علاء شدهان القرشي(ابن سينا والفارابي والصدر  نموذجًا)

(فيتجنشتاين المتقدم)، (فيتجنشتاين المتأخر)، (فيتجنشتاين الثالث)، – كما يرى أحد الباحثين – (ماركس الشاب)، (ماركس الكهل) وقبل هؤلاء: (أفلاطون الشاب)، (أفلاطون العجوز)، (أرسطو الأفلاطوني)، (أرسطو اللوقيان)، وغير هؤلاء، مصطلحات مألوفة، مُعبّرة، دقيقة وصارمة، لا معيارية، ولا سلبية، توصف بها أعمالهم. ينتظم الجميع، ولا شك، صفة العبقرية والنبوغ، والمرحلية.

وما بين غرب وشرق، وحزن وفرح، ينجم شاب جديد، فيزداد سعة ونضجا، فيكتهل، وتكتهل معه أفكاره، فيدمغها بإمضاء أبدي، بحبره الأخضر. معلنا تارةً وأخرى مُسرًّا. أبو نصر وابن سينا والصدر، هم أيضا يَنْجُمُون، وينشؤون، ويشبّون، ويكتهلون، نبوغ الأخير ساحر ومدهش، وصل شبابه باكتهاله قبل شيبه وشيخوخته التي حُرم منها. المثير للعجب فيه طيّه لأعمار ثرية وغنية بفترة تعادل عمر شاب واحد.

وهكذا وبعدُ

فلا تعبر تلك الفترات، إلا عن تصنيف علمي، لا يتضمن أي حكم أخلاقي، ولا يمسه من قريب أو بعيد. ف فيتجنشتاين الشاب، تعبير عن أفكار بعينها، كتبها نفس القلم الذي اكتهل، وأصبح شيخا، إلا أنها تمثّل أفكارا أعتقها كاتبها من ربقة مرحلته الأولى، وأنزلها منزلة الرأي الأخير. وهكذا في حالة ماركس، والآخرون. لا توجد حدود صارمة بين المرحلتين، وما تكتنزان من أفكار، إلا أن هناك فرق واضح، وربما صارخ، كما في فيتجنشتاين الوضعي المنطقي – تقريبا – وفيتجنشتاين التحليلي، الذي شطر تاريخ الفلسفة الغربية إلى شطرين: قبله وبعده.

ليس ابن سينا بدعا من الفلاسفة، وكنت سأدهش حيرة إن لم أكن أعثر في كتبه على مرحلتين، فأي عقل حي، يقظ، متحرك، يتفاقم، بمرور الأفكار، ولا يسكن، أو يهدأ ويستقر عند رأي أنتجه، أو نظرية أبدعها، أو فروض افترضها سينتج، في نهاية المسار، مرحلتين، وربما أكثر.

هذه طبيعة العلم، وهذه إحدى (ذاتياته المقومة)، لا عوارضه الشاردة. فالأصغر حجما من كونه، وطبيعته، يستمر بتلمس أرجاء عوالمه المحيطة، ولا يكف عن عادته، هذا دأبه ليلا نهارا. فيزداد تعرُّفا ومعرفة، ويتفاقم مرة أخرى.

يمكن أيضا التمييز بين مرحلتين في فكره، لكنها هذه المرة متصلة بالنوع، لا بالزمن، مع أن الزمنية فيها ممكنة. إلا أن تصنيف منجزه نوعيا أيسر وأعمق وأوضح حدودا، وأكثر أدلة.

يكتب للعامة من المتعلمين، والأمراء، والطلاب، ما يمكن البوح به، ويخص أهله بما لا يمكن دندنته، أو ترنيمه. يصرح في (منطق المشرقيين) أنه لخاصتنا وما أدخرناه لأنفسنا، وما أطلعنا عليه إلا أنفسنا، فالمكتوب له بمنزلة نفسه، وحضور عقله لعقله. وهكذا في (الإشارات والتنبيهات)، وبعض فصول في الشفاء، حين يملي على كاتبه، بين الحين والآخر، أنه من المكنونات.

أنكر كثير من الكتاب والباحثين نسبة (فصوص الحكم) أو (فصوص الحكمة – في بعض المخطوطات) إلى الفارابي، حيث بدى فيه المعلم الثاني مشرقيا جدا. وهو الموسوم بوسم أرسطو، في أخص كنية من كُناه: (المعلم)، نسبة إلى (التعليميات)، وما يتصل بها مشيًا حثيثا في اللوقيان.

حتى ظهرت أبحاث تؤكد نسبته إليه، بلا ريب، خصوصا بعد ظهور شروحات عليه، عنوانها: شرح فصوص الحكم للمعلم الثاني، أو أبي نصر، أو الفارابي، بحسب النسخ الخطية، وهي تتضمن (متن) الفصوص بعينه. وكذلك الحال بالنسبة لل (الفصول) أعني فصول منتزعة، وهو كتاب له أيضا.

يمكن أيضا، بأريحية، الحديث عن الصدر الشاب، والصدر الشاب الثاني، صدر فلسفتنا، وصدر الأسس المنطقية للاستقراء، صدر الاستنباط، وصدر الاستقراء، صدر اليقين الرياضي، وصدر الاحتمال المشروط بال (legitimate)، طريقا إلى (Epistemic Legitimacy).

في (الرسالة الأضحوية في المعاد)، تحدث ابن سينا عن هذا الموضوع الشائك، ولكنه حديث ينتمي إلى مرحلته (نوعه) الثانية، أي: إلى خاصتنا وأنفسنا أو من نعدّه بمنزلة أنفسنا. عثر الغزالي عليه، في فترة بحثه عن جميع كتبه، وسعد به واستغله ل (يُنْزِل) بيانا يقطع به دابر  (الباطنية الأشرار)، أو (الإسماعيلية الملاحدة)، بكتابه المعقود لهذا الغرض عموما، وابن سينا خصوصا، ولا غيره، فهو فيلسوفهم وأُسُّهم الذي يعتمدون عليه. بعد فشل كتابه (فضح الباطنية)، في تحجيمهم أو السيطرة عليهم، وربما وبخه الخليفة بسبب ذلك، فأهداه (التهافت) مضمخا بعبارات التذلل والتزلف الصارخة في مقدمته.

وعلى أي حال.

ينبغي التمييز بين التصنيفين، لكل واحدٍ واحدٍ من نوابغ الفكر أعلاه، لئلا نخلط آرائهم حين تقييمها، أو تحليلها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لنعلم أن الحقول مختلفة، كما هي صور الحياة (بالمعنى الفيتجنشتايني) مختلفة.

فحين ننتقد (المتكلم)، في مقاربته لأدلة وجود الإله، أو عند حديثه عن طبيعة الإله (الأسماء والصفات)، بمعطيات توصّل إليها عقل إسلامي آخر، وهو العقل الفلسفي (المشائي مثلا فالعقول الفلسفية متعددة أيضا)، نكون وقعنا في فخاخ (الحياة) المترامية الأطراف، وثقافاتها، وألوانها، وبيئاتها، وحقولها المتنوعة المختلفة.

أو حين يستعرض أحدهم حنجرته، وقواها، ضدًّا على الفلاسفة، من بيئة (حديثية) أو (فقهية)، نعلم حينها أنه ربما جانب الصواب، ونحتمل أن وراءه يقبع سياسي ماهر، أو أي منتمٍ إلى مؤسسةٍ ما.

يجب أن نفتح قوسا دون غلقه حول كثير من الكتابات والتحليلات والممارسات الفلسفية، تأسيسًا على هذه القواعد، وما مرّ من التقريبات، فهو معيار جيد لتمييز الأفكار، بعد نزع (الختم) عنها، وتناولها تناولا مفهوميا، بعد الترحم على (موت) مؤلفيها.

هذا التمييز مفيد، فهو يطلق أولئك النوابغ من سجونهم التي زُجّوا بها رغما عنهم. بمعادلة بسيطة:

(أ)= (أ)، (أ) ليس (ب).

رأي فلان هو كذا، ولا يكون إلا كذا. فحينئذ نحكم عليه بالإعدام، بعد انتهاء فترة سجنه، في معتقلاتنا المنهجية.

بينما لو كان الحال: (أ) = (أ)، و (أ) هو (ب)، فيمكن أن يكون (ج). حيث (ج)، تطور معرفي ناتج عن (أ)، و (ب)، في زمن آخر، أو منطقة أخرى، أو مجال آخر. وهي هذه المعادلة المقترحة.

الاجترار كارثة، والمجتر كسول، أو أجير. الطريق نحو المجتمع العلمي (حيث يولد العلم في حضنه الطبيعي)، ليس كالخروج في نزهة.

 

بقلم: علاء شدهان القرشي

 

 

عصمت نصارمازال العقل الفلسفي تعييه الثنائيات وتشغله حدود المقابلة بين النقائض؛ الأمر الذي دفعه للتوقف أمام عنوان المسألة المطروحة أي وجود الفلسفة من عدمه في ثقافة ما؟ وهل توجد ثقافة بلا تفلسف؟ وهل مسار حديثنا سوف ينطلق منذ بداية خلق الفلسفة إلى عدمها؟ وإذا سلمنا بوجودها فهل نتسأل عن أطوار بعثها أم إحيائها إلى أسباب انزوائها وموتها؟ وهل للتفلسف مقومات وعوامل تنميه وتطوره أم هو من آليات العقل ويقظة التفكير ووعيه؟

ويتسأل الناقد من جديد هل للفلسفة مفهوم متفق عليه وإذا كان فهل معروف بذاته أم بغيره؟ وهل التفلسف ذاتي أم تحصيلي استيعابي؟ وهل التفلسف شرط وجود المثقف أم لتواجده؟ ويتسأل البعض: هل كل تفكير فلسفة؟ يعترض بعضهم بأن التفكير إنتاج عقلي ومن ثمّ ليس كل ما ينتجه العقل فلسفة, وإذا ما تشكك البعض في هذا الزعم, فيرد أصحابه بأن كل المعارف الإنسانية ذات مسحة فلسفية، ولكنها لا تتوفر فيها خصائص الفلسفة التي تميز بين موضوعاتها ونتائجها مثل الدين والعلم والخرافة؛ فلكل من هذه المعارف سياقات وأنساق لا يمكن وصفها بالفلسفة أو إدراج نتائجها وآثارها ضمن البنية النقدية الفلسفية.

بينما يرد المتفلسف بأن للفلسفة سياقات وأنساق لكل ضرب من ضروب المعارف العقلية, وأبسطها هو المنهج؛ فلا شيء ينتجه العقل إلا وكان له نهج يعبر عن خطاب صاحبه, أو منهج يعصم التفكير من الاضطراب والتناقض والعبث واللغو.

ويستمر المعترضون والمنكرون والمؤيدون في التساجل، ومن ثم يزعم بعضهم أن كل أنماط التفكير فلسفة (أنه ليس كل تفكير وتأمل ينتج عنه تنظير أو شبه تنظير أو تقعيد أو تأسيس يمكن تسميته بالفلسفة؛ لأن مجرد التفكير في موضوع ما ونسبته إلى الفلسفة هو في حد ذاته ترسيم لحدود العقل وتضييق لهامش حرية الانطلاق والتوسع بالنسبة للمعارف، في حين أن واقع الحال الذي عليه، أو أصبحت عليه مختلف المعارف والعلوم اليوم تشي بكون الفلسفة قد ألغت نفسها بنفسها حينما أرادت أن تتكلم في كل شيء، وتنظر لكل شيء، دون اعتبار للاختلافات الجوهرية التي تميز مختلف العلوم والمعارف سواء من حيث المنهج أو من حيث الموضوع).

وعليه؛ لا يمكننا اعتبار أن كل ما ينتجه العقل فلسفة (فقد يقول قائل: إن إلغاء الفلسفة يعني إلغاءً للعقل، فهل كل ما ينتج عن العقل هو فلسفة؟ فإذا كان الأمر كذلك، فسوف نعود بكل المعارف المتعدّدة اليوم إلى الزمن الذي كانت فيه "الفلسفة" تستحوذ على كل أنماط التفكير، في حين أن العقل البشري- في إطار أولياته وآلياته المنطقية، أو ما يطلق عليه بالأسس الأوليّة للعقل التي قال بها كانط، (ويمكن لأي إنسان أن يستشعرها بداخله)- لا يمكنه أن يتطور داخل بنية مغلقة واستحواذيه تسمى "الفلسفة"، فالعقل بذاته يستعمل من بين آلياته المتعددة، آلية التصنيف، لأنه في إطار تأمله في الموضوعات لا يمكنه إلا تصنيف ماهية الموضوع المفكر فيه ضمن معايير مختلفة ومحددة وذات أسس مختلفة:

وهكذا أمكننا التحدث عن علوم متعددة أدى تطور العقل البشري إلى تصنيفها وتمييزها عن باقي المعارف المختلفة، فظهرت علوم ومعارف شتى... وكيف نقبل أن يكون كل تفكير في هذه العلوم ولو كان تنظيراً مجرداً، أو تقعيداً لأسس نظرية لأي علم كان، كيف نقبل بعد هذا أن نضمّه إلى حقل التفلسف؟

إنّ التفكير في أي حقل معرفي كان، لا يمكن أن ندعوه فلسفة، طالما أنه أصبح لكل نمط من التفكير حقل مقارباتي خاص، ينهل مناهجه وأدواته من نفس الحقل الذي ينشط فيه. ومع ذلك، فلا بدّ من التأكيد على كون الفلسفة لم تخرج إلا من رحم العلم والمعرفة، ومن رحم عملية التفكير عامة، ولكن هذا لا يعطيها الحق في الهيمنة على كل المعرفة وجعلها أم العلوم، وبما أن كل العلوم ترتكز على أسس نظريّة تفرض نوعية المنهج الإجرائي، فإنّ البعض يصر على إلحاق عملية "التنظير" بالفلسفة، وهذا خطأ تصنيفي، يقع فيه من يريدون بأية وسيلة الإبقاء على هيمنة الفلسفة على كل مناحي التفكير...

ومن الخطأ تعريف الفلسفة في الكتابات الأكاديمية بأنها تقَدَّمُ للطالب باعتبارها بحث في منهج المعرفة التجريبية والعقلية، وبحث في المجتمع والدولة، وبحث في النفس الإنسانيّة، وبحث في الطبيعة، وبحث في الأخلاق، وبحث في البنيّة، وبحث حتى في أسس العلم. غير أن الواقع كان يفرض أن تقدّم الفلسفة للطالب على أنها فقط نمط من أنماط التفكير في العلم، العلم الذي يستطيع تجاوز حدوده المنهجية والمعرفيّة الصارمة إلى حدود ما وراء العلم).

وينزع التفكيكيون المعاصرون إلى اعتبار تلك الدفوع وذلك الإنكار بأنه مجرد رأي لا يخلو من تعصب للنظريات الوضعيّة التي تصادر كل أشكال التفكير بما في ذلك المنهج إلى العلم. فعدو العلم وجريانه في ضروب المعرفة يحتاج دوماً لمن يقرأ أبعاد خطابه على الإنسانية محاولاً تارة تقويمه وأخرى تبرير ما يفعل وثالثة الإجابة عن ما يعتقد أنه مجهول ولا علة له. ولا يقوم بهذا الدور سوى الفلسفة, ناهيك عن تهيئت الأذهان بقبول اعتقادات العلم وقوانينه التي كذبتها الاكتشافات والأبحاث اللاحقة. فالفلسفة دوماً سوف تظل دعوة للتفسير والتبرير، ومحرض للنقد والتغيير، ووعاء كلي شامل لتصنيف المعارف الإنسانية.

ويتسأل الوجوديون المعاصرون: هل هناك حدود للفلسفة تمنعها من إعمال النقد فيما عساه أن يكون ثوابت في ثقافة ما؟ وهل هناك موانع للتفلسف تعصمه من الإجتراء والتطرف والمجون والثورة والعنف؟ ويتسأل أنصار الفلسفة: هل استطاع العلم الإجابة عن كل ما يلفظه العقل البشري من تساؤلات؟ أليس هناك الكثير من المجالات المجهولة أمام العلم التي تعرب معارفها عن عجزها وتفسيرها كواقعات؟ ألم تقدّم الفلسفة عشرات الأفكار التي كان يدرجها العقل ضمن أوهام الخرافة. وهل الخطاب الفلسفي هو ذلك الرأي المحمول في كلمات وإشارات معبرة عن وجهة نظر في بناء سياقي متصاعد وبنية نسقية مترابطة يحمل مضمونها مقصداً شاغراً من العنت والاستبداد وساعياً للتواصل مع الأغيار في متنفس من الحريّة؛ لتحقيق أكبر قدر من المصالح المتبادلة والحقائق الضرورية والسعادة للنفس العاقلة والأذواق الراقيّة واللذائذ الحسية الفاضلة.

وهل يمكن للدين أو العلم أن يحلا محل الفلسفة في الثقافات التي غاب عنها الحوار واستبد من مقدراتها الفاشلون والراديكاليون والشيفونيون أو الإباحيون والفوضويون؟. وهل للخطاب الفلسفي مؤهلات تقدّم أصحابه وتدعم رسالتهم وتعمل على إفلاح مقاصدهم, وإذا كان للخطاب الفلسفي إخفاقات وضحايا فما هي أسبابها وعللها الذاتية وتحدياتها الخارجية؟ هل يمكننا اعتبار التصارع الفلسفي مع الرأي العام القائد تارة أو مع الرأي العام التابع تارة أخرى ضرباً من ضروب التفلسف؟ هل يجوز القول أن الحقائق الفلسفيّة والأدلة العقليّة يجب أن تنزوي أو تغيب أو تتخفى عن مسرح الحياة الثقافية أحياناً أم دائماً باسم سذاجة المتلقي أو عدم أدراكه لخطر مجهول؟ وهل المتفلسف هو ذلك المتمرد دوماً على الواقع أم هو الذكي الذي يحسن إخفاء أفراخ النسور والحمائم عن أعين الأفاعي الضارية والذئاب الجائعة؟ وهل كل من يحسن الخطابة ويحترف الكلام يستطيع أن يرتدي عباءة سقراط أم قبعة برتاجوراس؟ وهل ندرس الفلسفة في مدارسنا ومعاهدنا وفق مقصدها أم سير على سُنة المقرّرات التي ورثنها في سنوات غربة المتفلسفة وغيبة الأيقاظ الأصحاء؟

الحق أنّ معظم هذه التساؤلات جاءت وليدة حوار القارئ مع الكاتب، وهو يحتاج بطبيعة الحال إلى مزيد من التساؤلات لأثراء الحوار وإلى الكثير من الإجابات لتوضيح ما غمض وتبيان ما ألتبس. وجل ذلك سوف نقف عليه خلال رحلة رجوع التفلسف إلى قائمة الحضور في الثقافة المصرية في العصر الحديث مع توقفنا بعض الشيء على معوقات غيابه والأضرار التي أعيته من جرّاء عنف قيوده. (وللحديث بقيّة)

 

بقلم: عصمت نصَّار

 

 

حاتم حميد محسنمصطلح الاقتصاد السياسي مشتق من الكلمتين اليونانيتين (polis) وتعني المدينة او الدولة، وoikonomos وتعني "منْ يدير الاسرة او العقار"،  وبهذا يُفهم الاقتصاد السياسي باعتباره دراسة الكيفية التي يدار بها البلد مع النظر بعين الاعتبار لكل من العوامل السياسية والاقتصادية.الاقتصاد السياسي هو فرع متعدد الموضوعات من العلوم الاجتماعية  يركز على العلاقات بين الافراد والحكومات والسياسة العامة. يدرس الاقتصاد السياسي الكيفية التي تعمل بها النظريات الاقتصادية مثل الرأسمالية والاشتراكية والشيوعية في العالم الواقعي. في الأصل،  أي نظرية اقتصادية هي عبارة عن منهجية يتم تبنّيها كوسيلة للتحكم بتوزيع مقدار محدود من الموارد بطريقة مفيدة لأكبر عدد من الافراد.

وبمعنى أوسع، كان الاقتصاد السياسي في وقت ما هو المصطلح الشائع المستعمل في الحقل الذي نسميه اليوم "الاقتصاد". ولكن تدريجيا ومنذ اواخر القرن التاسع عشر بدأ مصطلح "الاقتصاد" يستبدل الاقتصاد السياسي بعد ظهور النماذج الرياضية الحديثة .أدم سمث وجون ستيوارت مل وجين جاك روسو جميعهم استعملوا مصطلح الاقتصاد السياسي لوصف نظرياتهم، و لا تزال عبارة الاقتصاد السياسي  تُستعمل لوصف أي سياسة حكومية لها تأثير اقتصادي.

فهم الاقتصاد السياسي

يدرس الاقتصاد السياسي العلاقات التي تتشكل بين سكان الدول وحكوماتهم عندما يتم سن السياسة العامة. ولهذا،  هو،  نتيجة التفاعل بين السياسات والاقتصاد وهو الاساس في حقل العلوم الاجتماعية. وكما ذكرنا اعلاه،  هناك عدة انواع هامة من الاقتصادات السياسية:

1- الاشتراكية:

هذا النوع من الاقتصاد السياسي يقوم على فكرة ان انتاج وتوزيع السلع والثروات يتم المحافظة عليها وتنظيمها من قبل المجتمع بدلا من مجموعة معينة من الناس. التبرير خلف هذا هو انه كل ما يُنتج بواسطة المجتمع فهو يتم بسبب اولئك المشاركين،  بصرف النظر عن المكانة والثروة والموقع. تهدف الاشتراكية الى ردم الهوة بين الثروة والسلطة، بحيث ان فردا واحدا او اكثر لا يمتلكون غالبية السلطة والثروة.

2- الرأسمالية:

هذه النظرية ترى ان الربح هو الحافز الاساسي للتقدم. ببساطة،  الفكرة وراء الرأسمالية هي ان الافراد بخصوصياتهم والفاعلين الآخرين يندفعون بتأثير مصالحهم الذاتية – هم يسيطرون على الانتاج والتوزيع ويضعون الأسعار ويخلقون العرض والطلب.

3- الشيوعية:

 وهي نظرية طُورت من قبل كارل ماركس،  الذي أدرك ان الرأسمالية ظاهرة محدودة وهي سبب الانقسام الكبير بين الأغنياء والفقراء. هو اعتقد ان الموارد العامة بما فيها الملكية والانتاج والتوزيع يجب ان يتم الاشراف عليها من قبل الحكومة. اولئك الذين يبحثون في الاقتصاد السياسي يُطلق عليهم الاقتصاديون السياسيون. دراساتهم عموما تستلزم اختبار الكيفية التي تؤثر بها السياسة العامة والموقف السياسي والمؤسسات السياسية على الموقف الاقتصادي للبلد من خلال رؤى سوسيولوجية واقتصادية وسياسية.

يستفيد الاقتصاد السياسي من السوسيولوجيا والاقتصاد والعلوم السياسية ليحدد كيف تؤثر كل من الحكومة والنظام الاقتصادي والسياسات على بعضها البعض.

تاريخ وتطور الاقتصاد السياسي

ان جذور الاقتصاد السياسي كما نعرفه اليوم تعود الى القرن الثامن عشر . العلماء في تلك الفترة درسوا كيفية توزيع الثروة وادارتها  بين الناس. بعض الأعمال المبكرة التي تختبر هذه الظاهرة تضمنت مفكرين أمثال أدم سمث وجون ستيوارت مل. لكن المصطلح يُحتمل كثيرا ان يُنسب الى الكاتب والاقتصادي الفرنسي انتوني مونشرستين Antoinede Montchrestien،  الذي كتب كتابا في عام 1615 بعنوان Trait de ieconomie politique فحص فيه الحاجة الى توزيع الانتاج والثروة على نطاق أوسع – ليس على نطاق صاحب المنزل كما اقترح ارسطو. الكتاب حلل ايضا كيف تترابط الاقتصاديات والسياسات.

آدم سمث كان فيلسوفا واقتصاديا وكاتبا اشير اليه بأبو الاقتصاد والاقتصاد السياسي. هو كتب عن وظيفة السوق الحر المنظم ذاتيا في كتابه الاول الذي سمي "نظرية العواطف الاخلاقية". كتابه الاكثر شهرة هو "تحقيق في طبيعة واسباب ثروة الامم"الذي صاغ نظرية الاقتصاد الكلاسيكي. انه استُخدم ايضا كأساس لإقتصاديي المستقبل.

اما جون ستيوارت مل فقد جمع الاقتصاد والفلسفة. هو اعتقد ان النفعية Utilitarianism – وهي ان الأفعال التي تقود الى رفاهية الناس هي أفعال صحيحة وان تلك التي تقود للمعاناة هي خاطئة. اساسا،  هو اعتقد ان النظرية الاقتصادية والفلسفة كانا مطلوبين الى جانب الوعي الاجتماعي في السياسات لكي يمكن عمل أفضل القرارات لخير الناس. بعض أعماله،  بما فيها "مبادئ الاقتصاد السياسي"،  "النفعية"،  نظام المنطق" قادته ليصبح من أشهر الناس في السياسة والاقتصاد.

الاقتصاد السياسي في المجال الأكاديمي

اصبح الاقتصاد السياسي حقلا اكاديميا بذاته في السنوات الاخيرة. العديد من المؤسسات الكبرى تقدم الدراسة كجزء من برنامج اقسام العلوم السياسية والاقتصاد والسوسيولوجي. البحوث من قبل الاقتصاديين السياسيين تُجرى لمعرفة الكيفية التي تؤثر بها السياسة العامة على السلوك،  الانتاجية،  والتجارة. الكثير من تلك الدراسات  تساعد في تأسيس الكيفية التي توزع بها النقود والسلطة بين الناس ومختلف الجماعات. اولئك الاقتصاديون ربما يقومون بهذا من خلال دراسة حقول معينة مثل القانون،  السياسات البيروقراطية، السلوك التشريعي، التداخل بين الحكومات والأعمال،  والتعليمات.

دراسة الاقتصاد السياسي يمكن ان تتم عبر أي من الطرق الثلاث التالية:

1- الدراسات المتعددة الحقول: interdisciplinary studies هذا الاتجاه يعتمد على السوسيولوجيا والاقتصاد، وتأثير البيئة السياسية على كل منهما.

2- الاقتصاد السياسي الجديد: هذا الاتجاه يُدرس كمجموعة من الافعال والعقائد ويسعى لعمل افتراضات واضحة تقود الى نقاشات سياسية حول الأفضليات المجتمعية. الاقتصاد السياسي الجديد يضم مبادئ من الاقتصاديين السياسيين الكلاسيك وأحدث تطورات التحليل الجديد في الاقتصاد والسياسة.

3- الاقتصاد السياسي العالمي: ويُعرف ايضا بـ الاقتصاد السياسي المعولم، وهذا الاتجاه يحلل الارتباط بين الاقتصاد والعلاقات الدولية. انه يعتمد على عدة مجالات اكاديمية بما فيها العلوم السياسية والاقتصاد والسوسيولوجي والدراسات الثقافية والتاريخ. الاقتصاد السياسي العالمي هو بالنهاية يهتم بالكيفية التي تتفاعل بها القوى السياسية مثل الدول واللاعبين الافراد والمؤسسات الاقتصادية العالمية.

التطبيقات الحديثة للاقتصاد السياسي

تدرس التطبيقات الحديثة للاقتصاد السياسي أعمال الفلاسفة والاقتصادين الحديثين مثل كارل ماركس. وكما ذُكر اعلاه، ماركس اصبح محبطا بالرأسمالية ككل. هو اعتقد ان الافراد عانوا في ظل الطبقات الاجتماعية القاسية، وحيث يسيطر فرد او اكثر على أكبر نسبة من الثروة. في ظل النظرية الشيوعية، هذا سيزول حتما،  بما يسمح لكل شخص ليعيش بالتساوي مع الآخرين حيث ترتكز وظائف الاقتصاد على قدرة وحاجة كل مشارك. في ظل الأنظمة الشيوعية،  تتم السيطرة على الموارد  وتوزيعها بواسطة الحكومة.

معظم الناس يخلطون بين الاشتراكية والشيوعية. صحيح ان هناك بعض التشابهات – لاسيما،  ان كليهما يؤكدان على ردم الفجوة بين الأغنياء والفقراء وتحقيق التوازن بين كل المواطنين. لكن هناك اختلافات متأصلة بين الأثنين. فاذا كانت الموارد في المجتمع الشيوعي يتم امتلاكها والسيطرة عليها من جانب الحكومة،  فان الافراد في المجتمع الاشتراكي يمكنهم حيازة الملكية. لايزال الناس يشترون السلع والخدمات في ظل النظم الاشتراكية،  بينما اولئك الذين يعيشون في مجتمع شيوعي يتم تزويدهم بحاجاتهم الضرورية بواسطة الحكومة.

 

حاتم حميد محسن

 

 

محمود محمد عليمما لا شك فيه أن لكل حضارة من الحضارات الإنسانية جذور متأصلة في كيانها يصطلح على تسميتها بالتراث، والحضارة الإسلامية واحدة من هده الحضارات التي حاولت أن تحدد هويتها من خلال هذا الإرث الحضاري، بيد أنها واجهت عبر تاريخها العديد من الأزمات والإشكالات، تسببت فيها الكثير من العوامل الداخلية منها والخارجية، وإذا ما أمكن لنا أن نوجه أصابع الاتهام في إثارة هذه الأزمات لوجهناه إلي المؤسسة الإشراقية باعتبارها النافذة التي يطل من خلالها العاملون معها من المستشرقين على الشرق الإسلامي، حيث عمد البعض منهم على تشويه التراث الإسلامي من خلال ما قدمه البعض منهم من شبهات وافتراءات (1).

ويمكن الجزم بأن قضية الفلسفة الإسلامية من أهم القضايا التي اهتم بها الكثير من المستشرقين باعتباره جزء لا يتجزأ من هذا التراث ؛ حيث انقسموا إلى فريقين رئيسين: أحدهما نزع نحو التشكيك في أصالتها، وأما الفريق الثاني فقد كان منصفاً إلي حد الاعتراف بفضلها على الفلسفة الأوربية .

أما الفريق الأول:- فيتعامل مع الفلسفة الإسلامية وما حققه العرب والمسلمون في مجال الفلسفة بروح المكابرة والتكبر منكرين أي دور ريادي للفلاسفة المسلمين في تاريخ العلم الإنساني . كما أن هذا الفريق ينكر كل التطور الفكري والعلمي والفلسفي ويطرح حله الجاهز، وهو إعلان الطلاق مع كل التراث العلمي العربي، ويطرح مسألة الارتباط بالفكر الغربي المعاصر كمخرج من الأزمة، ويدعوا إلي قطع الجذور مع ماضي الأمة وتراثها.

ولم يكتف هؤلاء بذلك بل نفخت أبواقهم معلنين موت الفلسفة الإسلامية مع الغزالي وابن رشد، فرددت أصدائهم تماثيل العرب " المستغربة" دون أن تُعين النفس بعناء التأكد من صحة النبأ، وانغمسوا في ترديد الصدى، والذين سمعوا الصدى انقسموا فَرِيقًا راثياً باكياً، وفريقاً مُتَفَوِّقًا على عتبة أمجاد الماضي متغنياً، وفريقاً لا مُبَالِيًا إزاء الحدث (2).

وبعدما أطلعنا علي كثيرا مما جادت به كتابات الفلسفة الإسلامية، في الحقبة التي تلت "ابن رشد ، تبين لنا أن هناك في بلاد فارس فلاسفة يحق علينا أن نطلق عليهم " المجددون في الفلسفة الإسلامية "، ومن هؤلاء " صدر الدين الشيرازي"- 1572-1640م، حيث تبين لنا أن هذا الرجل يعد بحق مجدد الفكر الفلسفي الإسلامي في القرن السابع عشر الميلادي، وذلك لتبنيه منهجية نقدية قائمة على استدماج قولها الفلسفي بموروثها الروحي، الأمر الذي يمنحها أصالة أعمق ؛ إذ تعد الفلسفة الشيرازية حدثاً ذا أهمية في تاريخ الفلسفة بالمشرق، بل وبالمغرب أيضاً، وذلك لأنها أدت إلى تحقيق نقلة فلسفية هائلة من خلال الحكمة المتعالية، تلك الحكمة التى انصهرت في بوتقتها مختلف التيارات الفلسفية، والكلامية، والصوفية (3) .

أعتقد أن أحد أهم مكاسب الفكر الإسلامي في العقود الأخيرة، أن قضية “التجديد” من حيث المبدأ أصبحت قضية مسلَّم بها، مقطوع بالحاجة إليها؛ وذلك بعد أن خاض الفكر الإسلامي سجالات كثيرة تنتزع مفهوم التجديد من متخوفين من الانحراف به- نتيجة ظروف طرحه، التي كانت تثير ريبة وشكوكًا- وتنتزعه أيضًا ممن يحاولون تمرير أطروحاتهم المغلوطة باسم التجديد، وتحت لافتته ذات المصداقية والجاذبية؛ فبعد هذه السجالات نكاد لا نرى معارضًا لقضية التجديد من حيث المبدأ، وأصبح التساؤل مَنْصِبًا على: شروط التجديد، وضوابطه، ومساراته.. إلى غير ذلك مما يضمن ألا تنحرف البوصلة عن وجهتها.

بيد أنه من الملاحظ أنه غالبا إذا طُرحت قضية التجديد، تنصرف الأذهان لمجال معين من المجالات التي ينبغي أن يتطرق إليها التجديد.. أعني: المجال الفقهي. وربما كان العذر في ذلك هو ما طرأ على حياتنا من قضايا وإشكاليات تتصل بتعاملات الناس، ويريدون فيها قولاً يبين حكمها من الإباحة أو المنع.. ومن ثم استحوذ “التجديد الفقهي” على مساحة كبيرة من النقاش المتصل بقضية التجديد؛ غير أن هناك نوعًا آخر، لا يقل في الأهمية، وينبغي أن ينال حظه من الدراسة والبحث؛ وهو "التجديد الفكري".

وهذا النوع من التجديد يتماشي مع “التجديد الفلسفي”، غير أنه يتمايز عنه؛ فالتجديد الفلسفي ذو صبغة أكاديمية، وينشغل بموضوعات تبدو نخبوية يحتاجها الدارسون المختصون أكثر من غيرهم.. أما التجديد الفكري فيتصل بحياتنا الثقافية من زاوية أعم وأشمل، ويتطرق لموضوعات تستحوذ على اهتمام شرائح أوسع من المهتمين بالعلم والمعرفة؛ وهناك مجموعة من الفلاسفة الذين استطاعوا إحياء التفلسف في الفكر الإسلامي بعد موت ابن رشد، وكذلك استعرضوا للسياقات التي نشأت فيها أفكارهم وتأثيراتها وأهم أدبياتها، وكيف استطاع هؤلاء الفلاسفة أن ينقلوا الفلسفة من كونها فكرة مهجورة لتصبح قاطرة للإصلاح.

وتتجلي الأهمية الإصلاحية في المنهجية النقدية الشيرازية، حيث كان للسابقين عليه من الفلاسفة يتجه إلى ضبط أصول كل مذهب، والكشف عن العناصر المكونة لكل خطاب فلسفي أو كلامي أو غيرهما . والوقوف عند الآليات أو المناهج التي يتوسل بها أو يستخدمها هذا الاتجاه أو ذاك في دفاعه عن رؤيته، أو كيانه، أو مذهبه الفكري، فنظرة " الشيرازي" كانت تهدف إلى ضبط بنية الخطاب والنظام المعرفي لكل الأفكار والتيارات السابقة، وهو ما جعله أقدر على وصف وضبط مواطن العجز والضعف في مختلف الآراء ؛ ولذا يعد الشيرازي بحق أحد فلاسفة الفكر الإسلامي الذي ينتمي للمذهب الشيعة الاثنا عشرية، كما يعد من المجددين في الفكر الإسلامي، لكنه لم ينل حظه من الدراسة والبحث، وظلت مؤلفاته الفلسفية منحصرة في داخل الحوزات العلمية في إيران، ولم تخرج إلا مؤخراً (4).

وكان "الشيرازي" – حقاً- أحد أولئك المبدعين الذين جرفهم تيار الإهمال بطميه، فلم يعد غير رجل تعرفه تلك " الزمرة" التي مارست الحكمة عن وراثة وتقليد.. ولم يكن لديهم من طرائق المنهج الحديث ما يدفعها إلي التعرف على شخصيته، ومماحكتها ودراستها، والوقوف علي حقيقتها (5)؛ علاوة على أنه يعد مؤسس نهج الجمع بين الفلسفة والعرفان، ضمن ترجمة أنجزها "غسان حمدان"، ومع أن "الشيرازي" كتب رسائله باللغة العربية إلا أن المهتمين به في إيران هم الذين قاموا بتحقيق مصنفاته وكتبوا مقدمات عليها. وهو خاتمة حكماء الشيعة جمع بين فرعي المعرفة النظري والعملي.

كما ينسب إليه نهج الجمع بين الفلسفة والعرفان والذي يسمى بالحكمة المتعالية. كان طرحه متطورا جدا وفاق حدود عصره مما صعب على معاصريه أن يقبلوه فلاقى من معاصريه صنوف المضايقات بسبب ذلك فكَفر ورمي بأبشع التهم حتى طرد من بلدته، فما كان منه إلا أن هجر القوم إلى القرى النائية منقطعا إلى الرياضة الروحية حتى تجلت له العلوم الباطنية فعاد على البشرية بحكمته المتعالية. يعرف أيضا بـ صدر المتألهين.

وقد وصفه صاحب روضات الجنان قائلاً بأنه كان :" إماماً في فنون الحكمة والأدب .. وخطيباً قل أن يوجد مثيله في فصاحة البيان وطلاقة اللسان، أديبا فقيها عارفاً " ... كما وصفه أيضاً بأنه " عالم فاضل، حكيم ماهر في العقليات .. وكان شاعراً بالفارسية والعربية مجيداً " (6).

وصدر الدين الشيرازي والذي كان اسمه الحقيقي " محمد بن إبراهيم"، ولد في مدينة شيراز، ثم انتقل إلي أصفهان طلبا للعلم، وتتلمذ هناك على يد مير محمد باقر فنذرسكي الملقب بالميردامان والشيخ بهاء الدين العاملي، وبعد وفاتهما اعتكف الشيرازي في إحدى قرى مدينة " قم"، حيث وضع أصول فلسفته، وعند عودته إلى شيراز كان حاكمها قد أكمل بناء مدرسة كبيرة في المدينة، حيث بدأ بتدريس الفلسفة، وقد اطلع على الفلسفة اليونانية لا سيما أفلاطون وأرسطو، إلى جانب الفلسفة الإسلامية لـ الفارابي وابن سينا. وقد اتهمه خصومه بالكفر والزندقة، وذلك لم يفت من عزيمته علي المضي في مطالعة كتب القدماء من الفلاسفة اليونان والمسلمين وتقصي آرائهم، وقد توفي الشيرازي عام 1055هـ- 1640م بعد أن ترك مؤلفات باللغتين العربية والفارسية أهمها : "الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة العقلية"، حيث يضم المجلد الأول رسائل، اتصاف الماهية بالوجود، والتشخص، وسريان الوجود، وأجوبة المسائل، وشواهد الربوبية، والمزاج. أما المجلد الثاني فيضم رسائل حشر الأشياء، والحشرية، وخلق الأعمال، والقضاء والقدر، والمعاد الجسماني.. المجلد الثالث يشمل إكسير العارفين في معرفة طريق الحق واليقين، والواردات القلبية في معرفة الربوبية. ويتضمن المجلد الرابع والأخير رسائل الحكمة العرشية، والمسائل القدسية، والمشاعر.. .إلى جانب شروحات على كتب فلسفية، وثمة كتب نسبت إليه ولم يثبت حقيقة أنه كاتبها ؛ مثل كتاب المشاعر، وكتاب الواردات القلبية، والمبدأ والميعاد، وعدد كبير من الرسائل (7).

وقد صدر عن منشورات الجمل كتاب "الرسائل الفلسفية" لصدر الدين الشيرازي؛ ويقع الكتاب في أربع مجلدات، يضم الكتاب مجموعة من الرسائل الفلسفية هي: رسالة التصور والتصديق، اتحاد العاقل بالمعقول، أجوبة المسائل الجيلانية، أجوبة المسائل الكاثانية، أجوبة مسائل النصيرية، أصالة جعل الوجود، التنقيح، الحشرية، الخلسة وديباجة عرش التقديس، رسالة خلق الأعمال، شواهد الربوبية، الفوائد، لِمَيْت اختصاص الفلك بموضع معيّن، المزاج، تفسير سورة التوحيد ورسالة الوجود.

وفي تلك الكتابات كانت للشيرازي يحاول أن يثبت لنا أن الفلسفة الإسلامية من المشائية والإشراقية، وغير الإسلامية من الفلسفة اليونانية المتمثلة في فلسفة أفلاطون، وارسطو، وأفلوطين، والفلسفة الرواقية، والتي كانت قائمة في عصره، كانت تشكل كل واحدة منها عنصراً من عناصر فلسفيته المتعالية ؛ إلي جانب الفلسفة العرفانية، والآراء الدينية، والكلامية، فهي أيضا تشكل جانباً من العناصر الرئيسة لفلسفته، وقد امتزجت هذه العناصر، وخلصت وصفت في امتزاجها، وتوحدت في هيكل عقلي جبار، في كتابه الأسفار ؛ وذلك ما يؤكده قائلاً :" إذا اندمجت فيه العلوم التالهية في الحكمة البحثية، وتذرعت فيه الحقائق الكشفية بالبيانات التعليمة وتسربلت الأسرار الربانية، ويقول في موضع آخر " وأصنف كتابا جامعاً لشتات ما وجدته في كتب الأقدمين مشتملاًً علي خلاصة أقوال المشائين، ونقاوة أذواق أهل الإشراق، من الحكماء الرواقيين، مع زوائد لم توجد في كتب أهل الفن من حكماء الإعصار (8).

وهنا نجد صدر الدين الشيرازي يحاول أن يتبني منهجية نقدية قائمة علي دمج الفلسفة بموروثها الروحي، الأمر الذي يمنحها في نظره أصالة أعمق، وهذه الأصالة لم ولن تتحقق إلا من خلال نقلة فلسفية هائلة من خلال الحكمة المتعالية، تلك الحكمة التي انصهرت في بوتقتها مختلف التيارات الفلسفية، والكلامية، والصوفية (9).

ولما كان من غير الممكن الوقوف علي كافة هذه الجوانب، أو العناصر التي شكلت الحكمة المتعالية ؛ فإننا نحاول هنا في هذا المقال أن نقوم بعمل جولات فكرية تتناول مواضيع محددة والأفكار البارزة، التي طرحها، نستطيع أن نحدد نظريتين بارزتين هامتين جداً أثارتا حواراً فكرياً كبيراً، وكانتا سبب هجوم رجال الدين عليه، وهاتان النظريتان هما :الأولى نظرية "وحدة الوجود" ويمكن تلخيصها تحت عنوان كبير وكما ورد على لسانه، بـ "موجودات متعدّدة متكثّرة في الخارج، ولها حقيقة عينية واحدة، فالوجود واحد والموجود متعدّد". وقد ألّبت هذه النظرية عليه العلماء والفقهاء ورجال الدين بعامة، فحملوا عليه حملات شديدة، بل لعنوه سراً وعلانية، وأثاروا عليه الناس، وكان هذا سبب عزلته، ومع هذه الحملات فقد اعتقد بصحّتها كثير من الفلاسفة، وحاول تلاميذه تقريبها من الجماهير، ولكن دون جدوى؛ والنظرية الثانية هي نظرية «الحركة الجوهرية» وكانت أيضاً ذات شأن كبير، وقد وضع فيها رسالة أسماها "رسالة الحركة الجوهرية". وتعدّدت تفاسير هذه النظرية، فذهب بعضهم إلى أنها الأساس لمبدأ التحوّل والتطوّر، ولنظرية النشوء والارتقاء التي قال بها (دارون) بعد نحو مئتي عام، وأراد أن يتخذها برهاناً على إثبات الصانع، ودليلاً على حدوث العالم، وذهب آخرون في تفسيرها، إلى أن الحركة الجوهرية هي الحركة الذاتية التي تتمتع بها ذرات المادة، التي تتحرك على نفسها وعلى نواتها في نظام منسّق، وتتألف منها مجموعة كالمجموعة الشمسية، تسير بسرعة فائقة، وهي بسبب سرعتها العظيمة، نراها ثابتة في حسنا، وتكون هذه النظرية بهذا التفسير، هي البداية للنظريات الحديثة في الذّرة (10).

إضافة إلى هاتين النظريتين، فقد تناول "الشيرازي" في كتبه ورسائله موضوعات فكرية كثيرة، يُذكر منها بإيجاز:ما يتعلق بمعرفة المبدأ الأول وصفاته وآثاره، والذي هو جانب كبير من الفلسفة بمعناها الشامل؛ ومعرفة الصراط المستقيم، ودرجات الصعود إليه تعالى، وكيفية السلوك إليه، وهو علم النفس الذي هو جزء من العلم الطبيعي؛ ومعرفة المعاد، وأحوال الواصلين إليه تعالى وإلى دار رحمته؛ ومعرفة المبعوثين من عند الله تعالى لدعوة الخلق، ولنجاة النفس، كالأنبياء والأوصياء وحتى الأولياء عنده؛ مع ذكر أقوال المفكرين الجاحدين وكشف فضائحهم (11)... وللحديث بقية.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.......................

1- عيسي زياني وآخرون: أصالة الفلسفة الإسلامية من وجهة نظر إستشراقية، مجلة دراسات وأبحاث، جامعة الجلفة، مج12 ,ع1، 2020، ص 1143

2- د. زينب إبراهيم شوربا: الحركة الجوهرية ومفهوم التصور والتصديق، مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، دار الهدي للطباعة والنشر والتوزيع، 2004م، ص 5

3- جميلة محي الدين البشتي: صدر الدين الشيرازي وموقفه النقدي من المذاهب الكلامية، دار العلوم العربية، بيروت، لبنان، 2008م، ص8.

4-المرجع نفسه، ص 9.

5- د. جعفر آل ياسين: صدر الدين الشيرازي مجدد الفلسفة الإسلامية، مطبعة المعارف، بغداد، 1955، ص 6.

6-الخوانساري، محمد باقر بن زين العابدين: روضات الجنان في احوال العلماء والسادات، دار الكتب الاسلامية ‎، طهران، بازار سلطاني، ج2، ص 61.

6-أبو عبد الزنجاني: الفيلسوف الفارسي الكبير صدر الدين الشيرازي، مجلة المجمع العلمي السوري، العدد 11، (1929)، ص 661-662.

7-صدر الدين الشيرازي: الحكمة المتعالية في السفار العقلية الأربعة، دار المعارف الإسلامية، الطبعة الثانية، قم – إيران، ج 1، مقدمة المؤلف، ص9- 10؛ وأنظر أيضا جميلة محي الدين البشتي: صدر الدين الشيرازي وموقفه النقدي من المذاهب الكلامية، دار العلوم العربية، بيروت، لبنان، 2008، ص 55.

8- جميلة محي الدين البشتي: المرجع نفسه، ص 8.

10- سلمان فضيل البدور: الحركة الجوهرية فى فلسفة صدر الدين الشيرازى، دراسات - العلوم الإنسانية، الجامعة الأردنية - عمادة البحث العلمى، مج 11 , ع 4، 1984، ص 33-34

11- المرجع نفسه، ص 36-39.

 

 

علي المؤمنهناك خلط متراكم في المفاهيم والمصطلحات المتعلقة بموضوعات الدين، والتفقه فيه، ومرجعيته، مثل: الدين، الشريعة، العلم الديني، عالم الدين، الحاكم الشرعي، الفقيه، المفتي، المرجع الديني، ولي الأمر وغيرها، وصولاً إلى مفاهيم النظام الاجتماعي الديني الشيعي. ومنطلقات الخلط هو الجهل حيناً أو اللبس حيناً آخر أو التعمد حيناً ثالثاً.

وكمدخل للموضوع؛ ينبغي توضيح المراد من بعض هذه المصطلحات والمفاهيم؛ لرفع اللبس وتوجيه الحديث نحو مقاصده المعرفية في فرز المقدس عن اللامقدس، والثابت عن المتغير، والملزِم عن غير الملزم؛ لأنّ خطورة الخلط لا تكمن في الجدل النظري في المفردات؛ بل في مخرجاته العملية تحديداً، والتي تقود إلى تقديس اللامقدس وتصنيم المتغير والدعوة إلى الالتزام بغير الملزِم.

باختصار شديد: «الدين» هو المصادر المقدسة أو الأُصول الإلهية الثابتة، والمتمثلة في القرآن الكريم والصحيح من سنة رسول الله وآل بيته. أي أنّ أحكام الدين وقواعده العقدية والتشريعية القطعية اليقينية؛ هي الدين وخطابه حصراً. وهذه المصادر والأُصول هي الثابت والمقدس، وقدسيتها تعني أنّها ملزِمة للمسلم نظرياً وعملياً (1).

أمّا «علوم الدين» فهي أدوات معرفية للوصول إلى قراءة للدين والكشف عن موقفه العقدي وتكليفه العملي. ومخرجات هذا الفهم ليست مقدسة، وإلزامها ليس مطلقاً؛ إلّا بمقدار ما تحتويه من أُصول تشريعية توقيفية. وما عدا هذه الأُصول؛ فإنّ ما تبقى هي مخرجات تعبر عن فهم بشري؛ كونها أحكاماً ظنية لا نصّ فيها، وتعتمد على الاجتهاد، وتستند إلى مدارك ليست قطعية الصدور أو ليست قطعية الدلالة. وبالتالي؛ فالعلم الديني أو العلم الشرعي هو كأيّ علم آخر في مخرجاته. ولكن هناك قدسية نسبية أو مكتسبة تتعلق بالإلزام؛ كإلزام فتوى الفقيه بالنسبة لمن يقلده، وإلزام الحكم الثانوي والحكم الولائي للحاكم الشرعي لمن يخضع له زماناً ومكاناً (2).

و«عالم الدين» هو المتخصص في العلم الديني أو معارف الدين، ومقتضى التخصص أن لا يُطلق مصطلح عالم الدين على كل من يرتدي الزي الديني؛ بل يطلق ـ حصراً ـ على الفقيه المتكلم المحدِّث، أي الذي يجمع بين الاجتهاد والتخصص في علم العقيدة والإجازة الروائية؛ لأنّ مفهوم «العالِم» مفهوم مركب وعميق في دلالاته الاصطلاحية.

و«التفقه» في الدين ورواية الحديث وطلب العلم الديني ليس مهنة بالأساس؛ بل هو واجب كفائي على المسلمين؛ لأنّ المهنة هدفها التكسّب وطلب الرزق، وهذا الهدف غير منظور في مهمة التفقّه وطلب العلم. كما لا يوجد في الإسلام رجال دين معنيون وظيفياً، ولا كهنوت ولا «إكليروس» ولا حراس معبد؛ بل يؤكد الإسلام ـ كما جاء في النصوص القرآنية والحديثية ـ على أنّ المتخصصين في علومه هم فقهاء وعلماء ومجتهدون ومحدِّثون. وحتى لو كان تطور الحياة ومتطلبات العصر وتوسع العلوم الدينية وثقل اختصاصات عالم الدين الموزعة بين الدراسة والتدريس والتبليغ والخطابة والإفتاء والتأليف والتحقيق ورعاية النظام العام؛ قد فرضت بمجموعها تحوّل طلب العلم والتفقّه في الدين إلى سلك مهني بحاجة إلى تفرغ كامل؛ لكنها لا تحوِّل طالب العلم وعالم الدين إلى كاهن أو رجل دين؛ بل يبقى عنوانه طالباً أو أُستاذاً أو عالماً أو فقيهاً أو مجتهداً.

والفرق بين عالِم الدين الإسلامي والعالِم في العلوم الوضعية، بكل فروعها، هو أنّ عالم الدين يجمع بين التخصص العلمي والعمل الديني، وما يترتب على العمل الديني من مهام تبليغية وتحكيمية وحِسبية، ومرجعية اجتماعية وسياسية. في حين أنّ عالم القانون أو عالم الاجتماع أو عالم الفيزياء هو متخصص لا أكثر، ولا يترتب على مهنته وظائف اجتماعية ووظائف عامة أُخر.

أمّا الفرق بين عالم الدين الإسلامي والكهنة والرهبان والقساوسة في الأديان الأُخر؛ فهو في المهام أيضاً؛ إذ تقتصر مهمة رجل الدين المسيحي أو اليهودي أو البوذي أو الهندوسي على الجانب الديني المحض. بينما تجمع مهمة عالم الدين الإسلامي بين الجانبين الديني والدنيوي. وهذا الجمع يختص به العلماء الشيعة دون السنة أيضاً؛ لأنّ علماء الدين السنة هم ـ عادة ـ موظفون في الدولة، ويعيشون على رواتبهم الوظيفية، وأن كبيرهم هو مفتي الدولة أو شيخ الإسلام التابع لرئيس الدولة. فضلاً عن أنّ المنظومة الدينية السنية هي جزء لا يتجزأ من النظام السياسي للدولة، سواء كان هذا النظام إسلامياً أو علمانياً. على عكس علماء الشيعة، المستقلون بمنظومتهم الدينية الاجتماعية ومواردهم المالية وإدارة حوزاتهم. بل حتى لو كانت الدولة إسلامية ونظامها ديني ويرأسها فقيه ومرجع ديني، كما هو الحال مع إيران بعد العام 1979؛ فإنّ المنظومة الدينية الشيعية بقيت محتفظة باستقلاليتها الإدارية والمالية والعلمية.

كما يمارس علماء الدين الشيعة واجبات الحِسبة ورعاية النظام العام للمجتمع أو الدولة؛ انطلاقاً من مهامهم الدينية الأصلية، وليس بصفتهم الشخصية. أمّا رجال الأديان الأُخر أو العلماء من أهل السنة الذين يمارسون عملاً عاماً أو سياسياً؛ فإنّما هي ممارسة شخصية مدنية لا علاقة لها بمهامهم الدينية الأصلية. وهذا هو الفرق البنيوي الأساس بين النظام الاجتماعي الديني الشيعي والمنظومات الدينية الاجتماعية الأُخر في جميع الأديان والمذاهب.

وحيال هذا الفرق البنيوي بين عالم الدين الشيعي ورجل الدين في المذاهب والأديان الأُخر؛ يكمن خطأ دعاة العلمانية الشيعة الذين يطالبون بعدم تدخل الدين في الشأن العام، وعدم تدخل عالم الدين الشيعي في قضايا السياسة والدولة؛ إذ يقيس العلمانيون المنظومة الدينية الشيعية وفقهاءها بباقي المنظومات الدينية والمذهبية الأُخر ورجالها؛ فيقعون في أخطاء معرفية فادحة؛ بسبب عدم معرفتهم بخصوصية عمل الفقيه الشيعي ومهام المنظومة الدينية الشيعية المستندة إلى أُصول تشريعية ثابتة، ويتخيلون أنّ بالإمكان تحويل هذه المنظومة إلى منظومة شبيهة بالفاتيكان أو مشيخة الإسلام أو دار الإفتاء، وأن يكون الفقيه الشيعي كأيّ عالم دين سني أو قس مسيحي أو كاهن بوذي.

وحيال دعوات العلمانيين إلى أن يكتفي عالم الدين الشيعي بالعمل داخل المسجد فقط؛ لأنّه مكانه الطبيعي الوحيد؛ أُسوة بالقس الذي يحصر عمله في الكنيسة؛ فهناك دعوات شيعية دينية متطرفة مضادة تقابلها، تضع كل من يرتدي الزي الديني الشيعي في مقام وهمي غير مقامه الحقيقي. وهنا يقع الواقع الشيعي بين الإفراط والتفريط في موضوع صلاحيات عالم الدين. لذلك؛ ينبغي التأكيد على أنّ المعني بصلاحيات الحاكم الشرعي والولي على الفتوى والقضاء ورعاية الشأن العام؛ إنّما هو المجتهد العادل الكفء حصراً، وليس كل علماء الدين أو كل من وضع العمامة على رأسه. وقد خلق تفريط الخصوم وإفراط الموالين، رؤى وهمية متعصبة بعيدة عن الأُصول الشرعية، كرّستها الظروف الاجتماعية التراكمية القاسية التي عاشها الشيعة قرون طويلة، وفي مقدّمها وهْمُ قدسية الزي الديني وقدسية من يرتديه، وأنّ من يرتديه هو ـ بالضرورة ـ مشروع زعيم ديني وقائد اجتماعي، وأنّه الوحيد المخوّل بممارسة العمل التبليغي والتربوي الديني، وأنّ الزي الديني مدعاة للتمايز الديني والاجتماعي.

والحال أنّ الزي الديني لا يخلق عالماً دينياً، ولا يخلق إنساناً عادلاً ومتقياً وزاهداً ومستقيماً وواعياً؛ فهناك منحرفون فكراً وسلوكاً يرتدون الزي الديني؛ بل يدّعي بعضهم الاجتهاد والمرجعية. وليس الزي الديني أكثر من زي اختصاص؛ كأيّ اختصاص آخر، وهو ما يفرض احترام هذا الاختصاص من قبل غير المتخصص. وكما يجب احترام اختصاص الطبيب والمهندس وعالم الاقتصاد، والاستماع إلى توجيهاتهم والالتزام بها في حدود اختصاصهم؛ فإنّ الزي الديني كذلك؛ يفرض احترام تخصص من يرتديه، والالتزام بتوجيهاته في حدود اختصاصه.

وكما أنّ من يرتدي الزي الديني ليس بالضرورة أن يكون عالم دين؛ فليس بالضرورة أيضاً أن يكون كل عالم دين عادلاً ومتّقياً وكفءً؛ بل يمكن لأيّ غير متدين وأيّ علماني وأيّ غير مسلم أن يكون مجتهداً وعالماً متخصصاً في الدين الإسلامي، أي يمتلك القدرة على استنباط الحكم الشرعي من مصادره. وهناك مجتهدون ظلوا يرتدون الكوفية أو البدلة الحديثة؛ لأنّ الاجتهاد مرتبة علمية وليس مرتبة دينية، مثلها مثل درجة الدكتوراه والأُستاذية. لكن مرتبة الاجتهاد تتحول إلى رتبة دينية تؤهل حاملها لممارسة القيادة الاجتماعية الدينية، إذا توافرت فيه الشروط والمعايير المتعارفة، كالعدالة والتقوى وطهارة المولد والذكورة والإيمان(3) وغيرها.

ومهما بلغ الفقيه من العلمية والتقوى والكفاءة؛ فإنّه لا يكون وكيلاً عن الله وممثلاً للدين ومعصوماً، أو يكون خطابه وسلوكه هو الدين ذاته؛ بل إنّه يمثل امتداداً موضوعياً لمنصب إمامة المعصوم، وإنه معين تعييناً نوعياً من الإمام، ولا يمتلك أية صلاحيات إلّا في حدود ما شرعه له المعصوم، كما في حديث «التحكيم» وحديث «التقليد» وحديث «الرجوع» وحديث «ورثة الأنبياء» (4)، وهو ما يجعله ـ على المستوى الشخصي ـ ليس مقدساً. ولذلك؛ إذا أخطأ عالم الدين أو أخطأت مجموعة من علماء الدين؛ فإنّما هي أخطاء بشرية، وليس خطأ الدين أو خطأ المنظومة الدينية. وفي هذا المجال يلعب نوعان من الناس تزييفاً خطيراً:

الأول: يرتدي زي علماء الدين، ويوحي للناس بأنّه يمثل الدين وأنّ كلامه هو كلام الدين؛ من أجل أن يغشهم ويبتزهم.

والثاني: خصم للدين، ويوحي أيضاً بأنّ كل من يرتدي زي علماء الدين يمثل الدين، وأنّ ما يفعله هو تعبير عن فعل ديني؛ ليحقق الخصم من خلال ذلك هدف تشويه قدسية الدين وضرب النظام الاجتماعي الديني الشيعي.

وينعكس هذا الأمر على موضوع الطاعة لعالم الدين، وهي طاعة نسبية خاصة بالفقيه العادل الجامع لشرائط التقليد، والمرجع الأعلى المتصدّي، والولي الفقيه الحاكم، وهي مناصب تجب طاعتها في حدود مساحة الولاية التي شرّع الرسول والإمام المعصوم صلاحياتها ووظائفها.

النتيجة؛ إنّ الزي الديني وطلب العلم وبلوغ درجة الاجتهاد لا تمنح بمجموعها القدسية لصاحبها، ولا التميّز الديني والاجتماعي، ولا المرجعية الدينية، ولا الطاعة؛ بل إنّ القدسية هي للفتوى والحكم الشرعي وفق شروطهما الموضوعية. كما لا يستطيع أي مخلوق أن يدّعي أنّه يمثل الدين؛ بل إنّ من يمثل الدين هي المصادر والأُصول التشريعية المقدسة، وإنّ تمثيل مرجع الدين للدين وللشريعة إنّما هو تمثيل نسبي، ينحصر في الكشف عن موقف المكلف تجاه الدين، وإنّ العدالة والتقوى والكفاءة هي شروط أساسية لكي يكون المجتهد مرجعاً دينياً، وإنّ شرط التصدّي يضاف إلى الشروط الآنفة؛ لكي تمنح بمجموعها من يتمتع بها صلاحيات الولاية على الشأن العام، وهي التي تفرض على المؤمنين طاعته بقوة الفتوى والحكم الشرعي، أو بقوة القانون في حالة الولي الفقيه الحاكم. وبكلمة أُخرى؛ فإنّ الطاعة والقدسية في النظام الاجتماعي الديني الشيعي، هما عمليتان معقدتان وصعبتا المنال، ولا يستطيع أي عالم دين أن يتمتع بهما؛ سوى فقيه واحد أو اثنين في زمان واحد، هما المرجع الأعلى المتصدّي للشأن العام، والولي الفقيه الحاكم.

 

د. علي المؤمن

.........................

الإحالات

(1) أُنظر: علي المؤمن، الإسلام والتجديد، ص14 ـ 32.

(2) المصدر السابق.

(3) الإيمان بمعناه الخاص، أي التشيع

(4) راجع الفصل الثالث من هذا کتاب "الاجتماع الديني الشيعي" للكاتب نفسه؛ للتعرف على مصادر الأحاديث ودلالاتها.

 

 

البحث عن منظومة لغوية رمزية تستطيع تفسيرَ تاريخ الفِعل الاجتماعي، وعلاقاته المتشابكة في البيئة المُعاشة، وانعكاساته  الثقافية على شخصية الإنسان وبُنية المجتمع، يتطلَّب استنباطَ تراكيب فلسفية مِن الواقع المادي، ويستلزم إيجادَ رموز معرفية على تماس مباشر مع الحياة العملية . والواقعُ المادي هو منبع فلسفة الأفكار، والحياةُ العملية هي مصدر التفسيرات للظواهر الاجتماعية الحاكمة على السلوك الإنساني، الذي يُمثِّل منظومةً عقلانيةً تشتمل على الموضوع (الإنسان) والحامل (الواقع) والمحمول (الذهن) . ومهما كان العقلُ الجمعي مُتَمَيِّزًا ومُتَفَرِّدًا، سيظل أداةً وظيفيةً للنهوض بالواقع، لأن العقل الجمعي لَيس بَرَّ الأمان، وإنما هو وسيلة للوصول إلى بَر الأمان . وهذا يعني أن العقل والواقع كِيانان مستقلان تربطهما مصلحة متبادلة ومصير مُشترك، والعلاقةُ بينهما يتم تحديدها وفق طبيعة التفاعل بين الإنسان واللغة من جهة، والإنسان والمجتمع من جهة أخرى . وهذا التفاعل المُزْدَوَج يُمثِّل الخُطوةَ الأُولَى لتحويل الإنسان إلى كَينونة لُغوية، وتحويل المجتمع إلى كِيان إنساني .

2

مسارُ الظواهر الاجتماعية - مَهما بَدَا مُتَشَعِّبًا ومُتَفَرِّعًا - لا يُمكن أن يَخرج عن منظومة (الكَينونة اللغوية/ الكِيان الإنساني) . واللغةُ تمنح المجتمعَ الشرعيةَ الزمانية، والإنسانُ يَمنح المجتمعَ المشروعيةَ المكانية، وهذا يعني أن المجتمع لغة رمزية تجسَّدت في الكِيان الإنساني رُوحًا وشكلًا . وهذا التَّجَسُّد يَقُود إلى تجسيد القيم الأخلاقية والمعايير الحضارية في وجود المجتمع ووظيفة الإنسان، مِمَّا يُعطي للتحليل العقلاني مساحةً واسعةً لتكريسِ المشاعر وربطها بالظروف البيئية، وتفعيلِ المبادئ ودمجها مع المصلحة العامَّة والمنفعة الفردية. وبدُون التحليل العقلاني ستنهار الأُطُرُ الاجتماعية الحاضنة للتفاعل الإنساني، أي إنَّ المشاعر ستسقط في الفراغ، وتنهار المبادئ في العدم، وسيجد الإنسانُ نَفْسَه خارجَ دائرة الفِعل الاجتماعي، ويَدُور المجتمعُ في حَلْقة مُفرَغة، بحثًا عن كَبش فِدَاء وبشر يُتقِنون لَعِبَ أدوار الضَّحايا . وإذا شَعَرَ الإنسانُ بأنَّه ضَحِيَّة، فهذا يدلُّ على أنَّه يعيش في مجتمع يحتكم إلى سياسة الأمر الواقع، ولا يَحتكم إلى سياسة العقل القائمة على تحرُّر الذات وتحرير الموضوع. ولا يُمكن أن يَحصل الإنسانُ على شرعية وجوده في عَالَم المشاعر والمبادئ، إلا إذا امتلكَ الوَعْيَ بالتحولات الاجتماعية في داخله وخارجه، واستطاعَ تكوين تفسيرات منطقية للعناصر الوجودية القابلة للمعرفة . وكُل معرفة خاضعة للأحكام العقلية تُمثِّل تجربةً اجتماعيةً بشكل أوْ بآخَر، لأن المعرفة لا تتحرَّك في الفراغ، ولا تُحمَل على الوَهْم، وإنَّما تُحمَل على السلوك الإنساني الواعي، الذي يتحرَّك في المجتمع أفقيًّا (تغيير الموقع) وعموديًّا (تغيير الموقف). وتتبدَّل المواقفُ بتبدُّل المواقع، وهذا يُشير إلى أنَّ الوظيفة الاجتماعية للإنسان في السِّياق الزمني والحَيِّز المكاني، هي التي تُحدِّد مشاعرَه وأحكامَه ومواقفَه، وتُكوِّن علاقةً منطقية ديناميكية بين المشاعر والمصالح .

3

كُل وسيلة معرفية هي أداة وظيفية اجتماعية، يتم استخدامها للبحث عن معنى للأشياء، وإيجاد جَوهر للعناصر، وتكوين ماهيَّة للأفكار، وتوفير غطاء شرعي لسُلطة الطبيعة الإنسانية على العلاقات الاجتماعية، لذلك كان المجتمعُ تاريخًا يُولَد باستمرار في الأشياء والعناصر والأفكار والعلاقات، وهذه هي الجُغرافيا المعنوية المُرتبطة بالتفاعلات الاجتماعية الرمزية، التي تخضع لمركزية اللغة في نظام التوافق الشعوري، ومنظومةِ التَّكَيُّف الحياتي . والشعورُ مُرتبط بالنظام (مجموعة العناصر الذهنية والمُكوِّنات الوجودية التي يَفصل بينها علاقات نَفْسِيَّة ودوافع شخصية). والحياةُ مُرتبطة بالمنظومة (بُنية ذاتية مُتكاملة ومُترابطة وقائمة على تفسير العمليات العقلية وتوليد الأحداث الواقعية) . وهذا يعني أن الشعور بيئة مُغلَقة غَير مَفتوحة، لأنه خاضع للحالة المِزاجية ورَدَّة الفِعل والمُؤثِّرات الخارجية، في حِين أن الحياة بيئة مَفتوحة غَير مُغلَقة، لأنها مُتعلِّقة بكثرة الأسئلة الوجودية، وتعدُّد التجارب الإنسانية، وتنوُّع العمليات الاجتماعية . ويُمكن القول إنَّ الشعورَ حياةٌ مُغلَقة، والحياة شُعور مَفتوح .

 

إبراهيم أبو عواد

 

 

عبد الرضا حمد جاسمللراحل الوردي في ذكرى وفاته الرحمة والذكر الطيب

عن الصين كتب الراحل الدكتور علي الوردي له الذكر العطر والرحمة العبارة التالية في ص31 من كتاب دراسة في طبيعة المجتمع العراقي دار ومكتبة دجلة والفرات/الفصل الأول/ تحت العنوان الفرعي: اختلاف في الدرجة:

[الذي نريد ان نلفت نظر القارئ اليه هو ان المنطقة العربية تمتاز على غيرها بشدة هذا الصراع وتتابعه على مدى الأجيال لنأخذ مثلاً المنطقة الصحراوية الأسيوية التي أشرنا اليها آنفاً فهي في الواقع لم تخل من هذا الصراع في بعض الفترات من تاريخها. انها تتاخم من جهة الشرق حضارة الصين ومن جهة الغرب حضارة ما وراء النهر. وقد عانت هاتان الحضارتان كثيراً من موجات البدو الذين عُرِفوا في التاريخ بأسماء كالمغول والتتر والترك و القرغيز... ونستطيع أن نقول مثل هذا عن مناطق اخرى في العالم كإيران والهند وجنوب افريقيا. ففيها نجد بعض البقاع الصحراوية والى القرب منها نشأت حضارة قديمة أو حديثة. ولا بد لنا من أن نتوقع في مثل هذه الحالة حدوث شيء من الصراع بين البداوة والحضارة ولكننا يجب ان لا ننسى ان هذا الصراع ليس من النمط الذي شهدناه في المنطقة العربية...فكثيراً ما كانت الحضارة في تلك المناطق قادرة على استيعاب الموجات البدوية القادمة اليها وعلى إذابتها في وقت قصير نسبياً بحيث لا يبقى لها تأثير اجتماعي كبير. خذ الحضارة الصينية مثلاً فهي كانت من السعة والكثافة بحيث استطاعت ان تهضم الموجات المغولية القادمة اليها وتذيبها في البوتقة الصينية الكبرى. أدركت ذلك بجلاء عند زيارتي للصين عام 1958 حيث لم اجد في المجتمع الصيني أي أثر واضح للموجات البدوية التي اجتاحت الصين قديماً...] انتهى

تعليق: ما يثير الاستغراب هنا هو الجزء التالي: [خذ الحضارة الصينية مثلاً فهي كانت من السعة والكثافة بحيث استطاعت ان تهضم الموجات المغولية القادمة اليها وتذيبها في البوتقة الصينية الكبرى. أدركتُ ذلك بجلاء عند زيارتي للصين عام 1958 حيث لم أجد في المجتمع الصيني أي أثر واضح للموجات البدوية التي اجتاحت الصين قديماً. الخ] انتهى

المستغرب هو حُكم الدكتور الوردي على الوضع في الصين بهذا الشكل الذي يعكس عدم الدقة او السطحية في التعامل مع الامور والتسرع في "الاستنتاج" والطرح والجزم حيث يمكن لي ولغيري ان ينقل هذا الموقف او هذا التسرع على الكثير من استنتاجات الراحل الوردي وبالذات على موضوع شخصية الفرد العراقي او ما أطلقه على حالة المجتمع العراقي. فلو كتب الراحل الوردي: (لم أجد أثرا) بدل (لم أجد أي أثر) لَفَرَقَ القول والطرح ويمكن ان يُقْبَلْ والغريب انه وضع هذا الرأي تحت عنوان فرعي هو: (اختلاف في الدرجة) ليقارنه مع البداوة في العراق والمنطقة.

والغريب انه يعود في ص39 من نفس الكتاب وتحت عنوان فرعي هو: أهمية بن خلدون كتب التالي: [يمكن ان نقول عن العرب بوجه عام إن البداوة فيهم اقل توغلاً وشدة مما هي في المغول والتتر ومن لف لفهم. ولعل السبب في ذلك هو ان العرب قد تصارعت فيهم البداوة والحضارة منذ أقدم الأزمان وهم إذن أقرب إلى فهم الحضارة وأسرع الى التكيف لها من اولئك...الخ] انتهى...

وللعلم أن الدكتور الوردي زار الصين بعد ثورة 14تموز1958 مع وفد كبير. ومهما كانت مدة الزيارة فهي لا تتعدى ايام معدودة قضاها الوفد متنقلاً وفق برنامج محدد ومُراقب بدقة ومحسوبة عليه حركاته وكلماته وربما حتى انفاسه كما اتوقع ويتوقع غيري في بلد مثل الصين في ذلك العام 1958فكيف استطاع الراحل الوردي في هذه الفترة القصيرة جداً المحددة بكل شيء ان يجزم أنه لم يجد أي أثر واضح للموجات البدوية التي اجتاحت الصين قديماً؟

وهل لو زار العراق وفد رسمي ليلتقي صدام حسين كان يمكن له ان يتعرف على مظاهر البداوة بشكل واضح في المجتمع العراقي؟

كيف أدرك الوردي ذلك بجلاء؟؟؟ الحقيقة لا اعلم!!زيارة قصيرة تحت تلك الظروف الى الصين في تلك السنة المهمة في تاريخ الصين تحت حكم الحزب الواحد وسيطرة ماو تسي تونغ وفي ظروف ملتهبة على كل الصُعد حَكَمَ فيها الوردي على المجتمع الصيني بملياره وأكثر من البشر ومساحتها الشاسعة واطرافها المتباعدة المترامية وتضاريسها المتنوعة واقوامها واديانها وميولهم المتعددة أدرك الوردي بجلاء عدم وجود أي أثر واضح للموجات البدوية التي اجتاحت البلاد قديماً.

فكيف نُقَيَّمْ رأيه في العراق وشعب العراق والمجتمع العراقي؟

اليكم ما قاله الراحل الوردي عن زيارته الى الصين كما ورد عنه في كتابه: الأحلام بين العلم والعقيدة: دار كوفان للنشر توزيع دار الكنوز الادبية/بيروت  لبنان/الطبعة الثانية 1994 /ص19 حيث كتب الراحل الوردي التالي: [وقد علمت اثناء سفرتي الاخيرة الى الصين و روسيا ان هناك نظريات نفسية في هذا الشأن لا يستهان بها .ولكني مع الاسف لم استطع ان ادرسها دراسة وافية لقصر المدة التي بقيت فيها هناك من جهة ولجهلي بلغة القوم من الجهة الاخرى و عساني اتمكن من سد هذا النقص في وقت قريب او بعيد لا سيما بعد ان فتحت الثورة ابواب العالم شرقاً وغرباً وجعلتنا قادرين على دراسة جميع النظريات و الآراء العلمية من غير حجر او تحديد]انتهى.

[ملاحظة: كتاب الاحلام صدر عام 1959 بعد ثورة 14تموز1958 اتمنى من القراء الاطلاع عليه ليجدوا الفرق الهائل بين الوردي قبل هذا الكتاب وفيه وبعده... هذا الكتاب وما ورد فيه يبين نفسية الوردي وشخصيته العجيبة؟؟؟!!!].

قد يعترض البعض على التالي ويعتبره خروج عن أساس الموضوع/سلسلة مقالاتي عن الراحل الدكتور علي الوردي حيث اُقدر ذلك واعرفه وكان يمكن لي ان اضيفه الى ما وعدت القراء ان اطرحه تحت عنوان "كَتَبَ مُحبي الوردي عنه" ولكن أجد ان التالي مرتبط بما ورد أعلاه وبالذات بخصوص "زيارة الصين" وربما سأُكرر نفس الشيء مع غرائب أخرى إن وجدتُ ما كَتَبهُ محبي الراحل يأتي بنفس السياق او تحت نفس العنوان...عليه اعتذر وأؤكد.

واليكم ما نشره أحد "محبي الوردي" عن تلك الزيارة [زيارة الصين] الرابط

https://www.facebook.com/74800697075/posts/10153169632062076/

وتحت عنوان: حكايات  الوردي يجادل ماوتسي تونغ: من الصفحة الشخصية لمستشار المركز الاستاذ سلام الشماع على الفيس بوك حيث ورد التالي:

[في أواخر عام 1958 سافر المرحوم الدكتور علي الوردي إلى الصين وحاضر أياماً على أجيال الاشتراكية وتجول في المجتمعات المقيدة والمفتوحة في أرجاء الصين وخرج بخلاصة هي أن (الحرية بنت المكان) وأنها لا تولد إلا في زمان يرتضيها، وقد أعجب أساتذة الجامعات في الصين بالوردي وجرأته ولسانه ولكنهم لم يعجبوا بفكرته عن الحرية وقالوا له: ليست للحرية أجنحة مقصوصة، بل مفتوحة فهي بنت عالم لا حدود له وهي ليست بنت مكان معين أو زمان معين. وفي يوم رحلته الأخير ،التقى المرحوم الوردي الزعيم الصيني ماوتسي تونغ وجها لوجه وتحادثا بلا قيود واختلفا بلا قيود أيضا، ثم اتفقا أخيرا على أن (لكل مذهبا في الحرية)]انتهى

اقول: اُجزأ هذا المقطع واُفسر كل جزء... حيث ورد التالي:

1.ورد[في أواخر عام 1958سافر المرحوم الوردي الى الصين وحاضر اياماً على اجيال الاشتراكية وتجول في المجتمعات المقيدة والمفتوحة في ارجاء الصين...] انتهى

اقول هنا: ان الوردي سافر عضواً في وفد كبير بعد ثورة 14 تموز عام 1958 كما يظهر في الصورة التي ارفقها الكاتب. أي لم تكن زيارة خاصة علمية او سياحية "سافر الوردي".

لا اعرف ماذا يعني الكاتب بعبارته:" وحاضر أياماً على أجيال الاشتراكية"؟ أي اجيال اشتراكية تلك التي كانت في الصين وقت ذاك عام 1958؟ وعن أي مجتمعات مقيدة ومفتوحة يتحدث في بلاد مثل الصين في عام مثل عام 1958 وتحت قيادة مثل قيادة ماوتسي تونغ؟ ان الصين بلاد شاسعة مترامية الاطراف متنوعة ومختلفة الأرجاء. كيف حاضر لأيام في ارجاء الصين في تلك الزيارة القصيرة؟؟؟؟

2. ورد: [وخرج بخلاصة هي أن (الحرية بنت المكان) وأنها لا تولد إلا في زمان يرتضيها، وقد أعجب أساتذة الجامعات في الصين بالوردي وجرأته ولسانه ولكنهم لم يعجبوا بفكرته عن الحرية وقالوا له: ليست للحرية أجنحة مقصوصة، بل مفتوحة فهي بنت عالم لا حدود له وهي ليست بنت مكان معين أو زمان معين] انتهى

أقول: ان القول بأن "الحرية بنت المكان" و"وأنها لا تولد إلا في زمان يرتضيها"...هذا قول مردود وضعيف لا يمكن ان يُطرح...فكيف طرحه الوردي ذلك عن الصين في اشد سنوات الصين حراجة ودقة وصعوبة من جميع النواحي؟

كيف اُعجب اساتذة الصين بلسان علي الوردي و جرأته...ماذا قال لهم و ماذا طرح؟ لم يبين لنا الكاتب مثال عما طرحه الوردي فأثار الاعجاب؟؟؟ الغريب انه يطرح رد الاساتذة الصينيين الذين اعترضوا على طرح الراحل الوردي عن الحرية وفيه ربما استغراب فكلامهم عن الحرية افضل/أدق من كلام الوردي والعجيب انه جاء في زمن ماوتسي تونغ وفي عام 1958 القاسي جداً على الصين وداخل سور الصين الثقافي والسياسي والعمراني الجغرافي.

3.ورد: [وفي يوم رحلته الأخير، التقى المرحوم الوردي الزعيم الصيني ماوتسي تونغ وجها لوجه وتحادثا بلا قيود واختلفا بلا قيود أيضا، ثم اتفقا أخيرا على أن (لكل مذهبا في الحرية)] انتهى

أقول: انها رحلة قصيرة لعدة ايام لوفد رسمي عراقي كان الراحل الوردي أحد افراده. اما اللقاء مع الزعيم ماوتسي تونغ لم يكن لقاء فردياً "وردياً ماوياً" كما يحاول الكاتب اظهاره وانما استقبال رسمي بروتوكولي املته الظروف التي رافقت ثورة الرابع عشر من تموز. حاول الكاتب تصوير اللقاء وكأنه بين رجلين التقياً في نقاش حاد ومتشعب ومتميز ومهم وخرجا بما خرجا به وليس لقاء عادي بين زعيم أوحد لدولة حزب واحد مع وفد زائر لبلاده القى فيهم كلمة املتها الظروف سواء ظروف قيام ثورة الرابع عشر من تموز في العراق أو الظروف التي تعيشها الصين وقتها ورغبة البلدين في التعاون. ثم يختم الكاتب طرحه بالقول: [اتفقا أخيراً على أن (لكل مذهبا في الحرية)] يصور لنا ذلك الاجتماع المهم بين الرجلين وهما يناقشان موضوع الحرية واتفقا على ما اتفقا عليه وتم تدوين ذلك في محضر الاجتماع الذي ربما اطلع عليه الكاتب.

وعن الصين والوردي ذكر السيد محمد عيسى الخاقاني في كتابة مئة عام مع الوردي ص68 تحت عنوان: (مشاركات الدكتور علي الوردي العلمية خارج العراق 1953 الى 1988: [ان الوردي القى محاضرة واحدة في جامعة بكين في شهر أب 1958 وكانت تحت عنوان: الصين في التراث العربي] انتهى.

اقول: ربما تطرق الوردي في تلك المحاضرة الى الحديث الذي يقول:(اطلب العلم ولو في الصين) وافاض فيه كعادته ولَّحَنْ. وهذا ربما الذي أعجب الاساتذة الصينيون وهم يعيشون ثورة احياء التراث الصيني في تلك الفترة حسب اوامر وتوجيهات ماوتسي تونغ وربما هو النشاط الفردي الوحيد للراحل الوردي في تلك الزيارة.

[ملاحظة: عام 1958 هو عام قتل الطيور والمجاعة واحياء التراث الصيني وبالذات الطب الصيني وإطلاق خطة التصنيع].

هذه بعض كتابات عُشاق الوردي والتي ظهرت بعد رحيل الوردي.

 

عبد الرضا حمد جاسم

...................

الى اللقاء في الجزء التالي

 

عدنان عويدتستوقفني هنا مقولة للمفكر الانكليزي "فرانسيس بيكون"  1561 – 1626. يقول فيها: (المعرفة ثورة جبارة، لكنها لا تصبح ثورةً فعليَّةً، إلا إذا كانت يقينيّة تستند إلى معرفة أسباب الحقيقة الكامنة وراء الظواهر).(1). أي معرفة علميّة ومجال نشاطها هنا بالضرورة الظواهر بشقيها الطبيعيّ منها والاجتماعيّ.

إن مهمة المعرفة العلميّة في صيغتها الثوريّة هذه، هي بسط سيطرة الإنسان على الطبيعة أولاً، وخلق حالة من التوازن بين مكونات المجتمع الإثنيّة والدينيّة والطبقيّة ثانيا، وبالتالي جعل حياة الإنسان في مضمار هذه المكونات أكثر رقيّاً وجمالاً من الناحية الجماليّة أيضاً. وهذا التوجه المعرفي الثوري إذن، لا يهدف في حقيقة أمره إلى تحقيق المنفعة العمليّة المباشرة فحسب، بل والمنفعة ّالقيميّة والروحيّة أيضاً.

إن أهداف المعرفة إذن. هي جني ثمارها عند توظيفها في نشاط حياة الإنسان الماديّة والروحيّة بغية تحقيق سعادة الإنسان وأمنه واستقراره. بيد أن هذه المعرفة لا يمكن أن تحقق أهدافها هذه دون تحقيق الشق المنهجي فيها. وهو معرفة أسس آليّة عمل هذه المعرفة، أي معرفة القوانين التي تتحكم بسيرورة وصيرورة عمل الظواهر الطبيعيّة والاجتماعيّة وسمات هذه الظواهر وخصائصها.

وبناءً على هذه الأسس المنطقيّة الواقعيّة للمعرفة، تأتي مسألة إقصاء كل معرفة تَحُولُ دون تحقيق المعرفة العقلانيّة النقديّة، وفي مقدمتها نقد المعرفة اللاهوتيّة الوثوقيّة والميتافيزيقيّة، والشك في كل ما هو مطلق  وحائز على الحقيقة كلها. والشك هنا في طبيعة الحال ليس شكاً ريبياً يُنكر الوصول إلى الحقيقة، بل هو شك مشبع بإمكانية الوصول إلى الحقيقة في نسبيتها.

إن من أخطر نتائج المعرفة غير الثوريّة، هو اعتمادها على الاستنتاج المنطقي فقط في تقديم البراهين، فاستنتاجات أرسطو المعرفيّة المنطقيّة الصوريّة القائمة على القياس الصوري  لم تحقق معرفة عقلانيّة نقديّة تغوص في عالم جوهر الظواهر والبحث عن آليّة عمل سيرورتها وصيرورتها التاريخيتين، بل ظلت معرفة شكليّة (كل إنسان فان، سقراط إنسان، سقراط فان إذن). هذا القياس الشكلي الصوري لم يقاوم أسس المعرفة العلميّة الجدليّة التي تربط ما بين شكل الظاهرة وجوهرها. لذلك من هنا يأتي الشرط الأول لتحقيق ثوريّة المعرفة، وهو استخدام التجريب والتفكيك والتركيب والاستنتاج والاستقراء، وأخيراً البرهان على حقيقة الظواهر موضوع البحث.

إن تحقيق ثوريّة المعرفة يتطلب منا أيضا تحرير المعرفة ذاتها من الأوهام، وفي مقدمته صنميّة (العقل الجمعي) وسلطويته، وبالتالي التخلص حتى تاريخه من أوهامه المعرفية التي امتدت لعصور طويلة وشكلت في حضور سياقها التاريخي ما نستطيع تسميته بوعي "مجتمع القطيع"، وهو وعي تتحكم به مختلف النزعات والعواطف والمصالح الأنانيّة الضيقة.

نعم إن المعرفة العقلانيّة النقديّة أو الثوريّة، ترفض في نهاية المطاف تلك الأفكار "العنكبوتية" التي تنسج من خيال الكاتب أو المفكر، على أنها حقائق، بينما المعرفة الحقيقيّة تتطلب جمع أكبر قدر ممكن من الوقائع والأدلة. (2) . فالباحث هنا يشبه في عمله كما يقول "بيكون" عمل (النملة) التي تحمل كل ما تستطيع حمله مما يصادفها في طريقها إلى خليتها. (3).

إن المعرفة العقلانيّة النقديّة الثوريّة، هي في المحصلة معرفة تقوم على منهج عقلاني نقدي علمي، يعالج الظواهر نظرياًّ بعد أن قدمتها الحواس والتجربة والعقل في تحليله وتركيبه، وهنا تشبه عمليّة الحصول على المعرفة كما يقول "بيكون" نفسه عملية (النحل) الذي يمتص الرحيق من ورود مختلفة، لكنه لا يبقيه على حاله، بل يحيله إلى عسل. (4).

هذا وتشكل التكنولوجيا في نهاية المطاف، الوسائل الأكثر أهميّة في تحقيق ثوريّة المعرفة، فهي من تزيد قدرات إدراكنا للظواهر المحيطة بنا، وبالتالي اكتمال الفكر الإنسانيّ ذاته.

اما التجربة التي يمارسها الإنسان للتأكد من صحة الظواهر التي يطمح لمعرفتها، أياً كان نوعها، فهي من يدفع أيضا بالعلم والمعرفة إلى الأمام، ثم الاجابة على الأسئلة المطروحة حول الطبيعة والمجتمع معاً. هنا فقط تؤكد المعرفة صفتها الواقعيّة والعقلانيّة، وأول قوانين هذه المعرفة الثوريّة على الإطلاق هي الحركة. وهي حركة لا تقتصر على الميكانيكيّة فحسب، بل هي حركة فيزيائيّة وبيولوجيّة وكيميائيّة وجدليّة، والسكون ذاته هو  شكل من أشكال الحركة. إن الحركة هي روح حياة المادة وتوترها في شكلها وجوهرها الدائم وعذاباتها. إن الحركة هي سر تجلي الظاهرة، فإذا كانت الصورة الهاديّة للظاهرة الماديّة هي ضرب من حركة الجسيمات (الذرات) الأوليّة التي منها تتركب الظاهرة، فالظاهرة في شكلها ومضمونها الاجتماعيّ والجماليّ والأخلاقيّ تحتوي جميع الكيفيات الحسيّة بغناها وتنوعها اللامحدودين.

ملاك القول: إن المهمة المباشرة للمعرفة الثوريّة، تقوم بالبحث عن علل الظواهر، الفاعلة منها والغائية معا. فإذا كانت العلل الفاعلة، هي المحركة للظواهر (الميكانيزم)، والباحثة عن جواهرها وآليّة تشكلها وتمظهرها على الواقع العياني، فإن العلل الغائيّة، تتعلق بالأهداف المرجوة من معرفة الظواهر وإمكانيّة تسخيرها لمصلحة الإنسان.

 

د. عدنان عويّد

.........................

(1) - ( موجز تاريخ الفلسفة – مجموعة من لمؤلفين – إصدار داري التقدم موسكو وذارالفكر – دمشق – 1971 – 239.).

(2) - المصدر نفسه. ص 241.

(3) – المصدر نفسه. ص 241

(4) – المصدر نفسه. ص241

 

احمد عزت سليميتناول جون هاميلتون فى مقالته " كيف تطورت أدمغتنا إلى مساواة الغذاء مع الحب؟ فوفقًا لاستطلاع أجرته مؤسسة NPR ومؤسسة روبرت وود جونسون ومدرسة الصحة العامة بجامعة هارفارد وجد أنه في أكثر من ربع الأسر، يعتبر الطعام وسيلة مهمة لإظهار المودة، وكنموذج أعلنت كارول كاسي في غريت فولز بمونت والتى كانت تدير مطعمًا شهيرا جدا هناك يسمى ماما كاسيز، قائمة الطعام، "الطعام حب"، وانخرط الناس فى المطعم كعائلات وبما فى ذلك من أسر كاملة واعتقد عملاء ماما كاسيز أن المزيد من الطعام يعني المزيد من الحب، ويرى البعض أن جوانب سلوك الإنسان الغذائي في أسلافنا الحيوانية، بما في ذلك قرود المرموسيت والتامارين، هذه القرود تشبه الناس في أن الآباء والأشقاء يساعدون في تربية النسل، وجميع البالغين يبذلون قدراً كبيراً من توفير الغذاء للشباب في الأسرة، كما يقول أدريان جايجي، عالم الأنثروبولوجيا البيولوجية بجامعة كاليفورنيا، سانتا باربرا .

وكما يعتبر الحب هو مجموعة متنوعة من المشاعر الإيجابيَّة والحالات العاطفية والعقلية قوية التأثير، تتراوح هذه المشاعر من أسمى الأخلاق الفاضلة إلى أبسط العادات اليوميَّة الجيدة،والمثال على اختلاف وتنوُّع هذه المشاعر أنَّ حب الأم يختلف عن حب الزوج ويختلف عن حب الطعام، ولكن بشكل عام يشير الحب إلى شعور الانجذاب القوي والتعلُّق العاطف (1) وأحياناً يُعبِّر الحب عن الفضائل الإنسانيَّة التي تتمثَّل بالتعامل الحسن ومشاعر الإيثار والغيريَّة والعمل على سعادة الآخرين وتحقيق الخير العام (2) كما يمكن أن يصف التعامل العاطفي مع بقية البشر أو الحيوانات أو حتى النفس (3)، ويعدّ الحب بأشكاله المختلفة أساس العلاقات الشخصية بين البشر، وبسبب أهميته النفسية يعدُّ واحداً من أكثر الموضوعات شيوعاً في الفنون الإبداعية (4) ويُفترض عادةً أنَّ وظيفة الحب أو غايته الرئيسيَّة الحفاظ على النوع البشري من خلال التعاون معاً ضدَّ الصعاب والمخاطر والمحافظة على استمرار النوع (5)، وحدَّد العدبد من الفلاسفة الإغريق خمسة أنواع من الحب :ـ حب العائلة، حب الصديق، الحب الرومانسي، حب الضيف، حب الإله، فيما ميَّز مؤلِّفون معاصرون أنواعاً أخرى من الحب مثل: ـ الحب دون مقابل، الحب إلى درجة الوله والافتتان، حب الذات، حب التملُّق، ونجد أيضاً في الثقافات الأسيوية أسماء وصفات مختلف للحب كحب الكلّ، حب الإله كوسيلة للخلاص، والعشق وغيرها من المعاني والصفات المستخدمة في دول الشرق وحضاراته المختلفة (6)، ويشير الحبُّ عادةً إلى تجربة أو شعور شخصي تجاه شخص آخر وغالباً ما يرتبط الحب بمفهوم رعاية شخص أو شيء والاهتمام به (7)، بالإضافة للاختلافات بين الثقافات في فهم الحب أو تعريفه تغيَّرت الأفكار حول الحب أيضاً وبشكلٍ كبير مع مرور الزمن فبعض المؤرِّخين يرجعون المفاهيم الحديثة للحب الرومانسي إلى أوروبا خلال وبعد العصور الوسطى على الرغم من وجود مفاهيم الرومانسيَّة في الشعر الكلاسيكي القديم (8).

غالباً ما تقلِّل الأمثال والحكم الفكريَّة الشائعة التي تتحدَّث عن الحب أو تصفه من طبيعته المُعقَّدة والمجرَّدة، ومن أشهرها:ـ "الحب ينتصر" لفيرجيل، "كل ما نحتاجه هو الحب" للقديس توما الأكويني، أو كما وصفه أرسطو: الحب هو إرادة الخير للآخر، (9) ويقول برتراند راسل إنَّ الحب هو قيمة مطلقة وليست نسبيَّة(10)،ومن جهته يصف الفيلسوف غوتفريد لابينز الحب بأنَّه السعادة والرضى الذي نحصل عليه بسعادة شخص آخر(11)،في حين يُعرِّف عالم الأحياء جيريمي غريفيث الحب بأنَّه الإيثار غير المشروط (12) .

وبالنسبة للحب الشخصى فيمكن أن يقال أنَّ الناس يحبون الأشياء والمبادئ والأهداف التي يؤمنون أو يلتزمون بها بشدَّة، ومن هنا يبرز حب المنتمين لهذه المبادئ والأهداف والعاملين في سبيل تحقيقها وهذا مثال عن الإيثار والحب غير الشخصي الناتج عن القناعات الدينيَّة والسياسيَّة والفكرية القوية (13)، ويمكن للبشر أيضاً أن يحبِّوا الأشياء الماديَّة والجمادات والحيوانات وقد يصل الأمر للشغف الجنسي بهذه الأشياء وهو ما يعرف بالبارافيليا في علم النفس (14)، من الأمثلة الشائعة أيضاً أنَّ البشر يحبون الحياة بحد ذاتها .

وكما يكشف الأساس البيولوجى للحب البيولوجي إلى اعتبار الحب أو الجنس حاجة ضرورية للحيوانات مثل الحاجات الأساسية الأخرى كالجوع والعطش (15) ، وتقسم عالمة السلوك البشري هيلين فيشر شعور الحب إلى ثلاث مراحل متداخلة : الشهوة والانجذاب والتعلُّق، الشهوة هي الشعور بالرغبة الجنسية أمَّا الانجذاب فهو تحديد واختيار الشركاء الذين يبدون مناسبين والتعلَّق هو قضاء الوقت والاقتراب من الشريك المختار وما ينتج عن ذلك من مشاعر السلامة والأمان (16)، ويُعتقد أنَّ النواقل العصبية في الجسم تلعب الدور الأساسي في الأنماط السلوكية الثلاثة سابقة الذكر (17) .

إنَّ الشهوة الجنسيَّة هي المُحرِّض العاطفي الاساسي الذي يشجع على التزاوج، وأثناء حدوثها يتمُّ إطلاق العديد من المواد الكيميائيَّة الهامة "هرمونات" مثل التستسترون والأستروجين وعادةً ما تدوم تأثيرات هذه الهرمونات لفترات زمنية قصيرة لا تتجاوز بضعة أسابيع، أشارات العديد من الدراسات الحديثة إلى أنَّ الدماغ البشري ينتج العديد من النواقل العصبية الكيميائية أثناء فترة الحب مثل الدوبامين والنورإبينفرين والسيروتونين، هذه النواقل العصبية تُحفِّز مراكز المتعة في الدماغ بصورة مشابهة لما تفعله بعض العقاقير المُنشِّطة مثل الأمفيتامين، من التاثيرات الجانبية لهذه النواقل العصبية زيادة معدل ضربات القلب وفقدان الشهية للطعام وقلة النوم وقد تستمر هذه المرحلة لعدة سنوات في بعض الحالات (18) .

عموماً تعتبر مرحلتا الشهوة والانجذاب قصيرتان نسبيَّاً ومؤقتتين وهنا تبرز الحاجة إلى مرحلة ثالثة طويلة الأمد تعزِّز العلاقات الدائمة لسنوات أو عقود وهذه المرحلة هي التعلُّق، يعتمد التعلُّق بشكل عام على التزامات مثل الزواج والأطفال أو على الصداقة المبنيَّة على أساس الاهتمامات المشتركة، وقد تمَّ ربط التعلُّق بوجود مستويات أعلى من بعض المواد الكيميائية كالأوكسيتوسين والفازوبريسين بشكل أكبر من العلاقات قصيرة الأمد (19)، في إحدى الدراسات ذكر إنزو إيمانويل وزملاؤه أنَّ عامل النمو العصبي NGF يوجد بمستويات عالية عندما يقع الناس في الحب لأول مرة، ولكنَّه يعود إلى مستوياته الطبيعية السابقة بعد عام واحد تقريباً (20) .

وتؤكد دراسات علم الأعصاب الحديثة وكهرباء الدماغ أن الافتتان يؤثر بقوة في مناطق الدماغ البشري المسئولة عن الغرائز، مما يشير إلى أن "الشعور"، الذي يشار إليه عمومًا باسم الحب (بمعنى الولع أو لهفة الحب الأولى) في ارتباطه الكيميايئ الحيويي، لديه اتصال قوي مع الغرائز البيولوجية .

في بعض الأحيان تدوم الآثار التي تترافق في الغالب مع الحب (الولع، اللهفة، الافتتان) أيضًا على عمليات الغدد الصم العصبية التي تكمن وراء هذه الظاهرة وتشكل أصلها، والتي يجب البحث عنها في النشاط الجنسي، والذي بدوره يخضع بشكل كبير للسيطرة على الغدد الصم العصبية في الدماغ البيني،أخيرًا وليس آخرًا، تلعب المواد الأفيونية الداخلية للفص النخامي دورًا في هذا المجال، فإذا وقع شخص ما في الحب، تسبب العديد من أشباه الكيميائيات (semiochemical ) في الشعور بالابتهاج  ) الدوبامين (والإنفعال والإستثارة (الأدرينالين) ومشاعر السعادة والغبطة العميقة (الإندورفين والكورتيزول) بالإضافة إلى زيادة الرغبة الجنسية (نقص هرمون التستوستيرون في الرجال، زيادة فى النساء) بالمقابل، الأوقات التي لا يكون المرء مع الشخص المحبوب يمكن أن تشعر بأنها مؤلمة للغاية لدرجة اليأس، كذلك تُفرز العطور الجنسية) الفيرومونات) بشكل متزايد، من ناحية أخرى، ينخفض مستوى السيروتونينبشكل حاد، مما يجعل حالة الوقوع في الحب عند هذه النقطة مشابهة للعديد من الاضطرابات النفسية، هذا يساهم في كون العشاق في حالة تشبه حالة كون الإنسان"ليس في كامل قواه العقلية" مؤقتًا ويمكنه القيام بأفعال غير عقلانية ومتهورة، بعد مرور بعض الوقت (بضعة أشهر)، يعتاد الجسم على هذه الجرعات وبالتدريج (وفقًا لمنظمة الصحة العالمية بحد أقصى بعد 24 إلى 36 شهرًا) ينهي الدماغ  حالة الـ "تسمم الحس" هذه.

 

أحمد عزت سليم

عضو إتحاد كتاب مصر

...................

المراجع:

1-      The Handbook of Evolutionary Psychology, edited by David M. Buss, John Wiley & Sons, Inc., 2005. Chapter 14, Commitment, Love, and Mate Retention by Lorne Campbell and Bruce J. Ellis.

2-      "Definition of Love in English"Cambridge Dictionary

3-      "Love - Definition of love by Merriam-Webster".merriam-webster.com.

4-      Fromm, Erich; The Art of Loving, Harper Perennial (1956), Original English Version, (ردمك978-0-06-095828-2)

5-      "Article On Love"

6-      Helen Fisher. Why We Love: the nature and chemistry of romantic love. 2004.

7-      Liddell and Scott  https://archive.org/web/.

8-      Mascaró، Juan (2003). The Bhagavad Gita. Penguin Classics. Penguin. ISBN 978-0-14-044918-1. (J. Mascaró, translator)

9-      Anders Nygren, Agape and Eros.

10-    Kay، Paul؛ Kempton، Willett (March 1984). "What is the Sapir–Whorf Hypothesis?". American Anthropologist. New Series. 86 (1): 65–79.

11-    "Ancient Love Poetry". September 30, 2007.

12-    "St. Thomas Aquinas, STh I-II, 26, 4, corp. art". Newadvent.org. October 2018.

13-    Love . PediaPress.

14-    Leibniz،Gottfried. "Confessio philosophi". Wikisource edition. March 2009.

15-    What is love?. In The Book of Real Answers  Griffith, J. 2011. ( https://archive.org/web/.

16-    Fromm, Erich; The Art of Loving, Harper Perennial (September 2000), Original English Version, (

17-    DiscoveryHealth. "Paraphilia".  December 2007

18-    Lewis، Thomas؛ Amini, F.؛ Lannon, R. (2000). A General Theory of Love. Random House

19-    . Defining the Brain Systems of Lust, Romantic Attraction, and Attachment by Fisher et. al

20-    Winston، Robert (2004). Human.

 

 

صادق السامرائيآلية التفكير الفاعلة في واقعنا تتسم بالتبرير والتسويغ والإسقاط والإنكار، وغيرها من معززات السلوك المرفوض.

فتجدنا فيما نبدعه نكرر الإستسلام للذي يحصل ويدور، ولا نمتلك الهمّة الفكرية والعملية للتحدي والإصرار على الرفض والتغيير.

فالرثاء والبكائيات والندب وجلد الذات من المؤثرات الطاغيات على وجودنا المتعثر بالإنكسارات.

والعجيب أن علماء الإجتماع والمفكرين والفلاسفة إتخذوا ذات السبيل، للتعبير عن رؤاهم وتصوراتهم، فما يأتون به لتعزيز وتسويغ ما هو حاصل، ولا تجد فيما يطرحونه جديدا ومعاصرا ومتصلا بإرادة الحياة الحرة الكريمة.

وهكذا أصبحنا نقرأ أن الكراهية طبع بشري، فلماذا نستاء من جرائمها وأفاعيلها النكراء، ونغفل أنها أفعال مبرمجة وتُحشد لها الأفكار والعواطف، وتؤازرها الأحداث العدوانية المخطط لها بإتقان، لتفجير روح العداء بين أبناء الشعب الواحد، لخدمة مصالح الطامعين به.

وصار الدين مساندا للسوء والبغضاء، وبتخريجات ما أنزل الله بها من سلطان، وبفتاوى تحث على سفك الدماء والعدوان، وتسمي ما تحث عله دينا، فقتل المسلم للمسلم صار من أسباب التقرب إلى الرب، الذي يتعبّد في محراب ضلاله وبهتانه المجرم الأفاك المنوَّم بالأباطيل، والمؤزر بالفتاوى، فلكل آثمة فتوى.

كل ذلك يتم تناسيه والتعامي عنه، وتبرير الفظائع على أنها من لوازم الطبع البشري، ولو كانت الكراهية طبعا بشريا، لما تآلفت وتمازجت وتزاوجت مجتمعات أوربا، التي كانت تطحنها حروبها لعدة قرون.

إن الطباع تتساوى فيها جميع المخلوقات، وغايتها البقاء والمحافظة على النوع، وهي غرائز تساعد على إدامة الحياة وتواصل النوع، ولا توجد طباع تناهض ذلك، والطباع تتطور ويمكن إكتسابها، فالظروف المحيطية تساهم في ترسيخ طباع تتواءم معها، والنفس البشرية تأخذ شكل الوعاء الذي تكون فيه، فإن كانت في وعاء محبة وأخوة فأنها ستبدو كذلك، وإن وُضِعت في وعاء كراهية وأحقاد فستعكس ذلك أيضا.

إن الطباع لها دورها في ردودد الأفعال البشرية، لكنها ليست العامل الأساسي ، وإنما العوامل البيئية والمحيطية لها دورها الأكبر وفعلها القائد.

فهل لنا أن نهذب طباعنا، ونحارب عوامل إفسادها وتلويثها بالخطايا والمآثم؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

حمزة بلحاج صالحأقوم الان بالحفر العميق والمتأني في بيئة ابن تيمية ونشأته ودراسته ومساره العلمي وتاليفه وكتبه وسلمه وحربه وسجنه وحريته...

بين يدي نحو خمس مراجع تاركا المصادر الأساسية التي تتعلق بتاليفه لاحقا أو خلال مسار البحث اللاحق منها ما هو أمامي ومنها ما أعود اليه ...

أقرأ كتاب محمد أبو زهرة حول ابن تيمية وهو كتاب مختصر دقيق وثمين وشيق ...

وقفت على معلومات هامة لفتت انتباهي ...

عائلة تقي الدين ابن تيمية كانت عائلة علم ديني تعرف بعائلة ابن تيمية وولد في661 هجري بحران مهد الفلسفة وو الصابئة من قديم ....

لما هاجم التتار المدينة حران وهو في السابعة من عمره تركت عائلته حران فارة حاملة ما استطاعت من تاليف وكتب العلم لابيه وعائلته وجميعهم علماء...

شاهد ابن تيمية اعتداء التتار وظلمهم المسلط على عائلته في حران وخلال الإنتقال والفرار إلى دمشق ومشقة الرحيل...رسخت تلك في ذاكرته...

بقي يكافح قتالا التتار في دمشق كلما وجدهم حيث يعتبرهم بغاة رغم اعتناقهم الاسلام ...

و هي شدة وحدة نادرة وغريبة خاصة وأن القوم اعتنقوا الإسلام وأصبحوا طائفة من طوائفه...

لا يعرف في التاريخ لوالد وأم ابن تيمية تاريخا ولا لعائلته أنهم ينتسبون لقبائل العرب ولعله كما يقول محمد ابو زهرة كردي الاصل...

ترى هل ابحث في التراث بحث من يمكثون به ويلتصقون على مساحاته غير مميزين بين المظلم منه والمنير وما يجب ان يستخلص ويحين وما يجب ان يهمل ...

كلا ..كلا ...

إنني أجمع مؤشرات هامة تتعلق بنسبه بكرهه للتار رغم اعتناقهم الإسلام وقتاله لهم وبحدته وشدته وبعائلته التي كانت صاحبة تاليف وكتب تنسب الى جده وهو صاحب كتب في الفقه الحنبلي ومن أئمته وله كتاب موسوم " المنتقى في الأحكام " ( وهذا مهم جدا) ..

كما أن والد ابن تيمية شهاب الدين كان له كرسي للدراسة والتعليم والوعظ والارشاد بجامع دمشق الاعظم وتولى مشيخة دار الحديث السكرية وبها كان سكنه وتربى ولده تقي الدين ...

و عمه فخر الدين كان خطيبا وعالما ومفسرا له تفسيرللقران وقد تخرج على ابن الجوزي وخلفه في التدريس...الخ

الخلاصة

أولا / نزعته الحادة التكفيرية القتالية للمسلمين

إذا كان ابن تيمية صاحب حدة وشدة بلغت حد استباحة دم التتار وقتالهم (وهذا مؤشر سأتوسع فيه واعمق فيه البحث لتبقى هذه الملاحظات فقط مثالا عابرا عرضته عليكم) ...

إذا كان ذلك قد صح فهذا يعني أن نزعة ابن تيمية التكفيرية ومقاتلة المسلمين لبغيهم هي نزعة اصيلة وتبرر فتاواه وما جاء في كتبه تبعا لذلك السياق طبعا ...

حيث لا يمكن احالتها الى دس في كتبه خلال الطبع ربما بما عرف عن النساخ واهل الطباعة من تحريف وتدليس ودس لحاجات في نفس يعقوب منها دس الغريب العجيب لبيع كتبهم...

لكنني سأبقي على احتمال الدس وتزوير الوقائع التاريخية التي سردتها وسأبحث فيما أورده الشيخ ابو زهرة من حادثة مقاتلة التتار لأقف على الرواية ومختلف رواتها والإطار الذي جاءت فيه وطبيعة تلك البيئة وما عرفت به من صراعات سياسية وأيديولوجية لها أيضا نصيبها إن ثبت وجودها وتأثيرها...

ثانيا / قيام امكانيات اختلاط كتبه بكتب عائلته منهم أبوه وعمه وجده او غيرهم وغموض نسبه...

لم ينسب تقي الدين ابن تيمية ولا أبوه ولا جده ولا عمه ولا عائلته الى قبيلة من القبائل العربية وليس هذا من عادات العرب ...

وتم الاكتفاء بتسمية وذكر عائلته بما عرفت به من لقب هو " عائلة ابن تيمية " ويقال " الحراني " نسبة الى حران موطنه الأم...

و هنا تساؤل هام لم عرف تقي الدين بالحراني ..أليس كافيا لقب العائلة التي عرفت بابن تيمية ..هل يوجد غيره من الكتاب من غير حران عرف بابن تيمية فخشي الإلتباس فأضيف نسبه الى حران وهو ما لم يحصل مع عائلته وحصل مع تقي الدين كما أظن (ولا زلت ابحث لعل عائلته ايضا عرفت بهذا النسب وعندها يبقى دائما التساؤل ليعمم على العائلة كلها) ثم تواصل النسب لكن بالدمشقي لما انتقل الى دمشق تماما كما عرف ابن كثير بالدمشقي ولعل الامر لا يعدو انه متعلق بالموطن وتعود عليه العرب وطلاب العلم القادمون من مختلف الجهات...

حتى ذهب بعض من تناول تاريخه وسيرته ومنهم محمد أبو زهرة نظرا لنزعته الحادة الشديدة الى رد نسبه الى الاكراد أبا وأما ...

فقد عرف الاكراد بمواقفهم الشديدة والحادة عموما وتخصيصا ضد الصليبيين ودفاعهم عن الاسلام والمسلمين في القرنين السادس والسابع الهجري...

ثالثا / وجوب الاطلاع والدراسة واخضاع النصوص الى فحص نقدي للوثائق المخطوطة والمطبوعة نقدا لغويا تقنيا أسلوبيا موضوعاتيا وبلاغيا ولفظيا وفقهيا لكتابات عائلته وكتاباته هو فكلهم يعرفون بابن تيمية ويعرف الواحد منهم بالحراني أو كلهم (للتحقيق) من أهل التأليف...

رابعا / تفكيك وتحليل مناخ الكتابة والسياق السياسي والصراعات الأيديولوجية والسياسية وبنية السلطة وموقف ابن تيمية منها في كل مراحل التأليف قربا وبعدا نزاعا وو وئاما في علاقة ابن تيمية وعائلته من السلطة الحاكمة...

خامسا / حران كانت مهد الفلسفة والفلاسفة والصابئة والصابئين..

ترى ما مدى تأثير ذلك المناخ ومدى السجال والجدال والاسئلة المطروحة انذاك وموضوعانها وطبيعة السجال الدائر الذي عرف انذاك وحظ عائلة ابن تيمية منه لأن تقي الدين ابن تيمية الطفل كان صغيرا دون السابعة من عمره.. وما مدى تأثر ابن تيمية لاحقا به....

سادسا / كان جده من أئمة الفقه الحنبلي وأبوه عالما شهيرا وهذا مؤشر دال ترى كيف كان عرضه للفقه ومختلف موضوعاته....

وكيف كانت وضعية المذهب الحنبلي يومذاك وعلاقته بالسلطة والخارطة المذهبية الفقهية والسياسية والأيديولوجية في مختلف المراحل بحران ودمشق خاصة ... " (يتبع)

 

حمزة بلحاج صالح

 

 

حاتم حميد محسنالاقتصاد عموما اعتُبر كعلم اجتماعي يدور حول العلاقة بين الفرد والمجتمع، لكن بعض النقاد يجادلون بأن الاقتصاد لا يرقى الى تعريف العلم وذلك لعدة اسباب، من بينها عدم وجود فرضيات قابلة للاختبار، وعدم توفر إجماع.

فهم الاقتصاد

يهتم الاقتصاد بالطريقة التي يعمل بها اقتصاد البلد والكيفية التي يتصرف بها المشاركون فيه. الاقتصاد يدرس الكيفية التي تُنتج بها السلع والخدمات وكيف تُوزّع في عموم الاقتصاد،وتُستهلك من جانب الافراد والاعمال. هو ايضا يهتم بكيفية تخصيص الموارد من جانب الحكومات والشركات لإشباع حاجات المستهلكين.

أحد المسائل الهامة التي يركز عليها الاقتصاد هي دراسة الفاعلية في الانتاج وتبادل السلع كنتيجة للحوافز والسياسات المُصممة لتعظيم الفاعلية.

ينقسم الاقتصاد اساسا الى صنفين، الاول يسمى الاقتصاد الكلي  ويتعلق بالاقتصاد التراكمي. والثاني اقتصاد جزئي يهتم بالمستهلكين من الأفراد والشركات.

الاقتصاد الكلي macroeconomics

ويركز على الكيفية التي يعمل بها نظام السوق والاقتصاد ككل. انه يدرس الظروف المالية والاقتصادية التي تؤثر على جميع القطاعات الاقتصادية . بعض المقاييس التي تُدرس في ظل الاقتصاد الكمي تتضمن التضخم او قياس الارتفاع في اسعار جميع السلع النهائية المنتجة في البلاد. الاقتصاد الكلي يدرس خصيصا نسبة النمو في اقتصاد البلد وكيف يمكن ان يؤثر ذلك النمو على الاستخدام او البطالة، وعلى متوسط مستوى المعيشة، بالاضافة الى الجدوى المالية للشركات او الصناعات. الاقتصاد الكمي يطور نماذج لتحليل الكيفية التي تؤثر بها مختلف القطاعات الاقتصادية على بعضها البعض، وكيف تؤثر سياسة الحكومة على الاقتصاد. السياسات النقدية والمالية تُدرس وتوضع لها النماذج لتقرير مدى تأثيرها على معيشة الناس المقيمين ضمن الاقتصاد.

الاقتصاد الجزئي microeconomics

يدرس الاقتصاد الجزئي تأثير السلوك الانساني والافعال بالاضافة الى الكيفية التي تؤثر بها قرارات الافراد على توزيع الموارد في الاقتصاد. الاقتصاد الجزئي يركز على طريقة عمل اختيارات الافراد وخاصة عندما تتغير عوامل معينة، مثل ارتفاع الاسعار. نماذج الاقتصاد الجزئي تتضمن تحليلات العرض والطلب لتقرر كمية الموارد في الاقتصاد وكيف يؤثر ذلك العرض والطلب على انماط الشراء لدى المستهلك بالاضافة الى اسعار تلك السلع. الاقتصاد الجزئي يركز ايضا،جزئيا، على كيفية تحقيق المنفعة لدى المستهلكين،والتي هي أعظم كمية من السعادة المشتقة من إستهلاك السلع والخدمات.

كل من الاقتصادين الجزئي والكلي يُعتبران من العلوم الاجتماعية. العلوم الاجتماعية تعمل على توضيح الكيفية التي يعمل بها المجتمع وهي مظلة تدمج ضمنها عدة حقول من الدراسة بما فيها الاقتصاد.

العلوم الاجتماعية

وتتضمن حقولا مثل علم الاجتماع والانثربولوجي والاركولوجي، لكنها تختلف عن العلوم الطبيعية كالفيزياء والكيمياء. العلوم الاجتماعية تدور حول العلاقات بين الافراد والمجتمعات، بالاضافة الى تطور عمليات المجتمعات. وعلى عكس معظم العلوم الطبيعية، تعتمد العلوم الاجتماعية بكثافة على التفسيرات ومنهجيات البحث النوعي. غير ان العلوم الاجتماعية تستعمل ايضا عددا من الادوات الكمية المستعملة في العلوم الطبيعية لرسم وفهم الميول. فمثلا، الاقتصاديون يستعملون الاحصاء والرياضيات لإختبار فرضيات والتنبؤ بالميول، وهي العملية التي تعرف بـ الايكونوميترك او الاقتصاد القياسي. كذلك،العديد من العلوم الاجتماعية تستعمل الاستبيانات ومناهج بحث صارمة لتقرير الميول وتوضيح ممارسات المستقبل.

من بين العلوم الاجتماعية، كان الاقتصاد رائداً في تبنّيه المبكر والواسع للرياضيات في تطوره النظري وفي الطرق الاحصائية وتطبيقات الحاسوب الكمي في اتجاهه التجريبي في مجال البحوث التطبيقية. ان زيادة الاعتماد على النماذج الرياضية في دراسة الاقتصاد بدأ مع الاقتصاد الكلاسيكي الجديد في أواخر القرن التاسع عشر وبقي عنصرا اساسيا للاقتصاد النظري والتطبيقي.

عدم التأكد في الاقتصاد

احدى الحجج الاساسية ضد تصنيف الاقتصاد كعلم هي فقدان الفرضيات القابلة للاختبار. من أهم التحديات في حقل الاقتصاد هي ان الاقتصاديين لايستطيعون القيام بتجارب يمكن السيطرة عليها في المختبر. في الكيمياء،مثلا، الكيميائيون لديهم القدرة لإختبار الفرضيات وتقييم النتائج. الاقتصاديون غالبا ما يحللون البيانات التاريخية اما على اساس قومي او وفق المناطق الجغرافية. عدم المقدرة على اختبار الفرضيات في بيئة تحت السيطرة ومنع التأثيرات الخارجية التي قد تؤثر على النتائج قاد البعض للاعتقاد ان الاقتصاد لا يجب اعتباره علما. غير ان نفس هذا الانتقاد ينطبق على كل العلوم الاجتماعية، وحتى فروع العلوم الطبيعية مثل الفيزياء فيها نظريات لم يتم التثبت منها بعد، لكن المجتمع مع ذلك،يقبل فرع الفيزياء كعلم.

كذلك،تكرار ظهور العوامل غير القابلة للقياس في الاقتصاد يسمح للنظريات المنافسة والمتناقضة احيانا لتتواجد مع بعضها جنبا الى جنب بدون ان يثبت احداها عدم صلاحية الآخرى.

واذا كان الاقتصاد يستعمل باستمرار طرقا علمية ورياضية لتعقّب الميول والتنبؤ بها ،فان النماذج المتنافسة والنظريات والنتائج عادة تمنع الاقتصاد من الوصول الى إجماع راسخ مثلما يحصل في العديد من العلوم الطبيعية. غير ان هذه التباينات والصراعات هي متأصلة في أي علم اجتماعي – كل منها يتطلب عنصرا من التفسير نادرا ما يوجد في العلوم الطبيعية. ان حقل الاقتصاد يحتوي على عناصر كمية ونوعية شائعة في كل العلوم الاجتماعية، وطالما توجد العلوم الاجتماعية كصنف من العلوم، فان الاقتصاد يتناسب مع هذا الصنف.

 

حاتم حميد محسن

 

 

"والفجر. وليالٍ عشر".. الفجر

ان الله جل وعلا وضع بين ايدينا الدلائل والبراهين على شكل ايات مرتبة حفظها القران الكريم لتكون الحجة والبرهان على خلق الله.

واذا تاملنا سورة الفجر المباركة واسرارطاقة الفجر العظيمة لوجدنا ان الله جل وعلا قد اقسم بالفجر"وانه لقسم لو تعلمون عظيم" ذلك لان الفجر هو ولادة يوم جديد وبه ترتبط الاحكام الشرعية للصلاة والصوم فاول صلاة هي صلاة الفجر وفيه يمسك الصائم عن الاكل.

والحقيقة ان ضعف الادراك الحسي بين الانسان وقوى الطبيعة يؤدي الى كم هائل من المشاكل الحياتية نتيجة الافتقار لذلك الادراك الذي يتناغم مع ايقاع الحياة، واذا ماوصل الانسان الى نقطة القناعة بان كل شئ يقوم على حساب دقيق عندها يكون قد ادرك حقيقته المرتبطة بالكون، فكل عجلة تحرك الاخرى كعجلات الساعة التي اذا ما تلكأت احداها فانها تؤدي الى اختلال جميع العجلات وتوقفها، فحياة الانسان هي نتاج ايقاعات معينة بين الانسان والكون، وعليه فالانسان ليس وجودا منفردا، وكل مايعانيه الان هو نتيجة فقدانه الوعي بالموجودات الكونية، فمثلا استبدال الليل بالنهار عند بعض الناس لسبب او لاخر قد سبب اضطرابا بفطرة الانسان التي انفطر عليها، وهذاالخلل سيؤدي الى اختلالات وعلل اخرى.

وفي علم الطاقة فان اضافة او جمع طاقة مع اخرى لايساوي طاقتين بل عشر طاقات او اكثر وهذه الطاقات بمجموعها تولد طاقة عظيمة اذا مااستثمر ريعها بصورة صحيحة ونحن نتحدث عن الطاقة الايجابية طبعا وذلك يتجسد بصلاة الجماعة فهل تسائلنا يوما لماذا نصلي جماعة؟ و الجامع من الجماعة فهو اذن جامع للطاقة الايجابية متجسدا بالخير الذي ينتج عن الطاقة الهائلة للمصلين فتوحد مسارات الطاقة باتجاه واحد ينتج عنه طاقة هائلة يكون ريعها استجابة الدعاء اذا اخذنا بالحسبان ان الطاقة تسير بخطوط مستقيمة وباتجاه واحد وان اي تشويش او خلل بالاداء يؤدي الى انكسارها وتراجعها وهذا مايفسر عند البعض عدم استجابة الدعاء.

هناك طاقة عظيمة تنزل من السماء وتهبط الى الارض بعد اذان الفجر وتدخل من خلال نقرة الانسان، وهي المكان المقعر كالمرآة المقعرة والتي تستقطب وتركز الضوء والنور وتجمعها وهذه النقرة موجودة عند التقاء الرأس مع العنق خلفا وتعتبر هذه النقرة هي مصدر استقبال الطاقة الداخلة من الكون الى جسم الانسان"وتحسب انك جرم صغير وفيك انطوى العالم الاكبر"سبحان الله فهذا المسار الطاقي الذي يعتبر كالحبل السري الذي يمد الانسان بالطاقة يكون على أوجّهُ عند الفجر فعندما يكون الانسان صاحٍ فانه يستمتع بدخول هذه الطاقة التي تنعش روحه وجسده بنبضات ايجابية تجدد فيه الحياة وتنشط خلاياه وتبعث فيه الروح المتجددة المحبة للخير والعمل الصالح، بينما اذاكان الانسان نائما فهو يحرم من هذه الطاقة لان الانسان النائم لانفس له قال تعالى"الله يتوفى الانفس حين موتها" وعليه فانه يحرم من هذه النعمة ولذلك فان صلاة الفجر لها اسرار عظيمة تتجسد بالطاقات الهائلة التي تمد الانسان "ان قران الفجر كان مشهودا"وان الله انعم على عباده بهذه النعمة لتكون بداية يوم جديد ملئ بالحيوية والبركة، واذا تأملنا حياة اباؤنا واجدادنا للمسنا ذلك جليا فقد كان الانسان يحرص ايما حرص على النهوض عند الفجرلاداء الصلاة، وقد كان ينام على سطح الدار صيفا فيكون بتماس مباشر مع الاجرام السماوية التي تعج بالطاقة الكونية والتي سخرها الله لخدمته، فلاتستبعد ايها القارئ الكريم ان يكون هناك نجم لكل واحد منا مسؤول عن امداده بالطاقة، و من اروع انواع الطاقة هي طاقة الفجر، هذه الطاقة النورانية التي امرنا الله ان نحافظ عليها ونستثمرها متجسدة بصلاة الفجر وقد خصها جل وعلا في سورة كاملة"سورة الفجر"ثم ورد ذكر الفجر في اجمل واقوى سور القران الاوهي سورة القدر"سلام هي حتى مطلع الفجر" فهل تأملت ايها القارئ الكريم حجم السلام الذي يسود تلك الليلة المباركة والذي يسبق الفجر؟

وفي آية اخرى يقول جل وعلا"والصبح إذا تنفس" وقد ثبت ذلك علميا بان التنفس هو مصدر انتاج وتحريرالطاقة عند الانسان، وقد اثبت العلماء من خلال ابحاثهم ان احتراق جزئ من الاوكسجين (الذي يدخل الى جسم الانسان عن طريق التنفس) ينتج ستة وثلاثين جزيئا من جزيئات الطاقة، وهذه اشارة عظيمة على تنفس الصبح والطاقة التي تتولد في الفجر، ولذلك دعانا الله لصلاة الفجر لما فيها من طاقة وروحانية عالية يستفتح بها الانسان يومه وقد سماها الله قرانا (وقران الفجر ان قران الفجر كان مشهودا).

فصلاة الفجر لها منزلة عالية ابتداءا من النهوض والاستعداد والوضوء والسعي لادائها والبركة التي تنزل من خلالها والتي تتسم بالرزق المادي والمعنوي قال رسولنا الكريم"اللهم بارك لامتي في بكورها".

 

واذا تاملنا سورة الفلق والتي تعتبر من سور الطاقة باعتبار ان الله هو اعلى طاقة بالكون ومنه تستمد جميع المخلوقات طاقتها فنحن نستعيذ بالله وهو رب الفلق وهو الطاقة العظيمة"قل اعوذ برب الفلق" فالله تعالى يدعونا للاستعانة بطاقته من شر الطاقات الاخرى وهي طاقات هدامة مدمرة للانسان.

فهل فكرت وتدبرت ايها الانسان كيف يفلق الله الصبح وماالذي ينتج عن ذلك الفلق العظيم، من توزيع للارزاق وتقسيم للنعم على اسس محددة اقرها الله لعباده، منها الرزق المادي والمعنوي والرضا والقناعة مما يجعل الانسان يحيا حياة هانئة، وقد جاء في الحديث الشريف "اللهم فالق الاصباح وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا، إقض عني الدين واغنني من الفقر وامتعني بسمعي وبصري وقوتي في سبيلك"، فهل تأملت ايها القارئ الكريم ان الغنى قد اقترن بالفلق وماينتج عنه من السعي للرزق، وقد جاء الغنى هنا بكل وجوهه التي تشمل الرزق والصحة وقضاء الدين وكل تلك الوجوه اقترنت بطاقة الفلق والتي تتمثل بطاقة الفجر"سبحان الله".

ومن الناحية العلمية فقد اثبت العلماء وخلال عشرات التجارب ان القمح يتبرعم وينبت في وقت ثابت ومعلوم وهو نهاية الفجر وبداية فلق الصبح، فهل لفلق القمح علاقة بفلق الصبح؟ قال تعالى" ان الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون".

ان لصلاة الفجر ايقاعا في الروح والجسد فاستيقاظ الانسان باكرا يجعل امكانياته الذهنية والعضلية والنفسية في اعلى مستوياتها، فلاتحرم نفسك هذه النعمة الربانية التي يقدمها الله اليك على طبق من ذهب، وبما ان جسم الانسان يمتلك ساعة بيولوجية وهي عبارة عن مجموعة من الخلايا العصبية (حوالي عشرون الف خلية) مركزة في منطقة الدماغ وهي مسؤولة عن برمجة كافة وظائف الجسم، ومن نعم الله مخالفته بين اية الليل واية النهاروقد قدر ذلك بحساب دقيق فجعل النهار مبصرا ابتغاءا للرزق وجعل الليل مظلما لكي يهدا الانسان وتسكن جوارحه ويخلد الى النوم استعدادا لليوم التالي وقد سخّر الارض لهذه المهمة فهل تعلم ايها الانسان كم اكرمك الله وكم سخر لك الكون بمارحب قال تعالى"وجعلنا آية الليل والنهارآيتين فمحونا، آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرةً لتبتغوا فضلًا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شئٍ فصلناه تفصيلاً".

ومن هنا نستنتج ان النمط الصحيح للحياة هو الذي يتماشى مع آياته وان اي خلل او اضطراب يؤدي الى اضطراب بالنظام الحياتي للانسان الذي حسبه الله له حسابا دقيقا لينعم بحياة سليمة خالية من الامراض العضوية والنفسية والاجتماعية فهل شكرت الله على نعمائه التي لاتعد ولاتحصى وهل شعرت بالامتنان لهذه النعم قال تعالى"وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها".

 

مريم لطفي

 

 

حسن الحضريمن أهم مقوِّمات البحث العلمي الصحيح: دقَّة المعلومة، وصحَّتها، وتوثيقها؛ لأن ذلك يساعد الباحث على الاستقراء الناجح، الذي يَنتُج عنه استنباطٌ صحيحٌ، يؤدي إلى التعامل البنَّاء مع موضوع البحث، فيخرج الباحث في النهاية بعمل جيد يمكن الإفادة منه في بناء نظريات صحيحة تنطلق بالمنظومة العلمية خطواتٍ في طريق التَّقدُّم.

وقد أفادت وسائل التقنية الحديثة، ابتداء من عصر الطباعة، في توافر المصادر والمراجع العلمية، التي من شأنها تيسير عملية البحث العلمي، وجعْلها أكثر إحاطة بعناصر موضوع البحث، لكن في الوقت نفسه ساعدت هذه الوسائل على ظهور جماعات من المخرِّبين، اندفعوا إلى العمل في مجال البحث العلمي والتحقيق دون أن تتوافر لديهم أدوات ذلك العمل، التي في مقدمتها سعة الاطلاع، والقدرة على الفهم والتحليل والاستنباط، فاكتظَّت المكتبات بمصنَّفات لا قيمة لها، ولا طائل من ورائها إلا التدليس والتزييف.

وفي عصر العولمة والانفتاح المعرفي الذي يعيشه العالم منذ سنوات؛ أتيحث وسائل علميَّة ومعرفيَّة لم تكن متاحة من قبل، كان من شأنها لو تمَّ التعامل معها بطريقة صحيحة، أن تؤثر بطريقة إيجابية ملموسة، على عملية البحث العلمي في شتى المجالات؛ حيث أصبح من السهل جدًّا تحليل المعلومة، واستقراء الشواهد والقرائن التي تساعد في إصدار حكمٍ صحيحٍ بشأنها، لكن نجد أن بعض الباحثين يطرحون كل ذلك جانبًا، ويتعاملون مع المعلومة بما يوافق أهواءهم، فلا نجد شيئًا جديدًا لديهم سوى المزيد من المغالطات، والنُّقول المرتبكة، والتوثيق العشوائي الذي يتَّكئون عليه بعد شيء غير قليل من التحريف الذي يدلِّسون به معلوماتهم بقصدٍ أو بغير قصد، والأدهى من ذلك أن بعضهم يخوضون في موضوعات لا عِلم لهم بها، ولا يعرفون شيئًا عن ماهيَّتها أو منهجيَّتها التي تمكِّنهم من سَبْرِ أغوارها، فيخرجون في النهاية بمُنتجات عبثيَّة تستنزف وقت وجهد المختصِّين في نقدها وكشفِ عوارها.

وبذلك أصبحت عملية البحث العلمي الآن تواجه تحدِّيات أشدَّ خطرًا منها في عصر ما قبل التكنولوجيا؛ حيث يقوم بعض المخرِّبين بممارسة هوايتهم التي تتمثل في الدفع بكميات ضخمة من المعلومات المغلوطة، التي تتضمَّنها بحوث علمية ضعيفة أو تحقيقات سيئة لكتب التراث، أو مبالغات في تقريظ كتب رديئة، ومبالغات أخرى في الحطِّ من شأن كتب جيدة، أو مؤلفات نقدية قائمة على تنظيراتٍ هدَّامة، وذلك كله في إطار عاملٍ رئيسٍ هو الجهل، وهدف وحيدٍ هو التضليل؛ ولا يمكن القول بأن هذا (العبث البحثي) لم يكن موجودًا قبل عصر التكنولوجيا؛ لكن يمكن التأكيد على شيوعه في العصر الحاضر بحيث يُعَدُّ ظاهرة يجب التصدي لها؛ فذلك (العبث) كان في العصور السابقة محدود الانتشار والأثر، بخلاف عصرنا الحالي الذي توافرت فيه عوامل الذُّيوع والانتشار.

فهذا العصر الذي أتيحث فيه وسائل التمحيص والتدقيق؛ اختلطت فيه بعض الأمور لدى العامَّة، وظهرت كيانات من العابثين، أقحموا أنفسهم في مجالات شتى، بعضها يفوق قدراتهم وقدرات المؤسسات التي يعملون لحسابها، ومِن بين تلك المجالات التي أصبحت فريسة لتطفُّلهم مجال البحث العلمي وتقنية المعلومات؛ حيث أصبح يخوض في هذا المجال بعض من لا معرفة لهم بطبيعته أو أدواته أو طرقه المنهجية أو نحو ذلك من أسس وقواعد البحث العلمي.

وبعض الباحثين يتلقَّفون «قُشور الكلام»، أو ينساقون خلف لفظ مصحَّف أو معنى محرَّف، ثم يحاولون تأصيله باعتباره صحيحًا، ويؤسِّسون عليه نظريات أو مصطلحات واهية، وينسبونها زورًا إلى غير قائليها، دون تدقيقٍ للنظر أو إِعمالٍ للفكر، ولا يعنيهم سوى نظرة سطحية لمعلومةٍ هنا أو هناك، يتشبَّثون بها في دعم أبحاثهم الضعيفة، دون اهتمام بمدار الكلام أو دلالة اللفظ أو سياق التعبير، فنَتَج عن ذلك كمٌّ من المؤلفات التي تدور في حلقات مفرغة لا تصطدم فيها بمعلومة ذات قيمة، وقد ساعد على انتشار هذه الظاهرة وجود أعداد كثيرة من دور النشر والمؤسسات البحثية التي لا خبرة لها بهذا المجال، إضافة إلى اعتمادها على أناسٍ غير مؤهلين لهذا العمل، الذي يتطلب القدرات العقلية والفكرية، والحسَّ النقدي المرهف القادر على التعامل مع المعلومة وفْق قواعد العلم الذي يندرج تحته موضوع البحث، ولا تكفي كثرة الممارسة لإتقان العمل البحثي؛ لأن العلم هبة من الله تعالى، وقد بيَّن الله ذلك في مواضِع عديدة من القرآن؛ منها قوله تعالى: (الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) [النحل: 27]، وقد وردت هذه الجملة في تسع آيات من القرآن الكريم، كما ورد معناها بألفاظ مختلفة في آيات أخرى؛ والاستعداد العقلي لفهم المسائل العلمية والتعامل معها هو أمرٌ ملازمٌ لصاحبه منذ صِغَره؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: «ما بعثَ اللهُ عزَّ وجلَّ نبيًّا إلا وهو شابٌّ، ولا أُوتِيَ عالمٌ عِلمًا إلا وهو شابٌّ» [أخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط» (6/ 283/ 6421)].

وقد وقعت مؤلفات كثيرة ما بين تراثية ومعاصرة، ضحية لهذا العبث الذي تعيشه المنظومة البحثية على أيدي أولئك الدُّخلاء، الذين تعرَّضوا لهذه المصنَّفات فأفسدوها بجهلهم، كما وُلِدَت على أيديهم مصطلحات ومفاهيم ونظريات لا معنى لها، فأصبح على الباحثين الجادِّين تنقيح المصنَّفات الجيدة وتهذيبها مما لحق بها، إضافة إلى الكشف عن مثالب المصنفات الضعيفة التي يضرُّ وجودها بالمنظومة العلمية.

ولن يكون الأمر صعبًا إذا تمَّ التعامل مع المعلومة بطريقة منهجية شمولية صحيحة، بحسب القواعد العامة للعمل البحثي، والقواعد الخاصة بكلِّ علمٍ، مع مراعاة الالتزام بالحيادية والموضوعية، وتقديم القواعد على الرأي، وترك التقليد في الأمور التي يتسع فيها المجال للاجتهاد وفق آليَّاته الصحيحة.

 

حسن الحضري

عضو اتحاد كتاب مصر

 

علي رسول الربيعيتتمثل إحدى الطرق الجيدة لفهم النزاع حول الاتحاد الكندي هي إلقاء نظرة على الميثاق الكندي للحقوق لعام 1982 الذي تبلورت حوله المواقف المختلفة للكبيكيين والكنديين الإنجليز. ينص الميثاق الكندي، من الناحية القانونية، على عدد من الحقوق الفردية بطريقة مشابهة لدستور الولايات المتحدة. توفر هذه الحقوق الحماية للأفراد من تعدي الحكومة (وغيرها من المنظمات) وينص على إجراء مراجعة قضائية للتشريعات على جميع مستويات الحكومة. تكمن مشكلة الكيبيكين (والشعوب الأصلية عموما) في تعارض هذه الحقوق الفردية أحيانًا مع التدابير التي تعتبر ضرورية لبقائهم كمجموعة ثقافية مستقلة أو متميزة. على سبيل المثال، أصدرت كيبيك العديد من القوانين بهدف السعي لضمان الحفاظ على اللغة الفرنسية التي تعتبر ضرورية للثقافة المميزة للكيبيكين الفرنسيين. وتشمل هذه القيود على من يمكن تعليمه في مدارس اللغة الإنجليزية؛ شرط أن تستخدم الشركات ذات الحجم المعين الفرنسية؛ وحظر اللافتات التجارية بأي لغة غير الفرنسية. هذه القيود لها ما يبررها من حيث الصالح الجماعي لبقاء اللغة الفرنسية. لكن تتعارض جميعها مع ميثاق 1982.

أدت المحاولة المشتركة لاستيعاب مطالب اهل الكيبك إلى صياغة اتفاق  يعترف بكيبك كـ "مجتمع مستقل" داخل كندا. كان من شأن ذلك أن يسمح بتفسير الميثاق في كيبيك بشكل مختلف عن باقي أجزاء الدولة. لكن هذا كان غير مقبول من قبل الكنديين الأنجليز، لأنه قوض مبرر وجود الميثاق بأكمله الذي كان يضمن حقوقًا متساوية لجميع الكنديين. يتعاطف تايلور مع الكيبكيين  وتطلعهم لحماية اللغة الفرنسية. ويتفق مع المدافعين عن الميثاق على أنه من المهم حماية الحقوق الأساسية، لكنه يؤكد أيضًا أن شيئًا ما قد حدث خطأً "في الحديث عن الحقوق الأساسية لأشياء مثل اللافتات التجارية باللغة التي يختارها المرء".[1] إن المفهوم الواسع للحقوق الفردية التي تعتبر دائمًا لها الأسبقية على الأهداف الجماعية سوف يستبعد بالضرورة حل المشكلة الكندية.

إن محاولة جعل الليبرالية الإجرائية أساس الوحدة الكندية غير شرعية ومحكوم عليها بالفشل من وجهة نظر تايلور. لأنه يمثل فرض نموذج مجتمع ما على مجتمع آخر، فلا يمكن أن ينجح هذا للديمقراطية الكندية في ظروف اواخر القرن العشرين.[2] لذلك، يجب إيجاد أساس آخر للتوفيق بين المجتمعين. يعتقد تايلور أن بقاء الاتحاد الكندي يعتمد على الاعتراف بالتنوع العميق في جوهره ؛ تنوع يتجاوز تنوع المستوى الأول للاختلافات الفردية.

إن طريقة أن تكون كنديًا بالنسبة إلى اهل الكيبيك، ولمعظم الكنديين الفرنسيين، (وبالنسبة لأولئك الذين ما زالوا يريدون أن يكونوا) هي من خلال انتمائهم إلى عنصر مكون في كندا، أو لأمة كيبيكين، أو كندي فرنسي. هناك شيء مشابه ينطبق على مجتمعات السكان الأصليين في هذا البلد؛ طريقتهم في أن تكون كنديًا لا يتم استيعابها من خلال الغوص من المستوى الأول .... لبناء بلد للجميع، سيتعين على كندا أن تسمح بالتباعد من المستوى الثاني أو `` العميق ''، حيث سيكون تعدد طرق الانتماء أيضًا أقرت وقبلت.[3]

يجب أن تكون هوية كندا فسيفساء، تجمع بين التنوع العميق - الاعتراف القانوني بالاختلافات الثقافية - مع الشعور بالانتماء إلى المجتمع نفسه. ما لم يحدث ذلك، فإن صنع القرار الديمقراطي الحقيقي أمر مستحيل لأن جزءًا واحدًا من البلاد سيستمر في الشعور بأنه مستبعد مما يربط الباقي معًا. ومع ذلك، فإن هذه الرؤية الخاصة بالاتحاد الكندي كمجتمع يعترف بالتنوع العميق في قلبه والذي يتم فيه التعرف على كيبيك على أنها `` مجتمع مستقل ''، حتى على المستوى النظري، أكثر إشكالية مما يجيزه تايلور او تعالجه طروحاته . السؤال الذي يصبح ملحاً هو: ما الذي يبقى كأساس محتمل لأي وحدة كندية؟ لقد أكد تيلور على ضرورة أن يرى الأفراد أنفسهم كأعضاء في شعب إذا كان للقرارات الديمقراطية أن تكون ملزمة. كما رفض الليبرالية الإجرائية كأساس مناسب لهذه الوحدة.

يقر تايلور بأن هذا "سؤال وثيق الصلة بالموضوع".[4] ومع ذلك، فإن محاولته للإجابة عليه غير مرضية. يستحضر تاريخًا مشتركًا وهوية وطنية مشتركة.

بالنسبة لعدد غير محدد ولكن كبير من الكنديين من كلتا المجموعتين اللغويتين، أصبح تاريخ ارتباطهم بأشخاص من اللغة الأخرى جزءًا من إحساسهم بهويتهم الوطنية. بالنسبة لهؤلاء الأشخاص، سيكون هذا بمثابة خيط واحد من شعور متعدد الجذور بالوحدة الكندية. لكنها أساسية. إذا كان هذا سيصل إلى حد الانقسام - كما حدث بالتأكيد للعديد من الكنديين - فلن يكون أي من الآخرين كافياً للحفاظ على تماسك البلاد. [5]

ومع ذلك، من الواضح أن الجملة الأخيرة تقوض الاتجاه العام لادعاءات تايلور. قد يكون محقًا في القول بأن "الطلب على السمات أو الأهداف أو الأغراض المشتركة".[6] يضعف بشكل فعال الوحدة الكندية لكنه لم يقدم أي مؤشر حقيقي عما يمكن وضعه في مكانهما. علاوة على ذلك، نتيجة لحجج تايلور الخاصة، نرى أنه يجب أن يكون هناك شيء ما - بعض الصالح العام - مما يجعلهم شعبًا إذا كان على كندا أن تعيش وتزدهر ككيان سياسي ديمقراطي.

يقدم تايلور سببين رئيسيين لرفضه أن يكون متشائماً بهذا الخصوص. أولاً،" يدعي أن التنوع العميق هو الصيغة الوحيدة التي يمكن من خلالها إعادة بناء كندا الفيدرالية الموحدة، بمجرد أن نتذكر الأسباب التي تجعلنا جميعًا بحاجة إلى كندا - وهي بالتحديد، من أجل القانون والنظا، والتوفير أو التجهيزالجماعي للحاجات، والمساواة في الإقليم، والمساعدة المتبادلة".[7]  من غير الواضح في الواقع أن كل هذه الأمور ستكون مستحيلة بدون كندا الفيدرالية، ولكن هناك مشكلة نظرية أعمق. إذا كانت الهوية الأساسية للأشخاص، على سبيل المثال، كاهل الكيبك، حتى لو كانوا بحاجة إلى الانضمام إلى الكنديين الآخرين لتحقيق هذه الخيرات، فإن أساس هذه العلاقة يبدو مريبًا. لقد جادل تايلور نفسه بوضوح في أن تأمين الخيرات المشتركة بهذا المعنى لا يكفي لجعلهم شعبًا واحدًا بدلاً من تحالف من اجل مصلحةلوقت مناسب.

ثانيًا، يشير تيلور إلى أن الوضع الكندي يتكرر، بدرجة أكبر أو أقل ومع اختلافات محلية، في عدد كبير من المجتمعات. لذلك، فإن نموذج المواطنة الموحدة غير مناسب على نطاق واسع. على الرغم من أن العالم قد يحتاج بالفعل إلى نماذج أخرى من المواطنة، إلا أن هذا في حد ذاته لا يكفي لإظهار أن التنوع العميق هو مفهوم بديل عملي للمواطنة الديمقراطية. إن إشارة تايلور إلى تجربة الاتحاد الأوروبي، حيث يدعي أنه رغم ما تم من  منح "مساحة تنفس" أكبر للمجتمعات الإقليمية مثل البريتون والباسك والكتالو،  الأً أنه هي أقل من تكون مطمئنة.[8] حتى أفضل أصدقاء الاتحاد الأوروبي لن يدعوا أن المساءلة الديمقراطية لمؤسساتها هي إحدى نقاط قوتها. وحتى إذا تم تحقيق قدر أكبر من الحرية للمجتمعات الإقليمية داخل الاتحاد الأوروبي، فانه هذا الادعاء  معرض للتشكيك، قد تم تحقيقه من خلال المراسيم البيروقراطية وعبر العمليات والمؤسسات الديمقراطية.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

..............................

[1] Taylor, Reconciling the Solitudes, p. 176.

[2] Taylor, Reconciling the Solitudes, pp. 178-9.

[3] Taylor, Reconciling the Solitudes pp. 182-3.

[4] Taylor, 'Reply and rearticulation', p. 255.

[5] Taylor, 'Reply and rearticulation', p. 255.

[6] Taylor, 'Reply and articulation', p. 255.

[7] Taylor, Reconciling the Solitudes, p. 183.

[8] Taylor, Reconciling the Solitudes, p. 184.

 

 

علي المؤمنهناك جهتان نفعيتان داخلية وخارجية ظلتا تحاولان، ولا تزالان، خلق مرجعية أو رمزية دينية شيعية تنسجم مع إرادتها وتحقق مصالحها، وهما:

1ـ جماعات الضغط والمصالح داخل الحوزة العلمية.

2ـ الأنظمة السياسية المحلية والدولية، ولا سيما بريطانيا والنظامين الشاهنشاهي الإيراني والبعثي العراقي. ثم دخلت أنظمة السعودية وأمريكا والإمارات وإسرائيل على خط التدخل في الشأن الحوزوي والشيعي بعد سقوط النظام البعثي في العام 2003، وباتت أجهزة مخابراتها تتولى مهمة خلق الخلافات في الحوزة والواقع الشيعي، ومحاولة خلق رمزية شيعية تابعة لها.

وتستخدم هاتان الجهتان وسائل تأثير مهمة، أبرزها:

1ـ الدعاية والترويج والإعلام؛ لمصلحة الشخص الذي يريدون إيصاله إلى مستوى المرجعية والرمزية، وضد من يريدون تسقيطهم من الأشخاص المنافسين أو الذين يحولون دون ضرب سياقات الحوزة.

2ـ المال؛ لدعم الشخص الذي يريدون إيصاله، دعماً مباشراً أو غير مباشر، وشراء الذمم بمختلف الوسائل ، ومحاولة تسقيط الآخرين.

3ـ الضغوط الاجتماعية والسياسية والمخابراتية.

ودون شك؛ لا تستطيع الدول الأجنبية تحقيق أيّ هدف لها في هذا المجال دون وجود جماعات ضغط داخلية متعاونة. وبالتالي؛ فإنّ الخطر الأساس يكمن في جماعات الضغط الداخلية المتعاونة مع دول خارجية، لتحقيق هدف مشترك؛ لأنّ خطرها مركب. وأُنموذجها الجماعات التي كانت تعمل مع النظام الشاهنشاهي الإيراني والنظام البعثي العراقي، أو لا تزال تعمل بشكل مشترك مع بريطانيا وأمريكا والسعودية، وهي ظاهرة جديدة لم تعرفها الحوزة العلمية من قبل القرن العشرين الميلادي.

أمّا جماعات الضغط الداخلية التي تعمل بمفردها، ولأهداف حوزوية أو مصلحية صرفة، ولا ينطوي حراكها على أهداف سياسية وارتباطات بالخارج؛ فهي موجودة منذ نشوء الحوزة، وضررها أقل بكثير؛ بل لا يتسبب بعضها بضرر؛ لأنه يعمل بنية الحرص على الحوزة غالباً. وهذه الجماعات هي أكثر قدرة على تحقيق أهدافها من جماعات الضغط المتعاونة مع دول أجنبية؛ لأنّ جماعات الضغط المستقلة أكبر عدداً وأكثر تأثيراً، وتستخدم وسائل تقليدية متعارفة، فضلاً عن أنّ أغلب أفرادها من أصحاب العمق الاجتماعي الديني في الحوزة.

وإلى جانب جماعات الضغط الداخلية المستقلة؛ هناك جماعات ضغط خاصة، تعمل لمصلحة جماعة أُخرى أكبر أو رمزية أو مرجعية معينة، كما ذكرنا سابقاً. هذه الجماعات تكون ـ غالباً ـ مكشوفة وتعمل بوسائل تتعارض مع الرأي العام الحوزوي. ولذلك يكون تأثيرها محدوداً، وإن حظيت بأدوات دعاية وميزانيات مالية كبيرة.

هذا الحجم الهائل من محاولات الاختراق التي تقوم بها الدول الأجنبية والخصوم السياسيين والإيديولوجيين الخارجيين، بالتعاون مع عناصر داخلية؛ يفرض السؤال التالي: هل حققت هذه المحاولات أهدافها في خلق مرجعيات دينية أو رمزيات حوزوية عبر الدعاية والمال والضغوطات؟

من خلال البحث في الوقائع التاريخية، والتقصي الميداني للحاضر القائم، يمكن الجزم بأنّ عناصر الدعاية والمال والعمل المخابراتي والضغوطات السياسية لم تنجح خلال المئة وعشرين عاماً الأخيرة في خلق مرجعية دينية أو رمزية حوزوية شيعية موالية لها إطلاقاً، وإنّ كل المحاولات كانت تفشل بمرور الزمن أو تموت في المهد. هذا من جهة محاولات الدول الأحنبية وجماعات الضغط المرتبطة بها.

أمّا من جهة جماعات الضغط الداخلية المصلحية التي تعمل بمفردها، سواء العامة أو الخاصة؛ فإنّها لا تستطيع تغيير المعادلات المرجعية والحوزوية، إلّا بمساحات محدودة. وكل ما يقال في هذا المجال إنّما هو حكايات وسرديات لا واقع لها، أو وقائع انتقائية جزئية لا تؤثر في الخط العام للمرجعية.

لقد بذلت السعودية ـ مثلاً ـ بعد العام 2003 مساعٍ كبيرة وبذلت أموالاً طائلة لخلق مرجعيات ورمزيات دينية شيعية عراقية وإيرانية ولبنانية؛ لكنها فشلت فشلاً ذريعاً، وتحوّل الأشخاص الذين تعاونوا معها وحصلوا على دعمها إلى أدوات مكشوفة للتخريب فقط، دون أن يكون لهم حضور ديني حقيقي. قد تستطيع حكومات السعودية وبريطانيا وأمريكا خلق وتحريك عشرات المعممين وبعض الخطباء ونجوم الإعلام الديني؛ لكنها لا تستطيع خلق رمزية دينية أو مرجعية معترف بها حوزوياً في العراق أو إيران أو أيّ بلد آخر، حتى لو أنفقت مليارات الدولارات، وخصصت ألف قناة فضائية ومؤسسة إعلامية.

وهو الحال نفسه مع جماعات الضغط الخاصة التابعة لجهة أو مرجعية غير مصنّفة وفق السياقات الحوزوية المتعارفة؛ فهي تفشل ـ عادة ـ في تحقيق أهدافها النهائية. نعم، ربما تحقق أهدافاً مقطعية مقبولة حوزوياً؛ لكنها لن تستطيع إيصال مرجعها ورمزيتها إلى موقع المرجعية العليا مهما بذلت من جهود. مثلاً؛ في الأعوام 1999 إلى 2001 كان اثنان من مراجع الدين في خارج العراق تصلهم أموال شرعية وتبرعات كبيرة من أنصارهم، ولديهم مؤسسات وأوقاف واسعة، تُعدّ ضمن المؤسسات الأكثر ثراءً على مستوى العالم الشيعي. وفي الوقت نفسه يمتلكان إعلاماً منظماً واسعاً، ويعيشان فضاءً منفتحاً وحراً، ويحظيان بدعم تيارات منظمة. بينما كان السيد علي السيستاني في النجف يعاني حصاراً وعزلة على يد النظام البعثي العراقي، وليس لديه فضائيات ولا وسائل إعلام ولا حرية حركة؛ لكن السياقات والأعراف الحوزوية أخذت مجاريها الطبيعية، وبرز السيد السيستاني مرجعاً أعلى دون أن يكون للمال والإعلام تأثير في فرزه، بل ولم يكن لجماعات الضغط الداخلية تأثير أساسي. نعم؛ كان لهذه الجماعات تأثير في الترويج لمرجعيته، وهو أمر طبيعي؛ إلّا أنّ دور أهل الخبرة والعرف العام الحوزوي كانا هما الأساس في تثبيت مكانة السيد السيستاني.

ولا تقتصر هذه الممانعة على الحوزتين المركزيتين في النجف وقم؛ بل تسري على كل الحوزات العلمية الأُخر. فعلى مستوى الحوزة والمرجعية في إيران؛ فإنّ اختراق السياقات والأعراف الحوزوية بات شبه مستحيل بعد العام 1980، مع عملية المأسسة والضبط والتوسع. أمّا حوزة النجف؛ فبرغم ما قد يلاحظ عليها من بساطة التنظيم والضبط؛ إلّا أنّ هذه البساطة تخفي وراءها نظاماً في غاية التعقيد والضبط، وهو نظام يتمتع بسياقات وأعراف موروثة متراكمة حادة، تحول دون تمكن أية جهة أجنبية أو جماعة داخلية من تغيير معادلاتها وحرف مسارها. لذلك؛ فإنّ الكلام عن أنّ المرجعية العليا تصنعها الأموال والدعاية والأنظمة؛ إنّما هو كلام مبني على كثير من الوهم والخصومة، وقليل من التفاصيل التي تفتقد إلى الدلالة.

مفهوم (الحواشي) في مؤسسة المرجعية

 يُطلق مصطلح (الحاشية) في الحوزة العلمية على الفريق الخاص بالمرجع الديني ومستشاريه والحلقة الخاصة الملازمة له، وهو يشابه مفهوم حاشية الرئيس وحاشية الزعيم وحاشية أيّ متصدٍ بارزٍ لشأن مهم من شؤون الحياة. ولا يقتصر المصطلح على الحاشية الخاصة بالمرجع؛ بل يتسع أيضاً للمجموعات المحيطة بالكيان المرجعي للمرجع، والعاملة داخله. ومن شروط الحاشية: الملازَمة والحضور الشخصي والمعنوي في صلب هذا الكيان المرجعي، وخاصة في مكتبه أو ما يسمی بـ (البرّاني)، وليس بالضرورة أن تكون ملازِمة لشخص المرجع، فضلاً عن الالتزام بحفظ مصالح هذا الكيان والترويج له والدفاع عنه.

ويشكل أعضاء منظومة الحاشية بمجموعهم فريق العمل المرجعي، وبينهم مستشارون في المجال الفقهي والعلمي، وآخرون في الشأن المالي، أو في شؤون الوكلاء والمعتمدين أو في شؤون الحوزة العلمية أو الشأن العام. ويعود حسن تنظيم عمل الحاشية وحجم تأثيرها في القرار إلى طبيعة شخصية المرجع نفسه، ووعيه وقدرته على الإدارة والتدبير؛ فكلما ضعفت هذه القدرة ازداد نفوذ الحاشية نفوذاً سلبياً.

ويختلف دور الحاشية ومهامها وتأثيرها وفق مراحل صعود المرجع وعمره البايولوجي والمرجعي؛ ففي بداية عهد الفقيه بالمرجعية يكون دور الحاشية تنفيذياً وترويجياً غالباً، وتحظى برقابة المرجع نفسه واهتمامه. ولكن بتقدم المرجع في العمر واتساع حجم مرجعيته؛ تنتقل هذه المسؤولية تدريجياً إلى أبناء المرجع، ولا سيما الابن الأكبر الفاعل الذي يقود مكتب إدارة المرجعية.

ووجود الحاشية كفريق عمل ملازم للمرجعية الدينية منذ نشاتها؛ أمرٌ طبيعي وضروري. إلّا أنّ تبلور عمل الحاشية واختصاصاتها بدأ مع ثورة المشروطة في إيران وارتداداتها في العراق. لذلك برزت الحواشي شبه المنظمة مع مرجعية السيد محمدكاظم اليزدي ومرجعية الشيخ الآخوند محمدكاظم الخراساني وقيادة السيد عبدالله البهبهاني الغريفي. ثم شهدت تطوراً ملحوظاً في زمان مرجعيتي السيد حسين البروجردي والسيد محسن الحكيم ثم الإمام الخميني. فمنذ عقد الخمسينات في القرن الماضي؛ توسع حجم الحواشي وانتظمت مهامها وتوصيفاتها الوظيفية؛ أي مع تضخم بيت المال الشرعي بالواردات الانفجارية من تجار أسواق طهران وإصفهان ومشهد وتبريز المرکزية، ثم تجار بغداد والكويت ودبي، وهي نماذج مدن أثرياء الشيعة المتدينين.

وكانت حاشية السيد محسن الحكيم وحاشية الإمام الخميني من أكثر الحواشي تنظيماً وفاعلية وحجماً في وقتيهما، وهما أول من أدخل الاختصاصيين من غير علماء الدين ضمن صفوفهما؛ بل إنّ شؤون الثورة والدولة؛ كرست حضور غير علماء الدين في حاشية الإمام الخميني بعد العام 1979.

وتُعدّ محاولة السيد الشهيد محمدباقر الصدر لمأسسة عمل الحاشية رائدة في مجالها؛ فقد نظّر لتحويلها إلى لجان مؤسساتية أو مديريات متخصصة ترتبط بها دوائر وفروع، وترتبط جميعها بلجنة عليا يترأسها أو يشرف عليها المرجع نفسه. وتقوم هذه اللجان بضبط أعمال المرجعية على كل الصعد، العلمية والإدارية والمالية والاجتماعية والسياسية؛ للحيلولة دون استفحال قوة جماعات الضغط والمصالح. وهذه المحاولة الرائدة كانت جزءاً من نظريته: (المرجعية الرشيدة)، التي طرحها بعد العام 1975، وأعلن عنها في العام 1979، وبدأ العمل بها بشكل مبدئي.

ولا شك أنّ تطور عمل المرجعية وكثرة عدد المقلدين واتساع مساحة الشأن العام؛ أدى تلقائياً أيضاً إلى تطور عمل مكاتب المراجع الإدارية، وبلوغها مستويات نسبية من المأسسة. فقد كان مكتب المرجع يسمى «البرّاني»، مقابل «الدخلاني» الخاص بالعائلة. و«البرّاني» هو الجزء الخارجي من بيت المرجع، ويمارس المرجع من خلاله عمله المرجعي ويستقبل ضيوفه. ويدلّ «البرّاني» على معنيين، الأول دلالة على المكان، والثاني دلالة على الاختصاص، أي أنّه بمثابة المكتب المركزي للمرجع. ولا يزال «البرّاني» يُستخدم كمصطلح يدل على المكان، بينما بات أغلب المراجع يستخدمون مصطلح المكتب للدلالة على الاختصاص. كما بات مصطلح «البيت» متداولاً في الوسط الحوزوي للدلالة على مكتب المرجع أيضاً.

وقد تطور شكل الحاشية أيضاً بمرور الزمن، وباتت فيها مراتب، على أُسس البعد والقرب من المرجع، والمستوى العلمي، والاختصاص:

1-  أُسرة المرجع: وهم عادة أولاده وأصهاره وإخوته من علماء الدين. ويكون الفاعل الأساس بينهم الابن الأكبر للمرجع عادة، أو الابن الأكثر فاعلية وتدبيراً وثقة عند أبية، والذي يكون في الوقت نفسه مسؤولاً عن الشؤون الخاصة بالمرجع، وعن المكتب (بيت المرجعية الخارجي أو ما كان يعرف بالبرّاني)، والرابط بين المرجع والحاشية والوكلاء ومسؤولي الدولة. وهو موضوع يتصل بالثقة التي يحظى بها الابن، والخصوصيات المتصلة ببعض مفاصل العمل المرجعي. وهذا التقليد في المنظومة الدينية الاجتماعية الشيعية ظل متوارثاً منذ بداية غيبة الإمام المهدي، أي منذ عهد السفراء الأربعة قبل 1250 عاماً تقريباً؛ فقد كان الشيخ محمد ابن الشيخ عثمان العمري الأقرب إلى أبيه السفير الأول، ثم أصبح السفير الثاني من بعده. وهكذا الشيخ حسن ابن الشيخ أبي جعفر الطوسي، والذي كان يسمى «المفيد الثاني»، ولا يزال هذا التقليد متبعاً حتى الآن.

ولعل من أكثر القضايا حساسية في مؤسسة المرجعية هي حركة أولاد المراجع وأصهارهم؛ فهي تحت المجهر والأضواء على الدوام، ويتم التفتيش عنها، ولا سيما من الخصوم النوعيين أو الفكريين؛ لتضخيم الأخطاء والمبالغة في الروايات، وتعميمها على شخص المرجع وكيان المرجعية والحوزة. وهذه الحساسية تجعل كثيراً من الناس (البسطاء منهم والمغرضون) تتلقى هذا اللون من الدعاية كمسلمات، وترددها دون تفحص.

2-  حاشية المرجع الخاصة: وهم فريقه الخاص الذي يتكون غالباً من عدد محدود من كبار تلاميذه القدماء الثقات المقربين، ويُطلق عليهم أيضاً «الخواص» أو «الطبقة الأُولى»، وهم عادة مجتهدون وأساتذة بحث خارج وعلماء دين مرموقون، ويتميزون بتقدم السن، وقدم العلاقة بشخص المرجع، والخبروية العلمية والاجتماعية. ويكون أولاد المرجع وأصهاره وإخوته من علماء الدين المرموقين ضمن الحاشية الخاصة عادة. ويتواصل «الخواص» مع المرجع بشكل مباشر ويحضرون مجلسه التداولي الخاص. وتدور مداولاتهم ـ عادة ـ حول أوضاع الحوزة والشيعة ومستحدثات المسائل الفقهية والرؤى العلمية الجديدة. وليس من الضروري أن يعمل جميع أعضاء هذا الفريق الخاص في مكتب المرجع؛ بل يكون لبعضهم كياناتهم الخاصة. أمّا من يعمل منهم في المكتب فهم ـ عادة ـ المسؤولون عن لجان الاستفتاءات والأموال الشرعية وشؤون الحوزة والوكلاء وقضايا الشأن العام، وهي مسؤوليات ليست وظيفية؛ بل ترتبط بالجانب العلمي والاستشاري والتدبيري.

3- حاشية المرجع العامة: وهم الفريق العام الذي يضم عدداً أكبر من الفريق الخاص، ويتكون من أبرز مسؤولي مكتب المرجع وأعضاء اللجان، وكذلك تلاميذ المرجع من الشباب أو الأدنى في المستوى العلمي؛ أي أساتذة السطوح العالية (المكاسب والكفاية)، ويسمّون: «الفضلاء»، وهؤلاء يحضرون المجلس العام للمرجع، وهم «الطبقة الثانية» من الحاشية، وهم الأقل تأثيراً في قرار المرجعية من الحاشية الخاصة؛ لكنهم أكثر عدداً وفاعلية في صناعة الرأي العام الحوزوي.

4- حاشية الحاشية: وهم حاشية ابن المرجع (المسؤول عن المكتب) وفريقه، أو حواشي خواص المرجع، وهم «الطبقة الثالثة». وبرغم انعدام تأثير هؤلاء في القرار المرجعي؛ إلّا أنّهم الأعلى صوتاً في الأوساط الاجتماعية الحوزوية وفي المساهمة في صناعة الرأي العام الحوزوي. وهي تتألف غالباً من الفضلاء في المستوى الحوزوي (أساتذة السطوح).

وبين طيات الحواشي؛ تعمل جماعات الضغط والمصالح على مد نفوذها للتأثير في الرأي العام الحوزوي. وهي جماعات ينطلق بعضها مما تعتقده فهماً عميقاً لمصالح الحوزة والمرجعية والواقع الشيعي، وتعتقد أنّها تقوم بواجبها الشرعي حفاظاً على مصالح المذهب، أي أنّ منطلقاتها ليست لمصالح ذاتية خاصة بالفعل، بينما تعمل أُخرى لمصالحها الخاصة، وإن غلّفتها بمسوغات ترتبط بالمصلحة العامة.

  وتتحمل الحاشية المسؤولية عن سمعة المرجعية وصورتها أمام الناس والعالم؛ فهي بأفعالها وتصرفاتها يمكن أن تتسبب في تشويه صورة المرجعية والحوزة، أو أنّها تحافظ على نقاء صورة المرجعية ولمعانها؛ لأنّ هذه الطبقة هي الفاعلة ميدانياً والنشطة في إطار كيان المرجعية، وتكون عادة على تماس مباشر مع الناس ومع السياسيين والحكومات والتجار.

وثمة مشكلة أساسية تختلقها بعض الحواشي من الطبقتين الثانية والثالثة، وهي أنّها تحوِّل الخلاف في الرأي الفقهي والسياسي والاجتماعي والفكري بين المراجع إلى خلاف مقدس وخلاف في صلب الدين، وليس في فهمه. ولذلك؛ فإنّ الخلافات بين حواشي المراجع أو بينها وبين الآخرين من أفراد وجماعات ثقافية وسياسية واجتماعية ومالية؛ إنّما هي خلافات شخصية أو مصلحية، ولا تعبر بالضرورة عن مواقف المراجع أنفسهم؛ وإن حاولت بعض جماعات المصالح والضغط نسبتها إلى المراجع أنفسهم؛ للوصول إلى أهداف نفعية؛ بل لعل المرجع لا يعلم بها أساساً. ومن هذا المنطلق؛ يؤكد حكماء الحوزة دائماً على ضرورة عدم الخلط بين رؤية الخط المرجع والخط المرجعي العام، وبين سلوك الحواشي أو خطاب جماعات المصالح. وبالتالي؛ فإنّ ضبط سلوك الحواشي والخطوط الخاصة وجماعات الضغط لا يتيسّر إلّا بمأسسة الحوزة العلمية ومنظومة المرجعية.

وكما ذكرنا سابقاً، ينبغي عدم الخلط بين الحواشي وجماعات الضغط التابعة للمرجعيات من جهة، وجماعات الضغط والمصالح المرتبطة بأجندات معادية للحوزة وللواقع الشيعي. ولعل الخطاب الأخطر الذي تروّج له جماعات المصالح والضغط المرتبطة بمخططات خارجية معادية، عمل فجوة بين المرجعية العامة والحوزة في النجف من جهة، والجمهورية الإسلامية في إيران وحوزة قم والحركات الإسلامية الشيعية في العراق ولبنان والبحرين وغيرها من جهة أُخرى، من خلال اختلاق الخلافات وتضخيم الوقائع وانتقاء التفاصيل، من أجل تحقيق أهداف مشتركة مع البلدان المتخاصمة مع الشيعة، وتحديداً أمريكا وبريطانيا وإسرائيل والسعودية. وفي مقدمة هذه الأهداف الاستفراد بالمرجعية النجفية والواقع الشيعي العراقي، وتمزيق النظام الاجتماعي الديني الشيعي ومكوناته من داخله.

 

د. علي المؤمن

 

 

نبيل عودةمراجعاتي للفكر الماركسي ليست نفيا لعظمة ماركس، بل مراجعات نقدية لفهم أسباب انهيار تجربة إنسانية عظيمة.

يمكن الإشارة الى تيارين أساسيين في الفكر الماركسي في مسيرته التاريخية والفكرية، شكلا الوزن النوعي للفكر الماركسي على المستوى العالمي. وهما الأول: التيار السوفييتي والثاني: التيار الماركسي الغربي. طبعا لا أرى ماركسية إطلاقا بالتيار الصيني الماوي، الذي طرحه أنصار ماو تسي تونغ كفكر مكمل للماركسية اللينينية بإضافتهم الماوية (الماركسية اللينينية الماوية، على نسق إضافة الستالينية في فترة عبادة ستالين في الفكر الشيوعي السوفييتي) ولكنه تيار ولد في رحم الأوهام الماوية، عبر فكرة الدولة العظمى والشوفينية الصينية التي نمتها الماوية من منطلق الشعب الأكثر تعددية في العالم، ونظريات محلية بعضها تكرير مشوه لنظريات تروتسكية، وبعضها فكر مغامر (الاستعمار نمر من كرتون) وبعضها فكر ثقافي بوهم إعادة تشكيل المجتمع برأي ثقافي وفكري واحد، كل من يحيد عنه يستحق إعادة التربية في معسكرات هي إهانة للعقل ابشري.

 لا أرى علاقة تربط الماوية بفلسفة ماركس، نتيجته الماوية كانت الثورة الثقافية في الصين (الأصح ثورة تدمير الثقافة واختصارها عبلا عبادة شخصية ماو تسي تونغ وافكاره، والتي شهدت دمارا ثقافيا وحضاريا، رسخ في الذاكرة منه مهرجانات حرق كتب لا تتمشى مع الفكر الماوي، واضطهاد المفكرين وأصحاب الرأي والاعتداء على المواطنين بحجج واهية مضحكة تتهمهم بعدم الامتثال للفكر الماوي. وتثقيف مشوه للجماهير لم يسفر عنه إلا تحول الصين عن الشيوعية إلى دولة شبه رأسمالية في اقتصادها (اقتصاد السوق) تحت ستار شيوعي مهلهل ومتفكك بانقطاع كامل عن الفكر الماركسي. ولا بد من إشارة إلى أن ستالين أيضا مارس “ثورة ثقافية” تعرف باسم وزير الثقافة في وقته “جدانوف” بالتضييق على الفكر الإبداعي بفرض شروط متزمتة على الأدب وممارسة الإرهاب الفكري ضد الأدباء والمفكرين لتقييدهم بسجن فكري ثقافي، للأسف استمرت هذه الظاهرة بشكل أقل فظاظة، بعد ستالين أيضا.

يمكن القول بدون تردد ان الماركسية كان شعارا لم يطبق، لا في النظام السوفييتي ودول المجموعة الاشتراكية، ولا في النظام الصيني.

وهنا لا بد من ملاحظة أني في طرحي للماركسية لا اربطها بالفكر اللينيني، الذي أرى به فكرا ثوريا روسيا بالأساس، ولست في باب مراجعة العلاقة بين الفكر الماركسي والفكر اللينيني والتماثل والتعارض بينهما في قضايا جوهرية.

إذن يمكن التلخيص أن الماركسية عرفت بتيارين مركزيين. وبالتالي الكثيرين من دارسي الماركسية في فترة الاتحاد السوفييتي الذهبية، وجدوا أنفسهم في مواجهة صدامية بين جبهتين نظريتين. ويمكن الإشارة ان ما يعرف ب “الشيوعية الأوروبية” (الشيوعية الحرة) كان نتاج ذلك الصراع.

الجبهة الأولى: الفهم الستاليني (السوفييتي) رغم غياب ستالين ونقده، ظلت الستالينية نهجا تنظيميا للحزب والدولة وتميز بقمع حرية التفكير ونفي حق التعددية، والرقابة على الأدب (عندما فاز الكاتب الروسي باسترناك بجائزة نوبل عن روايته “دكتور زيفاغو” منعه خروتشوف من قبولها، وواجه باسترناك حملة تشهير بسبب روايته) وسجن المعارضين، ومنهم أدباء ومفكرين وعلماء ، بل واستمرار نهج اقتصادي ستاليني لم يتغير إلا بشكل طفيف، وكل مجهودات رئيس الحكومة السوفييتي الكسي كوسيجين لإقرار إصلاح اقتصادي عميق في الزراعة والصناعة، ووجه بالرفض من المكتب السياسي “خوفا” من اتهام الاتحاد السوفييتي بالتخلي عن الاشتراكية.

هنا نرى انطلاقة فكر السيادة المطلقة للدولة العظمى البيروقراطية للاشتراكية السوفييتية، حيث شكل الحزب جهازا من أجهزة الدولة بدل أن تكون الدولة أداة لتنفيذ الفكر الحزبي الماركسي بكل جوانبه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والدولية. أي أن دور الحزب تقلص إلى دور ثانوي ملحق بجهاز السلطة الاستبدادي (ربما يصح تسميته جهاز أمني هائل تحكم بكل الوظائف تقريبا، وبكل وسائل الإعلام والفنون والثقافة والإدارة والرقابة) .

من هنا يمكن القول بلا تردد، أن النظرية الماركسية جمدت وشوهت، واعتبر كل نشاط إبداعي في إطار الماركسية، انحرافا وخيانة للماركسية السوفييتية. وحتى مؤتمرات الأحزاب الشيوعية لتطوير النظرية والتطبيق لم تخرج في النهاية عن الحدود التي يسمح بها جهاز الدولة البيروقراطية السوفييتية.

الجبهة الثانية: هي جبهة مفكرين ماركسيين رفضوا فكر السيادة المطلقة للدولة السوفييتية، وانطلقوا بنضال عنيد من أجل “ماركسية صحيحة” ثورية إنسانية جوهرية، ضد كل التشويهات التي شهدتها الماركسية في الشرق والغرب. وبرز خلال سنوات العديد من المفكرين الماركسيين، أمثال جيورغ لوكاتش (هنغاري) وكارل كورش (ألماني) وانطونيو غرامشي (ايطالي) وارنست بلوخ (ألماني) وروجي غاروديه (فرنسي) وغيرهم.

هذا التيار قدم للفكر الماركسي إبداعات هامة كان يمكن ان تعمق حيوية الماركسية وتطور العديد من مقولاتها، وثري ما تختزنه من قدرات فكرية وثقافية، وعرف هذا التيار باسم “المدرسة الماركسية الغربية”، ربما بسبب رفضها الخضوع للمدرسة الفكرية للماركسية السوفييتية، رغم أن بعض مفكريها جاءوا من داخل الكتلة السوفييتية مثل الهنغاري لوكاتش الذي انضم للحزب الشيوعي الهنغاري عام 1918 . بعد إقامة النظام الاشتراكي أصبح عضوا في البرلمان، وكان عالما ومفكرا، وقد انتقده الحزب الشيوعي الهنغاري بشدة، بسبب شكوكه بموضوع “الواقعية الاشتراكية” في الأدب (ليون تروتسكي أيضا طرح في كتابة ” الأدب والثورة” نقدا لموضوع خلق أدب بروليتاري طبقي عرف بصيغة “الواقعية الاشتراكية” واليوم يثبت أن موقف تروتسكي كان الموقف الماركسي الصحيح وصاحب الرؤية السليمة من الموضوع بتأكيده استحالة خلق تيار أدبي طبقي جديد بقرار فوقي وعدم ضرورته أصلا في مجتمع اشتراكي جاء لإلغاء الطبقية) وعوقب لوكاتش بإبعاده تماما من الحياة السياسية ونفي إلى رومانيا، وصدر كتاب ينتقد فكره الإصلاحي ويرفض تنظيراته، ثم عاد إلى هنغاريا ، بعد أن صفحت عنه الحكومة، وعاد إلى عضوية الحزب الشيوعي حتى توفي عام 1971. وتعتبر تنظيراته من أبرز التنظيرات في الفكر الغربي للماركسية، رغم انه منظر من داخل المعسكر الاشتراكي.

التعددية ضرورة تاريخية لتطور الماركسية

من أبرز الطروحات المميزة لهذا الاتجاه الفهم ان التعددية هي ضرورة تاريخية لن تتطور الماركسية ولن تصمد بدونها. وأكد ممثلو هذا التيار انه من الأهمية أن تُقر التعددية كمسالة أساسية وأولى متفق عليها بدون تردد، وذلك في إطار الاشتراكية النظرية والاشتراكية التطبيقية (أي في نهج البناء الاجتماعي والقانوني للمجتمع الاشتراكي) سواء بسواء.

للأسف لم تحظى التعددية بأي نصيب، وعومل كل دعاتها كأعداء، ومن طالته يد الكومنترن أو السلطة السوفيتية أعدم أو نفي أو القي به في السجون السيبيرية الرهيبة، وبأحسن الحالات أنهى حياته في الصمت والعزل.

من المواضيع التي طرحها تيار ”الماركسية الصحيحة” أو “التيار الماركسي الغربي” كما يعرف في الدراسات الأكاديمية، كان مفهوم “الثورة”.

إن الفهم لموضوع “الثورة” لدى النهج السوفيتي، ويشاركهم في هذا الفهم التيار الإصلاحي للاشتراكية الديمقراطية، هو أن الثورة هي مفهوم ينبع من التفسير الصحيح للفكر الماركسي. ولكن الفهم الماركسي “الصحيح” يمتد باتساع بدءا من الفهم الذي يقول أن الثورة هي عمل بروليتاري ثوري عبر إقامة وحدة بين الطبقة العاملة (البروليتاريا) مع طبقات أخرى، حتى مفهوم الثورة كحرب ضد أعداء العصرنة، وأعداء الثقافة الحديثة العصرية والإنسانية. والفهم هنا يمكن تلخيصه انه لا يوجد انتقال فوري من الهمجية إلى المدنية، تماما كما لا يمكن الانتقال من الحرب بالمقلاع إلى الحرب بالقنابل النووية بشكل فوري. إنما عبر تطور يمر بمراحل متعددة.

مراجعة أدبيات الفكر الماركسي الغربي، نجد مفاهيم أو تفسيرات مختلفة، تمتد من النضال الثوري البروليتاري في طرحه الماركسي التقليدي، إلى فهم أهمية التحالف بين الطبقة العاملة وطبقات أخرى كما يطرح ذلك المفكر الايطالي انطونيو غرامشي، حتى مفاهيم الثورة التي تعني تصدير ثقافي عميق للإنسان المعاصر بروح إنسانية، أي بدون عنف، كما طرح ذلك المفكر الماركسي الفرنسي روجيه غاروديه.

من الواضح أيضا أن مفهوم الثورة الماركسي الرسمي المرتبط بنظرية ماركس التاريخية، الحتمية التاريخية، أي حتمية التحول إلى الاشتراكية والشيوعية، نرى أن التطور الحاصل أسقط هذه النظرية، التي لم تصمد في امتحان التاريخ، رغم أن جوانب هامة منها تعتبر فتحا فكريا فلسفيا لفهم تطور التاريخ. مثلا موضوع الثورة التي تعني استبدال تشكيلة اقتصادية اجتماعية (رأسمالية مثلا) بتشكيلة أخرى (اشتراكية مثلا)، أرقى وأفضل وأكثر عدالة، حسب المفهوم الثوري الماركسي، تحطم القديم الاستغلالي، وتبني الجديد العادل الديمقراطي وتحدث قفزة للمجتمع والإنسان .. النظرية بخير والتطبيق سقط بالأخطاء والانحرافات والفساد، والنظرية كانت في واد والتطبيق في واد آخر !!

بالطبع نظرية الثورة تتحدث أيضا عن تحرير العلاقات الإنتاجية من قيود تمنع تطور القوى المنتجة (البروليتاريا في النظام الرأسمالي – غني عن القول أن مفهوم البروليتاريا ظل مفهوما أوروبيا، ويمكن استعمال صيغة طبقة العمال أو الشغيلة للدقة، رغم ان التطور تجاوز كل التعريفات السابقة للتيارات الماركسية، خاصة ان مفعوم الطبقة العاملة تجاوز ما كان سائدا حتى اواسط القرن العشرين. خاصة في الدول المتقدمة اقتصاديا وعلميا.

التطور التاريخي والاقتصادي نفى نظرية ماركس عن الثورة والتغيير. الثورات لم تقد إلى التغيير المنشود. إلا إذا اعتبرنا فقدان الحرية، والإفقار والخضوع لشبه حكم استعماري ابتزازي (حالة مجموعة الدول الاشتراكية تحت السيطرة السوفييتية بعد الحرب العالمية الثانية) هو تغيير ماركسي!!

وهنا لا بد من توضيح، بأن النظام السوفييتي ابتز مليارات الدولارات من دول المجموعة الاشتراكية رغم أوضاعها الاقتصادية الصعبة بعد الحرب. وقد عانت الشعوب في هذه الدول من فاقة وفقر وبطء في التطور والرفاه الاجتماعي بالمقارنة مع الغرب استمر الفقر والعوز والقمع حتى سقوط الأنظمة (مثلا المانيا الشرقية والمانيا الغربية كنموذج).

وشهد المعسكر الشرقي تبعا لذلك، ثورات في المجر وتشيكوسلوفاكيا، وابتعاد يوغوسلافيا عن المعسكر السوفييتي. ونظام روماني استبدادي ابتعد تدريجيا عن الاتحاد السوفييتي، ثم حركة نقابية ثورية في بولونيا، وعمليا بدأ انهيار المعسكر الاشتراكي.

قد نجد تفسيرات وتبريرات حول الأسلوب السوفيتي في التطبيق… لا خلاف في ذلك، ولكننا أمام ظاهرة أفلاطونية حيث تحول الحزب نفسه إلى طبقة مسيطرة، سيرا على طريق “جمهورية أفلاطون”، حيث الحكماء والفلاسفة (اقرأ زعامة الحزب الشيوعي والدولة) يشكلون طبقة الحكام، وقوى الأمن هم طبقة حراس النظام، والطبقة الأخيرة هم الصناع (العبيد). للأسف هذه هي الصورة التي سادت النظام الاشتراكي. صورة نقيضة لرؤية ماركس الفلسفية والنظرية عن المجتمع الاشتراكي العادل، بدلا منه مجتمع استبدادي.

النتائج في الصراع الاجتماعي والاقتصادي لم تكن لصالح النظام الاشتراكي. ما السبب؟ ماذا يهم الآن؟ النظام الرأسمالي تجاوز النظام الاشتراكي بحقوق الإنسان، بالديمقراطية، بالتطور الاجتماعي والاقتصادي، بمستوى الرفاه الاجتماعي بمستوى الخدمات، بالحقوق المدنية، بالتعددية الفكرية وبمختلف أشكال الضمانات الاجتماعية.

لا اكتب دفاعا عن النظام الرأسمالي وشروره. ولكن المقارنة للأسف ليست لصالح النظام الاشتراكي. وهذا أضحى واضحا اليوم.

أكتب ألما لضياع تجربة إنسانية عظيمة نتيجة انحرافات وتجاوزات لفكر عظيم في النظرية والتطبيق، ولا اعتقد أن الصواب والخطأ في النظرية هو السبب، إنما غياب التعددية الفكرية وحرية التفكير والنقد مما جرد الفكر الماركسي من عناصر قوته التجديدية، وحول الدولة والحزب إلى جهاز مغلق لمجموعة منتفعين، أفسدوا جهاز الدولة والحزب والمجتمع نفسه!!

إذن، هل بالصدفة سقوط الاتحاد السوفيتي، لدرجة أن جيشه ” الجيش الأحمر العقائدي” الخاضع للقيادات الحزبية العليا، لم يحرك ساكنا للدفاع عن دولته ونظامه وحزبه؟!

 

بقلم: نبيل عودة

 

محمد الربيعي بصراحة الوضع الحالي للتعليم في العراق لا يمكن وصفه بافضل من كونه وضع بائس. انحدر نظامنا التعليمي مع مرور الزمن ومنذ الربع الاخير من القرن الماضي. التعليم يبدو وكانه قادم من فترة مظلمة ساحقة او عصر من عصور الجهالة. لا تزال جامعاتنا ملتصقة بنمط تعليمي قديم لا يهتم بالنوعية ولا بالتميز. عيوب هذا النمط بارزة وتبدو طبيعية ومقبولة في الاوساط السياسية والاجتماعية ولهاذا انحسرت الدعوات الجدية لاحداث تغيير جذري في النظام التعليمي بسبب ان قواعد هذا التغيير اصبحت مجهولة لضعف الخبرة والمعرفة بما يحدث في العالم ولكون فلسفة التعليم تختلف عما هي في العالم المتطور.

يعد انخفاض معدل الإلمام بالقراءة والكتابة وضعف جودة التعليم وانتشار الامية المقنعة من العوائق الرئيسية للنظام التعليمي في العراق. يتأثر نظام التعليم لدينا بعدد من العوامل. بعضها أكثر بروزا، مثل انخفاض معدل الالتحاق وارتفاع معدل التسرب في المرحلة الابتدائية والثانوية، ومعايير التعليم القديمة، وانخفاض مخصصات ميزانية قطاع التعليم، والتدخل السياسي والفساد، وتدني جودة المناهج والكتب المدرسية، وازدياد معدلات الفقر والبطالة وضعف جودة المعلمين والمدرسين، والاهتمام بالتلقين والحفظ على ظهر قلب على حساب التفكير الناقد، ونظام الامتحانات والتقييم المتدني. على الرغم من أن الوزارتين تدعي اتخاذ بعض الخطوات الجريئة للتغلب على هذه المشاكل، لم تظهر اية بوادر للتحسين.

من ناحية أخرى، لا يلعب الطلاب أي دور نشط في اكتساب المعرفة. تعليمهم كله سلبي وميكانيكي. نظامنا التعليمي يقوم فقط بحشو رأس الطالب بالكثير من الحقائق المفككة التي تُسكب في رأسه وكأنها سلة فارغة، ليتم إفراغها مرة أخرى في قاعة الامتحان، ويتم إعادة ملئ السلة الفارغة مرة أخرى وهلم جرا. هذا هو السبب في أن الطالب الذي ينجح بشكل جيد في الامتحان الخاص به يفشل فشلاً ذريعا في امتحان الحياة والمواهب والمهارات. الطلاب ليس لديهم حب الحكمة، ولا تعطش للمعرفة، ولكن فقط الرغبة في الحصول على الشهادات للعثور على وظائف معقولة.

هناك العديد من الشكاوى حول المدارس خصوصا حول رداءة التعليم الموجود فيها. أحد الشواغل الرئيسية هو الافتقار إلى التدريس المناسب وتدريب المعلمين وتحفيزهم. المعلمون ليسوا محترفين لدرجة كافية وليس لهم اهتمام كافي بمهنة التدريس، وهم يضرون بالنظام بأكمله.

في ضوء هذه العيوب، فإن نظامنا التعليمي يصرخ بالحاجة إلى التغيير. من أولى المهام وأهمها أنه يتعين علينا تحسين أجهزتنا التعليمية. علينا أن نطور خططا تعليمية حتى يمكن ان يكون التحسين ممكنا.

وبعدها يمكننا تحسين نظامنا التعليمي إذا اعتمدنا طرقا حديثة في التدريس. يجب التخلص من الفساد الوظيفي والاداري والمالي وأن يكون هناك التزام من المعلمين بمهنتهم وأن تلعب المؤسسات التعليمية الخاصة بدورها الفعال. يجب تنفيذ السياسات التعليمية مع التحقق من تكاملها وتوازنها.

يجب أن لا يوفر نظام التعليم مجرد متعلمين وباحثين عن عمل، بل مواطنين أذكياء.

 

أ.د. محمد الربيعي

 

 

سامي عبد العالتعبر العملات النقدية عن كم التحولات التي طرأت على فكرة المُقدَّس في أذهان البشر. لقد امتصت بعضُ العملات كماً من (التقديس الدنيوي) في كيانها الورقي كأنَّها مكتوبةٌ ومدموغةٌ عبر طقوسٍ غير معروفةٍ. وهي كذلك بالفعل (مثل أوراق الدولار واليورو) في جميع تفاصيل إخراجها إلى العالم، من مرحلة صناعتها إلى سكها ورواجها ثم تداولها، لدرجة أنَّه يكاد يتشممها البشرُ ويتحسونها ذوقاً وحسَّاً من وقتٍ لآخر، كأنّها تجلب إليهم السعادةَ كل السعادةِ. وقد حرصت الدول بهذه الصناعة النقدية على استخدام (أوراق خاصة وعبارات وأختام وخطوط وعلامات ورموز وأيقونات) تدل على هكذا معنى، وإلاَّ فلماذا تحتل هذه العملات مكانةً ليست بالقليلةِ لدى متداوليها؟! وعلى خلفية (سك) العملات ظهرت كلمات مثل: الأصل والقيمة والقوة والقدرة والحقيقة والثقة والمكانة والتراتب ... وهي مصطلحات تختلط وتغيمُ فيها نبرات (الميتافيزيقا والاقتصاد).

شعار واعتراف

"نحن نثق في الله"  In God We Trustشعارٌ واعتراف (ميتافيزيقيّن) تحملهما ورقة الدولار. هي كلمات تنقل معنى سيقصد لاوعي المتلقي أثناء تداول العملة النقدية الأمريكية. فهي شعار من حيث كونها ترسل رسالة حيال قوة النقود والتصرف بها في الأسواق، واعتراف من زاوية أنَّ هناك قوةً أكبر يمكن ايجادها بهذه الورقة المحدودة (فئة الدولار الواحد). كأنَّ معنى المقدس (عطية عولمية) تُزيد مخزونَّه الافتراضي نتيجة التداول الرائج. ليست دوراتُّ النقود الاقتصاديةُ داخل أقبية البنوك والبورصات سوى (وُعود وآمال وتراتيل) لأشباح خلال ممارساتنا اليومية. كل عُملة نقدية تحمل شبحاً لمقدَّسٍ ما بحسب (طبيعة دلالتها) في الثقافة الأم.

2653 الدولار

هكذا ستكشف العملة النقدية: كيف ينتج معنى المقدس نفسه عائداً من بابٍ خلفيٍّ. أي ظهور أطياف الدين في نسختها الدنيوية والأرضية. فالدولار تاريخ لوشم كتابيِّ يماثل أساليب تدوين الأوراق المقدسة والسرية في غابر الأزمان. لقد شَرَّعَ الدولار عبر العولمة لاهوتاً (لاقتصادٍ دينيٍّ- سياسيٍّ) دون إلهٍ رغم (الاعتراف السابق بالثقة والايمان بالله). على الأقل تطرح العولمة سؤال الإله وصوره من جديد في تعاملات الناس اليومية. فقد ترسم العملاتُ النقديةُ آفاق الإنسان الراهن ورؤاه الحياتية والكونية، وقد تحدد ماذا عليه أن يفعل، وماذا عليه أن يخطط لمستقبله، وكيف يرى الآخر، حيث كانت تلك العمليات وظيفةَ المقدس والأساطير وأنظمة المعرفة قديماً.

لكن امبراطورية أمريكا تؤكدها بأظافر الآلة العسكرية والتوحش التقني ونهم الأسواق العابرة للقارات. وطبقاً لاحتياجه العولمي، عادة ما يحقق الدولارُ فائضاً ربحياً قبل الحصول عليه. لأنَّ رأسمالاً يُتداول بلا حدودٍ لهو دعوة لصفقات غير بريئة باسمه. مثل تجارة السلع الافتراضية ومافيا السلاح وتجارة البشر واستثمار حروب الأديان وتمويل الجماعات الارهابية واقتصاديات الأرض الموعودة. مما يدعونا للتساؤل: بأيِّ صيغةٍ ينكتب المقدسُ على أوراقٍ ماليةٍ؟ هل يأخذ المقدسُ قوةَ النقدِ أم أنَّ نقداً سيأخذ سلطة القداسة؟

الأسئلةُ السابقةُ تجر معها أسئلة أُخرى: هل دلالة الإله حقاً موضعُ ثقةٍ فوق ورقة متداولةٍ (نحن نعرف كيف تستعمل وتجلب أرباحاً)؟ كيف سيبقى الإله كرصيدٍ اقتصاديٍّ خلف كل عمليةٍ؟ هل هناك ثقةٌ مجانيةٌ (بضمان ميتافيزيقي) في أيَّة عملة نقديةٍ؟ وهل يمثل الله رغبة اقتصادية كنوع من التطهر السياسي لدولةٍ هي الأشرس؟ بأي معنى ينشأ مصطلحُ "الثقة" في مستنقع العولمة؟ وإذا كنَّا في الله نثق، فهل المجاعات والحروب القذرة التي يحركها الدولار تمثل أيضاً ثقةً في الله؟!

هنا سنقرأ عبارةَ الدولار (نحن نثق في الله) ككتابةٍ لمقدس دنيويٍّ جديدٍ. إنَّها ظاهرة غير دينية، لكنها توظّف كلَّ دين وأيَّة ذخيرة ميتافيزيقية لتحقيق المآرب والمصالح. ذلك يعرفنا ماهية الثقة العابرة للحدود والقوميات المتعلقة بالعملات النقدية. وما إذا كانت ثقةً مطلقةً بخلاف القيمة التي يحتلها الدولار أم لا؟!

الإيمان النقدي

في أحد جوانبه يعدُّ المقدسُ اقتصاداً ميتافيزيقياً يخضعُ للتداول في ورقةٍ هي الأشهر. ولئن قصدت منحَ الثقة لله، فالثقة ليست ذاهبةً إلى كائن متعالٍّ. الأسواق تعتبرها صفقةَ استثمارٍ طويل الأمد في ثرواته الاعتقادية. كل تجارة يتوسطها الدولار بهذه الثقة لهي بيع وشراء بضمان أشبه بالمراهنات. فأمريكا التي تحدد معنى الإله برجماتياً هي التي تطلب من البشر المراهنة عليه بشكلٍّ غير برجماتي. فالورقة تكتبه ضمنياً مع دلالة قبضه ومنحه (القبض والبسط) بالثقة والإيمان الإقتصاديين في مناطق العالم. وبخاصة أنَّ (المقدس) لا يتجنب إمكانية الطرح كسلعةٍ هذه المرة. لدرجة أنَّه قد ينتقلُ لطرفٍ من أطراف التجارة استناداً إلى سلطةٍ خفيةٍ. ذلك بنفس الضمان الميتافيزيقي لمتنه التاريخي كموضوعٍ يُفتّرض أنَّه خارج التلاعب به. لكن المفاجأةَ: أنَّه حينما يتابع المستثمرون تلك السلطة، لن يجدوا غير صندوق أسودعنوانه أمريكا بكل تاريخها الرمزي والاستعماري أيضاً.

2653 2 الدولار

البرجماتية تترجمُ المقدسَ في لعبة تداولية تعصف بأيِّ شيءٍّ أمامها. فإذا كانت الديانات تعتبر المقدس محظوراً، فالدولار يطرحه على مائدة الصفقات المشروعة والقذرة معاً. الإله المقصود ليس إلاَّ ربحاً ضمن الأرباح المحتملة، هو أحد مكاسب الصفقة ومن ضمن حزمة التداول. فالعلاقة المتعالية معه غدت علاقة طافيةً، لم تعد رأسية (إلى أعلى)، لكنها مرنة، مسطحة إلى أبعد مدى. وأحياناً تكون مشبعةً بالألعاب البهلوانية التي تقوم بها امبراطورية أمريكا في السياسة والاقتصاد. كأنَّها تهتف: انظروا هكذا نُصنِّع لكم القداسة يومياً في المتاجر والملاهي والحروب والصراعات. لقد تحوّل معنى الاله إلى خبز يوميٍّ (لنأكل خبزاً معاً: أي الربح وكسب النقود)، فيدخل من حينه كمادةٍ في الرق والمخدرات والجنس والاغتيالات والعمليات المخابراتية. فالدولار حاضر غائب كحال أمريكا بطول العالم وعرضه: هذا القناص العولمي الخفي - المتجلي، البعيد - القريب، الخيّر - الشرير، الوديع - الشرس. أليس ذلك دأبها المراوغ في أحداث الشرق والغرب على السواء؟

التقاطع بارز بين تسييس الإيمان إزاء المقدس ولو كان دنيوياً إلى درجة السياسة وبين قوة تتوحش تقنياتها المدنسة اقتصادياً. لتغدو على أثره سياسات أمريكا معبرة عن ألوهية مختلفة.  إن أمريكا في أحداث بعينها مرت بالعالم تدعى الألوهية فوق رؤوس الشعوب وتحدد قدراتها ضمن التناول الاعلامي ووسائط الصراع. كانت الثقة - كما سنرى- نقشاً للاهوت العولمة بجميع طاقاتها المعرفية والعسكرية والاقتصادية. والفلسفة بصدد هذا لا تحدد مقدارَ القوة المفترضة أو المزعومة، لكنها تحلل مواقف تضخمها إزاء سياق التفكير في النسبي والدنيوي. فكيف تشتغل دلالة الله داخل امبراطورية الشر كما يُقال على جسد ورقة خضراء؟ وأيَّة رغبةٍ تلك التي تلوي أعناق جميع الحقائق لتفعل ضد ما تزعم؟

ورقةُ الدولار هي اشكالية الشر باسم المقدسات ضمن الآفاق السائدة في المجال الدولي. أمريكا أكبر قوة أصابتها لوثة التَّوحُش الأسطوري خلال تاريخنا المعاصر. فغدت مؤثرةً بوصفها رصيداً غير مادي (وإنْ كانت كذلك) وراء مكانة الدول والمجتمعات. الورقة المالية تعدُّ حلقةً في سلسلة امبراطوريات السيطرة على العالم. لم يكُّن ممكناً التوقيع باسم الله دونما احتلال مكانته في العالم. وأمريكا ترتبط بالتقديس السياسي المتجدِّد في تاريخ المجتمعات البشرية. فإذا كانت الديمقراطية شكلاً من أشكال " فلترة "filterization  المقدس (أي تنقية معناه وتحويله)، فإنَّها تسمح بإعادة هضمه ولو في إطار إنساني. أي هي تحاول انسنته في إجراءات وخطط تعطي المبادرة للفعل البشري.

ونحن أحياناً لا نفهم قداسةً مزعومةً في أغلفةٍ خارج نطاقها التقليدي. فالدولار يُواصل ممارسة طقوس الاعتراف والاقرار لكل من يعطيه ولاءه عولمياً. ومضمار الدين عادة مضمار يحمل آثار العنف من قبل المهيمنين عليه. والورقة النقدية امتداد لآثار المقدس كما نوهت. ولا سيما أنَّ الله، المعنى المطلق، الغاية، ... أشياء تأخذها السلطة قصداً دون سواها. وإلاَّ ما الذي يدفع قوة عولمية لجعل الله مصدراً لثقة هي تطلبها (حصرياً) من الآخرين قبلما تمنحهم إياها جزئياً؟!

عولمة الإله

الإيمان المطروح على ورقة دولار هو موت نيتشوي آخر للإله. في مطلع الحقبة المعاصرة ردَّدَ نيتشه: " الإله قد مات " ليجئ الدولار معولِّماً المقولة على نطاق جيو سياسيٍّ. ولتصبح مقولة نافذة في اشعال الفتن وإزكاء الصراعات وبالوقت ذاته جني الأرباح. وليس كيان المقدس، غموضه، سلطته، أشياء تخبُو من أول وهلةٍ. لكنها تتراجع في مقابل هيمنة القوة الأمريكية على مقاليد الأحداث. وعبر الحيز الاقتصادي نفسه الذي تملأه عملات نقدية مختلفة، تستولي المرجعية الدولارية على خلفياتِ مشهدها كاملةً.

الثقةُ النقدية نوع من تسليع لفكرة اليقين، تحويلها إلى تبادل ليس لأطرفها إلاَّ امتلاك مؤقت تجاه قوة أكبر. بحيث عندما نثق في شيء، يصبح متاحاً بضمان القوة الأكبر التي تسيطر على التجارة والأسواق والبنوك. بدليل أن  الدولار- الحامل للثقة في الله- قد أصبح معياراً للتحويلات المالية. وفي مجتمعات نامية يأكلها (الصدأ التراثي يومياً) تعتبر ورقة الدولار عملةً سحريةً تتحكم في مفاصل الدول. لا توجد أية أرصدةٌ وأصول مالية ثابتةُ إلاَّ باسمه خصيصاً. فأيُّ إله هذا الذي يقصده الدولار رأساً؟ أهو إله يخترق (كالفيروسات الإلكترونية) جميع أنظمة التعاملات الاقتصادية؟

يبدو أنَّ أمريكا تدرك الصدود من المجتماعات والدول أمام سياساتها المراوغة، فمررت ورقة تدخل أية مجتمعاتٍ مهما يكُّن تناقضاتها. والمماثلة هنا واضحة تمام الوضوح: إذا كان (اللهُ الماورائي) المعروف يهيمن على العالم بحسب الاعتقاد الديني، فلِمَ لا تمارس القوةُ الأمريكية دوراً كهذا في ربوع العالم؟! لكن المدهشَ هذه المرة هو التسلُّل على جناح الدولار حيث لا يتوقع أحدٌ.

والفكرةُ السابقة لا تخرج عن عدة احتمالات:

- تؤكد الورقةُ الدولارية الشكل الإلهي السياسي للتأثير الاقتصادي على نطاقٍ أوسع.

- يرسخ الدولار نمطاً من اقتصاد السوق المسعور لمزيد من الأرباح والأطماع والمكاسب.

- يربط التداول الدولاري جوانب المجتمعات (المستعمرة عن بعد) بمرجعيةعليا (البورصات والهيئات النقدية الدولية) ليست متواجدةً في سياقها المحلي.

- ينقل الدولار المسؤولية إلى أمريكا فيما يجري باسم العولمة والتحديث والتنمية والمعرفة.

- يشحن الشعار (كالمولِّدgenerator ) أصحاب الدولار لاجتياح العالم اقتصادياً وسياسياً.

- الاستحواذ على دلالة الله في صناعة ثقيلة تشبه الصواريخ العابرة للقارات وتوازي القنابل البيولوجية والنووية.

- إذا كان  معنى الله أكبر (حادثة ميتافيزيقية) في تاريخ البشر، حتى إنكاره، فهو أضخم إنكار نتيجة غيابه الأعظم، فإنَّ ثمة احلالاً وتبديلاً بآلهة أخرى تنبت وتتسلق في ذات المكانة على الأوراق النقدية.

- يبرر الدولار وسعاره سلفاً ما سيحدث في العالم بأصابع أمريكيةٍ. والدولار بهذا يرسم خريطةَ المصالح التي تلتهم المسافات والحدود بين الدول والمجتمعات.

النقطة الأخيرة تتضح في مقولة "ليبارك الرب أمريكا" كما يردد رؤساؤها أمام الجماهير. المباركة ليست حفظاً ضد الأعداء ولا بكونها دولة طائعةً للرب وإن قصد بعض أتباعها كذلك. لكنها مباركة استراتيجيةٌ ذات أبعاد ميتافيزيقية كنوع من الهيمنة الاستباقية على العالم. الدولار مباركة مجانية تمثل رصيداً إلهياً لا ينضب في إخضاع الشعوب الفقيرة لها. إنَّها تأتي بأقاصي العالم ليصب في مجري الاقتصاد الأمريكي. وأيّة مباركةٍ للإله غير إخضاعه دول العالم لقوة عولمية تقف بها بمنأى عن الأخطار. وبهذا حتى لو رأى البعض اغتصاب القوة الأمريكية لمكانة الله، فهو شيء مقبول منه فيما يبدو، بل سيحبذه الله لدولة هي المباركة دوماً.

لعلَّنا نتذكر تقسيم جورج بوش الابن خريطة العالم إلى (محور الخير ومحور الشر). وبالطبع لا يعقل لدولة تثق في الله إلاَّ أنْ تقف مع الخير دائماً. فالشر بالنسبة إليها سيكون غدراً، خلسةً، سيتم بليلٍّ كما حدث في الحادي عشر من سبتمبر. وبالشعار السابق عندئذ، لو اعتدت قوةٌ شريرةٌ على أمريكا، فإنَّها ستعادي الله مباشرةً. وبموجب الثقة والإيمان المبذولين من قبل الـ" نحن" الأمريكي واتباعه، فإنَّها ستتشبث بقهرها آجلاً أم عاجلاً.

2653 3 الدولار

لقد جَّهَز بوش الابن جيشاً يثق في الله لتحصيل أرباح الثقة الميتافيزيقية المكتوبةِ، فاحتل العراق بحثاً عن النتائج والغنائم. لقد دمر مجتمعاً عربياً باسم هذه الثقة الممنوحة. فكان تدميراً ساحقاً كحال التداول المالي العولمي الكاسح. ابرز النتائج اخراج خريطة الخير والشر الأمريكية إلى حيز الوجود. وبالتالي فأيُّ طرفٍ يقف في جانب الشر، سيكون ضد الله وضد الخير وضد أمريكاً في آنٍ واحدٍ. لأنَّ نحن كضمير للمتكلم بقي مجهلَّاً ليحتوي على أكبرَ قدرٍ من القوة ومن البشر جمعاً لا فرداً.

أسطورة الثقة

الدولار قوة ناعمة soft power تتسلل بأريحيةٍ بين مؤيديه ومعارضيه. ثمة قضيةٌ دينية: ما إذا كان الإله فاعلاً إزاء الشيطان أم لا؟ هل كان صراع الخير والشر بلغة بوش الابن سيحدد مسار الأحداث. كلٌّ دين به عقيدة حول هذا الموضوع. لدى الاسلام أنَّ التدافع بين البشر أساسُ الحياة (لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض). ولولاه لهُدمّت صوامع وبيع يُذكر فيها اسم الله كثيراً. بينما ترى المسيحية في الخطيئة عقاباً كان صلبُ المسيح ضرورياً على أثره لخلاص المخطئين. فالرب ضحى بنفسه في صورة الإبن لإمداد هؤلاء البشر بأسباب الحياة الخيّرة.

الدولار يطرح القضيتين في " صليب مالي " جديد هو الصراع الشرس باسم الخير، بدلالة الثقة في الله التي تضمن ورقة مالية لا تنتهي مآربها. وهي عندما تحملُ معنى اللهَ والايمان به، فهي خلاصٌ لاهوتيٌّ دنيويٌّ كما يبدو (الدين مقلوباً). إنَّها تصوغ اسطورة ورقيةً تصبحُ عفريتاً خفياً بموجب القوة الشرائية يحقق كلَّ شيءٍّ في غمضة عينٍ. الدولار أشبه بمصباح علاء الدين في التراث العربي الذي يتم حك جانبه لإحضار العفريت. وبالتالي ما على صاحب الحظ السعيد إلاَّ فركُّه ليخرج العفريت واضعاً ما يتمناه بين يديه. كل شيء: ثروات، أسلحة، مؤامرات، قلب أنظمة الحكم، حقوق إنسان، ديمقراطية، نفايات نووية، قطع غيار بشرية، صناعة الارهاب ومؤسسات مدنية بأغراضٍ سياسية أخرى.

2653 4 الدولار

لكن هل هذا الشبح الأمريكي شيطان أم إله؟! الاسلاميون يعتبرونه شيطاناً رجيماً. ثمة تعبير كان ابن لادن يعتبره ملائماً لأمريكا " الشيطان الأكبر" ، كما  كانت العبارة نفسها تستعملها الأحزاب الدينيةُ مثل حزب الله بلبنان. ومن قبلهما كان الايرانيون يسمونها شيطان الشر والحرب. وتلك الخطابات التي تشيطِّن أمريكا كانت مدفوعةً بالهوس الأيديولوجي نفسه للشر. فمن يقفُ بجانبها (أي أمريكا) هم الصالحون الأخيار بينما الأخرون هم الفجار، الأشرار.

مصدر الطرافة: أنَّ الإله على ورقة الدولار يتحول إلى شيطان. فتغدو أرصدة الثقة الممنوحة له جحيماً لا يُطاق. ولأنَّ الاثنين (الاسلاميون بجماعاتهم) و(أمريكا بقوتها) يلعبان اللعبة نفسها، فهما الأقدر على صناعة الشيطان دون غيرهم. كما أنَّ الطرفين كقوتين يعرفان بعضهما البعض جيداً كما لو لم يُعرفا من قبل. كلُّ (شيطان سياسي هو تأويل اقتصادي لإله خرجَ من أيدينا. حتى العولمة التي نراها لاهوتاً كونياً يقلد وظائف الدين من حيث كونها تخضعُ لألعابٍ صراعية خارج السيطرة. فالميدان أوسع على اتساع صورة العالم، واللا معايير متوافرة، والقدرة شبه مطلقة، والحقائق غائية ولا توجد قوى أخرى غير أمريكا وحلفائها يمكن أن تجاريها. إذن بناء على أيِّ شيطانٍ أنْ يُقدِّر الأقوى سياسياً وعسكرياً مصالحه باسم الله.

الأوراق الماليةُ تشرِّع هذا الأمر مبكراً من فورها. فهي مسكوكة لتبادل المصالح والأغراض، فكيف إذن ستحقق الثقةَ المعلقة على كائن مفارق؟ المصالح تلاقى، المصالح تتصالح كما يُقال، لكنها تتصارع بذات الدرجة القصوى. وهي تحمل التناقض في انقلابها الأسطوري من الألوهية الموثوق بها إلى الشيطنة خارج إنسانيتنا. وهذا ما يُردَّد في كواليس السياسة الأمريكية ولاسيما خلال عهد المحافظين الجدد سابقاً، حتى قيل إنَّهم كانوا يشكلون صقوراً بمرتبة مجلس حرب دائم الانعقاد.

إنَّ اتخاذ الدولار كعملةٍ خارج المنافسة يُنشئ أسطورةَ إلهٍ لا يملك شيئاً. ومع ذلك يتعلق به كلُّ شيءٍّ آخر أو هكذا سيذهب ضمنياً إلى حيث يريد. إنَّه فراغ القدرة المفقودة في كل دولةٍ على المنافسة الاقتصادية المفترض أن تكون. فلا تجد بداً من الخضوع إلى الأسُهم المرتفعة للثقة في إله الدولار. فطالما أنَّ الثقة معلقةٌ بالمقدس فستترك وراءها شكاً بملء العالم. وهذا اعتقادٌ تبني عليه السياسةُ الأمريكيةُ استراتيجياتها في منطقة الشرق الأوسط على سبيل المثال. لذلك لاتترك أمريكا أية منطقةً دون التدخل عن قرب أو عن بعد أو بالإنابة أو بقفازاتٍ غير مرئية مثل المنظمات والاحلاف والمؤسسات الدولية بأصنافها الأممية والأمنية والعسكرية والإقتصادية والحقوقية.

2653 5 الدولار

كلُّ شيءٍّ يجري بموجب أساطير هذه الثقة التي تتحدث بها أمريكا. لأنَّها تجري في العراء الكوني للعولمة بلا نهايةٍ وبلا حدودٍ. والتفسير غير الوارد هنا لكنة محتمل في كل الأحوال: طالما أنَّ الثقة محصورةٌ في الله، فلن تُبْذَل ذاتُ الثقة لأي كائن آخر. وهذه هي الخطورة التي ترد من باب الدين. فكلُّ الدجمائيين (دينياً وسياسياً) حينما يضعون ثقتهم في الله برجماتياً بلا ضمان لمن يتلقاها من البشر، فإنها ستنقلب إلى يقينٍ مفترسٍ. أي: أنَّها ستكون ممنوحة النتائج والثمار أخيراً لمن يضعها بنفسه من هؤلاء البرجماتيين في الله. سيكون اللهَ هو (حلقةُ الوصل) التي سترُدَّها إلى صاحبها كاملةَ الأرباح والفوائد والسخرية من مداوليها. وكأنَّ أمريكا حينما تتداول " نحن نثق في الله" تقول أيضاً: نحن نثق في أنفسنا ولا شيء غير أنفسنا عبر هذا العالم الواسع. وأنَّ هذه الثقة التي نمنحها لمن نشاء قد سقطت علينا كالهبة من السماء. نحن نعطيه (أي الله) إياها لتعود إلينا أضعافاً مضاعفة بكل المكاسب والقوة.

لذلك تتقمص أمريكا دائماً دور (الدولة الأسطورة) بعبارة ارنست كاسيرر. لأنَّ الثقة تهبط بمطلق الألوهية (أي بصيغة العولمة) على هذه الامبراطورية العسكرية خارج حدودها. وليس التفاف هذه الثقة عبر السماء إلاَّ لكي تتنزل بهذا الإطلاق الميتافيزيقي كما بدأت.

 

د. سامي عبد العال

 

 

اسعد شريف الامارةمن سيجموند فرويد "النمساوي" مؤسس التحليل النفسي إلى جاك لاكان "الفرنسي" رحلة عمق الفكر الفرويدي وتأصيله في العلاج والتدريس وتحليل الظواهر النفسية باسرها، كتب "مصطفى زيور" رحمه الله وهو أول من أسس لفكر التحليل النفسي العربي في مصر والوطن العربي نقلا عن "سيجموند فرويد" في رسالته إلى "فليس" أن البحث في ميدان التحليل النفسي يتميز بصفة لا مثيل لها في ميادين البحث الأخرى، فالبحث في أحوال النفس يقتضي من الباحث فحصًا ونضالًا فوق فحصه ونضاله مع الوقائع موضوع البحث، يقتضي منه فحصًا لذات الباحث ومغالبة للنفس حتى يغلب عزوفها عن الحق والمعرفة ذلك أن البحث في أعماق شخصية الإنسان يتصل اتصالًا وثيقًا بشخصية الباحث نفسه ويرتد في النهاية إليه، فكأن موقفه أشبه بموقف الرجل أمام المرآة لا يكاد ينظر فيها حتى يرى نفسه.

ثم جاء الفرنسي "جاك لاكان" ويحق لنا أن نسميه فيلسوف التحليل النفسي اضاف الكثير لهذه المدرسة العريقة التي وضعت أسس علم النفس الحديث، علم نفس الأعماق أن تمتد لجميع معارف الحياة وعلومها، أستطاع أن يؤسس منحى عميق في رؤيته للتحليل النفسي فهو الذي عرض رؤيته عن علاقة ثنائية بين أنا وأنا آخر، وقوله قد يكمن بالنسبة للذات في موقعة التكاثر الخيالي، ودراسته المعمقة عن اللاشعور برؤى مختلفه وَعد أن للاشعور لغة خاصة، وكان يعتقد "لاكان" أن للغة فلسفة خاصة لاسيما أنه تعمق في اللسانيات ودرس المعطيات اللسانية بطريقة نفسية تحليلية، وقوله: إن الكلمة هي حضور الشيء الذي تدل عليه وغيابه في آن معًا، وهي تطرحه في ذاته، في نظامه الواقعي، ومن ثم يترتب عن فعل الدلالة "هذا" نظامان منفصلان رغم أنهما إحاليان: أي الواقعي واللغة.

نحن في رابطة الفضاء الفرويدي الدولي نعرض ونتحاور ونناقش أراء علماء التحليل النفسي بجميع اتجاهاته والاضافات التي تواكب الظواهر النفسية وما كتب عنها وتم معالجتها، وأساليب العلاج النفسي التحليلي.

 تضم هذه الرابطة أعضاء من كل دول العالم والدول العربية ممن تخصص في التحليل النفسي ودرسه ومارسه في العلاج والتدريس ونشر أفكاره في كل مجالات المعرفة من المسرح والفن والسينما والعلاج بالسيكودراما ونذكر في ذلك العلامة الدكتور حسين عبد القادر الذي تخصص في العلاج النفسي التحليلي الفرويدي بالمسرح وطبق فكرة علاج الفصام من خلال المسرح النفسي، فقد عرض في رسالته للماجستير "الفصام : بحث في العلاقة بالموضوع كما تظهر في السيكودراما" أبان عن أن السيكودراما ليست غير تنويعه وكوكبة من بين تشكيلة التباينات التي يمكن أن يتخذها النمط الكيفي الواحد لكل العلاجات النفسية، فضلا عن الرواية والقصة والفنون الاخرى في هذا الفضاء الفرويدي الدولي، تكون أمام معرفة ليس لها مثيل في أن تبحر بفكر التحليل النفسي من سيجموند فرويد النمساوي إلى فكر مصطفى زيور العربي المصري مؤسس مدرسة عين شمس في القاهرة ومصطفى صفوان، وفرج أحمد فرج، وصلاح مخيمر، ومحمد شعلان، وفرج طه، إلى عدنان حب الله اللبناني، إلى ميلاني كلاين وهيلين دويتش وأنا فرويد ثم " جاك لاكان" في عمقه من اللغة إلى اللاشعور والخيال العميق ثم الرمز في كل مجالات الحياة، أنه يعبر بك لربط العلاقة بين الدال والمدلول، أنه يسبر غور النفس الإنسانية في السواء واللاسواء، في الذهانات والاوديب، ولا ننسى بصمات العلامة المصري العربي الشهير مصطفى صفوان وما تركه من عمق في الفكر الإنساني عالميًا من خلال قراءاته المعمقة عن النفس والاوديب والسلطة والإنسان العربي. أننا في رابطة الفضاء الفرويدي الدولي نستمتع بعبق النفس الإنسانية ونسبر أغوارها مع معالجين تخصصوا في التحليل النفسي من فرنسا يشاركون الكل في لقاءاتهم بمحاضرات قيمه عن تطبيقات الفكر الفرويدي الإنساني عن الطفوله كما أدلت به المحللة النفسية المعاصرة الفرنسية " جيزلين ديبوس كورتي" في محاضراتها على منصات التواصل عن العلاج النفسي للأطفال وكانت بعنوان خلق الصور النفسية وإعادة تنشيطها أثناء العلاج في لحظات إعادة إيقاظ حلم اليقظة. وكذلك "أوريليا ميستر" المحللة النفسية والفيلسوفة والمدرسة بجامعات باريس 7، 13، 1 . وتعرض ما قدمته الحركة الاكلانية "فكر جاك لاكان" للتحليل النفسي.

 تتناول رابطة الفضاء الفرويدي الدولي في باريس موضوعات مثل الرؤية اللاكانية للنسيان الفرويدي من "فرويد إلى لاكان" حيث يديرها من تخصص في العلاج النفسي التحليلي ويمارس عمله العلاجي في باريس وهو الدكتور محمد درويش المصري الذي يمسك زمام الفكر الفرويدي التحليلي بكل فروعه، رغم أنه أجاد في الفكر الفرويدي الكلاسيكي بمدرسة مصطفى زيور في عين شمس إلا أنه غَرف من الفكر التحليلي اللاكاني ممارسة وتطبيقا للعلاج النفسي التحليلي والتعليم والتطبيقات الميدانية.

تعود بنا هذه الرابطة الدولية للفضاء الفرويدي بقوة طروحاتها على الفرد ذاته كمتخصص وإنسان عشق التخصص في التحليل النفسي ومارسه بصدق وعمق، حيث تكشف لنا هذه الرابطة بلقاءاتها المنتظمة وبمشاركة ممن تخصصوا بالتحليل النفسي بكل مجالات العلوم النفسية وآمنوا بالتحليل النفسي فكرا ومبدءًا وطريقة للعلاج من مختلف الدول العربية، من مصر وسورية والاردن والعراق ودول أوروبية اخرى، ويستمر عطاء هؤلاء الناس ممن تخصصوا في العلاج النفسي التحليلي والتدريس في الجامعات العربية والأوربية والتحليل النفسي للفن والأدب والشعر والرواية والقصة، حيث يمارس المحلل أعلى درجات التخصص في علم النفس، شفاء الموجود الإنساني، شفاء في الأعماق، وتحليل للأعمال الفنية، التحليل الأعمق والأروع والاصعب كما يقول "بيير داكو" وخلاصة قولنا أن المحلل النفسي هو جراح للنفس.

 

الدكتور أسعد شريف الامارة - * استاذ في علم النفس

عضو رابطة الفضاء الفرويدي الدولي- باريس