قاسم حسين صالح2020 انموذجا

تعريف: عرض في رمضان هذا العام مسلسل(2020)تأليف بلال شحادات ونادين جابر،  واخراج فيليب اسمر،  وتمثيل: نادين نسيب نجيم،  قصي خولي،  كارمن لبّس،  فادي إبراهيم،  حسين مقدم،  رولا بقسماتي،  رندة كعدي،  فؤاد شرف الدين،  وسام صليبا،  جنيد زين الدين،  ماريتا الحلاني،  وآخرون.. وهو انتاج سوري – لبناني مشترك تكفلته شركة (الصباح أخوان)،  وعرض على شاشة “أم تي في” اللبنانية و”أم بي سي” ومنصة “شاهد” VIP .

مضمون المسلسل

يتناول المسلسل قضية اجتماعية بوليسية حملت ملفا بعنوان (2020)،  وتدور أحداثه حول العدالة والحب، جسّد محورها الرئيس الممثلة نادين نسيب نجيم ( سما) التي لعبت دور نقيب في قوى الأمن الداخلي، وقررت إكمال مسيرة شقيقها الذي قُتل على أيدي عصابة تتاجر بالمخدرات، فيما لعب الممثل قصي خولي (صافي) الديب دورالعقل الذكي المدبّر لعصابة تقوم بتعبئة المخدرات بالخضار في سرداب تحت سوق للخضار يديره بتعامل لطيف مع الزبائن، هو و( ساره) و(بلبل) بهدف كسب ودّهم لتغطية ما يجري تحته من تعبئة للمخدرات تقوم بها فتيات قاصرات.. وتدخل (سما) عالم (صافي) الداخلي والأسري للأيقاع به وتقديمه للعدالة، وتنجح في ايقاعه بغرامها، ويزداد لحظة رؤيته لها من غير حجاب.. وتتورط في وقوعها بحب من جاءت لتنتقم منه! 

وامتاز المسلسل، بصناعة درامية ليس فيها فائض معنى، لمحتوى فكري ما كان تقليديا مع ان موضوع المخدرات مكرر في الدراما العربية، لكنه اعطاها بعدا اجتماعيا للطبقة المسحوقة بالتقاطه فتيات قاصرات لا يجدن قوت يومهن وضعهن امام ثلاث خيارات:اما السقوط في عالم الدعارة، او الضياع في المجهول، او تعبئة المخدرات في مكان يوفر لهن السكن والطعام وألأمان. ومن مفارقاته انه قدم تاجر المخدرات (قصي) بشخصية تولّد لدى المشاهد حكم النقيضين: الأعجاب به بوصفه مثالا للشهامة والنخوة ومساعدة الفقراء ومخافة الله بترديده عبارة (ياعفو الله).. والأدانة، بوصفه يدس السموم للناس في الخضار من اجل المال، في حارة بيروتية شعبية تمثل الفئات المسحوقة والفقيرة في البلدان العربية.

وتفرّد هذا العمل النوعي بتأمين اهم اربعة عوامل في الدراما التلفزيونية: جودة الحوار والسيناريو، والاخراج، واداء الممثلين، وضخامة الانتاج.. ليحتل موقع الصدارة ضمن افضل ثلاث مسلسلات في رمضان 2021،  بلغت معدلات مشاهداته مئات الملاييين.

لماذا الشرط السيكولوجي

الدراما.. فن مسرحي او تلفزيوني تتناول موضوعاتها صراعا بين قيم او مواقف متضادة (خير وشر، حب وكره،  وفاء وخيانة، حاكم ومحكوم..) يشدّ المتلقي اليه فيتابعه لأنه يثير بمركز الأنفعالات في الدماغ مشاعر الحب، الكره، التعاطف، الأستمتاع.. والتواصل الى أن يرى النهاية التي تكون غامضة في مسار الأحداث. وحديثا تعني الدراما ادب المفارقات الذي تكون فيه المقدمات تخالف النهايات، بشكل تجعل المتلقي في حيرة تدفعه لمتابعة تسلسل الاحداث فتحدث المفارقة التي تدهشه.

وتتمثل عناصر الدراما بالفكرة الرئيسة، وحبكة الصراع ولغة الحوار، وتصاعد الاحداث، ثم الذروة فالنهاية او الحل، وكفاءة ابطال العمل من الممثلين، فضلا عن الموسيقى التي تزيد الاثارة والتشويق وفضول الترقب وقلق التوقع.

لغتا الجسد والعيون

كثيرون لا يعرفون ان حصة الكلام (اللغة اللفظية) في احاديثنا التقليدية تشكّل بحدود 45% ، فيما تكون حصة لغة الجسد من التواصل بحدود 55% ! ، اي ان اقل من نصف المعنى يأتي عبر لغة الكلام، فيما يأتي اكثر من النصف من لغة الجسد، تصل لجهاز او مركز في الدماغ خاص بفك الشفرات ، فأن فسّرها بشكل صح، حصل تفاهم وتودد.. وربما الوقوع في الحب!، وان فسّرها بشكل خطأ، ادى ذلك الى نفور او خصومة.. وهذا هو الشرط السيكولوجي لنجاح الدراما التلفزيونية، ما يعني أن على العاملين في الدراما التلفزيونية ان يمتلكوا ثقافة جديدة بالسلوك غير المنطوق (لغة الجسد) لانها هي التي تزود الممثلين بأفضل المفاتيح لمعرفة المشاعر الداخلية للشخصية التي يجسدها، وما اذا كانت اللغتان (اللفظية وغير اللفظية) متطابقتين بالمعنى، او ان احداهما تحمل معنى يناقض ما تحمله اللغة الاخرى، فيكون المشاهد في حيره.. ايهما يصدق: كلامه ام لغة جسده؟.

وعن لغة العيون، فنحن نعرف ان العين تعطي اشارات الاتصالات البشرية الاكثر كشفا ودقة وصدقا.ففي الحب،  العين هي التي تتكلم قبل اللسان، وفي اشعار الغزل والاغاني، العين هي موضوع الحب ورسول الغرام حين تتعطل لغة الكلام. لكن ما لا نعرفه هو ان بؤبؤي العينين يتمددان ويتقلصان تبعا لتغير المزاج واليهما يرجع التأثير الذي يحدثه فيك عدوك او حبيبك!. فلحظة يستثار الشخص عاطفيا فأن بؤبؤي (انساني) عينيه يتمددان الى اربعة اضعاف حجمهما العادي.فالعشاق يتطلعون عميقا في عيون بعضهم البعض، ولك أن تتذكر أيام شبابك كيف كنت لا تمل من النظر في عينيها!.ولهذا تعمد الاماكن التي يرتادها العشاق ان تكون مضاءه بالشموع، والسبب لا يخص رومانسية الشمعة وحدها، بل لأن الضوء الخافت يساعد على تمدد بؤبؤ العين فتغدو واسعة برّاقة جذابة.أما حين يتعكر مزاجك أو تغضب فان البؤبؤين يتقلصان فتبدو العينان صغيرتان كعيني حيّه.. وهذا ما تغفله الكثير من مشاهد الحب في الدراما التلفزيونية العربية.. لأن المخرجين ما كانوا قد تلقوا هذه المعلومات في تحصيلهم الأكاديمي، أو انهم يتجاهلونها، ولا يعرفون ان الدراسات توصلت الى ان الشخص حين يكون غير صادق او انه يكتم معلومات، فأن عينيه تلتقي عينينا اقل من ثلث الوقت، وأنه حين تلتقي عينا شخص بعينيك اكثر من ثلثي الوقت فهذا يعني واحدا من أمرين:اما انه يجدك شيقا جدا او مغريا وجذابا.. وفي هذه الحالة تكون النظرة المحدّقة مصحوبة بتمدد بؤبؤي العينين، أو انه عدائي اتجاهك.. وفي هذه الحالة يتقلص البؤبؤان. 

لقد توسعنا قليلا في تحليل لغتي الجسد والعيون سيكولوجيا لنصل الى هدفنا في التدليل على أن السيكولوجيا هي الشرط في نجاح الدراما التلفزيونية، وأن سبب فشل الكثير من المسلسلات الدرامية التلفزيونية العربية، هي افتقار المخرج والممثلين لهذا الفهم السيكولوجي فتكون النتجة ان المشاهد يرى الممثل.. يمثل ولا يعيش الفعل سيكولوجيا.. وهذا ما استطاع مسلسل 2020 أن يتخطاه ليشكل انموذجا في توظيف السيكولوجيا.

لقد تابعت أداء نادين وقصي بعين السيكولوجست، لا بعين المشاهد، فوجدت أن كليهما كان موفقا في توظيف لغتي الجسد والعين، بالمعاني التي ذكرناها، في تجسيد انفعالات الحب، ونقيضها الصعب.. الأنتقام من المحبوب!.ومع ان هذا يعود الى امتلاكهما موهبة متميزة وقدرة عالية في التمثيل، وانسجام نفسي بينهما يعود الى مشاركتهما بمسلسل (خمسه ونص- 2019) فان الدور الرئيس يعود الى المخرج فيليب أسمر، الذي فاجأني بأنه في الثلاثينات من عمره ويمتلك موهبة استثنائية في الأخراج وثقافة سيكولوجية في فن التمثيل، اجاد توظيفها بالمشهد في حلقة (24) الذي يلتقي فيه قصي بنادين.فمع أن طول المشهد بحدود ثلاث دقائق.. لكن تصويره استغرق ساعات.. ما يعني ان المخرج اوصل نادين وقصي الى الحالة التي يتجسد فيها الصدق السيكولوجي.. ليثير لدى المشاهد انفعالات التعاطف والتأثر.. في حالة تنسيه أنه يعيش مشهد تمثيل!. وفي رأيي ان هذا المشهد، تحديدا، ينبغي ان يعتمد في تدريس مادة سيكولوجيا الدراما في اقسام المسرح والتلفزيون بالجامعات العربية.

 تهنئة من سيكولوجست متخصص بتدريس سيكولوجيا الأبداع في الفن.. لمؤلفي العمل، بلال شحادات ونادين جابر، والمخرج فيليب اسمر، والرائعين نادين وقصي، ولكارمن لبس (رسمية)، وفادي ابو سمرة(سلطان) الذي نجح في جعل المشاهد يكرهه لتجسيده لغتي الجسد والعين للوضيع والمنبوذ اجتماعيا. وتحية للمثلين الآخرين وطاقم العمل، ولشركة الانتاج (صباح أخوان).. التي نتوسم فيها بانتاج عمل جديد توظف السيكولوجيا لتحدث بها انعطافة علمية تؤمن شرط نجاح الدراما التلفزيونية العربية.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية 

بليغ حمدي اسماعيلوأنت تطالع بشغف ثلاثية الأستاذ محمد حسنين هيكل "المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل" ينبغي عليك الوقوف طويلا متأملا العبارة التي افتتح بها ثلاثيته السياسية الأشهر في نهايات القرن العشرين تحديدا في مارس 1996 والتي تقول: الاهتمام بالسياسة فكرا أو عملا يقتضي قراءة التاريخ أولا لأن الذين لا يعرفون ما حدث قبل أن يولدوا، محكوم عليهم أن يظلوا أطفالا طول عمرهم" . ولعل ما سطره الأستاذ الصحافي الكبير محمد حسنين هيكل يعد ضربا من وقائع اليقين المشاهد في عصرنا الراهن لاسيما وسط تزاحم هائل وشطط مستعر من عشرات بل ومئات الفصائل الدينية الإسلامية التي تقر الجهاد مبدأ لها ضد أعداء الدين ـ من وجهة نظرها ـ ووقت المهمة التي تتطلب التدخل الحقيقي لتجسيد هذه العقيدة الجهادية لديها نجدها بغير استثناء فصيل منها أو طائفة دون سواها تفر بعيدا ببوصلتها الأيديولوجية وتظل بمنأى بعيد عن الأحداث التي طالما تغنت بها وبتمجيدها وإعلان الشعارات الحماسية بشأنها تماما كما حدث مؤخرا عقب أحداث حي الشيخ جراح وغزة في فلسطين.

وليست المشكلة في مواقيت الفرار لدى جماعات الجهاد الديني المغرومة ـ حسب التوصيف اللبناني المحلي للافتتان ـ بالسلطة والمال والجنس فحسب، بل هي مشكلة الوعي والدراية بالواقع، وهو الأمر الذي يمكن أن نعنيه بالتنوير، هذه اللفظة التي كانت وستظل دوما محل تربص وشك وغموض وكراهية بالطبع لدى كافة الجماعات الدينية المتطرفة التي تعلن سعيها للخلافة وهي لا تفطن أن خلافة الأرض تتطلب أكبر قدر من الوعي والبصيرة والاستنارة وليس الوصول إلى وكالة الدين باستخدام العنف والقهر والترويع والاغتيال سرا وعلانية بغير رحمة .

وإذا طالعنا مشاهد بدايات التنظيمات الدينية المتطرفة التي خرجت عن منطق التصنيف والتوصيف بحكم انتشارها واتساع مداها وخصوصا في منطقة الشرق الأوسط المحموم بفتنة السلطة والدين والجنس والذهب، لاكتشفنا غياب المشروع النهضوي واضح المعالم والملامح عند التأسيس، وربما يباغتنا الواقف على الشاطئ الآخر بأن هذه الحركات نشأت تدريجيا وفق مراحل تاريخية معينة فهذا يجعلنا نهتم بالرد على غيبياته بأن أولى بديهيات التأسيس المعرفي لأي تنظيم أو حركة أو جماعة وإن كانت متطرفة الفكر والهوية خبيثة القصد والنية هي توافر مشروع نهضوي يحدد مسارات العمل ويستشرف نهايات الرحلة.

غياب المشروع التنويري لدى تلك الطوائف والجماعات هو الدافع الأول لتفسير حدة الهجوم على مشروعي النهضة المصرية على يد كل من محمد علي باشا والخديوي إسماعيل، ويكاد يجزم كثير من المؤرخين لحركة النهضة العربية بأن محمد علي باشا والي مصر المحروسة هو صاحب أول مشروع نهضوي عربي يتسم بملامح تنويرية وإن اختلفت أهداف النهضة لديه عن نهضة المواطنين آنذاك وإن كنت أظن أن التماسه لرفاعة رافع الطهطاوي في مشروعه التنويري هو بمثابة تجديد خفي للخطاب الديني وحركته وسط حالات مستدامة من جمود التجديد قبل ولايته، ففي تدشينه لمشروعه التوسعي بحكم أنه سيحكم مصر إلى نهايات غير محددة زمنيا، استهدف اقتناص فرصة ضعف الخلافة العثمانية التي بدأ المرض السياسي والاجتماعي والتحلل الأخلاقي يدب في أوصالها ومفاصلها وسط حالات من التخبط الفكري بين الجنوح المطلق صوب العلمانية أو استمرارية البقاء تحت مظلة خلافة وهمية واهية في طريق إلى زوال محتم، فكر محمد علي باشا في أن يقيم امبراطورية مصرية مقرها القاهرة ذات نفوذ عسكري وعلمي مستخدماً في ذلك كافة الوسائط الثقافية المتاحة وقتئذ من بعثات وترجمة واستلاب طاقة الأزهر الشريف الإيجابية في تعضيد مشروعه .

وبمنطق الجهل المتعمد لدى قيادات وأمراء وشيوخ جماعات الجهاد المزعوم لم يلتفتوا إلى راهنية هذه الفترة المهمة في تاريخ العرب وليست مصر وحدها، بأنه سرعان ما سقط محمد علي ومشروعه وفقاً للتحالف الأوروبي مع الكيان العثماني الضعيف والذي مارست الدول الأوروبية عليه كل ممارسات السيادة والقمع بحكم أن تركيا آنذاك لم تعد قادرة على الحراك السياسي في البلدان التي تخضع لها اسماً وتشريفاً دونما اتصال أو صلة رحم تاريخية .ورغم التوسع العسكري والحضاري الوئيد مقارنة بالاهتمام بتطوير البنية العسكرية فإن حركة التنوير لم تكن على نفس القدر إلا إذا اعتبرنا أن إنشاء المدارس الحديثة هي طور من تنامي الوعي بالثقافة .

ورغم أن كثيرين أكثر ولعا وهياما بالمشروع التنويري الذي أقامه محمد علي إلا أنه يبدو في تحليل نهاياته أقرب إلى بدايات التأسيس لدى جماعات الجهاد الديني المعاصرة، وهو عدم استشراف المستقبل أو قراءة وقائع التاريخ المنصرم بصورة كافية ووافية الأمر الذي جعل من مشروع محمد علي النهضوي فقيرا من الناحية التنويرية، ومن مشروع الجماعات الجهادية عدما بغير فائدة جماعية للوطن.

وعودة إلى قضية التنوير التي طالما غابت عن مشروعات النهضة لدى جماعات الإسلام السياسي إن كان لديها بالفعل مشروع قائم، أننا ألفينا بزوغ عهد الخديوي إسماعيل بن إبراهيم بن محمد علي الذي بدأ بتأسيس مشروع نهضوي وإن اختلف كثيرا عن جده محمد علي من كونه ـ المشروع ـ تضمن جوانب ثقافية ودينية وسياسية شتى بخلاف مشروع الجد الذي انصب على تكوين جيش قوي لمواجهة خلافة كانت في طريقها للتهاوي، بدأ عصر جديد وربما أول عهد مصري من التنوير الحقيقي في تاريخ مصر الحديث، وصادف هوى الخديوي إسماعيل بالحضارة الأوروبية وجود عقول مصرية وطنية ساعدت توظيف ميل إسماعيل إلى الأخذ بالحضارة الغربية وبتنوير الشعب المصري وإن كانت مظاهر التنوير مادية نوعية تخص فئات محددة أكثر منها معنوية تهم قطاعات المجتمع ككل .

هذه العقول بالفعل نجحت طواعية بغير إرهاب أو قهر أو تطويع سلطوي في إحداث تجديد ثقافي وديني لازلنا نتلمس نتائجها الإيجابية حتى وقتنا الراهن، وصاحب هذا التجديد الديني والثقافي تجديد سياسي حتى وإن كان في نظر بعض مؤرخي ثورة الضباط الأحرار 1952 تجديدا صوريا بغير جدوى، لكن المشكلة الأزلية لأي مشروع فكري نهضوي هي التوقيت أو بالأحرى مواقيت الاحتفاء بانتهاء المرحلة الأخيرة للمشروع والسعي لتدشين مشروعات أخرى مماثلة .

وحينما نتذكر الواقع المرير للمرأة في فلك جماعات الجهاد الديني، فلزاما علينا استرجاع تجربة مالالا زاي يوسف الباكستانية ومقولتها البارزة والغائرة بصدور جماعات الإرهاب حينما قالت: " اللَّهُ بَارَكَنِي بِحَيَاةٍ جَدِيْدَة " و بهذه العبارة افتتحت فتاة باكستان حديثها عقب إفاقتها من الغيبوبة التي دخلت فيها كرها بعد الاعتداء الوحشي على أيدي رجال حركة طالبان الإرهابية، والعبارة جد بليغة لأنها ذكرت أولئك الذين يتشدقون بالدين وهم بعيدون تمام البعد عن إسلامنا الحنيف بالقيم التي ينبغي أن يلتزموا بها . لكن الغريب في المشهد الثقافي أن المفتونين بشبكة التواصل الاجتماعي والجالسين ليلاً ونهارا أمامه بغير اكتراث بشرف المشاركة في الحياة الطبيعية وليست الافتراضية أنهم لا يعرفوا من هي مالالا يوسف زاي، وهو الأمر الذين يزيد من يقيني بفتور الحراك الديني التجديدي في الوطن العربي .

ومالالا زاي يوسف قصة إنسانية ضد خفافيش الظلام والظلامية وأعداء التنوير، فهي فتاة نشأت وترعرعت في ظل ثقافة حركة طالبان التي تدعي أنها حركة دينية أصولية وهي في الأصل لا علاقة لها بالإسلام ولا بأهله مطلقا، وهؤلاء يرفضون حتى لحظة الكتابة تعليم المرأة بوجه عام لاعتبارات ثقافية ترتبط برهاناتهم الفكرية والأيديولوجية وتعليمات أمرائهم وشيوخهم بأن في تعليم المرأة انهياراً للمجتمع الإسلامي . وحكاية مالالا تشبه آلاف الحكايا والقصص التي ترتبط بواقع الفتاة في مجتمعاتنا العربية الذي يصر ألا يرى في الأنثى عقلاً أو رأيا أو ذهنا وربما لا يدرك أنها بحق إنسان في ظل ثقافة ذكورية مريضة، فالقصة الاجتماعية ترى المرأة فتنة وغواية ومصدرا للشرور ذلك لأن تفكير النصف الأسفل من الجسد هو المسيطر على هؤلاء المرضى المتهوكين فكراً وعقلاً .

ولا شك أن مشكلة الثقافة الذكورية التي تسود مجتمعاتنا العربية والإسلامية أن لا تظن أو تتيقن بأن المرأة قادرة على المشاركة بجوار الرجل في النهضة والتنوير، وأن المحك الرئيس في الحكم عليها هو الكفاءة في العمل والإتقان في أداء المهام، لكن في ظل إقصاء المرأة بعيدا عن الحياتين السياسية والاجتماعية وتضييق مشاركاتها وقصرها في قضايا وظواهر اجتماعية محددة كالزواج والإنجاب والطلاق، وباتت اليوم محل اهتمام لدى أمراء وقيادات وشيوخ جبر خواطر النساء حينما أصبحت بغير إرادتها وسيلة من وسائل الجهاد أعني وأقصد جهاد النكاح وجهاد الحب  .

وبحق إن قيادات وأمراء الجماعات التكفيرية المعاصرة لم يتعلموا  يتعلمون الدرس جيدا ولم يفطنوا لفلسفة التاريخ، وأنهم في واقع المشهد ينقرضون تدريجيا في ظل أفكار بعيدة عن الإسلام وتعاليمه وفي ظل تكريس ثقافة نكاح الجهاد وهم في غيهم وضلالهم بأنهم في جهاد مستمر مع الباطل ولو اكترثوا قليلا وأبصروا بعدسة الداخل التي ترى النفس الداخلية لوجدوا أنفسهم أكثر سوادا وغبنا وحماقة .

لكن من الواضح أن حركة التنوير لم تصل بعد إلى حد شيوع الثقافة السياسية والاجتماعية المستنيرة وبالقطعية بعض رجالات الفكر الديني المعاصر أيضا الذين لا يكترثون إلا بمسائل النكاح والزي الديني وسفور المرأة وحكم تناول الطعام والشراب باليد اليسرى، ولعل أبرز أسباب فشل التنوير في مجتمعاتنا العربية هو فقر التوظيف المعرفي للنظريات النقدية، فلقد شاع في نظر كثيرين ممن لا ينتمي إلى الثقافة الليبرالية والتيارات المدنية أن التنوير ارتبط بنقد الفكر الديني أو بالأحرى نقد النصوص التراثية التي كتبها السلف، ولربما في ظنهم قليل من الصحة أيضاً، لأن كثيرا ممن استبقوا طوابير التنوير والمشروع النهضوي العربي قاموا بتوجيه بعض اللوم على كتابات رجال الدين لاسيما المتفقهين منهم .

ثم أفرد المعاصرون صحائف كثيرة من مصنفاتهم لنقد العقل العربي ونقد نقد هذا العقل في تفكيره وتأويله وتلقيه للنصوص الدينية في عصورها التاريخية المختلفة، حتى وقتنا الراهن يقع كثيرون من المثقفين في شَرَك وفخ اقتناص النص الديني والذي لا يقصد به القرآن الكريم على الإطلاق بل الكتابات الدينية فراحوا يهاجمون ويستلبون ويقيمون محاكم تفتيش للنوايا والأهواء والأغراض المستترة والمسكوت عنها .

ومشكلة هؤلاء أنهم لا يدركون أن نقدهم يتعلق بمقدسات أعني الحديث النبوي الشريف والصحيح، وتبدو المشكلة أكثر وضوحا حينما يستند أولئك على آيات من الذكر الحكيم قد لا تتصل بسياق الاتهام الموجه للكتابات الدينية والفقهية، لذلك فإن اللغة المطلقة التي يستخدمها ناقدو الخطاب الديني القديم تشكل أزمة في التلقي لدى العامة والمثقفين على السواء . وهم في نقدهم يسعون جاهدين إلى تكوين الاتجاهات المضادة والعكسية لا السعي صوب التنوير والاستنارة وهذا هو أبرز أسباب فشل المشروع النهضوي المعاصر.

ولا تزال تجربة التنوير العربية تعاني التخبط والفشل لأنها تركز على المسائل الفقهية الهامشية نادرة الحدوث بل إن من أطرف ما استمعت إليه مجادلة تلفازية لرجل إعلامي لا يمكن توصيفه بالشيخ أو المفكر الديني يسعى إلى تعجيز ضيوف البرنامج بالبحث عن نوع النملة التي تحدثت إلى سليمان وهذا من باب الخطاب الديني المعاصر الذي ينبغي تجديده وتطويره بل ونسفه وخلق خطاب ديني مستنير يستهدف التنمية الدينية والاستنارة العقلية .

وإذا كان المعاصرون لا يزالوا يجترون حكايات بدايات التنوير على أيدي مصطفى عبد الرازق ومحمد عبده وطه حسين ورفاعة الطهطاوي وغيرهم رغم أنهم موقوفون عند حدود العرض السردي لطرح هؤلاء السابقين ومناقشة آرائهم حول بعض القضايا التي انتهت صلاحيتها الزمنية وهو الأمر الذي يعزى إليه فشل خطاب التنوير المعاصر .

بجانب حركة الاجتهاد الفقهي البليدة والتي نصف بها حالة الاجتهاد الراهن من ظهور بعض الوجوه الإعلامية الدينية التي عادت لمناقشة وطرح قضايا فقهية تلقي بالعقل العربي بعيداً عن مشكلاته الراهنة وأزماته اليومية الحقيقية لاسيما التي تتعلق بواقعه الديني . إن مشكلة التنوير حاليا هي التقليد ليس أكثر، وعلى القارئ أن يراجع كل محاولات المدعين بالتجديد أو بالأدق الأكثر إثارة للخلافات الفكرية الدينية ليكتشف أن مسعى المجتهدين الجدد صار قاصرا على إثارة الدهشة فحسب، فأين التنوير وأين تلك النهضة العقلية التي تحث على التفكير وإعمال العقل؟

  إن أردنا التنوير بحق بغير فشل أو إخفاق فعلينا الرجوع إلى قرآننا الكريم الذي يقول اله تعالى فيه (ما فرطنا في الكتاب من شئ) (سورة الأنعام ـ آية 38)، والحديث النبوي الشريف الصحيح والثابت بالقطعية، لكننا مقتصرون على الوقوف عند شواطئ الطروحات الدينية التي تتسم بالمبالغة في إتعاب الفكر وكثرة النظر في الشواهد الظنية . وكل ما أتمناه أن أعيش ألف سنة قادمة ليس طمعاً في حياةٍ أعلمها أنها لهو ولعب وتفاخر وكثير من الغرور والقلق والجهل والسفه، لكن لأقرأ كتاب التاريخ وماذا سيكتب عن هؤلاء المجاهدين في غيهم وغيابهم الوطني تحت زعامات وشعارات وخلافات متعددة واهية وحينما يتنتصر التنوير وإعمال العقل على التكفير والمنادين بجاهلية المجتمعات الإسلامية .

إن التنوير المعاصر اليوم هو بحق  بوصلة عكسية تشبه كلمة يمكن اغتصابها كثيرا على شاشات القنوات الفضائية تحت مظلة البرامج الحوارية التي تكرس للجهل أكثر مما تدعم للمعرفة والاستنارة والتفكير الإيجابي . والوجوه المكرورة المملة لم تضف شيئاً لملف التنوير الذي فجره الطهطاوي ومحمد عبده وطه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم وزكي نجيب محمود ومصطفى محمود ونصر أبو زيد سوى صراخاً وضجيجا وعبثاً وسخافة .وأصبح من المعتاد مشاهدة ومتابعة جدال واسع وكبير بين رجال الفكر الديني والمثقفين العرب حول قضايا دينية وفقهية ومعالجة تأويلية للنصوص الدينية التراثية بصورة لا تدعو فقط للملل بل للعجب والدهشة أيضا، وهذا خير دليل على أن المشهد الثقافي الفكري غير مؤهل تماما للتجديد أو التنوير وينبغي على كل مفكر أن يتحسس مسدسه وهو يخاطب العامة حينما يذكر شيوخ السلف والخلف. 

والذي يزيد من قساوة المشهد الفكري المعاصر أن التعليم الديني في بعض المؤسسات الدينية الرسمية والخاصة وصل إلى مراحل أكثر دهشة وأدعى لليأس وعدم التفاؤل، بل قد يغضب المؤهلون للغضب بالفطرة والتطبع أيضاً حينما نقول بأن مستوى التعليم الديني في الوطن العربي وصل إلى حد السطحية تارة والتطرف تارة أخرى، بدليل جمود الاجتهاد الديني الذي كان سمة مميزة لهذا الوطن العربي الكبير  وأهله وفقهائه، بل يمكن أن نغالي القول بأن أنصار هذا الجمود قد تعاظم دورهم وسط جموح التيارات الجهادية الدينية ذوات البوصلة العكسية . وللحق يمكننا أن نلتمس العذر لهذا الخطاب الديني الذي صار يعاني جموداً عظيماً، نظراً لانشغال كثير من البلدان العربية بالأحداث السياسية المتسارعة والمشكلات الداخلية التي تعتريها، ونجد أيضا هجوما مستمرا من أعضاء وأمراء وقيادات الجماعات الجهادية التكفيرية صوب الأزهر الشريف، وهذا الهجوم المستمر على مؤسسة الأزهر يساعده عزلة الأزهر نفسه عن واقعه السياسي والاجتماعي ودوره التنويري المهم في مثل هذه الفترات .

وخلاصة المشهد أننا اعتدنا من جماعات الجهاد التكفيرية أن تحارب أوطانها وتعلن العداوة والبغضاء والكراهية لأهلها المشتركين معها في العرق والدين والتاريخ المشترك، أما هؤلاء الذين صالوا وجالوا وهتفوا أنهم سيزحفون إلى القدس بالملايين يبدو أنهم أصبحوا أسرى بين ثلاث قوى ؛ إما السلطة والنفوذ وآلاف المجاهدين الذي يحرسون ويقيمون الليل لا في الصلاة والتعبد بل لحماية أمراء الفتنة والتكفير، وقوة ثانية وهي إسقاط كافة العقد النفسية وإحداثيات الذاكرة التاريخية لطفولتهم وصباهم على واقع أيامنا بفتوى التكفير والتحليل والتحريم، وقوة ثالثة أخيرة وهي عقدة النساء التي تمثلت في شهوات مستعرة وبِدَعٍ مستحدثة تحت نداءات جهادية، وربك هو العالم.

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية (م)

ـ كلية التربية ـ جامعة المنيا ـ مصر

 

صالح الفهديتابعتُ لقاءً تلفزيونياً عنوانه (حكاية بريطاني في السعودية) في برنامج الليوان، وقد التقى فيه المُحاوِر مع شخصٍ بريطاني مسلم ينتمي في الأصلِ إلى أُسرةٍ بريطانية معروفةٍ في لندن، ويبدو أنها أُسرة تنتمي إلى الطبقة الارستقراطية، وخلال اللقاء تتكشَّفُ لنا رحلةُ الرَّجلِ المضنيةِ نفسياً من الإلحادِ إلى الإيمانِ بالله وانتهاءً باعتناقهِ الإسلام، وذلك بعد أن فجَّر أحد أصدقائه سؤالاً ثقيلاً وعميقاً حينما كانَا في الحانة وهما في أنصاف العقدِ الثاني من أعمارهما؛ كان السؤال: لماذا نحنُ موجودون في الحياة؟! وكان سؤالاً صادماً لصاحبنا إلى درجةِ أنَّه استثقلهُ آنذاك، ونَفَرَ منه لأنه كان يُدركُ أن مجرَّدَ التفكير في سؤالٍ كهذا سينغِّص عليه متعته الراهنة في لحظةِ النشوةِ تلك!.

لكنَّ السؤال ظلَّ يُلازمُ الفتى وهو في ربيعه السادس عشر، وبدأ في رحلةٍ تقصٍّ للبحثِ عن إجابةٍ مقنعةٍ، حتى انتهى به إلى الإسلام الذي وجدَ فيه إجابة السؤال، وكانت الإجابة هي عبادةُ الله، هُنا حضرت في نفسي الآية الكريمة من سورة البقرة:" اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257)".

شابٌ يولدُ في أُسرةٍ مُلحدةٍ، وفي مجتمعٍ لا ينتمي إلى المسيحية إلَّا في ظاهرها، يثابرُ جادَّاً من أجلِ البحثِ عن اللهِ، ثم عن دينهِ الحق الذي يُطمئِنُ فؤاده، ويُقرُّ جنانه بما جاءَ به من وحي التنزيل الحق، وفي المقابل هناكَ من وُلدوا في أُسرٍ مسلمةٍ، ومجتمعٍ مسلمٍ يتمرَّدون على الحقِّ البيِّن، ويتعالون على حكمةِ الخلق، ويسفِّهون ما نشأت عليه مجتمعاتهم من دينِ الإسلام، ويحشون أدمغتهم بغثاثات من الأوهام، بعد أن حشروا أنفسهم في بعض الفلسفات المنحرفة، فكانوا على عكسِ أُولئكَ الذين يبحثون عن الله، فأخرجهم الله من الظلمات إلى النور، وهداهم إلى طريق الحق المستقيم، كانوا على عكسهم يبحثون في طرائق الإلحاد عن قناعاتٍ مغلوطةٍ يتبنونها عن ملحدين ضلُّوا فأضلوا، هؤلاءِ هم الذين يتكفَّلُ بهم الشيطان فيأخذ بأياديهم إلى الظلمات بعد أن كانوا يرتعون في النور، وهؤلاءِ هم الذين قال الله تعالى فيهم في سورة البقرة:" وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167)".

ولا أعلمُ لِمَ لا يعتبرُ هؤلاءِ الذين ينحرفون إلى طريق إلإلحاد المظلم كيف لهم أن لا يتعلَّموا من كِبار الملحدين الذين عاشوا على هذا الوهم طوال أعمارهم فتبعهم من تبعهم من الضالين، حتى وصلوا إلى لحظات ما قبل مماتهم فقالوا كما قال فرعون مدَّعي الألوهية، وناكرُ الله قُبيل غرقه:" حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (يونس/90)، ولم ينفعه ذلك في شيء!.

مثلَ فرعون فجَّر أحد رموز الإلحاد وهو الفليسوف البريطاني أنطوني جيرارد نيوتن فلو   Antony Flew ‏ الذي اشتهر طوال حياته بكتاباته في فلسفة الأديان، وجميعها تدورُ حول دحض فكرة وجود خالقٍ لهذا الكون العظيم، بيدَ أنه أصدر كتاباً في آخر حياته قبل أن يموت عام 2010، بعنوان "هناك إلهThere is a God " وبعد أن كان رمزاً للإلحاد في تأليفه لثلاثين كتاباً حوله، ولأنه كان يعتبر من أهم منظري الإلحاد في العالم لخمسين عامًا، أصبحَ فلو هدفاً لحملات تشهير ضخمة من المواقع الإلحادية في العالم، وقد تخلَّى عن الإلحاد بعد تفحص عميق للأدلة ثم أعلن ما اعتبر صدمة قوية في وسط الفكر الإلحادي في العالم تحوله إلى الفكر الربوبي وهو مذهب فكري لا ديني وفلسفي يؤمنُ بوجود خالق عظيم خلق الكون.

ولدينا في عالمنا العربي الفيلسوف الدكتور مصطفى محمود الذي ألحد في مرحلةٍ من مراحل حياته، ثم خلع ثوب الإلحاد، وألَّف كتاباً أسماه "حوار مع صديقي الملحد" يُحاور فيه شخصهُ المُلحد، وليكون دليلاً لغيره في الإجابة عن الأسئلة ذاتها التي حشر بها المُلحدون عقولهم، وأوهموا أنفسهم بعبقريةِ تفجيرها، وكأنَّما حسبوا أنفسهم أنهم ينقذون البشرية من قيودٍ وأغلال، وما ظنوا أنهم أوقعوا أنفسهم في مهاوٍ لا قيعانَ لها.

في برامج رائعةٍ كمثل برنامج "بالقرآن اهتديت" وغيره تابعنا قصصاً لغير مسلمين من فتيات وفتيان انغمسوا في ملذات الحياة الغربية حتى النخاع لكنهم بحثوا عن الله فكان الله مُعيناً لهم، وهادياً إلى صراطه المستقيم. "وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ"(التغابن/11)، ضاعت الكثير من أعمار هؤلاء الذين لم يولدوا مسلمين فهم وحظوظهم في الحياة إن كانوا سيموتون وهو يبحثون عن إجاباتٍ لأسئلتهم الوجودية فيسلمون أم ينقطعُ بهم الأجل، يخبرني أحد الكنديين الذين اعتنقوا الإسلام ويُدعى بيتر عبدالله –رحمه الله-: أنه كان يحاول إقناع أمِّه بالإسلام لسنين طويلة، وحين زارته في عُمان اعتنقت الإسلام ثم توفِّيت بعد ستةِ أشهر، فما أعظم تلك الهدية الربانية عليها وقد ماتت على الإسلام.

ليتَ هؤلاءِ الذين وُلدوا على الإسلام ثم انسلخوا منه ليرتدوا ثوب الإلحاد أن يُدركوا بأنهم ضحايا التغرير بهلوساتٍ أُناسٍ مرغوا أنفسهم في وحل الضلالات الفلسفية التي شطحت بعقولهم.

ليت هؤلاءِ الذين ألحدوا أن يُدركوا أنهم لن يحرزوا فتحاً للإنسانية، ولن ينقذونها من أوحالٍ علقت بها بإلحادهم، بل إنهم يقودون أنفسهم إلى متاهةٍ لا خروج منها، ويلقون بأنفسهم في مهاوٍ لا نجاةَ منها..!

ليت هؤلاءِ الذي انحرفوا إلى الإلحاد أن يُدركوا أنهم لن ينقصوا من مُلكِ الله وعظمته في شيءٍ إن أنكروا وجوده " مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا"(الإسراء/15) بل أنهم سيحيون حياةً لا أمانَ فيها ولا سلامَ ولا اطمئنان، وواهمٌ من اقتنع بغير ذلك! "وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ (طه/124).

ليت هؤلاءِ الذين حسبوا أنَّ الإلحادَ هو تشيطنٌ على اللهِ والمجتمع أن يُدركوا أنما هم يخادعون أنفسهم "يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (البقرة/9)"، ولقد قرأنا مقولات كبار الملحدين وهم على وشكِ الموتِ يتصاحون بالنَّدم، فليقرأها هؤلاء الذين غرَّروا بأنفسهم، ليعودوا إلى رشدهم.

ليت هؤلاء الملحدون أن ينظروا كيفَ كسَّر كثيرون من عبدة الأوثانِ أوثانهم وردَّد قومٌ منهم شهادتي الإسلام كي يقيهم الله شرور الوباء حين أدركوا أنها لا تشفيهم من الوباء الذي أباد قومهم.

ليت هؤلاءِ الملحدون أن يتفكروا في مرحلةٍ قادمةٍ قد ينظروا إلى الوراءِ فيها فيندمون على جهلهم وغرورهم الذي أضاع عُمراً ثميناً من حياتهم.

ليتَ هؤلاءِ الذين يزحزحون أنفسهم من ظلِّ الإسلام الوارف إلى هجير الإلحاد الحارق أن يُدركوا أن مقابل انسلاخ أحدهم من هذا الدين العظيم مئات ممن يلجونه ويشهدُ على ذلك الغرب.

ليت هؤلاءِ الذين ألحدوا أن يُدركوا أن العقل الذي جعلوهُ بوصلتهم إنما هو مخلوق محدود، يقول الفيلسوف الألماني عمانويل كانت في كتابه "نقد العقل الخالص":"أُدرك أن العقل لا يستطيع أن يحيط بالحقائق اللامحدودة، وأنه مهيأٌ بطبيعته لإدراك الجزئيات فقط بينما هو قاصر عن إدراك الوجود الكليِّ مثل الوجود الإلهي".

تمعنوا في مصيركم فما المصيرُ في أصلهِ سوى فكرةٍ، وما الفكرةُ سوى بذرة فإن فسدت فسد المصيرُ وإن صلحت صلح المصير .. تمعنوا.

 

د. صالح الفهدي

 

 

تقديم: تعد الشراكة التربوية من أهم مستجدات التربية الحديثة التي تبناها النظام التربوي المغربي ضمن عشرية الميثاق الوطني للتربية والتكوين، ومن أهم دعائم انفتاح المؤسسة التعليمية على محيطها السوسيو-اقتصادي، و انفتاحها على التجارب التربوية الأخرى قصد الرفع من مستوى التلاميذ ودعم قدراتهم التحصيلية وتقوية جانب التواصل والتفاعل الثقافي لديهم ، وخلق فضاء تربوي تنشيطي أساسه الحياة المدرسية السعيدة التي تساهم فيه كل الأطراف الفاعلة من داخل المؤسسة أو من خارجها. إذاً، ماهي الشراكة التربوية؟ وماهو سياقها التاريخي والتربوي في الغرب والمغرب؟ وماهي العوامل التي أفرزت مفهوم الشراكة؟ وماهي مواصفات هذه الشراكة التربوية وأنواعها؟ وماهي السلبيات التي تعيق نجاح وتطور هذه الشراكة التربوية؟ وما هي أهمية الشراكة التربوية في الحياة المدرسية؟

وعليه، سنحاول بداية أن نشير بعجالة إلى مفهوم الحياة المدرسية وأنشطتها وآليات تفعيلها، قبل أن نتطرق إلى الشراكة التربوية لمحاولة اللإجابة عن التساؤلات المطروحة.

المبحث الأول- مفهوم الشراكة التربوية:

المطلب الاول – تعريف الشراكة التربوية ونشأتها وعوامل ظهورها:

الفرع الاول – تعريف الشراكة التربوية ونشأتها:

يعرف الشراكة كل من سيروتنيك ودلاد بأنها:" اتفاق تعاون متبادل بين شركاء متكافئين ومتساوين، لتحقيق أغراضهم الخاصة، وفي نفس الوقت ،تقديم حلول للمشاكل المشتركة". ويرى الباحث محمد الدريج أن الشراكة تفترض:" بين المؤسسات إحصاء وملاحظة المشاكل المشتركة وتشخيص أهمية النشاط المشترك وتحديد مهام محددة في الزمان وتوزيع المسؤولية وتخطيط مجالات التدخل بالنسبة لكل طرف وكذا أساليب ضبط الإنجازات وتقويم النتائج حسب المعايير المتفق عليها والمقبولة من كل الأطراف".

وتذهب وزارة التربية الوطنية في مذكرتها رقم 27 بتاريخ 24 فبراير1995 إلى أن الشراكة:" عموما تقتضي التعاون بين الأطراف المعنية وممارسة أنشطة مشتركة وتبادل المساعدات، والانفتاح على الآخر مع احترام خصوصياته. أما في الميدان التربوي، فإن الشراكة التي تندرج ضمن دينامية مشاريع المؤسسات تتطلب مجموع الفاعلين التربويين من مفتشين وإدارة تربوية وأساتذة ، وتلاميذ وآباء، وغيرهم...".

برزت الإرهاصات الأولى لمفهوم الشراكة في نهاية مرحلة الستينات من القرن الماضي، وكان ذلك تحت مسميات: التشارك؛ التعاون… وهي مفاهيم تندرج كلها في مفهوم أوسع ألا وهو المشاركة بكل مظاهرها .

وقد استعمل هذا المصطلح لأول مرة في اليابان في الثمانينيات في مجال المقاولات قبل أن ينتقل إلى بعض الدول الأمريكية ومنها إلى أوربا.

هذا، وقد أصبحنا نتحدث عن عدة شراكات: شراكة اقتصادية وشراكة اجتماعية وشراكة تجارية وشراكة سياسية وشراكة تربوية وشراكة عسكرية وشراكة نقابية وشراكات: ثقافية وفنية ورياضية...

أما في مجال العلاقات الدولية فإن أصل استعمال كلمة شراكة تم لأول مرة من طرف مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية في نهاية الثمانينات من القرن الماضي.

كما استعمل مفهوم الشراكة على نطاق واسع في السنوات الأخيرة من طرف بعض المؤسسات الدولية، حيث ما فتئ تقرير اليونسكو المعنون" التعليم ذلك الكنز المكنون" يؤكد على هذا المفهوم. وإذا كان من شيء ثابت يمكن رصده في استعمال هذا المفهوم هو بدون شك ذلك "البعد الانفتاحي على المحيط". وتؤكد زاي Danielle Zay أن بروز مفهوم الشراكة يندرج في إطار التحولات التي عرفتها أدوار كل من المؤسسة التعليمية ومختلف الفعاليات المتواجدة في محيطها. وبالتالي، هي دعوة للفاعلين التربويين والاجتماعيين والمهنيين للعب أدوار طلائعية وحيوية في وظائف المرافق العمومية للنظام التربوي .

أما بالنسبة لمجال التربية والتعليم، فمنذ أواسط الثمانينات، بدأت الشراكة تبرز وتتسع لتشمل قطاعات من مجال التربية والتعليم والذي لم يكن قد عرف هذا النظام، مثل التعليم العمومي بالإعداديات والثانويات في بعض الدول الأمريكية (ككندا والولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص) قبل أن ينتقل إلى العديد من الدول الأوروبية مثل إسبانيا وفرنسا.

الفرع الثاني – عوامل ظهور الشراكة في المجال التربوي:

يذهب الباحث التربوي محمد الدريج بأن العديد من العوامل تظافرت وراء ظهور الشراكة التربوية على الصعيد العالمي، وهي في مجملها نفس العوامل التي شجعت بشكل عام، ظهور ما يعرف بمشروع المؤسسة كأداة للتطوير والتجديد التربوي في الأنظمة التعليمية. فارتبطت الشراكة التربوية فيها، بالعديد من التحولات السياسية والاجتماعية التي عايشتها في العقدين الأخيرين.

وتقدم دنيال زاي Danielle Zay ( 1994) تحليلا للتطور الموازي الذي حدث في المجتمعات الغربية، تستخلص فيه أهم السمات التي تفسر ظهور وتطور نظام الشراكة.

من هذه السمات على سبيل المثال، سياسة الإصلاح والتجديد التربوي في أمريكا و التي أوجدت الرغبة في التشارك داخل النظام المدرسي، بين هذا النظام وبين المؤسسات الاجتماعية الأخرى.

ومن السمات البارزة كذلك، تحول المجتمعات الخاضعة للصناعة إلى مجتمعات تابعة للإعلام والاتصال والخدمات وتعاظم الوعي فيها، بأهمية "التبعية المتبادلة" بين مختلف القطاعات. وتظافر ذلك مع عوامل نظرية وعملية شجعت على خلق أنشطة للتعاون بين المؤسسات لحل المشاكل المشتركة، من مثل مشكلة الفشل المدرسي والانقطاع المبكر عن الدراسة وما يخلفه من آثار سيئة على الأفراد والجماعات.

كما نشطت الشراكة في المجال التربوي بفعل ظهور "التوجه إلى المحلي" وبالأهمية المتعاظمة للأقاليم و المناطق والجهات الاقتصادية والمدن والتجمعات السكنية في الأحياء. الأمر الذي أتاح إمكانيات واسعة للمبادرة والاستقلال في اتخاذ القرار على كافة الأصعدة، بما فيها المؤسسات المدرسية والتي أصبحت في مستوى التفاوض و إبرام الاتفاقيات والدخول في علاقات تعاونية مع محيطها.

وفي المغرب لم يطرح مفهوم الشراكة التربوية إلا في بداية التسعينيات من القرن العشرين إثر مجموعة من الندوات واللقاءات والتظاهرات، لتقوم،بعد ذلك، وزارة التربية الوطنية بصياغة مفهومها عن الشراكة التربوية وترجمته من خلال مذكرتين وزاريتين أساسيتين:

أ‌ - مذكرة وزارية رقم 73 بتاريخ 12 أبريل 1994 وهي خاصة بمشروع المؤسسة.

ب‌ - مذكرة وزارية رقم 27 بتاريخ 24 فبراير 1995 وهي التي تناولت مفهوم الشراكة التربوية.

فالمذكرة 27 التي تتحدث عن الشراكة ترى أن مشروع المؤسسة هو جوهر هذا المفهوم ومجاله المحوري الذي لاينبغي أن تخرج عنه أية شراكة مهما كانت صياغتها،ومن هنا يتضح التداخل الموجود بين مفهوم مشروع المؤسسة ومفهوم الشراكة التربوية.

كما جاء في المذكرة 27:" عبرت بعض المؤسسات عن رغبتها في ربط علاقة شراكة تربوية مع مؤسسات تابعة للقطاع الخاص أو شبه العمومي أو مع الجماعات المحلية، أو مع مؤسسات تابعة للمصالح الثقافية الأجنبية.

وقبل ذلك أبان جاك شيراك الرئيس الفرنسي الاسبق في خطابه أثناء زيارته للمغرب عن استعداد فرنسا في الدخول في شراكة بيداغوجية مع المغرب لتعزيز المكاسب اللغوية عن طريق تبادل الزيارات وتفعيل التواصل الثقافي واللغوي في إطار التصور الفرانكفوني:" شراكة بيداغوجية حقيقية بين المؤسسات التعليمية المغربية ومثيلاتها التابعة للبعثة الثقافية الفرنسية. والعمل على تطوير، في الوقت ذاته، قنوات دولية في نظام التعليم بالمغرب".

وعليه، فإن المذكرة الوزارية التي تتحدث عن الشراكة ترى أن مشروع المؤسسة هو جوهر هذا المفهوم ومجاله المحوري الذي لا ينبغي أن تخرج عنه أية شراكة مهما كانت صيغتها. ومن ثم، يتداخل مفهوم مشروع المؤسسة مع مشروع الشراكة.

المطلب الثاني – أنماط الشراكة التربوية وسلبياتها:

الفرع الاول– أنماط الشراكة التربوية :

أنواع الشراكة التربوية:

هناك ثلاث أنواع من الشراكات التي يمكن أن تعقدها مِؤسسة تعليمية مع مؤسسة تعليمية أخرى أو مع أطراف فاعلة أخرى،وهي على الشكل التالي:

أ- شراكة داخلية: وهي شراكة يساهم فيها الفاعلون الداخليون الذين ينتمون إلى المؤسسة التعليمية كالتلاميذ والأساتذة والإدارة التربوية وجمعيات الآباء عن طريق اقتراح مشاريع تربوية واجتماعية وبيئية وثقافية وفنية ورياضية والتي تهم المؤسسة أو مؤسستين فأكثر كمشروع دعم التلاميذ معرفيا ومنهجيا والتكوين الإعلامي لفائدة الأساتذة والتلاميذ ورجال لإدارة،وتدريس اللغات الأجنبية…

ب – شراكة المؤسسة مع محيطها الخارجي: وهنا نستحضر انفتاح المؤسسة على محيطها السوسيو – اقتصادي من خلال خلق شراكات مع الجماعات المحلية والجمعيات التنموية الفاعلة في المنطقة والقطاع الخاص ومراكز التكوين والمعاهد والجامعات ….

ج – شراكة خارجية: تعقد المؤسسات التعليمية شركات تربوية مع مؤسسات أو أطراف عربية أو أجنبية قصد تبادل الزيارات والخبرات والتجارب في إطار التفاعل الثقافي والحضاري.

الفرع الثالث - سلبيات الشراكة التربوية في النظام التربوي المغربي:

ما يلاحظ على مشروع الشراكة التربوية في المغرب أنها ما تزال ضعيفة على مستوى المؤسسات التعليمية،كما أن أغلب هذه الشراكات من نوع الشراكات الداخلية ولا تتعداها إلى شراكات خارجية مع مؤسسات أجنبية لأسباب إدارية وتنظيمية ومالية وقانونية، وأهم مشكل يقف وراء فشل أغلب الشراكات التربوية هو البطء الإداري والبيروقراطية وانعدام الإمكانيات المادية والمالية والبشرية والتقنية وكذا انعدام المتابعة الادارية لأجرأة هذه الشراكات التربوية بعد المصادقة عليها ودعمها بالوسائل اللازمة لتحقيق أهدافها …

فمشروع الشراكة التربوية لايمكن أن يحقق ثماره المرجوة ونجاحه المرغوب إلا بترجمة مضامين المذكرات الوزارية والقرارات الصادرة في هذا الشأن إلى أعمال ميدانية وعملية في الواقع والممارسة.

خاتمة:

- تعد الشراكة التربوية شرط أساسي للنهوض بالمؤسسات التعليمية، باعتبار أنها شأن يهم المجتمع برمته؛

- ضرورة الأخذ بعين الاعتبار أن الشراكة ليست مسألة دعم مالي فقط، وإنما يجب دعم الجوانب التكوينية والبيداغوجية والمعرفية في إطار الجهود لإعداد مواطنين مؤهلين علميا ومعرفيا وإنسانيا؛

- الوعي بكون الشراكة بين المدرسة ومحيطها هي شراكة ذات فائدة متبادلة، وأن للمدرسة والجامعة دور الشريك الناجع في التنمية المجتمعية.

- إعداد استراتيجية حكومية واضحة تحدد أدوار الشركاء حسب اختلاف نوعيتهم ومجالات تدخلهم؛

- إحداث مكاتب خاصة للشراكة والتعاون بجميع الاكاديميات الجهوية للتربية والتكوين.

- إدراج الشراكة المؤسساتية بين الجماعات المحلية والمدرسة المغربية ضمن مكونات الميثاق الجماعي لتيسير انخراط الجماعات المحلية فعليا في دعم إصلاح المنظومة التربوية؛

- تأهيل الجمعيات والفاعلين التربويين لتعزيز قيامهم بأدوراهم في ميدان الشراكة على نحو فعال؛

- إحداث شبكة للجمعيات المتدخلة في ميدان التربية لتبادل الخبرات وتحديث تدخلاتها وترشيد الموارد، ضمن منظور جديد للشراكة القائمة على القرب؛

- جعل الشراكة إطارا تفاعليا يتيح إشراك جميع الفاعلين المعنيين بموضوعها، ولاسيما التلاميذ والطلبة بوصفهم شركاء يتعين أخذ دورهم في الاعتبار.

- وضع نظام قار وناجع لتتبع وتقويم سير ونتائج الشراكات، وتمكين مختلف مستويات التدبير من استثمار هذه النتائج؛

- وضع إحصاء شامل بقاعدة بيانات تخص مختلف الشركاء وتصنيفهم حسب مجالات تخصصهم أو تدخلهم أو خبرتهم.

- وضع سياسة للشراكة التربوية وصيَّغها ضمن استراتيجية وطنية متكاملة، وكذا استراتيجيات جهوية تكون منسجمة معها؛

- اعتماد شراكات جديدة حول برامج للتكوين المستمر أثناء العمل لفائدة المدرسين والمكونين،

- فتح أبواب المقاولات أمام المدرسين والمكونين من أجل متابعة تداريب داخلها خلال العطل، بشكل يشجعهم على امتلاك كفايات وقدرات تأطير التلاميذ والمتدربين، وحفزهم على روح المقاولة؛

- تبسيط مساطر عقود الشراكات إقليميا وجهويا ووطنيا لتحقيق النجاعة والفاعلية وثقافة القرب؛

- الاهتمام بإدماج ذوي الحاجات الخاصة أثناء عقد الشراكات؛

- الدعوة إلى عقد شراكات ذات قيمة مضافة عالية مع مراكز البحث العالمية، على أساس مبدأ الفائدة المتبادلة، بما يخول تعبئة قدرات بلدنا في مجال البحث العلمي، وتقوية الأثر الإيجابي لهذه الشراكات على مؤسساتنا التعليمية.

 

د.محسن الندوي

دكتور في القانون العام

........................

المراجع:

- د.بلقيس غالب الشرعي، دور المشاركة المجتمعية في الإصلاح المدرسي ،دراسة مقدمة لمؤتمر الإصلاح المدرسي تحديات وطموحات، كلية التربية – جامعة الإمارات العربية المتحدة،قسم الأصول والإدارة التربوية – كلية التربية،جامعة السلطان قابوس،17-19 ابريل 2007

- جميل حمداوي استاذ جامعي، الشراكة التربــــويـــة في نظامنا التعليمي المغربي

- عبد العزيز سنهجي مفتش في التوجيه التربوي/أستاد بمركز التوجيه والتخطيط التربوي مركز التوجيه والتخطيط التربوي – الرباط.

وزارة التربية الوطنية ومنتديات الأصلاح تحت شعار – الشراكة دعامة اساسية للتربيةوالتكوين

- مشاريع الارتقاء بالتدريس وأنشطة الحياة المدرسية لتحسين التعلمات عن الوحدة المركزية لنكوين الاطر نونبر2012 ص 49

 

مجدي ابراهيمعندما تكون "الفكرة" هى حياة صاحبها ولا تزيد .. بمعنى أن تكون هي نفسها عنايته ورعايته كما يرعى حياته ويعتني بها، يعيشها حالة روحيّة كما تعاش الحياة الحية النابضة بالحركة والعطاء، هنالك تصبح هذه الحالة نفسها هى قمة الفلسفة وقيمتها سواء؛ لأن الفلسفة عقل يفكر بإرادة المعالي باستمرار، ولا يكف عن التفكير، أيّاً كانت هذه الفكرة، دينية أو فلسفية أو علمية .. المهم أن تكون حياة صاحبها يُوَقِّع عليها متنوَّع الألحان.

هذا هو الإخلاص للعطاء كونه يكشف عن نشاط صاحبه العقلي. وإذا أخطاء المخلصين، ففي الغالب يقودهم إخلاصهم إلى الصواب من طريق التماس الحقيقة ما دامت سلامة النيّة قصداً مُوجَّهاً نحو هذه الحقيقة لا شيء غيرها، وغيرها من المقاصد والمطالب لا يُعوّلُ عليه.

وهل هذا كلام يقال في حق المستشرقين وفيهم من تعمد سوء القصد وسوء النيّة وبخاصّة إزاء حضارة الإسلام ونبيّ الإسلام وشريعة الإسلام؟

نعم! ولكن فيهم من هو مُخلص معطاء خدم التراث الإسلامي كشفاً وتحقيقاً ونشراً، ينظر إلى الحق في ذاته ويبحث عن الحقيقة وحدها، ويخفق في جانب ويصيب في آخر، وفي النهاية يبقى تقدُّمه في البحث عن الحقيقة شاهداً على إخلاصه، وتظل أسبقيته في توجيه الطالبين لها من حيث هى حقيقة باقية للزمن وللتاريخ، فيكشف بحثه عنها عن تلك الحالة التي وصفناها بقمة الفلسفة وقيمتها حيث تكون تفكيراً بإرادة المعالي على سلامة القصد وسلامة النيّة.

أما وإنّ أكثر ما يصيب القوم من جراء دارسة الفلسفة وخلاف الفلاسفة هو التناكة العقلية والغرور الأجوف، وتسليط الأضواء على تزكية النزاع لا على إثراء الحوار. مع أن الفلسفة لم تكن يوماً نزاعاً؛ بل هي في الأصل حوار قائم بين أطراف متناقضة على نقاش هادئ هادف بنّاء. فلماذا ورثنا التناكة العقلية واستبدلنا الحوار بالنزاع. هذه لوثة باطنة يلزم التخلص منها إذا صحَّت الفلسفة وصلحت لمجتمعات عربية ولكن هيهات!

من تلك الأفكار التي وقَّع عليها بعضهم، ذلك اللحن الشَّجيّ، ما توصّل إليه المستشرقون، بعضهم طبعاً لا كلهم، وهم غرباء عن اللغة والدين، وهذه وحدها كافية للإخلاص، في حق شخص النبيّ، صلوات الله وسلامه عليه: فيها الإنصاف كما ظهر لدى بعضهم الإجحاف، والجانب المنصف مشرق، والجانب المجحف مظلم لا محالة، له مقاصد سياسية وعقائدية تخفي وراءها توجهات تضرب اللغة، وأيدولوجيات تطعن الحضارة والدين جميعاً، ولكن التجرد للبحث العلمي ومطالب الحقيقة وحدها قصد نبيل ونادر عرفه بعض المستشرقين ولم يكن لدى جميعهم ولا أغلبهم.

كتب المستشرقون عن الإسلام ونبيه، عليه السلام؛ فإذا بالإسلام يبدو في دراساتهم وبحوثهم ديناً دولياً عاماً؛ وإذا بنبيِّه - صلوات ربي وسلامه عليه - هو الأسوة الحسنة التي يلتقي فيها شعور المساواة والإخاء والحب الكامل بين أبناء العالمين جميعاً بغير استثناء.

وللأستاذ  "كارا دي فو" كتابُ عن "المحمديّة" جاء فيه قوله:" إنّ محمداً كان هو النبي؛ والمُلهم، والمؤسس، ولم يستطع أحد أن ينازعه المكانة العليا .. ومع ذلك لم ينظر إلى نفسه كرجل من عنصر آخر؛ أو من طبقة أخرى غير طبقات بقيّة المسلمين.

إنّ شعور المساواة والإخاء الذي أسَّسه بين أعضاء الجمعية الإسلامية، كان يُطبق تطبيقاً عمليّاً حتى على النبيّ نفسه".

وإنه؛ صلوات الله وسلامه عليه: " أتمَّ طفولته في الهدوء، ولما بلغ سن الشباب أشتهر باسم الشاب الذكي الوديع المحبوب …". وقد عاش هادئاً في سلام حتى بلغ الأربعين من عمره، وكان بشوشاً تقيّاً لطيف المعاشرة" .. (صلى الله عليه وسلم).

قال تعالى لنبيّه صلوات الله عليه: "وإنّك لعلى خُلق عظيم"، ولم يقل وإنك لعلى علم عظيم .. لماذا؟ لأن الأخلاق مقدّمة على العلم .. ولن يفيد العلم شيئاً وهو بمعزل عن الأخلاق .. ومراعاة تلمس الخيط الخُلقي في شخصه عليه السلام، يعطي المفتاح إلى اهتداء الحقيقة. ولا يقف فقط عند العلم بها وكفى بل يقدر فيها السلوك الحياتي كنمط فاعل مؤثر يتقوّم عليه جانب من جوانب الشخصية النبويّة كونها خُلقيّة في الأساس: (إنمّا بُعث لأتمِّم مكارم الأخلاق).

وهل نحتاج إلى ذكر كلام المستشرقين بعد ما رأينا من مدح الله سبحانه لحبيبه وصفاً في كتاب يُتلى وعبادة تدوم فلا تنقطع؟

وهل بعد قول الحق (وإنّك لعلى خُلق عظيم) كلام يُقال من مستشرقين وغير المستشرقين؟ وماذا يفيد أصلاً وفعلاً؟

وبقليل من التأمل، تجد الإجابة: نعم! يفيد؛ إذْ نحتاج إلى منصفٍ لا يكون الإجحاف لديه هو غاية الغايات من مطالب البحث العلمي. إذا كان الحق تبارك وتعالى قال في حق نبيّه صلوات الله وسلامه عليه: إنه على خلق عظيم؛ فقد قاله للمؤمن المصدّق الذي لا ينفصل شعوره الديني بالإيمان بالله وملائكته وكتبه عن الإيمان برسوله المبلغ لا من حيث المحبة أو القربة؛ فتصديق الرسول أول خطوة إيمانية على الطريق بالنسبة للمؤمن، واتّباع خطى الحبيب اتّباع لله: نفسه وعينه:"قل إنْ كنتم تحبُّون الله فاتبعوني يحببكم الله"؛ فهنالك بَرَزتْ وحدة الطريق.

هذا مفروغٌ منه لا حاجة بنا إلى مزيد تكراره. لكن مُقرّرات البحث العلمي التي يعتز بها المستشرقون تفرض على السّعة معايشة الفكرة وتقدير الإنصاف في مقابل عسف الإجحاف وتقليد الأفكار المنقولة تقليداً أعمى.

وقد ضرب المستشرقون أمثلة ظالمة في الغضّ من أقدار رسول الله صلوات الله وسلامه عليه؛ فحين يأتي منصف منهم يُقرّر مثل ما قرّره "كارا دي فو" وأمثاله من المنصفين؛ فهو يرد عليهم بمقررات البحث العلمي، ويقدح في الجانب المجحف التقليدي الظالم الذي لا يثبت قيمة ولا يقرّر حقيقة، ولا يؤكد معايشة صاحبه للفكرة التي يوليها العناية والاهتمام، ولا يُقيم فلسفة في الرأي بإطلاق. بمثل هذا شهد الشاهد الذي هو من أهلها.

ولم يكن شهوده عن تعصب ولا عن هوى؛ بل عن مقرر تقرَّر في مطالب البحث العلمي الحديث؛ لكنه تقرّر عن إنصاف ولم يتقرر عن ظلم للحقيقة وعن إجحاف.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

عمرون علي مدخل عام: تحمل قصة بروميثيوس Prometheus من الميثولوجيا اليونانية دلالات رمزية، فقد قام بروميثيوس تحت تأثير حبه للبشر بمغامرة ومخاطرة جريئة قام بسرقة النار، التي ترمز للنور والمعرفة والدفء وأيضا للحضارة، سرقها من الآلهة ومنحها للبشر . سخط زيوس عليه وعاقبه. ربطه الى صخرة بالسلاسل ثم أطلق نسراً متوحشاً ليلتهم كبده في النهار وفي الليل ينمو الكبد لينهشه النسر في النهار.. قصة ألهمت الأدباء الشعراء وحركت أقلام رجال الفكر والفلسفة وصفها الشاعر الألماني يوهان جوته في ابيات ذات عمق فلسفي: "غـط ِّ سمـاءك، يا زيـوس، بسديـم غيوم ومارس، مثلَ الغلام الذي يقطع رؤوسَ الأشواك، على شجر السِّـنديان ومـرتفعـات الجبل! ولكن يجب، أن تترك لي أرضي، وكوخي الذي لم تـبنـِه، وموقدَ ناري، الذي تحسـدني على ناره المتوهـجة. هي قصة اوحت أيضا بفكرة الشعلة الأولمبية وسواء كنا نتحدث عن العاب رياضية قوامها الجسد وعن منافسات فكرية تراهن على قوة العقل فان الشغف وتقاسم المتعة وروح التحدي وقوة الخيال وحضور الذكاء هو ما  يميز إنسانية الانسان.

من هنا جاء مشروع أولمبياد الفلسفة،وقد سبقته من قبل مشاريع هدفها الأول احتضان الفلسفة بحب وممارسة التفلسف بغيرية كريمة، نتحدث هنا عن تجربة المقهى الفلسفي، الذي أنشئ أول مرة سنة 1992 على يد الأستاذ المختص في فلسفة نيتشه، مارك سوتي والمقهى الفلسفي عبارة عن فضاء للنقاش الفلسفي بين جمهور من الراشدين معني بقضايا الفلسفة) المضامين الفلسفية (أو بالتفلسف (آليات ومهارات التفكير الفلسفي(، ثم الورشة الفلسفية التي هي ممارسة جماعية للتفلسف، والاستشارة الفلسفية التي رأت أول عيادة للاستشارة الفلسفية النور بألمانيا سنة 1981على يد جيرد أخنباخ وهي علاج فلسفي بديل لمن يعانون قلقا وجوديا. ومن الممارسات الفلسفية الجديدة، كذلك، التفلسف في المقاولة والشركة أو في المستشفى أو في الأوساط الصعبة وذات الهشاشة، وما إلى ذلك. [1]

تاريخ أولمبياد الفلسفة

أولمبياد الفلسفة الدولية (IPO)، هي مسابقة لطلاب المدارس الثانوية، أقيمت لأول مرة في عام 1993، بمبادرة من قسم الفلسفة في جامعة صوفيا حيث تمت دعوة مجموعة من الفلاسفة من مختلف البلدان. والأعضاء المؤسسون هم: إيفان كوليف (بلغاريا)، جيرد جيرهارد (ألمانيا)، كاتالين هافاس (المجر)، فلاديسلاف كراجوسكي (بولندا)، فلورينا أوتي (رومانيا)، نوران ديريك (تركيا). كما رحبت اليونسكو بهذه الألعاب  منذ عام 2001، تم تنظيم أولمبياد الفلسفة الدولية تحت رعاية FISP وبدعم من اليونسكو. ومع نهاية شهر ماي (27 مايو - 30 مايو 2021) سينطلق أولمبياد الفلسفة الدولي التاسع والعشرون في سلوفينيا.

أهداف الاولمبياد

مشروع أولمبياد الفلسفة قام على جملة من الأهداف جمعت بين البعد الفكري والحضاري، بين بناء الفرد كذات واعية مفكرة حيث مطلب التقصي اصيل في الذات الإنسانية،ومراعاة روح الجماعة جاء هذا المشروع:

- لتعزيز التعليم الفلسفي على مستوى المدرسة الثانوية وزيادة اهتمام طلاب المدارس الثانوية بالفلسفة .

- لتشجيع تطوير مسابقات وطنية وإقليمية ومحلية في الفلسفة بين طلاب ما قبل الجامعة في جميع أنحاء العالم .

- للمساهمة في تنمية التفكير النقدي والفضولي والإبداعي.

- لتعزيز التفكير الفلسفي في العلم والفن والحياة الاجتماعية.

- لتنمية القدرة على التفكير الأخلاقي في مشاكل العالم الحديث؛ ومن خلال تشجيع التبادل الفكري وتأمين فرص الاتصالات الشخصية بين الشباب من مختلف البلدان لتعزيز ثقافة السلام.

شروط وضوابط كتابة مقالات أولمبياد الفلسفة

يكتب كل طالب مقالًا عن أحد الموضوعات الأربعة المعطاة لهم. مع ضرورة كتابة المقال بإحدى اللغات التالية: الإنجليزية، الألمانية، الفرنسية، الإسبانية،مع التنبيه الى انه لا  يجب أن تكون مكتوبة باللغة (اللغات) الرسمية لدولة الطالب (على سبيل المثال، لا يكتب الألماني باللغة الألمانية).المساعدة الوحيدة التي يمكن استخدامها أثناء كتابة مقال الطلاب هي قواميس ثنائية اللغة بلغة التلاميذ وإحدى لغات الاكتتاب الرسمية (الإنجليزية / الألمانية / الفرنسية / الإسبانية)، والقواميس أحادية اللغة في واحدة من لغات الاكتتاب الرسمية. يجب أن تكون هذه القواميس في نسخ ورقية، وليس في أي تنسيق إلكتروني.

ثالثا. وقت الكتابة 4 ساعات وتجدر الإشارة الى ان أسماء مؤلفي جميع المقالات مشفرة وغير معروفة للمقيمين حتى يتم إصلاح الترتيب النهائي.

كيف يتم تقييم وتصحيح المقالات ؟

على العموم هناك هناك خمسة معايير للتقييم.

- الصلة بالموضوع.

- الفهم الفلسفي للموضوع.

- منطق المقالة .

- قوة الجدل.

- أصالة الطرح .

أي ان معايير التقييم التي يتم الاحتكام اليها هي: الصلة بالموضوع، والفهم الفلسفي للموضوع، والقدرة الإقناعية للحجج، والتماسك، والأصالة حيث  يعطي كل مقيم علاماته بمقياس من 1 إلى 10 نقاط، من 7 نقاط إلى أعلى باستخدام فواصل من 0.5.

- 7.5-10 نقاط تعني: أقترح هذا المقال للمرحلة التالية.

- 6-7 نقاط تعني: أنا نفسي لا أقترح هذا المقال، لكنني سأوافق إذا اختار شخص آخر هذا المقال.

- 1-5 نقاط تعني: أقترح عدم قبول هذا المقال للمرحلة التالية. 

وفي المرحلة الأولى من الدرجات، يتم تمييز كل مقال بأربعة مقيمين. إذا كان هناك أكثر من 3 نقاط فرق بين العلامات الفردية، فسيتم تعيين مُقيِّم خامس. في نهاية المرحلة الأولى، يتم اختيار جميع المقالات التي حصلت على معدل متوسط لا يقل عن 7 نقاط للمرحلة الثانية وفي المرحلة الثانية، يتم تمييز كل مقالة متبقية من قبل اثنين من المقيمين الإضافيين، ويتم حساب متوسط علامة مقال على أساس جميع العلامات التي حصل عليها - كلا من علامات المقيّمين في المرحلة الأولى وعلامات المقيّمين في المرحلة الثانية. في نهاية المرحلة الثانية، تختار لجنة تحكيم الاكتتاب أكبر عدد من المقالات التي ترغب في النظر فيها في المرحلة الثالثة، حيث في المرحلة الثالثة، سيقرر المجلس التوجيهي التوزيع أو الجوائز.

وهي "ميداليات" رمزية: ذهبية وفضية وبرونزية ومشرفة. يجوز للجنة التوجيهية منح أكثر من ميدالية واحدة في كل فئة، مع ملاحظة ان اللغة الإنجليزية هي لغة العمل في أولمبياد الفلسفة الدولي. يجب أن يكون جميع المشاركين قادرين على التواصل باللغة الإنجليزية.

كيفية كتابة مقال فلسفي في أولمبياد الفلسفة

يشير دليل المتسابقين الذي اشرف عليه لجنة دليل مقال الاكتتاب، وتتألف من: فلوريس فيليما (هولندا)، ليزلي كاميرون كاري (إيطاليا)، مايكل كوس (بولندا)، كيدار سوني (الهند)، دينيس دي غرويتر (هولندا)، إريك غوستافسون (السويد). جوناس فيستر (سويسرا)، إيفان كوليف (بلغاريا)، جوزيف ميرفي (الولايات المتحدة الأمريكية)، يورغ برتولد (سويسرا)، لارس هامر (السويد) وسالم مياه (بنغلاديش) الى ثمانية خطوات:

الخطوة الأولى: اعرف جمهورك

توجه المقالات الى مجموعة من الأساتذة هم قضاة الاكتتاب، في الغالب هم مدرسون أو ممارسون للفلسفة من أكثر من 40 دولة حول العالم. حيث المطلب  الأساسي هو القيام ببناء مقال يستجيب للضوابط السالفة الذكر.

لا يقوم الحكام بتقييم مقالتك بناءً على موافقتهم أو عدم موافقتهم مع أطروحتك وحججك انهم أكثر اهتماما في المنهجية التي تستخدمها لبناء أطروحتك، ومدى فهمك للموضوع، و التماسك والأصالة والقوة المقنعة لحجتك. لذلك يهتم هؤلاء الاساتذة في المقام الأول بما إذا كان يمكنك الرد بشكل منطقي وواضح ونقديًا ومن ثمة التعامل مع موضوع فلسفي.

نصيحة: لا تفترض أن الرد على موضوع فلسفي يساوي عدم الاتفاق معه فلا تتردد في الموافقة وبعد ذلك التوسع في الموضوع بطريقتك الخاصة.

الخطوة الثانية: نظّم أفكارك

من أولى مهامك في كتابة مقالتك تنظيم الأفكار، سيؤدي ذلك إلى زيادة فرص أن تكون مقالتك أكثر تفكيرًا ومتماسكة. مقال منظم جيدًا، تم توضيحه قبل البدء في الكتابة، عزز حجتك وساعد حكام المسابقة  - أو أي قارئ في هذا الشأن - افهم ما تقوله. سيساعدك على اكتشاف أي عناصر مفقودة في حجتك. أخيرًا، سيرشدك أثناء الكتابة مما يجعل مقالتك تتدفق أكثر منطقية ووضوحًا وتماسكًا.

واحدة من أفضل الطرق لتنظيم أفكارك هي إنشاء مخطط تفصيلي فيه تلخيص ردك على الموضوع. يمكن أن يكون إما رسم تقريبي أو أكثر على نطاق واسع اعتمادًا على مقدار الوقت المتاح لك. هذا المخطط سيكون بمثابة مخطط مقالتك وتوجيه تحليلك لبيان الموضوع أيضًا كحجة (حجج). من المفيد أن تبدأ من المخطط التفصيلي وتلتزم به .

نصيحة: قم بصياغة رد فعل موجز من جملة واحدة على الموضوع. هذا سوف تشكل الأساس للحجة الرئيسية لمقالك. كل شيء آخر في مخططك سوف يتدفق من هذا البيان.

تذكر أن شروط المسابقة  تتطلب منك إكمال مقالتك في أربع ساعات، لذلك لن يكون لديك الوقت لتوضيح أفكارك بعمق كبير. هناك على المسودة رسم تخطيطي لموقفك (بيان أطروحتك)، تحليلك للموضوع البيان والحجج المؤيدة والمعارضة واستنتاجك. هذا سوف يساعد على التركيز أفكارك خلال الفترة الزمنية القصيرة التي لديك. سجل فقط المفتاح والنقاط التي تريد إجراؤها باستخدام التدفق المنطقي. سوف تجسد أفكارك في الداخل المقال الفعلي.

مثال: ما يلي هو مثال على مخطط تفصيلي منطقي وشامل:  مقدمة - قم بصياغة موقفك ردًا على الموضوع (تلخيص الفكرة او الهدف من كتاب او مقال) التحليل - لخص تقييمك للنقاط الرئيسية لـ

الموضوع الحجج - قم بنقل الحجج الرئيسية التي تنوي طرحها دعما لموقفك الحجج المضادة - لاحظ بإيجاز واحدة على الأقل ممكنة استجابة رئيسية لحجتك  ملخص - لخص الموقف الرئيسي الخاص بك في الرد على عنوان

الخطوة الثالثة: قم ببناء مقالتك

الخطوة التالية هي تحديد هيكل واضح لمقالك. إذا كان مقالتك له هيكل واضح ومنطقي، سيتبع القارئ أو الحكام حجتك بسهولة أكبر وتقليل فرص إرباكهم. بل هو أيضا مفيد في إعداد القارئ أو الحكام بكيفية المضي قدمًا في عملك الحجج). إذا أوضحت، في المقال، الهيكل الذي ستتخذه مقالتك، و ثم تابعها بتدفق منطقي، فقد يكون من الأسهل أحيانًا كتابة ملف مقال في ظل ضيق الوقت. يمكن أن تبدو البنية الواضحة والمنطقية في مقال فلسفي كما يلي؛ لاحظ أنه من المحتمل أن يتبع نفس تدفق المخطط الأولي الخاص بك: المقدمة 1* اذكر أطروحتك2* حلل وتفاعل مع الموضوع3*. اذكر بإيجاز الحجج الرئيسية التي تنوي تقديمها 4* اشرح أي مصطلحات فنية أو فلسفية (إذا كانت ذات صلة)

الحجة الأولى برر موقفك بالتفاصيل. قدِّم أدلة وأمثلة وما إلى ذلك تدعمك منطق حجة مضادة مناقشة / الاعتراف بالاعتراضات المحتملة على الحجج اذكر أسباب تفكيرك ورفضك يمكن ان تقدم مثلا 7 حجج بنفس المنهجية

نصيحة: جهز القارئ. اجعلها واضحة منذ البداية ماذا أطروحتك وكيف ستمضي قدما في شرح والدفاع عنها. هذا سوف يعد ويوجه القضاة لما  حجتك

فيما يلي مثال على مقال فائز بالاكتتاب العام، يوضح فيه الكاتب الخطة الهيكلية لمقاله: نظرًا لأن الموضوع شامل جدًا، يجب تقسيمه إلى أجزاء أصغر: أولاً سأناقش موضوع حقوق الحيوان، بدءًا من موضوع Peter Singer آراء الآباء. ثانيًا، سأخطو خطوة إلى الأمام وأدافع عن النزاهة الأخلاقية لكل الحياة. أخيرًا، باستخدام موقف ديالكتيكي، أسعى إلى ذلك الجمع بين المواقف البيئية في مبادئ متماسكة تتمحور حول بيولوجيا النهج الأخلاقي للطبيعة وسلامة الحياة بشكل عام.

نصيحة: اجعل بنية مقالتك واضحة للحكام والأهم - اتبعه. لا تنجرف. لا تستخدم الكثير من الحجج لدعم موقفك. أنت تخاطر بتمييع حجتك الرئيسية وإحداث ارتباك في ذهن القضاة. حافظ على هيكلك بسيطًا وسهلاً للمتابعة.

الخطوة الرابعة. اكتب مقدمتك

في جوهرها، تعتبر المقالة الفلسفية دفاعًا منطقيًا عن أطروحة

استخدم المقدمة لشرح أي مصطلحات أو تعريفات فنية تنوي استخدامها لدعم أطروحة وكيفية ارتباطها بالحجج الخاصة بك. لاحظ أن مقدمتك يمكن أن تكون عدة فقرات، ولكن لمقال من أربع إلى خمس صفحات يعتبر نموذجيًا للاكتتاب العام مقال، يجب ألا يزيد عن صفحة واحدة.

نصيحة: لا تُنهي هذه الفقرة حتى تنتهي بقية المقالة في شكله النهائي. هذا يعني أنه يجب عليك التأكد من تخصيصك الوقت في النهاية لمراجعة المقدمة، إذا لزم الأمر، بعد ذلك بقية الحجج الخاصة بك كاملة.

الخطوة الخامسة. جادل في موقفك

في الفلسفة، لا نبحث عما نصدقه، بل نبحث عن الأسباب لتصديق شيء ما.

حجتك هي أهم جزء في مقالتك. سوف الاكتتاب القضاة حدد من هذا القسم مدى فهمك للموضوع وكيف

بشكل متماسك وشامل ودقيق، يمكنك توضيح نقاطك ومدى وعيها من وجهات نظر أخرى. ما هي الحجة الفلسفية وكيف تختلف عن المقالات الأخرى ؟ قسم الفلسفة بجامعة ولاية كاليفورنيا يعرّف الحجة الفلسفية على النحو التالي:الحجة هي مجموعة من المقدمات أو الأسباب التي يتم تقديمها كدعم أوأسباب تصديق الاستنتاج. إذا كان الادعاء صحيحًا، فيجب أن يكون هناك بعض أسباب وجيهة لتصديق ذلك. الهدف من الحجة الجيدة هو العرض و الدفاع عن الاستنتاجات الصحيحة. الفلسفة مكرسة للكشف والتوضيح الأسباب التي تدعم الاستنتاجات وفصلها عن الادعاءات التي يُزعم أنها تدعم الاستنتاج ولكنها تفشل

. في أوراق الفلسفة يتم تقديم الحجج وشرحها وتقييمها بشكل نقدي. أحد الأساليب المفيدة هو تلخيص تحليلك للفكرة الفلسفية الرئيسية النقاط التي أدلى بها بيان الموضوع. بعبارة أخرى، قم بتسجيل ومناقشة ذلك الأشياء على النحو التالي: ما هي الافتراضات التي يقوم بها المؤلف أو البيان؟ ما هو ملف نية المؤلف أو البيان؟ ما هي الآثار المترتبة على البيان؟

فيما يلي بعض النصائح المفيدة الإضافية لإنشاء ملف حجة منطقية ومدروسة وشاملة:

لا تخيف القارئ. كن حذرا! على سبيل المثال، بدلاً من " هذه هي حجتي التي يجب أن تقبلها"، قل، "حجتي هي على أساس هذين السببين وسيكون ما يلي هو أسلوبي في الدفاع عنها ". تجنب استخدام الكثير من الحجج. استخدم واحدًا أو اثنين فقط من أكثر حجج مقنعة ثلاثة إذا كنت تشعر بقوة أن الثلاثة جميعًاهناك حاجة للدفاع عن أطروحتك الرئيسية. الخطر هو أن الكثير ستربك الحجج قضاة الاكتتاب وقد تنتقص من وضوح حجتك الرئيسية. كن حذرًا من الادعاءات الضخمة، مثل "أطروحتي مهمة للغاية"

إذا كنت تنوي تقديم أكثر من حجة رئيسية واحدة مع أو ضد الموضوع، تقتصر كل منها على فقرتها الخاصة. هذا سوف يمنعك من الانحراف عن الموضوع وتخفيف حجتك الرئيسية. قم بتقييم الافتراض (الافتراضات) الأساسية للموقف الفلسفي للذين  يهاجمون أو يدافعون. كيف تؤثر هذه الافتراضات على وضع؟ اذكر بوضوح افتراضاتك الخاصة وبيان الأسباب وبيانها لماذا هم سليمون.

ابق على الموضوع! لا تنحرف عن حجتك الرئيسية. هذا سوف يربك القضاة. يجب أن يساعدك مخططك التفصيلي على التمسك بأطروحتك والحجج. لا تهاجم كاتب الموضوع أو أي فيلسوف بشكل مباشر.

وجه ملاحظاتك إلى جوهر أفكاره. تجنب استخدام المصطلحات العامة الشاملة مثل دائمًا، أبدًا، الكل، و كل . من الأفضل بكثير أن تكون محددًا في حقائقك. بدلا من بالقول، "كل الفلاسفة المعاصرين يميلون إلى الانطوائيين،" جرب "حديث أشارت دراسة أجرتها جمعية الفلسفة الأمريكية إلى أن 68٪ من

يعيش الفلاسفة المعاصرون بمفردهم ". لا تستخدم اقتباسًا إلا إذا كان بإمكانك الاستشهاد به بالضبط ثم شرحه ما مدى ارتباطها بوجهة نظرك. ومع ذلك، فمن المقبول أعد صياغة فكرة الفيلسوف على أنها دقيقة وأنت يمكن أن تظهر مدى ارتباطها بالحجج الخاصة بك.

الخطوة السادسة . النظر في الحجج المضادة

من يعرف فقط جانبه من القضية يعرف القليل عن ذلك.  قد تكون الأسباب جيدة ... ولكن إذا كان بنفس القدر غير قادر على دحض الأسباب الجانب الآخر ... ليس لديه سبب لتفضيل أي من الرأيين.

لا يقوم حكام الاكتتاب بتقييم حججك بناءً على ما إذا كانوا يوافقون أم لا لا أتفق معهم، ولكن إلى أي مدى توضح حالتك بشكل جيد ومدى جودة مقالتك هو ماهو مكتوب. ومع ذلك، لإنشاء مقال فلسفي شامل، يجب عليك توقع الاعتراضات على أطروحتك وحججك.

سوف تتدفق مقالتك بسلاسة أكبر إذا اخترت الهيكل

مثل:

- أطروحة.

- الحجة رقم 1 ؛

* حجة مضادة؛

- رد؛

- الحجة رقم 2 ؛

* حجة مضادة؛

- رد؛

- الخلاصة.

قد يمنحك هذا انطباعًا بوجود وجهين دائمًا لـجدال. في بعض الأحيان يكون هذا هو الحال، ولكن نادرًا ما يكون كلاهما صحيحًا بشكل متساوٍ. انت تحتاج للتوازن مع رأيك فيما يتعلق بالحجة التي تعتقد أنها أكثر صحة.

الخطوة السابعة: صياغة خاتمة

الغرض من استنتاجك هو إعادة صياغة أطروحتك وتلخيصها حججك بعبارات موجزة. ومع ذلك، لا ينبغي أن تكون نسخة من ملف المقدمة. أعد النظر في النقاط الرئيسية الخاصة بك في شكل ملخص، وأكد على الحجج التي تشعر بها بقوة ستقنع القضاة بأنك دافعت عن رأيك في الموضوع. الفقرة الختامية هي أيضًا المكان الذي تتواجد فيه تريد إبراز أي آثار أو قيود معلقة أو مهمة على حجتك.

نصيحة: لا تطرح نقاطًا أو قضايا جديدة في استنتاجك. 

الخطوة الثامنة: مراجعة وتحرير وإعادة صياغة

أثناء المسابقة، لن يكون لديك الوقت للقيام بإعادة شاملة لجاريات الكتابة. ومع ذلك، إذا أمكن، حاول تخصيص 20 دقيقة على الأقل لمراجعة محطة ما.

معايير تقييم المقالة

نماذج لمقالات المراتب الأولى أولمبياد الفلسفة الدولي السابع والعشرون

روما، من 16 إلى 19 مايو 2019

يمكن الإشارة على سبيل الاستئناس الى نموذجين لأصحاب الميدالية الذهبية وهما: كسينيا كوروتينكو (روسيا) و فيكتور مرشيتش (كرواتيا) حول مقال إذا كنت تفضل أن تعاني من الظلم بدلاً من أن تفعله؟ في هذا المقال – الكلام لصاحبة المقال - قمت بتحليل اقتباس أفلاطون. ثم اقترحت النفعية باعتبارها أخلاقية من حيث المبدأ، مما يدعم الافتراض بأن المعاناة أمر سيئ. لقد شرعت في استخدام النفعية للذين يجادلون بأن ارتكاب الأفعال غير الأخلاقية أمر غير مرغوب فيه أيضًا: ليس فقط كخلق معاناة للآخرين، ولكن أيضًا كمعاناة شخصية. ثم تحولت إلى وجودية هايدجر ودي بوفوار كمقاربات للقول بأن الفعل غير الأخلاقي هو غير مرغوب فيه بشكل غير قابل للقياس أكثر من المعاناة. لقد أشرت إلى أنه لا يمكن للمرء أن يكون إنسانًا حقيقيًا إلا من خلال التصرف بطريقة أخلاقية. أخيرا الذي جادل بأن المعاناة جزء لا مفر منه من عدم ارتكاب أفعال غير أخلاقية. قد تكون النتيجة تبدو كئيبة إلى حد ما: إذا كنت تريد أن تفعل الخير، فستكون على الأقل في بعض الأحيان غير سعيد. ولكن كما تظهر رواية يوسا أن الكائن الأخلاقي الأصيل يمكن أن يحقق شكلاً أعلى بكثير من السعادة.

بالنسبة لمقال  فيكتور مرشيتش (كرواتيا)  وهو مقال حول نص من كتاب  إعادة اختراع الطبيعة للكاتبة  للدكتورة دونا جيه هارواي وتحديدا عبارة:"  جميع القراءات هي أيضًا قراءات خاطئة، وإعادة قراءات، وقراءات جزئية، وقراءات مفروضة وقراءات خيالية لنص ليس موجودًا ببساطة، لا في أصله ولا في غرضه. مثلما ينفصل العالم عن أصله، ينغمس النص دائمًا في ممارسات وآمال متضاربة"

جاء في خلاصة هذا المقال، حاولت إجراء قراءة تفكيكية لاقتباس دونا هارواي. في الحركة الأولى، لقد درست ما الذي يجعل اقتباسها مقبولاً، وأشرت إلى محرره، ولكن أيضًا العنصر المخيف في صياغتها. في الحركة الثانية لدي اعتمدت أطروحتها كما هي، وأشارت إلى وجود تناقض بين ما هو ضمني وماذا نتفق عليه في الاقتباس، وفي الأخير، فكرت في النقد المحتمل وعكست على ذلك على قراءة نصها.

 

عمرون علي أستاذ الفلسفة

المسيلة – الجزائر-

............................

*ملحوظة

تشكل دولة المغرب حالة الاستثناء في تجربة أولمبياد الفلسفة يمكن العودة الى مقال

تجربة اولمبياد الفلسفة بالمغرب للدكتور العلوي رشيد. https://couua.com

[1]- قديم الممارسات الفلسفية وجديدها مصطفى بلحمر. مفتش منسق جهوي لمادة الفلسفة.أكاديمية جهة طنجة-تطوان

 

 

جمال العتابيثمة مأزق يواجهنا حين نتصدى للمسؤولية الأخلاقية الثقافية، بإعتبارها حجر الزاوية في الوعي الأخلاقي، وعند القائلين بالجبر، ان كانت إختيارات الإنسان وأفعاله لا تستثنى من السياق الطبيعي، لإستحالت المسؤولية الأخلاقية، يقابل هذا إفتراض ان بعض اختياراتنا لا تحددها شروط سابقة، وبالتالي لا يسعنا التنبؤ بها طبقاً لتلك الشروط، فهناك إذاً إختيارات غير محددة، حرة، أعني الإختيارات الإنسانية، أو حرية الإرادة، التي تهيء للمسؤولية، وحسب أريش فروم في (جوهر الإنسان)، فان مفهوم المسؤولية يعني: انني واعٍ لما فعلته.

لقد أدرك سارتر بوقت متأخر في فلسفته، ان استقلال الإنسان الأخلاقي، وحريته ومسؤوليته، يمكن أن تهدر،  تنهار كلها في ظروف معيشية صعبة، أو في ظل نظام إستغلالي مثلاً، وهكذا أخذ يزداد وضوحاً بان مفاهيم الحرية والمسؤولية والإختيار، لا تعني شيئاً بدون السياق الإجتماعي،، وبأن الأخلاق ليست مغامرة فردية بطولية، بقدر ماهي ممارسة ذات أبعاد إجتماعية من الصعب تجاهلها، على الرغم من ان سارتر يجد في قدرة الإنسان إمكانات هائلة في صنع وجوده، وإختيار مساره في كل فعل يقوم به، فالحرية هي قدر الإنسان الذي لايستطيع الهروب منه، وهكذا استطاع سارتر ان يقول في لغة لا تخلو من المفارقة ان الانسان (محكوم عليه) بالحرية.

أي الإختيارات يكون الإنسان مسؤولاً عنها؟ للإجابة عن هذا السؤال، نقول: ان حرية الإختيار ليست مجرد قدرة شكلية، إما ان يمتلكها المرء، أو لا يمتلكها، بل هي وظيفة للبنية الشخصية للإنسان، لقد عانت المعالجة التقليدية لمسألة الحرية، من الإفتقار لإستخدام بيانات نفسية تجريبية، كما يقول فروم، الأمر الذي أدى الى الميل لمناقشة المشكلة بتعابير مجردة، فإذا عنينا بالحرية (حرية الإختيار)، فسيمضي السؤال حول ما إذا كنا أحراراً بالإختيار بين (س وص)، الحتميون يقولون بأننا لسنا أحراراً، والإنسان مجبر على الإختيار بين س وص، بسبب الدوافع التي تحدده وتجبره على إختيار هذا أو ذاك، في حين يدعي معارضوهم العكس تماماً، ويجادلون بأن الإنسان يمتلك مسؤولية الاختيار وحده، وهنا نصل الى عمق المأزق، من الصحيح؟ الجبرية أم الحرية، وفي كلتا الحالتين تكون المسؤولية الأخلاقية متعذرة، وعلينا أن نواجه الموقف الجدلي التالي: مالم يكن ثمة تسليم بان الانسان مسؤول عن أفعاله، فلن يكون على الأرجح مكان للمبادئ الأخلاقية، واذا تأملنا أعماق التجربة الإنسانية، وتتبعنا تطور المجتمع البشري، يبدو لنا ان إغفال الحرية الإنسانية يفضي الى إعتبار الناس تروساً في  وحدات وقوائم إحصائية وهم ليسوا كذلك، فالإقرار بقدرة الإنسان على الإختيار الحر، تدعنا الى الإعتزاز بصانعي الإبداع في الحياة.

ضمن هذا السياق ننظر لموقف المثقف من الحرية والإختيار كمحصلة للوقوف الى جانب القيم الإنسانية والأخلاقية الشاملة، ويبدو ان مفهوم غرامشي الأقرب في التعاطي مع هذه المواقف، إذ يعدّ الناس جميعاً انهم مثقفون، لا إختلاف بينهم إلا في أداء الوظيفة الفكرية داخل المجتمع، واذا سلمنا بان المجتمع في الغرب قادر على إستيعاب هذه الوظيفة وقبولها، فأنه من الصعب قبولها في بلداننا المتخلفة، التي تنعدم فيها حريات التفكير والمعتقد والرأي، ويختلط فيها مفهوم الثقافة أولاً، وتلتبس فيها الافكار، فيصعب التمييز بين المثقف العضوي والمثقف التقليدي. المثقف ذاته يعاني من أزمة هو الآخر، بإرتداده إلى الذات أولاً، وأزمة مع الآخر ثانياً، تتمثل بما يدعى بالنرجسية النخبوية، التي تزين للمثقف أنه عقل الأمة النير، وضميرها الحي، بإدعاء انه يحتكر الوعي والفكر والعلم، ويمارس والفضيلة، ويمارس الإقصاء بكل أشكاله، بينما الآخر له ذات مفكرة وعقل حي وفاعل، كذلك. فمازلنا، نعود لكتابات وافكار مبدعي العالم، ونعتمد طروحاتهم كمجالات خصبة للقراءة والفهم، بينما لا تصلح كتابات البعض في تجاربنا المحليةأن تؤسس لفكر متنور، وتأملي، تحليلي، فتبدو طارئة، هامشية، مقطوعة، لا تترك أثراً عميقاً في الحياة.، لاتتلمس نبضها،  لاترصد قلق الجسد الإجتماعي الثقافي، والتحولات فيه.

أعتقد أن لا دورَ للمثقف يلوح في الأفق، أو في سماء البلدان العربية الملبّدة بالغيوم السود، فهناك مشكلة كبرى تواجهها الثقافة في بلدنا، هي غير المشكلة في المجتمعات المتقدمة بالتأكيد، وهي تتمثل بالتحديات في مواجهة السلطة، وإتخذت شكلاً حادا في العقدين الاخيرين من الزمن، (سلطة التقاليد، والعرف، والعشائرية، والسلطة الدينية وسلطة الحكومة)، ان من طبيعة الإبداع أن يكون في صراع مع القوى التي تتجاهل الثقافة، وتعيق حركتها في المجتمع، أو تجميد عقل الإنسان وفكره المتحرر. في خضم هذا الصراع الحاد، تسعى قوى الظلام والشر أن تفرض الخراب الثقافي، لينزوي المثقف في عزلته، محاولاً على الأقل ان يكون وفياً لتاريخه وذاته.

ان تاريخ التطور الإنساني أثبت على مرّ العصور، ان المثقفين كانوا هم الذين سبقوا أزمنتهم، ومهّدوا الطريق لتطورات حاسمة في تاريخ البشرية.

 

د. جمال العتابي

 

 

حاتم حميد محسنهل سيتمكن العالم في هذه السنة من التغلب على الأزمة الاقتصادية العالمية التي نتجت عن وباء كورونا؟  هل وظائف الناس لازالت في خطر؟ منْ خسر اكثر في الأزمة الحالية وماهي الاجراءات التي يجب القيام بها  لأجل الانتعاش؟ ان قسم الشؤون الاجتماعية والاقتصادية في الامم المتحدة (DESA) يستعد لعرض تقرير نصف سنوي عن الوضع الاقتصادي العالمي وآفاقه لعام 2021، هنا خمسة أشياء نحتاج لمعرفتها حول حالة الاقتصاد العالمي:

1- ان الولايات المتحدة والصين تعودان بسرعة للوضع الطبيعي قبل الأزمة، لكن الدول النامية تشهد انتعاشا بطيئا. وبينما مخرجات الاقتصاد في الولايات المتحدة والصين يُتوقع ان تنمو بقوة وترفع النمو العالمي، لكن العديد من اقتصاديات الدول النامية لا يُتوقع ان تعود بسرعة الى مستوى مخرجات ما قبل الأزمة . الوباء لازال بعيدا عن النهاية في أغلب الدول النامية حيث اللقاحات تتقدم ببطء، والضغوط المالية تزداد حدة.

2- الموقف في المناطق الحساسة والأكثر ضعفا أصبح اكثر خطورة. الإغلاقات وإجراءات التباعد الاجتماعي ادّت الى فقدان الكثير من الوظائف في قطاع الخدمات الكثيفة الاتصال والكثيفة العمالة، والتي في الغالب تستخدم النساء. الوباء كشف ايضا عن هشاشة العمالة في القطاع اللارسمي  الذي هو المصدر الرئيسي للوظائف في العديد من الدول والذي يوفر أقل درجة من الأمان الوظيفي، والقليل من الحماية الاجتماعية والرعاية الصحية.

3- الإنتعاش في التجارة العالمية كان قويا وخاصة في آسيا.

ان التجارة في بضائع التصدير تجاوزت مستويات ما قبل الأزمة، مدعومة بطلب قوي على التجهيزات الكهربائية والالكترونية، وعلى ادوات الحماية الشخصية (PPE) والسلع المصنعة الاخرى. التجارة في مجال الخدمات تبقى مقيدة بالقيود على السفر الدولي. ومع ان الصادرات من الاقتصاديات الأسيوية قفزت بسرعة، لكن الصادرات من أفريقيا وغرب آسيا ودول الكومنويلث المستقلة قد توقفت.

4- ان أزمة كوفيد 19 ألحقت المزيد من الضرر بالنساء والبنات.

هذه الأزمة أثّرت على المرأة بشكل غير تناسبي حينما عانت من فقدان كبير للوظائف والدخل، وهو ما ساهم في تعميق الفجوة بين الجنسين. العديد من البنات والنساء المثقلات بواجبات رعاية المنزل، اضطررن للتخلي عن المدارس وعن العمل ايضا. العودة الى المدارس والعمل تأخذ وقتا طويلا وقد لا تحدث ابدا للعديد من النساء وهو الأمر الذي يوسّع الفارق في التعليم والدخل والثروة.

5- تحتاج الدول لعمل المزيد لمعالجة التأثير المتفاوت لجائحة كوفيد – 19.

هناك حاجة ملحة لتقوم الدول بصياغة سياسات أفضل تراعي الفوارق بين الجنسين لتحقق انتعاشا من الأزمة يكون اكثر قوة وشمولية. ومع ان المرأة في الخط الامامي للجائحة، لكن تمثيلها كان ناقصا في عمل القرارات المتعلقة بالجائحة وفي صياغة السياسات الاقتصادية. التأثير الشديد وغير المتكافئ للجائحة على النساء والبنات يستدعي وضع المزيد من السياسات الموجّهة للمرأة والمزيد من إجراءات الدعم للنساء والبنات ليس فقط من أجل تعجيل الانتعاش وانما ايضا لضمان ان يكون الانتعاش شاملا وقويا.

 

حاتم حميد محسن

.......................

عن النشرة الاخبارية لقسم الشؤون الاجتماعية والاقتصادية للامم المتحدة UNDESA،عدد مايو 2021.

 

عدنان عويديُعَرّفٌ المفكر الراحل "محمد أركون" السلطة الأرثوذوكسيّة، بأنها: (السلطة المعتمدة على السلطة الحاكمة في فرض مفاهيمها وآرائها وقوانينها المعرفيّة على الآخر). أو بتعبير آخر برأيي بأنها مجموعة الرؤى والأفكار التي تشكل في سياقها العام (أيديولوجيا) تتبناها قوى سياسيّة داخل السلطة أو خارجها، يعتقد الحامل الاجتماعي لها بأنها وحدها من يمتلك الحقيقة الصائبة وما عداها من نظريات أو أيديولوجيات تحيط بها، خطأ يجب أن يقصى أو يهمش بأي شكل من الأشكال.

إن العقليّة الأرثوذوكسيّة بسلطتها الاقصائية، هي تعمل بالضرورة بهذا الشكل أو ذاك، على الغاء حريّة البحث والتفكير والتقصي من أجل حل قضايا المجتمع والدولة حلاً منطقيّاً، والحل المنطقي هو الذي يقوم بالضرورة على تقبل الرأي الآخر والحوار معه، وبالتالي المشاركة في البحث عن حلول للقضايا المشتركة.

إن العقل الأرثوذكسي، هو الذي يؤدي أيضاً إلى حجب الحقيقة، وعدم  الاقتراب من المسكوت عنه أو اللامفكر فيه، لأن السلطة الأرثوذوكسيّة تمنعه وتقمعه وتحول دون الاقتراب منه، وذلك من خلال حجرها على العقل وحريةّ الإرادة للمختلف، بحيث يصبح هذا العقل عاجزاً عن التساؤل. وفي مثل هذه الحجز على العقل المختلف، أو قمعه، سيسود نمط آخر من التفكير الذي ترضى عنه السلطة الأرثوذوكسيّة وتشجعه وتفتح له في المجال واسعا، وهو التفكر الخيالي والأسطوري والغيبي ولامتثالي والاستسلامي والماضوي وحتى العبثي، الذي يبتعد عن التأمل  المنطقي في الظواهر، وعدم استخدام الاستقراء والاستنتاج والقياس والبرهان العقل النقدي في النظر إلى الأشياء التي تهم مصالح المجتمع.

إن السلطة المعرفيّة الأرثوذوكسيّة إذا ما مُورِستْ من قبل قوى سياسيّة ذات مصالح انانيّة ضيقة داخل السلطة، ستدفع بالضرورة أفراد المجتمع ليفكروا بقضايا خارج نطاق قضايا واقهم التاريخي المعيوش ، وسيدخلون في صراعات ثانوية ربما تعود جذورها إلى مئات من السنين الماضية، كأن يدخلوا في عوالم معرفيّة وسلوكيّة تتعلق بالمذاهب الدينيّة والفرقة الناجية ومن هو الكافر أو المؤمن، وبفقه الحيض والنغاس، أو هل عمل المرأة حلال أم حرام، أو هل أن صوتها عورة أم غير عورة، وهل يحق للمرأة أن تخلط البندورة مع الخيار.. وغير ذلك. إضافة لدخولهم في دهاليز المجتمع الاستهلاكي والبحث عن اللذة وشهوة الموديل والقضايا القشريّة التافهة في حياتهم، بدل القضايا الجوهريّة المتعلقة بتعليمهم وتربيتهم التربية العلميّة التي تنمي عقولهم ومهاراتهم الإدراكيّة وامتلاكهم روح البحث عن الحقيقة في الظواهر التي يتعاملون معها، وبالتالي تطوير شخصياتهم من النواحي اَلجسديّة والروحيّة. ففي مثل هذه الوضعيّة الاجتماعيّة والفكريّة المتهافتة التي تساهم السلطة الأرثوذوكسيّة في تسويقها وتجذيرها داخل بنية المجتمع وعقول افراده. لا بد أن تكوّن أفرداً هم أقرب للبهائم منهم للبشر، وعلى هذا الأساس ستجد هذه البهائم السيف مسلطاً على رقابها دائماً عندما تشعر بذاتها الإنسانيّة وتريد العودة لإنسانيتها، كونها لا تجيد استخدام عقلها في التعامل مع مَنْ حَيْوَنَهَا، والحيوانات البشرية غالباً ما تثور ضد من يسوسها، فتكون النتيجة العقاب، وفي أقصى حالاته القتل.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سوريّة

 

محمد سماعيل السرايالتأريخ، هو تأريخ حروب وملوك وحضارات وجماعات، فأين تاريخ الانسان (الفرد العادي) من كل ذلك؟

لا يوجد تاريخ للانسان، في كل ذلك الركام الورقي من الاحداث والازمان والكيانات الجماعية.. لان التأريخ في طبيعته، هو تأريخ للجماعات وليس تاريخاً للافراد.. ففي التأريخ، وفي الواقع المعاش ايضا، تنسحق الفردية تحت اقدام الجماعات، ولذلك فلا وجود واقعي للكيان الفردي، بل ان مفهوم الفردية الموهوم، انما هو مفهوم محشور في داخل انساق ماكينة الجماعة، لان الاساس الذي قامت عليه المنظومة المجتمعية ابان تشكل الجماعات والمجتمعات -بعد مغادرة مرحلة او حقبة الجمع والالتقاط -هو اساس قائم على تشكل كيانات جماعية، لا فردية، ومن ثم اتحاد هذه الكيانات الجمعية وانظوائها تحت كيان المجتمع الاكبر. وعلى اساس هذا التشكل الجمعي، قامت واوُجدت، ورْتبت، جميع انساق ونظم وقوانين الحياة، وفق اسس المجموعة، مراعية متطلبات الجماعة واحتياجاتها وفهم كينونتها اكثر من فهمها لكيان الانسان الفرد ذاته، اومراعاة متطلباته وتحقيق وجوده والتعامل معه كفرد ينتمي الى جماعة، لا التعامل مع جماعة تحوي افرادا..

وعلى الرغم من ان المعرفة البشرية، التي قطعت اشواطا عملاقة في سبر أغوار الانسانية، خصوصا في علوم الإنسان والمجتمع، الا ان تلك المعرفة لم تفهم حقيقة الانسان بصورة عادلة ومرضية، لان علوماً مرتبطة بدراسته بصورة لصيقة، كعلم الاجتماع مثلا، لم يدرس الا الكيانات الجمعية والتجمعات البشرية بصفتها الجماعية لا الفردية، ولم يدرس الانسان الفرد هنا الا بصفته جزاءا حيويا ومرتبطا بالجماعة لا ككيان مستقل. وكذلك فإن علم النفس، هو الاخر لم يدرس حقيقة الانسان الفرد، بقدر ما درس السلوك الانساني الفردي، بالضبط كما تدرس مثلا علوم البايولوجيا والطب، الاعضاء الجسدية ووظائفها واعتلالاتها. فهكذا علم النفس فهو علم وصفي للسلوك البشري سواء السوي او غير السوي، ومن ثم علاجي، للسلوك الفردي المعتل، لكنه غير معني بالكهنة او الطبيعة المتفردة والمتمردة للسلوك الانساني، بسبب تاريخه التمردي الطويل المتأتي من حقبة حياة منفلتة عن الكيانات الجمعية.. ربما تكون الاديان، خصوصا الخلاصية لا الطقوسية (البدائية)-وان كانت جميع الاديان خلاصية واغلب الطقوس كذلك خلاصية- التي سعت الى خلاص الانسان من نير شعور الخطيئة التي لازمت الوجود الانساني واصبحت مكونا ثابتا في الشخصية الانسانية .كالديانة المسيحية الخلاصية مثلا، التي سعت دوما الى تحرير الانسان من شعور الاثم الابدي والدائمي الذي يؤرق فكر الانسان على مدى حياته الشخصية، وتاريخه البشري العام.وكما يمثل بولس الرسول ذلك بصبغة لاهوتية، حيث يصور إن الخطيئة صُلبت مع جسد المسيح المصلوب، حيث اتخذ جسده هيئة الخطيئة فلما مات على الصليب ماتت الخطيئة معه ايضا، لذلك فإن المؤمن بعقيدة الخلاص المسيحي سوف يُصلب مع المسيح على خشبته، وبذلك تموت خطيئته الشخصية ويتحرر منها، وان جسده الذي كان ميتا بالخطيئة سيولد مع المسيح في حياة جديدة..لكن الحقيقة ان الاديان هي من خلقت الخطيئة والاثم، فقبل وجودها لم تكن هنالك خطيئة- اي قبل وجود الاديان والمجتمعات- التي اوجدت الكيانات الدينية ومنظومتها العقائدية واللاهوتية ومفاهيم الاثم والبر، التي لم تكن موجودة خصوصا قبل ظهور مجتمعات الزراعة.فلم يكن الانسان يشعر حين ذاك- في الحياة البدائية في مجتمع الصيد والالتقاط- بالخطيئة، لانه لاوجود في مخيلته لمثل هذه المفاهيم المجردة.او كما يعبر عن ذلك ايضا، بولس الرسول بعقيدة لاهوتية، بانه قبل وجود الناموس كانت الخطيئة ميته لكنها ظهرت -او حَيَتْ- بظهور الناموس، او كما يرد ذلك بصورة صريحة في رسالته لاهل رومية (بل لم اعرف الخطية الا بالناموس. فانني لم اعرف الشهوة لو لم يقل الناموس"لاتشته") رومية ٧:٧..

عَمِلَ الدين، ومن ضمن منظومة اكبر، الا وهي المنظومة القيمية المجتمعية، التي عملت على جر الانسان قسرا نحو تبني وانتهاج قيم الجماعة، ساحقة فرديته وتفرده ككائن بايولوجي، قبل ان يكون كائنا اجتماعيا، له سلوكياته البايولوجية الفردية التي لاتتناسب مع السلوكيات الجمعية وقوانينها والتزاماتها..لكن الدين كحقل معرفي تعامل مع الانسان الفرد-بالرغم من ان الدين كيان جماعي في اساسه- الا انه تعامل مع الفرد بآلية الخلاص الروحي الفردي والجماعي، لذلك افرد للتوبة والتكفير بابا كبيرا في بنيانه العام. لانه فهم ان الانسان خطاء بالطبيعة، وسيضلُ كذلك دوما، ولانه كثير الخطيئة والزلل فانه احتاج دوما للتكفير عن تلك الخطايا والعودة الى الشخصية الخيرة والسوية، وبما لم تراعي ذلك القوانين المجتمعية المدنية (الوضعية)، وخصوصا في المجتمعات والمدنيات الحديثة التي تعاملت مع الانسان الفرد ككيان آلي يجب ان يطيع القوانين المجتمعية بصورة الية صماء، ولهذا جعلت العقوبات القطعية والرادعة على سلوكه بصورة حدية غير مراعية لطبيعته الخطاءة وسلوكه الغير منضبط والغير مفهوم.يقول فرويد ان النفس البشرية او العقل اشبه مايكون بجبل الجليد العائم في الماء فالثلث الظاهر هو الوعي والثلثان المغموران تحت الماء هما اللاوعي او العقل الباطن، فلذلك فانه من الخطأ الحكم على سلوك الانسان من خلال الوعي فقط بل ان اللاوعي او العقل الباطن هو المتحكم الاكبر في السلوك الانساني.اي يلمح فرويد ان الانسان لربما هو غير مسؤول عن سلوكه مسؤولية اعتبارية كاملة وصارمه..فهو صريع بين انا مسحوقة بين تعاليم وقوانين وقيم المجتمع (الانى الاعلى) وبين رغبات واحتياجات وغرائز مطمورة في دهاليز النفس البشرية مستترة تحت اعماق النفس (الهوَ اواللاشعور او العقل الباطن)..

 

محمد اسماعيل السراي

 

انور الموسويأتحدث عن قطيعة ليست حالية، بل سوء فهم ولربما عناد مطبق نتيجةً لأسباب منها سياسي وعقائدي ومنها ايدلوجي خارجي او داخلي.

لا أتحدث عن قطيعة اليوم، بل انفصال دام طويلاً بين فهم الدولة للحياة وفهم المجتع لنفس تلك الحياة، وطرائق تطلعهم نحوها.

من هنا تكون الانطلاقة.

البعد الفكري لإي دولة بالعالم يجب ان يكون مستمدًا من حاجات المجتمع، تطلعات المجتمع، رغبات المواطن، لا أن يكون مبنيًا على اساس ثوابت مفروضة تقادمت بقدم حضارات أنتهت وصارت ركاماً. تلك اول قطيعة.

الثانية فهم الدولة لمجريات العصور ومتابعة تقدم المجتمعات وسياسية التحضر، هي من أهم اسباب تكوين العلاقة الطردية بينها وبين شعوبها ومجتمعاتها، اذ يكون المجتمع ماضيًا في أحلام يود تحقيقها ضمن أساسيات الدول المعاصرة والمجاورة في التقدم والنهوض والرعاية والعمران… الخ والدولة لازالت ضمن مؤسساتها غارقة في روتين استبدال سنوية سيارة او كتاب صحة صدور او معاملة تقاعد.. الخ

أما في قضايا العدالة الاجتماعية والسلم المجتمعي وتحقيق توازن اجتماعي يتسم بالحريات (والانضباط ) وفقًا للقانون. فتلك لها بعدين:

١- إما تضعف الدولة في قبالة الأعراف والعادات الاجتماعية وحتى الطقوس وحينها يضعف القانون تدريجياً فتحل الفوضى والجهل والتخريب والعنف وتزايد التغول الهمجي بين مفاصل الشعوب مع أستهلاك للسلاح والقتل وعدم إحترام خصوصيات الآخرين فتلجأ المجتمعات حتى الراغبة بالتغيير منها الى حماية نفسها بمصدر القوة المتوفر ، فالقانون لم يكتسب قوة السيطرة المفروضة، فيتحول مفهوم الأمان لدى المواطن إلى مفهوم كسبي بالحذاقة وليس ضمن واجب وطني مفروض على الدولة الراعية لهذا المواطن، لتنشطر عندهم بنية المجتمع بين التطلع نحو ما يرونه بدول العالم الاخر  وما توفره بلدان العالم من حريات وخدمات، وبين محاولات حماية أنفسهم من تسلط وتغول البدائيين.

٢- او نحو فهم التطور والتقدم والتحرر ضمن مسارٍ مشوه يؤدي في نتائجه العميقة إلى زيادات في الانتحار والأمراض النفسية والطلاق والتحلل وفهم معكوس لجميع مراحل تطور الشعوب المتقدمة.

وهذا حال الجماعات التي تتمتع بالسلطة  الخارجة عن فهم الدولة ، منزوية ضمن قطيعتها المفاهيمية والايدلوجية ضمن رقعة منغلقة غير مستوعبة حاجات الشعوب ورغباتهم في منحهم مقومات الحياة العصرية، ومنحهم امتيازاتهم الإنسانية وحرياتهم التي يرغبون بها في ممارسة رغباتهم وحياتهم بالطريقة التي يرون انها تلائم توجهاتهم.

تلك القطيعة في فهم أساسيات ورغبات الأجيال ((المتحورة )) جديرة بالملاحظة، فمجتمع اليوم ليس كما هو بالأمس، ولا توجد سلطة بالدنيا تستطيع كبح جماح الإرادة والرغبة بالتحرر التي يحتاجها المجتمع، وإن سكتوا ضمنًا عن التعبير، لكن فسلجة كيانهم عند ابسط اختبار تكشف تلك الرغبة.

لازالت جميع السلطات المتعاقبة غير مستوعبة او غير مكترثة بأن الاجيال الصاعدة والماضية تعيش في صراع محتدم ، صراع مفاهيمي وصراع نفسي بين الموروث والقدم، وبين استلهام الحداثة والتعايش معها، هذا الصراع يولد انفجارات عظيمة في بنية المجتمعات لو لم يتم استيعابه وفهمه لأنه يخلق تناقضات (يفسرها البعض  على انها نهايات  الزمان) والحقيقة ليست كذلك  بل هو  توليد  لمردود عكسي تماماً بجري الصراع بينه ضمن الأضداد ليولد منظومة حداثوية جديدة حتمًا شاء من شاء وابى من ابى، اما لو جرى قمعه والاستعاضة عنه بمفاهيم مفروضة قسرية،  ضمن احكام مسبقة " دينيًا وعقائديًا " سيتجه نحو الازدواجية، والتصنع، وماحال مجتمع بأكمله يصاب بتلك الطامة؟ تخيل حجم الكارثة والتي هي واقعة بعضاً منها  ضمن مسار مرئي غير مخفي على الجميع، فكيف ونفس السلطة المباشرة بالتنفيذ لازالت ضمن مخيال الماضي ومصرة على أنها على حق، على الرغم من ملايين الأدلة التي أثبتت عقم تلك النظرية وفشلها ضمن جميع مستويات الادارة، ابتداءًا  من الفن والذوق العمراني المستهلك، والمحاولات الخجولة في إعادة ترميم الوطن والهوية الوطنية الضائعة، وليس انتهائًا في استباحة الدماء وعدم الاكتراث بأهمية الروح الإنسانية، وفرض القوانيين المقيدة لحركة وحرية البشر وتصدير رغباته في ممارسة متعته و إلى ضياع فرص التقدم التكنلوجي والاقتصادي.. الخ

كيف لا يحصل الانفصام ، وكيف لا يتولد الإرباك والازدواجية بين ادعاء شيء وممارسة شيء اخر تماماً.

وكل يوم تصر فيه السلطة على أحقية معتقدها تحصل قطيعة موازية بينها وبين فئات المجتمع، واغتراب مستمر بين إرادة السلطة وتوجهاتها وبين المجتمع ورغباته وتطلعاته وممارسة حرياته وحياته بالشكل الذي يراه جميلًا من وجهة نظره.

واجب الدولة دومًا ان توفر لكل شيء، شيء محاط ومحمي بالقانون. ولكل رغبة وتطلع وممارسة سياق قانوني يحمي المواطن} لايقمعه ويهينه.

لن تُحل هذه القطيعة ابدًا مادام الفكر في الرياسة هو نفسه، اذ يستمر هذا الانفصال حتى يتم استبدال فكرة قيادة الدولة بفكرة "مدنية " ، قائمة على اساس التعددية المذهبية والفكرية وتحقيق كامل الرغبات للمجمتع الواسع والمختلف، ولن يتم ردم هذه القطيعة إلا بدولة تجعل شعار الولاء للوطن والهوية الوطنية هي معيار الخدمة للبلد، ولا تشظي الأفراد الى انتماءات متعددة، فالدولة ليس لها دين، الدولة عقيدتها " وطن ومواطن فحسب" ولن تنتهي تلك القطيعة حتى يتم التأسيس لدولة عصرية متحضرة تماماً تخلو من انبعاثات الماضي والخيال الغيبي او التعامل وفقًا للأعراف، تتعامل بطريقة واقعية مع شعوبها لا تعاملهم بطرائق غيبية!. كما ان الاساس الذي تنبثق منه الدولة ذات الرابطة بينها وبين شعوبها يكون قائم على توفير المستحقات المدنية للشعوب، واخذ الواجبات الوطنية من تلك الشعوب، لتصبح المعادلة متوازنة.

لن توفر الايدلوجيات السائدة اي فكرة لبناء دولة ولا فهم شعب او جيل او أجيال متعاقبة، لذلك سوف لن تنجح في استيعاب شعبها ولا ردم فوهة التباعد هذه وستستمر تلك القطيعة وسط فوضى للمفاهيم وحاجة ماسة لممارسة الرغبات داخل قعر مغلق من التقييد  العرفي والعقائدي وممارسة خفية لجميع حاجات البشر ضمن السر " المسموح به " لتتولد تلك القطيعة من رحم الازدواجية ومحاولة التكتيم على الإخفاقات وعدم الإذعان والاعتراف إن كل شيءٍ قد تغير ولابد ان تتغير السياسية معها وفقًا لحماية حقوق المواطن وحرياته.

 

انور الموسوي

 

 

داود السلمانالالم هو احساس فردي- شخصي لا يشعر به الا الشخص المعني نفسه، أي صاحب الالم، اما الشخص الذي يوجد بجانبه فهو يشعر بالانزعاج من تأوهات ذلك الشخص ولا يدرك قساوة ومرارة الالم، الذي يتعرض له المصاب بلوعة الالم، "لا يؤلم الجرح الا من به الالم"، لكن من باب الشعور الانساني، يدرك ما يعانيه المصاب، ادراكا شعوريا بحت. لذلك يعبّر دوستويفسكي بقوله "إن العذاب هو المصدر الوحيد للإدراك، رغم أنني قلت في البداية أن الادراك هو أسوأ ما يتميز به الانسان".

البير كامو في روايته "الطاعون" والتي تقع احداثها في مدينة وهران في الجزائر، يسرد لنا احداث مؤلمة حول كيفي ظهر الطاعون هناك من خلال ظهور اسراب الفئران بشكل يدعو للقلق والتي شاهدتها سكان المدينة عيانا، وهي قد نفقت بالعشرات ثم بالمئات ثم بالآلاف،  فانتقلت عدوة الطاعون الى الناس عبر تلك الحيوانات النافقة، وراح هذا المرض اللعين يفتك بالناس ويقتلها، فلم يسلم منه صغيرًا ولا كبيرًا، حتى عجز الناس عن دفن ضحاياهم الذين هم آلاف متعددة. "يربح الإنسان في الأوبئة والحروب المعرفة والذكرى" (الطاعون)

وكامو يسرد لنا الحالات الانسانية من خلال روايته هذه، وكيف أن سكان تلك المدينة تعاملوا بشكل انساني مع تلك الاحداث المؤلمة، فعاشوا الشعور الجمعي بالألم الذي انتابهم، وهم يشاهدون، في كل يوم يتساقط مئات الاشخاص، يتساقطون تباعا على الارض، وهم ميتون مصابين بذلك الطاعون الذي لا يرحم. "الطاعون وسيلة إلهية فعّالة للحصول على السعادة الأبدية" (الطاعون). ومن خلال احداث تلك الرواية الممتعة -المحزنة في آن، يصوّر لنا كامو الاوضاع الاجتماعية وربما الدينية كذلك تصوير دراماتيكيا، حيث كان رجال الكنيسة يحثون الناس على الصلوات والتضرّع الى الله على أن يرفع عنهم هذا البلاء، اذ حاول رجال الدين المسيحيين أن يقنعوا اهالي المدينة بذلك، "الطاعون لا يصيب أصحاب البنية الضعيفة، بل أصحاب البنية المتينة". إن الله قد ابتلاهم بهذا البلاء، لأنهم نسوا ذكره وانشغلوا بملذاتهم الدنيوية؛ وقد اقتنع الكثير منهم بهذا الرأي، وتأثروا بهذه المقولة، فراحوا يدخلون الكنائس والاديرة وحدانا وزرافات، وهم يضجون بالدعاء والتضرّع والبكاء ويستغفرون ربهم على معصيتهم له، أن يفرّج عنهم هذا العذاب وأن يرفع هذا الالم، ويقبل هذا التضرع، و"بما أن الموت هو مَن يقرّر مصير العالم، أليس من الأفضل «لله» ألا يؤمن به الناس"؟(الطاعون).

المجتمعات، ككل، في حالة الرخاء قد تتقاضى عن كثير من الامور المجتمعية، الضرورية لحياة الناس على اعتبارهم يشكلون قيمة انسانية عليا، يجب عليها أن تتعايش بمحبة واخلاص وشعور متبادل بين الجميع على حد سواء، اذ يكتنف هذا الشعور مسؤولية اخلاقية يجب أن تسود الجميع لكي يعيشون بتفان وتواصل مع الحياة المشتركة. وعند حدوث حالات البلاء وتعرض هذا المجتمع الى هزات نفسية وجسدية من امراض واوبئة او من كوارث طبيعية وغيرها، يعود هذا المجتمع الى رشده فيشعر بحجم الدمار الذي اصابه جراء ذلك، فينتبه الى نفسه والى وعيه، ويرجع الى ما كان عليه من ذي قبل، رجوع ندم، فيكون التعامل بالإنسانية، تلك الانسانية التي فُتق عليها الانسان، لتلافي النكوص والاهمال الذي ساد هذا المجتمع نتيجة لتغاضيه عن اسباب وكوامن انسانية قد فقدها دون أن يشعر بذلك او متعمدًا، او على الاقل يشعر بذلك نخبة معينة من ذلك المجتمع الذي اصيب بهذا النكسة التي كادت أن تقضي عليه، ويفترض أن مثل هذا أن لا يحدث. ذلك لأن "طريق الوصول لراحة النفس هو العطف" (الطاعون).

الدولة التي ظهر فيها فايروس كورونا، هي الصين وهي اكبر دولة سكانية عالميا، وهي الاكثر جهة تضررت بداية انتشار الفايروس. والى يومنا هذا ونحن لا نعلم الاسباب الحقيقة التي اظهرت هذا الفايروس القاتل، فبعظهم يرى أن الفايروس كان مُصنّع، أي هو عبارة عن حرب بيولوجية بين الصين والولايات المتحدة الامريكية، الدولتان المتنافستين على عرش العالم، وكلنا يعلم هذا التنافس بين القوتين العظيمتين: الصين وامريكا، وصراعهما  الاقتصادي.

انتابتني حالة من التذمر والحزن معًا، وانا ارى بأم عيني، وفي كل يوم وفاة صديق لي هنا وآخر هناك تحت مذبحة كورونا، فضلا عن ابناء مدينتي وبلدي، هذا التذمر والحزن اصابني بحالات نفسية وحالات ضجر وقلق، وفتق عندي تساؤلات فلسفية واخرى وجودية: لماذا ظهر هذا الفايروس؟، ولماذا يغيّب هؤلاء الناس المساكين، وخصوصًا الفقراء منهم، من العمال والكسبة، ومن الذين يعيشون بأجور يومية ومن غيرهم، جراء الحظر الذي فُرض على العالم برمته وليس على ابناء بلدي فحسب. واقتصاديا فرط عقد مليارات الدولارات، وضاعت في مهب الريح وفي اشهر معدودة، بينما هناك ملايين الفقراء والمعوزين هم بحاجة الى تلك المليارات، لانتشالهم من جحيم الفقر ونار العوز.

كورونا هو من الاسباب الطبيعية، كالفيضانات والكوارث الاخرى، مثل التسونامي الذي ضرب عدد من المدن الاوربية. ومن السذاجة بمكان أن نوعز ظهور فايروس كورونا الى غضب الاله وانتقامه من العباد بسبب عصيانهم لأوامره وعدم الطاعة، كما اوعز ذلك قساوسة مدينة وهران التي اصابها الطاعون، وكما رأى ذلك بعض علماء المسلمين عند ظهور كورونا.

في مقال سابق لنا حول رواية "الطاعون" ذكرنا إن الاحداث، تدور حول مرض الطاعون، اذ راح هذا الفايروس يفتك بآلاف الناس، حتى كاد أن يقضي على الجميع، وقد استعملوا كافة القضايا الوقائية للحد من هذا المرض، فلم ينجحوا، حتى أنهم، اخيرًا، اتجهوا الى علاج آخر لربما يكون الافضل أو البديل، الا وهو العلاج الروحي أو نستطيع أن نقول الماورائي وهو الدعاء والتضرع الى الله، من خلال تلك الادعية والصلوات، والاستغفار، لعل الله يرفع عنهم هذه المحنة، التي عصفت بهم كما تعصف الريح العاتية بأوراق شجرة صفصاف في موسم الجفاف.

جاء نداء الكنيسة أنه على جميع المؤمنين وغير المؤمنين التوجه الى الكنيسة لسماع توجهات الجهة الدينية بخصوص هذه الكارثة (الطاعون). فخطب القيس خطبة وعظية اشار فيها الى أن هذه عقوبة الهية، لأن الناس ضعف ايمانهم بالله ولم يتمسكوا بالدين، وتفرغوا الى ملذاتهم الخاصة، فنسوا الله خالقهم، وفي نهاية الخطبة العصماء دعا الحاضرين الى العودة الى الايمان والتضرع للخلاص من هذا البلاء". وهذه هي لعبة رجال الاكليروس في كل زمان ومكان، فهم شطار بالعزف على هذا الوتر الحساس، لتهوي قلوب الناس الى الدين، وهو بذلك المستفيد الاكبر.

ففايروس كورونا اعتبره البعض حربًا اقتصادية يريد المتسبب من وراءها الحصول على مزيد من الدولارات والربح العاجل، لينتعش بذلك اقتصاد شعبه، وإن كان على حساب قتل الناس الابرياء في معظم دول العالم وخصاصًا الضعيفة منها وذات الاقتصاد الهش، وهو ما حصل بالفعل، حيث تعرضوا للموت العاجل إثر هذا الفايروس اللعين بشكل لافت. والدليل إن اربع دول راحت تنافس بعضها البعض لإنتاج لقاح ضد هذا الفايروس، وهي الصين وامريكا وبريطانيا وروسيا، وبالفعل هذه الدول، في غضون عام كامل، استطاعت أن تنتج، وبوقت قياسي، لقاح مضاد لهذا الفايروس، وكل واحدة من منها تدعي إن انتاجها هو الاحسن والافضل.

البير كامو في روايته الطاعون كأنه يناغم عصرنا هذا في رسم ملامح كورونا بصورة الطاعون، اذ الاحداث تكاد أن تكون متشابهة من حيث الكارثة والجائحة التي حلت بوهران، وحيث البُعد الانساني، كذلك، والرعب الذي عاشته الناس ولا تزال تعيشه الى حين كتابة هذا المقال.

 

داود السلمان

 

علي رسول الربيعيكنت متعاطفًا مع هابرماس لأكثر من ثلاثين عامًا، رغم أنني كنت قارئًا ناقدًا له. في البداية، أدهشتني بصيرته الدقيقة فيما يتعلق بالتقاليد البراغماتية الأمريكية ووكيف عبر عن فهم عميق للروح الديمقراطية الراديكالية للحركة البراغماتية. شعرت حينها، وما زلت، أن هابرماس لديه فهم أكثر عمقًا ودقة لما هو أفضل وأكثر ثباتًا في البراغماتية - خاصة في فكر بيرس وديوي وميد - أكثر من العديد من المفكرين الأمريكيين. إنه مفكر ديالكتيكي لديه الشجاعة لمقاومة الاتجاهات العصرية ويرفض الانضمام إلى العربة التي تحتفل بالاختلاف، والتجزئة، والتغير، والتفرد، والتي تلعن العقلانية، والعالمية، والذاتية المشتركة، والصلاحية المعيارية. على الرغم من أن خصومه رسموه كاريكاتيرًا في كثير من الأحيان، إلا أن هابرماس لم يتوانى أبدًا عن الدفاع عما يعتبره صالحًا في إرث التنوير - السعي لتحقيق الاستقلال البشري والتحرر من جميع أشكال الاضطهاد. لم يتم يتبنى مطلقًا الخطاب الحاد الذي يدين جميع أشكال الإنسانية. وسيكون من الصعب تسمية مفكر آخر من القرن العشرين أخذ فكرة وممارسة النقاش العام والحوار بجدية أكبر. يشرك هابرماس نقاده باستمرار في محاولة للتعلم منهم، والدفاع عن قناعاته، وتعديل الادعاءات والتخلي عنها عند الطعن فيها لأسباب وجيهة.

أطلق هابرماس على كتابه الجديد بين الوقائع والمعايير مساهمات في نظرية مناقشة القانون والديمقراطية، لكن هذا قد يكون أيضًا عنوانًا مناسبًا لمجموعه بالكامل. طوال حياته المهنية، سعى هابرماس إلى إنصاف أقطاب الواقعية والصلاحية المعيارية والتوترات القائمة بين هذين القطبين. في طريقته "الاجتماعية" ، يسعى إلى تقديم فهم شامل وتحليل لواقعية المجتمعات الحديثة في تعقيداتها الكاملة. لكنه أيضًا جادل باستمرار بأن التفسير المناسب لتطور المجتمعات الحديثة يجب أن ينصف الادعاءات الضمنية والصريحة للشرعية والصلاحية المعيارية. لقد جادل - كما يفعل بشكل مقنع في كتابه الحالي - بأنه لا توجد نظرية معيارية (سواء كانت للديمقراطية أو القانون أو الأخلاق أو الأخلاق) كافية إلا إذا كان من الممكن أن ترتبط بالواقعية بشكل كامل بالحياة الاجتماعية اليومية وتندمج معها.

أخيرًا، وليس أقلها أهمية، كان هابرماس (مثل جون ديوي) نموذجًا للمثقف المنخرط بشكل مسؤول. على الرغم من أنه أصر على التمييز الدقيق بين البحث النظري والتدخلات العملية، إلا أنه اتخذ مواقف سياسية قوية بشأن مجموعة متنوعة من القضايا المتعلقة بقناعاته الديمقراطية. لقد كان منتقدًا دؤوبًا لا هوادة فيه لأولئك الذين يسعون إلى تخفيف حدة أو تعديل أو قمع أو نسيان الرعب الكامل واللاعقلاني للحقبة النازية. وهذا يعطي درسا بليغا لنقد كل تسلطية سياسية او دينية في مجتمعاتنا في العالم العربي.

لهذه الأسباب، والعديد من الأسباب الأخرى، لطالما وجدت كتاباته محفزة ومثيرة للتفكير. لكن يجب أن أعترف أنه كان هناك أيضًا قلق متزايد لأنني تابعت تطور نظريته عن الفعل التواصلي والعقلانية، ونظرية خطابه في الأخلاق، ونظرية خطابه عن القانون والديمقراطية. يستعمل هابرماس مجموعة معقدة من المفاهيم المثيرة للجدل والخلاف، المترابطة، المختلفة والمتمايزة: الصالح والحق؛ الإجرائية والموضوعية؛ التبرير والتطبيق؛ الجدل البراغماتي والأخلاقي والسياسي والأخلاقي على سبيل المثال. لقد أصبح الاستخدام الذي يستخدمه لهذه الفروق جامدًا وقاسيًا على نحو متزايد. بدلاً من توضيح القضايا ذات الصلة، فإن بعض هذه الفروق الصارمة والسريعة تحجب في الواقع أكثر مما تضيء. إن تجسيد الفروق التي يجب أن تكون سلسة ومنفتحة ومرنة هي التي تزعجني.

أود أن أوضح نقطتين حتى لا يساء فهم الغرض من ملاحظاتي الانتقادية.

(1) أنا بالتأكيد لا أعترض على الحاجة إلى إدخال اختلافات مفاهيمية في نظرية الخطاب عند هابرماس. فتتطلب كل نظرية تقديم واستخدام مثل هذه الفروق.

(2) وأنا لا أعترض على حقيقة أن الاختلافات المفاهيمية المركزية عند هابرماس لا تتوافق دائمًا مع الطرق التي نتحدث بها في السياقات اليومية أو حتى الطريقة التي رسم بها المنظرون الآخرون اختلافات مماثلة. لا أعتقد أن أي مفكر سابق لهابرماس قد ميز بين النقاش والمحاججة الأخلاقية والسياسي الأخلاقي بالطريقة الدقيقة التي رسم بها هابرماس هذا التمييز. إن التعبيرات مثل "الأخلاقي" و"الأخلاقي - السياسي" هي مصطلحات فنية، ومفاهيم مثالية يقدمها هابرماس لتوضيح نظريته في الخطاب. ستركز اعتراضاتي – في الدراسة اللاحقة - على الاستعمال المحدد من قبل هابرماس لهذا التمييز والفروق.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

 

محمد بنيعيشأولا: الأرائكية العلمية والبحث دون تحديد محطة النزول

وإذ نحن الآن في زمن العولمة والعلمنة ومعها العمينة إن صح التعبير! فإن الفتاوى الفقهية وقل حتى الطبية ولم لا السياسية ،قد أصبحت أرائكية ومستندا ماديا لا علميا ولا عمليا، وكأن الأرائكية تتماشى مناسبة مع مصطلح  اللائكية، وذلك فيما يتعلق وعلاقة الجمهور ببعضهم البعض أو تطبيق الحاكم لما يقتضيه الوضع من حلول وعلاجات يتحقق من خلالها الصالح العام وتنضبط بها الأحكام ويترسخ الاستقرار والأمن.

وحينما نصف الفتاوى وخاصة الدينية بالأرائكية فذلك من مصطلح شرعي ونصي محض عبارته ومضمونه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته يحدث بحديثي فيقول بيني وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالا استحللناه وما وجدنا فيه حراما حرمناه، وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله عز وجل"1.

فالكثير قد يفسر الأرائكية هنا بمعنى أن هذا المتعالم أو المتجرئ على الفتوى يدلي برأيه المحض عبر القنوات، والمباشر الهزيل والهجين و المتسيب عند شبكة الأنترنيت في مسألة شرعية دون أن يكون لديه اطلاع على قواعد أصول الفقه أو اللغة أو النصوص الدينية بصورة مباشرة ووعي وإدراك لمعانيها وأسرارها.

وهذا الاطلاع نفسه  فيه جانب صحيح من الفهم ولكنه ليس كله، لأنه وإن حصل هذه العلوم على سبيل الاستظهار فسيبقى أرائكيا، وستبقى أحكامه غير مطابقة للواقع ولا متمشية مع مقتضيات النص ومناسبة له، وذلك لغيابه عن فهم جوهر أسباب النزول ومقتضى الخطاب.

وحيث إن الفقيه أو العالم مقصي ميدانيا عن الممارسة والتطبيق فإن فقهه أو فهمه يبقى ذاتيا وغير مناسب سواء في تحليلاته وتعليلاته أو في آثاره ونتائجه العلمية والاجتماعية، ومن هنا فسيصبح محصورا في الأرائكية، وهذا في حالة وجود فقهاء وعلماء منشغلين فعلا بمشاكل الواقع والتغيرات النفسية والاجتماعية والاقتصادية وكذا السياسية الحادثة في دائرته.

أما أن توجد الأرائكية مع الجهل أو التكوين الناقص وغياب الانشغال والملاحظة والوعي بالمحيط فهذه هي الطامة الكبرى، ومنشأ التطرف في الأحكام والجري نحو الفتن وإشاعة البلبلة سواء لدى الحكام والمحكومين على حد سواء.

وإذا كانت الأرائكية في باب فقه المعاملات والقضاء تبدو وكأنها مفروضة بحكم الإقصاء من الميدان وغياب الإرادة في التطبيق فإن أسوأها حالا هي تلك التي تكشف عن المناوأة الصريحة للتصوف  مثلا كعلم وعمل وأخلاق وأذواق، إذ ليس بين مثل هؤلاء المتفيقهين أو المتعالمين أي حائل أو عائق يمنعهم من سلوك منهجه أو التسليم به إيجابيا، باعتباره ركنا أساسيا ينبغي أن يتعلمه ويعمل به ولو جزئيا كل طالب للعلم الشرعي حتى يستقيم أمره كملازمة رئيسية في التكوين العلمي. وهذا ما يلخص عناصره عبد الواحد بن عاشر كمعبر عن الشخصية العلمية السليمة والمتكاملة في المغرب وباقي دول المغرب العربي والأندلس من قبل عبر التاريخ.

في عقد الأشعري وفقه مـالك                   وفي طريقة الجنيد السـالـك.

وعند هذا الإقصاء سيفتضح أمر هؤلاء المتعالمين وتتبين الغايات من ادعائهم لأنهم فعلا مقصيون من الساحة العلمية والتطبيقية، إذ لو كان غرضهم الرئيسي هو تطبيق الشريعة لكان الأولى بهم أن يسعوا إلى البدء بأنفسهم من حيث تعويدها على الأخلاق الفاضلة بالذكر والصحبة وسلوك مبدأ التثبت والروية وهي قواعد صوفية وأصولية شرعية أساسية لتحصيل العدالة الظاهرية والباطنية. نقتطف نموذجا من رؤوسها في المنظومة المذكورة آنفا:

ويوقف الأمور حتى يعلمــــا                   مـــا اللــه فيهــن قــد حكمــا

يطهـــر القــلب من الريـــاء                  وحســــد وعجــــب وكـل داء

واعلم بأن أصل ذي الآفـــات                 حب الرياســـة وطرح الآتـــــــي

رأس الخطايـا هو حب العاجلة              ليس الدواء إلا في الاضطرار له.

ومن هنا كانت الحكمة المشهورة ربما قد تنسب إلى الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى: "من تصوف ولم يتفقه فقد تزندق ومن تفقه ولم يتصوف فقد تفسق ومن جمع بينهما فقد تحقق!"

لكنا مع الأسف نجد الأرائكية مجسدة بصورة لا تقبل الجدل أو المماراة وخاصة في الموقف من التصوف و أهله الحقيقيين!. إذ إضافة إلى التهجمات والإسقاطات والتحريفات التي قد توظف في الكليات ويسلخ من خلالها هذا العلم من مفهومه الحقيقي سواء لدى المتسلِّفين أو المتفلسفين والعلمانيين ، نجد تهربا واضحا من الاطلاع على مراكز أهله سواء كانت طرقا تقليدية أو تحقيقية. كما نلاحظ قدحا ونقدا لبعضها على سبيل الشائعات وأخبار السوق والغوغاء، منها ما يدرج في المدرجات الجامعية ومنها يروج على المنابر وغيرها من الأماكن التي كان من المفروض أن تعلم فيها الفضيلة والآداب والعلوم البناءة.

ثانيا: الميدانية النموذجية في ترسيخ الجدية العلمية:

وبهذا الإجراء الذي قد يطال كثيرا من المرافق الحيوية الميدانية و الشبيهة في الأمة  ستهدر أهم مبادئ العلم الموضوعي، وهي الملاحظة والمعاينة مع التجربة وتكرار الإصابة وقبلها الفرضية والمسلمة. لأن هذه القواعد تؤسس المنافذ والأبواب ووسائل المعرفة الصحيحة عند الإنسان لكيلا يقع في البطالة الفكرية وتصبح أحكامه جزافية وأرائكية يجمع هذا قول الله تعالى: "لا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا" و"إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد".

فالحكم على عالم ما أو ولي وشيخ صوفي، أو على طريقة وجماعة وحزب ما،أو حتى على سلطان ومسؤول سياسي، لا ينبغي أن يكون مجرد إسقاطات وظنون وتوهمات، وإنما يجب أن يؤسس على معطيات مناسبة والموضوع المبحوث فيه. حتى تتحقق الغاية من الدراسة الجامعية ويتكون لدينا علماء إيجابيون بالاقتداء السليم، يقومون بدورهم في إصلاح المجتمع والمصالحة مع الذات بتزكيتها من التناقضات والمهاترات والتوهمات...

وكنموذج تاريخي على هذا البحث العلمي الأكاديمي أذكر مثال الغزالي باعتباره متخرجا من مدرسة نظامية تدرس وتحلل وتعلل وتقرر ولا تبرر وبالتالي تحرر، فيقول عن مسيرته العلمية وميدانية أبحاثه، "ولم أزل في عنفوان شبابي منذ راهقت البلوغ قبل بلوغ العشرين إلى الآن، وقد أناف السن على الخمسين، أقتحم لجة هذا البحر العميق وأخوض غمرته، خوض الجسور لا خوض الجبان الحذور، وأتوغل في كل مظلمة وأتهجم على كل مشكلة، وأقتحم كل ورطة وأتفحص عن عقيدة كل فرقة وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة لأميز بين محق ومبطل ومتسنن ومبتدع، لا أغادر باطنيا إلا وأحب أن أطلع على بطانته ولا ظاهريا إلا وأريد أن أعلم حاصل ظهارته ولا فلسفيا إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلما إلا وأجتهد في الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته ولا صوفيا إلا وأحرص على العثور على سر تصوفه ولا متعبدا إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته ولا زنديقا معطلا إلا وأتجسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته.

وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدني من أول أمري وريعان عمري غريزة وفطرة من الله وضعتا في جبلتي، لا باختياري وحيلتي، حتى انحلت عني رابطة التقليد وانكسرت علي العقائد الموروثة على قرب عهد شرة الصبا"2

بعد هذا الاستعراض العلمي للطوائف والمذاهب، سيختار سلوك التجربة في مجال التصوف كما يقول: "ثم إني لما فرغت من هذه العلوم أقبلت بهمتي على طريق الصوفية وعلمت أن طريقتهم إنما تتم بعلم وعمل"3

وبعد التجربة سيعود بالثمرة لا ليستأثر بها لذاته وإنما ليفيد بها غيره وليصلح بها مجتمعه، ولكن ليس على طريقة الأرائكيين كما سبق وبينا وإنما هو إصلاح قائم على الاستمارات والاستجوابات والمقابلات الشخصية للعينات، حتى إذا توفرت المعلومات وتحللت تبينت عندها العلل والخلفيات، فإذا هي أربعة:

- سبب من الخائضين في علم الفلسفة

- سبب من الخائضين في طرق التصوف

- سبب من المنتسبين إلى دعوى التعليم

- وسبب من معاملة الموسومين بالعلم بين الناس".

فأين علماؤنا الآن من هذا المنهج سواء في الجامعات أو الجوامع وسواء لدى علماء الشريعة والفقهاء أو لدى الفلاسفة والمفكرين كما يزعمون؟.

لا نكاد نعثر على بحاث يعتد بهم من هذا المستوى في جامعاتنا سواء سميت بالعتيقة أو الحديثة،ولا أستثني نفسي منهم، خاصة ونحن في عصر التواصل والأنترنيت والأقمار الصناعية والهواتف المحمولة وما إلى ذلك من وسائل النقل والاتصال، اللهم إلا ما قد نجده في مجال ما يسمى بعلم الاجتماع ولكن في حدود ضيقة وبسيطة ومؤدلجة مستنتجة قبل البحث، ولا تتوخى سوى مراحل التغيير الاجتماعي وصوره وأنماطه، وهي في الحقيقة لا تمثل سوى تحصيل حاصل ظاهر للعيان وبين لكل ذي عينين من بني الإنسان!.

ولقد كان من الأولى أن يقوم بمثل هذه البحوث الميدانية علماء المؤسسات ذات الطابع والدراسات الدينية ،الشرعية الأصولية ،والأكاديمية في نفس الوقت، وخاصة إجراء بحث عقدي اجتماعي أو بحث عقدي سلوكي أو ما إلى ذلك مما يمكن تفريع مسالكه إلى وحدات للبحث العلمي حسب المنهج الجديد المقرر تطبيقه في الجامعات، وقصد تشخيص الواقع ومحاولة استنتاج إيجابياته من سلبياته وطرح حلول علاجية ووقائية على المستوى الآني والمستقبلي.

فإذا كان العلماء أو الفقهاء لا يستطيعون القيام بجولات استطلاعية للمؤسسات الدينية ذات الخصوصية الروحية أو العلمية أو حتى الثقافية التراثية، وهي مؤسسات محدودة وغير معقدة التركيب والتنظيم، فكيف سيحفزهم البحث للقيام بجولات في مرافق الحياة العامة واستجواب أفراد المجتمع تطوعا وتحملا للمسؤولية من أجل إدراك أسباب انحرافاته وعلله؟.

لا شك أن هذه المقدمة قريبة جدا من نتيجتها وهي أن ظاهرة الأرائكية وغياب الباعث الديني الحثيث للإصلاح قد أصبحت هي الطاغية على هؤلاء، وبالتالي أصبحوا المشخصين عمليا للبطالة الفكرية للمجتمع على أعلى مستوى هيئاته، وهو ما سينعكس لا محالة على البطالة العامة التي أصبح يعاني منها المجتمع العربي والإسلامي في جل مرافق حياته ومؤسساته مما لا يحتاج معه إلى استقراء وتتبع وإنما كما قال الشاعر:

وأحسـن مـا في خـالـد وجـهـــه              فقس على الغــائب بالشـاهــد!

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.......................

1- رواه البيهقي في السنن الكبرى. كتاب النكاح.

2- الغزالي: المنقذ من الضلال. ص 5.

3- نفس المصدر. ص 43.

 

علمُ الاجتماعِ هو العلمُ الذي يدرُسُ الظواهرَ الاجتماعيّةَ، ويحاولُ تفسيرَها وبيانِ ظروفِ نَشْأَتِها. وعلمُ الاجتماع الديني الذي هو مُرَكَبٌ اضافي من شَيْئينِ هما:  الاجتماع والدين، وهو العلمُ الذي يدرُسُ الظواهر الدينيّةَ وظُروفَ نَشْأتِها . وهو علم حديث ظهر في النصف الأولِ من القرنِ العشرين .

 وعلم الاجتماعِ الدينيِّ يحاول دراسةَ الظاهرةَ الدينيَّةَ كظاهرةٍ اجتماعيّةٍ وتفسيرها على اساسٍ ميدانيٍّ تجريبيٍّ وتجريدها من بعدها اللاهوتي الغيبيِّ . وعلى هذا الاساس قَدَّمَ علمُ الاجتماعِ الدينيِّ نظرياتٍ وفرضياتٍ متعددة في تفسير الظاهرة الدينيّة . منها تفسير دوركايم نشأة الدين على اساس التفسير الطوطمي الذي فسر به نشوء الدين البدائي الذي استوحاه من كتابات ووثائق عن قبائل استراليا .

 ويرى الفيلسوفُ كانط: (أَنَّ الدينَ هو الشعورَ بواجباتنا من حيثُ كونُها قائمة على اوامرَ الهيَّةٍ ساميّةٍ).(1)، ويرى الفيلسوفُ ديكارت في كتابه " مقالٌ في المنهج": ( أنّهُ ينبغي لنا أن لانقبلَ شيئاً على أنّهُ حق مالم يتبين ببداهةِ العقلِ انه كذلك . ولكنَّهُ في كتابه (مبادئ الفلسفة) يذكر أنَّ من واجبنا أن نتخذَ لنا قاعدةً معصومةً بأنَّ ما أوحى به الله هوَ أوثقُ بكثيرٍ من كلِّ ماعداه).(2)، ويرى هيغل أن الدينَ هو: ( فنٌ باطِنيٌّ يُصَوِرُ لنا الحقيقةَ الالهيّة من الداخل عن طريق الشعورِ الباطنيِّ). (3)، ويُعَرِّفُ شلاير ماخر الدينَ بأنّهُ: ( خضوعنا لوجودٍ لاينالُهُ ادراكُنا، أَوأَنَّهُ خُضوعُ الانسانِ الى موجودٍ أَسمى منهُ) . (4)، وعَرَّفَ تايلور الدينَ بشكلٍ عام بأَنَّهُ: (الاعتقادُ في الكائناتِ الروحيّة أَو الاعتقاداتُ في الموجوداتِ الروحيّة ).(5)، امّا ماكس مولر فيعرّفُ الدينَ بأَنَّهُ: ( الشعورُ باللانهائي أَو بأَنَّهُ احساسُنا باللامتناهي). (6)، اما اميل دوركايم الذي يمثِّلُ المدرسةَ الفَرَنسِيَّةَ فيرى بأّنَّ الدينَ (مجموعةٌ متماسِكَةٌ من العقائدِ والعباداتِ المتصلةِ بالاشياء المُقّدَّسَةِ آمرَةً وناهِيَةً بحيثُ تؤلِفُ هذهِ المجموعةَ وحدةً دينيّةً متصلةً بكلِّ من يؤمنونَ بها ). (7)

 وهناك من فسر نشأَة الظاهرة الدينيّة بالخوف، اي: ان الانسانَ يرى في حياتِهِ ظواهرَ يخافُ منها كالرعد والبرق والصواعق والزلازل والبراكين، هذه الحوادث تبعث الرعبَ والقلقَ في حياة الانسان؛ فادى ذلك بالانسان ان يخترع قوةً تحميه من كل هذه الحوادث اسماها الله . فالله وفق هذه النظريات اختراعٌ انسانيٌّ . وهناك نظرية فسرت نشوء الدين بالجهل اي: اننا نجهل اسباب الحوادث المفزعة ولانجد لها تفسيراً فنلجأ الى قوة عالمة لاجهل في ساحتها ؛ لتطمئن نفوسُنا . أمّا اذا استطاع العلم ان يقدم لنا التفسيرات الكافيّة فلا حاجة الى الدين . وهناك التفسير الماركسي القائم على اساس الصراع الطبقي الذي تبنته الماركسيّة واعتبرت ان الدين نتاج الطبقة التي تملك وسائل الانتاج والتي تمتص جهد وعرقَ العمّال وتخدرهم بامانيّ واحلام وان هناك عالماً آخرَ يحقق لهم كل ماعانوه من اسىً وعذاب وعرق وكفاح، ولذلك اطلق ماركس مقولتَهُ (الدين افيون الشعوب) . امّا القرانُ الكريم فيقدمُ رؤيته في تفسير نشأة الدين من خلال الاية الكريمة في سورة الروم:(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ). الروم: الاية: 30 .

فيعتبر الدينَ فطرة الهية، وان الدينَ تعبير عن حاجَةٍ فطريّةٍ لدى الكائن الانسانيِّ .

وعلى هذا الاساس على المفكرين ان يستنبطوا من خلال أَلآياتِ الكريمة والاحاديث النبويّة الشريفة علم اجتماعٍ دينيٍّ اسلامي بامكانه ان يفسر لنا الكثير من الظواهر كظاهرةِ الصحوة الاسلاميّة وظاهرة العنف وظاهرة الانحراف لنفسرها كظاهرة اجتماعية تفسيراً اجتماعيّاً وفق رؤيتنا لفهم الظواهرِ الاجتماعيّة .

 

زعيم الخيرالله

.....................

المراجع

1- أحمد الخشاب، الاجتماع الديني، مكتبة القاهرة الحديثة، القاهرة 1964، ص 75.

2- زكريا ابراهيم، مشكلة الفلسفة، دار القلم، القاهرة 1962، ص 192.

3- نفس المصدر السابق، ص 93 .

4- روجيه باستيد، مبادئ علم الاجتماع الديني، ص 33.

5- احمد ابو زيد، تايلور، مطبعة دار المعارف، القاهرة، 1957، ص 132.

6- روجيه باستيد، مصدر سابق، ص 33 .

7- علي سامي النشار ص 27 .

 

 

عبده حقيترجمه بتصرف: عبده حقي

هناك مواجهة عالمية تدور حاليا حول من يستحوذ على بيانات الشعوب. ففي اختتام قمة مجموعة العشرين في يونيو 2019 التي التأمت في اليابان، رفضت عديد من الدول النامية التوقيع على إعلان دولي بشأن تدفق البيانات - ما سمي بمسار أوساكا. سبب مقاطعة دول ناشئة مثل الهند وإندونيسيا وجنوب إفريقيا للإعلان على اعتبار أنه لم يكن لديها فرصة لوضع مصالحها الخاصة حول البيانات في الوثيقة الختامية.

وبحضور خمسون موقعًا لا يزال الإعلان قائماً كإعلان عن نوايا مستقبلية حول مزيد من التفاوض، لكن المقاطعة مثلت صراعًا مستمرًا من قبل بعض الدول لتأكيد مطالبتها بشأن البيانات التي ينتجها مواطنوها.

في عام 2016 تم الترويج عالميا على أن بيانات المواطنين هي النفط الجديد القادم في المستقبل . وعلى الرغم من أن هذا التشبيه قد تم ضحده بسرعة إلا أنه لا يزال كوسيلة مفيدة لفهم الاقتصاد الرقمي العالمي الراهن والقادم . واليوم مع تكثيف المفاوضات الدولية حول تدفق البيانات، قد تساعدنا مقارنة النفط هذه في تفسير اقتصاديات ما يسمى "توطين البيانات" – أي محاولة الاحتفاظ ببيانات المواطنين داخل بلدانهم.

وعلى غرار الدول المنتجة للنفط التي دافعت من أجل مصافي النفط لإضافة قيمة إلى النفط الخام، كذلك تريد الحكومات في جل العالم اليوم أن تبني شركات التكنولوجيا الكبرى مراكز بيانات على أراضيها . حيث تستند السحابة التي تشغل الكثير من صناعة التكنولوجيا في العالم إلى مراكز بيانات ضخمة تقع بشكل أساسي حول سواحل شمال أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية . وبالتالي في الوقت نفسه تتجه شركات التكنولوجيا الكبرى في الولايات المتحدة بشكل متصاعد إلى الأسواق في الجنوب العالمي للتوسع مع دخول أعداد هائلة من الشباب المتمرسين في مجال التكنولوجيا عبر الإنترنت.

اتهامات بـ "الإمبريالية الرقمية"

لقد أدى الانفصال بين المصادر الجديدة للبيانات ومواقع مراكز البيانات إلى اتهامات من كثير من دول العالم الثالث بـ "استعمار البيانات" أو "الاستعمار الرقمي" .

الحجة الاقتصادية لدول الجنوب لاستضافة المزيد من مراكز البيانات هي أنها ستعزز التصنيع الرقمي من خلال خلق مزايا تنافسية لشركات السحابة المحلية، وتطوير روابط أخرى من قطاع تكنولوجيا المعلومات المحلية.

لقد تعاملت العديد من البلدان مع اللوائح المتعلقة بنوع البيانات التي يجب تخزينها وطنيا. بعضها يغطي قطاعات معينة فقط مثل البيانات الصحية في أستراليا. في دول أخرى مثل كوريا الجنوبية، تتطلب موافقة الشخص صاحب البيانات حتى يتم نقلها إلى الخارج. أما فرنسا من جانبها فتواصل السعي وراء البنية التحتية لمركز البيانات الخاص بها، والتي يطلق عليها اسم "السيادة السحابية"  على الرغم من إغلاق بعض الشركات التي كانت وراء الفكرة في البداية . فيما توجد القوانين الأكثر شمولية في الصين وروسيا، والتي تفرض التوطين عبر قطاعات متعددة لأنواع كثيرة من البيانات الشخصية.

يمكننا القول إن كثيرا من الدول ذات التعداد السكاني الهائل والمتزايد على الإنترنت هي الأكثر استفادة اقتصاديًا من مثل هذه اللوائح لأنها تتلقى حاليًا أقل استثمار في البنية التحتية للبيانات من عمالقة التكنولوجيا بالنسبة لعدد المستخدمين.

يستشهد مؤيدو توطين البيانات بالاعتماد البنيوي للبلدان النامية على البنية التحتية الرقمية المملوكة للأجانب وحصة غير عادلة من الفوائد الاقتصادية للصناعة. إنهم يحلمون باستخدام توطين البيانات لإجبار شركات التكنولوجيا على أن تصبح كيانات دائمة على أرض الوطن لزيادة مقدار الضرائب التي يمكن أن تفرضها عليهم في نهاية المطاف.

المنتقدون من جهتهم يشيرون إلى ارتفاع تكاليف الأعمال للخوادم المحلية، ليس فقط لعمالقة التكنولوجيا، ولكن أيضًا للشركات الناشئة التي تقول الحكومات إنها تريد تشجيعها بدعوى أن لوائح التوطين تتداخل مع الابتكار العالمي، ويصعب تنفيذها، وتتجاهل المتطلبات الفنية لمراكز البيانات: القرب من "العمود الفقري" لكابلات الألياف الضوئية للإنترنت، وإمدادات مستقرة للكهرباء، ودرجة حرارة منخفضة للهواء أو الماء لتبريد الخوادم العملاقة.

البيانات: ما هي قيمتها؟

لقد استخدمت إحدى الدراسات الأكثر استشهادا بها منذ عام 2014 منهجية غامضة أنتجها المركز الأوروبي للاقتصاد السياسي الدولي، وهو مؤسسة فكرية للتجارة الحرة ومقرها في بروكسل، يأتي بعض تمويلها من شركات متعددة الجنسيات المجهولة . وليس من المستغرب أن تجد خسائر جسيمة للبلدان التي تفكر في توطين بياناتها . ومع ذلك وجدت دراسة أجريت عام 2018 بتكليف من شركة فيسبوك أن إنفاق مركز البيانات في الولايات المتحدة قد خلق عشرات الآلاف من الوظائف ودعم استثمارات الطاقة المتجددة وساهم بـ 5.8 مليار دولار أمريكي في الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة في ست سنوات فقط.

إن اتخاذ موقف دوغمائي مع أو ضد هذه القضية يخفي تعقيدات أخرى . تعتمد التكاليف والفوائد الاقتصادية على نوع البيانات المخزنة، سواء كانت نسخة مكررة أو نسخة حصرية فقط، ومستوى الدعم الحكومي لدعم البنية التحتية الأوسع، على سبيل المثال لا الحصر.

ماذا تفعل الحكومات ببيانات مواطنيها؟

لا يقتصر دور الشركات والدول الكبرى على لعب أدوار هامة جدا في محاولة الحصول على "سيادة بيانات مواطنيها ". قد يجد مطورو التكنولوجيا حتى الآن طرقًا لدعم حقوق الأفراد في التحكم في بياناتهم الشخصية باستخدام منصات رقمية مثل داتابوكس والتي تمنح كل واحد منا ما يشبه الخوادم الشخصية الخاصة به . إن هذه التقنيات لا تزال قيد التطوير، لكن المشاريع آخذة في النشوء - معظمها في جميع أنحاء أوروبا – إنها لا تمنح الأشخاص سيطرة أكبر على بياناتهم الشخصية فحسب، بل تهدف إلى إنتاج قيمة اجتماعية بدلاً من القيمة الربحية. قد تجد مثل هذه التجارب مكانًا في العالم النامي جنبًا إلى جنب مع ما تفعله الدول والشركات الكبرى.

 

 

 

عبد الرضا حمد جاسماحْتَرِمْ صيغة الأمر ذات المعاني العميقة عندما يصدرها الشخص لنفسه .. وذات معاني جميلة عندما يسمعها الشخص من مُهتم وذات معاني ربما حادة او صادمة عندما يسمعا الشخص من متحدي!!!!

مفيد ان يأمر كل شخص نفسه بها بعد ان يستيقظ من النوم وقبل النهوض من الفراش لصفاء تلك اللحظات حيث ينتقل الانسان فيها من حال الى حال وعظيم ان يكررها كل يوم ليضيفها الى برنامج دماغه .. "المبرمج هل يُبرمج" نعم مع الوقت والإصرار وهذا جزء من تربية النفس على عدم التعدي على الغير سواء كان من البشر او الكائنات الاخرى او الطبيعة.

الاحترام حق مقدس حتى للذي لا يستطيع انتزاع حقه هذا او الدفاع عنه كما نتصور نحن من حيوانات او نباتات او حتى جماد.

اول اشكال الاحترام هو أن يحترم الأنسان انسانيته من خلال اكتشافها والاعجاب بها والدفاع عنها لتدفعه للدفاع عن انسانية الغير من خلال عمله على ان يكون مُحْتَرَمْ.. ليترسخ لدية الاحترام ليتحول الى ثقافة

من يحب ان يُحْتَرَم يجب ان يكون مُحْتَرَماً ومُحْتَرِماً.. والاحترام فعل يجب ان يسود وعدم الاحترام يجب ان يقع ضمن رد الفعل غير الفيزيائي. نعم عدم الاحترام معاكس للاحترام والذي يجب ان لا يكون وفق قانون الفيزياء لكل فعل رد فعل مساوي له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه حيث لحظة الوقوع وانما وفق وصف انساني يأخذ بنظر الاعتبار النتائج والحالة والمكان.. حيث التطبيق الفيزيائي يعني العصبية والانفعال والتناحر.. الفاصلة الزمنية بين الفعل ورد الفعل في موضوع الاحترام ربما تكون طويله ويُفضل وفق ’’رقبة البعير’’ و القول فيها رغم الاختلاف لغرض افساح المجال لامتصاص تأثير فعل رد الفعل ومحاولة تفسير الفعل ومن ثم افساح المجال لصاحب الفعل وفعل رد الفعل بمراجعة نفسه بالسكوت او عدم تكراره او الاعتذار وافساح المجال لمن وقع عليه الفعل (وهنا ليس مفعول به) للمحافظة على خيوط التواصل وتقدير اسباب الفعل الذي ربما يكون رد فعل خارج قدرته على التحكم فيه او لم يُحسن التعبير عنه او به.

كما ان الاحترام فعل فهو فاعل في نفس الوقت لأنه من أعماق الفاعل والمفروض ان يكون ويعم حيث عندها سيكون في الحياة شيء من حيوية الصح والخير والمحبة والهدوء وتكون مفيدة ونافعه وسعيدة للجميع.

اما إذا انخفض دور الفاعل والفعل /الاحترام ووقع رد الفعل الفيزيائي حيث سيصبح رد الفعل الفيزيائي هنا فعل وفاعل وستكون سلسلة من فعل/ أفعال حتى تصل الى (الانتقام او الثأر) وإن انتشر هذا صارت الحياة غابه من ردود الأفعال ويصبح هنا رد الفعل هو الفعل والفاعل ليظهر الظلم والازدراء والاضطهاد والتسلط والشللية’’ شلل وشلة’’ السوداء لتصاب الحياة بالعطب ويتعقد والعيش ونكون من الضالين.

الاحترام شعور انساني نبيل المفروض ان يكون دائم ودوامه يُشيع حياة هانئة متكافئة.

الاحترام في الظروف الحياتية في واقع اليوم والامس متذبذب تحت تأثير التنوع والتذبذب ناتج عن الإدراك لقيمة وموقع الفاعل في الحياة او يعكس المعنى الذي يحمله الفاعل للاحترام أي المُحْتَرِمْ من نبل وصدق وخُلق وإخلاص وحسن سيرة وسلوك وثقه بالنفس حيث شملت النسبية حتى الاحترام.

الاحْتِرامْ وعي وتَحَضُرْ واتزان وتسامح.. لذلك فالمُحْتَرِمْ عنده المقابل مُحْترَمْ ويظن انه مُحْتَرِمْ حيث لا إثم في هذا الظنْ.

المُحْتَرَمْ والمُحْتَرِمْ ليس فيه ضعف/ضعيف كما يتصوره البعض الضعيف وربما غير المُحْتَرَمْ أو غير المُحْتَرِمْ وليس خانع وراكع وذليل.. هو قوي بقوة جعلته يجعل من حواسه الخمس تتفاعل مع الوجود والموجود باحترام فصار يحترم الغير حقوق الغير والدفاع عنها بوجودهم او بغيابهم. فيكون عنده الاحترام ضَوء يُنير له طريقه الموحش ربما والذي اختار السير فيه بتَّحَسُبْ ودقه واخلاق.

المُحْتَرِمْ لا يسَّوف ولا يَهرب ولا يخفي رأسه في الرمال ولا يختفي او يتخفى تحت او خلف سُتُرْ وحُجُبْ لأن ذلك وفق ما يؤمن به إساءة له اولاً وللغير ثانياً وللمجموع ثالثاً.

عكس الاحترام ليس عدم الاحترام وكفى وانما التسيب والانفلات والفوضى في السلوك’’ الاقوال والأفعال’’ سواء بين الانسان والانسان او بين الانسان ومحيطه.

الاحترام يشيع السرور والبهجة والانفتاح على الاخر والتفاعل الايجابي وحب الغير والحياة العامة والخاصة.

الاحترام يعزز الذوق الخاص والعام والهدوء والرضا والقناعة لذلك عندما ينتشر ويعم، يعم الامن والامان والود والوئام والمحبة. 

الاحترام يمنح الاتزان والتوازن بين ما يُرادْ وما يُريدْ لتختفي الأنانية والاحقاد والبغضاء والتسابق على الإساءة للغير ويُمتص الغضب والانفعال لأن الاحترام والكلمات التي تعنيه وتدل عليه دائما ما تكون لطيفه وهادئة ونقيه وواضحة لا تتعب المقابل بل تسهل عليه استقبالها والتفاعل معها.

الاحترام محلول (البفر الكيميائي) *للحياة يمتص الغضب ويمتص الاندفاع الزائد في الحب والحقد والبغضاء.

الاحترام يُكْتَسَبْ.. يتعلمه الانسان منذ أيامه الاولى حين يتكون في رَحِمْ الام.. عندما تحترم ألاُم التعليمات الطبية الدوائية والغذائية او تحترم ما تعلمته من تجارب سابقه لها وللأخرين.. يتعلمه من تبادل المنفعة بين ألاُم وحملها جنينها.

الاحترام قيمته ببساطته واهميته ولا يمكن ان يُخْلَقْ بالتزويق او التلوين او التغليف.

الاحترام حديقة غناء تشيع الألفة والهدوء والتعاون وتدفع للتفاعل والتواجد والتعاضد وتبادل الاهتمامات والمشاعر.. حديقة تهرع اليها النفس لتتنفس النقاء وتلتقي الصفاء والهناء والانشراح والاختلاف.

لا يمكن ان يُصطنع الاحترام.. ان حاول أحد ذلك سيُبانْ كما يتبين الورد الطبيعي من الصناعي.. قد يتساويان بالنظر اليهما من بعيد لكن ما ان تقترب منهما حتى تشعر بالفرق الهائل بينهما.. الطبيعي يريح ويشيع الانشراح والتأمل والصناعي يشيع الالم والتساؤل والانقباض.. الاول فيه حياة وقريب من الاحاسيس لأنه حساس مرهف والثاني ميت مثير للكآبة.

أجمل ما في الاحترام انه ينبع من اعماق صافيه جميله نقيه.

الاحترام جاذب للغير والخير ويحافظ على الذات والادوات ويشيع الود والجد.

الاحترام يزيل ما يفرق بين البشر من اشكال واجناس ومعتقدات وعادات وطباع لكنه يُرَكِزْ ويعزز المواقع والمنازل في كسب المعرفة والعلوم والابداع والتقيد باللوائح وتنفيذ الواجبات.

الاحترام لا يتحقق بالإكراه والغصب والإذلال والاجبار.. لان كل هذه عنيفة وهو رقيق حساس شفاف ومن يحاول فرضه بتلك الصور يعني انه يحاربه ويرعب غيره سواء كان واعي لذلك او لا.. من يحاول او يتصور ان بإمكانه فرض احترامه بالإكراه او باستغلال حاجة الغير اليه يُذِل نفسه ويسيء اليها حاضرا ومستقبلاً.

الاحترام واجب لا يتحدد بالعمر ولا الموقع ولا الجنس ولا الحالة الاجتماعية.. أجمل ما في هذا الواجب انه ينفذ او يتم برغبة وليس بالإكراه وهو الواجب الوحيد الذي يتغير معناه بالإكراه الى معاكس لمعانيه. التلكؤ في تنفيذه يعني التلكؤ بالعيش بهناء ومحبه ووئام وامان.

الاحترام تثمين قيمة الشيء والذين تعبوا في انجازه وتقديمه وعرضه وما ينتج عنه. 

تحترم الحديقة لما تقدمه هذه الفسحة الطبيعية من خدمه لك وللغير والغير هنا انسان كان ام حيوان او هواء تحترم فيها ابتسامات الزهور وغناء الطيور وضلال الاشجار وجمال الخضرة والندى والهدوء والسكينة وما يحصل في تلك الفسحة الزمكانية من علاقات وما تنتج من افكار شخصيه وعامه.

يقابلك اخيك في الإنسانية مبتسما في الطريق ليعبر حتى ولو بشكل سطحي عن احترامه لك لتشعر انه يزيل عنك هم او قلق او يعزز فيك حب الخير والغير لتجد نفسك قبل الابتسامة العابرة مختلف عما بعدها.

الاحترام ثقافة يتعلمها الانسان من الطبيعة والاخرين والكتب.. يكتسبها الانسان من خلال جميع الحواس بخلاف الكثير من الاشياء التي ربما يحسها الانسان بحاسة واحدة او اثنتين.

عندما تفكر ان تلمس ورده تجد ان هناك شيء يدفعك للتعامل معها بلطف وذوق لأنك ربما قدرت لها نعومتها ورقتها وعطرها او تتذكر موقف تعامل أحدهم معها بخشونة وفضاضه وما شاهدته بعد تلك المعاملة القاسية

عندما تضع طائر في قفص قد تتلذذ بذلك وتعتبر نفسك امتلكته او تنفعه لكن شعورك يزداد لو احترمت حريته بالتنطط والطيران وتشعر إنك تطير معه او هو يطير بك بين تلك الاشجار والربوع

الاحترام قلنا يكتسب ويمكن التدرب عليه ووضعت نقاط كثيره لذلك ولكنها غير ثابته او محدده ويمكن لكل انسان ان يساهم فيها ويضيف عليها من تجربته.

صعقني الراحل الدكتور علي الوردي له الرحمة والذكر الطيب عندما ذكر التالي في كتابه المهم دراسة في طبيعة المجتمع العراقي ص 341 حيث كتب: [المشكلة في اهل المدن في انهم كانوا في أعماق أنفسهم لا يحبون الحكام وربما كانوا يبغضونهم ومعنى هذا انهم كانوا اتجاه الحكام يظهرون غير ما يضمرون وقد تأصلت هذه العادة في الكثيرين منهم بحيث أصبحوا في حياتهم اليومية يحترمون من لا يحبونه ويحبون من لا يحترمونه] انتهى

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

سامي عبد العالإذا كان هناك شيءٌ ما يميز الموتَ، فهو أنَّه " تجربةُ حدودٍ " بامتيازٍ. ولذلك كان الفراعنة يعتبرون أنَّ كل موت يقع بكيان الإنسانِ رحلةُ عبورٍ إلى الحياة الأخرى (الخروج إلى النهار، كما يقول عنوان كتاب الموتى). لأنّ الإنسان حين يموت يتجاوز الحدود الطبيعية المعروفة للحياة، ففي وقتٍ ما كان يتنفسُ ويتحركُ ويقطن ويتعلم وينام ويستيقظ، وفجأة يتعدى حدوداً كهذه بحالة وجودية أخرى هي الموت.

 أقول حالةً أخرى في إطار ما يُسمى بالكائن الحي، لأنَّ ما يموت فينا هو حيوانية الكائن بينما الجمادات لا تموت، وربما لا تشعر به مثلما نشعر نحن. والمرض أيضاً بمثابة الوقوف على الحدود بين الصحة والاعتلال، بين الانغمار بالحياة التلقائية وبين أخذ جرعات منها كأنَّها مصل شفاء من آلام معينةٍ. كذلك فكرة الحقيقة هي عمل حدودي بالدرجة الأولى، لا توجد حقيقةٌ كاملة التعين ولا باتة الصدق وإلاَّ لأضحت تجربةَ موتٍ مؤجل. وهذا يظل مرهونا بتحولات الحقيقة إلى ما يضاد الحياة المتكشفة فيها أو حولها باستمرار.

 في هذا الإطار تترك كلُّ نزعةٍ مغلقةٍ (مثل الأيديولوجيا الصهيونية) ضحايا لا حصر لهم على الحدود المقدسة لذاتها. وفي مجال السياسة يصعُب عزل النزعات المغلقة عن دجما ذات طابع لاهوتي جغرافي. حتى أنَّ اطلاعاً على تكوين الفكرة لا يختلف عن المسح الحفري لظلالها ورواسبها في الواقع. فما بالنا على هذه الخلفية إذا كانت للصهيونية المسلحة تجليات جيوسياسية تغتال العابرين بالجوار. وهي المثال الساخن سياسياً الآن الذي يضع الحدود القاتلة أمام حياة الآخرين (المتمثلين في الشعب الفلسطيني). والأخطر أنْ تتشكل الصهيونية في كيان مادي يمثل قنبلة موقوتةً على قارعة الحياة اليومية، ولو كانت بحجم دولة كاملة التكوين والسيادة والعلاقات اسمُها إسرائيل.

إنَّ إسرائيل كمستنقع عنف هي خريطة حرفية لدجما جيو سياسية geopolitical dogma قوامها أيديولوجيا صهيونية تلتهم التنوع وتقف بالمرصاد لكل آخر، معتبرةً أنَّ مملكة الرب (وداخلها الشعب اليهودي بالزمان والمكان) كتلة مثالية واحدة، يدور التاريخ بقدر ما يدور، لكنه في النهاية سيجسدها في حدود سياسيةٍ تناصب الشعب الفلسطيني العداء والكراهية، ذلك في وضع النبوءة اليهودية الزمنية التي يعمل هؤلاء البشر على إنضاجها وتحقيقها.

والقتل الناجم عن وجود اسرائيل هو استعمال الموت نتيجة " مثالية الحدود أو التلاعب بها أو التشدد في حراستها والسهر عليها". كلُّ عملية قتل بمثابة فرض إقامة جبرية على الآخر في حالة موت خوفاً من تجاوز الحدود كما تفعل اسرائيل مع الفلسطينيين. ولئن كان الموت تلقائياً على ما نراه على شاشة التلفاز ويعني تخطى حدود الحياة داخلها، فالقتل هو دفع المقتول لتخطى الحدود القصوى لوجوده عنوة. وهذا ما كانت تراهن عليه اسرائيل كدولة احتلال، ذلك كي لا يتخطى الضحايا الحدود التي تضعها النزعات والدول والايديولوجيا بشكل مصطنعٍ artificial. ولذلك فإنَّ "الاصطناع الحدودي" هو غالباً واقعة قتل بالمقام الأول وليس موتاً اعتيادياً.

 ولذلك عندما تفرض إسرائيلُّ حصاراً على المدن الفلسطينية إنما هو قتل بطيء الخلاص. عمل مقصود لإشعار الفلسطينيين المحاصرين بأنَّهم محاطون بالموت من كل جانب. ولم يتساءل البعض لماذا تتحول الحدود إلى غرفة كبيرة لتنفيذ حكم الإعدام بشعوب مقهورة؟ وبخاصة أن الحصار الحدودي ليس مؤقتاً بل لن يمرق منه شخص دون اعدام هويته. وطبعاً يجر ذلك معاني حصار الهوية والجسد والعقل والمستقبل والحياة، فالوضع في حالة انتظار جغرافي حتى تنطق الأرض إنْ كانت تملك لساناً وبياناً أم لا. حيث يقوم الجنود الإسرائيليون بإنطاق المارين الفلسطينيين عنوةً عبر أقاليم الدولة العبرية.

بالأمس القريب سقط أكثر من ستين فلسطينياً على حدود إسرائيل لمجرد اعتراضهم على نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والآن تتكرر اللعبة يومياً في مناطق أخرى بصدد المسجد الأقصى، اسرائيل هي دولة حدود الموت داخل حدود فلسطين. هذه هي كانت اللعبة السياسية لاحتلال الأراضي طوال تلك السنوات. اليوم هناك حد فاصلٌّ بين شعب وآخر، وغداً سيكون هناك تاريخ جيوسياسي يقرر مصير الفئات الضالة من المارقين على الدولة القوية، وبعد غد أسلاك تدمي من يحاول الاقتراب، ثم بعدها إخلاء مقصود لأراضٍ يقال إنها في مرمى استراتيجي للدولة الاسرائيلية. ذلك بالضبط يحدد الإقامة والحركة للمحتلين مثلما كان تاريخ اللاهوت السياسي فاصلاً بين الذهنيات والعقول والجماعات كما طبقته الصهيونية. ومازال البعض ينظر إلى تاريخ اللاهوت على أنه تاريخ دول وقارات متباعدة عن بعضها البعض(أرض الحرب وأرض السلم من زاوية لإسرائيل أو من زاوية جماعات الاسلام السياسي).

ورغم أنَّ الاختلافات توجد حتى داخل الدين الواحد إلاَّ أنَّ المذاهب والأيديولوجيات شكلت حدوداً دامية ووضعت مزيداً منها في طريق من يحاول العبور. إنَّ إسرائيل وآلتها العسكرية ومؤسساتها وعنفها الرمزي والمادي عبارة عن نظرية في هذه الحدود، وبخاصة مبادرتها المستمرة بالقتل إزاء الاقتراب منها أو تجاوزها. يستحيل أنْ ننظر إلى المناطق المحتلة دون أنْ نركز انتباهنا إزاء ممارسات دولة تزحف على أرض شعب آخر، وتحاول الإمساك بما تبقى من أمل في التهام خريطة فلسطين بكاملها.

إسرائيل لديها برنامج سياسي في إفساح حدودها المتاخمة لتبتلع المدن والأحياء والمقابر والخرابات والشوارع من أيدي الفلسطينيين. كلُّ ذلك تحت عنوان كونِّها حدوداً مقدّسة وطأتها يوماً أقدامُ شعب الرب ورسمها المستقبل المنظور لدولته المقدسة. وكأنَّ شعب بني إسرائيل لم يكن سوى أقدام تجرجر حدوداً إلى أبعد نقطة ممكنة.

وقديماً أُطلق على بني إسرائيل (العَبرانيون) وهي كلمة تضمر في جوفها معنى الحدود وتجاوزها والفضاء القابل للمرور والهجرة والتخطي تجاه الأفق الآتي. في كتابه (تاريخ اللغات السامية)، يرى المؤرخ اليهودي إسرائيل ولفنسون أنَّ كلمة عبري لا ترجع إلى شخص أو حادثة بعينها، إنما تجميع في دلالتها طريقة في الحياة قوامها الانتقال من مكان إلى مكان، والارتحال وتجاوز المساحات وقطع المسافات بين الأماكن الصحراوية، إنَّ نمط الحياة جعل من الحدود شيئاً ضرورياً بالنسبة لسياسات الدولة العبرية ولمحاربة أعدائها. وتباعاً أصبحت إحدى الحيل الماكرة في التعامل بين البشر.

وكلمة عبري مشتقة لدى اسرائيل ولفنسون من الفعل الثلاثي" عَبَرَ"، بمعنى قطع مرحلة من الطريق أو عبر الوادي أو النهر من ضفته إلى ضفته الأخرى أو عبر السبيل نحوه. مغزى هذا معناه أنَّ مشكلة شعب العبرانيين الذين ينتمي إليهم بنو إسرائيل كانت مشكلة تتعلق أساساً بالحدود. وربما أصداء الشتات قابعة في الخلفية، فحيث يكون ترحال بلا عودة، ستكون اللاحدود هي الاتجاه نحو الفضاء المفتوح. والعبرانيون كان منهم الآراميون والآشوريون والأموريون ومنهم عشائر من العماليق وغيرهم من الشعوب والأعراق.

ورغم أنَّ بني إسرائيل انثروبولوجياً يمثلون فرعاً صغيراً من العبرانيين، إلاَّ أن التسمية فيما يبدو قد لحقت بهم وحدهم مؤخراً.  ومنها جاءت اللغة العبرية التي أصر اليهود على إبقاء التسمية عالقة بها. والمشهور من المسألة أنَّ اليهود سُموا كذلك بالعبرانيين: إمَّا لأنَّهم هاجروا وعبروا كما هاجر أبوالانبياء إبراهيم ومن معه من العراق وما حوله نحو فلسطين والشام عابرين الأنهر والصحراوات وبخاصة نهر الأردن: وإما يرجع نسبهم إلى عابر(عابير) الوارد اسمه في التوراة، وهو من نسل سام بن نوح ويعدُّ أحد أجداد النبي إبراهيم أبو الأنبياء.

ومن ثم هناك أسئلة مهمة: هل الخوف من الشتات يدعو شعباً بأكمله إلى ضرب أسوار دامية حول خصره الجغرافي؟! هل فكرة شعب الله المختار(هذا اللاهوت الأنثروبولوجي) تؤكد (لاهوتاً سياسياً) خاصاً بتسييس الحدود واصطناعها بالقتل؟ هل الإحساس الجمعي بالهوية الدينية والإيديولوجية تجعل شعباً في حالة عزلة تاريخية بقوة العنف على أرض الغير وغير الغير؟! هل الزعم بوجود سيناريو للتاريخ قائم على نبوءة مملكة الرب وإقامة الهيكل تجعل دولة الرب تتحرك في كافة أنحاء العالم بالأسلاك الشائكة ذاتها وتدمي أرجل من يطأها؟!

لعل ما يسمى بـ" الجدار العازل" داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة يمثل حيلة دفاعية ضد فوبيا الشتات ونوعاً من استباق النتائج على الأرض وتغطية آثار الاستيطان. وهو لا يقل عن عملية إبادة جماعية للشعب الفلسطيني الأعزل. فالشكل الظاهر أنَّ جداراً يعزل الفلسطينيين ضمن أرض عامة، لكن الحقيقة أن هذا الجدار يبرئ إسرائيل، كأنها تقيم ما هو حق لها في نطاق سيادتها!!

وهذا نوع من " غسيل الأرض" لصالح اسرائيل على طريقة غسيل الأموال الآتية من مصادر غير مشروعة. لأنَّه قبل بناء أي جدار يجب التساؤل عن احتلال الأرض وزحف الاستيطان واغتصاب ملكية الحقول والمنازل والشوارع وقتل الأفراد وتهجير السكان وتجريف الهوية. وأنَّ الخطوة الاستباقية تقول إنه لكي تغطي إسرائيل ذلك كله، عليها إلهاء المتابعين في صحة الجدار وأهميته عوضاً عن البحث في أساسه وصحته ابتداءً. ولماذا يقام هنا أصلاً ولم يكن بمكان آخر؟!

والجدار بمقدار قوته يعكس هوساً بالإقصاء ورفضاً لأي تنوع وتواصل محتمل. نعود مرة ثانية إلى الحدود والموت. حيث يعبر الجدار عن رمز عنف بالأساس، لأنه يكاد يقول بدلاً من الوقوع في صراع مباشر وجهاً لوجاً، ها هو " أفعوان حجري" ممتد في فلسطين سيلتهم الوجوه والعيون كائنةً من كانت. كأنه حكم بالقتل المباشر كلما يقابله فلسطيني. وهو تجميد الإحساس عند درجة الصفر، فلا وراء الحجر غير الحجر.  إنَّه إجابة عن أي سؤال حول من هم بالخلف، كيف يفعلون ذلك، ما طبيعة عيشهم؟!

ولذلك تميز الأطفال الفلسطينيون بالدهاء عندما يقذفون الآلة العسكرية الإسرائيلية بالأحجار والحصى. فهم يقولون الجزاء من جنس العمل، فكما تحولت أدمغة قادة إسرائيل إلى أحجار، فلن تجدي سوى الأحجار كرصاص. وكانت النبوءة مبكرة بكيف سيكون الجدار عازلاً للأحاسيس، ومانعاً لفهم الحياة وبتر التواصل بين شعبين متداخلين ومتجاورين!! وبدلاً من سؤال التعايش وبذل الحقوق وإرجاع الأرض إلى أصحابها الفلسطينيين كانت إجابة أحجار الجدار قارعة وقاسمة.

الجدار اسمنتي بارتفاع يتراوح بين خمسة أو تسعة أمتار عبر المناطق المأهولة بالفلسطينيين وسياج إلكتروني في المناطق غير المأهولةِ بالسكان، ورغم أن 15% من مقاطع الجدار تمتد على حدود عام 1948 المسماة بالخط الأخضر إلاَّ أن الباقي بُني ضمن أراضٍ احتلت عام 1967 والمسماة بالضفة الغربية ويدخل فيها بعمق يصل إلى22 كم في منطقة أصبع ارئيل، ومسار الجدار يمر عبر ارضي مأهولة وزراعية في الضفة الغربية، كما يعوق وصول الفلسطينيين إلى الشوارع المحلية وحقول المزارعين.

وبالتوازي يعزل خط الجدار في المنطقة الشمالية آلاف الفلسطينيين في مناطق "مغلقة" بين الخط الأخضر والجدار، وقامت السلطات الإسرائيلية بتأسيس شبكة بوابات في الجدار ونظام تصاريح مرور للتحرك خلال الجدار التي أثبتت عدم جدواها بضمان حياة عادية للسكان. وفيما تقول الحكومة الإسرائيلية بأن هدف الجدار هو حماية المواطنين الإسرائيليين من الهجمات الانتحارية الفلسطينية، يقول الفلسطينيون إن شبكة الجدران، الأسوار والخنادق هي سرقة لأراضيهم وتقسيم للتجمعات السكانية وتقطع مسارات المواطنين عن المدارس وأماكن العمل والمزارع.

وقد بُني القسم الأكبر من الجدار في مناطق شمال الضفة الغربية وهو يحيط بمدينة قلقيلية ومناطق شمال الضفة الأخرى، وسيضم المخطط كبرى المستوطنات الإسرائيلية في المناطق المحتلة من العام السابع والستين إلى منطقة تتصل بإسرائيل ولا يفصلها جدار عنها (كمنطقة كأصبع أرئيل)، ويؤكد الفلسطينيون أنَّ إجراءً كهذا هو فرض أمر واقع على أي اتفاق يمكن التوصل إليه مستقبلا، وان مثل هذه الشبكة لن تمنح محاولات بناء دولة فلسطينية قابلة للحياة أي فرصة..

كان ذلك أيضاً رد فعل إسرائيلي على حياة العزلة والبؤس والنبذ في " الجيتو والكيبوتس" على هامش المجتمعات الأوروبية التي عاش فيها اليهود. إنه انتقام تعويضي، فعندما لا يقتنص الضحية من جلاديه فرصاً لمبادلته اللكمات، يعثر على ضحية أكثر ضعفاً كالفلسطينيين لإثبات قوته أمام نفسه. ولكن ما هذه السادية السياسية المزمنة؟!

لقد تُصِر إسرائيل دوماً على تصدير " نكباتها التاريخية" في صورة "نكبة الفلسطينيين"، عاش شعبها الأول في الشتات فحلَّوا في أرض فلسطين، ثمَّ مارسوا التشتيت على أصحاب الأرض وجعلوهم مزقاً وجماعات وعائلات مهجرةً في كل أصقاع الكوكب. ولو وجدوا مكاناً على كوكب آخر لتعقبتهم إسرائيل إلى هناك ولزجت بهم في صحراواته. ظل بنو إسرائيل في التيه أربعين عاماً وهاهم يفرضون تيها وفوضى على أهل فلسطين قرابة ثمانين عاماً ومازالوا في البداية. عاش اليهود في ملاجئ وجيتوات على أطراف المدن وهوامشها فجعلوا من الفلسطينيين نزلاء دائمين للملاجئ والفقر والجراح المثخنة طوال حياتهم. ولم تتركهم إسرائيل هكذا بل تعقبتهم بالاغتيالات والموت أيضاً عبر حدود دول المهجر. عانى اليهود من الهولوكوست فوضعوا غزة والضفة في" أفران سكانية متحركة " عن طريق تضييق الخناق على البضائع والبيع والشراء والمرور والدخول والخروج ووضع الناس في عملية قمع وضغط متواصل وإشعارهم بكونهم محاصرين طوال الوقت.

أيضاً علاقة إسرائيل بأمريكا علاقة قائمة على التلاعب بالحدود، لقد أعطت أمريكا قدم ممتد داخل المجال العربي وكانت هي الردهة الشرقية للعسكرية والمخابرات الأمريكية. حتى يمكننا القول بأن حدود أمريكا تبدأ من إسرائيل في قلب الشرق الأوسط، ولقد كانت هذه الحدود معروفة ومتسعة في حربي الخليج الأولى والثانية. حتى عندما كان يريد أحد الزعماء العرب المهووسين توجيه اعتراض لأمريكا كان يعض أصابع إسرائيل، ولو عن طريق التصريحات والتلويح بقطع العلاقات والتنديد بالاحتلال وعقد المؤتمرات العربية في هذا الشأن. والزعيم العربي الجبار كان يعلم أن أصابع أمريكا تبدأ من إسرائيل وتنتهي فيها بالمثل.

 ولذلك فإن ما قتلته إسرائيل من ضحايا على حدود غزة وحول حرم المسجد الأقصى في المناسبات المختلفة لا ينفصل عن هذا كله. لعبة الحدود هي لعبة قتل مجهول في تاريخ بني إسرائيل بالدرجة الأولى. ذات مرة قال مايكل لينك (المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية) إن " القتل المتعمد" على حدود غزة والضفة يمثل جريمة حرب بحسب معاهدة روما.

وأكد لينك في كلمته بجلسة طارئة لمجلس حقوق الإنسان أنَّ هذا النوع من الأعمال ينتهك بشكل خطير معاهدات جنيف بشأن القانون الإنساني الدولي. وأوضح أنَّ أي إدانة لما وقع في غزة ستكون " فارغة ما لم يصاحبها حسابٌ أمام القضاء الدولي". وذكر هذا المسئول السابق أنَّ أغلب" الاحتجاجات في غزة كانت سلمية تقريباً بشكل تام دون سلاح " مؤكدًا أنَّ الآلاف في غزة خرجوا لأجل الهتاف والمطالبة بالحق في مستقبل أفضل ".

وعلى المنوال نفسه كان مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان زيد بن رعد الحسين قد دعا إسرائيل إلى إنهاء احتلال الأراضي الفلسطينية، مشيراً إلى أنَّ الفلسطينيين "محبوسون في عشوائيات من الميلاد وحتى الموت"، وقال: " الاحتلال ينبغي أن ينتهي بشكل يمكن أنْ يجعل شعب فلسطين حرًا "...

هكذا تعصف لعبة القتل على الحدود بجميع المبادئ والقوانين الإنسانية حتى بحقوق الحيوان... فهل تتجنب إسرائيل هذه اللعبة القاتلة التي تشبه لعبة الحوت الأزرق؟! فليس اللعب بالموت ينتهي بانتصار اللاعب دوماً، بل قد يكون نوعاً من الانتحار والتآكل الداخلي الصامت. وجميع القوى العنيفة هي في الحقيقة تأكلُّ نفسها بنفسها كاشفةً كم هي ضعيفة أمام صمود الإنسان ولو كان عارياً. 

 

سامي عبد العال

 

محمد بنيعيشإن الإعاقة في تحصيل التطور المنهجي والمعرفي والترويض الفكري لدى أصحاب الجامعات والمؤسسات العليا ذات التخصصات في العلوم الإسلامية بالدرجة الأولى قد يكون سببها في الغالب علميا ونفسيا سلوكيا محضا ،وأيضا سياسيا واجتماعيا في آن واحد.

إذ الأستاذ الباحث في العلوم الشرعية سواء على مستوى الفقه أو العقيدة والتصوف حينما لا يجد ميدانا أو مناخا مهيئا يمارس ويختبر فيه محصلاته العلمية فإنه لا محالة سيؤدي به الحال إلى الانكماش وتضييع ملكة العلم والقدرة على تشحيذ الذهن في بابها، ومن ثم فلا ينتظر منه طائل في هذا المجال أو ذاك.

أ‌) التهميش الوظيفي للعلم والعلماء وطفو الحثالات في الساحات:

فعلى مستوى الفقه مثلا، وهو ما يقتضيه من اجتهادات ونوازل ويتطلب حلولا وفتاوى علمية موضوعية قائمة على التدبر والتفكر، نجده على العكس من ذلك يعرف تهميشا في باب التعامل العام وعلى جل مستوياته ، اللهم إلا ما كان من جانب الفقه التعبدي وبصورة انشطارية وآلية سردية. إذ أن جل الاهتمام لا يكون إلا بفقه العبادات، وعلى الأخص فقه الصلاة ثم الصوم وموسميا الحج، أما الزكاة فلا تكاد تجد بها اهتماما بالغا ومستحثا إلا في بعض الحالات بإيعاز سياسي ظرفي أو عند وجود ضرورة لدى بعض أصحاب الأموال ممن قد تصحو ضمائرهم بين الفينة والأخرى.

ومع هذا فإن التطفل قد ضرب أطنابه في هذا المجال، وأصبح وسيلة للخلاف بين العوام وأشباه العلماء، وخاصة في المساجد حيث التضارب قائم بين من يسمون بأتباع المذهب المالكي مثلا والمذهب الشافعي أو الحنفي  والحنبلي إضافة إلى الظاهري الذي بدأ يفرض نفسه بشذوذاته وتشدداته، وكل هذا ناتج عن الخلل والضعف العلمي الذي عرفه التوجيه الجامعي في كثير من جوانبه لدى المؤطرين في جامعات عريقة قد تحسب على العلوم الشرعية خاصة، إضافة إلى تسرب مذاهب ضيقة الفكر و محرفة المعنى من الخارج ،إما عن طريق السعودية أو باكستان وإيران وغير ذلك كالوهابية وفروعها في فكر الجماعات المختلفة ،والتي من أهم ركائزها إسقاط المذهبيات وتبديلها بالمبعثرات والحشويات والإسقاطات، وشحذ النعرات وإذكاء الخلافات وهلم جرا!!!

فتجد الصراع محتدما حول القبض والسدل والجهر والسر والجلوس والانصراف والرفع والخفض وحكم الشعير والقيمة في زكاة الفطر ورؤية الهلال بين الزيادة والنقصان  وهكذا دواليك، وحينئذ تلتقي علل الجامعات مع علل الجماعات ويسري إذاك المرض العضال وتبطل حكمة الشريعة في العبادة والوحدة والاتصال، كما يلغى حكم العقل والقلب في التدبر وإدراك الواجب من الجائز والمحال!.

وعند هذا الوضع البطالي ينكمش الفقه وينقبض العلماء، لأن العامة أو الجمهور قد أصبحت لهم الكلمة الفصل في أهم أركان الإسلام وفروعها، فمن سينقذ من يا ترى ومن سيوجه من !!!؟ والكل يظن في نفسه أنه الداعية وأنه أفقه من مالك والشافعي، بل قد يصرحون بغير حياء وكتقليد غوغائي لأبي حنيفة بالقول: هم رجال ونحن رجال!

ولكن رجال باللحى المكثفة والطبع الصلف والجراءة بغير علم، لا رجال بالفهم والفقه والتقوى والسلوك، واحترام قدسية العلوم الشرعية واجتناب الافتاء بغير علم، كما يروي الشافعي نفسه عن أستاذه الإمام مالك رحمهما الله تعالى: "إني شهدت مالكا وقد سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري"1

فإذا كان المسلمون ومنهم المغاربة قد اقتصروا من العلوم الشرعية على فقه العبادات كممارسة يومية وأيضا في بعض الأجزاء من فقه المناكحات أو ما يصطلح عليه حديثا بفقه الأحوال الشخصية أو مدونة الأسرة،مع السعي إلى بتره أو إقباره من طرف كثير من الأحزاب العلمانية وجمعياتها المزيفة وأيضا بتواطؤ مع بعض المسمون زعما بالفقهاء، فإنه سيكون مآل هذا العلم الشرعي نفسه هو الانقباض والنسيان والتلاشي، وذلك لسببين رئيسيين:

الأول: إقصاء المذهبية الرسمية للمجتمع من التطبيق على مستوى المساجد والمعاهد.

الثاني: غياب أهل الاجتهاد والوعي بالأحكام ودقة الفتوى في التوجيه والضبط الاجتماعي.

 إذ أن هؤلاء الأخيرين هم الذين لهم الحق بحكم التخصص في تقرير هل هذا المذهب أو ذاك قابل للمسايرة الاجتماعية أم أنه يحتاج إلى تعديل وأخذ ما هو أولى أو ما هو مشهور، وما هو ضروري من غيره... إلخ.

ثانيا: الانشطارية العلمية وسلبياتها على تواصل المتخصصين

ولكن أهل الاجتهاد قد انتقصوا أو افتقدوا بشكل ملفت في الكليات والجامعات العلمية الأكاديمية،كما أن أهل التقليد قد تقلص عددهم وحضورهم في الجوامع والمعاهد رغم محاولات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية مثلا في المغرب وبعض الغيورين من أصحاب المعاهد المعتدلة سد هذه الثغرة على سبيل المراهنة التاريخية و السياسية ولكن بدون جدوى تستحق الاهتمام وتنعش الأمل في النفوس وتعم بها الفائدة، وذلك لانقطاع سند العلم من جهة كما تحدث عنه ابن خلدون، ولانقطاع المدد المادي للعلم والآفاق المستقبلية لتطبيقه سواء على المستوى الاجتماعي الذي يسوده الجهل والتخلف الفكري والسلوكي، إضافة إلى ضعف الوازع الديني ونقص الورع والتقوى في أوساطه بسبب وسائل الإعلام المضللة من مرئية ومسموعة ومكتوبة مدعمة، حتى قد بدأت الجراءة تصل إلى مستوى الطعن في المعاني القرآنية والأحاديث النبوية وخاصة صحيح البخاري ،باعتباره أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى، وذلك بتجريح جامعه وتكذيب نصوصه لأنها مخالفة لأهواء الشواذ من الرجال والنساء على حد سواء، وبسبب أيضا التجهيل والتهميش المقصود للعلماء المستنيرين والغيورين، والتضييق على أهل العلم الجادين في جراياتهم وفي مكانتهم النفسية لدى الجمهور عن طريق الاستدراج وتشويه الصورة الحقيقية للعالم الصالح ودور الفقيه في المجتمع كما سبق وبينا.

أما فيما يخص فقه المعاملات من تعامل كامل وشامل في مجال المناكحات والبيوع (الاقتصاديات) والجنايات وما يندرج ضمنه من قضاء وشهادات وبينات وحقوق وواجبات وحدود وتعزيرات وتكاليف وأهليات...إلخ. فإنه يكاد يكون مفقودا بالكلية في مجتمعنا بسبب اختيارات كثير من الحكام ومعهم الشعوب أيضا. لأنه "كما تكونوا يول عليكم" إضافة إلى تشطير الفقه والوظائف المنوطة به بين الكليات ذات الطابع الشرعي المحض وكليات حقوقية واقتصادية، مما سيؤدي إلى تمييز واضح ومفضوح بين اعتبارات هؤلاء وأولئك، من خريجي هذه الكليات أو تلك. وتكون النتيجة حينئذ أن كلا الطرفين لا هم فقهاء قضائيون ولا هم حقوقيون شرعيون. وإنما العلوم الملقنة بين الجانبين تكاد تمثل بترا من بتر ولثْما من لثْم، ومن ثم اختل ميزان الفهم والعدالة في البلاد وضاعت معه كثير من حقوق الله والعباد.

ومن هنا نتساءل كيف سيصبح الفقيه طبيب المجتمع وهو لا يعمل بفتواه في القضاء ولا في المؤسسات التجارية والمالية ولا في المعاملات العادية من مقتضيات الحياة الاجتماعية وضرورة تقنينها؟!!

كيف سيتطور فقه الأسرة أو الأحوال الشخصية مثلا، والذي تثار حوله المجادلات ويسعى الكثير إلى إسقاط أحكام شرعية راسخة من مكوناته وإقصائها بأقوال وأهواء بشرية ،لا هي عقلية سليمة ولا واقعية مستديمة ولا عادلة حكيمة. وحتى اللجان المعينة للنظر في بنود المدونات والقوانين قد تعطي لنا صورة واضحة لهذا الخلط والمزج والتنافر بين أعضائها ،وتؤكد العلل التي تحدثنا عنها حول مفهوم الفقيه ومكانته والحقوقي وانشطاريته الاجتماعية وغربية تصوراته...! إذ كيفما كانت النتيجة والصيغة المتفق عليها سابقا أو لاحقا فإنها لا بد وأن تأتي مشوبة بعلل تحتاج معها إلى تصحيح تلو الآخر حتى لا يبقى منها سوى الغلط والخطأ!

ومن هنا أيضا فكيف سيستقيم هذا الفقه وهو منشطر ومنفصل عن ضوابطه الشرعية في باب الحدود والجنايات وباب الضرورات والمقاصد والمصالح المرسلة والاستحسانات مما يعد أهم الآلات والقواعد الاجتهادية عند الفقيه والقاضي على حد سواء؟

لاشك أنه سيبقى فقها معطلا رغم أنه في الظاهر يبدو وكأن الدولة أو المجتمع قد يعتمدان بنوده وقواعده كقانون في التقاضي والتراضي وتبرير عمل بعض البنوك المالية مثلا والمسماة بالتشاركية وغيرها، لأن الفقه الإسلامي بعناصره مرتبط ببعضه ارتباطا قويا وبأسلوب رياضي حتمي لا يمكن حذف رقم ضروري في معادلته، وإلا انهار البناء وجاء الاستنتاج سلبيا وخاطئا.

 إذ المعادلة تقتضي أن يكون القضاء من جنس الفقه روحا ونصا، أما أن القضاء في واد والفقه في واد آخر والحكم في واد والمجتمع معطل ومحصور بين الوديان، فهذا مما لا تقبله عقول الصبيان والحيوان بله عقل الإنسان المتحضر والمتصدر للعمران!

ومن هنا فلا لوم على العلماء إذا لم ينتجوا ولا على القضاة إذا لم يحكموا بعدل، ولا على العوام أو الجمهور والمجتمع إذا لم يستقم ولم ينتظم، لأن الخلل قائم من علاقة الرؤوس بالأقدام وبين تسطير الأقلام وما يدور في الأفهام، فبات العلماء الصلحاء مقصيين وبطاليين بالقصد والتخطيط مع سبق الإصرار والترصد حسب اصطلاح الحقوقيين من المحامين، وبالتالي محاصرين بين مطرقة الحكام وسندان العوام فعلى من يقع يا ترى هذا الملام!؟

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.....................

1- الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1 ص 33.

 

قاسم حسين صالحتصريح

كشفت مفوضية حقوق الانسان في (4/5/2021) عن ارتفاع الوفيات في عام (2020) بنسبة (8.5) بالمئة، وأنها في تصاعد متكرر للعام الرابع على التوالي.. وعزت دوافع الآنتحار الى اسباب اجتماعية ونفسية واقتصادية.

تعليق

بوصفنا سيكولوجيين متخصصين في الانتحار فأننا كنا حذرنا ودعونا الحكومة والبرلمان لمعالجة تزايد حالات الانتحار في العراق عبر خمس مقالات ودراسات بينها (ما هكذا نقدم للعالم انتحار شباب العراق-8/1/2018) و(أربعة اسباب وراء ظاهرة الانتحار في العراق – 15/10/2020).. وعبر فضائيات (الشرقية، الحرة، روداو..).. وكالعادة فان البرلمان والحكومات لم تستجب وكأن الأمر لا يعنيها، الا مجلس محافظ بغداد الذي عالج الآنتحار بحل مبتكر هو (بناء اسيجة على جسور بغداد لمنع الشباب من الانتحار!)

ومع ان مفوضية حقوق الانسان معنية بهذا الشأن ورسمية تابعة للبرلمان، فانها اعلنت ان دوافعه اجتماعية نفسية واقتصادية دون ذكر من كان السبب في تضاعف حالات الانتحار.ولها وللبرلمان والحكومة نقول.. ان احزاب السلطة هي المسؤولة.. ليس فقط عن تزايدها، بل وعن الاستهانة بأرواح الناس في عدم معالجتها.

وكنا وعدنا في نهاية مقالنا الأول ان نتحدث عن الانتحار بلغة العلم.. وها نحن نفي بما وعدنا.

توطئة

من بين أكثر الموضوعات إثارة للدهشة، أن يقدم الإنسان على " نحر" نفسه! فنحن نندهش من تلك القدرة الغريبة التي تمتلك الإنسان، فتولد لديه الإصرار على أن ينهي حياته بقتلها !. والأغرب ما في هذه القدرة لحظة تنفيذ هذا الإصرار. إنها - في اجتهادي - أفضع مأساة تراجيدية تمثّل فعلاً على مسرح الحياة البشرية، يكون فيها " البطل " هو القاتل والقتيل معاً!. ونتساءل: لماذا يقتل الإنسان نفسه ؟ هل يكفي أن يفقد الإنسان الأمل في الحياة ليغادر هذه الحياة ؟ وهل إذا حلّت به آلام " فرتر" أو " سيزيف " أو " روميو " أو " جوليت " فأنه لا خلاص له منها إلا بقتل النفس ؟!

وحتى لو حسبنا الحياة على ما يرى أبن الرومي حين قال :

فلا تحسب الدنيا اذا ما سكنتها & قرارا فما دنياك غير طريق

أو ليس من الأجدى أن نسير في هذا الطريق على مهل لا أن ننطلق إلى نهايته مثل رصاصة ؟!

الانتحار .. قديماً وحديثاً

يرتبط الانتحار بالموت، وللمجتمعات والمدنيات القديمة فلسفاتها في الموت. فالفيثاغورسية تؤمن بالتناسخ والخلود، حتى أن فيثاغورس نفسه ادعى في زمانه بأنه متجسد حينذاك للمرة الخامسة ! والبوذية تعتقد بان المثل الأسمى الذي يمكن أن يصبو أليه الفرد هو الوصول إلى حالة " النرفانا " أو " العدم العام " أي فناء الذات واتصالها بعالم الحقيقة. فالوجود شرّ على الإنسان، فيما ينظر البابليون إلى الموت على انه مخيف. ولم يبدو على السومريين والاكديين انهم فكروا بأن الموتى يحيون، بل يبقون موتى إلا الحكّام فهم الذين يعيشون حياة أخرى، ولذلك يدفن معهم مرافقوهم وزوجاتهم وحاشيتهم وحرسهم وعدتهم.

وقد حرّمت الأديان قتل النفس، وإن تباينت في توكيد التحريم. فالمسيحية أصدرت قرارات بتحريم الانتحار عام (639م)، وقبلها وبعدها جاء في بعض موادها : " إن الانتحار جريمة وخطيئة "، فيما يعدّ الدين الإسلامي اشدّها توكيداً بتحريم قتل النفس، بآيات قرآنية صريحة بذلك: "ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً " سورة النساء (86).وعن جابر بن سمرة قال: اخبرني النبي (ص) برجل قتل نفسه فقال: " لا اصلّي عليه " (أخرجه أبو داود 81)، ما يعني أن المنتحر، من وجهة نظر الإسلام، جزاؤه النار ولا عذر له مهما كانت مبرراته. والمفارقة العراقية أن حالات الأنتحار تضاعفت في زمن حكم أحزاب الأسلام السياسي فيما يفترض حصول العكس!

وسيكولوجيا، هنالك اربعة منظورات تختلف في تشخيص أسباب الانتحارهي:التحليل النفسي، السلوكي، الأجتماعي الحضاري، والوجودي، وفلسفات حديثة (الوجودية بشكل خاص) ناقشت مسائل أساسية في معنى الوجود والحرية والالتزام والحياة والموت في الوقت المناسب!، يمكن الأطلاع عليها في كتابنا (الأضطرابات النفسية والعلقية).

الانتحار.. عالميا و.. عراقيا

  هناك ما بين 800 ألف إلى مليون شخص ينتحرون كل عام، أي بمعدل شخص كل 40 ثانية، وفقا لمنظمة الصحة العالمية.

 يعدّ الإنتحار ثاني أهم سبب للوفاة بين من تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاما على الصعيد العالمي عام 2015.

 تستأثر البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل بنحو 78% من حالات الإنتحار في العالم.

 معدلات الإنتحار أعلى في الرجال عنه في النساء، بمقدار ثلاث الر أربع مرات.

 وفقا لمنظمة الصحة العالمية لقائمة الدول حسب نسب الانتحار، احتلت اليابان الترتيب التاسع (36%ذكور، 13%اناث لعام 2004).وسويسرا- افضل دول العالم لعام 2018، الترتيب 22(24%ذكور، 11%اناث لعام 2004).وجاءت الكويت بالترتيب (89)، سوريا(98)، مصر (100) ولم يرد اسم العراق(ويكيبديا).

وكنا اشرنا الى ان الأسباب التقليدية للانتحار بمعدلاته العالمية، تتحدد بأربعة:

 البطالة في قطاع الشباب،

 تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية،

 الأصابة بامراض نفسية او عقلية،

 وعادات وتقاليد اجتماعية متخلفة.

وان متابعتنا وبحوث اكاديميين اشارت الى شدة هذه الأسباب التقليدية، وظهور اسباب عراقية جديدة لتزايد حالات الانتحار حددناها بـ: (توالي الخيبات، الشعور بالحيف والندم، الأكتئاب واليأس، فشل السلطة واستفرادها بالثروة، القتل هو الردّ، واشاعة الأحباط عبر وسائل الأعلام). 

الأنتحار .. عراقيا.. شواهد

  شهد المجتمع العراقي ارتفاعاً بنسب الانتحار، خصوصاً بين الشباب والمراهقين (الحياة، كانون الثاني 2016)

 حصلت وزارة حقوق الإنسان على معلومات مؤكدة بزيادة حالات الانتحار بمحافظة كربلاء غالبيتها من الشباب والفتيات، وسجّل أحد الباحثين في دراسة لمدة 11 شهراً أكثر من 120 حالة انتحار أو محاولة انتحار، (الناطق باسم وزارة حقوق الانسان ).

 كشفت قيادة شرطة محافظة ذي قار أن حصيلة حالات الانتحار المسجلة لدى الشرطة منذ مطلع العام 2013 ولنهاية آيار بلغت 17 حالة لأشخاص لا تزيد أعمارهم عن 25 سنة (السومرية نيوز، ايار 2013)

 نشرت مفوضية حقوق الإنسان العراقية في مارس/آذار 2014، إحصائية، كشفت عن تصدر المحافظات الجنوبية النسب الأعلى في الانتحار، في مقدمتها ذي قار بـ(199) حالة في2013(القدس العربي).وفي تصريح أحدث للقضاء العراقي: تصدرت بغداد وكربلاء وذي قار حالات الانتحار للعام(2016) بواقع 22، 23، 38 حالة على التوالي(الحرة عراق، 5/7/2017).

 اثارتزايد حالات الانتحار بين الشباب والفتيات بمحافظة ذي قار المزيد من القلق بين الأوساط الشعبية، داعين الجهات المعنية التدخل لمعالجة أسباب ودوافع الانتحار والحد من هذه الظاهرة الآخذة بالتزايد) المدى).

 حالة من القلق والخوف تشوب الشارع الشعبي البصري بعد تزايد حالات الإنتحار في المحافظة ووصولها درجات مقلقة تقترب من الظاهرة(غوغل).

 اعلنت مفوضية حقوق الانسان ان عدد حالات الانتحار في الربع الاول من عام 2019 بلغ 132 حالة ( RT).

 تلك الشواهد الموثقة تشير الى أن مفوضية حقوق الأنسان كانت قد اعترفت بأن تزايد حالات الأنتحار بدأ في عام (2014)، وأدلة اخرى تشير الى انها بدات من عام (2010).. فما الذي فعلته المفوضية خلال عشر سنوات، هل طالبت بعقد جلسة لمجلس النواب لمناقشته وهي مرتبطة به؟.. هل استجابت لدعوات علماء النفس والأجتماع بعقد مؤتمر يحضره اكاديميون مستقلون وخبراء في الجريمة يتوصلون فيه الى توصيات تلزم الجهات المعنية بتنفيذها؟.. وتأتي في العام (2021)! لتعزو اسباب تزايد حالات الانتحار الى عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية.. دون ان تحمل احزاب السلطة مسؤولية جريمة راح ضحيتها شباب وشابات قتلوا انفسهم برصاصة او شنقوها بحبل او حرقا او بسم قاتل! ما كان لهم ان تكون نهايتهم هذه لولا حكام خائني ذمّة وضمير استفردوا بالسلطة والثروة.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية