عمانوئيل خوشاباالشيعي.. نموذجاً لقاء القمة الكاثوليكي

لا شك فيه بأن التاريخ سوف يسجل على صفحاته المشرقة اللقاء المميز الذي دار بين الحبر الأعظم بابا الفاتيكان و المرجع الشيعي الأعلى السيد علي السيستاني، ذلك اللقاء الذي أعتبرته الأغلبية بانه لقاء القمة بين رمزين لاهوتيين يحملان في طياتهما مشاريع المحبة والتسامح وتحرير الأنسانية من براثن العبودية والهيمنة، كنتيجة حتمية من المواقف المشرفة و الأيجابية للرمزين أعلاه، فالشخصية الأولى المتمثلة بــ البابا فرنسيس حملت مشروع لاهوت الشعب في الدفاع عن الحقوق الأجتماعية والأقتصادية للطبقات المسحوقة للشعوب والتي تعيش تحت نير الأنظمة الفاسدة والديكتاتورية، اما الشخصية الثانية المتمثلة بالسيد السيستاني والذي حمل راية (ولاية الأمة على نفسها) من خلال مواقفه الأيجابية والمبدئية  خلال فتاويه الأيجابية المتعددة، والذي بدوره رفض تبني مبدأ ولاية الفقيه وتمسكه باسس المدرسة النجفية والتي تدعو بمبادئ ولاية الأمة في أدارة الأمور العامة للدولة.

الموجز اعلاه ماهو اِلا سرد بسيط حول ماذكر في وسائل الأعلام باختلاف انواعها، ولم يذكر الكثير عن فحوى اللقاء، سوى البيان الصادر من مكتب السيد السيستاني ولم يكن اِلا سرد اِنشائي حول (التحديات الكبيرة والمشاكل التي تواجهها الأِنسانية والمنطقة برمتها في الوقت الحاضر، وخص فيها القضية الفلسطينية، ودلالات أخرى حول التعايش والتضامن السلمي الأِنساني)، ومن ثم التصريحات التي أدلى بها الكاردينال البطريرك الكلداني لويس ساكو حول ماهية اللقاء والذي كان احد أفراد الوفد المرافق مع بابا الفاتيكان (حيث طغت عليه علامات الأنبهار والأرتباك وهذا ما تمليه حركاته الجسدية الغير الطبيعية خلال اللقاء، حيث لم يستطع التحكم بنفسه حينما أزاح وبقوة مترجم بابا الفاتيكان الى الخلف ومن ثم تحركه اللاطبيعي لأظهار نفسه لوسائل الأعلام)1 .

حيث صرح البطريرك لويس ساكو الى وسائل الأعلام حول ماهية هذا اللقاء والذي تضمن كلامه نوع من التودد والتضرع، و أكد بأن سماحة السيد السيستاني أكد على عدم أستقباله أي من السياسيين ضمن الوفد المرافق للبابا وذلك لعدم رضاءه على العملية السياسية برمتها، وتغافل عن الدور الذي يؤديه نجل سماحة السيد السيستاني، حيث تشير الوقائع بانه لا تتم تزكية أي رئاسة وزراء اِلا بعد مرورها من تحت عمامة السيد محمد رضا السيستاني.

ونود الأشارة هنا بأن مشروع زيارة الكرسي الرسولي الى العراق، هو مشروع قديم،  يعود تاريخه الى عام 2000، حينما قرر البابا السابق يوحنا بولس في اجراء زيارة تضامنية الى دولة العراق، كرسالة تضامن و تعاطف مع الشعب العراقي القابع تحت نير الحصار الظالم والصادر من المنظومة الدولية عام 1990 (والذي أعتبر بحد ذاته أحد جرائم الأبادة الجماعية بحق شعب مظلوم، حيث أستمر الحصار لمدة 13 عاماً، وأدى الى وفاة اكثر من مليون ونصف طفل نتيجة الجوع ونقص المواد الغذائية، ومن ثم تدمير البنية التحتية للدولة العراقية وهجرة الملايين من أبناء الشعب العراقي الى دول الجوار والمهجر). وفشلت بوادر الزيارة أعلاه حينها وذلك لتقاطعها مع السياسة الغربية و نخص منها السياسة الأميركية تجاه المنطقة آنذاك، ومن ثم عدم الأخذ بجدية هذه الزيارة من قبل النظام العراقي السابق.

لذلك أكد البابا فرنسيس بان زيارته هذه ماهي أِلا تنفيذاً ووفاءاً الى الوعد المقطوع سلفاً من قبل البابا السابق يوحنا بولص، رغم المحاذير والصعوبات التي يمر بها العراق والمنطقة والعالم على الصعيد الأمني ومن ثم خطر جائحة فيروس كورونا.

أغلب الدلائل تشير بعدم الكشف عن جميع الأوراق المخفية من خلف الكواليس حول أهداف الزيارة البابوية للعراق، وهنا لا أود الدخول تفصيلياً حول ماهية الزيارة أعلاه وذلك لأني تناولت قسماً منها في أحد مقالاتي السابقة بعنوان (قراءة في أبعاد الزيارة المرتقبة لرئيس الكرسي الرسولي بابا الفاتيكان الى العراق). ولكن يمكن ملاحظة عدد لابأس به من الأملاءات الرمزية والتي أهتمت بها دولة الفاتيكان، من خلال التأكيد على أحد الرموز التوحيدية المهمة في الديانات الثلاث أِلا وهو الرمز الأبراهيمي المنبثق من مدينة أور التاريخية الواقعة في مدينة الناصرية من الجنوب العراقي، وكما تشير الوقائع بحصول تناغم بين الديانتين المسيحية واليهودية قبل فترة زمنية ليست بالطويلة، وذلك من خلال المشاركة الروحية ضمن شجرة النبي أِبراهيم.

وقد دخلت الديانة الأسلامية ضمن المحور الأبراهيمي في خمسينات القرن الماضي، حينها قام عدد من المستشرقين الكاثوليك ومن ضمنهم المستشرق لويس ماسينيون بالتبشير في وجوب ضم الديانة الأِسلامية تحت جناح الأِبراهيمية باعتبارها أِحد الركائز المهمة من الديانة التوحيدية الأِبراهيمية.  ومنها بدأت الخطوات الفعلية في أِطلاق الحوار الأِسلامي المسيحي خلال المجمع المسكوني الثاني للفاتيكان مابين عام (1962-1965). بذلك أمست المظلة الأبراهيمية الشاملة للديانات الثلاث (المسيحية، الأِسلامية، واليهودية) مطلب مطلق وواقع حال معترف به رسمياً من قبل دولة الفاتيكان منذ عام 2013، حيث حصل التناغم الأبراهيمي أعلاه من خلال الزيارات المكوكية للحبر الأعظم الكاثوليكي الى كل من فلسطين، مصر، المغرب، وبعدها الأمارات المتحدة العربية، وبلغت ذروة التناغم أعلاه من خلال  توقيع وثيقة التفاهم المعنونة  بأسم "وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش معًا"  مابين بابا الفاتيكان و شيخ الأزهر الدكتور احمد الطيب عام 2019 في دولة الأمارات المتحدة العربية ومنها تم أعتبار المظلة الأبراهيمية عهداً وأساساً للأخوة في الأنسانية ضمن فلسفة الآله الخالق الأوحد.

وهكذا فأن الزيارة البابوية للعراق تدخل ضمن نفس المشروع الأبراهيمي أعلاه من خلال العمل الجدي في ضم القطب الأسلامي الشيعي الى المظلة الأبراهيمية الجامعة للاديان السماوية الثلاث ضمن وثيقة عهد جديدة يكون طرفها المرجع الشيعي الأعلى السيد علي السيستاني، لكن كما هو معلوم فقد رفض الأخير على المةافقة في توقيع هكذا وثيقة و أكتفى مكتبه بأصدار بيان أعلامي بسيط .

وسوف نؤكد بدورنا في الجزء القادم من مقالتنا هذه حول الأبعاد السياسية ما وراء التحرك الديبلوماسي الأبراهيمي أعلاه. (اود الأضافة بأن الموضوع أعلاه تم كتابة اغلب مفاصله قبلاً ولم ينشر وقتها وذلك للبحث والتحقيق حول حقيقة ولادة النبي أبراهيم في مدينة أور العراقية).

 

عمانوئيل خوشابا

16 آيار 2021

 

محمود محمد علييا قدس استعدي دائماً فالله ناصرك مهما صار .. وكوني بالله واثقتاً .. فربك حامياً مسجده الذي أسري به نبيه .. هل يخفي علي الله ما يفعله أولئك المحتلون الفجّار ؟..فعقابهم أصبح وخيماً وسيخرجوا مَذلولين حُقّار .. لا تحزني يا قدس أبداً فوالله حُزنك جعل قلبي ينهار .. ربي حَاميكِ لا تقلقي فكل شَهيد عند رَبُهٌ فَخوُر مُبهج بذلك الانتصار .. فوالله سوف تتحرري مهما طال الإنتظار .

قصدت أبدأ كلامي بهذه الكلمات لأقول قلوبنا مع لإخواننا الفلسطينيين فى كفاحهم المستمر أمام الغاصب الإسرائيلى الذى يواجه تجمعهم السلمى ضربًا بالرصاص الحى فى مشهد لا يراه مجلس الأمن إلا بعيون الأمريكان المنحازة انحيازًا أعمى لإسرائيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله الذى يشد من أزر الفلسطينيين فنراهم يتجمعون فى ساحة المسجد الأقصى بمئات الألوف التى تبهر الدنيا بعظمة صمود أصحاب الأرض المقدسة.

وهو صمود يعلن عدالة القضية الفلسطينية وشرعية دولة مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وردًا على جبروت إسرائيل فى اقتحام المسجد الأقصى بحشد من المستوطنين المتعصبين لإعادة هيكل سليمان مكان المسجد الأقصى الذى تستبيحه إسرائيل باقتحامه واعتقال المصلين الذين يقرأون القرآن بصوت مرتفع وكأنهم يريدون أن يخرصوا الألسنة من تلاوة القرآن الكريم.

وقد ذكر العالم الكبير سيد قاسم المصرى في مقاله له بعنوان القدس.. جرحنا الدامى.. وعجزنا المهين أنه طوال مسيرة الحركة الصهيونية فى سعيها للاستيلاء على فلسطين.. كانت تسعى لكسب الدولة العظمى فى وقتها إلى جانبها. ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وبعد غروب الشمس عن الإمبراطورية البريطانية ركزت الصهيونية جهودها على كسب الولايات المتحدة ونجحت فى ذلك إلى حد كبير.. وجاءت ضربة الحظ الكبرى بوصول تيار اليمين المتطرف إلى الحكم بزعامة دونالد ترامب وهو التيار الذى يضم ما يسمى «بالمسيحية الصهيونية» المؤيدة – عقائديا – لقيام إسرائيل.. ومن هنا حِرصْ دونالد ترامب على إرضاء هذا التيار..

واللافت للانتباه في قرار ترامب ما يتضمنه من مبالغة جسيمة في الاستفزاز لمشاعر العرب والمسلمين، وما يحتويه من استهانة بالغة بمشاعر الفلسطينيين، عندما يختار ذكري مرور سبعين عاما علي نكبة فلسطين موعدا لنقل السفارة الأمريكية إلي القدس.

هذا فضلا عما يمثله هذا القرار الفج من تأكيد جديد وحاسم لعدم مصداقية الادعاءات التي رددها ولا يزال ترامب يرددها، عن رغبته في ايجاد حل سلمي للقضية الفلسطينية، فيما أسماه صفقة القرن، بعد أن ثبت انحيازه الكامل للدولة الصهيونية وعدم صلاحيته لدور الوسيط العادل علي الاطلاق.

إنَّ عروبةَ القدس أمر لا يقبل العبث أو التغيير وهى ثابتة تاريخيًّا منذ آلاف السنين، ولن تفلح محاولات الصهيونية العالمية فى تزييف هذه الحقيقة أو محوها من التاريخ، ومن أذهان العرب والمسلمين وضمائرهم، فعروبة القدس ضاربة فى أعماقهم لأكثر من خمسين قرنًا، حيث بناها العرب اليبوسيون فى الألف الرابع قبل الميلاد، أى قبل ظهور اليهودية التى ظهرت أول ما ظهرت مع شريعة موسى، عليه السلام، بسبعة وعشرين قرنًا، كما أن الوجود العبرانى فى مدينة القدس لم يتعد 415 عامًا، على عهد داوود وسليمان، عليهما السلام، فى القرن العاشر قبل الميلاد وهو وجود طارئ عابر محدود حدث بعد أن تأسَّست القُدس العربية ومضى عليها ثلاثون قرنا من التاريخ.

والمزاعم الصهيونية فى المسجد الأقصى لا تنتهى، ومن ضمنها أن المسجد هو هيكلهم الذى بناه نبى الله داوود عليه السلام»، والرد على ذلك سهل ميسور، وهو أن ما جاء فى القرآن الكريم فى قوله تعالى (سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقصى) ليس بناء، وإنما هو أرض محددة خصصت منذ قديم الزمان للعبادة والصلاة والسجود، والمسجد فى لغة العرب هو المكان المخصص للسجود فيه، وليس البناء، والدليل على ذلك أن النبى صلى الله عليه وسلم فى أثناء الفتوحات الإسلامية كان يتخذ أماكن ويحددها ليقوم بالصلاة فيها مع الصحابة الكرام فتُسمى هذه مساجد، وليس بالضرورة تشييد الحوائط والأسقف ليكتمل وصف الأرض بالمسجد، ولكن بتحديد هذه الأرض للصلاة فيها تصبح مسجدًا.

والمقصود بالمسجد الأقصى المذكور فى القرآن الكريم هو المكان المقدس، وهذه البقعة الموجودة هى المسجد، سواء بُنى عليها أم لم يبن، لأن المبانى تتغير بمرور الزمن وتتعرض لعوامل التعرية والهدم والسيول، فهى معرضة لأن تهدم وتقام مكانها مبان غيرها، والدليل على ذلك بناء نبى الله إبراهيم وابنه إسماعيل الكعبة المشرفة، فيقول الله تبارك وتعالى: (وَإِذْ يَرْفَع إبْرَاهِيم الْقَوَاعِد مِنْ الْبَيْت وَإِسْمَاعِيل) فالقرآن لم يقل: وإذ يبنى إبراهيم البيت أو ينشئ مثلاً، وإنما قال: يرفع، وهو دليل على أن هناك قواعد كانت موجودة فى الأصل، وهذا هو المكان المقدس، ثم جاء سيدنا إبراهيم ومعه سيدنا إسماعيل، عليهما السلام، فرفعا هذه القواعد وأظهرا هذا البيت المقدس.

يجب أن نعترف بأن المغالطات التاريخية، سواء فيما يتعلق بالقدس، أو المسجد الأقصى، قد تم التسويق لها عالمياً منذ وعد بلفور قبل مائة عام وحتى الآن، وقد رددها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب أكثر من مرة خلال الأسابيع الماضية، كما تم الترويج لها إعلامياً من خلال بعض المشتاقين العرب، لذا كان من المهم التركيز على مواجهة هذا الاتجاه المضلل، الذى اعتمد على اجتزاء أحداث تاريخية ودينية من سياقها، بهدف خدمة الأهداف الصهيونية فى هذا الشأن.

القدس ليست مجرد حدث عادي يستيقظ عليه العرب فيثورون ويغضبون ثم يهدأون وينامون انتظاراً لعدوان جديد، ولكنها ملف سيظل مفتوحاً وينزف ألماً ووجعاً، وواجب أبناء الأمة بدلاً من البكاء والنواح، أن يتسلحوا بالقوة، وأن يجعلوا من مدينتهم المقدسة، قضية يلتفون حولها ويرفعون رايتها.. وإذا لم يتحدوا من أجل القدس، فعلي أي شيء يمكن أن تتوحد كلمتهم؟

فالقدس لنا والارض كلها لنا وسنصلى ونبتهل الى الله ان يحفظ القدس والاقصى، وأن يجمع شمل الامة ليخرج من بينها صلاح الدين الجديد الذى يستعيد الاقصى الاسير ويحرر القدس ويهزم وجه القوة الغاشم الذى فرض سيطرته عليها فى غفلة من الامة.

إن زهرة المدائن التى تجمع فى مكان واحد المسجد الاقصى الذى هو اول القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وكنيسة القيامة التى تبعد خطوات عنه، تبقى ذات خصوصية عند العرب مسلمين ومسيحيين وعنوان لتلاقى الاديان السماوية فى البلد الذى بارك الله حوله وستعود إن شاء الله قريبا لأهلها.

ونستطيع أن نقرر أن المسجد الأقصى كان له مكانة فريدة فى الوجدان العربى، قبل وبعد بعثة النبى صلى الله عليه وسلم، وكان له مقام رفيع فى نفوسهم، ورفعوا مقام زيارته إلى ما يشبه الحج أو العمرة. ومع إجلال النبي للمسجد الأقصى، وارتباطه بحادثة نبوية شديدة الأثر فى حياته الشريفة، وفى حياة المسلمين، وهى حادثة الإسراء والمعراج، إلا أنه كان يأبى على المسلمين رفع الأقصى إلى مقام «البيت الحرام»، وهو الأمر الذى يدعو إلى التفكير فى الحديث المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول فيه: «لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى".

 

أ. د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

زهير الخويلديأتظن أنك قد طمست هويتي ومحوت تاريخي ومعتقداتي

عبثًا تحاول، فلا فناء لثائرٍ

 أنا كالقيامة ذات يومٍ آتٍ!

ما يحصل للفلسطينيين هو ابادة جماعية وهولوكوست صهيوني للسكان العزل في قطاع غزة ومدن الضفة ووقف العدوان الهمجي على غزة والقدس واجب وطني وفريضة دينية والتزام قومي ومهمة ثورية اممية.

الفلسطينيون قرروا خوض مواجهة بلا حدود مع الاستيطان والاجتياح والتهويد وشرعوا في ازالة الاحتلال وتصدوا بلا هوادة الى التمييز والازدراء واللااعتراف واستمروا في كتابة البطولات قصد انهاء الاستعمار لأن هذه الأرض المباركة لا تتسع لأكثر من هويتين، اما نحن أو نحن، هم عابرون ونحن ماكثون وقادمون.

لقد كان هلال العيد مكتوب بلغة صواريخ المقاومة وكان دك تل الربيع الحدث الفارق في هذا العيد وكان الاشتباك مع العدو هو الأكبر منذ عبور 73 ولقد انست المقاومة الفلسطينيين الموت وذكرتهم بالبقاء والحياة

 لعل السؤال الابرز الذي يجدر بالعقل العربي طرحه هو:

لماذا تأخرت عملية اقامة دولة فلسطينية ذات سيادة وعاصمتها القدس؟

الجواب هو الخيانة والعمالة وبيع الذمة واستباحة الشرف وخلع الكرامة بتزايد المطبعين والمنبطحين والمركوبين. لكن انتفاضة سيف القدس انهت موجة التطبيع مع العدو التي ركبتها بعض الانظمة المعولمة والنخب العربية المفلسفة وترجمت اشتياق الشبيبة الأبية الى الإحساس بالحرية والكرامة والسيادة الوطنية.

ان استعادة الذات الثورية في زمن التفاهة والاستسلام هو إعادة تشكيل الإنسان المقاوم الرسالي بدل الشخص الاناني الانتهازي والتصدي لمشاريع التعايش المغشوش والتفاوض الملغوم والمسار التنازلي عن الثوابت.

مثل الذي باع وطنه وخان بلاده مثل الذي يسرق من بيت أبيه لكي يطعم اللصوص فلا أبوه يسامحه ولا اللصوص يشكرونه على ما قام به ومثل المطبع المرتزق كالسوائم المركوبة التي تجهل عاقبتها ومصيرها.

الانظمة السياسية التي منعت المظاهرات المساندة للمقاومة الفلسطينية هي انظمة معادية الحرية وحقوق الشعوب في التعبير والسيادة الوطنية بينما دخل أحمد عمر هاشم خطيب جامع الأزهر الشريف التاريخ

من باب كبير بدعوته إلى تحرير فلسطين بقوة الردع التي يمكن أن تتشكل من الدول العربية والإسلامية

مازال النظام السياسي الأوروبي او الأمريكي منحازا للكيان الغاصب وبقي حبيا للمركزية الغربية المعادية للإسلام والعروبة والشرق لكن الكثير من شعوب العالم جعلوا من مناصرة القضية الفلسطينية واحبا إنسانيا.

إذا كان الكيان الهجين يعتمد على سلطة التنسيق الأمني ويقوى بخدمات الصهاينة العرب والمسلمين لمشروعه فإن الشعب الفلسطيني يستمد قوته من شرعية نضاله ووجاهة مطالبه وتمسكه بحقوقه في الأرض والعودة. ان عاد الى الاحتلال والاستيطان والتهويد عاد الفلسطينيون الى النضال والكفاح والمقاومة وان زاد في الظلم والتعسف والاعتداء والتهجير زاد الجبارون في الإصرار على التحرير ورفعوا لواء التحدي وكثفوا المواجهة. يا مهبط الأنبياء لقد تحولت غزة الأبية الى رمز لعزة الأمة وباتت المقاومة المهيكلة على وشك الانتشار في مختلف أرجاء مدن وقرى الضفة الغربية وتحولت القدس الى أم المدائن وحي الشيخ جراح الى حي الصمود.

مهما كانت الكلفة باهظة ومهما كانت التضحيات كبيرة من شهداء وجرحى ومهما كانت الخسائر في العتاد والعمران والارواح كبيرة فإن النصر التام قادم لا محالة وان المكاسب ستتحقق في القريب بالإرادة والبذل.

لن تتحرر فلسطين من النهر الى البحر الا اذا اجتمع حول قضيتها نحور المقاومة العربية وفلسفة القوة في الإسلام وكفاح الإنسانية التقدمية من اجل استقلال الشعوب المضطهدة من العولمة المتوحشة و يا اهل فلسطين اصبروا وثابروا ورابطوا ودافعوا عن قدسكم فرباطكم عبادة وموتكم شهادة ونصركم سيادة الم يقل عبد الكريم الخطابي انتصار الاستعمار في اقصى الأرض هو هزيمة لنا وانتصار الحرية في أي مكان هو انتصار لتا

 

د. زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

 

 

سامي عبد العالشاعَ مصطلح " النكبة" في العبارات والتحليلات السياسية التي تتناول الهزائم العسكرية للعرب المعاصرين، سواء مع بداية وجود اسرائيل في فلسطين أو بصدد حروبها مع الدول العربية. وهنا لا يجدي قول عربي قديم (لا مشاحةَ في المصطلح). لأن المشاحةَ بهذه الحالة هي الاستسهال الذي يخل بالواقع، ويسرِّب إلينا صُوراً من التاريخ غير قابلة للذوبان، ويبرمج منطُوق القول وآلياته تجاه وضع ظالم لا يمكن مغالبته، وقد يتحول إلى نوع من (الأسلحة الخطابية الفاسدة) التي ترتد إلى صدور متداوليها. فكلمة (النكبة) يسكنها التشوُّه الدال علينا في القضايا الرئيسة ويحصر المتلقي داخل زاوية ضيقةٍ، وليس أمامه سوى تصديق ما يحمله المعنى بصرف النظر عما حدث!!

ولذلك رغم أنَّ النكبة التصقت تاريخياً بفكرة " احتلال فلسطين " في مقابل " تأسيس اسرائيل"، إلاَّ أنَّ كل احتلال استعماري غاصب يمثل نكبةً وكارثةً فعلية لدولة الاحتلال وشعبها نفسه. لأنه يمثل" حادثة قتل" بالدرجة التي تسمح بفكرة الإبادة الجماعية في حق أرض ومجتمع وكيان تاريخي اسمه فلسطين. كما أن أحداثاً من هذا النوع لدى اسرائيل قد رسمت زمنياً وما زالت " مغامرة التأسيس" من لا شيء تقريباً. فلأول وهلة عكس مسار التاريخ (أو من غرائب التاريخ) أنْ يوجد هناك كيان لدولةٍ مصطّنعاً من وعود وأخيلة ونبوءات وإسكاتولوجيا(أخرويات eschatology) دينية وسياسية. وهي أشياءٌ كانت تحتاج إلى مغامرات تعجن الوجود الاسرائيلي المختلَّق من دماء الآخرين وحيواتهم.

أولاً: يجب رفض مصطلح "نكبة فلسطين" تماماً، لأنَّه وصمة تاريخية تدعو للإحباط الجمعي أكثر من رفع روح المقاومة والثورة.

ثانياً: الفلسطينيون هم الشعب المعتدّى عليه، الشعب الذي يجب اطلاق الوعود يومياً بانتصاره لا العكس. ولا يجب اعتباره ضحية ميتافيزيقية فوق الوصف وأنه يستحيل انتشاله من هذا المعنى.

ثالثاً: لا يمكن للقاتل أنْ يظفر بجرائمه المتواصلة، لأنَّ دلالة النكبة تعطيه الوصف المقابل، سواء أكان تأسيساً أم انتصاراً وهذا غير حقيقي(لا ينبغي الاعتراف بذلك).

رابعاً: حتى لو كانت بعض المصطلحات توصيفاً لواقع الحال، لكن الأجدر أن يتم تعديل البوصلة لمعرفة أبعاد الجرائم في ضوء معايير إنسانية ترد الحقوق لأصحابها وتؤكد المعاني الحقيقية للطرف الجاني.

خامساً: الوصف بالنكبة (يحقق ويؤكد) مكاسب اسرائيل بشكل معكوس، وهو ما يدعوها للسعي نحو كسب المزيد. ويفسر بالوقت نفسه لماذا تحرص على الاهتمام باللغة. لأنها جزء من العتاد الثقافي الذي يرسخ رمزياً فكرة الاحتلال، ويقلب الضحيةَ إلى جلاَّد (ولذلك تحرص اسرائيل على تسمية جيشها بجيش الدفاع الاسرائيلي).

سادساً: لا يجب التطبيع مع المصطلحات، كأنَّها قدر ثقافي لا مفر منه، فالأجيال الجديدة سترث خنوعاً قبل أن تفهم الواقع، وستري في التاريخ ثقلاً راسخاً يستحيل دفعه. وقد تصل إلى مرحلة " إدمان المصطلحات" التي تبرر تاريخاً مفروضاً بالقوة.

وهذا ما جعل اسرائيل من حين لآخر دولةً تحاول اشباع (غرورها الذاتي) بالإمعان في ممارسة القوة إزاء الهوية الفلسطينية لتأكيد هذا المعنى. فهي تحرص على  ذلك طالما تمر رمزية المعنى مرور العبارات المتداولة كما مرت أحداث سابقة بالطريقة ذاتها. واللغة تفعل فعلها سياسياً في تغطية الجرائم ولو بالتداول البسيط، كما أنها نوع من "التطبيع والابتلاع" لمعانٍ قد لا نقبلها بسهولة لو أعدنا التفكير فيها.

ذلك قطعاً بجانب محاولات اسرائيل لممارسة العنف المادي وتمزيق الوجود الفلسطيني وتدمير القرى والمدن والأحياء. وما يجري كذلك على المستويين السابقين وجدناه قد جرى على الصعيد السياسي، لدرجة أنَّ دلالة بعض الأحداث السياسية على الأرض لها طابع الأفيون ونشاطه الوهمي لدى صانعيها الاسرائيليين. ألاَ تترك المواد المخدرة أثراً يُفقِد المدمنين أيَّ إحساس بالواقع؟ ألم تُولِّد أخيلة سارحةً خارج الحدود الطبيعية للأشياء والعالم؟! هكذا تقول خطاباتهم وتعليقاتهم أثناء الحروب والأعمال العدوانية على فلسطين.

لنتذكر بالوقت القريب أنَّ نقل السفارة الأمريكية إلى القدس جاء كالمخدر النرجسي للكيان الإسرائيلي. وهي الحادثة الأبرز التي يجب أنْ نتأملها حيث افتتحت عمليات العنف وأكدت نموذج " نكبة اسرائيل" لا العكس. وطبعاً أدركت أمريكا في وقته أنَّ هذه الحادثة صناعة يجب أنْ ترسم واقعها على نحو افتراضي. إذ جاء الواقع هذياناً حيّاً على الهواء مباشرة، اختزل عشرات السنوات الماضية ومئات السنوات القادمة من عمر دولة الاحتلال. وأعطى اسرائيل كل الأضواء الخضراء للإيغال في الدماء العربية وتأكيد وجودها على الجثث. ولنلاحظ أنَّ تاريخ اسرائيل كله كان تراكماً لممارسات غير مشروعة فوق ممارسات أخرى من هذا اللون، حتى أنَّ مشاهِد الدمار التي تتركها في غزة والقطاع لا تنفصل عن تاريخها القريب أو البعيد. كيف لا..؟ وخاصةً أن فكرة الدولة الصهيونية ذاتها فكرة (جريمة تاريخية historical crime) مكتملة الأركان، منذ البدء وقبل الحديث عن أي شيء آخر.

واستكمالاً لمعنى النكبة بهذا التكوين، تكشف الأحداث ونتائجها تباعاً: كيف يتصرف عالَم السياسة اليوم مع التاريخ والأوهام والصراع والجرائم الجغرافية والعولمية والاستيطان وسرقة الدول وطمس معالمها. كل شيء دون مبالغة كان حاضراً آنذاك في مشاهد الاحتفال بالعاصمة الإسرائيلية - الأمريكية التي هي احتفاء خيالي بواقع زائف. وكأنَّ تأسيس إسرائيل المزعوم قد تمَّ الآن، الآن فقط رغم أنها قامت استعمارياً على أنقاض وآثار فلسطين والتهمت عظام وجماجم الراحلين وسحقت الحياة الفلسطينية. أليست تلك (نكبة إنسانية لن تبرأ منها دولة اسرائيل مع ترسانة نبوءاتها التي لا تنتهي؟

بالفعل هذه قمة النكبة التي تلطخ تاريخ الكيان الصهيوني ومؤيديه بدماء الأبرياء وبالمؤامرات. ولذلك لا يوجد أدنى مبرر لإلصاق النكبة بالشعب الفلسطيني، لأنه عاجلاً أم آجلاً سينتصر هذا الشعب المقاوم، وسيكون على موعد مع الحياة الحرة التي ستظهر أن النكبة صناعة زائفة لن تستمر طالما لدى الشعوب إرادة النضال والمقاومة.

النكبة الإنسانية هي أنْ إسرائيل نجحت في إدارة القتل العشوائي لكل ما يتهدد وجودها، قتل المكان وقتل الزمان وقتل الإنسان وقتل الحياة، إضافة إلى ذلك تطالب زيفاً بحقوقها. وكان ذلك أثراً بعيداً للإنفراد بالأراضي المتبقية من الجغرافيا الفلسطينية. وفي هذا لم تبدأ إسرائيل في إدارة القتل بخطوات على الأرض فقط إنما كان ذلك من خلال تأييد أقطاب العالم الغربي واللوبيات السياسية. لقد أجادت إسرائيل التعلق كالطفيليات بجسد القوى الكبرى (فالصهيونية نزعة فيروسية)، حيث تعيش في هيكل غيرها، وتمتص قدراته وتأثيره لصالحها.

دوماً يُحسب للطُفيل أنْه يلبس رداء الأقوى والأكبر، وأنْ يضع وظائفه سياسياً في خدمة توسعاته. كان القرار الأمريكي المشار إليه دليلاً على هذا التضخم الأفيوني لدى دولة الاحتلال، وعد دونالد لترامب بنقل السفارة قال عنه بنيامين نتنياهو" لقد وعد فأوفى"، وهاهو قد أخذ يحقق ما يقول. ليرد عليه ترامب عبر خطاب متلفز متباهياً بما قال وفعل. ومجدّداً تحضُر المقولة للمرة الألف: " كان الوعد ممن لا يملك لمن لا يستحق". حتى نُفذ قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس كيوم القيامة ليعكس ضعفاً وخنوعاً عربياً يكلله الصمت المطبق من الأنظمة السياسية. فلم ينطق أحدهم بكلمة رئيساً أو مرؤوساً، بدت بقايا المظاهرات في شوارع الدول العربية لا قيمة لها.

لأنَّ العرب لم يعد يمثلوا حتى ظاهرة صوتيه بهذا الانبطاح، بل ظاهرة شبحية في جميع قطاعات الأحداث العالمية التي يهيمن عليها الغرب. إن ما تفعله إسرائيل من امتلاك قوة الوعود لا يمتلكه العرب من خريطة الواقع العربي رغم أنها تحت أعينهم وأيديهم.  وهو ما أوصل الأمور إلى استمرارية العنف الاسرائيلي حتى اللحظة وما سيوصله إلى مداه المجنون في المستقبل.

دلالة الأحداث التي تمثل نكبات عند اسرائيل تجمع مالا يُجمع بما يليق بصناعة عبوة أفيون من العيار الثقيل. كانت محشوة بالعنف المتضخم عولمياً، ثم الكلام الأمريكي الذي جرى توقيعه على الهواء بمجمل علامات التخدير العالية وآيات الكتاب المقدس والعبارات الغابرة حول مملكة إسرائيل وهيكل سليمان وتحريك التاريخ لتلتقي نهايته وبدايته (الوعد والنبوءة). فلكم ردد ترامب إنَّ القدس عاصمة بني إسرائيل من قديم الزمان. وهاهي جوانب الزمان تحط رحالها عند النقطة صفر حالياً لتدشين العاصمة القديمة الجديدة. وقد فهمت اسرائيل بحسب تاريخها أن الأمر هو ترك العنان لكل شيء، كل شيء مباح أمام آلتها العسكرية والسياسية.

كأنَّ المعنى يُشابه كون المناسبة حاضرة ضمن كوكتيل الأحداث: معنى المأساة بالنسبة للفلسطينيين ومعنى المناسبة التاريخية بالنسبة لإسرائيل. وهذا تجديد آخر لفكرة دولة اسرائيل كأنها اُختلقت الآن، أي أن سيناريو الاحتلال الغاصب يعيد نفسه بشكل ساخر هذه المرة. والمفارقة بادية للعيان أنَّ هذا الأمر جرى في الوعاء الزمني والمكاني ذاته داخل فلسطين ضد أية إرادة إقليمية. وكان هؤلاء الفلسطينيون يصرخون وأولئك الإسرائيليون يحتفلون، وتباعاً على المنوال نفسه هؤلاء يولولون وأولئك يرقصون، هؤلاء ينزفون وأولئك يعزفون، هؤلاء يقتلون فيستشهدون وأولئك يصطادون الجماجم والعيون، هؤلاء يركضون حتفاً نحو المصير وأولئك يمرحون ويتسامرون، هؤلاء يتعرون من أي غطاء دولي وإقليمي وأولئك يرتدون دروعاً وسراويل أمريكية وأوروبية.

"القاتل والمقتول" يتصارعان فوق المساحة نفسها التي تحمل آثار الأنبياء الإبراهيميين: موسى بن عمران وعيسى بن مريم ومحمد بن عبد الله. وأجواء الصراع بينهم تنتمي إلى شجرة عائلية واحدة، إنَّه الموت في بيت الأنبياء المقدس، أقدام اليهود تحت أقدام المسيحيين تحت آثار المسلمين. جميعها ضمن حفريات مضغوطة كأنها حولت أرض فلسطين إلى قرص إلكتروني مدمج، شفاف جداً لكنه مشحون بعالم وصور متتابعة من العنف. وهنا أيضاً تظهر نكبة اسرائيل التي استهانت بالمقدسات وتركت الدماء الإبراهيمية عليها، فالقاتل والمقتول أبناء نبوة توحيدية ممتدة، وهما ينتسبان إلى تراث ابراهيمي واحد.

السؤال لا ينتهي: أيهما يقع في فخ النكبة وأيهما يؤسس لمملكة الرب؟ لم يعد ليدرك المتابع إلا بجهد جهيد، ماذا يجري في أرض الرب، وماذا يحدث لنسل العائلة  الابراهيمية المقدسة حتى الآن؟! اليوم والتاريخ والحقائق والأفكار تختلط وتنفجر على هيئة سقوط القتلى الفلسطينيين بخطوط التماس. وحين ترتفع الأصوات بالجهاد، كان يعلو صوت الملك الأمريكي ترامب القابع بسقف العالم مؤكداً أن نقل السفارة الأمريكية تأخر سبعين عاماً وليس منذ أيام!!

كانت الأحداث تضرب في الخيال الكوني من واقع تهويم القوة الأمريكية الغاشمة. فلم يعبأ ترامب الرئيس الجاهل تاريخياً بآثار الأرض ورواسب المشاعر والعواطف. وأمعن في سخريته من العالم كله، أخذ يُوقِّع على قرار السفارة، كأنه يحمل أوراقاً في حلبة لمصارعة الثيران، وبدت ملامحة أفيونية تعصف بأي عقل يفكر.. ما العلاقة بين  رئيس أمريكا وتأسيس دولة تنتهك كل الحقوق الدولية والمحلية!! أية إنسانية - مهما تكن نائية داخل قارة أخرى- تقتل الأطفال وتستمريء إذلال الشعوب؟! ولماذا ظهر ترامب كمحارب قديم يرتدي خوذته ويضرب برماحه العابرة للقارات؟!

نرجسية إسرائيل تطابقت مع نرجسية أمريكا وأثبتتا أنَّ حدثاً كهذا كان سرقة في وضح النهار، احتفال بالسرقة بدلاً من تغليفها بقرارات لهيئات دولية كما هي العادة. الملابسات وراء الاحتفال ليست عادية ولا تتم بأريحية كما يبدو في التفاصيل. لو كانت القدس عاصمة إسرائيل، فلماذا انتظرت الصهيونية كل هذه السنوات حتى تحتفي بتلك الدرامية السياسية؟ لماذا تصطدم العاصمة المقدسة بالقوانين الدولية ومواثيق الأمم المتحدة؟

لأول وهلةٍ نجحت إسرائيل في تأكيد نكبتها الخاصة، لأنها دولة تغتصب حقاً ليس حق كيانها المشتت الآتي من جميع دول العالم جرياً وراء أرض الميعاد المتخيلة في التوراة وحكايات بني إسرائيل. صحيح كانت هناك كتل يهودية في تلك البقعة الأرضية من وسط العالم القديم، لكنها لم تشكل دولة تغتصب حقوقاً وتخطف الأحلام المشروعة للفلسطينيين. من الذي قال إنه لابد أن تكون هناك دولة صهيونية تؤكد الثأر من جيرانها ومن أصحاب الأرض؟ كيف يتجسد الثأر في دولة لها سيادة استعمارية وبأي منطق يتم برمجته خلال دستور وآليات وجيش وثقافة وتربية لاهوتية على غرار فن الحروب؟!

اليوم وفي أي يوم تشن فيه اسرائيل حرباً على الفلسطينيين كانت هناك نكبة فعلية لدولتها القائمة على العنف الدموي. وأنَّ أرض الميعاد قد حولتها الصهيونية السياسية إلى مقبرة جماعية لرفاتها التي تحللت منذ أطلاق الوعود وراء الوعود. فلم تكن الأرض المقدسة(مدينة السلام – القدس) إلاَّ أرضاً للموتى. إنَّ إسرائيل تعيش بين أجداث الأموات فعلاً أو افتراضاً. لقد تأسست على الموت ونذرت نفسها بعنايةٍ له. وتمارس ذلك بدأبٍ كما لو لم تفعل أية لعنة حقيقية بأيِّة جماعات بشرية من قبل بما في ذلك أجدادهم الغابرين.

عندما تقتل إسرائيل أطفالاً يلامسون أسوار قهرها وإذلالها ويدافعون عن حياتهم، فقد مارست نكستها هي لا نكسة الفلسطينيين. كم تباهت إسرائيل حتى كدنا نصدق بأنَّها الدولة الديمقراطية المتفردة وسط برك الديكتاتورية والاستبداد العربي من المحيط إلى الخليج، لكنها برهنت أنها جزء أصيل من البرك الآسنة. إن الوعود المسروقة من الدول الاستعمارية لم تأت من المستقبل، بل تلوثت بالخراب الذي يضمره صراع الهويات والقتل إزاء المقدس أرضاً وسماءً.

الأدهى أنَّ إسرائيل تقلد أمريكا في كل شيء، أو بالأحرى هي النسخة الشرقية البدائية منها. لنلاحظ تأسيس الاثنتين (إسرائيل وأمريكا) على مفاهيم النكبة وآثارها وسلطتها. وليس استمرار النكبات المرتبطة بذيلهما سوى بهذا الأثر. نكبة العراق، نكبة سوريا، نكبة أفغانستان، نكبة اليمن، نكبة فيتنام، أقدام أمريكا لا تخطئها العين هنا أو هناك. إن الكراهية واسعة الانتشار لكل نما هو أمريكي استعماري صهيوني هي المحصلة في نهاية الأمر. وتخطى الدولتان إذا كانتا تعتقدان أن الأفيون سيصل إلى شعوب يحدق بها القتل من كل جانب على الحدود، لأن ذلك رهان على نتائج الكراهية مستقبلاً. لن تجني إسرائيل مع الزمن سوى ما تغرس الآن من أشواك وألغام، إنه بقدر هذه النرجسية المدمرة للآخرين بقدر ما ستكون العواقب وبيلة لا محالة.

إنَّ نبوءة الواقع الذي يتشكل في المدن الفلسطينية والعربية أخطر من نبوءة الوعود، وإسرائيل تزرع يومياً نبوءات الواقع الذي ينقلب عليها عن طريق تدميره. لقد تصر على إشعال براكين الغضب الشعبي وإحياء الصراع بين الديانات الإبراهيمية في غياب أبي الانبياء إبراهيم. والقتل لديه قدرة عجيبة في إعادة الحياة إلى زمن قابيل وهابيل كأننا في سردية لاهوتية عائدة إلى الوراء. حقيقي كتان قد ظهر الاحتفال بنقل السفارة الامريكية بصيغة متأخرة من السعادة، لكنه سيكون بداية لثأر تاريخي لا يتوقف. واسرائيل بضرب غزة ومحاولة اجتياحها تطبق سياسات الاحتفال بصورة متوالية، لأنها دولة نكبات على الأصالة ساعية إليها بكل صلفٍ وتعالٍ.

 

سامي عبد العال

 

محمود محمد عليكلها ضاعت ولكن كيف ضاعت؟ كلمات صاغها الشاعر إيليا أبوماضى عن أيام حياته. لكن أطرحها هنا عن فلسطين وكيف ضاعت. ضاعت لأننا أنكرنا الواقع ورفضنا مواجهته ولعلنا نتدارك ذلك بعد فوات الأوان وقبل مزيد من الخسارة. بدأ التفوق الإسرائيلى قبل قيام الدولة بوقت طويل بالاهتمام بالعلم وإنشاء المؤسسات العلمية مثل إنشاء معهد التخنيون العلمى عام 1912 وجامعة القدس العبرية عام 1925.

وفى 5 يونيو عام 1967، ضاعت القدس ، وضاعت معها غزة والجولان والضفة وسيناء بأكملها. وبعد ست سنوات عبرنا القنال فى أكتوبر واستعدنا كرامتنا المهدرة وحطمنا الصلف الإسرائيلي وأسطورة التفوق التى توهّموها، وأصبحنا فى مركز قوة سار بنا إلى «كامب ديفيد»، ولولاها ولولا السادات العبقري العظيم لكان نصف سيناء محتلاً إلى الآن.

وللأسف خلال الأيام المقبلة ستحل علينا ذكري الخامس من يونيه،والتي تذكرنا بهوان الهزيمة أمام إسرائيل واحتلالها القدس بشرقها وغربها بما فيها المسجد الأقصى الذى يغزونه من وقت لآخر من باب المغاربة بقطعان المستوطنين مع نوايا إسرائيلية معلنة بتقسيم ساحة المسجد الأقصى قسمين أحدهما بما يسمونه الهيكل ضد إرادة ملايين المسلمين فى كل أنحاء العالم.

كما ضاعت القدس العربية يوم 15/5/2018 من خلال اغتصابها بواسطة إسرائيل ومساندة أمريكا وإعلانهم ان القدس العربية هي عاصمة إسرائيل وتلي ذلك نقل دولتين آخريتين سفارتهما إلي القدس. وتبذل إسرائيل وأمريكا أقصي مجهوداتهما لاقناع العديد من الدول لنقل سفارتهم من تل أبيب إلي القدس العربية لتكريس الاغتصاب والاحتلال خاصة في غياب الوجود العربي المؤثر علي الدول الأجنبية.

وبرغم هذا الضياع أقول : مخطئ من ظن أن القرار الأمريكى «القدس عاصمة لإسرائيل» تحقق بمجئ ترامب، هو نتاج مشوار طويل قطعته إسرائيل منذ احتلالها القدس عام67، واستغلالها السينما أكثر وسائل الدعاية تأثيرا بالساحة الدولية، لقلب الحقائق وتحويل الجانى إلى ضحية، وإظهار «الفلسطينى والعربي» همجيا وإرهابيا.

دعونا من الولولة والهتاف بالكلام فقط  بالقدس العربية.. دعونا من الأغانى والرفض والشجب والتنديد والتصويت على «تويتر ».. دعونا من كل هذا، فالواقع الذي نراه الآن في فلسطين وفي غزة وفي حي الشيخ جراح مخيف.. الدول العربية الآن منها من يحتضن قواعد عسكرية أمريكية، ومنها من يستضيف قوات أمريكية، ومنها من يقاتل بعضه بعضاً، ومنها من يبيع الجميع بالأموال، ومنها من يلملم جراحه.. لن يتوحد أحد لاستعادة القدس، فالجميع منكبُّون على مشاكلهم.. قُضى الأمر والبقاء للأقوى. لدينا أمل وحيد فى النشء الصغير أن نتكاتف لنحكى لهم ونعلمهم كيف كانت المأساة وكيف كان التقصير ومن أين جاءت الهزائم ومَن أضاع القدس.. نعلمهم حتى إن شبُّوا ظلوا يرددون أن هناك فى أرض كنعان الفلسطينية دولة مجرمة غاصبة سطت مثل اللصوص على أرض عربية، واستولت فى غفلة منا نحن على قبلة الأديان ورمز العروبة الضائعة.. نعلمهم أن الحلم الأمريكى كذبة كبرى، وأن كل الشرور تأتى من خلف المحيط يظلها العلم الأمريكى وهو يرفرف كوجه الشيطان القبيح.

والسؤال الثاني كيف تعود القدس العربية إلي الحضن العربي حالياً أو مستقبلياً؟

والإجابة ان ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة وهذا هو المفهوم الدولي لكل الصراعات القديمة والحالية. ولكي نستطيع استرداد ما تم اغتصابه لابد من تعميق مبدأ القوة للدول الراغبة في تنفيذ ذلك. ولذلك نري ان ما يتم تنفيذه من سياسات وأعمال داخل الدولة المصرية منذ ثورة 2013 برئاسة السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي وحتي تاريخه ما هو إلا الخطوة الأولي في تكريس مبادئ القوة للدولة المصرية وهي الدولة المحركة والرائدة للدول العربية.

أنا ما زلت أؤمن بعدالة القضية الفلسطينية ونبلها وبأن إسرائيل تمثل خطرا سرطانيا ينتشر فى الجسم العربى ولكنى على قناعة بأنه من أجل السيطرة على هذا الخطر وتلافى مزيد من الخسائر والانتكاسات علينا أن ننظر- كعرب- إلى التجربة ومواجهة أخطائنا حتى نعالجها وعلينا أن ندرك أن هناك علما اسمه إدارة الصراع Conflict management وأن العرب ضد كل قواعد هذا العلم وأنه يمكن تدريس تناولنا لقضية فلسطين تحت عنوان كيف تخسر صراعا؟!

قلوبنا مع الإخوة الفلسطينيين (سواء في غزة أو في رام الله أو في القدس )فى كفاحهم المستمر أمام الغاصب الإسرائيلي الذى يواجه تجمعهم السلمى ضربًا بالرصاص الحى فى مشهد لا يراه مجلس الأمن إلا بعيون الأمريكان المنحازة انحيازًا أعمى لإسرائيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله الذى يشد من أزر الفلسطينيين فنراهم يتجمعون فى ساحة المسجد الأقصى بمئات الألوف التي تبهر الدنيا بعظمة صمود أصحاب الأرض المقدسة. وهو صمود يعلن عدالة القضية الفلسطينية وشرعية دولة مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وردًا على جبروت إسرائيل فى اقتحام المسجد الأقصى بحشد من المستوطنين المتعصبين لإعادة هيكل سليمان مكان المسجد الأقصى الذى تستبيحه إسرائيل باقتحامه واعتقال المصلين الذين يقرأون القرآن بصوت مرتفع وكأنهم يريدون أن يخرصوا الألسنة من تلاوة القرآن الكريم.

وكي تعود القدس العربية إلي الحضن العربي حالياً  ، فاعتقد بأن الحل يتوقف على وجود ارادة عربية إسلامية مشتركة.. لاستخدام قواها ونفوذها المالى والسياسى فى معاقبة كل دولة تقدم على اتخاذ هذا القرار.. بمقاطعتها اقتصاديًا وسياسيا.. ومنع سفر مواطنى هذه الدول إلينا.. أو منع مواطنينا العرب والإسلاميين من السفر إليها.. وبما أننا نملك المال الوفير والوفورات الاقتصادية الهائلة.. خاصة الدول الخليجية فينا .. فهذا كفيل بتخويف كل دولة.. وجعلها تفكر الف مرة ومرة.. قبل اتخاذ هذا القرار.. حتى لا تتعرض للخسائر.. وضرب مصالحها السياسية والاقتصادية!!

وعلى صعيد القضية الفلسطينية، أسرعت مصر بمد يد العون منذ أن بدأ العدوان الإسرائيلى تصعيده ضد الفلسطينيين بغزة، والذى سبقه بقليل أحداث الشيخ جراح المؤلمة، وقد ذكرت مصادر طبية فلسطينية، أن حصيلة شهداء العدوان الإسرائيلى المتواصل على قطاع غزة لليوم السادس على التوالى ارتفعت إلى 139 شهيدا.

وعلى صعيد التحرك الدبلوماسى، يكثف وزير الخارجية سامح شكرى اتصالاته مع نظرائه العرب والأجانب بعدد من الدول لبحث موقف موحد داعم للفلسطينيين فى مواجهة العدوان ومحاولة إيجاد سبل للتوصل لتسوية الصراع الفلسطينى الإسرائيلى، فبحث فى اتصال هاتفى مع وزير الخارجية التونسى عثمان الجرندى جهود إنهاء الهجوم الإسرائيلى والمواجهة فى الأراضى الفلسطينية.

وكان سامح شكرى وزير الخارجية أجرى، أمس الخميس، اتصالاً بوزير خارجية فرنسا جان إيف لودريان، حيث أكدت وزارة الخارجية، أنه تم بحث تطورات الأيام الأخيرة فى القدس والمسجد الأقصى الشريف، فضلاً عن التطورات المتصلة بقطاع غزة، وقد أكد الوزير شكرى خلال الاتصال على أهمية وقف الهجوم الإسرائيلى على غزة، وأهمية حقن الدماء وإنقاذ الأرواح عبر وقف كامل وفورى لإطلاق النار حتى يتسنى العمل على إطلاق الجهود السياسية وفتح آفاق التسوية النهائية للقضية الفلسطينية.

 

أ. د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

................

1- لميس جابر: متي ضاعت القدس .. مقال بالوطن المصرية.

2- مصطفى هدهود: لماذا ضاعت القدس العربية وكيف تعود؟.. مقال.

3-محمد عبدالمنعم الشاذلي: كيف ضاعت؟!.. مقال.

4- د. الشافعى محمد بشير: القدس لنا ولو بعد حين.. مقال.

5- عصام العبيدى: إشراقات .. القدس.. والسفارات القادمة! .. مقال.

6- سمير شحاتة: القدس بين سينما الاستخفاف والاستغلال.. مقال.

7- جمال سلطان: هل يتبلور الغضب العربي الإسلامي من أجل القدس؟.. مقال.

 

 

احمد عزت سليمفكر وسياسة الكيان الإجرامى الصهيونى

يؤكد الكيان الإجرامى الصهيونى بسياسته الإجرامية الدائمة إيماناته العقائدية التى يقوم على أساسياتها الإجرامية بمحو الصفات الأساسية للآخر وإزالة وجودها المتجسد فى الواقع والحياة وتغييبه النهائى عن تاريخه وذاته والشعور بها وبالعالم من حوله لينتهى إلى التحلل والموت والفناء بحيث لايعود له وجود فى العالم وهذا هو منتهى وسعى لاهوت الإبادة والذى يتبلور فيه أنساق وبنى الميثاق الأبدى والعهد الإلهى والنقاء والتفرد والاستعلاء حيث تتحول إلى إجراء عملى تنفيذى للإبادة ويعكس كافة فاعلياتها التنفيذية ويعبرعن العلاقات والمعانى والتصورات العنصرية الإسرائيلية وكما يعبر عن حركتها وتدفقها خلال الزمان والمكان واندفاعها من الواقع الإنسانى (اليهودى) إلى الواقع غير الإنسانى (الأغيار)، من المقدس إلى الدنس، ومن التاريخى الصلب (اليهودى) إلى اللاتاريخى الهامشى (غير اليهودى)، ومن ثم فهو يكشف عن البنى المؤسسة والمميزة لهذه المنظومة من المزاعم التى تتجلى فى السلوك العنصرى الإجرامى اليهودى الجماعى والفردى والمؤسسى، ولا يمكن معرفة النظام والبنية المؤسسة لذلك إلا من خلال دراسة وتوصيف السلوك والحركة، البداية والمركز والصيرورة الموسومة بمزاعم الثبات.

البداية هى المزاعم المترتبة على الميثاق الأبدى وعلى التفرد وعلى الاستعلاء، والصيرورة الثابتة هى الإبادة بما تشمله من المحو والإفناء وكلاهما سبب ونتيجة، تطور وتشكل، تبلور وتمركز، وكلاهما لازم لمزاعم الوجود اليهودى المستقل، وبالتالى فإن الأفعال العملية والممارسات العنصرية تكشف حقيقة هذه المزاعم، ودائماً ما كان " قادة بنى إسرائيل يبحثون عن سلوى وتعويض لأمتهم فى مقابل المذلة التى كانت تعانيها فى حياتها الدنيوية وذلك عن طريق رفعها إلى درجة عالية من الروحانية ولكى يحقق القادة هذا الغرض فإنهم وضعوا، بالأحرى، وأحكموا وضع نظام من الطقوس الدينية يستهدف احتكار الرحمة الإلهية الاستئثارية بها، وبذلك تصبح " صهيون " المدينة المقدسة مركزاً لمملكة الرب فى الأرض وموئل بهجتها " (1) ولتقتصر هذه الرحمة الإلهية من خلال التعاقد مع الرب والعهد المقدس بينهما على شعب إسرائيل ـ وحده دون غيره من الأمم ـ ومبرراً للتصرفات العدوانية على الأغيار، ولتصير أولى الخصائص البنائية للاهوت الإبادة، وهذا الاختصاص بالرحمة والاستئثار بها لم يأت إلا بكون أن الإله قد أعفى شعب إسرائيل من العقاب لأن الإله هو مصدر الشر كما أنه مصدر الخير، وأنه أعطى الإنسان (يقصد اليهودى) طبيعة رديئة لولاها لما كان يخطئ وقد أجبر اليهود على قبولها، وينتج عن ذلك أن داود الملك لم يرتكب بقتله لأوريا، وبزناه بامرأته خطيئة يستحق العقاب عليها منه، لأن الإله هو السبب فى كل ذلك (2) كذلك فإن الإله على حسب ما جاء فى التلمود معصوم من الطيش لأنه حالما يغضب يستولى عليه الطيش، كما حصل منه يوم غضب على بنى إسرائيل وحلف بحرمانهم من الحياة الأبدية، ولكنه ندم على ذلك بعد ذهاب الطيش منه، ولم ينفذ ذلك اليمين، لأنه عرف أنه فعلاً ضد العدالة " (3) .

بل أن الرب يناصر يعقوب فى الحصول على قطعان ماشية خاله فيهرب بها أثناء الليل فى ضوء القمر بعد أن أخبر زوجاته بتغير سلوك أبيهن معه ثم حكى فى روع زائف كيف أن الرب ناصره فحول قطيع أبيهن من عنده إليه . ولكى يخلع على المؤامرة مزيداً من الحبكة، أخبرهن فى نهاية الأمر، والوميض يسطع فى عينيه، فيما يبدو، كيف أنه رأى رؤيا فى الليلة الماضية، ظهر له فيها ملاك الرب وطلب منه أن يرحل إلى وطنه " (4) .

هكذا يتصرف الإله ويعقوب على حد سواء فيما لا حق لهما فيه ويسرقان معاً لتصير السرقة خصيصة بنائية ثانية للاهوت الإبادة، تهدف من خلال ممارساتها إلى محو حقوق الآخرين والاعتداء عليها وسرقتها وهنا نلاحظ أن صياغة التوراة تعطى تأكيداً كبيراً يكشف عن مطامع اليهود فى مصر " خذوا أباكم وبيوتكم وتعالوا إلى فأعطيكم خيرات أرض مصر وتأكلون دسم الأرض .. خذوا لكم من أرض مصر عجلات لأولادكم ونسائكم واحملوا أباكم وتعالوا لا تحزن عيونكم على أتانكم لأن جميع خيرات أرض مصر لكم " ولتتصاعد هذه السرقة إلى حد النهب والاستغلال فحسب " تنبؤات يوسف حلت سبع سنوات الجفاف والجوع التى لم تعم مصر وحدها بل البلدان المجاورة أيضاً وعانى الناس كثيراً من الجوع وعندما رجوا فرعون أن يفتح لهم عنابره أحالهم إلى يوسف الذى تفهم رجاءهم ولكنه لم يوزع عليهم القمح بلا مقابل . ففى البداية كان على الناس أن يدفعوا ثمن ما يأخذونه نقوداً، ولما نفذت النقود باعوا خيلهم وماعزهم وعجولهم وحميرهم، وكان همهم الوحيد تجنب الموت جوعا وفى نهاية المطاف فقد الناس أرضهم، ثم باعوا أنفسهم عبيداً، وهكذا بعد سبع سنين من وقوع الكارثة صارت الأرض كلها ومن يعمل عليها ملكاً لفرعون مصر " (5) .. وحين أصبحت الأرض ملكاً لفرعون أخذ يوسف يؤجرها قائلاً للناس: " إنى قد اشتريتكم كما اشتريت أرضكم لفرعون " هكذا يتبدى المخطط الإجرامى ــ كماتنص التوراة ــ الذى استخدمته الجماعة اليهودية كجماعة وظيفية بقيادة يوسف لتركيع الأغيار واستغلال حاجاتهم الإنسانية وتحويلهم بسببها إلى عبيد على النحو الذى يقدمه النص التوراتى، ولم يكن غريباً عليهم فى عصر تال هو عصر موسى أن ينهبوا بيوت المصريين وامتلكوا الأدوات الذهبية والفضية والثياب وغيرها من النفائس وذلك بأمر الآلهة " فأمد يدى وأضرب مصر بكل عجائبى التى أصنع فيها، وبعد ذلك يطلقكم، وأعطى نعمة لهذا الشعب فى عيون المصريين، فيكون حينما تمضون أنكم لا تمضون فارغين . بل تطلب كل امرأة من جارتها ومن نزيلة بيتها أمتعة فضة وأمتعة ذهب وثياباً وتضعونها على بنيكم وبناتكم فتسلبون الشعب (خروج 3: 2.- 22) . وهكذا تكون السرقة والنهب بنص إلهى وهو مالم تعرفه الإنسانية قبلا وبعدا .

هكذا يتصرف الإله وموسى والشعب على حد سواء ويسرقون ويسلبون ما لغيرهم، لتتأكد خصيصة بنائية ثالثة وهى التآمر الدائم ضد مصر سعيا إلى إبادتها، ومشكلاً لخصيصة بنائية مرتبطة بخصيصة السرقة وهى خصيصة الاستغلال باستخدام اليهود كجماعة وظيفية موسومة بعهد الرب بالسيطرة على أملاك جزيلة منذ عهده لإبرام (تكوين 5: 7-18) وهكذا ارتبطت هذه الخصيصة البنائية عادة بالعهد والميثاق وتكررت فى حادثة يعقوب وخاله لابان التى أشرنا إليها سابقاً .

ويكون التخليص والتطهير للأشياء المسروقة تبريراً لاهوتياً من أجل امتلاكها دون واخز من ضمير، فكل شئ يمكن تخليصه إذا لمسه أو عالجه اليهودى وخاصة اليهود المسيانيين، ويطبق أعضاء جوش أمونيم هذا المذهب فى الصراع على الأرض المقدسة فيزعمون أن ما يبدو فى ظاهره مصادرة الأراضى المملوكة للعرب من أجل إقامة مستوطنات يهودية عليها، ليست عملاً من أعمال السرقة لكنه تطهير لها من الخطيئة، ومن خلال هذا المنظور فإن الأرض يتم تخليصها من خلال نقلها من الدائرة الشيطانية إلى الدائرة الإلهية " (6)، بهذا المفهوم تكتسب السرقة ويكتسب الاغتصاب قداسة ويصبح التخليص والتطهير بهذا المعنى هو الخصيصـة البنائية الرابعة .

وقد ارتبطت هذه الخصائص البنائية السابقة بمكافأة الإله لاغتصاب الآخرين وأكل حقوقهم، فبعد خديعة يعقوب لخاله ورحيله بالغنيمة، يبصر الرب يقف بجانبه ويعده بأن أسلاب الأرض، والأرض التى تحيط به جميعاً ستصبح له ولذريته من بعده، وبعد سرقة شعب مصر فإن الرب يعدهم بطرد جميع الشعوب من أمامهم فيرثون شعوباً أكبر وأعظم منهم وأن كل مكان تدوسه بطون أقدامكم يكون لكم ...، ويجعل الرب خشيتكم ورعبكم على كل الأرض التى تدوسونها (تثنية 11: 22- 25) .

هكذا تتشكل خصيصة بنائية خامسة وهى المكافأة الإلهية لكل التصرفات العدوانية التى تقود إلى سرقة الآخر واستباحة أملاكه وماله، ليتبلور بناء على ما سبق خصيصة بنائية سادسة استباحة قتل وسفك دماء الآخرين حيث يعتبر اليهود كل خارج عن مذهبهم غير إنسان، ولا يصح أن تستعمل معه الرأفة ويعتقدون أن غضب الله موجه إليه، وأنه لا يلزم أن تأخذ اليهود شفقة عليهم، وذكر فى كتاب التلمود (سنهدرين1،92) " غير جائز أن تشفقوا على ذى جنة " وقال الرابى جرسون ليس من الموافق أن الرجل الصالح " يقصد اليهودى " تأخذه الشفقة على الشرير " غير اليهودى " وقال الحاخام أباربانيل: ليس من العدل أن يشفق الإنسان على أعدائه ويرحمهم " (7)، فقتل موسى كما أمر الرب كل ذكر من بنى مدين وقتل جنوده ملوك مدين فوق قتلاهم وسبى بنو إسرائيل نساء مدين وأطفالهم ونهبوا جميع بهائمهم وجميع مواشيهم وكل أملاكهم وأحرقوا مدنهم بمساكنهم وجميع حصونهم بالنار وأخذوا كل الغنيمة وكل النهب من الناس والبهائم (عدد 31: 7- 12) وغضب موسى إذا لم يبق جنده على كل أنثى حية، كان يريدوهن لبنى إسرائيل (عدد 31: 16) ونظراً لهذه الخيانة للرب فقد أمر أن يقتل من السبايا كل ذكر من الأطفال وكل امرأة عرفت رجلاً بمضاجعة ذكراً اقتلوها، لكن جميع الأطفال و النساء اللواتي لم يعرفن مضاجعة ذكر أبقوهن لكم حيات (عدد 31: 17- 18) وهكذا فعل يوشع مع أريحا فيما عدا الزانية راحاب فحرموا كل من فى المدينة من رجل وامرأة، من طفل وشيخ حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف (يوشع 6: 12 ) وأحرقوا المدينة بالنار مع كل ما بها ـ إنما الفضة والذهب وآنية النحاس والحديد جعلوها فى خزانة بيت الرب . (يوشع 6: 2) وأما الزانية فقد سكنت فى وسط إسرائيل ( يوشع: 25)، وفيما عدا الذهب والفضة والأوانى التى توضع تذكاراً للرب فى خيمة الاجتماع وفيما عدا الزانية التى تسكن وسط إسرائيل .

وهذه الخصيصة هى ذاتها التى يعبر عنها حديثاً الحاخام كوك الأب الروحى للنزعة المسيانية فى الأصولية اليهودية قائلاً: " إن الفرق بين روح اليهود وأرواح غير اليهود أكبر وأعمق من الفرق بين روح الإنسان وروح البهائم " (8) ويعبر الحاخام يهود أميتال عن هذه الخصيصة البنائية قائلاً: " إننا نعلم إذن أن هناك تفسيراً واحداً للحروب فهى تهذب وتنقى الروح . فعندما يتم التخلص من الدنس، تصبح روح إسرائيل وبفضل الحرب نقية ـ إننا قمنا بالفعل بغزو الأرض، وكل ما تبقى الآن هو أن نقوم بغزو الدنس " (9) .

ويضيف الحاخام أفنيرى: " إننا يجب أن نعيش فى هذه الأرض حتى بالحرب . علاوه على ذلك حتى لو كان هناك سلام، فإننا يجب أن نشعل حروب التحرير من أجل غزو هذه الأرض، وليس من المستبعد افتراض أن جوش أمونيم إذا ما امتلكت السلطة والوسيلة فإنها سوف تستخدم الأسلحة النووية من أجل محاولة تحقيق هدفها " (1.) أما الحاخام دريفوس فقد عبر عن هذه الخصيصة قائلاً: " إننا سوف نشعل حرباً لا تعرف الرحمة ضد الكيان الكنعانى الفلسطينى " (11)، هكذا يصير سفك الدماء خصيصة بنائية ضرورية للإبادة والمحو والإفناء منذ أن بارك الرب نوح وجعل سفك الدماء فريضة وسلوكاً إلهياً " سأسفك دم الإنسان بالإنسان يسفك دمه . لأن الإله على صورته عمل الإنسان . (تكوين 9: 6)، كما أن " الإله يهوه ينتقل بنفسه من بيت إلى بيت وحيث كان لا يجد بيتاً مطلياً بالدم يقتل فيه الأولاد الذكور بلا تمييز بين ابن فرعون وابن أية أمة فى مصر،  وحتى بكور المواشى لم تنج من عقاب يهوه " (12) فالإله هو إله الجنود ورب الجنود، إذا انهزم الجنود انهزم الرب وإذا سقطت بنى إسرائيل سقط الإله، ولأنه إله بنى إسرائيل وحدهم فهو يحارب معهم ويسير أمامهم ويطرد من أمامهم الأغيار ويحل لهم القتل والنهب والسرقة ويذبح أمماً بأكملها وهو مسرور كإله للجنود من بنى شعبه، وتصور التوراة إله بنى إسرائيل قاسياً مدمراً متعصباً لشعبه وهو بهذا عدواً للآلهة الأخرى كما أن شعبه عدو للشعوب الأخرى ومن هنا فإن رب إسرائيل يأمر شعبه باستعباد جميع الشعوب، وأن لا يبقى منها نسمة أبداً، أى على الإسرائيليين أن يبيدوهم تماماً ( 13 ) " متى أتى بك الرب إلهك إلى الأرض التى أنت داخل إليها لتمتلكها وطرد شعوباً كثيرة من أمامك ... لا تقطع لهم عهداً ولا تشفق عليهم " (تثنية 7ـ2) .

ومن ثم فجر الشعب والأنبياء وأصبح العرى وتعظيم الفجور والإباحية والفسق خصيصة بنائية سابعة لازمة للاهوت الإبادة وقد اتسمت حركة الأنبياء فى إسرائيل بالتعصب والوحشية فقد قام النبى هوشع بمضاجعة امرأة عاهرة وامرأة غير امرأته مدة ثلاث سنوات كى يثبت ليهوذا أنهم بعبادتهم لآلهة غريبة يقدمون على خطيئة الفسوق العظيمة، أمـا النبى أشعيا فقد صار عارياً فى الطرقات ليبين للأوريشليميين أن يهوه سوف يعرى مدينتهم الخاطئة من غناها، كما هو عار تماماً " (14) وقد زنى لوط بابنتيه الواحدة بعد الأخرى فى ليلتين متتاليتين بعد أن سقتا أباهما خمراً ثم حملت البنتين من أبيهما وأنجبتا إبنين الواحد مؤاب وهو أبو المؤابيين والأخر بن عمى وهو أبو العمونبين وأصبح هذا الزنا سبباً أن العمونيين والمؤابين لا يدخلون جماعة الرب إلى الأبد " ويكون هذا سببا لإبادتهم هم وأحفادهم إلى ما بعد ظهور الماشيح .

وهكذا يبدو واضحاً أن علاقة إسرائيل العدائية بجيرانها المؤابيين والعمونيين لعبت دوراً هاماً فى اختراع هذه القصة ونسبة أصل الشعبين إلى علاقة غير طبيعية، إذ أتيا عن طريق زنا لوط بابنتيه " (15) وكان هذا مبرراً للمحو والفعل لهذين الشعبين، كما أن التوراة التى جعلت من هذا الزنا سبباً لحرمان شعبين من الدخول إلى جماعة الرب وسبباً للحرب عليهم " هى نفسها التوراة التى تصمت عن زنى رأوبين بزوج أبيه وزنى يهوذا بزوج ابنه وحرمت الزنا فى وصاياها العشر، وهى نفسها التوراة التى تمجد أستير على ما ارتضته من أن تكون محظية الملك الفارسي وعشيقته مادام فى ذلك تحقيق لمصلحة مبتغاة بل لقد وصل هذا التمجيد بها إلى أن تفرد لها سفراً خاصاً من أسفارها هو سفر إستير" (16) والتى سمح الملك لليهود بناء على رجائها الانتقام من أعدائهم فى كل المملكة فقتل نتيجة لذلك خمسة وسبعون ألفاً بينهم عشرة أولاد لهامان " فضرب اليهود جميع أعدائهم ضربة سيف وقتل وهلاك وعملوا بمبغضيهم ما أرادوا " إستير 9: 5 " وصلبوا بنى هامان العشرة على الخشبة بناء على طلبها ... .

وتتجلى هنا خصيصة بنائية ثامنة ومكملة لما سبق وهى خصيصة رد الجميل بالقتل، فقد انتقم موسى بأمر الرب من المديانيين وهى القبيلة التى أوته وكرمته وصاهرته ثم عاد منها كريماً لينقذ بنى إسرائيل من سخط فرعون وعذابه المهين " فيرسل موسى الجند إلى مدين فيسبون نساءهم وأطفالهم وينهبون جميع بهائمهم ومواشيهم وكل أملاكهم ويحرقون جميع مدنهم ومساكنهم وحصونهم بالنار " وأخذوا كل الغنيمة وكل النهب من الناس والبهائم " (عدد 31: 7–11) .

ثمة خصيصة بنائية تاسعة متممة لما سبق وهى خصيصة " إرجع من وراءه فيضرب ويموت . فقد زنا داود بامرأة مقاتل شديد الدفاع عن الرب والشعب والتابوت ولكى يخفى جريمته يستدعى زوجها أوريا من ميدان القتال ليدخل عليها وينسب حملها إلى زوجها فيرفض أوريا من شدة حبه للرب ودفاعاً عن الشعب ويختار العودة للقتال، هنا يرسل داود إلى خاله يؤاب قائد الجيش ليقتله غدراً وغيلة ثم يتزوجها بعد ذلك ثم أن الرب ينقل عن داود خطيئته بقتل الطفل ابن الزنا، ولا غرابة أن داود فى نفس السفر يصرح " يكافئنى الرب حسب برى، حسب طهارة يدى يرد على، لأنى حفظت طرق الرب ولم أعصى إلهى لأن جميع أحكامه أمامى وفرائضه لا أحيد عنها " (صموئيل الثانى: 21- 22) !! .

 

بقلم أحمد عزت سليم

عضو أتحاد كتاب مصر

....................

المراجع:

1 ) جيمس فريزر، الفلكلور فى العهد القديم ( التوراة )، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الثانية1982، ترجمة د. نبيلة إبراهيم،   ج 1   ص 179

2 ) المسيحيون والمسلمون فى تلمود اليهود ص  32

3 ) نفسه  ص 3

4 ) الفلكلور فى العهد القديم جـ 2   ص 494

5 ) زنون كوسيدوفسكى، الأسطورة والحقيقة فى التوراة، الأهالى للطباعة والنشر، دمشق، الطبعة الأولى ـ 3/ 1996، ترجمة: محمد مخلوف   ص 77

6 ) الأصولية اليهودية    جـ 2   ص 60

7 ) المسيحيون والمسلمون فى تلمود اليهود      ص 39

8 ) الأصولية اليهودية  جـ 1   ص 16

9 ) نفسه  جـ 2  ص 60

10) الأصولية اليهودية    جـ 2   ص 71

11) نفسه جـ 2  ص 105

12) الأسطورة والحقيقة فى التوراة  ص 98

13) د . محمد بيومى مهران، دراسات فى تاريخ الشرق ـ 2 أسرائيل، مطبعة الأمانة القاهرة، 1983

ص 65

14) الأسطورة والحقيقة فى التوراة  ص 281

15) دراسات فى تاريخ الشرق 2 أسرائيل ص 73

16) نفسه  ص 78

 

 

علاء اللامياغتصب الكيان مطارها "مطار اللد" وأطلق عليه اسم مجرم الحرب "بن غوريون"، فيها ارتكبوا مجزرة مسجد دهمش سنة 1948 ثم أغلقوا المسجد لأكثر من نصف قرن!

تقع اللد على بعد 38 كم شمال غرب القدس وعلى مسافة 16 كم جنوب شرق مدينة يافا و5 كم شمال شرق الرملة. يعود تاريخ بنائها إلى الألف الخامس ق.م، من قبل الكنعانيين. كانت تُسمَّى في عصر الفرعون تحتمس الثالث بـِ "رتن" وفي عهد الرومان دُعيَّت باسم "ديوسبوليس". ذكرت في الكتاب المقدس "العهد القديم" عدة مرات وعرفت بـ"لد" بضم اللام، وغير اليونانيون اسمها إلى ليدا (Lydda)، وذكرها ياقوت الحموي في معجمه وقال إن لُد بالضم والتشديد، وهو جمع ألد والألد تعنى الخصومة، ولا أرجح هذا التخريج للاسم. وذكر أحد الباحثين أن (اسم اللد نسبة إلى "الليديين" وهم الشعب الذي استوطن سواحل أسيا الصغرى الغربية والواقعة على بحر أيجة وهاجرت بعض شعوب هذه الجزر كشعب الفلسطة الى سواحل فلسطين فخلدوا الليديين بتسمية بلدة اللد)؛ ولا أرجح هذا التفسير أيضا لانعدام وجود ما يؤكده أركيولوجيا أو انثروبولوجيا.

في الماضي كانت اللد عاصمة منطقة وسط فلسطين، وفي فترة الفتح العربي الإسلامي اتخذها عمرو بن العاص عاصمة لجند فتح فلسطين عام 636 م، واستمرت كذلك حتى تمّ تأسيس مدينة الرملة عام 715م التي أصبحت مركزا مهما في فلسطين. احتلت قوات الفرنجة "الصليبية" مدينة اللد، وفي عام 1267م، وبعد هزيمة واندحار جيوش وممالك الفرنجة ضمها السلطان بيبرس إلى نفوذه.

كانت اللد في العهد العثماني، عام 1516م قرية تابعة لقضاء الرملة، واكتسبت أهميتها السياحية من وجود قبر القديس جورجيوس الذي ولد سنة 280م وقتله الإمبراطور الروماني دقلديانوس، قتله تحت التعذيب لأنه لم يرتد عن دينه المسيحي، وأنقاض الكنيسة التي بنيت فوق قبره أعيد بناؤها عام 1870م. وفي عام 1914م اندلعت الحرب العالمية الأولى وجُنِّدَ شُبان المدينة للاشتراك في الحرب التي انتهت بزوال الحكم العثماني على البلاد. وفي عام 1917م انسحب الجيش العُثماني من اللد عند اقتراب الجيش البريطاني منها، وأصبحت اللد تحت الحكم العسكري البريطاني الذي شكل لاحقا حكومة الانتداب البريطاني على فلسطين.

بعد قيام الكيان الصهيوني في 14 أيار 1948م شنت المليشيات الصهيونية عملية عسكرية واسعة في منطقة اللد والرملة للاستيلاء على البلدة ومطارها وفشلت عدة مرات. وفي 10 يوليو 1948م، وحين نفذ عتاد المدافعين عنها تمكنت من احتلالها بخدعة قذرة، حيث دخلتها بلباس الجيش الأردني بعد أن روجت إشاعات مفادها أن قطعا من هذا الجيش ستدخل المدينة للحيلولة دون سقوطها بأيدي الصهاينة. وارتكبت العصابات الصهيونية بعد احتلالها مجزرة بشعة بحق المصلين والمدنيين. فقد قتل الصهاينة عند دخولهم لمدينة اللد 426 عربياً منهم 176 قتلوا في "مسجد دهمش"، وبعد المجزرة، بقي المسجد مُغلقاً لأكثر من نصف قرن، حتى تمّ ترميمه وافتتاحه من جديد عام 2002م؛ ذكر الداخلون إلى المسجد بأنهم قبل أن يبدأوا بأعمال الترميم لاحظوا آثار المجزرة باقية ومنها بُقع من الدم على جدران وأرضية المسجد.

أما "مطار اللد" الذي أطلق عليه الكيان الصهيوني اسم الإرهابي المجرم بن غوريون؛ فقد افتتح هذا المطار من قبل سلطات الاحتلال البريطاني في عام 1937م وأطلقت عليه اسم "مطار فلهيلما"، ثم أصبح المطار الدولي لفلسطين حتى بعد قيام الكيان الصهيوني حيث غيرت السلطات الإسرائيلية اسمه ليصبح "مطار اللد"، وحين توفي المجرم دافيد بن غوريون في عام 1973م، قررت سلطات الكيان تغيّر اسمه ثانية ليصبح اسمه "مطار بن غوريون الدولي".

في اللد بقيت نسبة سكانية مهمة من الفلسطينيين واعتبر الكيان أن اللد تم تهويدها وصهينتها كسائر مناطق فلسطين التي احتلت سنة 1948، ولكن شباب المدينة انتفض في الانتفاضة المجيدة المستمرة بقوة أذهلت الصهاينة وغير الصهاينة فسيطر الشباب على مركز المدينة وأنزلوا العلم الصهيوني ورفعوا علمهم الفلسطيني/ الصورة، وماتزال الانتفاضة في مناطق 48 مستمرة تتكامل مع انتفاضة وتصدي الشعب الفلسطيني في عموم أرض فلسطين. وخصوصا بعد أن أسفر الكيان الصهيوني عن حقيقته العنصرية الرافضة للآخر حتى لو كان صاحب الأرض حين قرر أن يسن قانونا يعتبر "إسرائيل" دولة قومية خاصة باليهود فقط، وقد صوت عليه الكنيست باسم "قانون الدولة القومية لليهود في إسرائيل"، بتاريخ 19 تموز - يوليو 2018. وطلب الكيان من الرسميين الفلسطينيين في سلطة أوسلو البائسة الاعتراف بيهودية كيانهم ولكن السلطة لم تجرؤ على الموافقة حتى الآن، وقد جاءت انتفاضة فلسطيني مناطق 48 لتؤكد هويتهم الفلسطينية العربية في كيان عنصري يرفض الاعتراف بهم كمواطنين متساوين مع غيرهم ويعتبرهم من الدرجة الأدنى وهاهو الكيان يحصد خيبة جديدة بعد أن داس شباب اللد وغيرها من مدن فلسطين 48 على هذا القانون وأكدوا هويتهم الوطنية مجددا فطار صواب الصهاينة.

اللد أيضا هي مسقط رأس القائد الفلسطيني الراحل وحكيم الثورة الفلسطينية جــور ج حــبـش، وقد تحدث عن ذكرياته طفلا فيها وعن تهجيره هو من تبقى من عائلته منها في مذكراته "صفحات من مسيرتي النضالية". ومن اللد أيضا القائد حسن سلامة، أحد قادة المنظمات العربية الفلسطينية استشهد عام 1948، وابنه القائد علي حسن سلامة الذي استشهد عام 1979.

سلاما للد ولشباب اللد الشجعان ... سلاما ونصرا لفلسطين ولأهل فلسطين!

 

علاء اللامي

 

 

غانم المحبوبييتفق المؤرخون على عدم الوضوح في اصل سكان العراق ماقبل التاريخ، ولكن ما هو معروف ان هناك اقلية من الاعراب مَن سكنَ ارض الرافدين مع غيرهم الكثيرين كالسومريين والبابليين والاشوريين والكلدانيين والمندائيين (الصابئة) والهِتيت بالاضافة الى الفرس والرومان. اما من ناحية اللغة فان اول لغة مكتوبة عرفها الانسان هي لغة العراقيين السومريين وذلك باكثر من ثلاثة الاف سنة قبل الميلاد. كذلك شهد العراق القديم تزاوج رائع بين لغة الاعراب المستوطنين ولغات التحضر الانساني عبر التاريخ، المحلية منها بدءا بالسومرية والارامية والاجنبية كالفارسية والاغريقية والرومانية. اعتاد الجميع، العرب او غيرهم ان يسمي العراق بمهد الحضارات الانسانية وخصوصا ما قبل التاريخ. ولكن كم هم اللذين يعرفون وان عرفوا يُصَدقون بان العراق هو مهدُ العروبة بكلا المَعْنَين; الانثروبولوجي كامةٍ مُمَيَزةٍ والمعنوي كثقافةٍ مجتمعية؟ وكم هم اللذين يعرفون ان ارض السواد هي منبع المجد العربي الاسلامي؟ هذا ما سنبينه في هذا الجزء، عسى ان نوضح ما للهوية الرافدينية من اهمية اساسية في اقامة حضارات وادي الرافدين. ولكن، وقبل الدخول في التفاصيل يجب ان نوضح للقاريء ان ولادة الامة العربية والعروبة في ارض الرافدين لا يعني ان جميع ارض السواد هي عربية وان جميع مَن سكنوا فيها هم من العرب بل ربما على العكس ان العرب هم اخر الاقوام اللذين انتشروا في هذه الارض واكتسبوا الهوية الرافدينية التي سبقتهم بالاف السنين. ونتيجة لما كان يتصف به العراق من امان ورخاء في المياه والارض الخصبة وما تنتجه من وفرة الغذاء للانسان والحيوان اصبح العراق قبلة للمهاجرين وبالاخص اعراب الصحراء. اقول "اعراب" اي البدو الرُحَل حيث لم تكن  كلمة "العرب" متداولة في ذلك الوقت وهنا بيت القصيد كما سنرى. بالاضافة الى الاعراب اللذين احتفظوا بطريقة حياتهم في الرعي والترَحلْ في الصحراء الجنوبية والغربية من العراق، هناك مَن استقر قرب ضفاف الانهار بشكل دائم حيث يجدون ما يحتاجونه للعيش لهم ولماشيتهم على مدار السنة بدون الحاجة الى الترحال(١)، ومنهم على سبيل المثال بنو شيبان في ارض السماوة جنوب العراق. ومع مرور الزمن ظهرت اجيال جديدة من الاعراب وقد تغلغلوا في اعماق وادي الرافدين واكتسبوا ثقافة العراقيين نتيجة للاختلاط والتعايش والتزاوج حتى اصبحوا عراقيو الهوية ومنهم نبي الله ابراهيم (ع) وعائلته كزوجته سارا واولاده الانبياء اسماعيل واسحاق (ع). ومن غرائب التاريخ التي تؤكد امجاد العراقيين هي ان اعراب العراق وبعكس من بقوا في شبه الجزيرة العربية هم بالذات من اقاموا عدة امارات عربية متحضرة قبل الاسلام كامارة ميسان شرق دجلة والتي استمرت حتى سنة ٢٢٢م وامارة الحضر جنوب الموصل من سنة ٧٠م الى ٢٤١م ثم اخرها واعظمها حجما وشانا امارة المناذرة في الحيرة وسط العراق قرب الكوفة حيث تاسست سنة ٣٥٠م واستمرت حتى سنة ٥٥٠م قبيلَ ظهور الاسلام(٢،٣). 

تاسست امارة الحيرة من قبل ملكها عمرو بن عدي اللَخمي وبمباركة الامبراطورية الفارسية لحماية مدن ما بين النهرين من غزوات اعراب الصحراء المجاورة. ونتيجة لسيطرة ملك الحيرة على جميع قبائل الاعراب في العراق والشام والحجاز واليمن والبحرين وباقي الجزيرة تقرر تسمية امارة الحيرة ولاول مرة بالتاريخ "بمملكة العرب"، حيث ضمت تحت لوائها كلَ مَن نطق العربية واستُحْدِثَت كلمة "العرب" لتَحل محل الاعراب في تسمية من تحضر منهم. والصورة ادناه لنقش النمارة في الشام وُجدَ على قبر ملك الحيرة الثاني امرؤ القيس بن عمرو والملقب في هذا النقش "بملك جميع العرب(٢). وبهذا يحدث في ارض العراق ولاول مرة في التاريخ ولادة مفهوم قومي جديد يُسَمى "امةُ العرب" وبهوية جديدة هيَ "العروبة" وبثقافتها الاولى الرافدينية، ليصبح العراق حقا مهدا للعروبة وتسود ثقافة العراق حياة جميع العرب انذاك ولمدة قرنين من الزمن حتى قبيل ظهور الاسلام.

يتضح لنا من هذه الحقائق التاريخية ان عرب العراق وان كان اصلهم من شبه جزيرة العرب لكنهم اكتسبوا الثقافة المجتمعية العراقية واصبحوا قوما متمدنين بل ومتحضرين يسكنون في حواضر مرموقة من المدن، تعلموا فيها القراءة والكتابة والحرف المتعددة بالاضافة الى الزراعة والتجارة. ومع مرور الزمن لم تعد شخصية عرب العراق صحراوية جاهلية بل مدنية "رافدينية" الهوية كبقية السكان الاصليين. لذا يحق لنا القول، عندما كانت الهوية العراقية الرافدينية تتسم بالتحضر والقوة والازدهار كانت تُكتَسَب من قِبل الوافدين الى العراق وتوهَبُ لِمَن او تسود في مَن خضعَ لسلطة العراقيين. وفي جانب اخر، تؤكد الدراسات التاريخية على ان اللغة العربية لم تكن من اللغات المكتوبة منذ نشاتها حتى اقامة مملكة الحيرة سنة ٣٥٠م. بالاضافة الى ذلك كان الاعراب يتكلمون بلهجات مختلفة يصعب عليهم التفاهم الكامل فيما بينهم وخصوصا لتواجدهم متباعدين على مساحة جغرافية شاسعة وباعداد قليلة نسبيا. من جانب اخر، وكما ذكرنا سابقا، تَعايُشُ عرب العراق مع اقوام متحضرة يتكلمون لغات الثقافة الرصينة في ذلك الوقت اغنى لغة عرب العراق بالكثير وخصوصا من جَراءِ تاثرها المباشر بجارتها اللغة البابلية المكتوبة. ونتيجة لذلك، بدا العراقيون ولاول مرة يكتبون العربية في مملكة الحيرة وانشؤا لذلك مدارس تعليم قراءة وكتابة العربية. ومن روائع ما يذكر في هذا الصدد، ادخل العراقيون المناذرة ما يُسَمى بالف لام (ال) التعريف الى لغتهم فاصبحت مملكة الحيرة العراقية مهدا لولادة ثانية هي ولادة اللغة العربية الفصحى.(٢) وكما اشرنا ان مملكة الحيرة هي مملكة جميع العرب والناطقين بالعربية، فامر ملكها امرؤ القيس اعتبار لغةَ عرب الحيرة لغة المملكة الثقافية وشجع على تعليمها وانتشارها في جميع بقاع العرب ومن ظمنها قريش الحجازية ولمدة قرنين من الزمن. ومن جميل ما حدث في عهد هذا الملك انه دعى جميع شعراء العرب الكبار في ذلك الوقت الى الحيرة وطلب منهم ان يكتبوا قصائدهم في لغة العراق الفصحى حتى يتم نشرها على جدران الكعبة فولدت ولاول مرة "المعلقات"، ليتسنى لجميع العرب قراءتها وفهمها. وعندما استقرت لغة الحيرة الفصحى في جزيرة العرب ما كان للقران الكريم الا وان ينزل في هذه اللغة الفصحى الرصينة(٢). وتاكيدا لهذه الاراء يقول المستشرق كرستوف لوكسمبيرك ان هناك الكثير (٣٠٪) من كلمات القران لها اصل سرياني ارامي، ويؤكد ذلك الدكتور يوسف زيدان ان هذه الكلمات القرانية مكتوبة بشكلها السرياني الارامي ككلمة "الصلوة" اي الصلاة و "الزكوة" اي الزكاة. بالاضافة الى ذلك، هناك كلمات قرانية ليس لها اصول عربية ككلمة "اسْتَبْرَق" الفارسية. ان وجود الاثر اللُغَوي الفارسي والارامي في لغة القران الفصحى يؤكد ان لهذه اللغة جُذور "رافدينية" حضارية لم تعرفها بداوة العرب انذاك. وفي الختام، يذكر لنا المؤرخ الكبير الدكتور جواد علي الطاهر في كتابه(٤) ما يلي: "انني اعتقد ان علم العروض وعلم النحو وعلم الصرف وسائر علوم العربية الاخرى لم تظهر في العراق الا لوجود اسس لهذه العلوم فيه تعود الى ايام ما قبل الاسلام، وهذه الاسس القديمة هي التي صَيَرَت العراق الموطن الاول لهذه العلوم في الاسلام".

رسالتي الى العراقيين، ان مَن ينتمي لعراقيتهِ باخلاص ومَن يَحُزُ بنفسهِ الالم لما الت اليه ظروف العراق الحالية البائسة، عليه ان يعي باننا بحاجة ماسة الى نهضة تنويريةٍ نسترجعُ بها الذاكرة السليمة لمجد هذا البلد وان نتبنى من جديد هويتَنا الوطنية الرافدينية وبدون ازدراء للاخرين. اهل العراق هم امةٌ لوحدها ذات كيان تعددي عريق وهوية رافدينية متميزة لا تحتاج ان تكون جزءا من غيرها من الامم، وارض الرافدين فيها الكثير من المقومات لتصبح دولة قوية ومتحضرة. فكما في وادي الرافدين العرب الاقحاء واحفاد الصحابة النجباء، فيه الاخرون من غير العرب وغير المسلمين ايضا. وكما المسلمون هم اغلبية شعب العراق الحالي فَمَعَنا الكثيرُ ممن يشاركوننا الوطن من غير المسلمين. لقد حُكِمَ العراقُ من قِبَلِ العرب كما حَكَمَ العربُ بلاد فارس واسبانيا واممَ اسيا الوسطى لكن هؤلاء لم يضيعوا هويتَهم الاصلية فلماذا اضعنا هويتنا الرافدينية؟ كذلك، وتاكيدا لما طرحهُ الدكتور طه حسين في كتابه(٥) اقول، للعراقي المسلم كلُ الحق ان يفتخر باعتناقهِ الاسلام دينا قويما للاخلاق والقيم الانسانية والذي جائهُ من الجنوب، كما اعتنقتْ اوروبا الديانة المسيحية والتي ذهبت اليهم من الشرق الاوسط. لكن الاوروبيون احتفضوا بهويتهم الثقافية الاوروبية ولم يتَبَنوا الثقافة الشرق اوسطية. بل على العكس، نراهم يصورون السيد المسيح (ع) رسما او نحتا او افلاما بملامح ارية كشعر اشقر وعيون زرقاء وليست بملامح كنعانية شرق اوسطية. كذلك، اعتنقتْ الكثيرُ من شعوب اسيا الاسلام الذي دخل لهم من غرب اسيا وحُكِموا من قبل امراء وولات عرب لكنهم ايضا لم يضيعوا هويتهم الاسيوية. دخل العربُ الى ارض الرافدين وهم بدون حضارة او حتى تمدنٍ يُذكرْ، فتمدنوا وتحضروا بعدما اصبحوا مع مرور الزمن عراقيين. ثم دخل بعد ذلك المسلمون الى ارض السواد وليس معهم غير السيف ورسالة سماوية نزلت من الله الى الارض ولم يبتكرها العرب المسلمون بانفسهم فاحتضنَ العراقيون الاسلام وبنوا حوله صرحا من المجد بعراقيتهم لا بعروبتهم والا لماذا لم ولن يبني العربُ حضارة تُذكر في حجازهم وباسلامهم؟ ان تجربة احتلال او "فتح" العراق من قبل العرب المسلمين لا تقارن باحتلال او "استعمار" الاوروبيون لشمال امريكا واستراليا وغيرها، لان الاوروبيون نقلوا حضارتهم الى هذه المناطق الخالية من التحضر انذاك لكن العرب المسلمين دخلوا العراقَ وفارسَ ومصرَ ببداوتهم في الوقت الذي كانت هذه المناطق اكثر بقاع الارض تحضرا. فعندما اضاعَ العراقيون هويتهم الرافدينية العتيدة والتي سبقت العرب والاسلام بالاف السنين استهلكوا ما تبقى من تحضرهم عبر الزمن وتاخروا عن الالتحاق بركب العصر حتى باتوا الان بزمنِ ما قبل التحضر. ان استرجاع الهوية الرافدينية الى اهل العراق وشيوع ثورة ثقافية تنويرية مع الاعتماد الذاتي على موارد وقدرات العراق سوف يكفي العراقيين في السير على خطى التحضر لاقامة دولتهم القوية المتحضرة (يتبع في الجزء الثاني).

 

الدكتور غانم المحبوبي

..................

المصادر

١. الدكتور علي الوردي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، ٢٠٠٧/٢٠٠٨، دار الوراق للنشر، لندن

٢. سعيد الغانمي، ينابيع اللغة الاولى، ٢٠٠٩، هيئة ابو ظبي للثقافة والتراث

٣. جعفر الدجيلي، موسوعة النجف الاشرف، الجزء الاول، ١٩٩٣، دار الاضواء، بيروت

٤. الدكتور جواد علي الطاهر، المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام، ٢٠٠٦، مكتبة النهضة، بغداد

٥. الدكتور طه حسين، مستقبل الثقافة في مصر، ١٩٣٨.

 

سامي عبد العالليس أقبح لأنفسنا من البكاء عويلاً حول ما لا نستطيع فعلَّه، ثم نذرف الدموع الساخنة كالضعفاء ونلعق التاريخ الذي لن يأتي واسعاً لنمُر. والقبح بهذا المعنى كارثة في حق أنفسنا نحن العرب وبخاصة مع العجز إزاء الأحداث السياسية الكبرى. لأنَّ ذلك يعنى انعدام القدرة على أنْ نكون بمستوى الحياة لا بعض الأعمال فقط. هل يسمعُ العالم مثلاً صراخ العرب حول قضايا تاريخية كموضوع القدس أو احتلال اسرائيل للأراضي العربية وقتل الشباب والأطفال الفلسطينيين؟ ماذا يفيد البكاءُ وسط تحولات الاقتصاد وعواصف السياسة وتطور المعارف والعلوم والتكنولوجيا والحضارة؟... فهذا ما وصلت إليه المجتمعات القويّة التي تعيش عصرها خارج حدودنا، بينما نحن نستعيض عن الانجاز بالإعجاز، ونكتفي بالاستنكار دون الابتكار، وننعم بالإستحمار عوضاً عن التحرر والاختيار.

البكاء أساساً فعل فردي نتيجة الإحساس بالقهر والأسى والضياع، ولو تأملناه زمنياً لوجدناه نوعاً من الخُذلان والندم على ما فات. أمَّا لو كان عملاً جمعياً حول الآمال التي أرهقت الشعوب (هكذا بصيغة الجمع)، فهو طقس جنائزي ليس أكثر، جنازة تواري كياننا تحت التراب دون رجعةٍ (أو هكذا من الأفضل للشعوب المقهورة أنْ تفعل). أن تحمل أكفان الخزي لتتعلم كيف تواري سوءة حياتها، لأنها لا تستطيع الدفاع عن الوجود والآمال وعن الأشقاء المحتلين.

إنَّ البكاء يأتي هذه المرة من العرب تجاه مأساة حقيقية لفلسطين والتهام اسرائيل لوجودها التاريخي والإنساني. إن فلسطين هي الجرح النازف منذ سنوات وسنوات ولم يلتئم، ويبدو أن مصيرها سيظل مجهولاً طالما تم تعليقه بأهداب دامعة وإرادة هشة. حتى غدت ثقافة المقاومة بهذا الطابع هي أدبيات الندب والشجب والتنديد وشق الجيوب ولطم الخدود واغراق الشاشات بالبصق والشتم، وذلك الأمر أصبح ظاهراً من أعلى المؤسسات الحكومية العربية وحتى الشعبية، وكأننا نجسد عجزاً تاريخياً يكبل وجودنا دون هوادة!!

أخشى ما أخشاه أنْ تذهب الإنسانية نحو "المستقبل الافتراضي" في حين نرجع نحن العرب إلى حيوانية بدائية. وأنْ نقبل- تحت مطرقة الانتهاك الأمريكي والاعتداءات الاسرائيلية- أدوار القبائل البائدة طائعين خانعين كما كنا في الحروب القريبة منذ منتصف القرن الماضي. ونستل ريشات حول رؤوسنا لنستغرق قرونا في أصوات تغمغم تجاه بعضنا البعض دون مجيبٍ. ثم نمارس ركض الوجود بشكل عبثي فوق الموت وعبر الأوهام السياسية الوثيرة .

للأسف كان هذا حال العرب بعد إعلان نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وها هو يتكرر مع الاعتداءات الدامية على غزة والقتل المتواصل على الهوية الفلسطينية. لو نتذكر جيداً، فإنه قبل توقيع دونالد ترامب بأيام على نقل السفارة الأمريكية إلى القدس أخذت الفضائيات العربية في النباح الشاكي الباكي حتى الرمق الأخير. وللأسف لم تكن شعوبنا أكثر شأواً من ترجمة حرفية لمقولة عبدالله القصيمي: " العرب ظاهرة صوتية". فلم يفعل رئيس أمريكا الأشقر آنذاك سوى أنْ نكأ الجراح بأظافره الحادة.

هي جراح الهزائم من الأندلس ونكبة فلسطين ثم نكبات العرب بإهدار التنوع العرقي والديني والفكري والثقافي في مجتمعاتهم... وصولاً إلى قرب ضياع التاريخ والجغرافيا وبقايا الحضارة. وراهناً ظهر شتات الإنسان لدينا في مرآة الواقع العربي اليومي، هذا إنْ كان الواقع يرى شيئاً أصلاً. لأنه واقع أعمى يدهس الشعوب وحقوقها بلا استثناء. وربما أنَّ عجلة التقهقر إلى الوراء ستأكل مزيداً من لحمنا الحي، وربما لن تقتل ولن تدغدغ، بل ستمزق أنسجتنا بكل قسوة إن لم ننتبه بقوة!!

لقد استغلت اسرائيل ذلك الوضع الباكي لتتوغل في جسد فلسطين الحي وقد مزقته إرباً إرباً ما بين الضفة والقطاع وأزالت الحدود والكتل السكانية وأخذت في تسريب المستوطنات داخلها تمهيداً لقطع مفاصل المجتمع الفلسطيني وتكسير وحدته. ويجري كل ذلك تحت سماع دوي الصراخ والبكاء العربي من المحيط إلى الخليج. الحكام يتأتئون ويرغون ويزبدون أمام هذه الكوارث بينما تحملهم الشعوب المسئولية التاريخية عن ضياع فلسطين. ومن الاتجاهين لم يظهر غير النحيب الشعبي الذي يكاد يُغرق الخريطة العربية.

والأبعد أسفاً أنَّ البكاء هو الطريق العائد إلى نشأة العجز العربي في التاريخ. هو عجز موروث وله أسبابه وأشكاله حتى باتت الأجيال تسلمه بكل أريحية إلى بعضها البعض. من يُرد أن يعرف أين جذوره، فليحفر داخل بكاء الأطلال والبكاء فوق أشباح القبور وأمام خيمة المحبوبة وعلى الخرق البالية من المناصب الرسمية وآثار السلطة وزوالها وأمام سياسات الافقار والتوسل بالأضرحة والأولياء والدراويش وتصيد لقيمات ضالة لسد الجوع من المارة واستجداء الحقوق المشروعة من الأنظمة السياسية المغتصبة.

فكرة البكاء لدينا هي تصفية حساب سريع التأثير مع الذات ومع الواقع حتى لا نشعر بأية مسئولية أخرى. ولكن عندما يتحول إلى مناخ عام، يعدُّ ندباً للحظوظ وإضاعة الفرص نحو حياة أفضل للشعوب. أقرب الأمثلة هذا البكاء والنواح مع كل ظهور للأحداث الارهابية والسياسية التي تتحول إلى تراجيديا حية بدلاً من رسم الخطط والاستراتيجيات للنهوض بالمجتمعات العربية الاسلامية.

والغريب أن الاحداث والكوارث الناجمة عن الفقر والتجويع والتخلف لها إتباعها النوّاحُون الذين يتزايدون ويهرعون وراءها كما يهرعون إلى المراقد المقدسة. ويمثلون الأداء الباكي في طقوس جماعية نراها جميعاً على شاشات التلفاز من لعن الأقدار واستجداء الحلول السياسية والدعاء للحكام والمسئولين برغد العيش وطول المقام. ذلك لعل الله يرفع الوباء والبلاء عن حياتهم، وكأنَّ هؤلاء الناس النوّاحين لا يعرفون أن الكوارث فعل بشري له جذوره التاريخية التي يمكن معالجتها لو كانت هناك دول ديمقراطية حقيقية وأن السياسة ليست أقداراً ندفعها بالبكاء والعويل وأن حياة العوز مجرد سياسات مفروضة بقوة الواقع ونهب الثروات.

وتكملة لتلك الظاهرة العربية التي تحل بألف وجه وقناع، نجد أنه حتى في غمرة الحب والتعلق بالمحبوبة سيحدو اللغة (كحداء الإبل) هوس البكاء والتمسح ببيت المحبوبة كمن يتمسح بالأضرحة ويقبلُّها يميناً ويساراً، ولا يغيب التماثل الثقافي لذلك الوضع في ظواهر أخرى على خلفية ذاكرة البكاء (عشقاً وموتاً وتقديساً) خلال تاريخنا الشعبي كما ينشد قيس بن الملوح بصدد بيت ليلى:

أمُر على الديار ديار ليلى ... فأقبل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا

وهنا الانتقال وارد تماماً من ذاكرة الشعر كلغة إلى إمكانية البكاء العام بالطريقة نفسها نتيجة ضعفة الشعوب والمجتمعات وانتشار القهر والخنوع. لكن الذي يختار هذا الشكل من الحياة لا يستحق أنْ ينتصب إلى أعلى، عليه أنْ يهلك كمداً بين الحفر والجدران المهدمة. وإذا كان العرب ينهمكون بالغناء والرقص في هذه الأثناء لمغالبة الواقع الكئيب ونسيانه، فليس ذلك سوى الهروب الكبير حيث الانحدار.

السؤال المفصلي إذن كالتالي: كيف نرفض ذلك المصير العربي العاجز إزاء الأحداث؟! يضعنا أبو القاسم الشابي في متن قصيدته " إرادة الحياة "... لا لكي يحوطنا بنظرات عابرة، لكنه يسكب داخل المتلقي بعضاً مما يشعر كنوع من تطهير الرواسب التاريخية. أليس الشعر هو أكبر علاج للشعوب الفاقدة للبوصلة الثقافية؟! ألم يكن الشعر الحقيقي هو وجدان الشعوب والمحرك لها؟! فالشاعر دوماً لن يتحدث بلسان الأنا الفردي التي يمجدها نيتشه في كتابه (هذا هو الإنسان) ذات عناوين وأسئلة براقة: (لماذا أنا مُدمر، لماذا أنا حكيم، لماذا أنا مُهلِّك؟!)، بيد أنَّ إطار المعنى لدى الشاعر التونسي مختلف تماماً: " إذا الشعب يوماً أراد الحياة ... فلابد أنْ يستجيب القدر" (أبو القاسم الشابي، أغاني الحياة، الدار التونسية للنشر والتوزيع، تونس 1970، ص 240).

لأنَّ القدرة الشعبية الحية ليست موضوعاً فردياً كإرادة الأبطال في الأساطير اليونانية، ولا هي قرينة نَفَسْ العنترة (نسبة إلى عنترة بن شداد) كرمز للقوة والتحدي إزاء القبيلة. لكن القدرة الشعبية هاجس حيوي لشعب ما هو الأمل. ليس متميزاً من بين الشعوب الأخرى لكنه بمثابة: الشعب النابض بالحياة وكفى .. هكذا بصيغة ألف ولام التعريف. حيث إنَّه أي الشعب ليس مجهولاً إلى ذاته ولا مقذوفاً إلي الحياة بليلٍّ، وبالتأكيد فإن كل شعب من هذا الصنف هو غير تلك الشعوب الباكية إذا أراد. مما يتوقف عليه تحريك الأمور بقبضة الجمع إزاء التحديات والكوارث.

هنا فإن الإرادة الإنسانية تسبق كل الكائنات، لأنَّها ليست أعمال كائنة إنّما هي ضرب من الأصالة، التفتُّح، الانبثاق، الفيض. ففعل الشرط (إذا الشعب يوماً أراد...) هو زمن فاعل لا يحتويه توقُّع دون أنْ يكون الشعب هو القائم به. و الشعب كلمة لا يوازيها القدر أيضاً، لكنه بمثابة القدر ذاته بموجب سبق إرادة الشعب نحو ما يريد. وبالتالي يبدو فعل الشرط جواباً للشعب الحر في الوقت عينه. أي أن الزمن واحد رغم اختلاف النقلتين بين الإرادة والفعل وبين التحدي والاستجابة. فمن يحرك القدر هو الشعب ومن يستجيب هو بالمقابل قدر الشعب. وكأنَّما الأقدار في الحياة تلتقي في حركة عامة لدى الشعوب، فنحن من نصنعها ونصر عليها ونواصل الحياة عن طريقها.  والأقدار بالمثل تشبه الحياة العامة في الثورات والسياسة وفن العيش وحرية المصير لأنَّها إرادة وجود الكل لا البكاء والنحيب.

وربما ذلك بمثابة الاستثناء الخاص الوحيد الذي يعتبره أبو القاسم الشابي قاعدةً عامة. فالحقيقة يحملها ما يترتب على الاستجابة بالمعنى السابق.. " ولابد لليل أن ينجلي.. ولابد للقيد أنْ ينكسر" (الديوان نفسه، ص240). والبُدُّ المذكور هنا عبارة عن فعل حتم يأخذ مساره بفضل الهدف منه كما ترتئيه الشعوب. فلابد لليل أن ينقشع.. هذا الدال اللغوي والثقافي الذي يتشكل بمجمل المعاني التي قد يستدعيها في المجتمعات. فالليل هو الظلم، هو القهر، هو المأساة، هو الضياع، هو الذل، هو العبودية، هو الاحتقار (أسباب البكاء العاجز كما نراها الآن). فتلك الأشياء الباكية لا يصح( فيما وراء التعبير) أن تتجسد كظواهر على صعيد شعبٍ ما. لأن الأخير يمتلك من الاستثناءات الكاسحة ما يجعله صاحب أي قاعدة يريد، بما فيها كسر جميع القيود. حتى أنَّ الضرورة التي قد نراها محكمةً وقاهرةً ستبدو من ثمَّ احتمالاً وارداً باستمرار. فلا ضرورة هنالك أيا كانت تحُول دون إرادة الشعوب الحرة.

ولذلك لا معنى للبكاء الذي يمارسه العرب إلاَّ أن يكون نوعاً من التنفيس المُر عن عجز الإرادة العامة. ذلك حين لا يقوى الإنسان على تجاوز الحواجز والمشكلات، شاعراً بالهزيمة النكراء دون مفر. وعندئذ يجعله النكوص على النفس محتقناً ومتجمداً على شفا الضياع. إذ كيف سيفعل شيئاً خارج التوقعات بينما تخُور كلُّ قواه؟! وبأي سبيل يدفع أمراً قاهراً كان قد قصم ظهره من قبل؟ إنَّ الحياة لا تُعطي أسرارها وقواها الخفية إلَّا لمن يمخر أمواجها العاتية. "ومن لم يعانقه شوق الحياة... تبخّر في جوها، واندثر" (الديوان نفسه، ص 240).

ولعلنا الآن في المجال العربي– بعدما لم نفهم استثناء أبي القاسم الشابي- نحصد ثمار سنوات العبودية لكل من هبَّ ودبَّ. عبوديةٌ لحُكام وساسة أقزام لا يرتفع رأس أحدُهم أعلى من رباط حذائه، وعبودية لمجتمع قاهر يطاردنا ليلاً ونهاراً كالحيوانات في الغابة، وعبودية لرجال الدين لنجعلهم الأكثر صيتاً والاعلى خطاباً والأقوى قداسة، وعبودية لصورة الدولة المارقة إسرائيل كأنها مصير العرب الحتمي. وتحولت أجواء الديانات التوحيدية إلى أجواء وثنية يمتطيها اللصوص والإرهابيون والساسة لاقتناص مآربهم. لأول وهلة قد لا تُريد بعض الشعوب هنا أو هناك الحياة الحرة، لأنَّها لم تصب بعدوى (ألف ولام التعريف كما أشار أبو القاسم الشابي)... فهي مازالت فاقدة للوعي الثوري، لوعي الحياة كما هي في نزقها وصلابتها.

إن جفاف نبض الحياة يؤدي إلى جفاف الروح، روح التطلع إلى الأعالي. ما أجمل أنْ يعيش الإنسان فوق الذرى ليشتم رائحة السحاب وينغمر بهواء الجبال النقي والأبدي.... يواصل الشابي " ومن لا يحب صعود الجبال ... يعش أبد الدهر بين الحفر" (الديوان نفسه، ص 241). لأنَّ سريان روح الحياة يجب أن يدفع إلى" الما فوق ". إنَّ الشعب برمته قد يكون متسلقاً جيداً للجبال دون السقوط بينما يعجز آحاده عن ذلك. لكن في جميع الأحوال عليه ألاَّ يخاف شيئاً لأن الحياة مغامرات فوق الذري بلا سقف.

وأي شعب سيصعد إلى الحرية فإنما يدخل هذا الاحتمال الكوني الإنساني، مع الطبيعة والحياة كتفاً بكتف وساقاً بساق ورأساً برأس." فلا الأفقُ يحضن ميت الطيور... ولا النحل يلثم ميت الزهر" (الديوان نفسه، ص241). إن المجاز الوسيط المفهوم ضمناً هنا هو الطبيعة، تلك الطاقة النامية في كل الكائنات. وهي القانون الذي يسري داخل الحياة طراً من أقصاها إلى أدناها. إنّها النور الذي يشد الجميع نحوه، قائلاً: إليك هذا التجلي الأبرز في الوجود. أليس ترى أنَّ الحياة أكثر إبداعاً لو تظللت بنورها؟

لكن كيف يكون النور ظلاً.. وهو النور الخالص؟! إذ لا ماهية له ولا ظلام فيه حتى يتظلل به الإنسان. سؤال يحتاج إلى ممارسة تجارب الحرية لا الإجابة عليه بشكل نظري. والأهم بالنسبة للبكاء العربي، هل الشعوب العربية ضد حياتها؟! هل بإمكان شعب أنْ يكره نفسه من خلال كراهية الحياة؟ هل تريد شعوبنا العيش في الظلام حقاً طالما تستمرئ العبودية والبكاء؟ بالطبع لا، لكن.." من تعبد النورَ أحلامهُ... يباركه النورُ أنَّى ظهر"( الديوان نفسه، ص 243).. فعلى الدوام هناك نور بلا ظلام ولو كان محجوباً حينما يتطلع الإنسان إليه. أي عندما يشق النور طريقه باتجاه الإشراق، حيث يفترض تجلياً لا يعود مظلماً مهما يكن. ولأنَّ التطلع للمستقبل يجب أنْ يكون ديدناً موصولاً للمجتمعات الحية، فإنَّه يكتسي هدوء العبادة وقوتها، إنَّه طقس وجودي مع الكائنات التي تستحم يومياً بأشعة النور. كأنَّ التطلع نحو هذا الهدف الحر أو ذاك نوع من القداسة، فهناك المباركة الآتية بأنفاس إلهية وراء الغمام لكل ساعٍ نحوه. وهي في النهاية أنفاس إنسانية حرة نتيجة الإيمان بالإرادة والقدرة، فظهور النور هو محصلة ظهور إرادة الشعوب وتتويجاً لها.

وبالتالي لا يأتي النور لدى الشعوب همساً ولا توجُساً ولا بكاءً، لكنه عندما يوقظ عناصر الطبيعة الأصيلة داخلها يترك أثراً كأصوات الأجراس. وبفضل كونه استنهاضاً من داخل إرادة حرة آنذاك، فيعبر عن " لهيب الحياة، وروح الظفر" (الديوان نفسه، ص 244). وبذلك يكون المجال متاحاً لعدوى النفوس، من العام إلى الفردي في النهاية عكس المعتاد. فالاستثناء المشار إليه لدى أبي القاسم الشابي لا يولد إلاَّ استثناءً في نهاية المطاف" إذا طمحت للحياة النفوسُ... فلابد أنْ يستجيب القدرُ" (الديوان نفسه، ص 244). وكأنَّ القدر بعد الاستجابة الأولى التي هي للشعب وداخل إرادته سيدفع بالنفوس الفردية عبر أتون الكل، هذا المجموع على نطاق أكبر. أي إثارة تلك الإرادة العامة التي هي روح الحياة وصولاً إلى أبعاد التاريخ. لا مناص حينئذ من تذوق هذا الطموح البعيد، حيث لا تدانيها شهوة تلك التي تسعى بصلابة إلى تغيير الحال والمآل دون أي نحيبٍ.

 

سامي عبد العال

 

 

عادل رضاقراءة كاشفة لواقع الحرب الاخيرة

اتفاق سايس بيكو، قسم الواقع العربي حسب مصالح ورغبات الاستعمار الفرنسي البريطاني الروسي القيصري آنذاك، وهو يمثل تقسيم غير منطقي للمناطق العربية والمحافظات، وهذا التقسيم "ساقط" وسيتدمر مع الزمن لأنه ضد "حركة التاريخ" ومقاوم "للشعور العام" ولا علاقة له ب "الناس"، ناهيك على ان العالم كل.. العالم، في دراساته وقراءاته وابحاثه لما يحدث ويجري في مناطقنا " لا ينظر الينا كسوريين وأردنيين وكويتيين ومغاربة وجزائريين وموريتانيين وسودانيين...الخ، بل ك "عرب" لأنه يعرف ان ذلك هو واقع المنطقة، وحقيقتها، فهو درسها وحللها ويعرف خباياها من خلال الاستشراق وتقارير استخباراته والأبحاث الاجتماعية التي قام بها، فهنا "ارض العرب" وهي قومية "اللغة" وليست قومية "عنصر" وكذلك قومية "الدين الإسلامي" اذا صح التعبير، المفجر لنهضة الامة العربية بمسلميها ومسيحيها وباقي تشكيلة الأديان فيها على السواء والإسلام هو باني واللب المحوري "للشخصية العربية" امام كل العالم .

هذا العالم من حولنا الذي يتحرك "قوميا" ليحقق مصالحه والذي يقرئنا قوميا ك "عرب" ولكنه يريد الغاء هذه الحقيقة عن ذهنياتنا وعقلنا، لذلك في دراساته يقول ما هو مختلف عن خطابه الإعلامي الاستحماري الدعائي الخادع، ولكن ما يحصل لكل الشعوب العربية ان الحدث السياسي وما يجرى على ارض الواقع في "دولة فلسطين المحتلة" بالخصوص يعيد تذكيرنا بتلك الحقيقة وهذا الواقع الحقيقي، بعيدا عن التقسيمات الأصغر الساذجة السخيفة من مناطقيات وطوائف ومدن وريف وبين اهل الساحل والبادية ....الخ من تقسيمات "سطحية" التي لم تخدمنا سابقا لكي نعيش "الوهم" بأننا سنستفيد منها "لاحقا" لنحقق مصالحنا في صناعة النهضة المجتمعية والسعادة الفردية في خط انتاج الحضارة والابداع الفردي والمجتمعي.

ان الصراع العربي الصهيوني هو مسألة "وجود" فالصهيونية شر مطلق وممثل "ابليس الرجيم" واتباعه من شياطين العالم الذين يتحركون على الأرض العربية التي تم استعمارها، وهؤلاء "الاوغاد" ليسوا طلاب "سلام" ولا ساعيين للخير، فهم التطبيق الحركي لما يريده "ابليس" وما توسوس به الشياطين.

يقول الباحث الروسي ألكسندر نازاروف بهذا الخصوص:

"في واقع الأمر، فإن مشكلة الأرض ليست قضية مهمة بالنسبة لإسرائيل، فتعداد السكان اليهود لن يزيد بالقدر الذي تصبح فيه هذه المشكلة جوهرية. لكن المشكلة الأساسية والوجودية بالنسبة لإسرائيل هي المشكلة الديموغرافية، والزيادة السكانية المرتفعة للفلسطينيين مقارنة باليهود. فتعداد السكان الفلسطينيين يزداد أسرع بكثير من زيادة تعداد السكان اليهود، ولا يدور الحديث هنا عن الفلسطينيين في الضفة الغربية فحسب، وإنما أيضا عن مواطني "إسرائيل" من العرب. ومع مرور الوقت، ووفقا لأي شكل من أشكال التعايش بين الشعبين في دولة واحدة، فإن "إسرائيل" سوف تصبح حتما في يوم من الأيام دولة فلسطينية. ولا أرى حلا "لإسرائيل" كي تحافظ على الهوية اليهودية للدولة، على المدى البعيد، سوى اللجوء إلى شكل من أشكال التطهير العرقي للفلسطينيين."

ما قاله نازاروف (مع تحفظنا ورفضنا لكلمة "إسرائيل التي ذكرها) نحن نقول: هو دليل إضافي بأن الصهيونية هي مشروع "قتل متواصل" و" اجرام مستمر" و"هولوكوست حقيقي" و"ذهنية نازية هتلرية"، وهذا ما أثبته الاحداث وما يجري على ارض الواقع المعاش على الأرض وخاصة مع مواجهات القدس 2021 وهي توترٌ بدأ بين متظاهرين فلسطينيين والعسكر الصهاينة في 6 مايو 2021 نتيجة قرار إخلاء عائلات فلسطينية من منازلها في حي الشيخ جراح لصالح إسكان مستعمرين صهاينة.

فأشعلت الاشتباكات العنيفة في القدس أعنف قتال منذ سنوات بين الصهاينة والمقاومين الفلسطينيين في قطاع غزة، على خلفية ذلك الامر.

حيث أعلنت الغرفة المشتركة لفصائل المقاومة الفلسطينية سابقاً عن إطلاق اسم "سيف القدس" على عملية القصف المتواصل ضد كيان الاحتلال في رد واضح وصريح على إعلان الجيش الصهيوني اسم "حارس الأسوار" على عمليته ضد القطاع.

وأعلن رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" إسماعيل هنية" نحن قررنا أن نستمر ما لم يوقف الاحتلال كل مظاهر العدوان والإرهاب في القدس والمسجد الأقصى المبارك".

وشدد على أن "معادلة ربط غزة بالقدس ثابتة ولن تتغير، فعندما نادت القدس لبّت غزة النداء".

حاليا يواجه الصهاينة نقل للحدث العسكري الى داخل مواقعه الاستعمارية الداخلية وتفجر التناقضات الداخلية السكانية في المدن المحتلة، وسقوط "وهم الأمان" وأيضا أصبح هناك "معادلة "رعب متبادل" بين الفلسطينيين أصحاب الأرض "الحقيقيين" والمستعمرين الصهاينة وهم التجميع البشري من مختلف دول العالم من اوباش البشر وحثالاته.

من الخباثة والسقوط الموجودة ضمن هذا الصراع الحالي وقبله، هو الإصرار "الخبيث" من وسائل الاعلام المتحدثة عربيا، هو إصرارها على استخدام "كلمة إسرائيل" والتوصيف المتكرر ب "مناطق إسرائيلية!؟" او "المدن الإسرائيلية!؟" وهو ليس فقط "استفزاز للشعوب العربية بل "اعتراف ضمني غير معلن" لهذا الكيان السرطاني الفاقد لأي "شرعية" ولأي "جذور"، وهو إصرار "تدليسي" لخلق "قناعة في اللاوعي" ومحاولات لغسل الدماغ "والتزييف، ناهيك عن إعادة تقديم الروايات الصهيونية بلسان عربي اذا صح التعبير، وهذه كلها "تصرفات خيانة " وحالة "عمالة" وطاقم الموظفين في هذه الوسائل الإعلامية الدعائية الغير مهنية هم مدانين شرعا وجنائيا في أي قانون يتعلق بالصراعات وهم "خدم للاستعمار" وساقطين في بئر الخيانة، ودواعي تبرير "ساذجة" من باب انهم "موظفين يحتاجون الرواتب المالية!؟"، ليس حجة مقنعة، بل هو "مفتاح" للخيانة او "مدخل" لطعن امتهم وشعبهم العربي بكل مكان، وهو يعرفون كما نعرف ان أي "خطاب اعلامي يتم تقديمه، هو يخدم "هدف" وضمن "توجيه" و"اوامر"، ومن يقبل "خيانة" دينه وامته العربية "فهو "خائن للأمة العربية والإسلامية"، فمبررات الوظيفة والراتب هي نفس مبررات "الجواسيس"، فهؤلاء ليسوا اعلاميين مهنيين بل " ابواق ساقطين"، وان تحدثوا بكلام "ناقد" ضد الصهاينة، او بخطاب مؤيد لفلسطين، لأن "النقد الهوائي الكلامي التنفيسي" لا يضر الكيان الصهيوني ولا داعميه من الاشرار الدوليين، بل هو مفيد لهم ما دام مربوط باعتراف من هنا وتنفيس للغضب من هناك وما يخافونه ويرتعبون منه الصهاينة وداعميهم الدوليين هو "الخطاب الإعلامي الكاشف للمؤامرة والصانع للوعي والبصيرة والمفجر للحركة التطبيقية على خط تحرير الانسان والمجتمع من الاستحمار الداخلي والاستعمار الخارجي".

ان حالة "التخبط" التي يعيشها الكيان الصهيوني في ظل الأوضاع الحالية، يعكسها القصف الاجرامي ضد المدنيين العزل والأبرياء في قطاع غزة، حيث لا يوجد عند هؤلاء المجرمين القتلة أي بنك اهداف عسكري هناك، وخاصة بظل "حرب غير تقليدية "شرعية محقة "يمارسها الفلسطينيون لتحرير أراضيهم والدفاع عن حقوقهم في بلدهم المحتل.

اذن الحاصل عند الكيان الصهيوني ان الأوضاع الميدانية لا تساعده على صناعة أي حالة ردع يريدها او خوف يرغب في وجوده في الواقع الفلسطيني في الخصوص والعربي بالعموم، على العكس فالسحر انقلب على الساحر إذا صح التعبير، حيث اتضح ان هؤلاء المستعمرين الشيطانيين قلوبهم "شتى" وواقعهم "هش" وخوفهم "شديد" ورعبهم "هستيري" من أي "قوة عسكرية" تقاومهم، حيث يتحولون الى "نمر" مهزوم من ورق، ونحن نتحدث عن  "قاعدة عسكرية امنية ضخمة ممتدة على طول وعرض ارض دولة فلسطين المحتلة من الصهاينة"

 وهؤلاء لا يمثلون أي حالة "مدنية" فكلهم عسكر وكلهم "محاربين اشرار" فهم ليسوا "دولة" ولا "مجتمع"، هم باختصار تنظيم اداري عسكري أمنى يجتمع فيه اوباش البشر، ضمن قاعدة كبيرة بحجم "دولة" إذا صح التعبير.

ان الحالة الصهيونية على ارض "دولة فلسطين العرية المحتلة" هي حالة استعمارية موروثة، وتمثل حالة غير طبيعية على واقع المنطقة العربية، وهي وضع "سرطاني" ذاهب الى الزوال لا محالة، فهي "زرع" بلا "جذور" ولا "خط طبيعي للحياة"، وتناقض كل ما حولها، ولولا "واقع الانهيار العربي الشامل" لما استمرت هذه الحالة الصهيونية في التواجد كالفطريات على ارض "دولة فلسطين العربية المحتلة".

واهتزاز هذا الكيان وهو السرطان الإداري العسكري الاستخباراتي الـتأمري واضح وجلي عند "تغير" الظروف الموضوعية من الناحية العسكرية ووجود "أسباب للقوة" وإرادة "الفعل والدفاع" ضمن خطة صبورة ملتزمة، وهذا ما انكشف في أيامنا هذه، مع "دفاع" شعبنا العربي الفلسطيني عن حقه في الحياة والوجود والاستمرار، وكذلك التصدي الشرعي والقومي والوطني، لأي "اقتراب شيطاني صهيوني" نحو "القدس الشريف" قلب دولة فلسطين العربية المحتلة.

ان الحرب التحريرية تحتاج الى "خطة" واعداد" و"رغبة" والالتزام في الظروف الموضوعية على ارض الواقع، لتغيير "واقع هزيمة" الى "واقع نصر"، وهذه هي الواقعية الحقيقية، اما الكلام عن الاستسلام باسم "الواقعية" هي خباثة وتدليس وكذب.

والكيان الصهيوني حسب الرؤية الواقعية الحقيقية هو الى الزوال والنهاية ولذلك علينا نحن "العرب" الصمود والاستمرار في الكفاح والنضال ضمن "أسباب القوة" وحسب "خطط مدروسة" بعيدا عن "الاثارات الإعلامية العاطفية" و"عقلية الاستعجال" و"الانجرار" وراء مخططات الاخرين، فلكي ننتصر علينا الاستمرار في قول "لا"

يقول الباحث الروسي الكندر نازاروف بهذا الامر:

"كان من الممكن، بعد حوالي 50 عاما من استمرار التصاعد التدريجي لحرمان إسرائيل الفلسطينيين من حقوقهم يوما بعد يوم، أن يوافق الفلسطينيون، بل وأن يطلبوا أنفسهم بكل سرور الشروط المقترحة في "صفقة القرن". لكن هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية، أولا، في طريقها للأفول، وليس لدى إسرائيل أي ثقة في أن تستطيع الاستمرار في انتهاك حقوق الفلسطينيين بعد 10 سنوات من الآن بنفس الوقاحة. ثانيا، يمكن أن يلعب العامل الديموغرافي دورا حاسما، فلا يعطي إسرائيل لا 50 عاما، بل ولا حتى 20-30 عاما لتنفيذ مخططاتها. لذلك تتعجل تل أبيب لتسوية القضية الآن، حيث قد يفوت الأوان فيما بعد."

من هنا نفهم الحاجة الصهيونية "لتصفية القضية"، ومن ذلك نفهم ان التسارع الى عقد "اتفاقيات" مع هذا الكيان السرطاني هو "عبث" و"إضاعة للوقت" لا يخدم قضية التحرير بل يضرها ويعرقلها، وان هذه الاتفاقيات ليست الفرصة الأخيرة التي يجب ان يستغلها "العرب" بل هي الفرصة الأخيرة التي يحتاجها "الصهاينة" لكي يستمروا في وجودهم السرطاني الفاقد للجذور على الأرض العربية.

 

د.عادل رضا

كاتب كويتي في الشئون العربية والاسلامية

 

ابراهيم أبراشما يجري في فلسطين لا سابق له منذ النكبة، الشعب الفلسطيني وفصائله المسلحة في غزة وخصوصاً حركتي حماس والجهاد الإسلامي يأخذون زمام المبادرة ويضعون دولة الكيان في مأزق حقيقي، العالم كله انفعل وتفاعل مع ما يجري في القدس وغزة وكل ربوع الوطن بينما القيادة الفلسطينية هي الأقل انفعالاً وفعلاً بما يجري .

أين منظمة التحرير واللجنة التنفيذية ورئيسها وهل ما زالوا يبحثون الأوضاع ليقرروا ما يعملون؟

أين حركة فتح ولجنتها المركزية الذين لم نعد نسمع لهم صوتاً بينما كانت تصريحاتهم وتغريداتهم لا تتوقف في أمور أقل شأناً مما يجري؟

أين الحكومة وهل ما زالت تدرس الوضع ؟ وما هي نتائج دراستها؟

أين وزير الخارجية والسفارات وهل عندهم أكثر من إحالة الملفات لمحكمة الجنايات؟

أين الإعلام الرسمي وتلفزيون فلسطين الذي استمر لأيام يقف موقف المتفرج والمحايد ولم يتحرك إلا بعد أن أصبحت بعض الفضائيات العربية وخصوصاً قناة الجزيرة فلسطينية أكثر من تلفزيون فلسطين؟

في جولات الحرب الأخيرة على غزة وبعد أن تهدأ الأمور كانت قيادة المنظمة والسلطة تستلم مجدداً زمام الأمور ويخاطبها العالم كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، ولكن في الحالة الراهنة الأمر مختلف وهناك ممثلون جُدد فرضوا حضورهم والعالم سيتعامل معهم، سواء تعلق الأمر بملف القدس أو الأوضاع في غزة.

ما يجري يؤسس لحالة وطنية جديدة وستحتاج لقيادة جديدة وإن لم تتدارك قيادة المنظمة والسلطة الأمر فإن الزمن سيتجاوزها، وعلى الرئيس أبو مازن وحركة فتح أن يتذكروا أن حركة فتح انتزعت قيادة وريادة الشعب والمنظمة بعد معركة الكرامة ونتيجة كفاحها المسلح.

 

إبراهيم أبراش

علاء اللاميثارت ضد الغزاة مِرارا وتكرارا، وخذلها الفراعنة، وسفك دماءها الإسكندر المقدوني بعد أن قاومته أربعة أشهر في حرب شعبية هي الأولى في التاريخ البشري، وتواجه اليوم الصهاينة النوويين ببطولة نادرة: هي غزة، التي كان اسمها عند الكنعانيين هزاتي وعند الفراعنة غزاتو وعند الآشوريين الرافدينيين عزاتو.

* قبل العصر الإسلامي بعدة قرون، وبالضبط في القرن الثاني عشر ق.م، كانت غزة واحدة من المدن الخمس التي بناها شعب الفلسطة المهاجر الى الساحل الفلسطيني الجنوبي من جزر شرقي البحر المتوسط كما يعتقد باحثون، إلى جانب مدن أخرى هي: عسقلان، أسدود، جت، وعقرون، في الساحل الجنوبي ما بين يافا ووادي العريش.

 * سماها العرب "غزة هاشم" نسبة إلى هاشم بن عبد مناف، الجد الثاني للنبي العربي الكريم محمد بن عبد الله، وكان هشام واحدا من كبار تجار الحجاز، وهو الذي سنَّ لهم رحلتي الشتاء والصيف اللتين يتحدث عنهما القرآن الكريم، ومات بها شابا في الثلاثينات من عمره ودفن فيها في القرن الخامس الميلادي أي قبل الإسلام بقرنين. وبهذا فغزة هاشم تؤكد حقيقتين: الأولى إنها كانت همزة وصل بين فلسطين والجزيرة العربية - وخصوصا الحجاز واليمن - على مر العصور قبل الإسلام وليس بعده كما يقول الصهاينة ومن والاهم من كتبة مأجورين يريدون قطع الصلة بين الفلسطينيين وبلادهم الأصلية فلسطين، والقول أو الإيحاء بأنهم مهاجرون جاؤوا من بلاد أخرى كلهم. والحقيقة هي أن هجرة الأقوام السامية بين أقاليم المشرق العربي حقيقة واقعة ولكنها ليست كل الحقيقة هناك شعوب أصلية وأخرى مهاجرة تندمج بالسكان الأصليين كما اندمج شعب الفلسطة البحري بالكنعانيين، والفلسطينيون العرب شعب أصيل وهو وريت الشعوب القديمة وفي مقدمتها الفلسطة والكنعانيون - ومنهم اليبوسيون بناة أورسالم/ القدس - وغيرهم.

* قبل الإسلام بقرون عدة، كانت غزة مركزاً تجارياً كبيراً للتجار العرب الجزيريين كما قلنا، ويبدو أنَّ العرب كانوا على اتصال وثيق بالشطر الجنوبي من الساحل الفلسطيني منذ ظهورهم في التاريخ. ففي المدونات التاريخية نقرأ؛ أنَّ تاجراً مكيا يسمى عقبة بن أبي معيط قد كان له - قبل الإسلام -  متجر كبير في مدينة صفورية القريبة من الناصرة. أما أبو سفيان، فقد كان يملك عقارات ومتاجر في فلسطين.

* شاركت غزة في عصر دويلات المدن، في ما نسميها اليوم بلاد الشام - في ثورات هذه المدن ضد الغزاة ومن ذلك (في 720 ق.م، اندلعت ثورات ضد الهيمنة الآشورية في حماة وغزة ودمشق والسامرة، بتحريض ودعم مصري على الأرجح، واستطاع سرجون الثاني الآشوري أن يقضي على هذه الثورات، في ولايات الشمال، في موقعة "قرقر". ثم زحف جنوباً حتى وصل إلى ربيحو "رفح" حيث أوقع هزيمة نكراء بـ "سيبو" قائد جيوش مصر الفرعونية، الذي أرسله الفرعون لنجدة حنون "هانُّو" ملك غزة فانسحبت القوات الفرعونية وتركت غزة تواجه مصيرها وحيدة. فقد حاولت مصر الاستمرار في دعمها للممالك الفلسطينية ضد غريمها الرافديني الآشوري، فتشجع حنون ملك غزة - وكان لاجئا سياسيا في مصر - على الثورة ضد الدولة الآشورية، وأمر الفرعون قواته في ربيحو "رفح" بقيادة سيبو بدعم الثائرين الفلسطة، وحين بدأ الصدام العسكري هرب القائد الفرعوني سيبو ودمر سرجون الثاني مدينة رفح وأسر ملكها حنون.

*  نافست مدينة غزة مدينة ومملكة صور الفينيقية شمالا في عنادها وصمودها الأسطوري، ولم تتعظ من نهاية جارتها الشمالية المأساوية، مملكة صور التي دمرها الإسكندر المقدوني وأسر سكانها بالجملة. حيث لم يتعامل الإسكندر بن فليب مع المدينة الجريحة صور بشهامة كما فعل الملك الرافديني نبوخذ نصر سنة 585 ق.م، والذي احترم أهلها ولم يؤذهم، لا بل تولت الجيوش المقدونية الفتك بأهلها بقسوة بعد أنْ قاتلوا قتال الأحرار المستميتين، وباع الإسكندر أكثر من ثلاثين ألفاً من سكانها، نساء وأطفالاً، في أسواق الرقيق سنة 332 ق.م. وصمدت غزاتو تقاتل قتالا بطوليا، شارك فيه جميع أهلها في تجربة للحرب الشعبية هي الأولى من نوعها في التاريخ البشري المعروف. وكان يقود قواتها الشعبية ضابط إغريقي مهاجر يعيش فيها ويدعى باتيس، واستمر القتال على أسوار غزة بين شهرين إلى أربعة أشهر حسب الروايات، ثم دخلتها جيوش الإسكندر بعد تدميرها، وقبض الغزاة على القائد الغزاوي باتيس وأمر الإسكندر بإعدامه بطريقة وحشية. ونهب الغزاة بضائع التجار العرب، ولا سيما العطور والبخور، ووزعها الإسكندر على أعوانه ورجال دولته.

* وغزة الفلسطينية اليوم تواجه ببطولة ملحمية العدوان الصهيوني المنفلت والخارج على كل عرف أو قانون دولي أو دين سماوي، عدوان يسفك فيه العدو دماء السكان العزل بسلاحه الأميركي الحديث تحت الحماية الغربية المطلقة. إنها غزة الجريحة المعانية الصامدة ولكنها أيضا غزة الكرامة الإنسانية والعزة الفلسطينية العربية والصمود والانتصار القادم حتما!

فقرات مختصرة وموسعة من كتابي "موجز تاريخ فلسطين منذ فجر التاريخ وحتى الفتح العربي الإسلامي"- دار الراعي - سنة 2019 رام الله فلسطين المحتلة.

 

علاء اللامي

 

ميثم الجنابيلقد كانت فلسطين وما تزال وسوف تبقى قطب الإثارة والحرب، ما لم يجر استعادتها من آخر هجمات الشعوب الغريبة عليها. ومن ثم دمجها النهائي في ميعاد المستقبل العربي. وهي نتيجة تتراكم في كمية ونوعية الصراع الذي خاضه العرب على امتداد قرون عديدة من الزمن وحتى اليوم.

وهي الحالة التي تكشف عن طبيعة الخلل السياسي الثقافي والقومي الذي اصاب العرب وما يزال، ألا وهو فقدان البؤرة الموحِّدة لوجودهم السياسي. فقد كان العالم العربي الجغرافي الحديث، كما كان قبل آلاف السنين هو محل وميدان الصراع بين ما ندعوه الآن بالشرق والغرب. أما في الواقع فإنه صراع بين كينونة تاريخية ثقافية بلورها الإسلام وحققها في عالم الخلافة واستمرارها الحالي. ومن ثم تحتوي في ذاتها على معالم المواجهة مع القارة الأوربية النصرانية. وهي حالة متنوعة متغيرة لكنها تتسم بثبات عميق. وهي آخذت بالتقلص بعد أن بلغت ذروتها في انحسار "الغرب الأوربي" بالعالم الانجلوسكسوني الأمريكي واليهودي الصهيوني. ومن ثم يمكن الجزم بتثلم هذه المكونات مع مرور الزمن وتقلص قوتها. وهذه ليست فرضية سياسية، بل يقين تاريخي. وهو احتمال أقرب إلى الواقع. وسرعته متوقفة على نوعية الصعود العربي الجديد، الذي يعاني من ارهاصات هائلة، ومسار مؤلم ومعقد، لكنه يرمي بالضرورة عن جسده كل حراشف الماضي ونخبه المتهرئة.

لقد اندثرت وتلاشت الدولة العربية التقليدية من القيام بهذه المهمة. ولم يبق إلا القليل منها لكي يطفح على سطح المستنقعات، ومن ثم تنقرض وتتلاشى شأن كل ما لا صلة له وعلاقة صميمية بالتاريخ الحقيقي، أي تاريخ الحرية والتكامل القومي العربي. وهو امر جلي الآن على مثال دويلات الخليج والسعودية. فهو القاع الاخير للاثنية العربية المتفسخة. وليس مصادفة أنْ نرى ونسمع ونعثر فيها وعندها على كل ما هو هزيل بذاته، ومنعدم القيمة، ومثير للتقزز والغثيان. فقد كان خطاب ممثل آل سعود في الأمم المتحدة بصدد الصراع العنيف الدائر بين قطعان الاحتلال وأبطال المقاومة، يتسم بهدوء الجبناء والسفلة، وانفعال الخونة في الدفاع عمن يلوط بهم في كل حال ومقال!فهو يدعو للكف عن "قصف الأحياء المدنية لإسرائيل"، بينما رد عليه ممثل بوليفيا، بأنَّ الفلسطينيون وبني إسرائيل ليسوا في مقام واحد. الفلسطيني متعرض للاحتلال ونهب أراضيه وقتل اناسه وسجنهم، وأنَّ غزة هي سجن كبير. بينما رعية هذه الممالك والإمارات يتنافسون في الكشف عن عوراتهم في وضح النهار. احدهم يقول لماذا ينبغي لنا أنْ نتضامن مع اهل فلسطين، وآخر يتهم بمختلف الاتهامات الغبية والسخيفة والرذيلة.

لقد جعلوا من اهل فلسطين عدوهم الأكبر، كما جعلوا من حزب الله عدوهم اللدود، وهو الذي رفع رؤوسهم وأعطى لهم قيمة بمعايير الحق والإنسانية والعزة والشهامة والبطولة والبسالة والفروسية والفتوة والسؤدد، أي كل ما يختزن في ذاكرتنا على أنها صفات العربي. الأمر الذي يجعل من هؤلاء البشر جرذان العرب. غير أنَّ الجرذان أفضل وأنبل وأشدّ حيوية. إنهم مسخ البقايا المتآكلة من اعراب البادية وقبائل السطو واللهو. 

إنَّ اهل فلسطين ليسوا بحاجة إلى تفاهة هذه الأنواع المنقرضة. ولا يسرّهم ولا يزيدهم خيراً ولا فضل. بينما السؤال الحقيقي هنا هو متى قدمت هذه التفاهات شيئاً لفلسطين؟ وكيف يمكن لفاقد الشيء أنْ يعطيه؟ إنَّ فلسطين في حالة صراع تاريخي هو الأخير في مسار الكينونة العربية من اجل تكاملها. ومن ثم هي تتمثل وتمتلك وتتكامل في كل تلك الصفات العملية النبيلة من الشجاعة والاستعداد للتضحية والعمل بمعايير الحق والحقيقة. ومن ثم متى كان لهذه البقايا المنقرضة أنْ تقوم بذلك. إنَّ فلسطين بحاجة إلى من هو قادر على بذل الروح. ومن اين للخونة والجبناء القيام بذلك؟ وكيف يمكن أن يحارب من هو خائن بطبعه؟! بل كيف يمكن للمرء أنْ يكون خائناً؟! وكيف لإنسان أنْ يخون أهله وقومه وتاريخه وأرضه وأسلافه وذكرياتهم ووجودهم وكل ما اعطى ويعطي لوجوده معنى؟ فإذا كان كل إناء بما فيه ينضح، فإنَّ معادن هذه البقايا هي لا شيئ. وإنه إذا كان على قدر الكرام تأتي المكارم، فإنَّ ما فيهم هو قيح ورذيلة.

إنَّ حقيقة العرب في المشرق والمغرب واليمن ومصر والنوبة. وهذه من فضائح التاريخ المريب. ولا يمكن للمرء والشعب أنْ يكون عربياً بالفعل ما لم يجعل من فلسطين بوصلته الفعلية. هنا محك الحقيقة والصدق والإيمان والإخلاص. إن الحالة التاريخية الحالية لفلسطين هي محل الابتلاء والاختبار  والخيار التاريخي للانسان العربي.

إنَّ فلسطين هي بوصلة الإنسان العربي الحق، والقدس كعبة حريته. إذ ينسب الى صلاح الدين الايوبي قوله بأنَّ القدس هي بالنسبة له لا شيئ وكل شيئ. وقبله اجاب ابو ذر الغفاري عندما قالوا له هلا لو تذهب وتعيش في مكان مقدس كالقدس، فاجابهم: لا يقدّس المرء غير عمله.

إننا لا نقاتل من اجل حجارة القدس. فهي في أيدي اشبال فلسطين وصبيانه وصباياه. ولا نقاتل من اجل تراب فلسطين لأنه أديم الأرض. نحن نقاتل فيها ومن اجلها لأنها نحن. ففي أرواحنا ننتمي إلى قدس التاريخ، وبدمائنا إلى تاريخ فلسطين، وبقلوبنا إلى كليهما. وكل ذلك بالنسبة لنا هو محك الإخلاص للحق والحقيقة.

ففي كل اولئك المقاتلين على خط النار لمحة خاطفة مما قاله ابو فراس: "أَراكَ عَصِيَّ الدَمعِ شيمَتُكَ الصَبرُ". وهم يدركون الحقيقة التي صورها في قوله

وَما هَذِهِ الأَيّامُ إِلّا صَحائِفٌ

لِأَحرُفِها مِن كَفِّ كاتِبِها بَشرُ

انهم يكتبون تاريخ وجودهم بوصفه تاريخ المستقبل. انهم يقدمون كل ما فيهم متمثلين ما قاله ابو فراس

وَلا راحَ يُطغيني بِأَثوابِهِ الغِنى

وَلا باتَ يَثنيني عَنِ الكَرَمِ الفَقرُ

وَما حاجَتي بِالمالِ أَبغي وُفورَهُ

إِذا لَم أَفِر عِرضي فَلا وَفَرَ الوَفرُ

وكما قدم في ملحمته عن إشكالية الحياة والموت نموذجا للروح البطولي والفروسية المتسامية، يقوم رجال ونساء المقاومة الحالية به الآن. انهم كالبدر في ليلة ظلماء، وليس كأعراب البداوة وخطاب الدولة العربية السقيمة الداعية للهدوء في ملاذ الجبن العفن!

هُوَ المَوتُ فَأختَر ما عَلا لَكَ ذِكرُهُ

فَلَم يَمُتِ الإِنسانُ ما حَيِيَ الذِكرُ

سَيَذكُرُني قَومي إِذا جَدَّ جِدُّهُم

وَفي اللَيلَةِ الظَلماءِ يُفتَقَدُ البَدرُ

لقد قدم لنا صورة آخاذة هي الأجمل مما في الشعر والروح الشعري العربي آنذاك عندما قال:

وَإِن مُتُّ فَالإِنسانُ لابُدَّ مَيِّتٌ

وَإِن طالَتِ الأَيّامُ وَانفَسَحَ العُمرُ

وَنَحنُ أُناسٌ لا تَوَسُّطَ عِندَنا

لَنا الصَدرُ دونَ العالَمينَ أَوِ القَبرُ

تَهونُ عَلَينا في المَعالي نُفوسُنا

وَمَن خَطَبَ الحَسناءَ لَم يُغلِها المَهرُ

أَعَزُّ بَني الدُنيا وَأَعلى ذَوي العُلا

وَأَكرَمُ مَن فَوقَ التُرابِ وَلا فَخرُ

 

ما هو الشيء الذي يمكن اضافته هنا؟ لا شيئ! إنَّ الباقي هو العمل فقط، والاستعداد للقتال والتضحية باسم الحق والحقيقة. فهي صفات الإنسان الحق، والمثقف الحق. فهي المرجعية التي تعطى للحياة معنى بوصفها لحظة في أبد الحرية. بل هي الحياة نفسها. 

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

الحسين بوخرطةكانت ولا زالت فلسطين أرض قداسة وحضارة عربية عريقة. حماها السيف بسواعد الأفذاذ زمن الأنبياء والرسل والزعامات الحضارية. تعسف الوقت في زمن تنكر لزمان تاريخ أمة. تعددت فبركة الصور المضمحلة ما بين الماضي والحاضر والمستقبل في لحظات العدوانية.

تحولت فلسطين إلى قضية عربية، فألبسوها في عجلة حلة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وتم التهافت المباغث بإثقال كينونتها بحلة ثقيلة عربية بقياسات عرقلت حركيتها وانتفاضتها. سميت القضية المقدسة بخلاف سياسي وتاريخي، وتوالت المقاومات والمفاوضات، وتطورت الخطابات في مدلولها مبتعدة شيئا فشيئا عن قوة الحقوق التاريخية. تم تطويع فحواها المرتبط بعمق الزمان الوجودي والمكان المقدس. تغطرس الزمن واستلب بلذة الأوقات العابرة، ليلوذ رواد الانقسام من النخبة إلى معانقة الوقت خارج التاريخ زمن العتاد الفتاك والقنابل النووية.

تسلطا على مجريات التاريخ الطبيعية، واغتناما للحظات التفوق العلمي والتكنولوجي، تم إعلان المؤتمر الصهيوني سنة 1897، وامتد الزمان في المكان رغما عن الطغاة بنوستالجيا الأمجاد والمقدسات إلى الماضي العريق. انتفض المستخلفون فيه بصدق، وتمت التضحية بالأرواح غيرة على مصائر الأجيال. دونت صفحات تاريخ مبهم صراعا عربيا إسرائيليا. اشتدت الأزمات والحروب، واستسلم مؤقتا تصالح الحضارات والثقافات والديانات لأطماع الصهيونية المتغطرسة.

برز مرارا إشكال الشرعية بسواعد الشباب الفلسطيني والعربي بعد إعلان نشوء الصهيونية، وارتقت المحنة إلى قضية أوطان. تسابقت الأيام والشهور والسنون، ولهث بنو إسرائيل، بحماية مبطنة، وسارعوا إلى ركوب البواخر والطائرات رافعين الشعار المبتذل "العودة إلى أرض الميعاد". استرجع الزمان تاريخ عروبة أرواح بناة المسجد الأقصى ومعجزات سيدنا إبراهيم عليه السلام.

بغطرسة مدججة بالسلاح والإعلام طمع المنقض على التراب في بهت القضية في أذهان الأجيال. خطط لمراحل تكريس حلم اضمحلال تاريخ الزمان في الحاضر والمستقبل القريب، ليحل محله أوقات المراجع التاريخية الغامضة أو المبعثرة.

فحذاري، ستستنهض الهمم، وتنجلي الغشاوة على العيون، لتتوالى الأسئلة المصيرية:

- أين الذاكرة، أتم نسيان متعة السباحة في البحر الميت المالح جهة أريحا وبيت لحم والخليل، وطلي جلود الأهالي بطينه المنعم لبهاء الوجوه والأبدان العربية القحة؟

- أتم تناسي لذة التنزه في بحيرة طبرا جهة صفد والناصرة والجليل؟

- ألم يشتد في النفوس الحرمان من التمتع بشواطئ عكا وحيفا ....؟

العجب كل العجب من هجومات يوم العيد المقدس في بداية صيف 2021. العجب كل العجب من طبيعة أحداث طامعة في طمر حلم سفر باحث عن لحظة التمتع بانتماء ترابي بشرعية وجود عربية وفلسطينية. لا ثم لا، في زوابع البحث عن مقومات التساكن والتعايش المضنية، النفوس متحشرجة، والقنوط يتراكم، والميول لإحداث انفجار عظيم للأنفس الرافضة للاعتداءات المتكررة غير مستبعد. التقوقع في المساحات الضيقة ليس من شيم العرب. فثقافتهم لا تحتمل موضع زماني على المقاس، بل تتجاوز رهاناتهم التاريخية الألفة بأمكنة الإهانة.

سجل التاريخ بصرامته قيادات الزمان، ولبس التعاقب عن الزعامة حلة الزمن بمحض إرادة. أما استسلام رواد الانقسام إلى متعة وقت لا ذوق له ولا دوام، فلا يكاد يكون إلا غلسا مؤقتا ستنيره بمنطق السلام قدرة الرحمان بسواعد الأجيال أمثال شباب فلسطين المبتسمين والشهيدة راشيل كوري المتباهية في قبرها برسالة العلامة الدكتور علي القاسمي.

 

الحسين بوخرطة

 

 

علي القاسمي(في 16 مارس/آذار 2003، هاجمت جرافةٌ عسكريةٌ إسرائيليةٌ ضخمة ناشطةَ السلام الأمريكية الشابة اليهودية راشيل كوري وسحقتها وقتلتها، وهي تحاول منع الجرافة من هدم منزل فلسطيني في بلدة رفح في قطاع غزة)

عزيزتي راشيل،

اسمحي لي، أوَّلاً، أن أخاطبكِ باسمك الأوَّل مجرَّداً من جميع الألقاب التي نُثِرت عليكِ بعد رحيلكِ المفجع، كما تُنثَر الزهور والدراهم على رأس صبيّة فلسطينية في ليلة زفافها؛ فأنا أنادي جميع مَن أُحبُّهم باسمهم الأوَّل.

واسمحي لي، ثانياً، أن أضمِّن هذه الرسالة بعض الأخبار المتعلّقة بقضيتكِ، لا أعني قضيتك الشخصية فحسب، وإنما كذلك القضية التي أُريق دمكِ وفاضت روحكِ من أجلها. وكم أتمنى أن تبعثي لي بجواب من العالَم الآخر، تجيبين فيه عن أسئلةٍ ظلّت تحيرني عنكِ، فنتبادل الرسائل والأخبار والمعلومات، فنكون صديقيْن بالمراسلة.

أكتب إليكِ بالذات لأنَّ وجهكِ، منذ سبعة أعوام ونَيِّف، يطلّ عليَّ من بين وجوه آلاف الصبايا والصبيان الفلسطينيين الذين ضحّوا بأرواحهم في الانتفاضة الأولى والانتفاضة الثانية. أراكم جميعاً في أحلامي بين الفينة والفينة. تُشرِق وجوهكم في سماء لياليَّ الحزينة، تحاصرني، تجتاح ذاكرتي وروحي ووجداني، وأنا عاجز لا أستطيع أن أفعل شيئاً من أجل قضيتكم، قضيتنا، قضيتي، لأنّي لا أمتلك شجاعتكِ الفريدة ولا إقدامكِ الفذ. من بين آلاف الشهداء يُطلّ وجهك عليَّ بجبهتكِ العريضة التي تدلّ على العطاء والكرم والجود، حتى غاية الجود. تطلُّ عليَّ عيناكِ نافذتيْن تتوهجان جرأةً لا حدّ ولا وصف لها. وتتردّد في مسمعي جميع كلماتكِ، كلمات قصيدتكِ التي كتبتِها وعمركِ عشر سنوات فقط عن الأطفال المحرومين والمهمَّشين والبائسين والجياع المحاصرين بلا غذاء ولا دواء، وكلمات تصريحاتك لوسائل الإعلام وأنتِ في غزة، وكلمات رسائلكِ الإلكترونية إلى والديكِ، أبيكِ كريغ وأُمِّكِ سيندي.

كثيراً ما تساءلتُ في ذات نفسي لماذا أنتِ بالذات، وليست صبية أُخرى من بين عشرات الآلاف الذين سقطوا في المجاز الإسرائيلية في دير ياسين وتل الزعتر وقانا وبحر البقر وغيرها وغيرها من المجازر التي يرتكبها النازيون الجدد من الصهاينة. ألأنَّ أولئك الشهداء أصحاب القضية وقد وضعهم القدر الغاشم أمام ماكنة الحرب الإسرائيلية الطاحنة، في حين أنّك لست صاحبة القضية، وإنَّما صاحبة ضميرٍ حرٍّ لا يرضى بالظلم، ويرفض العدوان، ويمارس حرِّيته بالاختيار؟ 

2450 راشيل خوريأسألكِ، راشيل، من أين لكِ كلُّ تلك الحكمة، وأيُّ عزيمة تمتلكين، وبأيِّ شجاعة كنتِ تتسلحين، وأنتِ تجابهين هجوم الجرافة العسكرية المدرَّعة الضخمة، تحمين المنزل الفلسطيني المهدَّد بالهدم بجسدك النحيل، وترفعين يدك اليمنى بأناملها الرقيقة صارخةً في وجه الجندي الصهيوني مستخدمةً مكبِّر الصوت:

ـ " قفْ. هدم البيوت جريمةُ حربٍ وجريمةٌ ضد الإنسانية. قفْ. قتلُ المدنيين جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية." ؟؟؟! 

ألم تعلمي، راشيل، أنَّ جنود إسرائيل لا يبصرون ولا يسمعون ولا يفقهون؛ فقد أعماهم التعصّب، وأصمَّهم التحيّز، وعميتْ بصيرتهم، وتحجّرتْ أفهامهم، بالحقد والكراهية والعدوان. ومما يشجّعهم على ذلك أنهم منذ أكثر من ستين عاماً وهم يقترفون جرائم الحرب البشعة، وجرائمهم النكراء ضد الإنسانية دون أن يطالهم حساب أو عقاب، حتى أمسى الكيان الصهيوني فوق القانون.

لعلكِ تتساءلين، يا راشيل، لماذا قتلكِ ذلك الجندي وهو يراكِ بوضوح، عِلماً بأن ناشطاً من نشطاء السلام لم يُقتَل من قبل؟؟؟!. الحقيقة يا راشيل أنّ حكام إسرائيل انزعجوا من الأخبار التي كان يبعث بها أعضاء الحركة التي تنتمين إليها، حركة التضامن العالمي، إلى وسائل الإعلام الغربية عن قتل الأطفال، وهدم البيوت، أثناء الانتفاضة الثانية. فقرَّروا وضع حدٍّ لوجودكم في فلسطين، خاصةً غزة. فاغتالوك في 16 مارس 2003. وبعد أقلّ من ثلاثة أسابيع، في يوم 5 أبريل، أطلق جنديٌّ إسرائيلي النار، دون أي سبب، على ناشط السلام براين أفيروي وأصابه في وجهه وسبَّب له إعاقة دائمة. وبعد أقل من أسبوع، في 11 أبريل أطلقوا النار على رأس زميلك المصوّر المتطوِّع في حركة التضامن العالمي، توم هيرندال، فظلَّ في غيبوبة بضعة أشهر ثم فارق الحياة. وفي 2 مايو من العام نفسه، أطلقوا النار على المخرج والمصوّر البريطاني جيمس ميلر الذي كان يصوّر فيلماً سينمائياً في مخيم رفح للاجئين عنوانه " الموت في غزة" وأردوه قتيلاً، فمات هو في غزة. وبعد أيامٍ معدودة، أغلقتْ حركة التضامن العالمي مكاتبها في فلسطين. فكان لحكام إسرائيل ما أرادوا. وبدلاً من هدم البيوت بيتاً بيتا،ً شنَّت إسرائيل في نهاية سنة 2008 حرباً شعواء على غزة أطلقت عليها اسم " الرصاص المصبوب" من طائراتها المقاتلة مخلوطاً بالحقد والكراهية، وممزوجاً بالفسفور الأبيض وقنابل النابالم المحرمة دولياً، هدّمت خلالها أحياء كاملة ومستشفيات ورياض أطفال ومدارس، بما فيها المدرسة الأمريكية التي كنتِ تزورينها، وقتلت الآلاف من الشيوخ والأطفال والنساء، ثمّ فرضت حصاراً ظالماً على القطاع حتى اليوم.

دعيني، راشيل، أخبرك أنَّ موتك انتصارٌ لكِ، ففي الموتِ ألفُ فضيلةٍ لا تُعرَفُ. فبعد يوميْن فقط من رحيلك، يا راشيل، سار طلاب كلّيَّتكِ " الكلية الدائمة الخضرة"، وأهل بلدتك " أولمبيا" في مظاهرة وقور إلى السفارة الإسرائيلية في واشنطن، رافعين صورةً مكبّرة لكِ ونصبوها على جدار السفارة، وأمضوا الليل كلَّه أمامها، حاملين الشموع، في صلاة ترحُّمٍ وخشوع. ثمَّ أطلقت بلدتُكِ وكُلّيتُكِ اسمكِ الجميل على عددٍ من معالمهما، وانضم والداك إلى حركة التضامن العالمي، وأخذا يشاركان في المظاهرات ضد جرائم الاحتلال الصهيوني. وأقام والداك، بالاشتراك مع المؤسسات الإنسانية والحقوقية الأمريكية، الدعوى على شركة كاتربلر الأمريكية التي صنعت الجرافة التي قتلتك، ولكن المحاكم الأمريكية ردّت الدعوى بزعم أنها ليست قضائية وإنما سياسية، معللةً حكمها بأنَّ الشركة تبيع تلك الجرافات المدرَّعة إلى الحكومة الأمريكية، التي تقّدمها ضمن مساعداتها العسكرية وهباتها المالية إلى إسرائيل. ورفع والداك الدعوى على الجيش الإسرائيلي في إسرائيل لفضح ممارسات الصهيونية، لا للحصول على تعويض، فأيُّ شيءٍ يعوّضك يا راشيل فأنتِ جوهرةٌ نادرة الوجود؟ أقاموا مؤسّسةً تحمل اسمك، وموقِعاً باسمك على الشابكة، نشروا عشرات المقالات والكتب عنكِ، أنشد كبار الموسيقيين أكثر من ثلاثين أغنيةً لكِ، يا راشيل. وظلّت كُلِّيتك تنظِّم مهرجاناً سنوياً في الملعب الكبير تخليداً لاسمك. وقبل أيام، يا راشيل، أطلق محبو السلام اسمك " راشيل كوري " على إحدى سفن قافلة الحرية، انطلقت من إيرلندة وهي تحمل الأغذية والأدوية والخيام لأطفال غزة المحاصرة منذ ثلاث سنوات.

 كانت حروف اسمك المخطوطة على تلك السفينة الصغيرة كافيةً لبثِّ الرعب والهلع في نفوس جنرالات إسرائيل الذين يمتلكون القنابل الذرية، والطائرات الأمريكية المقاتلة، والغواصات المجهزة بالصواريخ النووية، وقنابل النابالم، وقنابل الفسفور الأبيض، وجميع أصناف أسلحة الدمار الشامل. ارتعب أولئك الجنرالات لمجرَّد سماع اسمك. هاجموا السفينة الصغيرة في المياه الدولية تماماً كما يفعل القرصان الخارجون عن القانون، هاجموها بمئات الجنود المجهَّزين بالأسلحة الأوتوماتيكية، وقنابل الغاز، والعصي الكهربائية، واعتقلوا مَن عليها، وفيهم مَن يحمل جائزة نوبل للسلام، وأساءوا معاملتهم، وأخذوهم إلى إسرائيل، واستولوا على السفينة وحمولتها، تماماً كما استولوا على مزارع الفلسطينيين وأنعامهم وبيوتهم.

والآن دعيني، راشيل، أخبركِ عمّا فعلناه نحن أصحاب القضية، بعد موتك.

قررنا، نحن أصحاب القضية العرب، أننا سوف نرفع صوتنا، وسوف نستنكر، وسوف نحتج، وسوف نشجب، وسوف ندين، وسوف نطالب، وسوف نتكلّم بالإنكليزية والفرنسية في محافل الأمم المتحدة، لأنَّ العربية لغةً رسميةً فيها. 

نعم، راشيل، سوف نخلع اسمك على مدارس بناتنا، ليقتبسن شيئاً من شجاعتك فيطالبن بالمساواة وبتمكينهن في المجتمع. سوف نطلق اسمك على معبر رفح، لعلّنا نتذكر بعض كلماتك عن حصار المدنيين ومنع وصول الغذاء والدواء إليهم، بوصفهما جريمة ضد الإنسانية. وسوف نصنع لكِ تمثالاً في المكان الذي سقطت فيه بالقرب من الجدار الفولاذي الذي نشيّده الآن تحت الأرض وفوقها، لمنع مهربي الأغذية والأدوية عبر الأنفاق. ولكن قولي لي، يا راشيل، أيّ نحّات هذا الذي يستطيع أن يجاري في عمله ألق الجرأة في عينيك؟ وأيُّ إزميل هذا الذي يمكنه أن يضاهي العزيمةَ التي تجمَّعت على شفتيك، وأنتِ تصرخين في وجه الجندي والجرافة المدرعة بمكبر الصوت: " قفْ. هدم المنازل جريمة حرب، وجريمة ضد الإنسانية."؟

ألم أقُل لك، راشيل، أنَّكِ لم تموتي، فقد بقي اسمك حيّاً نابضاً في كلِّ مكان. رحلتِ أنتِ ليحيا اسمك. سقطتِ أنتِ لترتفع قضيتك شامخة. وأخبرك رشيل أنكِ وحدك التي تحظين بمثل هذا التكريم والتخليد. ففي نفس الليلة التي قُتلتِ، وفي نفس البلدة رفح، قتل الجنود الإسرائيليون تسعة فلسطينيين منهم طفلة عمرها أربع سنوات فقط وشيخ يناهز عمره التسعين عاماً. ولم يذكرهم أحدٌ في حينه ولا يذكرهم أحدٌ اليوم. وفي الانتفاضة الفلسطينية التي قُتلتِ خلالها، سقط أكثر من أربعة آلاف شهيد معظمهم من الأطفال والشيوخ، ولم يغنِّ باسمهم أحد ولم يكتب أحدٌ شيئاً عنهم في حينه، ولا يغني أحدٌ لهم ولا يكتب أحدٌ شيئاً عنهم اليوم، حتى أنا، صديقك بالمراسلة.

علي القاسمي

.......................

إضافة: أعدتُ إرسال هذه الرسالة إليكِ، عزيزتي راشيل، لأخبركِ بانتفاضة الفلسطينيين الجديدة، وما أكثر انتفاضاتهم من أجل الحرية منذ قرن كامل. فقد اندلعت هذه الانتفاضة الجديدة في أواخر رمضان 1442ه/مايو 2021، بعد أن بدأت السلطات الإسرائيلية إجراءات تهجير العوائل الفلسطينية من بيوتها في حي الشيخ جرّاح في مدينة القدس الشرقية، ومنع المصلين الفلسطينيين من الوصول إلى المسجد الأقصى للصلاة تمهيداً لسرقته. انطلقت مظاهرات الفلسطينيين في جميع مدنهم، من حي الشيخ جراح في القدس، واللد، وحيفا، إلى رفح في غزة، وفي قلوبهم عزيمة شبيهة بعزيمتك، وعلى شفاههم ابتسامةٌ حيرت الجلادين. وكالعادة جابهتهم إسرائيل بأنواع الأسلحة الفتاكة، وهاجمت الطائراتُ الأمريكية الصنع المهداة إلى جنرالات إسرائيل (تماماً مثل الجرافة العسكرية التي قتلتك) العمارات السكنية في قلب مدينة غزة، ونسفتها ودمرتها ودكتها، وسقط الأطفال والشيوخ والناس الأبرياء بالمئات، والعالم يتفرج، لأن إسرائيل فوق القانون. تمنيتُ لو كنتِ هنا.

 

بقلم: علي القاسمي

 

 

ابراهيم أبراشعلى إثر تصاعد التوتر في فلسطين وخصوصاً على جبهتي القدس وغزة وبعد فشل مجلس الأمن في إصدار مجرد بيان حول ما يجري بسبب رفض واشنطن أن يتضمن البيان أية إدانة لإسرائيل، صدرت بيانات وتصريحات منفردة عن الأمريكيين والأوروبيين، وإن كانت عبرت عن قلقها لتصاعد العنف والتوتر وتأكيدها على حل الدولتين وضرورة الحفاظ على الهدوء وعلى الوضع القائم في القدس، إلا أنها جميعاً أكدت على حق إسرائيل الدفاع عن نفسها والتنديد بأعمال المقاومة الفلسطينية ووصفها بالإرهاب، وهو موقف تواترت امريكا ودول أوروبية على التأكيد عليه مع كل مواجهة بين الفلسطينيين والإسرائيليين .

هذا الموقف يعكس تحيزاً فجاً وازدواجية في المعايير، ذلك أن حق الدفاع عن النفس مكفول لكل شعوب ودول العالم كما هو منصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، وإن كان من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها فمن حق الفلسطينيين الدفاع عن أنفسهم أيضاً، وعندما يكون الشعب خاضعاً للاحتلال فإن مقاومة الاحتلال بكل  أشكال المقاومة الممكنة تندرج في سياق الدفاع عن النفس، أما إسرائيل وقطعان مستوطنيها فهم مُحتَلونِ لفلسطين ويمارسون العدوان والإرهاب.

الاحتلال يتعارض مع القانون الدولي والشرعية الدولية بينما مقاومة الاحتلال حق يكفله القانون الدولي والشرعية الدولية، الاستيطان ومصادرة الأراضي يتعارضان مع القانون الدولي والشرعية الدولية بما فيها اتفاقات جنيف بينما مقاومة الاستيطان والمستوطنين والدفاع عن الأرض يندرج في سياق ممارسة حق الدفاع عن النفس وشكل من المقاومة مكفول بالقانون الدولي، طرد سكان البلاد الأصليين وتدمير منازلهم كما يجري في القدس يتعارض مع القانون الدولي والشرعية الدولية، بينما مقاومة ذلك  والتمسك بأرض الآباء والأجداد سلوك بشري طبيعي يتوافق مع مبادئ الشرعية الدولية، الفصل والتمييز العنصري والتطهير العرقي  الذي تمارسه دولة الكيان في القدس وداخل أراضي الخط الأخضر سلوك إرهابي وعنصري مُدان دولياً بينما مقاومة الفلسطينيين لذلك حق طبيعي وقانوني يتوافق مع الشرعية الدولية.

عندما يتوحد الشعب الفلسطيني ويخرج في كل أماكن تواجده داخل فلسطين من البحر إلى النهر في مواجهة دولة الكيان الصهيوني فهذا معناه أن الشعب الفلسطيني لم يعد يُطيق صبراً ولم يعد أمامه إلا أن يأخذ المبادرة ويمارس حقه بمقاومة شعبية لكل أشكال الظلم والعدوان والعنصرية التي تمارسها دولة الاحتلال، وخصوصاً أنه أعطى أكثر من فرصة للإسرائيليين والأمريكيين ولكل العالم لإنجاز سلام عادل يقوم على أساس تطبيق قرارات الشرعية الدولية وعلى الاتفاقات الموقعة.

إن كانت واشنطن والدول الأوروبية معنية بالسلام والاستقرار في المنطقة، وإن كانوا متخوفين على وجود إسرائيل وأمنها بعد ثورة فلسطينيي الداخل غير المتوقعة وبعد وصول صواريخ المقاومة لمدن ومواقع استراتيجية رئيسة في إسرائيل، فعليهم أن يتفهموا أسباب غضب الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده وان يتقدموا بمبادرة سلام جادة تنهي احتلال إسرائيل للضفة الغربية والقدس وقطاع غزة و تؤدي لقيام دولة فلسطينية مستقلة بعاصمتها القدس الشرقية.

 

إبراهيم أبراش

 

بليغ حمدي اسماعيلانشغلت وسائل الإعلام العربية والعالمية منذ أيام مضت بالأحداث والمشاهد التي لا تبدو تتصل بالإنسانية تلك التي حدثت بحي الشيخ جراح على أيدي قوات المحتل الصهيوني ضمن مفردات الصراع الفلسطيني مع الكيان الصهيوني وهي مفردات لم تنقضي حتى حين الكتابة، وعلى حسب كافة وسائل الإعلام في الكرة الأرضية فإن تفاصيل هذا العدوان ترجع إلى قصة قديمة ؛ تحديدا حينما  هُجرت عدة عائلات فلسطينية من ذلك الحي عام 1948، وكان عام 1972، هو الوقت الذي زعمت فيه، جمعيات يهودية، أنها تمتلك وثائق بملكيتها للأراضي التي أقيمت عليها، منازل الحي، وتعود تلك الوثائق إلى أواخر القرن التاسع عشر، بحسب ادعاء لجنتي اليهود الأشكناز والسفارديم . وتذكر الموسوعة المعرفية العالمية ( ويكيبيديا ) عن حي الشيخ جراح أنه  قرية مقدسية - فلسطينية تتبع لمدينة القدس وهي في الجانب الشرقي لها الذي وقع تحت الاحتلال الإسرائيلي السافر في حرب 1967.

وهي الآن من أحياء القدس الشرقية. وتذكر الموسوعة أن حي الشيخ جراح أخذ بالقدس اسمه، من الأمير حسام الدين بن شرف الدين عيسى الجراحي، طبيب القائد الخالد صلاح الدين الأيوبي، الذي لا يزال يمثل الرمز العربي والإسلامي الرائع والمثالي للقائد والمجاهد منذ نحو 900 عامًا، ووهذا الحي منذ سنوات وليس الآن يتهدده ـ حسب المصادر التاريخية المعاصرة ـ مخطط إسرائيلي استيطاني تم الإعلان عنه ويتضمن بناء 200 وحدة سكنية لإسكان مستوطنين يهود فيها، وسط هذا الحي العربي الواقع في القدس الشرقية المحتلة عام 1967م.

وتؤكد المصادر التاريخية التي تناقلتها وسائل الإعلام مؤخرا بأن مجير الدين الحنبلي المقدسي العُمري (860-928هـ) ذكر في كتابه الموسوم بـ "الأُنس الجليل في تاريخ القدس والجليل" والذي يُعرف في عالم الوثائق والمكتبات بتاريخ الحنبلي، إنه رأى زاوية في القدس، باسم الزاوية الجراحية، وتقع بظاهر القدس، من جهة الشمال كما حددها، وأضاف الحنبلي في كتابه: "ولها وقفٌ ووظائف مرتبة ونسبتها لواقفها الأمير حسام الدين الحسين بن شرف الدين عيسى الجراحي".

والقصة المكرورة التي نجترها بصورة مدرسية والتي تعني شراسة العدوان الصهيوني على القدس وأهلها وهذه الرارة الإلكترونية المتمثلة في تغريدات العرب ومنشوراتهم أيضا على الفيس بوك وثمة تصريحات ودعوات تبدو بطيئة كالعادة من الحكومات العربية وسط تغافل عالمي غربي بحكم العلاقات الوطيدة بين الغرب الأوروبي وأمريكا والكيان الصهيوني تجعلنا نرمز بغير تلميح بل بقوة التصريح إلى أن العالم العربي من قدره المسكين أنه لم ينتبه العالم العربي بعد أن غفوته الاستثنائية عن الخطر الصهيوني ستسبب له عما قريب الكثير من المشكلات والأزمات التي قد يجد نفسه حائرا في مواجهتها بفضل ما يعتري العالم العربي من أزمات سياسية وظواهر وافدة على المشهد العربي مثل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والذي يقدم للكيان الصهيوني أكبر خدمة ممكنة في إضعاف وتفتيت النسيج العربي .

كذلك وقبيل العودة إلى قصة الكيان الصهيوني ومجازره الدموية بحق الشعب الفلسطيني، فإن هذا التنظيم جنبا بجنب مع آلاف المنتسبين لجماعة الإخوان الذي ادعوا أنهم سيزحفوا إلى القدس بالملايين ضمن أكاذيبهم التاريخية، فضلا عن مئات بل وآلاف السلفيين وأنصار بيت المقدس وجماعة التكفير والهجرة الذين لم يهاجروا إلى فلسطين بل هاجروا للداخل بحكم تكوينهم النفسي المريض، كل هؤلاء لم ينطلقوا لنصرة شعب فلسطين، ولم يتحرك لهم ساكن صوب القدس الشريف، بل كان ولا يزال جُل همهم ومنالهم ومطمحهم الخالد هو قتال المسلمين في الداخل والجهاد في وجه الشرطة والجيش والمدنيين أيضا بدلا من تجسيد كافة ادعاءاتهم السابقة والزائفة أيضا بنصرة فلسطين .

إن كافة أحداث حي الشيخ جراح تؤكد حقيقة كذب وزيف الجماعات المسلحة في فلسطين مثل حماس التي دعمت جماعة الإخوان في مصر من أجل تقويض الأمن والاستقرار، وصورت أقبح مشهد يمكن توصيفه حينما نجحت جماعات الإرهاب في فلسطين وأيضا تنظيم داعش في تمويل وتغذية التطرف والإرهاب داخل مصر وقتل المئات من الجنود والضباط المصريين وتهريب الأسلحة الثقيلة والخفيفة والمتوسطة وإمداد المتطرفين في سيناء وغرب مصر بالمتفجرات من أجل قتل الضباط والجنود المصريين، وفي الوقت ذاته لم يبرروا هذا التقاعس البليد في نصرة فلسطين .

وربما هوس الإرهابيين وولعهم بمصر وفتنتهم الغرامية بحكم المحروسة جعلتهم لم يقرأوا المشهد بعناية بل اعتبروه إحدى ألعاب التكنولوجيا التي يغرمون بها مثلها مثل غرامهم بالأفلام الإباحية وفقا لم تم الكشف عنه في أجهزة الحاسوب الخاصة بقيادات تنظيم القاعدة، كذلك هوسهم المحموم بجهاد النكاح والحب والمرأة التي تشكل صداعا برؤوسهم الأمر الذي يستدعي التدخل النفسي العلاجي، كل هذه المغيبات التي تجعلهم بمنأى عن أحداث فلسطين    لم توقظهم من سباتهم الطويل ولم يلتفتوا حتى الآن إلى أن الكيان الصهيوني هو عدو غاشم، وأن كل الجماعات التي تتدعي الجهاد الإسلامي هي حفنة من الأسطوانات الصوتية والأفلام الوثائقية والخطب المنبرية فحسب .

1 ـ مَشْهَدُ الغَفْوَةِ:

وهناك ثمة مشكلة تتعلق بهوية المواطن العربي الجغرافية، ودونما شك أن هذا المواطن الذي اغرورق في إحداثيات المشهد السياسي الداخلي ولم يستفق بعد على كتابات وتحذيرات المفكر العربي المصري جمال حمدان، لم يلتفت إلى وجود الكيان الصهيوني في دائرة جغرافيته التي هي بالقطع تاريخ الإنسان على الأرض، والمشكلة أن المواطن العربي لم يلتفت إلى المحاولات الاصطناعية الصهيونية لتغيير معالم الخريطة العربية ليس بحدودها وتخومها التضاريسية والمادية، بل هو تغيير ثقافي وحضاري وتغلغل أيديولوجي في الوقت الذي فطنت فيه إسرائيل بأن العرب أصبحوا مؤهلين تماماً لاستمراء مشهد الغفوة التاريخية لمصيرهم الراهن .

وبرغم احترامنا للخريطة ولعلماء الجغرافيا الأكاديمين رغم فقرهم التنويري في الألفية الثالثة إلا أن علاقتنا بالخريطة وبشكل المنطقة الجغرافي أصبحت علاقة عكسية لدرجة أننا لو استطلعنا الرأي بشأن احتفاظ العربي بخارطة الوطن العربي لاكتشفنا ندرة الاقتناء مما يعكس حالة التوهان والاستغراق في الغفوة القومية . ولاشك أن الكيان الصهيوني في حالة من السعادة المطلقة لشيوع فوضى الإحساس الجغرافي لدى العرب وانتشاء المواطن العربي بحالات الجمود السياسية لاسيما في سوريا واليمن والعراق وليبيا.

2 ـ رَأسِيَّاً صَوْبَ الاسْتِيْطَانِ:

الاعتماد على الذاكرة فيما يخص العلاقة بين العرب وإسرائيل من التفاصيل التي لا يمكن الفكاك من شَرَكها الحتمي، وكعادة الشعوب العربية هي لا ترى أزماتها التاريخية والسياسية والثقافية والاجتماعية حتى مشكلاتها المتعلقة بالبنية التحتية إلا من منظور صهيوني استثنائي، بل وبات العرب مولعاً بفكرة الصراع الصهيوني ذي الصبغة الأمريكية على الاستحواذ على عقله وجسده وهويته، وبالتأكيد هذا المعنى موجود بالفعل في أجندة المؤامرات الصهيونية على دول الشرق الأوسط لاسيما الدول التي تتمتع بهويات فريدة وتاريخ ضارب في التكوين مثل مصر وسوريا وبعض الأحايين المملكة المغربية بوصفها آخر القلاع الإسلامية التي كانت شريكة للأندلس قبل سقوطها .

لكن تبقى المشكلة الأزلية التي يعاني منها العقل العربي ولا يمكنه التخلص من آثارها، وهي توصيف الكيان الصهيوني المعروف بإسرائيل من خلال ذهنية عربية خالصة، وهي رؤية تكاد تكون تخييلية قائمة على المشاهد الدموية التي تبثها بعض القنوات الإخبارية عن المجازر الإسرائيلية بشأن الشعب الفلسطيني، أو من خلال مجموعة من المتون الثقافية القديمة التي تصور اليهودي إما على أنه تاجر مرابي، أو صاحب حانوت لبيع الخمور، أو جاسوس متلصص، وهذا بفضل الإعلام المرئي السطحي الذي يعاني منه المجتمع العربي منذ عقود بعيدة .

وبحق، تعد مشكلة الصراع العربي الإسرائيلي من أبرز المشكلات المعاصرة والتي تلقي بظلالها على ممارسات المشهد السياسي، وهي مشكلة لها جذور متأصلة  لكننا نصر دوماً على الاقتناع بالرواية الرسمية الفلسطينية الإسرائيلية وهو السرد التي نراه مكتوب في مساجلات المفاوضات العلانية بين طرفي النزاع وإن كان العرب كدول يعد طرفاً رئيساً في هذا النزاع التاريخي، وهذه الرواية الأقرب لمؤتمرات حقوق الإنسان ؛ كلام مجرد وفعل غائب، وجوهر ضائع .

وهذه القضية، قضية الصراع العربي الإسرائيلي تاريخ طويل من المفاوضات السرية التي لا يعلمها المواطن سوى مجموعة من المشاهد التي تبثها الفضائيات، وهذا التاريخ الطويل من المفاوضات السرية يمكن توصيفه بالمعقد أحياناً وبالغامض أحيانا أخرى، فهو معقد لأن المشكلة لم تحل سياسياً حتى اليوم وإسرائيل نفسها تعلم أن بناء دولة حقيقية لفلسطين مالكة الأرض والتاريخ والتكوين يعني زوال الدولة اليهودية أو بالأحرى الكيان الصهيوني، وغامض لأنه لا توجد أجندة واضحة المعالم وضابطة ذات شرائط حاسمة وحازمة لتلك المفاوضات تلزم طرفي النزاع بحقوق وواجبات غير تمييزية .

3 ـ العَرَبُ وإسْرَائِيْل .. مِن الصِّرَاعِ إلى الصِّرَاعِ:

ويعد جوهر الصراع العربي الإسرائيلي معقداً وغامضاً أيضاً، فالعرب ينظرون إلى إسرائيل  على أنها دولة شريرة سارقة لا أخلاق لها، وعلى الشاطئ الآخر يرى اليهود أن العرب ارتضوا الصفقة التي أبرموها مع الفلسطينيين والخاصة ببيع وشراء الأراضي هناك، بل إن من اليهود من يرى أن فلسطين دولة قائمة بذاتها لكنها تحت الانتداب الإسرائيلي بغرض تأهيل وإعداد السكان العرب للحكم الذاتي بعد ذلك، لكن تبقى لهذه القضية ملامح وجذور هي التي تحدد مسار المفاوضات والممارسات بين العرب وإسرائيل.

ولأننا رهن الرواية الفلسطينية الإسرائيلية للأحداث التي تجري على الأراضي العربية فلا يمكن التسليم بصدقها مطلقاً، ولا يمكننا فهم تلك الرواية السياسية بمعزل عن إرهاصاتها التاريخية، ففلسطين التي نراها اليوم جريحة وتستحق الدعم والمساندة كانت الفرصة سانحة أمامها للقضاء على الوجود الصهيوني بأراضيها منذ عقود بعيدة . فهذا محمد أمين الحسيني مفتي القدس 1921 ـ 1922م، طالب بإنهاء فوري الانتداب البريطاني، وبإيقاف الهجرة اليهودية إلى أرض فلسطين، لكنه رغم ذلك قام بوعد غامض وسري من خلال وثيقة سرية مكتوب فيها نصاً " مع احترام الحقوق الدينية والمدنية لليهود الموجودين في البلاد " .

وإذا نظرنا باستقراء إلى نص الوثيقة الظاهري فيمكننا الإشادة بمفتي القدس آنذاك، ولكن ما وراء السطور أن رأياً كهذا من سلطة دينية وفقهية رسمية أباحت لليهود الاستيطان المشروع ليس فقط من خلال حقوقهم الدينية وشعائرهم التعبدية التي تخالف شريعة الإسلام، بل إن فيها التزاماً بالحقوق المدنية لليهود وربما هذه الوثيقة اتخذها اليهود ذريعة للمواطنة والإقامة في أرض فلسطين بغض النظر عن وجودهم بأمر بريطاني عسكري .

4 ـ فِلِسْطِيْنُ الحَائِرَة:

الغريب في شأن تاريخ القضية الفلسطينية، أن بريطانيا نفسها التي أعطت ومنحت بغير وجه حق اليهود صك إقامتهم في فلسطين بمقتضى وعد بلفور جاءت في عام 1939 وأعلنت هدفاً لحكومتها آنذاك وهو كبح جماح الهجرة اليهودية نظراً لتعدد مصالحها ومطامعها التجارية والاقتصادية مع بعض الدول العربية . ورغم صدور هذا الهدف في صورة إعلان رسمي إلا أن الفلسطينيين والعرب لم يستغلوا تلك الفرصة التاريخية في تبرؤ بريطانيا من وعد بلفور المشئوم كمحاولة لزرع سيطرة عربية مطلقة على أرض فلسطين، وربما لأن فلسطين في ذاك العهد كانت تعاني من ثمة أمور مثل المجتمع الزراعي الأمي ثقافياً، والحالة البدائية من الناحية السياسية والتمثيل السياسي الرسمي العالمي هي التي أودت إلى التغلغل اليهودي في الأراضي وسط غياب سياسي رسمي لحكومة فلسطينية. بجانب الافتقار إلى الوعي السياسي على مستوى الأفراد، وغياب مؤسسات الحكم الذاتي هناك .

ثم جاءت عوامل أسهمت بصورة مباشرة في الضياع النسبي للحق الفلسطيني في أرضه، ففلسطين منذ الانتداب البريطاني شهدت حالات الانقسام السياسي والتصدع الداخلي وظهور ما يسمى بالفصائل الفلسطينية وليس اليوم فقط الذي نرى فيه فصائل عديدة مثل فتح وحماس وكتائب عز الدين القسام وأنصار بيت المقدس وغيرها من التيارات والفصائل التي بقدر تعددها وزخمها بالأنصار والعتاد بقدر ما أصبحت وسيلة مساعدة للكيان الصهيوني لتهويد فلسطين ؛ لما تعانيه تلك الفصائل مع انقسام في رؤية المواجهة وآلياتها . بجانب ما يغفل عنه تاريخ العلاقة العربية الإسرائيلية منذ بدء مشكلة الصراع، فالمسيحيون على سبيل المثال في فلسطين وقت الانتداب البريطاني ساعدوا بشكل غير مباشر في استمرار هذا الانتداب الذي يعد البوابة الحقيقية والرسمية لعبور اليهود داخل أرض فلسطين بطريقة شرعية من الوجهة السياسية لكنها غير شرعية من ناحية التاريخ والحقوق.

 فحينما كانت سلطة الحسيني نسبة إلى الحاج أمين الحسيني هي السلطة الفلسطينية الرسمية داخل فلسطين، شهدت البلاد وقتها موجات حارة وثورات مستدامة وعنف موجه ضد مسيحي فلسطين الأمر الذي دفع بعضهم إلى مغادرة البلاد، ودفع بالبعض الآخر التسليم بقوة الانتداب البريطاني ومن ثم الوجود الصهيوني . وظهرت في هذه الآونة شيوع التعبيرات الكتابية على جدران المنازل التي توحي بالعداوة تجاه المسيحيين فكاد رد طبيعي نزوح هؤلاء بعيداً عن مناطق التشاحن والصراع الطائفي والديني . وربما لم يلتفت مؤرخ إلى أن حالات الانقسام الإسلامي المسيحي في فلسطين من أبرز العوامل التي هيأت المناخ لليهود لتسيد البلاد وقتها، بل يمكننا الإشارة أيضاً إلى أنه سادت شكوك في صفوف المسلمين الفلسطينيين من أن يقدم المسيحيون على الخيانة لمصلحة البريطانيين، وانتهزت بريطانيا هذه الفرصة باستغلال عامل الديانة في شق وحدة الصف الفلسطيني لصالح الدولة اليهودية المزمع إنشاؤها بعد ذلك .

وهذا الأمر هو الذي دفع وزير الخاريجية البريطاني إرنست بيفن إلى إطلاق مقولته الشهيرة " ربما يتم التبادل السكاني في المناطق المخصصة للعرب واليهود " وهو نفس المعنى الذي أشار إليه مهندس الدولة الصهيونية تيودور هرتزل بمصطلح الإبعاد الجماعي اللطيف للعرب . وامتداد لذلك وجدنا الأمم المتحدة منذ أبريل 1947 وهي تدرس الموقف وتوحي باستحياء إلى إنشاء دولتين، عربية ويهودية، غير مشيرة إلى كلمة دولة فلسطينية . حتى كان القرار في التاسع والعشرين من نوفمبر 1947 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة والخاص بتقسيم فلسطين إلى دولتين .

ومنذ ذلك التاريخ والجهود العربية إزاء قضية التقسيم خائبة وباهتة، حتى عمليات السلام التي لا تزال تجري يمكن توصيفها بسلام الخائب الذي فقد كل ما يملكه، واليوم حينما نرى هجوم بعض الدول العربية على بعضها البعض واستمرار التراشق اللفظي وحالات الانقسام السياسي بشأن بعض الأوضاع الداخلية الأكثر خصوصية ندرك على الفور غياب العرب التام عن المشهد الفلسطيني.

5 ـ إِلَى أيْن سَتأخُذُنِي البُقْعَةُ المُسَمَّاةُ بِأرْضِ العَرَبِ؟

إن تفكك القيادة العربية و جموح التطرف والإرهاب ببعض بلدانها وشيوع حالات الهياج الإعلامي والاستثماري لبعضها أيضاً عوامل تساعد ربما بشكل مقصود غي ضياع قضية أمة وليست قضية وطن فحسب، وبدلاً من أن تهرع بعض القنوات الفضائية الموجهة إلى تقويض الأمن والاستقرار في الشأن الداخلي للدول المجاورة عليها أن تخصص مساحات كبيرة للتأكيد على عروبة هذه القضية المهمة .

إن مشكلات الشأن الداخلي بالعراق وسوريا وليبيا واليمن ربما ستحل قريباً هذا حسب الظن لا اليقين، لاسيما وأن المواطنين هناك ألفوا حياة الاستقرار منذ عقود بائدة، ونعموا طويلاً بحالات من الرفاهية والضبط الأمني، لكن فلسطين التي من قدرها أن تعاني التهميش العربي والتجاهل العالمي على مستوى المؤسسات هي بحق أولى وأهم من إلقاء الضوء على حقها التاريخي في أراضيها، وإذا كان اليهود في شتى بقاع الأرض ينقبون هنا ويفتشون هناك ويزيفون حقيقة ويشوهون معلماً من أجل بقاء لن يدوم على أرض فلسطين، فإن حالات الغياب العلمي عند العربي مؤسفة ومحزنة، ومن المحزن حقاً انفراد جامعاتنا العربية ببحوث مستهلكة ودراسات تفتقر إلى الصدق والمنهجية العلمية من أجل اللهاث وراء شهرة أو مال أن تغيب عن المشهد الفلسطيني، فأين بحوثهم المدعمة وأين الاكتشافات الجيولوجية والجغرافية التي تدحض مزاعم هؤلاء اليهود. وإذا كان من قدر إسرائيل أن تغتصب وطناً عربياً وسط تجاهل وغياب عربي، فإن من قدرها أيضاً أن من بين العرب الغافلين أناساً مهمومين بتقويض الكيان الصهيوني الخبيث، وحلم استرداد المسجد الأقصى بغير رجعة لليهود، وللأيادي الملطخة بدماء الخيانة والتقاعس.

6 ـ فِي تَوْصِيْفِ مَلامِحِ الصِّرَاعِ العَرَبِيِّ الإسْرَائِيلِيِّ:

ولعله من اليسير  توصيف ملامح الصراع بين العرب كدولة كبيرة موحدة ومتكاملة وبين الكيان الصهيوني الذي ظل يسعى ولا يزال لتكوين دولة مؤسسات تستهدف تقويض هذه الدولة القوية والمتماسكة من جهة، وإلى نسف كل معالم العربية والعروبة في منطقة فلسطين في الوقت الذي غاب العرب فيه عن المشهد سياسياً واقتصادياً وتعليمياً وتحول من سيد مطاع إلى حالات من التشتت في الوقت الذي سعت فيه إسرائيل إلى إعلان التسيد المطلق في جوانب التسليح والأمن الداخلي و الارتقاء غير المنازع في مجال الاقتصاديات المعرفية وتكنولوجيا المعلومات .

وبمجرد أن انتهى الكيان الصهيوني من توثيق استيطانه الهمجي الذي خالف فيه كل الأعراف الإنسانية بمساعدة أمريكية وتمويلات مشبوهة من قطاعات أوروبية كثيرة بحجة التعاطف التاريخي إزاء ما جرى لليهود من تعذيب واضطهاد وممارسة عنصرية وتحقير في المجتمعات الأوروبية، جاء التفكير إلى كتابة سيرة ذاتية جديدة لكيان صهيوني تتيح لليهود إقامة وطن ولو عن طريق الاغتصاب وتشتيت الأعراق والأنساب الأخرى، ويكفي للقارئ أن يقرأ مقدمة كتاب الباحث المصري محمد السماك المعنون بـ " الصهيونية المسيحية والموقف الأمريكي " رغم صغره ليكتشف تاريخ التغلغل الصهيوني في فلسطين والذي يمكن توصيفه بملامح كتابة السيرة الذاتية لوطن لا أصل له، لكن حينما نستعرض التواريخ منذ سنة 1492 م حتى عامنا هذا لأدركنا على الفور أن بني صهيون يسيرون وفق مخطط محكم ومنظم ولا يتغير بتغير الأجواء الزمانية والمكانية والإحداثيات السياسية والاجتماعية الواقعة بالمحيط العربي أو بتغير الأنظمة الحاكمة سواء داخل إسرائيل أو في الدول والبلدان المجاورة . ولعل عام 1839 م هو البداية الحقيقية لتكريس واقع وحقيقة جديدة تسمى إسرائيل وبداية تاريخية تمنحهم الوجود المكاني لإقامة دولة وكيان على أرض فلسطين العربية .

فهؤلاء اليهود الذين اعتقدوا أنهم بحق شعب الله المختار، فكروا لوقت طويل كيف يكون لله شعب ولا يكون للرب وطن ؟ ومن هنا جاءت المؤامرة الخبيثة لتكريس وجود صهيوني على أرض فلسطين ولو بصورة ورقية ومؤتمرات تنظيرية وكتب ومطبوعات تمهد لكتابة سيرة ذاتية لوطن لا وجود له في الأصل . ففي عام 1839 جاءت مذكرة سكرتير البحرية الإنجليزية إلى وزير الخارجية بالمرستون التي يقترح فيها دعوة أوروبا إلى الاقتداء بقورش لإعادة اليهود إلى فلسطين . وبعدها بعام واحد أس في سنة 1840 كانت الرسالة من بالمرستون إلى سفير إنجلترا بالقطسنطينية من أجل حث السلطان العثماني الضعيف زمنياً وعسكرياً وسيادياً على تحويل هجرة يهود أوروبا الشرقية إلى فلسطين .

وسرعان ما تحولت الرسائل والمذكرات الشخصية وإن كانت بصفة رسمية إلى مؤتمرات وندوات علانية من أجل تعميق فكرة إقامة وطن يهودي صهيوني على الأراضي الفلسطينية وتلازم مع هذه المؤتمرات قرارات برلمانية تؤيد الفكرة، ففي سنة 1844 وافق البرلمان البريطاني على تأليف وتشكيل لجنة اسمها " إعادة أمة اليهود إلى فلسطين "، ثم جاء عام 1845 ليكون بداية للمشروع الصهيوني في فلسطين بشكل رسمي، فلقد ظهر لأول مرة مشروع إدوارد متفورد وهو " إقامة دولة يهودية متكاملة في فلسطين " وبالطبع كان المشروع تحت الحماية الإنجليزية المؤقتة وذلك حتى تتمكن الدولة الناشئة من الوقوف على أقدامها بثبات . وتوالت الكتب والمشروعات الدنيئة التي تسعى وتحث قادة العالم بضرورة إعادة الأمة اليهودية إلى إسرائيل مثل كتاب إرنست لاراهان المستشار الخاص لنابليون الثالث بعنوان " المسألة الشرقية: إعادة بناء الأمة اليهودية " . ثم كتاب " أرض جلعاد " لعضو البرلمان الإنجليزي لورنس أوليفنت الذي صار بعد ذلك وزيراً للخارجية، وفي هذا الكتاب اقترح إقامة مستوطنة يهودية على مساحة مليون ونصف المليون فدان إلى الشرق من نهر الأردن، وتحديداً ليهاجر إليها يهود روسيا ورومانيا .

7 ـ لِمَاذَا تَسْعَى إسْرَائِيْل إلى تَرْوِيْجِ سِيْرَتِها الذَّاتِيَّةِ ؟

وبالقطع أمر خطير أن نشير على عجل إلى تفكير الكيان الصهيوني بتوثيق وكتابة أي حدث سياسي أو اجتماعي أو ثقافي تتم فيه إشارة بسيطة إلى كلمة يهود أو يهودية أو إسرائيل، وكذلك توثيق أية كلمات تتعلق بوطن أو دولة أو هجرة أو مستوطنة تحديداً في الفترة التي سبقت الإعلان عن الوجود الرسمي لإسرائل في المحافل الدولية أي قبيل عام 1948، وهذه الفترة التي سبقت الإعلان تفرغت الكيانات الصهيونية العالمية إلى تسجيل كل إشارة أو لمحة دالة عن إسرائيل أو وطن لليهود حتى وإن كانت مجرد خبر صحافي قصير في جريدة غير مقروءة أو مطبوعة محلية . وربما المساندة الأمريكية التي وقفت بجانب المساعي غير المحمودة للصهاينة هي التي أغرت اليهود بتوثيق وكتابة سيرة ذاتية لملامح دولة في طريقها للإنشاء . فها هو هاري ترومان الرئيس الأمريكي في عام 1947 يدعو إلى تحقيق أكثرية يهودية في فلسطين، ووجه مذكرة بشأن ذلك إلى رئيس الحكومة الإنجليزية تسمح لمائة ألف مهاجر يهودي بدخول فلسطين . 

المثير في شأن المسألة الصهيونية حقا هو الدعم المسيحي لتأكيد وتكريس هذا الكيان، وهذا لم يكن وليد القرن العشرين، بل له إرهاصات متجزرة في السيرة الذاتية للصهيونية، فنجد على سبيل المثال مارتن لوثر وهو زعيم ورائد حركة الإصلاح الديني المسيحي ورائد المذهب البروتستانتي يقول في كتابه المعنون بـ " عيسى ولد يهودياً " المنشور عام 1523م: " إن اليهود أبناء الله ونحن الضيوف الغرباء " ويردف قائلا في كتابه في موضع آخر: " إن الروح القدس أنزل كل أسفار الكتاب المقدس عن طريق اليهود وحدهم" . وربما هذا وإن كان يعكس الطبيعة المسالمة بعض الشئ للمسيحيين إزاء اليهود إلا أنه يبرهن عن خشية التيار المسيحي آنذاك من الشعور الدائم بالكراهية من جانب اليهود وهذا نجده في الأسفار اليهودية مثل: " من يفعل خيراً للمسيحيين فلن يقوم من قبره قط "، وأيضاً " يجب على اليهود السعي الدائم لغش المسيحيين ".

لكننا نرى مداً سافراً لمارتن لوثر وهو يمجد اليهود واليهودية بغير تبرير سوى الذي ذكرناه سالفاً فنجده يقول في موضع آخر من كتابه: " علينا أن نرضى بأن نكون كالكلاب التي تأكل مما يتساقط من فتات مائدة أسيادها كالمرأة الكنعانية تماماً " . وربما هذا التحول في فكر المسيحية تجاه اليهود واليهودية ارتبط بالظهور الثاني للمسيح والمرهون بقيام دولة لهم على أرض فلسطين .

لكن بات من الملفت للنظر والاهتمام معا أن الظهور الصهيوني في منطقة الشرق الأوسط تحول من مجرد استيطان بشري طفيف إلى موجات استعمارية تعكس الهدف الأسمى لديهم وهو استقطاب المنطقة وامتلاكها والسيطرة على مفاصلها جميعاً، وهذه الموجات بدأت بالفعل منذ الانهيار العسكري الذي تم في الخامس من يونيو عام 1967، والذي بمقتضاه بدأ الكيان الصهيوني في تسجيل سيرته الذاتية بسطور من الصعوبة محوها رغم انتصارنا التاريخي العظيم في حرب أكتوبر 1973، إلا أن هذا الانكسار الموسوم بنكسة يونيو كان بمثابة الإعلان عن علم ووطن وجيش لكيان هيولي لا أصل له بالنسبة لاعتقاداتنا التاريخية، لكنه تم بالفعل . وهذا ما سمح لإسرائيل التي أصبحت دولة رغم امتعاض الدول العربية والإسلامية ورفضها المطلق لوجودها دون نتيجة أو قرار بحلها، بالإعارة على المخيمات الفلسطينية على الأراضي اللبنانية في 1969مستخدمة طائرات أمريكية الصنع، وهي في الأساس لم تكن تستهدف المخيمات الفلسطينية أو بحاجة إلى مطاردة الفلسطينيين الذين فروا من أراضيهم المقدسة بقدر ما حاولت إسرائيل أن تسجل فصلاً جديداً في سيرتها الذاتية الصنع بأنها قادرة على النيل من دول الجوار أيضاً تحقيقاً لنفوذ عسكري حتى وإن لم تسعى إلى احتلال الأراضي اللبنانية .

وباسترجاع تواريخ سابقة يمكن تحديد معالم السيرة الذاتية التي دشنتها إسرائيل، وهي بالقطع سيرة ذاتية دموية، ولك أن تتأمل الفترة العسكرية التي خاضتها ومرت بها إسرائيل من أجل تفكيك القوة العربية، وسرعان ما انتهت هذه الفترة بتقويض الطاقات العربية حتى تسيدت إسرائيل المجلات الاقتصادية والمعرفية والتكنولوجية، ففي الفترة من 1978 وحتى 1990 نجد إسرائيل تجدد الهجوم على لبنان وتقصف المفاعل النووي بالعراق، وترتكب أبشع مجازر القرن العشرين في صبرا وشاتيلا، ثم تستهدف تهجير يهود الأرض من كل مكان مثل الاتحاد السوفيتي سابقا وأثيوبيا إلى فلسطين العربية، وفي الوقت الذي انشغلت فيه الدول العربية المسكينة في تضميد جراحها سعت إسرائيل إلى التفرد والانفراد الثقافي والعلمي بدليل عدد براءات الاختراعات الهائلة في الكم والكيف والاستخدام والإفادة أيضاً، وأيضاً عدد الفائزين بجائزة نوبل في الطب والفيزياء والكيمياء، في الوقت الذي ذهبنا نحن مهتمين بالبحث لنا عن مكان ما بزاوية منسية لإلقاء قصيدة تندد بوحشية الصهاينة، وآخر ذهب ليجدد بكاء العجائز من السيدات من خلال رواية محلية الصياغة تشجب مجازر الإسرائيليين، بينما هم مستمرون في كتابة سيرتهم الذاتية بحروف لا تنمحي بتعاقب السنين .

الأمر الذي لم يعد خافياً على المراقبين للمسألة الصهيونية، أن هناك مرحلة رئيسة بعد قيام دولة إسرائيل تحديداً مرحلة السيرة الذاتية لهذا الكيان غير الطبيعي في الأراضي العربية، وهو المساعدات الأمريكية غير المنتهية ففي عام 1984 أقرضت الولايات المتحدة إسرائيل مئة مليون دولار، وبعدها بعام واحدة أي في 1949 قامت بمساعدة إسرائيل من أجل إنمائها بمنحة قيمتها مئة وخمسين دولار، في الوقت الذي فرضت شروطاً صارمة على بيع الأسلحة إلى باقي الدول العربية وهذا ما حدث بالفعل في 1954، وفي الوقت الذي تمد فيه الولايات المتحدة الأمريكية إسرائيل بأحدث الأسلحة النووية تلجأ هي إلى قرارات مجلس الأمن المسيس بضرورة إخلاء منطقة الشرق الأوسط من أية أسلحة نووية حفاظاً على تميز إسرائل العسكري من ناحية وبقاء للسيادة العسكرية الأمريكية من ناحية أخرى.

وقد يعجب القارئ حينما يكتشف وجود عدة مؤتمرات ومنظمات أمريكية يهودية استهدفت ربط سلامة أمريكا بسلامة إسرائيل مثل مؤتمر القيادة الوطنية المسيحية من أجل إسرائيل ومقره بنسلفانيا وشعاره " حتى تكون مسيحياً يجب أن تكون يهودياً "، ومهمته نشر بيانات صحافية تأييداً لإسرائيل،وكذلك الاتحاد المسيحي من أجل سلامة أمريكا الذي يؤكد نظرية رضى الرب على أمريكا من خلال حسن معاملتهم لإسرائيل، بالإضافة إلى منظمة " جبل المعبد " ومهمتها إعادة بناء هيكل سليمان في القدس، ومقرها مدينة القدس نفسها، وهي تقوم بمهمة جمع الأموال لامتلاك العقارات والمباني المجاورة لموقع الهيكل بالإضافة إلى الإنفاق على عمليات الحفر التي تجري ليل نهار تحت المسجد الأقصى .

أخطر ما في الأمر أن خطابنا الثقافي والديني تجاه الكيان الصهيوني لا يزال يردد النغمة القديمة والمكرورة والتي تشير بأن الصهاينة هم أرذل البشر وأنهم القردة والخنازير وعلينا محاربتهم دوماً، وهذا ليس بكفيل لتحقيق النصر والانتصار على كيان ليس طبيعياً لأنه بالفعل جنين مشوه بأرض عربية إسلامية، لقد اعتدت سماع الخطب وقراءة الكتب التي يمكن توصيفها بالرقائق، تلك التي تندد بإسرائيل وبأهلها وأنهم أهل دعارة وفجور وفساد، ويميلون بطبيعتهم إلى الغدر والخيانة، وعشرات بل ومئات المنشورات الورقية التي توزع على المارة من أجل تصوير المجازر الإسرائيلية، لكن الأمر ينبغي أن يتعدى هذا الفعل الأخرس، لأن إسرائيل بالفعل تعمل وتنتج وتصدر وتبتكر وتسعى بأي صورة مشروعة وغير مشروعة للتسيد وافتراس المنطقة العربية من خلال نخب من العلماء والمخترعين والمبدعين، وكثيراً ما أرى أسماء كثيرة إسرائيلية ضمن قوائم علماء الطبيعة والرياضيات والفلك والاقتصاد و الصناعة عموما والزراعة مؤخراً، وقلما أجد أسماء لامعة أو ذات مكانة مرموقة في مجال الأدب والشعر والفلسفة والتاريخ، على العكس من واقعنا المتأجج أدباً وكلاماً وأقوالاً وحكمة وشعارات ضاقت بها الكتب حتى استقرت على الجدران والحوائط المعروفة الآن بالجرافيتي .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

أستاذ  المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية (م)

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

محمود محمد عليكيف بدأت ردود الفعل الإقليمية والعربية والدولية إزاء ما يتعرض له المقدسيون من اعتداءات إسرائيلية علي المصلين في المسجد الأقصى وسكان حي الشيخ جراح؟ .. وإلي ماذا يمكن أن تُمضي المواقف والتحركات المرتقبة بشأن الممارسات الإسرائيلية بحق القدس والحقوق المشروعة للفلسطينيين فيها .. وما هي الخلفيات والأهداف التي تحكم مضي إسرائيل في اقتحام المسجد الأقصى، وتهديد "حي الشيخ جراح" بالمصادرة والتهويد؟ .. وهل ارتقت ردود الفعل الإقليمية والدولية، خاصة الأمريكية والعربية بخطورة الأوضاع؟ .. وما يمكن أن تتطور إليه في حال استمر القمع الإسرائيلي؟.. وما هي الأبعاد الحقيقية لأزمة القدس الشرقية ؛ وبالأخص حي الشيخ جراح؟

وهنا يمكننا القول بأنه في عام 1967م احتلت إسرائيل القدس الشرقية بأكملها، وكانت كل الأعمال الاستيطانية تتم بكثافة في القدس الغربية، بينما كانت الاستيطانيات الإسرائيلية بسيطة للغاية في القدس الشرقية، وربما كانوا لا يلجأون إليها مطلقاً، وذلك لأن أعداد الفلسطينيين كانت كبيرة جداً ؛ إلا أن حدث وجاء الرئيس الأمريكي " دونالد ترامب"، وأعلن تبعية القدس الشرقية لإسرائيل، ولم يستطيع أحد من الأنظمة العربية معارضته، بل بالعكس دعا معظم إلي التطبيع مع إسرائيل .

وعندما انتقلت السفارة الأمريكية إلي القدس، وأُعطيت شرعية للأعمال الاستيطانية داخل القدس الشرقية، أخذت إسرائيل في استهداف القدس الشرقية بأعمال استيطانية مكثفة، مثلما كانت تفعله في الضفة الغربية .

إلا أن المشكلة في القدس الشرقية، تتمثل في أن أعداد الفلسطينيين كانوا متجمعين في أكبر حي في القدس الشرقية بصورة غير طبيعية،  وذلك عقب حرب 1956م، وهو حي "الشيخ جراح" ؛ وهذا الحي من أكبر الأحياء في القدس الشرقية، حيث يسكنه أكثر 15 ألف فلسطيني ؛ وتسمية هذا الحي جاءت من اسم الطبيب الشخصي للسلطان " صلاح الدين الأيوبي" سلطان مصر والشام، واسمه " حسام الدين بن شرف الدين عيسي الجراحي "، وهذا الرجل كان قد دُفن بالحي في الماضي، فسموه الفلسطينيون حي " الشيخ جراح"، وقد بنوا له جامع، وكانوا يتبركون به، وتم عمل ملجئ في هذا الحي للفلسطينيين المهجرين، وممن يعانون من تبعات الحرب، وغيره إلي أضحي هذا الحي يمثل مركز كبير جداً للفلسطينيين، وهذا الحي لا يقع داخل سور البلدة القديمة ، وإنما يقع خارج السور، وهو كما قلنا من أكبر الأحياء داخل القدس الشرقية .

وحالياً نجد أن عدد الفلسطينيين في هذا الحي،  والبالغ أكثر من خمسة عشر ألف فلسطيني، يمثلون ثمانية وعشرون عائلة فلسطينية داخل حي الشيخ " عيسي الجراحي"، ومن ثم يعد هذا الحي تاريخي، بل ويمثل قلب القدس الشرقية  .

والسؤال هنا الذي أخذ يجُول في نظر رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" وحكومته : ماذا لو أخذت إسرائيل هذا الحي بشكل أو بآخر ومحاولة ضمه إلي إسرائيل؟!.. ألا يكون في النجاح كبيراً في تقليل عدد الفلسطينيين داخل القدس الشرقية؟!، ومن ثم يمكن لإسرائيل أن تفرض هيمنتها، ويصبح في إمكانها تطبيق نظرية " تهويد القدس" بشكل رسمي؟!.

الحقيقة  أن المحكمة الإسرائيلية كانت قد أصدرت قانوناً جديداً ينص علي أن " أي أحد يستطيع إثبات في أنه يملك عقود داخل حي الشيخ " عيسي الجراحي" بشرط أن يكون إسرائيلياً، يمكن أن يعود إلي بيته بدلا من الفلسطيني القاطن مكانه"، وفي حالة إذا ما اعترض الفلسطينيون، ولجأوا إلي المحكمة الإسرائيلية بعقود تثبت ملكيتهم لتلك الأراضي، فلن تُقبل، وذلك لأنه لا يوجد قانون في إسرائيل ينصف فلسطيني آيا كان، وإنما ينصف الإسرائيليون فقط .

المعضلة هنا أنه بإمكان أي إسرائيلي يمكن أن يخرج علينا، ويقول "أنا معي عقد داخل حي الشيخ " عيسي الجراحي"، وهذا العقد يخُول للمحكمة الإسرائيلية تمكنيه علي حساب الفلسطيني، وهذا ما تم بالفعل ؛ حيث وجدنا عدد كبير من الفلسطينيين لجأوا إلي المحكمة بحجة أن أغلب الفلسطينيين قد باعوا لهم أراضيهم، وهنا أصدرت المحكمة قرار بإخلاء حي الشيخ " عيسي الجراحي" وإعطاءه للإسرائيليين .

بيد أن المحكمة الإسرائيلية في أول قرار لها حاولت تنفيذ القرار، لكنها فشلت، وذلك بسبب الأعداد الكبيرة للفلسطينيين بحي الشيخ " عيسي الجراحي" ، الذين هم علي معرفة جيدة تامة بأنهم إذا ما خرجوا من حي الشيخ " عيسي الجراحي" فلن يجدوا لهم أي مأوي في القدس الشرقية، وهذا ما تريده إسرائيل في أن تكون القدس حكراً لهم فقط، ومن ثم فإن الفلسطينيين أخذوا يدافعون علي هذا الحي بكل ما أُوتي لهم من قوة، حتي وكان فيه موتهم، ولذلك عندما حاولت لأول مرة إسرائيل إخلاء هذا الحي لم تستطع وتراجعت، وقامت المحكمة الإسرائيلية من شدة المقاومة الفلسطينية بتأجيل قرارها علي الفور لمدة شهر فقط .

وحسب صحيفة الجارديان البريطانية أنه خلال العشر الأواخر من شهر رمضان الجاري، استعدت الحكومة الإسرائيلية بقيادة "بنيامين نتنياهو" بشكل كبير، وفهموا من أول مرة فشلوا فيها في طرد الفلسطينيون من حي الشيخ " عيسي الجراحي" ، وذلك بأن يلجأوا إلي خيار استخدام القوة العسكرية القصوى والغاشمة، وفي ليلة القدر الماضية كانت ليلة دامية إلي أقصي درجة، حيث كانت كميات الحوادث التي تلجأ إليها حكومة "بنيامين نتنياهو"  ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية كانت بشعة إلي أقصي حد، حيث كانوا يستعدون للإخلاء من خلال اللجوء إلي القتل العشواء للفلسطينيين داخل الصفة الغربية، وهذا نوع من التخويف.

المشكلة كما تقول الصحيفة هنا أن تلك الأحداث بدأت إسرائيل تنفذ عمليات القتل ضد الفلسطينيين في العشر الأواخر من رمضان، والذي يذهب فيها الفلسطينيون إلي المسجد الأقصى بأعداد ضخمة، ولذلك الشرطة الإسرائيلية حاولت أن تمنع تلك الأعداد في أن تصل إلي المسجد الأقصى، لكنهم لم يستطيعوا إلي حد ما .

وهنا جاءت الفرصة مواتية للحكومة الإسرائيلية في انتظار ليلة القدر، حيث أرادت استخدام القوة الغاشمة ضد المصليين لطردهم، وإخلاء هذا الحي بأي شك من الأشكال، وبدأوا يطردوا الفلسطينيون من المسجد الأقصى وطردهم أيضاً من حي الشيخ " عيسي الجراحي" ، لكنهم عجزوا تماماً.

وهذا الأمر استدعي المحكمة الإسرائيلية بأن تصدر قرار بتأجيل حي الشيخ " عيسي الجراحي" مرة أخري، وهذا أمر سيكون له وقع كارثي علي الفلسطينيين، وذلك لأن هذا الأمر يجعل "بنيامين نتنياهو"  وحكومته يشعرون بالفشل الذريع، ومن ثم يقلل من شعبية "بنيامين نتنياهو"  عند الإسرائيليين في كونه فشل في تشكيل حكومة إسرائيلية، ولا يستطيع أن يخلي حي الشيخ " عيسي الجراحي" من الفلسطينيين، هذا بجانب غضب إقليمي وعالمي غير مسبوق ضد نتنياهو وحكومته، فجميع الأنظمة العربية انتفضت (سواء المطبعين وغير المطبعين مع إسرائيل) ضد إسرائيل، وكمية خطابات وشجب لجميع سفراء إسرائيل بشكل غير طبيعي .

وهذا الأمر أحدث حرجا كبيراً علي حكومة نتنياهو في جعل أغلب الدول الأوربية تطالب إسرائيل بضبط النفس، كما تتالت ردود الفعل المحلية والدولية منددة باقتحام القوات الإسرائيلية للمسجد الأقصى، والتي أوقعت أكثر من مائتي جريح، وسط غضب فلسطيني متصاعد رداً علي خطر الترحيل الذي يهدد به السلطات الإسرائيلية سكان حي الشيخ جراح، ضمن مساعي أوسع لتهويد القدس الشرقية .

وتستمر الأجواء في المسجد الأقصى وحوله متوترة في ظل نشر قوات الاحتلال الإسرائيلي مزيداً من التعزيزات العسكرية في القدس والبلدة القديمة، استعداداً لتفاود أعداداً كبيرة من الفلسطينيين إلي المسجد الأقصى لإحياء ليلة القدر .

توتر يبقي قائماً  بالنظر  لاستمرار أسبابه سواء ما تعلق منها باقتحام باحات الأقصى أو ما يتهدد سكان حي الشيخ جراح من ترحيل بسبب سياسات بنيامين نتنياهو التي لوحت بخطوات لم تكشف عن بعضها .

وفي ردود الفعل الدولية قالت الخارجية الأمريكية إن الولايات المتحدة قلقة للغاية من التوترات المتصاعدة في القدس بما في ذلك منطقة الحرم الشريف وحي الشيخ جراح، وأضافت الخارجية الأمريكية بأنها تشعر بقلق بالغ إزاء إجلاء عائلات فلسطينية في حي الشيخ جراح وحي سلوان، والخارجية الروسية أعربت عن قلقها إزاء التدهور الحاد للوضع في القدس الشرقية، ودانت الخارجية بشدة في بيان لها الهجمات التي طالت المدنيين، ودعت جميع الأطراف إلي الامتناع عن أي خطوات من شأنها تصعيد حدة العنف، كما شددت علي موقف موسكو المبدئي والثابت والمنعكس في قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة والذي ينص علي ان مصادرة الأراضي والممتلكات الموجودة عليها، وكذلك إنشاء إسرائيل للمستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة لا يحمل أي قوة قانونية.

أما الاتحاد الأوربي فقد طالبت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بخفض مستوي التصعيد في القدس، واحترام الأماكن الدينية بالمدينة، كما حذر من امكانية زيادة التوتر علي الأرضي بعد طرد سلطات الاحتلال من حي الشيخ جراج أماكن أخري في القدس الشرقية واصفاً هذه الممارسات بغير القانونية بموجب القانون الدولي .. وننتظر ما تسفر عنه الأحداث وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكتور / محمود محمد على

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

 

علاء اللاميمع رابط تحميل كتاب "الجديد في تاريخ فلسطين القديمة"/ حسب الباحث الدنماركي نيلز لمكة فإنَّ سُميَّ إمبراطورية داود وسليمان لم تستمر أكثر من أربعين عاما، ثم عادت مملكتا إسرائيل ويهوذا إلى مساحتهما الطبيعية والتي تقارب مساحة جزيرة غوتلاند الصغيرة "ثلاثة آلاف كم² تقريبا" من مجموع مساحة فلسطين البالغة 27 ألف كم²!

يرد الباحث الدنماركي "نيلز لمكة" على مزاعم الحركة الصهيونية التي وردت في ورقة "نشرة" رسمية وجهتها الوكالة اليهودية في عام (1946) بفلسطين إلى سلطات الاحتلال البريطانية في القدس المحتلة، وكتبوا فيها: "لقد كان اليهود أول سكان في فلسطين يجلبون معهم الحضارة إلى هذه البلاد. وقد أصبحوا جزءاً من هذه البلاد وحكموا فترة أطول بكثير من أي حكام جاؤوا بعدهم. وفي أثناء هذه الفترة أنشأوا دولتهم الخاصة في فلسطين، وهي الدولة القومية الوحيدة التي وجدت في فلسطين في أي وقت. لقد طوروا البلاد سياسياً واقتصادياً وثقافياً. وفي أثناء هذه العملية تأثروا بالبلاد وأصبحوا أمة تحمل طابعها الخاص المميز".

* يرد نليز لمكة على هذه الفقرة في نشرة المنظمة الصهيونية وغيرها ردا تخصصيا كباحث آثاري بلهجة تهكمية، أقتبس الفقرات التالية مما قاله:

* "هذه النشرة، تمثل علامة فارقة واستغلالاً غير عادي للعهد القديم. "..." المثال التالي - للرد على هذه المزاعم - ليس من الأدب، بل من خرائط لإسرائيل نشرتها دار النشر كارتا في القدس في عام 1974 ت ش. إضافة إلى مقدمة قصيرة، هذه المنشورة مكونة من سلسلة من الخرائط تبين حدود إسرائيل في فترة المملكة (بين عامي 1000 و600 ق تش) وفي فترة ما بعد السبي (بين عامي 500 و300 ق ت ش/ ق.م) والفترة الهيلينستية والرومانية (بين عامي300 ق تش/ ق.م، و300 تش/ م) وحتى العصور الحديثة. وقد يكون مشروع كهذا معقولاً، مع أن بعضهم قد يفكرون باستخدام مشابه للخرائط في التاريخ الأوربي الحديث ولم يكن ذلك مفيدًا إلا نادراً [المقصود هنا استخدام النازيين خرائط تاريخية. زياد منى/ المترجم]. *لكن الخريطة التي تبين حدود إسرائيل في فترة المملكة غير أكيدة. وقد جرى رسم تلك الخريطة على نحو رئيس على أساس حدود "إمبراطورية داود" كما وصفها العهد القديم "التوراة"، التي شملت أكبر مقدار ممكن من الأراضي. كما نجد على خريطة إسرائيل هذه، إضافة إلى فلسطين، سوريا الغربية والقسم الصالح للزراعة من المملكة الأردنية الحالية، والجزء الجنوبي من لبنان وصولاً إلى صور، والجزء الشمالي من شبه جزيرة سيناء حيث تسير الحدود من العريش في الشمال الغربي إلى إيلات في الجنوب الشرقي. تؤلف هذه الخريطة أساس المناقشة التالية عن "حق إسرائيل في حدود آمنة"، مع أن الخريطة تبيّن أن هذه المملكة لم تدم أكثر من أربعين عامًا في أحسن الأحوال، في زمن الملكين داود وسليمان في القرن العاشر قبل التأريخ الشائع. وحتى في تلك الأيام كانت المملكة الإسرائيلية على نحو ما تضم جميع الأراضي التي كانت تعدُّ إسرائيلية في هذه الخريطة. وقد فُقد معظمها بعد جيل واحد في أحسن الأحوال (الجيل يقدر بين 23 و30 عاما تقريبا ويصعد به بعضهم إلى ثلث القرن أي 33 عاما)، وتقلصت الأراضي "الإسرائيلية"، التي كانت وقتها مقسمة بين مملكتي إسرائيل ويهوذا، إلى حجم شبه جزيرة جوتلاند ( Jutland ) الدنماركية.

 

علاء اللامي

........................

* غوتلاند جزيرة دنماركية صغيرة تبلغ مساحتها نحو 3140 كيلومترًا مربعاً، أما مساحة فلسطين فهي قرابة 27 ألف كيلومتر (26,990 كم²).

** يستعمل الباحث مختصر "ق. تش" ويعني به قبل التاريخ الشائع، ويقابل ق.م في الكتابات الأخرى ويعني قبل ميلاد المسيح.

*** تعليقي للتوضيح: لم يتأكد أركيولوجياً حتى الآن الوجود التأريخي لشخصيتي داود وسليمان التوراتيين باعتراف علماء "إسرائيليين" معروفين، أما مملكتهما فكانت من الصغر والهشاشة وقصر العمر بحيث لا يفضل هؤلاء العلماء المعاصرون الكلام عنها كثيرا بشكل رسمي في مؤلفاتهم باستثناء فنكلشتاين الذي أكد عدم وجود أية أدلة آثارية أو حتى شظايا آجورية صغيرة تؤكد أنَّ أورشليم القدس كانت مأهولة بكثافة في زمن الملكين المذكورين "حوالي القرن العاشر ق.م" ولم يتأكد قط أن بها عمرانا متميزا عهد ذاك، وليست هناك أية أدلة على وجود تلك الإمبراطورية الداودية السليمانية / صورة الجدول من كتاب فنكلشتاين أعلاه. أما القصور والبوابات والاسطبلات التي نسبت لداود أو لابنه سليمان فقد تم التأكد بالفحص الشعاعي الكاربوني لأدلة عثر عليها فيها أو قربها أو من خلال المقارنات التاريخية والانثروبولوجية - كما يشرح فنكلشتاين طوال صفحات وصفحات من كتابه - من أنها تعود لفترة زمنية طويلة بعد عهد الملكين المذكورين في التوراة فقط أي أن لا علاقة لهما بها. ويؤكد فنكلشتاين مرارا على سيادة الأثار واللقى الكنعانية القديمة واللاحقة لعهد تلك الإمبراطورية المزعومة في تلك المناطق لأهل البلاد الأصليين الفلسطينيين/ ص 188 "التوراة مكشوفة على حقيقتها"؛ ثم ينتهي المؤلف إلى الاستنتاج و الحكم النهائي التالي "لبضع سنوات مثَّلت بوابات سليمان أكثر اكتشافات علم الآثار أهمية في دعم الكتاب المقدس. إلا أن أسئلة أساسية من المنطق التاريخي طرحت في النهاية وقوضت أهمية تلك لاكتشافات... كانت دولة يهوذا وطن داود وسليمان، دولة متخلفة بشكل واضح، وليس هناك دليل مهم على وجود ثروة لإمبراطورية عظيمة / ص186" ثم يشرح المؤلف كيف أن نموذج قصور بيت حيلاني الذي اعتقدوا أن قصور سليمان بنيت على أساسه في مدينة مجدو الفلسطينية إنما ظهرت للمرة الأولى في سوريا ولكن بعد نصف قرن من عهد سليمان ويتساءل: "فكيف أمكن لمعماريي سليمان أن يتبنوا هذا النمط المعماري الذي لم يكن قد وجد بعد؟".

وعلى ص 189 يخرج فنكلشتاين بالاستنتاج المفند لكل ما قيل حول مملكتي داود وسليمان في صبغة تساؤل فيقول "إذا لم تكن هناك إمبراطورية كبيرة - في عهد الملك التوراتي داود ع.ل- ولم تكن هناك أبنية تذكارية ضخمة، ولم تكن هناك عاصمة رائعة - في أورشليم القدس - فماذا كانت طبيعة مملكة داود إذن؟!" هذا السؤال المهم وجدنا الإجابة عليه في الاستنتاج التالي الذي خرج به فنكلشتاين وشريكه في تأليف الكتاب سليبرمان وقالا فيه "أكثر التقييمات تفاؤلا لهذا الفقدان لأي دليل عن آثار تعود للقرن العاشر قبل الميلاد - فترة داود وسليمان - هو أن أورشليم "القدس" لم تكن في تلك الفترة أكثر من مجرد قرية صغيرة نمطية في المرتفعات/ ص 178"، أما على الصفحة 187 فيخلص إلى القول الفصل والحاسم "أصبحنا اليوم نعرف أن الشواهد الآثارية حول المدى الواسع للفتوحات الداودية وعظمة المملكة السليمانية إنما جاءت كنتيجة لتواريخ مخطئة تماما".

وأخيرا، فربما لا يعرف الكثيرون أن المناطق التي يسميها الصهاينة اليوم "يهوذا والسامرة" والتي كانت المملكتان المنقرضتان وقصيرتا العمر على أرضهما هما اليوم في الضفة الفلسطينية المكتظة بالسكان الفلسطينيين منذ قرون في حين أقامت الحركة الصهيونية دولتها المفتعلة بقوة السلاح والمجازر والتصفية العرقية في مناطق فلسطينية خارجهما، وهذا ما ينفي ويفند الأكذوبة الصهيونية القائلة "فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"! ع.ل

رابط لتحميل كتاب "الجديد في تاريخ فلسطين القديمة" وفيه دراسة الباحث الدنماركي نيلز لمكة:

https://www.noor-book.com/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%A7...

 

 

ابراهيم أبراشما يجري في فلسطين من البحر إلى النهر ليس مجرد أحداث عابرة أو جولة تصعيد عسكري كما كانت تجري العادة، كما أنها ليست مجرد ردة فعل على محاولة إخلاء فلسطينيين من حي الشيخ جراح ومحاولات اقتحام المسجد الأقصى من طرف المستوطنين وجيش الاحتلال.. بل هي فورة أو إرهاصات ثورة فلسطينية شاملة لم يكن يتوقعها أحد ولم تكن من تدبير جهة محددة، ثورة كانت القدس وأهلنا في القدس الشرارة التي أشعلت أوارها لتمتد لكل ربوع فلسطين وتُعيد حضور القضية الفلسطينية دولياً كقضية شعب يخضع للاحتلال ويُجدد ثورته لاستكمال مسيرة النضال من أجل الحرية والاستقلال.

لقد توهم نتنياهو واليمين المتطرف في إسرائيل بأن الشعب الفلسطيني قد انكسرت شوكته واستسلم للأمر الواقع وأنه غارق بهموم حياته اليومية وقياداته منشغلة بالصراع على السلطة وتوزيع أموال الجهات المانحة وبخلافاتها السياسية والايديولوجية، وأن السلطة تُلجم الشعب من خلال التنسيق الأمني وأن حركة حماس أسيرة الهدنة التي تم توقيعها بعد مواجهات 2014، وأن العالم الخارجي لم يعُد مهتماً بالقضية الفلسطينية والدول العربية تسير في طريق التطبيع مع إسرائيل ....

لكل ذلك توهم نتنياهو والمستوطنون واليمين الصهيوني أن الوقت قد حان لاستكمال تهويد القدس كعاصمة لدولتهم وهي خطوة من وجهة نطرهم لن تكتمل إلا بالسيطرة على المسجد الأقصى وإجلاء الفلسطينيين من القدس بدءاً بحي الشيخ جراح وذلك لإحلال المستوطنين محلهم، وفد اعتقد نتنياهو أنه بهذه الخطوة سيحقق انجازاً يُحسِن وضعه السياسي ويُبعد عنه شبح محاكمته على جرائمه وفساده.

الشعب الفلسطيني أفشل مخططات نتنياهو وأربك المراقبين والمتابعين وأحرج الشامتين والمُطبعين والمتخاذلين وأعاد وضع وتصويب مسار القضية الفلسطينية، وإن كان من السابق لأوانه وصف ما يجري بأنها الثورة الفلسطينية المعاصرة إلا أن ما يجري يؤسس لهذه الثورة ويؤكد أنها ممكنة كما يؤكد أن القوة الظاهرة والخارجية لدولة الكيان الصهيوني لا تستطيع إخفاء نفطة الضعف الداخلي لهذا الكيان أو تعويضها ونفصد هنا أن نصف ساكنة هذا الكيان عرب فلسطينيون متمسكون بهويتهم وعروبتهم وفلسطينيتهم.

ما يجري في فلسطين ثورة أو بدايات ثورة في ظل متغيرات ومتحولات جيوسياسية محلية وعربية وإقليمية ودولية مختلفة عن واقع انطلاق ثورة منتصف الستينيات كما إنها مختلفة عن انتفاضتي 1987 و 200. ما يجري يؤسس لثورة بأبعاد وطنية ودينية وإنسانية ودولية ستأخذ دروس وعبر من التجارب الثورية الفلسطينية السابقة كما أنها لا تتجاهل المتغيرات الإقليمية والدولية.

قد يتوقف التصعيد العسكري في غزة بعد أيام نتيجة وساطات كما هي العادة، وقد تهدأ الأمور في القدس مؤقتاً نتيجة تدخلات خارجية وبما ينسجم مع المكر والمراوغة الصهيونية، أيضاً قد تهدأ المظاهرات وحالة الغضب في كل مناطق فلسطين 48 وفي الضفة، ولكن بالتأكيد فإن الأمور لن تعود كما كانت وأن زمناً فلسطينيا جديد قد بدأ.

ما يجري له بعد استراتيجي سيغير معادلة الصراع في فلسطين وعلى فلسطين ،وفي هذا السياق نوضح معالم ومؤشرات ارهاصات هذه المعادلة الجديدة أو الثورة المتوقعة، كما يلي:

1- إنها ثورة ذات بعد ديني حتى وإن لم يشأ البعض إعطائها هذا البعد، لأن شرارتها كانت عندما قام المقدسيون بالتصدي لجيش الاحتلال وللمستوطنين والمتطرفين الذين يريدون اقتحام المسجد الأقصى والصلاة فيه وتحويله لكنس يهودي وإضا سقط الأقصى بيد اليهود اختلت العقيدة الإسلامية وطُعن الإسلام في كتابه المقدس، والمقدسيون الفلسطينيون من مسلمين ومسيحيين عندما يقومون بذلك إنما يدافعون عن العقيدة الإسلامية التي تعتبر المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين وكما فال تعالى: ﴿ ... سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ... ﴾ ، ولم يقل القرآن إن الإسراء كان لهيكل سليمان، وهذا ما يجب أن يفهمه 2 مليار مسلم يتفرجون على ما يجري دون ان يحركوا ساكناً.

2- إنها ثورة شعب متمسك بأرضه ولن يكرر مرة أخرى مأساة النكبة والتهجير. وعندما يتصدى الفلسطينيون لمحاولات تهجير ساكنة الشيخ جراح إنما يركدون بأن زمن الهجرة واللجوء كما جرى عام 1948 لن يعود، وإن نجح الصهاينة في تهجير عائلات حي الشيخ جراح فإن مسلسل التهجير والطرد القسري سيتواصل في بقية مناطق القدس والمدن الفلسطينية الأخرى.

3- إنها ثورة غزة وفصائل المقاومة ضد الحصار وضد مخطط فصلها عن بقية فلسطين وعن المشروع الوطني وعن سياقها وهويتها الوطنية .

4- إنها ثورة أهلنا في الضفة ضد الاحتلال والاستيطان وعربدة المستوطنين والتهويد ومصادرة الأراضي والاذلال اليومي على الحواجز.

5- إنها ثورة أهلنا في الداخل من النقب الى الجليل ويافا واللد وكل مدينة وقرية ضد التمييز العنصري والتهميش والاذلال ومصادرة الأراضي وتشويه الهوية الوطنية ونشر الفتنة والجريمة المنظمة.

6- إنها ثورة وطنية للكل الفلسطيني، مسيحيين ومسلمين وبغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية أو الايديولوجية، ضد كيان استعماري استيطاني ارهابي.

7- إنها ثورة شعب مسلم دفاعا عن مقدس بالرغم أنه لا يخصهم وحدهم بل يخص ٢ مليار مسلم الا أن هؤلاء يتفرجون على ما يجري في القدس.

8- إنها ثورة شعب عربي دفاعا عن أمة عربية تخلت أنظمتها عن واجبها القومي والقانوني تجاه فلسطين بعد ان أضاعوا فلسطين بحروبهم الفاشلة.

9- إنها ثورة شعب قالوا عنه إنه باع ارضه واستسلم لواقع الاحتلال وأفسدته اموال الدول المانحة .

10- إنها ثورة شعب يعترف به غالبية دول العالم كشعب خاضع للاحتلال ومن حقه أن تكون له دولة مستقلة.

11- إنها ثورة حوالي 7 مليون فلسطيني داخل فلسطين من البحر إلى النهر وهم نصف عدد الفلسطينيين في العالم، ثورة تقول للاحتلال وللمستوطنين نحن هنا باقون ومثل عددنا ينتظرون العودة وليس أمام الاحتلال إلا أن يعترف بحق الفلسطينيين بدولة مستقلة ذات سيادة وعاصمتها القدس وحق عودة اللاجئين.

12- إنها ثورة تجاوزت حدود الفصل الجغرافي والانقسام السياسي، وشارك الفلسطينيون فيها حسب خصوصية وضعهم وإمكانياتهم المتاحة.

13- إنها ثورة شعب الجبارين كما وصفهم الزعيم أبو عمار .

واخيراً، نتمنى أن تستمر الثورة في زخمها الشعبي وبُعدها الوطني الشامل وأن لا يتم حرف مسارها لحسابات هنا أو هناك.

 

إبراهيم أبراش