 شهادات ومذكرات

محمد عبد الستار.. رائد الاتجاه الوظيفي لدراسة العمارة الإسلامية (1)

محمود محمد عليبديهياً المسلمون والعرب بشر، والبشر، يبنون، ويسالمون، ويحاربون، ويزرعون، ويحصدون، وأيضاً يحبون الجمال، والفن، تذوقاً وإبداعاً.. ربما نحتاج للتذكر بهذه البديهيات والمسلمات الواضحات حتي نتذكر من نحن، وماذا يجب علينا أن نفعل، وكيف نري أنفسنا، وكيف علي العالم أن يرانا.. نحن لسنا التزمت، والشك، والسوء، والقتل، والنحر، والحرق، وكره الآخرن وقمع المرأة، والفوضى، وكراهية حكم القانون، والتمرد عليه .. نحن لسنا "داعش"، ولسنا "الظواهري"، ولسنا "البغدادي"، ولسنا أعداءً للفن، والحياة، والمسرح، والموسيقي.. نحن لسنا من نراهم يفسدون بهجة الناس، ويزرعون الشكوك، والإرجاف بينهم بحجة حماية الفضيلة والقيم.

ملاحظة غريبة جُل من يدعي الدفاع عن الهوية الإسلامية، أو الأصالة الدينية، والخصوصية الثقافية الإسلامية، جُلهم من أجهل خلق الله بالتراث نفسه، هم يتعاطون مجرد معلبات كلامية تافهة أو سطحية، هي ما يعتمدون عليه في إيذاء الناس وتقبيح الحياة لهم إلزامهم بفهمها .

نعم هناك فن، وحضارة، وإبداع، وجمال في تراث المسلمين، كل المسلمين بشتي أممهم، وشعوبهم، وأعراقهم، من ذلك فن العمارة والزخرفة الذي بلغ شأناً كبيراً لدي الفنان والمعماري المسلم من أقصي المغرب في مراكش، إلي أقصي المشرق في إيران والهند .. تحف معمارية ظلت شاهدة علي براعة الفنان المسلم وتذوقه للجمال وإتقانه للعمل كالمساجد الجامعة وقصور الخلفاء .

وعندما استقرت الخلافة الأموية في دمشق وُضع نظاماً لاستيراد المواد الخام للبناء لاستقدام الأيدي الماهرة والعاملة الممتازة من كافة أنحاء الدولة الأموية الكبرى .. كان المعلمون من المصريين، والشوام، والفرس، والروم، يعملون جنباً إلي جنب، يتعاونون في تحقيق حركة البناء النشطة التي كانت تتزايد مع الأيام .

كانت رسالة للحياة وتمسكاً بها واستشعاراً لروعتها، ولقد سطر هذا الجمال عبر التاريخ سطوراً من ذهب، وأصبح ملهماً للأجيال كل الأجيال .. هي رسالة مشرقة من الماضي مازالت تنير واقعنا المعتم والمظلم في كثير من جوانبه.. هناك أيضاً مدارس وطرز مختلفة لإبداع العمارة الإسلامية من أموي، وعباسي، وعثماني، وفارسي، وهندي، ومصري، وأندلسي، ومغربي .. ظلت كل هذه الأصناف نبعا يسقي كل المعماريين في كل العالم .. حياة من الفنون في الحضارة الإسلامية تُشع بالبهجة وتذوق الجمال.. فهل نسيناها خلفنا بين مخلفات القتل والموت التي للأسف أصبحت سمة لحاضرنا؟!

وقد نشأت العمارة الإسلامية كحرفة من حرف البناء في أبسط أشكاله، ثم تطورت حتي تفرعت عنها مجموعة من الفنون المعمارية المختلفة، هذه العمارة، وهي أحد أهم مظاهر الحضارة الإسلامية التي ميزت التاريخ الإسلامي، صفوة كبيرة اليوم تعمل علي تجديد الوعي بأصول هذه العمارة، وتدريس المبادئ الأساسية للتصميم الإسلامي، وإثبات أن هذا الفن التقليدي قابل للتجديد.

ومن هؤلاء نذكر الأستاذ الدكتور "محمد عبد الستار عثمان"-أستاذ الآثار الإسلامية المتفرغ  بكلية الآثار - جامعة سوهاج، ذلك المفكر الأثاري المرموق الذى قطع رحلة طويلة ‏عبر آفاق العمارة الإسلامية‎ ‎وفروعها المختلفة، واستطاع ‏باجتهاده أن يصل إلى تصور شامل لنظرية العمارة الإسلامية، ‏فلسفة‎ ‎وفكراً، وأحد الأساتذة الجامعيين الذين يقومون بتدريس العمارة الإسلامية من وجهة نظر إسلامية خالصة، بعد أن كانت تًدرس من خلال الدرس الاستشراقي الذي ربط العمارة الإسلامية بالتراث اليوناني، والفارسي والبينزنطي، وأهم من نادوا بالبحث عن أوجه الأصالة والابتكار في العمارة الإسلامية، وهو بالإضافة إلي ذلك نموذج للأستاذ الجامعي كما ينبغي أن يكون سواء في التزامه بأداء واجباته الوظيفية الاكاديمية علي أحسن ما يكون الأداء، أو في ارتباطه بطلابه في علاقة انسانية رفيعة المستوي في هدي من التقاليد الجامعية التي يحرص عليها كل الحرص، إذ هي دستوره في كل معاملاته مع كل من هو في الوسط الجامعي .

يشهد علي ذلك زملاؤه بكلية الآداب بسوهاج - جامعة أسيوط (سابقاً) التي شهدت مولده الوظيفي في ثمانينيات القرن الماضي، بل ويشهد علي ذلك زملاؤه وطلابه في كل الجامعات المصرية والعربية التي عمل بها استاذا ومحاضراً لسنوات عديدة . وما زال أمد الله في عمره يواصل العطاء في تفانِ وإخلاص نادر لطلابه في كل جامعات مصر والعالم العربي من مشرقه إلي مغربه.

ومحمد عبد الستار (مع حفظ الألقاب) ولد في السابع والعشرين من شهر سبتمبر لعام 1951م ، وقد حصل علي ليسانس، يوليو 1973 بتقدير جيد جداً، تخصص عام آثار، تخصص دقيق آثار إسلامية، جامعة القاهرة، كلية الآداب، قسم آثار إسلامية، ثم حصل علي الماجستير عن رسالة بعنوان "الأعمال المعمارية للسلطان الأشرف برسباي بمدينة القاهرة"، فبراير 1977م، ثم بعد ذلك حصل علي الدكتوراه عن رسالة بعنوان "نظرية الوظيفية في العمائر الدينية المملوكية بمدينة القاهرة"، يناير 1980 م بمرتبة الشرف الأولى وتوصية بطبع الرسالة وتبادلها بين الجامعات الأخرى، تخصص عام: آثار، تخصص دقيق: الآثار الإسلامية.

لم يكتف بذلك أخذ يمارس حياته الأكاديمية داخل الجامعة، ففي الفترة من عام 1990 - 1995حصل علي درجة أستاذ مساعد، وخلال أواخر عام 1995 نال درجة الأستاذية، وبعد ذلك صار عميد كلية الآداب بقنا، ورئيس قسم الآثار الإسلامية بآداب سوهاج كلية الآداب بقنا- جامعة جنوب الوادي - أبريل 1999 نوفمبر 2002، ثم عميد كلية الآداب ورئيس قسم الآثار الإسلامية كلية الآداب بسوهاج - جامعة جنوب الوادي سبتمبر 2004 نوفمبر 2006، ثم نائب رئيس جامعة سوهاج سبتمبر 2006 سبتمبر 2010، وهو الآن أستاذ متفرغ بكلية الآثار – جامعة سوهاج.

والدكتور محمد عبد الستار أحد أبرز النقاد والأكاديميين الذين اجتهدوا في سحب الآثار الإسلامية إلي مناطق موغلة في الأهمية، وتعد القراءة المعمارية للجمال والفنن  في الإسلام من أهم الموضوعات التي تناولتها كتابات عبد الستار، فضلا عن قراءاته النقدية المستندة علي خلفية الدراسات الآثارية الإسلامية ؛ وفي كتابه " المدينة الإسلامية " يبين أن الجمال الإسلامي يقوم علي التماثل والانسجام، ويبين ذلك من خلال بيان أن فكرة التماثل أو التناسق أو الانسجام فكرة قديمة تعود إلي أيام فيثاغوس وأفلاطون وأرسطو لكنها فكرة نسبية أيضاً.

علاوة  علي أن لمحمد عبد الستار كتابات وأبحاث  كثيرة غير كتاب المدينة الإسلامية  نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر: كتاب الجامع الأقمر: دراسات آثارية معمارية، وكتاب دراسات في العمارة التقليدية في المنطقة العربية، 2011م، وكتاب دراسات فى العمارة التقليدية فى المنطقة العربية 2012، وكتاب "طراز دراهم العنزة والمحراب (رؤية جديدة تنسبه للخليفة عبد الله بن الزبير)"، وكتاب "الضوابط الفقهية لتوسعة المساجد: دراسة تطبيقية على الجامع الأزهر"، وكتاب (فى صناعة الخط وفنه فى العصر المملوكي )، وسلسلة (دراسات فى فقه العمران الأباضي)، وكتاب فقه العمران الإسلامي وأهميته للدراسات الآثارية العمرانية والمعمارية دراسة تطبيقية على كتابه القسمة وأصول الأرضين للفرسطائي والإعلام بأحكام البنيان لابن الرامى.. وهلم جرا..

علاوة علي مشاركته علي مؤتمرات محلية ودولية؛ نذكر منها مثلاً مشاركته "المؤتمر الدولى الأول لمعهد الدراسات العليا للبردى والنقوش وفنون الترميم - جامعة عين شمس " الذى انعقد فى الفترة من 28 إلى 30 مارس بدار الضيافة بجامعة عين شمس تحت رعاية الدكتور عبد الوهاب عزت رئيس الجامعة والمشرف العام على المؤتمر، وكما ألقى سيادته بحثًا تحت عنوان " الضوابط الفقهية لتوسعة المساجد: دراسة تطبيقية على الجامع الأزهر".

وفي تلك الكتب والبحوث فقد تميّزت أعماله الآثارية البنائية والمعمارية الوظيفية بالكثرة والقوة والمتانة والضخامة المصحوبة أيضا بمظاهر من الجمال والرّوعة، وخاصة في دراسة المدن الإسلامية، ودراسة وتحليل الوثائق المرتبطة بالآثار المعمارية بأنماطها المختلفة؛ وبخاصة فى العصرين المملوكي والعثماني فى مصر، وفقه العمران والعمارة الإسلامية وتأثير الأحكام الفقهية على صياغتها فى العصور المختلفة والمذاهب الدينية الإسلامية (المالكي- الأباضي- الشيعي)، والنقوش والكتابات الاسلامية على الآثار؛ وبخاصة العربية منها في العصور المتتابعة من بداية القرن الأول الهجري حتى القرن الثالث عشر، والمسكوكات والصنج الزجاجية الاسلامية فى العصر الإسلامي المبكر، مع التركيز الرائع والمبدع بدراسة الآثار الاسلامية من حيث البعد الوظيفي وليس البعد الشكلي فقظ فى إطار نطاق عصرها.. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5306 المصادف: 2021-03-16 00:48:25


Share on Myspace