يسري عبد الغنيالمقاوم الأزهري والفقيه المالكي

في عام 1200 هـ، انتشر الظلم والتعدي في ربوع مصر، مما ألجأ أصحاب المظالم والحقوق لشيوخ الأزهر لما يتمتعون به من ثقل في المجتمع المصري، ولما يتميزون به من الجهر بالحق وعدم خشية أحد مهما كانت مكانته. ومن هؤلاء العلماء الأزهريين الشيخ العلامة والفقيه المالكي الكبير أحمد الدردير.

يقول الجبرتي في تاريخه: وفي صبيحة يوم الجمعة ثارت جماعة من أهالي الحسينية بسبب ما حصل في أمسه من حسين بك، وحضروا إلى الجامع الأزهر ومعهم طبول، والتف عليهم جماعة كثيرة من أوباش العامة والجعيدية وبأيديهم نبابيت ومساوق.

وذهبوا إلى الشيخ الدردير فوافقهم وساعدهم بالكلام وقال لهم: “أنا معكم”. فخرجوا من نواحي الجامع وقفلوا أبوابه وطلع منهم طائفة على أعلى المنارات يصيحون ويضربون بالطبول، وانتشروا بالأسواق في حالة منكرة وأغلقوا الحوانيت. وقال لهم الشيخ الدردير: “في غد نجمع أهالي الأطراف والحارات وبولاق ومصر القديمة وأركب معكم وننهب بيوتهم كما ينهبون بيوتنا ونموت شهداء أو ينصرنا الله عليهم!”.

فلما كان بعد المغرب حضر سليم أغا مستحفظان ، ومحمد كتخدا ارنؤد الجلفي كتخدا إبراهيم بك، وجلسوا في الغورية، ثم ذهبوا إلى الشيخ الدردير وتكلموا معه، وخافوا من تضاعف الحال وقالوا للشيخ: “اكتب لنا قائمة بالمنهوبات ونأتي بها من محل ما تكون!”. واتفقوا على ذلك وقرأوا الفاتحة وانصرفوا.

وركب الشيخ في صبحها إلى إبراهيم بك وأرسل إلى حسين بك فأحضره بالمجلس وكلمه في ذلك فقال في الجواب: “كلنا نهابون، أنت تنهب، ومراد بك ينهب، وأنا أنهب كذلك”. وانفض المجلس وبردت القضية.

وفي عقبها بأيام قليلة حضر من ناحية قبلي سفينة وبها تمر وسمن وخلافه، فأرسل سليمان بك الأغا وأخذ ما فيها جميعه وادعى أن له عند أولاد وافي مالًا منكسرًا، ولم يكن ذلك لأولاد وافي وإنما هو لجماعة يتسببون فيه من مجاوري الصعايدة وغيرهم، فتعصب مجاورو الصعايدة وأبطلوا دروس المدرسين، وركب الشيخ الدردير والشيخ العروسي والشيخ محمد المصيلحي وآخرون، وذهبوا إلى بيت إبراهيم بك وتكلموا معه بحضرة سليمان بك كلامًا كثيرًا مفحمًا.

فاحتج سليمان بك بأن: “ذلك متاع أولاد وافي وأنا أخذته بقيمته من أصل مالي عندهم”. فقالوا: “هذا لم يكن لهم وإنما هؤلاء أربابه، ناس فقراء، فإن كان لك عند أولاد وافي شيء فخذه منهم”. فردّ بعضه وذهب بعضه.

وفيه [منتصف جمادى الثانية عام 1200 هـ] اجتمع الناس بطنطا لعمل مولد أحمد البدوي، المعتاد المعروف بمولد الشرنبابلية، وحضر كاشف الغربية والمنوفية على جاري العادة، وكاشف الغربية من طرف إبراهيم بك الوالي المولى أمير الحاج، فحصل منه عسف وجعل على كل جمل يباع في سوق المولد نصف ريال فرانسة، فأغار أعوان الكاشف على بعض الأشراف وأخذوا جمالهم.

وكان ذلك في آخر أيام المولد، فذهبوا إلى الشيخ الدردير، وكان هناك بقصد الزيارة، وشكوا إليه ما حل بهم، فأمر الشيخ بعض اتباعه بالذهاب إليه، فامتنع الجماعة من مخاطبة ذلك الكاشف، فركب الشيخ بنفسه وتبعه جماعة كثيرة من العامة. فلما وصل إلى خيمة كتخدا الكاشف دعاه فحضر إليه والشيخ راكب على بغلته، فكلمه ووبخه وقال له: “أنتم ما تخافون من الله”.

وفي أثناء كلام الشيخ لكتخدا الكاشف هجم على الكتخدا رجل من عامة الناس وضربه بنبوت، فلما عاين خدامه ضرب سيدهم هجموا على العامة بنبابيتهم وعصيهم، وقبضوا على السيد أحمد الصافي تابع الشيخ وضربوه عدة نبابيت. وهاجت الناس على بعضهم ووقع النهب في الخيم وفي البلد ونهبت عدة دكاكين. وأسرع الشيخ في الرجوع إلى محله وراق الحال بعد ذلك.

وركب كاشف المنوفية وهو من جماعة إبراهيم بك الكبير، وحضر إلى كاشف الغربية وأخذه وحضر به إلى الشيخ وأخذوا بخاطره وصالحوه ونادوا بالأمان. وانفض المولد ورجع الناس إلى أوطانهم وكذلك الشيخ الدردير، فلما استقر بمنزله حضر إليه إبراهيم بك الوالي وأخذ بخاطره أيضًا وكذلك إبراهيم بك الكبير وكتخدا الجاويشية .

معلومات عن الشيخ:

1- عاش الشيخ أحمد الدردير، في القرن الثامن عشر الميلادي، وولد بقرية بني عدي التي تسكنها قبيلة بني عدي القرشية في أسيوط بصعيد مصر سنة 1127 هـ/1715 م.

2- وينتهي نسب الشيخ الدردير إلى الصحابي عمر بن الخطاب، وقد تلقب بـ(الدردير)؛ لأن قبيلة من العرب نزلت ببني عدي، وكان كبيرهم رجل من أهل العلم والفضل يدعى الدردير، فلُقِّبَ الشيخ أحمد به تفاؤلا.

3- كان "الدردير" أحد أهم الفقهاء والأصوليين من أهل السنة والجماعة، فهو إمام صوفي وعالم أصولي ومرجع في الفقه المالكي وأحد أبرز مجتهديه في العصر الحديث.

4- للشيخ "الدردير" عشرات المؤلفات التي صارت مراجع فقهية كبرى وعقائدية، منها "شرح مختصر خليل"، الذي أضحى عمدة في الفقه المالكي، و"أقرب المسالك لمذهب الإمام مالك" و"الشرح الصغير" و"نظم الخريدة السَّنِيَّة في العقيدة السُّنيَّة"، في علم التوحيد على مذهب الأشاعرة و"شرحٌ على آداب البحث والتأليف"، و"شرحٌ على الشمائل المحمدية" وغيرها العديد من المؤلفات الكبري وغير التقليدية.

5- أدى الميراث العلمي للإمام لأن يلقبه العلماء بمالك الصغير، و"شيخ أهل الإسلام" وذلك لتفوقه النادر التكرار في الفقه والعلوم العقلية والنقلية.

6- اختار أبناء الصعيد بالأزهر الشريف الشيخ الدردير ناظرًا على «وَقْفِ الصعايدة» في عصره وشيخًا لـ«رواق الصعايدة» بالأزهر، وهو ما يعد اعترافا بإمامته وعلمه.

7- من أشهر مواقفه المشهودة التي تواتر الخبر بها موقفه مع أحد الولاة العثمانيين، الذي أراد فور تعيينه أن يكون الأزهر هو أول مكان يزوره حتى يستميل المشايخ لعلمه بقدرتهم على تحريك ثورة الجماهير في أي وقت شاءوا وعند حدوث أول مظلمة، فلمَّا دخل ورأى الإمام الدردير جالسًا مادًّا قدميه في الجامع الأزهر وهو يقرأ وردَهُ من القرآن غضب؛ لأنه لم يقم لاستقباله والترحيب به، فأرسل إليه الوالي صرة نقود مع أحد عبيده فرفض الشيخ الدردير قبولها، وقال للعبد: «قل لسيدك من مدَّ رجليه فلا يمكن له أن يَمُدَّ يديه» فكان الشيخ قدوة في عدم الخضوع لحاكم.

8- مرض الشيخ ولزم الفراش مدة حتى توفي يوم 6 ربيع الأول سنة 1201 هـ، الموافق 27 ديسمبر سنة 1786م وقد صُلي عليه بالجامع الأزهر بمشهد عظيم حافل، ودفن بزاويته التي أنشأها بجوار ضريح يحيى بن عقب، وهو مسجد الآن.

9- سمي شارع الدرديري بمنطقة الدرب الأحمر بالقاهرة القديمة تبركا بمقام الإمام الراحل، وللشيخ أثر كبير في نفوس أهل الشارع، فهم يتبركون به ليل نهار ويسيرون على منهجه الأزهري الصوفي الوسطي .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

يسري عبد الغنيزنوبيا (240 - ما بعد 274) هي ملكة تدمر (بالميرا) والشام والجزيرة، وقد كانت زنوبيا زوجة لأذينة ملك تدمر المملكة العظيمة التى تنتصب بشموخ في وسط سوريا، واذينة الملقب ب سيد الشرق الروماني وملك الملوك لقوته وهيبته، امتدت سلطته على سورية وسائر آسيا الرومانية، وكثيراً ما حارب الفرس وهزمهم وردهم عن بلاده، وكان إذا خرج إلى الحرب أناب الملكة زنوبيا لتحكم تدمر وكانت تتولى الحكم بمهارة وأقتدار .

كانت تدمر (بالميرا) أهم مدينة وحاضرة في عصرها ومدينة تجارية تلبس ثوب الثراء والفخامة تقع في وسط سوريا في بادية الشام وقد قامت بها حضارة كبيرة تميزت بفخامة مبانيها ومعابدها حيث ان المدينة نافست روما وهي من أجمل مدن الشرق القديم، وتحيط بها الجبال، وكانت قبل الميلاد محط قوافل التجارة القادمة من الشرق إلى روما واوروبا وبالعكس، ومحطه تجارية هامه على طريق الحرير القادم من الصين .

كانت الملكة زنوبيا قد إشتهرت بجمالها وولعها بالصيد والقنص، قيل عنها: أنها كانت ذات رأي وحكمة وعقل وسياسة ودقة نظر وفروسية وشدة بأس وجمال فائق .

كانت الهيبة والجمال والعظمة تلوح على وجهها، قوية اللحظ ذكية،وكانت أسنانها بيضاء كاللؤلؤ وصوتها قوياً وجهوراً، وجسمها صحيحاً سالماً، وكانت الابتسامات لا تفارقها، فعاشت بعظمة ملوكية كملوك الأكاسرة والرومان كأكبر ملوك الشرق ولقبت بملكة ملكات الشرق، فكانت تضع العمامة على رأسها وتلبس ثوباً أرجوانياً مرصعاً بالجواهر والحلي وكثيراً ماكانت تترك ذراعها مكشوفة (يتبين في التماثيل والمنحوتات التدمرية) .

وتثقفت بالثقافة الهيلينية، وكانت تتكلم الآرامية (اللغة السورية القديمه) والقبطية و بعض اللاتينية (الرومانية) والإغريقية و، وكان لها اطلاع على تاريخ الشرق والغرب، وكانت تقرأ لهوميروس وأفلاطون وألِفَت تاريخاً عن الشرق وسوريا وما جاورها وآسيا.

بعد مقتل أذينة (عام267م) بطريقة غامضة، تولت المُلك بإسم ابنها وهب اللات، واصبحت زنوبيا ملكة الملكات وتولت عرش المملكة وازدهرت تدمر في عهدها واخضعت الكثير من البلاد لسلطتها، وحضيت زنوبيا بشهرة كبيرة بين الدول والممالك القديمة حتى أن البعض أصبح يسمي تدمر بإسم (زنوبة) نسبة إلى زنوبيا، .

انشأت جيش قوى واستولت على العديد من البلدان واصبحت تدمر جوهرة المدن ومحط رحال التجار والقوافل وزاد ثراءالمدينة ونافست روما في العظمة والفخامة والمكانة وكان لها هيبتها ومكانتها الرفيعة بين البلدان، ولما سآءت العلاقات بين زنوبيا وبين الإمبراطور الروماني أرسل الإمبراطور لها جيشه للإستيلاء علي تدمر فهزمته شر هزيمة وردت وحمت مملكتها بكل شجاعة وزدادت هيبة المملكة و زنوبيا وعرفت بشدتها وعدم تهاونها،وفي نفس الوقت فان الملكه قد خافت ان يستغل الفرس الفرصه،فيوجهوا جيشهم طمعآ في مملكتها الغنية فجهزت لذلك واستعدت ومن ثم قامت بأنشاء حصنا على نهر الفرات دعته زنوبيا نسبة إليها، بعدها سيطرت على معظم البلاد وتوجهت لمصر وكانت تابعة للرومان واحتلتها واخضعتها لحكمها، ومنعت جيوشها عن روما، وعززت علاقاتها التجارية مع الحبشة وجزيرة العرب وبسطت نفوذها على العديد من البلدان .

توسعت مملكتها حتي شملت باقى مناطق سوريا وامتدت من شواطئ البسفور حتى النيل، وأطلقت عليها الإمبراطورية الشرقية مملكة تدمر واصبحت أهم الممالك واقواها في الشرق على الاطلاق، مما دعى الإمبراطور الروماني أورليانوس للتفاوض مع الملكة زنوبيا لتأمين حدود امبراطوريتة ولوقف زحف جيوش تدمر مقابل الإعتراف بألقاب ابنها وامتيازاته الملكية .

أصدرت الملكة زنوبيا العملة الخاصة ب تدمر وصكت النقود في إنطاكية وطبعت عليها صورة وهب اللات على وجه وعلى الوجه الثاني صورةالإمبراطور أورليانوس، وأزالت من النقود صورة الإمبراطور مميزة النقود السورية التدمرية عن نقود روما، ووسعت مملكتها وضمت الكثير من البلاد، لكن الإمبراطور الروماني صمم على التصدي ل المملكة التدمرية القوية التي سيطرت على العديد من المناطق، في سنة 271م ارسل جيش قوي مجهز إلى اطراف المملكة وجيشاً آخر بقيادة الإمبراطور أورليانوس نفسه توجه به إلى سوريا و آسيا الصغرى ليلتقي الجيشان وتدور معركة كبيرة بين مملكة تدمر والامبراطورية الرومانية، احتل بروبوس اجزاء من جنوب المملكة في أفريقيا وبلغ أورليانوس أنطاكية في سوريا، وتواجه مع زنوبيا بتجهيزات كبيرة وهزمها هناك، مما جعلها تنسحب لتدمر وكان أورليانوس قد بلغ مدينة حمص، فدارت بينهما معارك شرسة قدمت فيها زنوبيا الكثير، وانهزم جيشها وتراجع إلى تدمر، فتقدم أورليانوس إلى تدمر وحاصر أسوارها المنيعة حصاراً محكما، وكانت زنوبيا قد حصنت المدينة ووضعت على كل برج من أبراج السور إثنين أو ثلاثة من المجانيق تقذف بالحجارة المهاجمين لأسوارها وتمطرهم بقذائف النفط الملتهبة، والتي كانت تعرف بالنار الإغريقية، وقاومت الغزاة بشجاعة معلنة القتال حتي الموت دفاعا عن مملكتها . عرض أورليانوس عليها التسليم وخروجها سالمة من المدينة الني لن تمس، لكنها رفضت ووضعت خطة وحاولت اعادة الالتفاف على جيش اورليانس فتحصنت بالقرب من نهر الفرات إلا أنها وبعد معارك ضارية وقعت في الأسر ولاقاها أورليانوس وهو في ميدان القتال فأحسن معاملتها وكان ذلك سنة 272م، ثم اصطحبها معه إلى روما ولم يقتلها بل قتل بعض كبار قادتها ومستشاريها بعد محاكمة أجريت لهم في مدينة حمص .

انتهت حياتها في منزل في تيبور أعده لها أورليانوس، وبكبرياء الملكات والملوك رفضت التنازل فانتحرت بالسم وانهت حياتها بعزة وكرامة ملكة عظيمة حكمت أهم ممالك الشرق، فقد اخضعت لحكمها من عاصمتها تدمر جميع سوريا و الشام و آسيا الصغرى حتى أنقرة ومصرو العراق ومابين النهرين لتكون مملكة من أهم الممالك في تاريخ الشرق مملكة تدمر .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

يسري عبد الغنيجمال أحمد الغيطاني (9 مايو 1945 - 18 أكتوبر 2015) هو روائي وصحفي مصري ورئيس تحرير صحيفة أخبار الأدب المصرية.

 صاحب مشروع روائي فريد استلهم فيه التراث المصري ليخلق عالمًا روائيًا عجيبًا يعد اليوم من أكثر التجارب الروائية نضجًا وقد لعب تأثره بصديقه وأستاذه الكاتب نجيب محفوظ دورا أساسيًا لبلوغه هذه المرحلة مع اطلاعه الموسوعي على الأدب القديم وساهم في إحياء الكثير من النصوص العربية المنسية وإعادة اكتشاف الأدب العربي القديم بنظرة معاصرة جادة.

انفتحت تجربته الفنية في السنوات الأخيرة على العمل التلفزيوني مع المحافظة على نفس الملامح التي نجدها في الرواية، إذ كشف النقاب عن عالم آخر يعيش بيننا من المعمار والناس. يعتبر الغيطاني من أكثر الكتاب العرب شهرة على شبكة الإنترنت إذ أن أغلب رواياته ومجموعاته القصصية متوفرة في نسخات رقمية يسهل تبادلها أضافت بعدا جديدا لهذا الكاتب الذي جمع بين الأصالة العميقة والحداثة الواعية.

ولد جمال في جهينة، إحدى مراكز محافظة سوهاج ضمن صعيد مصر، حيث تلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة عبد الرحمن كتخدا، وأكمله في مدرسة الجمالية الابتدائية.

 في عام 1959 أنهى الإعدادية من مدرسة محمد علي الإعدادية، ثم التحق بمدرسة الفنون والصنائع بالعباسية.

في عام 1963 استطاع الغيطاني أن يعمل كرسام في المؤسسة المصرية العامة للتعاون الإنتاجي حيث استمر بالعمل مع المؤسسة إلى عام 1965.

تم اعتقاله في أكتوبر 1966 على خلفيات سياسية، وأطلق سراحه في مارس 1967،  حيث عمل سكرتيرا للجمعية التعاونية المصرية لصناع وفناني خان الخليلي وذلك إلى عام 1969م.

في عام 1969، مرة أخرى استبدل الغيطاني عمله ليصبح مراسلا حربيا في جبهات القتال وذلك لحساب مؤسسة أخبار اليوم.

 وفي عام 1974 انتقل للعمل في قسم التحقيقات الصحفية، وبعد إحدى عشر عاما في 1985 تمت ترقيته ليصبح رئيسا للقسم الأدبي بأخبار اليوم.

 قام الغيطاني بتأسيس جريدة أخبار الأدب في عام 1993، حيث شغل منصب رئيس التحرير.

حصل الغيطاني على الجوائز التالية:

جائزة الدولة التشجيعية للرواية عام 1980.

جائزة سلطان بن علي العويس، عام 1997.

وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى.

وسام الاستحقاق الفرنسي من طبقة فارس، Chevalier de l'Ordre des Arts et des Lettres عام 1987.

جائزة لورباتليون,Prix Laure-Bataillon لأفضل عمل أدبي مترجم إلى الفرنسية عن روايته التجليات مشاركة مع المترجم خالد عثمان في 19 نوفمبر 2005.

جائزة الدولة التقديرية (مصر) عام 2007 والتي رشحته لها جامعة سوهاج، وتشرفت الجائزة بقيمة الكاتب الكبير.

أحداث الإمبراطور

أما مسألة أحداث الامبراطور فهي عبارة عن مجموعة إتهامات تم توجيهها إلى الغيطاني وذلك بعد نشر موقع إلكتروني دانماركي يدعى الإمبراطور وتنسب إدارته إلى الشاعر العراقي أسعد الجبوري، حيث تم اتهامه بأنه الكاتب الحقيقي لرواية زبيبة والملك المنسوبة لصدام حسين. كما تم نشر تلميحات إلى أن عدي طلب منه كتابة قصة له أيضا.

 ما دعم تلك الأقوال هو كتاب حراس البوابة الشرقية والذي أصدره الغيطاني عام 1975 في بغداد.  وهو أيضا المسمى الذي أطلق على الجيش العراقي لاحقا أثناء الحرب العراقية الإيرانية.

قدمت الكثير من الجهات الأدبية احتجاجها على مثل هذه التهم واعتبروها محاولة لإسكات الغيطاني بعد كتابته بعض مقالات تنتقد التدخل الأمريكي في العراق،

 بينما أكدت مجموعة أخرى حدوث هذا الأمر. بالنسبة للغيطاني فقد حول الموضوع لمحاميه ليتولى متابعة الأمر من ناحية قانونية وجنائية.

في فترة ما قبل الصحافة من عام 1963، حين نشر أول قصة قصيرة له، إلى عام 1969، قام بنشر ما يقدر بخمسين قصة قصيرة،

 إلا أنه من ناحية عملية بدأ الكتابة مبكرا، إذ كتب أول قصة عام 1959، بعنوان نهاية السكير.

بدأ النقاد بملاحظته في مارس 1969، عندما أصدر كتابه أوراق شاب عاش منذ ألف عام والذي ضم خمس قصص قصيرة،

 واعتبرها بعض النقاد بداية مرحلة مختلفة للقصة المصرية القصيرة.

من مؤلفاته

أوراق شاب عاش منذ ألف عام.

الزويل.

حراس البوابة الشرقية.

متون الأهرام.

شطح المدينة.

منتهى الطلب إلى تراث العرب.

سفر البنيان.

حكايات المؤسسة.

التجليات (ثلاثة أسفار).

دنا فتدلى.

نثار المحو.

خلسات الكرى.

الزيني بركات تحولت إلى مسلسل ناجح بطولة أحمد بدير.

رشحات الحمراء.

نوافذ النوافذ.

مطربة الغروب.

وقائع حارة الزعفراني.

الرفاعي.

رسالة في الصبابة والوجد.

رسالة البصائر والمصائر.

الخطوط الفاصلة (يوميات القلب المفتوح).

أسفار المشتاق.

سفر الأسفار.

نفثة المصدرو.

نجيب محفوظ يتذكر.

مصطفى أمين يتذكر.

المجالس المحفوظية.

أيام الحصر.

مقاربة الأبد.

خطط الغيطاني.

وقائع حارة الطبلاوي.

هاتف المغيب.

قصتين في الكتاب الخامس لمنتدى إطلالة الأدبي.

توفيق الحكيم يتذكر.

المحصول.

كتبه المترجمة

ترجم العديد من مؤلفاته إلى أكثر من لغة منها:

إلى الألمانية

الزيني بركات عام 1988.

وقائع حارة الزعفراني عام 1991.

رواية رسالة البصائر والمصائر عام 2001.

إلى الفرنسية

الزيني بركات، عام 1985.

رسالة البصائر والمصائر، عام 1989.

وقائع حارة الزعفراني، عام 1996.

شطح المدينة عام 1999.

متون الأهرام، عام 2000.

حكايات المؤسسة، عام 2002.

رواية التجليات، بأجزائها الثلاثة في مجلد واحد عام 2005.

وفاته

توفي الروائي المصري جمال الغيطاني في 18 أكتوبر 2015 عن عمر ناهز السبعين عاما في مستشفى الجلاء العسكري في القاهرة.

 وكان في صراع مع المرض إثر إصابته بوعكة صحية أدخلته غيبوبة لأكثر من ثلاثة أشهر.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

مجدي ابراهيمحق على "المثقف" أن تحزن ما بقى حزن الفراق يدمي قلوب المحبين، وحق علينا أن نعبّر عن هذا الحزن بأسفِ شجيِّ في لوعة مخامرة. أنا شخصياً ما يحزنني شئ قدر ما يحزنني أن تسقط فجاءة ثمرة يانعة من شجرة المعرفة الإنسانية، وبخاصّة إذا كانت هذه الثمرة لها شذى ورحيقاً قل أن يجارى؛ إذ تسكب أريجها الفواح عطراً بغذاء العقل على الإنسانيّة، ناهيك عن غذائها الدائم قوتاً للقلوب بألوان المعارف العليا. سقط القلم الذي كان وراءه عقل مفكر وقلب ينبض بالإخلاص، وضمير يقظ يحمل لأمته ما يحمله لها المخلصون من أبنائها العرفاء. إنسان تترقى فيه جوانبه الإنسانية مع المعرفة، وباحث على الأصالة في شتى صنوف الأفكار التي تخدم قضايا الثقافة العربية، وناقد يكشف ميزان النقد لديه عن ثورة باطنة يزكيها العمل الدائم في إطار من القيم المثلى والقناعة العقليّة بوجوب ما يرى تطبيقه في واقع حضاري يعرف ماضيه ويرقب مستقبله.

لم يكن "ميثم الجنابي" فقيد الثقافة العربية مُجرّد كاتب وكفى؛ بل كان مفكراً أصيلاً له رؤيته تجاه القضايا التي يتناولها بالبحث والدراسة، يقف معها وقفات نقدية بُغية إصلاح ما اعوج منها وتطلعاً إلى ترقيه ما ثبتت قيمته منها على مر العصور كيما يلتمس وحدة الروح الحضاري والإنساني داخل هذه الثقافة، وله أن يختلف مع بُعدٍ أو أكثر من الأبعاد التي يرى فيها الاختلاف واجباً من واجبات القلم الناقد والعقل المفكر، ولكن مع كل اختلاف في رأي أو فكرة تبريراً مشفوعاً بالدعائم المؤسسة على القناعة العقليّة يقدّمه وهو يستند على الأسس النقدية معالجة ومثاقفة، غير أن نقده لم يكن بالهادم في غير بناء ولم يكن تقويضاً لفكر مثّل حضارة ولا يزال بل كان تقييماً محيطاً عالماً برزايا السلب ومزايا الإيجاب.

حين طالعتنا "المثقف" بخبر وفاة الأستاذ الدكتور ميثم الجنابي أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة موسكو صباح يوم 18 / 7 / 2021م، صدمنا الخبر صدمة مؤسفة، فللرجل أياد بيضاء على الفكر العربي، وله جهوده المميزة على ثقافتنا العربية، وإن كانت كتاباته قد أثرت المكتبتين العربية والروسية بأعماله الفكرية والفلسفية كما أثرى صفحات المثقف بعدد كبير من الدراسات.

وميثم الجنابي، كما قالت "المثقف"، من مواليد مدينة "النجف" الزاهرة في عام 1955م، وخلال الفترة من عام 1975م إلي 1981م حصل علي البكالوريوس والماجستير من جامعة موسكو الحكومية، كلية الفلسفة، وفي عام 1985م حصل علي دكتوراه الفلسفة من نفس الجامعة، وفي عام 2000م نال رتبة الأستاذية، وهو الآن رئيس مركز الدراسات العربية في الجامعة الروسيّة، ورئيس تحرير مجلة (رمال) والتي تعنى بالشؤون الروسية العربية في مجال التاريخ والأدب والفلسفة والفن والسياسة (بالعربية)، ورئيس تحرير الكتاب السنوي (الدراسات العربية)، موسكو، (بالروسية)، وعضو المجالس العلميّة. أما مؤلفاته فحدث ولا حرج، موسوعات ضخمة من الإنتاج الفكري الغزير في العقائد والأديان والتصوف والحضارة الإسلامية والفكر السياسي فيما لا يقل عن اثنين وأربعين عملاً علمياً.

نعاه الأستاذ "ماجد الغرباوي" بكلمات معبرة جداً عن شخص الفقيد: "فقدنا مفكراً كبيراً وعقلاً نقديّاً ومثقفاً موسوعيّا، صاحب رأي وموقف. رحم الله الدكتور "ميثم الجنابي" برحمته الواسعة. وإنّا لله وإنّا إليه راجعون. باسمي وباسم أسرة التحرير أتقدّم بأحرّ التعازي لأسرته الكريمة وأصدقائه ومحبيه. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم". لو لم أكن أنا أعد نفسي من بين أصدقائه ومحبيه ما كانت صدمة الخبر المفجعة تدفعني إلى استرجاع علاقة طيبة نشأت على صفحات المثقف في تبادل الرأي والرؤية بين اتفاق واختلاف ما أرقاها وما أسماها.

لفت نظري ما يكتبه في التصوف والفكر الإسلامي من مطولات على صفحات المثقف، ودخلت معه في نقاش، يُعلق على ما أكتبه، وأعلق أنا على ما يكتبه، ويجمعنا النزوع إلى التصوف، واختلف معه واتفق، لكن رقيّ فكره يأسرك، فتقرّ للوهلة الأولى أنك أمام مفكر كبير القدر، شديد النزوع إلى الصناعة، مفطور على حب المعرفة والنظرة المحيطة لكل ما من شأنه أن يخوض قلمه فيه.

لم يكن هول الفجيعة بمانع أن أقول تعليقاً عن خبر الوفاة وعيناي تزرفان الدموع إذ ذاك، ضاماً صوتي إلى صوت الصديق الأستاذ ماجد الغرباوي: رحم الله الفقيد رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته. كان طيّب الله ثراه، من الشخصيات الثقافية النادرة: ثقافة موسوعية، ورؤية نقديّة، ومواقف خاصّة بقلم يعي ما يقول. كانت لي معه مساجلات على صفحات "المثقف"، تبيّن منها طرحه الموضوعي ونظراته الثاقبة وتحليله العميق لقضايا الثقافة العربية. اختلافه معك يدل على عقل راجح، وعلى فكر ملآن بعبق القيم العقلية. مقنع لا يتحجّر ولا يتوقف عند محدود. ينقد وهو على قناعة بما يقدّم من مقبول الآراء. رحمك الله رحمة واسعة دكتور ميثم، وجعل أعمالك في ميزان حسناتك، وأنار بجهودك الفكريّة دروب الحياة الثقافيّة وأسبغ عليها القبول والرضى والدراسة والتحقيق. كم أنا حزين على فراقك غير أن أعمالك الباقية فيها السلوى والعزاء. طيّب الله ثراك وجزاك خيراً على صنيع قلمك بين خالدين .. وإنّا لله وإنّا إليه راجعون).

كانت لفتاته حول ما يقرأه لي في التصوف تسعدني، وتغريني بمناقشته والتحاور معه والتماس الأفق العقلي كمشترك نقدي مصدري، ففي دراسة نشرتها حول "فلسفة التخريج عند صوفيّة الإسلام" (المثقف، العدد 4565، بتاريخ 6/3/2019م)

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=935107&catid=202&Itemid=164

كتب يقول:

(عزيزي الدكتور مجدي إبراهيم:

بعد التحيّة

الدراسة جديّة وعميقة وأصيلة، مع أن كثيراً ممّا فيها يبقى مغلقاً لكثير من القرّاء.

ملاحظة:

في اعتقادي كان الأولى الرجوع الى "إحياء علوم الدين" للغزالي، وليس إلى "قانون التأويل" في ما يتعلق بآرائه ومواقفه بهذا الصدد. وللقضية إشكالات لا يكفي الوقت للتطرق إليها. إن قضية أو قضايا اللغة والذوق والمعنى والأسرار والتفسير والتأويل وعلاقة كل ذلك بالتجربة الصوفية ومراحلها وتجلياتها الخاصّة والمتهذبة في المقامات والأحوال غاية في التعقيد والجمال. وحبذا لو تتناولها بالدراسة والتحليل؛ فكثير أو أغلب ممّن كتب حول هذه القضايا لا يتعدى كونه معلومات وعبارات ظاهرية وفضفاضة، لأنها بلا ذوق! وطبعاً بلا معرفة ذوقيّة.

شخصياً كنت أخطط لبحث أو كتاب عن هذه القضايا تحت عنوان (اللغة والخيال المُبدع) عند المتصوفة، استكمالا لما وضعته في آخر القسم الثاني من كتابي (حكمة الرَّوح الصوفي) لكن الظروف والوقت لم يسمحا لي لحد الآن التفرغ له.

عشت ودمت

مع خالص الود).

وقد صدر "حكمة الروح الصوفي" في جزئيين، دار المدى، دمشق، 2001م.

وأرد عليه في حينه:

(سعادة الأستاذ الدكتور ميثم الجنابي:

تحية خالصة من القلب

أسعدتني طبعاً ملاحظاتكم السديدة، ولا شك ممّا ورد في هذه الدراسة يظل مغلقاً، كما تفضلت، على كثير من القرّاء إلا أن يكونوا من أرباب الأذواق.

غير أننا بقدر الإمكان نحاول التبسيط، لكن المعاني الذوقيّة كما تعلم سيادتكم عصيّة في الكثير ممّا ترمي إليه، ولكم قرأت لكم على صفحات المثقف الغراء ما توقفتُ عنده كثيراً وبخاصّة إذا مسّ "حكمة الروح الصوفي"؛ ونشط فيه الوعي العالي، فلا أقلّ من أن يقال فيه أنه مغلق على الوعي العادي، وليس في هذا ما يعيب. وقد تابعت دراستكم عن "الغزالي" فيما نشر من قبل، ولك الحق فيما ذهبت إليه بالرجوع إلى الإحياء، ولكن قانون التأويل في هذه الجزئية على وجه الخصوص أعمق من الأحياء، لأنه يعمد إلى مقارنات فارقة بين مفاهيم التأويل والتفسير، وأغليها مقارنات منطقية أصولية. أمّا التخريج؛ فلفتة ذوقية لها دعائمها في لغة الخطاب الصوفي لدى الغزالي ولدى غيره من صوفية الإسلام. ولكم أنا مشوّقٌ لقراءة الجزء الخاص باللغة والخيال المبدع لدى المتصوفة بعد الانتهاء من إتمام العمل وإتاحة الفرصة السانحة لإنجازه على بركة الله.

دمت أخا عزيزاً وصديقاً كريماً

خالص الود والمحبّة).

وهل إذا أنا قرأت اليوم مثل هذه الكلمات النورانية، نقداً وذوقاً، ألم يكن يدعوني للحزن وللأسف على فراق هذا العقل الكبير وهذا القلب الكبير.

لا حظ الصديق العزيز الأستاذ الدكتور "سامي عبد العال" أستاذ الفلسفة بآداب الزقازيق (مصر) في تأبينه ملاحظة منهجية موفقة فقال: كان الأستاذ المفكر "ميثم الجنابي" صاحب آراء ومنهجيّة رائعة وجريئة، وليس هناك من يستطيع أن يلّم بأطراف موضوعاته الدقيقة والمختلفة التي يطرحها مثلما يفعل تحديداً،

أتذكر عندما قرأت له - منذ سنوات - حول قضايا التصوف وعلم الكلام والفكر الإسلامي، كان يركز على تحليل خلفيات الأفكار، ويشرحها في آفاقها التاريخية والاجتماعية والسياسية، مازجاً بين الرؤية القريبة والبعيدة في آن معاً. وكان أحد أعلام العراق المعاصرين).

وهى عندي ملاحظة دقيقة لكل من يتابع كتابات الفقيد الراحل؛ فيرى نزعته النقدية سارية في أعماله الثقافية من قديم وحديث، ففي قضية طرحتها على صفحات المثقف بتاريخ 13/1/2019م، العدد (4513) بعنوان:" فلسفة الثقافة بين التخصص والشمول"،

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=933750&catid=323&Itemid=1234

جاء تعليقه البارع يكشف عن تلك المنهجيّة بمقدار ما يكشف عن ثقافته الموسوعية فيقول رحمه الله تعليقاً على المقال:

عزيزي الدكتور مجدي إبراهيم:

بعد التحية

مقال عميق ودقيق من حيث الفكرة وتأسيسها وتحقيقها. إنّ التاريخ الثقافي للأمم يكشف عن أن الثقافة الكبرى من حيث أصولها هي ثقافة موسوعيّة. بعبارة أخرى، إن الثقافة الموسوعية هي الأصل والاحتراف الدقيق هو الفرع، وكلاهما كلُّ واحد. إنها إحدى المرجعيات المتسامية للثقافة التاريخية ومصدر إبداعها المستديم. كما أنها تقدّم نماذج لما ينبغي القيام به. وكلما تتعمق أصول الثقافة بالمعنى المشار إليه كلما يكون الاحتراف تدقيقاً وتوسيعاً وتحقيقاً لأصولها الموسوعيّة. وكلما تفتقد الثقافة لهذه العلاقة وتطويرها؛ فإنها تصاب بالشلل أو الابتذال والابتهاج المثير للغثيان بالتقليد. عموماً إن القضية التي تتناولها هي إشكالية كبرى يقف أمامها العالم العربي في ظروفه الحالية حيث يسود فيه شبه الانعدام للاحتراف. من هنا كانت الصفة شبه السائدة للتطفل والتلزيق والتلفيق للمعلومات. باختصار؛ معلومات بلا معرفة، ومعرفة بلا عقل، وعقل بلا حكمة. من هنا جاءت مُهمة النقد الشامل لهذه الظاهرة وتأسيس البدائل. وقد تناولت هذه القضية قبل عقود بعدد من المقالات والكتب. كما سيصدر لي كتاب بأربعة أجزاء حول تحليل ونقد الفكر العربي الحديث والمعاصر الذي يحتوي على نقد منظومي بما في ذلك لهذه الظاهرة.

مع خالص الود

وكان ردي كالآتي:

سعادة الأستاذ الدكتور ميثم الجنابي:

خالص تقديري لشخصكم النبيل

معذرة لم أتبين هذا التعليق إلا في تلك الساعة التي أكتب فيها الرد عليه، وإذ أشكركم على تعليقكم أوافقكم تماماً على ما جاء فيه، وأتمنى قراءة كتاباتكم حول نقد مرجعيات الفكر العربي الحديث والمعاصر، أكرر أسفي على التأخير في الرد على تعليقكم الكريم مع خالص محبتي وتقديري.

ميثم الجنابي: الروح النقيّة والفكرة الجريئة والنقد الأصيل، ثلاث خصال تجتمع معانيها في قلم يعزف ثقافة ويشع معرفة وإيمان بنور العقل. في موضوع آخر نشرته بعنوان "كلمات من حروف الله" (المثقف، العدد، (4452) بتاريخ 13/11/2018م).

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=932285&catid=288&Itemid=601

واجهني بشهادة عزيزة عليّ وبخاصة فيما لو صدرت من متخصص له باعه الطويل في التعامل مع الأفكار العليا بفحص المكتوب بعيون ناقدة وبصيرة ذوّاقه قائلاً:

عزيزي الدكتور مجدي إبراهيم:

بعد التحيّة

نادراً ما أرى مقالات وأبحاث ودراسات في العربية المعاصرة، وخاصّة بين من يكتب وينشر على صفحات المواقع الإلكترونية من يجمع بين اختيار الكلمة ودقة العبارة وعمق المعنى. عشت ودمت.

ملاحظة: لا بأس لو يجري تحريك بعض الكلمات (الصوفية) ومصطلحاتها لكي يستطيع القارئ العادي أو الوسط من تلفظها وفهم معناها "الوسط". خصوصاً وأن لغة التصوف عميقة ودقيقة وعصيّة على فهم حقيقتها عند أغلب المتابعين لهذه المواقع

مع خالص الود).

وأرد يومها على التعليق قائلاً:

عزيزي الأستاذ الدكتور ميثم الجنابي:

خالص التحيّة والتقدير لسعادتكم

أثلج صدري كلماتكم الطيبة وملاحظتكم السديدة، وبخاصة وهي تأتي من باحث قدير وأستاذ متخصص له المصنفات العلميّة القيمة. يبدو كما يقال حقيقة إن القلوب عند بعضها، منذ شهور قريبة كنا نناقش رسالة عن "الهجويري" (ت 465هـ) فأحلت الباحث إلى دراستكم الممتازة عن تحليل كتاب الهجويري ومقارنتها اللافتة بشخصيات صوفية عديدة، وهي منشورة في إحدى المواقع الأمر الذي يتأكد معه بالفعل أن العلم رحم بين أهله.

دمت أخاً عزيزاً وعالماً جليلاً وأستاذاً قديراً

مع خالص محبتي وتقديري).

لم يكن العلم رحماً بين أهله وكفى، بل العروبة كذلك - كما كان يقول أستاذنا الدكتور زكي نجيب محمود - ثقافة لا سياسة، الثقافة في العربي هى الرحم الأصيل الذي يفرز التقارب المشترك. أما السياسة فتنافر وتباعد وصراع ممجوج. ولقد كان لميثم الجنابي العراقي كما كان لزكي نجيب محمود المصري هذا الهدف الأسمى الباحث عن مشترك التقارب من طريق الثقافة، وكلاهما مفكر عربي على الأصالة يضع هموم أمته فوق كل اعتبار متوخياً وحدة الروح العربي الثقافي.

2648 ميثم الجنابي

فلسفة التاريخ:

وفي سلسلة من الدراسات ثمانية كتبها الراحل عن ابن خلدون؛ إذ ذاك طرح موضوعاً بحثياً متشعباً عن "فلسفة العبرة التاريخية عند ابن خلدون" (المثقف العدد (4950) بتاريخ 25/3/2020م)

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=944655&catid=272&Itemid=630

 اشتبكتُ معه في حوار راقي هو أقرب إلى المناوشات المحبّبة إلى قلوب المتحاورين؛ فبادرته بسؤال بعد أن قرأت المقال استعداداً للمعركة الفكريّة قائلاً:

(حيّاك الله دكتور ميثم:

متابع أنا جهودكم الرائعة في هذه السلسلة، ومنهجيتكم في كتابتها، بدأتها بالهدم، وأعتقد أن الأجزاء القادمة هى بناء الفكرة التي أردت لها التشييد، هدمت السابقين ممّن قرأوا ابن خلدون، وبنيت قراءتك لا على أطلالهم الدوارس؛ بل من مصدر أردت أن يكون هو نفسه نقطة الانطلاق.

هل تسمح لي بالاختلاف معك في نقطة الهدم هذه؟

إذا كنت تسمح لي فأنا ذاكرها لك، وإذا لم يكن فالأمر بيننا ود وسماحة؛ فاختلاف الرأي لا يفسد قضية الود. فإلى لقاء بعد أن أسمع جوابكم ..

حيّاك الله وأبقاك).

وجاءني الرد فوراً:

(عزيزي الدكتور مجدي:

بعد التحيّة

(إنني أكثر ميلاً للنقد والاعتراض والاستفسار؛ لهذا يمكنك كتابة كل ما تريد. وسأكون سعيداً فعلاً بذلك.

بانتظارك، مع خالص الود).

وبدأتُ النقاش قائلاً:

(عزيزي الدكتور ميثم الجنابي:

كل التحية لشخصكم الكريم ..

ذكرتُ لك أن منهجيتكم تناولت نقطتين أولاهما الهدم ثم "البناء" فيما سيجئ تباعاً من سلسلة الدراسة. وأنا بدوري أعرض لابن خلدون أولاً كما عرضتم له. وفي هذا العرض يبدو من وجهة النظر ما قد يُستشف منه التركيز على فلسفة التاريخ مع ما قد أشرتم إليه في مقالكم السالف. هذه واحدة. أما الثانية فستكون منصبة على نقطة الهدم المنهجية، أرجئها لحين الفراغ ممّا أذكره في الجزئية الأولى.

 

عبد الرحمن أبو زيد ولىّ الدين بن خلدون، ولد بتونس، ويرجع أصل أسرته إلى حضرموت، كان لأسرته قدم راسخة في العلم والسياسة، الأمر الذي جعل ابن حيان يقول عنها: بيت ابن خلدون في أشبيلية نهاية في النباهة، ولم تزل أعلامه بين رياسة سلطانية ورياسة علمية، درس العلوم الدينية واللغوية والفلسفية والطبيعية والرياضية، وكانت تونس آنذاك مركزاً لعلماء شمال أفريقيا. تولي وظـائف حكومية فترة 25 سنة بدول شمال أفريقيا من سنة (751- 776هـ) وكانت فترة اضطراب سياسي.

وقد نسبت إليه الانتهازية في تصرفاته السياسية وإيثار الطُرق الملتوية في الوصول إلى مقاصده ممّا أدى إلى سجنه، وأنا من ناحيتي أحييك على سبر أغوار هذه النقطة ومعارضتها تماماً في مقالكم السالف.

رحل إلى الأندلس عام (764هـ) وقضى بها عامين يشهد غروب شمس الإسلام بها، وعاد إلى المغرب وقضى بها عشرة سنوات ووصل إلى مركز الحجابة لأحد أمرائها. تفرّغ للقرآن والتدريس بعد أن أصبح موضع ريبة كل أمراء الشمال الأفريقي. وقـد دوَّن في أربع سنوات من العزلة والتفرغ مؤلفة الشهير: (العِبَر) في قلعة ابن سلامة التي سُجن فيها من عام (776 - 780) ثم كتب (المقدمة) في خمسة شهور من عام (780 هـ )، ووصل إلى مصر عام (784 هـ) بعد أن سبقته شهرته إليها؛ فأحاط به الطلبة وتولى مذهب قاضي قضاة المالكية.

فُجع ابن خلدون في أسرته حين غرقت بهم السفينة أثناء سفرها إلى مصر للحاق به. وتأمر المتنافسون عليه بها مما زهَّده في منصب قاضي القضاة، ثم أدى فريضة الحج عام (789هـ) وزار بيت المقدس عام (801هـ) وقابل تيمورلنك عام (803هـ)؛ ثم نقح مقدمته وكتابه قبل زيـارته لمـصر وأهدى نسخة إلى السلطان برقوق. كان لأسفاره ومغامراته السياسية واتصاله بكثير من الملوك من النصارى بأندلس إلى ملك التتار بالشام فضلٌ في تكوين فلسفته التاريخية. توفى 29 رمضان عام (808هـ) الموافق 16 مارس عام (1406م).

هذا؛ ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى اهتمامات ابن خلدون العلمية والتي استخلصت من أثارة الفكرية، ومن أهمها نبوغه في فلسفة التاريخ فضلاً عن تأسيسه لعلم الاجتماع واهتمامه بالفلسفة والاقتصاد والتربية، وسأكتفي هنا بـ:

فلسفة التاريخ:

فالأصل في فلسفة أي علم من العلوم، فلسفة الدين مثلاً، أو فلسفة التاريخ، هو أن المادة من الدين أو من العلم الذي تتقدّمه كلمة (فلسفة) ثم يجئ النسق من الفلسفة. والنسق نظام عقلي يلم شتات المادة المتفرقة ويجمعها تحت وحدة عقلية ذات روابط مشتركة لا خلل في اتساقها ولا اعوجاج. ومن ثمّ، فقبولها في العقل أولاً من حيث اتساقها النظري هو مهمة الفلسفة كونها نسقاً.

تحديداً، معنى فلسفة الدين أن تكون المادة من الدين والنسق من الفلسفة كما هو الحال في فلسفة التاريخ: المادة من التاريخ والنسق من الفلسفة، أو كما هو الشأن في فلسفة اللغة، المادة من اللغة، والنسق من الفلسفة، أو كما هو الأمر في فلسفة الفن، المادة من الفن والنسق من الفلسفة. وهكذا، ولكن في فلسفة الدين على التخصيص لا يمكن، في تقديري، تجاوز حقيقة الدين ليتمّ ترقيعه من خارجه، بخلاف ما عليه من "مضمون" وخصوصيّة، فلا معنى لتلك المشروعات الفلسفية الزائفة برمتها ما لم تضع شرط المضمون الديني الذي تقوم عليه خصوصيّة العقيدة ينتسب إليها المدينون لها بالولاء، فوق كل اعتبار، فيكون كل تجديد لخطاب تلك العقيدة مثلاً قائماً من داخلها، تثويرها الباطن وحماستها الداخلية، أي من داخل مجموعة قيمها الثابتة التي تستند عليها، لا محاولة ترقيعها بخارجها مهما كانت نظريات الخارج جذابة تستهوي وتلفت النظر.

أمّا في فلسفة التاريخ قياساً على ذلك؛ فلم يكن الحال ببعيد عن هذا التَّصور؛ فلا غفلة مطلقاً عن شرط "المضمون" باعتبار النظر إليه (تحقيقاً) من حيث باطن الحقيقية التاريخية؛ فكما لم تكن هنالك غفلة عن شرط المضمون الديني ولا غيبة عن الأخذ به تقوم عليه خصوصية العقيدة ينتسب إليها المدينون لها بكل الولاء في حالة فلسفة الدين؛ فكذلك الحال في فلسفة التاريخ أن تجيء، ولدى ابن خلدون بصفة خاصَّة، منصبةً على باطن التاريخ؛ وأن يُوحي هذا الباطن بالتعليل لمبادئ الكائنات يعمل على تفعيله من حيث إنه هو أداة الكشف للحركة الباطنة المتغلغلة في مضمونه، فلا شيء يقع بالصدفة ولا تتحرك في الوقائع التاريخية وأحداثها حركة خارج إطار مضمونها أو بسبب قوى خارجية مجهولة، ولكنها تتحرك، ولا بدّ لها من أن تتحرك، غير أن حركتها في داخل إطار "المضمون" الذي يحتويها وفق قانونها الباطن وتبعاً للعوامل الكامنة فيها.

لقد تجمّعت في شخصية ابن خلدون العناصر الأساسية النظرية والعمليّة التي تجعل منه مؤرخاً حقيقياً - رغم أنه لم يولي في بداية حياته الثقافية عنايةً خَاصةً بمادة التاريخ - ذلك أنه لم يراقب الأحداث والوقائع عن بعد كبقيّة المؤرخين، بل ساهم إلى حد بعيد ومن موقع المسؤولية في صنع تلك الأحداث والوقائع خلال مدة طويلة من حياته العملية تجاوزت الخمسين عاماً، وضمن بوتقة جغرافية امتدت من الأندلس وحتى بلاد الشام.

فقد استطاع، ولأول مرة، (إذا استثنينا بعض المحاولات البسيطة هنا وهناك) أن يوضح أن الوقائع التاريخية لا تحدث بمحض الصدفة أو بسبب قوى خارجية مجهولة، بل هى نتيجة عوامل كامنة داخل المجتمعات الإنسانيّة، لذلك انطلق في دراسته للأحداث التاريخية من الحركة الباطنة الجوهرية للتاريخ.

ما هذا يا دكتور ميثم؟ وكيف تفسّره؟ أنا أنتظر ما عساه يهمني من رأيك؟

فعلم التاريخ ليس سرداً للأحداث وللوقائع، وهو إنْ كان (لا يزيد في ظاهره عن أخبار الأيام والدول) إنما هو كما يقول ابن خلدون:" في باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، لذلك فهو أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يُعَدَّ في علومها وخليق".

وقد ذكرت سعادتك هذا النص في المقال الأول. لكن ما وددتُ أن يكون هناك فصل بين المنهج العلمي في كشف أحداث التاريخ وعقلانية النظرة، لأن العقل كما تعلم سعادتك لا ينفصل عن العلم؛ بل العقل هو الذي يفرز العلم ويقوم الثاني عن الأول ضرورة. لكن علميّة ابن خلدون لم تكن مستقاة من مصادر فلسفية سابقة غير الشواهد والملحوظات ترتد في النهاية إلى عملية الفرز العقلي، وقد يسميها البعض علمية تجازواً بمقررات ما كان توصّل إليه.

لم يكن بالمطلق ناقلاً كما نقل الفلاسفة قبله عن اليونان، ولم يكن شارحاً أو معقباً كما شرح ابن رشد وعقّب على أرسطو، وتصرف في آرائه؛ بل أعمل ابن خلدون نظره العقلي وقواه الباطنة وتأملاته الذاتية فيما أراد التوصل إليه. وهذا فيما أرى سرّ تفرُّده ومصدر عبقريته، وقوام إبداعه الذي صبر وأحسن الصبر عليه.

فهو بذلك قد أتبع منهجاً في دراسة التاريخ يجعل كل أحداثه ملازمة للعمران البشري وتسير وفق قانون ثابت. وحين يعرض ابن خلدون لما تناوله المؤرخون السابقون عليه كالطبري والثعالبي والمسعودي يحلل الأخبار التاريخية في ضوء المعطيات التي توصل إليها من خلال الممارسات الاستقرائية والعلل العقلية، وينتهي إلى أسباب الخطأ الكامنة وراء ممّا يذكر مما تناوله المؤرخون؛ وهو في هذا كل يقدم فلسفة نقدية واعية فهو لا يقبل التشيع لرأي من الآراء أو نحلة من النحل تجعل النفس تميل إلى تصديق ما يوافقها من الأخبار. وهو لا يثق بناقلي الأخبار دون التمحيص الذي يؤدي إلى التعديل والتجريح في المنقول من الروايات أو ما يعرف عن رجال الحديث بعلم الجرح والتعديل. وهو لا يذهل عن مقاصد الأخبار، فإن ناقل الخبر كثيراً ما يروي الخبر تبعاً لما في ظنه وتخمينه، ففضلاً عن توهم الصدق بسبب الثقة في الناقلين؛ فهنالك يقع التكذيب. وإنه ليجعل من التمييز بين الحق والباطل قانوناً بمقتضاه يكون النظر في الاجتماع البشري الذي هو العمران ونميز ما يلحقه لذاته وبمقتضى طبعه وما يكون عارضاً لا يعتد به وما لا يمكن أن يعرض له، ثم يحكم بأننا إذا فعلنا ذلك، عُدَّ ما فعلناه قانوناً لنا في تمييز الحق من الباطل في الأخبار، والصدق من الكذب بوجه برهان لا مدخل للشك فيه، وحينئذ فإذا سمعنا عن شيء من الأحوال الواقعة في العمران علمنا ما نحكم بقبوله ممّا نحكم بتزييفه، وكان ذلك لنا معياراً صحيحاً يتحرى به المؤرخون طريق الصدق والصواب فيما ينقلونه.

هذا منهج علمي تقوم عليه فلسفة التاريخ. وهكذا فهو وإنْ لم يكتشف مادة التاريخ فإنه جعلها علماً ووضع لها فلسفة ومنهجاً علمياً نقدياً تعليلياً نقلها من عالم الوصف السطحي والسرد غير المعلل إلى عالم التحليل العقلاني والأحداث المُعلَّلة بأسباب عامة منطقية؛ لننظر إليه وهو يقول: " إني أدخل الأسباب العامة في دراسة الوقائع الجزئية، وعندئذ أفهم تاريخ الجنس البشري في إطار شامل. إني أبحث عن الأسباب والأصول للحوادث السياسية". هكذا يدور منهج ابن خلدون، وأنا شخصياً لا أسوّغ مقارنته بمناهج أخرى سواه مما تتشابه معه في الشكل لا في المضمون، كالقول بالحتمية التاريخية وما جرى مجراها في التصورات الغربية.

أما نقطة الهدم المنهجية؛ فقد رأيتك فيها قاسياً قسوة شديدة على "طه حسين" إنْ في المتن وإنْ في الهامش، وهو بالتقريب أول من لفت الأنظار تقريباً إلى فلسفة ابن خلدون الاجتماعية. ودائماً - كما تعلم سعادتك - أن المحاولات المبكرة تكون أضعف بكثير بالقياس إلى ما يجيء بعدها؛ فليس يعني هذا إهمالها أو تعسف النظرة بصددها. ولم يكن من المنهج العلمي فيما أتصوّر أن نتناول هذه المحاولات المبكرة بشئ من القدح المركب الذي هو أقرب إلى الشتائم منه إلى النقد البناء.

هذا ممّا يرباء عنه العلماء المحققون أمثالكم. أو تناولها بالسخرية والاستهزاء فيما لو تكلم "طه حسين" عن إقامة ابن خلدون بمصر .. وقد تكون العاطفة في تلك الجزئية أغلب على الكاتب وأبعد عن المنهجية العلميّة. نعم، وإذن فلنرفضها ولا ضرورة عندنا لنغمة السخرية والتعريض؛ وبخاصة للعاهة الشخصية التي لا حيلة لأحد فيها.

ثم ماذا ..؟! هل لو أنني رأيت الدكتور ميثم الجنابي يتحدّث بعاطفته عن وطنه العراق؛ أفكيل عليه هجوماً إذْ ذاك يصل إلى حد القدح المباشر في شخصه، وهل يتفق التعصب كائناً ما كان ولو للفكرة التي أطرحها مع المنهج النقدي أو المنهج العلمي عموماً أو حتى مع العقلانية التي أتدثر بدثارها؟!

ثم ذكرتم أن "الجابري" رحمه الله كان أعمق فيما قدمه بكثير ممّا قدمه "طه حسين"؛ ليكن ! .. ولكن هل يروقكم تعصب الجابري وموالاته للعقلانية المُفرطة إلى الدرجة التي ينسف فيها كل محاولات ما سواه: صوفيّة أو تشيع؟ ثم ماذا عن الدكتور "على عبد الواحد وافي" فيما كتبه عن عبقريات ابن خلدون وفيما حققه للمقدمة ؟

هذا ما أردت قوله ممّا قرأته لكم بأناةٍ وهو ممّا لفت نظري في دراستكم الهامة .. دمتم عالماً مُحققاً قديراً .. مع خالص التحية).

وبعد أن قرأ التعليق أجاب من فوره:

(عزيزي الدكتور مجدي إبراهيم:

بعد التحيّة

أشكرك جزيل الشكر على هذه المداخلة القيمة والعميقة والنقديّة. وهذا أمر يفرحني للغاية، لأنني استهجن المديح ولا أحبه إطلاقًا، لأنه لا يغني المعرفة بشيء. إن كل ما تناولته في تعقيبك، سوف أتطرَّق إليه في الحلقات الثماني الباقيّة. وفيها إجابة على ما كان يدور في خلدك وما تناولته في التعقيب.

ملاحظة عامة:

إنّ هذه الدراسة هي جزء من كتاب كبير أرسلته للطباعة تحت عنوان (بوابة التاريخ الأبدي). يتناول أساسًاً أثر فلسفة التاريخ في تأسيس الفكرة السياسية.

ومن ثم فهو يحتوي على أهم فلاسفة التاريخ الذين تركوا أثراً هائلاً في بلورة الوعي النظري والعملي السياسي. وهي قضية غاية في الأهمية.

وابن خلدون بالنسبة لي هو مؤسس علم التاريخ وفلسفته. وفي هذا تكمن أهميته الضرورية بالنسبة لوعي الذات الثقافي والسياسي العربي.

تناولت في الكتاب، نشوء وتحول الفكرة التاريخية من الأسطورة الى منطق الرؤية التاريخية. وبعدها فلسفة هسيود وأوغسطين، باعتبارها صيغ أسطورية ولاهوتية مهمة، لكنها لا تؤسس للرؤية العلمية. وبعدها ابن خلدون وحتى العالم المعاصر واختتمته بفلسفتي عن التاريخ والثقافة والحضارة والمستقبل. وهي فلسفة سوف أقدمها للنشر قريباً تحت عنوان (فلسفة البدائل المستقبليّة) بخمسة أجزاء.

أمّا ما يخص نقدي لطه حسين، فهي مجرد صيغة طارئة بهذا الصدد، وضمن ما هو ضروري للإشارة الى الذين ساهموا في تناول شخصية وإبداع ابن خلدون، وفي مقدمتهم، من الناحية الزمنية، طه حسين.

لقد تناولت شخصية وكتابات وفكر "طه حسين" بصورة موسعة، إضافة إلى العشرات من الشخصيات الفكرية العربية الحديثة، في كتابي الذي صدر القسم الأول منه تحت عنوان (فلسفة وعي الذات العربي الحديث والمعاصر) (دهاليز المرحلة التأسيسية). وهو كتاب ضخم جداً، لهذا جرى تقسيمه الى قسمين لصعوبة طبعه وحمله! والكتاب يتناول مسار الفكرة العربية الحديثة ووعيها الذاتي، وهو كتاب نقدي فلسفي صارم!

وشخصية وإبداع "طه حسين" بالنسبة لي تتسم الى جانب كل التيارات الليبرالية والتقدميّة والعلمانية (الدنيوية) بقدر كبير من التسطيح والتشوش الفكري وانعدام المنهجية الخاصّة وسطحية تناوله لأغلب القضايا التي تناولها. وهو حكم مبني على دراسة كل ما كتبه (أشدد على كلمة كل أو جميع ما كتبه). وبالنسبة لي، فإن مقال واحد من أبو شادي في الديوان أفضل وأعمق من كل ما كتبه طه حسين (!!). وأن هناك الكثير من الشخصيات الفكرية المصرية، شبه المغمورة بالنسبة للكثير من المثقفين العرب، أفضل وأعمق وأكثر إخلاصًا بمعايير الثقافة العلميّة والقومية من "طه حسين" وأمثاله.

لكنني احترم "طه حسين" احترامًا عميقًاً لجهوده التنويرية، غير أنني أجد فيها، وفي أغلب رعيل المرحلة آنذاك، كيانات تقليديّة ومخربة بالنسبة لإرساء أسس الوعي الذاتي العربي الأصيل، أي المبني على أساس تأسيس المناهج الخاصّة وتناول لشكليات الوجود العربي بمعاييرها ومفاهيمها واصطلاحاتها. وهي جوانب توسعت فيها بطريقة ومستوى لم يجر تناوله في الفكر العربي الحديث والمعاصر في كتابي الذي أشرت إليه أعلاه، والذي أخذ مني حوالي ثلاثة عقود من الزمن والبحث المضني.

اتفق معك في بعض الجوانب القاسية تجاه "طه حسين"، لكنها محكومة بمحبتي للحقيقة التي ينبغي غرسها في كل مكونات الوجد والوجود العربي الحديث.

مع خالص الود والتقدير عزيزي الأخ مجدي).

لعل القارئ يلاحظ إصراره على الرأي لا سيما في النقد؛ لأنه يصدر عن "موقف" علمي محقق، ثم يضيف إضافة توضيحية شارحة في غاية الذكاء والوطنية والحرص المباشر على تعميق الروح العربي من قلب يعقل ضخامة مسؤولياته تجاه أمته وبني وطنه قائلاً:

(تعليق إضافي

عزيزي الأخ الدكتور مجدي:

لقد نسيت تناول نقدي لطه حسين في موقفه من مصر. لم يكن قصدي منها انتقاص العاطفة الوطنية ووجدانها الشخصي. لقد كان نقدي إيّاه بهذا الصدد هو نقد الانتقال "المنهجي" الذي لا يسوّغه منطق البحث. وإلا فإنني شخصياً أحب مصر ليس أقل ممّا أحبها "طه حسين". بالنسبة لي كل أوطان العرب أوطاني. وقد كان هذا النشيد الذي تربينا عليه منذ الصغر عندما كنّا ننشده في المدارس الابتدائية كل يوم منذ الصباح في باحات المدارس قبل الدخول الى الصفوف.

ولاحقاً أصبحت قضايا العالم العربي قضيتي في كل شيء. وأنا أعتبر نفسي شخصية قومية النزعة عربي وعروبي خالص. وكل ما أكتبه يهدف الى تأسيس الفكرة العربية الثقافية أو الفلسفة الثقافية للقومية العربية. وهذا مضمون فلسفتي التي وضعتها في كتابي (فلسفة البدائل المستقبلية) الذي أمل أن يظهر للوجود في نهاية هذا العام.

وينطبق هذا على فكر وإبداع الجابري. وعندي عليه دراسة نقديّة شديدة سوف انشرها في وقت لاحق.

مرة أخرى مودتي واحترامي الخالص).

أمّا أنا فأجيبه بعد ذلك:

(التوضيح مفهوم يا عزيزي الدكتور ميثم. ولا شك في أن ثقافتنا القومية العربية باقية في قلوبنا وعقولنا، نتمسك بها وندعو إليها، لأنها عنصر القوة فينا لا يمكن إغفاله، إذ كان مصدر هويتنا التي هي أيضاً مصدرها حضارتنا، أو علي أقل تقدير، تقف معها جنبا إلي جنب.

أنا شخصيا أوافقك تماماً في النظر إلي جوانب منهجيّة "طه حسين"، ولم أخالفك في مشروعية النقد لا من جهة الفلسفة ولا من جهة العلم؛ بل إنه لا تقوم دراسة كائنة ما كانت بغير وجهة نظر نقديّة. هذا أمر مفهوم، ومتفق معك تماماً فيما قلته عن بعض تلك الجوانب من تفكيره، كمسألة استصعابه النظر في مؤلفات "العقاد" وخاصة تصريحه بعدم فهم الكثير منها، وأنا شخصياً أيضا أميل فكريّاً إلى "العقاد" أكثر من ميلي إلى طه حسين. قرأت في صغري كتابات "العقاد" كلها، وقرأت طه حسين أيضاً، ولكني لم أتذوق "طه حسن" بمقدار ما تذوقت "العقاد".

المسألة، من بعدُ، مسألة توافق ذوقي لا قهر عقلي أمام المقروء والمكتوب.

كنت أتمني الاطلاع علي مصنفكم (فلسفة البدائل المستقبليّة) ولا شك في أنه سيكون كتاباً ماتعاً كشأن ما نقرأ لكم علي صفحات المثقف الغراء، وكلي أمل أن تتاح لنا الفرصة لقرائته حين يظهر للنور بسلام. كل التحيّة والمودة والتقدير).

ولم يكن ليرضيني منه بعض ما كتبه في "الأشباح والأرواح .. تجارب المثقفين والسلطة"، لأنه ينقض منهجه العقلي ذاته، ويتعصب لعاطفة العقيدة، ويتجنب الموضوعية في الحكم، وتلك أنقاض لما كان ألتزمه وحكم عليه بآخرين.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

قاسم حسين صالحمرّت ذكرى وفاة عالم الأجتماع العراقي والعربي الدكتور علي الوردي دون ان نحييها علميا في اقسام علم الأجتماع بالجامعات العراقية، واعلاميا في الفضائيات والصحف العراقية. والمخجل ايضا أن الوردي يوم توفي في (13 تموز 1995) لم يجر له موكب تشييع يليق بعالم كبير بل اقتصر على المقرّبين، فيما ودعه زملاؤه ومحبوه.. صمتا .. وعن بعد!.

الوردي .. عن قرب

تعود علاقتي بالدكتور علي الوردي إلى عام " 1989 ". ففي تلك السنة كان على رأس وزارة التعليم العالي وزير مثقف بثقافة فرنسية محب للأدب والثقافة والفلسفة، هو الدكتور منذر الشاوي. وكان من نشاطاته الثقافية أن اصدر جريدة رصينة باسم " الجامعة "، وكنت انا مسؤول الصفحة الأخيرة فيها، فخططت لاجراء حوارات مع الرموز العلمية والثقافية لأعمل ارشيفا لمفكّري العراق ومبدعيه، فبدأت بأول وزيرة للتعليم العالي الدكتورة سعاد إسماعيل وزرتها في بيتها على نهر دجلة قريبا من الصليخ. وكان هدفي الثاني هو الوردي الذي زرته بداره الواقعة خلف إعدادية الحريري للبنات في الأعظمية، واجريت معه حوارا نشر المسموح به في حينه مع صورة كاريكاتيرية بريشة الفنان "علي المندلاوي".

لم ينشر الحوار كله، فسألني عن السبب فأجبته: " إذا نشر يا دكتور فسيكون طريقك لبو زعبل"، فرد مازحا":" والله إذا أنا وأنت سوا.. يا محلاها ". وتطورت العلاقة إلى صداقة وزيارات في بيته.

كنت أحرص ان ادعوه لكل ندوة علمية يوم كنت خبيرا بمركزالدراسات بوزارة الداخلية .ففي الدراسة الميدانية بعنوان:(البغاء.. أسبابه ووسائله وتحليل لشخصية البغي) والتي تعدّ الأولى من نوعها في العراق والعالم العربي من حيث نوعية ادوات البحث والاختبارات النفسية، وعدد البغايا والسمسيرات( 300 بينهن من لها علاقة بمسؤولين كبار!)، أتيت بالوردي واجلسته في الصف الأول في ندوة دعت لها وزارة الداخلية ضمت اكاديميين وقضاة. وحين انتهت الندوة مدّ يده نحوي وسحبني (على صفحة )وقال:

" دراستك هاي عن الكحاب تذكرني بحادثة ظريفة. في الأربعينات ناقشت الحكومة موضوع فتح مبغى عام في بغداد، وعقدت لقاءا ضم كلاّ من الوصي ونوري سعيد ووزير الداخلية ووزير الصحة ومدير الأمن العام. فاتفقوا على الفكرة لكنهم اختلفوا على المكان، بين الباب الشرقي وساحة الميدان. وكان بين الحاضرين شخص مصّلاوي يجيد فن النكته فقال لهم:

ان افضل مكان للمبغى هو الميدان والما يصدّق خل يروح يسأل أمّه!". ضحكنا.. وخاطبت عيناه عينيّ بتعليق: ماذا لو قالها احدهم اليوم! لأفرغ مسدسه في قائلها، فيما الوصي ونوري السعيد ووزير داخليته ومدير امنه العام.. استلقوا على ظهورهم من الضحك!.

والوردي يجيد فن اختيارعنوان موضوعه ويعرف فن استخدام مقولة (العنوان ثريا النص)، فحين سألته عن بدايات حياته اختصر الاجابة بعنوان: (من الحمير.. الى الجامبو!).. مبينا انه كان في بداية حياته يسافر على ظهور الحمير ثم اتيح له ان يسافر بطائرة الجمبو.. وختم جوابه بأنه كان في صباه صانع عطّار براتب شهري قدره خمس روبيات (ثم صرت الآن مؤلفا اتحذلق على الناس بأقاويل لا يفهمونها.. واطلب منهم أن يفهموها!).

والوردي كاتب ساخر باسلوب بسيط ولطيف، وهذا هو الذي مكّنه ان يكون مشهورا بين العامة.ومن سخرياته الموجعة أن أقيم له قبيل أن يموت حفل تكريمي (شكلي) فبعث ابنه وقال من على المنصة: يبدو أن والدي لا يكف عن المزاح حتى وهو على فراش المرض.. فقد كلفني ان انقل لكم بيتا واحدا" من الشعر: (جاءت وحياض الموت مترعة.. وجادت بوصل حيث لا ينفع الوصل )!.

والوردي واحد من ابرز علماء العراق في النصف الثاني من القرن العشرين، تجاوز تأثيره حدود النخبة الى الناس العاديين، وتعدت شهرته حدود الوطن والعرب الى العالمية، يكفينا ان نستشهد بمقولة البروفسور جاك بيرك الذي وصف الوردي بأنه (كاتب يحلّق الى العالمية باسلوبه الذي يضرب في المناطق الحساسة في المجتمع كفولتير).

ازدواج الشخصية

يقترن اسم الوردي بمصطلح (ازدواج الشخصية).. ورغم ان المصطلح ما كان صحيحا من الناحية العلمية( وعنه كتبنا مقالة موجودة في غوغل).. فانه شاع وصار حديث الناس ومن جميل ما استشهد عنه قوله:

" إن العراقي، سامحه الله، أكثر من غيره هياما بالمثل العليا ودعوة إليها في خطاباته وكتاباته، ولكنه في نفس الوقت من أكثر الناس انحرافا عن هذه المثل في واقع حياته ".

" حدث مرة أن أقيمت حفلة كبرى في بغداد للدعوة الى مقاطعة البضاعة الأجنبية، وقد خطب فيها الخطباء خطبا رنانة وأنشد الشعراء قصائد عامرة. وقد لوحظ آنذاك أن اغلب الخطباء والشعراء كانوا يلبسون أقمشة أجنبية والعياذ بالله ".

" ومن العجيب حقا أن نرى بين مثقفينا ورجال دين فينا من يكون ازدواج الشخصية فيه واضحا: فهو تارة يحدثك عن المثل العليا وينتقد من يخالفها، وتارة يعتدي أو يهدد بالاعتداء لأي سبب يحفزه الى الغضب تافه أو جليل، ضاربا عرض الحائط بتلك المثل التي تحمس لها قبل ساعة ".

اخيرا

كنت اجلس على فراش مرضه في داره الواقعة خلف اعدادية الحريري للبنات في الأعظمية، فقال لي:

* تدري قاسم .. شيعوزني هسه؟

نظرت اليه والدمعة احبسها، فقال:

* ما يعوزني الآن هو .. ايمان العجائز.

وكنت قبل عشر سنوات قد دعوت قادة الكتل الشيعية الى اقامة تمثال للوردي يوضع في مدخل جسر الأئمة من جهة الكاظمية ووجهه نحو الأعظمية مادّا نحوها يدا مفتوحة.. وما فعلوا!

لك منّا ايها العالم المبدع، المفكر من طراز رفيع، الجريء، الجدلي الساخر.. كل الاحترام والتقدير والذكر الخالد.. راجين ان يكون فيما كتبناه يوفيك بعض حقك علينا، فنحن الأكاديميين، كما يقول المتنبي:

لا خيل عندك تهديها ولا مال & فليسعد النطق ان لم يسعد الحال.

*

أ. د. قاسم حسين صالح

 

 

محمد عبد االشافي القوصينجحت بريطانيا العظمى في منح فلسطين لليهود، ونجحت أميركا في تمكين اليهود وهيمنتهم على العالم العربي –هذا هو رأي الكاتب الفذ "محمد جلال كشك" وتحليله للأحداث التي مرّ بها الوطن العربي منذ النصف الثاني من القرن العشرين!

ففي كتابه الشهير (ثورة يوليو الأمريكية) قدّم "جلال كشك" الأدلة والوثائق على دور المخابرات الأمريكية في تدبير وتنفيذ وتأثير مشروع الهيمنة الصهيونية على المنطقة العربية.

ولن أُكرّر ما جاء في هذا الكتاب من أسرار تشيب لها الولدان ... لكنّني سأتحدث عن أستاذنا "جلال كشكّ" في زمن قلّ فيه الوفاء، واندثرت فيه المرءوة، وتلاشت فيه مكارم الأخلاق!

***

ذات مرة؛ دعاني إلى تناول الإفطار معه، فانطلقتُ على الفور، ورحتُ أبحثُ عنه في (عرينــه) بشارع بهجت علي بالزمالك؛ فلمْ أجد له أثراً ... فإذا به يخرج من بين أروقة مكتبته العامرة؛ ويصرخ بأعلى صوته: "لقد ابتُلِينا بالذين تُشغلهم صعوبة اللغة العربية، ويبحثون عن حروف أخرى لها أوْ عزلها عن مجال العلم بزعم أنها لغة متخلِّفة، أمَّا "العِبرية" التي انقرضت منذ ألفي سنة؛ أصبحت لغة العلم! لقد نسيَ هؤلاء الأعراب أنه لا توجد لغة متخلِّفة، ولغة متقدِّمة .. إنما تُوجد أُمم متخلِّفة، وأُمم متقدِّمة!

قلتُ له: هَوِّن عليك –يا أبا خالد، فإذا به يصرخ –مرةً أخرى: "كيف وقد صدَّروا إلينا عملاء يجعلون لُب كفاحهم فصل الدين عن الدولة، ويُصابون بالفالج عندما يسمعون بأنَّ الدستور سينصّ على أن دِين الدولة الإسلام! بلْ ألغوا شعار (الله أكبر) من الجيش، ولمْ يُعيدوه إلاَّ بعد النكسة بخمسة عشر شهرا، بينما أول دبابة إسرائيلية دخلت سيناء مكتوب عليها آية من التوراة!

قلتُ له: ما السبيل -إذنْ- يا أستاذنا؟! فقال: الوضع الصحيح أن نجعل "قضية فلسطين" قضية عربية إسلامية، ولن يَقهر التعصُّب الباطل للتلمود إلاَّ الإيمان الحقّ بالقرآن، ولن يَقهر التآمر الصهيوني العالمي إلاَّ حركة بعث إسلامي تُحرِّر فلسطين، وتبدأ في نفس الوقت من خلال وحدة الدم، ومن خلال وضع المبدأ الإسلامي العظيم وهو (الجهاد) موضع التطبيق، لتتشكّل عوامل وحدة الأمة الإسلامية واستكمال مقومات الحضارة الإسلامية"!

ترى؛ مَنْ يكون هذا العبقري الفذ؟!

إنه الكاتبُ المجاهد الذي أنفقَ عمره في دفع الزيْف وردَّ الشبهات عن تاريخنا، وواجه "طلائع الغزو الفكري". وقد تساءل في كتابه "القومية والغزو الفكري": هل تستطيع القومية تخليصنا من المحن المصيرية التي تواجه العالم العربي الآن؟ ثم أجاب: "إذا كان الإسلام هو الرابط الذي يربط بين العرب والبربر والأكراد وغيرهم، فلماذا نستبعده، ونرفع علم القوميّات، إلاَّ إذا كان الهدف هو إثارة الحرب القوميّة!!

ويُعلِّل مسلكية الأحزاب والحركات القومية التي ترفع شعار القومية اللادينية؛ بأنها تكوَّنت من عناصر مُرِيبة دُرِّبت وأُعِدَّتْ في مدارس التبشير، وبيوت القناصل، وأقلام المخابرات العالمية، ورسمت أهدافها ومبادئها على أساس تحطيم الرابطة الإسلامية، تمهيداً للاستيلاء على الدولة العربية. وكان يرى أنَّ قوميتنا نسيج وحدة لحمته الإسلام وسداه العروبة، وأيّ محاولة لفصلهما لن تعطيك ثوباً، بلْ خيوطاً قد تنجح في شنْق نفسك بها!

ترى؛ مَنْ يكون هذا الأسَد الضاري؟!

إنه الكاتبُ الذي لَـمْ يترك القلم من يده لحظةً واحدة؛ بلْ جاهد باللسان والقلم إلى آخِر لحظة في حياته، لدرجة أن قلمه كان أشبه بالكلاشينكوف، أوْ "الآر بي جيه"! وأيَّ كتاب يصدره كان أشبه بعصا موسى! وكانت محاضراته أشبه بالعواصف التي تقتلع الأشجار والبيوت!

على هذا الحال؛ عاش متنقلاً من مناظرةٍ فقهية إلى مناظرةٍ تاريخية، ومن معركةٍ ثقافية إلى معركةٍ سياسية .. حتى فاضت روحه خلال مناظرة تلفازية مع "نصر أبو زيد" في محطة التلفاز العربية- الأمريكية في واشنطن حول قضية "التطليق" التي رفعها أحد المواطنين ضد العلماني أبو زيد، مما اعتبرها دليل تعصُّب وإرهاب من الإسلاميين! لكن -صاحبنا- أكدَّ أن القضية ليست قضية التطليق، بلْ هي التزوير! وقال: هل يَصحّ لِمن يُزوِّر النصوص، ويَختلق الوقائع، لإثبات رأيٍ مسبق في حالة ما، ويندفع في هذا الاتجاه إلى درجة التلفيق- هل يجوز لمثل هذا الشخص أن يكون ضمن هيئة التدريس في جامعة محترمة؟ واحتدمت المناقشة إلى أشدّها، فأصيبَ "الفارس" بأزمة قلبية حادة، فاضت روحه على إثرها يوم 5/12/1993م، ونُقِلَ جثمانه إلى مصر، وأوصى بأن يُدفن معه في مقبرته ثلاثة كتب: (لمحات من غزوة أُحد، ودخلتْ الخيل الأزهر، وقيل الحمد لله)!

***

إنه (محمد جلال كشك) الذي قال عنه لمعي المطيعي: "عبارات ساخرة، ولمحات ذكية، وثقافة إسلامية واسعة، والسؤال المُحيِّر: متى وكيف استوعب كل هذا التراث الإسلامي"؟!

وقالت عنه صافيناز كاظم: "تتميز كتابة جلال كشك بالحيوية التي تصل بك أحياناً كقارئ إلى حد الإرهاق، كما تتميز بالحضور الوهّاج الذي يجمع بين غزارة المعلومات وعمق التحليل، والقدرة على الربط والمقارنة بين زوايا الرؤية، والمبارزة الجدلية في كل مكان، مع خفّة ظِل حادة، يعرف كيف يوظِّفها في فقرات سريعة، ويُصوّبها إلى مكانها المطلوب برشاقة ودقّة متناهية .. يكتب متلذذاً بالكتابة، وللقضية متحمساً، فينقل إليك الشغف مهما قاومته، أو عاديته، وهو منغمس كل الانغماس في موضوعه، كأنه سيكون آخِر ما يكتب، وأنت لابد منغمس فيه كأنَّ كتابه سيكون آخِر ما تقرأ"!

أجل؛ لقد كان "جلال كشك" مفكّراً، ومؤرّخاً، ومجاهداً .. وشهيداً !

كان يقول: "الخلاف حول تفسير التاريخ ليس ظاهرة، ولا مجرد خلاف حول تفسير الماضي، بلْ هو في الدرجة الأولى خلاف حول الطريق إلى المستقبل، والأمم دائماً تهرع إلى تاريخها في لحظات محنتها، وتستمدّ منه الإلهام والدعم النفسي، بينما يلجأ خصومها دائماً إلى تزييف التاريخ وتشويهه، لتضليل الحاضر، وإفساد الطريق إلى المستقبل".

ويقول أيضاً: "مَنْعُنا من امتلاك المدفع؛ هو الهدف الأساسي منذ ظهور الاستعمار الأوروبي، وقد تمَّ ذلك تحت شتى الشعارات، وبمختلف التنظيمات من القراصنة ومحاكم التفتيش إلى الجامعات، والمؤسسات الدولية، ومعاهدات الأمم المتحدة، وقبل ذلك إلى جهود وكتابات وحكومات مَن سمّاهم "صمويل هنتنجتون": "المتعاونين والمؤمنين بحضارتنا"! هؤلاء المتعاونون الذين يعملون لاستمرار سيطرة الغرب واستمرار تخلّف أوطاننا يتستّرون في كل مرحلة تحت شعارات علمانية وتقدميّة ويسارية وأُممية. إنَّ عناصر مأجورة عن وعي، وعناصر تُحرّكها أحقاد رخيصة، وعناصر تتبع كل ناعقٍ تسيطر على إعلامنا، وتُجنّده لمحاربة الإسلاميين في مشارق الأرض ومغاربها، غير محقِّقة من هدفٍ إلاَّ إزالة دور مصر الإسلامية، وإلغاء زعامتها للعالم الإسلامي، وعزلها عن المسلمين.. لمصلحة من؟ هذا هو السؤال الذي نعرف جوابه جيداً".

***

منذ طفولته كان "جلال" عاشقاً للحرية، وداعياً إلى التغيير، فعرف السجون مبكراً؛ فقد أدى امتحان "البكالوريوس" وهو سجين بمعتقل "الهايكستب" بتهمة التحريض على قتل المَلِك!

وعندما كان طالباً؛ دعا زملاءه ليهتفوا ضد تعيين "حافظ عفيفي" رئيساً للديوان الملكي، بلْ انطلق يهتف بحياة الجمهورية قبل أن يُعلنها "محمد نجيب" بحوالي عام، كما طالب بتأميم القناة، وإلغاء الاحتكارات الأجنبية في سنة 1951م!

كما اعترض على تعيين "صلاح سالم" نقيباً للصحفيين؛ باعتبارها بداية التربُّص بالصحافة؛ لوقوفها بجانب الشعب ضد استبداد العسْكر، وبدأ الجدال على صفحات الجرائد حول دستور 1923م، وإعادة العمل به، وبكافة مظاهر النظام القديم، لكن من دون الملك! ففطِن إلى هذه الخديعة التي يُسوّقها العسكر، ليتم إلغاء الحريّات، وكتب في جريدة "الجمهور المصري": "لماذا يعود هذا الدستور"؟! وكان الجواب على الفور إغلاق الجريدة، وإيداع "جلال كشك" في سجن "أبو زعبل" لمدة عاميْن وشهريْن، وخرج بعدها ليعمل بجريدة "الجمهورية"، لكن تمَّ إيقافه عن العمل عام 1958م! وفي عام 1961م، أُلحِقَ بمجلة "بناء الوطن" تحت رئاسة الضابط "أمين شاكر"، فاعتُقل عدة شهور، بإيعاز من أمين شاكر نفسه، لإرساله خبراً عن "استقلال الكويت" لـ"أخبار اليوم" بدلاً من إرساله إليه.

عمل بعدها في "روزا اليوسف" وكتب سلسلة مقالات، بعنوان: "خلافاتنا مع الشيوعيين" واجه من خلالها فلولَ اليسار، وبقايا الماركسيين؛ مما جعل جريدة "البرافدا" السوفيتية؛ تهاجمه باسمه، وتقول: "إنّ استمرار جلال كشك في الصحافة المصرية خطر على الاتحاد السوفيتي".

فأُبعِد الأستاذُ الكبير من حقل الصحافة ثلاث سنوات منواصلة، لكنه أُعيد للعمل بمؤسسة "أخبار اليوم" بعد ذلك! كما انفرد بنقد كتاب علي صبري "سنوات التحول الاشتراكي"، وأعلن في مقالة بـ"الجمهورية" بأنَّ الأرقام الواردة عن الخطة الخمسية الأولى (1961- 1966م) تدلُّ على انخفاض في الإنتاج وليس زيادته، والأرقام وحدها تدلُّ على كذب الادِّعاء!

بمجرد نشر هذا المقال؛ تمَّ فصل رئيس مجلس الإدارة، ورئيس التحرير، وطرد جلال كشك!

***

الْحـقُّ الْحـقُّ أقـول: إنَّ "جلال كشك" أبرز مَن أمسك بالقلم في النصف الثاني من القرن العشرين، وأشدّ مَنْ واجه اليساريين والعلمانيين؛ ففضح أكاذيبهم، وكشف مزاعمهم. ولعلَّ مؤلفاته في هذا الصدد لا تُخطئها العيْن، مثل: (كلام لمصر، النكسة والغزو الفكري، جهالات عصر التنوير، قراءة في فكر التبعية، أخطر من النكسة، ألاَ في الفتنةِ سقطوا)!

كما أنه صاحب الفضل في كشْف أوراق (حسنين هيكل) وعمالته للمخابرات الأمريكية، لاسيّما أنَّ "كاهن الناصرية الأكبر" درج على إخفاء ما يتعلق بعلاقة ثورة 23 يوليو بالمخابرات الأمريكية! فكان يُغيِّر كلامه في الطبعة العربية لكُتبه، ويقول بخلاف ما يكتبه للغربيين المتنوِّرين في "الطبعات الأجنبية"!

كان "جلال كشك" من أشدّ الكارهين للدكتاتورية والاستبداد. لذا؛ كان هجومه على "فتى بني مُر" لا يتوقف، كما في كتبه (الماركسية والغزو الفكري، كلمتي للمغفّلين، الناصريّون قادمون، وكتابه الأشهر: ثورة يوليو الأمريكية)!

وعندما أصدر كتابه (كلمتي للمغفَّلين) انطلق "الناصريون" سِراعاً، وسحبوا جميع النسخ من الأسواق، حتى لا يَعرف الناسُ جرائرهم، وصفحاتهم السود! فإذا بالطبعة الثانية تصدر في أقل من أسبوع، وقد صدَّرها "المؤلف" بعبارة ساخرة، يقول فيها: "ما كنَّا نُريد أنْ نتكسَّب من هذه الكُتُب؛ ولكنَّ الله يرزق مَن يشاء بغير حساب"!!

وصف عبد الله الطنطاوي- مؤلفاته، فقال: "جاء جلالُ وجاءت كتبه على قَدَرٍ، فسدَّتْ ثغرات كبيرة في حياتنا الثقافية والسياسية، ووقفتْ في وجه الغزو الفكري، في ظروف بالغة الدقة، تُرِكَ فيها الحبل على الغارب للشيوعيين، والعلمانيين، ودعاة التغريب، وأدعياء القوميّة، وكمَّموا أفواه الإسلاميين، وكسروا أقلامهم، واحتزُّوا رقابهم، وكانت السجون والمعتقلات الرهيبة أماكن سكنهم، فانبرى الأستاذ جلال كشك -وليس غيره- يفضح رفاق الأمس ومَنْ وراءهم، بقلمٍ مِن نار، وعقلٍ مستنير، وقلبٍ مسكون بالقيَم العربية الإسلامية، ووعيٍ تام بما يجري في عالَم اليوم، مِن تزييف الحقائق، ووأد القيم التي بَنينا عليها الأمجاد…"!

أجل؛ انظر إلى مؤلفاته التي كان يتخطّفها الناسُ فور صدورها، والتي أرَّختْ لحقبة فاصلة في الصراع الأيديولوجي المحتدم إلى يومنا هذا ... ومازلتُ أحتفظ بكتبه التي أهدانيها، مثل: (مصريّون لا طوائف، النابالم الفكري، مِن بِدع ثورة مايو، تحرير المرأة المسلمة، خواطر مسلم عن الجهاد والأقليات والأناجيل، المؤامرة على القدس تُنفَّذ في مكة، قيام وسقوط إمبراطورية النفط، طريق المسلمين إلى الثورة الصناعية، الجهاد ثورتنا الدائمة، وغيرها)!

***

كان "جلال كشك" خبيراً ببواطن الأمور، لاسيما أنه خالط الملوك والأمراء والساسة، كما أفاد كثيراً من إقامته بين الأجانب، وكان من كُتَّاب "الجارديان" البريطانية!

قلتُ له –ذات مرة- ما هو تفسيرك للهجمة على شيخ الأزهر "محمد سيد طنطاوي"؟! فقال: ليس المقصود بهذه الحملة الشيخ طنطاوي، فالجميع يَعلم قدره وعِلمه ومكانته؛ إنما هي حملة مدفوعة الأجر مُقدَّماً، يقود زمامها غلمان الوهابية، وأدعياء السلفية، يشاركهم فيها؛ إعلاميون مأجورون، وأناسٌ من جلدتنا وأُناسٌ غرباء عنّا، إنهم يريدون هدم الأزهر وتشويه سُمعته .. ولنْ يستطيعوا أنْ يَحجبوا الشمسَ بغربالهم الهزيل!

مَن هـو جــلال كشــك؟

ما عرفتُ أحداً شديد الاعتزاز بحسبهِ ونَسبهِ مثل "جلال كشك"!

ولِمَ لا؟ فهو من أعرق أسرة أرستقراطية؛ كان أبوه قاضياً في المحاكم الشرعية، قال عنه في أحد كُتبه: "إنه أول مَن أصدر حُكماً شرعياً في مصر بتكفير البهائيين"!

لكن اعتزاز جلال بآرائه وأفكاره كان أشدّ وأعنف، فالويلُ الويلُ لمن يخالفه الرأي، بلْ الويل -كل الويل- لمن يقطع حديثه! أذكُر أنني رأيته –أول مرة- في "دار الزهراء للإعلام العربي" يتحدث مع نخبة من أعلام الفكر، منهم: أحمد رائف، وأحمد بهجت، وحسين مؤنس، وغيرهم، وكانوا مشدوهِين لحديثه عن بلدته "المراغة" التي قال: إنها أعرق بلدة في الصعيد قاطبةً! فقلتُ: تقصد بعد (قــوص) ملاذ العلماء والأولياء! فضحك كثيراً، ثمَّ قال: ولولا رهطُك لرجمناك!

منذ تلك الحادثة؛ توثَّقتْ علاقتي به، فكان أول شيءٍ يفعله بعد عودته من "عاصمة الضباب" يتصل بي، وينهال عليَّ بوابلٍ من الأسئلة، مثل: ما هي الكتب التي اشتريتها لي؟ وأين الغداء الذي وعدتنا به؟! وماذا قال لك الشيخ الغزالي؟ وما هي أخبار الصعيد الجواني؟!

ذات مرة؛ قال لي -بحسرةٍ وألم-: سأموتُ قريباً يا قُوصِي! فحزنتُ، وقلتُ: أبقاكَ اللهُ يا أستاذنا .. وظننتُ أن سيموت بالفعل، لكنه لمْ يمُت! بلْ فاجأنا بكتاب "جهالات عصر التنوير"!

الْتقيته بعد ذلك، فقال لي: سأموتُ قريباً. فأخذتُ الكلام على مَحمَل الجدّ، فقلتُ: أطالَ اللهُ عُمرك أبا خالد. فإذا به يفاجئنا بالكتاب القنبلة "الحوار أوْ خراب الديار"!

ثمَّ غاب بضعة أشهر .. وإذا به يصدر الكتاب المُلتهِب "الجنازة حارة"!

وهكذا، كان كلّما شعر بآلام القلب؛ يُفزعني بشدة، ويقول لي: سأموتُ قريباً، لكنه لا يموت ولا يحيا .. بلْ نراه بعدها يرتدي بِدلاً أنيقةً ما رأتْ عينٌ مثلها، ولا سمعتْ بمثلها أُذُنٌ! بلْ ويفاجئنا بمؤلفاتٍ رهيبة، أشبه ما تكون بالقنابل والمتفجرات!

أثناء لقائنا الأخير -قبل سفره إلى لندن- كرَّر ما كان يقوله كلّ مرة: سأموتُ قريباً .. فضحكتُ لكلامه، فصاح غاضباً: أقولُ لكَ: سأموتُ، وتضحك يا هذا؟! فأخذتني نوبةٌ طويلةٌ مِن الضحك!

لكن، بعد أيام قلائل؛ وعلى غير المتوقَّع، أعلنتْ إذاعة (الـB.B.C) نبأ وفاة الكاتب الكبير "محمد جلال كشك"!

فأصابتني صدمةٌ مباغتة، وجثوتُ على قدمي، وأنا أُردِّد:

آهـــــ!! عملْتها يا جـلال .. يا ابن الإيـــه؟!

 

محمَّــــد عبد الشَّــافي القُوصِــي

 

 

محمود محمد عليبقلوب حزينة وأعين ذرفت منها الدموع، ودعنا بالأمس الأحد الموافق 18 / 7 / 2021م..  تلقيت خبر وفاة المفكر العراقي الكبير البروفسور الدكتور "ميثم محمد طه الجنابي" - أستاذ الفلسفة الإسلامية  بجامعة موسكو من بوست نشرة أستاذنا "ماجد العرباوي" علي صفحته علي ألفيس بوك .

وعقب قراءتي له صمتّ وحدي عندما قرأت الخبر الفاجع.. تعطّلت قواي، عادت بي الذّاكرة إلى مواقف كثيرة لا تنسى.. تذكّرت مقولة للإمام عليّ بن أبي طالب  -كرم الله وجهه يقول فيها: "أكره الحق، وأهرب من رحمة الله، وأصلي دون وضوء! فسئل: وكيف ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال: أكره الموت وهو حق، وأهرب من المطر وهو رحمة من الله، وأصلي على الرّسول دون وضوء." .

والله إنّ الموت مكروه مع أنّه حقّ على الأحياء كلهم، خصوصا إذا ما اختطف إنساناً أخاً وصديقاً وفيّا كالدّكتور " ميثم الجنابي " الذي ينضح حبّا إنسانيّا قلّ مثيله. رحل الإنسان النّقيّ الذي لم يحمل ضغينة لأحد كما اعتقد، رحل ليترك غصّة في قلب من عرفوه كلهم، فو الله إنّ العين لتدمع وإن القلب ليحزن، "وإنّا لفراقك يا دكتور ميثم لمحزنون".

ولذلك أقول أي الكلمات لديها القدرة أن ترثى عالماً ومفكراً بالغ الصدق والنبل والنقاء، مثل " ميثم الجنابي ؟! أي الكلمات لديها القدرة؟!، فالذين يتسمون بالصدق والنبل في مهنة الفلسفة الإسلامية قليلون، وقد ازدادوا برحيله قلة!.. لا أظن أنه من قبيل المبالغة أن أقول إنه من أكثر الذين قدر لي أن أعرفهم من أساتذة الفلسفة الإسلامية بعداً عن المداهنة أو المتاجرة بالمهنة لحساب أي سلطة من السلطات بما في ذلك سلطة الرأي العام ذاته الذي كثيراً ما يغازله بعض الكتاب على حساب الحقيقة الموضوعية!.

وقد صدق أنيس منصور حين قال :.. ما معني أن يولد العفن في تفاحة ؟.. معناه أن يولد الموت في أحلي كفن .. وفي أجمل نعش ؟... معناه أننا نحمل الموت في كل خلايانا .. فكل خلية هي نقطة ثوب لعزرائيل ..

2648 ميثم الجنابي

غادرنا الدكتور ميثم الجنابي جسداً لكن ذكراه ستبقي طيبة، مثمرة  ما بقيت الجامعة بين طلبته وزملائه وبين محبي الفلسفة والمعرفة . عرفناه لطيفاً، خدوماً، عميقاً في بحثه، جدياً في عمله، موسوعياً في اطلاعه، والله  لهو في نظري نعم الرجل المتميز، والمنهل الثري، والمفكر التقدمي، والمنظومة المتكاملة من العطاء، وهو أيضاً أحد الرموز الثقافية بمصر والعالم العربي ؛ وهو ليس مفكرًا عَادِيًّا  أو باحثاً كان مبتغاه أن يحصل على المعلومة ويحنطها، لقد كان أبعد من ذلك حيث غطت معارفه مجالات مختلفة.

لن أمل من القول بأن الدكتور "ميثم الجنابي"  كان نعم الصديق الوفي، والأخ الكبير، والسند في الدنيا، ومرشدي في كل أموري البحثية ؛ وهنا أقول له  :" صديقي الحبيب.. رحيلك آلمني وأوجعني أشد ما يكون الوجع، وأحاول أن أستعيد قواي ونفسي منذ رحلت عنا ومازالت المحاولات تبوء بالفشل، فحزني عليك عظيم  أيها العالم الجليل .. آه أيها الموت، أعلم أنك الحقيقة الوحيدة علي الأرض، ولكنك مؤلم عندما تفرقنا عن أغلى الأحباب وأعز الناس.. اللهم لا اعتراض علي قضائك .. اللهم أني راضي بحكمك وأدعوك يا ربي يا حنان يا منان أن ترزق أهله الصبر والثبات على ألم الفراق.

رحم الله الدكتور ميثم الجنابي، الذي صدق فيه قول الشاعر: وليس موت امرئ شاعت فضائله كموت من لا له فضل وعرفان.. والموت حق ولكن ليس كل فتى يبكي عليه.. إذا يعزوه فقدان في كل يوم .. ترى أهل الفضائل في نقصان عدد وللجهال رجحان... إنا لله وإنا إليه راجعون.. اللهم اغفر له وارحمه واسكنه فسيح جناتك .. شكرًا ميثم الجنابي علي تاريخك المُشرف للفكر والثقافة والتاريخ ..  وداعاً أيّها الأستاذ والمُعلّم  والبحاثه  ...وستبقى ابداعاتك ونحن بعلمك وروائعك نحارب طيور الظلام وخفافيش التزمت.

نعم رحم الله " ميثم الجنابي " الذى رحل عن عالمنا تاركاً لنا إرثاً عظيماً من الدراسات الفلسفية ممثلاً في مئات من الطلبة والعديد من الكتب والمقالات والأبحاث العلمية ... فهل نستفيد من هذا الإرث؟ أم نكتفي بقراءته والترحم على عصر جميل قد مضى؟، أم نستفيد منه لبناء المستقبل؟.

 

أ.د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

مصدق الحبيب(1904 – 1989) Sr. John R. Hicks

هو الاقتصادي البريطاني الحامل للقب "السيد" الشهير الممنوح له رسميا من قبل الملكة البريطانية إليزابيث. والذي يعني نيله مرتبة الفرسان الانكليز كشرف وتكريم ملكي، عادة ما يُمنح هذا اللقب لشخصيات لامعة مختارة.  يعتبر جون هكس واحدا من اهم اقتصاديي القرن العشرين والذي يدين له طلبة الاقتصاد في كل مكان بما وضعه من اسس ومبادئ اصبحت جزءا لايتجزء من المنهج التقليدي في تدريس الاقتصاد عبر جامعات العالم. في مقالة نشرها موقع تاريخ الفكر الاقتصادي، وُصِفَ هكس بأنه "اقتصادي الاقتصاديين" وانه "الاقتصادي المثال" الذي درس وهضم واستخدم كل المدارس الاقتصادية لكنه لم ينحاز الى او يعرض عن أياً منها، بل اختط لنفسه طريقه الخاص المتفرد مستخدما اغلب الثمار التي اعطتها تلك المدارس والاتجاهات.

ولد جون في ووروك Warwick الانگليزية عام 1904 لعائلة متوسطة الحال حيث كان والده يعمل صحفيا في احدى الصحف المحلية. أنهى دراسته الابتدائية والثانوية في مدينته، ودخل كلية كلفتن في برستل عام 1917 وتخرج بتفوق في فرع الرياضيات عام 1922 مما أهله لنيل منحة دراسية لاكمال دراسته العليا في كلية باليول Balliol الشهيرة الغالية في أوكسفرد، والتي قال عنها بعدئذ انه لم يكن بالامكان ان يتحمل تكاليفها الباهضة لولا منحته الدراسية التي غطت اجور الدراسة ومتطلباتها اضافة الى نفقات اقامته.

لم يجد نفسه راغبا في اوكسفرد لمواصلة دراسة الرياضيات لانه كان مولعا بالادب والتاريخ والفلسفة في البداية رغم انه رسى على دراسة الاقتصاد في نهاية المطاف.

2654 جون هكسبعد تخرجه من أوكسفرد، تمكن في عام 1926 من الالتحاق بمدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية LSE  كمحاضرفي مادة اقتصاد العمل. يقول هكس ان تدريسه بدأ وصفيا تاريخيا وتدرج شيئا فشيئا الى ان اصبح كميا تحليليا بعد ان اكتشف ان لشهادة الرياضيات التي حصل عليها في دراسته الاولية فائدة عظيمة في التطبيقات الاقتصادية، خلافا لما تصور من انه قد بذر طاقته ووقته حين تخصص فيما لاجدوى له غير تدريس الرياضيات. كما صرح في معرض سرد سيرته التي طلبتها لجنة جائزة نوبل ان ذلك الزمن كان ملائما لتزاوج الرياضيات مع الاقتصاد، خاصة وان قسم الاقتصاد في مدرسة لندن كان بقيادة اقتصادي متنور قدير اسمه الدكتور لاينل روبنز الذي طور مناهج القسم وجنّد له كادرا تدريسيا كفوءا ضم ألمع اقتصاديي ذلك الوقت في لندن مثل عالم الرياضيات آر جي دي ألن الذي شاركه البحث في دراستين عن نظرية القيمة نشرتا عام 1934، وكذلك نكلس كالدور وآبا لرنر وريچرد سيرز وأرسولا وب التي احبها وتزوجها عام 1935 ، فدام زواجهما خمسا واربعين عاما، ولم يفصلهما الا وفاته عام 1989.

من مدرسة لندن، انتقل للتدريس في كيمبرج للسنوات 1935-1938 حيث تمكن من اكمال كتابه الاساسي "القيمة ورأس المال" الذي بدأ به في مدرسة لندن كمشروع يضع فيه عصارة افكاره عن مجمل النظريات والمفاهيم الاقتصادية التي عرفها. تم نشر هذا الكتاب عام 1939 حيث اصبح الكتاب الجامعي النموذجي في تدريس النظرية الاقتصادية بالمنهج النيوكلاسيكي، والذي لفضله يعود اغلب مانعرفه اليوم في الاقتصاد.

في عام 1938 انتقل الى جامعة مانچستر للتدريس والبحث لغاية 1946، وفيها حاز على درجة الاستاذية في الاقتصاد وركز جهوده على البحث في اقتصاد الرفاه. في عام 1942 اصبح زميلا في الاكاديمية البريطانية، وفي عام 1946 عاد الى اوكسفرد، أولا كباحث متفرغ لغاية 1952، ثم كاستاذ لغاية 1965، وهو العام الذي اصبح فيه زميلا باحثا في  All Souls College ولغاية 1971. خلال تلك المدة انتخب عضوا في اكاديميات دولية عديدة، منها الاكاديمية الايطالية عام 1952، والامريكية عام 1958. كما اصبح مستشارا في لجان اقتصادية عليا خارج بريطانيا منها لجنة الاقتصاد الوطني في نايجيريا ولجنة الاقتصاد الوطني في جاميكا. كما حاز على جوائز وشهادات فخرية عديدة. وفي عام 1972 حاز على جائزة نوبل في الاقتصاد مشاركة مع الاقتصادي الامريكي كينيث أررو. وفي مبادرة رائعة قام باهداء جائزة نوبل الى مكتبة مدرسة لندن، تكريما واعترافا بفضل المدرسة وقسم الاقتصاد فيها على رعايته في أول عمله الاكاديمي.

من خلال تدريسه في اقتصاد العمل، تحتم عليه البحث في هذا المجال، الامر الذي تمخض عن صدور كتابه الاول "نظرية الاجور" في عام 1932. في هذا الكتاب عرض هكس تفسيره لنظرية الانتاجية الحدية، فصاغ ولأول مرة مفهوم مرونة الاستبدال Elasticity of substitution  التي عرّفها بانها مرونة النسبة  بين مدخلين في دالة انتاج سلعة ما، وذلك بقدر تعلق الامر بالتغيير الحاصل في انتاجهما الحدي. ومن هذا المدخل اعطى هكس تفسيرا معارضا لطروحات ماركس، مفاده هو ان التقدم التكنولوجي الذي قد يعوض عن العمل البشري سوف لايغير من مساهمة العمل في الدخل القومي. أصبح هذا الكتاب المصدر الاول المعتمد في اقتصاد العمل لعدة عقود، واصبحت المفاهيم الاساسية التي وردت فيه جزءً مهما في النظرية الاقتصادية الجزئية والتي ماتزال معتمدة الى اليوم في مناهج تدريس الاقتصاد وكتبها المدرسية.

من خلال مقالتيه مع زميله المختص بالاقتصاد الرياضي روي جورج دگلس ألن   R.G.D. Allen المنشورتين عام 1934 والمذكورتين اعلاه، عرفنا معادلة سلتسكي Slutsky Equation  لاثبات مفهوم تأثيري الدخل والاستبدال Income and substitution effects، كما عرفنا طريقة اشتقاق منحنى الطلب من خلال استخدام منحنيات السواء وخط الميزانية المالية. وكذلك معيار توازن المستهلك ممثلا بمعادلة التساوي بين نسبة المنافع الحدية مع نسبة الاسعار النسبية. اضافة الى مفهوم الـ  MRS  الذي يشير الى المعدل الحدي للاستبدال     Marginal Rate of Substitution فيما بين سلعتين قد يختارهما المستهلك. وكل تلك الادوات التحليلية ماتزال حاسمة في فهم النظرية الاقتصادية.

في عام 1935 قدم لنا هكس مفهوم التنويع الحدسي Conjectural Variation في مقالته عن ظاهرة احتكار السوق من قبل المنتجين. يتلخص هذا المفهوم بالاعتقاد الذي يحصل عند بعض المؤسسات التجارية حول ردود الفعل المتوقعة من قبل المؤسسات المنافسة في سوق احتكار القلة  Oligopoly عندما يتم تنويع الناتج او تغيير السعر. وفي عام 1937 جاء بمفهوم ألـ "آي أس – أل أم"  IS-LM   في مقالته المعنونة "كينز والكلاسيكيون" التي اتفق اغلب مؤرخي تاريخ الفكر الاقتصادي على انها تمثل النقلة النوعية الى الاتجاه "النيوكينزي"  Neo-Keynesian  الذي كان هكس رائدا فيه، والذي بقي مهيمنا فكريا على دراسة الاقتصاد الى يومنا هذا.  ولكن  بالرغم من هذه القيادة الفكرية فقد تعرض المنهج النيوكينزي الى انتقادات محدودة انبثقت خلال السبعينات من القرن الماضي عندما ارتفعت معدلات البطالة بمصاحبة زيادة معدلات التضخم، وهي الحالة الواقعية التي خالفت ما راهنت عليه النظرية الكينزية. لكن هكس في معرض رده على تلك الانتقادات انبرى للاعتراف بأن الكينزية لم تأخذ بالاعتبار عوامل مهمة كان من الواجب اعتبارها، كعوامل الشك والريبة والظروف غير المتوقعة وغير الاكيدة والمجازفات في السوق.  قام هكس بتنقيح وتوسيع الطريقة التحليلية التي تعتمد نموذج الـ IS-LM   في كتابه الاثير "القيمة ورأس المال" المنشور عام 1939 والذي تضمن مفاهيم اقتصادية اخرى اصبحت اساسية فيما بعد في المنهج الاقتصادي.   من هذه المفاهيم المبتكرة او المنقحة:

- "فخ السيولة" Liquidity Trap

- تأثير الدخل والاستبدال  Income and Substitution Effects

- منحنى طلب هكس التعويضي Hicksian Compensated Demand Curve

- معيار الكفاءة الهكسية Hicksian Efficiency Criterion 

-  التوازن الموقت  Temporary Equilibrium 

- الاستاتيات (السكونيات) المقارنة Comparative Statics

يمثل نموذج IS-LM   شرحا تكنيكيا گرافيكيا لفكرة كينز عن امكانية حصول التوازن الاقتصادي العام بدون توفر الاستخدام الكامل للموارد الاقتصادية. في هذا النموذج صور هكس التوازن الاقتصادي من خلال التفاعل بين عاملين اساسيين هما الانفاق الكلي الذي يشمل الاستهلاك والاستثمار الخاص والانفاق الحكومي وصافي التجارة الخارجية. وهذا العامل يعكس سوق السلع والخدمات متمثلا بمنحنى  IS ذي الميل السالب بسبب العلاقة العكسية بين الناتج او الدخل القومي وسعر الفائدة. أما العامل الثاني فيشمل النقود وسعر الفائدة أي السوق المالية متمثلة بمنحنى LM ذي الميل الموجب الذي يعكس العلاقة الطردية بين الدخل القومي وسعر الفائدة. كانت تلك مساهمة جوهرية كبيرة لفهم مايحدث في الاقتصاد الكلي والتي اصبحت النموذج القياسي في تدريس نظرية الاقتصاد الكلي الى هذا اليوم.

أما مفهوم فخ السيولة فيشير الى ما يحدث اثناء الركود الاقتصادي عندما يفضل المدخرون حفظ اموالهم في الحسابات قصيرة الاجل رغم هبوط سعر الفائدة وتوفر امكانية الحصول على فوائد اكبر اذا ما تم ادخار الاموال في حسابات طويلة الاجل. يحدث ذلك بسبب الحيطة والحذر من ان الركود سيطول ويتفاقم.

تأثير الدخل والاستبدال في خيار المستهلك كان ومايزال من الموضوعات التي ينبغي على طالب الاقتصاد ان يفهمها جيدا، والفهم الجيد تيسر بفضل شرح ورسوم وحساب هكس.  فبموجب قانون الطلب، تتغير الكمية المطلوبة من سلعة ما عكسيا مع تغير السعر. إلا ان هذا التغيير في الكمية يحدث ضمنيا بتأثيرين متشابكين: تأثير استبدال كمية بكمية اخرى بسبب تغير قيمتها الحدية لدى المستهلك،  وتأثير الدخل المتمثل بتغير القوة الشرائية.  لنفترض ان سعر سلعة ما قد ازداد. هذه الزيادة ستجعل المستهلك يشعر اوتوماتيكيا بأن السعر الجديد يفوق قيمة السلعة الحدية لديه، ولهذا فانه سيعالج الامر تلقائيا بتقليل الكمية التي يشتريها لانه لايريد ان يدفع اكثر مما يجب على سلعة سعرها اصبح اكثر من قيمتها الحدية. والعكس صحيح ايضا في حالة انخفاض السعر سيفكر المستهلك بشراء كمية اكبر بسبب نزول السعر عن القيمة الحدية للسلعة مما يشكل فرصة لتعظيم الفائدة الكلية المستحصلة بسبب السعر المنخفض. وهذا هو ماسمي بتأثير الاستبدال الهكسي Hicksian Substitution Effect.  أما التأثير الثاني فهو تأثير الدخل الذي يتلخص بأن المستهلك سيشعر ان بامكانه ان يشتري كمية اكثر من السابق بسبب انخفاض السعر الذي أدى هذه المرة الى ارتفاع قوته الشرائية أو دخله الحقيقي Real income لان مالديه من نقود تمكنه الان من شراء كمية اكبر وكأن دخله قد ازداد. وهذان التأثيران يتظافران ليحققا التغير في الكمية عندما يتغير السعر. هكس قام اذاً بتشريح تغير الكمية بسبب تغير السعر فقسمها الى مرحلتين احدهما تحدث بتأثير استبدال كمية بكمية اخرى، وثانيهما تحدث بتأثير الدخل المنعكس بتغير القوة الشرائية.

كان هكس قد استفاد في هذا التفكيك لتأثير السعر على الكمية من معادلة سلتسكي Slutsky Equation )نسبة الى الاقتصادي الروسي يوجين سلتسكي الذي سنأتي على ذكره لاحقا(. وذلك عندما اكتشف هكس وروي ألن كتابات سلتسكي التي لم تكن معروفة آنذاك للناطقين بالانگليزية.  ومعادلة سلتسكي تفصح ببساطة عن ان التأثير الكلي لتغيرات السعر على الكمية يساوي تأثير الاستبدال مضافا اليه تأثير الدخل.

X1I ΔX1s + ΔX1 =Δ

ولكي يثبت هكس ذلك گرافيكيا ورياضيا كان عليه ان يضيف خط ميزانية  Budget line آخر افتراضي  يشير الى الزيادة في الدخل الحقيقي التي نشأت عن انخفاض السعر. على ان هذا الخط سيحمل نقطة التوازن الجديدة التي تشير الى حصول المستهلك على نفس كمية الاشباع التي كان يحصل عليها قبل التغيير، والتي ستسهم هندسيا في التقسيم بين التأثيرين. لقد ترتب على ذلك ابتكار منحنى طلب جديد سمي بـ منحنى طلب هكس التعويضي الذي يختلف عن منحنى الطلب التقليدي المعروف بالمنحنى المارشالي، نسبة لاشتقاقه من قبل الفريد مارشال.

من ضمن اشتغالاته في حقل اقتصاد الرفاه جاءت مساهمته المهمة في المقال الموسوم "أساسيات اقتصاد الرفاه" المنشور عام 1939. كان قد ابتكر اختبارا او معيارا للمفاضلة بين مردودات اجراء او قرار سياسي معين. فما سمي بـ معيار الكفاءة الهكسية يهدف الى تقييم السياسات الاقتصادية في حالة تعارض نتائجها بين المستفيدين والمتضررين منها بحيث ان قرار اتخاذ السياسة او التخلي عنها سيتحدد في نهاية المطاف باعتبار الصالح العام.  أما مفهوم التوازن الموقت فلم يكن جديدا، فقد بُحث من قبل مارشال وفالراس وباريتو، لكن هكس قام بتنقيحه واعادة صياغته بما يجعله يسيرا وقابلا للتطبيق الكمي.  وبنفس الطريقة فقد ثوّر هكس منهج السكونيات المقارنة في دراسة الاقتصاد والذي اصبح اليوم المنهج العام في كل مكان. انه الاداة التحليلية لوصف ما يجري من تغيير في عامل اقتصادي ما وتتبع هذا التغيير وملاحظة اثره على العوامل الاخرى والظروف المحيطة. وبدلا من ان تكون هذه الملاحظة وصفية فقط ، فان من الاكثر مصداقية ان نراها بصريا عبر الرسوم ورياضيا عبر معادلاتها. وكل طالب اقتصاد يعرف اليوم تقسيم العوامل الى مستقلة  Exogenous  تتغير بموجب ظروف خارج النموذج المدروس وعوامل معتمدة   Endogenous  تتغير داخليا بموجب تغير العامل المستقل.

 

ا. د. مصدق الحبيب

 

 

يسري عبد الغنيأبو أمير أحمد بن أبي مروان عبد الملك بن أبي عمر أحمد بن عبد الملك بن عمر بن محمد بن عيسى بن شهيد الأشجعي، ويشتهر بإسم "ابن شـُهـَيـْد" (قرطبة 923 - 1035) شاعر ووزير، من أعلام الأندلس ومؤرخيها وندماء ملوكها. ولد ومات بقرطبة.

كان وزير المستظهر في 1023 مع ابن حزم، إلا أن هذا الحكم سقط بعد 47 يوماً من توليه الوزارة، ففر إلى مالقة مع يحيى الأول بن علي. عاد إلى قرطبة في 1025 في دوائر قريبة من حكامها المتعاقبين.

له "تاريخ" كبير يزيد على مائة جزء، بدأه بعام الجماعة 40 هـ وختمه عام وفاته، مرتباً على السنين. جمع ما وجد من شعره في ديوان له مطبوع. ويُعتبر من التحرريين.

أبو عامر أحمد بن عبد الملك بن عمر بن محمد بن شهيد، من كبار الأندلسيين أدباً وعلماً، مولده ووفاته في قرطبة. يعود نسبه إلى أشجع بن غطفان بن سعد بن قيس ابن عيلان بن مضر. وقد أشار إلى نسبه بقوله:

من شُهيد في سرِّها ثم من أشـ

                 ـجع في السرِّ من لباب اللُّباب

من أسرة موسرة، ذات علاقات وثيقة بالدولة والحكام، وذات اهتمام بالأدب، تقلَّد جدُّه منصب الوزارة في عهد الأمير عبد الرحمن الناصر[ر]، ولُقِّب أبوه ذا الوزارتين، وكانت المرة الأولى التي يُستخدم فيها هذا اللقب.

تغيرت أحوال ابن شهيد عندما تزهد أبوه في أواخر عمره واستقال من الدولة العامرية وانتقل بابنه الطفل من لبس الحرير إلى الصوف والكتان، فكان لهذا التباين بين الرخاء والفقر أثر في نفس الطفل استمر طويلاً.

أثّر عصر الفتنة في ابن شُهيد، فاضطربت أحواله المادية، وفقد الجاه العريض، بتشتُّت العامريين، وتنقل بين دويلات كثيرة أيام عصر الفتنة ليمدح أصحابها وينال أعطياتهم. والتحق بمجاهد العامري، فلم يلق ما كان يتمنى. ومدح بني حمود بعد تغلبهم على قرطبة، وأتى من الأمور ما دفعهم إلى سجنه، فاستعطفهم حتى أطلق المعتلي بالله سراحه. وسنحت له الفرصة حين صار عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار الأموي خليفة، فصار وزيراً لديه، غير أن مدة هذا الخليفة لم تدم أكثر من شهر وبعض شهر. وظل ابن شُهيد على علاقة مع بعض العامريين إلى آخر حياته، وفي ديوانه بعض القصائد الموجهة إلى نفرٍ منهم.

تميَّزت شخصيته بالذكاء والحساسية المفرطة، وساعد على ذلك صمَمُه الذي رافقه طول حياته، وتأثُره بخراب قرطبة، وانقطاع أمله من أصدقائه.

وكان موته، في 11 أبريل 1035، من فالج أقام به مدة، ورام أن يقتل نفسه لشدة الآلام، ثم عدل عن ذلك، وقال في تلك العلة:

تأملت ما أفنيت من طـول مـُدَّتي

                         فلم أره إلا كلمحة ناظرِ

وحصَّلت ما أدركتُ من طول لذَّتي

                         فلم أُلفهِ إلا كصفقة خاسر

ترك آثاراً أدبية مختلفة، ما بقي منها إلى اليوم إلا قليل، منها ديوان مطبوع صدر أولاً بعناية شارل بلا عن دار المكشوف ببيروت عام 1963، ثم أعاد جمعه وتحقيقه يعقوب زكي، وصدر عن دار الكاتب العربي بالقاهرة. وله مجموعة رسائل في وصف البرد والنار والبرغوث، وغير ذلك، ولعل أهمها رسالته القصصية (التوابع والزوابع)، وهي رسالة خاطب فيها أبا بكر بن حزم، بناها على مخاطبات الجن، وله فيها آراء في البلاغة والنقد. ولقيت الرسالة عناية خاصة من النقاد ولا سيما في علاقتها برسالة الغفران للمعري وتأثيرها في الكوميديا الإلهية لدانتي.

يعد ابن شهيد من طبقة ابن خفاجة وابن عمار بالنظر إلى مجمل شعره. وقد كان من القلة الذين استثناهم المستشرق گرسيه گومس حين وصف الشعر الأندلسي الغنائي بالفقر العقلي والفكري، ولعل ذلك يعود إلى سعي ابن شُهيد إلى خلق أدب أصيل يكون أندلسي الروح قبل الموطن، فبدا شعره ـ في عدد لا بأس به من القصائد والمقطعات ـ مخلصاً لتجربة الشاعر وعواطفه الذاتية، بعيداً عن زخرفة الشكل والصنعة.

ومن جميل شعره قوله في شاهد قبر:

يا صاحبي قم فقد أطلنا

                 أنحنُ طولَ المدى هجودُ

فقال لي: لن نقوم منها

                 ما دام من فوقنا الصعيدُ

وقوله في معارضة امرئ القيس:

ولَما تملأَ من سُكره

                 فنام ونامت عيون العَسَسْ

دنوتُ إليه على بعدهِ

                 دنوّ رفيقٍ درى ما التَمَسْ

أدبّ إليه دبيب الكَرى

                 وأسمـو إليه سمو النَّفْسْ

شبهه أبو حيان بالجاحـظ في مزجه الجد بالهزل في روحه الساخرة. ووصف الثعالبي نثره بأنه «في غاية الملاحة» وقال عنه أبو حيان الأندلسي: «كان يبلغ المعنى ولا يطيل سفر الكلام»، وقد أطنب ابن بسام في الثناء على نظمه ونثره وأدبه.

التوابع والزوابع

التَّوابع والَّزوابع رسالة أدبية، كتبها أبو عامر أحمد ابن عبدالملك بن شُهيد القرطبي الأندلسي (382- 426هـ). وهي قصة خيالية تحكي عن رحلة في عالم الجن. يلتقي البطل خلالها بشياطين الكتّاب، فيحاورهم ويحاورونه. ويخلص من ذلك إلى سمات نقدية وأدبية محدودة.

تنقسم الرسالة إلى مجالس أربعة هي: 1- مجلس الشعراء 2- مجلس الكُتاب 3- مجلس أدبي نقدي 4- مجلس أدبي ساخر يلتقي فيه بحيوانات أدبية.

ينص ابن شهيد على أن رسالته موجهة إلى من كنّاه بأبي بكر، وكيف أن أبابكرٍ تعجب من عبقريته وعلمه، فأقسم أن هذه الروح لابن شُهيد، تصدر عن أدب فوق قدرة الإنسان، ومن ثم فإن لها تابعًا يمدها ويعينها.

وتتخذ رحلة بطل التوابع والزوابع مسارًا تاريخيًا في لقائه بتوابع الشعراء في المجلس الأول، ابتداء من العصر الجاهلي والأموي والعباسي. فيحاور عددًا من توابع الفحول كامرئ القيس وطرفة وأبي تمام والبحتري وأبي نواس والمتنبي. ويتجاوز عصر صدر الإسلام إذ لا يرى فحولاً بين شعرائه.

وهو يوفق بين البعد الجسمي والفكري، ليستخرج نفسية الشاعر وذاته، فيرسم له صورة قلمية في ضوء ما ورد من أخباره. وهو أبدًا ينتزع شهادات الإجازة بشاعريته من هؤلاء الفحول، فهو لا ينشدهم، إلا في تلك الأغراض التي اشتهروا بها، وذاع صيتهم فيها.

وفي المجلس الثاني وهو مجلس الكُتاب، يقدم ابن شُهيد رؤية جديدة؛ وهي أن للكتّاب شياطين كما للشعراء شياطين. ويعتمد النهج التاريخي هنا؛ حيث يبدأ بالجاحظ شيخ الأدباء، ويحاور عبد الحميد الكاتب وبديع الزمان الهمذاني، ويساجلهم في قضايا تتصل بالسجع والمزاوجة، وتتصل بقضايا الأساليب والبيان. ويخلص إلى انتزاع شهادات بإجازتهم له وتفوقه عليهم.

أما المجلس الثالث فيبين ابن شهيد من خلاله طائفة من القضايا النقدية التي كانت تشغل ذوق العصر ومن أهمها قضية السرقات، فيوضح رؤيته النقدية المتميزة في هذا المقام ويستشهد عليها.

وفي المجلس الأخير ينتقل ابن شهيد وتابعه إلى أرض بها حيوانات من الجن، ويشفُّ هذا المجلس عن حس ابن شهيد الساخر؛ حيث يحكم في قطعتين شعريتين غزليتين لبغل محب وحمار عاشق. وتنتهي الرسالة بحوار ابن شهيد مع الأوزة التي رأى أنها تابعة لبعض شيوخ اللغة، وأرادت أن تناظره في النحو والغريب ، فأعرض عنها وزجرها لسخفها وحماقتها.

وتُعد رسالة التوابع والزوابع مَعْرِضًا، يقدم ابن شهيد من خلاله صورة للأدب والأدباء في عصره؛ كما يظهر براعته بانتقادهم والسخرية منهم؛ فيضع نفسه في المكانة الأدبية التي لم ينلها بين معاصريه.

 فالرسالة بذلك رد عملي ينافح به ابن شهيد عن عبقريته ونبوغه، حين انتقص خصومه وحساده من مكانته.

فهدف الرسالة إرضاء ذاته المتفوقة، ثم إظهار براعته وبلاغته بالنيل من الخصوم والأعداء؛ لذلك كانت السخرية المريرة الشرسة أداة من أقوى أدواته.

ثم تضمنت الرسالة آراءه النقدية في الشعر والنثر، التي بسببها اكتسب عداوة معاصريه. وأهم معيار نقدي لديه أن البيان ليس من عمل المعلمين أي المؤديين، وأنه نفسٌ من الرحمن لاتقوم به دراسة النحو أو غريب اللغة ﴿الرحمن¦علم القرآن¦خلق الإنسان علّمه البيان﴾ الرحمن: 1-4 . وفحوى نظريته النقدية أن البون شاسع بين الموهبة والاكتساب.

ومن أهم سمات أسلوبه القصصي حظه من الخيال. فخياله قوي خلاق تحفُّه طائفة من الصور الدقيقة الوصف مع عناية بتصوير الأخلاق والأشكال في إطار من التحليل النفسي. وقد اهتم بالأوصاف الدقيقة وكأنه، دون أن يشعر، يعوض عن ضعف حاسة السمع لديه فهو يكثر من الصور المتحركة والمسموعة.

كما كان عنصر التشويق أداة من أدوات أسلوبه، بجانب الاستطراد الذي يقتضيه السياق القصصي، فضلاً عن ظاهرتي الحوار الداخلي والمباشر. وتزخر الرسالة بروح الفكاهة والإضحاك بما يضع ابن شهيد في مكانة بارزة في دنيا السخرية والطرافة.

ومن المرجح أن ابن شهيد استوحى موضوع الرسالة متأثرًا بقصة الإسراء والمعراج، كما تأثر بها الإيطالي دانتي، في رسالته الكوميديا الإلهية. وهذا باب طويل في الأدب المقارن. ويماثل التوابع والزوابع في المشرق رسالة الغفران لأبي العلاء المعري. فالكاتبان يلتقيان معًا في الخيال والأوصاف والسخرية والإضحاك، ولكنهما يختلفان في اللغة. فلغة المعري لاتخلو من تعقيد وإغراب وسجع ملتزم، ولغة ابن شهيد سلسة طيعة بعيدة عن التكلف والصنعة، تزاوج تارة، وتسجع أخرى وتسترسل ثالثة، ففيها لكل مقام مقال. ولئن اتفقت الرسالتان في عرضهما للمشكلات الأديبة في قالب قصصي، وتوجيه النقد للمعاصرين، فقد اختلفتا في الإعراب عن مؤلفَيهما؛ حيث شفَّت التوابع عن أديب فنان على حين شفَّت الغفران عن أديب عالم.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

..........................

أسانيد:

يعقوب أبو زكي، ديوان ابن شهيد (دار الكاتب العربي، القاهرة).

ابن سعيد، المغرب في حلى المغرب، تحقيق شوقي ضيف (دار المعارف، القاهرة)

المقري، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، تحقيق إحسان عباس (دار صادر، بيروت 1968)

 

 

علاء اللاميرحل عن عالمنا يوم أمس الباحث العراقي المتميز د. ميثم الجنابي، بعد تدهور صحته في الأيام الأخيرة إثر إصابته بفيروس كورونا. هنا تعريف سريع بالراحل ومنجزه الفكري:

 في تعريفه بكتاب "الإمام علي - القوة والمثال" وبمؤلِفهِ، المنشور على الغلاف الثاني للكتاب، يكتب الراحل هادي العلوي: "من هذه الساحة الواسعة - ساحة الصراع بين الحكم والمعارضة في التراث العربي الإسلامي ع.ل - لميثم الجنابي جولات في تاريخنا السياسي والثقافي تضعه في طليعة المريدين الشجعان الذين أمسكوا دفة التاريخ بأيديهم في وقت مبكر من نموهم الفكري فاستوعبوه بعمق النظر ودقة المنهج وشرف القصد. والضابط لهذا كله عند ميثم استقلالية الباحث الذي لا يكتب داخل التوازنات، ولا يتوخى إرضاء قرائه بقدر ما يسعى إلى استفزازهم وحملهم على التفكير خارج المسلمات الاعتقادية حتى يتوصلوا إلى تقييم عادل لتاريخهم وأبطالهم". 

أعتقد أن العلوي لخص في سطور قليلة كل ما يمكن قوله بصدد ميثم المنظّر والباحث النقدي التقدمي المستقل في ميادين التاريخ والفلسفة وتاريخ الفلسفة وفلسفة التاريخ والفكر والسياسة والتراث، بصوته الأصيل والخاص والذي لا يساوم على مضامينه وأسلوبه الكتابي المتفرد الذي ينأى عن التبسيط المحاذي للتسطيح على حساب الفكرة بهدف إرضاء القارئ - كما لاحظ العلوي في تعريفه آنف الذكر- فهو لا يقيم كبير اعتبار لشهرة ورواج عابرين، تميز بزهد نادر بهما في الوسط الثقافي العراقي، فقد كان يتهرب من الأضواء الإعلامية والوجاهة والمديح و"البضائع" الأخرى التي يلهث خلفها أغلب المثقفين وأشباه المثقفين هروب الجواد الأصيل من الأعنة.

وفي مراسلاتي القليلة مع الراحل - إذ لم أتعرف عليه مباشرة ووجها لوجه، وهي الحالة نفسها مع معلمنا ورفيقنا هادي العلوي - تعرفت على جانب آخر من جوانب شخصية الراحل الجانبي؛ فثمة التواضع الجم والزهد الطبيعي لا المفتعل والنأي عن الأنا وعن الانشغال بالذات، بل ثمة تركيز على عناوين الحديث وجوهره واحترام عميق لعقل الآخر دون مجاملات ومساومات.

ثمة صفة نادرة أخرى تميز بها الراحل وهي الغزارة والنوعية الرفيعة في كل ما أنتج من تراث فكري ضخم ورفيع في ميادين متقاربة كالفلسفة والتاريخ والسياسة والتراث. وأزعم أن من الصعوبة أن يجمع باحث هاتين الميزتين معا، أي الغزارة في الإنتاج البحثي حيث ظل يكتب حتى أيام مرضه الأخيرة ولم يتوقف عن الكتابة إلا حين فقد القدرة الجسدية تماما على الحركة، وقد تلازم ذلك الروح الكفاحي لديه مع قدرة نادرة على تقديم الجديد والمتطور والمفاجئ وعلى استيلاد الأفكار والأسئلة الثقيلة المنتجة ووضعها في نسق منهجي تفرد به، ولا تكاد هذه الميزة تغيب عن جميع مؤلفاته وهي بالعشرات وبعضها كتب تأسيسية ومرجعية في بابها النظري.

وفي كتبه عن العراق، والتي اطلعت عليها فقد كان يحرص على إهدائي نسخا منها وخصوصا في كتابيه المهمين "العراق ورهان المستقبل" و"العراق ومعاصرة المستقبل"، يقدم الراحل فتوحا نظرية وقراءات نقدية غنية ومُغْنية، بلغة أنيقة منتقاة وأسلوب سلس يحاول قدر الإمكان التخفيف من وطأة التعقيد الأكاديمي الموروث من احترافه لتدريس الفلسفة والكتابة فيها، ولكن دون السقوط في التبسيط والتسطيح كما أسلفت. وسواء كنتَ تختلف أو تتفق مع ما يطرحه الراحل من أفكار فأنت تخرج من تجربتك في قراءة كتبه بالمزيد من الوعي بالموضوع المبحوث وبالكثير من المعلومات التي كنت تجهلها أو تعرف عنها القليل أو الغامض.

على أن قراءة نثر الراحل الجنابي والتآلف مع أسلوبه التعبيري يحتاجان إلى نوع من الدربة والتعود وربما كان هذا الأمر واحدا من أسباب عدم اتساع دائرة كتاباته وتنظيراته وبطء انتشارها جماهيريا في ميادينها، رغم أن هذا الواقع لم يؤثر قط على مستوى انتاجه الفكري كما ونوعا.

رحل ميثم الجنابي باكرا، وبرحيله توقف ينبوع ثقافي وفكري أصيل عن رفد المكتبة العربية والعالمية بنصوص ملهمة وأصيلة وجديدة وتأسيسية، ولكننا قد نجد بعض العزاء في ضخامة التراث المكتوب المنشور الذي خلَّفه لنا وكأنه في رهانه على المستقبل يرهن الماضي "المنجز" ومعه الحاضر كله بغية مقاربة واكتناه الحق والحقيقة والسير باتجاههما وباتجاه المستقبل سيرا وئيدا وأكيدا وواثقا بالمستقبل ذاته.

كان الراحل حين يكتب عن العراق، يفيض من نثره الشغف والحب الممتزجان باللوعة الشخصية على ما آل إليه العراق قبل وبعد الغزو الأميركي.. ها هو - مثلا - يبدأ مقدمة كتابه الضخم "العراق ورهان المستقبل" بالكلمات التالية منذ السطر الأول (عندما قيل لأحد المتصوفة "من أي شيء هذه الآه؟، أجاب "من كل شيء!"؛ وهو وصف يمكن تطبيقه على بقايا العراق ولسان حاله الواقعي. فعندما ننظر إليه فإنه يبدو كياناً يتأوه بين تاريخه الواقعي وفرضيات المستقبل/ ص7). وفي السطور الأخيرة من هذا الكتاب يودعك الجنابي بالوصية الحزينة المشوبة بالأمل والإصرار الكفاحي عليه فيكتب (في هذا الانتقال - من سيادة الحدود إلى سيادة القانون - يمكن للروح العراقي التمتع الفعلي بما يمكن دعوته بسيادة الأمل الدائم. وهي سيادة تفترض على الدوام العيش حسب قواعد الفلسفة العقلانية لمواجهة النفس، وتأمل التاريخ الذاتي، وتأسيس البدائل الواقعية للإشكالات التي يواجهها العراق. آنذاك فقط يمكن لتموز والسيادة أن يلتقيا ويتداخلا بوصفهما مصيرا في ضمير العراقيين وعقولهم وأفئدتهم، ورمزا عن وحدة الحرية والسؤدد في العراق/ ص390).

وداعا أيها العقل الحر المتألق والمتوحد مع معقولاته من أجل الإنسان وقضاياه،

وداعا ميثم الجنابي!

ولا قرتْ أعينُ المتثاقفين المتاجرين بالكلمة والمعنى والمشتغلين في مؤسسات دولة الفساد والرداءة.

وتعسا لدولة الجهل والرثاثة واللصوصية التي تفرط بأمثال الجنابي وتتجاهلهم أو تجهلهم وهو الأرجح، ولكنها تزخرف مؤسساتها بحثالات المتزلفين.

أدناه عناوين غالبية مؤلفاته:

2648 ميثم الجنابي

1- التراجيديا السياسية للطوباوية الثورية. دار الأهالي، دمشق، 1990.

2- علم الملل والنحل . ثقافة التقييم والأحكام- دار عيبال، دمشق. 1994.

3- الإمام علي بن أبي طلب- القوة والمثال. دار المدى، دمشق - بيروت . 1995. قدم له الراحل هادي العلوي.

4- التالف اللاهوتي الفلسفي الصوفي (أربعة أجزاء) ، دار المدى، دمشق - بيروت 1998.

5- "الإسلام السياسي" في روسيا، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرياض، 1999.

6- الغزالي. دار ادوين ميلين بريس، نيويورك، 2000 (بالروسية)

7- الإسلام السياسي في جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الرياض، 2001

8- روسيا - نهاية الثورة؟، دار المدى، دمشق، 2001.

9- حكمة الروح الصوفي (جزءان)، دار المدى،دمشق، 2001.

10- اليهودية الصهيونية في روسيا وآفاق الصراع العربي اليهودي، دار العلم، دمشق، 2003

11- الإسلام في أور آسيا، دار المدى، دمشق، 2003

12- العراق ومعاصرة المستقبل، دار المدى، دمشق، 2004

13- اليهودية الصهيونية وحقيقة البروتوكولات، دار الحصاد، دمشق، 2005

14- العراق ورهان المستقبل، دار المدى،دمشق، 2006.

15- الحضارة الإسلامية – روح الاعتدال واليقين (ج1)، دمشق، 2006

16- جنون الإرهاب المقدس، بغداد 2006.

17- المختار الثقفي – فروسية التوبة والثأر، دار ميزوبوتاميا، بغداد 2007.

18- أشجان وأوزان الهوية العراقية، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2007,

19- فلسفة الثقافة البديلة، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2007,

20- العراق والمستقبل – زمن الانحطاط وتاريخ البدائل، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2008.

21- هادي العلوي-المثقف المتمرد، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2009.

22- حوار البدائل، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2010

23- التوتاليتارية العراقية- تشريح الظاهرة الصدامية، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2010

24- فلسفة المستقبل العراقي، دار الكتاب الجامعي، العين- الإمارات العربية المتحدة، 2010.

25- الفلسفة واللاهوت عند الغزالي،دار المرجاني، موسكو، 2010، (بالروسية)

26- فلسفة الهوية الوطنية، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2012

27- الحركة الصدرية ولغز المستقبل، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2012

28- ثورة "الربيع العربي" (فلسفة الزمن والتاريخ في الثورة العربية)، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 2013

29- فلسفة الإصلاحية الإسلامية الحديثة، دار صدره، موسكو، 2014 (بالروسية)

30- الإسلام: حضارة وثقافة وسياسة، دار صدره، موسكو 2015، (بالروسية)

31- المركزية الإسلامية الحديثة – الظاهرة الإسلامية. كيولن، ألمانيا 2016، (بالروسية)

32- فلسفة البدائل الثقافية (البحث عن مرجعية الفكرة العربية)، دار ميزوبوتاميا، بغداد،2018

33- الفكرة الإصلاحية الإسلامية الحديثة، دار ميزوبوتاميا، بغداد،2018

34- العقلانية واللاعقلانية في الفكر العربي الحديث، دار ميزوبوتاميا، بغداد،2018

35- الفكرة الإسلامية المعاصرة وآفاقها، دار ميزوبوتاميا، بغداد،2018

36- فلسفة الفكرة القومية العربية الحديثة، دار ميزوبوتاميا، بغداد،2018

37- التآلف اللاهوتي الفلسفي الصوفي عند الغزالي، مطبعة الجامعة الروسية، موسكو، 2018(بالروسية)

38- تأملات حول الحضارة الإسلامية، دار العارف، بيروت، 2018

39- الزمن والتاريخ (نقد الراديكالية والأوهام "المقدسة".)، دار العارف، بيروت، 2018

40- محمد – رسول الإرادة، دار العارف، بيروت، 2018

41- الأشباح والأرواح (تجارب المثقفين والسلطة)، المركز الاكاديمي للأبحاث(العراق-تورونتو – كندا) بيروت 2019.

42- الاستشراق والاستعراب الروسي (المرحلة التأسيسية)، المركز الاكاديمي للأبحاث(العراق-تورونتو – كندا) بيروت 2019.

 

 

يسري عبد الغني الشيخ الدكتور عبد الحليم محمود (رحمه الله)

"وكان للمتقين إماماً"

بداية قبل أن أعرفك بتعريف المعرف به فضيلة الإمام الأكبر شخ الجامع الأزهر سماحة الأستاذ الدكتور عبد الحليم محمود (رحمه الله)، فإنه لمن دواعي الشرف للعبد لله أن كان تلميذًا متواضعًا لشيخنا الجليل، فقد درس لي في معهد الدراسات الإسلامية بالقاهرة في النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي، كما التقيت به في دار العلوم جامعة القاهرة حيث تعلمت بها في مرحلة التعليم الجامعي ثم في دراستي العليا، كما شرفني أن أكون متابعًا له في كل الفاعليات التي كانت تنار بعلمه وفكره ونقائه وصفاء روحه، أضف إلى ذلك أنني شرفت بأن أقوم بإجراء أكثر من حديث صحفي معه عندما عملت بالصحافة وكان آخرها قبل أن يقابل وجه الباري بأشهر معدودات، كما كتبت عنه عشرات المقالات في حياته وبعد وفاته، فقد تعلمت منه الكثير مما يحتاج صفحات وصفحات، ولكن أعتذر لك أيها القارئ المفضال عن هذا الاستطراد، وفسيرة أهل الطريق العطرة محال أن تعبر عبور الكرام فقط

الأستاذ الدكتور /عبد الحليم محمود، اسم عظيم لرجل عظيم.. رجل شرف به الإسلام كواحد من أبنائه وعلم من أعلامه.. هكذا نعى أستاذي/ المفكر الكبير خالد محمد خالد (رحمه الله) الشيخ الإمام عبد الحليم محمود في صباح يوم وفاته، وأحسن وصفه، وأوجزه، فبعد عودته من الحج في 16 من ذي القعدة 1498هـ الموافق 17 أكتوبر 1978م توفى الشيخ الإمام بعد إجرائه عملية جراحية بالقاهرة عن عمر يناهز 68 عاماً، كان له فيها مشوار علمي ودعوى عظيم، كما كان له دور كبير في حفظ الأزهر لهيبته وتطويره واستمرار مسيرته.

ولد الشيخ الإمام / عبد الحليم محمود شيخ الأزهر الشريف الأسبق، الذي ينتهي نسبه إلى سيدنا الحسين ، في قرية أبو أحمد، بمدينة بلبيس، في محافظة الشرقية، بجمهورية مصر العربية،في 2 من جمادى الأولى سنة 1328هـ الموافق 12 مايو 1910م، تلك القرية التي أنشأها جده، ونسبت إليه حتى تغير اسمها الآن لقرية السلام، وفيها المسجد الذي أنشأه قبل وفاته، وأوصى بأن يدفن فيه، والآن يستقر به ضريحه الذي صمم ليكون منفصلاً عن المسجد، وهناك تحتفل القرية بذكرى وفاته سنوياً.

 التحق الشيخ عبد الحليم محمود بالأزهر الشريف سنة 1923م، وحصل على شهادة الثانوية الأزهرية عام 1928م، واستكمل دراسته العليا ليحصل على العالمية سنة 1937م، ثم حصل على الليسانس في تاريخ الأديان والفلسفة من جامعة السوربون. حتى نال الدكتوراه عن موضوعه «أستاذ الثائرين الحارث بن أسد المحاسبي» في 8 يونيو 1940م، بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف الأولى، وطبعتها الجامعة باللغة الفرنسية.

بعد عودته إلى مصر تم تعيينه عضواً بمجمع البحوث الإسلامية، ثم تولى أمانته العامة بعد ذلك. وفى 1970م، صدر قرار جمهوري بتعيينه وكيلاً للأزهر، وفى 27 مارس 1973 م، صدر قرار تعيينه شيخاً للأزهر الشريف.

كانت حياته مليئة بالمحطات الجديرة بالوقوف والتأمل، حيث انتقد الأزهر وطالب بتطويره وإصلاحه، وأدى ذلك إلى إحالته للتأديب وتصدى لمحاولات تحريف بعض آيات القرآن الكريم من بعض المغرضين.

 كانت رؤاه عن نصر العاشر من رمضان /السادس من أكتوبر 1973 م، بشرى عظيمة به، حيث رأى في منامه الرسول وهو يعبر قناة السويس، ومعه عدد من العلماء المسلمين وخلفه القوات المسلحة، وأخبر الرئيس الراحل أنور السادات بهذه البشارة .

نشأ في أسرة كريمة مشهورة بالصلاح والتقوى، وكان أبوه ممن تعلم بالأزهر لكنه لم يكمل دراسته فيه. حفظ القرآن الكريم ثم التحق بالأزهر سنة 1923م. حصل على العالمية سنة 1351 هـ / 1932م ثم سافر إلى فرنسا على نفقته الخاصة لاستكمال تعليمه العالي حيث حصل على الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية عن الحارث المحاسبي سنة 1359 هـ / 1940م. بعد عودته عمل مدرسا لعلم النفس بكلية اللغة العربية بكليات الأزهر، ثم عميدا لكلية أصول الدين سنة 1384 هـ / 1964م، وعضوا، ثم أمينا عاما لمجمع البحوث الإسلامية فنهض به وأعاد تنظيمه، عين وكيلا للأزهر سنة 1390 هـ / 1970م، فوزيرا للأوقاف وشئونا لأزهر.

تولى الشيخ / عبد الحليم محمود مشيخة الأزهر الشريف، في ظروف بالغة الحرج، وذلك بعد مرور أكثر من 10 سنوات على صدور قانون الأزهر سنة 1381 هـ / 1961م الذي توسع في التعليم المدني ومعاهده العليا، وألغى جماعة كبار العلماء، وقلص سلطات شيخ الأزهر، وغلّ يده في إدارة شئونه، وأعطاها لوزير الأوقاف وشئون الأزهر، وهو الأمر الذي عجّل بصدام عنيف بين فضيلة الشيخ والعالم الجليل / محمود شلتوت شيخ الأزهر الشريف، الذي صدر القانون في عهده، وبين تلميذه أستاذنا الأستاذ الدكتور / محمد البهي الذي كان يتولى منصب وزارة الأوقاف، وفشلت محاولات الشيخ الجليل في استرداد سلطاته، وإصلاح الأوضاع المقلوبة.

لم يكن أكثر الناس تفاؤلا يتوقع للشيخ / عبد الحليم محمود أن يحقق هذا النجاح الذي حققه في إدارة الأزهر، فيسترد للمشيخة مكانتها ومهابتها، ويتوسع في إنشاء المعاهد الأزهرية على نحو غير مسبوق، ويجعل للأزهر رأيا وبيانا في كل موقف وقضية، حيث أعانه على ذلك صفاء نفس ونفاذ روح، واستشعار المسئولية الملقاة على عاتقه، وثقة في الله عالية، جعلته يتخطى العقبات ويذلل الصعاب.

ولأستاذنا الجليل (رحمه الله) أكثر من 60 مؤلفا في التصوف والفلسفة، بعضها بالفرنسية، من أشهر كتبه: "أوروبا والإسلام"، و"التوحيد الخالص "أو "الإسلام والعقل"، و"أسرار العبادات في الإسلام"، و"التفكير الفلسفي في الإسلام"، و"القرآن والنبي"، و"المدرسة الشاذلية الحديثة وإمامها أبو الحسن الشاذلي".

بدت بوادر الإصلاح واضحة في سلوك الشيخ / عبد الحليم محمود بعد توليه أمانة مجمع البحوث الإسلامية، الذي حل محل جماعة كبار العلماء، فبدأ بتكوين الجهاز الفني والإداري للمجمع من خيار رجال الأزهر، وتجهيزه بمكتبة علمية ضخمة استغل في تكوينها صداقاته وصلاته بكبار المؤلفين والباحثين وأصحاب المروءات.

عمل الشيخ على توفير الكفاءات والكوادر العلمية التي تتلاءم ورسالة المجمع العالمية، وفي عهده تم عقد مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية، وتوالى انعقاده بانتظام، كما أقنع المسئولين بتخصيص قطعة أرض فسيحة بمدينة نصر لتضم المجمع وأجهزته العلمية والإدارية، ثم عني بمكتبة الأزهر الكبرى، ونجح في تخصيص قطعة أرض مجاورة للأزهر لتقام عليها.

أثناء توليه لوزارة الأوقاف عني بالمساجد عناية كبيرة، فأنشأ عددا منها، وضم عددا كبيرا من المساجد الأهلية، وجدد المساجد التاريخية الكبرى مثل: جامع عمرو بن العاص ثاني أقدم المساجد في إفريقيا بعد مسجد سادات قريش بمدينة بلبيس محافظة الشرقية (كما يقول بعض المؤرخين)، وأوكل الخطبة فيه إلى الشيخ / محمد الغزالي (رحمه الله) فدبت فيه الروح، وعادت إليه الحياة بعد أن اغتالته يد الإهمال، وتدفقت إليه الجماهير من كل صوب وحدب، وأنشأ بمساجد الوزارة فصولا للتقوية ينتفع بها طلاب الشهادتين الإعدادية والثانوية جذبت آلافا من الطلاب إلى المساجد وربطتهم بشعائر دينهم الحنيف.

رأى أن للوزارة أوقافا ضخمة تدر ملايين الجنيهات أخذها الإصلاح الزراعي لإدارتها لحساب الوزارة، فلم تعد تدر إلا القليل، فاستردها من "وزارة الإصلاح الزراعي"، وأنشأ هيئة كبرى لإدارة هذه الأوقاف لتدر خيراتها من جديد، وعلم أن هناك أوقافا اعتدت عليها يد الغصب أو النسيان، فعمل على استرداد المغتصب، وإصلاح الخرب.

صدر قرار تعيين الشيخ/ عبد الحليم محمود شيخا للأزهر، في 22 صفر 1393هـ / 27 مارس 1973م، وكان هذا هو المكان الطبيعي الذي أعدته المقادير له، وما كاد الشيخ يمارس أعباء منصبه وينهض بدوره على خير وجه، حتى بوغت بصدور قرار جديد من رئيس الجمهورية في 17 جمادى الآخرة 1394هـ = 7 يوليو 1974م، يكاد يجرد شيخ الأزهر مما تبقى له من اختصاصات ويمنحها لوزير الأوقاف والأزهر، وما كان من الشيخ إلا أن قدم استقالته لرئيس الجمهورية على الفور، معتبرا أن هذا القرار يغض من قدر المنصب الجليل ويعوقه عن أداء رسالته الروحية في مصر والعالم العربي والإسلامي.

روجع الإمام في أمر استقالته، وتدخل الحكماء لإثنائه عن قراره، لكن الشيخ أصر على استقالته، وامتنع عن الذهاب إلى مكتبه، ورفض تقاضي راتبه، وطلب تسوية معاشه، وأحدثت هذه الاستقالة دويا هائلا في مصر وسائر أنحاء العالم الإسلامي، وتقدم أحد المحامين الغيورين برفع دعوى حسبة أمام محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة ضد رئيس الجمهورية ووزير الأوقاف، طالبا وقف تنفيذ قرار رئيس الجمهورية.

إزاء هذا الموقف الملتهب اضطر أنور السادات إلى معاودة النظر في قراره ودراسة المشكلة من جديد، وأصدر قرارا أعاد فيه الأمر إلى نصابه، جاء فيه: شيخ الأزهر هو الإمام الأكبر وصاحب الرأي في كل ما يتصل بالشئون الدينية والمشتغلين بالقرآن وعلوم الإسلام، وله الرياسة والتوجيه في كل ما يتصل بالدراسات الإسلامية والعربية في الأزهر.

تضمن القرار أن يعامل شيخ الأزهر معاملة الوزير من حيث المرتب والمعاش، ويكون ترتيبه في الأسبقية قبل الوزراء مباشرة، وانتهت الأزمة وعاد الشيخ إلى منصبه ليواصل جهاده. وجدير بالذكر أن قرارا جمهوريا صدر بعد وفاة الشيخ بمساواة منصب شيخ الأزهر بمنصب رئيس الوزراء.

كان أستاذنا المغفور له الشيخ / عبد الحليم يدرك خطورة منصبه، وأنه مسئول عن القضايا التي تتعلق بالمسلمين، وأنه لا ينتظر من أحد توجيها إلى النظر في بعض القضايا وغض النظر عن بعضها، فكان للأزهر في عهده رأي ومقال في كل قضية وموضوع يتعلق بأمر المسلمين، فتصدى لقانون الأحوال الشخصية الذي حاولت الدكتورة/ عائشة راتب إصداره دون الرجوع إلى الأزهر، وحرصت على إقراره من مجلس الشعب على وجه السرعة، وكان هذا القانون قد تضمن قيودا على حقوق الزوج على خلاف ما قررته الشريعة الإسلامية.

لما علم الإمام الأكبر بهذا القانون أصدر بيانا قويا حذر فيه من الخروج على تعاليم الإسلام، وأرسله إلى جميع المسئولين وأعضاء مجلس الشعب وإلى الصحف، ولم ينتظر صدور القانون بل وقف في وجهه قبل أن يرى النور، لكن بيان الشيخ تآمرت عليه قوى الظلام فصدرت التعليمات إلى الصحف بالامتناع عن نشره، واجتمعت الحكومة للنظر في بيان الشيخ / عبد الحليم محمود، ولم تجد مفرا من الإعلان عن أنه ليس هناك تفكير على الإطلاق في تعديل قانون الأحوال الشخصية، وبذلك نجح الإمام في قتل القانون في مهده.

اقترح البابا شنودة بطريرك الأقباط في مصر (قدس الله روحه) تأليف كتب دينية مشتركة (في الأخلاق) ليدرسها الطلبة المسلمون والمسيحيون جميعا في المدارس، مبررا ذلك بتعميق الوحدة الوطنية بين عنصري الأمة، وتقوية الروابط بينهما. لقي هذا الاقتراح قبولا بين كبار المسئولين، وزار الدكتور /مصطفى حلمي وزير التربية والتعليم آنذاك، الإمام الأكبر ليستطلع رأيه في هذا الاقتراح، لكن الشيخ الغيور واجه الوزير بغضبة شديدة قائلا له: من آذنك بهذا، ومن الذي طلبه منك، إن مثل هذه الفكرة إذا طلبت فإنما توجه إلينا من كبار المسئولين مباشرة، ويوم يطلب منا مثل هذه الكتب فلن يكون ردي عليها سوى الاستقالة.

ما كان من الوزير إلا أن استرضى الشيخ الغاضب وقدم اعتذارا له قائلا له: إنني ما جئت إلا لأستطلع رأي فضيلتكم، وأعرف حكم الدين، ويوم أن تقدم استقالتك لهذا السبب فسأقدم استقالتي بعدك مباشرة.

من مواقف الشيخ الشجاعة ما أبداه تجاه المحكمة العسكرية التي تصدت للحكم في قضية جماعة التكفير والهجرة المصرية، وكانت المحكمة قد استعانت بعدد من علماء الأزهر الشريف لإبداء الرأي في فكر هذه الجماعة، غير أن المحكمة لم تسترح لرأيهم، وكررت ذلك أكثر من مرة، وكانت في عجلة من أمرها؛ الأمر الذي جعلها تصدر أحكاما دون استئناس برأي الأزهر.

لم تكتف هذه المحكمة بذلك بل تضمن حكمها هجوما على الأزهر وعلمائه، وقالت: إنه كان على المسئولين عن الدعوة الدينية أن يتعهدوا الأفكار بالبحث والتدبر بدلا من إهمالها وعدم الاعتناء بمجرد بحثها. ولمزت المحكمة علماء الأزهر بقولها: "وا أسفاه على إسلام ينزوي فيه رجال الدين في كل ركن هاربين متهربين من أداء رسالتهم أو الإفصاح عن رأيهم أو إبداء حكم الدين فيما يعرض عليهم من أمور، فلا هم أدوا رسالتهم وأعلنوا كلمة الحق، ولا هم تركوا أماكنهم لمن يقدر على أداء الرسالة".

كانت كلمات المحكمة قاسية وغير مسئولة وتفتقد إلى الموضوعية والأمانة، وهو ما أغضب الإمام الأكبر لهذا الهجوم العنيف، فأصدر بيانا امتنعت معظم الصحف اليومية عن نشره، ولم تنشره سوى صحيفة الأحرار المعارضة. في هذا البيان اتهم أستاذنا المرحوم الدكتور /عبد الحليم محمود المحكمة بالتعجل وعدم التثبت، وأنها لم تكن مؤهلة للحكم على هذا الفكر، وأنها تجهل الموضوع الذي تصدرت لمعالجته، وكان يجب عليها أن تضم قضاة شرعيين يقفون موقفها ويشاركونها المسئولية ويتمكنون من الاطلاع على جميع ظروف القضية ونواحيها فيتمكنون من إصدار الحكم الصحيح.

اتهم الإمام المحكمة بأنها لم تمكن علماء الأزهر من الاطلاع على آراء هذا التنظيم أو الاستماع إلى شرح من أصحابه، والاطلاع على كافة الظروف التي أدت بهم إلى هذا الفكر، واكتفت بأن عرضت عليهم المحضر الذي سجلته النيابة من أقوال ومناقشات، وهذا لا يرقى أن يكون مصدرا كافيا يقوم عليه بحث العلماء، أو أساسا متكاملا تصدر عليه أحكام.

تولى الشيخ عبد الحليم محمود مشيخة الأزهر في وقت اشتدت فيه الحاجة لإقامة قاعدة عريضة من المعاهد الدينية التي تقلص عددها، وعجزت عن إمداد جامعة الأزهر بكلياتها المختلفة بأعداد كافية من الطلاب، وهو الأمر الذي جعل جامعة الأزهر تستقبل أعدادا كبيرة من حملة الثانوية العامة بالمدارس، وهم لا يتزودون بثقافة دينية وعربية تؤهلهم أن يكونوا حماة الإسلام.

أدرك الشيخ خطورة هذا الموقف فجاب القرى والمدن يدعو الناس للتبرع لإنشاء المعاهد الدينية، فلبى الناس دعوته وأقبلوا عليه متبرعين، ولم تكن ميزانية الأزهر تسمح بتحقيق آمال الشيخ في التوسع في التعليم الأزهري، فكفاه الناس مئونة ذلك، وكان لصِلاته العميقة بالحكام وذوي النفوذ والتأثير وثقة الناس فيه أثر في تحقيق ما يصبو إليه، فزادت المعاهد في عهده على نحو لم يعرفه الأزهر من قبل.

من أهم دعوات الشيخ (رحمه الله) دعوته إلى تطبيق الشريعة الإسلامية من ميادين الجهاد التي خاضها في صبر وجلد داعيا وخطيبا ومحاضرا ومخاطبا المسئولين في البلاد، فكتب إلى كل من سيد مرعي رئيس مجلس الشعب،وممدوح سالم رئيس مجلس الوزراء في تلك الآونة، يطالبهما بالإسراع في تطبيق الشريعة الإسلامية، ويقول لهما: "لقد آن الأوان لإرواء الأشواق الظامئة في القلوب إلى وضع شريعة الله بيننا في موضعها الصحيح ليبدلنا الله بعسرنا يسرا وبخوفنا أمنا...".

لم يكتف الإمام الأكبر بإلقاء الخطب والمحاضرات وإذاعة الأحاديث، بل سلك سبيل الجهاد العلمي، فكون لجنة بمجمع البحوث الإسلامية لتقنين الشريعة الإسلامية في صيغة مواد قانونية تسهل استخراج الأحكام الفقهية على غرار القوانين الوضعية، فأتمت اللجنة تقنين القانون المدني كله في كل مذهب من المذاهب المعتمدة .

كان الشيخ عبد الحليم محمود يستشعر أنه إمام المسلمين في كل أنحاء العالم، وأنه مسئول عن قضاياهم، وكان هؤلاء ينظرون إليه نظرة تقدير وإعجاب، فهم يعتبرونه رمز الإسلام وزعيم المسلمين الروحي، ولهذا كان يخفق قلب الإمام لكل مشكلة تحدث في العالم الإسلامي، ويتجاوب مع كل أزمة تلمّ ببلد إسلامي.

فقد أصدر بيانا بشأن الأحداث الدامية والحرب الأهلية في لبنان الشقيق، دعا الأطراف المتنازعة من المسلمين والمسيحيين إلى التوقف عن إراقة الدماء وتخريب معالم الحياة، وأهاب بزعماء العرب والمسلمين إلى المسارعة في معاونة لبنان على الخروج من أزمته، وفاء بحق الإسلام وحق الأخوة الوطنية والإنسانية، وقياما ببعض تبعات الزعامة والقيادة التي هي أمانة الله في أعناقهم.

لم يكتف الشيخ بذلك بل أرسل برقية إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية يناشده العمل بحسم وعزم على وقف النزيف الدموي الذي أسالته المؤامرات المعادية على أرض لبنان.

قامت أزمة عنيفة بين المغرب والجزائر بشأن مشكلة الصحراء الغربية التي كانت أسبانيا تحتلها، وأدى الخلاف بينهما إلى مناوشات حربية كادت تتحول إلى حرب عنيفة. لما علم الإمام بأخبار هذه التحركات سارع إلى إرسال برقية إلى كل من ملك المغرب ورئيس الجزائر، دعاهما إلى التغلب على نوازع الخلاف وعوامل الشقاق والفرقة، وأن يبادرا بتسوية مشكلاتهما وموضوعات الخلاف بينهما بالتفاهم الأخوي والأسلوب الحكيم، وناشدهما باسم الإسلام أن يلقيا السلاح وأن يحتكما إلى كتاب الله.

أرسل في الوقت نفسه برقية إلى الرئيس السادات يرجوه التدخل للصلح بين القطرين الشقيقين، جاء فيها: "تتعلق بزعامتكم قلوب المسلمين من العرب والمسلمين الذين ينتظرون مساعيكم الحميدة في إصلاح ذات البين بمناسبة الصدام المسلح المؤسف بين البلدين الشقيقين الجزائر والمغرب".

رد السادات على برقية شيخ الأزهر ببرقية يخبره فيه بمساعيه للصلح بين الطرفين جاء فيها: "تلقيت بالتقدير برقيتكم بشأن المساعي لحل الأزمة بين الجزائر والمغرب، وأود أن أؤكد لكم أن مصر تقوم بواجبها القومي من أجل مصالح العرب والمسلمين، وما زال السيد محمد حسني مبارك نائب الرئيس(في تلك الآونة) يقوم بمهمته المكلف بها، أرجو الله عز وجل أن يكلل جهوده بالنجاح والتوفيق...".

في الوقت نفسه أرسل برقية إلى الملك / خالد بن عبد العزيز عاهل المملكة السعودية آنذاك يدعوه للتدخل إلى حقن الدماء بين الشقيقين وفض النزاع بينهما، وقد أحدثت هذه البرقيات أصداء قوية، وكانت عاملا في هدوء الحالة بين الدولتين الشقيقتين.

كانت حياة الشيخ عبد الحليم محمود جهادا متصلا وإحساسا بالمسئولية التي يحملها على عاتقه، فلم يركن إلى اللقب الكبير الذي يحمله، أو إلى جلال المنصب الذي يتقلده، فتحرك في كل مكان يرجو فيه خدمة الإسلام والمسلمين، وأحس الناس فيه بقوة الإيمان وصدق النفس، فكان يقابل مقابلة الملوك والرؤساء، بل أكثر من ذلك؛ حيث كانت الجموع المحتشدة التي هرعت لاستقباله في الهند وباكستان وماليزيا وإيران والمغرب وغيرها تخرج عن حب وطواعية لا عن سوق وحشد وإرهاب.

في ظل هذا النشاط الجم والرحلات المتتابعة لتفقد المسلمين شعر بآلام شديدة بعد عودته من الأراضي المقدسة فأجرى عملية جراحية لقي الله بعدها في صبيحة يوم الثلاثاء الموافق15 ذو القعدة 1397 هـ / 17 = أكتوبر1978م تاركا ذكرى طيبة ونموذجا لما يجب أن يكون عليه شيخ الأزهر.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

صادق السامرائيأبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري (212 - 282) هجرية.

نحوي، لغوي، مهندس وفلكي، أخذ علمه من العلماء البصريين والكوفيين، شيخ علماء النبات، وأول المؤلفين في علم النبات.

مؤلفاته: "كتاب في تفسير القرآن 13 مجلد، الفصاحة، الشعر والسعراء، إصلاح المنطق، الأخبار الطوال في التأريخ، البلدان، الجبر والمقابلة، النبات، الأنواء، الجمع والتفريق، جواهر العلم، الزيج، ضمائر القرآن، البحث وحساب الدور، البيان، القبلة والزوال، الوصايا، ما يلحن في العامة، نوادر الجبر، الكسوف، الرد على لغزة الأصفهاني"

ومن أشهر مؤلفاته في التأريخ "الأخبار الطوال" الذي ترجم لعدة لغات وحرر عدة مرات. وكتابه النبات المؤلف من ستة مجلدات، ورتب فيه النبات أبجديا، وتحدث عن مراحل نموه وإنتاج الأزهار والأثمار.

وأشار إلى التهجين في النباتات والتطعيم، وإستولد ثمارا ذات صفات جديدة بواسطة التطعيم، وأزهارا جديدة بالمزاوجة بين الورد البري وشجر اللوز، وربما يكون قد سبق العالم (مندل)، حسب رأي البعض.

وصار الكتاب عمدة اللغويين الذين جاؤوا بعده، فنقلوا منه، وعمدة الأطباء والعشابين، فلا يتخرج أو يشتهر عشاب إلا بعد ان يستوعب هذا الكتاب ويؤدي الإمتحان فيه.

قالوا فيه:

شمس الدين الذهبي: "صندوق كبير الدائرة، طويل الباع، ألف في النحو واللغة والهندسة والهيئة والوقت وأشياء"

راغب السرجاني: " يعد أول من ألف كتابا علميا متخصصا عن النبات، وكان هذا الكتاب بإسم النبات والشجر، وفيه جمع ما يربو عل 1120 نباتا من نباتات الجزيرة العربية، وكان يصف النبات وصفا دقيقا"

أبو حيان التوحيدي: " إنه من نوادر الرجال، جمع بين حكمة الفلاسفة وبيان العرب، وله في كل فن ساق وقدم ورواء وحكم"

فهو عالم موسوعي وضع أسس علم النبات وسبق العديد من العلماء في فهم طبائع ونمو النباتات، وأهميتها الغذائية، ولديه بعض الإشارات عن أهميتها العلاجية أيضا.

هذا العالم الألمعي سطع نور معارفه في زمن كانت القارة الأوربية تعيش في حقبة القرون الوسطى، التي تطغى عليها الخرافات والأضاليل والأساطير.

تحية لعالمنا الجليل وللأمة التي أوجدت أمثاله.

 

د. صادق السامرائي

 

سوف عبيدلست أدري أين قرأت قول أحد خلفاء بني أميّ ولعله معاوية اِبن أبي سفيان ـ ما شيّبني إلا اِنتظار المواعيد ـ فغفر الله لكل الذين بقيت أنتظرهم في مناسبات عديدة وعندما يصلون متأخرين يجدون كلّ الأعذار فأبقى متحسّرا على هدر وقتي فمن النادر جدّا الالتزام بالمواعيد لدينا معشر التونسيين إلا بعض اِستثناءات نادرة تشفي غليلي وآخرها ما كان مع الصّديق الأديب مصطفى يحي الذي وصل إلى الموعد قبل ساعة أو أكثر وذلك بمناسبة الاِحتفاء به في نادي الأدب بجمعية اِبن عرفة الذي تديره الأديبة سُونيا عبد اللطيف وأظنه تفاجأ عندما وجدني في اِنتظاره لعله اِعتاد مثلي الاِنتظار في المواعيد...

باسمًا طَلقَ المُحيّا يصعد المدارج نشيطًا أنيقَا في كسوته الرّمادية فتراه ممشوقًا كرُمح كأنه في العشرين وهو في عقد التاسع فما شاء الله تبارك الله ومتّعه بالصّحة والعافية صديقي القادم في تلك القيلولة من مدينة قابس على مسافة أربع مائة كيلومتر من العاصمة تونس

الأديب مصطفى يحي بدأ الكتابة الأدبية بعد أن تجاوز الستين عاما وهذه مسألة مهمّة للغاية لأنه يؤكد أن الولوج إلى عالم الأدب لا يمكن أن نحدّه بسنّ معيّنة فهو متاح لكل من يروم معانقة الحرف والكلمة أما المسألة الثانية التي نعتبرها من صديقنا أبي جمال فإنها تؤكد أيضا أنّ الشهادة العلمية ليست ضرورية ولا كافية أيضا ولا شافعة كذلك لكسب صفة الأديب ذلك أن مصطفى يحي لم ينل حظه من التحصيل المدرسي إلا سنوات قليلة من التعليم الاِبتدائي وسبقه الجلوس إلى المؤدّب في الكتّاب ولكنه ثابر على التحصيل والمطالعة بعدهما فقد تمكّن من قواعد اللغة العربية والفرنسية عن كثب وحذق أسرارهما فكتب الشّعر والقصة بفصاحة الجاحظ وفُولتير معا لذلك فقد حلّق في سماء الأدب بجناحين معًا وقد زادته تجربته الطويلة والمتنوعة في الحياة من الاِستفادة من معاناته في الحياة فهو من مواليد سنة 1935 بقابس التي تجمع بين الواحة والبحر والصحراء وقد عمل سنوات في سلك الأمن الوطني إبّان السنوات الأولى من الاِستقلال وكان من المتطوعين في حرب بنزرت سنة 1961 ثم هاجر إلى فرنسا وعاش هناك سنوات طويلة متقلّبا في أطوار مختلفة فكل هذه المراحل أفادته في مواضيع كتبه باِعتبارها منهلا لا ينضب وقد أوجزت الأديبة سُونيا عبد اللطيف مسيرته في هذه الفقرة قائلة عند تقديمه:

أوّل كتاب له هو "ذكريات من المستقبل" سنة 2001 وهو مجموعة شعري)

مزدوجة بين العربية والفرنسي، عبّر فيها عن اِنبهاره بمدينة الأنوار باريس.. وحنينه للوطن

المجموعة الشعرية الثانية "شظايا" 2007 بالعربية رثا في قصائده مآسي الأمة العربية...

في سنة 2008 فاجأ ابو جمال الساحة الثقافية بإصداره للجزء الأول من سيرته الروائية بالفرنسية passent les jours.. وتحدث فيه عن حرب بنزرت والمجزرة التي حصلت.. ولم يكشفها التاريخ..

و ـ الأمل لا يموت ـ هو عنوان مجموعته الشعرية الثالثة سنة 2009 وهي قصائد مزدوجة بين اللغتين..

في سنة 2013 أصدر روايته  "لظى بنزرت" التي هي ترجمة للجزء الأوّل من من سيرته الذاتية  passent les jourS   فيها فضح المستور وعرّى المطمور..

في سنة 2015 أصدر مجموعته القصصية الأولى "أخشى النسيان" وهي مزيج بين الواقع والخيال، ومن خلالها نلاحظ فيها اِسترجاعا للذكريات واِستحضارها وكأنه يعيش على حنينها... وكأنه يتعجّل تدوينها خشية التلف والضياع...

ونشطت الذاكرة بعد الاضطراب فأتت المجموعة القصصية الثانية ـ قطوف الخريف ـ سنة 2018 وهي مزيج بين الماضي والحاضر.. وكان الأهداء فيها لروح زوجته التي فارقته..

وخريف أبو جمال ليس ذلك العراء  وذلك الذبول بل هو بداية موسم جديد.. بداية دورة الحياة...

وكانت المجموعة القصصية الثالثة  "حين يزهر الخريف " وهو الكتاب التاسع في حصيلته..

 (خريف أبو جمال خصب ومازالت أشجاره تزهر ...

2646 مصطفى يحيى

والأديب مصطفى يجي أبو جمال متيّم بمدينته قابس الفيحاء وعاشق لواحتها التي قضّى فيها طفولته وتمتع بجمالها وصفائها قبل أن تصاب الواحة والمدينة بالتلوّث وقد كتب قصيدة بديعة يتغنى فيها بالواحة والنخلة مستحضرا فيها سنواته العذبة في أرجائها ومتحسّرا على ماضيها بما كان فيه من هدوء ومرح وهناء ثم في آخر القصيدة يُبدي غضبه ونقمته على ما آلت إليه تلك الربوع حيث نالت منها أيدي العبث بالطبيعة نتيجة لطغيان المادة والجشع... وله قصائد أخرى من بينها قصيدة ـ شموخ ـ وقد رسم فيها مبادئه في الحياة لكأنها دستوره الخاص أو كأنها خلاصة حياته حيث يقول:

لا وجه منيّتي أخشاه

لا طول حياتي يغويني

في عقدي التاسع هذا

لا شيء عاد يغريني

ما المال كان مرادي

فنزر النزر يكفيني

شربت الحب أكوابا

من ذابلات الجفون

بعزم ذدت عن وطني

ما مال للغازي جبيني

وللتمجيد ما سعت قدمي

ولا فخم القصور يعنيني

فصديقة في الود صادقة

عن كل الغواني تغنيني

وخلّ إذا العواصف هبّت

هبّ في الحين يحميني

ومن قصائد أبي جمال بالفرنسية هذه القصيدة التي يمجّد فيها الرّفق بالحيوانات وهي لعَمري أرقى درجات الإنسانية التي تتجاوز الإنسان إلى الحيوان والطبيعة جمعاء حيث يقول:

MES AMIS LES ANIMAUX

Jamais je ne monte un cheval

Ni le faire courir à en crever

Jamais je ne chasse un animal

Ni priver un oiseau de liberté

Je ne tue point vipère ni crotale

Si je ne suis en grand danger

Le lion, le loup ou le chacal

Ne chassent que par nécessité

Le superbe tigre du Bengale

Ne traque le cerf que pour manger

La viande je mange car c’est vital

Mais n’use jamais de cruauté

Le toréro ce sanguinaire médiéval

Torture la bête pour des « Olé »

ومن مآثر أقوال صديقنا الأديب مصطفى يحي وهو في عقده التاسع ما يلي:

الصّبا له أريجه وكذلك المراهقة والشباب والكهولة أما الشيخوخة فهي داء لا دواء له

شخصيا أمقتها ولكني أجاريها ولا أجد لها أيّ طعم بل طعمها ترياق وحنظل نرى الشهد ولا نستطيع أكله ونرى الورد ولا نستطيع قطفة ويرانا الجمال فيفرّ هاربا من أمامنا.

هذه تحية لأديب تونسي أعتبره مثالا في العطاء وتقديرا له على مسيرته الجديرة بالدراسة متمنيا له المزيد من الإبداع في كنف الصحة والعافية وطول العمر...

 لا تحسب عُمرك بالسّنوات وإنما بالذكريات ولا تحسب ثروتك بالمال بل بالأصدقاء كما يقول المثل السويدي

 

سُوف عبيد

 

محمود محمد عليلا شك في أنه يصعب تعريف الفلسفة السياسية – كما يصعب تحديد وتأطير ذاتها، لأنه يمكن أن يضم كل ما يتعلق بالحياة السياسية لمجتمع ما من المجتمعات، له تنظيم معين، وسلطة معينة . وهذا يعني أن مثل هذه الفلسفة تتناول علاقة الفرد بغيره من الفراد ضمن نطاق الأطر السياسية المحددة، وعلاقة هؤلاء بالسلطة الحامية حكماً لهذه الأطر، وكذلك تتناول هذه الفلسفة نوع السلطة المشار إليها ؛ وبعبارة أخري فإن الفلسفة السياسية، إنما هي محاولة فكرية لمعرفة طبيعة الدولة، أي لمعرفة أسسها السياسية . إنها ليست علماً موضوعياً لبحث الظواهر السياسية في الدولة، بل هي محاولة لفهم حياة شعب من الشعوب، وبالتالي فكل فلسفة سياسية فلسفة سياسية لابد أن تتضمن نوعاً من البحث الأنثربولوجي .

ولو أخذنا هذا التعريف ودرسناه علي ضوئه الفكر السياسي عند الفارابي  (260هـ-874م/339هـ-950م) لما وجدناه يخرج عنه . فالمعلم الثاني، قد حاول أن يحدد طبيعة الدولة المثالية، والشروط التي يجب توفرها في رئيسها، وأول ما يافت النظر في التفكير السياسي لدي الفارابي هو ربطه بين هذين القطبين اللذين لا يلتقيان علي صعيد الممارسة السياسية إلا نادراً ألا وهما: الأخلاق والسياسة، وهذا هو الإطار الذي نلمسه في كتاب " آراء أهل المدينة الفاضلة" و"نحصيل السعادة" و"السياسة المدنية" و" رسالة في التنبيه علي سبيل السعادة "، بل في " إحصاء العلوم" أيضا .

وقد عاش الفارابي في زمن انعطفت فيه الدولة العباسية نحو الضعف وتفسخت فيه الخلافة، فقد عاش الفارابي في بداية القرن الرابع الهجري، حيث أخذت الدولة العباسية في الانحلال، وزالت هيبتها في نفوس شعوبها بسبب تسلط العنصر التركي على ملوكها ؛ فكان من المحتم أن تصدم هذه الأحوال المتبدلة وعي المفكرين المسلمين عامة إبان عصرهم ذلك، ويظهر أن الفارابي قد أصابه شيء غير هين من هذه الصدمة، فلجأ إلي إقامة فكرة السياسي على أساس البحث النظري أو الخيالي أو المجرد، نتيجة الشعور بعدم الاقتناع أو بعدم الرضا بالأوضاع القائمة، والرغبة في إقامة نظام مثالي يتلافي عيوب النظام الموجود ويحقق المزايا المنشودة.

فالمدينة الفاضلة هي المدينة التي تسير فيها المور بصورة خيرة وسعيدة، حيث لا مجال فيها سوي للفضائل، وحيث الألإراد يشكلون مجتمعاً واحداً متماسكا. فإذا لم يتوفر هذا في " المدينة" بطلت عنها صفة الأفضلية، وأصبحت إما "جاهلية" لا تطمح إلي السعادة، ولا ترغب إلا في نوازل الأبدان والتمتع بها،وجمع الثروة، والتصرف وفق الهواء الشخصية بلا ضوابط ولا قيم، وإما " فاسقة" يعرف أهلها طريق الخير ولكنهم يتبعون طريق الشر؛ وإما "مبتذلة" يسير أهلها أولاً في درب أهل المدينة الفاضلة، ثم ينقلبون علي أعقابهم ، وإما "ضالة" تسير خلف رئيس مخادع يدعي إلهية قراراته .

ويعرف الفارابى المدينة الفاضلة: بأنهاالمدينة القائمة على التعاون على الأشياء التى تنال بها السعادة وهى تشبه الجسم الصحيح الذى يتعاون كل أعضائه على تتميم الحياة وحفظها، وسكان المدينة الفاضلة لهم صفات مشتركة وكل فرد منهم له معارف وأعمال تختلف عن غيره .

ويذكر الفاربي مضاداتها من المدن الأخرى التى قسمها فى أربعة أقسام كبيرة هى: المدينة الجاهلة وهى التى لم يعرف أهلها السعادة الحقيقية واعتقدوا أن غاية السعادة فى اتباع الشهوات والتمتع بالملذات، وهناك المدينة الفاسقة وهى التى يعلم أهلها كل ما يعلمه أهل المدينة الفاضلة ولكن أفعالهم مثل أفعال أهل المدينة الجاهلة، وهناك المدينة المتبدلة وهى التى كانت آراءها فى القديم آراء أهل المدينة الفاضلة ولكنها تبدلت وأصبحت آراء فاسدة، وهناك المدينة الضالة وهى التى يعتقد أهلها آراء فاسدة فى الله والعقل الفعال، ويكون رئيسها ممن أوهم أنه يوحى له وهو ليس كذلك.

ويرى الفارابى أن كل نفس من أهل المدينة الفاضلة علمت الحقيقة والعقل الفعال تكون قد اكتسبت الخلود وخلدت فى السعادة، وأنفس أهل المدينة الجاهلة مصيرها الزوال والعدم وأنفس أهل المدن الفاسقة تخلد فى الشقاء، أما أنفس أهل المدن الضالة فمصيرها الزوال. يتحدث الفارابى فى نهاية كتابه عن رأى أهل المدينة الجاهلة فى العدل فهو قائم عندهم على قهر القوى للضعيف والقضاء عليه واستعباده، وإذا طبق العدل عندهم فى البيع والشراء ورد الودائع فإن مرد ذلك يكون الخوف لا حب العدالة.

ولكن الفارابى يؤكد العدل بمعناه الحقيقى الذى تقوم على أساسه الحياة الصحيحة فى المدن الفاضلة وهو نفس ما طالب به مفكرو الفقه السياسى الإسلامى. ومن الطريف فى الكتاب أن الفارابى يحذر الناس ممن يحث القوم على تعظيم الله، وعلى الصلاة والعبادة وترك خيرات الدنيا بحجة الحصول على خيرات الآخرة، ويرى أن كل ذلك أبواب من الحيل والمكيدة للانفراد بالحصول على خيرات الآخرين.

وهنا لجأ الفارابي في فلسفته السياسة، من خلال كتابه: "آراء أهل المدينة الفاضلة" إلى التطلع إلى مدينة فاضلة شأنها أن تعكس أصالة مجتمع فاضل تتحقق في كنفه السعادة والكمالات الضرورية للمجتمع، وأن هذه المدينة تمثل لديه أكثر من دلالة روحية واجتماعية وسياسية لحركة المجتمع الإسلامي .

وإذا كان المجتمع الفاضل هو المحور الذي قامت على أساسه نظرية الفارابي السياسية، فإن هذا المجتمع يقوم على دعامتين رئيستين: مدينة فاضلة تتحقق فيها السعادة باعتبارها الهدف المنشود، ورئيس أو ملك لهذه المدينة يكون أكمل إنسان أو عضو فيها، ويكون بالنسبة لها بمثابة العقل من البدن . ولذلك نجد الفارابي يتحدث في كتابه: "آراء أهل المدينة الفاضلة" يتحدث عن ماهية المدينة الفاضلة ومكانتها بين أنواع التجمعات البشرية، وكذلك يتحدث عن رئيس المدينة أو الدولة كما تصورها الفارابي .

ولتحقيق هذا الغرض نجد الفارابي يبدأ كتابه بمدخل فلسفي حول واجب الوجود وصفاته، ثم يعرض للنفس الإنسانية وقواها، وكيفية تكونها، ثم يتناول الأسباب الداعية للاجتماع البشري، ولماذا يحتاج إليه الإنسان، وما الضرورة التي تفرض وجود رئيس، وصفات المدن الفاضلة ومضاداتها، والصناعات الواجب توافرها فيها وآراء أهل المدن الجاهلة والفاسقة، ويرى أن المجتمعات البشرية فيها الكامل وفيها غير الكامل، والكامل منقسم إلى ثلاث، العظمي، وسطى، والصغرى، وهي المعمورة، والأمة، والمدينة، وغير الكامل: مثل القرية، والمحلة، والسكة، والمنزل، ويرى أن الخير الأفضل ينال بالمدينة، وليس بأنواع الاجتماع البشري الأقل منها. ثم يؤكد أن الغرض من تأليف كتابه المدينة الفاضلة ذكر قوانين سياسية يعم نفعها جميع من استعملها من طبقات الناس في سلوكه مع كل طائفة من أهل طبقته، ومن فوقه ومن دونه؛ حيث إن لكل نوع من هؤلاء سياسة تختلف عن الآخر. ثم يتناول قوى الإنسان الناطقة والبهيمية ويربطها بالسلوك السياسي، ويعرض لتكوين المجتمع السياسي ودور النبوات، ويتناول سلوك الإنسان السياسي من خلال مجموعة من القيم مثل العدل والمشاورة والنصيحة وتحصين الأسرار .

وفي كتابه "السياسة المدنية" يبدأ الفارابي في حديثه عن العقل الفعال، ويميز بين الإنسان والحيوان من حيث دور العقل، ثم يتناول الاجتماعات المدنية ويقسمها إلى ثلاث: عظمي، ووسطى، وصغري، ويقسم موضع الإنسان إلى اثنين: الأول يرأس ولا يرأسه آخر، ويقصر الأول على الحاكم الفيلسوف ثم يعرض للمدينة الفاضلة ومضاداتها من مدن فاسقة وظالمة وجاهلة .

ولم يقف الفارابي عند هذا الحد، بل إننا نجده في كتابه "تحصيل السعادة" يربط بين السياسة والأخلاق. مبينا أن الغاية النهائية منها هي تحقيق السعادة للأمة البشرية. لذلك نراه يحدد موضوع العلم المدني في كتابه هذا بأنه: "الفحص عن الغاية في وجود الإنسان، وهي الكمال، ثم الفحص عن الوسائل التي ينال بها ذلك الكمال وهي الخيرات والفضائل"، ويقسم الفارابي الفضائل أربعة أجناس: الفضائل النظرية، والفضائل الخلقية، والفضائل الفكرية، والصناعات العملية، ثم يحدد الفضيلة الواجبة لكل فئة من فئات المجتمع، فمثلا الجيش لابد أن يركز على فضيلة القوة الفكرية مع القوة البدنية، ويركز على دور الملك في تربية أمته، ورعيته، على الفضيلة حتى تتحقق لهم السعادة.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...........................

1- د. أحمد علي: مدينة السماء ومدينة الأرض: بحث في جدل الأخلاق والسياسة عند الفارابي، أعمال المؤتمر الدولي الرابع: السياسي في البلاد الإسلامية - الفكر والأنماط والأماكن، جامعة منوبة - مخبر النخب والمعارف والمؤسسات الثقافية بالمتوسط، 2015.

2- عبد الرازق عيسي : «الفارابى».. الفيلسوف فى رحلة البحث عن «المدينة الفاضلة».. مقال بجريدة المصري اليوم، 2020.

3- وليد فستق: السياسة في الفلسفة الإسلامية : الفكر السياسي عند الفارابي، مجلة الفكر العربي المعاصر، ع 15,14، 1981.

4- محمود محمد علي وآخرون: الفكر السياسي الإسلامي منذ الينابيع الأولي وحتي القرن التاسع الهجري، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الاسكندرية، 2016.

 

 

عبد الحسين شعبان"يبقى المسؤول قوياً إلى أن يطلب أمراً لنفسه"

سليم الحص

مرّتان قدر لي أن أشارك بهما الاحتفاء بدولة الرئيس سليم الحص، الأولى- حين طلب مني تجمع اللجان والروابط الشعبيّة إلقاء كلمة بمناسبة تكريمه، وذلك في أيار/مايو2012. ومع أنني لم أحضر الاحتفالية إلا أنّني أرسلت كلمة بالمناسبة أرفق نصّها في خاتمة هذه المقالة*.

والثانية، حين قدّر لي أن أشارك في اختيار"المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة" لسليم الحص باعتباره "شخصية حكم القانون والإدارة الرشيدة"، في إطار لجنة ضمّت كلاًّ من د. وسيم حرب، د.عصام سليمان، د. عصام نعمان، د. ساسين عساف، وكاتب هذه السطور، وذلك في العام 2018، وأتشرّف بكوني عضواً في مجلس أمناء المركز.

وقد وضعت هذه اللجنة تقريراً خطياً يستعرض مبادىء ومؤشرات حكم القانون التي تم اعتمادها لقياس أداء الرئيس الحص، ورصد مدى احترامه والتزامه بهذه المبادىء سواء بمواقفه أو قراراته أثناء توليّه المناصب العامة والحكوميّة. وقد بيّن هذا التقرير مدى عمق التزام الرئيس الحص قولاً وفعلاً بمبادئ "حكم القانون".

وكنت قد تابعت باهتمام بالغ مسيرة سليم الحص وهي حافلة بالعديد من المنجزات، خصوصاً حين أصبح رئيساً للوزراء للفترة من 1976 ولغاية العام 2000 حيث رافق كلاّ من رؤساء الجمهورية: إلياس سركيس وأمين الجميّل وإميل لحود، كما شغل وزارات، هي: الصناعة والنفط والإعلام والاقتصاد والتجارة والتربية الوطنية والفنون الجميلة والعمل والخارجية والمغتربين، إضافة إلى انتخابه نائباً عن بيروت لدورتين: في العام 1992 والعام 1996.

وضمن هذا السجل الحافل يُعتبر الحص ابن الدولة وخبيراً معتقّاً بجميع مفاصلها، إضافة إلى عمله في إطار المجتمع المدني بعد تركه العمل في الدولة، حيث شغل عدة مواقع منها رئيس مجلس أمناء المنظمة العربية لمكافحة الفساد التي تأسست في العام 2005 بمبادرة من نخبة من الشخصيات الفكرية والثقافية ودعوة كريمة من د. خيرالدين حسيب ومركز دراسات الوحدة العربية، وكان أمينها العام وما يزال د. عامر خيّاط، ويشرّفني أنني عضو في مجلس أمنائها.

إذا أردنا أن نرسم شكل لبنان العابر للطائفية والمذهبية، فيمكن أن نتخيّل شخصية سليم الحص بما تحمل من نقاء وصفاء سريرة وطيبة، وتلك تمثّل ملامح لبنان الذي نحبّه ونتمنّاه. وتعبّر تلك الصورة عن "ضمير لبنان" الحيّ والنابض بالوطنية والعروبة، ومثل تلك الصفات كانت غالبة على مجمل سلوكه خلال توليّه العديد من المناصب الرفيعة.

وقد عمل الحص على إعلاء شأن الدولة خلال ترؤسه لخمس حكومات لبنانية ضمن ما هو متاح من إمكانات وظروف وتحديات وضغوط، وهو القائل "لدينا الكثير من الحريّة والقليل من الديمقراطية"، لأنه يدرك أن الديمقراطية كأسلوب وإدارة حكم تتطلب قوانين وأنظمة ومؤسسات ديمقراطية وفصلاً للسلطات وقضاء مستقل ورقابة وشفافية، وهذه لن تتحقق إلا بقيام دولة أساسها الحق والمواطنة، ودولة من هذا القبيل تقوم على الحرية التي لا غنى عنها كأساس للمواطنة المتكافئة والحيوية، ومساواة ضرورية في جميع المجالات، لأن المواطنة لا تستقيم دون مساواة، وهذه تتطلّب عدم التمييز القانوني والواقعي أيّ المجتمعي المعلن والمُضمر، وتحتاج إلى عدالة ولاسيّما اجتماعية، وإلاّ ستكون ناقصة ومبتورة ومشوّهة، ولكي تكتمل صورة المواطنة، فلا بد من شراكة ومشاركة في اتخاذ القرار، وخصوصاً فيما هو مصيري من الشؤون العامة، وفي توليّ الوظائف العليا دون تمييز، أي شراكة في الوطن الواحد، وبهذه المنظومة يمكن الحديث عن مواطنة وعن توّجه ديمقراطي باحترام حقوق الإنسان، وكان الحص يدرك أن ذلك يتطلّب ثقافة وممارسة في آن، وربما يحتاج إلى تطور طويل الأمد.

فلسطين في القلب

في اليوم التالي لتحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي العام 2000 توّجه الحص  وكان رئيساً للوزراء، مع أعضاء مجلس الوزراء لعقد جلسة في مدرسة بنت جبيل المُحررة، وكانت تلك خطوة شجاعة وجريئة، وفيها رمزية كبيرة، ناهيك عن تحدٍ وفعل مواجهة ثقافية، علماً بأنه كان في أشد لحظات الحرج حين اجتاحت إسرائيل الجنوب في "عملية الجليل" المعروفة في عام 1978وهو كان في سدة المسؤولية، وهو المعروف عنه وعلى طول تاريخه تأييده للمقاومة ورفضه للمشاريع الاستسلامية، تلك التي تريد "تحييد" لبنان تارة بحجة تجنيبه الصراع في المنطقة، أو كي لا يكون "ساحة مفتوحة" له، أو بزعم عدم "تكافؤ القوى"، وغير ذلك من الكلام الحق الذي يُراد به باطل.

كان رأي الحص أن أس المشاكل في المنطقة هو الاستعمار الاستيطاني حيث تتوّسع "إسرائيل" في الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، إضافة إلى القدس التي تعتبر قطب الرحى بالنسبة للعالمين العربي والإسلامي، ولذلك عارض اتفاقيات أوسلو العام 1993 من منطق أنها لم تستجب للمطالب الفلسطينية والعربية في حدها الأدنى، خصوصاً قيام دولة وطنية فلسطينية على حدود الرابع من حزيران /يونيو1967 وعاصمتها القدس الشرقية وتأمين حق العودة في إطار حق تقرير المصير.

الطائفيّة

تُعتبر الطائفيّة أحد ألد أعداء الحص، وعلى الرغم من أن النظام الطائفي مكرّس عُرفاً وبصورة أخرى قانوناً ضمن اتفاق الطائف 1989- وهو الاسم الذي تُعرف به "وثيقة الوفاق الوطني اللبناني"، التي وُضعت بين الأطراف المتنازعة في لبنان، وذلك بوساطة سعودية في 30 أيلول/سبتمبر1989 في مدينة الطائف وتم إقرارها بقانون بتاريخ 22 تشرين الأول/أكتوبر1989 مُنهيّاً الحرب الأهلية اللبنانية التي دامت 15 عاماً- إلا أن الحص لم يُسجّل في تاريخه أيّ موقف يحمل في ثناياه بُعداً طائفياً، في جميع مراحل حياته، سواءً حين تولّيه المسؤولية أو حين يكون خارجها، ولعل ذلك ما جعله شخصية جامعة وموّحدة بين مختلف الفرقاء السياسيين.

مذكرات الحص

النزاهة لا تستقيم أحياناً مع الاستقطابات الطائفية والمذهبية، فما بالك إذا كان النظام طائفياً، فثمة محاولات جرت لإزاحة الحص عن المشهد السياسي باسم الطائفة أحياناً. وفي مذكراته الموسومة:

Salim El Hoss: For Truth And History -2000 Experiences in Governance 1998 "

للحقيقة والتاريخ- تجارب الحكم ما بين 1998 و2000"، يتناول المحاولات التي تعرّض لها لاغتياله سياسياً بقوله "لقد حاولوا اغتيالي لإزالتي من ذاكرة البلد، ولكن خدمتي لوطني هي أغلى ما أملك وأترك لأحفادي. ولستُ نادماً على شيء، ولم أعمل لنفسي، ويداي لم تتسخا وضميري مرتاح".

أما الجهات التي حاولت إزاحته فهي جماعات لبنانية مختلفة، بعضها جرّاء مواقفه العروبية الرافضة للحلول الاستسلامية حيث كان موقفه داعما للمقاومة دائماً. والبعض الآخر المتورط بالفساد، ناهيك عن منافسات حول التمثيل السياسي لبيروت دون أن ننسى دور الأجهزة الأمنية السورية التي كانت متحكمة بالقرار اللبناني كما هو معروف.

وعلى الرغم من توافقه مع الرئيس إميل لحود إلا أن مذكرات الرئيس الحص تبيّن اختلافهما حول العديد من الأمور. وبسبب استقلاليته وتقديمه المصلحة اللبنانية على ما سواها تعرّض مرة أخرى لعملية اغتيال راح ضحيتها مرافقون له، كما تعرّض إلى تهديدات مباشرة وغير مباشرة من جهات مقرّبة من الأجهزة الأمنيّة السورّية.

وأخبرني الصديق الدكتور وسيم حرب أنه وفريقاً معه التقطوا الإشارة التي صدرت عن الرئيس الحص، وهي أقرب إلى شيفرة لا طائفية فقرروا العمل معه وإلى جانبه بحماسة واندفاعة كبيرتين، إلا أن الظروف لم تكن لتسمح بتطوير حالة عابرة للطائفية وتقاسم الوظائف، وهو ما أكدّه الدكتور عصام نعمان الذي عمل وزيراً في حكومة الحص وهو أحد المقربين الأساسيين منه. وكان الحص على رغبته في إنجاز عملية التغيير بالتدرج، إلا أنه كان يدرك المخاطر الجمّة التي تحيط به وبفريقه. ولذلك كان شديد الحرص والمسؤولية على فريقه الذي كان يحاول تنبيههم خشية حصول المحذور.

وعلى الرغم من تقدير الحص لمواقف سوريا، إلا أنه يشير إلى اختلافاته معها، وهو ما يذكره في الفصل الخاص الموسوم "بين سوريا وبيني"، ولعل ذلك كان مصدر احترام من جانب الرئيس حافظ الأسد الذي كان يقدّر نزاهة الحص ووطنيته وعروبته.

وعن آخر معركة انتخابية خاضها حتى وإن لم يكن مضطرا كما يقول، لكنه أراد طرح برنامج لمعالجة المشكلات الداخلية فضلاً عن مواجهة الهجمات الإسرائيلية التي سبقت الانسحاب في العام 2000.

زيارات ومشاركات

أذكر أنني زرته ثلاث مرات في منزله المتواضع ببيروت: مرة مع مجموعة شخصيات عربية كانت تشارك في مؤتمر ببيروت، وثانية برفقة الدكتور خيرالدين حسيب، وثالثة مع وفد من المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة برفقة الدكتور وسيم حرب.

كما شاركتُ معه في عدد من المؤتمرات داخل لبنان وخارجه، منها مؤتمر في الشارقة (الإمارات)، وأخرى في الدوحة (قطر)، وكنتُ في كل مرة أعجب بكلامه وإتزانه وحكمته وعمق تجربته فضلاً عن تواضعه وهدوئه. وكنت أنظر إليه من زاويتين: الأولى: كونه أستاذا للاقتصاد في الجامعة الأميركية ببيروت وظّف علمه لخدمة بلده. والثانية: كسياسيّ مستقل تمتّع بكفاءات إدارية نادرة ملّحها بظرافة شخصية استخدمها كوسيلة لتلطيف الأجواء في المواقف الصعبة. وهو ما يرويه الدكتور عصام نعمان عن خفّة دمه وسرعة بديهته.

الزهد "رئيساً"

اليوم، يعيش الرئيس الحص في منزله المتواضع في حيّ عائشة بكّار ببيروت، بعيداً عن الاستعراضات التي يقوم بها بعض السياسيين في لبنان، لجهة الحمايات والحراسات وقطع للطرقات. وعلى الرغم من ظروفه الصحية الصعبة ظل يستقبل أصدقاءه بين الفينة والأخرى، وقلبه على بيروت الجريحة التي أراد لها البعض تبديل ثوبها.

لم يعمد الحص إلى تأسيس حزب تابع له، ليستفد منه بعد خروجه من السلطة، ولم يفعل ذلك وهو في قمة السلطة أيضاً، فبقيّ زاهداً ومترفعاً وراقيّاً في تعامله، كما ظل حريصاً مثلما هو معروف على كونه ابن الدولة الحقيقي وخادمها الفعليّ، دون التفكير بأي امتياز خارج حكم القانون، فقد آثر أن يخدم لبنان بعيداً عن الحزبوية والتحزّب، ويكاد يكون من رجالات الدولة القلائل الذين عملوا حقيقة وواقعاً لإصلاح ما يمكن إصلاحه في بلد نظامه قائم على التجاذبات الخارجية الإقليمية والدولية.

* سليم أحمد الحص (20 كانون الأول /ديسمبر 1929)، وتزوج من ليلى فرعون (توفيت عام 1990) ولهما ابنة وحيدة: وداد.

من مؤلفاته:

The Development of Lebanon's Financial Market (بيروت، 1974)

نافذة على المستقبل (بيروت، 1981)

لبنان على المفترق (بيروت، 1983)

نقاط على الحروف (بيروت، 1987)

حرب الضحايا على الضحايا (بيروت، 1988)

على طريق الجمهورية الجديدة (بيروت، 1991)

عهد القرار والهوى (بيروت، 1991)

زمن الأمل والخيبة (بيروت، 1992)

ذكريات وعِبَر(بيروت، 1994)

للحقيقة والتاريخ (بيروت، 2000)

محطات وطنية وقومية (بيروت، 2002)

نحن والطائفية (بيروت، 2003)

عصارة العمر (بيروت، 2004)

صوتٌ بِلا صدى(بيروت، 2004)

تعالوا إلى كلمة سواء (بيروت، 2005)

سلاح الموقف (بيروت، 2006)

في زمن الشدائد لبنانياً وعربياً (بيروت، 2007)

ما قل ودلّ (بيروت، 2008)

***

* كلمة تحية بمناسبة تكريم الدكتور سليم الحص

السيدات والسادة تجمّع اللجان والروابط الشعبية – مكتب المؤسسات الاجتماعية

أيها الحفل الكريم،

تحية حارة ومن خلالكم أحيّ الشخصية الوطنية العروبية الكبيرة الدكتور سليم الحص وأتمنى لاحتفالكم المهيب النجاح والتوفيق، وللدكتور الحص الصحة والسعادة، ولأمتنا العربية العزّ والسؤدد.

إن مبادرتكم بتكريم الدكتور الحص تستحق التقدير، ففي تكريمه تكريماً لمعاني الوطنية الحقة والعروبة الصادقة والإنسانية المخلصة، فقد أفنى الرجل حياته مكافحاً ومنافحاً عن حقوق العرب، ليس في لبنان فحسب، بل في جميع البلدان العربية، وخصوصاً دفاعه الذي لا يلين عن حقوق الشعب العربي الفلسطيني، ولاسيّما حقه في تقرير المصير وعودة اللاجئين وإقامة الدولة الوطنية الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، تلك الحقوق الثابتة وغير القابلة للتصرّف أو التنازل تحت أي مبرر كان.

ولهذا فإن مبادرتكم هي مبادرة كريمة للمُثل والقيم التي ناضل من أجلها طويلاً الدكتور الحص، وإذْ أحييكم على هذا الاختيار، فإنما أعتبر هذه المبادرة تمثلنا جميعاً، وهي باسم كل من آمن بطريق الأمة العربية ومشروعها النهضوي الحضاري في الحرية والكرامة والاستقلال والتحرر وحقوق الإنسان والديمقراطية والتنمية والعدالة الاجتماعية والتجدد الحضاري. ولعل هذه هي الأهداف العامة للربيع العربي، حيث عانت بلداننا وأمتنا طويلاً من الهيمنة الأجنبية ومشاريعها الإمبريالية – الصهيونية، ومن الاستبداد والديكتاتوريات والقمع المعتّق، وآن الآوان لتعزيز مساهمتها ودورها، في اللحاق بركب العالم المتمدّن، وفي ظل القيم المشتركة للإنسانية!

لعلها خسارة لي في عدم حضور هذه الفرصة التاريخية والاستماع إلى كلمات وشهادات لمفكرين وقادة رأي وسياسيين مرموقين بحق الدكتور الحص، وعذري أنني كنت مرتبطاً في وقت سابق بمواعيد خارج لبنان، لهذا أقدّم اعتذاري، ولكم منّي خالص المودّة والاحترام وللدكتور الحص الصحة والسعادة.

ومعاً مع الدكتور الحص على طريق الحق والعدل والقيم الوطنية والإنسانية، تلك التي عمل وضحّى من أجلها، فكراً وكتابة وممارسة وخلقاً رفيعاً، سواءً كان في مسؤولياته الرسمية، أو في مهماته الشعبية، وتسنّى لي مثل الكثيرين من الذين يحضرون احتفالكم، التعرّف عليه منذ سنوات، فوجدت فيه التواضع الجمّ والإخلاص المنقطع النظير والنزاهة والاستقامة اللتان لا حدود لهما وعفّة اللسان والنبل، فضلاً عن مخزونه المعرفي الوفير ومساهماته الاقتصادية والحقوقية الرصينة، التي أغنى بها المكتبة العربية، وصدق من أطلق على الرئيس سليم الحص "ضمير لبنان".

تحية لدولة الرئيس الحص وتحية لاحتفالكم، وشكراً لمنحي فرصة مخاطبتكم،

أصافحكم بحرارة

 

د. عبد الحسين شعبان

أيار/2012

 

 

يسري عبد الغنيولد أبو الحسن محمد بن أحمد بن جُبير الأندلسي البلنسي، في ليلة السبت عاشر ربيع الأول سنة 540 هـ الموافق الأول من سبتمبر سنة 1145 م، ببلنسية أحد مدن الأندلس على مصب نهر الوادي الكبير في البحر المتوسط، ولكن آخرين قالوا: إنه ولد بشاطبة الأندلسية التي ولد بها الإمام / الشاطبي مؤلف الشاطبية في قراءات القرآن الكريم والمدفون بالإسكندرية، وكانت وفاة ابن جُبير في رحلته الثالثة بمدينة الإسكندرية سنة 614 هـ = 1217 م .

وحينما صار صبيًا شغف بالعلم شغفًا ملك عليه حواسه، ولم يفارقه طوال حياته، فكان يسعى إلى أهل العلم والرأي والفكر في كل مكان ينزل به، فكان في قائمة أساتذته من لقيه في مدينة سبته الأسبانية على ساحل المغرب قرب طنجة، ومن لقيه بمكة المكرمة وبغداد عاصمة الخلافة العباسية وحران الفارسية ودمشق السورية وغيرها بالإضافة إلى علماء الأندلس .. وعلى وجه الإجمال فقد تلقى العلم على يد علماء عصره فأجازوه وقدروا

كانت العلوم التي عني بها ابن جُبير علوم الدين من فقه وحديث وقراءات وما اتصل بها من علوم اللغة والنحو والأدب، وعندما بلغ السن التي يستطيع فيها أن ينفرد بحياته وينهض بأعبائها احترف الكتابة فعمل لبعض الأمراء الذين كانوا يسيطرون على الأندلس وبلاد المغرب في ذلك الوقت .

ولم يشتغل محمد بن جُبير بالكتابة وحدها بل عمل بالتدريس أيضًا، وخاصة بعد رحلته الثانية إلى المشرق حيث انقطع مدة في مدينة فاس  لتدريس التحديث وروايته، والتعمق في علوم التصوف الإسلامي، ووصف الأديب الأندلسي المعروف / لسان الدين بن الخطيب محمدًا بأنه كان فاضلاً عفيف الهمة، شريف النفس، كريم الأخلاق، أنيق الطريقة ذا فضل بديع وتقوى، يحقق أعماله الصالحة، وتروى له أشعار تمتلئ بالتواضع وتنهى عن الحمق وسوء التصرف، وتحذر من الاغترار بالدنيا، ويظهر في رحلته حرصه الشديد على زيارة قبور أعلام الدين ولقاء المشهورين من رجاله الذين عرفوا بالصلاح والتقوى، كل ذلك جعل الرجل يميل إلى الزهد، وأخذ هذا الميل يزداد إلى أن جعله يترك ويطرح الدنيا العريضة التي نالها بالأدب ويلازم التصوف .

لم يقم محمد بن جُبير برحلة واحدة بل قام برحلات ثلاث قصد فيها جميعًا الحج إلى بيت الله الحرام الذي هو مقصد معظم الراحلين من المغرب إلى المشرق، إن لم يكن كلهم، والذي وهب الأدب العربي مجموعة من أجمل ما عرف من أدب الرحلات، وخاصة إذا أضفنا إليه طلب العلم، ولم يدون ابن جُبير أخبار هذه الرحلات كلها في كتابه بل قصره على الرحلات الأولى وحدها، وذكر المؤرخون بواعث معينة أثارة في نفس الرجل الشوق إلى الحج، وبعثت فيه العزم على قصده، ودفعته على القيام برحلاته لأدائه .

مر ابن جُبير في رحلته بمصر، وشبه الجزيرة العربية، والعراق، وبلاد الشام، وصقليه تلك الجزيرة الإيطالية التي فتحها المسلمون في العصر الأموي وينسب إليها القائد / جوهر الصقلي قائد جيوش المعز لدين الله الفاطمي الذي أسس مدينة القاهرة وبنى الأزهر الشريف، شاهد ابن جُبير كبريات مدن هذه البلاد فصورها في كتابه تصويرًا يتفاوت طولاً وقصرًا وفقًا للمُدة التي أقامها بها، والانطباع الذي خلفته في نفسه، والأهمية التي رأى أنها تستحقها .

والمتأمل في رحلة ابن جُبير يستطيع أن يستخلص أنه كان يعنى في وصف المدن بنواح ثلاث: المرافق (المنافع)، والمشاهد، والأرباض (ما حول المدينة )، وتضم المرافق عنده : الأسوار والحصون والمساجد والمدارس والحمامات، ومصادر المياه، والأسواق، والبيمارستانات (المستشفيات)، والمنازل، والشوارع، والأبواب، كما تضم المشاهد المقابر والموالد (ذكرى مولد العلماء والأولياء) وآثار الأنبياء والعلماء والأولياء والمواقع الإسلامية والمعابد والكنائس والآثار غير الإسلامية، وتضم الأرباض الأحياء والضواحي، ولا نقصد هنا أنه وصف ذلك في كل مدينة زارها بل أنها هي ما يتعرض له عند وصفها فيأتي بأثرها تارة ويهمله أخرى .

رحالة يهتم بالغرباء والحكام وأحوال الناس:

لقد عني ابن جُبير في رحلته أو في كتابه الذي سجل فيه رحلته بالغرباء والفقراء والمهمشين وبخاصة مواطنيه المغاربة، رأى الناس وتحدث معهم وشاهد كيف يعاملهم حكام الأقطار التي مر بها وشعوبها فيشيد بصاحب الفضل عليهم، ويعدد ألوان بره بهم، وينبذ من يبعدهم أو يسيء معاملتهم، وهو يتغنى بأفضال الناصر / صلاح الدين الأيوبي الحربية والسلمية وينتهز كل فرصة للثناء عليه .

وهو يتجول في كل إقليم فيسجل ما يتميز به وما يغلب عليه من طبيعة أو خصائص، وبمعنى آخر لون الحياة فيه، فأكثر ما تحدث عنه في مصر: المشاهد والآثار، وفي بلاد الحجاز الشعائر والمواسم والاحتفالات الدينية، وفي بلاد العراق الوعظ والوعاظ، وفي بلاد الشام المسجد الأموي بدمشق، مسجلاً الجوانب السياسية والحربية والاقتصادية من الحياة بين المسلمين والصليبيين الذين كانوا يحتلون أجزاء من بلاد الشام في الآونة التي زارها ابن جُبير، ولم يتجاهل الحياة الاجتماعية لأهل دمشق وما حولها، وفي صقلية يرصد أحوال المسلمين، ومشاعرهم تحت سيطرت حكم الملك غليوم (وليم الصالح) وسياسته .

وأذكر أنني ذكرت في ملتقى علمي حول الرحلات في تراثنا، أن رحلة ابن جبير هذه تعد بحق من أحسن الرحلات في تراثنا، تلك التي قام بها من غرناطة الأندلسية إلى الحرمين 572 هـ = 1176 م، واستغرقت 27 شهرًا، وقد أكدت على أن هذه الرحلة، وبقدر ما تهم الجغرافي تهم دارس العمارة والآثار، وكما ذكرنا فإنه يصف آثار البلاد التي زارها وصفًا دقيقًا فنيًا، فعند زيارته للقاهرة يصف آثارها تفصيلاً، كما هو الوضع بالنسبة للمشهد الحسيني (ص 45 من الرحلة)، وكما في وصفه لمسجد الإمام الشافعي والمدرسة الصلاحية التي بجواره (ص 48 من الرحلة)، وأيضًا وصفه للجامع الطولوني والبيمارستان المنصوري (ص ص 51 ـ 52) .

وقد ذكرنا وصفه لمدينة أخميم بصعيد مصر حيث وصف آثارها الإسلامية، يضاف إلى ذلك الوصف الدقيق الذي كتبه للحرم المكي (ص ص 81 ـ 109) وقراءته للنصوص التاريخية، أضف إلى ذلك وصفه للحرم النبوي وصفًا هندسيًا مستوفيًا (ص ص 160 ـ 195)، وزيارته لحلب الشهباء السورية حيث قام بوصف قلعتها المشهورة وحدثنا عن تاريخها (ص 250 )، كما وصف مسجدها الجامع ومنبره مع ذكره للمصطلحات الفنية المعمارية .

وهذا شأن الرحالة ابن جبير في جميع البلدان، على أن وصفه للجامع الأموي بدمشق السورية يعتبر أهم مرجع في تاريخ هذا الجامع من الناحيتين التاريخية والهندسية (ص ص 261 ـ 273 )، ومن منا ينسى وصفه الرائع لساعة المسجد الأموي الدقاقة .

وما سبق يدل على أن كتاب رحلة ابن جُبير كتاب مهم قيم يمتلئ بالعديد من الدراسات والأبحاث يمكن أن يعود إليها أهل البحث في مختلف المجالات .

ولما كان الرحالة محمد بن جُبير دقيق الملاحظة، صادق التعبير، متنوع الالتفات، وكان العصر الذي قام فيه برحلته عصر الحروب الصليبية عظيم الأهمية لدى الشرقيين والغربيين والمسلمين والمسيحيين، فقد لفتت رحلته الأنظار منذ صدورها، وجذبت القراء، ومنحت الدراسيين في النواحي المختلفة ما يسعون ورائه من معلومات فكثر الحديث عنها، وكثر الأخذ منها وعظمت العناية بها، يبقى أن نذكر هنا أن أول طبعة من كتاب رحلة ابن جُبير صدرت في ليدن بهولندا في سنة 1907 م .

 

بقلم: د.  يسري عبد الغني

 

يسري عبد الغنيابن خفاجة المدّاح والراثي أقل شأناً ووزناً من ذلك الشاعر الوصَّاف والغَزِل. ابن خَفَاجَة الأندلسي هو إبراهيم بن أبي الفتح بن عبد الله بن خَفَاجَة الهواري الأندلسي، شاعر من الكتَّاب البلغاء، غلب على شعره وصف الرياض ومناظر الطبيعة، ولد سنة 450هـ، وهو من أهل جزيرة شقر من أعمال بَلَنْسِيَة شرقي الأندلس.

شقَر .. موطِن ولادته ونشأته ؛ كان لها الأثر البالغ في تكوين شخصية شاعرنا المتوفى عام 533 هجري، خصوصاً الجانب الذهني منها، وهي الموضع الذي عزز نزعته الأدبية، وأطلق العنان لخياله الشعري.

ذلك، لأن شقَر “أنزه بلاد الله وأكثرها روضةً وشجراً وماءً”، كما وصفها ياقوت الحموي.

أحد الجسور الواصلة لمدينة بلنسية حيث عاش الشاعر ابن خَفَاجَة الأندلسي -في العام 1860م

يعد ابن خفاجة من أكبر شعراء الأندلس من حيث المقدرة الفنية في وصف الطبيعة الأندلسية، فقد كانت ولادته –كما ذكرنا- في مدينة شقر، وهي رمز للسحر والجمال؛ لغزارة أشجارها وكثرة أزهارها، فتغنَّى برياحينها، وهام بأفيائها، وأصبحت طبيعة الأندلس مصدر إلهام لابن خفاجة، وليس غريباً أن يوصف ابن خفاجة بـ (جنَّان الأندلس) و(صنوبري الأندلس) فقد سارت بأشعاره الركبان، وراح أهل الأندلس يرددونها على ألسنتهم وخاصة قوله:

يَا أَهــــلَ أَندَلُــــسٍ لِلَّــهِ دَرُّكُـــمُ .. مــــاءٌ وَظِلٌّ وَأَنهارٌ وَأَشجارُ

مـا جَنَّــةُ الخُـلدِ إِلّا في دِيارِكُــــمُ .. وَلَـــو تَخَيَّرتُ هَذا كُنتُ أَختارُ

لاتَختَشوا بَعدَ ذا أَن تَدخُلوا سَقراً .. فَلَيسَ تُدخَلُ بَعدَ الجَنَّةِ النارُ

موضوعات شعر ابن خَفَاجَة الأندلسي:-

المديح:-

قصائد المديح عند ابن خفاجة يسيرة، يقول في إحدى قصائده المدحية:

مـــاذا عَلَيـــكَ وَقَد نَأَيــتَ دِيــــاراً .. لَــــو طافَ بي ذاكَ الخَيالُ فَزارا؟

وَنَظَمــتُ مِن قُبَـــلٍ بِصَفحَـــةِ جيدِهِ .. عِقــداً وَقَد لَبِسَ العِناقَ شِعارا

فيمَ التَعَلُّلُ في هَــواكَ وَقَد طَـــوى .. مِنّــي الضَنى وَبِكَ النَوى أَسرارا؟

وقال يمدح الفقيه أبا العلاء بن زهير:

شـــأوْتُ مَــطَـايَـا الصِّــبَا مَــطْلَـبَـا؛.. وطُـــلـتُ ثَنَــايَــا العُــلَــى مَــرْقَــبَـا

وأَقْبَــلــتُ صَـــدْرَ الــدُّجَــى عَــزْمَــةً.. تُــوَطِّــىءُ ظَــهْــرَ السُّــرَى مَــرْكَـبَـا

فَــجــبـتُ إلـى سُــدفَـةٍ سُـــدفَــةً.. وَخُـــضْتُ إلـى سَبسَــبٍ سَــبسَـبَـا

الغزل:-

جاء الغزل في ديوان ابن خفاجة في قصائد مستقلة، كما جاء مضمناً في قصائد أخرى كالمديح ووصف الطبيعة والحماسة والرثاء، ومن ذلك قوله:

أَما وَاِلتِفاتِ الرَّوضِ عَن أَزرَقِ النَهرِ.. وَإِشراقِ جيدِ الغُصنِ في حِليَةِ الزَّهرِ

وَقَد نَسَمَت ريحُ النُّعامى فَنَبَّهَت .. عُيونَ النَّدامى تَحتَ رَيحانَةِ الفَجرِ

وَخِــــدرِ فَتـــاةٍ قَـد طَـــرَقتُ وَإِنَّـمــــا .. أَبَحــتُ بِهِ وَكرَ الحَمامَةِ لِلصَّقرِ

وقال متغزِّلاً:

فَتَــــقَ الشَّــبـابُ بوَجنَتَــيهَـــا وردَةً .. فـي فَــرعِ إِسْحِــلَـةٍ تَمِــيدُ شَــبَابَا

أضْحَــتَ سَـوالِـفُ جِـيدِهَــا سُــوسـانَـةً.. وَتَــوَرَّدَتْ أَطْــرَافُهَــا عُنَّــابَـا

بـَيْضَـاءُ فَـاضَ الحُـــسْنُ مَـاءً فَوْقَهَـا.. وَطَــفَــا بِهِ الـدُّرُ النَّفيــسُ حَــبَابَــا

بَـيْنَ النَّحُــورِ قِــلادَةً تَحْــتَ الظَّــلا.. مِ غَمَــامَـــــةً دونَ الصَّــبَـاحِ نِــقَابَـا

نـادَمْتُــهَـا لَيـــــلاً وَقَــد طَــلَعَتْ بِــهِ.. شَمْسَـــاً وَقَــد رَقَّ الشَّــرَّابُ سَـرَابَـا

وتَــرَنَّــمَـتْ حـتَّى سَمِــعــتُ حَمَـــامَــةً.. حَتَّـى إذا حَسَـــرَتْ زَجَــرتُ غُــرَابَـا

الوصف:-

وقال واصفاً النَّعامة:

ولرُبَّ طيَّـــــــــارٍ خَفيفٍ قد جـَـــــرَى .. فشــــلا بجـــــــارٍ خلفَــه طيَّارِ

من كُــــــلِّ فاجرةِ الخُطــــا مُختالـــــةٍ .. مشيَ الفتاةِ تَجُرُّ فضــلَ إزرارِ

مخضوبةِ المِنقـــــــارِ تحسَبُ أنَّهـــا .. كَرَعَتْ على ظمإٍ بكـــأسِ عُقارِ

لا تَستقرّ بِها الأداحـــــي خشيــــــــــةً .. من ليـــــــلِ ويلٍ أو نهـــارِ بَوارِ

وقالابن خفاجة يصف الجبل

1- وأرعن طمّاح الذؤابة باذخٍ يطاول أعنان السماء بغاربِ

2-يسدُّ مهبَّ الريحِ من كلِّ وجهةٍ ويزحمُ ليلا شهبهُ بالمناكبِ

3-وقورٌ على ظهر الفلاة كأنه طوال الليالي مفكرٌ بالعواقبِ

4-يلوث عليه الغيم سود عمائمٍ لها من وميض البرق حمر ذوائبِ

5-أصختُ إليه وهو أخرس صامتٌ فحدَّثني ليل السرى بالعجائبِ

6-وقال ألا كم كنتُ ملجأ قاتلٍ وموطن أوَّاهٍ تبـتَّلَ تائبِ

7-وكم مرَّ بي من مدلجٍ ومـؤوِّبِ وقـال بظلِّي من مطيٍّ وراكبِ

8-فما كان إلا أن طوتهم يدُ الردى وطارت بهم ريح النوى والنوائبِ

9-فحتى متى أبقى ويظعنُ صاحبٌ أودِّ منه راحلا غيرَ آيبِ

10-وحتى متى أرعى الكواكب ساهرا فمن طالعٍ أخرى الليالي وغاربِ

الرثاء:-

يحتل منزلة رفيعة في ديوان ابن خفاجة، ويتصف بالصدق؛ إذ أن الأشخاص الذين قد رثاهم جمعته بهم ذكريات ومجالس جميلة، ومن ذلك قوله:

وَرُبَّ لَيـــالٍ بِالغَميــمِ أَرِقتُهــا .. لِمَرضـى جُفونٍ بِالفُراتِ نِيامِ

يَطــولُ عَلَيَّ اللَيــلُ يا أُمَّ مــالِـكٍ .. وَكُـــلُّ لَيالي الصَبِّ لَيلُ تَمامِ

وَلَم أَدرِ ما أَشجى وَأَدعى إِلى الهَوى .. أَخَفقَهُ بَرقٍ أَم غِناءُ حَمامِ

وَقَفتُ وُقوفَ الشَكِّ بَينَ قُبورِهِم .. أُعَظِّمُها مِن أَعظُمٍ وَرِجامِ

وَأَندُبُ أَشجى رَنَّةٍ مِن حَمامَـــةٍ .. وَأَبكــي وَأَقضي مِن ذِمامِ رِمامِ

وقال يرثي أم الفقيه قاضي القضاة أبي أميَّة:

فــي مِثـلِــهِ مِـنْ طــــارِقِ الأرزاءِ .. جــــادَ الجَمَــادُ بعَـبرَةٍ حَمــرَاء

مِـنْ كُـــلِّ قـانَيـةٍ تَسـيــلُ كـأنَّهــا .. شُهـبٌ تَصَـوّبُ مِـنْ فُرُوجِ سَـماءِ

تَحمَــى فتَغـرَقُ مُقـلَـةٌ في جــاحِمٍ.. مِنهَــا وَتُحــرَقُ وجـنَةٌ في مــاءِ

مَحـتِ الكَــرَى بيـنَ الجُـفـونِ وربَّمـا.. غَسَـلَـتْ سَـوادَ المُـقلَـةِ الكَـحلاءِ

لا تُــورِث الأَحشــــــاءَ إِلَّا غُـــــلَّـــــةً.. والمـــاءُ ينفَـــعُ غُـلَّـــةَ الأَحْشـــاءِ

أهــوِلْ بــهِ مِــنْ يــومِ رُزءٍ فَـــادِحٍ.. سَحَــبَ الصَّــبَاحُ بِــهِ ذُيُــولَ مَسَــاءِ

مُـتَـلاطِــمُ الأَحْشـــاءِ تَحـسِــبُ أنَّـهُ.. بَحْــرٌ طَـمَى مُـتَــلاطِــمُ الأرجَــاءِ

وَلَــئِنْ صَـبَرْتَ وصَــبرُ مِثلِــكَ حِـــسْبَـةٌ.. فَلَــقَد أَخَــذْتَ بِشِيمَــةِ النُّبَــلاءِ

قال عنه ابن بسَّام: “تصرف في فنون الإبداع كيف شاء، وأتبع دلوه الرشاء، فشعشع القول وروَّقه، ومدَّ في ميدان الإعجاز طلقه، فجاء نظامه أرق من النفس العليل، وآنق من الروض البليل، يكاد يمتزج بالروح، وترتاح إليه النفس”.

وقال عنه المقري: “أبو إسحاق ابن خفاجة كان أوحد الناس في وصف الأنهار والأزهار والرياض والحياض والرياحين والبساتين”

نلمس في ديوان ابن خفاجة الشعري؛ قيثارةً متعددة الأوتار والأصباغ والألوان تلتقي في مقطوعاتها، لا سيما الوصفية الخاطفة الأخيلة الحلوة والفكر البديعة، وتتمايس صورها بأفواف من اللَّفظ الجامع بين الرَّصانة والطرافة، بحسب ما ذكره محُقق الديوان الدكتور عمر فاروق الطبَّاع.

يُلاحظ بأن ابن خفاجة المدّاح والراثي أقل شأناً ووزناً من ذلك الشاعر الوصَّاف والغَزِل، فوصفه متعدِّد الألوان والايقاعات، وغزله رقيقٌ صادق المشاعِر والأحاسيس، ولا سيَّما حين يعانق دُنيا المرأة من خلال عالم الطبيعة في ضوء مفاتن المرأة.

هذا الجنوح إلى الأجواء الحالمة؛ وانجذاب فؤاد الشاعر إلى عوالم المرأة والطبيعة ومجالس المدام؛ هما التعليلان اللذان نفسِّر بهما اعتبار ابن خفاجة في عداد الطبقة الثانية من شُعراء الأندلس، بعد ابن زيدون خاصة، بحسب الطبَّاع.

ويقول الأخير: إن شاعرنا كان معاصراً للدولة العامرية في بلنسية في فترة ازدهارها، بيد أنه لم يتصل بملوكها أو ملوك الطوائف في مدن الأندلس الشهيرة، مثل غرناطة وقرطبة وإشبيلية.

ويبرِّر الطبَّاع جفاء ابن خفاجة مع بلاط الملوك بالقول: إن ذلك ليس مرتبطاً بعدم شهرته أو بفعل خموله الشعري، وإنما لمزاجٍ رومنسي غلب عليه وشدَّه إلى أرجاء الطبيعة التي هام بها هيام عاشق متيَّم، كان يصبو إلى لوحاتها في وداعة الربيع، كما يصبو إليها في مجامر صيفها وصقيع شتائها.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

.......................

الاسانيد:

- الأثر المشرقي في شعر ابن خفاجة الأندلسي (231).

- الأعلام (1/56).

- ديوان ابن خفاجة.

- الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة (6/541).

- مبنى قصيدة وصف الطبيعة في شعر ابن خفاجة الأندلسي دراسة تحليلية.

- نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب (1/681).

- نهاية الأرب في فنون الأدب، شهاب الدين النويري.

 

 

يسري عبد الغنيبدأ الشاعر العراقي الجواهري بنشر قصائده في بغداد منذ سـنة 1921 وفي سنة 1923 نشر كتيباً عنوانه "حلبة الأدب" يتضمن معارضاته لقصائد متنوعة لعدد من كبار الشعراء المعاصـرين.

أنتقل الجواهري إلى بغداد سـنة 1927 فعيّن معلماً في بعض المدارس الابتدائية وفي هذه الفترة حدثت مشكلته المشهورة مع الأستاذ العلامة ساطع ألحصري مدير المعارف العام على أثر نشر قصيدة له ذمّ فيها العراق ومدح إيران، فاتهم بالشعوبية وفصل من وظيفته ولكن وزير المعارف الذي كان يرعاه ويلتزم جانبه توسـط في تعيينه بوظيفة كاتب في البلاط الملكـي. وبعد ثلاث سـنوات استقال الجواهري من الوظيفة وأصدر جريدة الفرات في سنة 1930 ثم أُعيد إلى التعليم في أواخر السنة التالية ثم نقل إلى وظيفة في ديوان وزارة المعارف فمدرسـاً في إحدى المدارس الثانويـة.

عمل الجواهري فترة قصيرة في بلاط الملك فيصل الأول عندما توج ملكا على العراق، واستقال عام 1930 وأصدر صحيفة "الفرات". ثم ألغت الحكومة امتيازها فبقي من دون عمل حتى عين معلما بمدرسة المأمونية في بغداد أواخر عام 1931.

وفي سـنة 1932 توفي أحمد شـوقي وتزاحم الشعراء في كل قطر عربي لوراثة لقب " أمير الشعراء" ولم تكن إمارة الشعر منصباً يتحتم ملؤه إذا ما أصبح شاغراً بوفاة شاغله وإنما هو لقب شـخصي منح لأحمد شـوقي وانتهى بوفاته. ومع ذلك فقد تزاحم الشعراء على هذا اللقب وكثر المرشـحون له. أما الجواهري فقد أرسـل باقة من شـعره إلى الدكتور طه حسين ليقرأه ويزكيه عله يرشـحه للإمارة الشاغرة. وكان ذلك من مظاهر طموح الشاعر الشاب وثقته بنفسـه. وعلّق " الزيات " على ذلك قائـلاً إن طه حسـين أعجب بشعر الجواهري وبقي هذا الإعجاب يتزايد حتى آخر أيام طه حسـين.

في عام 1935 أصدر ديوانه الثاني باسم " ديوان الجواهري"

استقال الجواهري من التدريس نهائياً في سنة 1936 واتهم بنشر القصائد السياسية في جريدة " الإصلاح" عرّض فيها بوزارة ياسين الهاشمي فارتأى وزير الداخلية رشـيد عالي الكيلاني إحالة الجواهري إلى المجلس العرفي العسكري إلا أن رئيس الوزراء ياسـين الهاشـمي بما اتصف به من سـعة الصدر والحلم لم يوافق على ذلك فاسـتدعى الجواهري ووعده بأنه يرشـحه لإحدى النيابات الشاغرة عن لواء كربلاء وقبل أن يتم ذلك وقع انقلاب بكر صدقي الذي أسقط وزارة ياسـين الهاشـمي فسارع الجواهري إلى تأييده وأصدر جريدة اسـمها " الانقلاب" أيد على صفحاتها وزارة بكر صدقي ومدح رئيسها وهاجم وزارة ياسـين الهاشمي ولكن وزارة الانقلاب لم ترشـح الجواهري نائباً في الانتخابات التي أجرتها كما كان يتوقع بل إنها اسـتغلت بعض ما نشره في جريدته فأحالته على المحاكم وصدر الحكم عليه بالسجن بضعة أشـهر.

بعد خروج الجواهري من السـجن اختار لجريدته اسـماً جديداً هو " الرأي العام" وكانت وزارة بكر صدقي قد اسـتقالت بعد مقتل قائد الانقلاب بكر صدقي وأُقيمت لياسـين الهاشـمي حفلة تأبينية كبرى شـارك فيها عدد من كبار شـعراء العربية وخطبائها وطلب الجواهري أن يلقي فيها قصيدة في رثاء ياسـين فرفض طلبـه. وأيد الجواهري حركة أيار (مارس) 1941 المعروفة بحركة رشـيد عالي الكيلاني فلما فشلت الحركة سافر إلى إيران ثم عاد في السنة نفسـها واسـتأنف إصدار " الرأي العام" ونهج فيها نهجاً يسارياً واضحاً، وعوتب الجواهري في حينه لاقتصاره في قصائده على مدح الجيش الأحمر وانتصاراته في سيباستوبول وسـتالينغراد فنظم قصيدته المشهورة "تونس" التي امتدح فيها الجنرال البريطاني مونتغومري وانتصاراته على قوات المانيا بقيادة الجنرال روميل في شمال أفريقيا.

في عام 1944 شارك في مهرجان أبي العلاء المعري في دمشق. وفي سنة 1946 أصدر الجواهري جريدة باسم " صدى الدستور" وانتخب نائباً عن كربلاء ولكن المجلس لم يدم طويلاً وحلّ في سـنة 1948 وفي تلك السنة سافر إلى لندن ضمن وفد صحافي عراقي وانفصل عن الوفد وبقي في لندن مدة ثم سافر إلى باريس وفيها نظم ملحمته الغزلية "أنيتا" ثم أقام في مصر مدة وعاد إلى بغداد فحرر في بعض صحفها.

أصدر في عامي 1949 و 1950 الجزء الأول والثاني من ديوانه في طبعة جديدة ضم فيها قصائده التي نظمها في الأربعينيات والتي برز فيها شاعراً كبيراً. شارك في عام 1950 في المؤتمر الثقافي للجامعة العربية الذي عُقد في الإسكندرية. انتخب رئيساً لاتحاد الأدباء العراقيين ونقيباً للصحفيين. اعتقل في أبو غريب في سنة 1952 .

أصدر جريدة اسمها "الجديد" في أيار (مايو) 1953 ، ثم غادر العراق إلى دمشق في سنة 1956 فاتخذها سـكناً وعهد إليه فيها بتحرير جريدة " الجندي" التي تصدرها رئاسة أركان الجيش السـوري.

عاد الجواهري إلى بغداد في تموز سنة 1957 وفي السنة التالية وقع الانقلاب العسكري بقيادة عبد الكريم قاسم فتحمس له الجواهري وأيده بشعره وأعاد إصدار "الرأي العام" وانحاز إلى اليساريين وساير الشـيوعيين وانتخب رئيساً لاتحاد الأدباء ونقيباً للصحافيين. وواجه مضايقات مختلفة فغادر العراق عام 1961 إلى لبنان ومن هناك استقر في براغ ضيفاً على اتحاد الأدباء التشيكوسلوفاكيين سبعة أعوام.

عاد إلى بغداد في تشـرين الأول (أكتوبر (سنة 1968 فأُعيد انتخابه رئيساً لاتحاد الأدباء العراقيين عند إعادة وخصصت له الحكومة راتباً تقاعدياً قدره 150 ديناراً في الشهر.

في عام 1969 صدر له في بغداد ديوان "بريد العودة" . في عام 1971 أصدرت له وزارة الإعلام ديوان " أيها الأرق" .وفي العام نفسه رأس الوفد العراقي الذي مثّل العراق في مؤتمر الأدباء العرب الثامن المنعقد في دمشق وفي العام نفسه أصدرت له وزارة الإعلام ديوان"خلجات"

في عام 1973 رأس الوفد العراقي إلى مؤتمر الأدباء التاسع الذي عقد في تونس .

بلدان عديدة فتحت أبوابها للجواهري مثل مصر، المغرب، والأردن ، وهذا دليل على مدى الاحترام الذي حظي به ولكنه اختار دمشق واستقر فيها واطمأن إليها واستراح.

كرمه الرئيس الراحل «حافظ الأسد» بمنحه أعلى وسام في البلاد .

 

بقلم/ د. يسري عبد الغني

 

 

سوف عبيدما اِنفكّت القيروان تجود بالشّعراء على توالي العصور وتتالي العهود من بينهم الشاعر عبد الرحمان الكبلوطي الذي ظهرت بواكير قصائده منذ منتصف سنوات ستينيات القرن العشرين لكنه لم يحظ بالمتابعة الكافية ولعل هذا يعود أولا إلى غياب الاِهتمام بمختلف الأقلام وتركيز الأضواء على عدد قليل منها من دون تقييم موضوعي ولدواع ذاتية وسياسية ومصلحية ويعود ثانيا إلى أن الشاعر عبد الرحمان الكبلوطي زاهد في التعريف بنفسه وبشعره ولا يتسوّل المنابر الإعلامية واللقاءات الثقافية وغيرها فالشعر لديه بوح ذاتي ومعاناة حميمية وقد أصدر أخيرا وبعد سنوات من الاِنتظار ديونا جديدا بعنوان ـ الشعر في زمن الأنترنات ـ جمع فيه شتات قصائده المتنوعة المضامين

يجدر بنا أن نعرّف بالشاعر فهو أصيل القيروان حيث ولد بها سنة 1944 ودرس بها الاِبتدائي والثانوي ثم بمدينتي حمام الأنف وسوسة وقد تخرّج من دار المعلمين العليا أستاذا في اللغة العربية وآدابها وباشر إثر ذلك التدريس في المعاهد وقد تحصّل على شهادة التبريز واِلتحق بسلك التفقّد ثمّ تولّى مسؤولية المندوب الثقافي في ولاية بنعروس التي شهدت في عهده إنشاء عديد المكتبات العمومية ودور الثقافة

* للشاعر عبد الرحمان الكبلوطي الدواوين التالية

ـ خرساء يا حبيبتي سنة 1975

ـ طريق المجد سنة1986

ـ تونس الجميلة ـ 1996

**ومن منشوراته في التحقيق

ـ ديوان محمد الفائز القيرواني

ديوان محمد الشاذلي عطاء الله

ـ ديوان الإلاهيات والنبويات لمحمد الشاذلي عطاء الله

ـ ديوان الهادي علي ـ باقة ورد شذية من الأشعار الغنائية

*** في الدراسات الأدبية عن

ـ اِبن المقفع ـ المعرّي ـ اِبن خلدون ـ توفيق الحكيم ـ محمود المسعدي ـ نجيب محفوظ ـ محمود تيمور ـ على الدوعاجي...

ـ من فنون الإضحاك في الأدب العربي

ـ تراجم المبدعين في ولاية بنعروس التونسية

****وله في انتظار الطبع

ـ أغنيات من زمن الشباب وهي أربعون قصيدة معرّبة من الشعر الفرنسي

ـ شعراء القيروان على مرّ الزمان

في فاتحة ديوان ـ الشعر في زمن الأنترنات ـ يرى صاحبه ان الشاعر مهما حلّق في عالم الخيال أو اللامعقول فإنه يظل اِبن بيئته وشاهدا على عصره ونحن عندما نقرأ قصائد عبد الرجمان الكبلوطي يتأكد لدينا هذا الموقف فقد جاءت قصائده معبّرة عن البيئة التونسية في مختلف مظاهرها ووقائعها اليومية والسياسية فأنت عندما تقرأ قصيدته عن الهاتف الجوّال أو ـ البُرتابل ـ كما عنونها وهو الاسم المتداول في تونس فإنك تعيش مع التونسي وهو يستعمل هذه الآلة العجيبة التي غيّرت من حياته في أدق تفاصيلها إذ يقول فيها :

في كل يوم مشهد في مشهدِ

متطوّرِ

تلقاه في جوّ طريف مزهرِ

في السوق في النهج الكبير

في الزقاق الأصغر

في الرتل في حافلة الركوب

وفي الإدارة في مفاه طيبات المظهر

كلّ بأذنه آلة

من صنع هذي الأعصر

رنّات هذا الهاتف الجوّال

موسيقى وألحان عذابُ المصدر...

ومن قصائده التي تعبّر عن الواقع الراهن الذي نعيشه وقد ألمّت بنا جائحة ـ الكورونا ـ هذه القصيدة وقد صوّر فيها معاناتنا اليومية ونحن نصارع هذا الوباء من أجل الحياة ويشهّر فيها بالاِحتكار وفقدان المواد الغذائية ويضمنّها كذلك النصائح الطبية للوقاية من خطر اِنتشار الوباء فكان الشاعر حقا ذا دور اِجتماعي باِمتياز

جرثومة ملعونة * منها وباء الكورونهْ

كالثور هاج علينا * ومدّ فينا قرونهْ

واجتاح كلّ بلاد * يرى الأنامُ فنونهْ

داء سرى في جنون * فما أشدّ جنونهْ....إلخ

وعبد الرحمان الكبلوطي سجّل بعض الأحداث السياسية المؤلمة مثل اِغتيال محمد البراهمي والفلسطيني محمد الدرّة

وشكري بالعيد الذي ورد في قصيده هذه الأبيات

هو شعلىة وقّادة في موطني * لهبا يشبّ لظاه بالتأكيد

قاد النضال محاميا في شعبه * يهفو لرفع الظلم بالتنديد

وسلاحه سيف اللسان فصيحهُ * نسرا يطير بشهمنا الصنديد

قتلوه ظنا أن شعلته خبت * وكذلك ظنوا القتل للتهديد...إلخ

فهذا الديوان جامع لأغراض متنوعة تشمل المواقف الوطنية والعربية والإنسانية من ناحية وتفسح مجالات حميمية للوجدان في قصائد أخرى وتسجل بعض تفاصيل الحياة اليومية أيضا فالشاعر عبد الرحمان الكبلوطي ترجمان عصره ولسان حال مثقّف ملتزم في قصائده جميعا

هذه تحية مودّة لصديق عرفته على مدى سنوات طويلة وكانت له مساهمات عديدة ومعتبرة في تنشيط الحياة الثقافية ومن بينها خاصة إشرافه على مدى عشرين سنة على منتدى أدباء التلاميذ الذي كان ينعقد كل سنة في ولاية من الولايات ودأبت على تنظمه وزارة التربية وقد تخرّج منه عديد الأدباء والأديبات هم اليوم في صدارة المشهد الأدبي وكان لي شرف مرافقته في تنظيمه مع صديقتنا الأديبة عروسية النالوتي وغيرها

كذلك لا يجب أن ننسى مساهمة الأستاذ عبد الرحمان الكبلوطي في المجال التربوي وتدريس اللغة العربية وآدابها وتطوير برامجها وطرق تدريسها ومواكبته اللطيفة والمفيدة للمئات من الأساتذة الذين كان يرعاهم بالنصح والإرشاد ممّا جعله محلّ التقدير والإجلال من الجميع وذلك لقدراته العلمية والبيداغوجية المتميّزة زد على ذلك ما حباه الله به من لطف ولباقة نادرة الوجود وكم هو بارع في ترأس الندوات والملتقيات الأدبية وغيرها بما يضفي عليها من روح المؤانسة والكياسة...

ولا تكون الخاتمة إلا بأن أقول إن الشاعر الصديق عبد الرحمان الكبلوطي قد تحمّل أخطار الخروج ومنع الجولان بين مدينة الزهراء ومدينة رادس في هذه الظروف الوبائية وجاء إلى بيتي ووضع الديوان في صندوق البريد محلّى بكلمات إهداء أخجل من ذكرها فأرجو أن أكون في مستواها يا صديقي العزيز .

 

سُوف عبيد

 

يسري عبد الغنيأبو القاسم هبة الله بن جعفر بن سناء الملك، وهذا هو لقبه الذي شُهر به، شاعر وأديب متميز. اختلف المؤرخون في سنة ولادته، ولد في مصر سنة (550 هـ _608هـ)، وشبَّ في ظل أسرة عريقة، نعمت بالغنى والثروة، وجمعت معها الفضل والمعرفة، وترعرع في ظل أب يرعاه، ويهتم بتعليمه وتثقيفه، فأحفظه القرآن الكريم، ودرّسه اللغة والنحو، فجمع في نشأته الأولى بين علوم الفقه والدين واللغة، وكان مُلمَّاً ببعض اللغات الأجنبية المنتشرة في تلك الحقبة، كاللغة الفارسية التي كان يتقنها وينشر بعض إنتاجه بها، ويستخدم بعض الخرجات الفارسية في موشحاته، كما كان ملماً بعلوم الفلك، حتى كثرت إشاراته لأسماء الكواكب والنجوم والأفلاك ومنازلها، وما يدور حولها من قصص وأساطير.

ويأتي على رأس علاقات ابن سناء الملك مع علماء عصره علاقته بالقاضي الفاضل، الذي يقول عنه: «هو الأستاذ وأنا التلميذ له، والمتعلم منه». فكانت بينهما مودة وتواصل بالرسائل، وكتاب «فصوص الفصول» حافل بالرسائل التي أرسلها القاضي الفاضل إلى ابن سناء الملك، والرد عليها، وهذه الرسائل تدل على الصلة الوثيقة بينهما، مما حمل الشعراء المعاصرين على حسده. كان لهذه الصلة أثر بارز في حياة ابن سناء الملك، لأن القاضي الأثير عند صلاح الدين الأيوبي جعل ابن سناء الملك مقرَّباً من صلاح الدين وحاشيته فمدح من السلاطين صلاح الدين وأولاده العزيز و الأفضل، وأخاه الملك العادل، ومن الوزراء ابن شكر.

 وقد استدعاه القاضي الفاضل إلى دمشق، ولكن حنينه إلى القاهرة أعاده سريعاً إلى مصر. وعلى الرغم من أن ابن سناء الملك أقام بمصر إلا أن شهرته الشعرية طبَّقت الآفاق فَعُرف بين شعراء مصر وشعراء الشام، زاد على ذلك أنه كانت له مجالس تجري فيها المحاورات والمفاكهات التي يروق سماعها، وكانت داره إحدى المنتديات التي جمعت أسباب الترف واللهو، ولكنه كان على جانب كبير من الأخلاق الكريمة، فيها الاعتدال والورع والتقوى والشموخ والاعتداد بالنفس، أما مذهبه فقد قرر ابن سعيد بأنه كان مغالياً في التشيع، على حين قررّ آخرون من المؤرخين أنه كان سُنيِّاً، والحديث في ذلك يطول.

ترك ابن سناء الملك تراثاً رائعاً يأتي على رأسه:

ديوانه الشعري، وهو ديوان بديع يشهد برسوخ قدمه في الشعر، طبع بتحقيق محمد إبراهيم نصر في القاهرة سنة 1969م، ثم أعادت الهيئة العامة لقصور الثقافة طبعة سنة 2003 .

دار الطراز في عمل الموشحات، وهو أول كتاب نظر للموشحات في تاريخ الأدب العربي كله، حيث قام ابن سناء الملك بوضع أصول وقواعد نظم الموشح كما فعل الخليل مع الشعر، كما يتضمن عدداً كبيراً من الموشحات الأندلسية القديمة، وموشحات ابن سناء الملك، وقد طبع بتحقيق جودت الركابي في بيروت سنة 1949م، وأعادت الهيئة العامة لقصور الثقافة في مصر طبعه سنة 2004 .

فصوص الفصول وعقود العقول، ويتضمن رسائله مع القاضي الفاضل.

مختصر الحيوان للجاحظ .

قالوا عنه

قال العماد الأصفهانى عنه لما قابله: «... فوجدته في الذكاء آية، قد أحرز في صناعة النظم والنثر غاية، تلقى عرابة العربية له باليمين راية، وقد ألحفه الإقبال الفاضلي في الفضل قبولا، وجعل طين خاطره على الفطنة مجبولا، وأنا أرجو أن ترقى في الصناعة رتبته، وتغزر عند تمادي أيامه في العلم بغيته، وتصفو من الصفا منقبته، وتروى بماء الدربة رويته، وتستكثر فوائده، وتؤثره قلائده..»

وألف الصفدي كتاباً سماه (الاقتصار على جواهر السلك في الانتصار لابن سناء الملك) .

وللقاضي السعيد نوادر كثيرة. وتوفي في شهر رمضان سنة (608هـ) بالقاهرة.

يا شقيق الروح من جسدي أهواً بي منك أم ألم

من شعره:

أيها الظبي الذي شرد تركتني مقلاتك سدى

زعموا أني أراك غدا وأظن الموت دون غدي

أين مني اليوم ما زعموا أه

أدنو شيئاً أيها القمر كاد يمحو نورك الخفر

أدلال ذاك أم حذر يا نسيم الروح من بلدي

خبر الأحباب كيف هم أه

اذكر أنني استمتعت جدا بالجزء الأول من قصيدته "باتت معانقتي و لكن في الكرى" التي قالها في مدح القاضي الفاضل

هذا الجزء من أجمل ما قرأت في الغزل و كانت هذه عادة عند الشعراء القدامى أن يبدأوا قصائدهم بالغزل على اختلاف مقاصدها

و هذه الأبيات بالذات هي أكثر ما يعجبني

أشكو إليها رقتي لترق لي *** فتقول تطمع بي و أنت كما ترى

و إذا بكيت دما تقول شمت بي *** يوم النوى فصبغت دمعك أحمرا

يا من سبى في الحسن عبلة عبدة *** رفقا عليّ فليس قلبي عنترا ...

ابن سناء الملك من شعراء العصر الأيوبي قيل انه مبالغ في تشيعه لكن هذا القول رد ونفي ايضاً له قصائد جميلة جدا وابيات تعلق بالذهن والقلب  منها   قصيدة له  نظمت عل بحر المديد ..

في مدحه لصلاح الدين الايوبي لفتح حلب

اتى اليها يقود البحر ملتطماً__ والبيض كالموج والبيضات كالحبب

تبدوا الفوارس منها في سوابغها ___ بين النقيضين من ماء ومن لهب

تطوي البلاد واهليها كتائبه ___طياً كما طوت الكتاب للكتب

خافت وخاف وفر المالكون لها __ فالمدن في رهب والقوم في رهب

ويقول عن الملك العادل ابا بكر بن أيوب:

هو الملك المحيي المميت ببأسه __ ونائله ايان يرضى ويغضب

وفي ابيات جميلة مدح فيهها الملك المظفر فقال :

مآلي هُجرتت بغير ذنب __واسرت فيك بغير حرب

فأجبني هذا جزاؤك __ اذا سكرت بغير شرب

وقال في مدح الفضل ايضاً:

راحت وحق الله روحي__ بين المليحة والمليح

واعادها من وجوده __ كالغيث لا بل كالمسيح

اما مفضلتي فهي:

إِنَّكَ المخلوقُ في كَبدي __وأَنا المخلوقُ في كَبَدِ

إِنْ نَجَا مِنْ مَاءِ أَدمُعِه __فإِلى نارٍ من الْكَمَدِ

يَشْتَهي وَصْلاً فلم يَرَه__ ويَرَى ماءً فلم يَرد

هائِمٌ حَيْرَانُ في بلدٍ __والذي يَهْواهُ في بَلَد

***

بقلم/ د. يسري عبد الغني