 تنوير وإصلاح

قضايا التنوير (2-1)

adnan oayeedالقرن السابع عشر: حاول "ديكارت" في القرن السابع عشر René Descartes كمدرس، استخدام العقل لدعم إيمانه، ولكن بكثير من القسوة في هذه المرة، حيث جرب أن يضع نفسه داخل غرفة فارغة مع قليل من الأفكار المجردة التي حاول من خلالها التأكد من صحة ودور مقولة: (أنا أفكر إذن أنا موجود)، في تحدي لسلطة الكنيسة، بيد أن عمله هذا دفعه لارتكاب الكثير من الأخطاء المنطقية، الأمر الذي جعل الكثير من أتباعه أو طلابه يبتعدون عنه ويعملون على تفكيك إنجازاته الفكرية، وبالتالي تحدي فكرته الأساس التي بدأ بها وإبطالها .

إن تاريخ الفلسفة منذ عهد  René Descartes ديكات، حتى بداية القرن العشرين، هو التاريخ الذي أخذ فيه المنطق يتسع ويتحسن أكثر فأكثر، حتى نجح  Ludwig Wittgenstein لودويج ويدتجنستين  في إضعاف أسس الفلسفة نفسها. وعلى اعتبار أن تاريخ الفلسفة وفق هذا التصور قد مر بمراحل متعددة، لذلك، فنحن هنا سنهتم في المراحل المبكرة التي أخذ فيها المنطق يتقدم، ويكون سبيلا إلى الحقيقة، أي حقيقة المنطق الوحيد الذي يمكن أن يستخدم لتحدي كل أنواع الأفكار الأخرى غير المعقولة او العقلانية، أو ما تسمى بالأفكارالسخيفة، والتي أكد مفكرو التنوير كثيرا على محاربتها بوسيلة (العقل) القائم على الإحساس المشترك، والمراقبة، والمعرفة المنحازة إلى مبدئي الشك والحرية معا .

راح القرن السابع عشر يُمزق في الحقيقة بسبب الحروب الدينية والسيطرة الامبريالية، مثلما  راح الانتباه يُركز بشدة على التفكير الهزيل الذي أخذ ينتقل من مناطق أخرى سيطر عليها الجمود والتعصب .. فالكاثوليك والبروتستانت دخلا في صراع، وأخذ كل تيار منهما يتهم الآخر بأنه يتبع الشيطان.. والناس ادخلوا السجون بسبب اعتناقهم هذا المذهب أو ذاك، أو حتى بسبب رفضهم أي مذهب من المذهبين المتصارعين.. كما أن كل المطبوعات، كراريس كانت أم كتب أم مجلدات، بل وحتى الكتب المدرسية راحت تخضع للمراقبة المسبقة من قبل الكنيسة والدولة معا،  حيث كانا في الغالب كلاهما - الكنيسة والدولة – يعملان يد بيد ضد هذه التحولات الجديدة التي أخذت تهدد معاقلهما.. أما العبودية فكثيرا ما كان يدافع عنها من قبل رجال الدين ذاتهم، في الوقت الذي كان فيه استبداد الملوك من الناحية العملية أشد قسوة في هذا القرن من أية مرحلة من مراحل العصور الوسطى، هذا الاستبداد الذي دُعم وبشدة من قبل العقائد ورجال الدين تحت ذريعة (الحق الإلهي المقدس)، الذي اتكأ مؤيدوه على الكثير من المقتبسات الإنجيلية التي تقر بأن أية ثورة كانت، هي مكروهة من قبل (الله)، وكذلك المتحدثون عن الفتنة، أو المحتقرون للدين فكان عقابهم السجن مباشرة، بل غالبا ما يكون الإعدام ذاته، أما المنظمات التي تحاول تحدي السلطتين (الزمنية والدينية)، فكانت بدورها تُحارب، أو تُمنع عن ممارسة نشاطها. لقد كانت هناك في الحقيقة مساحة واسعة من التعصب والجمود استطاعا أن يصولا ويجولا عبر العصور الوسطى، غير أنه من الطرافة بمكان الإشارة هنا إلى أنه مع ظهور الدولة الحديثة،  راح الاستبداد يأخذ أبعادا أكثر فعالية وقوة مما كان عله في القرن السابع عشر ذاته .

بيد أن مسألة الاستبداد والاضطهاد والحروب تحت اسم الحقيقة المطلقة، هي مسألة  سيبدأ العديد من الأوربيين آجلا أم عاجلا الملل منها حتما، بالرغم من أن البروتستانتية قد أخذت كما قلنا تسلط انتقاداتها الحادة للكاثوليكية، ثم راح كلا المذهبين بسرعة أيضاً يسلطا بنادقهما تجاه بعضهما بعضا، منتجين عبر هذا الصراع مجموعة مبدعة ومذهلة من الكنائس التي شكلت كل واحدة منها ممرا خاصا بها للعبودية. ووفقا لهذه المعطيات، كان تقاذف الشعب ما بين معتقد إيماني وآخر، أمرا طبيعيا، بحيث أخذ المرء يتساءل مستغربا، أي من الكنائس تستحق السلطة التي تدعيها؟، كما راحت جائزة الشك تُمنح لـ (حقيقة) كل من (لوفر وكالفن) معا .

على العموم، بدأت توجد سلطات عدة فعالة تنشط داخل أوربا، أهم واحدة منها هي القوة الاقتصادية، (الطبقة البرجوازي الوليدة- المترجم) التي تداخلت بشكل فاعل وعظيم مع ميول الشك والتنوير تجاه الحقيقة المطلقة والعقائد الجامدة .

 

الخلفية الاقتصادية والسياسية للتنوير:

مع أواخر العصور الوسطى، أخذ الفلاحون بالتحرك من القرى إلى المدن بحثا عن فسحة أوسع لحريتهم وازدهارهم، ومع تحسن التجارة والمواصلات في عصر النهضة،  بدأ سكان المدن العاديين يتأكدون من أن مسائل الحرية والازدهار لم تعد تحتاج دائما إلى استمرار الجهود نفسها التي كانت قد بذلت من أجلها في القرون السابقة، فهناك دساتير جديدة يمكن كتابتها، وحكومات جديدة شُكلت، وقوانين جديدة شُرعت، وأعمال جديدة بدأت تنطلق، إضافة إلى ذلك كل المؤسسات تغيرت وراحت بسرعة تعمل على تأسيس قوتها المناسبة لروح هذه المتغيرات، فضغط التغيير استمر في الارتفاع، وهذه الاستمرارية في الارتفاع لم يكن سببها مرتبطاً بالنماذج الثقافية التي أثرت في الأوربيين فحسب، بل وبالثروة التي راحت تتدفق الآن من أسيا وأمريكا، حيث قذفت بطبقة جديدة من التجار إلى ساحة الشهرة بدلاً من الارستقراطية القديمة التي تجسدت قوتها في ملكيتها للأرض .

نعم .. لقد حاز هؤلاء التجار على أفكار جديدة عن نوعية العالم الذي يريدون العيش فيه، وأصبحوا الوكلاء الحقيقيين للتغيير في مجمل قضايا المجتمع الفنية والسياسية والاقتصادية ... الخ. لقد كانت هذه الطبقة التجارية الجديدة واثقة بأن إيراداتها أو أرباحها كانت نتاج جهودها الفردية وعملها القاسي، وأن هذه الأرباح لا تشبه الثروة التقليدية للإقطاع التي تتحقق عن طريق الوراثة للأرستقراطيين التقليديين. وهذه الرؤية الفكرية للطبقة التجارية ساعدت كثيرا على تأكيد النزعة (الفردانية)  في عصر النهضة من قبل الفنانين، وبشكل خاص من قبل الفنانين البصريين (الرسم والنحت)، لقد أصبحت الفردانية جوهر القيم، كما أن قابلية الجهد الفردي لتحويل العالم، أصبحت العقيدة الأساس للأوربيين منذ ذلك التاريخ حتى يومنا هذا .

بيد أن العقبات الرئيسة في إعادة تشكيل حياة الأوربيين من قبل طبقة التجار، كانت هي نفسها العقبات التي واجهت الفلاسفة العقلانيين، وهي الأنظمة الملكية المطلقة السلطة، والكنائس العقائدية، هذا إضافة إلى وجود الكثير من القيم الأخرى التي كانت تستحوذ على كل مشترك في هذا النضال، لذلك كان النضال تجاه التغيير معقدا جدا، ومع ذلك كان الميل الكبير للتغيير واضحا جدا باتجاه تحقيق الفردانية والحرية، ومحاربة السلطة القمعية والتقاليد .

أمام هذه المعطيات، استمر الدين قائما، ولكن بشكل ضعيف، وغالبا ما انتقل إلى ما وراء الإدراك أو المعرفة، أي لم يعد المحرك المباشر لقضايا المجتمع، والمسيطر على وعى المجتمع وإدراك أفراده بشكل مباشر، هذا في الوقت الذي راحت تتضاءل فيه سلطات  النظام الملكي بشكل تدريجي حتى فترة تجاوزت المئة عام، ثم بعد ذلك، أي مع منتصف القرن الثامن عشر، بدأت ظلال شكله القديم تشحب لتعلن انطلاقة أو تأسيس أرضية تنوير القرن الثامن عشر، حيث أخذ الأوربيون يتغيرون بالفعل بالرغم من أن الكنيسة نددت بذلك التغيير، واعتبرت من سار في رحابه ملعونا وخارج نطاق الحقيقة، هذا في الوقت الذي بدأ  يتضح فيه أيضا لأي رجل عقلاني وذي دراية بأمور الحياة، بأن معظم الناس الموجودين على الأرض لم يكونوا ولم يصبحوا أبدا مسيحيين بعد، ومع ذلك هم بنوا حضارات مدنية مبدعة وعظيمة،. وفي نطاق التغيير أيضا، أخذ الكتاب والمتحدثون يزدادون قلقا واضطربا أمام الحرية التي تحققت، وراحت تسمح لهم بالمراقبة والبحث عن كل شيء بحرية، وبعيداً عن قمع السلطة أو حتى النقد، أما الطبقات الوسطى (التجار والصناعيون) فقد أصبحت تدرك وبألم شديد بأنها لم تزل تدفع الضرائب لدعم الارستقراطية الغنية جدا،  أو الغالية التكاليف،  في الوقت الذي لا تساهم فيه بأي شيء يخدم قيم المجتمع المعاصرة، عدا، رعايتها للفنون التي لمعت أو صعدت لدى سكان (هولندة) الذين على ما يبدو كان معظمهم يرغب في التدرب عليها،  ولذلك، فإن هؤلاء الارستقراطيين غير النافعين لم تكن لديهم الرغبة في تقاسم السلطة مع هؤلاء الذين بطريقة تفكيرهم الحر، وبشكل طبيعي، أداروا وخلقوا الثروة الوطنية، والذين كانوا يجدون لهم دائما حلفاء جاهزين في فرنسا من بين الحشود الفقيرة التي ربما عاشت وفكرت بطريقة تشبه إلى حد كبير حياة أجدادهم الفقراء، بيد أنهم كانوا جميعا يدركون بأنه، مع كل عام يمر كانوا يدفعون الضرائب المتصاعدة لدعم بضعة آلاف من هؤلاء الارستقراطيين الكسالى الذين أخذت مساحتهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية تتقلص شيئا فشيئا .

 

The Enlightenment

Created by Paul Brains

ترجمة : د.عدنان عويّد

 

كاتب وباحث من سورية

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2578 المصادف: 2013-09-26 14:59:58


Share on Myspace