام ديارا

          وحيعل للكون يرجو المنى

       ***

فلسطين يا قبلة الصالحين

              ويامنهج الحقّ للسالكين

اعيدي علينا إذا ما نسينا

          جرائم شعب من الخاسئين

سنرفع ذكرك يا أمّ يوما

          ونعصف بالظلم والظالمين

فحسبك أرض السلام رجال

             وأشبال أسد من الثائرين

           ***

شربنا من الغدر ما هو مرّ

                وأيام هذا الزّمان تمرّ

وقد غاب يا أمّ صوت السّلام

           وذاك الحديث نفاق ومكر

فلسطين طال عذاب الثكالى

             وليس هناك حديث يسر

فصبرا جميلا وإن طال ليل

          فمن ظلمة الليل يستل فجر

         ***

تواتيت نصرالدين - الجزائر

 

 

فاتن كشوالتِّي اعْتَقَلَتْنِي ذَاتَ شِتَاءٍ ...

شِتَاءٌ كَانَ بِلَوْنِ الزَّهْرِ

كَبَيَاضِ قَلْبِكِ

نَبَتَ فِي أحْلاَمِي

فِي جُنُوني

فِي خَيالٍ لَمْ يَخْتَمِرْ

قَدِمْتُ إِلَى الصُّرُوحِ العَالِيَهْ

أغْتَرفُ الحُبَّ

ذَاتَ صُبْحٍ قَدْ ثَمِلْ

يَا قَيْـــــــــــــرَوَانُ !

مَنْ جَاءَ إِلَيْكِ

فَلْيَبْكِ عَلَى بَابِكِ !

أَوْ فَلْيُصَلِّ عَلَى أَعْتاَبِكِ !

أَوْ فَلْيَنْدَثِرْ !

غَرِيبَةٍ  جِئْتُكِ

أُعَانِقُ صَوَامِعَكِ

وأبْوَابَكِ

وَألثُمُ خَدَّ وَرْدَكِ

ولمْ أَحْتمِلْ

وَفُؤَادِي ضَمَّخْتُهُ بِحَيْرَتِي

وإعجَابِي وبِتِيهكِ وسَرابِي

وَظَلَلْتُ أَشْرَئِبُّ رُوحًا إِلَيْكِ

فَأَيْنَ المَفَرّْ؟

**

يا قَيْرَوَانَ الهَوَى !

"جِئْتُكِ باسِمَة"

يُرَفْرِفُ قَلْبِي فِي ثَنَايَا تَاريخِكِ الأَغَرِّ

بأَجْنِحَةِ الوَلَهِ

فَغَادَرَتُني وَدُمُوعِي لَظًى

و"جوًى يَضْطَرِمُ "

وَشَوْقًا يَسْتَعِرْ

فَإِذَا كَانَ للْهَوى

عِنْدَكِ طلبٌ يَرْتَجِي

فخَبّرِيه عَنْ مَوعِدِ اللِّقَاءِ إِذًا؟

**

أَسْكَرَنِي الحَنِينُ فيكِ إِلَيْكِ

وصَلَبَنِي دَمْعُ مُقْلَتَيْكِ العَتِيقِ

وضَوّعَني بَخُورُ مِسْكُكِ

حُرُوفًا عَلَى وَجْهِكِ البَهِيِّ

قَبْلَ قُدُومِي وَ بعْدَ السَّفَرْ

وَعَاشِقُ الصَّبَاحِ فيك

لَهُ كُلَّ صَلَاتي عِتْقٍ

بِأَسْرِكِ الَّذِي بَاغَتَني

عَلَى عَجَلْ

**

وَلَّيْتُ وَجْهِي شَطْرَ البَحْرِ

والبَحْرُ إلَيْكِ كُلَّ يَوْمٍ نَاظِرُ

يَمَّمْتُ السَّاحِلَ عَائِدَةٍ عَلَى كرْهٍ

والسَّاحِلُ أَنْتِ شَاطِئُهُ

وأَنْتِ الأَمَلْ

كُلَّ يَوْمٍ سأَغْدُو إلى هُنا هُنَاكَ إِلَيْكِ

فِي خَيَالِي حَيْثُ شَجَرَةً مُثْقَلَةً ثَمَرْ

أُوصِي الرّيحَ

أُحَمِّلُهَا أَشْوَاقِي إِلَيْكِ

المُضَمَّخَةِ بِشَذَى الوَرْدِ

وَطِيبِ المِسْكِ وَ سِحْرِ القُبَلْ

**

إِلَيْكِ يَا قَيْرَوَانُ الهَوَى

ألْفَ خَمِيلَةٍ خَضْرَاءَ

عَلَى الوَجْهِ العَتِيقِ أَزْرَعُها

وَ لَنْ أَكلّْ

لكِ مِنّي كُلُّ حُرُوفِ التَّمَنِّي

ولَسْتُ أَبْخَلُ

وكَيْفَ ؟ وَأَنْتِ ضَمَّدْتِ بِحَنِينِكِ قَلْبي

ونَقَّيْتِهِ مِنَ العِلَلْ؟

ولسْتُ أناَ منْ زَرَعَتْ عَلَى صَدْرِكِ

وَرْدَةً حَمْرَاءَ عَاشِقَهْ

ذاَتَ صُبْحِ لَمْ يَطُلَّ

وَطَالَ إِلَى أَبَدِ الدَّهَرْ

***

فاتن كشو روائية وشاعرة تونسية

 

جميلة بلطي عطريمرْكبي شراعُه منْ نور

دفّتُه تسبيحةٌ

تمخُرُ لُجّة الأشواق

ترومً نقطة البدْءِ

عشقُها الأزلْ

مركبي مشكاتُه نجمٌ

على السّارية ينقُشُ المسارْ

في الدّفّة ينثرُ البخورْ

مرْكبٌ ، شراعٌ ، دفّةٌ

والنّجمُ نبضُ فؤاد

ترتيلةُ صمتٍ في أذن المدَى

تهجّدٌ في محاريب الأبدْ

أحدٌ أحدْ

أحدٌ صَمدْ

صلواتٌ في فلك الأيّام أردّدُها

ينهلُها المحارْ

بها تهمسُ الحوريّات للموجِ

فيركعُ على الشّطآنْ

ويلهجُ الزّمانْ

القِبلةُ تستقبِلُ الدّعاءْ

تزرعُه في كلّ نبضةٍ

عتْقًا وشفاءْ

من ألأخمصِ إلى حَدِّ الرأسِ

فيضٌ من الذّكر يغمرُنِي

يغمرُ المَدى

ويلمعُ السّنا

يا مركبَ الرّوح اسْرحْ في رِحاب الحقّ

بلّغْنا شاطئ النّجاةِ

وحَقّقِ الرّضا.

***

بقلمي: جميلة بلطي عطوي - تونس

 

 

حنان عباسيكِدُّوا في الدعاء

عسى ربُّكم يستجِبْ

فالأمر ليسَ بيدِ الأطباء

ولا المخابر ولا العلماء..

اقرؤوا ما تيسَّر من الآيات

ثم الصلاة

وخاصة الصلاة

فالأرض للمصلين بلا فيروسات

والوضوء شفاء

كِدّوا في الدعاء

فربكم وحده السميع

ربكم ليس رب الجميع

هو لكم وحدكم أنزل البلاء

آختبارا للصبر

على القدر والقضاء

حُبًّا في خير الأُممِ

وزع القليل من النِّعمِ

أجزل في المصائب العطاءْ

كِدِّوا في الدعاء

ولا تبالوا بما يشاعُ

عن الوقاية

لستم المعنيين بالعناية

لن تمسسكم يدُ الوباء

يكفي أن تسألوا ربكم الهداية

فيهديكم إلى ما فيه خيركم

و ينأى بكم عن غيركم

انتم المصطفون للنجاة

وحدَكم،

أقيموا في الشوارع الصلاة

عسى البقيةَ تنقرضْ

كي لا كفرة على دينكم تَعترضْ

وتعود لكم وحدكم الولاية

كِدُّوا في الدعاء

علّكم تُنزلون َمن السَماءِ

نبيًّا  أوْ .... دواء ْ.

***

حنان عباسي

 

 

لالة مالكة العلويالمكتبة التي تأويني

أشعلت نيرانها حطب الفراق ..

تخرج من بطونها أحلام ديكارت ونوازع هيجل

ويوطوبيا المتنبي ..

سرعان ما أعود إليها،

من باب خلفي آخر ..

يحذوني الجلال ونثار البوح

وسراب الأحاديث العابرة ..

هل تنقدني السوانح المعفرة برداء الورق الأشعث

من حقن حزنها؟

المكتبة تلك، كانت شجرة النوسطالجيا

مذهبيتي في شباب الثورة والغضب ..

سعة الفكر وهو يجنح إلى يسارية سانحة

أو هي كبريد غامض

 من عزلة، ..

تسعد بأول رسالة حب؟

نار الوجد ..

حدائق الكتابة ..

***

شعر : لالة مالكة العلوي

 

حوا بطواشفي صباح يوم الجمعة الذي دخلتُ فيه إلى غرفته لترتيبها، ككل يوم جمعة، ولمحتُ مفكّرته السّميكة قرب مخدّته، على غير العادة، كنتُ، حقيقةً، في عجلة من أمري كي أنهي أعمال التنظيف في البيت بسرعة قصوى وأذهب للقاء تمارة، صديقتي من الجامعة، في المقهى الذي في مركز المدينة، في موعدنا في العاشرة والنصف. كان مُدهشا حقا أن أكتشف بأن زوجي... يحبّني.

انتابتني الحيرة ولم أعرف ماذا أفعل. لكنني ذهبتُ إلى موعدي مع تمارة كأن شيئا لم يكن. أظن أنني، في تلك الأثناء، وحتى بعد ساعات وأيام، لم أصدّق بنفسي ما اكتشفته في تلك اللحظة. لكنّني أحسستُ بشعور فظيع أمام ذلك الاكتشاف. وبقيتُ لا أكلّمه بأكثر من صباح الخير خلال أسبوع كامل.

لم يقل شيئا إزاء ذلك. لا بدّ أنه أحسّ بحدوث شيء ما، لكنه لم يتدخل كعادته. بل انتظر حتى أكون جاهزة لأخبره بنفسي.

وبعد ظهر يوم الجمعة التالي، عندما جلسنا نشرب القهوة على شرفة غرفته، قلت: «بدي إسألك شي.»

«تفضلي.» قال دون أن ينظر إليّ، وكأنّه لا يبالي بالسؤال الذي سيكسر الصّمت السائد بيننا طوال أسبوع.

سألته بجدّية بالغة: «ليش تجوّزتني؟»

لاحت علامات التعجّب على وجهه. قال: «شو ها السؤال؟»

«وليش ما بدك تجاوب؟»

«لإنك بتعرفي الجواب.»

«لا، ما بعرف الجواب.»

«إسا ما عدتِ تعرفي؟»

«اللي ساويته معي إنت ما حدا بساويه.»

«أنا بساويه وما خصني بحدا.»

«طيب، قل لي ليش؟ ريّحني.»

ردّ حانقا: «لإني أهبل! أوكي؟؟ أنا هيك مرتاح مع حالي. ارتحتِ إسا؟»

لم أجِب بشيء.

أشاح عني بوجهه، أخذ رشفة من فنجانه وحملق في اللاشيء. ثم غاص في حيرته وتدثّر بالصّمت. وبعد دقيقتين، قال متمتما، كأّنه يحدّث نفسه: «يا ريتك ضلّيتِ ساكتة.»

ارتشفتُ من فنجاني ببطء وقلتُ بصوت يشي بالسّر: «أنا بعرف إنك بتحبني. مشان هيك تجوّزتني.»

إلتفت إليّ متفاجئا وجفلت عيناه. لم يرُد بشيء وبقي جامدا في مكانه دقائق طويلة.

ثم قال بنبرة هادئة: «أنا... مصدوم.»

«مصدوم إني بعرف؟»

«لا. إنك قريتِ مفكرتي.»

ابتلعت ريقي، يبلّلني الخجل. «أنا... آسفة.» تمتمتُ. «بعرف إني ما كان لازم إقرا... بس... ما قدرت.»

انغمس في التفكير وقد كست وجهه تكشيرة طيبة وامتقع لونه، ثم قال: «طيب.»

«طيب شو؟»

«إنسي.»

**

 

قصّة زواجنا أنا وماجد غريبة وعجيبة.

لا أدري من أين أبدأ سردها. هل أبدأها من ذلك اللقاء الأول بيننا مصادفة على باب بيت صديقتي سارة؟ أم من ليلة هروبنا لنتزوج خطيفة؟

ربما الأفضل أن أبدأ من ذلك اليوم الأسود الذي لم أعُد من بعده كما كنتُ، ولم تعُد حياتي كما كانت من قبل إلى الأبد. يوم وفاة أبي.

كنتُ حينها في السادسة عشرة من عمري. وردة في عزّ تفتّحها وإشراقها، وكنتُ مدلّلة أبي التي يغار منها الجميع، فقد كان يفخر بي لتفوّقي في الدراسة، وكانت أختي الأكبر مني بسنتين لا تخفي غيرتها مني بسبب ذلك، حتى إخوتي الثلاثة المتزوجين وزوجاتهم لم يخفوا غيرتهم وحقدهم تجاهي. كنت أرى ذلك دائما في نظراتهم. حيث كان أبي رجلا جبّارا وأبا متسلطا وقاسيا تجاههم. فقط معي كان حنونا ورقيقا وكان ذلك يثير أسوأ ما في نفوسهم. لكنني لم أكن أبالي بهم. كنت سعيدة باهتمام أبي واعتزازه بي.

ثم صدمتُ بخبر وفاته، كما فعل الجميع. فقد تعرّض لجلطة دماغية ذات صباح وتوفي بعدها بساعات قليلة في المستشفى. وتغيّر كل شيء رأسًا على عقب.

بين ليلة وضحاها أمسينا أنا وأختي وأمّي وحدنا بلا معيل، ولم يكن مسموحا لنا نحن البنات بالعمل، خاصة أننا من قرية صغيرة ونائية وفرص العمل فيها قليلة. لم يكن لدينا أحدٌ سوى إخوتي الثلاثة المتزوّجين، الذين يملؤهم الحقد وتطغى عليهم القسوة التي كان يعاملهم بها أبي، فلم نملك إلا أن ندعو الله بأن يشملونا برحمتهم ويقدّموا لنا بعض ما تجود به علينا أنفسهم.

تزوّجت أختي بعد عام من وفاة أبي من رجل من قرية أخرى يكبرها بخمسة عشر عاما، مطلّق وله خمسة من الأبناء. وبعدها، تحوّلت الأنظار نحوي، بعد أن أكملتُ دراستي الثانوية. لم يقبل إخوتي أن أكمل تعليمي في الجامعة، رغم أن أبي أراد أن أدرس الطب أو التمريض. لكن إخوتي لم يقتنعوا بضرورة تعليمي ولم يقنعهم شيءٌ غير ذلك مهما حاولتُ، فعرفتُ أن مصيري سيكون كمصير أختي.

ثم ظهر ماجد أمامي كهديّة هبطت إليّ من السّماء الرّحوم، لينقذني من حياة البؤس التي كنتُ أعيش فيها والتعاسة التي كانت تنتظرني وتتأهّب لتنقضّ عليّ وتفترسني، بعد أن كنت قد فقدت الأمل في تحقيق طموحاتي، أوشكتُ على الغرق في بحر أحزاني ولم أعرف مخرجا منه.

كان ماجد صديقا لرامز، أخ سارة، صديقتي المقرّبة التي كنتُ أزورها في بيتها من حين إلى آخر، أشكو لها همّي علّها تخفّف عني قليلا أو تساعدني بشيء.

وذات يوم حين كنتُ في زيارة عندها في البيت سمعتُ طرقاتٍ على الباب، وكانت سارة قد ذهبت لإحضار شيء للضيافة. ففتحت الباب وإذ به واقفٌ أمام الباب ويسأل عن رامز.

وقف هناك جامدا، وعلى وجهه ملامح باهتة لا تعبّر عن شيء. كانت لديه قدرة هائلة على الفتور.

ثم صادفته بعد ذلك عدة مرات في بيت سارة، لكنّنا لم نتبادل أكثر من التحية العابرة، ولم تلُح على وجهه حتى ابتسامة صغيرة تشي بإعجاب مبطّن.

ثم فوجئت به ذات يوم، يتّصل بي على الهاتف، يعرفّني عن نفسه، يعتذر بكل أدب إن كان هناك ثمة إزعاج، وبكل جدّية وبلا مقدمات يعرض عليّ الزواج!

صُدمت. ولم أعرف بماذا أجيب. ثم أخبرني أنه علم بقصتي من خلال رامز ويريد مساعدتي، وعرض عليّ بأن يتزوّجني ويدعني أكمل تعليمي حتى أتخرّج وأجد عملا أعتمد فيه على نفسي ولا أحتاج أحدا من إخوتي، على أن يكون زواجنا صوريا، أي أمام الناس فقط، ونعيش في البيت مثل الأصحاب، وتكون لكل واحد غرفته الخاصة، وبعدها، ننفصل ويذهب كلٌّ منا إلى حال سبيله.

أعرف كم غريبا كان هذا الأمر، كل شيءٍ في ماجد كان غريبا، كما اكتشفتُ لاحقا، لكن، ماذا كان بوسعي أن أفعل؟ لم أملك خيارا آخر كي أنفذ من مصيري المحتوم، ولكن أهلي وأهله لم يوافقوا على زواجنا، فعرض عليّ ما هو أغرب من ذلك. سنهرب ونتزوّج خطيفة!

**

كان ماجد يكبرني بسبع سنوات، أو يزيد قليلا، درس الحقوق في خارج البلاد، ثم عاد وفتح مكتبه الخاص في المدينة، مملوءًا بالحماس ومفعمًا بالأمل.

كان شابا ليس بالطويل ولا بالقصير، وجهه ناعم، وقور، ذو ملامح جامدة، لا يغيّرها أبدا. حركاته محسوبة بدقّة. له عينان عسليّتان، فاترتان، ذات نظرةٍ حادّة تنمّ عن الذكاء، يعلوهما جبينٌ عالٍ، ويحيط به شعرٌ أسود خفيف، وله شفتان دقيقتان، مضمومتان، لا تبتسمان إلا نادرا، ولا تتكلمان إلا قليلا.

كان الابن الوحيد لعائلته الثرية التي سكنت في قرية ليست بعيدة عن قريتي، تعرّف على رامز منذ أيام المدرسة وحافظ على صداقته معه حتى بعد عودته من خارج البلاد، وحتى بعد زواجنا وانقطاعنا عن أهالينا.

كان قد اكتسب بعض القيم الغربية خلال دراسته خارج البلاد واحتكاكه بالثقافة الغربية، خاصة بما يتعلّق بمفهوم الحرّية، ولكن، الحرية ليس كما يفهمها الكثيرون من الرجال، بحيث يحلّلونها لأنفسهم ويحرّمونها على غيرهم، خاصة على نسائهم؛ زوجاتهم وأخواتهم، بل الحرية في الاختيار وفق إرادته هو وليس إرادة الآخرين… حتى أهله.

تمرّد ماجد على أهله عندما رفضوا زواجنا، فرفض الخضوع لإرادتهم والإذعان لأوامرهم.  قال: «إنهم أهلي، وأنا أحبّهم وأحترمهم، لكن، ليس من حقهم فرض إرادتهم عليّ ولا التحكّم بقراراتي. هذه حياتي ولي حرية الاختيار.»

وهكذا، تنازل عن كلّ شيء، وألقى بنفسه في غياهب العزلة، وفضّل أن يمتلك حرية الإرادة، رغم أن والده هدّده بحرمانه من الميراث، لكن ذلك لم يهزّ فيه شيئًا ولم يغيّر من عزيمته، بل تصرّف وفق معتقداته وقيمه التي يؤمن بها.

هربنا إلى المدينة، بعيدًا عن أهلي وأهله، لنبدأ صفحة جديدة من حياتنا معا كزوج، ولكن... ليس ككل الأزواج.

كان ينام في غرفة أخرى ولم يحاول الاقتراب مني ولا مرة. عشنا في بيت واحد كالأصحاب. أكملتُ دراستي الجامعية وهو اشتغل في المحاماة وأنفق على دراستي وعلى البيت، وكنا نأكل ونشرب معا، نخرج الى السينما والمسرح، ونقضي وقتا طيبا، ثم نعود ويدخل كل واحد إلى غرفته ويغلق الباب على نفسه. لم نخبر أحدا بطبيعة زواجنا الغريب. حتى تمارة لم أخبرها بشيء، إلا بعد تخرّجي واقتراب النهاية.

بعد فترة من زواجنا، وبعد أن اطمأنّ قلبي لوضعي الجديد وارتاحت نفسي لماجد، بدأت تراودني الأسئلة: لماذا فعل كل ذلك؟ لماذا ضحّى بعائلته وبكل شيء من أجل زواجٍ صوريّ كهذا؟ من أجل بنت لا تستحقّه؟

وبدأت أحسّ أنني ظلمته حين قبلتُ هذا الزواج وكل ما فعله من أجلي. بتُّ أرى نفسي أنانية لأني لم أفكّر بغير نفسي. أردتُ فقط أن ينقذني من بؤسي وانكساري ويخلّصني من قسوة إخوتي وتعاسة حياتي.

صرتُ أكره نفسي وأحسّ أنني لا أستحقّ كل ما فعله من أجلي، وأفكر أنه إذا كان قد تزوّج مثل الجميع كانت له الآن زوجة يحبّها وتحبّه وأولاد وبنات يحبّهم ويحبّونه. إنه يستحق ذلك. يستحق أكثر من ذلك.

كنتُ أراه أحيانا يجلس جنب مكتبه الذي في غرفته، يكتب في مفكرته، وحين سألته ذات يوم ماذا يكتب؟ أجاب بلا اكتراث: «لا شيء مهم.» وأغلق المفكرة.

تعجّبتُ لِم أغلقها بهذه الطريقة، وكأنه خائف من شيء ما. لكني لم أعِر ذلك اهتماما أكثر وكدتُ أنسى الأمر، إلى ذلك اليوم الذي رأيتها فيه على سريره، جنب مخدّته… وقرأتها.

**

«ليش؟؟» سألته بعد ظهر ذلك اليوم، على شرفة غرفته، مندهشة لطلبه بأن أنسى ما قرأته في المفكرة.

ردّ بعد تفكير: «عشان تعيشي حياتك متل ما بدك. »

«طيب وانت؟»

«أنا شو؟»

«إنت عايش حياتك متل ما بدك؟»

«ليش إنت شو شايفة؟»

«أنا شايفة إنك عم بتضحّي بكل شي مشان وحدة ما بتستحقك.»

«لا، إنت غلطانة. أنا ما ضحّيت بشي مشانك. أنا كل شي عملته كان مشاني أنا وبإرادتي.»

«مش ندمان؟»

«ليش لأندم؟»

«يعني إنت رضيان هيك عن حياتك؟»

أطلق زفرة طويلة، وقال: «إذا بقلك إيه ما بكون صادق. أكيد كنت بتمنى لنفسي أكتر من هيك. بس مش كل شي نتمناه في الحياة منقدر نوصل له. أنا ما بقدر أفرض عليك شي، خاصة المشاعر، ما منقدر نفرضها على حدا. أنا ساعدتك، لإني حبّيتك وتعاطفت معك. ما قدرت شوف كرامتك عم تنهان بها الطريقة. حبّيت ساعدك. بس إنت مش مجبورة فيّ بشي ومش مجبورة ترجعّي لي شي. تقدري تعيشي حياتك متل ما إنتِ بدك. متل ما أنا اخترت إنو عيش حياتي متل ما أنا بدي.»

سنوات مرّت منذ ذلك الوقت. أنهيتُ دراستي بتفوّق، بدأتُ العمل وأكملتُ دراساتي العليا في الجامعة. تعلّمتُ الكثير خلال دراستي حتى أصبحتُ محاضِرة جامعية أعلّم الأجيال وأربّي العقول، لكن ماجد علّمني أهمّ درس في الحياة، أن حياتنا لا تساوي شيئا بلا حرّيتنا في الاختيار، لأن الحرية هي الكرامة وهي الوحيدة الكفيلة بإرضاء الذات.

***

قصة من الحياة

حوا بطواش

 

سلوى فرحلحظــةٌ....

تنهَّدَ الصّمتُ على نَحرِها

تنفسَ تاريخُ الشَّوقْ

خَفْقَاً  حَائراً.

تَدَفَق  بين رَاحتيَّـها

أينَ يَصُب........؟

**

عبقُ قِيثارةٍ يَرْتَبِكُ كطفلة

ينتظر الحلم

لا تَسَلنِي ما وراءَ الجُنون

سَتَتَلاشى  الموسيقى

تَغريدٌ لا يُشبهُ البَلابل

عشقٌ لا يشبهُ العِشقَ

لحن الخلود يَستَعير أوتارِي

**

تَقطِرُ رَوحِي قِيثارةُ البَنَفسَج

أتَأرْجَحُ  بين أجنِحَةِ غيمةٍ

بانتِظارِ اِكتِمالِ القَمَر

وبُــزوغِ أُسطورةِ ربيــعٍ قــادِمٍ

الأُقحُــوان يَعشــقُ الأَســاطِيْر

***

سلوى فرح - كندا

 

 

حميد الموسويطوبى لنهجك يا يسوع..

نهج ٌ تشرّب بالسماحةِ

 بالمحبة.. بالهدى.

نهجٌ تعفّر بالطيوب..

وانرت دربه بالشموع 

القٌ سقيته بالدما..

سِفْرٌ حميته بالضلوع

دامٍ طريقك يا يسوعْ..

وجعٌ تدّثّر بالندى..

عمرٌ ترصَّع بالجراح..

قاسٍ.. مشيت خطاهُ

لا سهما حملتَ ولا رماحا..لاسيوف ولا دروع

المٌ طريقك يا يسوعْ

وتراب جلجلة الطغاة

عطرٌ تصاعد من سنا نعليك

واحتضن الجموعْ

وعيون مريم بينهم

ثكلى.. دوامعَ

ترقبُ الحدثَ المريعْ

صبرا..

وجبريلٌ يكفكف دمعها.. ويسّرها:

لا تجزعي.. فاديكِ صاغ النور

معراجا تدلّى

بين عرش الله والشعب المكّبل بالخنوعْ

فاديك ِ راعٍ مشفق ٌ

يحنو على الحمل الوديعْ

كفّاه زيتا فاضتا.. خصباً

جمالا  واخضرارا للزروعْ 

وعرٌ مسارك يا يسوع 

اكليلك الشوكيُّ اجنحةً.. قناديلٌ 

وازهارً  تضوعْ

ورداؤك المسلوب صاريةً واشرعة

تلوحْ

لسفينة الانصار تنتظر القلوعْ

ناحت مسامير الصليب

 جزعاً

 واهطلت الدموع ْ

ضجة ملائكة السما

 عصفت بموجات البحار..

اْهتزَّحتى الموت مّسّكَ في خشوعْ

ثاوٍ على قدميك روحُ القدس يلثم نزفها

يستغفر الله الشفيع

والشمس اغلقت الستائر

اظلم الكون البديع

وارتجّت ْ اركان الكواكبِ

..امحل.. اسود َّ الربيع ْ

فأطل وجهك باهياً.. حلو الطلوع ْ

من عند عرش الله ارسلتَ المحبةَ

والسلام على الربوع :

المجدُ.. كل المجد للرب العظيم..

ومحبة الرحماء بين الناس

والخُلُق الرفيع ..

والارض يغمرها السلام

وتظل خضراء الربوع ْ

***

حميد الموسوي

 

تواتيت نصر الدينعندما أحادثك تتسرب أبهى الكلمات من حديثي إليك

فأقول : أحبّك

وعندما أنظر إلى تقاسيم وجهك الجميل تتراقص

ومضات المحبّة بأحداقي

فتقول عيوني : أحبّك

وعندما ينبض قلبي ويفيض بلغة العشق

يقول : أحبّك

وعندما تتشكل سحب الأشواق بكياني تمطر

بكلمة أحبّك قتسقي ظمأ اللوعة والحنين

فكلمة أحبك يا سيدتي تلبس مشاعري كل ألوان

الفرح البهيج

فما أسعدني عندما أقولها وأنت قريبة مني متربعة

على عرش أحلامي وسعادتي

ذكرها يا سيدتي عطر ينعش أنفاسي

ونسيم يشرح صدري ويداعب إحساسي

كلمة لا أريدها أن تغيب من قاموس لغتي الحالمة

لأقولها لك في كل وقت...

وفي كل حين

فهي شهقة تصعد من حنايا الرّوح

ولهفة تهزني طربا إليك

ونشوة تعانق روحي في فضاء حبك

الذي آمنت بكل معانيه السامية التي لاتزيدني

إلاّ وهجا من الصبابة ونرجسية لا مثيل لها

عندما أقول : (أ ح ب ك)

***

بقلم : تواتيت نصرالدين - الجزائر

 

رائدة جرجيسهذا الحبُ سندان يطرق  المشاعر

قتنسقل نقاءً ببخل القبلات

شحيح العناق

وجوه مقنعة

البيت صومعة ورنين الهاتف خوف

امكث ياحبيبي فالبيت محراب والعالم الافتراضي وصلٌ

حبيبي انت.. يا ابي

ياامي

يا اخي واختي

ياولدي 

ياصديقي ياصديقاتي 

حبيبي انت ياحبيبي

حياتك بالبُعد لا يكيلها ميزان

الصبر بوابة  الفرج

الاستغفارُ اسيد

يحرقٌ الذنوب

كن بالبيت وتسلى

بالذكر الكريم

 بالذكريات

بالاصوات بعطر اللحظات والامل

فالغدُ  بنا أحياءَ أصحاءَ أجمل

***

رائدة جرجيس

 

 

حسين حسن التلسينيبحدائقِ الحُبِّ

بألوانها الزاهية

لنمدَّ الجسور

بين شجرةٍ وأخرى

لنزرع بينها

وبين جاراتها

نبضات هذه الحدائق

وخفقاتها

لنجعلها تتصافح

كما النجوم تتصافح

بأقواس الشهاب

**

إنْ بكى الثمرُ يوماً

أوسقط

فاعلم انَّ ذلك لسببين

وربما أكثر

ربما يشكو من غرابة قاطفهِ

فتراهُ يسقط

لايودُّ الوقوع في قبضتهِ 

أوربما أوحشهُ بُعْد صاحبهِ

بكفَّيهِ النَّديَّتين

فتراهُ يبكي

أويسقط

بعيداً عن قبضةِ قاطفهِ

***

حسين حسن التلسيني

العراق / الموصل  (9/ 9 / 1987)

 

نجية جنةتشتعل الخضراء جمرة

تنسحب الأمواج عارية من ظلالها

ولجّة العتمة

تختصر الليل الغريب

يتناسل الفراغ

مبثورا

ضحكته صفراء

ينسحب الغسق ثائرا

تسبقه آهاته الملهوفة

ضوء الغرفة الصغيرة

لم ينطفئ بعد

جنونا  تارة،

ضجرا، غيظا...

تارة أخرى

 حبا، رضا...

قد يسع هذا العالم المشين

ينسكب من شفاه جمرة

***

نجية جنة

 

 

نادية المحمداويكان الصباحُ عهدا جديد.

وخطوا من النورِ

يسبقُ خطوي

وكنتَ اراكَ شعاعا يطير.

ويعلو إلى الغيبِ

فجرا بروحي 

حتى المطباتُ

التي الفتُها قديماً

حين اذكرُ اسمكَ

تغدو سلامْ.

***

نادية المحمداوي

 

خلود الحسناويعندما يُختزل الفرح في بستان ورد ..

وينبت ُ العشب بين قدميكِ

وخيوط الشمس تداعب مقلتيك ِ..

والعصافير على شرفتك ِ

تردد أغنيات الوطن ..

مجروحة الأجنحة ..

بعد ان أصبح الصباح ..

وصُلِب الياسمين

والتوليب،

لاح في الثرى ..

سفك دم المساكين ..

مضت تلك العصافير ..

لأن وطني صار نحيلا ً

ولاعش على أغصانه،

انتهى الوقت،

سماؤه صارت كلون قوس فرح ..

كفى ..

طُرد  الوحش ..

افرحي وغادري هذا الرماد ..

وارفعي طرف ثوبك الزهري

وأجمعي بعض زهرة التوليب بسلتك ِ  ..

فهي تواسي غربتي دوما ً،

أعشقها،

ترسم بألوانها لوحات حب جميلة

زيّني  بها مائدتك ِالمستديرة ..

استعدي لحفل الانتصار ..

خذي من رمل الشواطئ بين كفيك ِ..

وبعض سعف نخيله،

لاتهربي ..

ارسمي بكل ذلك،

وجها للياسمين ..

وليمر العابرون  في الحي القديم

كأسراب الطيور ..

اذا ما مات الوطن ..

فلن يحيه،

الّا حب اولاده ِ ..

وان شاخوا

وتساقطوا كأوراق الخريف ..

سيزهر الحقل  من جديد،

يتحدى الغضب

وسواد الليالي،

ورماد النار،

وينهض من قيده،

ممتشقا  ً النجوم ..

حراً طليقا ً

يعشق الاطيار ..

تورق شفتاه من جديد .

ويدوّن كل تلك َ الذكريات

في دفتر من طين . .

لتختفي حروفه ..

 عندما يهطل مطر الكبرياء

***

 خلود الحسناوي - بغداد

 

صحيفة المثقففي تلك المحافظة التي اسكنها الاوربية - الاسيوية  كنت أقف بإنتظار دوري في الأيدو أمام شباك التذاكر لأشتري بطاقة سفر بالعبارة إلى محافظة تبعد مايقرب ساعة ونصف، كان يقف أمامي سيد تبدو عليه أمارات الوقار والهيبة برغم ما تركه عليه الزمن من آثار أصابت جمال مظهره بمقتل، كان  يحول بيني وبين شباك التذاكر وطال حديثه مع الموظفة المسؤولة عن قطع التذاكرحتى قالت له أخيرا "الناس ينتظرون من خلفك، أرجوكِ تنحى جانباً سيدي !".

تراجع  الرجل خطوة واحدة فاسحا أمامي المجال وقبل أن أقطع تذكرتي سألت الموظفة عن المشكلة  فقالت إن الرجل معه ثمن بطاقة السفر وليس معه ليرة واحدة قيمة بطاقة دخول العبارة ويريد أن يقطع تذكرته بالدولار وهذا ممنوع !

قلتُ لها هذه  40 ليرة وأعطه التذكرة، فسحت للرجل مجالا ليعود إلى دوره بعد أن نادته الموظفة مجددا.

قطع السيد تذكرته وتنحى جانباً وكأنه ينتظرني فأعتقدت جازمة  أنه يريد أن يشكرني إلا أنه لم يفعل ذلك بل انتظرني ليتاكد قطع  تذكرتي وتوجهي إلى العبارة لركوبها

وقال لي بصيغة الأمر "احملي لي هذه... مشيرا إلى حقيبته!"

كان الأمر غريباً جداً بالنسبة لي، شعرت بالانزعاج  الا اني آثرت الصمت، قطعا ان  الناس الذين يتعاملون مع الاخرين بلباقة ليس لهم مثيل، الا ان تعامل هذا السيد معي بهذه الطريقة  كان ابعد ما يكون عن اللياقة، حملت حقيبته من دون تفكير وتوجهنا سوية إلى العبارة ليجلس كل منا في مقعده  المحدد، كنت احب الجلوس الى جانب النافذة ومن الطبيعي ان يكون مقعدي بجانب الرجل لأنه كان قبلي في الدور، حاولت أن أجلس قرب النافذة لأستمتع بمنظر البحر وامواجه وامتع ناظري برؤية الدلافين، إنه عالم آخر ترى من خلاله بديع  صنع الله وقدرته سبحانه، الا ان  السيد منعني من الجلوس بجانب النافذة ليجلس هو بالقرب منها من دون أن ينطق بكلمة واحدة، رحتُ أنظر أمامي متغافلة عن ماجرى  إلى أني لمحته ينظر في وجهي ويحدق فيه فطالت التفاتته نحوي من دون أن ينطق بكلمة وأنا أنظر أمامي متجاهلة نظراته  حتى بدأت أتضايق  تارة وأقلق اخرى من تلك النظرات والتي وان كنت لا أراها الا انني أشعر  بها كيف تأكلني فالتفتُ إليه عندها تبسم  قائلا " كنت أختبر مدى صبرك وتحملك " .

- صبري على ماذا  سيدي؟

- على قلة ذوقي، أعرفُ تماماً بماذا كنت تفكرين !

-  لا أظنك تعرف سيدي بماذا كنت أفكر وليس مهماً أن تعرف !

فاجابني بكل تحد وثقة، حسناً سأقول لك لاحقا لكن بالي مشغولٌ الآن بكيفية رد الدين اليك !

قلت له  الأمر لا يستحق، لا تشغل بالك فهو مبلغ لايستحق سيدي!

قال عندي حاجة سأبيعها لك الآن وسأرد لك الاربعين ليرة فهل ستشترينها أم أعرضها على غيرك ؟

-  وهل تريد  مني أن أشتريها قبل أن أعرف ما هي سيدي؟

-  إنها حكمة، أعطني عشرة ليرات لأبيعك إياها !

-  وهل ستعيد لي ليراتي إن لم تعجبني الحكمة ؟

- لا فالكلام وبعد أن تسمعينه لن تتخلي عنه ولايمكنني حينئذ استرجاعه، ثم إن  العشر ليرات  تلزمني لأنني أريد أن أرد بها ديني!

أخرجتُ له عشر ليرات من حقيبتي ودسستها بيده وأنا أنظر إلى تضاريس وجهه

وما زالت عيناه تلمعان كبريق عيني شاب في مقتبل العمر، نظرات عينيه تشي بذكاء ثعلبي، مظهره يدل على أنه سيد متعلم الا انني  لن أسأله عن شيء وأنا على يقين بأنه سيحدثني عن نفسه فرحلتنا ما زالت في بدايتها، أغلق يده على العشر ليرات التي فرح بها كما يفرح الأطفال عندما نعطيهم قطعة من الحلوى او النقود.

وقال أنا الآن متقاعد كنت أعمل استاذا جامعيا جئت من محافظتي لأرافق أحد اصدقائي إلى الجامعة التي كنت اعمل بها وأنفقتُ كل ما كان معي وتركتُ ما يكفيني للعودة إلا أن سائق التاكسي أحرجني وأخذ مني ماتبقى من ليرات فقلت في نفسي سأشتري بالدولار التذكرة ونسيت  أن ذلك ممنوعا.

أحببتُ أن أشكرك بطريقة أخرى بعدما رأيت شهامتك حين دفعت عني دون أن أطلب منك فالموضوع ليس مادياً، ستقولين لي بأن المبلغ بسيط  وأقول لك أنت سارعت بفعل الخير دون تفكير.

قاطعت الرجل مبتسمة كنت متوقعة بأنك ستحكي لي قصة حياتك لكن أين هي الحكمة

قال: فقط دقيقة تمهلي سيدتي !

قلت: سأنتظر فقط دقيقة .

قال: لا لا لا تنتظري ..هذه هي الحكمة .

قلت: لم افهم شيئاً سيدي.

قال: لعلك تعتقدين أنك تعرضت لعملية احتيال  اليس كذلك؟ !

قلت: ربما .

قال: سأشرح لك الحكمة هي فقط دقيقة

لا تنسي هذه الكلمة أبداً  في كل أمر تريدين أن تتخذي فيه قراراً عند التفكر في أي مسأله في الحياة  وعندما تصلي  إلى لحظة اتخاذ القرار أعطِ نفسك فقط دقيقه.,دقيقة واحده إضافية، 60 ثانية لاغير .

هل تعلمين كم من المعلومات يستطيع دماغ الانسان أن يعالجها خلال ستين ثانية،

في هذه الدقيقة التي ستمنحيها لنفسك قبل إتخاذ قرارك قد تتغير أمور كثيرة ولكن بشرط واحد !

قلت له متلهفه وما هو الشرط ؟

قال: أن تجردي نفسك من كل الرغبات وتودعي في داخل دماغك وفي صميم قلبك جميع القيم الإنسانية والأخلاقية والرحمة دفعة واحدة دون تحيز لجهة.

فمثلاً إن كنت قد قررت بأنك صاحبة حق وأن الآخر قد ظلمك فخلال هذه الدقيقة وعندما تتجردي عن نوازع نفسك ربما تكتشفين بأن الطرف الآخر لديه حق أيضاً كما لك أو جزء من هذا الحق وعندها قد تغيري قرارك تجاهه .

إن كنت نويت أن تعاقبي شخصاً ما فإنك خلال هذه الدقيقة بإمكانك أن تجدي له عذراً فتخففي عنه العقوبة أو تمتنعي عن معاقبته وتسامحينه نهائياً.

دقيقة واحدة بإمكانها أن تجعلك تعدلي عن اتخاذ خطوة مصيرية في حياتك لطالما اعتقدت أنها هي الخطوة السليمة في حين أنها قد تكون كارثية .

دقيقة واحدة ربما تجعلك أكثر تمسكاً بإنسانيتك ورحمتك وأكثر بعداً عن أهوائك وغرورك ..

دقيقة واحدة قد تغير مجرى حياتك وحياة غيرك  !

وإن كنت من المسؤولين فإنها قد تغير مجرى حياة مجموعة كاملة من البشر.

فقلت له صحيح  وأنا قبلتُ برحابة صدر هذه الصفقة وحلال عليك سيدي العشر ليرات

بسط يده وقال تفضلي أنا الآن أردُ لك  الدين وأعيد لك ما دفعته عني عند شباك التذاكر والآن أشكرك كل الشكر على ما فعلته لأجلي.

أعطاني الليرات وهو يبتسم في وجهي واستغرقت ابتسامتي أكثر من دقيقة حينها تاهت الكلمات من شفتي لأنتبه إلى نفسي وهو ينحني برأسه ليعبر عن شكره لي  قائلا هل تعلمين أنه كان بالإمكان أن أنتظر ساعات دون حل لمشكلتي فالآخرين لم يكونوا على علم  بمشكلتي وأنا ما كنتُ لأستطيع أن أطلب الليرات من أحد!

قلت له: حسنا وماذا ستبيعيني لو أعطيتك مئة ليرة او اكثر

قال: سأعتبره مهراً  لك واتمنى ان تقبلي بي زوجاً

تعالت  ضحكاتنا في العبارة وطلب مني هاتفي لأن الرصيد الذي في هاتفه نفذ لكي يتصل بابنه وأنا أقول له  فقط دقيقة .. فقط دقيقة

لم أتوقع أن الزمن سيمضي بنا بسرعة. حتى إنني شعرت ببعض الحزن عندما غادرنا  العبارة وعند وصولنا ايدو المحافظة التي نقصدها والمكان الذي ننشده، المفاجأة أنني وبعد مغادرته الايدو بنصف ساعة تقريباً تسلمت رسالتين على جوالي الأولى تفيد بأن هناك من دفع لي رصيداً بمبلغ يزيد عن200 ليرة والثانية منها يقول فيها  كان عندي رصيد في هاتفي سيدتي لكنني احتلت عليك لأعرف رقم هاتفك فأجزيكَ على حسن فعلتك.. إن شئت احتفظي برقمي وإن زرت محافظتي فاعلم بأن لك فيها صديق سيستقبلك فرددت عليه برسالة قلت فيها عندما نظرت إلى عينيك خطر ببالي أنها عيون ثعلبية لكنني لم أجرؤ أن أقولها لك أتمنى أن تجمعنا الأيام ثانية أشكرك على الحكمة واعلم بأنني سأبيعها لآخرين بمبلغ أكبر بكثير.

فقط دقيقة،  هذه حكايتي مع ذاك الرجل الغريب  فيها حكمة تعلمتها فمن يقبلها مني في زمن نهدر فيه الكثير من الساعات من دون فائدة ...؟!

 

ذكرى البياتي

 

حوا بطواشاليوم سألتني: "أتحبينني؟"

منذ مدة لم نلتقِ. اعتذرتُ كلّ مرة طلبتَ فيها أن نلتقي وشكوتَ لي شوقك وحرقتك.

قلتُ لك إنني مشغولة.

لكن سؤالك اليوم باغتني. انغمستُ في التفكير.

ثم قلتُ: "أحبّك اليوم... الآن... في هذه اللحظة."

"وغدًا؟؟" طلبتَ أن تعرف.

فأجبتُك: "لا أعرف غدًا ما يخبّئ لي. ربما أبقى أحبّك، وربما... أحبّ غيرك."

رأيتُ بريق الدّهشة ينطلق من عينيك ممزوجًا بشيءٍ يشبه الغضب.

لا شكّ أن كلامي قد جرحك، وربما قهرك وأغضبك.

لكن، لا يا صديقي. يا من أحبّك اليوم، لا تحسّ بالجرح أو الإهانة، فأنا لا أقصد جرحك ولا أطيق غضبك.

لكنّه هو الحبّ شعور قد لا يدوم، فهو يتعلق بالزمان والمكان والحالة التي يمرّ بها الإنسان.

هناك لحظاتٌ أحبّك فيها وأتوق إلى لقياك، وهناك لحظاتٌ أحبّ فيها الانفراد وأتوق إلى البكاء.

فلا تحزن ولا تغضب.

أحبّك اليوم، وهذا هو المهم.

دعنا نعيش اللحظة ولا نفكّر غدًا ما سيكون.

***

حوا بطواش - كفر كما