قاسم حسين صالحفي 31 نيسان 2021 نشرنا مقالا بعنوان (الأنتخابات بين المشاركة والمقاطعة)،  جاء في خاتمته بالنص:

(بوصفي سيكولوجست ومهتم بعلم النفس السياسي، فأن الحالة السيكولوجية للناخب العراقي هي التي تتحكم بموقفه من المشاركة او المقاطعة، وهي التي تحدد نتائج الانتخابات النيابية. ويشير الواقع الى فوضى امنية، ومناخ خوف أحدثته موجة اغتيالات طالت نشطاء لم يحاسب مرتكبوها، وصراع بين قوى الدولة واللادولة.. واجواء مشحونة بالتوتر لا تصلح لأجراء انتخابات نيابية تأتي ببرلمان يمثل 25 مليون ناخبا، وصراع انتخابي يفتح بوابة الاغتيالات .. الخاسر الأكبر فيها هم المرشحون المستقلون، لأن تعليمات مفوضية الأنتخابات تنص على ان انه لا يحق لأي كتلة تقديم مرشح نيابي آخر لأي مرشح يموت او يقتل. والأخطر انها ستعزز سيطرة الاحزاب الحاكمة على السلطة والثروة، وستشرعن فوزها حتى لو كانت نسبة المشاركة 5% مستندة للدستور وقانون الانتخابات، وستصف من يشكك بها بانه خارج على القانون ويجب ان يعاقب.. يقابله موقف القوى التقدمية والتشرينية التي تعد الأنتخابات باطلة.. وستكون المواجهة مشابهة لما حدث في تشرين/اكتوبر 2019 يوم تعاملت السلطة مع النشطاء تعاملها مع غزاة أعداء يجب ابادتهم.

ولتفادي نكبة أوجع في زمن النكبات، وخيبة اقسى في زمن توالي الخيبات.. فان التأجيل  هو الخيار الأفضل للقوى التقدمية والتشرينية والوطنية.. وللعراقيين كشعب ابتلي بطبقة سياسية أفقرتهم وأذلتهم.

وفي 7 حزيران نظم الاتحاد العام للأدباء والكتّاب ندوة عن الموقف من الانتخابات المبكرة شارك فيها سكرتير الحزب الشيوعي الصديق رائد فهمي.. وقد اوضحنا رأينا بان الموقف الصحيح هو عدم المشاركة فيها مستندين الى قراءة سيكولوجية للناخب العراقي.. ويأتي قرار الحزب الشيوعي  (السبت 24 تموز) بعدم المشاركة في انتخابات اكتوبر/تشرين 2021.

استطلاع نيسان 2021

قبل ثلاثة اشهر، كنّا استطلعنا الرأي في المشاركة من عدمها في الأنتخابات

شارك فيه (378) بينهم أكاديميون ومثقفون واعلاميون، توزعت مواقفهم على النحو الآتي:

الأول: موقف سلبي.

– المقاطعة موقف سلبي، وستجيش الاحزاب الحاكمة انصارها لمشاركة قوية ويبقى المقاطعون يسبون ويلعنون لأربع سنوات اخرى.

–  القانون الانتخابي لا يعطي هامشا لفوز القوى الرافضة لنظام المحاصصة، اذن لا جدوى من المشاركة.

-ترك الساحه لاحزاب الفساد يعزز انفرادهم بالسلطه وغياب الصوت النزيه الذي يفضحهم.

–الموقف سلبي وستجرى الانتخابات حتى لو كانت المشاركة 5٪ .

– من يقاطع عليه ان يضع البدائل لئلا تترك الساحة للغول فيغول اكثر

الموقف الثاني:ليست حلاّ

– بما انه لا يوجد قانون يحدد نسبة المشاركين بالانتخابات فهذا يعني ان لا جدوى من مقاطعتها، ويجب تكملة المشوار لنهايته وفاءا لدم الشهداء.

– المقاطعة في بلد الشعب منحاز للطائفة لا تنفع،  بسبب ان الذين صوتوا في الأنتخابات السابقة سيصوتون للاحزاب الفاسدة.

– ما يزال التدخل الاقليمي عبر الدمى الماسكة بالسلطة سيدة الفساد والمحاصصة تسّير القضاء وتمسك بشؤون السياسة والاقتصاد ان لم يسقط هذا النظام اولا.

الموقف الثالث:مشاركة ام مقاطعة.. لا فرق

– لا اتوقع حصول شيء، إنتاج نفس القمامة.. اتباعهم جاهزون للصعود في اللوريات لملء صناديق الاقتراع،  وسينتج البؤس باقسى مما هو عليه ال?ن.

– أعتقد أن البيئة السياسية تنطوي على إشكالات وتناقضات ففيما يشير قانون الأحزاب إلى منع مشاركة أحزاب سياسية لها أذرع مسلحة نلاحظ أن جماعات مسلحة أنشأت احزابا وحازت على موافقة المفوضية.الأمر الآخر أن قوى السلطة وقد حاصرتها إرادة الشعب في تشرين   2019ارتكبت أعمال قتل غير مبرر إلا لحماية مصالحها فهل تستطيع قبول نتائج انتخابات ليست في صالحها،  ستغرقنا بالدم حين يتهدد وجودها ومصالحها.

– كثيرون مقتنعون بمقولة:من يملك السلطة والمال والسلاح هو الذي يفوز.

استطلاع تموز 2021

تركز هذا الاستطلاع على قرار الحزب الشيوعي بالانسحاب من الانتخابات شارك فيه اكثر من (850).. توزع اغلبهم بين موقفين:

الأول يرى انه موقف صحيح وصائب.. " فلا انتخابات نزيهة تحت اعواد المشانق والكواتم والتفجيرات والسلاح المنفلت والاغتيالات "، "وانه موقف تاريخي يسجل للحزب بوجه هذه المهزلة التي اوجدها وصنعها الانحطاط السياسي والاخلاقي لحفنة من سياسيين طارئين"، "نبارك قراركم الوطني بعدم المشاركة في الانتخابات،  كي لا تكونوا كما كنتم في الدورات السابقة.. مشاركين في تشويه قيم الديمقراطية".. و " الأنسحاب افضل لحفظ ماء الوجه!".

فيما  يرى المقف الثاني ان الانسحاب موقف خاطيء لانه يعني "ترك الساحة للفاسدين"، " وفرصة لاعادة تدويرهم للسلطة"، "وتقويض للحياة المدنية للمواطن دون معارضة برلمانية ولو بصوت واحد"، " وان الانسحاب سيسمح للفاسدين بتمرير انتخابهم ويمنحهم الشرعية" و"ما هو البديل؟ هل هي الثورة؟ الكفاح المسلح؟ أم التظاهرات والصراخ ثم العودة للبيوت؟! ". و.. " اذن لماذا حرقتم الشارع بالتظاهرات ومن اجل من ذهبت ارواح الشباب؟!".

استنتاج وموقف

نستنتج،  ان المزاج السيكولوجي للناخب العراقي قد تغير خلال الاربعة اشهر الماضية لصالح مقاطعة الانتخابات، ويعزى ذلك الى وصول العراقيين ليقين ان حكومة السيد مصطفى الكاظمي عاجزة عن تأمين اجواء انتخابية آمنة، وان سطوة الميليشيات والدولة العميقة التي تمتلك السلاح والمال ستحسم نتائج الانتخاب لصالحها.ويدعم ذلك تصريح الممثلة الخاصة للامين العام للامم المتحدة (جنين بلاسخارت) في 19 تموز الجاري بان الاوضاع الامنية في العراق مهزوزة جدا وانه لا يمكن أن تجرى انتخابات دون تزوير.

الموقف

ان مقاطعة الانتخابات موقف يجب ان يبنى بفكر يقوم على استراتيجية، يشكل تحالف القوى التقدمية والوطنية والدينية المناهضة للفاسدين منطلقها برؤية علمية وعملية تؤمن الخلاص من افسد وافشل واقبح من حكم العراق في تاريخه.. وتلك هي المهمة الأصعب.

  

ا. د. قاسم حسين صالح

 

جواد كاظم البيضانيقبل أيام قرأت مقال لرجل تحدث في حقل معرفي مهم دون دراية بما يقول معتمداً عن التلقين وليس البحث والاستقصاء والتي تعد من أهم صفات المؤرخ الضليع، ولعله بدراية او بتوجيه حاول قلب الحقائق من خلال اعتماد المخيلة الميثولوجيا  التي ترتكز على الأسطورة، ولا شك فان تاريخ الترك في أعمه الأغلب بني على الأسطورة، فآمة لا تملك هوية تاريخية  تعتمد الميثولوجيا في بناء تدوين تاريخها، وقصة الذئاب الرمادية التي يتزين بها هذا الشعب واحدة من الأساطير المعروفة.

ما فهمته من مقال هذا الرجل أن الأرمن لا أصول تاريخية لهم في هذه الارض، وان يريفان مدينة اذرية!  وعلى الرغم من  معرفتي بتاريخ هذه الأرض ورسوخ العرق الأرميني فيها،  بيد أني التزمت الصمت لمراجعة المصادر التاريخية وأمهات المصنفات التي تحدثت عن هذه الأرض، فلا بد لي أن التزم الضوابط المعرفية في الرد اذا كان هناك خطأً تاريخيا، وعليه تصفحت بعناية كتاب فتوح البلدان للبلاذري أحمد بن يحيى بن جابر بن داود، فوجت ان العرب خاضوا قتال مع الارمن في مدن  الرها، وسميساط، وقرقيسيا، وآمد، وميافارقين ... الخ؛  قال في ذلك وفتح العرب أوزن عَلَى مثل صلح نصيبين ودخل الدرب فبلغ بدليس ..." (1) ولنترك البلاذري ونعود إلى خليفة بن خياط الذي تحدث بازهاب عن فتوح أرمينية(2) في كتابه المعروف تاريخ خليفة بن خياط، ثم ان اليعقوبي الذي عمل في ديوان الانشاء، وذهب إلى أرمينية ووصفها وصفاً مهماً وتحدث عن سكانها ومدنها وخراجها وذكر ا ناهلها من الأرمن فضلاً عن حديثه عن سكان اذربيجان من الاكراد، والحق أن البلاذي تتطرق الى الصلح الذي عقده الأكراد من سكان اذربيجان مع القادة العرب، وذا ذهبنا الى كتب الجغرافية الاصطخري، ابن خرداذبا في كتبهم المسالك والممالك ومسالك الممالك ويبقهم اليعقوبي في كتابه تاريخ البلدان فالحديث يطول عن الاتفاقيات التي عقدها العرب من البطارقة الأرمن، والبطريق هنا يعني النلك ويبدو أن رجال الدين الأرمن في ذلك الوقت كانوا يملكون الصفتين الزمنية والدينية، فهل هناك سبيل الى  مَنَاصٍ من اظهار الحقائق كما هي .

استمرت مراجعتي لهذه المصادر ايام دون كلل، رغم يقيني أن المعلومات التي نقلها صاحب هذا المقال الأسطوري لا ترقى الى الحقيقة بشيء . خلال ذلك تذكرت أساتذتنا رحم رحم اللّٰه الماضين منهم وحفظ الباقين ونفعنا بعلمهم؛ إنهم يقولون أن على المؤرخ أن يتحدث بحقائق التاريخ كما هي وان يمحص الأخبار ويدققها دون الخضوع إلى ميل او انفة او عصبية فهذه الصفات تبعده كثيراً عن صنعته، ويبدو ان صاحب هذا المقال لا يحسن الصنعة في اشاراته غير الدقيقة الى وقائع يجهلها او تجاهلها لغاية سياسية او مادية او بحثاً عن سفرة مع مليحات اذربيجان اللائي تميزن باختلاط جمالهن بين شعوب الأبروم، والآفشار، والبادار، والاشاخسيفين والبايدجائين، وشعوب اخرة من السلاف والفرس والاكراد حتى أصبحت نسائهم مقصداً لعشاق الجمال.

لنعود الى صلب المقال، ان الشعوب التي سكنت في اذربيجان مثلت الهوية الحقيقية لهذا البلد الذي توحد على يد الامبراطورية الفارسية ثم الروسية بعد أن كان أمارات متناثرة من (الكوبينيه، والشيكينية، والباكينيه...) وقسم من هذه الشعوب لا تزال تحتفظ بهويتها رغم ما يمارس عليها من ضغوط كبيرة لاذابتها عرقيا، وهنا على صاحب المقال مراجعة الحقائق فالتاريخ لا يرحم من تلاعب بهويته، ثم ان الحقائق لا تمحى بالادعاء بل هي ثابته عن المنصفين من المؤرخين وارباب هذه الصنعة. وعليه ان يكون عراقي ويغلب مصلحة بلده دون مصلحة الترك وان لا يكون ادات تطمس الهوية التاريخية، فالذي يتحدث بهذه اللغة الضحلة من المخاطبة التاريخية لا شك ان يكون أداة موجهة على بلده تستخدم عن الحاجة.

 

د. جواد كاظم البيضاني

......................

المصادر

1- البلاذري، فتوح البلدان، بيروت، مكتبة الهلال، 1998، ص ص 176 – 184.

2- أبو عمرو خليفة بن خياط بن خليفة الشيباني العصفري البصري (ت 240هـ)، تاريخ خليفة بن خياط،  بيروت، دار القلم، ط2، 1992.

 

 

عبد الامير العباديلقد كانت وثبة كانون الموقد الذي اشعل لهيب الثورة العراقية ضد الحكم الملكي وضد بريطانيا واذا كانت شرارتها قد انطلقت بسبب معاهدة بورت سموث

وعندما حاولت السلطة الملكية استمالت الوثبة من خلال شق صف قياداتها المتمثلة بالحزب الوطني والشعب والشيوعي والديمقراطي الكردستاني فانها في ذات الوقت قد فشلت رغم استقالة رئيس الوزراء جمال بابان وكيل صالح جبر الا ان الوثبة مضت لتؤسس لجموع. استمرت رغم هول ماتعرضت له القوى الوطنية

والتي راح ضحيتها استشهاد العديد من المنتفضين منهم جعفر الجواهري والالوسي وشمران علوان وبهيجة وغيرهم.

والوثبة استمرت تكافح على الرغم مما فقدته من فرص ومن رجال كان اخر من قدمت  قادة الحركة الشعبية الا وهم قادة الحزب الشيوعي العراقي في عام ١٩٤٩، فهد وحازم وصارم

ومع مرور الوقت تماسكت انتفاضة الشعب انذاك حتى انتفض الشارع بأنتفاضتين. في عامي ١٩٥٢، ١٩٥٦

ومن خلال هذه الانتفاضات اصطف الشارع حول قياداته واستقطب العديد من النقابات والمنظمات الجماهيرية وحتى النسوية حيث لعبت المرأة دورا رياديا في السير جنبا الى جنب مع الرجل

وما اريد توضيحه هنا ان بعض قيادات الانتفاضة استطاعوا تقريب. وجهات نظر نخب عديدة من الضباط

 توجوها بيوم ١٤ تموز حيث كان موعد الثورة والقضاء على الحكم الملكي وبغض النظر عن التباين في وجهات النظر حول تلك المرحلة الا ان الواقع يشير الى ان هناك ارادة جماهيرية صنعت التغيير، لذلك ارى من المناسب بيان اوجه الاختلاف بين  وثبات ١٩٤٨،١٩٥٢،١٩٥٦وبين تشرين

اولا: الارادة الوطنية لتلك الوثبات كانت صامدة وبقوة ولا يوجد فيها مندسين وكان الهاجس الوطني متوجها لاسقاط الحكم الملكي

ثانيا: التماسك التنظيمي ووحدة قيادات الاحزاب الوطنية اتجهت لحمل الروح الثورية والاصرار على تغيير الحكم

ثالثا: الانتفاضة انذاك كانت تجمع كل الطوائف شيعية سنية كردية والمسيحيين والصابئة وحتى اليهود حيث كان الاصطفاف الوطني هو الصفة الملازمة للوثبة والوثبات الاخرى

 رابعا: لا توجد شعارات طائفية او دينية اطلاقا فقط كانت الشعارات تنادي بمطالب وطنية

خامسا:التسابق الوطني وعشق العراق كان هو الرمز الذي صنع انهيار السلطات انذاك

سادسا: التشخيص الدقيق لتواجد لحمة القوى الوطنية

سابعا:لم تختصر وثبة كانون على حزب معين رغم قوة الحزب الشيوعي لكن يلاحظ مشاركة احزاب وطنية اخرى كالحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال وفوق ذلك كانت النقابات كالمحاميين والاطباء والمعلمين والمهندسين وغيرها من قوى الشعب كلها تشارك في هذه الانتفاضة وغيرها

وبالعودة الى انتفاضة تشرين تميزت بالاتي:

اولا: عدم وجود قيادة موحدة وعدم وجود اي اصطفاف وطني ممنهج عدا تواجد وخاصة في بغداد لقواعد الشيوعيين واتحاد الطلبة العام ورابطة المرأة العراقية

ثانيا: لا توجد شعارات وطنية موحدة بل وجدت شعارات دينية طائفية

ثالثا: تشرين كانت مختصرة على المناطق الشيعية وعدم مشاركة المناطق السنية والكردية

رابعا:على الرغم من الاعداد الكبيرة التي تتمثل بالنقابات والاتحادات المهنية لم نجد مشاركتها فاعلة

حيث اقول ان هذه الشرائح لا تشعر بالعوز المادي وهذه تجعل كل هذه النقابات متفرجة وارى بتقديري هو ضعف الحس الوطني لما يعانية الوطن  من احتلال اميركي وايراني وتركي وخليجي اضافة الى عدم الاحساس بما تعانيه الدوله من رداءة الخدمات والتعليم والصحة والاقتصاد والزراعة، اذ تشعر العديد من اصحاب هذه النقابات بالتخمة المالية التي تجعل لها مبرر لعدم مشاركتها هذه الانتفاضة

اذن مالسبيل لنجاح انتفاضة الشعب؟

علمتنا دروس السياسة ان وحدة المجتمع على هدف واحد كفيلة بتغيير النظام السياسي وذلك من خلال الصوت الواحد لكل قوى الشعب والسبيل الاخر للتغيير هو الاصرار على الاضراب ولو تجرأت نقابات المحامين والاطباء والمعلمين  واصحاب النقل والطيران والسكك الحديد والموانئ على الاضراب يوما واحدا لانهارت هذه الدولة الورقية ولحدث التغيير بالطريقة السلمية

اما الخروج هنا. وهناك بمجاميع منهكة القوى اتعبها العوز والفقر وسقوط المئات من الشهداء ارى في ذلك افقار لاي انتفاضة وفوق ذلك هو تعرض الثوار الى العنف والقتل من مختلف الجهات والتي مازالت الدولة تقيدها ضد مجهول

اخيرا ان قيادة الشارع تحتاج قيادات ثورية فذة تبسط وجودها وتفرض الخروج للشارع بطرق متعددة لهو الطريق الثوري للنجاح وللثورات طرق اخرى ان فشلت فيما ذهبنا اليك

مجدا لشهداء العراق والنصر حليف شعبنا العراقي

 

عبد الامير العبادي

 

 

سليم الحسنيفي الأشهر القليلة الماضية لم يكن أداء السيد مقتدى الصدر موفقاً، وهذا ما بدا واضحاً من خلال حجم الانتقادات التي طالته. كانت الانتقادات من الكثافة بحيث انه لجأ أكثر من مرة الى الظهور إعلامياً من أجل معالجة ما وقع فيه من خطأ في موقف سابق، لكن سلسلة الأخطاء كانت تتراكم، بحيث تبعتها موجة كبيرة من الاستهجان انعكست على وسائل التواصل الاجتماعي بسعة عالية.

وتحت ضغط الرأي العام وخصوصاً بعد وقوع حادثة حريق مستشفى ذي قار، شعر السيد مقتدى الصدر بأنه أصبح في موقف حرج، فقرر إعلان الانسحاب.

وقد أخذ الكثير من الكتّاب والمتابعين على مقتدى الصدر انه أعلن انسحابه بصفته الفردية الشخصية، وليس انسحاب التيار الصدري وكتلته البرلمانية ومسؤوليه في الدولة. واعتبروا الخطوة بانها عملية مناورة مألوفة سبق ان قام بها أكثر من مرة.

لكن هناك بُعداً آخر من المناسب التوقف عنده، فمقتدى الصدر اتخذ هذه الخطوة وبالطريقة التي تحدث فيها، ليعلن تخليه عن مسعاه في تولي رئاسة الوزراء المقبلة، وهو المسعى الذي صرح به أكثر من مرة، ثم صار لهجاً على ألسنة مسؤولي تياره.

لقد توصل السيد مقتدى الصدر الى أن بوابة الولوج الى رئاسة الوزراء ممنوعة عليه، والسبب أن أصحاب القرار العميق المؤثرين في السياسة العراقية (محليين ودوليين) يتعاملون معه على انه صاحب دور، وأن هذا الدور سينتهي فيما لو وصل الى رئاسة الوزراء. ويبدو أن زعيم التيار الصدري توصل الى هذه الحقيقة متأخراً لكنها وصلته بشكل قاطع.

إن السيد مقتدى الصدر بمواقفه طوال سنوات ما بعد سقوط نظام الدكتاتورية، كرّس بقوة نظرة الأطراف المؤثرة في العراق على أنه أفضل من يغيّر التوازنات من خلال استخدام اتباعه في أي وقت يشاء وبأي طريقة يريد وبأي اتجاه يقرر من دون ان يعير أهمية لما سيقوله اتباعه.

هذه الميزة التي تفرد بها، جعلت القوى العميقة على قناعة تامة، بأن الحفاظ على ظروف التأزم والقلق في العراق بحاجة الى وجود السيد مقتدى الصدر في مكانه الحالي الذي برهن ـ من حيث يدري أو لا يدري ـ أنه الوحيد القادر على شغله.

لقد خسر الكثير من السياسيين اللامعين في دول العالم مواقعهم أو حياتهم لأنهم أرادوا في فترة متأخرة أن يتحولوا الى موقع أعلى، ولم يلتفتوا بأن ما وصلوا اليه كان من صنع أيديهم، فلقد رضوا أن يكونوا رجال أدوار في ساحات مضطربة وحساسة بالتوازنات، وهي الدائرة التي لا يمكن الخروج منها إلا بالإبعاد أو التابوت. أما القلة من القادة فقد اكتشفوا هذه الحقيقة مبكراً فشقوا طريقهم على أنهم رجال قضية وليس دور، فكانوا زعماءً تاريخيين.

إن السيد مقتدى الصدر لن يحصل على رئاسة الوزراء في ظل الأوضاع المعقدة الراهنة، ويزداد مستوى استبعاده بسبب التشتت الشيعي الموجود في العراق، فهو طرف مؤثر فيه. وطالما بقي التشتت الشيعي قائماً فان كل الأبواب موصدة أمام التيار الصدري للوصول الى رئاسة الوزراء، حتى وإن تم تزوير الانتخابات أو شغل النواب الصدريون أكبر الكتل.

خيار السيد مقتدى الصدر يتحدد في قدرته على الخروج من حالة رجل دور الى رجل قضية، وهذه لا تكون بالشعار والتغريدة والكلام، إنما بالممارسة العملية الشاخصة، وهذا يعني أن يعيد صياغة حركته من جوهرها، بحيث يصبح العامل المؤثر في العمل على توحيد الكيانات الشيعية، وبعد ذلك يمكنه أن يخطط لما يشاء من مواقع السلطة، وستأتيه سهلة يسيرة.

 

سليم الحسني

٢٢ تموز ٢٠٢١

 

 

عدنان ابوزيدلا تزال هناك رغبة قوية في الديمقراطية بين العرب والدول ذات الغالبية المسلمة باعتبارها أفضل أشكال الحكم، على الرغم من إخفاق الكثير من التجارب، فضلا عن النتائج المتواضعة للربيع العربي.

غير ان المشكلة الكبرى في الدول العربية والإسلامية، ان الديمقراطية توقفت عن حدود كونها مفهوما نظريا، متداولا بشغف، على مستوى الشارع، والدراسات المتخصصة، بل انها حتى في الدول التي تدّعي ممارستها، تغيب عنها احدى اهم السمات، وهي الانتخابات التنافسية النزيهة، وحرية التعبير.

تحليلات غربية تشير الى ان بنية المجتمعات الإسلامية، حيث الدين والعشيرة والعلاقات الاجتماعية شديدة التعقيد، تحول دون توطيد قواعد راسخة للديمقراطية التي استنسخت نفسها على شكل ديمقراطية قبلية بمجلس عشائري ورؤساء منتخبين دكتاتوريين، الأمر الذي يُولّد الإحباط، ويوقِف الاندفاع الغربي للترويج للديمقراطيات في الشرق الأوسط.

لكن تخلي الغرب عن دعم الديمقراطيات، لا يعني انتهاء محاولات التأسيس لها، فلا يزال الحماس يتصاعد، لكنه

في الغالب على شكل نظريات ورغبات، وليس مشاريع عملية نافذة، على الرغم من ان جلّ الافراد في مجتمعات الشرق الأوسط معجب بالديمقراطية الغربية، التي انجبت مجتمعات مدنية، واقتصادات قوية اثمرت عن غطاء حماية اجتماعية متين، وارتفاع في مستويات الدخل للفرد الغربي.

وعلى الرغم من الاعجاب بالغرب، الا ان المواطن المسلم يرى ان من الأفضل المزاوجة بين الإسلام والديمقراطية،  

إذ تعتقد الأغلبية في باكستان والأردن ومصر، وفق المركز البحثي "بيون ريسيرج سنتر" أن القوانين يجب أن تتْبع بدقة تعاليم القرآن، في حين أن معظم التونسيين و 44٪ من الأتراك يريدون أن تتأثر القوانين بقيم الإسلام.

ويمتد النقاش حول صعوبة تطبيق الديمقراطية في الدول الإسلامية، الى المساواة بين الجنسين، ودور المرأة في المجتمع، والعشيرة، والطبقية الاقتصادية والاجتماعية. 

لكن اليأس يجب ان لا يخيّم، ذلك انّ الديمقراطيات الغربية ليست حالة مثالية، وهناك نماذج جيدة من الديمقراطيات 

في العالم الإسلامي نجحت في الانسجام مع الكثير من أسس التدين، كما في إندونيسيا إلى ماليزيا وباكستان ولبنان إلى تونس و تركيا، كما إن الهند التي تضم أكبر عدد من المسلمين في العالم، تصّنف على أنها أكبر ديمقراطية في العالم. 

الزعيم الماليزي والسجين السياسي السابق أنور إبراهيم، يقول: "نحن نمثل الإسلام المتسامح الليبرالي الذي يستوعب الكثير من قيم الغرب الديمقراطي".

وحيث أنّ لا أحد يتغافل الحقيقة في ان الكثير من المسلمين يعيشون في بلدان غير ديمقراطية، وبعضها دول فاسدة، مستبدة، إلا انّ لا أحد ينكر أيضا ان الحكومات الغربية تدعم الديكتاتوريين في الشرق الأوسط والدول الإسلامية، على الرغم من ان جورج بوش، وتوني بلير والمحافظين الجدد، تحدثوا كثيرا بعد 11 سبتمبر عن ان المشكلة الحقيقية في العالم ذي الأغلبية المسلمة هي الافتقار إلى الديمقراطية والتعددية السياسية.

 

عدنان ابوزيد  

  

سعيد توبيرالمغرب في مواجهة اسبانيا

من أهم الدروس البيداغوجية المستفادة من "المنهج التاريخاني" الذي اشتهر به المؤرخ والمثقف المغربي "عبد الله العروي": هو أننا لا نستطيع فهم حقيقة " الراهن المغربي" اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، دون العودة الى دراسة الجذور التي غالبا ما تكون عميقة ومتشابكة. ويقصد بذلك أن ما نعانيه اليوم من مفارقات - (غياب الثقافة الديمقراطية، صعوبة ربط التنمية المستدامة بتجديد النموذج التربوي، واقدار الاقتصاد الوطني على تنافسية التجارة الدولية، واستكمال وحدته الترابية للتفرغ لتحديات تطوير البحث العلمي والتفاعل الواعي مع تأثيرات فورة الرقميات ومكتسبات الذكاء الصناعي، والاستجابة العقلانية والاستراتيجية للقضايا الحارقة اجتماعيا واقتصاديا وتربويا)، له علاقة مباشرة بظاهرة بالاستعمار" أو ما يسميه هو في تحليلاته ب "التدخل الاجنبي".

وعليه فان الاطروحة الرئيسة الذي نسعى الى المرافعة عليها تتأطر ضمن افق "ثقافة وطنية جديدة" يستدعيها الاستشعار السياسي والثقافي الحادين باستهداف المغرب في كفاحه من أجل النهوض الشامل والسيادة الكاملة على ترابه التاريخي. وبالتالي ترتد هذه " الأخيرة" تلقائيا الى اعادة القراءة والنبش في تاريخ مقاومة المغاربة للخطر الاجنبي الذي ارتبط بالمد الايبري خلال القرن الخامس عشر وما قبل وما بعد الاحتلال المزدوج " الفرنسي – الاسباني". وبالتالي تجد نفسها " الوطنية الجديدة" حريصة على التعبئة الجماعية الممنهجة اعتمادا على وثائق ونصوص تاريخية لشحذ همم الرأي العام لصالح قضايا الوحدة الترابية، والتفاني في حماية حدود البلاد واعلاء شأن السيادة الوطنية والثقافة المشتركة والافتخار بماضي الحضور المغربي العربي الاسلامي في العصر الوسيط في اسبانيا عمرانيا، علميا، فنيا، ادبيا وفلسفيا .

وفي هذا السياق يعتبر صاحب "الأصول الاجتماعية والثقافية للحركة الوطنية 1830.1912" أنه علينا نحن "المغاربة" ان نتصرف كسكان جزيرة "مطوقة" بحيث لا يمكن ان ننفي الجغرافيا. بدليل ان رسم خريطة المغرب 1956حسب موقف الزعيم "علال الفاسي" فور عودته من المنفى لا يضم سوى خمس "تراب المغرب التاريخي" مع اقتطاع غير مسبوق في تاريخ المغرب القريب لكل من تندوف/ توات/ تيديكلت/ الساقية الحمراء/ شنقيط وطبعا سبتة ومليلية والجزر الجعفرية. وعليه فإن روح " الوطنية الجديدة" تلتصق جذريا بالمتابعة الدقيقة لتفاعلات ملف " الصحراء المغربية" اقليميا ودوليا ووطنيا، والذي خفث حضوره في تحليلات واهتمامات أغلب المثقفين والفاعلين السياسيين في السنوات الاخيرة.

في حين لاحظنا أنه منذ اعتلاء العاهل المغربي عرش المملكة بدأت الخطوط الاستراتيجية للديبلوماسية المغربية تجنح نحو الاصلاح العميق والتصويب المنهجي لمقاربة قضية الوحدة الترابية "الصحراء المغربية"، والتي اعطت لها نفسا جديدا بالارتكاز على عدد من الاولويات ضمن استراتيجية واضحة المعالم، من شأنها إعادة رسم الطريق السياسي الجديد. وبالتالي شكل اقتراح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحل واقعي وقابل للتطبيق اولى اولويات المقاربة الجديدة، ما أدى بالإدارة الأمريكية إلى دعم المغرب ودفع بالأمم المتحدة إلى إقحام الجزائر وموريتانيا في المفاوضات، بعد أن كانت تروج لأطروحة كاذبة مفادها أن الجزائر هي فقط حاضنة للاجئين وليست طرفا في النزاع.

وأما اليوم فإن المتغير الذي تحكمه مقتضيات فتوحات عودة المغرب الى "بيته الافريقي"، بناء على شراكات اقتصادية واقعية وبرامج اجتماعية عملية وتربوية مع عدد من الدول الافريقية الصديقة. قد أدى في النهاية الى اعتراف الادارة الامريكية بمغربية الصحراء، اعتراف أربك تحالفات عدد من الدول الاوربية في علاقاتها بالجزائر، واصبحت لا تستطيع اخفاء عدوانيتها اتجاه المغرب. هكذا يجد الراهن المغربي نفسه في مواجهة تهديدات الجوار الجغرافي والسياسي، وتبين ان الاعتراف الامريكي بمغربية الصحراء قد كشف حقيقة "اسبانيا" العدوانية والاستعمارية.

 تؤكد الوقائع على ارض الواقع أن اسبانيا لم تعد قادرة على اخفاء عدائها للمغرب عندما تستقبل زعيم البوليساريو بلا حشمة تاريخية أو حياء سياسي جغرافي، في استفزاز سافر لمشاعر مغرب "المسيرة الخضراء ". وفي هذا السياق العدائي اتجاه استكمال المغرب لوحدته الترابية تذهب صحيفة "الباييس" في أحد مقالاتها البئيسة، إلى أن السبب الحقيقي وراء الأزمة هو رغبة الرباط في دفع إسبانيا إلى تبني موقف واضح في نزاع الصحراء بدعم الحكم الذاتي. والحال هو أن المغرب قد عبر بشكل رسمي عن أسفه لموقف إسبانيا التي استضافت على ترابها إبراهيم غالي، المتهم بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. ويراهن الإسبان على تهدئة الوضع مع المغرب، خصوصا بعد فشل مساعي إقناع الإدارة الأمريكية بالتراجع عن الاعتراف بمغربية الصحراء وكذا غياب الإدانة الملموسة أوروبيا لموجة الهجرة غير الشرعية صوب سبتة.

تقتضي فلسفة "الوطنية الجديدة" باعتبارها وعيا تاريخيا بأهمية الحرية والمساواة والاستقرار والتعاون. وبدل التصعيد ولغة العداء والصراع ندعو النخب السياسية الاسبانية الى لغة الحوار والتفاوض على قاعدة الندية وتكافؤ الفرص والتنافس الرشيق. بحيث تثبت التجربة ان هناك من القواسم المشتركة بين البلدين لا يمكن اقصاؤها في أي تحليل. ذلك ان التجاور الجغرافي هو حتمية فيزيائية لا يمكن الا ان تكون من عوامل خلق مساحات الحوار والاتفاق والتفاوض حول المصالح المشتركة، كما ان التجربة التاريخية العربية الاسلامية في الاندلس العربي قد يشكل فرصة تاريخية لاغلاق صفحات احداث الماضي المأساوية والجنوح نحو الشراكة العادلة والتقارب بين الشعبين . الواقع هو أن المغرب لن يتخلى على وحدته المركزية وسيظل شوكة في حلق الاطماع الاستعمارية القديمة والحديثة. اليس من حقه ان يستعيد ترابه التاريخي؟ ، اذ المغرب اخر دولة استعمرت واول دولة استقلت في الشمال الافريقي. وغني عن التعريف شراسته في المقاومة لكل انواع التدخل الاجنبي اكان اسبانيا ام فرنسيا.

على النخب السياسية والمتتبعين الاسبان للشأن المغربي ان يغيروا نظرتهم العامة الى مستقبل المغرب ، على اساس ان ازمنة الهيمنة والاستعمار قد ولت. وان المغرب تمتع بالسيادة السياسية مبكرا في ترابه التاريخي دون الترامي على ارض الجيران. عليها ان تساعد المغرب على استرجاع ترابه التاريخي الشرعي والقانوني لخلق امكانيات التعاطي الايجابي مع مشاكل الهجرة والتهريب والارهاب. مع الوعي بان المغرب قادر على تغيير شركائه الاستراتيجين واسواقه التجارية بحكم الارادة الوطنية الواعية بمصالح الامة ومستقبلها في احترام تام للقيم الدولية والكونية.

 

الأستاذ: سعيد توبير - مكناس

 

نور الدين حنيفالبديهي في هذه الذاكرة أنّ مُعدّل المواطن في المشاركة السياسية في المشهد السياسي المغربي مُعدّلٌ مرتفع، لا أملكُ فيه رقْماً دقيقا. ولكنّ البداهة السياسية تبيح لنا التخريج التالي: إنّ أقلّ مشاركة للمواطن المغربي لا تنزل عن معدّل عشر مشاركات في عمره افتراضاً لا إحصاء، في حالةٍ يكون فيها هذا المواطن ملتزما بالمشاركة بشكلٍ دؤوبٍ ولا يُفلتُ منها ولاية واحدة، وعمره يتراوح بين الستين والسبعين عاما.

تُفيدنا هذه المقدمة في تأويل علاقة المواطن بالمشهد السياسي، وهو يكرّر في حياته نفس الأخطاء، ونفس الأكاذيب، ونفس التلاعبات ونفس الخيبات ونفس الصدمات ونفس أشكال الوعود وأضرب الإخلاء بها في مسلسلٍ سياسي أو شبيه بالسياسي يكرر ذاتَه في عبث مجنون وفي جنون عبثي يعيد الصورةَ ذاتها، في تاريخية غير مفهومة داخل نسق الاعتبار.

هناك إذن ذاكرة، وهناك مواطن، يعشق أن يُكْذَبَ عليه. ويحبّ أن يقرأ تاريخه الشخصي في علاقته بالمشهد السياسي قراءة انتقائية، تعزل الخبيث عن الطيب، وتُطبّل للسلامة الاِتّكالية، وتفرح لثقافة المهادنة. وهناك في آخر المطاف ذاكرة سياسية مريضة تستحق أكثر من بحث وتستحق أكثر من تحليل. إنها ذاكرة عاجزة عن تسجيل المعلومة وتوثيقها، وعاجزة عن قراءتها قراءة تفكيكية تعتبر الماضي لاستثمار المستقبل. إنها ذاكرة متسامحة فوق العادة.

وفي غير تعميم نقول إن المواطن لا يحمل في فكره موقفا كامل التكوين إلا في الحالات النادرة التي تكون فيها الثقافة واعية لا حشوية ، والنادر لا يحكم القاعدة، وبالتالي فهذا المواطن لا يملك ذاكرة محللة بالمفهوم التفكيكي والتأويلي أو على أقل تقدير، بالمفهوم الاعتباري المستخلص للدروس والعبر. ولا يملك القدرة القرائية التي تؤهله إلى مراقبة تاريخ مشاركته الشخصية في المشهد السياسي واستجلاب دروس اللحظة والراهن والاستقبال. إن هذا المواطن يشبه إلى حدّ ما ذلكم القط الذي سرعان ما ينسى أن سيّده قد خنقه بالأمس القريب حتى كاد أن يقتله. ومع ذلك كلما قدّم له الطعام انبرى القط إلى المصالحة والتسامح وطيّ صفحة الماضي لبدء أخرى أكثر عماراً، بل أكثر وهما.

وهي الصفحة التي طواها المواطن قبل الاستحقاق الأخير، وقبل قبل الأخير، وقبل العاشر والتاسع والثامن... وهكذا في مسلسل تراجعي تشبه مقدمته نتائجه ورأسه ذيله.

تمثل هذه الحالة النفسية مظهرا من مظاهر المثالية الارتدادية التي لا يكون فيها المواطن جادّاً في حياته السياسية، ولا يكون فيها حاسباً لمقتضياتها كما يحسب مدخوله الشهري ومصاريفه، على اعتبار أن الحياة ترتبط في نظره القاصر بما هو حيوي، والحيوي عنده هو دائرة المأكل والمشرب والملبس، وما جرى مجرى ذلك وكان بوظيفة سدّ الحاجة المادية... في حين أن الحاجة المعنوية، ومنها مصيره السياسي، فلا يملك إزاءه مثل هذه القوة في النظر وفي الفعل، والتي يحرص فيها حرصا شديدا على إشباعها.

لا تلتفت هذه المثالية الارتدادية إلى عمق الظاهرة، بل تلتفت إلى قشورها حيث تمارس الذاكرة الجمعية سلطتها على الفرد، وتؤطّر فيه دروب التذكر والتمثل والتفكر، وتدفعه راضيا إلى عملية المسح بالمعنى الإلكتروني ( formatage )، بحيث لا يبقى في هذه الذاكرة إلا ما هو مشرق وجميل بين قوسين. والمشرق الجميل هنا هو المتسامح، والمتسامح هو المتنازل في ضعف عن اللحظات القوية التي كان تبنّيها فرصة لصناعة المواطن القوي، لكنه فضل أن يرمي بمعطيات هذه القوة الكامنة رميا جذريا في سلة المهملات.

إننا أمام أزمة نسمّيها الذاكرة الجمعية التي تضع المواطن في كفّتين: كفة المشاركة بتداعياتها المسؤولة والعامرة، وكفة المسالمة الباحثة عن الأمن أو بالتعبير الصحيح عن وهم الأمن. ويعني ذلك أن المواطن يتحول من كائن معنيّ بمسلسلات المشهد السياسي الذي يهمّه بالدرجة الأولى، إلى كائن مغترب عن هذا المشهد، ويصبح مجرد موضوع عابر تحدّه قبضتا كماشة قويتان، فلا يجد بدّاً من تحديد لاموقفه الباني انفلاته من ثقافة التبرير، وبالتالي يختار هذا المواطن بدل المواجهة قرارَ المهادنة.

أعتبر هذه المهادنة عتبة أساساً يعبرها السياسي الذي يختلف عن المواطن بقدرته على المغامرة بمشروع القيم في المشهد مسلّحا بديماغوجية فرد

ية وأخرى جماعية (الحزب مثلا)، وهما تمكنان السياسي من تحجيم هالته الكاسية لنواةٍ موضوعُها كائنٌ مفرد وضئيل ومتقزم ونكرة. وهي وضعية نووية يتنكر لها السياسي كشرط نجاح في الفعل السياسي وكتأشيرة ضامنة لعبور المشهد من بابه الواسع (الواسع بين قوسين).

هنا، وهنا بالذات تتبدى المعادلة بطرفين: طرفٌ يختصر وضع المواطن المتردد والمثالي والظامئ لتصديق الوعد بالجنة السياسية الأرضية. وطرف ثانٍ يختزل السياسي الداهية الماسك ِ العلاقةَ بقبضةٍ من مكر مُغلّف بكل لبوسات القيمة الإنسانية النبيلة والحاملة للبرامج العسلية... وبين الطرفين يمتد جسد السياق السياسي أو الظرفية السياسية، أو المسار الاجتماعي كعامل مساعد يبلور العلاقة في هذا الاتجاه المنحرف والمرَضي والمكرس للتناقض والمفارقة والمظاهر الخادعة.

أترجم هذه الحالة المفارقة بحضور الفراغ السياسي في تجلّيه البسيط عبر البوابات الأولى لتفعيل المشهد. وهو الفراغ الذي يتعملق مارداً بين وضعيتين:

وضعية المواطن الطوباوي ووضعية السياسي الماكر. داخل هذا التوزيع الوجودي تتمسرح ظاهرة الكذب السياسي لتفعل فعلها العبقري في ترميم العلاقة بين كاذب ومكذوب عليه، وفيها يتحول كلا الطرفين إلى كائن متلذذ بهذه اللعبة وبتداعياتها الغزيرة، تطمينا للذات المشطورة وتسويفا لغد لن يأتي موعده. ومن هنا نفهم لمَ يرفع السياسي سقف الوعود ويزخرفها في ذهنية مواطنٍ اكتوى بالأمس القريب بصدمة الإخلاف والإخلال بالبرنامج الحزبي المعسول. والمُفارق في هذه الصدمة أن المواطن هو من يحمل هذا السياسي الكاذب إلى مقرات الجماعات والجهات على أكتافه. وهو من يعبّد له الطريق مفروشا بكل التسهيلات الممكنة. وهو من يعلم علم اليقين أنه خانه بالأمس... إلا أنه يُعطّل ذاكرته على الاشتغال المحلل والمقارن والمستخلص للدرس التاريخي القريب.

و لفهم هذه الظاهرة لا ينبغي تأويلها في سياقها الموضوعي المرتبط بسلوك الإنسان في علاقته بذاكرته البشرية، وإنما ينبغي قراءته في سياق متحول هو سياق السلوك السياسي وبسلوك المواطن لا الإنسان، وبسلوك المرَشِّح والنّاخب ومسؤولية الناخب لا بسلوك الفرد المعزول عن سياق المشاركة. في هذا المنعطف نفهم لِمَ يزْورّ المواطن عن قراءة التاريخ الانتكاسي لمشاركاته المتعددة والتي تنتهي بنفس الخيبة. إننا أمام ظاهرة أشكالية ومركبة لا أمام ظاهرة إنسانية تنفع فيها عمليات التنظير من خلال تركيم النتائج المُستقرأة في مضانّها. من هن نقرأ الظاهرة كالتالي:

- درجة الصفر: ويتعلق الأمر بالمواطن المشارك في اللعبة السياسية الذي يدخلها انطلاقا من وضعية الفراغ، فلا يحدث في الغالب أن يكون هذا المواطن قد راكم ثقافة سياسية تؤهله لكي يحسن الاختيار أو على أقل تقدير، يحسن اتخاذ الموقف.

- تأثير الميديا: وهنا مربط الفرس، وخاصة إذا تعلق الأمر بميديا خارجية تبدو فيها اللعبة السياسية ناجحة تعطي المثال في النزاهة والشفافية والرقابة الصارمة. وينسى المواطن في المغرب أو في العالم الثالث أن الأمر ينبغي قراءته في سياق الاستنبات، وأن بريق التجربة السياسية الغربية تحكمه شروط موضوعية خاصة بذلكم البلد وبتلكم الأرض وثقافتها وتاريخها، بشكل يدعو المواطن السياسي المغربي إلى إعمال فكره إعمالاً عقليا حتى لا يسقط في التقليد. إن الميديا في هذه الحالة لا تقدم التجربة البرّانية في موضوعيتها، وإنما تقدّم منها ما يدغدغ عاطفة قريبة ويجذب شعورا مائلا إلى الانجذاب وحسّاً غاضبا على الداخل ومستعدا لمعانقة أي شيء يأتي من الخارج، انتقاما للحظة الخذلان الموهومة.

- تأثير البيئة. ونقصد بذلك الوسط الذي يحتضن هذا المواطن، وهو وسط يمدّه بمجموعة من التمثلات المغلوطة عن الفعل السياسي، بما يؤثر على تلقّيه السياسي ويخدم اتجاها واحدا هو تفريخ ثقافة سياسية نكوصية وانتكاسية ومترددة وقبل كل شيء، انتقائية لا تقرأ الظواهر قراءة شاملة تفي بالحاجة في الإحاطة بما للظاهرة وما عليها. إن هذه البيئة مجالٌ خصب ومصدر ثرٌّ لمجموع العوامل المؤثرة على سلوكيات الفرد وتوجيهها. ولا ينبغي التقليل من شأن هذه البيئة لأنها في نظر علم الاجتماع السياسي بؤرة قوية لرصد هذه السلوكات المواطنية باعتبارها تقدّم أنساقاً من التفكير الخادمة للنسق السياسي بامتياز.

قاربنا في احتشام شديد مجموعة من مظاهر الذاكرة الانتخابية التي تسم ذاتها بالنسيان، وهو نسيانٌ نسقي تشتغل في تربيبه مجموعة من العوامل، تجعل المواطن ينخدع ويرى بأم عينيه أشكال الخداع السياسي ومع ذلك يعود ليرتكب نفس المشهد في لاوعي منه، وفي لا إرادة... والموضوع إشكاليٌّ لابدّ من طرحه داخل كثير من المباحث لفهم واستيعاب هذه الحالة الغريبة والنشاز.

 

نورالدين حنيف – المغرب

 

 

صادق السامرائيهل أن الطائفية من طبائع السلوك البشري، أم سلوك نتعلمه منذ الصغر، وننشأ عليه ولا نعرف سلوكا سواه، برغم ما يجلبه علينا من الأوجاع والملمات الدامية؟

هل الطائفية سلوك يمكن أن نغييره؟

علينا أن نسأل أنفسنا ونستحضر مبادئ ديننا وأخلاقنا وتقاليدنا ونجتهد بالجواب.

ترى كيف يتحول أبناء الدين الواحد إلى طوائف متناحرة، وأصحاب الألوان المختلفة إلى أعداء؟

إن الموضوع قد يكون معقدا والجواب فيه صعوبة، لكن البشر يبحث عن الجواب لكي يزيل غشاوات الجهل والإنفعال والإضطراب عن سلوكه.

يبدو لمن يتأمل التأريخ ومعايير السلوك البشري عبر مراحله الزمنية، أن النسبة العظمى من السلوك مكتسبة، أي أن البشر يتعلمها من محيطه الذي يترعرع فيه.

فلا توجد جينات طائفية، بل توجد جينات بشرية تنزع في تأثيراتها لتحقيق الإختلافات اللازمة للحياة وتواصل النوع البشري.

وبعض البشر يمارس هذه السلوكيات إعتمادا على إضطرابات في شخصيته، خصوصا أولئك المصابون بإضطراب الشخصية اللا إجتماعية، والذين مات في أعماقهم الضمير وما عاد لديهم رادع لما يفعلون، ولا توجد قوة في داخلهم تحاسبهم على أعمالهم.

فهم بلا ضمير يؤنبهم ويسائلهم، فيعيثوا فسادا، وإذا إمتلكوا قوة خربوا ودمروا وأهانوا العباد لتحقيق حاجاتهم النفسية الخفية.

ففي الكثير من السلوكيات الطائفية نوازع غير سَوية أو باثولوجية، وشرَه للجريمة وسفك الدماء والشعور بالقوة والسيطرة والجبروت.

وبصورة عامة فهذه السلوكيات التي يفرزها المجتمع ويصيب بها أعضاءه، يكتسبها من الآخرين المصابين بإضطرابات سلوكية خطيرة، وتحولوا إلى رموز لفئة أو قوة ما.

فالبشر يتعلم بالتقليد وبالملاحظة، وعندما يقوم هؤلاء بتلك السلوكيات ويحصدون من ورائها ما يعززها من المحفزات، فإن الآخرين يعيدونها ويكررون سلسلة مآسيها ودماراتها، وتتحقق في داخلهم قوة رافضة للآخر.

أي أنهم يميلون إلى الإنغلاق، والتوهم بأن ما يقومون به عين الحقيقة ولا شائبة عليه، ولا يحق لأحد أن يحاجج فيه، لأنه قد تحول إلى وجود مقدس في أعماقهم، مما يتسبب في المزيد من الويلات والجراحات وسفك الدماء.

ويصابون بداء مثالية السلوك الخبيث.

ويتعلمون ترسيخ هذه السلوكيات بتكرار مشاهدها، وتنامي المحفزات المشجعة عليها، وتحولها إلى قيمة إجتماعية ذات مردود معنوي على الفرد والعائلة.

فيحسبون جميع الأواني إناءً واحدا، ولا يفكرون بما يحوي الإناء، أي يميلون إلى التعميم القاسي المشين.

ومن هنا تنشأ الكراهية والحقد والبغضاء ومعطياتها السلبية، التي تعمي البصيرة وتشل الأبصار، وتحول البشر إلى مخلوق عدواني متوحش، ومفترس كاسر لأخيه.

فالطائفية بهذا المعنى إضطراب سلوكي، يجعل البشر يعامل بعضه البعض بكراهية  وجهل، إعتمادا على أفكار وتطلعات عدوانية هائجة، تفور في دنياه وتعززها خرافات وتصورات وإدعاءات معدومة البراهين.

وإنما هي أضاليل إختمرت في جهاز البشر المتحكم بغريزة الخوف والبقاء، الذي يؤدي إلى التوحش وردود الأفعال الغير متناسبة مع الموقف أو الحالة القائمة.

أي أنها تدفع إلى سلوك دموي مروع، للتعبير عن الخوف من الخوف المقيت.

وهي سلوك مضطرب مكتسب نتعلمه من خلال نشاطاتنا المتنوعة، ويتم إستخدامه  لإيقاع المزيد من الويلات بين الناس، وتحقيق أغراض سياسية مغرضة.

فنتعلم كيف نكره الآخر ونخافه، وبعناية فائقة وقصد مبرمج دون شعور منا، سوى أن ما نتعلمه يعزز الشعور بالإنتماء إلى تلك الفئة أو الجماعة.

وكلما أسرفنا في التخندق فيها،  إزداد خوفنا وكراهيتنا للآخر، وصار رد فعلنا تجاهه تدمير وقتل، للشعور بالخوف الشديد منه والكراهية الحمقاء له.

إن البشر الذي لا يمتلك هذه الأحاسيس المعوّقة يعيش في مجتمعات متفاعلة، ويشعر بالقوة والأمن والأمان، ويحقق إبداعا خلاقا ويؤسس لحضارة متطورة يسودها العدل والقانون.

أما المصابون بهذا الداء فيمضون حياتهم في رعب وتدهور، وإنهيارات متلاحقة وضعف متواصل يؤدي بهم إلى الخسران.

وقد تلعب أدورا في هذه السلوكيات ، القوى الساعية لإمتلاكها، والخوف الشديد من ضياعها أو فقدها، ويتم إثارتها بإستثمار مَواطن الإختلاف، وكأن البشر خلقوا كفرد واحد بلسان وعقل ولون واحد لا غير.

إن وعي مفردات هذا السلوك،  وإحباط مبررات تعلمه، وإستهجان ما يشير إليه سواء في البيت أو المدرسة أو المجتمع، والصحف ووسائل الإعلام، وإسقاط مفرداته من معجم التخاطب بين الناس، يساهم بعلاجه والوقاية منه، لأن المجتمع لا يجني منه إلا الضرر.

فعلينا أن نرفض منطقه،  وندينه بشدة، ونتجنب مفرداته، ونحذره أشد الحذر.

وعلى الرموز المتنوعة أن تنأى عن المنطق التفريقي التدميري للمجتمع الذي هي فيه، وتشجع على التواصل والتفاعل والتفاهم، وتبادل الرؤى ووجهات النظر، لتصنع سبيكة إجتماعية قوية تسعد أبناء المجتمع كافة.

إن الذات عليها أن تستيقظ، والعقل أن ينفتح، ولننادي كلنا أبناء وطن واحد، نساهم في بنائه وتحقيق السعادة لنا وللأجيال من بعدنا.

فأبناء الدين الواحد أخوة، كالجسد إذا إشتكى منه عضو تداعى له سائر أعضاء الجسد بالسهر والحمى.

ولنعتصم بحبل الله جميعا ولا نتفرق ونكون إخوانا.

"أيها الناس إنما المؤمنون أخوة..."

"أيها الناس إن دماءكم وأعراضكم حرام عليكم..."

"أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد. كلكم لآدم وآدم من تراب. أكرمكم عند الله أتقاكم..."

"ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم"

إن إختلاف البشر آية من آيات الخلق وإعجاز الصيرورة والوجود.

فجيناتنا وأمراضنا متشابهة، وألواننا مختلفة وأفكارنا ومداركنا ولغاتنا كذلك، لكننا نعمل بقلب واحد نحو هدف واحد، ولنا قبلة واحدة وإله واحد ونبي واحد.

فلماذا ننسى كل هذا وذاك ونتصاغر في خنادق الطائفية؟

نعم إنها سلوكيات مكتسبة نتعلمها، ولنرفض كل سلوك يُشجعها ويُعلمها، وعلى القيادات السياسية والدينية والإجتماعية، أن تمنع التعامل بمفرداتها وتمقتها بقوة، لأنها تمثل الخسارة والدمار والثبور، والضياع للجميع بلا إستثناء.

وفي العديد من المجتمعات المتقدمة يحاسب القانون على أي تصرف، يتصل بالتمييز ما بين الناس أيا كان نوعه.

فلماذا لا تكون عندنا قوانين تشبهها؟!!

* الطائفة من الشيئ: جزء أو قطعة منه، والطائفية تعني تقطيع الشيئ الواحد إلى أشياء متماحقة!!

 

د. صادق السامرائي

1\2\2006

 

 

صالح الطائيكنت خلال الأيام الماضية مهتما ومشغولا بقراءة كتابين خطيرين، الأول هو كتاب "حكومة العالم الخفية" لشيربب سبيربدوفيتش، والثاني هو "التاريخ السري لتآمر بريطانيا مع الأصوليين" لمارك كورتيس، قرأتهما بتركيز كامل، وخرجت بنتيجة ليست خافية على أحد، ولكننا كلنا نجاهد لتجاهلها، أو السكوت عنها، أو نشغل أنفسنا بفرعيات العلاقة المتوترة فيما بيننا وبين المجاورين لنا عن النظر إليها، والرأي الذي خرجت به أن من يعتقد أن للمبادئ والقيم مكانا في المعادلة السياسية واهم وعلى خطأ كبير، فهما مجرد عكازان تستقيم بهما السياسة وتهش بهما على عقول السذج من أبناء الشعوب المغلوبة على أمرها لخداعهم وتضليلهم لتسهل عليها قيادتهم، وقد انمازت هذه الثقافة الماكرة المراوغة بكونها واحدة من أسس السياسة الاستعمارية، وأشهر دولتين وظفتا هذا المنهج اللئيم هما بريطانيا وأمريكا. وظفته بريطانيا في أيام قوتها لكي تحافظ على فكرة أن الشمس يجب ألا تغيب عن أراضيها، لكي تستمر عجلة نهب خيرات الشعوب دائرة لا تتوقف، ووظفته أمريكا في سعيها لبناء عالم الحكومة السرية الخفية والنظام الدولي الجديد بعد أن أجلست على عروش بعض بلدان المنطقة؛ التي هي البلدان نفسها بلدان كانت تحت عناية المشروع البريطاني بعضا من امعاتها وصنائعها، وجعلتنا نتخيل أنهم المنقذون الذين كنا ننتظرهم منذ عشرات السنين، بينما أثبتت الوثائق الرسمية الدامغة أن العالم منذ أواخر القرن السابع عشر يحكمه أشخاص مختلفين عمن يتخيلهم أبناء الأمم المغلوبة على أمرها من الذين لا يعلمون بواطن الأمور؛ مثلما صرح اليهودي ديزرائيلي سنة 1844، وأن هناك قوة خفية أو يد خفية غير مرئية هي التي تحكم وتدير العالم وفق تصور بسمارك (ت: 1898) وهو رجل دولة وسياسي بروسي،  ورؤية لامارتين (ت: 1869) وهو شاعر وسياسي فرنسي تولى رئاسة الحكومة المؤقتة، بعد ثورة 1848، وأن الحديث عن حكومة وطنية في تلك البلدان مجرد ضرب من الهراء.

لقد أكد هذه الحقيقة ما قامت به الدولتان المستعمرتان بريطانيا وأمريكا من أعمال ألحقت الضرر الكبير بكثير من الشعوب عبر التاريخ. فضحت ما قامت به بريطانيا في أيام مجدها وثائق وزارة الخارجية والمخابرات البريطانية التي رفعت عنها السرية، حيث أشارت هذه الوثائق إلى تآمر بريطانيا مع المتطرفين والإرهابيين أفرادا وجماعات في أفغانستان وإيران والعراق وليبيا والبلقان وسوريا وإندونيسيا ومصر وبلدان رابطة الدول المستقلة وحتى نيجيريا التي دعمت بريطانيا حركات الإسلام السياسي فيها وحولتها إلى بلد مأزوم.

وفضحت ما قامت به أمريكا التي كانت لها جولات في غاية البشاعة تلك الأشرطة والمشاهدات العيانية وما نشره موقع ويكليكس، وهي الجولات الشيطانية التي بدأت في أول أمرها من خلال تعامل أمريكا مع السكان الأصليين من الهنود الحمر على أراضيها، ووصلت في عصرنا الراهن إلى حد تحريك الجماعات المتطرفة الإرهابية كأحجار رقعة شطرنج في مناطق عديدة من العالم، تحركها تحت حمايتها وبدعم مباشر منها لتنفيذ بعض أحقر الأعمال، وقد نجحت قواتنا خلال الحرب ضد داعش المجرمة في تصوير وتوثيق عشرات الحالات التي قامت فيها القوات الجوية الأمريكية بإسقاط كميات كبيرة من المؤمن والعتاد والسلاح وحتى عجلات النقل على مجاميع إرهابية كانت محاصرة وعلى وشك الاستسلام فأنقذتها من القتل أو الأسر، كما رصدت عمليات نقل للإرهابيين قامت بها القوات الأمريكية رغم أنف القوات العراقية ليؤدوا مهامهم في مناطق سبق ومسحتها أقمارها الصناعية. والنتيجة المتحصلة تنحصر في:

أولا: أن المصلحة الخاصة هي الأساس في سياسة هذين البلدين الخارجية حتى ولو كان فيها كبير الضرر على مصالح البلدان والشعوب الأخرى، وهذا يعني أن على الوطنيين في تلك البلدان أن يوحدوا صفوفهم ويتركوا المهاترات البينية الفارغة حفاظا على مصلحة البلد والأمة.

الثاني: أن أمريكا نابت عن بريطانيا في إدارة البؤر نفسها، وهي البؤر القلقة غير المستقرة والمستهدفة بشكل مباشر من خلال التخطيط والتهديد والتآمر والحصار والتخريب وكل متاحات التدمير الأخرى، ولا يوجد بلد من بينها إلى الآن يحظى بأدنى مستوى من الأمن والاستقرار.

ورغم ذلك نجد هناك جماعات لا زالت إلى الآن على استعداد تام للتضحية بأبنائها وبشرفها وببلدها وبعقيدتها الدينية في سبيل الدفاع عن الوجود الأمريكي الاستعماري في المنطقة، وجماعات لا زالت مخدوعة إلى الآن وتوظف كل متاحاتها وقدراتها في حربها الغبية ضد الآخر الذي تختلف معه في العقيدة المذهبية أو الدينية أو السياسية، ولا زال هناك من يسعى إلى القتل العبثي لمجرد أمل في أن يجد (حور العين) تنتظره بوله العاشقين وهو لا يعدل فلسين.

 

الدكتور صالح الطائي

 

 

كاظم الموسويتزداد أعداد اللاجئين والنازحين في الوطن العربي كل عام في إحصاءات وسجلات المنظمات المعنية مباشرة أو التابعة للأمم المتحدة بعناوين الاهتمام بحياة اللاجئين والنازحين. والأسباب التي تطرحها تتكرر ولا جديد فيها، هي حسب ما تكتبه مختصرة في الحروب الداخلية والأهلية والخارجية، واوضاع التدهور الاقتصادي، والأزمات الأخرى التي تشكل الأسباب أو عوامل البحث عن ديار آمنة. وكذلك اصبح في تقويم للأمم المتحدة يوم للاجئين، تحتفل به وتصدر بيانات عنهم وتقارير لمنظماتها ومفوضيتها وغيرها من المنظمات التي تشكل باموال مفتوحة لرصد الحالات والتقصد في نشرها واعلانها.

وفي كل الحالات التي تسبب اللجوء أو النزوح، ولكل من المصطلحين تفسيره القانوني والسياسي وتميزه، لا تتطرق تقارير هذه المنظمات إلى الأسباب الحقيقية التي تقف وراءها. اي في الاخير تغطي على من هو صانع هذه الحالات المأساوية؟. رغم أنه واضح لكل ذي بصر، الا أنها تحاول باساليبها التمويه والتهرب من الحقيقة المرة.. الأمر الذي يضع مصداقية ما يصدر عن هذه المنظمات والمؤسسات من تقارير وتصريحات موضع شك وريبة، سواء في السردية او الاحصاءات، وقد تكون من منظور آخر طرف في الماساة، سواء في مشاركتها في التضليل أو في الصمت وحرف الوقائع فيما تنشره وتعتاش عليه.

آخر تقرير للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الذي نشر على موقعها الرسمي حول "الاتجاهات العالمية"، صدر بمناسبة اليوم العالمي للاجئين، رسم صورة قاتمة عن أوضاع اللاجئين والنازحين في العالم. فقد ذكر أن المنطقة العربية استضافت ما يقرب من ربع عدد المهجرين قسرا حول العالم، بينما وصل إجمالي عدد النازحين داخليا في اليمن إلى 4 ملايين شخص، كما بقيت مستوياتُ النزوح الداخلي مرتفعة أيضا في العراق وليبيا وسوريا. وبيّن التقرير أن شخصا واحدا على الأقل يتعرض "للتشريد القسري" كل ثانيتين، في حين وصل عدد اللاجئين حول العالم خلال عام 2020 أكثر من 26 مليونا، كما بلغ عدد النازحين 82.4 مليونا. اي ما يقارب مئة مليون إنسان في حالة هجرة عن دياره ومرابعه.

وأشارت التقديرات الجديدة للمفوضية إلى أن ما يناهز مليون طفل قد ولدوا لاجئين بين عامي 2018 و2020، وقد يظل الكثير منهم لاجئين لسنوات قادمة. وما يتبع ذلك من حرمان من حقوقه كطفل أمام مؤسسات عناوينها رعاية الطفولة.

وللاستهداف السياسي أو الابتزاز المتكرر، تنشر للعام السابع على التوالي، خبر  استضافة تركيا لأكبر عدد من اللاجئين في العالم، برقم اقترب من 4 ملايين لاجئ، ولا تذكر بلدانا أخرى فيها ما يقارب هذا العدد من اللاجئين، وفي جوارها، وكيف ولماذا أسهمت في التحضير مسبقا لها؟!. وذكر التقرير أنه على الرغم من جائحة فيروس كورونا، فقد ارتفع كثيرا عدد الأشخاص الفارين من الحروب والعنف والاضطهاد وانتهاكات حقوق الإنسان في عام 2020. وحثت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قادةَ العالم على تكثيف جهودهم لتعزيز السلام والاستقرار والتعاون من أجل وقفِ الاتجاه السائد منذ ما يقرب من عقد من الزمان، والبدء في قلب مساره، فخلفَ كل رقم هناك شخص أُجبر على ترك منزله، وقصة من قصص الحرمان والمعاناة. ورغم هذه الإشارات الصريحة الا أنها لا تضع الاصبع على الجرح، كما يقال.. توصيات تبقى باهتة وعمومية ولا تحمل مسؤولية قانونية وأخلاقية للقادة الذين تخاطبهم وتعرف جيدا أدوارهم في المحنة العالمية، التي تصدر عنها تقاريرها.

أشار  رئيس المفوضية فيليبو غراندي في مقابلة مع وكالة فرانس برس إلى "اتجاه لوحظ منذ 2012: الأرقام أكثر ارتفاعا من السنة التي سبقتها" معتبرا ان ذلك يعني وجود "المزيد من النزاعات والمزيد من العنف". ووفق غراندي فإن "الحلول السياسية غير كافية"، في ظل "مجموعة دولية منقسمة، وغير قادرة على إحلال السلام وبالتالي فان الوضع سيواصل التفاقم". ولم يخف المتحدث مخاوفه من أن "تكون السنة المقبلة أسوأ من هذه السنة".

أكد التقرير أن عدد النازحين بسبب الحروب والأزمات في العالم تضاعف في السنوات العشر الأخيرة.. وأشار إلى أن النزوح القسري يمتد تأثيره الآن إلى أكثر من 1% من سكان العالم - وبالتحديد 1 من بين 97 شخصا- مع عدم قدرة المزيد والمزيد من أولئك الفارين على العودة إلى ديارهم، وهو رقم لم تشهد المفوضية أعلى منه من قبل. اي رقم قياسي عالمي، له اثاره وتأثيراته وتداعياته.. كما قال المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين: "إننا نشهد واقعا متغيرا وهو أن النزوح القسري ليس أكثر انتشارا في الوقت الحاضر فحسب، بل إنه ببساطة لم يعد ظاهرة مؤقتة وقصيرة الأجل".

تضاعف مستوى النزوح القسري تقريبا منذ عام 2010 (41 مليون شخص مقابل 79.5 مليونا الآن). واورد التقرير إن 80% من عدد المهجرين حول العالم يعيشون في بلدان أو أقاليم متضررة من انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية الحاد، والكثير من هذه البلدان تواجه مخاطر تتعلق بالمناخ وغيرها من الكوارث. كما أن أكثر من 3 أرباع اللاجئين في العالم (77%) عالقون في أوضاع نزوح طويلة الأمد، كالوضع في أفغانستان على سبيل المثال والذي يسير الآن في عقده الخامس.

واشتمل تقرير "الاتجاهات العالمية" على كافة جموع النازحين واللاجئين الرئيسيين، بما في ذلك 5.6 ملايين لاجئ فلسطيني ممن ينضوون تحت ولاية وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" (UNRWA).

ووفقًا لتقرير مركز رصد النزوح الداخلي الجديد، وهو مركز اخر مهمته  الرئيسية تعرف من عنوانه، فقد تسبب، ما يسميه التقرير ب"النزاع في المنطقة" العربية بين عامي 2010 و2019 في نزوح 2.9 مليون شخص جُدد في المتوسط سنويا. ويمثل النازحون داخليا الآن ما يقرب من 3% من سكان المنطقة، أي ما يعادل سكان مدن عمَّان وبيروت ودمشق ودبي وتونس كلها مجتمعة.

 صرّحت مديرة المركز ألكسندرا بيلاك قائلةً: "إن حجم النزوح الداخلي والنزوح عبر الحدود لم يسبق له مثيل في بعض البلدان".

 وأشار التقرير الى إن النازحين الذين يلجأون إلى مخيمات أو يعيشون في مساكن غير ملائمة نتيجة ما يطلق التقرير عليه "الصراع وأعمال العنف" اضطروا إلى النزوح مرة ثانية أو ثالثة بسبب الفيضانات والعواصف. وإجمالاً، تسببت الكوارث المفاجئة البطيئة النشوء في نزوح 1.5 مليون شخصًا جديدًا داخليًا في جميع أنحاء المنطقة على مدار العقد الماضي.

أضاف التقرير عن تأثيرات العوامل الاقتصادية والبيئية على محنة النازحين، كما أدت جائحة فيروس كورونا المُستجد إلى تعقيد الأمور بقدرٍ أكبر. وقدر المركز  أن التكلفة الاقتصادية للنزوح الداخلي في المنطقة تبلغ حوالي 8 مليارات دولار سنويا، أي ما يكفي لتوفير ملياري جرعة من لقاحات فيروس كورونا المُستجد، وفقا لمنظمة الصحة العالمية.

كل التقارير، بارقامها واحصاءاتها واستهدافاتها، تضع محنة النزوح واللجوء أولوية مهمة أمام العالم، وتطالب بأهمية ايجاد الحلول وانقاذ الملايين منهم ومستقبل اجيالهم. فهل من مستجيب؟!.

 

كاظم الموسوي

 

نور الدين حنيفالتّشيّؤ لا يفيد الوجود، لأنه لا يعني سوى التحيّز في المكان. أمّا  الحضور الحقيقي فهو ذاك النّسغ التواصلي الجاري بين المُخاطِب والمُخاطَب  في المشهد السياسي. وهو النسغ التواصلي الجدير بتحويل الأغلبية الصامتة إلى أغلبية فاعلة بصوتٍ فعلي وحقيقي ومالك للقرار.

لنتصوّر مشهداً تواصلياً يضمّ خطيباً سياسيا مسؤولاً، يخطب في الجماهير المحتشدة أمامه. ولنتصوّر صيحته التاريخية فيهم وهو يرفع عقيرته قائلا (لِنتّحد جميعا من أجل كرامة المُواطن). هل كان هذا الخطيب السياسي يعي ما يقول؟ وهل كان يبني في وعيه - إن كان واعياً باللحظة – حجمَ التحدّي المنطوق في الخطبة؟ وهل كان يدركُ حجم الجماهير المحتشدة أمامه لا على مستوى العدد الذي يفرض الرهبة، ولكن على مستوى امتدادات هذه الجماهير في أبعادها الإنسانية؟

أظن أن مقولة الكذب هنا واردة ومؤسِّسة للعلاقة في تجلّيها الممكن والكائن. على اعتبار أن هذا المُخاطَب في نظر الخطيبِ مجرّد حضور مُتخيّل، غير مرئيّ ولو بدا مُتشيِّئاً أمام ناظريه.

ومادام الأمر مُسطّرا على هذه الشاكلة، فسيبقى الحال مكذوباً تؤطّره مرجعية ضاغطة تستفيد من هيولى الجماعة، ومن تأثير الميديا، وبالدرجة الأولى تستفيد من الحالة النفسية التي آل فيها الجمهور إلى نهايات اليأس والعبثية واللاجدوى. وهي نهاياتٌ أصبحت عناوين واضحة لهذا الموسوم بالرأي العام الذي كان ومازال في منظور علم الاجتماع، ظاهرة حضورية قابلة للقياس، انطلاقاً من وزنها الاجتماعي المؤثّر.

و مادام الراي العامّ حاضرا، سواء على مستوى التشيّؤ أو على مستوى الفعل الضاغط (على النخبة السياسية) فإن الأمر لا يعدو أن يكون عبوراً في التاريخ. لأن الأصل في القيمة هو الصدق، والأصل في التاريخ هو احتضان اللحظات القويّة البانية للإنسان في مشروعه الكوني والحضاري. وما تبقّى فهو النشاز العابر الذي ملأ ويملأ اللحظات العابرة بالصراخ الخاوي الآيلِ إلى قدر التبخّر.

من هنا، هرولة الجماعات الضاغطة إلى تشكيل العلاقة السياسية تشكيلا مستعجلا مبنيا على استثمار اللحظة الراهنة استثمارا عقلانيا ماكراً، يقوم على استنزاف كل ممكنات القيم الإيجابية البانية، واستبدالها بالقيم الزائفة والهدّامة، والتي يتم طبخها في مختبرات البراغماتية وتقديمها في أطباق حداثية مُسيلة للعاب ومثيرة للجاذبية ومُضمِرة للقدرة التمويهية الخارقة في ثقافة الإقناع.

فهل نستطيع هنا في هذا السياق الاِتّكالي، أن نبنيَ صورة للمواطن القادر على استيعاب المشهد السياسي في أبعاده كلِّها؟ وهل نستطيع أن نبنيَ ذلك المواطن القادر على تجاوز لعبة الكذب السياسي والتموقف منها إيجابيا؟ ثمّ من تكون هذه (النون) الجمعية الثاوية في فعليْ (نستطيع ونبني)؟ هل هي تلكم النون الزئبقية التي يترجمها الضمير الفرنسي الغامض (on) والذي من سماته الدلالية إلقاء المسؤولية على المجهول لا على المتعيّن؟ وهل هذه النون الجمعية الهيولانية قادرة على تحويل الكذب السياسي إلى صدق سياسي يرد المياه إلى مجاريها والأشياء إلى نصابها؟ وهل هي (نون) قبل هذا وذاك قابلة للقياس، وبالتالي قابلة للقبض؟...

إن القطع مع الثقافة الاتّكالية هو أول خطوة للإجابة على هذه الأسئلة الشائكة والمُحرجة. وهي الثقافة التي تُحيل على انهزامية اتّكالية تُسنِد الفعل إلى المجهول، وتًسند كذلك مسؤولية الحلّ والخروج من الأزمة إلى المجهول. ولنضرب على ذلك مثالاً لموقف المواطن الذي يفتح نافذته كل صباح على بركة الماء الآسنة أمام بيته. والتي تسبّب فيها الإهمال  قبل أن تتسبّب فيها زخّات المطر. وانظر أيها القارئ كيف يتعامل صاحبنا مع هذا المشهد وهو يقول في اتّكالية واضحة (سيتمّ ردم الحفرة وتعبيد الطريق)... إذن، من سيردم؟ ومن سيعبّد الطريق؟ إنها النون الجمعية الفاتكة بروح المبادرة. وإنها النون التّكالية القامعة لتحرير الإرادة. وفي المقابل، أذكر مشهداً آخر، جديرا بالذكر والشهادة. ويتعلق الأمر بمواطن نكرة، يتطوع إلى ردم حفرة في الطريق كي تتمكن السيارة من العبور بسلام. وكان هذا المواطن يُعيد الكرّة كلما اتّسع شعاع الحفرة، وعادت إلى تغوّلها أكثر بفعل عبور السيارة اليومي. وكان المواطن لا يتعب من الترميم فيما تتعب المارّة وتتأفّف في سلبية تكتفي بالشتم والسباب في وجه المجهول. أما صاحبنا، فكان يشتغل في صمت تطوّعي جميل.

الفرق بين المشهدين هو أن المواطن المتطوّع قلّص إيمانه بنون الجمع وحاول أن يخرج عن سلطانها إلى حقيقة الأنا البانية لجزء من مشروع المواطنة المنتصرة على الأنا، عبر إيمانه بقدرة الوجه الآخر للأنا القادر على التغيير، ولو بدا التغيير متقزّما أمام تغوّل العبث.

إنّ شأن الذات المفردة التي تؤمن بقوتها رغم هيمنة ثقافة الاتّكالية، تشبه ذلك الحجر الصغير الذي نرمي به على صفحة النهر الراكد. والسؤال هو: ماذا يستطيع هذا الحجر الصغير والمغمور أن يقضم من جبروت النهر؟ والجوابُ يكمن في تضافر الحجر إلى الحجر (قال ابن المعتز: لا تَحقِرَنَّ صَغيرَةً   \\  إِنَّ الجِبالَ مِنَ الحَصى) وبالتالي فإن الحجر الأول سيرسم على صفحة النهر دوائر صغرى تكبر وتتّسع، وكلما ألقمْنا النهر حجرا تمّ إحراجه، و بالتالي تغيّر شكله وتزعزعت طمأنينته البليدة. إن الإشارة هنا واضحة في استعارة الماء والحجر، إذ سرعان ما سيفهم النهر المستكين إلى سلطانه  الراكد أن هناك حضورا آخر يزعج استكانته واسترخاءه لقدر الركود... وسيقول في قرارة نفسه: أنا لستُ وحدي في هذا الكون. هناك من يقدر على قضّ مضجعي مهما صغر شأنه.

تمثل هذه الاستعارة المائية صلب الموضوع، إذ تُعلّمنا كيف نعالج بها الموقف. حتى ولو بدتْ استعارة يتيمة لا تمتلك في فعلها الخبرة السياسية المناسبة. ولكنها تمتلكها في ذاتها باعتبارها نسقا من التفكير الإيجابي والقابل للتطور من الحالة الأدبية الشبيهة بالأقراص المُهدّئة، إلى ثقافة الانخراط التي تفتك بقيم السلب والعبث إذا ما تمّ تبنِّيها ونشرها وتعميمها.

إن أفضل فهم لموقف هذه الاستعارة السياسية هو استحضار نقيضها، هذا الأخير هو ما يضيء دلالة الأولى ويرسم حدودها الممكنة. وهذا التخريج قمينٌ بتسليط  الضوء على فعالية الموقف ونجاعته بدل الاستسلام إلى الاتّكالية العقيمة. ولننظر إلى النقيض من زاوية الثقافة الشعبية. ولنستحضر المثل الشعبي الذي أراه دستورا واضحا للعاجزين (دِيرْ رّاسكْ وسطْ الرْيُوسْ ؤُ عيّطْ آ قطّاعْ الرْيُوس) ويفيد باللغة العربية (ضعْ رأسك بين الرؤوس ونادِ على السيّاف)... وهنا يتبدّى الرأي العام مستعدّا لتسليم رأسه لسيّافٍ سياسي كاذب، لا يقنع في جسد المواطن باليد أو أي جارحة أخرى قابلة للزراعة الطبية، ويستهدف فيه  الرأس باعتباره العضو الحيوي الحامل لمسؤولية الحياة والحركة تباعا. من هنا عبثية الموقف الاتّكالي في الذات العربية عامّة.

كما أن الاستعارة الشعبية تفضح الموقف السلبي من خلال قدرته على التعميم وتوزيع دمه حتى لا تُنعتَ جهةٌ بالإدانَة (دِيرْ رّاسكْ وسطْ الرْيُوسْ) حيث تتشابه الرؤوس وتتشعب وتتشابك وتضيع في هذا التشعب إمكانية التعيين وبالتالي إمكانية الإدانة... والنتيجةُ ضياع قضية المواطن وتسجيلها في حكم المجهول.

يمكن قراءة هذه الثنائية داخل نظرية الفراغ التي لا تقف عند حدود البياض السلمي المُحايد. بحيث يكون الفراغ سديماً لا يؤثّر في بناء العلاقة السياسية بين أطراف المشهد. وإنما هي نظرية تسير في اتجاه بناء حالة من الفوضى القاضية بتخريج نتائج مُعدّة مُسبقاً ومُفكّر فيها قبلاً. وهي الحالة السديمية العامرة بالعيّنات القابلة لشغل المساحات المتروكة والمهجورة والمتخلّى عنها من طرف أصحابها الشرعيية. والعيّناتُ هنا جاهزةٌ لأنها كانتْ مُعدّة ومُهيّأة ومفبركة لمثل هذه الحالات الفارغة، انطلاقاً من دراسة لوبية لاحتمالات ممكنة وأخرى عصيّة الإمكان، ولكنّها في منظور الجماعة الضاغطة تصبح ممكنة مادامت وسائل تمكينها لا تراعي القيمة الإنسانية في سموها الإنساني، وإنما تراعي فقط قدرتها على ملء الفراغ لاستجلاب المصلحة القريبة والذاتية قبل كل شيء وقبل أيّ اعتبار.

والغريب في الأمر، أنّ هذه العيّنات أو هذه البدائل غالبا ما تكون مقولات شاذّة، تصدم المشهد السياسي في صميمه، وتقلب تنظيره رأسا على عقب. ولكنها مقولات تمتلك القدرة على التلبّس والقدرة على الإقناع والحِجاج. ومثال ذلك انتشار ظاهرة السياسيين الذين لا يملكون الحدّ الأدنى من التعليم الذي يؤهّلهم لاعتلاء المناصب المسؤولة والحسّاسة. ودليل المقولة في شرعنةِ هذا الاعتلاء هو حق المواطن في اقتحام المشهد السياسي وفق معايير موضوعية تفرزها الصناديق واختيارات المُنتَخِبين... وبالتالي يصبح المُحاجج لهذا الفلتان في حيص بيص من أمره لأنه يصيرُ في حجاجه إلى نتيجة مُفارقة هي إقصاء هذا المواطن من الدخول في اللعبة السياسية بمعيار غير موضوعي هو افتقار هذا المواطن للحد الأدنى من التعلم أو من الشهادة أو من الثقافة... فمن أعطى هذا المحتجّ وصاية الإقصاء وحرمان الآخر من القضم من الكعكة السياسية مثل غيره من القاضمين؟...

 

نورالدين حنيف

 

 

مهدي الصافيتبدأ رحلة او مدرسة الاستبداد الشرقي مع بزوغ فجر الحضارات القديمة.. الاساطير - الاديان - الاديان الشعبية والطوائف - انظمة الحكم الشمولي –الاقطاع - شيخ القبيلة او العشيرة - الباب العالي او ولي الفقيه او المرجع - السيد والعبد - الاسرة والمدرسة - التاجر والسوق - الاعلام المأجوروالنخب الفوقية، الخ.

في الاساطير القديمة ترى ان موقع الالهة الحاكمة من الشعب او الارض دائما ماتكون في موقع مرتفع، يضع عرش الامبراطور الاله فوق رؤوس الناس، حتى في مسألة بناء القصور والمعابد الشاهقة الارتفاع ترى انها خاضعة للاعتبارات الاستعلائية المعنوية، وهناك تقسيمات بدائية لفئات الشعب على اسس مختلفة الخ.

ومن الطبيعي كان ارتفاع العرش يعتمد على حجم المملكة واتساع رقعتها وقوتها العسكرية والمادية، لكن تعد بداية نزول كرسي الحكم قليلا مع ظهور الاديان، فيصبح بمستوى اقل من السابق، اي يرفع الناس من تحت اقدام الحاكم (المتحالف مع السلطة الدينية) الى مستوى الرقبة (اي يرتفع مجلس كبار القوم الى مافوق قدم الحاكم او عند مستوى ركبته)،

حتى جاء الاسلام فساوى بين الجميع، لكنه ابقى على منبر الجامع، الذي استغل فيما بعد في العهد الاموي والعباسي ليصبح شبيه بكراسي العروش (الامبراطورية)، مع الابقاء على وظيفة المنبر فقط في صلاة الجمع والاعياد والمناسبات او الازمات الكبيرة، ثم ظهر صدر الديوان او مقدمة مجالس الاسياد ورجال الاقطاع وتجار الدين...

لقد كانت الانظمة الملكية او الشمولية ولازالت تعمل على ابقاء تلك الهالة المضخمة المرتفعة لصورة قمة هرم السلطة السامي امام الشعوب المضطهدة او المسلوبة الارادة، حتى لاتفسد عليهم الحضارة الحديثة او الديمقراطية العلمانية نشوة هذا الشعور (المريض) والانا المنتفخ بالموروث الاستبدادي، ولانه مرض اجتماعي خبيث عززته السلطة الدينية والطائفية والقبلية او العشائرية في مجتمعاتنا العربية، بقيت اثاره شاخصة حتى بعد مجيء الديمقراطية وانهيار الانظمة الشمولية (بعد 2003 ثورات الربيع العربي)، والانفتاح العربي الواسع على الحضارة لتكنولوجية...

يفهم الناس في بلادنا الحديث المنسوب للنبي محمد ص: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" بعقلية الراعي والقطيع المسؤول عن رعيه، او الاقطاعي والفلاح والارض، لاتقدح في ذهنه موضوعة المسؤولية الاجتماعية التكاملية، والمفاهيم الانسانية الحديثة المتعلقة بالحرية والحقوق والعدالة الاجتماعية والمساواة بين الرجل والمرأة الخ.

الخطاب الديني والعشائري خطاب استبدادي، لانه يختزل الدين والمقدسات او التراث والعادات والتقاليد بتوجهات واراء وفتاوى وسلطة الفقيه الاعلى او المؤسسة الدينية الرسمية او شيخ العشيرة الاكبر، يستخدم رجال الدين الحدود والعقوبات الشرعية (سواء التي جاءت في الكتب السماوية عند بقية الاديان او في القران الكريم والسنة النبوية وسنة الصحابة او الاءئمة)

او المبتدعة لاحكام القبضة على رقاب ومشاعر المسلمين، على اعتبار ان الشريعة ثابتة ومقدسة، ولهذا تجد التكفير والارهاب عند السنة، وكذلك تغلغلت هذه الافكار الى نظام ولاية الفقيه في ايران،

وعند الاسلاميين الشيعة في العراق، وهي نتاج الانحطاط الحضاري والانغلاق الفكري للاسلام السياسي، الذي لايرى وجه الله عزوجل الا في العنف والبؤس والمعاناة والفقر والحزن لانها تقلل من فرص التمتع بالحياة، وهي مقدمات اساسية لدخول الجنة كما يعتقد او يصورها تجار الدين (حتى الفرح والضحك وضعت له منغصات تراثية)،

بينما هم ولانهم يحسبون انفسهم من الطبقة او الفئة الناجية فلهم الحق في فعل كل شيء، لان حتى في حالة الخطأ يخرجه على انه اجتهاد فيه اجر محفوظ له في السماء، مع العلم أن القريب من رجال الدين يرى عدة نماذج انتهازية ومنافقة تحتقر مايسمى عوام الناس، ولاتجد بينهم المؤمن المتواضع الزاهد (اقصد رجل الدين المؤمن الحقيقي، ولهذا اعتبر عمل وكسب رجل الدين من عرق جبينه منقصة وتقليل لهيبته)، لانهم يحاربون اصحاب هذه الصفات ويعتبروها خطر محدق بهم وبحاشيتهم....

 (اسئلة عامة:المرجعيات الدينية السنية والشيعية الرسمية او البارزة هل استمعت يوما لفكر الفلاسفة والمفكرين او المثقفين...هل اخذت او ناقشت معهم القضايا السياسية او الاقتصادية والاجتماعية التربوية..في العراق هل استعانت المرجعيات الدينية بالمرجعيات الاكاديمية المتخصصة بعلوم السياسة والقوانين والاعراف الدستورية قبل حث ودفع الناس للتصويت على الدستور الفاشل، الذي رسخ سلطة المحاصصة والفساد، الخ.)،

فهناك مانطلق عليه بالاديان الشعبية التي يهيمن عليها تجار الدين الذين يروجون لبضاعتهم عند القواعد الشعبية المسحوقة، من اصحاب الغيبيات والروايات الاسطورية والممارسات السلبية

 (احياء تراث السلف او سنة الخلفاء الراشدين عند السنة، او بدعة المغالاة في الشعائر والطقوس عند الشيعة، الخ.)، وهؤلاء يعتبرون الاديان السماوية الرصينة ورجالها او مؤسساتها (اي غير المحرفة اوالتي لم تتغير تبعا للحاجات السياسية والاجتماعية المتوارثة) هم من الد اعداءها وخصومها او منافسيها في مجال المهنة المشتركة

 (فتجد عند الاديان الشعبية معايير اختيار رجل الدين او المرجع مختلفة، بعضها يؤخذ عن طريق التوريث الابن يأخذ مكان الاب حتى لو كان صبيا او مراهقا، دون الرجوع الى قواعد التفضيل والاختيار التي يروجون لها بطريقة مختلفة بعد ان تضاف قصص واكاذيب عن البركات والقدسية والكرامات المصاحبة لزعيمهم الروحي الجديد، واخرى تأتي حسب الظروف والدعم المادي المسخر لصناعة رجل الدين المأجور)،

في حين لاتجد تلك الاعمال والتصرفات او الاساليب المفتعلة عند اصحاب الرسالات الدينية الانسانية السليمة، بل ماتراه في العلن منهم تجده في السر ايضا، يتوحد ظاهر الايمان عندهم مع باطنه، بلا رياء او تسويق رخيص او اقتباسات واستحضارات وضيعة.....

الانسان المقيد بجذور الاستبداد (سواء كان ذلك طواعية او رغما عنه) لايمكن ان يركب سفينة التطور الحضاري، وسيرى المدنية ودولة المؤسسات كائن غريب او عدو حقيقي يريد ان يجرده من المكاسب المعنوية المكنونة في وجدانه

 (المتوارثة ابا عن جد بعد انهيار الدولة العباسية وغياب مفهوم الامبراطورية العربية او الدولة لقرون طويلة، والتي لم ترجع للظهور الا اوائل القرن الماضي، ولازالت بعض انظمة الخليج الملكية والاميرية تذكر الناس بتلك العهود المظلمة من حياة قبائل وعشائر الجزية العربية، خوفا من اجتياح الربيع العربي بلادهم)، او يسلب منه حالة الاستقرار النفسي النسبي (الذي يجده متجذرا في سلطة الطائفة او العشيرة، وفي الانتماء الى العصبة او الجماعة المغلقة)، اي هو يرفض الابتعاد ونزع او تغيير فكرة الاعتماد على الاخر، اواستبدال ثوبه العتيق بثوب الحرية والانعتاق من عبودية رؤوس الاستبداد، والمساهمة في بناء دولة الامة، التي قطعا ستوفر لهم الامن والامان والرفاهية والاستقرارالمعنوي والمادي، اكثر بكثير مما توفره له مضارب العشيرة او الانتماء الطائفي او الفئوي، وهذا يتطلب بذل المزيد من الجهود الجبارة من قبل المفكرين والمثقفين والكفاءات العلمية والفعاليات الاجتماعية الواعية، لاعادة التوازن الاجتماعي، ومد جسور التواصل بينهم وبين الشعب (بكل اطيافه وفئاته ومستوياته او توجهاته)، وتشخيص الاخطاء ودراستها وتحليلها، وتبني المسؤولية الاخلاقية التوعوية، لاختراق الحصون الطائفية والاثنية والعشائرية، واقناع ابناءها بالانخراط المباشر بالعمل السياسي التنموي، وفيما يلي بعض القضايا والنقاط الاصلاحية المهمة، التي نعتقد انها تساعد بتكسير بعض جذور هذا الاستبداد منها:

اولا: اعادة التعليم الالزامي للمدارس الاولية، وفتح مراكزمحو الامية

ثانيا: فتح المكتبات الرسمية العامة في جميع المحافظات والمدن والاقضية والنواحي والقرى فضلا عن المدارس والثانويات الخ.

لتشجيع الشباب وكذلك تعليم الاطفال على حب الاطلاع والمعرفة والقراءة، والابتعاد عن طرق الانحراف والعنف والمخدرات

ثالثا: اعادة نظام الخدمة العسكرية الالزامية بشروط محددة، ففي المجتمعات الاثنية او الطائفية والعشائرية المسلحة لابد ان تكون هناك مؤسسات عسكرية وامنية مركزية حتى لاتبرز ظاهرة المليشيات والجماعات او النزاعات العشائرية المسلحة

رابعا: تشريع عدد من قوانين وانظمة التعويضات المادية في حال الكوارث الطبيعية او الاخطاء الطبية او الحوادث الاجتماعية المختلفة، لتجريد تلك المسؤولية من سلطة العشيرة وتحويلها الى سلطة الدولة

خامسا: السلطات الدستورية الثلاث (القضائية والتشريعية والتنفيذية) هي العليا في البلاد، تقودها السلطة القضائية لسد منافذ التدخلات العشائرية في التنافس والصراع السياسي من قبل بقية السلطات، واعتبار الاحكام والفصول العشائرية سلطة همجية خارجة على سلطات الدولة الرسمية، مالم تكن تحت اشرافها وسلطتها الرسمية (او بعد ان يتم تشريع قوانين تنظم تلك الاحكام غير المتعارضة مع سلطة الدولة، وبالاخص السلطة القضائية)، واعتبار النزاعات المسلحة العشائرية الجماعية، جرائم ارهابية يعاقب عليها القانون..

سادسا: التثقيف الشعبي العام بأن الديمقراطية التنموية هي الخيار الوطني الوحيد، القادر على انقاذ الشعب من التفكك والتجزئة والصراعات او الفتن (الداخلية او المفروضة من الخارج)، لان في الدولة حدود ومنافذ بحرية وبرية ونهرية مشتركة مع الدول المجاورة، وثروات وموارد ومشارية استراتيجية، ومؤسسات وطاقات وكفاءات وطنية متعددة، لايمكنها ان تنجز او تقدم رؤيا وبرامج ومخططات مستقبلية تنموية في مجتمع مشتت الولاءات والانتماءات، او عبرمرورها واخضاعها لنظام المحاصصة المقيت...الخ.

تخرج من عباءة الاستبداد الطائفي او العشائرية الى فلسفة بناء سلطة الدولة التنموية الوطنية (دولة المؤسسات) المسؤولة عن الشعب والاجيال القادمة، والشريك الفعلي مع المواطن في ادارة الدولة، وتأمين استمرارية وكفاءة انظمة الضمان الصحي والاجتماعي والتربوي (الخ.)، الخالية من الزعامات الاسرية والعشائرية او الطائفية والاثنية، فكل مواطن سيد نفسه، وعبد لله عزوجل، بلا منة من شيخ العشيرة او زعيم الطائفة او الجماعة، بل في كل الاوطان والمجتمعات تنزل البركات والارزاق وكل الخير من الله سبحانه وتعالى...

 

مهدي الصافي

 

 

ناجي احمد الصديقلم يعد سرا ان عرض السودان - مصر النزاع على تشغيل سد النهضة كان من سابقة اولى فى دخول مجلس الأمن الدولي على حط الصراعات المائية حول العالم  كما ان ذلك النزاع كان سابقة أخرى فى مدى تطاول النزاع على الموارد المائية فى سياق المحادثات المستمرة على مدى عشر سنوات كاملة.

كانت دول النزاع الثلاثة على علم مسبق بمدى أهمية الاتفاق على بناء وتشغيل سد النهضة ليس لأنه من اكبر السدود التى أقيمت على نهر النيل فحسب وإنما لان سد النهضة ذا تأثير مباشر وفوري على مياه النيل الذى يشكل مصدر الحياة الأول لشعبي وادى النيل ولهذا نهض المسؤلين فى الدول الثلاث على مستوى الرؤساء لإرساء القواعد الأساسية التى يجب ان تحكم هذا المشروع الكبير حيث صدر فى عام 2015م ما سمى باتفاق المبادئ والذى وقع عليه رؤساء الدول الثلاث تمهيدا لصياغة اتفاق نهائي بعد اكتمال بناء السد

عند اكتمال بناء السد شعرت كل من الدول الثلاث بخطورة ته وتا ثيره الكبير حياة الناس  ففى إثيوبيا ذادت مطامع المسؤولين هنالك بعد أصبح السد واقعا ملموسا وهفت نفوسهم الى تغيير التوزيع غير العادل فى نظرهم لقسمة المياه والذي كانوا يرونه ظالما للشعب الاثيويى وان بمقدورهم الآن إجبار كل من مصر والسودان على إجراء اتفاقا آخر  ولعلهم كانوا ينظرون على قوة الأمر الواقع والذي تم تحت سمع وبصر السودان ومصر فدانت لهم السيطرة على توجيه المحادثات ولم يعد أمام مصر والسودان إلا ان يمارسوا أسلوب الضغط فى كافة الاتجاهات وكان اللجوء الى مجلس الأمن الدولي احد تلك الأساليب وتم نقل النزاع بالفعل الى أروقة المجلس وعقدت أكثر من جلسة للتداول حول مشروع القرار التونسي والذى كان فى مضمونه ينص على إلزام إثيوبيا بعدم إجراء الملء الثاني الا بعد إبرام اتفاق ملزم يحدد قواعد تشغيل السد.. فإلى مدى نجحت دولتي مصر والسودان فى ذلك العمل؟ والى مدى يمكن أن تكون نتائجه منهية لهذا النزاع المتطاول؟

يبدو ان مصر والسودان قد عمدتا الى تدويل ملف النزاع حول سد النهضة لكى تشكل ضغطا متزايدا على إثيوبيا بعد ان بدت الأخيرة متصلبة فى مواقفها تجاه ما تسعى اليه الدولتان وبالرغم من الرواية الأثيوبية الرسمية تصر على ان سد النهضة لا يمثل لى ضرر على مصر والسودان إلا أن الكثير من الدراسات الفنية والنتائج الحتمية لطريقة بناء السد وتشغيله تؤكد ان له تأثير كبير على السودان من جهة تقليل المياه المتدفقة على شواطئ نهر النيل والتى تمثل شريانا حيويا للعيش لععد كبير من  السكان الذين يعتمدون فى معاشهم على الزراعة على ضفاف النيل كما ان أي نقضا فى حصة مصر المتفق عليها يمثل تهديدا وجوديا للشعب المصري بحسب ما كانت تعبير عنه البيانات الرسمية للدولة المصرية ، فى ظل تباين هذه المواقف وإصرار كل طرف على رؤيته الخاصة بدا ان الاتفاق على قواعد ملء وتشفيل السد عصية على الدول المتنازعة كما بدا أيضا فشل كل الوساطات والمداولات التى قام بها الاتحاد الافريقى والجامعة العربية حتى نشأ انطباع عام بين النزاع قد تحول الى نزاع افريقى عربى ، بل ان النزاع نفسه قد بدأ يأخذ منحا عسكريا بعد ان لوح الرئيس المصر فى أكثر من مناسبة بان جميع الخيارات مطروحة بما فيها العمل العسكرى.

على كل فان مجلس الامن قد وافق على طرح النزاع فى جلسات مفتوحة ومناقشة مشروع القرار التونسى الشئ الذى عدته فى حينه كل من مصر والسودان نصرا مرحليا على امل ان يتبنى المجلس مشروع القرار بصيغته الحالية او بإجراء تعديلا غير مؤثرا على رؤية الدولتين فى حل النزاع . من حيث المبدأ فان المراقبون متفقين على هذه اول سابقة من نوعها لطرح النزاع المائي بين الدول على مجلس الأمن ولهذا فان الدول الأعضاء بالمجلس كانت متوجسة من ان تشكل هذه السابقة بداية لتدفقات غير محدودة لطرح مثل هذه النزاعات على المجلس كما ان الكثير من الخبراء يرون ان النزاعات المائية على وجه العموم والنزاع على سد النهضة على وجه الخصوص لا يمثل تهديدا للسلم والأمن الدوليين او الإخلال يهما او حالة من حالات العدوان وهى الأسباب التى عددتها المادة 39 من ميثاق الأمم المتحدة والتى تبرر طرح النزاع أمام مجلس الامن .

لم يكن التصويت فى مجلس الأمن الدولى على مشروعات القرارات تحت الفصل السابع يتعلق بالعدالة الدولية وحدها وإنما كانت تشابك  مصالح الدول الأعضاء فى إصدار القرار من عدمه هو المحرك الاساسى للتصويت مع او ضد القرار ولهذا فان دولتا مصر قد تفاجئتا تماما من تعقيب مندوبى الدول الأعضاء والتى لم تبد اى استعداد لطرح المشروع للتصويت لسبب مخفي وهو عدم وجود اية مصلحة فى التدخل فى هذا النزاع  وسبب معلن هو ان النزاع يعتبر نزاعا تنمويا  إقليميا يجب ان يحل فى إطار الاتحاد الافريقى مما اعتبرته اثيوبيا نصر فى تمكنها من إقناع أعضاء المجلس برؤيتها فى النزاع والحق ان اتجاه الدول فى رفض تبنى مشروع القرار التونسى لم يكن فشلا لمصر والسودان ولا نصرا لأثيوبيا وانما كان نتيحه لتشابك المصالح للدول الأعضاء حول النزاع وهو ما فطن اليه وزير الخارجية المصرى حينا صرح بذلك بعد مداولات المجلس حول مشروع القرار، ولن يكون مستبعدا ان يقوم نفس هؤلاء الأعضاء بالتصويت لصالح المشروع متى ما تمكنت الدبلوماسية المصرية والسودانية فى تغيير قواعد التوازن بين مصالح الدول الأعضاء فى المجلس وتبنى مشروع القرار.

لهذا فان مجلس الأمن الدولي ليس هو المكان المناسب لطرح النزاعات بين الدول مالم تتعرف تلك الدول على قواعد اللعب على المتناقضات الدولية والإقليمية بحيث يبدو يكون تبنى القرار المطروح متوافقاً مع مصالح الدول الأعضاء خاصة تلك التى تمتلك حق النقض .

 

ناجى احمد الصديق الهادى - المحامى - السودان

 

 

محمود محمد عليفي الأسبوعين الماضيين، وسيما يوم السبت الماضي الموافق العاشر من يوليو 2021م  أحيت دولة البوسنة والهرسك الذكرى السادسة والعشرين لمجزرة سربرنيتشا Serbrenica التي راح ضحيتها نحو ثمانية آلاف مسلم على يد قوات صرب البوسنة، وكانت المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة قد صنفت هذه الواقعة على أنها مجزرة واعتبرت أنها ترقى لمستوى الإبادة على الرغم من الرفض الصربي؛ حيث جاء إقرار المحكمة الجنائية الدولية للحكم الصادر بحق الجنرال الصربي راتكو ملاديتش بالسجن مدى الحياة لدوره في مذبحة سربرنيتسا في 1995، ليعيد تسليط الضوء على هذه المذبحة التي راح ضحيتها نحو ثمانية آلاف من مسلمي البوسنة.

ولقد وصفت الأمم المتحدة ما حدث في بلدة سربرنيتسا بأنها أسوأ جريمة حرب تحدث في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. وكانت قوات الأمم المتحدة قد أعلنت أن الجيب المحاصر في سربرنيتسا شرقي البوسنة "منطقة آمنة" تحت رعاية الأمم المتحدة، لكنها لم تتمكن من نزع سلاح كل من القوات الصربية والبوسنية المتقاتلة في المنطقة.

والسؤال الان: ما هي الأبعاد الحقيقية لمذبحة سربرنيتسا؟

وهنا يمكن بأنه حسب ما ورد في (رواية إسنام تاليتش والتي عنوانها قصة سربرنيتسا .. رواية عن الحرب علي البوسنة والتي قام بترجمتها من اللغة البوسنية إلي اللغة الإنجليزية الأستاذ محمد باشا نبيجوفيتش) حيث أكدت إسنام تاليتش بأنه في عام 1995م، وتحديدًا خلال الفترة ما بين الحادي عشر إلي الثاني والعشرين من يوليو، قامت القوات الصربية بأوامر مباشرة من أعضاء هيئة الأركان الرئيسية للجيش الصربي بالقيام بعمليات تطهير عرقي ممنهجة ضد المسلمين البوسنيين في سربرنيتشا، في واحدة من أسوأ المذابح الجماعية ضد المسلمين في التاريخ الحديث. وإذ تمر علينا هذه الأيام الذكري الـ 26 للمذبحة، فهذا تذكير بهذا الجرح الغائر في جبين الإنسانية، الذي مهما مرّ الزمن سيظل شاهدًا على الإرهاب والعنف الذي يُمارس ضد المسلمين.

ودليلًا على زيف الإدعاءات بأن المسلمين أهل تشدد وعداء. بدأت المأساة عام 1992م، بعد أن قامت القوات الصربية بمحاولة السيطرة على مساحة شاسعة من الأراضي في شرق البوسنة والهرسك، بهدف ضمها إلى جمهوريتهم، وبالرغم من أن جمهورية البوسنة والهرسك قد أعلنت استقلالها عن يوغسلافيا بعد الاستفتاء الذي أجري في فبراير من عام 1992.

بيد أن الصرب كما تري "إسنام تاليتش" لم يعترفوا باستقلال البوسنة، وظلت لديهم مطامع في السيطرة عليها، إلا أن مسلمي البوسنة، والمعروفين باسم "البوشنياق"، عارضوا ضم إقليمهم إلى الصرب، فبدأت المناوشات بين الصرب والبوسنة، إلى أن أتى أبريل 1993م، حيث أعلنت الأمم المتحدة أن بلدة سربرنيتشا الواقعة في شمال شرق البوسنة "منطقة آمنة"، وأنها تحت حماية الكتيبة الهولندية في قوات الأمم المتحدة، وتحت وعود الحماية وضمان الأمن وسلامة الأرواح قام المتطوعون البوسنييون الذين كانوا يدافعون عن بلدتهم بتسليم أسلحتهم، لـكـن الصرب لم يهدأ لهم بالًا، ظلوا يخططون لضم تلك المنطقة إلى سيطرتهم، معتبرين أن حماية البوسنيين من قبل قوات الأمم المتحدة بمثابة انحياز إلى جوار المسلمين. في الحادي عشر من يوليو 1995م.

كانت المأساة الكبرى التي أدمت قلوب الإنسانية كما تقول "إسنام تاليتش"، عندما اجتاحت القوات الصربية بلدة سربرنيتشا، تحت قيادة الجنرال "راتكو ملاديتش" وبتحريض من الزعيم السياسي السابق لصرب البوسنة "رادوفان كراديتش"، مُحدثين واحدة من أفظع المجازر الجماعية التي شهدتها القارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية، فبعد دخول القوات الصربية إلى البلدة، قاموا بعزل الذكور بين 14 و 50 عاماً عن النساء والشيوخ والأطفال، ثم تمت تصفيتهم ودفنهم في مقابر جماعية.

وبعد أن بدأ أمرهم في الافتضاح أمام المجتمع الدولي بدأوا كما تقول "إسنام تاليتش" في نبش هذه المقابر ونقل الرفات وتوزيعها على مقابر أصغر وفي أماكن متباعدة لإخفاء حجم المجزرة التي ارتكبوها، كما تم إبعاد أكثر من 20 الف مسلم بوسني من سربرنيتشا خلال يوم واحد فقط، وتمت عمليات اغتصاب ممنهجة وبشكل بشع ضد النساء والفتيات المسلمات، كل هذا حدث على مرأى ومسمع من الكتيبة الهولندية التابعة لقوات حفظ السلام الأممية، دون أن تقوم بأي شيء لإنقاذ أهل سربرنيتشا.

وعلى مدار 11 يومًا فقط تم قتل أكثر من 8 آلاف شخص (طبقا لحصيلة الأمم المتحدة)، والمؤسف أكثر أن عناصر الكتيبة الهولندية كما تري "إسنام تاليتش"  كانوا يعيدون من يلجأ إليهم للإحتماء بهم إلى القوات الصربية مرة أخرى ليلقى حتفه. حتى محاولة الهروب من جحيم الموت الصربي، إلى مدينة توزلا في شمال شرق البوسنة، لم تكن ممكنة، حيث تعرض 12 الف بوسني لإطلاق النيران من قِبَل قناصين صربيين، وكأنهم صيد يتم مطاردته، حيث نصب الصرب كمائن على الطرق الجبلية التي إتخذها البوسنيون للهرب، ولم يتمكن إلا 3 آلاف فقط منهم الوصول إلى مدينة توزلا، بينما قُتِلَ الباقون في غضون 10 أيام في الطريق الطويل من سربرنيتشا إلى توزلا.

كانت هذه المجزرة كما تري "إسنام تاليتش" أول وثيقة قانونية تثبت عمليات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي في أوروبا، وتشكل مجزرة سربرنيتشا جزءًا من الحرب في البوسنة والهرسك التي استمرت لمدة  ثلاث سنوات ونصف، قُتِلَ فيها حوالي 312 الف شخص، فيما اضطر 2 مليون شخص على مغادرة منازلهم، بينما إعتبر أكثر من 27 ألف شخص في عداد المفقودين حسب السجلات الرسمية.

أما عمليات البحث عن المقابر الجماعية، فقد أسفرت بعد 17 عاما عن الوصول إلى حوالي 20 الف جثة، تم تحديد هوية 18 الف منهم، على الرغم من صعوبة تحديد الهويات، لأن معظمهم تم حرقه قبل إلقاءه في المقابر الجماعية. وفي عام 2008، تم إيقاف "رادوفان كراديتش"، الذي عرف بـ "جزار البوسنة"، وهو أعلى مسؤول يمثل للمحاكمة بشأن مجازر البوسنة بعد وفاة الرئيس الصربي الأسبق "سلوبودان ميلوسوفيتش" أثناء محاكمته في 2006م، واعتبرت الهيئات القضائية الدولية أن المجزرة ترقى لمستوى الإبادة وذلك وفقا للقوانين الدولية، وفي عام 2016 حكمت محكمة الجزاء الدولية عليه بالسجن 40 عاما بتهمة الإبادة الجماعية. كما تم الحكم بالسجن المؤبد على قادة آخرين، بينهم الجنرال "راتكو ملاديتش"، وهو القائد السابق لجيش صرب البوسنة، والملقب بـ"سفاح البلقان".

وفي عام 2019م؛ أيدت المحكمة العليا في هولندا كما تقول "إسنام تاليتش"، حكما سابقًا قضى بتحميل الدولة الهولندية جزءاً من المسؤولية عن مقتل مسلمي سربرنيتشا على أيدي قوات الصرب في عام 1995م، فالمحكمة رأت أن قوات حفظ السلام الهولندية كان يمكنها السماح للرجال المسلمين بالبقاء في قاعدة "الملاذ الآمن"، وأنها من خلال تسليمهم، قامت بتعريضهم لسوء المعاملة و الموت على أيدي القوات الصربية.

رغم مرور 26 عامًا على المأساة، إلا أن الألم لا يزال يعتصر قلوب مسلمي البوسنة، مع كل اكتشاف جديد لمقابر جماعية لمذابح الإبادة الصربية التي ارتُكبت بحقهم، فعدد الشهداء كما تري "إسنام تاليتش" حتى ألان مازال في تزايد، قُتِلُوا بدمٍ بارد دون ذنب سوى أنهم مسلمون، وفي نهاية العام قبل الماضي 2017م، تم دفن 71 رفات جثة من ضحايا المجزرة، بعد أن عثر عليها في مقابر جماعية وتم تحديد الهويات، حيث تم دفنها في مقبرة بوتوكاري التذكارية.

لقد أصبح إحياء ذكرى مذبحة سربرنيتشا تقليدًا سنويًا، يحرص مسلمو البوسنة عليه، ويحضره آلاف الأشخاص كما تري "إسنام تاليتش" لاسيما أهالي الضحايا، ويتم في كل عام دفن عظام ضحايا جدد تم تحديد هوياتهم، أو اكتشاف رفاتهم، مما يدل على أن الجرح سيظل ينزف طـويـلًا، حتى مع إقدام الرئيس الصربي الحالي "توميشلاف نيكوليتش" على تقديم اعتذاره الشخصي عن المجزرة: "أركع وأطلب الصفح لصربيا على الجريمة التي ارتكبت"، فالأرواح البريئة التي أُزهِقَت عن عمد لن يعيدها ركوعك إلى الحياة ولو ركعت لألف عام!

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.................

إسنام تاليتش: قصة سربرنيتشا .. رواية عن الحرب في البوسنة، ترجمة صهباء محمد بندق، عن الترجمة الإنجليزية للأستاذ محمد باشا نبيجوفيتش، دار السام للطبعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولي، 1429هـ-2008م.

 

 

كريم المظفرأدراك السلطات البيلاروسية استحالة إقامة حوار بناء مع بروكسل في ظل الظروف الحالية، جعل أزمة العلاقات بين بيلاروسيا والاتحاد الأوروبي تأخذ تدريجياً منحا جديد، بقرار الحكومة البيلاروسية تغيير تكتيكاتها، واعتماد عدد من الأدوات التي ينبغي أن تجبر المسؤولين الأوروبيين على تغيير موقفهم من النظام السياسي القائم في مينسك، وأصبحت الهجرة غير الشرعية إحدى آليات إجبار الاتحاد الأوروبي على التسوية.

من المعروف أنه بعد الأزمة السياسية التي اجتاحت بيلاروسيا بشأن الانتخابات الرئاسية في أغسطس 2020، رفض الاتحاد الأوروبي الاعتراف بشرعية ألكسندر لوكاشينكو وانحاز إلى خصومه، وخلال مدة عام تقريبًا، فرضت بروكسل بشكل منهجي عقوبات على مينسك، والتي لم تكن تهم السلطات البيلاروسية لفترة طويلة، لأنها لم تؤثر على مجال التعاون الاقتصادي، ومع ذلك، فإن القيود القطاعية التي أُعلن عنها في 25 يونيو الماضي، بما في ذلك العقوبات المفروضة على تكرير النفط وإنتاج البوتاس، غيرت الوضع.

وعرف سلاح تسريح المهاجرين في ربوع الحدود الاوربية واستغلاله كورقة ضغط كبيرة على الاتحاد الأوربي خلال ازمته مع تركيا، والتي نتجت عن قبول الدول الاوربية مئات الالاف من المهاجرين الذين كانوا يتواجدون على الاراضي التركية، وعلى ما يبدو فانه تقرر في العاصمة البيلاروسية أنه إذا لم يتم اتخاذ إجراءات انتقامية، فسيكون من المستحيل وقف المزيد من الضغط على الجمهورية من قبل الغرب، ونتيجة لذلك، أعلنت مينسك بالفعل عن تطوير عقوبات مضادة، كتجميد مشاركتها في المبادرة الأوروبية "الشراكة الشرقية"، وكذلك تعليق التعاون مع الاتحاد الأوروبي بشأن قضية إعادة القبول، بالإضافة إلى ذلك، بدأت بيلاروسيا في تقليص وجودها الدبلوماسي في بعض الدول الأوروبية، ومطالبتهم بفعل الشيء نفسه .

وفي العاصمة البيلاروسية، لم يعودوا يخفون حقيقة أنهم اختاروا الهجرة غير الشرعية كسلاح للرد على السياسة غير الودية لدول الاتحاد الأوروبي، وقبل كل شيء ليتوانيا، وبالعودة إلى أواخر مايو، قال لوكاشينكا، متحدثًا إلى الاتحاد الأوروبي، "لقد أوقفنا المخدرات والمهاجرين - الآن سوف تأكلهم وتقبض عليهم بنفسك"، وفي 6 يوليو، أكد رئيس بيلاروسيا أنه لن يحول بيلاروسيا إلى "مستوطن للاجئين من أفغانستان وإيران والعراق وليبيا وسوريا وتونس" وإبقائهم في البلاد، وهم يذهبون "إلى مستنير، أوروبا الدافئة والمريحة "، وقال إن مينسك ستواصل التعامل مع التحديات الرئيسية على الحدود، ولكن فقط "بالقدر الضروري، يكون ذلك مفيدًا لبلدنا وممكنًا ماليًا"، وفي الوقت نفسه، ألقى باللوم كله على ما يحدث على عاتق الاتحاد الأوروبي، حيث أن الغرب هو الذي دمر اقتصادات الدول التي يأتي منها تدفق اللاجئين.

في الوقت نفسه، تبدو الحرب الدبلوماسية الجارية بين الاتحاد الأوروبي وبيلاروسيا وكأنها جانب غير مهم من الأزمة الحالية، ومن الناحية العملية لا يمكن أن تؤدي إلى أي عواقب وخيمة، ولم تتوقع مينسك أن مثل هذه الخطوات ستجبر الاتحاد الأوروبي على إعادة النظر في موقفه، وبالتالي قررت استخدام أدوات أكثر جدية، على وجه الخصوص، وعد الرئيس ألكسندر لوكاشينكو بالفعل بمنع مرور بعض البضائع الأوروبية عبر أراضي الجمهورية، وبذلك منع الرئيس البيلاروسي الصناعات الاوربية أولاً: من الدخول إلى السوق البيلاروسية، والثانية: عدم مرور هذه البضائع الاوربية عبر بيلاروسيا أيضًا، ودعاهم توريد منتجاتهم إلى الصين وروسيا عبر فنلندا، أو عبر أوكرانيا، هناك طرق جيدة، "دعهم يذهبون ويسلمون هناك ".

و في الواقع، فان بيلاروسيا هي واحدة من البؤر الاستيطانية على حدود الاتحاد الأوروبي، مما يقيد تدفق المخدرات والتهريب والمهاجرين الذين يسافرون إلى أراضي الاتحاد الأوروبي، ووافقت بروكسل على هذا لسنوات عديدة، ليس من قبيل المصادفة أنه خلال فترة الدفء في العلاقات البيلاروسية الأوروبية، خصص الاتحاد الأوروبي ملايين اليورو لتحسين حماية حدود بيلاروسيا مع دول البلطيق وبولندا، في المقابل، حاولت مينسك الحفاظ على وضعها كدولة تضمن النظام على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، ومع ذلك، غيرت أزمة عام 2020 موقف بيلاروسيا من هذه المشكلة.

وعلى خلفية رفض العمل في إطار اتفاقية إعادة القبول مع الاتحاد الأوروبي، تشير مثل هذه التصريحات من قبل السلطات البيلاروسية مباشرة إلى أن مشكلة الهجرة ستستخدم من قبلهم كأداة للضغط على الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى ذلك، من المعروف اليوم أن بيلاروسيا زادت الحركة الجوية بشكل كبير مع دول الشرق الأوسط وأفريقيا، وعلى سبيل المثال، إذا كانت هناك رحلة واحدة فقط في الأسبوع من بغداد إلى مينسك في عام 2020، فمنذ مايو من هذا العام، هناك 4 رحلات، وتصل الطائرات القادمة من اسطنبول إلى العاصمة البيلاروسية كل يوم، وليس من قبيل المصادفة أن يقول فيلنيوس إن غالبية المعتقلين على الحدود مع بيلاروسيا هم لاجئون من العراق، يقولون إنهم وصلوا إلى مينسك بتأشيرات سياحية وقرروا دخول الاتحاد الأوروبي بشكل غير قانون، وقال نائب وزير الشؤون الداخلية في ليتوانيا أرنولداس أبرامافيتشيوس، أنه بعد التحدث مع المهاجرين غير الشرعيين، اتضح أنهم كانوا في بيلاروسيا، ثم أُمروا في الساعة X بمغادرة أراضي بيلاروسيا، وأظهروا الطريق إلى ليتوانيا.

ويبدو ان مينسك أوقفت إجراءاتها لكبح تدفق المهاجرين غير الشرعيين إلى الاتحاد الأوروبي، ومنذ بداية الصيف، بدأ حرس الحدود البولنديون والليتوانيون بالإشارة يوميًا إلى أن عدد اللاجئين المحتجزين على حدودهم مع بيلاروسيا قد بدأ في الازدياد، وخلال الشهر الماضي، زاد تدفق المهاجرين بشكل كبير لدرجة أن ليتوانيا بدأت في التقاط 100-150 شخصًا يوميًا، على الرغم من أن عدد المهاجرين الذين تم القبض عليهم على الحدود بلغ 81 شخصًا طوال عام 2020 بأكمله، وانه حتى الآن، تم احتجاز أكثر من 1500 مهاجر غير شرعي رسميًا في ليتوانيا، وحتى تم بناء مخيم لهم، وعلى هذه الخلفية، اتهمت فيلنيوس مينسك ليس فقط بالتواطؤ على الحدود، ولكن أيضًا بحرب مختلطة يزعم أن لوكاشينكا يشنها ضد جمهورية ليتوانيا، وتبين أن السلطات الليتوانية غير مستعدة على الإطلاق لمثل هذا التطور في الأحداث وطلبت المساعدة من الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى ذلك، بدأ اليوم بالفعل بناء سياج على الحدود مع بيلاروسيا، وتم الاعتراف بالمشكلة أيضًا في بروكسل، حيث وعدوا بتمويل ليتوانيا واتهموا أيضًا مسؤول مينسك بمساعدة الهجرة غير الشرعية إلى أراضي الاتحاد الأوروبي.

ويلقى وزير خارجية بيلاروسيا فلاديمير ماكي باللوم على بروكسل فيما يحدث على الحدود، ووفقا له، فإن مينسك مجبرة على إعادة توجيه جزء من الأموال من تدابير لتجهيز وصيانة البنية التحتية الحدودية للتخفيف من العواقب المحتملة للعقوبات التي يفرضها الغرب، وأشار أيضا إلى أن سلطات الجمهورية لن تأخذ أموالا من الناس وتلقي بها في مشاريع غير ضرورية، في محاولة لحماية الغرب "بينما يتم اتخاذ العقوبات المناسبة ضدنا".

وتجبر السياسة الحالية لمينسك الرسمية العديد من المحللين على مقارنة الوضع الحالي بإجراءات السلطات التركية خلال السنوات القليلة الماضية، ففي خضم أزمة الهجرة في 2015-2016، قام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، دون أن يختبئ، بابتزاز الاتحاد الأوروبي بمشكلة اللاجئين، الذين تحركوا بحرية عبر الأراضي التركية باتجاه الاتحاد الأوروبي، ثم تمكنت أنقرة من الحصول من بروكسل على عدد من التنازلات والتمويل والوعود بشأن قضية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ومع ذلك، في عام 2020، أعربت تركيا عن استيائها من تصرفات الأوروبيين وأعادت فتح حدودها تجاه الاتحاد الأوروبي للاجئين من سوريا ودول أخرى في الشرق الأوسط، وصحيح، للمرة الثانية، فشلت السلطات التركية في استخدام مشكلة المهاجرين على أكمل وجه، لأنه على خلفية القيود المرتبطة بوباء عدوى فيروس كورونا، أغلقت دول الاتحاد الأوروبي نفسها عن العالم الخارجي، مما جعل من الممكن تقليل عواقب تصرفات تركيا، يمكن توقع نتيجة مماثلة للأحداث في حالة بيلاروسيا.

ليتوانيا باتت محرجة جدا في مواجهة هذا التدفق من اللاجئين، واعتبرت أن التدفقات المنظمة للعبور غير القانوني للحدود للأجانب من بلدان ثالثة تُستخدم لزعزعة استقرار الوضع فيها، وتم الإعراب عن مخاوف من أن هذا العدوان الهجين يمكن أن يتطور ويستخدم ويصبح أساسًا لتهديدات جديدة في السياق من التدريبات العسكرية واسعة النطاق "الغربية، ما جعلها التحرك في جميع الطرق وكيف يصل المهاجرون بمساعدة بيلاروسيا من البلدان التي بدأوا منها رحلتهم، وكيفية وصولهم إلى ليتوانيا، ما دعا وزير الخارجية الليتوانية، غابريليوس لاندسبيرغيس، الى زيارة العراق لهذا الغرض، وكذلك دعوة تركيا إلى تقليص عدد الرحلات الجوية من اسطنبول إلى مينسك، حيث يستخدمها مهاجرون غير شرعيين وشدد على أنه إذا قطعت تركيا الرحلات الجوية إلى بيلاروسيا، فسيكون من الممكن البحث عن آليات تعويض لتغطية خسائر شركات الطيران

إن إجراءات مينسك (الإعلان في عام 2017 عن إمكانية دخول السياح بدون تأشيرة إلى البلاد السماح لمواطني 74 دولة بالقدوم إلى الجمهورية دون تأشيرة للتطعيم ضد فيروس كورونا) لفتح حدودها مع الغرب للمهاجرين غير الشرعيين تتعلق في الغالب فقط بليتوانيا وبولندا، وبالنسبة لبروكسل، يبدو دخول 100-200 لاجئ يوميًا إلى الاتحاد الأوروبي من بيلاروسيا غير مهم على خلفية التدفق القادم من الجنوب، وفي الوقت نفسه، يدرك المسؤولون الأوروبيون أنه ليس من الصعب إجبار ليتوانيا على إبقاء المهاجرين على أراضيها، وقد يصاب الاتحاد الأوروبي أخيرًا بخيبة أمل من قدرة مينسك على التفاوض واتهام السلطات البيلاروسية بمحاولة ابتزاز الإسلاميين ومساعدتهم، وسيؤدي هذا إلى تفاقم موقف القيادة البيلاروسية، وقد تفقد الجمهورية أخيرًا مكانة "جزيرة الاستقرار في أوروبا".

 

بقلم الدكتور كريم المظفر

 

موسى فرج15 تموز وهو اليوم التالي للذكرى السنوية لثورة 14 تموز فاجأ السيد مقتدى الصدر الشعب العراقي بانسحابه من الانتخابات المقبلة وتبرؤه ممن يحسبون عليه في هذه الحكومة والحكومة المقبلة فكان وقع المفاجأة على الأوساط الشعبية قريب الشبه بثورة 14 تموز لكنها ثورة على الذات الأمر الذي جعل من نسبة كبيرة من تلك الأوساط غير مصدقة لما سمعت وهو أمر يعود لسببين:

الأول: تكرر قرارات الكر والفر للسيد مقتدى الصدر وكثرة القرارات والتراجع عنها التي بات الشارع العراقي يعرفها ويتعايش معها بنمطية وقلة اهتمام...

الثاني: ان السيد مقتدى في الأسابيع والأشهر الأخيرة أعاد الى الاستخدام مفردة "القحْ" وهي مفردة تتطابق مع مفردة "القًرصْ" عند الشيوعيين وكلاهما تعني: الصميمي والمبدئي والعنيد فذهب ظن البعض من أن السيد يريد اختبار من هم القحْ من أتباعه فيطيعونه في هذا كطاعتهم له في الأمور الأخرى وكشف من هم بياعين الكلام الذين يفتدونه عندما تتطابق قرارته مع طموحاتهم حتى ذهب الغلو عند بعضهم لأن يطلق عليه لقب "الله الزغير" وإن حبهم له "فطري" وطاعتهم له "من الله" لكنهم ينفضون عنه عندما تمس قراراته دنيويتهم...

ما هي أوجه النفع التي يجنيها أتباع السيد مقتدى الصدر من الالتفاف عليه؟

أولا: جانب عقائدي أخروي وجانب دنيوي، أما عن الجانب العقائدي الأخروي فأمر معروف ومفهوم لا ينكره أحد ولا يعترض عليه أحد ولكن الاعتراض كل الاعتراض على الجانب الدنيوي النفعي.

ثانياً: الجانب الدنيوي النفعي وهذا يكون في 3 مستويات:

الأول: السلطة والثروة وهو ما يختص به الفاسدون من شاغلي المناصب الحكومية والبرلمانية من المحسوبين على التيار الصدري وأمرهم واضح ومشخص ليس من قبل الشعب العراقي فحسب بل من قبل السيد مقتدى الصدر نفسه...

الثاني: الفساد وجني السحت من المال العام بفرض الكومشنات والاتاوات والاستيلاء على العقود والمناقصات بشكل مباشر أو غير مباشر وهذا يمارس من قبل فاسدين محسوبين على التيار الصدري وهو أمر معروف ايضاً من قبل الشعب العراقي ومن السيد مقتدى الصدر نفسه...

الثالث: نسبة كبيرة من اتباع السيد مقتدى الصدر لا هم شاغلين لمناصب ووظائف حكومية ولا هم من اصحاب العقود والمناقصات لكن هؤلاء يجنون منفعة معنوية من فرض سطوتهم على المجتمع الناجمة عن الكثرة والبأس... تماما مثل ذلك الشعور الذي يشعر به المنتمي للمكون الشيعي في العراق باعتباره من المكون الأكثر عديداً وبأساً من المكونات الأخرى فرغم الفاقة والحرمان والبطالة والبؤس والحرق أحياء وكل العذاب الذي يواجهه في حياته المعيشية فهو يقنع نفسه بتلك السطوة الخادعة والبائسة على ابناء جلدته من أبناء المكونات الأقل عدداً في ظل غياب الحكم القائم على المواطنة وتسيد نظام حكم المحاصصة والمكوناتية...

ما هي انعكاسات قرار السيد مقتدى الصدر الانسحاب من الانتخابات...؟

1- يفترض أن يتبع ذلك انسحاب كل أتباعه من الترشيح للانتخابات القادمة ومن يخالف ذلك يسقط عنه وصف وتكليف "القحْ" التي أطلقها السيد مقتدى الصدر وفي هذه الحالة فإن التعبير عن الطاعة والولاء من قبل اتباع التيار الصدري يتجلى ويكون بحذف المرشح منهم بالأحذية والجزم لسعيه للدنيوي الذي رفضه قائده اليوم بكل إباء وشمم...

2- السيد عمار الحكيم يحاول جاهداً بلوغ مكانة السيد مقتدى الصدر ويحاول تقليد أفعاله حتى بطلب الشهادة "كما حصل في الأسابيع القليلة الماضية" وهو أيضاً يتكئ على أرث عائلي عريق كما السيد مقتدى وفي هذه الحالة يتوجب عليه الاقتداء به والانسحاب من الانتخابات أيضاً بشخوص اتباعه ايضاً وإلا عد في مكانة أدنى وبوضع لا يحسد عليه وتتم مخاطبته من اليوم صعوداً من قبل العامه بطريقة "العين ما تعلا على الحاجب"...

3- السيد نوري المالكي الذي استعرض مرشحيه للانتخابات قبل أيام في مؤتمر رسمي وحفل اعلامي ضخم ليخوض بهم البحر ويحقق ما لم يحققه الأولون ضارباً عرض الحائط المبدأ الذي صممت عليه الانتخابات القادمة والمتمثل بالترشيح الفردي وما يتبع ذلك من ترويج فردي ودعاية فردية... قائمة المالكي اشبه ببريطانيا العجوز التي غربت عنها الشمس...وحظه وقائمته في الانتخابات لا يشكل خطورة تذكر ...

4- السيد هادي العامري والخزعلي ستكون حصتهما تشكيلات الحشد والفضل كل الفضل في ذلك يعود للعبادي الذي تصاغر أمامهم ولم يدمج أبناء الحشد بتشكيلات القوات المسلحة من جيش وشرطة تنفيذاً لتوجيهات المرجعية الدينية العليا للسيد السيستاني...

5- هذا في محافظات الوسط والجنوب أما في الغربية فنجم زعيم الفساد ابو مازن يزداد سطوعاً يوم بعد آخر وقد بنى مستقبله السياسي بجداره "قبل ايام شاهدت له فيديو وكان يزور أحد أبناء عشائر الحويجة يعاني من اصابة في عموده الفقري وعندما قالوا له: علاجه يكلف 4 دفاتر "يعني 40ألف دولار" قلب شفته لمرافقه وقال له: أنطوهم 5 دفاتر ...في حين ان زملاءه من ساسة الشيعة عندما يعودون مصاباً بالشافعات يدسون بجيبه ورقه ام الـ 25 ألف دينار...!

كلهم فاسدون ولكن فاسد الغربية يخرج والفاسد الشيعي قبيص وعكّه...

أما الحلبوسي فيبدو أن الحظ قد ضحك له أخيراً وفاز بما هو دنيوي وأخروي لكن صيحات شباب الأعظمية المنددة به قبل أيام قد يكتسح كل الأخروي الذي بناه ...

6 - لا تنحصر انعكاسات قرار السيد مقتدى الصدر من الانتخابات على ما ورد آنفاً ولكنه إن صدق في وعده وكان قراره نهائي وقطعي و"قحْ" سيعري كل اللاهثين على انتخابات مبكرة لا تحمل أملاً بالتغيير ولا تغني ولا تسمن وسترغمهم على تأجليها الى أجل غير مسمى لحين تهيئة الأرضية لانتخابات حقيقية تراعى فيها الشروط الدستورية وفي المقدمة منها منع الأطراف التي تملك أذرع مسلحة من المشاركة فيها والتقيد بالشروط القانونية وفي مقدمتها تطبيق قانون الأحزاب وشفافية المال السياسي والتقيد بالشروط القانونية للمرشح بأن لا يكون محكوماً ولو شمله قانون العفو وألا يكون متهتكاً سارقاً فاسداً يتبجح بفساده...

 

موسى فرج

 

في 14 تموز يوليو 1958، تم الإطاحة بالنظام الملكي العراقي، المرتبط ارتباطًا وثيقاً ببريطانيا العظمى والولايات المتحدة الأمريكية. تم تنظيم ذلك من قبل حركة "الضباط الأحرار" وعلى رأسهم الضابط العسكري الوطني عبد الكريم قاسم. لقد كانت ثورة تموز بكل المعايير ثورة وطنية وغير عادية، فمنذ الساعات القليلة الأولى على نجاحها خرج مئات الآلاف من العراقيين والقوى والأحزاب الوطنية للاحتفال بتأسيس الجمهورية ونهاية النظام الملكي.

حين يعرف المرء الظروف الاجتماعية، التي كانت الجماهير تعيشها آنذاك، ويدرك قسوة الهيمنة السياسية والاقتصادية للدول الإمبريالية، سيفهم عندئذ مدى الاستياء العام من النظام الملكي، الذي كان يسود المجتمع العراقي، والأسباب التي أدت إلى الثورة وحدوث بعض التجاوزات، التي لم تكن متوقعة، قام بها بعض العسكريين وما رافقها من ردود فعل عفوية للجماهير بحق بعض رموز العهد الملكي السابق.  

وعلى الرغم من تعرضها لضغوط اقليمية ودولية عديدة متنوعة الأساليب ومؤامرات، حاكتها بعض القوى الداخلية بهدف اجهاضها، ألا أن ثورة 14 تموز حققت خلال فترة قياسية لم تتجاوز 4 سنوات العديد من المنجزات الوطنية الهامة التي ستبقى خالدة في ذاكرة الشعب العراقي. فقد تم إجراء إصلاحات محلية بعيدة المدى شملت القانون رقم (80) لسنة 1961 "قانون تعيين مناطق الإستثمار لشركات النفط" واصدار مراسيم لغرض تشكيل الأحزاب السياسية والمنظمات المهنية وإطلاق حرية الصحافة. بينما جسدت المادة 3 من الدستور المؤقت: "العرب والأكراد شركاء في العراق"، خطوة تاريخية ولأول مرة اعترافا صريحاً بحقوق الأكراد ضمن الدولة العراقية. ووضعت كذلك أسس الدولة المدنية وحاولت إرساء العدالة الإجتماعية والمساواة وقامت بتحقيق الإصلاح الزراعي والاعتراف بحقوق العمال والفلاحين وقامت بتوزيع الأراضي ودور السكن على الفقراء وأصحاب الدخل المحدود وسعت من أجل المساواة القانونية للمرأة بسن " قانون الأحوال المدنية" وبذلت الجهود الكبيرة في قطاع التعليم والصحة والبناء والاعمار. وقد أولى قائدها الزعيم عبد الكريم قاسم اهتماما مميزا بالعلم العراقي والدستور والنشيد الوطني وشعار الجمهورية الأولى، المأخوذ من الشعار الأكدي المكون من الشمس الذهبية ذات الثمانية اشعاعات والنجم المثمن الأحمر الغامق، وفي داخل الدائرة توجد تشكيلة رائعة ترمز إلى مكونات الشعب العراقي من عرب وكرد وأقليات اخرى، أما المكونات الأخرى فقد رمزت للزراعة والصناعة ودجلة والفرات.

أورد احصاء عام 1956 بان نصف مساكن بغداد صرائف وأكواخ، فاتخذت الحكومة الجديدة سنة 1959 قراراً بإسكان أصحاب الصرائف، وأنشأت 911 داراً في مدينة الثورة شرق بغداد، ووضعت تصميما جديدا لمدينة بغداد تضمن شق 3 قنوات، اثنتان في الرصافة، وواحدة في الكرخ للحد من مخاطر الفيضانات، وفي أشهر معدودة أنجزت "قناة الجيش" لتكون ممرا مائيا صناعيا، وبمسار لا يؤثر على خطة استملاك أراض واسعة للمواطنين اصحاب الدخل المحدود والفقراء. فهي ليست قناة فحسب، بل مشروع إسكان كبير، فقد أنشئت على أحد جوانبها مدينة الثورة، شرق بغداد، التي ضمت آلاف العوائل التي كانت تسكن في مساكن عشوائية بين مياه آسنة، واتسع العمران وتمّ بناء أحياء سكنية جديدة على جانبي القناة  

وعلى جبهة السياسة الخارجية، تم خروج العراق من النظام النقدي الاسترليني البريطاني وإنسحابه عام 1959 من حلف بغداد العدواني الذي ضم المملكة المتحدة وتركيا وإيران وباكستان، وإقامة علاقات اقتصادية وسياسية متكافئة مع الدول وتصديرالموارد النفطية دون تدخلات خارجية.  

لماذا ندافع اذن عن ثورة تموز ومنجزتها؟ 

لقد كانت ثورة 14 تموز ـ يوليو 1958 ثورة تحرر وطني بإمتياز، حققت الكثير، مما كان الشعب العراقي يطمح اليه فقد حررت العراق من ربقة الاستعمار وتوابعه من الرجعيين والاقطاع، وواجهت الثورة ومنذ أندلاعها العديد من الضغوط والمؤامرات، حتى تم الاجهاز عليها في انقلاب 8 شباط الاسود 1963 الذي قاده حزب البعث وقوى اليمين والرجعية بمباركة القوى الاستعمارية الطامعة بخيرات بلادنا، ثم تمكن عبد السلام عارف من القيام بانقلاب عسكري في 18 نوفمبر 1963، عرض العراق أبان حكمه الى العديد من الازمات وأعاد طبقة الاقطاع والرجعيين الى الواجهة. وفي 17 تموز- يوليو 1968، استعاد حزب البعث السلطة وأصبح أحمد حسن البكر رئيسا للجمهورية ورئيسا لمجلس قيادة الثورة وبقي كذلك حتى استقالته مجبرا في 16 يوليو 1979، وحل محله الدكتاتور صدام حسين.

اتسم العراق بعد الاجهاز على الثورة الفتية في انقلاب 8 شباط 1963 بالصراعات السياسية والحروب العبثية والعنف والاضطهاد السياسي نتيجة سياسات الحكومات الدكتاتورية المتعاقبة، وحلت به حتى يومنا هذا كوارث ومصائب كبيرة. ففي ربيع عام 1969 اندلع القتال مرة أخرى بين القوات الحكومية والأكراد واستمر القتال حتى أبريل 1975. وفي ايلول ـ سبتمبر عام 1980، اندلعت الحرب العراقية ـ الإيرانية، التي خلّفت كوارثَ لم يشهدها العراق من قبل . وبقي الأمر كذلك حتى توقيع اتفاقية وقف اطلاق النار عام 1988.

ثم جاء قرار صدام حسين باحتلال الكويت، الذي كان وبالا على العراق، والمنطقة ككل. إذ قامت الولايات المتحدة الأمريكية والقوى المتحالفة معها بتدمير البنية التحتية للعراق وفرضت حصارا إستمر 12 سنة، أدى الى تخريب البنية الاجتماعية والإقتصادية وهجرة الآلاف من الكفاءات العلمية والمثقفة وإرجاع العراق عشرات السنين الى الوراء.

 وفي عام 2003 خططت الولايات المتحدة لغزو العراق تحت ذريعة إمتلاكه أسلحة الدمار الشامل لغرض السيطرة على منابع النفط وتغيير خريطة الشرق الأوسط لصالحها. وبعد الاحتلال تم تفكيك مؤسسات الدولة العراقية من جيش وشرطة وحرس حدود الخ. ثم وضع الحاكم الأمريكي بريمر أسس نظام المحاصصة الطائفي، الذي لازال قائماً حتى الآن، وألغى بهذا مبدأ المواطنة ليحل محله مبدأ الإنتماء الطائفي والأثني، وعمل على تدمير الإنتاج المحلي الزراعي والصناعي والحرفي وفتح أبواب الاستيراد غير المحدود وإلغاء الضرائب الجمركية والقضاء على منجزات الثورة وتعليق العمل بالعديد من القوانين الهامة التي تراعي حقوق المجتمع وكرامته، فيما أقدم من تقلد الحكم من العراقيين على إلغاء ما تبقى منها وتعويضها بقوانين جديدة تضمن مصالح "الطبقات الطائفية"، الشيعية والسنية والكردية، الحاكمة وتتعارض مع المصالح الوطنية والعامة للمواطنين.

ثورة 14 تموز ستبقى امامنا عبرة بكل دروسها الثمينة، وأهمها انها اعتمدت على الشعب العراقي بسائر قومياته، ومنه استمدت قوتها وثمرة نجاحها.. ان يوما مثل هذا اليوم لن ينسى، ويبقى حيا دائما في مسيرة شعبنا !

 

عصام الياسري

 

مصطفى محمد غريبكانت وما زالت موضوعة الموارد المائية في مقدمة اهتمام الشعوب والدول التي تدرك مدى أهميتها بالنسبة للحياة، واهميتها بالنسبة للأمن المائي المطلوب، وظهرت خلال السنين السابقة مخاطر حرب المياه كحقيقة ملموسة وبدأت تُفعل في الوقت الراهن في السياسة والعلاقات بين دول العالم والمنطقة وبخاصة الدول التي تشترك في مجال منابع ومصادر المياه للأنهر والجداول والينابيع والتجمعات المائية، هذه القضية ابتلت بها بعض الدول واستغلت من اجل الاستئثار والهيمنة والتسلط وفرض واقع جديد في السياسة الخارجية وتأثيراتها على شؤون الدول الداخلية التي أصبحت ضحية حرب المياه وتشعباتها وواقعها الجديد.

لقد سبق وأشرنا في أكثر من مقال بان الاستنتاجات والتنبؤات التي طرحت في أوائل القرن العشرين بدأت تتحقق في استغلال الموارد المائية لصالح طرف على حساب طرف آخر وصارت الهواجس مسلمات قيد التحقيق وبخاصة في مسألة العراق وجيرانه مع شديد الأسف (الاخوة الأعداء) تقريبا، ان هؤلاء الجيران على الرغم من العلاقات التاريخية والدبلوماسية والتعاون التجاري الكبير والواسع يعدون العدة بهدف خنق العراق مائياً لإخضاعه واستغلال موارده وموقعه الاستراتيجي وذلك..

1 ـ التدخل في شؤونه الداخلية والقرارات السياسية وإيجاد مواقع داخلية ممكن استغلالها لتصدير البضائع المنفلت كيفما اتفق واستغلال اراضيه وجعلها مسرحاً للصرعات المسلحة.

2 ـ الحصول على أكبر قدر من الأرباح من خلال صادرتهم التي تقدر بمليارات الدولارات واستغلال المياه للضغط وتمرير ما يمكن تمريره.

3 ـ العلاقات النفطية واستغلالها من خلال المساومات والتصدير وفوائده

4 ـ عدم احترام العلاقات التاريخية بين شعب العراق وشعوبهم المبنية على التفاهم والصداقة والتاريخ المشترك والعلاقات الاجتماعية

5 ـ لم يستجب لا حكومة طهران ولا حكام تركيا للمطالبات العراقية الرسمية وما قدمته الوفود العراقية حول الحقوق المائية والمنصوص عليها في المواثيق الدولية.

6 ـ التحجج بحجج واهية وقضايا بعيدة كل البعد عن مصالح العراق وبقي الشعب العراقي يدفع الثمن بينما يرى الجميع بوادر جفاف دجلة والفرات والانهار الباقية وخاصة في موسم الصيف

7ـ الهيمنة المفرطة على نهري دجلة والفرات من قبل تركيا بواسطة السدود الكبيرة، وما تقوم إيران من قطع مياه الزاب ونهر سيروان والكارون والكرخة. وأكثر من 45 نهر وجدول ومنابع للمياه.

8 ـ تتحمل الحكومات السابقة في تاريخ العراق المسؤولية ايضاً لأنها لم تضع برامج وخطط علمية لقراءة مستقبل المياه، ولم تتخذ إجراءات ملموسة في بناء السدود والتجمعات المائية، ولم تستفد من المياه التي كانت تهدر وتذهب للبحر بواسطة شط العرب

بسبب تردي الوضع المائي واستمرار تعنت الدولتين بمواقفهما المضرة هدد مهدي رشيد وزير الموارد المائية " الاحد 11 / 7 / 2021، باللجوء الى المجتمع الدولي في حال عدم التزام إيران بإطلاق حصة العراق المائية حسب المواثيق الدولية" واكد وزير الموارد المائية على انهم تحدثوا "مع أيران وتركيا للاتفاق على بروتوكول تقاسم المياه لكن لم نحصل على إجابة حتى الآن". ونقول بثقة لن تحصلوا على أي إجابة أو اتفاق او موقف إيجابي بسبب تعنت الدولتين، وحبس المياه الحاق الضررالذي من مخاطره توسع رقعة الجفاف للأراضي العراقية والاضرار التدميرية للمزارع والبساتين والحقول والمواشي وفي مقدمتهم طبعاً البشر ومصالح ملايين الفلاحين العراقيين.

بغض النظر عن أي شيء فالعراق يحتاج الى اتخاذ قرار "ردعي" يحفظ حقوق العراق المائية وأمنه المائي ومنها قضايا العلاقات الاقتصادية والنفطية واتخاذ تدابير وقائية تحفظ حقوق البلاد.

ان شن حرب المياه من قبل تركيا وإيران على العراق وشعبه منذ عقود وبطرق شيطانية منها بناء السدود على دجلة والفرات وتحويل مجاري الأنهار وغلق الجداول الذي تسبب بالتدريج الى اتلاف وتدمير أراضي واسعة من الاف الهكتارات الزراعية ليصل الامر الى كارثة نتائجها وخيمة بسبب نقص المياه وهبوط منسوب الانهر والتجاوز على حقوق البلاد المشروعة.

ان العديد من المحاولات من قبل العراق التي بذلها منذ عقود لم تفلح الى إيجاد حلول لهذه المشكلة، إلا ان قضية المياه أصبحت ورقة ضاغطة لتعميق الازمة واستغلالها من قبل تركيا وايران بهدف الحصول على تنازلات لصالحهما وظهر ذلك من خلال التحكم القسري بمياه دجلة والفرات من قبل تركيا والانهار والجداول من قبل ايران وعند العودة الى احتياجات العراق وكميات الاستهلاك فيحتاج العراق حسب المصادر الرسمية الى (53 ) مليار متر مكعب اما في المواسم التي يحتاجها في أوقات الجفاف فتقدر (44) مليار متر مكعب، وبسبب هذه الحرب التي تشن يتوقع الخبراء والعاملين في هذا المجال ان عام 2040 سيكون العراق بلا دجلة ولا الفرات ولا الأنهار الأخرى التي تنبع مياهها من ايران وبهذا سيحل الجفاف الموت البطيء للأراضي الزراعية ولملايين العراقيين ولن تجدي اية حلول للعودة الى اقل من نصف الطريق، من المسؤولية الوطنية عن حياة ملايين العراقيين المكتوين بنار المحاصصة والفساد والسرقات يجب على الحكومة العراقية ان تتحرك بشكل حازم تجاه هذه الدولتين الصديقتين المسلمتين!! " الله يجرم " ولا نعني بالموقف الحازم الذهاب للحرب التي نقدر مآسيها ونتائجها التدميرية ونحن نعرف وضع العراق "ورحم الله من عرف قدر نفسه" فالحرب تحتاج الى دعم الشعب بدون استثناء للدفاع عن كيان البلاد وثرواتها وكرامتها وفي المقدمة الدفاع عن حياة الناس، ولكن في العديد من القضايا المائية والحقوق بالموارد المائية فان خيار الحوار الجاد واللجوء للمحافل الدولية بما فيها المحاكم المختصة كونه الدواء السليم في الظروف الراهنة واننا نتجاوز قضية العنف ونعتبر الحل السلمي هو هدف ممكن في المرحلة الحالية ويحتوى هذا الهدف

أولاً: التوجه للمحافل الدولية وفي مقدمتها الأمم المتحدة ومجلس الامن وحشد كل ما يمكن حشده في سبيل حقوق العراق بموارده المائية وحماية لأمنه المائي

ثانياً: الخطوة الأخرى المهمة هو العلاقات الاقتصادية وفي مقدمتها خلق وعي مرتفع بمقاطعة البضائع من كلا الدولتين الصديقتين إذا لم تحل إشكاليات حبس المياه عن العراق !! وتحجيم الواردات وتقليلها شيئاً فشيئاً

ثالثاً: الوقوف بحزم ضد القواعد والتواجد التركي في الأراضي العراقية ومنع إيران واجندتها التحجج بالطائفية واستغلال المزارات الدينية وغيرها من التدخل في شؤون العراق الداخلية.

رابعاً: هناك طرق وأساليب عديدة للدفاع عن وجود الشعب العراقي وعلى كيان العراقي الوطني والسعي لوقف الاستيلاء موارده المائية.

ان الجفاف المقصود الذي يطل برأسه لأغراض ضيقة يعتبر عبارة عن اعلان الحرب بطريقة باطنية على الشعب العراقي والتوجه العدواني لتجيف دجلة والفرات والانهار الأخرى من خلال بناء السدود التي تحجب حصة البلاد وهذه الأنهار ومصادرها هي شريان الحياة للملايين العراقيين.

ـ ما العمل ايها المتصارعون على الكراسي واموال العراق وأنتم تصرخون لإنهاء وجود القوات الامريكية (ونحن معكم) بدون أي إشارة للدول الأخرى وتدخلاتها !! لا بل الصمت على عدوانية عطش العراقيين وتدمير أراضيهم الزراعية ثم التحكم بالأمن المائي، لقد كشف برهم صالح رئيس الجمهورية وقال في كلمة ألقاها بمناسبة اليوم العالمي للبيئة، "من أن 54% من الأراضي الزراعية في البلاد معرّضة لخطر فقدانها زراعياً بسبب التملح، والتصحر يوثر في 39% من مساحة العراق" وتابع برهم صالح مؤكداً ان " بناء السدود على نهري دجلة والفرات أدى إلى نقص متزايد في المياه بات يُهدد إنتاجنا الزراعي وتوفير مياه الشرب وزحف اللسان الملحي نحو شط العرب، وقد يواجه البلد عجزاً يصل إلى 10.8 مليار متر مكعب من المياه سنوياً بحلول عام 2035". ومع احترامنا لبرهم صالح لم يشر الى جفاف انهار مثل سيروان وكارون والزاب والكرخة وحوالي (45) جدول ونهر قامت ايران ببناء السدود وتحويل مجاري البعض منها كما دأبت في ضخ مياه المبازل الملوثة في شط العرب والأراضي العراقية المجاورة للحدود، كان المفروض به كرئيس الجمهورية توجيه الدعوة الشديدة للكف عن حبس المياه وهو اضعف الايمان!.

ان الاحصائيات التي اشارت الى الواقع المأساوي الذي حل بالعراق والشعب العراقي ومن خلال وثائق مثبتة ان حوالي أكثر من (7) ملايين تضرر بسبب الجفاف مما دفعهم للنزوح الاضطراري عن مناطقهم وقد يكون الخطر المحدق في استمرار سياسة الاستيلاء على موارد المياه التي ستلحق اشد الاضرار في المستقبل وبخاصة عندما تتضاعف اعداد السكان بحلول عام 2050 الى حوالي (100) مليون بينما اشارت المصادر ان تعداد السكان في العراق في الوقت الحالي حوالي (40) مليون

على كل مسؤول وطني شريف أن يفكر بروحية وطنية في الكوارث والمصائب التي تلف البلاد وملايين الكادحين وأصحاب الدخل الضعيف والفقراء؟ نتمنى ان لا تغلق الضمائر قبل العيون؟ وينتهي العراق الى بلد بلا ماء حاله حال بلدان الجفاف بعد ان كان لملايين السنين يطلق عليه بلاد ما بين النهرين.

 

مصطفى محمد غريب

 

 

محمد العباسيلو أني أردت أن ألخص موضوع "الإرهاب" في جملة، أو ربما في كلمة واحدة فقط لقلت التالي مع نقطة تختم المقال: الواسطة!

أجل، أنها بالضبط كذلك.. عندما تكون "حاضنة" الظالم والقاتل والمغتصب دول عظمى تدّعي الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ثم تسكت عن قول الحق وتساند الجهة الباغية في جميع المحافل، وتترك تلك الجهات الجائرة تتوغل في غيها ومجازرها وطغيانها وكافة أشكال أعمالها المنافية للأخلاق الإنسانية السوية.. بل وتعتبر أمن تلك الكيانات الإرهابية جزء من أمنها وتمدها بالسلاح والأموال وكافة أشكال الدعم اللامحدود.. ربما تجعلنا نحن العرب بشكل عام نرى في السطور السابقة صورة الكيان الصهيوني كمثال نعايشه منذ سبعة عقود، وكذلك، ومن غير مواربة أو تردد، سنشير بأصابعنا نحو تلك "الواسطة" التي تساند وتحمي وتبقي على هذا الكيان "الفيروسي" و"السرطاني" ينخر في جسد الأمة العربية والإسلامية دون محاسبة ولا حتى توبيخ!

أكبر واسطة للدول الباغية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية حتى اليوم هي الولايات المتحدة الأمريكية، وتليها المملكة المتحدة، وبحكم منطق القوة العسكرية أو الاقتصادية من جهة وتمتعها بحق النقض (الفيتو)، تأتي الدول الأخرى كالاتحاد السوفيتي والصين الشعبية وفرنسا.  ربما تفكك الاتحاد السوفيتي فيما بعد، ولكن لم تنقطع روسيا حتى اليوم عن لعب دورها المشبوه في الوقوف مع مصالحها بكل علانية دون أدنى اكتراث لمن يدفع الأثمان الغالية من الدماء والأرواح والأوطان.

جمهورية روسيا الاتحادية هي اليوم الواسطة الأولى للتغطية على الإرهاب الفارسي والمجازر المُرتكبة في "سوريا" بالذات، حسب التواجد الفعلي في موانئ "اللاذقية" و"حميميم" في غرب سوريا.. والطائرات الحربية الروسية قلبت موازين الحرب الأهلية لصالح رأس الإرهاب "بشار الأسد" بعد التقدم والتوسع المشهود في بدايات الأزمة السورية لقوى المعارضة.. وعندما احتاجت روسيا للتواجد على الأرض فتحت المجال أمام الحرس الثوري الإيراني بتجنيد العراقيين والأفغان والباكستانيين واللبنانيين وغيرهم للتوغل في سوريا عبر العراق من الشرق ولبنان من الغرب.. وبقية "الحكاية" لا نزال نعايشها حتى اليوم، وخطوط خارطة الاتفاق بين أمريكا وروسيا واضحة المعالم لتقاسم النفوذ وتقسيم المناطق لنيل المغانم ونهب الثروات.. فروسيا تقف مع "الجمهورية الإسلامية" تماشياً مع التفاهمات المتعلقة بسوق النفط والخطط المستقبلية لمد أنابيب الغاز والبترول عبر آسيا حتى الشواطئ الغربية لسوريا على البحر الأبيض المتوسط.. لذا، كحال وقوف أمريكا مع الكيان الصهيوني، تقف روسيا مع إيران وتعارض كل قرار يعترض أفعال إيران التخريبية والتهريبية (تهريب السلاح والمخدرات) وتأجيجها للعنصرية الطائفية في المنطقة العربية، ونشر نفوذها وفسادها في أفريقيا وأوروبا وحتى القارتين الأمريكيتين، الشمالية والجنوبية.

ولا تقل واسطة الصين عن أخواتها الأخرى، فالصين قد توغلت بالفعل في أغلب دول العالم بالمال.. ولا بد إذن من حماية هذه الأموال الطائلة التي تستثمرها الصين حول العالم، ويستدعى حماية مصالحها (التوسعية) استغلال ثقلها الاقتصادي لحماية الحكومات الفاسدة واللوبيات المهيمنة على اقتصاديات بعض تلك الدول بغض النظر عن ممارساتها الظالمة لشعوبها وفسادها ومدى الأضرار التي تتسبب فيها لمواردها الطبيعية ومنتجاتها الزراعية والطاقات المكنونة في أراضيها، بل وحتى التضحية بالطاقات البشرية وحرمانها من حقوقها في خيراتها والاستفادة من فرص العمل والكسب والمعيشة الكريمة.

وفيما مضى أقحم الاتحاد السوفيتي نفسه في أفغانستان دعماً للحكومة الأفغانية الصديقة والخانعة للسوفيت حينها، مما أدخل الجميع في حرب امتدت من أواخر السبعينات إلى أواخر الثمانينات.. ونال الثوار الأفغان دعماً من كثير من الدول المعادية للاتحاد السوفيتي، من أهمها الولايات المتحدة والصين وبعض الدول العربية والإسلامية التي فتحت لشبابها أبواب الجهاد بطلب و تشجيع من الدول الغربية.. ومن رحم هذا الدعم نشأت مجموعات جهادية عاثت في الأرض فساداً وارهاباً في عدة مناطق من العالم فيما بعد، بما فيها الدول العربية والإسلامية التي أمدتها بالمال والعتاد والمجاهدين.  من أخطر المجموعات الجهادية تلك كانت "القاعدة" التي أضاعت بوصلتها وجهتها، ومن بعدها ومنها خرجت الدولة الإسلامية "داعش".. والغريب جداً أن بدأت الكثير من الدلائل تتضح عن أشكال التعاون وتوفير الملاذ الآمن للحركتين من قبل الجمهورية الإيرانية الإسلامية التي استغلت هذه الجماعات لبث الشقاق في الدول الإسلامية و العربية المحيطة بها.. وهنالك أيضاً العديد من التصريحات الغربية التي تشير إلى أدوار مشتركة بين المخابرات الأمريكية والموساد الإسرائيلي في إعداد تلك الجماعات التخريبية في الوطن العربي لتعطي لنفسها فرص التواجد العسكري في المنطقة بحجة محاربة الإرهاب، وإشغال الحكومات والشعوب العربية وإضعافها اقتصادياً ومعنوياً لعقود متتالية.

هل لو بحثنا قليلاً وتعلمنا التفريق بين الغث والسمين، سنتحلى ولو ببعض الاحترام لهذه الأمم الظالمة؟  ربما لن نمقت المواطن الأمريكي البسيط لأنه هو الآخر ضحية لعملية غسيل للدماغ والضمير مستمرة بكل الوسائل المتاحة.. لكننا بالتأكيد سنتعلم كيف أن ساستهم وشركاتهم من أجل بيع السلاح ونهب الثروات يختلقون الحروب.. ويتسببون في مجازر وأهوال.. ولا يترددون في القضاء على شعوب بأكملها ليجنوا بعض المكاسب المادية.. وأفغانستان والعراق وسوريا وفيتنام وكوريا وكوبا ونيكاراغوا والسلفادور وغواتيمالا وبنما لخير دليل حديث وقديم على غيهم.. وحتى طائرتهم المدنية التي فجروها فوق لوكربي في 1988 لدليل يفضح سياستهم المقيتة التي أرادوها لكسب الرأي العام في أمريكا للهجوم على ليبيا "القذافي".. بل تكفينا مسألة الوقوف الفاضح مع الدولة العبرية والسكوت عن الجرائم ضد شعب فلسطين منذ أكثر من سبعين سنة.. ولا يزالون يتساءلون عن سبب كراهية شعوب العالم المُضطَهَدة لهم.. لا يزالون يتلاعبون بالأمم ويوسمون كل من يخالفهم ويقف في وجههم بنعوت الإرهاب وهم من صنعوا الجماعات الإرهابية لخدمة مصالحهم العوجاء.. ولا للحظة يراجعون أفعالهم وجرائمهم ومواقفهم اللاإنسانية حول العالم!!

أما بريطانيا التي كانت تستعمر أكثر من نصف العالم في فترة من الفترات، فهي الأخرى كانت تمارس نفس الممارسات الظالمة في حق كثير من دول العالم، ولم تترك أي من مستعمراتها السابقة دون ترك مناطق معلقة ظلت لسنوات بؤر للنزاعات بين الأمم.. كشمير مثلاً بين الهند وباكستان، وحتى جزر حوار بين البحرين وقطر، والصحراء الغربية بين المغرب والجزائر وموريتانيا، وكثير من نقاط وخطوط الحدود بين عمان والإمارات، والامارات والسعودية، وبين السعودية والكويت، ومناطق الأكراد المقسمة بين إيران والعراق وتركيا وسوريا.. وغيرها من مناطق الخلاف حول العالم، بما فيها تلك القريبة منها كتقسيم إيرلندا إلى دولتين وسيطرتها على هونغ كونغ حتى العام 1997 وسيطرتها المستمرة على جبل طارق وجزر فوكلاند في جنوب أمريكا الجنوبية.. بل هم البريطانيون من اغتصبوا شمال القارة الأمريكية واستراليا ونيوزيلندا من شعوبها الأصليين.. ولا يزال العلم البريطاني يرفرف على العديد من الجزر المنتشرة في المحيطات حول العالم.  ونفس التهم تنطبق على الدول الاستعمارية الأخرى مثل إسبانيا والبرتغال وهولندا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا وغيرها من هذه الدول الجائرة التي حكمت على أمم عديدة بالحديد والنار وأجبرتها على نبذ إرثها الحضاري ولغاتها وحتى أديانها.

ويتفق الكثير من المفكرين بأن الولايات المتحدة، كونها كانت مستعمرة بريطانية، لم تزل بشكل أو بآخر تأتمر بأمرهم وتنفذ خططهم في الخفاء والعلن.. فالبريطانيون هم من سلموا فلسطين للإرهاب الصهيوني في الأساس، وبعدها تركوا أمر الإبقاء على اللقيط الصهيوني بيد الأمريكيين كونهم باتوا أكبر قوة عسكرية في العالم، بالضبط كما فعل الفرنسيون حين تركوا فيتنام للأمريكيين، وكما ترك الأمريكيين العراق للإيرانيين ليعيثوا فيها فساداً وإضعافاً، وحتى الإيرانيون أنفسهم يمارسون ذات الخطط التدميرية عبر زرع ودعم الميليشيات الطائفية في العراق وسوريا ولبنان واليمن وغيرها لتأجيج الصراعات الداخلية وإشغالهم عن القضية الفلسطينية إلى الأبد.. بل وحتى مشكلة سد النهضة الأثيوبي نرى فيها الأصابع الإسرائيلية والروسية بشكل غير مباشر.. بل وحتى دولة جنوب السودان التي فصلوها عن السودان لا تزال تعيش في بؤس ومشاكل داخلية.. ولا تزال الخطط الغربية قائمة لتقسم السودان أكثر فأكثر، ومنطقة دارفور مقبلة على الانفصال هي الأخرى.. والخطط التقسيمية لا تزال مشتعلة لتقسيم ليبيا والعراق وسوريا وفصل المنطقة الشرقية في السعودية وربما حتى لمحو دولة الكويت من الخارطة!!

إنها نوايا استعمارية وتوسعية إرهابية لم تتوقف قط عن الممارسات المشبوهة للسيطرة على العالم ومصادر الخيرات والنفط عبر شتى الوسائل والخطط طويلة الأمد بعد أن أوهمت تلك الأمم بأنها حظيت بالاستقلال والحرية المزيفة!!

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

نور الدين حنيفقديماً، تحدّث أفلاطون عن الكذب النبيل، وفولتير عن قيمة الكذب، ومكيافيلى رسم للتاريخ صورة الأمير الذي يكرس ثقافة الحيلة والخديعة والقوة لينتصر في المجال السياسي، وآخرون عديدون اعتقدوا ونظّروا لهذا الاعتقاد أن السياسة مجال كذب لا مجال أخلاق، وأن الفعل السياسي لا ينبغي أن يكون مجال عقل يضبط حركية الكائنات السياسية ويقودها إلى الخير والحق والجمال، بقدر ما هو مجال لتكريس قيم أخرى ترتبط أساسا بالمصلحة العامّة وبالنفعية.

عندما يتلبس السلوك أو الكلام لبوس الإيهام والخديعة والتضليل عن الحقيقة فهو الكذب لا مراء. وفي هذا السياق لا يُشترطُ أن يكون الكذب صريحاً موصوفا بالاسم ذاته حتى نسِمه بذلك مادام صاحبه يقبض على قضية الآخر داخل نية المخاتلة والنصب والتزوير: ونحن هنا لا ندين النية في ذاتها وفي إقامتها داخل الذهن، ولكننا ندين النية في تفعيلها وترجمتها إلى سلوك لا يقف عند حدود الافتراض، بل يتجاوزه إلى المسّ بالآخر في حقوقه. وفي هذا المنحى، يتجاوز التفكيرُ كلَّ الخطوط الحمراء التي توجب إدانة الكاذب، وقبل ذلك تجريم فعله مؤسسياً قبل أن يتم تجريمه أخلاقيا.

أما الكذب السياسي فهو لعمري أشد أنواع الكذب تجاوزا لهذه الخطوط الحمراء، لأنه يفِد إلينا من رحم السلطة التي من المفروض أن تكون بنية فوقية وتحتية منسجمة في ذاتها عبر تجلياتها الفعلية في واقع الناس، لأنها ترجمةٌ قانونية وتنفيذية لحقوقهم وواجباتهم. لكنها عندما تنجب مثل هذا الابن العاق الموسوم بالكذب السياسي، فإنها تفسح المجال أبواباً مُشرعة على احتمال الفساد وانتشاره وبالتالي على طغيانه حتى يتحول إلى أمر واقع ينتقل فيه الكذب من حالة التخفي إلى حالة الظهور المدعوم بشرعية الحضور.

وقد يبدو الأمر في أول تجلياته بسيطا على اعتبار أنه كذب أبيض لا يتجاوز في ضرره المساحة الذاتية، لكنه في عمق التحليل تغريضٌ يفتح المجالَ واسعاً لتكريس ثقافة التضليل في قمة ضررها لأنها تتسرب عبر شقوق تبريرية تمتطي صهوات المصلحة العامة، وبالتالي تصنع لذاتها مصداقية الحضور وبالتالي مصداقية التعاطي وفي آخر المطاف تتلبس لبوس البديل العصري الذي يرتفع بالكذب إلى الحظوة. هكذا يتحول المسار من فعل الإدانة لهذا السلوك إلى فعل الإشادة... والنتيجة الحتمية أنْ تتوارى خلف الضباب صيحات التجريم، وتعلو على السطح وتطفو قشرات سميكة من الوجود العضوي للكذب السياسي داخل رحم السلطة والمجتمع.

تعترف هذه المرحلة الناجحة في تحجيم الكذب السياسي وعملقته بفضل البنيات الفوقية المنافحة عن حضور هذا النوع من الكذب، عبر آليات الدفع به إلى قمّة انتشاره بشرعية متماسكة. ونقصد بذلك، خروج الثقافة العالمة إلى الذود عنه والكتابة والتشهير والإعلام فكراً وإبداعاً عبر المشّائين الذين تختلف أشكال صيحاتهم وأضربها، لكنها تتفق في غرابة مُغرِضة حول مبدأ واحد - إن جازت تسميته بالمبدأ - هو التسويغ المأجور، سواء تعلق الأجر بالحاجة المادية، أو تعلق بإشباع فكرة نزوعية تميل إلى ضرب فكرة أخرى مناقضة لها مصداقية التاريخ. وخير مثال لذلك ضرب فكرة الأخلاق لتمييع الحياة السياسية العامة كي تتقلص أدوار الدين والقيم في تشكيل المشهد، ولترك الحبل على الغارب كيْ تصول باقي التقليعات المُدّعية وتجول ما شاء لها الصول ، وما شاء لها الجولان.

تتبلور العلاقة بين الكذب السياسي وبين الثقافة العالمة بشكل كبير وسريع، عبر السيولة في التأليف لإذاعة مثل هذا الفكر المتلبّس وإشاعته... وتجتهد هذه الثقافة في صناعة الجهاز المفاهيمي الخاص بهذا المولود الواهم بالشرعية، في نظرها القاصر، بل إنها قد تربو على ذلك إلى بناء نظرية في التطبيل للكذب السياسي تطبيلا تبريريا لا تلمس العامّة من الناس فراغ تطبيله، وتلمس بدل ذلك، تعاليه وبهرجته وتعجيزه لفكرهم البسيط الموسوم بالثقة العمياء في المثقف، في تخريجاته الموصوفة في تمثلاتهم الشعبية بالقوة والتأثير. أما في حالٍ آخر يرتبط بقدرة هذه النظرية على مجادلة النقيض في الثقافة فحدّث ولا حرج، إذ تنبري إلى الخروج أشكال زئبقية من السفسطة المبنية على قوة الاستدلال والبرهنة حتى ليصاب المخاطب الذي لا يُعمل فكره عميقا، بالحيرة والشك في المعطيات التي بين يديه، وعوض أن يتشبث بطرحه القائم يستسلم لحالة من التسليم الانهزامي بالأمر الواقع، وفي أشدّ الحالات الموضوعية يخرج من الجدال، إرجاءً للفكرة حتى يستوي عنده الدليل والبرهان. خاصة وأنّ هذا المخاطب يرى في مجادلة هذه الثقافة المدافعة عن الكذب السياسي ثقافة قادرة على التحول من شكل الاِدّعاء إلى أشكال غريبة من القناعة، بمعنى أننا حين نجادل نقيضاً نعلمُ، ويعلم هو أيضا أنه على باطل، تسهل المحاورة ويسهل معها الإفحام... لكننا عندما نكتشف أن المسألة تتعلق عند المُحاور بقناعة جذرية، تصبح المسألة شديدة المفارقة، خاصة وأن الباطل عنده يتحول إلى حق، والنشاز إلى شرعية، والعبور إلى قرار يستحيل أن تقنع صاحب هذه الترسانة الفَقيهة بالنقيض، وبالعدول عمّا اكتسبه في سيرورته الفكرية البعيدة في مديات أهدافها وغاياتها وأجنداتها العملية الداخلة لا في سلوك عابر ومُغْرِض، وإنما في مشروع فكري كوني يمسخ مفاهيم الأخلاق والشرعية والعدالة والديمقراطية ويستبدلها بأشكال أخرى من الأخلاق العملية والشرعية الواقعية والعدالة الوضعية والديمقراطية المرنة وهلمّ جرا من أضرب التقليعات الرّنانة والمُقنعة في تمويهٍ غير بائن.

أعتبر الكائن السياسي أمهر الكائنات في توظيف حقول الخطابة والجدل والبلاغة واستعمال أدواتها وآلياتها لدعم أطروحاته في التمويه والخديعة للتأثير في الجماهير وقلب مفاهيمها حول كثير من البديهيات المرسومة في أذهانها باعتبارِها معطيات غير قابلة للتعديل. ومنها معطى الواقع الذي يحوّله السياسي الكاذب في ذهنية المتلقي من حقيقة معيشة إلى استعارة مرنة قابلة للتأويل. بل وقابلة لكثير من التأويل المفتوح على مصاريع غير مشروطة.

و تبلغ مهارات السياسي الكاذب في أبرز تجلياتها وهي تحول الواقع من موضوع محايد في نظر العامّة إلى موضوع مسؤول عن وضعيات هذه العامّة المزرية، وبالتالي تنشأ الإدانة وتتنامى، وتعلو وتتدحرج سريعةَ الحركة وهي تكبر في سيرورتها المُغرِضة مثل كرة الثلج لتصبح إدانةً مشروعة. في هذه المرحلة بالذات تتطور، بموازاةٍ غريبة، نفسياتُ العامّة ويكبر فيها صوت الإدانة ويعلو على كل الأصوات، وتنشأ لديها حالاتٌ شديدة بالرغبة في محاسبة هذا الواقع. في هذه المرحلة يكون التأزيم موضوعياً لكنه يتحول بفعل تدخل السياسي الكاذب إلى تأزيمٍ ذاتيٍّ لا ينفع في اقتلاعه الحل المستقيم اللائذ بالقيم الإنسانية النبيلة التي يضعها هذا السياسي الكاذب موضع اتهامٍ ويزجّ بها في أقفاص الإدانة، على اعتبار أنها عمّرتْ كثيرا في التاريخ ولم تجلب للناس سعادة حقّة، ولم تقضِ على أشكال التقهقر في واقعهم، ولم تجلب لهم إلا تأخيراً لمشاريعهم الحياتية وتعطيلا.

هكذا، يعلو صوت العاطفة والاندفاع على صوت العقل والتحليل، لأن السياسي الكاذب يتدخل في وقت الذروة عندما يصاب العامّة باليأس، ولا يرون في الأفق إلا من يلوّح لهم بالانفراج داخل خطابات مُلمّعة تُحدِّث فيهم رغباتهم في تجاوز وضعيات القهر، حتّى ولو تعلّق الأمر بقشّة في خضم اليمّ. أما عن الصيحات الجادّة والعامرة بالحق فقد برّزها السياسي الكاذب على أنها مجرّد أوهام تاريخية وأساطير دينية أكل عليها الدهر وشرب، وبالتالي، يذهب السياسي مذهب النقر على صوت الحداثة العالمية لأنها في منظوره المُغرض أشد الخطابات إقناعاً بحكم التصاقها بتجارب دولية ناجحة على أرضية الواقع، ولا يحول بيننا وبينها إلا فارق بسيط هو السعي إلى استجلابها واستنباتها في بيئاتنا العطشى للديمقراطية وللعدالة الاجتماعية.

إن عملية التطويق للعقل (الثالث) انسجاما مع التصنيف الأيديولوجي للعالم إلى عالم متقدم وعالم ثالث، هي عملية ماكرة بذكاء نوعي. تُظهرُ الحقيقةَ في جزئها الخادم لأجندات هذا السياسي المسلّح إما بثقافة مهارية نوعية عالمة، أو بديماغوجية بديلة للثقافة العالمة تضرب على أوتار الشعبوية وتنقر على الوجدان الفردي والجمعي لإنسان هذا العالم الثالث. يمارس هذا التطويق قبضاً بيدٍ من حرير على أعناق المخاطبين بهذا الخطاب القائم على فعل التزيين المقنّع والبهرجة المُلَمَّعة والتسويف الجميل والوعد المعسول واللغة المنسابة... في إطار شبكة من أنماط المكر السياسي القادر على ردم المسافات بين الكائن والممكن. والقادر على بناء صرحٍ مارد من الحقيقة الذاتية بديلا عن الحقيقة الموضوعية. وهي حقيقة متعددة وغزيرة لأنها مرتبطة بتأويل العامّة لهذه الحقيقة، كل من زاوية حاجته وحجم هذه الحاجة. وهي في آخر المطاف حقيقة معسولة وواعدة، بغضّ النظر عن هشاشتها وانتهاء صلاحيتها بانتهاء مسلسل الانتخابات أو عمر الولايات الماسكة بزمام السلطة.

و الغريب في الأمر أن ذاكرة المواطن في العالم الثالث ذاكرة قصيرة، غالبا ما تنسى حجم الكذب الذي مورس عليها في تاريخ سابق، ولا تراه في تجربة جديدة من الكذب السياسي... أو أن هذا المواطن لا يستفيد من التاريخ، ويحب، في مازوشية غريبة، أنْ يُكْذَبَ عليه، أو أنه، يُشبهُ كما وردَ في لسان الثقافة الشعبية المغربية ذلكم (القط الذي يحبّ خنّاقَهُ).

و لأن المواطن كائن ينسى بسرعة فإنه لا يعاقب ساسته الذين يكذبون عليه. أولاً، لأنه كائن مسالم وبسيط وأحيانا يتحول من بسيط إلى غرّ... وثانياً، لأنه مواطن غالباً ما يزورُّ عن الانخراط في ثقافة المؤسسة، وبالتالي لا يرغب في المظلات المدنية والحكومية القاضية بحماية حقه في تجريم الكذابين وبدرجة قصوى، السياسيين منهم...

و لأن السياسي يعلم أن المواطن معجون بهذه الصيغة وفي هذه الصيغة فإنه يتمادى في كذبه، عالماً أن هناك تسيّبا كبيرا في تغييب المؤسسة القاضية بتجريم كذبه وإدانته ومعاقبته...

هكذا تنبني اللعبة، بتلقائية غريبة، أولُها تخطيط وصيرورتها الباقية انسياب... وهي لعبةٌ تنسج خيوطها في طمأنينة اجتماعية هادئة، وفي تؤدة غير قانونية أكثر غرابة. تدعمها ثقافة المسالمة وليس السلم. لأن هذا الأخير يطرح ذاته في عمق إبستيمولوجي قوي يراكم حول الموضوع قشرات سميكة من مرجعيات الحق ومعرفة الذود عن هذا الحق. أما المسالَمة فهي سلوك انهزامي تبنيه ثقافة نُكوصية تؤمنُ وتقول بشعار (دعه يمشي) أو بعبارة شعبية مغربية صميمة (سَلّكْ ؤُ عَدِّي).

إن السياسي الكاذب يعرف كيف يقرأ هذه المعطيات الاجتماعية الموسومة بالتلقائية وبالشعبوية وبالمسالمة وبغياب المؤسسة الحاضنة. ومن ثمّة يجد نفسه كائنا محظوظا بالقدرة على العوم في هذا الماء الهادئ كيفما شاء له العوم، تدعمه في ذلك مجاديف السلطة التي تطلق له الحبل على الغارب يمخر في عباب السياسة الكاذبة ما شاء له المخر. وهي السلطة التي أطلقت اليد السياسية تصنع المفاهيم والمصطلحات، وترسل الأمثال والمسكوكات الشعبية تسري في البيئات الاجتماعية كما تسْرِي النار في الهشيم، تكرس الحالةَ ذاتها وتدعمها دعما يسير بها في اتجاه التغول والترسيخ، في اتّجاهِ الشّرْعَنَة.

كما أنّ تغوّل ثقافة الكذب السياسي وترسيخها في أوصال المجتمعات أمر خطير لا ينبغي تجاوزه في التحليل. لأن المسألة تندمغ في معادلة غير قابلة للحلّ، ذاك أن هذا التغوّل يأخذ مسار الزمن ويتجذر عميقا في الوجدان وفي السلوك ثم في القناعات. والخطورة لا تتأتى من تغوّله وإنما من اكتسابه لأجنحة المصداقية والشرعية، وبدل أن يتخفى الكذب السياسي ويتوارى خجولا قبيح المنظر، ينبري إلى الظهور في تبجح مقيت وفي صلفٍ أمقت. والنتيجة أننا عوض أن نهدر طاقةً معقولة ونسبية في مكافحة الكذب في وضعه الموضوعي حيث كل المؤسسات تدينه وتشجبه وتضعه في قفص التهمة، نتحول بفعل فاعل إلى مكافحة الكذب في وضعيته الجديدة التي أصبح يمتلك فيها شرعية الحضور. وشتّان بين القضاء على ظاهرة مرفوضة أصلا ولا شرعية لها، وبين القضاء على ظاهرة تدعمها المؤسسة وتصون لها شرعيتها.

هو الهدر التاريخي إذن، يأخذ منا كثيرا من الطاقة، ويحولنا إلى خطاب سياسي مأزوم ومعتلّ ومرضي. لكن الأغرب فيه أنه حالةٌ عامّة تكتسح جميع المجتمعات الإنسانية وتتوغل في عمقها الوجودي وفي وجودها الأعمق. وتتحول من حالات مرَضية قابلة للعلاج إلى حالات قائمة تفرض سياقها الغاشم على هذه المجتمعات، حاملة في يدها اليمنى شعار المصلحة العامّة وفي اليسرى شعار الحداثة الفارضة أنساق حيوات جديدة وجديرة بالعيش داخل منظورات تسويغية تقول بقبول كل شيء مادام يصب في فلسفة النفع العام.

من هنا، فداحة هذا المحكي في حياتنا العامة، والذي نسايره في تجذره الهادم دون التفكير الواعي بضرورة مكافحة ظواهره وردّه وردعه وتصويب الشأن السياسي شأنا قيمياً ينتصر للأخلاق ولتداعيات الأخلاق بدل الازورار عنها في مسلسل تاريخي حداثي كاذب.

لهذا تكبر في السياسي المقولات الكاذبة وتتجذر، ومن ثمّة تُسوّغ له القول، ويتمكن من القول، ويقول في قناعة من أمره أنه لا مناص من الكذب. ويقولها وهو المشبع بالقيم والمنتصر لها دوما والذائد عنها حتماً. وهنا بالذات ندرك حجم المفارقة لدى السياسي وهو يصنع التناقض الغريب في شأنه وفي شأن العامّة من الناس باعتبارهم موضوع هذا الكذب. إذ لا وجود لهذا السياسي في غياب مادة الكذب، أي جمهور المكذوبِ عليهم... من ثمّة، فالسؤال الينبغي طرحه هنا هو: ما أشكال المفارقة في موضوع الكذب السياسي؟

هناك شقّان في هذا المنحى المفارق: الأول يتعلق بغرابة هذا الكائن السياسي الذي يكذب على الناس في شأنٍ عمومي يتصل بحياتهم الراهنة والاستقبالية. وهو كائن غريب ومرَضي لأنه هو أول من يدرك أنه كاذب، وبالتالي فهو يضرب عرض الحائط هذا الداخل الذي يمثل حالة الإشراق فيه، وهي الحالة النادرة التي لا يستثمرها السياسي ولا يقلّب لها وجها ولا يقبل منها توجيهاً... وبعبارة أوضح، هو لا يرغب في استثمارها لأنها تتحول بفعل تاريخ تغييبها إلى نداء مخنوق ينبغي الاحتراز منه. هذه الحالة من الإشراق موجودة عند كل كائن حي ويختلف حضورها قوة وضعفا من كائن إلى آخر بحسب حجم تغذيتها وتطعيمها أو بتجويعها وإفقارها. إن هذه الحالة الإشراقية عند السياسي الكاذب هي أفقر الحالات الموجودة في الكائنات الحية المتكلمة في خطابات المسؤولية.

هذه الإشراقة المغبونة والمتعرضة للقصف من ذات السياسي نفسه هي إشارة قوية إلى سيمياء المازوشية والسادية في نفس الآن، بما يُفدِح الأمر ويجعله مقروءاً في عمقه الباني والهادم، حسب موقع المعني بالأمر وزاوية نظره، وأقصد المواطن في كل تجلياته الثقافية المسؤولة.فالبناء وارد في حالة الثقافة الواعية، والهدم أيضا وارد في حالة اللاثقافة.

و الثاني، يتعلق بالطرف المخاطب الذي يوجه إليه السياسي الكاذب خطابه، في ثنائية غير مفهومة البتّة. وهي ثنائية أشرحها كالتالي:

في الطرف الأول من الثنائية يقبع المواطن حاملا صوتاً ثميناً ومستكينا إلى قدرِ سياسي يخص حياته الخاصة والعامة، لا يصنعه هو ولكن ينتدب إلى فعل ذلك شخصا آخر يظن في سذاجة سياسية أنه سيمثله خير تمثيل. في هذا المنعطف تنسج اللعبة السياسية خيوطها العنكبوتية الآسرة للضحايا العالقة والتي تتحول إلى كائنات مخدَّرة، وغير قادرة على الفكاك. إلا أن الفرق بين العناكب والسياسيين أن الأولى تتغذى بالضحايا العالقة ميّتةً، في حين أن السياسيين الكاذبين يتغذون بالضحايا أحياء يرزقون.

و في الطرف الثاني من الثنائية يقبع السياسي الكاذب مشهراً في وجه المشهد السياسي برنامجا حزبيا يتقطر إدهاشا وكأن من صاغه خبير بالأحلام العسلية والطموحات الأغزر عسلا. وفي هذه المحطة بالذات ينبثق الوهم سيداً للموقف، بحيث يتحول السياسي إلى كائن يصدّق البرنامج الذي كان قبل اليوم أكذوبةً صنعها في لحظة انفصام مشهودة... ويتحول هذا الصدق إلى حقيقة عندما يكتشف السياسي أن المواطن المخاطب بهذا الشأن صدّق البرنامج وهضم طُعمه. وفي هذا التصديق المتبادل يتعملق الكذب ويتبجح ويتحول إلى طالب حق وشرعية ومصداقية وحضور. تمثل هذه الحالة وضعا سيكوباتيا غريباً، يمكن تلخيصه في العبارة التالية: السياسي يصنع الكذبة ويصدّقها.

إذن، ما هي الآليات الكفيلة بدعم هذا التصديق الواهم والمتحول في سياق سحري إلى ما يشبه الحقيقة ؟

إن أحسن الإجابات في هذا المقام تأتينا من قراءة ذلك التراكم الحاصل في التجارب التاريخية قديما وحديثا، والتي أولتْ للكذب السياسي حظوة مشهودة ومقصودة وفق منظور ينتصر للسلب بدل الإيجاب. وهو أمر مفهوم في سياق ديني يقول بطبيعة الكائن البشري المائل إلى الشر بدل الخير، وإلى القبح بدل الجمال، وإلى الباطل بدل الحق (إنّا هَديْناهُ السّبيلَ إمّا شاكِراً وإمّا كفورا) سورة الإنسان، الآية 3... وهو السياق الذي يعلن فيه الإنسان أيضا عن طبيعة الخصومة المجبول عليها (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِن نّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مبِين) سورة يس، الآية 77 ، في سياق آخر أكثر دلالة على جبلّة الطمع (إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ) سورة ص، الآية 23

و يتبدّى لنا في غير تفسير، وإنما في استلهامٍ لقراءة الآية الأخيرة، نسقُ الطمع الدافع الأساسي لبناء الوعود المعسولة القائمة على بلاغة الخطاب، تمهيدا لحصادٍ غير مشروع وغير شرعي.

 

نورالدين حنيف - المغرب