 كتب وإصدارات

عدنان عبّاس: الشاعر والوجود.. كتاب يستحقّ المتابعة للناقد يوسف شحادة

عدنان عباسصدر مؤخّرًا بالإنجليزيّة (2021) كتاب عن مطبعة جامعة ياجيللونسكي Jagiellonian University Press في كراكوف  Cracow(بولندا Poland)، بعنوان: الشاعر والوجود.. مضامين النصّ وتفاعل الواقع، والأساطير والرموز في شعر هاتف جنابي

 The Poet and Existence.. Text Contents and the Interaction of Reality, Myths and Symbols in Hatif  Janabi’s Poetry. –

مؤّلف الكتاب هو الأستاذ في قسم اللغة العربيّة بمعهد الدراسات الشرقيّة في الجامعة المذكورة، والشاعر والناقد والمترجم الفلسطيني، ذو الثقافتين: العربيّة والبولنديّة، الدكتور يوسف شحادة Yousef Sh'hadeh. يبلغ عدد صفحات الكتاب 224 صفحة، منها 180 بالإنجليزيّة، تضمّ مقدّمة وأربعة فصول ونتائج وحقلًا للمصادر والمراجع، و43 بالعربيّة كملخّص للدراسة. 

وبقدر ما أستعرض أدناه ما تضمّنه هذا الكتاب، أشير إلى أنّني قمتُ بتقييمه بتكليف رسمي من مطبعة جامعة ياجيللونسكي، وفقًا للتقاليد المعروفة في مطابع الجامعات البولنديّة، بالحصول على تقييم إيجابي للموافقة على طبعه، فضلًا عن معرفتي بإنتاج الشاعر العراقي هاتف جنابي، فقد نشرتُ كتابًا نقديًّا وبعض المقالات عن شعره بالعربيّة. من جانب آخر، كنتُ أحد المقيّمين الإيجابيّين لأعمال المؤلّف يوسف شحادة العلميّة المنشورة ونشاطه الجامعي للحصول على درجة التأهيل لما بعد الدكتوراه في بولندا (habilitation)، ولذلك أعرف عن قرب إمكانيّاته المتميّزة كباحث أكاديمي وناقد، ودراساته التي يتناول فيها أعمالًا أدبيّة عربيّة.

يذكر المؤلّف في مقدّمة عمله Introduction  إلى أنّه "دراسة  نقديّة لخمس مجموعات شعريّة للشاعر هاتف جنابي: فراديس – أيائل وعساكر (دمشق 1998)، رغبة بين خيمتين (بيروت 2009)، موعد مع شفرة السكّين (بيروت 2012)، إذا دخلتَ بيتنا فستقبّل قدميك العتبة (بغداد 2014)، وليمة الأسماك (بغداد 2017)". أمّا هدفه في هذه الدراسة، فهو، مثلما يكتب، "كشف جوانب مهمّة في مضامين المنجز الشعري" للشاعر، وتجربته الشعريّة، التي يجد أنّها جاءت بعد "مخاض عسير، تعالى صداه على تخوم عالمين مختلفين، وتجلّى بين غربتين: غربة الذات، وغربة المنفى".

يتابع الكاتب في فصول كتابه الأربعة (161 صفحة)، بروح نقديّة تحليليّة متون مجموعة من القصائد المختارة وأفكارها في الدواوين الخمسة، لشاعر يعكس إنتاجه تنوّعًا في الروافد الثقافيّة، وخصوصًا العراقيّة والبولنديّة. يركّز الناقد في هذه الفصول بشكل رئيس على موضوعات محوريّة ترتبط بالغربة، وصورة البطل، ودلالات العناوين، والأساطير، ويناقش ما ورد فيها من اتّجاهات واقعيّة ورمزيّة وسورياليّة ووجوديّة إلخ. يتناول مضامين القصائد الفكريّة والفلسفيّة، بما في ذلك نواميس الوجود والصراع، وكينونة الإنسان وهواجسه وخيباته وهمومه وانتكاساته وآماله، ويتوقّف عند جماليّة الطبيعة وأنسنة عدد من عناصرها، وثيمات ترتبط بالحبّ والجمال والحلم، والمنقذ أو المخلّص، وخطاب الشاعر الإنساني المتسامح، والرافض للإرهاب والحرب والتطرّف والتعصّب. يهتمّ أيضًا بتحليل صور القصائد ورموزها، وأبعادها الثقافيّة والصوفيّة العرفانيّة، ويتقصّى تنوّع اتّجاهاتها، ورؤى شاعرها، ويعرّج على أسلوب الحوار والمناجاة، والتشخيص والتناصّ، وتطويع اللغة في هذا المجال.

2921 يوسف شهادةيلقي المؤلّف الضوء بشكل خاصّ في الفصل الأوّل (36 صفحة)، بعنوان: "الشاعر بين غربتين" The Poet Between Two Expatriates، على غربة الذات وشقائها وغربة المنفى وهمومها، ووحدة الشاعر والإنسان، ومآسي الابتعاد عن الوطن والأهل والأحبّة، و"موضوع الغياب"، و"الاغتراب والشقاء بنغمة الحسرة والأسى". أمّا في الفصل الثاني، الذي يعتبر أقصر فصل في الدراسة (31 صفحة)، بعنوان: "البطل الفردي والجمعي – الأنسنة والحيونة والتشيّؤ"Single and Collective Hero Humanization, Animalization، ـand Objectification فيدرس مسألة تعدّد الضمائر والأصوات، ويحلّل صورة البطل، ومنه البطل الدرامي، وقلقه الوجودي، ورؤيته أو رؤية الشاعر للعالم، والعلاقة بين الإنسان والمخلوقات، ومثلها بين المفرد والجمع. يركّز في أطول فصل في الكتاب، أي الفصل الثالث (48 صفحة)، بعنوان: "دلالات العنوان والإيحاء والرموز" Title Indications, Allusiveness and Symbols، على اهتمام الشاعر باختيار عناوين قصائده ودواوينه، رمزيّتها وانزياحاتها وسيمائيّتها ودلالاتها الجماليّة، ودور الأرقام والعلامات الحسابيّة في عدد من القصائد المختارة. ويرى في الفصل الرابع (41 صفحة)، بعنوان: "الانفتاح النصّي وتوظيف الأساطير والإيمان والكتب المقدّسة"Textual Openness and Employment of Myths, Religions, and Holy Books، أنّ قصائد الشاعر "منفتحة على نصوص أدبيّة، وميثولوجيّة، ودينيّة متنوّعة، لها أهمّيّتها المميّزة في التراث الإنساني"، وأنّ تلك التي تتضمّن عددًا من الأساطير الرافدينيّة واليونانيّة، "يتشابك الواقع فيها بالخيال والرمز"، وأنّ الشاعر يستعين بالتشخيص والتناصّ، من أجل تشكيل رؤاه حول نواميس الحياة والطبيعة، وإبراز دور القيم والأفكار في التقريب بين الثقافات والتضامن الإنساني في الوقت نفسه.

يشتمل حقل المصادر والمراجع Bibliography، على 46 كتابًا نظريًّا ونقديًّا، وديوانًا شعريًّا، وأربع مجلّات وصحف، وثمانية قواميس وموسوعات، وموقعين إلكترونيّين. ويختتم المؤلّف يوسف شحادة كتابه بنتائج Conclusion، تعكس دقّة ما توصل إليه في متابعته النقديّة لمضامين دواوين الشاعر. يؤكّد في هذه النتائج على "تنوّع منجز الشاعر، وثرائه، ونضوجه فكريًّا وفنّيًّا"، و"التلاقح الفكري" بين أعماله و"الثقافات الأخرى" و"تنوّع مكوّناتها الفكريّة والخطابيّة والدلاليّة"، ويثير الانتباه إلى تجربة الشاعر الإبداعيّة بأنّها "مميّزة من حيث تماهيها مع حضارتين: عربيّة – شرقيّة، وأوروبيّة – غربيّة"، وأنّ قصائده تبرز فيها "فلسفة الوجود بأبعاده المحسوسة، والتجريديّة والغيبيّة". يؤكّد أيضًا على ثراء هذه القصائد بصورها ورموزها، بغضّ النظر عن غموض بعضها، وتباين عدد من النصوص من حيث بناها. وأتّفق مع ما ذهب إليه بأنّ هاتف جنابي "شاعر نخبوي"، وأنّ عوالم شعره بقدر ما هي "مدهشة"، إلّا أنّها "منفتحة على تفسيرات متنوّعة".

لقد أظهرت الدراسة مقدرة الكاتب الغنيّة في تبويب فصوله السليم، وتنظيم أفكاره، وابتعاده عن التكرار أو الوقوع في دائرة الالتباس باستخدام المصطلح، ودخوله إلى موضوعات دواوين الشاعر المختارة بعمق، وروح نقديّة موضوعيّة، وتعزيز تصوّراته وآرائه من خلال استعانته بمنظور تحليلي واعٍ، وأمثلة ومراجع وإحالات إلى الهوامش. أعود لأؤكّد هنا، أسوة بما جاء في تقيييمي الإيجابي المكتوب باللغة البولندية، على مهارات الأستاذ الدكتور يوسف شحادة العلميّة العالية في كتابه هذا، وجهوده الكبيرة المبذولة فيه سواء في متابعة قصائد الشاعر نقديًّا بالإنجليزيّة، مع ملخّص مفصّل بالعربيّة، أو في ترجمة الشواهد الشعريّة العربيّة المختارة إلى الإنجليّزية. وبقدر ما أثمّن هذا العمل تثمينًا عاليًا لمحتواه ومنهجيّة مؤلّفه، فإنّه يعتبر مرجعًا مهمًّا في دراسة شعر هاتف جنابي، وآمل أنْ يحظى صدوره باهتمام القرّاء والمتخصّصين.

 

بقلم: عدنان عبّاس

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية خاصة من القلب إلى الصديق العزيز الوفي الأستاذ عدنان عباس على هذه المادة المفصلة العميقة الوافية في التعريف بجهد الأستاذ الدكتور يوسف شحادة الذي أتحفنا بدراسة عميقة محترفة صدرت عن جامعة عريقة هي جامعة ياغيلونسكي. شكرا لكما أيها العزيزان المتميزان المتفضلان والشكر موصول إلى موقع المثقف الغراء ومؤسسها الأستاذ المجتهد ماجد الغرباوي الذي أتاح لنا قراءة هذه المادة.
هاتف جنابي

هاتف جنابي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرًا جزيلًا للصديق العزيز الشاعر هاتف جنابي على وجهة نظره، وتحيّاتي له على كلماته ولطفه.

عدنان عبّاس
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لك عدنان انك عرفتنا بهذا. الجهد الابداعي بقراءة الاستاذ المتخصص في اكتشاف منابع الجمال في الشعر والسرد، وتحية لك وللاخ هاتف الجنابي هذا التواصل الغني والعميق

جمال العتابي
This comment was minimized by the moderator on the site

تحيّاتي للصديق العزيز الكاتب جمال العتابي، وامتناني له أيضًا على رأيه الذي أعتز به.

عدنان عبّاس
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5524 المصادف: 2021-10-20 04:26:56


Share on Myspace