منى زيتوناختلف الفلاسفة والمفكرون حول فلسفة العقاب، فمنهم من قال إن العقوبة تُطبق لأجل تحقيق العدالة، فلا يعنينا إن كان المُعاقَب سيتعظ أم لا، أو سيكون عبرة لغيره أو لا يكون، فهو يُعاقب لأنه من العدل أن يُعاقب على خطئه، وهذه الفلسفة هي التي تقف وراء تطبيق العقوبات الكبيرة كالإعدام أو السجن مدى الحياة، وتعد أقدم الفلسفات التي تفسر العقاب.

وهناك فلسفتان أخريتان تفسران العقاب؛ إحداهما هي فلسفة الردع؛ بمعنى أن العقوبة تكون لأجل ردع من وقعت عليه عن أن يعيد ويكرر الفعل الذي أدى به إلى العقاب، أو لأجل ردع باقي أفراد المجتمع أن يفعلوا ما فعل كي لا يلقوا المصير ذاته، وتظهر فلسفة الردع العام هذه في تنفيذ بعض العقوبات أمام جمع غفير من الناس.

وهناك فلسفة الإصلاح وتعديل السلوك، وهي فلسفة تُستخدم بالأساس في مجال التربية، وإن كانت الدول تستخدمها أيضًا مع من كانت عقوبتهم السجن وسيخرجون إلى المجتمع بعد انقضاء فترة عقوبتهم التي يقضونها بعيدًا عن المجتمع.

وفي مقال "تعديل السلوك ما بين السلوكية والمعرفية" تطرقنا إلى مفاهيم التعزيز والعقاب، وفهمنا أن التعزيز هو أي إجراء يُستخدم بهدف زيادة احتمال تكرار الاستجابة السلوكية الجيدة التي صدرت عن الفرد، وأنه قد يكون موجبًا (تعزيز تقديم) أو سالبًا (تعزيز إزالة)، كما عرفنا أن العقاب –على العكس من التعزيز- هو أي إجراء يُستخدم بهدف كبح وإضعاف السلوك السيء الذي صدر عن الفرد، وأنه قد ‏يكون موجبًا (عقاب تقديم) أو سالبًا (عقاب إزالة).

ومفهوم العقاب الموجب الذي يتم فيه تعريض الشخص الذي يتم عقابه إلى مثير منفر كريه بالنسبة إليه –كالضرب البدني أو التوبيخ- بعد أن يقوم بالسلوك الإجرائي السلبي يعتبر من أكثر المفاهيم التي تلقى معارضة وانتقادات من التربويين في العقود الأخيرة، إلى درجة دفعت نسبة لا بأس بها من الآباء إلى الاعتقاد بأنه خطأ تربوي يُحظر الاقتراب منه أو اللجوء إليه. وهذا على الرغم مما أظهرته نتائج دراسات علماء مدرسة الإشراط الكلاسيكي من أن ربط التعرض لمثيرات منفرة بارتكاب السلوك السلبي يعتبر من أفضل الطرق لتعديل السلوكيات السلبية، حتى أن هناك مصحات نفسية في دول الاتحاد السوفييتي القديم لا زالت تستخدم الجلد ضمن إجراءات التنفير للعلاج من إدمان الكحوليات.

ومن المنظور الإسلامي فإن الضرب غير المبرح لا يُجرَّم تمامًا ويستخدم كعقوبة عادلة، حتى وإن لم يكن علاجًا لما يمكن إصلاحه. ويُقال إن الضرب للأب واحدة وللمعلم عشرًا، ويُروى كذلك أن سيدنا علي كان قد ترك الحسن والحسين ضمن قوة ممن يقفون أمام دار الخلافة لحماية سيدنا عثمان من الثائرين عليه، ولكن هؤلاء –وكانوا كُثر- تسلقوا الحيطان ودخلوا الدار من موضع آخر، وقُتل الخليفة، فما كان من سيدنا علي لما عاد من المسجد ووجد هذا إلا أن ضرب الحسن ولطم الحسين.

ولكن وفقًا للمفاهيم التربوية الحديثة فعقاب التقديم الموجب –خاصة إن تضمن العقوبة البدنية- لا يُستخدم سوى في الظروف الحادة والحرجة، التي تم تجريب كل أنواع تعديل السلوك الأخرى والعلاج معها، ولم تُجدِ نفعًا، وعندما يكون السلوك المراد إصلاحه وتعديله شديد الخطورة على الفرد والآخرين المحيطين به.

ويتعدى حديث التربويين عن العقاب الموجب إلى الحديث الدؤوب عن تأثيراته الانفعالية السلبية على الفرد، ومحاولته تفاديه، خاصة عندما تكون العقوبة شديدة، مثل عقوبة السجن، والتي تدفع الشخص الذي قُررت في حقه العقوبة إلى محاولة تفاديه بكل السُبل، بدلًا من الإقرار بذنبه، وتقبل العقوبة. بينما المفترض ألا يكون العقاب إذلالًا؛ فبنو آدم مكرمون.

وهنا لا بد من إثارة تساؤل هام أرى أنه لا بد منه، وهو عن عقوبة العمل للصالح العام، ولماذا نفتقدها في بلداننا العربية عندما يكون الجُرم بسيطًا ويحدث لأول مرة. أليس أفيد للمجتمع أن يقدم الفرد خدمات مجانية كتنظيف الشوارع وطلاء الحوائط من أن يُسجن أسبوعًا أو شهرًا كعقوبة على خطأ بسيط يحدث منه للمرة الأولى! وهذا الشكل من العقاب مطبق في كل دول العالم المتحضر، وفي منطقتنا يوجد في تركيا وفيما يسمى دولة إسرائيل.

حقيقة الأمر إننا نحيا في مجتمع لا يشجع الإنسان على الاعتراف بخطئه، بل إن الاعتراف بالخطأ قد يعتبر تدميرًا للذات، لأنه حتى بعض الأخطاء الصغيرة ‏قد تكون عقوبتها مدمرة لأحلامه إن كان طالب علم أو لمكانته الاجتماعية إن كان راشدًا.‏

وفي إحدى التجارب النفسية تم تقسيم مجموعة من الراغبين في العمل في مجال الإطفاء إلى فريقين؛ أحدهما تلقى محاضرات تركز على الخطوات الصحيحة لأداء مهام رجل الإطفاء، والفريق الآخر تركز الشرح على أشهر الأخطاء التي يقع فيها جنود الإطفاء أثناء عملهم على إطفاء الحرائق، ثم تم اختبار الفريقين، فوجدوا أن الفريق الثاني الذين تركز الشرح لهم على ذكر الأخطاء كانوا أكثر كفاءة وأبعد عن الوقوع في الأخطاء أثناء أداء مهمة الإطفاء من أفراد الفريق الآخر الذين تركز الشرح لهم على الخطوات الصحيحة.

ومن هنا استنتج الباحثون أن الإنسان يتذكر الأخطاء ولديه دافع فطري لتجنب الوقوع فيها، خاصة تلك التي تتسبب في لوم أصحابها أو توقيع عقوبة قاسية عليهم.

ومن منظور آخر، يمكن القول إن أغلب الناس يميلون إلى تذكر الخطأ بأكثر مما يتذكرون الصواب، وأن أكوامًا من المعروف قد تُنسى أمام خطأ واحد، وهو ما يمكن وصفه أحيانًا باللؤم، وتوجد مقولة منسوبة للإمام علي بن أبي طالب تقول إنه يأتي على الناس زمان تكون العافية في عشر تسع منها في اعتزال الناس والعاشرة في الصمت. ويبدو أننا قد بلغنا هذا الزمان.

 

د. منى زيتون

الثلاثاء 19 أكتوبر 2021

 

 

الحقيقة للأسف أن العروبة والعودة إلى الإسلام وكل الحديث عن خصوصية عربية إسلامية هو في الحقيقة نتاج للغرب والحداثة، ليس مجرد تقليد لهذا الغرب وحداثته، بل إنها محاولة لتقليد أسوأ ما في تلك الحداثة وذلك الغرب.. ظهر الحديث عن "الهوية" هناك كما عندنا، بالتحديد في لحظتين تاريخيتين وفي كل مرة كان الجواب مختلفًا، جدًا، وقمنا نحن بتكرار كل ذلك فيما بعد.. في لحظة تاريخية أراد فيها الغرب أو أهله تجاوز سلطة الكنيسة ومعتقداتها فعادوا إلى المدن الإغريقية القديمة، إلى فنانيها وفلاسفتها واعتبروا هؤلاء وما أبدعوه ونحتوه وفكروا فيه وقالوه على أنه "هويتهم" التي حاربتها الكنيسة وأخفتها بصرامتها وتهافت أفكارها وقمعها للفكر والإنسان.. بعد ذلك بقرون، أحفاد دا فنشي ودانتي أنفسهم "سيعيدون اكتشاف" روما ويوليوس قيصر وسيحلمون ببناء روما الثالثة وسيحاولون فعل ذلك بقيادة الدوتشي، سيذهبون إلى أثيوبيا والبلقان ويموتوا في صحراء شمال أفريقيا وهم يحاولون فعل ذلك.. مررنا بالمرحلة الأولى بسرعة هائلة، وقبل أن يتمكن آباؤنا من إزاحة الغبار عن ابن رشد والقرامطة والمعتزلة والمعري كنا قد دخلنا فعلًا في المرحلة التالية، أصبحت حكايات الفتوحات والجنرالات الذين هزموا دولًا واحتلوا شعوبًا وقهروا أممًا وارتكبوا مذابح ومجازر جماعية والجنود الذين قتلوا وسحلوا واغتصبوا وهم يهتفون الله أكبر، هي فقط التي نسمعها، أصبحت هي "هويتنا"، يوليوس قيصر وإمبراطوريته الخاصين بنا، لقد عبرنا من لحظة النهضة إلى الإيمان بالدوتشي بلمح البصر، وما نزال هناك، لقد مات الدوتشي، وأحلام بناء روما الثالثة، هناك، أو أنها هزمت، أما هنا فإننا نزداد إيمانًا بالدوتشي الخاص بنا مع كل صباح وما زلنا بانتظار الفاتحين الذين سيذبحون ويغتصبون ويرفعوا راية لا إله إلا الله على أكوام الجثث.. قد يفهم أن يكون عفلق مجرد مقلد للغرب لكن البنا وخاصة قطب لم يكونوا يكررون ما يقوله أي رجل دين بروتستانتي محافظ في ألمانيا النازية أو أي فرد من عصابات الكو كلوكس كلان، بل كانوا بالتحديد يكررون ما قاله الدوتشي وتلميذه الألماني النجيب.. تعالوا الآن لنتحدث قليلًا عن الخصوصية العربية والإسلامية المزعومة، أين هي، ما هي الأمور التي ننسبها، أو نسبها عفلق والبنا، لأجدادنا ولم يفعلها الآخرون ؟ احتلال الشعوب المستضعفة وسبي نسائها وقتل رجالها واستعباد أطفالها، قتل المرتد، رجم الزناة، ختان الذكور والإناث، قرابين من الحيوانات والبشر، قتل المثليين جنسيا، الجزية، أهل الذمة، سبايا وإماء، خصيان، تحريم الغناء والرسم والتفكير، اذكروا لي "شعبًا" , "أمة"، جماعة من البشر لم تفعل ذلك أو ما يزال فيها أفراد يتوقون لفعل ذلك مرةً أخرى

 

مازن كم الماز

ادم عربيالفلسفة هي فرضيات حول امور لا يمكن الحسم فيها بطريقة نهائية من الناحية المعرفية، لكن عندما نطرح السؤال " ما الفرق بين الفلسفة والعلم؟" يمكننا ان نقول هذا السؤال يتلخص في عبارة " العلم ما نعلم، الفلسفة ما لا نعلم"، ولهذا السبب الاسئلة تمر باستمرار من الفلسفة للعلم، مع تطور العلم حين نتحقق من الشيء ونكتشفه لا يبقى فلسفة، بل يتحول الى علم، وكل انواع الاسئلة كانت تعتبر اسئلة فلسفية، ربما سائل يسال "ما فائدة الفلسفة؟" اعتقد ان للفلسفة على وجه العموم فائدتان: احدهما هو الابقاء على التكهنات المتعلقة بالمسائل االتي لا يستطيع العلم الاجابةعليها او ان يتطرق لها، المعرفة االعلمية تغطي قسما صغيرا جدا، من المسائل التي يهتم لها الجنس البشري، والتي يجب ان تهمه، هناك العديد من الاشياء التي لها اهمية كبيرة، التييتكلم عنها العلم تمثيليا، ولا اريد لخيال الناس ان ييكون محدودا ويقتصر على ما نستطيع معرفته حاليا، الفلسفة ايساع النظرة عن العالم الى مستوى الافتراض، الفائدة االثانية هي ان ترى للناس ان هناك اشياء ظننا اننا نعرفها لكنناا لا نعرفها،هي تمكنا الاستمرار في التفكيرفي الاشياء التي قد نعلمهايوما من جهه ومن جهة اخرى تمكننا البقاء متواضعين واعين، بكمْ من الاشياء التي كانت تبدو كمعرفة وهي ليست كذلك، اود قول شيئينالاول فكري والثاني اخلاقي في هذا المقام، عند دراستك لاي مسالة او التفكير باي فلسفة، اسئل ما هي الادلة وما هي الحقيقة التي تكتشفها الادلة؟ لا تترك ما تتمنى ان تؤمن به يشتت انتباهك، ولا تدعْ ظنك بأن مسالة اجتماعية ما تظن انها ستعالج بطريقة فعالة ان آمن الناس بذاك الخطأ يلعب دورا في حكمكْ، وانظر حصريا للادلة والحقائق، اما الجانب الاخلاقي في هذا المقام " الحب حكمة" والكره غباء، ويجب ان نحيا معا لا ان نموت معا.

وسنتطرق هنا لفلسفة هيجل خصوصا وماركس عموما فيما يسمى بالجدل او ديالكتيك طريقة في التفكير، فالجدل الهيجيلي او ما اصطلح على تسميته الثلاثية الهيجيلية، والذي تخطى منطق ارسطو الشكلي والصوري، مجال عمله الطبيعة، الفكر، المجتمع والتاريخ وقد بسطه هيجل في مثاله الزهرة والبرعم خير تبسيط، قال ان البرعم يختفي حين تحطمه الزهرة وتحل مكانه، لكن ليس الى مالانهايه، حتى تاتي الثمرة وتحطم الزهرة وهذا النفي الثاني، باعادة النظر لمثال النبته نجد ان الزهرة نفت البرعم وهذا هو النفي الاول ومن ثم نفي الثمرة للزهرة، وهو النفي الثاني او حسب هيجل نفي النفي Negation Of Negation، يسمي هيجل طور البرعم فلسفيا الاطروحة Thesis، ويسمي طور الزهرة او الطور الثاني النقيض Antithesis، ويسمي الطور الاخير او الثالث التركيب Synthesis، وهذا هو نفسه نفي النفي، ثم يوضح هيجل تساوي الاطراف او الاطوار الثلاثة في اهميتها فلا يجوز النظر لطور الثمرة هو الحق وغيره الباطل، فلو لم توجد الزهرة لما وجدت الثمرة .

 اوضحت الماركسية الثلاثية الهيجيليه بمثالها ايضا الشهير وهو حبة الشعير (ماركسيوا الفول والشعير حسب يعقوب)، الاطروحة او دور الاطروحه هنا هي حبة الشعير التي تهيات لها الظروف لتنمو، تختفي الحبة وتظهر مكانها النبته، وهذه النبته تتغير وتعيد حبة الشعير من جديد، هذا الطور هو نفي النفي حيث اعاد حبة الشعير الى الوجود ثانية، لكن هل عادت حبة الشعير الى ما كانت عليه؟ بالطبع لا، فحبة الشعير انتجت ربما مئة حبة بجينات وصفات مختلفة وربما متشابه للاصل ببعضها

ولو طبقنا هذا على الفكر، فهل يعني ان الفكرة الجديدة هي عين الصواب والقديمة هي الخطا المطلق؟ وهل نقول ان الثمرة هي الحقيقة وان طور الزهرة لا اهمية له ولولا ذلك لما ظهرت الثمرة؟ ان من السخف ان ينظر بعض الناس الى الثمرة على انها صنو الحقيقة والزهرة ليست ذات اهمية، في نفي فكرة لفكرة نستطيع القول ان الفكرة الجديدة دحضت القديمة، ويمكن لبعض الناس ان يقولوا ان الفكرة القديمة ما كان لها ان تلغى وتستبعد لولا زيفها وان الفكرة الجديدة هي الحقيقة، هؤلاء الناس بعبقريتهم استنتجوا ان الراسماليةهي نهاية التاريخ (الثمرة) في مثالنا البرعم والزهرة وما عداها هو باطل او زائف كناية عن النظم الاقتصادية والاجتماعية التي ظهرت قبل الراسمالية .

 هنا لا بد من القول ان الذينتصورامن الليبراليين والنيوليبراليين التاريخ انه دائرة لا نهايه لها،" نبة الشعير تعود الى الحبة والحبة الى نبتة والنبته الى حبه..الخ". أي يعود كل شيء إلى نقطة الانطلاق،،، ويبدو المستقبل عودة للماضي بالتالي لا جديد تحت الشمس؟ انها عودة ولكن بها جديد، لا ننكر العودة ولكن بها جديد، فنبتة الشعير لم تنف لتحل محلها حبة واحدة، ولا نفسها، في الطور الثالث نفي النفي اصبح لدينا مئة حبة، وكل حبة تختلف ولو بالشيء البسيط عن الام، هذا الاختلاف ينمو ويزداد مع مرور الزمن، حتى تظهر أنواع وأجناس نباتية جديدة.العودة للماضي اقرب منها للشكل لا المحتوى وهي عملية لولبية .

 

د. ادم عربي

 

 

محمد كريم الساعديتنطلق فاعلية الخطاب النقيض في المسرح خارج العالم الغربي عند الشعوب التي خضعت للإستعمار وخطابه الكولونيالي، إذ كانت الاشتغالات على وفق هذا الخطاب تتمركز في تمظهراتها في تفنيد أساليب الهيمنة الثقافية التي مارستها الدول الغربية، وكيفية بسط نفوذها في كافة المجالات ومنها الثقافية، التي تأطرت بالخطاب الكولونيالي، ومن هذه المسارح المناهضة ما ظهرت منها في آسيا، وتناولت عدداً من المسرحيات المختلفة، منها مسرحيات غربية أكدت فيها على الفعل الكولونيالي كما في مسرحية العاصفة التي قدمت في جزيرة (بالي) في آسيا، إذ ركز العرض المسرحي على جعل البيض هم من يؤدون الشخصيات الكولونيالية في المسرحية،مثل شخصية (كالبيان) ودوره الاستيطاني، بينما جعلوا الخلفية للعمل تؤدى من خلال راقصين من الجزيرة نفسها، مع اضافة عناصر ديكورية  وأزياء للجزيرة التي وقعت تحت الاستعمار الأبيض الغربي(1). وكذلك قدمت مسرحيات أخرى تناولت الخطاب النقيض في عروض أخرى،كما في مسرحيات (ساندي لي تعيش في نوى دات)، (مذكرات جنسية كافرة) وهاتان المسرحيتان يتناول فيها قضية مهمة في الخطاب الكولونيالي، الا وهو تأنيث آسيا مقابل ذكورية الغرب، الذي يمثل دور السيد ودور القيادة ودور المهيمن على الساحة الثقافية وغيرها من المجالات العسكرية والاقتصادية، فأن السيد هو من يملك الحق في تقرير المصير للشعوب الأخرى التي تقع تحت هيمنته، كذلك فأن أحداث المسرحيتين تقع في آسيا، وهنا تبرز أهمية العناوين في إن آسيا تحمل أسم الانثى الكافرة ذات الغريزة الجنسية غير المسيطر عليها إلا من قبل الرجل الغربي، فكلا المسرحيتان تبحثان في تجارة الجنس، وخصوصاً في الشرق وإرساله الى أوربا وامريكا الإشباع الغريزة عند الرجل الابيض المتحكم(2).

أما في افريقيا، فقد ظهر خطاب نقيض ضد الخطاب المهيمن في عدد من الحركات المسرحية ومنها (الحركة الزنجية)، أو التي أطلق عليها اسم (الزنوجة)، إذ نادى أصحاب هذه الحركة الى الدعوى بالعودة الى التراث الافريقي، وتخليصه من الثقافة الطارئة عليه من قبل الغرب، ودعا كل من (ايميه سيزار وسنغور) الى بداية جديدة للنهضة الثقافية الزنجية في افريقيا قائمة على بناء ثقافة افريقية يكون فيها التراث الافريقي هو الأصل، ومن خلال هذه الدعوة قدمت اعمال مسرحية عديدة في هذا المجال،ومنها (الناسك الاسود) للكاتب الافريقي (نغوجي)، ومسرحية (الموت وفارس الملك) للكاتب (وول سينكا)، وغيرهما،إذ تناولت هاتان المسرحيتان عند تقديمهما في مناسبات افريقية مرتبطة بالاحتفالات الخاصة بأعياد الاستقلال من الاستعمار الفرنسي، جوانب النضال ضد الاستعمار والتضحية التي قدمتها الشعوب الافريقية، تخللت عروضهما المسرحية توظيف التراث الافريقي من الطقوس والرقص المصاحب لمشاهد النصر على الاستعمار، كذلك جاءت عملية توظيف التراث للحث على نبذ الثقافة الغربية، التي حاول المقاومون لها تبرير كونها كانت مفروضة على الشعوب الافريقية أبان الاستعمار الغربي(3).

أمَّا في الوطن العربي فقد كانت عملية تشكيل الخطاب النقيض وفاعليته تتمركز في محورين، الاول يركز على القضايا القومية ومقاومة الاستعمار البريطاني والفرنسي للبلاد العربية،وكذلك للأستيطان الصهيوني لفلسطين وأرضها التي وقعت بيد الاستعمار البريطاني، والذي اهداها الى الصهاينة في وعد (بلفور)، الذي أباحها لليهود من اجل تشكيل دولتهم المزعومة . ففي الجانب الاول قدمت أعمال مسرحية عديدة منها  للكاتب المسرحي الجزائري (كاتب ياسين) ومن أبرز مسرحياته ضد الاستعمار الفرنسي، والتي تعرضت للمنع بسبب موقفها من هذا الاستعمار مسرحية (دائرة الانتقام) ومسرحية (انتصار البرابرة) للكاتب المغربي (عبد الخالق طريس)، كذلك قدمت في مصر للكاتب (عبد الرحمن الشرقاوي) مسرحية (وطني عكا)، وفي الشام قدم (محمد الماغوط) مسرحية (صقر قريش)، وهذه المسرحيات وغيرها كانت تنادي بالتذكير بمواجهة الاستعمار والاحتلالات لبلدان الوطن العربي، والعودة الى التراث والتاريخ العربي والاسلامي، الزاخر بالانتصارات، واستلهام هذه الانتصارات وتوجيهها ضد المحتل . كما قدم في الجانب الثاني الذي يخص القضية الفلسطينية أعمال مسرحية عديدة ومنها مسرحية (لن تسقط القدس) للمؤلف (شريف الشوباشي) ومسرحية (الباب) للمؤلف (غسان كنفاني) ومسرحية (حفات سمر من تجل 5 حزيران) للمؤلف (سعد الله ونوس)، وهذه المسرحيات وغيرها ناقشت الخطاب الصهيوني الذي أصبح من المهيمنات على السياسة العربية في فترة قوته المدعومة من الغرب . إنَّ الأساليب الاخراجية لهذه المسرحيات  يرى فيها (سعد أردش) على وفق الخطاب النقيض، ارتبطت بثلاثة امور مهمة وهي (الدعوة الى الارتباط بقضايا الامة المصيرية، والتأكيد على المسرح السياسي الملتزم بالأمور الواقعية التي تخاطب ضمير أبناء الأمة العربية، والعمل الجماعي المشترك بين التأليف والاخراج وعناصر العرض الاخرى)(4).

أمَّا في المحور الثاني الذي تميز بالبحث عن قالب مسرحي عربي اسلامي خالص، فقد عمل عدد من المخرجين العرب على إيجاد خطاب نقيض تكمن فاعليته في البحث عن اسلوب مسرحي مغاير للمسرح الغربي، وبالتالي الى إيجاد مجال ثقافي جديد في العرض المسرحي غير مسرح العلبة وأساليب المسرح الغربي، فقد برز عدد من الأساليب المسرحية ومنها (الحكواتي) و(السامر) و(الاحتفالي)، وهذه الأساليب أخذت واقعها في التعبير المسرحي والدعوة الى تغيير عددٍ من الدول العربية ومنها دول المغرب العربي ومصر وسوريا ولبنان والعراق، وكانت هذه دعوة الى تأصيل المسرح العربي في الضد من الخطاب الثقافي الغربي، وادواته ومنها المسرح،" أن الدعوة الى صيغة مسرحية عربية كانت قرينة الدعوة الى صياغة مشروع نهضوي يستند الى الخصوصية التاريخية وحدها، وارتبطت بالتالي بالرغبة في الانفلات من التبعية الثقافية والفنية للغرب"(5).لكن هذه الدعوة رغم إنَّها لم تأخذ استمراريتها بشكل كبير على الواقع المسرحي، لكنها تعد محاولة جادة في مقاومة الخطاب الثقافي الكولونيالي الغربي في الساحة الثقافية العربية.

إنَّ تبلور فعل الخطاب النقيض في فاعليته في خط المواجهة بالضد من الخطاب المهيمن وهو الخطاب الكولونيالي، على اعتبار ان الخطاب النقيض بفاعليته يندرج كأشتغال ثقافي معرفي تحت دائرة الخطاب ما بعد الكولونيالي، الذي يبحث في آثار الكولونيالية وما خلفتها في ثقافات الشعوب. وتتجه فاعلية الخطاب النقيض الى البحث في مفاهيم افرزتها العقلية الغربية ومنها مفهوم غربنة الثقافة المحلية، ومفهوم شعوب بلا تاريخ الذي وسمت به الحضارات الأخرى التي وقعت تحت الاستعمار ومنها الاستعمار الثقافي.

إنَّ فاعلية الخطاب النقيض اشتغل في مجالات البحث المختلفة، منها البحث في التاريخ الكولونيالي وكذلك البحث في مفهوم الاستشراق، وكذلك في مفهوم التابع ومفهوم التأصيل الثقافي والبحث في الهجنة الثقافية، وكل هذه الاجراءات هدفها كشف مهيمنات الخطاب الغربي على الثقافات المحلية، مما اوجدت هذه الاشتغالات فاعلية الخطاب النقيض في الساحة الثقافية المحلية بالضد من الخطاب الغربي الكولونيالي، لذلك يعد المسرح أداة من أدوات الخطاب النقيض من خلال ما يمتلكه من اشتغالات تدخل في فاعلية الخطاب النقيض في الثقافات المحلية للشعوب التي وقعت تحت الاستعمار، أو حتى في داخل الثقافة الغربية إنَّ فاعلية الخطاب النقيض في المسرح تشتغل بحسب مواجهة الخطاب المهيمن سواء كانت في داخل الخطاب الكولونيالي أم في خارجه، والجانب الثاني ركز على نقاط مهمة ومنها: مواجهة الخطاب المهيمن على مستوى الثقافة المحلية، او على مستوى المواجهة مع الاحتلال العسكري أو الاستيطاني، أو مع ايجاد ثقافة بديلة للأدوات الثقافية لمهيمنة، أو حتى استخدام الأساليب التي أوجدها الاستعمار في مواجهته ثقافياً.

 

ا. د. محمد كريم الساعدي

.......................

الهوامش

1- ينظر: جيلبرت، هيلين وجوان توميكينز، الدراما ما بعد الكولونيالية، النظرية والممارسة، ترجمة: سامح فكري، القاهرة، مطابع المجلس الأعلى للآثار، 2000. ص39،ص40

2- ينظر: نفسه، ص375ـص403.

3- ينظر: واثيونغو، نغوجي: تصفية استعمار العقل، ترجمة: سعدي يوسف، دمشق: دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر،2011،ص83ـ ص86.

4- ينظر: اردش، سعد: المخرج في المسرح المعاصر، الكويت، عالم المعرفة، يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1979،ص347.

5- نسيم، محمود: المسرح العربي والبحث عن الشكل (قراءة للعقل التنظيري)، القاهرة: مجلة فصول للنقد الادبي، المجلد الرابع عشر، العدد الاول، تصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1995، ص72.

 

نبيل عودةلا اتعامل مع اللغة من منظار لغوي بل من منظار فكري وسياسي من رؤيتي ان مسالة اللغة، او التجديد والتقليد في اللغة، وكل ما يتعلق بإنجاز تطوير اللغة العربية وجعلها لغة معاصرة، يرتبط بشكل نسبي كبير (ولا اريد ان اقول بشكل مطلق، رغم ان هذا أقرب للحقيقة) بالواقع السياسي والاجتماعي والتعليمي والعلمي السائد في المجتمعات العربية.

بكلمات واضحة، اللغة لن تحظى باهتمام اجتماعي، ثقافي وعلمي واسع وحاسم، في ظل واقع لا تشارك فيه المجتمعات العربية بالنهضة الحضارية للمجتمعات البشرية، بل تكاد تبدو مجتمعات على هامش التاريخ!!

***

واجهت مرات عديدة عاصفة من التعليقات تتهمني بالاستهتار باللغة العربية وقواعدها ونحوها، وان العربية لغة في منتهى الكمال، لغة الجنة ولغة القرآن، قداستها من قداسته، وهي اللغة التي أنزلها الله لأفضل عباده. بالطبع لا علاقة بما يسمى قداسة وايمان غيبي يردده حتى الأميين حول قداسة اللغة وهم بالكاد يفقهون اللغة الفصحى البسيطة التي تستعمل في وسائل الاعلام. لا بد من طرح فكري جديد ينقذ اللغة من الجمود والتحجر ورؤية متنورة حول اهمية ملاءمة اللغة للمناخ الثقافي السائد، وعدم فهم هذه الدعوة كمشاركة في "المؤامرة الاستعمارية - الصهيونية" على العرب، وهي الصيغة التي تستعمل أيضا في الساحة السياسية العربية، بجعل هذين التوأمين المكررين ببغاويا (الاستعمار والصهيونية) غطاء للفساد العربي، لماذا نحافظ على تخلفنا؟ لأننا نقاوم "الاستعمار والصهيونية"(!!) كأن المقاومة تعني تجميد كل حركة التغيير الاجتماعي والسياسي.

هذا الغطاء السياسي الدعائي التافه روّجت له الأنظمة الفاسدة للحفاظ على تسلُّطها ونهبها للثروات العربية وقمع الفكر التحرري، فكر التقدم الاجتماعي- الاقتصادي والعلمي للمجتمعات العربية، لذلك نجد تحالفا، علنيا وسريا، بين الاستبداد السياسي والاستبداد الديني، لكلا المستبدَّين مصالح في وقف النمو والتطور والنهضة الاجتماعية– الاقتصادية والعلمية، وتخليد انظمة التسلط القبلية، العائلية والطائفية السائدة في العالم العربي.

ان التغيرات اللغوية التي حدثت كانت عكس التيار السائد ومعظم ما دخل لغتنا العربية وأضحى التعامل به ثابتا، مداناً سلفا بالخروج عن القواعد والنحو. رغم ان كثيره أصبح مما يسمى "المتعارف عليه"، لكنه خروجٌ واضحٌ عن عقليات حراس اللغة.

كذلك لاحظت ان هناك مشكلة لدى الكثيرين، خاصة متوسطي الثقافة، في فهم المقروء النثري وخاصة القصصي، من منطلق الفهم البسيط للأدب القصصي، بانه جولة ترفيهية، بينما هذا الأدب يطرح الوعي الاجتماعي بأرقى صوره.

القصة في الأدب العالمي وبجزء كبير وهام من الأدب العربي، تشكل مادة فكرية أيضا يطرح عبرها الكاتب قضايا ملحّة وبالغة الخطورة، دور الكاتب هنا لا يختلف عن دور المثقف الموضوعي المرتبط بواقع شعبه والناشط من أجل قضايا الانسان وقضايا الحرية والحقوق المختلفة.

باحث لغوي نشر مقالا يقول فيه: "لا بديل عن اللغة العربية الفصيحة المعيارية" عارضا أهمية اللغة العربية لأبنائها العرب، وقيمة هذه اللغة وحيويتها. وطرق تطويرها وتقريبها للقارئ. المقال يتحدث من منطلق عاطفتنا كلنا التي ترى بلغتنا جماليتها المميزة في النصوص الأدبية وخاصة الشعر... لكنها تعاني من حالة تكلُّس تشكل خطورة على مستقبلها ومكانتها بين اللغات الحية في العالم، هذا يبرز بغياب لغة علوم وتكنولوجيا، اذا وجدت فهي داخل قطر معين وغير مستعملة في اقطار عربية اخرى، اي لا اصطلاحات متفق عليها.

من الاشكاليات اللغوية التعويق في ملاءمة اللغة للمناخ الثقافي المعاصر، وما أوجدته مجامع اللغة غير مفهوم الا لمن صاغوه، لا يلائم الحياة العملية ولا ارى ان اصطلاحات مجامع اللغة مستعملة او قابلة للاستعمال، هذا يبرز في القطيعة الآخذة بالاتساع بين واقعنا اللغوي والثقافي عامة ومستوى الحالة الثقافية– الاجتماعية واللغوية السائدة في المجتمعات غير العربية.

ان بعض المشاكل التي لم تطرح، ربما ليس عجزا عن طرحها بقدر ما هو قصور في فهم واقع اللغة، في حالتنا واقع لغتنا العربية، تشكل عائقا في سبيل رقي لغتنا وتطويرها وملاءمتها لعصرنا.

أعرف انه حقل شائك بسبب المسافة الثقافية التي تفصل بين ابناء هذه اللغة، بظل سيطرة الكثير من الغيبيات والأوهام حول المقدّس اللغوي والفهم الخاطئ لدى الكثيرين لكل دعوة الى ملاءمة اللغة للمناخ الثقافي السائد في عصرنا، باعتبار هذه الدعوة هي لنسف اللغة العربية، فورا تنطلق صرخات الاحتجاج والاستغاثة محولين النقاش الى صياغات ايمانية ونصوص غيبية ومقولات خاوية من المضمون، لا تسوى أكثر من الحبر الذي صيغت فيه، كأن العرب نصف الأميين، او من لا يرهقون انفسهم بالقراءة، (وهم نتاج الأنظمة الفاسدة) يعرفون مفردات اللغة الكلاسيكية وما شاء الله لا يتحدثون الا بمفردات النصوص الدينية ولغة الجاحظ وبنحو سيبويه.

لا اكتب من منطلقات لغوية. فانا لست لغويا ولكني أعيش أزمة اللغة بنشاطي الاعلامي والثقافي والسياسي ومن اطلاعي الفلسفي العام على تاريخ اللغات.

 اللغة وسيلة وليست غاية ولا قداسة للغة. اللغة لا تعبد ولا يركع لها. هذا ما شرحه بعض الباحثين اللغويين بشكل ممتاز دون ان يكون بمثل وضوحي الذي سيرى به البعض فظاظة كبيرة.. خلافا لما سجله باحث موقر أميل الى تجاهل اسمه، لأن الأهمية للمضمون وليس للشخص، لا أرى أن "اللغة هي من أهم العوامل التي تكون هوية الأمة" كما كتب. هذا الطرح غير علمي تماما ومناقض للواقع.

اللغة بلا شك لها دورها في تكوين الهوية القومية ولكنها ليست من أهم العوامل، لا ارى ان للغة دورا مؤثرا ووزنا مقرَّرا. الواقع العربي القائم يثبت ما أذهب اليه. ان ما يوحد الشعوب العربية أكثر من اللغة، هو واقعها السياسي والاجتماعي، واقع الأنظمة الاستبدادية الفاسدة المعيقة للتقدم وواقع الفقر والإملاق المرتبط جذريا بنوع الأنظمة.

 يجب عدم التجاهل ان نسبة الأمية المرتفعة في العالم العربي، وتقدر على الأقل ب 150 مليون أمي ومصادر ترفعها الى 60% من المواطنين العرب (350 مليون نسمة)، والبعض يرفعها لأرقام فلكية... ونسبة كبيرة أخرى بالكاد تفكّ الحرف او تقدر على التعامل باللغة مع المؤسسات المختلفة.. الى جانب مستوى قراءة متدن (نصف ساعة، البعض يقول ستة دقائق هي مدة القراءة للمواطن العربي سنويا، للمقارنة: اليهودي في اسرائيل يقرأ 50 كتابا سنويا)، عدم فهم المقروء من أوساط عربية واسعة جدا لأسباب تعليمية تعتمد التلقين، هناك اسباب كثيرة أخرى كلها تجعل من لغتنا أداة لا تخدم قضية تكوين الهوية القومية او إحداث نقلة ثقافية وتيار وعي قومي. لا ننسى أيضا ان العالم العربي مليء باللهجات المحلية التي لا يفهما العرب ابناء المناطق الجغرافية الأخرى. هناك عشرات اللهجات الغريبة عن فهم مواطني الدول العربية، أحيانا في نفس الدولة (حتى في فلسطين لغة الشمال الفلسطيني (الجليل) تختلف عن لغة الجنوب الفلسطيني، ابناء المثلث مثلا، بعض المفردات لا نفهمها ولا نستوعب طريقة لفظها، رغم ان المسافة بيننا نصف ساعة بالسيارة، لا أتحدث عن الجنوب الأبعد، النقب مثلا)، اي ان اللغة لا تشكل اداة تكامل قومي، بل في هذه الحالة تشكل أداة تباعد وتشرذم، خاصة بغياب روابط اجتماعية واقتصادية.

المواطن العربي الجائع للخبز لا يحتاج الى لغة وهوية قومية وانا اتحدث عن أكثر من 50% – 60 % من المواطنين في العالم العربي. في مصر مثلا، ما يقارب 80% من الشعب المصري يعيشون بدخل بين دولار الى 3 دولارات يوميا، و 20% أكثر من 3 دولارات يوميا، منهم 1.5% يعرفون بالقطط السمان يسيطرون على ما يقارب نصف الانتاج القومي المصري. يتبين من معلومات جديدة ان الجيش المصري يعتبر من اكبر المنتجين في مصر، يقدر انتاجه ب 25% من مجمل الانتاج ومعفى تماما من الضرائب. أي ان جنرالات هذا الجيش لهم مصالح اقتصادية ويتمتعون بوضع خاص من المميزات. هذا ينعكس سلبا على الربيع المصري. بعض المصادر تنبه الى ان المجندين المصريين يُسخّرون في انتاج الجيش وليس في التدريبات العسكرية، وان هناك تراجعا في قدرات الجيش العسكرية، البعض يضيف اتهامات خطيرة: الجنود لا يعرفون استعمال الأسلحة الحديثة المتراكمة في المخازن وبالتالي المتنفذون في الجيش أصبحوا جزءا من القطط السمان ولكنه موضوع آخر.

هل ستصلح اللغة هذا الواقع المأساوي لتجعل المصريين ينتمون لهوية قومية واحدة؟ هل يفكر المصري أو العربي الفقير باللغة والهوية ام برغيف الخبز (العيش – أي الحياة) والعمل؟ هل يقلق الجنرالات تطوير اللغة وتعزيز الرابط القومي؟

الذي يؤثر على خلق هوية قومية متماسكة هو الاقتصاد، هذه نظرية طرحها أحد أهم فلاسفة ومفكري القرن التاسع عشر كارل ماركس وقد ثبتت صحتها. الدول الرأسمالية المتطورة تطورت فيها الهوية القومية والانتماء القومي واللغة القومية والقوة القومية أيضا لحماية مصالحها على قاعدة تطوير الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا، النموذج الأقرب لنا هي دولة اسرائيل. البعض لا يحب هذه المقارنة، تشعره بالضيق، لكن أحببنا ذلك أم لم نحبه... من مجموعة مهاجرين مختلفي الثقافة والانتماء القومي، بنوا دولة واقتصادا يعتبر اليوم من الأقوى والأكثر تنوعا وثباتا في العالم (انتاج اسرائيل القومي الاجمالي السنوي هو اكثر من انتاج كل الدول العربية المحيطة بإسرائيل)، تعتبر اسرائيل اليوم دولة ذات أكبر نسبة في العالم لحملة الشهادات العليا بين المواطنين. علميا من أكثر دول العالم تقدما وتصديرا لمنتجات العلوم والتكنولوجيا، وهي ثالث او رابع مصدر اسلحة في العالم من حيث الكمية، العلم بات جزءاً جوهريا من الاقتصاد (80% من صادرات اسرائيل يعتمد على الهايتك)، للمقارنة غير المرغوبة أضيف: تنشر اسرائيل معدل 12 بحثا علميا لكل 10 الاف مواطن (36 بحثا لكل 30 الف مواطن )، العالم العربي ينشر بحثا علميا واحدا لكل 30 الف مواطن. يترجم في اسرائيل الى العبرية 100 كتاب لكل مليون مواطن في السنة، حين تصل الكمية في العالم العربي الى 3 كتب لكل مليون مواطن. هذا عدا ان كل كتاب يباع منه في اسرائيل كميات كبيرة تصل أحيانا الى 70 او 90 الف نسخة وبعضها يتجاوز ال 120 الف نسخة او أكثر. ما عدا قلة نادرة من الكتب العربية وزعت 30 الف نسخة، فكمية التسويق للكتاب العربي لا تتجاوز 3 – 5 الاف نسخة من الكتاب. تخصص اسرائيل للأبحاث العلمية ما نسبته 4.7 % من منتوجها السنوي الاجمالي... ويقدر اكثر ب 15 مرة من كل مل يخصص للأبحاث العلمية في العالم العربي. بذلك تتفوق على العديد من الدول العظمى في عدد العلماء بالنسبة للمواطنين وفي كمية الأبحاث العلمية الهامة، لدرجة ان العلوم المتطورة في اسرائيل مطلوبة في دول عديدة ومنها دول كبرى، باتت تؤثر على مواقف الكثير من الدول من موضوع النزاع الفلسطيني اسرائيلي. بكلمات أخرى، هناك علاقة اندماجية بين السياسة والاقتصاد والرقي العلمي والتكنولوجي وواقع اللغة.

هذا ليس تحديا حضاريا فقط، حتى احياء اللغة العبرية التي كانت ميتة قبل نصف قرن، أضحت اليوم لغة علوم وتقنيات ومراكز أبحاث، مما يثبت ان الاقتصاد والعلوم تدفع اللغة الى التطور وملاءمتها للنشاط العلمي والتكنولوجي. العلماء في اسرائيل ومنهم علماء عرب بارزون، يكتبون أبحاثهم باللغة العبرية السهلة الاستعمال والسهلة جدا للترجمة منها واليها. هذا دليل صغير على ان التطور الاقتصادي والعلمي للعالم العربي سيحدث نقلة لغوية سيكون لها ابعد الأثر على الفكر العربي أيضا وعلى اللغة بالتأكيد. أضيف ان كل نقاشنا اليوم حول التجديد والتقليد في اللغة العربية هو محاولة لجس النبض والتفكير بالآتي، في محاولة لاستباق الواقع، لجعل التحول اللغوي أكثر مرونة وقابلية للتجسد، لكن الأمر يحتاج الى نشر الوعي لأهمية اللغة في الانجاز الحضاري الحديث.. والأهم إصلاح جهاز التعليم العربي بناء على تجارب من سبقونا الى التقدم والتطور.

الانغلاق ستكون له إسقاطات سلبية قد تحول اللغة العربية الى لغة في طريق الاندثار، تماما كما اندثرت لغة المسيح الآرامية، التي كانت في وقتها لغة مقدسة سائدة في شرقنا، لغة ابن الله حسب أهل كتاب "العهد الجديد" ومن المفروض انها لغة الأب الذي في السماء أيضا!!

أعرف ان كلماتي لن تستسيغها بعض الآذان، لا أطرحها لأني أقبلها، انما لإثارة التفكير الواقعي بعيدا عن الغيبيات الإيمانية المغلقة وتسجيل رؤيتي ومخاوفي من مصير اللغة العربية.

يقولون اني دائما عكس التيار، وأرد: فقط الأسماك الميتة تمشي مع التيار!!

اذن الموضوع يتعلق بالواقع الاقتصادي والعلمي والتعليمي ومستوى الجامعات وأبحاثها والقضاء على الأمية ونشر التعليم بلغة عربية ميسرة متطورة، وجعلها لغة علوم وأبحاث وتقنيات، هذا ليس قرارا من فوق، بل تخطيطا للتطوير والنهضة الشاملة الاجتماعية والعلمية والتعليمية والاقتصادية، غيّبته أنظمة الفساد والقمع، وآمل ان لا نواصل نومة أهل الكهف، حتى لا نستيقظ على لغة فات أوان تسويقها لأصحابها أيضا.

لا شك ان اللغة العربية هي جزء من الهوية القومية، ولكن بوضعها البائس اليوم هي همٌّ قوميّ.

هل ستصمد في عالم لا ينتظر الخاملين؟

هل سيساعد كونها "لغة مقدسة" في الحفاظ عليها من الاندثار؟

ألا يعلم الواهمون بقداسة اللغة ان كل الأبحاث العربية العلمية الهامة يكتبها علماء العرب باللغات الأجنبية، أهمها لا ينشر في العالم العربي بسبب هجرة العقول العربية واندماج العلماء المهاجرين بالمجتمعات الحاضنة؟

قديما قال ابن خلدون جملته العبقرية التي نعيش صحتها كل يوم:" لغة الأمة الغالبة غالبة ولغة الأمة المغلوبة مغلوبة". ما دمنا من الأمم المغلوبة امام التحديات في الشرق الأوسط، تحت تحكم أنظمة فاسدة تهدم ولا تبني، تحديات في العلوم والاقتصاد والتحديث الحضاري.. فلن تكون لغتنا الا على شاكلة شعوبنا، لغة مغلوبة لشعوب مغلوبة.

حان الوقت لفهم جديد لدور اللغة وأهمية هذا الدور في نقل العالم العربي من واقع الفقر والأنظمة الفاسدة، الى واقع التنوير والابداع الثقافي بكل امتداده المادي والروحي!!

 

نبيل عودة

 

 

سامي عبد العالمع سقوط الربيع العربي في الصراعات بأشكالها المختلفة، كان الخطاب الديني بمثابة حدِّ السكين. حدٌّ قد قطع كلَّ شريان ثوري مدني في حالتي مصر وليبيا تحديداً، حتى وصل الشأنُ إلى سلطة الإخوان (مصر) ومعارك الجهاد (ليبيا) وحروب جماعات الإرهاب (سوريا). وبدا واضحاً أنَّه قد مزّق أنسجة المجتمعات بين مؤمنين وكفار، مؤيدين ومعارضين، مهاجرين ومتخاذلين. ناهيك عن أنّ الخطاب قد دكَّ برجماتياً أسس الدولة الوطنية من أجل الولاء للأيديولوجيا العنيفة والبراء من تراث المجتمع والسياسة. وبخاصة حين استهدف الخطاب الديني إقامة (دولة الخلافة) على أنقاض الأنظمة الحاكمة ومؤسساتها. إذ شكلّت مفاهيم الخلافة فوضى الإجراءات السياسية وصياغة الدساتير وظهور الشخصيات والبرامج والخطط المراوغة في التجارب الربيعية الوليدة.

وبإطالة أمد الصراع ذهب المدنيون بعيداً وبقي الإسلاميون في ميادين المعارك سواء أكانت مؤسسات أم برلمانات أم انتخابات أم نقابات. حاولت (قناتا الجزيرة والعربية) تطبيق هذا النموذج على اليمن وسوريا، لكنه فشل. فسوريا أضحت ساحة لصراعات دموية دولية بإمتياز. وبدا اسلاميُوها يعانون سذاجة الإخوان وضمورهم الأيديولوجي. أمَّا اليمن السعيد، فقد تلقفته السعودية بإعتباره معركتها الخاصة ضد التمدد الإيراني في خاصرة الأراضي العربية. وكان النموذج بمصر عنيفاً داخل قوالب الجماعات الدينية، بينما في ليبيا تكونت كتائب مقاتلة تدمر ما يقابلها. كلُّ من ينتمي إليها كان يرتبط بمظاهر الإسلام السياسي وأدبياته في الخطاب والقتال.

والنموذج السابق جعل الخطاب الديني حركياً. وأخذ الأخير يتبلور كسلاح ماديٍّ بالفعل. هنا ظهر أنصار التيارات الدينية المتشددة باستنفار كامل. بل كانوا رابضين باستديوهات الجزيرة والعربية طوال الوقت على أنهم محللون استراتيجيون. وأخذوا يطلقون أهدافهم على الملأ. وكانت الآراء الدينية لاعباً رئيساً في حشود الإخوان بمصر. ولم تخرج الاستراتيجية نفسها بليبيا عن كونها رأس حربة للتحرك على الأرض. طبعاً حدث ذلك تدريجياً: كيف؟

خُميني العرب ومملكة الفتوى

لعلنا نلاحظ أن الخطاب الديني بإطاره الوعظي والإفتائي والتكفيري كان يعلن عن نواياه السياسية، معززاً- عند الحاجة- الحلقةَ الواصلة بين السياسة والوجه الجهادي للدين. لدرجة أنَّ شيوخ قناة الجزيرة قد وقعوا ضحية ازدواجية لا تخطئها العين. هناك على سبيل المثال عدة وجوه وأقنعة ليوسف القرضاوي بين حالة عربية وأخرى، فلم يكن القرضاوي (الشيخ الليبي الشرس) المعلِّق على الأحداث والمستقوِّي على دولةٍ عربيةٍ بالقوات الغربية هو ذاته القرضاوي (الشيخ القطري الهامس) إذ كان يظهر على شاشة الجزيرة في برنامج " الشريعة والحياة" متضرعاً بأكُف النصيحة والدعاء للأنظمة الملكية والأميرية. وهذان القرضاويان الاثنان يختلفان عن يوسف القرضاوي (الشيخ المصري الحركي) الذي أَمَّ الثوار المصريين في ميدان التحرير بطريقةٍ رمزيةٍ مرتدياً عباءة "خميني العرب". فمن كان هو يوسف القرضاوي حقاً، أهو الليبي أم القطري أم المصري أم ماذا بالضبط..؟!

أما سبب تناقض أقنعة القرضاوي، فهو (الموقف الوظيفي) الذي يتبناه بغطاءٍ من آرائه الدينية المؤدلجة. ومع أنها أقنعة قد تتغاير من وضعٍ إلى آخر، وتنقلب نقيضاً إلى نقيضٍ على مائدة أمير أو ملك، لكنه الموقف نفسه الذي تماهى دون تردد في الحالة الليبية مع مواقف القوي الغربية. وبذلك شرّع فقهاء الفضائيات على طريقة القرضاوي (خميني العرب) بأن يكون الخطابُ السياسيُ خطاباً دينياً. أقصد خطاباً وظيفياً له مرجعية الحقيقة الدينية التي يؤمِن بها المسلمون كافةً. وبهذا تتخذ كمرجعية تنسحب عليها أغراضٌ سياسية وإعلامية. وقد حدثت بشأن منح القرضاوي حق العمل على الأرض لقوات التحالف في الشأن الليبي وفي غيره من دول.

وهذا يذكرنا بالقول الشهيرة: " أعطى من لا يملك لمن لا يستحق " مع مراعاة فروق السياق والتوقيت. أما الأخطر فهذا الخطاب الديني مثلّ صكاً ممنوحاً لقناة الجزيرة وغيرها لممارسة الكذب بالمعاني السالفة. أي كان صكاً أيضاً للتلاعب بعقول المتابعين ورسم واقع ليس هو الواقع بالمعنى الفعلي. الأمر الذي استغلته جيداً في التعليق والتحريض الممتد على مدار الساعة. منذ أنْ أعلنت ضرورةَ التخلص من النظام الليبي كاشفةً عن خريطةٍ أخرى للأحداث والمآرب. وبذلك سعت شاشة الجزيرة لإقرار المشروعية نفسها عسكرياً من الداخل والخارج. وحرصت على نقل المؤتمرات مع إبراز الآراء التي تؤيد موقفها وتدعم جوانب تغطيتها.

وقد فهمت الحشود العسكرية والجهادية المتواجدة على الأرض رسالتها بدقة، فأخذته هي الأخرى كبرنامج عمل حربي. وما كان من محللي فوضى الحشود والاشتباكات سوى تحديد المعالم وتوفير الخطط العسكرية للتغلب على الخصم. ولعبت الخبرات التي استضافتها الجزيرة دوراً ليس باليسير في شرح الموقف حين يتأزم. أمَّا المراوحة بين التعليق الديني والسياسي، فكأنّ الجزيرة تحاول رفع الروح المعنوية وإلهاب حماس المجاهدين على الجبهات. وخطابها بذلك كان يمثل لحظة نادرةً لصهر الخطاب والتصورات التي يتم العمل بها على الأرض.

لنتذكر عبر هذه اللحظة ذوبان الدينُ شبه التام في آتون السياسة. فلم يعُد له أي وجود مستقل، بل وعلى خلفية الأحداث والمواقف اتجهت السياسة "غربيةً وعربيةً" لأن تشكل عالماً بدون إلهٍ. فعلاً طبقت هذه السياسة البرجماتية المتناقضة عبارة نيتشه "الإله قد مات" . لقد أعلنت تأليه رموزها في محاولة لأخذ مكانه في خضم الأحداث. ففي غياب الإله يصبح كلُّ شيء مباحاً. وطالما أنَّ كلَ شيء مباح، فأولى بالفضائيات أنْ تكذب ثم تكذب وتكذب. على أساس أن أصدق الوقائع إعلامياً أكذبها، بطريقة الشعراء العرب القدامى" أصدق الشعر أكذبه" .

والمنبع المتفرع عنه ذلك واحد: ذلك التراث الثقافي الذي يغذي الخيال العربي شعراً وإعلاماً. إنه ثقافة التصحر حيث يمثل السراب الواحة الدائمة للأذهان والمؤامرات، سراب يعشش في الأدمغة والمفاهيم. ولأنها قنوات مسيّسة تحتاج إلى التشويق والإثارة، فقد جعلته آلية لغوية. وهي تعلم أن المشاهدين متحمسون بأرجلهم وأظافرهم وأنيابهم لرسائلها. ثم إن أنماط الممارسات السياسية العنيفة خلقت وضعاً لمشروعية دولية للتدخل على الأرض مختلفة عما ألفناه من مشروعيات. وأعتقد ضمن هذا لم تتورع شاشة الجزيرة عن استغلال رمزية الدين في ممارسة القمع المتواصل لكل ما يُضادها رأياً كان أم خطاباً. وهنا إذا أردنا أن نوصف الخطاب الديني فإنه إقرار لطقوس سياسية عنيفة لا تختلف عن أية نحلة عنصرية من هذا القبيل.

ومن ثمَّ كان الدين هو دين السياسة على لسان القرضاوي وعلى الصلابي وعائض القرني وصولاً إلى مانعي المظاهرات وأصحاب الافتاء السياسي كمشايخ السلاطين والإمارات والممالك الخليجية. ولا سيما أنَّ القوة الأمريكية، وهي القوة المهيمنة عالمياً، لا تعترف بأية قوةٍ غيرها. وتتوفر على كم هائل من الاحتماء اللانهائي بذاتها المتضخمة، كما لو كانت سراً مقدساً. هذا السر الذي سرعان ما ينفتح لمن هم من الأحبار والمريدين ورؤساء المنظمات الدولية الموالين لها. وهم في وضعهم هذا يُكّوِنون طبقةً من الدول التي تتعبد في محراب "القوة الأكبر" بحماية المحور الدولي للتحالف.

هكذا كانت تتواتر المشاهد المتلفزة، من داخل الاجتماعات والمؤتمرات وحلقات النقاش والجلسات الطارئة للأحلاف الإقليمية إزاء ليبيا. رسمت الفضائيات تلك الصور عبر إطار شعائري لإيقاع الخوف والترويع في روع الشعب العربي قبل الشعب الليبي. ثم بدورها غلّظت وسائط الإعلام تهديدات الأحلاف والهيئات الدولية، من خلال تلاوة القرارات التي تستند إلى قدرات متخذيها فقط. وفي العادة، كانت هناك القوة الأكبر - أمريكا كما أشرت - لتتحلق حولها كافة الأعين، ولتتعلق بها كل الآذان. وقد جرى هذا على شاشتي الجزيرة والعربية من خلال قُدّاس سياسي ديني. يعلن ضمنياً على الأقل عن تبادل الحدود وظيفياً بين الخطابين الديني والسياسي. وهي الحدود نفسها التي ترامت لتوعز من قبل البعض إلى إمكانية تحريك قوى دينية نائمة في جغرافيا العالم الإسلامي لتأجيج الصراع.

وسواء أكانت القوة المقصودة جماعات، كالإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية المقاتلة، وحركات كالجهاد أو شخصيات إسلامية، فإن هناك أمراً فُهِمَ بالتخاطر السياسي (لا الديني). أمر مفادُّه: ضرورة الإسراع بانتهاز الفرصة السانحة سعياً للانقضاض على النظام الليبي. لقد تعددت الأسباب والاتجاهات، وظل الهدفُ واحداً: الفوز بالغنيمة البترولية التي لطالما سال اللعابُ حولها. وفي حينه كان عبد الرحمن شلقم (وزير خارجية ليبيا آنذاك ومندوبها الأسبق في الأمم المتحدة) قد لخص - باتصال هاتفي على شاشة العربية- خطورة الهدف وأهميته بضرورة طّي الوقت طيّاً لمحاصرة القيادة الليبية من جميع النواحي. ثم ذكر عبارةً دالةً: هذه فرصتنا الأخيرة يا إخوان!! كأنه يقول كم رتبنا لهذه الخطوة، وأدرنا رؤوسنا متقلبين شمالاً وجنوباً بحثاً عنها. وهاهي الفرصة سانحة الآن، ونحن على استعداد للتحالف مع الشيطان لبلوغ المرام مع أهل الغرام بالسلطة والنفط!!

اتفق هؤلاء وأولئك كقوى بديلة في المشاهد نفسها مع مضمون دين السياسة الجديد، وخدم الفقهاء أهدافه بكل إصرار وترصد. فلم يعودوا خدماً للشرائع السماوية، بل كانوا سدنة لأمراء النفط والغاز والأحلاف العسكرية. وبذلك غدت "مملكة الفتوى" أكبر أثراً من كل ممالك الصحراء. بل أمسينا نرى عمائم أزهرية تحمل في طياتها سيادة الأمراء والسلاطين والرؤساء وأصحاب الفخامة والسمو. وبحجم فتواها الوظيفية كان ومازال يتسع سلطانهم الجغرافي إلى أقاصي الأرض أو أدناها. وعلى إثر ذلك الحال الهذلي، كان أجدى افتتاح علم جديد بمسمى "علم خرائط الإفتاء السياسي" . وهو علم أحى به أن ينقب في الكتب السماوية الخاصة بالأمراء عن مآرب السياسة وحقول النفط. من أجل ضخ الطاقة السياسية في أنوف حكام العرب والغرب على السواء. وهو علم جيو ديني بوليتيكي، يتذرع علماؤه بالمناشدات المسبوقة بالأسماء والصفات الإلهية وكذلك بالدعوات الباكية المتضرعة لإسقاط الأنظمة الحاكمة. وبهذا الهدف النبيل لا مانع من إطلاق اللعنات المرسلة عن بعد لملاحقة قيادات الدول المارقة!!

وبشأن ليبيا لم يتوان هؤلاء المشايخ عن تطبيقه بكل ممالأة وتواطؤ. فلم يستنكفوا الظهور في أي وقت من الأوقات على صفحة الشاشات الفضائية. ولعبوا دوراً مهماً من الناحية الاستراتيجية في تعجيل الضربات الموجهة إلى المدن الليبية من أجل حماية الشعب. واعتنى كلٌّ منهم بتحقيق أهدافه عبر الطريق الذي يعطيه السند الديني من وجهة نظره. واستدعى كل منهم صوته البراق، ونغمته المتوافقة مع مريديه المنتظرين للتمتمة الإلكترونية، فضلاً عن إطلاق الآهات والزفرات والنظرات المصحوبة بالتحليق في الأفق البعيد انتظاراً للمجهول.

وبالتزامن مع هذا الوضع ضمن مشهد آخر، ظهر بابا الفاتيكان متحدثاً من علٍ. يوجه الكلام إلى رعاياه عبر نافذة الوعظ والتراتيل بأحد المباني الكنسية. حيث نوه مشدداً على قوات التحالف الدولي أنْ تتوخى الحذرَ من جهةٍ، وأن تطبق قرار مجلس الأمن تطبيقاً أميناً يؤدى إلى حماية المدنيين من جهةٍ أخرى. ولا يخفى على قارئ أن هذا الظهور البابوي لم يغب عن تاريخية الصراع بين الخطابات الدينية، التي بقت فاعلة في السياسة منذ العصور الوسطى. لأنَّ هنالك مشروعيات قديمة، كان يحركها رجال الدين ويتبناها الساسة، لأجل إنقاذ المقدسات.

على هذا الإيقاع التاريخي تناهى إلى أسماعنا من طرف فقهاء الدولة الليبية المحليين مصطلح " الحرب الصليبيةcrusade ". أطلقوا التعبير كتوصيف غير مباشر لعملية التدخل الالحاصل في دولتهم. حتى يلتقي مع دلالة هذا التحالف الغربي بتراثه الوسيط. إذن أُطلق المصطلح بالتحديد لكي يفهم كل متلقٍ ما هي الممرات والدروب الخلفية للصراع بين الغرب والشرق. وبالتالي سيكتسب أي تحرك عسكري ضد النظام الليبي بعضَ رواسبها على الأقل. والمصطلح دعوة لمعارضي النظام للإفاقة من التخدير الإعلامي المضاد بحسب هؤلاء الفقهاء. ونوع من التميمة البلاغة لدفع العدوان الغربي كما دفعه قديماً قادة العرب والمسلمين. حقاً دلل الموقف على إمكانية وجود خطابات دينية مسيحية و إسلامية (بالفعل أو برد الفعل) تسير في نفس الآفاق. وتجدد نفس الحالة بصدد الدفاع أو الهجوم أو تعبئة الوعي العام مع سير الأحداث. لقد برهنت على رسم حدود ميدان خيالي متوسطي (البحر المتوسط) للنزال العسكري. وهو ميدان يشبه ألعاب الإعلام والوسائط الإلكترونية. لكنه يقف على تربه بركانية ملتهبة بالصراع الأيديولوجي بين الشرق والغرب.

من جهة أخرى، لم يغب الخطاب الديني اليهودي عن التغطية الإعلامية. فقد ورد كخبر وسط حمأة الأنباء المتلاحقة عن ليبيا والربيع العربي مؤداه أنَّ إسرائيل تزمع في بناء مستوطنات لليهود داخل الكتل السكانية العربية. وتم ترديد الخبر نفسه على القنوات المحلية الليبية. وهو بوصفه خطاباً استيطانياً قيد التنفيذ، فقد أفرز مشروعية التدخل لاستكمال الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية. وكما قال معلقو النظام الليبي استغل انشغال العالم بالمسألة الليبية، ليقرر أن هناك مخططاً يهدف إلى توغل المساكن اليهودية داخل الأحياء العربية الفلسطينية. في خطوة لافتة لتفكيكها وهضمها وامتصاصها داخل بطن الدولة اليهودية.

جرى الموضوع حينذاك بدعوى حماية اليهود من جيرانهم المقهورين. وبالتالي يصبح حق التدخل و بالأدق حق الاحتلال مشروعاً في أي وقت. على طريقة مسمار جحا الذي تركه في بيت باعه لآخر. غير أنه لم ينقطع طوال الأيام والأسابيع عن زيارة البيت للاطمئنان على المسمار، أين المسمار وكيف حاله وهل ظل ثابتاً أم لا؟! ومن مرة يتأخر فيها جحا داخل البيت ليتأكد من وجود المسمار إلى أخرى يتلكأ فيها متعللاً بإلقاء النظرة الأخيرة عليه، استطاع استعادة البيت كله مرةً ثانيةً. أخذ البيت بعد أن فاض الكيل بصاحبه من زيارات حجا المتطفلة، فتركه بجميع مساميره وذهب دون رجعة. وعلى الرغم من أن هذا النمط من الخطاب الديني بعيد بحكم سياقه المغاير إلاَّ أنه يكشف عن طبيعة "دين السياسة" العالمي. إنه فيما يتصور مؤيدو النظام الليبي خطاب " النموذج " القابل للتكرار عبر سياقات سياسية أخرى. وما تصرف قوى التحالف إزاء ليبيا إلا تطبيق له، ونتيجة تجري على منواله...أو هكذا يريد الإعلام المحلي أنْ يقول.

لاهوت العلمانية

هنا ينبغي التأكيد على الانحراف والتخليط في معنى العلمانية السياسية، تلك المهتمة كما يُزعم دائماً بالمصلحة والنفوذ والقوة فقط. فهذه العلمانية عن طريق القوة ليست ارتباطاً بالعالم والعلم والإنسان على ما تظهر مفردات كهذه في الممارسة السياسية. إنها إقرار لسلطة فوقية بديلة تحتل مكان المشروعية الدينية. وذلك اُستعمل أيضاً لإحداث مشروعية سياسية قافزةً فوق سيادة الدول وحقوقها مهما كانت خصوصية المشاكل التي تتورط فيها.

يتفرع عن التأكيد السابق أنَّ الابتعاد السياسي عن الدين بالمعنى الطقوسي جعل هناك متسعاً لممارسة نفس المضمون، لكن في شكل إنساني متطرف وعدواني. بحسب الاعتقاد السائد أن حالة العالم محكومة بهيمنة القطب الواحد. هكذا أصبحنا نرى قوى سياسية تتحدث بلغة الخطاب الديني في مصطلحات سياسية وأخلاقية، وتطرح مشروعات ديمقراطية عن طريق مؤسسات عابرة للحدود بهدف التهذيب والإصلاح الكونيين لبعض الدول المارقة، لكن تهذيب لمن وإصلاح لمن؟!

مبدئياً هي قوى عولمية تجوب أقاليم العالم وقاراته دون سقفٍ حقوقي أو قانوني. إذ تُطرح هاتين المحاولتين لتهذيب وإصلاح شياطين العالم وأشراره (دول محور الشر كما أصطلخ عليها الأمريكان بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ألفين وحادي عشر). حيث وضعتهم نصب أعيُنها الكونية نتيجة اقتناص مصالح أو شن حروب استباقية كما فعل بوش الابن. وقد نُظِرَ إليها- أي لتلك الدول- باعتبارها خارج الإيمان بالمبادئ والقيم الغربية. والقول نفسه تردد كثيراً على لسان الرئيس الأمريكي أوباما، وتردد في خطابات عدد لا بأس به من الساسة الغربيين، الذي يعلقون على سير الأحداث في العالم العربي. لقد جاء القول السابق في صورة عبارة تشير إلى الإسلاميين المتطرفين هكذا: " الذين لا يؤمنون بالإنسان ولا بروح الحضارة الغربية ". ولندقق النظر في أنَّ هؤلاء الساسة يستخدمون مصطلح الإيمان- الذي ظل مميزاً للتجربة الدينية- بالمعنى السياسي، فبات من حينه يقرر المعاني الدنيوية الأخرى ويطفو عليها.

كانت وسائل الإعلام هي الأداة الباطشة لكل من يقف في وجه هذا التيار المتشدد، بل لم تترك القوى الكبرى وبخاصة أمريكا فضاءً عالمياً دون أن تثبت خلاله تلك السلطة القامعة. وأمام الفضاء العربي الإسلامي استطاعت أن تُحرِك داخله الفاعلين المحليين من مشايخ وإعلاميين ورجال سياسة أنصاف ببغاوات ورؤساء منظمات إقليمية. فهؤلاء دون وعي عبارة عن قطع غيار في تروس آلة مهيمنة على العالم. ولا يغرُب عن بالنا أنّ أكثر المجالات- كالفتاوى والخطاب الديني- بُعداً عن الاتصال المباشر بتلك القضايا العالمية تخدم عن إلتفافٍ ومناورة أهدافاً ومصالح حيوية لهذا الاتجاه. لأنها تتم من خلال وسيط خطابي توليفي يُؤخِر ويُقدِم ويُعيِد إنتاج المشاهد إعلامياً.

لعلّ هذا ما دفعني للقول إن بعض القنوات العربية تكثف الاتجاه العالمي الغالب على نحو لا مثيل له. وتدعم رؤية الأخيرة بصدد القدرة على الاحتواء والاستعمال غير المباشر للموارد الدينية كالمذاهب والرموز والتنظيمات الحركية التي تصب في الإطار العام. حتى ولو كانت تلك القنوات تغذي في الظاهر مصالحها القصيرة. فليس بن لادن والقرضاوي والقرني سوى مساهمين فاعلين في إمداد الفضائيات بالذخيرة الدينية الحية – مثل الأحكام والأحاديث والفتاوى والأحاديث اللاذعة على اختلاف مشاربها من جهة الرؤية والمنطق والنتائج- لقصف من يناوئها. من هذا الجانب لم تكن الفضائيات محايدة على الإطلاق.

إن هناك توظيفاً مضاعفاً عن طريق الوسيط الإعلامي بفضل مونتاج خطابي خاص بالعقل السياسي والأحداث الجارية. هي تضاعف تبرير التدخل في الشؤون الخاصة بدولة من الدول، فتصبح كل وحدة خطابية من عبارات وشعارات لها ترتيب معين، ولها مساراتها التي تستنطق ذهنية المتلقي، بما يتواءم مع الهدف غير المعلن. وإن كان الوضع (في المسألة الليبية) هدفاً معلناً بوضوح: تدمير قدرات الدولة وانتهاك سيادتها!! لكن أُخفيت سلسلة الأهداف التالية.

من ثم لم تكن فتاوى القرضاوي ولا حوارات الصلابي ملكاً لهما بتلك الطريقة. بدليل أنَّ قناتي الجزيرة والعربية ما إنْ طرحتا هذه الخطابات حتى كانتا تشددان على دلالةٍ أخرى في تفاصيل الأحداث، دلالة كانت تلتحم في الأفق العام مع ما يقوله براك أوباما وساركوزي، وتؤيد ما يعلنانه من خطط عسكرية لضرب القوات التابعة للدولة الليبية. الفرق أنَّ القرضاوي والصلابي كانا يرتديان عمامتين شرقيتين. واتساقاً مع ذلك كان المنتظر أن يخلعانهما على الرئيسين الأمريكي والفرنسي. لكن القاعدة المنطقية تقول: إذا توحدت المصالح تشابهت المواقف، بل تطابقت الأفكار تماماً.

وكان و مازال السؤال يجري بالطبع حول: أيةُ أيدٍ كانت تعبثُ بفكرة الحق والمشروعية لإسقاطها على الواقع؟ مهما تكّن الإجابةُ التي حلحلنا خيوطها إلى الآن. فالقراءة السابقة أبرزت عدة نقاط بصدد المسألة الليبية:

1- لكم صاغ الخطاب الإعلامي (للجزيرة والعربية والحرة...) مشروعيةً للصور المبثوثة التي لم تمت للواقع بصلة. و قامت هذه الشاشات بتكرارها حتى تتعلق بخلفية المتلقي، وتشكل متصلاً للاستنتاج البصري المتتابع أمام تطور الأحداث بل كانت تحاول أن ترمي إلى الأمام منها لتغطية المستقبل. وبخاصة إذا كان الإعلام يتبنى أيديولوجيا مسبقة تناوئ موضوع التغطية. كما تم إخفاء وجوه أخرى للصراع على الأرض، بينما جري التأكيد على وجه معين فقط على مستوى التحليلات واللقطات الجزئية كي يكون التصور المشوه والراجع شاملاً في المقابل.

2- لعب هذا الخطاب ذاته على وتر المشاعر عن طريق تكرار المشاهد المُخيفة نتيجة الصراع الدموي بين النظام والمعارضين. كي يُقنع المتابع بما يراه على أنه الواقع الحقيقي. وهذا لون إعلامي يذهب عادة خلف صور مثيرة بصرياً، حتى ولو كانت دامية، لتنال قدراً كبيراً من التعاطف. ينجرف المتابع إلى هذا لأنَّ هناك تماثلاً في الشعور الإنساني تجاه صور القتل والرعب من مجمل الناس. وهذا احتاج من قناتي الجزيرة والعربية وغيرهما إلى أسلوب القص واللصق البصري، وإدخال مشاهد مكان مشاهد أخرى مع اختلاف التعليق، مع نزع الكلمات والعبارات من سياقها ووضعها في سياق آخر. كما حدث مع خطاب الرئيس الليبي في الساحة الخضراء، الذي تم اجتزاء جملة منه مثل قوله: "إذا كان الشعب الليبي لا يحب معمر القذافي فلا يستحق الحياة".

فعلى الرغم من أنَّ الزعيم الليبي قد أكد آنذاك على مضمونها مرة أخرى في الخطاب ذاته كالتالي: " إذا كان الشعب لا يحب معمر القذافي، فإنَّ معمر القذافي لا يستحق الحياة "، إلاَّ أنه تم استنطاق هذه الجملة في حينها- على هيئة خبر عاجل أسفل شاشة العربية- بما يفيد: أن الشعب الليبي ذاته لا يستحق الحياة في حالة عدم حبه لقائده المفدَّى. وبالتالي استناداً إلى هذا التحريف الخطابي، أصبح المجتمع الدولي أمام حالة للإبادة الجماعية وإهدار حقوق الشعوب، بينما منطق العبارة بحسب ما كان يقول صاحبها: أنَّه هو نفسه كحاكم لا يستحق الحياة .. ذلك على قاعدة أنَّ الشعب هو مصدر الحياة لزعيمه ومنه يستمد وجوده ومشروعية بقائه.

3- تمَّ انتزاع التصريحات من بعض المسؤولين الدوليين لإدانة الأثر الحاصل نتيجة صور القتل والتدمير دون معرفة مصدرها الفعلي أو التحقق منها. في هذا المجال كان انتقاء هؤلاء الشخصيات الواقعة على رأس المنظمات العالمية والإقليمية فاعلاً في توقع ما هو قادم (أو بالأحرى التنبؤ بما سيحدث). بل وصل هذا الأسلوب إلى أكثر، جرى دفعه في الاتجاه الذي تتبناه القناة الفضائية كالجزيرة التي كانت فاقعة الإيغال في هذا المنحى. وضح ذلك جلياً بصدد القرارات السريعة التي كانت قد اتخذتها جامعة الدول العربية بشأن تعليق عضوية ليبيا، وعجلت بقرارات الإدانة التي ما إنْ وصلت إلى مجلس الأمن حتى استحالت إلى إجراءات عسكرية رادعة. وذلك بناءً على تقارير إخباريةٍ غير صادقة، وبفعل ما شاهده وسمعه عمرو موسى أمين الجامعة العربية وأعضاء مجلس الأمن دون أن يتقصوا الحقائق.

4- إعلاء نبرة التحريض الذي يواصل مفعوله كلما خبا أوار الصراع المسلح على الأرض، أو كلما رأت القناة أحداثاً هادئة هنا أوهناك. وشمل التحريض بالنسبة للجزيرة مثلاً الاستعانة بمن هم قادرين فنياً وعسكرياً على رسم الخطط والاستراتيجيات التي تخرج الطرف (المتمرد) من مآزق عملية أو إعلامية. وفي الوقت نفسه تم التكتم على الآراء والوقائع التي لا تنتظم وفق هذه التغطية. وإذا كانت تلك الآراء مؤثرةً، فكانت تُعطى لها مساحة ضيقة وهامشية، عادةً ما يقطعها مقدم البرنامج استعداداً لجولة قادمة.

5- كان التوسع واضحاً في فقه الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي (أي الفقه الوارد على الشاشات وعبر الواقع الإفتراضي)، حتى كاد يُلامس حدود وإدارة المعارك على أرض الواقع، وكاد يدس أنفه في كافة المواقف والتفاصيل المؤيدة والمدعمة لجانب الطرف الثائر (المعارضين)، ثم سرعان ما كانت تُعممّ الفتاوى دون حساب الآثار والنتائج التي تشكل جانباً مهماً لمقاصد الدين. فعلى سبيل المثال هناك قول مأثور دينياً يدحض هذا المنحى: " درء المفاسد مُقدَّم على جلب المصالح".

وبالمناسبة هو قول مهم على مستوى التشريع. لأن الأساس في الفتوى ليس تمتع الفعل الذي تفصل فيه بالحلال أو الحرام فقط كمبدأ صوري، لكن أيضاً أن ترتهن باستشراف النتائج المترتبة عليه. وذلك بفضل الآثار المترتبة على إمكانية ظهور المفاسد وإمكانية استفحالها وإن كان المدخل إليها من باب المصالح الوقتية المقبولة. ولعلَّ هذا ما قد يبطل فعلاً مباحاً في حالة إذا قاد إلى النهاية الفاسدة نفسها. وبالتالي تبطل الفتوى بدورها ولو كانت صحيحة إذا اسفرت عن مفاسد. غير أنَّ هؤلاء المشايخ يطلقون العنان لكلماتهم من غير التفكير في العواقب ودون دراية بطبيعة المجتمع الليبي ولا غيره من المجتمعات.

في المحصلة كان ومازال (دين السياسة أو السياسة كدين) عبارة عن إقرار " الواقع الافتراضي" البديل الذي تبثه الفضائيات المؤدلجة، والسعي للبحث عن فرضه على الواقع فرضاً. ولذلك كثيراً ما تضم صناعة الكذب جميع الأنماط من تحليلات وخطط استراتيجية وآراء ملفقة وتوظيفات. وهي آراء قد تكون مأخوذة بالتماثل بين حالات في دول أخرى كمصر وتونس، ولكن لم يرضَ الخطاب الاعلامي بديلاً عنها في المجتمع الليبي، رغم اختلاف سياق المجتمعات المتجاورة. والحق أن السياسات العسكرية وُضِعت بمصاحبة الإعلام أصولاً للاهوت التحريم والتحليل المصحوب بالخطط والتحركات. ولجأت إلى تثبيت قوى عليا ناسجةً حولها مجازات الخوف والرعب والتدمير. نتذكر في هذا الشأن مصطلحات غربية لم تبرد دلالتها مثل:"أسلحة الدمار الشامل"، "الأسلحة الموجهة بالأقمار الصناعية، "الصدمة والرعب" التي تعبر عن هذا العالم المرعب.

 

د. سامي عبد العال

 

فارس حامد عبدالكريمتعد المرونة العقلية للفرد من أهم عوامل تطور وتقدم البشرية، ومن شواهد ذلك ان أفراداً معدودين غيروا مجرىالتاريخوالبشرية باكتشافاتهم أو بأختراعاتهم الإبداعية، وهكذا كان ذوي العقول المرنة الملهمين دوماً لأفكار جديدة.

بينما كان الجمود الذهني ولازال، المرتبط دوماً بثوابت لاتقبل الجدل والتغيير،  سبباً مهماً في تعميق الآلام والمآسي  التي عانت منها البشرية وحقائق التاريخ القريب والبعيد تؤكد ذلك.

ويكاد أن لايخلو معطى من معطيات الحياة من تأثير المرونة العقلية أو الجمود الذهني، فهما حاضران فيالإقتصاد والسياسية والتعليم والدين والمساءل الشرعية وفي جميع العلاقات الإجتماعية.

معنى:

تُعرف المرونة العقلية؛ بأنها قدرة المرء على توليد العديد من الأفكار الفريدة الجديدة وغير التقليدية وتقبل الأفكارالجديدة ووجهات النظر المتعددة بما يُلائم المواقف المتغيرة المختلفة والطارئة التي يواجهها والتأقلم معها.

وهذا يعني ان للمرونة العقلية جانبين احدهما أن يکون لدى الفرد السلاسة والليونة فى أفکاره وقدرته علىالإنتاجالذاتي للأفكار الجديدة المتنوعة غير المتوقعة والإنتقال من فكرة الى اخرى دون التقيد بأطار محدد.

اما الجانب الآخر  للمرونة فيتمثل بالقدرة على تلقي الأفكار الجديدة من الآخرين واستيعابها والتعامل معها حسبظروفالزمان والمكان.

ويلتحظ الباحثين في هذا المجال أن للمرونة العقلية مظهرين هما؛ المرونة التكيفية والمرونة التلقائية

أولاً- المرونة التكيفية؛ وتعني قدرة الفرد على تغيير طريقة تفكيره في مواجهة المشكلات وإيجاد الحلول الملائمة لها.

ثانياً- المرونة التلقائية؛ وتعني قدرة الفرد على الانتقال من فكرة إلى أخرى عند مواجهة مشكلة ما بشكل تلقائي دون التقيد بإطار معين في التفكير.

ومن مظاهر المرونة العقلية عند الشخص القدرة على إدراك مختلف العلاقات والفوارق الدقيقة بين الوقائع المختلفة.

ويظهر الشخص ذو العقلية المرنة انماطاً عقلية متنوعة اثناء النشاط الإبتكاري، ولديه نشاط عقلي تأملي مجرد ومهارة حل المشكلات والتفكير الإبداعي.

ويعي صاحب الذهن المرن انه افكاره تواجه عالماً متغيراً مما لايجعل من اراءه ومعتقداته قطعية ولذلك فهو يحترم وجهات نظر الآخرين ويتناولها بالدرس والتحليل وقد يتبناها ان وجد انها تمثل الحقيقة، تاركاً الجدل العقيم والرغبة في التسلط والجمود الفكري.

والمرونة العقلية والفكرية من الصفات والمهارات التي يجب علينا تعلمها وتعليمها لأبنائنا بالتدريب عليها، فهي تنمو بالاستعداد دائماً لتقبل كل الأفكار ومحاولة الخروج عن المألوف منها لإيجاد أفكار جديدة.

والمرونة هي نقيض لمفهوم الجمود الذهني الذي يعني تبني أنماط ذهنية محددة مسبقاً وثابتة أو غير قابلة للتغيير حسب ما تستدعي الحاجة.

ويعد الجمود الفكري آفة خطيرة تضرب خاصرة المجتمع وتطيح به الى مهاوي التخلف والركود والخمول، ولاشك فيانه مانع تاريخي عتيد للتطور، واذا كان الجمود الفكري لايقبل بل يعارض الأفكار المتطورة والمستحدثة بكل قوة فأنه يتوافق بشكل غريب مع الخرافات والأساطير

ولاشك ان جموداً فكرياً ضرب العراق والعراقيين في فترات احتلال وغزو دامت لقرون، منذ سقوط الدولة العباسية المدوي، ما انفكت تذبح العراقيين بدم بارد، ورغم ان تأسيس الدولة العراقية الحديثة (1921) قد شهد تحركاً واسعاً لبناء مجتمع عراقي حديث انتج في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي حركة ثقافية وادبية وفنية متطورة قياساً لظروفالزمان والمكان، وبرز اطباء ومهندسون ومحامون ادباء وفنانون وشعراء وسياسيون على مستوى عال من المرونة العقلية، إلا هذاالظهور الحر للعقل العراقي المبدع لم يستطع مقاومة الجمود الفكري الراسخ في العقل الإجتماعي المتوارث جيلاًأثرجيل، بل دخل في صراع فكري مرير تداخلت فيه السياسة مع الدين مما افضى الى اوضاع سياسية وفكرية شاذة سيطرت على الساحة الإجتماعية والسياسية لعقود من الصراعات والحروب وأطبقت على الثقافة والفن لتعيدنا من الناحية الرمزية الى العصر الحجري او قل الى عصر العقل المتحجر.

الحل:

تعزى ظاهرة الجمود الفكري الى عدة اسباب، منها؛

- الانظمة الدكتاتورية التي تخنق الثقافة والمثقفين وتحاول ان تتلخص منهم بشتى الطرق.

النظام الإجتماعي المغلق لأسباب قبلية او دينية او سيطرة الخرافات والأساطير على عقول الناس.

النظم التعليمية التربوية البائسة التي لايحمل القائمين عليها حرصاً وطنياً او انهم  بذاتهم مرضى بأمراضالقبلية والعشائرية ويعانون من بذاتهم من الجمود الفكري. مما يستوجب إعادة النظر في المناهج الدراسية وإثراؤهابمهارات التفكير الإبداعي وتبني طرائق تدريس حديثة تساعد على تنمية التفكير الإبداعي لدى  الطلاب لبناء جيل استثنائي يتميز بالمرونة العقلية والفكرية التي تمنحه القدرة على مواجهة المشكلات والأزمات الصعبة بمرونة وتلقائية.

عدم الإهتمام بالبحوث والدراسات التي تساعد على تنوير الشعب وخلق ثقافة عامة مرنة، ففي العراق تبقى اطاريحالماجستير والدكتوراه اسيرة المكتبات حتى يعلوها الغبار ، ولا يمسحه عنها سوى باحث آخر يقتبس منها مايحتاجه ليعيدها الى الرف وتتكرر نفس المأساة مع اطروحته.

الحلول

لاشك ان معالجة الأسباب هو الطريق الصحيح لحل أية مشكلة إجتماعية، ولكن تبقى الديمقراطية الحقة التي تسيرقدماً بإرادة الشعب الحقيقية دون معوقات وتدخلات هي الأرض الخصبة لنمو الإبداع والحرية الفكرية التي تعطي الأمل بالتغيير الجذري لواقع اجتماعي لايزال يعيش في بعض جوانبه في القرون الوسطى.

 

فارس حامد عبد الكريم

استاذ جامعي - النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية.

 

حمزة بلحاج صالحتطابقه لا ينفي اختلافه ومكره مؤسس على فلسفة لا على تخمين وعاطفة.. 

فلتكن فلسفة انتهى بها المطاف إلى أن تكون اليوم عدمية مادية إلحادية ...

لكنها فلسفة ومعرفة وفكر...

 الغرب واحد في ميتافيزيقاه وأساسه الفلسفي والمعرفي والحضاري..

لكنه يمنح عبر فراغاته وبعض انفلاتات عناصره ورموزه على النموذج السائد فهما ومنجزا تموقعات ممكنة جدا ...

لمن يشتغل معرفيا  بجد من أجل المساهمة في وجود وظهور منعرجاتtournants au sens bifurcations  تاريخية ...

أو توظيفها عند التحقق ومن أجل تفاعلات على مستوى خطابه وخلخلة لبعض مركزياته  ..

صحيح قوة الغرب تمنحه نوعا من الغلق والتمركز والتمنع الذي يجعل التموقع في فراغاته صعبة ومكلفة ومعقدة...

لا شيء من غير كلفة وسعر وتضحيات وعلم...

كفى يقودنا أعشار المتعلمين ومن سموهم أهل التخصص لأنهم حصلوا شهادة تخرج من تخصص الشريعة من التقليديين والتراثيين والوعاظ ومهيجي العواطف ومختزلي الأزمة في شق أخلاقي يختصر الأخلاق في فجور مابين الفخذين والكذب والخمر ووو... الطاعة في عبادات ظاهرية ونوافل وأدعية ونواميس ...

الزعم بأن الغرب ماكر ومهما فعلنا في تقريب المسافة الإنسانية بيننا وبينه فلن يرضى عنا  زعم يغلق لعبة الدومينو وهي غير مغلقة..."....

الممكنات عديدة جدا.. ..

هي منعرجات قد لا نساهم في ظهورها  ووقوعها لكن علينا أن لا نفوتها بعقل متيقظ راصد إحتراسي نتلقفها به ...

فضاء الإشتغال هو للنخب العضوية المنظمة والقوية بالمعرفة والفكر والإستشراف والفعل العميق والعالم والممارسة لشبكة من العلاقات قطريا إقليميا وعالميا ...

متحركة في الخارج كما في الداخل....

نخبنا تذهب إلى الغرب للإتنظام لا للتفاعل ..

بل تمارس الانتظام الإنهزامي في عقر دارها ...

إنها نخب للضجيج لا للعمل العميق..

نخبنا يغلب عليها أنها دعوية وعظية تبشيرية لا فكرية وعضوية مثقفة وناقدة ومفكرة واستراتيجية تشتغل بما يسمى " تسيير المستقبل" Manager l'Avenirو المساهمة في استغلال وتسريع وتلقف منعرجاته ses bifurcations  ...

نخبنا لا تاريخية وأسطورية ولا نقدية  بل ضد نقدية...

نخبنا مزهوة بتدينها قنوعة بفهمها أحادية وزهيدة في كسبها ...

أو مستلبة مرتهنة مغتربة ...

نخبنا تختزل العقل في عنوان سطحي محدود الدور عاجز أمام سنن الله الكونية...

و لا تؤسس خطابا متميزا يحاور ويسائل ويطرح البدائل ويبحث عن التموقع في الطريق المسجود يرسم ثغرات وممرات للعبور..

نخبنا تعض بالنواجذ على يقينيات ومسلمات كثير منها عائق كبير وعارية على أن يكون من المسلمات والقطعيات بل ترفعها إلى مكانة الوحي والمقدس تخون من ناقشها وشكك فيها ومارس عليها نقدا وسلط عليها الفحص العلمي ...

فهي تخونه وتشبيطنه وتسفهه وتصنفه وتقف عثرة في مسار خطاب ومشروع التحول والتوثب...

لا توثب من غير حوار عميق فلسفي وثقافي وأنطولوجي ووجودي رفيع الكسب ومتين التأسيس مع الذات والاخر الذي يحدد لحظتنا وكيفية  عيشها...

لا توثب ونحن نخشى مواجهة ذاتنا باسم "اعتزال الفتن إيمان"...

لا توثب وعقلنا منذ خمسة عشر قرن خلت هو نفسه عقلنا اليوم بل أسوأ لأنه يشتغل بمنجز جزء كبير منه تاكلو بات عليلا ...

لا توثب يحصل ونحن نعترض مسار المحاولات ونمارس تصورنا للحياة ولحظة عيشنا بعقل بارك ومنطفىء وباهت وتصنيفي ومستقيل عن الواقع...

عقل يقدس اللامقدس ويوسع من الوحي الى خارج الوحي ويصنم البشر والمقولات ويقتل الحياة باسم الاصول والثوابت والقيينيات والمسلمات والقطعيات...

عقل صنع الأصنام وهو يحارب اليوم من يحاربها...

لا توثب ونحن نردد كالعجائز مقولة الوحدة ونرفض مواجهة وهم الإختلاف الذي يزرع في طريقنا قنابل تفجر كينونتنا الحضارية الى طائفية مستقيلة عن التاريخ وسياقاته وتعود بنا إلى استلابات ماضوية...

لا توثب وبعضنا يمارس على النخبة مقولة الوصاية على الدين يحول فهوم البشر ومقولة " أهل العلم" و" العلماء" و" أهل التخص" إلى سد منيع في طريق القومة والإنبعاث والتحديث والإجتهاد والإبداع والإبتكار...

يردد خرافات العجائز..النقد ليس مشروعا...النقد ليس بديلا ..

حضارة الغرب قامت على نبذ الوصاية وهو أساس التنوير وعلى العقل النقدي التحليلي وهو أساس البناء ...

تذكروا مقولة الفيلسوف هايدغر " الهدم هو لحظة في البناء الجديد" ...

المشروع ليس وصفة تكتب للمستسلمين والعاجزين والمنهزمين ..

المشروع ليس عبارة فضفاضة تختبىء وراءها المشيخات التي تقتات من زعاماتها الزمنيةاللابسة لبوس المطلق...

المشروع حل لا يقدمه الملهم والمهدي المنتظر...

أكبر مشروع قامت عليه الحضارة الغربية هو مشروع صناعة العقل النقدي التحليلي..

لا صناعة عقل الوصفات واتباع الكاريزمات والمشيخات الإلاهية والخطابات الدوغمائية ...

من نوع التوظيفات الفاسدة والفهوم المزورة للقران والوحي  باعتبارهما من صنعا العقل النقدي  التحليلي بامتياز ...

مثل الفهم الفاسد المضر لقوله تعالى  " ما فرطنا في الكتاب من شيء" و" الاسلام هو الحل" و "تطبيق الشريعة" و" الإسلام دين ودولة" و" الحدود أساس شريعة الإسلام" و" الإسلام دين محارب يفرض الجزية على أهل الذمة والكفار يعطونها عن يد وهم صاغرون" و" نصر الرسول صلى الله عليه وسلم بالرعب أربعون خريفا" ...

لا توثب ونحن نعتقد أن على النخبة أن تتحول إلى عامة الناس يجرجرونها في قضايا تافهة وتفكير مسطح ووسطاء ومطبيلن يجمعون " الغاشي"  و" أعداد من الانس" ينتظمون في خطوطهم ولا يصدمونهم خوفا من فقدان رضاهم  أو لأنهم لا يتوفرون على خصائص النخبة لأنهم في الحقيقة من عامة الناس ولو حملوا أعلى الشهادات ....

فلا تتعجب إن كان كثير من حملة الشهادات العليا يحملون معهم عقلا مدمرا ومسطحا لا يملك الأدوات والمنهج والقراءة والنقد فهو في حاجة الى محو الأمية ...

لا توثب ونحن لا نقول للناس "لا" وإن قال لهم غيرنا وقالوا هم جميعا "نعم" ونقول لهم "نعم" وإن قال لهم غيرنا وقالوا  جميعا "لا"...

لا توثب والمثقف النقدي والأكاديمي والعالم والمفكر والواعظ والإمام والمصلح يمارسون "ما يرضاه المستمعون" ويكتبون ويقولون "ما يطلبه المستمعون" ويخشون معارضة الناس ولا تهمهم في الواقع المخفي إلا الزعامتية والشعبوية والضجيج والتهريج والإنتظام ...

لا توثب وتفكيرنا لا يغادر طقوس وأركان الحلال والحرام ونواميس التعبد والمأثورات  والأدعية وجلسات المذاكرة والنصح ونوافل العبادات وحفظ القران وإتقان غناته وإدغامه وقواعد ترتيله وتجويده قبل الإستبحار في كبريات نواظمه الكونية  والاشتغال بأدوات الإقلاع والوثبة وبالتدبر والمعاني...

لا توثب ونحن لا نعرف الغرب إلا شيطانا وكافرا وفاسقا وإباحيا يتامر على الدين وإن كان بعض هذا من مهامه لكن الأمر أكبر...

لا توثب وبعض نخبنا تبحث عن التموقع بين الشعب ولو بالنفاق الإجتماعي والكذب والجهالة والمسايرة سواء تعلق الأمر بمقولة الغرب أو الذات ..

لا توثب وبعض النشطاء في الفضاء العام من الذين يعتبرون أنفسهم أوصياء على الدين لأنهم أهل تخصص وحملة شهادات جامعية  عليا ولا يقومون بمواجهة وصدمة  الوعي الجمعي بل تكريس حاله التعيس واحيانا لان فاقد الشيء لا يعطيه وهم يفقدون اشياء ...

و يعتبرون ذلك فتنة وفوق قدرات الناس وزرع فتنة وتحميل الناس ما لا يطيقون وغيرها من التبريرات الكاذبة وحديث العجائز وهي طرق للإختباء وكسب ود الجميع وإبقاءهم على أخطاءهم وعدم معارضتهم ...

و يتناسون أن فساد مقولاتهم العجائزية الهرمة واضح لا يحتاج إلى تعليل واستدلال فمواجهة الناس من المتعلمين وحملة الشهادات غير مواجهة العامة ومواجهة بعض المنتسبين للنخبة غير مواجهة من يصلح أن يكونوا نخبة عالمة...

لا توثب ونحن لا نقارب الغرب وجهازه المفهومي ونقف على أسسه ومرتكزاته وميتافيزيقاه مقاربة متحررة من كل أشكال الإستلاب التراثي والغربي ....

تجعلنا نتابع بدقة متناهية مسارات التحول والتجاوز والمنابع وبنية المرجعيات وصلتها بالراهن وبالأصول ...

الغرب ليس ملة واحدة وتقسيمات دار الحرب ودار الإسلام ومقولات الحق والباطل ومقولات الإيمان والكفر والولاء والبراء ...الخ يجب ان تراجع فهومها التراثية وتمتراستها الأيديولوجية والسياسية  وسياقاتها وأطرها السوسيو- معرفية...

أو نصوم عن الكلام...

أو ننسى مقولات الإقلاع والتوثب..

نحن لسنا على هذا الكوكب وحدنا...

لا أفضلية وأحقية لنا في النصر لأننا امنا بالله وكنا مؤمنين وأسلمنا وكنا مسلمين ..

 ولا منة لنا على الله لأننا من المؤمنين والمسلمين ...

و إذا واصلنا عصياننا عبر هذا الفهم الطائفي المقيت اللإنساني واللاكوني فمن حق الله أن يستبدل قوما غيرنا...

 

حمزة بلحاج صالح

واحدية الغرب لا تنفي ثغراته

 

عبد الله الفيفيالمرأة في التراث العربي بين خطابين (9)

ناقشنا في المساق السابق موقف (علي أحمد سعيد/ أدونيس) المُمَجِّد لفِكر (أبي العلاء المعرِّي)، غير ناظرٍ إناه، المليء بمواقف متناقضة، ومنها مواقفه الجاهليَّة من المرأة.  متغنِّيًا دائمًا ببيته:9

اثنانِ أَهلُ الأَرضِ: ذو دِينٍ بِلا

عَقلٍ، وآخَرُ عاقلٌ لا دِين لَهُ

وقلنا: إنَّ غاية ما تصوِّره الأبيات، التي منها هذا الشاهد الأدونيسي، المأساة العامَّة في اختلال الموازين بين بني الإنسان، منتقِدًا الشاعرُ أَتباع الدِّيانات جميعًا.  ولكن أليس في أهل الأرض ذو دِينٍ عاقل، أو عاقلٌ دَيِّن؟  وليكن المعرِّيَّ نفسه؟!  وكأنَّ هاتين الصِّفتَين لا تجتمعان في امرئٍ واحد. ولو كان ذلك ما عناه النصُّ، لَما قَدَّمَ أبياتًا لوصف فساد أتباع الدِّيانات- عرضناها على القارئ في المساق السابق- مصوِّرًا التعارض بين ما يقولون وما يُضمِرون، وبين كلامهم عن ادِّعاء الأنوار واستحلالهم الخمور، ولَما كان معنًى لتخويفهم بالقضاء السَّماوي، ولَما وصفَ بعضهم بالهفوة، وآخَرين بعدم الاهتداء، أو بالحَيرة، أو بالضَّلال، بل لوَصفَ الأديان ذاتها بتلك المعايب، لا أهلها.  وإنَّما ظاهرُ النصِّ تعريةُ زَيغ الناس عن الجادَّة المستقيمة، الآخِذة بمعادلة العقل والدِّين.

هذا كل ما هنالك.  غير أن المطلوب إثباته- اعتسافًا- لدَى من يستشهدون ببيت المعرِّي الأخير، نقيض ذلك؛ فالمطلوب إثباته أنَّ الشاعر كان يمتدح "ذا العقل بلا دِين"، ويهجو في المقابل: "الدَّيِّن"- وهو بالضرورة دَيِّنٌ بدِينٍ محدَّدٍ مؤرِّق- ولذا لا عقل له!

وهكذا تلعب الإديولوجيَّات بالعقول، وتبعث على تدليس النصوص والمعاني، مصوِّرةً المعرِّي- كما في هذا النموذج- على أنَّه ذلك المفكِّر العقلاني المتحرِّر، نصير العقلانيَّة المطلَقة، والحُريَّة الجذريَّة من الأديان. ويا لها من عقلانيَّةٍ وحُريَّةٍ لدَى رجلٍ ظلَّ أميل إلى العقل التقليدي، والطبيعة الخرافيَّة، حتى إنَّه ليدعو صراحة- في ما يدعو إليه- إلى "دفن المرأة"؟!  أفلا يقرأ هؤلاء غير ما يُحِبُّون أو يتوهَّمون؟ أينهم عن لزوميَّته(1)، مثلًا:

وإنْ تُعْطَ الإناثَ ، فأيُّ بُؤْسٍ

تَبَيَّنَ في وُجُوْهِ مُقَسَّماتِ

يُرِدْنَ بُعولةً ويُردْنَ حَليا

ويَلقينَ الخُطوبَ مُلوَّماتِ

ولَسْنَ بدافِعاتٍ يَومَ حَربٍ

ولا في غارةٍ متَغَشِّماتِ

ودَفْنٌ والحَوادثُ فاجِعاتٌ

لإحداهنَّ إحْدَى المَكْرُماتِ

وقد يَفقدنَ أزواجًا كِرامًا

فيا للنِّسوةِ المتأيماتِ

يَلِدْنَ أعاديا ويكُنَّ عارًا

إذا أَمسينَ في المتهضَّماتِ!

فيا له من شاعرٍ فيلسوفٍ، تنويريٍّ، متحرِّرٍ حقًّا!  على أنَّه في لُزوميَّته هذه، ذات المطلع:

ترنَّمْ في نهاركَ مُستعينًا

بذِكر اللهِ في المترنِّماتِ

قد سجَّل نفسه بنفسه في المدرسة التي قال: إنَّ الإنسان فيها: "دَيِّنٌ لا عَقلَ لَهُ"!  لأنَّه إنَّما وصلَ إلى ازدراء المرأة رهبانيَّةً ابتدعَها، وتبتُّلًا متكلَّفًا، وتعاليًا عن مصاحبة النِّساء، بوصفهنَّ لديه حبائل الشيطان، ولا تأتي من ورائهن إلَّا ألوان الشُّرور.

غير أنَّ مثقَّفينا عُوْرٌ، غالبًا؛ فلا يقرؤون إلَّا ما يعشقون، ولا يرون سِوَى ما يُقيِّدون به عقولهم وضمائرهم إديولوجيًّا. ثمَّ أينهم عن بقيَّة لُزوميَّة المعرِّي(2) تلك، التي يعبِّر فيها عن أنَّه ضِدَّ تعليم المرأة، قائلًا:

فَحَمْلُ مَغازِلِ النِّسوانِ أَوْلَى

بِهِنَّ مِنَ اليَراعِ مُقَلَّماتِ

سِهامٌ إِنْ عَرَفْنَ كِتابَ لِسْنٍ

رَجَعنَ بِما يَسوءُ مُسَمَّماتِ

ويَترُكنَ الرَّشيدَ بِغَيرِ لُبٍّ

أَتَيْنَ لِهَدْيِهِ مُتَعَلِّماتِ

لِيَأخُذْنَ التِّلاوَةَ عَن عَجُوزٍ

مِنَ اللَّائي فَغَرْنَ مُهَتَّماتِ

يُسَبِّحْنَ المَليكَ بِكُلِّ جُنحٍ

ويَركَعْنَ الضُّحى مُتَأَثِّمَاتِ

فَما عَيبٌ عَلى الفَتَياتِ لَحنٌ

إِذا قُلْنَ المُرادَ مُتَرْجِماتِ

ولا يُدْنَينَ مِنْ رَجُلٍ ضَريرٍ

يُلَقِّنُهُنَّ آيا مُحكَماتِ

سِوَى مَن كانَ مُرتَعِشًا يَداهُ

ولِمَّتهُ مِنَ المُتَثَغِّماتِ!

ذاك، إذن، هو فليسوف (المَعَرَّة)، الذي شغفَ بعض أدعياء الحداثة الشِّعريَّة، بلا حداثة حضاريَّة، وعُوران الثقافة المجانيَّة، فِكرًا وعقلانيَّةً أصوليَّة! فهم إمَّا لا يقرؤون، وإمَّا يقرؤون ولا يفهمون، وإمَّا يقرؤون ويفهمون غير أنَّ دَيدنهم أن ينتقوا ما يَغُشُّون به قارئيهم حين يكتبون، مُخْفين البضاعة الرديئة تحت ما ظاهره الصَّلاح.

 

بقلم: أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيـْفي

...............................

(1) المعرِّي، أبو العلاء، (1992)، شرح اللُّزوميات، تحقيق: منير المدني وزينب القوصي ووفاء الأعصر وسيِّدة حامد، بإشراف ومراجعة: حسين نصَّار، (القاهرة: الهيئة المِصْريَّة العامَّة للكتاب)، 1: 277/ 25- 30.

(2)  م.ن، 1: 279- 280/ 59- 61، 63- 67.

(*) هذا المقال جزء تاسع من ورقة بحثٍ قُدِّمت فكرتها في محاضرةٍ حِواريَّةٍ في (الصالون الثقافي بنادي جُدَّة الأدبي الثقافي)، مساء الأحد 28 فبراير 2021، بإدارة: (الشاعرة جواهر حسن القرشي). للمشاهدة على موقع "اليوتيوب":

https://www.youtube.com/watch?v=ZSZF936qzsY

(رئيس الشؤون الثقافيَّة والإعلاميَّة بمجلس الشورى سابقًا- الأستاذ بجامعة الملك سعود)

https://twitter.com/Prof_Dr_Alfaify

 

 

عبده حقيلقد تم اختراع الجنس الأول من الصحافة الرقمية، المسمى تليتكست، في المملكة المتحدة في عام 1970. كانت قناة المعلومات عبارة عن نظام يسمح للمشاهدين باختيار الأخبار التي يرغبون في قراءتها ومشاهدتها على الفور. والمعلومات المقدمة من خلال النص التليفزيوني مختصرة وفورية، شبيهة بالمعلومات التي نراها في الصحافة الرقمية اليوم. لقد تم بث المعلومات بين إطار إشارة تلفزيونية في ما يسمى بالفاصل الزمني للطمس العمودي أو VBI

لقد اعتمد الصحفي الأمريكي هانتر س. طومسون على تقنية الاتصالات الرقمية المبكرة بدءًا من استخدام جهاز الفاكس لتقديم تقرير عن مسار الحملة الرئاسية الأمريكية في عام 1971 كما هو موثق في كتابه الخوف والبغض على مسار الحملة.

بعد اختراع النص التليفزيوني، تم اختراع فيديوتيكس، حيث كان بريستيل أول نظام في العالم، تم إطلاقه تجاريًا في عام 1979  مع العديد من الصحف البريطانية مثل فاينلشل تايمز التي تصطف لتقديم أخبار الصحف عبر الإنترنت. تم إغلاق فيديوتيكس في عام 1986 بسبب الفشل في تلبية طلب المستخدمين.

لقد لاحظت شركات الصحف الأمريكية التكنولوجيا الجديدة وأنشأت أنظمة الفيديو الخاصة بها، وأكبرها وأكثرها طموحًا هي فيوترون، وهي خدمة تابعة لشركة نايت ريدر التي تم إطلاقها في عام 1981. ومن بينها كايكوم في شيكاغو و جيتواي  في لوس أنجلوس. تم إغلاق كل منها بحلول عام 1986.

بعد ذلك جاءت أنظمة نشرة الكمبيوتر. في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، بدأت عدة صحف صغيرة تقدم خدمات إخبارية عبر الإنترنت باستخدام برامج بي بي إيس وأجهزة مودم الهاتف. أولها كان ألبوكيرك تريبيون في عام 1989.

بعد ذلك أطلقت شركة " عالم ألعاب الكمبيوتر" في سبتمبر 1992 خبر استحواذ إليكترونيك آرت على Origin Systems  على بروديجي، قبل طرح الإصدار التالي للطباعة. ثم بدأت المواقع الإخبارية على الإنترنت في الانتشار في التسعينيات. من أوائل المتبنين كانت دي نيوز وأوبسيرفر في رالي بولاية نورث كارولينا التي قدمت الأخبار عبر الإنترنت باسم ناندو . كتب ستيف فيلفانتون على موقع

معهد بوينتر على الويب عن ناندو، المملوك لشركة The NO يقول " لقد تطور ناندو إلى أول موقع إخباري جاد ومهني على شبكة الويب العالمية". نشأ الموقع في أوائل التسعينيات ".

يُعتقد أن هناك زيادة كبيرة في الصحافة الرقمية على الإنترنت حدثت في هذا الوقت تقريبًا عندما ظهرت أول متصفحات الويب التجارية مثل Netscape Navigator (1994) و Internet Explorer (1995)   بحلول عام 1996، كان لمعظم المنافذ الإخبارية وجود على الإنترنت. وعلى الرغم من إعادة توجيه المحتوى الصحفي من مصادر نصية / فيديو / صوتية أصلية دون تغيير في الجوهر، إلا أنه يمكن استهلاكه بطرق مختلفة بسبب شكله عبر الإنترنت من خلال أشرطة الأدوات والمحتوى المُجمَّع حسب الموضوع والروابط النصية. كانت دورة الأخبار على مدار 24 ساعة والطرق الجديدة للوحات الويب للتفاعل بين المستخدم والصحفي من بين السمات الفريدة للتنسيق الرقمي. في وقت لاحق، بوابات مثل AOL و ياهو ومجمعات الأخبار الخاصة بهما (المواقع التي تجمع وتصنف الروابط من مصادرالأخبار) أدت إلى وكالات إخبارية مثل أسوشايتيد بريس لتوفير محتوى مناسب رقميًا للتجميع يتجاوز الحد الذي يمكن لمزودي الأخبار استخدامه في الماضي.

أيضًا، تم تأسيس صالون في عام 1995. وفي عام 2001، أطلقت مجلة الصحافة الأمريكية اسم صالون الإنترنت على "المكان المستقل البارز للصحافة".

في عام 2008، ولأول مرة، أفاد المزيد من الأمريكيين بالحصول على أخبارهم الوطنية والدولية من الإنترنت، بدلاً من الصحف. فقد حصل الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 29 عامًا بشكل أساسي على أخبارهم عبر الإنترنت، وفقًا لتقرير مركز بيو للأبحاث. استمر جمهور المواقع الإخبارية في النمو بسبب إطلاق مواقع إخبارية جديدة، واستمرار الاستثمار في الأخبار عبر الإنترنت من قبل المؤسسات الإخبارية التقليدية، والنمو المستمر في جمهور الإنترنت بشكل عام. خمسة وستون بالمائة من الشباب يلجون الآن بشكل أساسي إلى الأخبار عبر الإنترنت.

مواقع الأخبار الرئيسية هي أكثر أشكال إنتاج الوسائط الإخبارية على الإنترنت انتشارًا. اعتبارًا من عام 2000، أصبحت الغالبية العظمى من الصحفيين في العالم الغربي يستخدمون الإنترنت بانتظام في عملهم اليومي. بالإضافة إلى المواقع الإخبارية السائدة، توجد الصحافة الرقمية في مواقع الفهرس والتفييئ (المواقع التي لا تحتوي على الكثير من المحتوى الأصلي ولكن العديد من الروابط لمواقع الأخبار الحالية)، ومواقع التعريف والتعليقات (مواقع حول قضايا الإعلام الإخباري مثل المراقبون الإعلاميون)، والمشاركة والمناقشة ( المواقع التي تسهل اتصال الأشخاص، مثل سلاشدوت. كما  تعد المدونات أيضًا ظاهرة أخرى من ظواهر الصحافة الرقمية قادرة على الحصول على معلومات جديدة، بدءًا من المواقع الشخصية إلى تلك التي تضم جماهير مئات الآلاف. الصحافة الرقمية تشارك في ظاهرة الصحافة السحابية والتدفق المستمر للمحتويات في المجتمع العريض.

قبل عام 2008، كانت الصناعة تأمل في أن يكون نشر الأخبار عبر الإنترنت مربحًا بما يكفي لتمويل تكاليف جمع الأخبار التقليدية. وبالتالي، في عام 2008، بدأ الإعلان عبر الإنترنت في التباطؤ، ولم يتم إحراز تقدم يذكر نحو تطوير نماذج أعمال جديدة. يصف مشروع بيو للتميز في الصحافة تقريره لعام 2008 عن حالة وسائل الإعلام بأنها الأكثر كآبة على الإطلاق. على الرغم من حالة عدم اليقين، يتحدث الصحفيون عبر الإنترنت عن توسيع غرف التحرير. ويعتقدون أن الإعلان من المرجح أن يكون أفضل نموذج للإيرادات يدعم إنتاج الأخبار عبر الإنترنت.

لقد قامت العديد من المؤسسات الإخبارية الموجودة في وسائل الإعلام الأخرى أيضًا بتوزيع الأخبار عبر الإنترنت، ولكن قد اختلف مقدار استخدامها لهذه الوسيلة الجديدة. استخدمت بعض المؤسسات الإخبارية الويب حصريًا كمنفذ ثانوي لمحتواها. جمعية الأخبار على الإنترنت، التي تأسست عام 1999، هي أكبر منظمة تمثل الصحفيين عبر الإنترنت، وتضم أكثر من 1700 عضوًا يتمثل مصدر رزقهم الرئيسي في جمع أو إنتاج الأخبار لعرضها رقميًا.

يتحدى الإنترنت المؤسسات الإخبارية التقليدية بعدة طرق. قد تفقد الصحف الإعلانات المبوبة لمواقع الويب، والتي غالبًا ما تستهدفها الاهتمامات بدلاً من الجغرافيا. هذه المنظمات معنية بالخسارة الحقيقية والمتصورة للمشاهدين وتوزيعها على الإنترنت.

إن الصحافة المحلية الفائقة هي صحافة داخل مجتمع صغير جدًا. تعد الصحافة شديدة المحلية، مثل الأنواع الأخرى من الصحافة الرقمية، ملائمة جدًا للقارئ وتوفر معلومات أكثر من الأنواع السابقة للصحافة. إنها مجانية أو غير مكلفة.

تقارير عن اقتحام فيسبوك في الصحافة

لقد تم الاعتراف بأن فيسبوك قد استثمر بكثافة في مصادر الأخبار على وسائل الإعلام الإخبارية المحلية. صرح جوش كونستين، الصحفي في تيك كرانش، في فبراير 2018، أن الشركة قد "انتحلت الأعمال الإخبارية" واستخدمت الرعاية لجعل العديد من ناشري الأخبار "كتّاب أشباح". في يناير 2019، أعلن مؤسسها مارك زوكربيرج أنه سينفق 300 مليون دولار لشراء الأخبار المحلية على مدى ثلاث سنوات.

 

عبده حقي

ترجمة بتصرف

 

 

 

عدنان عويدفي المفهوم:

الضرورة الحكميّة: هي حالة فرديّة واجتماعيّة تقيدنا بها الظروف الحياتية التي تفرضها علينا الطبيعة بقوانينها العمياء، وقد يكون سببها أيضاً الإنسان نفسه الذي يصنع قيوده بيده ويكبل نفسه بها حتى يصل هذا التكبيل إلى مرحلة التحكم في سيرورة وصيرورة حياته ذاتها.

أو بتعبير آخر الضرورة في حياتنا كالقيد الذي يمنعنا عن القيام بأشياء تعبر عن إنسانيتنا بشكل عقلانيّ، ولذلك علينا الخلاص من هذا القيد أولًا، لكي تستطيع المُضي قدما نحو تحسيد إنسانيتنا وإثبات ذواتنا. من هنا نقول إن درجة "وعينا" للضرورة الحكميّة، أي للظروف المادية والفكريّة التي تتحكم بسيرورة وصيرورة حياتنا، هي من ينقلنا من الإنسان اللاتاريخيّ ، أي الإنسان المشيء والمستلب والمغرب، إلى الإنسان التاريخي الذي وصل إلى مرحلة الخلافة على هذه الأرض.

على العموم نقول في هذا الاتجاه: يُعرّف الإنسان علميّاً، بأنه الكائن الحي العاقل الوحيد المالك لدماغٍ عالي التطوّر الذي حقق تطوره هذا عبر (العمل) الذي امتد لآلاف السنين، بحيث منحه هذا العمل القدرة على خلق علاقات اجتماعيّة أنتجت بالضرورة وسائل التواصل بينه وبين محيطه الاجتماعيّ، مثلما منحه هذا العمل، أو النشاط المادي، القدرة على التفكير المجرد والنطق واستخدام اللغة والتفكير الذاتيّ الداخليّ، وإيجاد حلولٍ للصعاب التي تعترضه أثناء انتاجه لخيراته الماديّة والروحيّة. وعلى هذا الأساس تكونت رؤاه ومواقفه الفكريّة والأيديولوجيّة تجاه الكون والطبيعة والمجتمع واتجاه حياته الخاصة.

إذن إن الإنسان الذي راح عبر نشاطه الماديّ يكون علاقاته الاجتماعيّة، أخذ يفكر أيضاً في طبيعة هذه العلاقات التي فرضت عليه نفسها، مثلما فرضت عليه قيماً وسلوكيات أوصلته هو ذاته إلى حالات ضياع فقد عبرها معرفة الظروف التي يعيشها وأسباب مشاكله فيها، لذلك راح يتخبط معرفيّاً في إجاد الحلول لمشاكله بعد أن ضاع في منتجاته الماديّة والروحيّة من جهة، وبسبب جهله للقوانين الطبيعيّة والاجتماعيّة التي تتحكم في مسيرة حياته أيضاً دون إرادته والتي فرضت نفسها عليه وجعلته يفكر بطريقة بعيدة كل البعد عن واقعه وكأن هناك قوى أخرى تتحكم بمصيره من خارج تاريخه من جهة ثانية. وعلى هذا الأساس من الضياع والتشتت المعرفيّ تأتي مسألة التمييز بين الإنسان التاريخيّ الذي أخذ يعي ذاته والمحيط الذي يعيش فيه، وبين الإنسان اللاتاريخيّ الذي ظل تائها في جملة الظروف الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة والثقافيّة التي انتجها هو بنفسه.

إذن هناك فرق شاسع بين الإنسان التاريخيّ والإنسان اللاتاريخيّ. فالأول إنسان عقلانيّ، يؤمن بالعيانيّ والملموس، والنسبي، وأن الظواهر في بعديها الماديّ والفكريّ، هي في حالة حركة وتطور وتبدل بشكل دائم. والعقل لديه هو مجموع معارفه التي اكتسبها من خلال نشاطه وكدحه عبر علاقته مع الطبيعة والمجتمع تاريخيّاً، وبالتالي راحت هذه المعارف المكتسبة تشكل ذاكرته وتراثه وثقافته ومقومات وجوده ومرتكز انطلاقته نحو المستقبل. والإنسان التاريخيّ، لا يتكئ كثيراً على الماضي إلا بما يخدم حاضره ومستقبله ومستقبل أجياله القادمة، لذلك هو يعمل دائما على استلهام هذا الماضي، أي هو يستمد من أحداثه  كل ما هو ايجابيّ وقادر على المساهمة في تجذير وجوده وتنمية هذا الوجود، وفتح أفاق المستقبل المشرق والمضيء واسعاً أمامه. والإنسان التاريخيّ هو من يؤمن أيضاً بأن سعادته في تحرير عقله وحواسه وجسده من كل المعوقات التي تَحُولُ دون هذا التحرير، سياسيّة كانت أو اجتماعيّة أو اقتصاديّة أو ثقافيّة، أي عتقه من كل ما يكبل عالمه الإنسانيّ ويحول دون تحقيق ما يطمح إلى تحقيقه من قيم إيجابيّة، أو ما يشعره أنه سيد نفسه وقدره ومصيره. أما فردوسه فهو واقعه الذي يعش فيه الآن، أو ما يحلم بإقامته مستقبلاً. ليس لدى هذا الإنسان التاريخيّ رموز أو طقوس أسطوريّة ينتمي إليها ويقيد حياته بها كي تعمل على فصله عن حاضره المعيوش، وإشعاره بتمايزه واختلافه عن الآخر، وليس لديه انتماءات ضيقة يشعر أن خلاصه فيها. (عشيرة قبيلة مذهب طائفة). فرموزه هي وطنه ومكونات هذا الوطن.. مثلما هي ما يحققه من إبداع يفجر عبره كوامن عوالم إنسانيته وكشف أسرار مجاهيلها التي توصله إلى جوهر إنسانيته ورفعة وطنه وتعميق حس المواطنة لديه. إن انتماءاته الحقيقية هي وطنه أولاَ، وعقله الحر المبدع ثانياً، وإرادته الحرة في صنع مستقبله ومستقبل وطنه ثالثاً. وإن عالمه الذي يجد فيه ذاته أخيراً، هو عالم الإنسانيّة الرحب الذي ليس له حدود إلا حدود الابداع والمحبة والعدل والسعادة للجميع.

إن الإنسان التاريخيّ هو من ينظر دائماً إلى الماضي من خلال ما يخدم الحاضر والمستقبل... وهو من يبحث عن  قوس قزح يجد في تعدد ألوانه سر جماليّة حياته وحياة الآخرين.

أما الإنسان اللاتاريخيّ أو الجموديّ، أو الماضويّ، فهو إنسان لاعقلانيّ، يرفض قبول العيانيّ والملموس على أنه عالمه الحقيقي الذي ينتمي إليه، وأنه سر وجوده، ليتمسك بعالم افتراضيّ .. عالم من الوهم والخيال الذي رسمت له ملامحه في ذهنه أيديولوجيّا صماء مفوته تاريخيّاً، أو مصالح أنانيّة ضيقة. إن الإنسان اللا تاريخيّ، هو من يؤمن بالمطلق المشبع بالسكون والجمود، وهو الرافض بالضرورة للنسبي المشبع بقوانين الحركة والتطور والتبدل. أما العقل لديه فهو ظاهرة فيزيائيّة تتحرك بقدرة من خارج التاريخ، أو من داخل عقله المعزول عن محيطه، أي هو عقل يحمل معارفه المنجزة والعالمة بتابوت من خارج التاريخ أو من عالمه الذاتي الديكارتي، وبهذا العقل الفيزيائيّ والديكارتيّ اللاواقعي واللاجدلي، يمارس نشاطه لكسب الماضي والحوز على أسراره الأبديّة، وكسب أوهام سعادته التي يجدها فقط في استعادة ماضيه،  حيث يكمن فردوسه الذي لا يتوانى عن قتال وسفك دماء كل من يحول بينه وبين رغبته في هذه الاستعادة. وهو الذي تكثر لديه الرموز والطقوس في حديثه ولباسه وسلوكه كي يشعر الآخرين المختلفين عنه، بتمايزه عنهم، وتعاليه عليهم ... الإنسان اللاتاريخيّ، لا يرى كل ما حوله إلا من خلال أيديولوجيته الماضويّة الجموديّة المفوّته تاريخيّاً، أو من خلال مصالحه هو ذاته، وأن هذه الرموز والطقوس والأيديولوجيا، هي التي  تشكل بالوقت ذاته انتماءاته،  وتجعله شارداً أو مغرباً عن حياته الدنيويّة ومندمجاً في عالم الروح والقداسة وكل ما هو متعال على الواقع والعقل. إنه ينظر إلى الأسفل من خلال الأعلى، وإلى الحاضر من خلال الماضي، ويقيس الشاهد على الغائب. ويبدي النقل على العقل، وهو من يبحث دائماً عن لون رمادي يعتقد أنه صالح لكل زمان ومكان.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من  سورية

 

 

منى زيتونيقولون إن الجهل هو أس البلاء، ولكني أرى أن الفساد هو رأس الأفعى الذي يقف أمام تطور أي مجتمع، بل ويعيده عقودًا إلى الوراء، والتعليم ذاته هو مما يفسد بفساد المجتمع، فيصبح الجهل في المجتمع مستترًا بأوراق لا قيمة لها، يحملها من لا يستحقونها، وتتحدد درجة وقيمة الفرد في المجتمع على أساسها.

كما أنه لا شك أن الدافعية للتعلم هي شرط أساسي لحدوث التعلم، بل ربما كان توافرها أهم من شرط القدرة، لأن جميع البشر لديهم قدرات متفاوتة، وهم قادرون على التعلم بأشكال ودرجات مختلفة، بشرط أن يتوفر الدافع لدى الإنسان، ولكن الفساد يعطل الدافعية للتعلم لدى أفراد طبقات المجتمع الراقية والبسيطة على السواء؛ فكثير من أبناء الأغنياء لم يعودوا يبالون ببذل الجهد الكافي للتعلم لأن مكانتهم محفوظة في المجتمع، ويختارون دراسة ما يمكنهم من الحصول على شهادة دون تعلم حقيقي ودون كثير عناء، وأبناء الفقراء لم يعد كثير منهم يأملون أن يغير التعلم من وضعهم الاجتماعي شيئًا وسط الفساد المستشري الذي لا يكافئ المجتهد ويرفع درجته، فعزفوا هم أيضًا عنه.

ومع كون إصلاح التعليم يتطلب العمل على إصلاح المجتمع ككل، إلا أن هذا لا يعني أن يُخلي التربويون مسئوليتهم، فالتعليم في مصر بحاجة لتطوير في جميع مراحله، وهي مسئولية التربويين بالدرجة  الأولى ولا شك. ولنتذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته"، فكل من هو في موضع مسئولية –مهما كان صغيرًا- وهناك تصرف رشيد بإمكانه أن يفعله ليحسن من الوضع العام في المكان الذي يديره سيُسأل أمام الحق سبحانه إن لم يفعل. وربما أمكن القول إن المسئولية على عاتق التربويين هي العمل على تطوير التعليم قبل الجامعي والجامعي، مع مراعاة الواقع ومشكلات المجتمع، وما لا يُدرك كله لا يُترك كله.

ولعل الاهتمام بالتغذية المدرسية من أكثر الموضوعات التي لها تعلقها الواضح بجودة التعليم؛ فللتغذية السليمة أثرها في رفع درجة التحصيل الدراسي لدى الطلاب، كما أنها لا تتعلق بالتعليم وحسب، وإنما بصحة النشء أيضًا، وأعتقد أنه لو تم التعامل بحكمة مع هذا الملف فسيوفر لميزانية الدولة ملايين تُنفق على علاج الأطفال من أمراض تصبهم بالأساس بسبب سوء التغذية. حكت لي مربية فاضلة تعمل حاليًا وكيلة لمدرسة ثانوية بمدينة الإسماعيلية أنها في بدء حياتها الوظيفية عملت في مدرسة إعدادية كبيرة في واحدة من أكبر القرى وأقربها لمدينة الإسماعيلية، وأنها لاحظت أن أحد التلاميذ في فصل من الفصول التي كانت تُدرِّس لها كان دائم التأخر يوميًا عن موعد طابور الصباح، وأحيانًا عن بداية الحصة الأولى، ولما كلّمته بلطف طالبة منه أن يستيقظ مبكرًا ليصلي ويفطر على مهل ثم يتحرك إلى المدرسة ليصل في موعده، فاجأها الطفل قائلًا إنه يستيقظ يوميًا قبل الفجر، ويبدأ التحرك من قبل شروق الشمس بكثير! فسألته: أين تسكن؟ فأجابها بأنه يسكن في عزبة بعيدة متطرفة عن القرية تبعد ما بين ساعتين ونصف إلى ثلاث ساعات مشيًا من المدرسة! فصُعقت المُدرسة وقالت له: لماذا لا تحول إلى مدرسة كذا، وهي أقرب لبيتك؟ فسقطت على رأسها المفاجأة الأكبر عندما قال الطفل: هذه المدرسة "شِينة" لا يوزعون فيها بسكوتًا للتغذية! فهذا طفل صغير ضعيف البنية يتكبد عناء المشي لساعات ذهابًا وإيابًا يوميًا من أجل هذه الحلوى البسيطة التي يرفض بعض مديري المدارس عديمي المسئولية أن يستلموها ليوزعوها في مدارسهم، فيحرمون منها الأطفال.

وحقيقة إنني لا أفهم إلى متى سيستمر التباكي على الكيف الضائع، دون أخذ خطوات جادة نحو التوسع في مدارس المتفوقين، أو على الأقل بفصول المتفوقين، والاهتمام بهم اهتمامًا حقيقيًا مكثفًا، بدءًا من رفع مصاريف الدراسة عن كاهل أولياء أمورهم، والاهتمام بتغذيتهم –خاصة في المناطق الفقيرة-، ورفع الحد الأدنى للتفوق إلى 90% -مثلما كان الحال قبل عقود- وتقليل كثافة التلاميذ في فصول المتفوقين مهما بلغت كثافة الفصول الأخرى بالمدرسة، أو بالمدارس المحيطة بمدرسة المتفوقين، وتحديد أفضل المعلمين للتدريس لهم، والتدريس لهم بأفضل استراتيجيات ووسائل التعلم، وجعل الأولوية لهم في كل شيء. فهؤلاء هم زُبدة العقول في مصر، وكما ذكر الفلاسفة القدامى فإن المجتمع الذي لا يهتم بالمتفوقين عقليًا من أبنائه محكوم عليه بالفناء.

وفي مرحلتي التعليم الأساسي، لماذا لا نُعلِّم وفقًا لقاعدة "لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها" بدلًا من انتشار الغش لمساعدة الطلاب الضعاف على اجتياز اختبارات لا يسمح لهم مستواهم باجتيازها؛ فيكون في كل مادة مقرر أساسي ومقرر اختياري، فالمقرر الأساسي في اللغة العربية لا يمكن لأحد أن يختار ألا يدرسه، وكذلك كل المقررات الأساسية في كل المواد، ولا بد أن ينجح الطلبة في اختبارات المقررات الأساسية، ولكن على كل طالب أن يختار مقررات اختيارية إضافية ليدرسها ويمتحن فيها، ولا سقف أو حد لها، فيمكن للمتفوقين أن يختاروها كلها إن أرادوا، ولكن لا يرسب أي طالب بسبب عدم اجتيازه لهذه المقررات، على أن يكون لما اجتازه الطالب من مقررات في سجله التعليمي أثره في التحاقه بعد ذلك بالمراحل التعليمية الأعلى، وتوزيعه على التعليم العام والفني.

أما عند الوصول لمرحلة الثانوية العامة فيمكن الإكثار من المواد الاختيارية، والتي على أساسها تتحدد الكليات التي يمكن للطالب الالتحاق بها، ويمكن لأحد الطلاب أن يمتحن في السنة التالية مقررًا ما أو بعض المقررات ليضيفها إلى ما سبق أن درسه، وذلك ليستكمل مؤهلات التحاقه بإحدى الكليات.

والاهتمام بالمعلمين وتحسين أوضاعهم وتوفير مواصلات آدمية للمدارس البعيدة أمر ولا شك هام لتحسين العملية التعليمية، فلماذا لا توفر كل إدارة تعليمية أتوبيسًا يتحرك في الصباح الباكر يوميًا من عاصمة المحافظة، ويسير على خط المدارس البعيدة التابعة للإدارة في المراكز والأرياف، حتى وإن كان المعلمون يدفعون أجرته.

أمر آخر لا مفر من التساؤل عنه، وهو استغلال شبكة الانترنت في التعلم، وأعني هنا التعلم الذاتي غير النظامي. فمنذ أكثر من عشر سنوات، كنت أعمل في جامعة بالمملكة العربية السعودية، وأذكر أن إحدى زميلاتي الأردنيات كانت تتشكى كثيرًا من ضعف شبكة الانترنت في البناية التي يسكنون فيها؛ إذ أن ابنتها -التي كانت بعد طفلة- تدرس باستخدامها؛ فالطالبة النجيبة لم تكن تكتفي بقراءة ومذاكرة كتب المدرسة، بل كانت تفتح جهاز الحاسوب الخاص بها وتلج إلى الشبكة العنكبوتية لتتصفح وتقرأ وتشاهد مقاطع فيديو من خلالها عن موضوعات الدروس التي أخذتها في المدرسة.

وكنت أتساءل وقتها: إلى متى ستبقى شبكة الانترنت وسيلة للترفيه لدى أكثر من 90% من أطفالنا وشبابنا، بينما هي في العالم كله وسيلة أساسية للتعلم؟ فالتعليم النظامي –على علّاته الكثيرة في بلدنا- هو السائد لديهم، ولا يكادون يعرفون التعليم غير النظامي. وربما كانت من حسنات جائحة الكوفيد التي ابتلي بها الكوكب أنها أجبرت الناس على تطبيق التعليم النظامي عن بعد وأخذ التعليم غير النظامي أيضًا في الاعتبار، ليكتشف كثير من أبنائنا هذا الكنز الذي يتلهون به ولا يدركون قيمته.

ولكن ينبغي علينا الاعتراف بأن التعليم الالكتروني عن بعد قد لا يكون كافيًا في تعلم واكتساب المهارات، وأن الممارسة لا بد منها لإتقان التعلم، ومما يضاف إلى مشاكل نظامنا التعليمي أنه لا زال قاصرًا وعاجزًا عن إدخال مدارس وكليات تعلم المهارات التي يحتاجها أفراد المجتمع. وقد جربنا إنشاء المدارس الفنية التي يحصل خريجوها على شهادات الدبلومات الفنية، فكانت وسيلة لتخفيض عدد سنوات الخدمة العسكرية للبنين، وشهادة صورية لضعيفات المستوى العلمي من البنات، وخريجوها لم يتعلموا شيئًا ذا قيمة طوال دراستهم فيها، إلا ما ندر. بينما في أوروبا وأمريكا إن أردت أن تتعلم أي حرفة مهما بدت بسيطة فسيلزمك الالتحاق بدورات تعليمية تؤهلك فيها، ومن أجل ذلك تكون لكل مهنة أو حرفة احترامها في المجتمع.

ودومًا يقولون إن بلدنا هي "بلد شهادات"، والحقيقة إن العالم كله لا يعترف سوى بالحاصلين على الشهادات أو من يمكن الاستدلال على كفاءتهم بمعيار موضوعي، ونحن بالفعل بحاجة إلى استحداث مزيد من الكليات في نظامنا التعليمي الجامعي، ولكن من نوعيات أخرى، فنحتاج –على سبيل المثال- إلى كلية تؤهل لمهنة النجارة والحفر على الخشب والأرابيسك، وكلية تؤهل لأعمال البناء والدهانات وتنفيذ الديكورات، وغيرها من المهن التي تعتبر حرفًا فقط تُكتسب عن طريق الخبرة، وتكاد تنقرض لعزوف الشباب عن تعلمها، بينما المجتمع في حاجة إليها.

إن الواقع يقول إن مجتمعنا يحترم التعليم النظامي ويحدد المستوى الاجتماعي للفرد على أساسه، وفي المقابل لا يحترم التعليم غير النظامي والخبرات بالقدر ذاته إلا في أضيق الحالات، وكثير من الآباء في مصر على استعداد لتزويج ابنته من مهندس ميكانيكا افتتح ورشة ميكانيكا كمشروع ربحي خاص به، ولكنه غير مستعد للقبول بعامل ميكانيكا له المهنة نفسها، مهما كانت درجة إتقانه لعمله التي تدل على تعلمه الدقيق له بالخبرة.

واستحداث أمثال تلك الكليات الجامعية التي تعلم الحرف تعليمًا نظاميًا سيخفف من الأعداد التي تلتحق بكليات أخرى ولا مكان لها في سوق العمل، فما الذي يحتاجه المجتمع من كل هذه الأعداد الغفيرة من الخريجين من خريجي كليتي الحقوق والآداب! علمًا بأن أغلبهم قد التحقوا بهاتين الكليتين بسبب المجموع الذي لم يؤهلهم لغيرهما، وهو ذاته المجموع الذي يظهر أن ذكاءهم اللغوي ليس أعلى ذكاءاتهم، وأنهم غالبًا أذكياء بدرجة أعلى في نطاقات عقلية أخرى لم يكشف عنها التعليم المدرسي التقليدي.

وبعد، فهذه ليست وصفة طبية كاملة لإصلاح وعلاج ما فسد من حال التعليم في بلدنا، ولكنها دردشة عن موضوعات أراها هامة، ولا تلقى القدر الكافي الذي تستحقه من النقاش حولها.

 

د. منى زيتون

الخميس 14 أكتوبر 2021

 

 

شفق حسنفي صيف عام 2012 كانت المرة الاولى التي اسمع بمصطلح "التنمر" خلال مشاركتي في تدريب اساسي على حل النزاعات، وكان وقع المصطلح في ادراكي غريب تماما خصوصا ان التنمر الذي تناوله ذلك التدريب كان عن ذلك الذي يحصل بين طلاب المدارس..

لكني خلال التدريب بدات استرجع بعضا من معلوماتي حول سلوكيات "التنمر" وهي مستقات من متابعتي لبعض الافلام الاجنبية والامريكية على الاخص، حيث ان التنمر حالة شائعة في الغرب خصوصا في المدراس الثانوية، وقد قاموا بانتاج العديد من الافلام والمسلسلات حوله بسبب تأثيره على حياة المراهقين هناك ولانه اودى الى حوادث عنف وانتقام وحتى انتحار بعض من تعرضوا له!!

ربما كان العام الذي ذكرته سالفا هو بداية انتشار هذا المصطلح في العراق والذي صار لاحقا متداولا ويُطلق على مدىً كبير من الممارسات  في مجالات شتى، ولست هنا في صدد مناقشة موضوع التنمر عموما ولا التنمر الخاص بالمدراس لاعتقادي انه ليس بنفس انتشار وقِدم وخطورة ممارسات اخرى تجري في مدارسنا منذ عقود وبعضها منذ اول وجود للمدراس في العراق، كما ان موضوع التنمر قد تم مناقشته عالميًا، من خلال الاعمال التلفزيونية والسينمائية، قد يكون اشهرها عندنا وتم متابعته على نطاق واسع بين فئة الشباب، المسلسل الامريكي  (thirteen reasons why )

وبالعودة الى مشاكل مدارسنا، ارى ان هناك مشكلة اهم واكبر وحتى اخطر يواجهها الطالب العراقي هي مشكلة "التصنيف الطبقي المعتمد على ذكاء واجتهاد الطالب في دراسته" والتي يخضع كل طالب لها، وهي ظاهرة موجودة بدون استنثناء في كل مرحلة ومدرسة وصف في العراق ..!

وتتلخص "الطبقية المدرسية" – كما سأسميها – بأجراء غير معلن موجود ضمن تعاملات المدرسين مع الطلاب والطلاب مع بعضهم، يعمل على تصنيف الطلاب بحسب درجة ذكاءهم واجتهادهم في الدراسة الى واحدة من الطبقات الثلاث التالية :

1- طبقة المجتهدين او "الشطّار" كما يتم تسميتهم في المدارس بشكل عام ورسمي، وتضم الطلاب المتفوقين بدرجة ذكائهم واستيعابهم للمواد الدراسية وكذلك في اجتهادهم في اداء الواجبات البيتية ونتائج الامتحانات ..

ويتم ضم الطالب الى هذه الطبقة عادة منذ المراحل الدراسية الاولى في الابتدائية، فما ان يكتشف معلم الصف ان احد طلابه يتملك ذكاءا واجتهادا في الدراسة حتى يبدأ بأيلاءه اهتماما خاصا يتمثل بأطراءه والاشادة به امام باقي طلاب الصف في كل مرة تظهر فيها علامات ذكاءه، كذلك بدعوة باقي الطلاب الى الاقتداء به او بتقريعهم لانهم غير قادرين ان يصبحوا مثله.. !

ويستمر المعلم في اكتشاف الطلاب " الشطار" حتى يكوّن منهم تلك الطبقة التي سيزداد وضوحها وتماسكها وقوتها مرحلة  بعد اخرى..

ويمتلك الطالب  المصنف ضمن طبقة الشطار امتيازات لا يمتلكها طلاب باقي الطبقات، منها خاصية اتخاذ القرارات وفرضها على الاخرين كتحديد ايام الامتحانات اليومية والشهرية وبعض النشاطات الصفية، وهذه الميزة هي الاهم بأعتبار ان الفرد العراقي عموما لا يُمنح امكانية اتخاذ قرارات حياته حتى عندما يصل الى سن البلوغ، ويقوم الاهل والمجتمع والمدرسة والنظام الحاكم بتحديد معظم مسارات حياته!

وتتميز طبقة الشطار في معظم الاحيان بأنغلاقها على نفسها، ويدعم الكادر التدريسي وحتى ادارة المدرسة هذه التكتل والانغلاق من خلال الاستمرار بالاشادة بالشطار امام باقي الصف والمدرسة، والاصرار على تمييزهم عن الاخرين واستشارتهم في تحديد مواعيد الامتحانات بما يتناسب مع جدولهم الخاص بساعات الدراسة من اجل دعمهم للاستمرار في التفوق حتى ان كانت المواعيد التي سيحددونها تتضارب احيانا مع مصلحة باقي طلاب الصف!، وكذلك من خلال ترشيحهم للمشاركة في باقي النشاطات المدرسية والمسابقات الرياضية والفنية حتى ان كانوا لا يمتلكون مهارات تؤهلهم لذلك..

ويعمل المجتمع واسرة المتفوق تحديدا على تعزيز انغلاق ابنهم ضمن طبقته الصفية، من خلال تعليمه وتذكيره باستمرار بمجموعة سلوكيات تصل به الى درجة الانانية الواضحة والصريحة، فالشاطر يجب ان لا يصادق او يرافق الا شاطرا مثله، كما يمنع الاهل او المدرسين الشاطر من اعارة دفاتره لغير الشطار بحجة ان الطلاب الاخرين غير قادرين على الحفاظ على نظافتها وسلامتها..

وحتى في السفرات والنشاطات والاحتفالات يتكتل الشطار مع بعضهم، ويزداد انغلاق هذه الطبقة على نفسها في مرحلة الاعدادية حيث يتعمّد الشطار حتى خلال التجمعات الطلابية التحدث ومناقشة مواضيع تبين تفوقهم واختلافهم عن زملائهم ورغبتهم بعدم الاختلاط بمن هم ادنى منهم، كمناقشة درجاتهم في الامتحان الاخير والتي لم يكونوا راضين عنها رغم انها تقل قليلا عن الدرجة النهائية، او سهولة الاسئلة في امتحان اعتبره باقي طلاب الصف صعباً، او موعد اعلان اسماء الطلاب المعفيين من الامتحانات النهائية وغيرها من المواضيع التي تنفّر وتبعد باقي طبقات الصف عنهم.

ومجمل هذه السلوكيات تخلق حقيقة ان المتفوق هو ذلك الشخص الذي يجلس عادة في المقاعد الامامية من الصف ولا يرافق الا متفوقا مثله وانه نادرا ما يساعد اخر طلب مساعدته في فهم واستيعاب مادة دراسية معينة..

2- طبقة المتوسطين: وهي الطبقة الاكبر في كل صف، وتتألف من الطلاب متوسطي الاجتهاد الدراسي .. وكما في الحالة الاولى يتم تشكيل هذه الطبقة من قبل معلمي ومدرسي المدارس بالاعتماد على درجة استيعاب الطالب واجتهاده ودرجاته في الامتحان..وبرغم ان عدد الطلاب المتوسطين كبير في كل صف الا انهم بلا تأثير يذكر في مجمل القرارات التي تتخذ بخصوص امتحاناتهم او اي نشاط مدرسي آخر وذلك لأن متوسط المستوى- بحسب نظرة المدرسين- لم يمتلك العزم او الاجتهاد الكافي لينتقل الى طبقة " الشطار" كما انه مرشح مستمر للانتقال الى الطبقة الادنى 

ويكثر بين هذه الطبقة الطلاب المتزلفين والمتملقين للمدرسين، حيث يمارسون هذا السلوك ليس للحصول على الدرجات فقط بل على التميز، فالمعلم عموما يمثل قيمة كبيرة عند الفرد، ولذلك يسعى للحصول على درجة التميز عنده بشتى الطرق التي يتفتق عنها عقله.

3- طبقة الكسالى: وهذا هو الاسم الشائع والمتداول رسميا لهذه الطبقة التي تتألف من الطلاب الاقل اجتهادا ونتائجاً في الامتحانات، وتضم هذه الطبقة عادة طلابا لا يتميزون فقط بمستواهم الدراسي المتدني ودرجاتهم السيئة او رسوبهم في نفس الصف او في مراحل متعددة ولا بجلوسهم في المقاعد الاخيرة من الصف، بل ايضا بأثارة حوادث الشغب في الصف والمدرسة او بأمتلاكهم  القدرة على خلق المواقف الساخرة والكوميدية لاضحاك الطلاب اثناء الدرس او مشاكسة المدرسين واضحاك الطلاب عليهم .!

ومرجع هذه السلوكيات  لرغبة هؤلاء الطلاب ( الكسالى) في التميز والخروج من التصنيف الذي وُضعوا فيه، حيث ان الطالب " الكسلان" لا يمتلك املاً بأن يصبح شاطرا كما ان انتقاله الى طبقة الغالبية المتوسطة غير المؤثرة لن تعود عليه بالنفع لعدم وجود تميز ضمن هذه الطبقة، لكن يوجد طالب اسوء من الاخرين ضمن طبقة الكسالى او اكثر مرحا او شغبا او قدرة على اضحاك الطلاب او السخرية من بعض المدرسين ( بالاخص في مدارس الاولاد)، وقد يتميز احيانا بعض افراد هذه الطبقة بامتلاكهم لمواهب فنية او قدرات رياضية تؤهلهم للمشاركة في النشاطات والمسابقات المدرسية.. لكن حتى هذه لا تمنحهم الكثير من التميز عند الكادر التدريسي، ولا بد ان يحصلوا على ملاحظات من صنف : ليتك كنت متفوقا في دراستك كما انت متفوق في الرسم او الرياضة ..!!

وبظني ان اسوء ما يواجه الطالب الكسلان هو امتناع الاخرين عن مصادقته ومرافقه حتى وان كان من اكثر طلاب الصف تأدبا وخُلقاً، ومرد ذلك لنفس اسباب تميز طبقة المتفوقين: الكادر التدريسي والثقافة التربوية للمجتمع والاسرة.. فمن منا لم يسمع من اهله او مدرسيه بذلك القول الشائع بأن الكسل معدٍ ؟!!، هكذا تم تحويل الكسلان الى مرض معد يجب تجنبه، وقد يمتنع حتى متوسطو المستوى عن مرافقة او مؤازة الكسلان ان كان محقا في موقفٍ ما !

والحقيقة عندي ان "الطبقية المدرسية " هي اسوء ما يواجه الطالب العراقي في حياته الدراسية، واخال ان هذه الظاهرة موجودة في معظم الدول العربية على اعتبار ان نشوء المدراس بمفهومها الحديث عندنا جاء في زمن واحد تقريباً، كما ان الاسسس التي اقيمت عليها الانظمة التعليمية في دولنا العربية واحدة ايضا وهي تعتمد التفوق في الدراسة مقياسا لتقييم الطالب علميا وسلوكيا وحتى اخلاقياً، دون الاخذ بنظر الاعتبار التفاوت الطبيعي في درجة ذكاء البشر، والتفاوت بينهم في استيعاب المواد الدراسية المتنوعة وتأثير المدرّس وطرق التدريس، وظروف وبيئة الطالب الاسرية التي تشجعه وتدعمه او تعيقه ..

واسوء ما فيها انها اصبحت امرا مسلما به عندنا، فالطالب لا يجد غضاضة في ان يُنعت من قبل مدرّسه وامام زملاءه واصدقاءه بالكسلان، وحتى ان رفض هذا النعت فعليه ان يحتفظ برفضه لنفسه والا فسيواجه اتهاماً اكبر بعدم احترام مُدرسه قد يودي به الى ادارة المدرسة او طلب احظار وليّ امره او استعداء المدرس له لبقية العام الدراسي!، واذكر هنا معلمة في الابتدائية كانت تكافئ المتفوقات بالتصفيق وتعاقب الكسلانات بتصفيق اخر بالاحذية، وما على طالبات الصف الا الامتثال لأوامر المعلمة بالتصفيق بالايدي حيانا وبالطبطبة على الارض بأحذيتهن حيانا اخر، وفي كلا الحالتين يتقبلن سلوك وقرار المعلمة بتسليم كامل باعتباره الاصح والامثل.

او معلمة اخرى قامت باعادة توزيع طالبات الصف المقسم اساسا الى ثلاثة خطوط  من المقاعد بحسب حفظهم لجدول الضرب، فصار خط المقاعد الاول للمتفوقات وخط المقاعد الاوسط لمتوسطات الحفظ والخط الاخير لضعيفات الحفظ او الكسلانات.. وللانتقال الى خط المتفوقات الذهبي ما على الطالبات الا الاجتهاد في الحفظ    وهكذا صارت الطالبات يجتهدن في الحفظ للانتقال الى ذلك الخط  الذي صار يمتلأ بسرعة حتى لم تعد مقاعده تكفي كل المنتقلات، اما سلبيات ومساوء هذه التجربة فكانت من نصيب الطالبات اللاتي لم يستطعن مغادرة خط المقاعد الاوسط او اللاتي بقين يتنقلن بين خط المتوسطات والكسلانات !!

ويمكن ان نلاحظ ان المعلمة في كلا المثالين لم تكن تعتبر ما تقوم به خاطئاً ومؤذياً لمشاعر اطفال صغار، بل مجرد اجراء اعتيادي يهدف الى مكافئة المجتهد، وتحفيز غيره للاجتهاد!!

ان حصيلة  هذه السلوكيات جعلت طلاب المدارس الابتدائية مثلا -وهم اطفال بكل تأكيد – يستخدمون لفظة كسلان لشتم بعضهم عند حصول مشادات بينهم وهي لفظة قد لا تقابل بالعقاب، او ان يرفض بعضهم صداقة آخر لانه كسلان بحسب تصنيف تلك المعلمة او المعلم !!

وقد عززت الانظمة الحاكمة في العراق الطبقية المدرسية من خلال جملة قرارات وسلوكيات مثل تكريم الطلاب المتفوقين، او انتخاب الطالب القدوة منهم، او تشجيع الطلاب على الانتماء للحزب والتقدم في الدرجات الحزبية باعتبارها ستمنحهم تفوقا جديدا يكسر حلقة الطبقية المدرسية، وعندها يمكن لكسلان منبوذ ان يصبح مركز قوة بين طلاب الصف وصاحب حظوة عند الكادر التدريسي خصوص اذا ما حصل على عضوية او رئاسة اتحاد الطلبة!!

واتخذ البعض اسلوب التزلف والتملق للمدرسين طريقا للحصول على التميز بعد ان ادركوا عدم امتلاكهم لقدرات التفوق الدراسي..

ولو كنا نمتلك ذلك العزم والاصرار على البحث وتتبع اسباب الكثير من السلوكيات الغريبة والضارة في مجتمعنا، او تلك التي تجعل فئة  محددة من المتزلفين والمتلونين يصلون الى مراكز السلطة والمواقع السياسية والعامة عندنا، لوجدنا انهم يحملون اثارا نفسية من احدى مراحلهم الدراسية وسببها الرئيسي تلك الطبقية المدرسية البغيضة.

ان مما لا شك فيه ان العملية التعلمية في العراق تحتاج الى تغير ثوري يبدأ بالتخلص من طرق التعليم البالية التي عفا عليها الزمن، ولا ينتهي بفرض شروط صارمة على من يروم الحصول على شهادة البكالوريوس في مجال التعليم كما يحصل في الغرب مثلا.. وقبل كل هذا اعتماد طرق علمية حديثة لتقييم اداء الطالب واجتهاده لا تنتقص من امكانياته العقلية وكرامته ولا تلقي به منبوذا في المقعد الاخير من الصف ..!!

ولأني اؤمن ان صناعة  السينما والتلفزيون هما الانجاز الاعظم في عصرنا الحاضر وان لهما الاثر الاكبر والاعمق في تنمية وعي البشرية عموما، كنت ومازلت اتمنى ان نحظى بعمل فني عراقي او عربي مكتوب بشكل جيد يظهر ويناقش ظاهرة الطبقية المدرسية عندنا على غرار المناقشات الكثيرة التي حظيت بها ظاهرة التنمر في الغرب. ودور وتأثير النظام التعليمي والكادر التدريسي في كل مدرسة في تنمية واستمرار هذه الظاهرة واثارها المستقبلية في خلق افراد غير اسوياء يحملون عقدا نفسية وسلوكيات غير سوية .. ان عملا فنيا من هذا النوع يمكن ان يغني عن الاف المقالات والبحوث حول هذه الظاهرة..

 

شفق حسن

 

عبد الحسين شعبانكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة  قرّرت في 17 ديسمبر/ كانون الأول العام 1999 اعتبار يوم 12 أغسطس/ آب من كل عام يوماً للشباب العالمي تحتفل به، وذلك لتأكيد دوره في عملية التغيير والتنمية في المجالات كافّة: السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية، بوصفه شريكاً لا غنى عنه لكل عملية تقدُّم لدرجة أنه لا يمكنها أن تقوم من دون مساهمته الفاعلة والواعية.

ويواجه الشباب اليوم مصاعب شتّى وتحدّيات جمّة، فضلاً عن عوائق وكوابح غير قليلة، وخصوصاً في ظلّ العولمة بوجهها المتوحّش، حيث تنخفض مستويات المعيشة ويزداد الفقر وتنتشر البطالة والأميّة وترتفع معدّلات الهجرة الشرعية وغير الشرعية، لا سيّما من بلدان الجنوب الفقير إلى بلدان الشمال الغني، كما تتفشّى الأمراض والأوبئة وآخرها فايروس كورونا "كوفيد - 19" ويرتفع مستوى الجريمة المنظّمة والإتجار بالبشر وتستشري تجارة المخدرات والأسلحة وتكثر على نحو مطّرد ومعدّلات العنف والإرهاب، وغير ذلك من الجوانب التي تؤثر سلباً على جيل الشباب وتحول دون استمتاعهم بشبابهم، بل وتحرمهم أحياناً من توسيع معارفهم وشحذ طاقاتهم بالإتجاه الإيجابي. فبالشباب تزدهر الأوطان وهم عماد الوطن والأمّة في الدفاع عنهما، خصوصاً في الأزمات والمحن.

وبما إن الشباب نصف الحاضر وكل المستقبل، فلا بدّ من توفير مستلزمات الإفادة منهم في الحاضر والمستقبل وذلك بتمكينهم من امتلاك ناصية العلم أولاً والمعرفة والثقافة في فضاءات حرّة ورحبة لتحقيق أحلامهم وطموحاتهم وتقديم مبادراتهم ومشاريعهم  وابتكاراتهم إلى المجتمع، وكذلك في إفساح المجال أمامهم والاستماع إلى آرائهم ووجهات نظرهم، كي تتفتّق مواهبهم وتثمر جهودهم للقيام بالدور المنوط بهم في عملية التنمية وفي تنقية وترميم الحياة السياسية والاجتماعية وتطويرها بما ينسجم مع تطلعاتهم لمستقبلٍ أكثر انفتاحاً وتنوّعاً، خصوصاً في البحث عن قواسم مشتركة مع بعضهم البعض بغضّ النظر عن دينهم وقوميتهم وجنسهم ولغتهم ولونهم وأصلهم الإجتماعي، فالشباب أخوة وأحبّة يجمعهم طموح مشترك وحماسةٌ وإرادةٌ وحيويةٌ وعطاءٌ.

ولا يمكن للبلدان والأمم والشعوب أن تتقدّم دون المساهمة الحيوية الفاعلة لجيل الشباب الذي يتمتّع بقدرات بدنية وعقلية وروحيّة عالية قياساً بالأجيال التي تسبقهم أو تعقبهم، ولذلك فإن الرهان عليهم دائماً، لما يتمتعون به من قوة وطاقة ومبادرة وجرأة وإقدامٍ وسلامةٍ جسمية، فلا رياضة دون الشباب ولا فنون وآداب ورقص وموسيقى وشعر ومسرح وسينما دونهم، لأنهم يمثّلون عصب الحياة الحقيقي وينبوعها المتدفّق.

ولعلّ الشاعر الجواهري كان على حق حين خاطب الشباب قائلاً:

نزق الشباب عبدتهُ /  وبرئتُ من حلم المشيبِ

يا من يقايضني ربيع / العمر ذا المرج العشيبِ

بالعبقرية كلّها / بخرافةِ الذهن الخصيبِ

 

إن الإحتفال بيوم الشباب العالمي هو رسالة إلى جميع الحكومات التي عليها أن تعي دورهم وأن تسهم في رفع كفاءاتهم فبالعلمِ والعلمِ والعلمِ والعيش الكريم يمكن الإرتقاء بهم، خصوصاً بتشجيع حرية التعبير ليتمكّنوا من تفجير طاقاتهم واستخدامها على أحسن وجه، فكلّما ضاقت تلك السُبل فأن طاقاتهم يمكن أن تتوجّه إلى مواقع أخرى خاطئة، وقد تُنذر بشرٍّ مستطير، خارج دوائر الإبداع والإنتاج والعمل، حيث يمكن استغلالهم من جانب القوى المتعصبّة لدفعهم نحو التطرّف، وهذا الأخير إذا ما تحكّم منهم فقد يتحوّل إلى سلوك ويقودهم إلى العنف، والعنف حين يضرب عشوائياً يصبح إرهاباً.

 وإذا كان الشباب هم من حاربوا القوى الإرهابية والعنفيّة، التي تغوّلت على المجتمع واستهانت بمرجعيّة الدولة، فإن هذه الأخيرة حين تمكّنت من عقول بعض الشباب باستغلال أوضاعهم الإقتصادية والإجتماعية والدينية والقومية والثقافية، خصوصاً  في ظلّ أوضاع التخلّف والجهل والفقر والتمييز، حاولت الضرب على الأوتار الحسّاسة التي تحرّكهم موظّفةً ذلك لأغراضها الأنانيّة ومشاريعها السياسيّة  الجهنميّة، وإلاّ كيف لشخص يوعد بالجنّة وبالحور العين، فيندفع لقتل عشرات أو مئات الناس في سوق أو ساحة عامة أو مدرسة أو كنيسة أو مسجد، إن لم يكن قد تمّ تخريب عقله وغسل دماغه والتلاعب بضميره.

وكان الهدف رقم 10 من مشروع التنمية المستدامة 2030 قد أكّد على تعزيز المساواة ودعم النمو في الدخل لفئة الأربعين في المئة من البلدان الأكثر فقراً والأقلّ نماءً لضمان الفرص المتكافئة وإنهاء التمييز والأمر يخصّ الشباب بالدرجة الأساسية والبلدان الفقيرة بشكلٍ خاص، الأمر الذي يحتاج من أصحاب القرار، إضافة إلى المنظمات الإنسانية والمؤسسات الدولية والمراجع الدينيّة والهيئات الثقافيّة، الأمر يحتاج إلى تنمية قدرات الشباب وشحذ طاقاتهم وتوفير الفرص المناسبة لهم للحصول على عمل مناسب وأجرٍ مناسب يتوافق مع قدراتهم إناثاً أو ذكوراً.

ولا بدّ من إشراك الشباب في صنع القرار بما يشعرهم  بالإنتماء الحقيقي لمجتمعهم ويعزّز من هويتهم المشتركة ويجسّر الفجوة بينهم وبين أصحاب القرار، دون أن ننسى الإهتمام بالأنشطة الترفيهية لهم باعتبارها ضرورية للنمو المنسجم نفسياً وجسدياً، خصوصاً والعالم في الطور الرابع من الثورة الصناعية والذكاء الإصطناعي واقتصاد المعرفة.

 

عبد الحسين شعبان

 

 

امان السيد تقول الصبية "س": ليس لي ثقة بالرجال، أشعر بقرف كبير، ولا أستطيع أن أتخيل يوما أن يلامسني رجل، لقد تعرضت لتحرش جنسي، ومحاولة اغتصاب من الشخص المفترض به أنه خطيبي، لكن الحمد لله كنت أقوى منه، لقد ترك آثارا عنيفة على جسدي وأنا أحاول التملص منه، أحمد الله أنني استطعت التخلص، وأن أستدعي الشرطة.. ماذا لو لم تأتني تلك القوة؟ كانت حياتي ستنهار تماما.. إنني أشعر بالاشمئزاز من الرجال، وبيني وبين نفسي أكرههم.

وتستدرك" س" متابعة: ليس الجميع!

تبدو "س" هنا، وقد تذكرت ما أوصيت به في الصغر، أن تكبح جماح تمردها، أن تعود البنت بثقافة المجتمع اللاواعي كي تحوز الرضى– لكنها تكمل: نفسيا أكرههم، وأشعر بالخوف من نفسي، لكني لا أظهره، أتباهى بالقوة دائما في مظهري الخارجي كي أجعل بيني وبين الآخرين سدا لا يخترق!.. ثم تتوقف عن الحديث.. أحس بدموعها وهي تبلل شاشة هاتفي، رغم ذاك الحاجز المنيع الذي تعتقد أنها تمكنت من بنائه!

لطالما حدثتني، وألحت مرارا أن أكتب عنها، لم تتوجه لغيري بذلك، وقد طال بي الوقت على ذلك، إذ أن الكتابة عن مثل هذه المآسي توقظ كل المآسي التي صادفها أمثالي في رحلة حياة ، ثم السؤال الأهم: هل أستطيع أن أفي الصبية " س" ما تنتظره مني؟!

*

بالكاد ألملم بعض  تفاصيل الحدث. صبية تود مغادرة وطن مدمر بالفقر والسياسة الجشعة لعلها تنتصر لنفسها ولأهلها، هي في منتصف العشرين، مضيئة الوجه والروح بالتصميم، تتعرف شابا من جنسية أخرى عبر وسيلة من الوسائل المنتشرة حاليا، شاب يبدو لائقا للإنقاذ، وكم من فتيات بمثل هذا العمر يُصدّرن إلى الحياة بشراستها، ولم يكتمل فيهن الوعي أو النضج لمواجهة وحوش تبدو بملابس زاهية، ثم تصل إلى المغترب، ليتلقفها وحش جديد، لم يكن بالحسبان، زوجة الأخ، أنثى مثيلة، لكنها اختارت أن تكون وحشا، وقد تكون هي الأخرى قد جرحت في مكان ما من الروح فاستيقظ فيها الوحش، لكن ليس المنتظر منه الوعي والمساندة، بل الغدر والأذى، وتتآمر زوجة الأخ عليها مع الخطيب لتوريط الصبية قليلة الخبرة، وبقية الحكاية من الممكن تخيلها بسهولة!

ترى ما الذي يجعل المرأة عامة لا تستطيع أن تقول لا رغم اقتناعها بأنها مقبلة على جحيم؟!

وما الذي يجعل من امرأة واعية عارفة، امرأة ساذجة في بعض الأحيان؟!

هل يختلف التحرش الجسدي عن الاغتصاب، أم أنهما في مستنقع واحد يغوصان؟!

وما الذي يدفع المرأة إلى الرضوخ للصمت حين تتعرض لتحرش جنسي، واغتصاب كامل أحيانا؟!

كثير من الأسئلة تتوالد في البال يكون مفتاحها المرأة، المرأة اللغز، القوية في ظاهرها، ومع ذلك أمام بعض الممارسات والأفعال تصدم بهشاشتها.. المرأة الكريستال ضربت فيها الأمثلة تلو الأمثلة، ووضعت في شأنها جداول توصيات، ومع ذلك، ومع ما تعتقد هي، ويعتقد المجتمع أنها وصلت إليه، ما يزال ينقصها الكثير من الحقوق، هذا لو استثنينا بالطبع من تفتحت عقولهم فاعترفوا أنها مركب الاكتمال في حضورهم الإنساني، والقياس على ذلك كثير، وبتفاوت في أي مجتمع، عربي أو غربي!

الكثير من علماء ومحللي النفس، يعودون إلى الطفولة، فيردون أي هشاشة مستقبلية إلى الطفولة، وما صادف المرء فيها من الأزمات، فرويد مثلا يركز في أبحاثه على العقل الباطن والسمات النفسية التي تشكله، وهل العقل الباطن إلا تلك التراكمات في مخزون النفس كطرق التربية واستقبال ردات فعل من الأهل والمربين في الصغر لهما الدور الأكثر حساسية في إقحام الغد في بقايا الماضي وعلى أساسها يأتي التصرف.. الأب، الأخ، العم، الجد.. الذكر في المطلق من حيث الخصوصية في تميزه والتي نراها تتماثل عبر الثقافات والديانات في تفضيله على الأنثى، ولا يخفى أن الذكر نفسه رغم تملكه السلطة والتحكم، يكون أحيانا في منتهى الهشاشة والسحق في توالي تربية عليه قد تأتي من أب أو أم مضروبين نفسيا لتحط وحشيتها على امرأة لا حول لها ولا قوة! ..

هذا قد يستحضر السؤال المفحم عن البيضة والدجاجة: من منهما كان البذرة للآخر، وعن الكون هل هو الموجود قبل آدم، أم أنه وجد بفضل حضور آدم؟!

*

لقد قامت مجتمعات بأكملها على زعامة المرأة للقبيلة، فهي التي تترأس، وتخطط، وتربي، وتوجه، ويتناقلون أن المجتمعات البدائية كانت في بداياتها أمومية، فهناك مثلا الإلهة الأم تمثل الأمومة والخصوبة والإبداع، ومن الآلهة التي عبدت لها شكل أنثى، وحكمت من الملوك إناث، ولعلمكم حين تكون المرأة يتدفق نهر من الحكمة والسلام، والحنان والتبصر، والمغفرة، زرقاء اليمامة التي حذرت قومها من الأعداء، قتلوها حين شككوا بما أخبرتهم، ولم يشفع لها تبصرها الذي نشلهم من كثير من الغزوات، زنوبيا ملكة تدمر ثبتت دعائم حكم واجه روما وغيرها من الامبراطوريات الكبرى في ذلك الحين، الخنساء ضربت مثلا في التضحية لدين آمنت به، أنجلا ميركل المستشارة الألمانية، وجاسيندا رئيسة وزراء نيوزيلاندا ضربتا أمثلة رائعة في القيادة الحكيمة، أما ما أدى إلى مطالبة الأنثى بموقع لائق في الحياة فقد أتى بعد أن سيطر الكهنة والذكور على مقاليد الحكم، وأحرقوا من لقبوهن بالساحرات، واللواتي لم يكن غير العارفات المتبصرات بما أوتين من حكمة المعرفة بالعلوم القديمة التي أخفيت عنا.. نعم، فلكل زمان سلاطينه، ودهاته، وجلادوه، ويبقى المشترك تلك الحرب المعلنة وغير المعلنة على الأنوثة، رغم أنه يتوجب لها التقديس الخاص لكونها المرتع والمنبثق الأساسي لقوى النور والعطاء والتألق عبر الزمن.. يكفيها تقديسا اختصاصها بالرحم مستودع الحياة..

في الحروب يصبح اغتصاب جسد المرأة مكبا للعنات، وأداة لتكريس الفوز على الخصم، ذلك الجسد الذي تستبيح الطقوس الوثنية، والحروب العالمية قديمها وحديثها حتى اليوم تقديمه قربانا بصور مختلفة رخيصة وغالية الثمن، وللأسف تكون المرأة مساهمة فيه في الوقت نفسه بذاتها، أقصد تلك المرأة التي استمرئ إخضاعها للتجهيل، وسلب أية محاولة منها لتخرج إلى نور المعرفة بحقوقها!

والتحرش كظاهرة سائد في المجتمعات كلها، المتحضرة، والمتخلفة عبر سكوت كثير من النسوة عن ذلك خوفا من المجتمع المحيط بأنواعه مما يجعل المرأة تنكفئ، وتلعق جراحها مثل كلب مسكين مرمي في الفلاة.

لكن المريح رغم ذلك، أن أصواتا تصر أن تمد رأسها، وتخرج على المنصات تتكلم، فتكشفت لنا فضائح تتعلق بآباء، وأقرباء أحيانا، وبذوي سلطة، وإرهابيين، ومسؤولين سياسيين، ورهبان وشيوخ، وأطباء، أساؤوا استخدام علاقة العمل بفتيات كن تحت سلطتهم!.

إن فقدان الأمن في الطفولة ينسحب على المرأة عموما في باقي حياتها في اختياراتها وفي سلوكها، فتعيش في قلق واضطراب دائمين، فلا تحسن الاختيار في كثير من المواقف، وتقع في المطبات، فالسذاجة النفسية لا تُرد إلى صغر السن فقط، بل إلى جزء ما من الناحية العقلية  تتساوى فيها الصغيرات الساذجات، والكبيرات مجروحات الغرائز، وكل ذلك بتأثير من تربية غير واعية، أو تربية تعلّم الأنثى أن عليها دوما أن تَظهرَ لطيفة، وتبدي الخضوع، والجهل، وعدم الفضول، ذاك النموذج المرخّص له في مجتمعات وضعت مسبقا حدودا وأطرا للأنثى المرغوبة، كما حدث مع "س"، لكن طالما هي ترتد إلى حدسها، الأعمق فيها فإنها ستسترجع ذاتها وستنهض لبناء ما تدمّر منها، أن تكون فضولية، أن تنصت إلى ما تسمع، فتردّ قوى الإدراك والبصيرة إلى حالتها الأصلية ثانية، أن تسترد المرأة الوحشية فيها، ليست المبادرة بالعنف كما يتراءى لأول وهلة من الوصف، بل استعادة القوى المطمورة فينا، والتي بها لن نعود الضحايا البسطاء للظروف الداخلية، والخارجية... (باقتباس عن الكاتبة والمحللة النفسية كلاريسا بنكولا)..

لكن ذلك الحدس هو لب المشكلة برمتها، فكيف ستستعيده تلك الأنى، هنا المشقة كلها، فإن كانت ما تزال تخضع لذلك الاضطراب، فستظل عقيما، وسيستدعي ذلك من الأنثى الكثير من القسوة على النفس والروح، وقد يستغرق ذلك سنوات لتسامح، وإن كانت محظوظة فيمكنها استشارة أخصائي تسترجع معه شريط حياتها، فيضع يده على منبت الجرح ويساعدها على الخروج منه، ومنهن من لا تسامح بسهولة، هذا يتعلق بدرجة اليقظة التي توصل إليها الحدس.

تقول لي "س": الله يسامحه، وتكمل: أنت تعرفين أنني قوية، وسأتخطى ما جرى لي.." و"س" بدون أن تقصد، وبعد أن بدأت تستعيد حدسها الأنثوي، وطاقاتها التي كانت مطمورة في داخلها، سعت إلى تطهير روحها من الألم بمقابلة الإساءة بالمغفرة، رغم أن الفرصة سمحت لها بمقاصصة ذلك الرجل، وزوجة أخيها في محكمة تضع في أولوياتها المرأة، وتعنيفها، وضمن محاكمة نزيهة جدا!

 

أمان السيد

 

  

 

 

 

صادق السامرائيتعددت تعريفات الصحة النفسية وتنوَّعت، وما أوصلتنا إلى ما تريده من التفاعل الإنساني الحيوي، الذي يمكن أن يكتسب عنوان الصحة النفسية أو العافية النفسية.

ولا بد من التساؤل أولا : هل توجد صحة نفسية؟

وهل يمكن عزل الصحة وتجزأتها إلى تنوعات صحية؟

إن الإنسان أو أي مخلوق حي موجود متكامل متفاعل بكل ما فيه مع ذاته وموضوعه، ولا يكون مقسما إلى كينونات أو صناديق معزولة عن بعضها، فنقول صحة نفسية وعقلية وبدنية وقلبية ومعوية وجلدية وعينية وسمعية وحركية، وغيرها مما يتصل بالمخلوقات من أفعال حيوية وفسيولوجية.

إن القول بالصحة النفسية على أنها حالة معزولة عن الواقع البيئي للبشر لا يعني شيئا، ولا يساهم في توفير المناخات الإيجابية لتفاعل إنساني طيب رحيم.

فالواقع الحقيقي والجوهري للمخلوقات يشير إلى التكامل والتواصل والتفاعل، المساهم في تحقيق نشاطات وتطلعات  المخلوق مهما تنوعت وتعددت.

وعليه فأن التعبيرات التي نطلقها لتوصيف ما نتصوره، لا يمكنها أن تكون صحيحة أو سليمة،  أو مستوفية لشروط ومنطلقات ما تذهب إليه.

ولهذا فمن الأصح الكلام العملي والواقعي عن الصحة البشرية، بما يحقق سلامة السلوك والتفاعل ما بين الناس وفقا للمصلحة العامة، ويأتي في مقدمة ما يحتاجه البشر هو الشعور بقيمته ودوره وأهميته في الواقع الذي يكون فيه، ولديه ما يعطيه للحياة في رحلته، التي تطول أو تقصر لكنها ستنتهي ذات يوم.

فما هي الصحة البشرية؟

إنها بيئة صالحة للحياة الحرة الكريمة، وسلامة بدنية قابلة لتأهيل العقل للتفاعل مع محيطه بإيجابية وسلامة وأمان، بعيدا عن الإحتقان بالشرور والمرارات القهرية والتدميرية للمخلوق ومحيطه.

أي أن الصحة البشرية لا يمكنها أن تختصر بالنفسية، وإنما تشمل الوعاء الشامل للمخلوق أيا كان نوعه وجنسه.

ولا توجد عافية نفسية إذا إنتفت شروط الحياة الحرة الكريمة في المجتمع، وعندما تغيب قيمة الإنسان وتضيع كرامته، فالحديث عن الصحة النفسية يكون هذيانا أو تخريفا، وتحليقا في فضاءات الفنتازيا، والتغني بالتصورات الخالية من أي رصيد واقعي.

فهل لنا أن نعيد النظر برؤيتنا عن الصحة النفسية؟!!

 

د. صادق السامرائي

10\2\2020

 

 

 محمد العباسيهناك أكثر من 200 آية في القرآن تتحدث عن الحيوانات.. وهناك 6 سور مسماة بأسماء حيوانات، هي: البقرة، الأَنعام، النحل، النمل، العنكبوت، والفيل.. ولكل واحدة منها مناسبتها الخاصة؛ إذ في سورة البقرة تُذكر قصة بقرة بني إسرائيل التي أُمِروا بذبحها.. وفي سورة الأنعام يُذكر التشريع الإسلامي في المباح تناوله من الأنعام.. وفي سورة النحل يذكر الله سبحانه تسخيره للنحل لإنتاج العسل غذاءً وشفاءً لكثيرٍ من الأمراض.. أما في سورة النمل فنجد حكاية النمل ضمن قصة النبي سليمان والقدرة التي أنعم الله عليه بها في فهم لغة الحيوانات.. وبالانتقال إلى سورة العنكبوت، نجد فيها تشبيه من عبدوا من دون الله بالعنكبوت التي تبني بيتاً ضعيفاً لا يحميها.. وفِي سورة الفيل نجد ذكر قصة أصحاب الفيل الذين جاءوا على رأس جيش لهدم الكعبة فانتقم الله منهم.. وفي مضمون السور نجد ذكراً لحيوانات أخرى كالإبل والخيل والطير.. وفي آيات القران تصريح بتحريم أكل لحم الخنازير إلا في حالات خاصة وهي في الحروب والمجاعات عندما لا يكون بديل لذلك لتفادي الموت من الجوع.

ويمكن بشكل عام القول بأن القرآن الكريم قد بين أن الحيوانات سُخرت لخدمة الإنسان، ولكن في نفس الوقت يفرض على الإنسان المسلم معاملة الحيوانات بلطف ويمنع أي إساءة لها.. الحيوانات، مع سائر المخلوقات، يُعتقد أنها تعبدُ الله بالرغم من أنها لا تعبّر عن ذلك بلغة البشر.. ويصرح القرآن بمشروعية أكل بعض الحيوانات تحت شروط معينة مع ذبحها بطريقة معينة.. والحيوانات المحظورة تتضمن الخنازير والميتة والحيوانات المذبوحة لغير وجه الله أو التي لم يذكر عليها اسم الله، وأيضاً آكلات اللحوم والطيور ذات المخالب.

وقد استنبط الفقهاء والمفسرون من مجمل هذه الآيات الكثير من الأحكام والفوائد، فأشاروا إلى أن الله يلفت انتباه الإنسان إلى ضرورة الاهتمام بالحيوان، والعناية به، والترفق في معاملته؛ لأنه يؤدي دوراً مهماً في خدمته للبشر.. كما أن الله (سبحانه) قصد بهذه الآيات أن يبتعد بالإنسان عن النظر إلى الحيوانات نظرة ضيقة لا تتعلق إلا بالجانب المادي المتعلق بالأكل والنقل واللباس والتجارة.. فوسع نظرته إليه مشيراً إلى أن للحيوان جانباً معنوياً، وصفات جمالية تقتضي الحب الذي يقود إلى الرفق في معاملته، والإحسان إليه في المصاحبة، إضافةً إلى أن ذِكر بعض الحيوانات بأسمائها في هذه الآيات لا يعني أن غيرها ليس كذلك، بل إنه ذكرها على سبيل المثال لا الحصر بدليل قوله: (وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).

وهكذا ندرك أن الإسلام لا ينظر إلى الحيوان نظرة دونية، بل إن الله يلفت انتباه الناس بقوله: (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ).. وبرغم ذلك فقد نبهنا الإسلام للحذر من بعض هذه الكائنات بشكل خاص، حيث أمرنا الرسول (صلى الله عليه وسلم) بقتل "الفواسق الخمس"، وهي: "الغراب، والحدأة، والفأر، والحية، والعقرب، والكلب العقور، والسبع، كالذئب والنمر والأسد"، وغير ذلك من الحيوانات المفترسة، إضافةً إلى بعض الحشرات المؤذية التي قد تسبّب الضرر والأذى، مثل البعوض والذباب وغيرها، بحكم أن "ما يؤذيك فلك إذايته قبل أن يؤذيك"!  ويبين كثير من الفقهاء أنه من القواعد الفقهية المقررة شرعاً أنه "لا ضرر ولا ضرار"، وأن "الضرر يزال"، وأن "الضرر لا يزال بالضرر"؛ ولذلك منع الشرع من اقتناء أو تربية أي حيوان إذا كان مؤذياً، وجعل حقاً للإنسان أن يدفع ضرر الحيوانات المؤذية عن نفسه ما استطاع ولو بقتلها إن لم يندفع ضررها إلا بذلك.

هنا يتبادر إلى العقول المفكرة في ملكوت الله عن سبب خلق الحيوانات الضارة والمفترسة والحشرات المؤذية، وهي كثيرة ومتنوعة بكافة الأشكال والأحجام في البر والبحر والجو.. وكذلك التساؤل عن الحيوانات المحرم علينا أكلها أو تلك التي قد نعتبرها مصدراً للنجاسة أو القذارة.. فالخنزير مثلاً هو أحد أهم وأعقد المخلوقات الحيوانية وفقاً لتركيبته الفيزيائية التي تقاوم أغلب الأمراض والأوبئة، وإن كانت طبيعته التركيبية وسيطة لنقل الأمراض للحيوان والإنسان إلا أنها لا تؤذي الخنزير نفسه.. وعندما نتعرف على مهماته ووظائفه البيئية التي جبل عليها، ربما ندرك أن هذا المخلوق عبارة عن "أداة" مُسخرة لنا، فإننا سنمتنع أخلاقياً، بما يتجاوز النهي، عن أكله مع تحريمه على أنفسنا حفاظاً على تواجده في مكانه الملائم لتنفيذ واجباته التي خُلق من أجلها لخدمة الإنسان وليس بسبب أضرار لحومه فقط.. أي أن الله قد خلق الخنزير للقيام بدور هام في الدنيا.. وما وصف خبث لحومه وضررها إلا وسيلة لإجبار الإنسان على عدم تناوله ليترك لمهماته التي خُلق من أجلها.. فالخنزير هو أقذر الحيوانات "القمامة" وفقاً لما يلتهمه، إذ أنه مصمم بصورة رئيسية لأكل الجيف وأكل فضلات الحيوانات والإنسان التي قد يخلفها في العراء، وبهذه الطبيعة يكون للخنزير دوراً في خدمة الإنسان والحياة والمحافظة على الصحة العامة.. وفي واقع الأمر فإن الدين لم يأمرنا بالتخلص من الخنازير، ربما لتركها تقوم بالدور والمهمات التي خُلقت في الأساس من أجلها!!

والمفارقة في هذا الأمر أن الرجل الغربي الذي يهتم بتربية الخنازير ويأكل لحومها، يمتنع عن أكل الفئران أو الجرذان لأنها تعيش في المجارير التي تحوي فضلات الإنسان ولا يجد حرجاً في أكل الخنازير التي تتغذى أيضاً على هذه الفضلات!  إنها مفارقة غريبة ومحيرة، إلا أنه في واقع الأمر ليس سوى ضحية جهله وضحية المروجين والمتاجرين للحوم الخنازير على مدى التاريخ، كمن يتعاطى المخدرات رغم معرفته بضررها وذلك نظراً لنشاط المروجين لها ورعايتها بالزرع والدعايات الكاذبة والخداع، ومع ذلك فإن الطب لا يستغني عن استعمال بعض أنواعها للتخدير والمعالجة في العمليات الجراحية.

وهل الكلاب نجسة، بخلاف الحيوانات المستأنسة الأخرى؟  كثيرة هي الآراء حول الكلب بشكل خاص، ربما لكون الكلاب من ذات فصائل الذئاب والثعالب والضباع وما شابهها من حيوانات لم ترد فيها نصوص أو أحاديث حول نجاستها.. ويتفق الكثير من الفقهاء بأن هنالك بعض الأدلة من القرآن والسنة النبوية مما يستدل بها على طهارة (جسد) الكلب ويتضمن ذلك جواز تربية واقتناء الكلاب.. حيث أن الكلاب هي من أكثر الحيوانات المرتبطة بالإنسان، وهي معروفة بالوفاء والخدمة وربما أيضاً بالصداقة، إذا صح القول.. فالكلب كان ضمن المذكورين في قصة "أهل الكهف" كفرد من المجموعة.. وكلاب الصيد والرعي مثلاً لا تمنع ملامستها للبشر والتربيت عليها من الصلاة.. وربما تختلف المذاهب في هذا الشأن بالقول إنه إذا لمس الإنسان شيئاً رطباً من الكلب أو كانت يده رطبةً؛ لا ينتقض وضوؤه، لكن عليه غسل موضع بدنه الذي لامس به الكلب أو عرقه أو لعابه، وإن صلَّى وعليه النجاسة؛ ولكنه لا يرى نجاستها أو لم يعلم بوجودها؛ فلا يجبُ عليه إعادة الصلاة عند المالكية، لأنه قال بأن الكلب غير نجس، وأما من قال بنجاسة الكلب كالشافعية ومن وافقهم؛ فقالوا بوجوب إعادة الصلاة في هذه الحالة؛ لأن من شروط صحّة الصلاة إزالة النجاسات.

 

وقضية الرفق بالحيوان هي الأخرى مثار للجدل والنقاش بين الكثيرين، وتتفق معظم الآراء على مبدأ إنساني أخلاقي إسلامي، يقوم على العطف على الحيوانات وتقديم الرعاية لها، وقد حثت التشريعات الإسلامية على الأمور التي تتحقق بها رحمة الحيوان، وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) خير أسوة في ذلك، فلخص لنا منهجاً كاملاً في كيفية العناية بهذه الحيوانات بشكل عام.. ربما من أهم الأمور المرتبطة بالرفق بالحيوانات هي كلمة "الرفق"، أي مراعاة مشاعرها كونها كائنات حية لها حقوقها وعلينا واجبات تجاهها.. فيتوجب علينا إطعامها وتقديم النفع لها واستخدامها بالمعروف.. وقد توعد سبحانه وتعالى أشد الوعيد كل من ملك حيواناً وفرط فيه دون إطعام أو شراب.. وقد تم تحريم اتخاذها هدفا لأي شكل من المبالغة في تحمليها فوق طاقتها لما لذلك من آثار سلبية على نفسية الحيوان، ولان هذا يدخل ضمن ممارسة العنف ضدها وذلك حرام شرعاً.

بل ويتوجب علينا الإحسان إليها حتى عند الذبح من أجل الطعام، وذلك بذكر اسم الله عند ذبحها واحترام حقها في موت رحيم دون ألم أو تعذيب.. ويتوجب علينا من الناحية الأخلاقية والدينية إنقاذها إن كانت في محنة أو مأزق، كمن سقط من الحيوانات في بئر أو حفرة أو غرق أو تعرضها للإصابة البدنية.. بهذه التعليمات السامية، التي تدعو إلى احترام حقوق الحيوانات في الحياة باطمئنان، يقدم ديننا الحنيف أروع مثال في الرفق بالحيوان والحرص على حقوقه، فحث الإنسان على أن يكون رفيقاً به، لما يترتب على ذلك من أجر وثواب.. وربما نتذكر قصة تلك المرأة مع الهرة كمثال على حث المسلم على عدم التسبب في أذية الحيوانات.. فعن "عبد الله بن عمر رضي الله عنهما" أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "عُذّبت امرأة في هرّة، سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار؛ لا هي أطعمتها، ولا سقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض".

فما بال من تعارفوا على رياضات كمصارعة الثيران والديوك والكلاب والجِمال، وتؤدي بعضها للموت أو الإصابات والتعذيب والمهانة؟  وكذلك الأمر مع سباقات الخيل والجمال وغيرها.. وماذا نقول في شأن من يقتلون الحيوانات والطيور باسم رياضة الصيد؟ وكيف نتقبل تحميل بعض الحيوانات مثل الحمير والبغال والجِمال أحمالاً فوق طاقتها الطبيعية؟  وأميل هنا أيضاً لمساءلة من يقتنون الطيور في أقفاص، أو يربون (أو يحكِرون) الحيوانات "الأليفة" في المنازل، حيث تعيش تلك في بيئات غير طبيعية، بالرغم من تلقيها المأكل والمشرب والرعاية.. لكنها في نهاية المطاف تكون محرومة من ممارسة الحق في حريتها بغير حق!!  بل والأقسى يكون عندما تتخذ بعض العائلات من عملية اقتناء القطط والكلاب الصغيرة من أجل أهواء وقتية قصيرة المدى ثم يتخلصون منها برميها في الطرقات والبراري وهي لم تتعود قط على تلك الحياة فتكون ضحية للحيوانات الأخرى والجوع والعطش وتقع فريسة للأمراض، بل وبعبث بعض الأطفال الجهلاء ممن يجدون متعة في سوء معاملتها وتعذيبها، بل وقتلها بلا رحمة!!

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

 

منى زيتونيُعرف السلوك الإنساني على أنه أي نشاط خارجي ظاهر يصدر عن الإنسان من أفعال أو أقوال أو أثر انفعالي، يمكن ملاحظته وقياسه بشكل مباشر، أو نشاط داخلي غير ظاهر –عقلي أو انفعالي- لا يمكن ملاحظته وقياسه بشكل مباشر‏.

ورغم تعدد تعريفات علم النفس واختلافها فإنها كلها تدور حول أنه علم يختص بدراسة السلوك الذي يصدر عن الإنسان أثناء تفاعله مع البيئة، وما وراءه من دوافع كامنة، وعمليات عقلية. وهناك اتفاق بين علماء النفس على أن علم النفس -شأنه شأن أي علم- يُعنى بتحقيق أهداف العلم الثلاثة؛ التفسير والتنبؤ والضبط (التحكم)، وهم متفقون أيضًا على ضرورة تنظيم القوانين والمبادئ التي تحكم السلوك في نظريات.

لكن، ولأن العلماء والباحثين في علم النفس لم يتفقوا تمامًا على ماهيته وحدوده، فقد ظهرت المدارس النفسية العديدة التي تمثل وجهات نظر مختلفة. ويمكن القول إجمالًا إن هناك اتجاهين رئيسيين في علم النفس المعاصر؛ هما الاتجاه السلوكي والاتجاه المعرفي، ويستخدم الباحثون المتبنون لكلا الاتجاهين المنهج العلمي لدراسة وتفسير الظواهر النفسية التي ترتبط بسلوك الإنسان، وتبدو من خلاله، والتنبؤ بالسلوك، والتحكم فيه وتعديله وتوجيهه. ولكن ربما كان أصحاب الاتجاه السلوكي أكثر تركيزًا على دراسة الدوافع الكامنة خلف السلوك وأثر المثيرات البيئية –القبلية والبعدية- على الاستجابة السلوكية، وأصحاب الاتجاه المعرفي أكثر تركيزًا على دراسة العمليات العقلية التي يدل عليها السلوك.

وتختلف نظرة السلوكيين إلى المثيرات البيئية تبعًا لترتيب حدوثها؛ فمنها التي تسبق ‏السلوك ومنها التي تتلو السلوك، كما تختلف نظرتهم إلى السلوك ذاته تبعًا لها، فمنهم من يركز على السلوك الاستجابي على أساس كونه رد فعل للمثير البيئي الخارجي الذي يحدث أولًا ثم تحدث الاستجابة السلوكية التي تنتج عنه، ومنهم من يركز على السلوك الإجرائي المحكوم بنتائجه؛ ‏فإن تبعه تعزيز تزيد احتمالية تكرار السلوك إذا تكرر الموقف، وإن تبعه عقاب تقل احتمالية تكراره. وحتى المثيرات القبلية التي ‏تحدث قبل السلوك الإجرائي إن كانت قد ارتبطت بنتائج إيجابية ستعزز احتمالية حدوث السلوك، والعكس.‏ لكن الأكثر أهمية هو ما يحدث بعد السلوك الإجرائي وليس قبله، والاهتمام به مؤسس على فلسفة إيجابية الإنسان ودوره النشط في البيئة؛ فالإنسان يقوم بالعمل ثم تأتي المكافأة أو العقاب بعد ذلك من البيئة.

لكن بالرغم من علاقة التأثير والتأثر البسيطة التي يفترضها السلوكيون بين المثير والاستجابة إلا أن سلوك الإنسان ليس آليًا بسيطًا وإنما معقد ويتسم بالمرونة، ولعل من أصعب ما يقابل من يحاول تفسيره أن السلوك الظاهري لشخصين قد يختلف رغم أن لدى كليهما الدوافع ذاتها، بينما قد تختلف الدوافع لدى شخصين آخرين لكنهما يسلكان السلوك ذاته! وأن المعززات التي تتلو السلوك الإجرائي لا يمكن التنبؤ الدقيق بأثرها، فتأثير المعززات والعقاب يتأثر بذاتية الأفراد؛ فالمعززات تشبع الحاجات، والحاجات تختلف من إنسان لآخر، وما يعتبره فرد ما معززًا قد لا يسترعي انتباه فرد آخر، كما أن درجة تأثيرها تختلف باختلاف الأفراد، والأمر ذاته يُقال عن العقاب.

بينما تركز المدرسة المعرفية ورائدها جان بياجيه على تفاعل المعلومات التي يتلقاها الإنسان من بيئته -والتي تشكل المثيرات وفقًا لبياجيه- مع العمليات العقلية –الانتباه والإدراك والتذكر والتفكير والتخيل-، ومن خلال هذا التفاعل تصدر الاستجابة السلوكية المناسبة.

ووفقًا لنظرية بياجيه فإن النمو العقلي للإنسان يرتقي، والمراهق يكون قادرًا على التفكير الشكلي المجرد، واستخدام المفاهيم المجردة Abstract Concepts التي لا تعبر عن ظاهرات محسوسة، مثل مفهوم: (النسبية- العدالة- الحب- الفضيلة)، على عكس الطفل الذي يقف عند المفاهيم العيانية الحسية Concrete Concepts مثل مفهوم (شجرة- بحيرة- كتاب). وتعد قدرة المراهق على استخدام هذه المفاهيم المجردة دالة لنموه وارتقائه العقلي.

تعديل السلوك  Behavior Modification

يحتل تعديل السلوك أهمية كبيرة لدى الآباء والمربين وعلماء النفس؛ لأن الضبط والتحكم بالسلوك هو الهدف الثالث من أهداف علم النفس.

وتشمل أساليب تعديل السلوك جميع الأساليب التي يمكن أن تؤثر في تغيير السلوك الظاهر غير المرغوب فيه، والقيام عوضًا عنه بسلوك مقبول اجتماعيًا، وتهدف عند تطبيقها بشكل منظم إلى زيادة السلوك التكيفي المقبول وتحسين الضبط الذاتي لسلوك الفرد.

ووفقًا لوجهة النظر السلوكية يعتبر التركيز على تغيير السلوك الظاهر وليس العمليات الداخلية العقلية أو الانفعالية هو حجر الزاوية في تعديل السلوك، إذ ينبغي تحديد السلوك غير المرغوب المراد تعديله، والسلوك الإيجابي المراد استبداله بالأول، وتحديد المثيرات البيئية التي تؤثر في استمرارية السلوك غير المرغوب، واستبدال مثيرات بيئية ومعززات أخرى بها، يمكنها أن تزيد احتمالية تكرار السلوك الإيجابي المرغوب فيه. فتعديل السلوك وفقًا للسلوكيين يرتكز على تعديل المثيرات البيئية خاصة تلك التي تتبع السلوك، والتي تسمى المعززات.

ولا يمكن أن يتطرق باحث في مجال علم النفس لموضوع تعديل السلوك ويتخطى الحديث عن مبدأ التعزيز الذي يركز عليه السلوكيون كأساس لتعديل السلوك السيء، والمعززات هي المحفزات التي تشبع الحاجات، وتؤدي لزيادة احتمالية تكرار السلوك، وتقويه، وذلك بنوعيها الموجب والسالب؛ فهي تنقسم إلى نوعين؛ يحدث التعزيز الموجب عند تقديم شيء ذي قيمة إيجابية أو مرغوب به للفرد مثل المدح أو المكافأة المادية أو إشراكه في نشاط يحبه بعد قيامه بالسلوك المرغوب، بينما يحدث التعزيز السالب عند إزالة شيء غير مفضل أو غير مرغوب فيه من موقف التعلم؛ كإعفاء التلميذ من عمل واجب منزلي لأن أداءه ممتاز بما يكفي.

ويختلف التعزيز السالب عن العقاب؛ حيث إن التعزيز بنوعيه الموجب أو السالب يرتبط بتقوية السلوك وزيادة احتمالية تكراريته، بينما العقاب يرتبط بكبح وإضعاف السلوك. والعقاب أيضًا منه نوعان؛ فعقاب التقديم (الموجب) يتم بتعريض الفرد إلى شيء منفر غير مرغوب فيه بغرض خفض وإضعاف السلوك كاستخدام المعلم أو الأب الضرب مع الطفل المشاغب، أو أن يُطلب منه الوقوف في الفصل بينما باقي زملائه جُلوس، وهي إجراءات تربوية غير منصوح بها إلا في أندر الحالات. يمكن أيضًا استخدام التوبيخ واللوم كعقاب تقديم موجب. وأما عقاب الإزالة (السالب) فيتم عن طريق الحرمان أو التوقف عن تقديم أشياء مرغوب فيها بعد قيام المتعلم بسلوك غير مرغوب كحرمان الطفل من ألعابه أو من مصروفه أو من النزهة. ويمكن كذلك خفض السلوك السيء بإجباره على تحمل مسئولية ما تسبب عن هذا السلوك مثل استخدام مصروفه في إصلاح ما أفسده.

وكثيرًا ما يكون عقاب الإزالة إقصاءً لفترة وجيزة لا تتجاوز 10 دقائق، ويستخدم عادة بعد حصول الطفل على تعزيز إيجابي في شكل مكافأة ثم قيامه بعدها مباشرة بسلوك سيء، فيتم سحب المعزز الإيجابي منه لمدة 10 دقائق في إشارة له بضرورة الالتزام بالسلوك الإيجابي لتستمر الإثابة.

وهناك مبادئ أخرى تتعلق باكتساب أو تعديل السلوك مثل تعميم الاستجابة السلوكية لتحدث في ظل مثيرات مشابهة؛ فيتوسع بذلك أثر تعزيز السلوك، وعكسه التمييز بين المثيرات في البيئة وتعزيز السلوك المرتبط بالمثير المناسب فقط، وتسلسل وتشكيل الاستجابة السلوكية المُركبة، وانطفاء الاستجابة السلوكية المتعلمة غير المرغوبة بعد توقف تعزيزها وتدعيمها، وأساليب التنفير بربط السلوك السيء بمثير منفر، وغيرها، ولكن سردها وشرحها تفصيلًا لا يتعلق بصُلب موضوع المقال.

الاختلاف بين الاتجاهين السلوكي والمعرفي في النظرة إلى تعديل السلوك

يعتبر نطاق تعديل السلوك من أكثر النطاقات التي يظهر فيها الاختلاف القائم بين الاتجاهين السلوكي والمعرفي في علم النفس، فآليات تعديل السلوك شديدة التباين بين الاتجاهين والنقد متبادل، فبناء المفاهيم والمعتقدات بشكل صحيح لتكون أساسًا قويًا للسلوك السوي يستغرق وقتًا طويلًا، والسلوك ينبني بشكل أسهل وبناء العادة يكون أفضل ما يكون في السن الصغيرة، والمرء على ما شب عليه. ولأجل ذلك يسود استخدام الاتجاه السلوكي ولا يكاد يُستخدم الاتجاه المعرفي في تعديل السلوك.

بينما يرى المعرفيون أن افتراض السلوكيين بأن السلوك يزداد احتمال تكراره فقط عندما يتم تعزيزه هو افتراض خاطئ ولا دليل كافٍ عليه، وأن للمعرفة والمفاهيم والعمليات العقلية دورها في تكوين السلوكيات المتصلة بها وتعديل ما يلزم، ويرون أن فكرة تشكل سلوك الإنسان دون إعمال العقل هي فكرة مهينة للإنسان، فالإنسان ليس آلة وليس حيوانًا يُساق عن طريق التعزيز.

ونجد ألبرت باندورا، صاحب نظرية "التعلم الاجتماعي" يركز على ملاحظة أنماط سلوك الأفراد ودور النمذجة والقدوة في تكوين وتعديل السلوك، وكانت تلك محاولة منه للتوفيق بين الاتجاهين السلوكي والمعرفي.

ولكن يبقى السؤال: أي الاتجاهين أصح تربويًا؟ فهل نكتفي ببناء العادة -التي لا ترتبط بقاعدة مفاهيمية صلبة- عن طريق استخدام أساليب التعزيز والعقاب لدعم السلوك المطلوب تكوينه وخفض السلوك غير المرغوب، كما يفعل السلوكيون، أم نبدأ بتكوين المفاهيم العقلية دون أي تدريب مصاحب على السلوك المنضبط المطلوب أن يقوم به الفرد انتظارًا لإتمام التكوين أو التعديل المفاهيمي وفقًا للاتجاه المعرفي؟!

علمونا ونحن صغار أن الإيمان هو ما وقر في القلب وصدَّقه العمل، فهو عقيدة وسلوك معًا، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقي يدعو الناس في مكة ثلاث عشرة سنة، وكان التعبد فيها لله طوعًا لا فرضًا على من يدخل الإسلام، إلى أن فُرضت الصلاة في نهاية المرحلة المكية بعددها وأوقاتها وعدد ركعات كل منها، ثم فُرضت باقي العبادات من صوم وزكاة وحج تباعًا في المدينة. وأن الأولوية في الفترة المكية كانت لتكوين العقيدة؛ لأنه دون عقيدة سليمة راسخة ستكون العبادة سلوكًا ظاهريًا لا روح فيه، وربما وصل الحال إلى أن يكون رياءً وتكلفًا.

كما أن الإسلام قد استخدم مبدأي التسلسل والتشكيل لتعديل بعض أنواع السلوك المركب التي يصعب تعديلها في خطوة واحدة؛ وذلك باعتبار السلوك الكلي المرغوب تعلمه عبارة عن سلسلة من الحلقات أو الاستجابات السلوكية الصغيرة، ويتم تشكيله بدءًا من سلوك أولي يعتبر مدخل السلسلة، ثم تعزيز كل استجابة صحيحة في الاتجاه المرغوب كخطوات على الطريق تقترب شيئًا فشيئًا من السلوك الكلي النهائي، وبذا يتم تشكيل السلوك النهائي الإيجابي المطلوب تعلمه، والذي لا تكون من الحكمة التعجل بالإكراه عليه جملة واحدة بينما ما يلزم أن تقابله من مفاهيم عقلية متطلبة لم تكن قد تكونت في العقل. ورأينا ذلك في تحريم شرب الخمر وتحريم القمار والربا.

ومن أجل ذلك كان الأمر للأطفال بأن يصلوا لسبع سنين، وأن يتدربوا على الامتناع عن الطعام لفترات من النهار تعويدًا لهم على الصيام، ولكن ليس معنى هذا أن نشدد عليهم فندعو الأطفال إلى صلاة السُنن أو صيام التنفل. فالأمر لا يعدو أن نبدأ بتكوين السلوك وبناء العادة لديهم، أخذًا في الاعتبار أن سلوك العبادة لدى الطفل يبقى سلوكًا يقلد فيه الكبار وينال عليه التعزيز منهم، ولكنه لا يدرك حقيقة المفاهيم المجردة التي تلزمه لتحقق الإيمان، فمفاهيم (الله- الجنة- النار- الملائكة- الشياطين- الجن) وغيرها من المفاهيم الدينية جميعها مفاهيم مجردة لا يعيها الإنسان قبل البلوغ، ومن هنا كانت الحكمة الإلهية بربط فرض العبادات على الإنسان ببلوغه الجسمي.

والأمر أعم من أن يُقتصر ذكره في حق الأطفال، فبناء السلوك ينبغي أن يكون موازيًا لبناء المفاهيم، وينبغي أن يتشكل رويدًا، فالتشديد في سلوك التعبد وكل السلوكيات والمظاهر الأخرى التي يراد بها إظهار التدين، لمن لم تتكون لديه عقيدة وإيمان عميق، هو أبسط طريقة لخلق المنافق، وهو ما نلاحظه في بعض الجماعات التي تشدد على كل من يلتحق بهم أن يبالغ في تلك السلوكيات ترغيبًا له في الخير، وربما هو لم يكن يصلي من الأساس، فيهتمون بداية بتكوين السلوك الظاهر والذي لا يتوازى مع ما يناسبه من تكوين مفاهيمي وعقائدي، وهو ما يدفع كثيرين للارتداد إلى النقيض.

إن صلح الرأس صلح الجسد

ونختم بالحديث عن النمذجة، وهي عملية تكوين أو تعديل للسلوك نتيجة ملاحظة وتقليد سلوك شخص ما يمثل دور النموذج بالنسبة للملاحِظ. ووفقًا لباندورا -وهو صاحب أشهر نظريات التعلم الاجتماعي بالنمذجة- فإن لكل من البيئة والعمليات العقلية والوجدانية لدى الإنسان دورها في اكتساب السلوك، ولا يلزم مطلقًا أن يكون هناك تعزيز لاحق للسلوك، فالتعلم بالنمذجة يحدث عندما يعرض النموذج سلوكًا معينًا ذا نتائج تعزيزية، فيتخيل المتعلم نفسه مكان النموذج، ويلاحظ ما يتعرض له هذا النموذج من ثواب أو عقاب نتيجة ما يقوم به من سلوك، ومن ثم فإن قلنا إنه يوجد تعزيز للسلوك فهو تعزيز غير مباشر، كما أنه لا إهمال هنا لدور العمليات العقلية؛ ذلك أن الملاحظة تكون انتقائية، فنحن لا نلاحظ ونقلد كل أحد.

وفي مقال "وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ" تحدثنا عن دور النموذج "القدوة" في تعديل السلوك، وأشهر مثال على ذلك هو رسولنا عليه أفضل الصلاة والسلام؛ فرسول الله هو رجل واحد تغير به مصير العرب.

وجميع المآسي التي عاشها ويعيشها البشر وقعت بسبب أن العالم يحكمه عادة مجموعة من السفلة، يتحايلون للوصول إلى سُدة الحكم واقتناص خيرات بلادهم والاستئثار بها، ثم بعد أن يتحكموا في رقاب العباد يطلقون شيوخ السلاطين لينعقوا بينهم بأن الخلل فيهم، ومثلما تكونوا يُول عليكم!

وكما قال نجيب محفوظ: إنهم كذّابون، ويعلمون أنهم كذّابون، ويعلمون أننا نعلم إنهم كذّابون، ومع ذلك فهم يكذبون بأعلى صوت؛ ذلك أن الراعي يُصلح الرعية وليس العكس، ولكن هذا الخطأ المفاهيمي باعتقاد العكس يوجد –وللأسف- لدى كثير من حزب المبررين غير المنتفعين!

 

د. منى زيتون 

الاثنين 11 أكتوبر 2021

 

 

 

محمود محمد عليالملل حالة عاطفية يمر بها الإنسان عندما لا يجد ما يفعله وعندما لا يشعر بالاهتمام بمن ولا بما يحيط به، علاوة علي أن الملل يمثل حالة وجدانية عابرة يفقد فيها الإنسان اهتمامه بالموجودات ويصعب عليه التركيز فيما يفعله، ويوصف الملل في علم النفس الإيجابي، بأنه استجابة لتحد معتدل يواجهه شخص يمتلك من القدرات ما يمكنه من التغلب على هذا التحدي، فالملل عامل رئيسي يؤثر في مناطق مختلفة من حياة الإنسان اليومية .

ولهذا يعد الملل من المشاعر الشائعة التي تنتاب العديد من الناس، إذ يصاب الشخص بالملل عندما يفقد الرضا عن نشاط معين فلا يهتم به، وقد يحدث الملل حين تكون مفعمًا بالحيوية ولا تجد مكانًا توجه إليه طاقتك، وكذلك عندما يصعب عليك التركيز في أداء أي عمل أو مهمة. تنتشر الشكوى من الملل بين الأطفال والمراهقين، إذ يعانون الملل عندما لا يشعرون بالراحة في التعامل مع أفكارهم أو مشاعرهم.

ومن أسباب الملل:

* إذا كان الشخص ليس لديه أهداف أو أن أهدافه في الحياة صعبة جدًا، فإن عليه إعادة التفكير حول أهدافه ومنح نفسه أهدافًا مفيدة تجعله يشعر بالحماس في سبيل تحقيقها.

* عندما تكون أهداف الشخص كبيرة وصعبة وبعيدة المنال، سيجد الشخص أن مهمته في تتبعها صعبة جدًا، ويبدأ بالنظر إليها على أنها مملة وسيؤجلها، لذلك من المهم أن يضع كل شخص أهدافًا واقعية لنفسه.

* إن الكثير من الناس متورطون في المهام والأعمال المنزلية اليومية لدرجة أنهم لا يعيشون حياتهم من أجل أنفسهم، وأداء الواجبات والالتزامات دون جني أي متعة حقيقية منها هو واحد من أسباب الملل.

* إن الاستمرار بفعل نفس الأشياء القديمة وتوقع الاستمتاع بها إلى الأبد هو واحد من أسباب تسلل الملل إلى الشخص، فعلى الشخص أن يبتعد عن وضعه الحالي ويجرب أشياء مختلفة مثل رياضة جديدة أو ممارسة هواية لديه.

* يجب أن نعود أنفسنا على العيش في شتى الظروف، هذا يعتبر دافعاً لا يسمح للملل بالتسلل إلى حياتك، أما البيئة الوحيدة التي ترتاحين فيها والبقاء في إطارها وقتاً طويلاً قد يدخل الملل إلى حياتك.

* من لا يهتم ولا يبحث عن فرص جديدة سيجد نفسه يوماً عرضة لتسلل الملل إلى حياته بشكل مفاجئ أو بالتدريج، وعندها ربما يكون قد فقد العديد من الفرص الجيدة التي أتيحت له أو لها، ويبدأ الصراع من أجل التخلص من الملل وما ينجم عنه من مساوئ، وعلى رأس ذلك تحول الملل إلى اكتئاب لعين.

وتعود أول قصة تناولت المَلَل إلى حوالي أربعة آلاف سنة مضت، وقد كُتبت على ورق البردي في مصر الفرعونية، وتروي حكاية رجل ملّ من الحياة وأعبائها فقرَّر أن يقضي أيامه من دون أن يقوم بأي عمل ولا حتى أن يأتي بأي حركة منتظراً الموت، إلى أن ظهر له أحد الحكماء وشجَّعه على الاستمرار في الحياة والتمتع بها والبحث عن السعادة فيها. ومن ثم توالت الأعمال الأدبية التي تناولت المَلَل من جوانبه المختلفة حتى العصر الحديث. فكانت مثلاً، رواية "مدام بوفاري" للروائي الفرنسي غوستاف فلوبير و"الغثيان" للفيلسوف والروائي جون بول سارتر، ورواية "إسطنبول" للكاتب التركي أورهان باموق وكلها تناولت المَلَل الوجودي الذي يمس وجود الإنسان. يقول الكاتب الروائي الفرنسي الشهير فيكتور هوغو في كتابه "البؤساء" الذي نشر عام 1862: "هناك شيء أكثر فظاعة من جحيم المعاناة، وهو جحيم الملل".

وقد تحدّث الكاتب الوجودي البريطاني (كولن ولسون) - صاحب كتاب اللامنتمي! - في كل كتبه ومذكراته كثيرًا عن ظاهرة (السأم والملل) المصاحبة للحضارة!، تحدث عنها بعمق في اطارها الفلسفي والنفسي (السيكولوجي) واعتبرها من أمراض التمدن وأسباب سقوط الحضارات وأن لها ارتباط بظاهرة (القلق)، فالسأم آفة تتآكلنا أو تأكلنا من الداخل بالفعل وتنخر في أعصابنا وأنفسنا بل وأخلاقنا وتوازننا النفسي وفي أغلب الأحيان بدون أن نشعر بهذا التآكل الباطني لنفوسنا أو حتى لحضارتنا المادية!... ويرى (ولسون) أن انتشار حالة السأم والقلق بين الناس تدفع بالكثير منهم إما للإدمان على الخمور والمخدرات أو الإدمان على (الجنس) أو الإدمان على الخرافات أو ربما الانتحار!!، كنوع من الفرار من كل هذا الملل الرهيب والسأم الكئيب!... وهي ظاهرة تصيب البشر الاغنياء أو الميسورين أكثر من غيرهم وقد تصيب الفقراء.

والأسئلة التي تتوارد في خواطرنا : لماذا يشعر الإنسان بالملل؟ ولماذا يكافحه باللهو والتسلية؟ وهل اللهو واللغو يكسران حلقة الضجر والسآمة حقاً؟ بل لماذا ارتبط الشعور بالملل مع الوحدة والانفراد؟ لماذا شكلت قضية العدالة المشكلة الإنسانية العظمى حتى اليوم، واستعصت على الحل؟! ما معنى الثنائية المشحونة بالتناقض المحيرة في الإنسان؟ بين قطبي الشيطان والملاك، والموت والحياة، والحزن والحب، والشقاء والسرور، واللانهائية والعدم؟ لماذا لا يتدفق برد اليقين إلى صدر الإنسان؟ ويبقى على سطح المعلومات؟ أين ينبوع السعادة الذي يغتسل فيه الإنسان فيولد من جديد؟ مكتشفاً المعنى في الحياة؟ باختصار هل هناك حل للمشكلة الإنسانية؟ وهل استطعنا فهم الإنسان؟ أو على الأقل وضعنا قدمنا في طريق فهمه؟

وهنا نجيب فنقول بأنه لم تفلت ظاهرة المَلَل من نطاق تأملات الفلاسفة الكبار، وذلك لأنه ظاهرة متداخلة بعمق مع الحالة الإنسانية. فوفقاً للفيلسوف الوجودي آرثر شوبنهاور، فإن حياة الإنسان، وحتى الحيوان "تتأرجح مثل البندول بين الألم والملل"، إذ إنه يرى أن الألم والملل هما المكونان الرئيسان للوجود، مما قد يُعدّ فكرة تقدِّم العزاء لكل من يشعر بالعزلة والمَلَل في ظل الإغلاق التي تفرضه علينا جائحة كورونا. ويمكن القول إن شوبنهاور كان أول فيلسوف غربي أخذ المَلَل على محمل الجد باعتباره من المآسي الأساسية للبشرية، وعرّفه بوضوح بأنه "توق دفين من دون أي هدف معيَّن". ولم تختلف نظرة الفلاسفة الكبار عن هذه النظرة السلبية إلى المَلَل فأطلق عليه الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر "الضباب الصامت"، في حين وصفه الفيلسوف الدانماركي سورين كيركجارد بأنه: "جذر كل الشرور".

فالدراسات الفعلية للملل لم تنطلق إلا مع الألفية الثالثة وهي لا تزال في بداياتها. وقد كتب الكاتب والمحرر في مجلة "المفكِّر الأمريكي" جوزيف إبشتاين أن: "المَلَل هو، قبل كل شيء، جزء من الوعي. وفي ما يتعلق بالوعي، لا يزال لدى أطباء الأعصاب كثير ليطلعونا عليه أكثر مما أخبرنا به الشعراء والفلاسفة".

ولا ننسي هنا كلام إريك فروم عن الملل حيث تحدث في كتابه (حب الحياة)، وهو عبارة عن نصوص ومقالات مختارة من ترجمة الأستاذ (حميد شهيب)، عن ما وصفه بـ“الملل الحديث”، فيقول:" هناك واقعة جد مهمة في ثقافتنا، تتمثل في كون الناس ليسوا واعيين بما في الكفاية بالمضض الذي يحدثه الملل. إذا كان المرء وحيدًا، وعندما لا يستطيع لسبب من الأسباب شغل نفسه بنفسه، فإنه يشعر، عندما لا يمتلك في نفسه مصدر القيام بشيء حيوي أو وعي ذاته، بالملل كحمل ثقيل، كشلل لا يمكنه شرحه بنفسه. إن الملل هو أصعب عذاب، وهو حديث ويقضي على كل ما حوله. والإنسان الذي يكون معرضًا للملل دون مقاومة هذا الأخير لا يشعر بأنه إنسان محبط. لماذا؟ لماذا لا يعرف الكثير من الناس الشر الذي يمثله الملل، والعذاب الذي يحدثه؟

أعتقد بأن الجواب على هذا السؤال جد بسيط؛ إننا ننتج الكثير من الأشياء التي بإمكانها أن تساعدنا للقضاء على الملل. فإما أن يتناول المرء أقراصًا مهدئة أو أنه يشرب أو يذهب من حفل إلى آخر، أو أنه يتخاصم مع الزوجة أو يترك وسائل الإعلام تنسيه أو أنه يمارس الجنس لكي ينسى الملل. فالكثير من أنشطتنا هي محاولات لكي لا يصل الملل إلى وعينا. لكن لا يجب على المرء أن ينسى هذا الشعور القاتم الذي يعمنا عندما نشاهد فيلمًا سخيفًا أو عندما نريد أن نقضي على الملل بطريقة سخيفة. لا يجب أن ننسى إذًا عذابات الضمير الذي نشعر به في داخلنا، عندما نلاحظ بأن الأمر كان مملًا، وبأن المرء لم يستفد من وقته، بل إنه قتل هذا الوقت. ما يثير الانتباه في ثقافتنا إذًا هو أننا نعمل كل شيء لكي ننقذ الوقت، لكي نقتصد الوقت، وعندما ننقذه أو نقتصده، فإننا نقتله، لأننا لا نعرف ماذا يمكننا عمله بهذا الوقت.

وكتاب أنيس منصور "وداعاً أيها المَلَل" الذي تضمَّن مجموعة من المقالات حاول استكشاف المَلَل وما يُحدثه في النفوس، فقام يشرحه فلسفيا قائلا:" الملل يشبه إلي حد كبير انقطاع التيار الكهربائي .. فانقطاع النور الكهربي يجعلنا نرى الدنيا التي حولنا في حالتين متناقضتين.. فعندما نضيئ الغرفة مثلاً، نرى كل شئ بوضوح .. المكتب والمصباح والمقاعد.. كل شئ في مكانه وبلونه وبحجمه .. وعندما ينطفئ المصباح يختفى كل شئ في الظلام .. ونغرق هذه الموجودات في حالة من العدم المؤقت .. فالملل يشبه حالتنا عندما ينطفئ النور .. إن الملل ليس هو الظلام الذي يبتلع كل ما في الغرفة، ولكنه الشعور باختفاء كل ما في الغرفة .. الملل ليس هو الاختفاء نفسه، ولكنه شعورنا باختفاء شئ.. والملل يشبه أيضا انقطاع الماء الساخن ونحن نستحم .. فقبل انقطاع الماء نشعر بالدفء والانتعاش، ونحس كان الماء يقوم بتدليك عضلاتنا وأعصابنا، ويغسل متاعبنا، ويلقي بها مع الصابون في البالوعة فلا يكون لهذا كله إلا صوت غريب .. صوت الماء وهو يتمشئ في البالوعة .. وعندما ينقطع الماء نشعر بضياع الدفء، ونشعر بالبرودة .. فانقطاع الماء ليس هو الملل ولكن شعورنا بأن الدفء قد انقطع .. بأن بالوعة أخرى قد انفتحت وابتلعت شيئا حارا مريحاً كان يغمرنا، وهذا هو الملل .. وهذا الملل أيضا الذى يصيبنا يجعلنا أقل تذوقاً للدنيا .. يجعل طعمها علي اللسان غريبا .. ويجعل ألوانها في العين غريبة، وزنينها في الأذن غريباً وملمسها في اليد غريباً أيضاً.. فالملل هو الذى يجعل كل ما خولنا غريباً .. أو يجعلنا نحن غرباء في هذا العالم  .. وغرباء عنه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.............

الهوامش

1- مهى قمر الدين: المَلَل.. بين الشكوى والفلسفة والبحث في أصوله، العربية، الأحد 4 صفر 1443 هـ - 12 سبتمبر 2021،

2- أشرف مرحلي: الملل يؤثر في حياة الإنسان اليومية، ملاحق الخليج، 19 نوفمبر 2014 03:29 صباحا.

3- أنظر مقال : هل الملل مرض نفسي أم لا؟.. 09:31 AM | الجمعه, 23 تموز 2021

4- أنظر مقال : باسكال والمسائل الفلسفية العظمى.. الاقتصادية .. الجمعة 1 مايو 2009

5- سليم نصر الرقعي: ظاهرة السأم الوجودي ومعالجتها بالتكاثر الاقتصادي!؟.. https://www.ssrcaw.org - مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي.. 2018 / 5 / 1.

6- أحمد بادغيش: إيريك فروم وكلماته عن الملل الحديث، العلوم البشرية والاجتماعية، 29 أبريل، 2017.

7- أنيس منصور : وداعا أيها الملل، دار الشروق، ط 5، القاهرة، 2003.

 

البعضُ ينطلقُ في العوالمِ الافتراضية متحرراً من كل قيد؛ وكأنَّهُ لاتوجد ضوابطُ تحكم هذه العوالم . الصداقة في العالم الافتراضي، ينبغي أن يُلتَزَمَ بضوابِطِها، فمن توافق على صداقته؛ يجب ان تكون له صديقاً بكل ماتحمل الكلمة من معنى، فكلمة صديق مشتقة من الصدق، فكما تكون مع صديقك في الواقع، حريصاً على حفظ اسراره وعدم افشائها، كذلك هو الحال مع صديقك الافتراضي، فلا يجوز اختراق معلوماته وافشاء اسراره، ونقل خصوصياته الى الاخرين.

 في العالم الافتراضي، هناك قوانين تضبط هذه الصداقات والعلاقات، فالاحتيالُ  ممنوعٌ في القوانين التي تحكم العالم الافتراضي، والاختراق جريمة يعاقب عليها في العوالم الافتراضية .

العالم الافتراضي هو انعكاس لعالمنا الواقعي؛ فالاصالةُ للواقع ولكن هذا لايعني ان يجد اي شخصٍ فرصتهُ لنفث سمومه واحقاده وعقده .

فالشخص الذي يعجز عن حل مشكلاته الواقعيَّة يجد مجالاً واسعاً في العوالِمِ الافتراضية لتشويه الطرف الاخر والافتراء عليه وفبركةِ اشياء ضده . من يعجز عن حل مشكلته في الواقع يهرب الى العالم الافتراضي لينفث سمومه واحقاده وعقده . العوالم الافتراضية محكومة بقوانين وضوابط للنشر .... وهناك جرائم الكترونية تعاقب عليها القوانين . يجب ان نسعى لان يكون العالم الافتراضي عالماً مثاليّاً يحكمهُ الحب وتظلله الاخلاق، وننشر فيه كلَّ خير، لا ان نُضيفَ الى ازمات الواقعِ ازماتٍ جديدةٍ .

 

زعيم الخيرالله