حاتم حميد محسنان الأعضاء من القراء لايدفعون النقود لأجل الحصول على الأخبار لأنفسهم لأنهم يعرفون تلك الأخبار سلفا. هم يحتاجون الى غرف أخبار تعمل بالقيم وليس بالأخبار، هذا أجبر تدريجيا الصحافة لتتحول الى ما بعد الصحافة postjournalism – بروبوغندا ذات تمويل جماعي .

الصحافة الكلاسيكية تظاهرت بالموضوعية، كافحت لوصف العالم كما هو. اما ما بعد الصحافة فهي معيارية ، تفرض الكلمة كما يجب ان تكون. (اندريه مير، ما بعد الصحافة، ص7،264)(1).

كتاب ما بعد الصحافة لاندريه مير يقدّم سردا قويا وكاسحا لكيفية تطور أخبار الميديا عبر القرون. الاطار الذي اعتمده مير هو ان تكنلوجيا الاعلام تقرر الكيفية التي تُدعم بها الصحافة ماليا، وان اولئك الذين يموّلون اخبار الميديا هم بدورهم يصوغون محتواها. في القرن الواحد والعشرين، خسر قطاع الصحافة عائدات الاعلان الى شركات الانترنيت بدءأ من كريغلست وحتى غوغل. جائحة كورونا قلّصت إعلانات الصحف الى مدى أبعد. القليل من الصحف أنقذت نفسها عبر توليد اشتراكات مدفوعة عبر الانترنيت. يجادل المؤلف ان هذا غيّر الكيفية التي تصف بها الميديا حياتنا. "الميديا التي تعتمد على عوائد الاعلان تجعل العالم يبدو سارا، اما الميديا المعتمدة على عائدات القرّاء تجعل العالم كئيبا"(ص8). المعلنون يريدون الوصول الى الجمهور الذي هو في سلام نسبي. ولهذا، فان عصر الميديا المدعومة بالاعلان كان من النوع الذي لايغذّي الجدل والكراهية. لكن القصص الهادئة نسبيا لا تحفز الناس لدفع اجور الاشتراكات. اليوم، يمكن للناس الحصول على الأخبار مجانا. هم يستطيعون الحصول على المباريات الرياضية والمعلومات المالية والتسلية بدون الذهاب الى الصحف. يرى مير ان الناس هذه الايام يدفعون للصحف لتأكيد مصداقية وجهات نظرهم . الصحف تقوم بهذا بفاعلية عبر إبراز قصص حول الأفعال المخزية لخصومهم من السياسيين المشتركين .

يرى المؤلف ان الاشتراكات الحالية عبر الانترنيت هي في جزئها الاكبر عبارة عن تبرعات. الكاتب يسمي هذا "الاشتراك التبرعي"، "الاشتراك بمصدر اعلامي مفضل يشبه مساعدة فريقك الرياضي المفضل او الكلية التي تخرجت منها. المشتركون المتبرعون لا يهتمون حقا في اكتساب المعلومات ..". المشتركون يريدون رفع مكانة قصصهم المفضلة. "الدعوة الى الاشتراك كتبرع يجعل الميديا تسيّس وتثوّر وتستقطب البرامج، وتساهم في الانقسام العام في المجتمع" (ص13).

2920 الصحافةفي الحقيقة، من الصعب على أي صحيفة ان تكون قادرة على تنفيذ نموذج الاشتراك التبرعي بنجاح. يقارن مير الصحافة المطبوعة عام 2002 مع اشتراكاتها الرقمية عام 2019. وفق هذا القياس، الواشنطن بوست و نيويورك تايمز ضاعفتا جمهورهما من القراء. لكن صحفا اخرى مثل لوس انجلس تايمز و صحيفة سان فرانسسكو، واجها هبوطا في جمهورهما بنسبة اكثر من 80%. الكاتب يرى ان حضور دونالد ترمب في المسرح السياسي كان عاملا رئيسيا بتعجيل النزعة نحو ما بعد الصحافة. قبل عام 2015، حاول التيار الرئيسي للميديا الحفاظ على ممارسات الصحافة الموضوعية التي تأسست خلال العصر المدعوم بالاعلانات. وفي السنوات الخمس اللاحقة، اتجهت تلك الصحافة نحو النشاط والمبالغة، ناشرة ادّعاءات تواطؤ ترامب مع روسيا كمثال على ذلك. ومع هزيمة ترامب، يتنبأ المؤلف بهبوط هام في الاشتراكات المدفوعة. يرى مير ان ما نعتقده كصحافة موضوعية "تقليدية" ليس هو العقيدة التاريخية. قبل اواخر القرن التاسع عشر، كانت الميديا المطبوعة ثمينة جدا. كانت النخب هي فقط منْ يدفع للصحف وكانت تنال الاهتمام من تلك النخب. ومنذ عام 1800، أدّت الاختراعات الى هبوط دراماتيكي في كلفة الطباعة. ومع ارتفاع نسبة الأبجدية، قاد هذا الى تحوّل في صناعة الصحف. ومنذ ذلك الوقت،اعتمد تأثيرها السياسي والتجاري ليس على الناس المتعلمين للقراءة، وانما على كلفتها للجمهور. مختلف نماذج التمويل اصبحت ممكنة مثل، التمويل السياسي، تجارة الصحف، بيع الاعلانات ومختلف التراكيب من بين تلك (ص51).

واجه الإعلام الواسع تكاليف ثابتة عالية وتكاليف حدية قليلة مع منافسة محدودة وأرباح مضمونة نسبيا. الصحف أمتعت الجماهير بالكاريكاتير والرياضة. اما التلفزيون فقد أمتعهم بالمسلسلات الكوميدية. هذه التسلية رافقتها تقارير الاخبار الموضوعية التي خدمت مصالح المعلنين عبر عدم دعم اي وجهة نظر سياسية معينة. يكتب مير: "الاخبار ذاتها سلعة شديدة التناقض . انها دائما "تحتاج" لتُقرأ، هي دائما تشكل نوعا من الطلب من الأسفل. ولكن هناك دائما شخص ما من الأعلى يريد ان يدفع لأخبار معينة لكي تُسلّم للعامة. واولئك الذين في الأعلى – الذين هم في السلطة او المعلنين – يريدون ان يدفعوا لتسليم الاخبار الملائمة اكثر من اولئك الذين في الاسفل الذين يرغبون وقادرون على الدفع لإستلام الصحف (ص55). بكلمة اخرى، "محتوى الصحف سوف يُدفع له دائما .. من جانب اولئك الذين يريدون تسليمه وليس من قبل اولئك الذين يريدون استلامه" (ص137).

باختصار، اولئك الذين يوفرون الدعم المالي لميديا الاخبار سوف يحددون ما يُعرض على الجمهور. ومع تراجع اعلانات السوق الواسع من الصحف، والتحول الى الاشتراكات عبر الانترنيت، فان الاخبار اللطيفة المفضلة من جانب المعلنين تتلائم مع الرؤية المفضلة من جانب المتبرعين المشتركين.

ان وفرة الأخبار في المواقع الالكترونية والتواصل الاجتماعي يخلق الميول بعيدا عن الموضوعية في الصحف. التقارير المباشرة بواسطة الصحف التقليدية تضيف نسبيا القليل لما يعرفه الناس سلفا. "في سنوات الـ 2010، ومع الانتشار الواسع للانترنيت والتواصل الاجتماعي، اصبحت الصحافة تميل لتكون مفضلة للآراء. التقارير استسلمت للتعليقات (ص100).

يؤكد المؤلف على ان حرية الكلام هي تحت النار لأن الوصول الى الميديا اصبح ديمقراطيا. قبل الانترنيت، كان الكلام يُنقّى بفاعلية عبر كلفة الحصول على قدرة استعمال الاعلام الواسع. ولكن الان: "اصبحت حرية الكلام مضمونة تقنيا لكل شخص وبالتالي فقدت قيمتها العالمية الهامة، كذلك، الانتاج المفرط للكلام الحر ادّى الى ضرورة ان يجد المجتمع آليات تنقية اخرى ...(ص280).

مع افتراض ان الغالبية حقا يخشون من الكلام الحر. فنحن لدينا الرغبة المترفة في مناصرة الكلام الحر طالما اولئك الذين يزعجوننا لديهم امكانية قليلة في الوصول للجمهور الواسع. ولكن مع توفر مكبر الصوت megaphone لأي شخص، اصبحنا ندرك اننا نريد تقييد محتوى ما يقوله الناس الآخرون.

في الحقيقة، يجادل الكاتب ان العديد من قيمنا الليبرالية التنويرية هي نتاج عصر الميديا الذي بدأ قبل خمسة قرون وانه ربما ينتهي الان."الصحف او مقالات المجلات كانت آخر نص للحداثة، آخر نص لعصر الابجدية، آخر نص لغوتنبرغ وبالحقيقة، آخر نص".

كيف نستطيع الدفاع عن الليبرالية ضد ما بعد الصحافة بالذات والتأثير الما بعد حداثوي للميديا المعاصرة بشكل أعم؟

"الحقيقة الرقمية اصبحت بيئة طبيعية للناس . لا حاجة هناك لتعليم أي شخص كيف يستعمل التواصل الاجتماعي او الانترنيت، تماما مثل عدم الحاجة لتعليم الناس كيف يتنفسون. هذه المهارات تأتي طبيعيا. تعليم الميديا يجب ان يركز على مقاومة سلطة القوى الطبيعية. تقنيات السيطرة على شيء رقمي يجب ان تعلّم المستخدمين على كيفية عدم التنفس (ص374). ومع أهمية تعليم الميديا فان رسالة مير يجب ان تُقرأ وتعاد قرائتها.

 

حاتم حميد محسن

...............................

How Economics Drives News media, The Library of Economics and Liberty, July, 2021

(1) كتاب اندريه مير (ما بعد الصحافة وموت الصحف،الميديا بعد ترامب: صناعة الغضب والاستقطاب) صدر في اغسطس 2020 في 388 صفحة.

 

 

عدنان عباسصدر مؤخّرًا بالإنجليزيّة (2021) كتاب عن مطبعة جامعة ياجيللونسكي Jagiellonian University Press في كراكوف  Cracow(بولندا Poland)، بعنوان: الشاعر والوجود.. مضامين النصّ وتفاعل الواقع، والأساطير والرموز في شعر هاتف جنابي

 The Poet and Existence.. Text Contents and the Interaction of Reality, Myths and Symbols in Hatif  Janabi’s Poetry. –

مؤّلف الكتاب هو الأستاذ في قسم اللغة العربيّة بمعهد الدراسات الشرقيّة في الجامعة المذكورة، والشاعر والناقد والمترجم الفلسطيني، ذو الثقافتين: العربيّة والبولنديّة، الدكتور يوسف شحادة Yousef Sh'hadeh. يبلغ عدد صفحات الكتاب 224 صفحة، منها 180 بالإنجليزيّة، تضمّ مقدّمة وأربعة فصول ونتائج وحقلًا للمصادر والمراجع، و43 بالعربيّة كملخّص للدراسة. 

وبقدر ما أستعرض أدناه ما تضمّنه هذا الكتاب، أشير إلى أنّني قمتُ بتقييمه بتكليف رسمي من مطبعة جامعة ياجيللونسكي، وفقًا للتقاليد المعروفة في مطابع الجامعات البولنديّة، بالحصول على تقييم إيجابي للموافقة على طبعه، فضلًا عن معرفتي بإنتاج الشاعر العراقي هاتف جنابي، فقد نشرتُ كتابًا نقديًّا وبعض المقالات عن شعره بالعربيّة. من جانب آخر، كنتُ أحد المقيّمين الإيجابيّين لأعمال المؤلّف يوسف شحادة العلميّة المنشورة ونشاطه الجامعي للحصول على درجة التأهيل لما بعد الدكتوراه في بولندا (habilitation)، ولذلك أعرف عن قرب إمكانيّاته المتميّزة كباحث أكاديمي وناقد، ودراساته التي يتناول فيها أعمالًا أدبيّة عربيّة.

يذكر المؤلّف في مقدّمة عمله Introduction  إلى أنّه "دراسة  نقديّة لخمس مجموعات شعريّة للشاعر هاتف جنابي: فراديس – أيائل وعساكر (دمشق 1998)، رغبة بين خيمتين (بيروت 2009)، موعد مع شفرة السكّين (بيروت 2012)، إذا دخلتَ بيتنا فستقبّل قدميك العتبة (بغداد 2014)، وليمة الأسماك (بغداد 2017)". أمّا هدفه في هذه الدراسة، فهو، مثلما يكتب، "كشف جوانب مهمّة في مضامين المنجز الشعري" للشاعر، وتجربته الشعريّة، التي يجد أنّها جاءت بعد "مخاض عسير، تعالى صداه على تخوم عالمين مختلفين، وتجلّى بين غربتين: غربة الذات، وغربة المنفى".

يتابع الكاتب في فصول كتابه الأربعة (161 صفحة)، بروح نقديّة تحليليّة متون مجموعة من القصائد المختارة وأفكارها في الدواوين الخمسة، لشاعر يعكس إنتاجه تنوّعًا في الروافد الثقافيّة، وخصوصًا العراقيّة والبولنديّة. يركّز الناقد في هذه الفصول بشكل رئيس على موضوعات محوريّة ترتبط بالغربة، وصورة البطل، ودلالات العناوين، والأساطير، ويناقش ما ورد فيها من اتّجاهات واقعيّة ورمزيّة وسورياليّة ووجوديّة إلخ. يتناول مضامين القصائد الفكريّة والفلسفيّة، بما في ذلك نواميس الوجود والصراع، وكينونة الإنسان وهواجسه وخيباته وهمومه وانتكاساته وآماله، ويتوقّف عند جماليّة الطبيعة وأنسنة عدد من عناصرها، وثيمات ترتبط بالحبّ والجمال والحلم، والمنقذ أو المخلّص، وخطاب الشاعر الإنساني المتسامح، والرافض للإرهاب والحرب والتطرّف والتعصّب. يهتمّ أيضًا بتحليل صور القصائد ورموزها، وأبعادها الثقافيّة والصوفيّة العرفانيّة، ويتقصّى تنوّع اتّجاهاتها، ورؤى شاعرها، ويعرّج على أسلوب الحوار والمناجاة، والتشخيص والتناصّ، وتطويع اللغة في هذا المجال.

2921 يوسف شهادةيلقي المؤلّف الضوء بشكل خاصّ في الفصل الأوّل (36 صفحة)، بعنوان: "الشاعر بين غربتين" The Poet Between Two Expatriates، على غربة الذات وشقائها وغربة المنفى وهمومها، ووحدة الشاعر والإنسان، ومآسي الابتعاد عن الوطن والأهل والأحبّة، و"موضوع الغياب"، و"الاغتراب والشقاء بنغمة الحسرة والأسى". أمّا في الفصل الثاني، الذي يعتبر أقصر فصل في الدراسة (31 صفحة)، بعنوان: "البطل الفردي والجمعي – الأنسنة والحيونة والتشيّؤ"Single and Collective Hero Humanization, Animalization، ـand Objectification فيدرس مسألة تعدّد الضمائر والأصوات، ويحلّل صورة البطل، ومنه البطل الدرامي، وقلقه الوجودي، ورؤيته أو رؤية الشاعر للعالم، والعلاقة بين الإنسان والمخلوقات، ومثلها بين المفرد والجمع. يركّز في أطول فصل في الكتاب، أي الفصل الثالث (48 صفحة)، بعنوان: "دلالات العنوان والإيحاء والرموز" Title Indications, Allusiveness and Symbols، على اهتمام الشاعر باختيار عناوين قصائده ودواوينه، رمزيّتها وانزياحاتها وسيمائيّتها ودلالاتها الجماليّة، ودور الأرقام والعلامات الحسابيّة في عدد من القصائد المختارة. ويرى في الفصل الرابع (41 صفحة)، بعنوان: "الانفتاح النصّي وتوظيف الأساطير والإيمان والكتب المقدّسة"Textual Openness and Employment of Myths, Religions, and Holy Books، أنّ قصائد الشاعر "منفتحة على نصوص أدبيّة، وميثولوجيّة، ودينيّة متنوّعة، لها أهمّيّتها المميّزة في التراث الإنساني"، وأنّ تلك التي تتضمّن عددًا من الأساطير الرافدينيّة واليونانيّة، "يتشابك الواقع فيها بالخيال والرمز"، وأنّ الشاعر يستعين بالتشخيص والتناصّ، من أجل تشكيل رؤاه حول نواميس الحياة والطبيعة، وإبراز دور القيم والأفكار في التقريب بين الثقافات والتضامن الإنساني في الوقت نفسه.

يشتمل حقل المصادر والمراجع Bibliography، على 46 كتابًا نظريًّا ونقديًّا، وديوانًا شعريًّا، وأربع مجلّات وصحف، وثمانية قواميس وموسوعات، وموقعين إلكترونيّين. ويختتم المؤلّف يوسف شحادة كتابه بنتائج Conclusion، تعكس دقّة ما توصل إليه في متابعته النقديّة لمضامين دواوين الشاعر. يؤكّد في هذه النتائج على "تنوّع منجز الشاعر، وثرائه، ونضوجه فكريًّا وفنّيًّا"، و"التلاقح الفكري" بين أعماله و"الثقافات الأخرى" و"تنوّع مكوّناتها الفكريّة والخطابيّة والدلاليّة"، ويثير الانتباه إلى تجربة الشاعر الإبداعيّة بأنّها "مميّزة من حيث تماهيها مع حضارتين: عربيّة – شرقيّة، وأوروبيّة – غربيّة"، وأنّ قصائده تبرز فيها "فلسفة الوجود بأبعاده المحسوسة، والتجريديّة والغيبيّة". يؤكّد أيضًا على ثراء هذه القصائد بصورها ورموزها، بغضّ النظر عن غموض بعضها، وتباين عدد من النصوص من حيث بناها. وأتّفق مع ما ذهب إليه بأنّ هاتف جنابي "شاعر نخبوي"، وأنّ عوالم شعره بقدر ما هي "مدهشة"، إلّا أنّها "منفتحة على تفسيرات متنوّعة".

لقد أظهرت الدراسة مقدرة الكاتب الغنيّة في تبويب فصوله السليم، وتنظيم أفكاره، وابتعاده عن التكرار أو الوقوع في دائرة الالتباس باستخدام المصطلح، ودخوله إلى موضوعات دواوين الشاعر المختارة بعمق، وروح نقديّة موضوعيّة، وتعزيز تصوّراته وآرائه من خلال استعانته بمنظور تحليلي واعٍ، وأمثلة ومراجع وإحالات إلى الهوامش. أعود لأؤكّد هنا، أسوة بما جاء في تقيييمي الإيجابي المكتوب باللغة البولندية، على مهارات الأستاذ الدكتور يوسف شحادة العلميّة العالية في كتابه هذا، وجهوده الكبيرة المبذولة فيه سواء في متابعة قصائد الشاعر نقديًّا بالإنجليزيّة، مع ملخّص مفصّل بالعربيّة، أو في ترجمة الشواهد الشعريّة العربيّة المختارة إلى الإنجليّزية. وبقدر ما أثمّن هذا العمل تثمينًا عاليًا لمحتواه ومنهجيّة مؤلّفه، فإنّه يعتبر مرجعًا مهمًّا في دراسة شعر هاتف جنابي، وآمل أنْ يحظى صدوره باهتمام القرّاء والمتخصّصين.

 

بقلم: عدنان عبّاس

 

ستار الزهيريمن خلال قراءتي  للمرة الثانية لكتاب: (مقدمة في علم الكلام الجديد) للدكتور عبد الجبار الرفاعي في طبعته المزيدة، بعد قراءة طبعته الأولى، لا أستبعد صدور طبعة ثالثة ورابعة له،كما يصرح المؤلف في تقديمه لهذه الطبعة بقوله: "يعترف المؤلفُ بأن كلَّ نصٍّ يكتبُه لا يراه نهائيًا، يكتبُه كمسوّدة، وبعد تحريرٍ وتنقيحٍ ومراجعاتٍ متعدّدة يبعثه لدار النشر، وعند نشره تتحوّل هذه الطبعةُ إلى مسوّدة لطبعةٍ لاحقة، وهكذا تلبث كتاباتُه مسوّداتٍ غير مكتملة،كلُّ طبعة جديدة مسوّدةٌ لطبعة لاحقة، وكأنه يحلم بالكمال الذي يعرفُ أنه لن يدركَه في كلِّ ما يكتبُه"، (مقدمة في علم الكلام الجديد، ص 23).

يشارك الرفاعي معاصريه همومهم، وإن كان يختلف عن غيره في طريقة التفكير وطريقة الحل، اختلافا يحفظ له كيانه المتميز؛ الذي نجده يتمثل في:

أولا: اقتراحه ان يبدأ التجديد في علوم الدين بعلم الكلام، لأنه الأساس الذي يقوم عليه علم أصول الفقه، والفقه، وغير ذلك من معارف الدين. علمُ الكلام يحتلُ مكانةً مركزية في المعارف الدينية في رأي عبدالجبار الرفاعي، حسب قوله: "علم الكلام في رأيي يمثل نظرية المعرفة في الإسلام، لأنه هو الذي ينتج منطق التفكير الديني، ومنطق كل عملية تفكير هو الذي يحدد طريقة التفكير ونوع مقدماته ونتائجه. وذلك يعني أن أية بداية لتجديد التفكير الديني في الإسلام لا تبدأ بعلم الكلام ومسلماته المعرفية ومقدماته المنطقية والفلسفية، فإنها تقفز إلى النتائج من دون المرور بالمقدمات. تجديد الفقه مثلا يبتني على تجديد علم أصول الفقه، وتجديد أصول الفقه يبتني على تجديد علم الكلام، ذلك أن الأسس التي يقوم عليها علم الأصول ليست سوى مسلمات ومقولات لاهوتية، حقلها هو علم الكلام، ولعلم الكلام مسلماته المعرفية ومقدماته المرتكزة على المنطق الأرسطي. ومما لا شك فيه أنه لا يمكن تخطي القراءة السلفية الحرفية المغلقة للنصوص، وإنتاج قراءة تواكب العصر، ما لم نعد النظر بالبنية  التحتية العميقة لإنتاج تفسير النصوص، ونتخط آليات النظر والفهم المتوارثة"، (مقدمة في علم الكلام الجديد، ص 97).

ثانيًا: يبدأ الرفاعي من التراث بدراسته واستيعابه، ثم يتخطي ما هو مندثر منه.

ثالثًا: توظيفه للفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة.

رابعًا: لغته الخاصة، بكل ما يميز تلك اللغة من اسلوبه وبيانه الخاص في الكتابة.

هكذا يساير الدكتور الرفاعي عصره، وهو يصغي له ويحاوره، وهكذا يتخذ لنفسه موقفًا فريدًا، إذ يختلف عن غيره، بما يحفظ له شخصيته وكيانه. وأنت تقرأ هذا الكتاب لا تمنع نفسك وصف تلك القراءة بالسياحة والتجول في ميادين وأزقة الفكر الإنساني. يصحبك الرفاعي معه في هذا السياحة، يعُرّفُك على كانط وهيجل وبرجسون وكيركغارد وهايدغر، ويجلسك مع ابن سينا والمحقق الداماد وملا صدرا الشيرازي، ويدعوك لمساجلة القاضي عبد الجبار والفخر الرازي والعلامة الحلي، ولا ينسى ان يضع أمامك آراء محيي الدين بن عربي وأمثاله، وينصحك بمسك القلم وتدوين الملاحظات عليهم أجمعين، لمناقشتها بعد الرحلة، فإذا ما انتهت الرحلة يطالبك؛ بـ "التخلية"، أي التخلي عن القبليات الذهنية والاعتقادية قدر امكانك. ثم يطالبك بـ "التحلية"، أي تقديم قراءة جديدة للرحلة ومدونة الملاحظات لديك التي أمرك بالاحتفاظ بها.2846 علم الكلام الجديد

لفت انتباهي رأي للدكتور أديب صعب في معرض التعريف بـ "علم الكلام الجديد" في كتابه "دراسات نقدية في فلسفة الدين"، حيث يقول: (هو إعادة صياغة لعلم الكلام القديم  في ضوء الدراسات الدينية). هذا الكلام جعلني أقف مذهولًا، فأين علم الكلام الجديد من ذلك! ما الجديد في هذه القراءة الجديدة لعلم الكلام الجديد التي يقترحها الدكتور صعب؟ ألم يتعرف د. أديب صعب على آراء المتكلمين الجدد، ورؤية عبدالجبار الرفاعي ومنهجيته المعرفية في بيان المهمة الكبيرة التي تقع على عاتق علم الكلام الجديد. يلخص الرفاعي رؤيته بقوله: (رؤية تبتني على أنه مادام هناك إنسان فهناك أسئلة ٌميتافيزيقية كبرى، وهذا النوع من الاسئلة لا جواب نهائي له)، (مقدمة في علم الكلام الجديد، ص 23). ويرسم الرفاعي موقفًا واضحًا يتحدد في ضوئه علم الكلام، ويتميز القديم منه عن الجديد، عندما يكتب: " أساسُ علم كلام هو الإيمانُ بالمصدر الإلهي للوحي. الاختلافُ بين علم الكلام القديم والجديد في كيفية فهم الوحي وتفسيره. الكلامُ الجديد يفسـره تفسيرًا لا يستأنفُ ما قاله الكلامُ القديم. في ضوء ذلك لا ينطبق عنوانُ علم الكلام الجديد على كتاباتٍ بحثتْ ظاهرةَ الوحي من منظورٍ مادّي لا يؤمن بالله، أو يرى الوحيَ بوصفه ظاهرةً أنتجها البشـر، أو هو نوع من الإيحاء النفسـي، أو هو محصلة ارتياض صبور يتمرس فيه بعضُ الأشخاص، وينفي صلته بالغيب. إذًا لا يمكن تصنيفُ أيّةِ كتاباتٍ تنفي المضمونَ الميتافيزيقي الغيبي للوحي على أنها علمُ كلام جديد"، (مقدمة في علم الكلام الجديد، ص 150).

فأين هذا القول من رأي د. أديب صعب، الذي يرى علم الكلام الجديد مجرد إعادة صياغة لعلم الكلام لقديم!

رؤية الرفاعي يرسمها في سبعة أركان يتأسس عليها علم الكلام الجديد، وتكشف ما يرمي إليه المتكلم الجديد، وتتمثل حسب ما يراه في:

أولًا: المتكلم الجديد هو مَنْ يقدم تفسيرًا جديدًا للوحي. وهذا هو الركن الذي تتفرع عليه كل الأركان التالية، حسب نظر الرفاعي.

ثانيًا: المتكلم الجديد هو مَنْ يعيد بناء صورة مضيئة لله مستوحاة من القرآن الكريم.

ثالثًا: المتكلم الجديد هو مَنْ يبني صلة بالله تتأسس على المحبّة المتبادلَة:"يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ".

رابعًا: المتكلم الجديد هو مَنْ يوقظ المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الدين.

خامسًا: المتكلم الجديد هو مَنْ يقدم فهمًا للقرآن الكريم والنصوص الدينية يستجيب لما يحتاجه المسلم من معنى ديني.

سادسًا: المتكلم الجديد هو مَنْ ينفتح على الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة ويوظفها في بناء الكلام الجديد.

سابعًا: المتكلم الجديد هو مَنْ يؤمن بتعدّدِ قراءات القرآن الكريم، وإعادةِ تفسير كلام الله، وتنوع فهم النصوص الدينية تبعًا لتنوع الأزمان وتعدّد الأحوال، وإعادةِ تفسير آيات القرآن في ضوء حاجة الإنسان للمعنى الروحي والأخلاقي والجمالي الذي يتطلبه العيش في عالَم يتسارع فيه إيقاعُ المتغيرات، وتتفاقم فيه كلُّ يوم مختلف المشكلات. (مقدمة في علم الكلام الجديد، ص 177-180).

لعل من الأهمية التي يمكن ان يتميز بها كتاب مقدمة في علم الكلام الجديد، أن  ليس هناك أجوبة نهائية مغلقة حول أي شيء، لا بل إن كل الاجوبة مفتوحة عل التحري الدائم، وخاضعة للقبول أو التعديل أو التبديل، في ضوء العقل والتجربة، ولا يجوز قبول أي جواب لا لشيء الا لأن اسمًا كبيرًا اقترحه أو اعتنقه.

كم هي المساحة في تراثنا الكلامي للكتب والآراء التي تروى نقلًا عن الآخرين، بلا إعمال للعقل اللاحق فيها، تارة تختار، وتارة تؤرخ، وطورًا تصنف، فكأنما الطهاة الذين أعدوا الطعام قلة لا تتجاوز الأصابع العشرة، او قل العشرين، ثم تكاثرت حول المائدة ألوف تتسقط الفتات المتناثر، كل يأخذ من هذا الفتات ما وسعت حفنتاه؟ ماذا لو استغينينا عن عشرة أسماء من علم الكلام الأشعري، وعشرة من علم الكلام الشيعي، والتي تعتبر مصنفاتهم نصوصا تأسيسية،كما تسمى؟ ماذا يتبقى، ما الذي سيحصل لو استغينينا عن مصنفات فلان وفلان وفلان من المجتهدين في علم الكلام، وفتحنا باب الاجتهاد في علم الكلام اليوم، ما الذي يبقى من التراث الكلامي؟ هل نمكث مقلدين لاجتهادات القدماء لو اجتهدنا اليوم، مع ان المعروف لدي المجتهدين ان التقليد في علم الكلام والمعتقدات باطل؟

قلت لنفسي وأنا أقلب النظر في منوعات من التراث؛ لماذا لا تفحص مجلدًا أو مجلدين من هذه القمم، لترى ماذا كان يكتب المتكلمون، الذين تعنون لهم هذه القمم التي لا تكاد تقع تحت الحصر… واخذت استعرض ضروب المؤلفات وصنوف الأعمال التي جعلت من اصحابها متكلمين، استحقوا ان تفرد لهم هذه العناوين كلها، فلم أخرج إلا بما يؤيد فكرة سابقة كنت قد حصلتها من انطباعات متناثرة على مر الزمن، وهي انه - بأستثناء أصول قليلة جدًا، فيها أصالة وابتكار- هناك كمية من المجلدات، التي لا تضيف حرفًا واحدًا جديدًا، فهي شروح، وشروح للشروح، وتعليق، وتعليق على التعليق!

ذلك كله واقع لا سبيل الى نكرانه، وان الخروج عليه إنما يجيئان بعد مغالبة الإنسان لنفسه ولطبيعته، وهذه المغالبة لأهواء النفوس وميول الطبيعة هي ما نحن بحاجة اليه، حين يتبين أن تقويم القديم بأكثر من قيمته النفعية لا يقتصر على إشباعه لرغبة رومانسية - نوستاليجيا - في نفوسنا، بل يقف في سبيل سيرنا عقبة تحول دون التقدم نحو ما نريد ان نتقدم نحوه من تغيير للفكر وتبديل لأوضاع الحياة.

لو قارنا كتاب مقدمة في علم الكلام الجديد مع أحد الكتب التراثية لا نجد تشابهًا، لا في الآليات، ولا في المرتكزات، ولا في القراءة للموضوعات، ولا في طبيعة النتائج التي يصل اليها.

علم الكلام الجديد لا تربطه بعلم الكلام القديم سوى الألفاظ، وان كانت راهنية الكلام الجديد في الألفاظ أكثر مرونة وانفتاحًا واستيعابًا، لما يوفر من إحاطة بالمصطلحات التي هي اكثر ارتباطاً بالواقع المعاصر.

أن تقدم فهمًا جديدًا شيىء، وأن تقدم قراءة جديدة شيء آخر، أن تقدم شرحًا جديدًا شيىء، وان تقدم نصًا جديد شيء آخر، ثمة ما يقلق الذهن الديني في انشغالاته، فهل هو معني بهذه ومعفي من تلك، ام تراه يراهن على شيء آخر لايمكن لعقل الماضي استيعابه، ولا أن يضعه في خانة همومه. العقل الذي يبتغيه المؤلف في هذه المقدمة لعلم الكلام الجديد، هو عقل متسائل في كل المساحات الخاضعة للذهن البشري، لا يعرف حدودًا  للاستفهام، ولا يدعي بابًا موصدة أمام الطرق.

ذلك ما تقدمه رؤية عبدالجبار الرفاعي لعلم الكلام الجديد، ورسمه لخارطة أركانه الأساسية، وما تهدف إليه دعوته للاجتهاد في علم الكلام، من اكتشاف للمعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الدين اليوم.

 

ستار الزهيري

كاتب عراقي متخصص في علوم الدين.

 

 

السعيد بوشلالق« تأليف فضيلة الشّيخ محمد الطّاهر بن عاشور رحمه الله (1879-1973) عالم وفقيه تونسي*.

الكتاب قيّم؛ والغرض منه كما يقول الشيخ المؤلف: (البحث عن روح الإسلام وحقيقته من جهة مقدار تأثيرها في تأسيس المدنية الصالحة..) فهو يبيّن الأسباب التي أفادت المسلمين في تقدمهم في بداية عهدهم، وأسباب تراجعهم وتخلفهم، ومن ثمّ البحث في وسائل إصلاح أحوالهم وبناء نهضتهم من جديد..

هذا الكتاب يُعتبر محاولة من أهمّ المحاولات الفكرية والمعرفية في تأصيل نظريات مجتمعيّة في صلب المنظومة الدينية واستقراء الدين الإسلامي، لا في سياقه التعبّدي حيث علاقة الإنسان بربّه، إنما في سياق تجمّع الأعراق والإثنيات والألسن والطوائف والقبائل أو ما يطلق عليها حالياً بالهوّيات الجزئية صلب التجمّع المسلم وفق منطق ومنطوق المؤلف فضيلة الشيخ العلامة محمد الطاهر بن عاشور.

كما أن الكتاب يُعد مرجعاً أساسياً لكل باحث في نظرية المعرفة وفي النظم الاجتماعية، فهو يعرض ما أصّله الإسلام في إصلاح الفرد والمجتمع، كما يعرض الفلسفة الأخلاقية للنظام الاجتماعي في الإسلام مولياً اهتماماً كبيراً بالإنسان لأنه هو العامل الفاعل في إقامة وتجسيد هذا النظام الاجتماعي وهو الغاية والهدف من هذا النظام كفرد أو مجتمع في نفس الوقت..

فمن الصفحات الأولى للكتاب نجد الشيخ العلامة محمد الطّاهر بن عاشور يُنافح عن قضايا أساسية يعتبرها لبنات التأصيل لنظرية الاجتماع الإسلامي، وهي قضايا مدنيّة الإسلام ورابطة الأخوة الإسلامية والسماحة والحرية..

وفي هذا الكتاب: »أصول النّظام الاجتماعي في الإسلام« يعرض الشيخ محمد الطّاهر بن عاشور رحمه الله؛ الأصول التي قام عليها النظام الاجتماعي في الإسلام، وهي في الأساس أصول مستمدة من روح نصوص القرآن الكريم والسُّنّة النبوية الشريفة..

الكتاب يتكون من مقدمة وقسمين:

- المقدمة: جاءت في فلسفة الدين ودور الأديان في إصلاح المجتمعات وحقيقة الإسلام وخصائص المنهج الإسلامي في الإصلاح، وركز على دور الفطرة والاعتدال والتوسط والسماحة في البناء والإصلاح الاجتماعي.

- القسم الأول: في أصول إصلاح الأفراد. وهو قسم يبحث عن أصول إصلاح الفرد الذي منه يلتئم المجتمع التئام الكل من أجزائه. وفي هذا السياق يربط الشيخ ابن عاشور بين الفرد والمجتمع، فيعتبر أنّ صلاح الآحاد من صلاح التجمّع.. إن فضيلة الشيخ المؤلف يؤصل إلى إصلاح الأفراد الذي يقوم على ثلاثة أصول هي: الأعمال العقلية، والأعمال القلبية، والأعمال البدنية.

- ففي تأصيل إصلاح الأعمال العقلية، يرى الشيخ المؤلف أن (الإنسان عقل تخدمه أعضاء)، ويقول أن (إصلاح عقل الإنسان هو أساس إصلاح جميع خصاله، ويجيء بعده الاشتغال بإصلاح أعماله، وعلى هذين الإصلاحيين مدار قوانين المجتمع الإسلامي...) ص 45. فلا تكون الشخصية المسلمة قيّمة ومسؤولة إلا إذا صلُح عقلها وعملها، حيث أنّ العمل نتاج العقل والتعقّل أو ما يُعبِّر عنه الشيخ محمد الطّاهر بن عاشور بإصلاح التفكير في الإسلام. ولاصلاح الفرد لابد من إصلاح الاعتقاد، وإصلاح التفكير.. يقول الشيخ المؤلف: ( استقريت نواحي إصلاح التفكير الواردة في الإسلام استقراءً عاجلاً فانتهيت إلى ثمان نواح من أصول نجاح المرء والجماعة في المجتمع هي: تلقي العقيدة، وتلقي الشريعة، والعبادة، وتحصيل النّجاة في الحياة الآخرة، والحزم، والمعاملة، والأحوال العامة للعالم، ومصادفة الحقيقة في العلوم...) ص 53.

- وفي تأصيل إصلاح الأعمال القلبية، فيُرجى بها تحصيل مقام التّقوى للنّفس، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يشير إلى صدره ثلاث مرّات: »التّقوى ههنا« يعني القلب، فالأعمال القلبية هي جماع الأخلاق والضمائر، (وإصلاح الضمائر يظهر في النهي عن الكِبر والعُجب، والغضب، والحِقد، والحسد. وفي الأمر بالإخلاص، وحُسن النية، والإحسان والصّبر...) ص 70. فالنهي؛ هو إفراغٌ للنفس والقلب من الرذائل، والأمر؛ هو تعبئةٌ وملؤٌ للكأس الفارغة بالفضائل.

- أما في تأصيل إصلاح الأعمال البدنية (الجوارح)، فيقول الشيخ المؤلف (والأعمال البدنية هي التي تقترفها الجوارح الظاهرة وكلها تجري على ما يأمر به العقل المهيمن عليها، وملاك صلاحها الوقوف عند حدود الشريعة فيها واعتقاد أن ذلك سبب النجاح.) ص 76. إن الجوارح هي مصدر الأعمال البدنية التي تجري على ما يأمر به العقل والقلب المهيمنان عليها، ويرجى بها صلاح السلوك والممارسة، وقد صانها الإسلام بفضائل لا تبرز إلاّ بها. و(ثمة أشياء تُعين على صلاح العمل وتيسيره وهي: النظام، والتوقيت، والدوام، وترك الكلفة، والمبادرة، والإتقان.) ص 77. وعليه فـ :

- النظام؛ يكون عوناً لإكمال الأعمال ويُسرِها والشاهد في الشريعة ترتيب أركان العبادات وواجباتها كترتيب أعضاء الوضوء وأجزاء الصلاة..

- والتوقيت؛ هو أصل عظيم للمحافظة على القيام بالعملِ وعدم الغفلة عنه، وقد وقّت الإسلام لعباداته أوقاتاً وحددها في الصلوات، والصّيام، والحج، والزكاة.

- أما الدوام؛ فيقصد به المداومة والمواصلة في عمل الخير وعدم الانقطاع عن العمل الصالح، ففي الحديث النبوي الشريف: »إن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل« وقد حذر الإسلام من سوء الخاتمة التي هي في معنى إبطال الدوام على العمل الصالح.

- وترك الكلفة؛ قال الله تعالى »قُل ما أسألُكم عليه من أجرٍ وما أنا من المُتكلِفين«. وفي الحديث »عليكم من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا«.  

- والمبادرة بالعمل؛ فلِخَشية طريان الموانع بحيث قُسمت الواجبات إلى واجباتٍ مضيقة وواجبات موسعة. ومن ثَمَّ قُدِّمَتْ صلاة العيد على خطبتها، لأن المبادرة بالعبادة التي أنيطت بذلك اليوم أولى.

- وأما الإتقان؛ فيتفرع عن حسن النية ومعناه صرف العامل جميع جهوده ومعرفته في عمله ليكون مُحصلاً لأحسن ما يقصد منه أو ينشأ عنه.. وفي الحديث »إن الله يحب إذا عمل العبد عملاً أن يحسنه أو يتقنه«.

كما أشار الشيخ المؤلف إلى ضرورة إيجاد الوازع النفساني لحراسة الأعمال، فيقول (هذه الحراسة هي إيجاد وازع في النفس يَزعُها أي يمنعها عن الانحراف عما اكتسبه من الصلاح حتى يصير تخلقها بذلك دائماً وشبيهاً بالاختياري. الوازع اسم غلب إطلاقه على ما يَزع من عمل السُّوء.) ص 82.

كما بيّن الشيخ المؤلف الهدف والغاية التي من أجلها حثّ الإسلام على اكتساب العلم، فيقول (فلا جرم أن كان الحثُّ على اكتساب العلم حثّاً لتحصيل سبب إصلاح الفكر وصلاح العمل، ووسيلة لإصلاح الاعتقاد، وتكملة لإيجاد الوازع النفساني... فالحثُّ على اكتساب العلم تحريكٌ للمقاصد الثلاثة الماضية وهي: التفكير، وإصلاح العمل، وإيجاد الوازع..) ص 91.

كما يشرح لنا الشيخ المؤلف رحمه الله في آخر هذا القسم، كيف أن الإسلام جاء بتعميم الدعوة للإصلاح الفردي بين المسلمين جميعاً كونهم بشر متحدون في صفة الإنسانية، فيقول (لذلك جاء الإسلام بتوجيه الخطاب بدعائم الإصلاح لسائر النّاس الرّجال والنّساء، والبِيض والسُّود، والسّادة والسُّوقة، وفي الحديث »بُعثت إلى الأحمر والأسود« وعلامة ذلك أن دعوته وخطابه لم تفصل بين أفراد النّوع في الكثير الغالب، وإنها صرحت بالتعميم في خطابات كثيرة، فعلّمنا أن ما لا تصريح فيه بالتعميم مرادٌ عُمومه بمقتضى الدليلين قال الله تعالى »وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين« وقال »وما أرسلناك إلاّ كافة للنّاس«.. وهذا العموم تابع لمعنى الفطرة المؤسس عليه الإسلام فإن استواء البشر في أصل الفطرة يقضي أن يستووا في الدّعوة والتشريع الفطري..) ص 96.

وفي شأن المرأة، يقول الشيخ المؤلف في كتابه هذا أن الإسلام جاء (بإلحاق المرأة بالرّجُل في التكاليف من اعتقادٍ وعملٍ  وآدابٍ ومُعاملات، وجمع في الأقوال التشريعية بين ذِكرٍ بالرِّجال والنِّساءِ..) ص 98. وأعلن الإسلام حقوق المرأة في قوله تعالى »ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف«..

وبناءً على هذه القاعدة التي أصّلها الشيخ العلامة محمد الطّاهر بن عاشور رحمه الله وهي أن (إصلاح الفرد يؤول إلى إصلاح المجتمع) ص 89. ينقلنا مباشرة إلى القسم التالي من كتابه هذا محل القراءة.

- القسم الثاني: في الإصلاح الاجتماعي. وهو قسم يبحث عن أصول إصلاح المجتمع من حيث أنه مجتمع وكل ملتئم من أجزائه. وهذا ما يُمكننا أن نُسميه بالعقد الاجتماعي في الإسلام، حيث أصّل الشيخ المؤلف لفكرة التعاقد المجتمعي من خلال أربع زوايا وهي الراعي (الدولة) والدعاة (أصحاب الرأي والفتوى وأهل الاختصاصات) والرعية (الشعب) وأهل الذمّة (الأقليات الدينية الأخرى).

ففي تأصيله للإصلاح الاجتماعي؛ يُركز الشيخ المؤلف على مفهوم الجامعة الإسلامية، إذِ الإسلام جعل جامعةَ الدِّين هي الجامعة الحقّ للمسلمين (لذلك جعل الإسلام رابطة دينه الحقّ رابطة مقدسة تصغُر أمامها الروابط كلها ودعا النّاس لأتباعه ليكونوا أمة واحدة تجمعها وحدة الاعتقاد والتفكير والعمل الصالح حتى يستتب للمسلمين إقامة هذه الجامعة فلا تخترقها جامعة أخرى تثلمها..) ص 108. وجعل أهل هذه الجامعة سواء لكل واحد منهم من الحقوق العامة ما لبقية المسلمين. ومنه ينتقل الشيخ المؤلف للحديث عن تكوين جماعة المسلمين أو المجتمع الإسلامي بعد الهجرة النبوية من مكة إلى يثرب حيث نشأ هذا المجتمع الجديد على أساس رابطة الأخوة الإسلامية. فقد (أيد الإسلام الجامعة الدينية العقلية التي أقامها للمسلمين بتأييد من الناحية النفسية بأن اعتبر أهلها إخوة، جاء بذلك القرآن »إنما المؤمنون إخوة« ويقول الرسول عليه الصلاة والسلام فيما رواه مسلم عن أبي هريرة »المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذُله ولا يحقره بِحَسبِ امرئ من الشّر أن يحقِر أخاه المسلم«.) ص 101. (ثم إن وصف الأخوة الإسلامية يستدعي أن تُبَثَّ بين الموصوفين به خِلالٌ: الإتحاد؛ والإنصاف؛ والمواساة؛ والمحبة؛ والصِّلة؛ والنُّصح وحسن المعاملة. فيتقبلها جميع الأمة بالصدر الرحب سواء في ذلك الشريف والمشروف، والقوي والضعيف..) ص 121.

وكنتيجة لكل ما سبق من قيامِ الجامعة الإسلامية، والّتأم المجتمع الإسلامي بعد الهجرة إلى المدينة، وتأصيل الأخوة بينهم، فجاءت الشريعة تخطط للمسلمين نظام سياسة المجتمع الإسلامي الكامل وذلك بعد أن تقوّمت فيهم حالة كاملة من الصلاح الفردي..

ومنه يذكر الشيخ المؤلف في أصول نظام سياسة الأمة أن هذا النظام الإصلاحي الاجتماعي يندرج في فنين أصليين هما:

- الفن الأول: هو فن القوانين الضابطة لتصرفات الناس في معاملاتهم، وعماده مكارم الأخلاق والعدالة والمروءة والإنصاف من النفس والاتحاد والوفاق والمواساة من تحابب ونصح وحسن معاشرة وسماحة.. وهو موكول إلى الوازع الديني والنفساني.

- والفن الثاني: هو فن القوانين التي بها رِعاية الأمة، ودفع أسباب الاختلال عنها.. فيما يتوجب على ولاة الأمور تسييره وتحقيقه لصالح الجمهور. وأعمدة هذا الفن هي: المساواة، والحرية، وضبط الحقوق، والعدل، ونظام أموال الأمة، والدفاع عن الحوزة (الدفاع عن الوطن)، وإقامة الحكومة، والسياسة، والاعتدال، والسماحة، وترقية مدارك الأمة رجالاً ونساء، وصيانة نشئها من النقصان، وسياسة الأمم الأخرى، والتسامح، والوفاء بالعهد، ونشر الإسلام ومزاياه بين البشر. وكلها واجبات منوطة بمن تولى تسيير أمور الحكم، وهو موكول إلى تدبير ساسة الأمة بإجرائهم الناس على صراط الاستقامة في مقاصد الشريعة بالرغبة والرهبة..

إن قارئ هذا الكتاب »أصول النّظام الاجتماعي في الإسلام« سيتأكد لديه أن الشيخ العلامة محمد الطّاهر بن عاشور رحمه الله قد تمكن من تأسيس بناء أصيل للعقد الاجتماعي في الإسلام ومقاربة في إصلاح العقل الإسلامي ونظرية في فقه الحضارة والعمران.

بقي أن أشير إلى أنه قد ينحى البعض إلى أن كتاب »أصول النّظام الاجتماعي في الإسلام« قد يظهر عليه التنظير والمثالية الأخلاقية، غير أنِّي أرى أنها في الواقع مثالية واقعية ممكنة التطبيق والتجسيد إذا توافرت البيئة المناسبة بكل تفاعلاتها خاصة أهم عامل فاعلٍ فيها وهو (الإنسان كإنسان)..

- اقتباسات وأفكار من كتاب »أصول النّظام الاجتماعي في الإسلام« لفضيلة الشيخ العلامة الإمام محمد الطّاهر بن عاشور رحمه الله:

- (فإن كل فعل يُحبُّ العقلاء أن يتلبس به النّاس وأن يتعاملوا به فهو من الفِطرة، وكل فعلٍ يكرهون أن يُقابلوا به ويشمئزون من مشاهدته وانتشاره فهو انحراف عن الفِطرة. هذا إذا خُلِّي العاقل وعقله، مُنزهاً من عوارض أميال الشهوات والأهواء. فإن أحدٌ مال بشهوة أو هوى أو تضليل إلى أن يفعل ما لا يحمد الناس فعله فذلك انحراف عارض للعقول وليس من المعروف في شيء...) ص 22.

- (وقد أحاط الإسلام إصلاح العقيدة ودوام إصلاحها بأمرين عظيمين هما: التفصيل، والتعليل، فأما التفصيل فهو بأمور ثلاثة أولها بتمام الإيضاح لسائر المسلمين وبإعلان فضائح الضالين في العقيدة على اختلاف ضلالهم والإغلاظ عليهم بسد ذرائع الشِّرك واجتثاث عروقه.. وأما التعليل فذلك باستدعاء العقول إلى الاستدلال على وجود الله، وعلى صفاته التي دلّ عليها تنزيهه. وأعظم ذلك الاستدعاء إلى النظر في النّفس وهو أصل الحكمة..) ص 49 - 50.

- (لا يكون الدافع للمسلم إلى العبادة هو ما فيها من حظ شهوة النفس، إذ الواجب في إصلاح الأعمال الشرعية أن يكون الغرض الأهم منها تزكية النفس وتحصيل المصالح، وتكون الحظوظ الأخرى تابعة لذلك.) ص 80.

- (إنّ ارتقاء الأمة في درج الكمال بوفرة علمائها واضمحلالها باضمحلال علمائها، وفي حديث البخاري عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال »مِن أشراط السّاعة أن يظهر الجهل ويقلّ العلم«.) ص 94.

- (لا يكاد ينتظم أمر الاجتماع كمال انتظامه، ولا ترى الأمة عقدها مأموناً من انفصامه؛ ما لم تكن مكارم الأخلاق غالبة على جمهورها؛ وسائدة في معظم تصاريفها وأمورها، لأن ملاك مكارم الأخلاق هو تزكية النفس الإنسانية أعني ارتياض العقل على إدراك الفضائل وتمييزها عن الرذائل المتلبسة به..) ص 123.

- (العدالة ملكة تمنع من قامت به من اقتراف الكبائر. وكمال العدالة بالمروءة وهي استيفاء خصال الرُّجولة الكاملة وأحسن تفسير لها أن لا تفعل في سرِّك ما تستحي أن تفعله جهراً..) ص 132.

- (التخلق بالإتحاد يُكسب الأمة اتجاهاً نحو صوب واحد في تدبيرهم شؤون مجتمعهم فيبذل كل فرد منتهى ما عنده من الآراء والمساعي لنفع الجميع. ويُكسب أعمالها صفة الصلاح إذ يتعاون الجميع على ما يبدو لهم من تطلب الصلاح بالدراسة والتأمل فلا يُعدموا التوفيق إلى الرُّشد ويدفع عنهم التخاذل والتخالف..) ص 135.

- (إن الحرية خاطر غريزي في النفوس البشرية فيها نماء القوى الإنسانية من تفكير وقول وعمل. وبها تنطلق المواهب العقلية متسابقة في ميادين الابتكار والتدقيق. فلا يحق لها أن تُسام بقيد يُدفع به عن صاحبها ضر ثابت أو يُجلب به نفع حيث لا يُقبل رضى المضرور أو المنتفع بإلغاء فائدة دفع الضُّرّ وجلب النفع..) ص 163.

- (فالحرية حِلْيةُ الإنسان وزينة المدنية فيها تنمي القوى وتنطلق المواهب. وبِصَوْبِها تنبتُ فضائل الصِّدق والشّجاعة والنَّصيحة بِضراحة الأمر بالمعروف والنهيِّ عن المنكر، وتتلاقح الأفكار وتورِق أفنان العلوم.

إن الحرية أثقلُ عِبْئاً على الظالمين والجبابرة والمُخادعين فلذلك ما فتئ هؤلاء منذ أقدم العصور يبتكرون الحِيل للضغط على الحريات وتضييقها أو خنقها..) ص 170.

- (ومن أصول الشريعة أن ولي الأمر يستطلع أراء من يسوسهم فيما يمس مصالحهم وأنه يتوصل إلى ذلك بمراجعة عرفائهم وأمنائهم وذوي محل ثقتهم... وطريقة انتخاب الناس نواباً عنهم للدفاع عن مصالحهم وإبلاغ طلباتهم إلى ولاة الأمور أفضل الطرق لذلك وأضمنها للتعبير عن إرادة الأمة..) ص 212.

- ( إن التسامح في الإسلام وليد إصلاح التفكير ومكارم الأخلاق اللذين هما من أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، وأن الفكر الصحيح السليم من التأثرات الباطلة ومن العوائد المُعوجة يسوق صاحبها إلى العقائد الحقّة، ثم هو يُكسب صاحبه الثّقة بعقيدته والأمن عليها من أن يُزلزلها مُخالف..) ص 129. 

- (لم يحفظ التاريخ أن أمة سَوّتْ رعاياها المُخالفين لها في دينها برعاياها الأصليين في شأن قوانين العدالة ونوال حظوظ الحياة بقاعدة لهم ما لنا وعليهم ما علينا مع تخويلهم البقاء على رسومهم وعاداتهم، مثل أمة المسلمين فحقيق هذا الذي نُسميه التسامح بأن نُسميه العظمة الإسلامية، لأنّا نجد الإسلام حين جعل هذا التسامح من أصول نظامه قد أنبأ على أنه ملئ بثقة النفس وصدق الموقف وسلامة الطوية وكل إناء بالذي فيه يرشح..) ص 133.

 

أ. السعيد بوشلالق

.........................

* الطبعة الثانية 1985 - الشركة التونسية للتوزيع - تونس. المؤسسة الوطنية للكتاب - الجزائر. 240  صفحة.

 

محمود محمد عليصدر مؤخراً كتاب (ريجيس دوبري.. الفيلسوف الإنسان والمفكر المثقف) للناقد الدكتور بشار عليوي ضمن سلسلة دراسات عن اتحاد الأدباء والكتاب في العراق بواقع (217) صفحة من القطع المتوسط، والكتاب كُرس عن تجربة الفيلسوف والمُفكر الفرنسي (ريجيس دوبري Regis jules Debrary (1940- ...) الذي يعد أحد العلامات الفارقة في المشهد الثقافي الفرنسي حالياً. فهو فيلسوف ومفكر ومؤرّخ وأديب وروائي وكاتب مسرحي (1)؛ الا أنه يفضل جمع هذه التوصيفات كلها تحت عنوان “كاتب"، علاوة علي أنه يمثل واحداً من واحدا من أهم الفلاسفة والمُفكرين البارزين المُعاصرين ممن صدرت لهُم عشرات المؤلفات الفرديةِ منها والجماعية في السياسة، والاقتصاد، والدين، والأساطير، والفكر المُعاصر، والوسائط، والشعر، بالإضافة إلى عملهِ مُخرجا سينمائيا، وكاتبا للأوبرا والمسرح، واحد أهم الرموز الثقافية في عالمنا المُعاصر (2).

إن دوبريه في نظر الدكتور بشار عليوي هو أحد المفكرين الفرنسيين القلائل من جيل أولئك الذين يطلق عليهم، هو نفسه، في هذا الكتاب "جيل الانتظار". والجيل الذي يقصده دوبريه، يعبّر عنه وعن نفسه: "أردنا تقديم إجابات عن أسئلة لم تعد مطروحة. إننا أبناء مزعومون لثورة أكتوبر عام 1917 في روسيا، ويتامى فكرة نهاية العالم.. ونحن الناجون من كارثة لم تقع. إننا نبدو في نهايتنا، وملامح وجهنا تدل على سوء ما نحن فيه" (3).

والدخول إلى مثل هذه السراديب التي توصف في مساهمات الكتاب المتنوّعة، يبدو كما يري الدكتور بشار عليوي مثل زيارة مخزن تتكدّس فيه عظام أولئك الذين كانوا حتى فترة غير بعيدة، رموز الحداثة في فرنسا، وما أبعد منها في الفكر والثقافة العالميين. إنه "مدفن للحداثة"، كما يكتب دوبريه عن أولئك الذين غادروا المشهد، ولكن أفكارهم لا تزال تحوم في الأجواء (4).

وقد ولدَ (دوبري) بباريس يوم 2/ 9 /1940 لأب مُحامٍ وأُم مُناضلة معروفة ضد الاحتلال النازي، وفي سن العشرين دخلَ إلى دار المعلمين العليا في باريس من بعد أن حاز على المرتبةِ الأُولى في مُسابقة الدخول إليها، إذ تُعد هذهِ الدار من أهم المؤسسات الجامعية العلمية الفرنسية ومنها تخرج كبار المُفكرين والأدباء الفرنسيين ومنهم (جان بول سارتر)، وفي عام 1965 حصلَ (دوبري) على شهادة التأهيل العُليا في الفلسفة «أغريغاسيون»، وفي العام نفسه فُتِنَ (دوبري) بالماركسيّة في بداية شبابهِ، وبثورة (فيدل كاسترو) و(تشي غيفارا)، فانطلق تاركاً فرنسا ذاهباً إلى بوليفيا مُلتحقاً مع (تشي غيفارا) ومُصاحباً لهُ في حرب العصابات التي قادها في بوليفيا في ستينيات القرن الماضي، ومن ثم اعتقل عام 1967 مع (غيفارا) في بوليفيا وُحكمَ عليهِ بالإعدام الذي أحدثَ ضجة واسعة في فرنسا والعالم، مما دعا إلى قيام حملة قوية من أجل الإفراج عنهُ قادها (سارتر) انتهت بتدخل الجنرال الفرنسي (ديغول) شخصياً ليُفرج عنهُ عام 1971 بعد مفاوضات امتدت لسنتين ومن ثُم ذهبَ بعدها إلى تشيلي ومكثَ فيها عاماً واحداً، وفي عام 1973 عاد إلى فرنسا بعد مقتل (غيفارا) ليتفرغ إلى مُراجعة حساباتهِ الثورية والفكرية معاً، وتفرغ للكتابة والبحث، وتبوأ مجموعة من المناصب المهمة في فرنسا (5).

له مؤلفات عديدة نذكر منها مثلاً : ثورة في الثورة، رواية الثلج يشتعل، فر التكوين السياسي، نقد العقل السياسي، مدائح، حياة الصورة وموتها - تاريخ النظرة في الغرب، لعين ساذجة، النائمون، القبضة، بداية ونهاية I.F، الله هوَ الطريق، تدريس الدين في المدارس العلمانية، حبل مشدود، الإنسان والتناول الطقوسي، حوار الحضارات - الاسطورة المُعاصرة، الأرض المُقدسة، لحظة الأخوة، الاستخدام الجيد للكوارث، المقدس الشاب، الصورة المُذهلة، المعتقدات التاريخية والحقائق الدينية - مجرد حقائق، مدامH ، ومؤلفاته المشتركة: 100 من روائع الرسم من العهد القديم، عصر التنوير - حوار بين العالم والفيلسوف، حروف وحروف، نداء من أجل القرن الحادي والعشرين، هل أنت مع الله أو من دونه؟، الصين والغرب - من السماء الى الأرض، فرضية الرغبة (6).

وعلى الصعيد السياسي كما يري الدكتور بشار عليوي تأثّر دوبريه بشخصيتين: فيدل كاسترو وفرانسوا ميتران. وبالنسبة لتوجهه في الحقل السياسي، يعرّف دوبريه نفسه، بالميل إلى "الفعل". وأن التزامه المبكّر بالعمل السياسي، كان بسبب نوع من "اللقاء بين مزاج شخص والظروف المحيطة فيه". وكان قد بدأ نشاطاته بالمشاركة في مظاهرات تأييداً لثوار جبهة التحرير الجزائرية. ثمّ أمضى سنوات في أميركا اللاتينية. ولم يكن التزاماً واعياً، حسب تعبير له. ولهذا يرى عمله السياسي نوعاً من التدريب، وليس في الالتزام (7).

ومن الأفكار التي يؤكّد عليها دوبري كما يري الدكتور بشار عليوي ، بأشكال مختلفة، قوله إن المجتمعات بحاجة إلى أفكار متسامية، تؤمّن قدراً كبيراً من التلاحم بالنسبة للمجموعات المعنية بها. وهكذا مثلاً، يعيد الأزمة التي تعاني منها أوروبا إلى "العدمية" السائدة، وإلى اللامبالاة العامّة (8).

وإعلاميا نجد أنه في عام 1993 دافع دوبريه كما يري الدكتور بشار عليوي عن أطروحة لنيل الدكتوراه، تحت عنوان "حياة الصورة وموتها.. تاريخ النظرة في الغرب". وشكّل ذلك منعطفاً في اهتماماته، إذ نحا حول تحليل تأثير وسائل الإعلام والاتصال على المجتمعات والعصر. وأسس عام 1996 مجلّة "دفاتر التأثير الإعلامي ـ الميديولوجيا"، التي ركز فيها على نظرية لـ "البعد" التقني والمؤسساتي للثقافة، باعتبار أن الإعلام وسيلة لذلك (9).

وإذا كان دوبريه قد نشر "النص التأسيسي" لهذا المجال من التأمّل الفكري عام 1991، فإن مفهوم التأثير الإعلامي كما يري الدكتور بشار عليوي ، دخل قاموس التداول العام، مع صدور كتابه: "السلطة الثقافية في فرنسا" في عام 1997(10).

إن مسألة "التأثير الإعلامي" ودور المثقف في المجتمع، شكّلا أحد مراكز الاهتمام الرئيس لدى دوبريه، منذ مطلع سنوات التسعينات في القرن الفائت. ويرى أن العالم دخل في عصر الصورة، التي تنبئ بولادة "عالم جديد" (11).

لقد أصبح تأثير الصورة يتعدى المحسوسات الذهنية الى المُدركات البصرية عند الإنسان فهذا التأثير كما يري الدكتور بشار عليوي يُمكن تلخيصهُ فيما يسردهُ (دوبري) نفسه مؤكداً أهمية الصورة في حياتنا اليومية عبرَ قصة الصورة الجدارية التي كانت تعلو غُرفة نوم أحد أباطرة الصين القُدامى حينما طلبَ من كبير رسامي قصرهِ أن يُزيل الشلال المرسوم داخل تلك الصُورة لأن خرير مائِهِ كان يمنعهُ من النوم، على الرُّغم من أنَ الصورة هي لوحة فنية صامتة، لذا لم يختلف تأثيرها مُنذُ القِدم وحتى عصرنا الحالي الذي أصبح يُسمى (عصر الصورة) (12).

ويذهب (دوبري) كما يري الدكتور بشار عليوي إلى أن مصداقية الأفكار المُراد إيصالها تتحقق أكثر باستخدام الصورة، وهذهِ إحدى حقائق عصرنا الحالي الذي اتخذ من الصور وبغض النظر عن أنواعها، وسيطاً حياتياً إذا ما عرفنا وكما يقول (دوبري) أن «الصور على عكس الكلمات في مُتناول الجميع، بجميع اللغات وبدون حاجة الى أي تعليم، فهي عابرة لكُل الموجودات المُحيطة بنا لأنَّ لديها القُدرة على مُخاطبة كُل العقول والطبقات الاجتماعية ومُختلف الفئات العُمرية، فضلا عن أنها قد أصبحت واحدة من أبرز حاجات الإنسان التي يستخدمها بشكل يومي حتى باتت تطغى على باقي الاستخدامات، ومن هُنا تأتي أهميتها بوصفها وسيطاً وجدَ لهُ مكانة بارزة في عموم تمظهرات الفكر الإنساني(13).

ويشدد دوبريه على حقيقة حيوية في صلب موضوع تأثير وسائل الإعلام ودورها الحياتي والمجتمعي العام كما يري الدكتور بشار عليوي ، مفادها، أنه ليس كون الأذهان قد غدت أسيرة أكثر فأكثر لوسائل الإعلام وتابعة لها، يعني أنها ستكون في المستقبل القريب، عاجزة حكماً عن إخراجنا من المأزق الذي يواجهه العالم، وربما إخراجنا بواسطة حلول إبداعية (14).

وإذا كانت سطوة وسائل الإعلام وهيمنتها كبيرة وتزداد، فإن دوبريه كما يري الدكتور بشار عليوي لا يجد أن الأسر سيكون أبدياً ومستداماً. ويصل دوبريه، إلى القول إن البشر فقدوا كثيراً من حسّ التاريخ التقليدي والانتماء إلى شيء ما جماعي. وهذا ربما يمثّل نقلة باتجاه تأكيد الذات الفردية، وما يسميه دوبريه بالتمهيد الممكن لعصر نهضة جديد، يصبح الإنسان فيه، محرّك التاريخ وموضوعه الأساسي (15).

إن قيام (دوبري) بتأسيس «الميديولوجيا» كعلم جديد لم يكن مُصادفةً، وإنما خضع كما يري الدكتور بشار عليوي لاستشرافهِ العام لمُجمل تمظهرات عصرنا الحالي الذي عرفَ سيادة الوسائط فيه، فضلاً عن اهتمامهِ القديم بدراسة الوسائط بمُختلف أنواعها، فنحت كلمة لا يعني مُباشرةً خلق لفكرة جديدة إن لم تسبقها عدة خطوات تنظيرية في هذا الشأن، وبذلك فإن اقتراحه لتعبير (الميديولوجيا) جاءَ اعتقاداً منهُ بأنهُ يجب عليهِ أن يُبرز حاجة الوسائط بمُختلف أنواعها إلى علم جديد خاص بها دون غيرها (16).

لذا قام بتأسيس الميديولوجيا. اطلعَ (دوبري) كما يري الدكتور بشار عليوي على مُختلف التيارات الفكرية فضلا عن مُعايشتهِ لأبرز الأحداث العالمية البارزة، فقامَ بنشر الدراسات والمقالات والأبحاث بُغية التعريف بهذا العلم الجديد وتطبيقاتهِ ومُقارباتهِ مع باقي العلوم والفنون، ونَظمَ عدداً من المؤتمرات والجلسات البحثية ضمن مهرجانات فنية وثقافية ومؤتمرات دولية كرّسها عن «الميديولوجيا» (17).

فضلاً عن اشتراكهِ كما يري الدكتور بشار عليوي في كثير من الحوارات والنقاشات مع كِبار المُفكرين والمؤلفين، إذ تجسدَ عملهُ الرئيس بإصدارهِ لعديد المؤلفات ضمن مشروعهِ الخاص بتأسيس «الميديولوجيا»، والتي بدأها عام 1979 ومازالَ مُتواصلاً في النشر (18).

وأخيراً أبارك للناقد الدكتور بشار عليوي وهو يدشن الكتابة عن الفيلسوف الإنسان والمفكر المثقف (دوبري)، الذي لم تتناوله الدراسات العربية في متونها، وهذا ما يحسب للمؤلف أنه عرّفنا بعلم من أعلام الثقافة العالمية الذي أسس لمجموعة من المعارف لعل أهمها تأسيسه لعلم (الميديولوجيا) الذي عدّهُ علم القرن الواحد والعشرين تماشياً مع تمظهرات عصرنا الحالي، حينما أصبحت السيادة فيهِ للوسائط بمُختلفِ أنواعها (19).

وفلسفيا نجد أنه في عام 1998، أصبح دوبريه كما يري الدكتور بشار عليوي مدير برامج في المعهد الدولي للفلسفة، ورئيساً للمجلس العلمي للمدرسة الوطنية الفرنسية العليا لعلوم الإعلام والمكتبات. ذلك قبل أن يتولّى في عام 2002، رئاسة المعهد الأوروبي لعلوم الأديان، والذي كان قد تأسس بمبادرة منه. وهو يؤكّد بأشكال مختلفة، أهمية المرجعيات، مهما كانت طبيعتها، بالنسبة للمجتمعات الإنسانية، باعتبار أنها تولّد الثقة المتبادلة بين المعنيين بها. وتشكّل ضمانة للنظام الاجتماعي (20).

وفي عام 2005، أسس دوبريه كما يري الدكتور بشار عليوي مجلّة "الوسيط ـ ميديوم". كما انه انتخب عضواً في "أكاديمية غونغور". إن ريجيس دوبريه رجل متعدد المشارب الفكرية والاهتمامات، بحيث يصعب تعريفه بدقّة. وهو يردد باستمرار، أنه ليس فيلسوفاً، رغم أنه يحمل شهادة التأهيل العليا (21).

والدكتوراه في هذا الحقل. وفي كل الحالات، لا شك أنه أحد العلامات الفارقة في المشهد الثقافي، حالياً. إنه فيلسوف ومفكر ومؤرّخ وأديب وروائي وكاتب مسرحي.. ويفضل جمع هذه التوصيفات كلها تحت عنوان "كاتب" (22).

ويسأل دوبريه : لماذا يخضع المثقفون عندما يتقدم بهم العمر، لإغراء شاتوبريان، ويشرعون في الحديث عن التاريخ على غراره، بطريقة شعرية ومأساوية، بل وكأنه كابوس، وأن إنسانية الإنسان مهددة؟ ويؤكّد في معرض الإجابة، أن البشر هم، حالياً، بصدد اختراع عالم هجين. ويوضح أنهم يمتلكون قدرة كبيرة على حل التناقضات، ويمكن أن تبرز عبر هذه القدرة، نهضة جديدة، وبالتالي ينبغي التحضير لها (23).

وفي نهاية حديثي لا أملك إلا أن أقول بأن هذه المقالة ليست قراءة في كتاب (فلسفة الدين في الفكر الغربي)، ولا عرض لمحتوياته، إذ إن ذلك يتطلب مقالات عديدة، وإنما هي تحية للمؤلف الدكتور بشار عليوي ، الذي قدّم للمكتبة العراقية (والعربية أيضاً) هذا المصدر المبتكر والأصيل؛ ومن ثم يبقى هذا الكتاب مبتكراً جديداً في موضوعه وطريفاً ممتعاً للقارئ والكاتب على السواء.

فتحية طيبة للدكتور الدكتور بشار عليوي الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام والذي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.................

الهوامش

1- الدكتور بشار عليوي: ريجيس دوبري .. الفيلسوف الإنسان والمفكر المثقف، العراق، 2020، ص 5.

2- المصدر نفسه، ص 12.

3-المصدر نفسه، ص 33.

4- المصدر نفسه، ص 45.

5- المصدر نفسه، ص 57.

6- المصدر نفسه، ص 69.

7- المصدر نفسه، ص 71.

8- المصدر نفسه، ص 84.

9- المصدر نفسه، ص 92.

10- المصدر نفسه، ص 112.

11- المصدر نفسه، ص 115.

12- المصدر نفسه، ص 121.

13- المصدر نفسه، ص 134.

14- المصدر نفسه، ص 146.

15- المصدر نفسه، ص 152.

16- المصدر نفسه، ص 161.

17- المصدر نفسه، ص 177.

18- المصدر نفسه، ص 182.

19- المصدر نفسه، ص 199.

20- المصدر نفسه، ص 201.

21- المصدر نفسه، ص 211.

22- المصدر نفسه، ص 214.

23- المصدر نفسه، ص 215.

 

 

2891 خديجة محمدللباحثة خديجة محمد أحمد عبدالبارى

يعد التمييز العنصرى سواء التمييز العرقى، أو الدينى أو الطبقى من أصعب ما يتعرض له الإنسان، وذلك لأنه مبنى على الإعتقاد بوجود جماعة من الناس تنتمى وتتنتسب إلى أصل واحد أو عرق واحد، وهذا الأصل أو العرق له مميزات وصفات لا تتميز ولا تتصف بها الجماعات الأخرى، وهذه الصفات العرقية تعطى أفضلية إجتماعية، أو قانونية لمنتسبى هذه الجماعة على حساب غيرها..

وقد حرم الإسلام التمييز العرقي وقال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13).سورة الحجرات، وقال الرسول الكريم في حجة الوداع: "أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد.. كلكم لآدم وآدم من تراب، وأكرمكم عند الله اتقاكم" ورغم وجود هذه التعاليم التي تحث على المساواة والعدل وتكافؤ الفرص إلا أن هناك فترات خالف فيها المسلمون هذه التعاليم وسيطرت عليهم آفات الجاهلية ومنهم ظاهرة التمييز إلا أنها كانت أخف وطأة مما كان في أوربا في العصور الوسطى فأحوالنا في المشرق الإسلامي لا يقارن بهذه البقاع التي ران عليها الجهل والظلمات وتفشى الظلم والعسف واستعباد الناس..

وقد أحسنت الباحثة خديجة محمد أحمد عبد الباري حينما اختارت هذا الموضوع الحيوي في رسالتها للماجستير بعنوان " ظاهرة التمييز في مصر منذ العصر الفاطمي وحتى نهاية العصر المملوكي" التي حصلت عليها من كلية الآداب جامعة الإسكندرية عام 2020، بإشراف الأستاذة الدكتورة سحر السيد عبد العزيز سالم، أستاذ التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية ورئيس قسم التاريخ والآثار المصرية والإسلامية بكلية الآداب جامعة الإسكندرية -سابقاً- وتوصلت فيها الباحثة إلى نتائج باهرة.

وترجع أهمية اختيار الموضوع كما قالت الباحثة في المقدمة "إلى الرغبة فى تسليط الضوء على ظاهرة التمييز التى عانى منها المجتمع المصرى على مر العصور، فقد عانى المصريون كثيراً على أثر تلك الظاهرة سواء كان تمييز دينياً أو عرقياً أو طبقياً، حيث تسبب ذلك فى التغير الجِذرى فى البنية التحتية للمجتمع، ولا نستطيع أن ننكر استمرارية تلك الظاهرة حتى وقتنا هذا ولكن بشكل مختلف، وإنما أصبحت بشكل أكثر إستتاراً عن ذى قبل، فبينما جعل الله الناس سواسية دون تمييز بينهم على مختلف الأصعده والمجالات وهو ما أمر به الدين الإسلامى بل وجميع الأديان السماوية ولكن مع الاسف لم يطبق هذا على أرض الواقع، ولعل تلك الظاهر يندرج تحت طياتها الظاهرة المستحدثة حالياً وهى ظاهرة التنمر والتى يعانى منها الكثير ممن يعجزوا عن درء الأذى عن أنفسهم".

وقد شملت هذة الدراسة الفترة الزمنية منذ بداية العصر الفاطمي فى مصر، ولقد سلطت الضوء على ظاهرة التمييز فيه حيث بدأت الدولة بقوة وعنفوان بينما انتهى الأمر بخلفائها أن صاروا لا يملكون من أمرهم شيئاً، وصار كل زمام الحكم فى يد الوزراء وهو ما يسمى بالعصر الفاطمي الثاني فى سنة (487- 567ه / 1094-1171م ) ظلت مصر كذلك حتى نهاية العصر الفاطمي.لتدخل مصر حقبة زمنية جديدة ببداية العصر الأيوبى وهو عصر ملئ بالصراعات والحروب الداخلية والخارجية، وفى ذات الوقت كان عصراً زاخراً بمختلف العلوم التى تصدرت بها مصر للعالم بأسره، وعلى الصعيد العنصرى، فنرى مصر قد عانت خلاله من العنصرية العرقية بشكل واضح نظراً لإنضمام الكثير من أصحاب الأعراق والأجناس المختلفة فى تلك الفترة الزمنية، والذى كان سبباً فى إندلاع الفتن فيما بينهم فى بعض الأوقات .

وصولاً للعصر المملوكى والذى إتخذ لطريق مصر منعطفاً مختلف تماماً عن العصور السابقة، فقد صار مماليكها بمختلف أعراقهم هم حكامها وسلاطينها فيما بعد، وهذا جعلهم حاملين ميولاً متنوعة وتقاليد متعدده فبالرغم من كونهم قد تربوا وترعرعوا فى مصر إلا أنهم ظلوا محتفظين برونقهم، وأصلهم فتقوقعوا على أنفسهم من الإختلاط بالمصريين، وأدى ذلك بالطبع إلى صراعات أُقحم فيها المصريون دون سبب أو مصلحة ولكن فى ظل تلك الصراعات كان لحسن الحظ أن من سمات المجتمع المصرى أنه يملك ثقافة التأقلم دائماً، فلديه القدرة على التكيف على الوضع الراهن خاصة إن تيقن بعدم قدرته على التغير فيصير الأمر مسلم به بالنسبة إليه .

وفى واقع الأمر أن مصر قد عانت من الكثير من الأزمات على مر العصور، ومن بين تلك الأزمات كانت ظاهرة التمييز، وكانت لها مردودها السلبى على المجتمع المصرى، وقلما جاء عليه عهد أو فترة زمنية نعِم فيه بالإستقرار المؤقت فما تكون إلا سكوناً لما يسبق العاصفة .

وقد قسمت الباحثة تم عرض الرسالة متضمنه مقدمة ودراسة تمهيدية وثلاثة فصول رئيسية وخاتمة ففي المقدمة تحدثت عن موضوع الرسالة بشكل عام وبإيجاز وعن السباب التي دفعتها لتناول تلك الدراسة، ثم اعقبت ذلك بتمهيد جاء في قسمين:

1- القسم الأول: وعرفت فيه الباحثة مفهوم التمييز لغة واصطلاحا، وفي القرآن الكريم، والسنة النبوية، وفى علم الاجتماع، وفى القانون وفى علم السياسة.

2- القسم الثاني، وعرضت فيه لمظاهر التمييز فى المجتمع المصري فى الفترة الزمنية السابقة على موضوع الدراسة .

أما في الفصل الأول وجاء تحت عنوان "التمييز الديني فى مصر منذ العصر الفاطمي وحتى نهاية العصر المملوكي ( 358-923ه/969-1517م)"، وتناولت فيه: التمييز الديني بين أهل الذمة والمسلمين منذ العصر الفاطمي وحتى نهاية العصر المملوكي، وتعرضت في هذا الفصل لوضع أهل الذمة والمسلمين ومدى تعرضهم لظاهرة التمييز فى المجتمع المصري في ظل الفترة الزمنية للدراسة .

أما في الفصل الثاني وتناولت فيه التمييز المذهبي بين الشيعة والسنة فى مصر منذ العصر الفاطمي وحتى نهاية العصر المملوكي ( 358-923ه/969-1517م، من خلال:

1- وضع أهل السنة فى العصر الفاطمي (358-567ه/969-1171م)

2- وضع أهل الشيعة فى العصرين الأيوبي والمملوكي (569-923ه/1173-1517م )، وفيه عرض للتمييز المذهبي للشيعة والسنة ومدى تعرضهم لتلك الظاهرة فى مصر فى الفترة الزمنية للدراسة .

ثم تناولت في هذا الفصل أيضاً التمييز العرقي فى مصر منذ العصر الفاطمي وحتى نهاية العصر المملوكي (358-923/ ه 969-1517م)، وفيه عرض لأهم الاجناس والاعراق التي استقرت فى مصر فى الفترة الزمنية للدراسة وقُسم إلى:

1- التمييز بين العناصر المكونة للجيش الفاطمي (385-567ه/969-1171م)

2- تمييز العنصر العربي ( الهجرة الهلالية ) فى العصر الفاطمي (385-567 ه/969-1171م)

3- التمييز بين العناصر الكردية والتركية والمغربية فى العصر الأيوبي والعلاقة بيتهم (567-648ه/1171-1250م)

4- التمييز بين العناصر التركية وعلاقتها بالسكان المحليين فى العصر المملوكي (648-923/1250-1517م)، وقد استعرضت الباحثة التمييز بين العناصر المكون للجيش فى الفترة الزمنية للرسالة.

بينما في الفصل الثالث الذي جاء تحت عنوان "التمييز الطبقي فى مصر منذ العصر الفاطمي وحتى نهاية العصر المملوكي ( 358-923ه/969-1517م)"، استعرضت فيه الباحثة بالتفصيل طبقات المجتمع بمختلف فئاتها ما بين طبقة الخاصة حتى الطبقة العامة فى المجتمع، ومدى تعرض تلك الفئات لظاهرة التمييز ولقد اشتمل هذا الفصل على العديد من النقاط:

 

عرض: أبو الحسن الجمال

....................

1- التمييز بين طبقات المجتمع منذ العصر الفاطمي وحتى نهاية العصر المملوكي (358-923ه/969-1517م)

2- التمييز الإقطاعي فى مصر وتوزيع ملكية الأرض فى مصر منذ العصر الفاطمي وحتى نهاية العصر المملوكي (358-923ه/969-1517م)

3- التمييز بين المزارع والفلاح المصري والعربان وعلاقتهم بالسلطة الحاكمة منذ العصر الفاطمي وحتى نهاية العصر المملوكي( 358-923ه/969-1517م).

وفي النهاية نحيي الباحثة على هذا الجهد الملموس ونتمنى أن نرى هذه الرسالة مطبوعة في القريب العاجل.

 

محمود محمد علي3- تحليل الكتاب

قسم الحيدري كتابه علي محورين رئيسيين: أحدهما يمثل الباب الأول ويتعلق بالتأسيس الفلسفي للدين، والآخر يمثل الباب الثاني المتعلق بمقولات فلسفة الدين، واشتمل كل باب علي خمسة فصول، ولما كان الصراع الفكري الموجود حاليا تمثل صراعاً حضاريا بين الشرق والغرب، فقد توجه الحيدري صوب الفكر الغربي ليبحث عن فلسفة اليدن بحسب ما صرح به فلاسفتهم، ومن ثم تكون فصول الكتب علي النحو التالي:

في الفصل الأول، حاول الحيدري من الباب الأول تبيان مفهوم الدين بتحديد معناه، لكونه موضوع دراسته، ولذلك عمد الحيدري إلي تبيان هذا المفهوم من جوانب عدة: الرؤية السيكولوجية والسوسيولوجية والأخلاقية للدين، فضلاً عن رؤية رجال الديانات السماوية، ليخلص الحيدري من كل ما تقدم من تعريف عام للدين تنضوي تحته سائر الديانات السماوية والوضعية (10).

وفي الفصل الثاني بحث الحيدري عن مصدر نشوء النزعة الدينية لدي الإنسان الأول (الإنسان القديم)، كيف نشأت ؟ وأسباب نشوئها؟ ومصدر نشوئها ؟ وللإجابة عن تلك الأسئلة تناول الحيدري أبرز ثلاث نظريات طُرحت علي الساحة الفكرية بهذا الشأن، حيث بين الحيدري أسباب نشوء الحس الديني عند الإنسان، أسيكولوجية هي أم سوسيولوجية ؟ أو خارجي مصدر تلك النزعة أم داخلي؟ أو فطري الحس الديني أم مكتسب؟ (11).

وجاء الفصل الثالث ليحاول الحيدري من خلاله التعرف علي طبيعة اللغة الدينية بتفحص عباراتها إن اكنت تدلل علي معني حقيقي أو مجازي، وكذلك للتعرف علي قضايا اللغة الدينية أإخبارية هي أم إنشائية؟ للحكم بعدها علي منطق اللغة الدينية، أمشابه هو لمنطق لغة العلم والأدب وما شاكلها أم خاص بها ؟ ويكون ذلك كله باختيار مجموعة من الفلاسفة الذين أدلو دلوهم في هذا المجال (11).

وبعد معرفة المفهوم وإحساس الإنسان به ومنطق لغته، إنتقل الحيدري في الفصل الرابع إلي توضيح العلاقة بين الدين والفلسفة، ومعرفة حقيقة تلك العلاقة، أعلاقة تعاون وتيادل للرؤي هي أم علاقة تزاع وصراع ؟ وحاول الحيدري في هذا الفصل تبيان الفرق بين المجالين المذكورين من أوجه عدة، مع سرد مقتضب لتاريخ تلك العلاقة، ثم أخذ الحيدري أنموذج فلسفي بارز ليكون معبراً عن تلك العلاقة الجدلية (12).

وفي الفصل الخامس من الباب نفسه حاول الحيدري إزاحة الستار عن مسرح فلسفة الدين، للكشف عن موضوعاته والعلوم التي يستفيد منها الباحث في هذا المجال، فضلا عن بيان الفرق بين فلسفة الدين وعلم اللاهوت، أوعلم الكلام، أو علم أصول دين دين معين، إذ تختلط مفاهيمها عند الكثير من الباحثين . ثم أماط الحيدري اللثام بعد ذلك عن وجه فلسفة الدين لبين لنا الحيدري وجه حقيقتها ويجاول تعريفها، وقد يكون هذا المنهج مغايرا لأغلب البحوث الأكاديمية، إذ اعتاد الباحثون كما يريب الحيدري أن يبدأوا سياق بحثهم بتعريف موضوع المشكلة المراد دراستها، أما الحيدري فقد ارتأي تاجيل حسم ها الموضوع،ليتدرج علي وفق تسلسل منطقي ابتداء من تعريف مفهوم الدين، وانتهاءً بالكشف عن حقيقة فلسفة الدين ؛ليمنح الدين تأسيسا فلسفياً فيخرج عن منظومته، ويحكم علي موضوعات الدين من خارج الدن (13).

ثم انتقل الحيدري بعد ذلك إلي المحور الرئيس الثاني في هذا الكتاب الذي بين أيدينا والمتمثل بمقولات فلسفة الدين، وقد بدا الحيدري الفصل الأول منه يجعل مشكلة الألوهية مقولة أولي؛ لأن موضوعها يميز الدين من غيره من الموضوعات، وعادة ما يتناول الباحثون في دراسة هذه المقولة مسألة أدلة وجود الله، تلك الأدلة المنطقية التي لا يكاد يخلو كتاب يبحث في الألوهية منها، لذلك قام الحيدري بالبحث في هذه المقولة المتعلقة بصورة الإله من حيث كونه علة مفارقة، ومن حيث كونه علة محايثة، ومن حيث كونه علة معلولة، باختيار نماذج فلسفية ثلاثة تعبر عن الصورة المذكورة (14).

ثم تناول الحيدري في الفصل الثاني من الباب الثاني مقولة ثانية متمثلة بمشكلة التجربة الدينية من حيث عدها صورة للعلاقة ما بين العبد ومعبوده، تلك العلاقة التي ستبتعد عن مضمار العقل للدخول في مضمار الأديان، حيث الانقياد إلي ذلك الإشعاع المقدس، إذ تعجز لغة الحياة اليومية عما رأته العين، وما سمعته الأذن، ولا مجال إلي ذلك بسوى الرمز ؛ ولهذا رأينا الحيدري يتوجه صوب عينات فلسفية مميزة كان لها إسهام في هذا المجال، سواء أكان ذلك عن طريق التجربة الحية أم كان عن طريق دراسة تجارب الآخرين (15).

ثم انتقل الحيدري بعد ذلك إلي مقولة ثالثة في الفصل الثالث متمثلة بدراسة مشكلة الشر، تلك المشكلة القديمة الجديدة، القديمة منذ هبوط آدم عليه السلام علي الأرض، وجعل الشيطان ممثلاً رمز الشر، والجديدة لأن الآراء بصدد معالجتها مستمرة إلي يومنا هذا (16)، وأخذت مناحي متعددة ؛ لذلك أختار الحيدري بعض الشخصيات الفلسفية التي حاولت التعاطي مع هذه المشكلة بشكل فلسفي بعيداً عن الجونب الأخري إذ يوجد من الفلاسفة المعاصرين من عالج تلك المشكلة من جانب سيكولوجي ؛ لذا رأينا المؤلف لم يتطرق في هذا الكتاب (17)..

وفي الفصل الرابع من الباب نفسه وجدنا الحيدري يتناول مشكلة مصير الإنسان بعد الموت، وطبيعة العالم الذي سيلاقيه، وهل سيواجه عالماً واحداً، أو أكثر، وهل سيكون الموت له حدا فاصلا للعبور إلي ذلك العالم أو أنه سيمر بتتلك اللحظة الفاصلة مرات ومرات، وهل وجود عالم آخر يمتلك حقيقة واقعية أو هو عالم من الوهم (18).

وفي الفصل الخامس والأخير تناول الحيدري صلة الدين بالأخلاق، إذ تحري الكاتب فيها أمتداخل مضمون كل منهما مع الآخر أم غير متداخل؟ وأي الموضوعين سيكون له السبق في التأسيس للآخر، الدين أم الأخلاق؟ وكل ذلك سيكون عن طريق اختيار شخصية فلسفية مبرزة تمثل طبيعة العلاقة بين الدين والأخلاق  (19).

وفي نهاية حديثي لا أملك إلا أن أقول بأن هذه المقالة ليست قراءة في كتاب (فلسفة الدين في الفكر الغربي)، ولا عرض لمحتوياته، إذ إن ذلك يتطلب مقالات عديدة، وإنما هي تحية للمؤلف إحسان علي الحيدري، الذي قدّم للمكتبة العراقية (والعربية أيضاً) هذا المصدر المبتكر والأصيل؛ ومن ثم يبقى هذا الكتاب مبتكراً جديداً في موضوعه وطريفاً ممتعاً للقارئ والكاتب على السواء.

ويسرني في نهاية المقال أن أبارك للأستاذ الدكتور إحسان علي الحيدري تأسيسه لموضوع جديد يهم الكاتب والمؤلف؛ خاصة وأنه يعد بحق قامة فلسفية وإبداعية في ساحة الفكر والثقافة المصرية والعربية، فقد استطاع بفكره أن يخصص له مساحة واسعة لنشر أفكاره والمتتبع لكتاباته الأخيرة يقف على أن إحسان علي الحيدري مفكرا، مُنَظِّرًا وناقدًا في نفس الوقت فقد ارتكزت أبحاثه على قراءة الفكر الغربي في ثنايا فكرنا العربي المعاصر؛ وذلك من أجل تحرير العقل البشري من دوجماطيقية التقليد، علاوة علي تسليطه الضوء على كثير من القضايا الفلسفية التي نالت حظاً من النقاش لدى النخبة المثقفة (سواء في مصر أو الوطن العربي) متخذاً في ذلك مساراً جديداً في عالم الفكر والإستبصار .

فتحية طيبة للدكتور إحسان علي الحيدري الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام والذي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

......................

الهوامش

10- د. إحسان علي الحيدري: المصدر نفسه، ص 20-47.

11- المصدر نفسه، ص 47-76.

12- المصدر نفسه، ص 79-112.

13- المصدر نفسه، ص 113-148.

14- المصدر نفسه، ص 149-167.

15- المصدر نفسه، ص 175-204.

16- المصدر نفسه، ص 209-240.

17- المصدر نفسه، ص 241-266.

18- المصدر نفسه، ص 271-299.

19- المصدر نفسه، ص 305-337.

 

 

محمود محمد عليتعددت الآراء واختلفت بشأن الصلة بين الفلسفة والدين، حيث يذهب كثير من الباحثين إلي التأكيد علي ارتباط الفلسفة في نشأتها علي الدين، ثم سرعان ما استقلت الفلسفة وأخذت تهاجمه، ويتضح ذلك الموقف من خلال موقف فلاسفة اليونان الأوائل من الدين، وفي هذا يذهب اميل بوترو إلي أن الفلسفة بدأت بطبيعة الحال بإنكار حاضنتها ومحاربتها وفي ذلك يقول أكسينوفان: البشر هم الذين خلقوا الآلهة لأنهم يلتمسون فيها صورتهم الحقة وعواطفهم ولغتهم ولو عرف البقر التصوير لخلع علي آلهته هيئة البقر، ولقد نسب هوميروس وهزيود إلي الآلهة كل ما هو مخجل أثيم في البشر (1).

وانطلاقا من العداء التاريخي بين الفلسفة والدين، نجد موقف المؤهلة الطبيعيين في العصور الحديثة وموقفهم الرافض للدين، الذي ساهم إلى حد كبير في تفويض الدين . ومن الثابت تاريخياً أن هناك عداء مستحكم بين الفلسفة والدين وكلاهما يتربص بالآخر، وفي هذا يذهب بوترو إلى أن " العقل عند المؤهلة لا يتعارض مع التقاليد ومع سلطة الكنيسة فقط، بل يرفض كل اعتقاد يختص بالأمور التي تتجاوز نطاق أفكارنا الواضحة أو الطبيعية التي نحن جزءاً منها . وبذلك قضى العقل بطريقة منتظمة على كل سر غامض وكطل عقيدة انتقلت لنا من الديانات الضعيفة، ولا يسمح إلا ببقاء الدين الذي يسمى طبيعياً أو فلسفياً  (2).

وتمشياً مع الموقف الفلسفي للدين نجد أن الغالب على هذا الموقف معارضته إضفاء أي قدسية على الدين وتعاملهم مع الدين كفكر مصدره الإنسان وليس مصدره قوة عليا هي المسؤولة عن الدين . وإن كان الفلاسفة يشيرون إلى المسيحية فذلك على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر، وفي هذا نجد من يذهب إلى أن " الفروض المسيحية فقدت الشريعة الاجتماعية، ولكن ليست الفكرة، أنهم ما زالوا شرعيون وبالتالي الأسلوب المعتاد لعدم مشاركتهم عاداتهم، ولكن هذا أصبح اليوم غير ضروري في الدوائر الواسعة التي تعيش ببساطة على هامش المسيحية، في مناخ اجتماعي حيث المسيحية غير مقدمة لأي فرد كافتراض شائع ".

وفي هذا يذهب أيضاً إلى أن " الوعي بالانتماء إلى مجموعة ليس بالعكس يؤثر في المسيحية، أنه يقويها عندما يكون الشعور أو الوعي بمجموعة دينية . ولكن يجب ملاحظة أن المجموعة مراراً ما تفترض سمة المجموعة الدنيوية أو الحزبية، والتي تؤكد المسيحية كمركز تقليدي أو سياسي أو إيديولوجي وليست كدين بالمعنى الصـارم ".

وعلى الرغم من هذا نجد من يذهب إلى أن الدين له أهمية خاصة وقدرة مميزة، وتأثير تجاوز كل تصور ويرجع ذلك إلى طبيعته الخاصة وفي هذا يذهب اميل بوترو إلى أن " الدين قد وحد الناس وفرق بينهم وأقام الدول وأسقطها وآثار أفظع الحروب، وعارض بالعقل قوة المادة الهالكة باعتبار أنها عقبة لا يمكن تجاوزها . ولقد أثار في ضمير الفرد ألواناً من الصراع تشبه في مأساتها الحروب بين الدول .لقد واجه الطبيعة وأخضعها، وجعل الإنسان سعيداً في البؤس، بائساً في السعادة . فمن أين جاء للدين هذا السلطان الغريب إذا لم يكن الإيمان أقوى من المعرفة، وكان الاعتقاد بأن الله معناً أشد أثراً من أي معونة إنسانية، وأن الحب أقوى من جميع البراهين " (3).

بعد حديثنا عن الدين وتعريفه، كان لزاماً علينا أن نتناول فلسفة الدين لنتعرف عن مدلولاتها وماذا تعني ؟ ولتوضيح الاختلاف بين اللاهوت وفلسفة الدين، نجد أن أزفلد كولبه يميز بينهما على اعتبار أن اللاهوتي مرتبط بدين محدد بينما تهتم فلسفة الدين بنقد موضوعات ومفاهيم اللاهوت بصفة عامة، وفي هذا يذهب الكاتب والمفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي إلي أن سؤالُ فلسفةِ الدين سؤالٌ فلسفي، والتفكيرُ فيها تفكيرٌ فلسفي، وقراءتُها للدينِ ومعتقداتِه قراءةٌ فلسفية، وبذلك تتميز عن: علمِ اجتماع الدين، وأنثروبولوجيا الدين، وعلمِ النفس الديني، وغيرِها من علومٍ تهتم بدراسة الدينِ وتمثّلاتِه في حياةِ الفردِ والجماعة، فكلٌّ من هذه العلوم يدرس كيفيةَ تعبيرِ الدين عن حضورِه في الحياة، والأثرَ والتأثيرَ المتبادلَ الناتجَ عن التفاعلِ بين الدينِ وثقافةِ المجتمع ونمطِ تمدّنه، وكلُّ هذه العلومِ يدرسُ الدينَ في ضوء مناهجِه ومفاهيمِه وأدواتِه في البحث العلمي، ويتركّز بحثُه على ما يحدثه الدينُ في المجالِ الخاص الذي يدرسه (4)

علاوة علي أن فلسفةُ الدينِ لا تختصُّ بدينٍ أو فرقةٍ أو مذهب، ولا تسعى للدفاعِ عن معتقداتِ جماعةٍ دينية، كما هي وظيفةُ اللاهوتِ، وعلمِ الكلام، ففي لاهوتِ أيِّ دينٍ يظل اللاهوتي يفكّر تحت سقفِ المعتقد المركزي للدين، ولا يخرج عن إطارِه الكلي مهما كان رأيُه، وفي علمِ الكلامِ الإسلامي يظل المتكلمُ يفكّر تحت سقفِ التوحيد والنبوة، فإن خرج اجتهادُه عن مسلّماتِ الاعتقاد فنفى وجودَ الله وأنكر النبوةَ لم يعد متكلماً. (5)

أما فيلسوفُ الدين فلا سقفَ يخضع له عقلُه، ولا إطارَ يتحرك ضمنَه تفكيرُه، ولا مسلماتٍ يصدر عنها؛ لأنه لا يقوده إلا العقلُ، ولا ينتج فهمَه للدينِ والمعتقداتِ الدينية أيّةُ سلطةٍ معرفيةٍ تتعالى على العقل، فمنطقُ فهمِ فيلسوفِ الدين للمعتقدات الدينية هو ذاتُه منطقُ فهمِه للوجود والمباحثِ الكلية المعروفةِ في الفلسفة. (6).

وتبتعد فلسفةُ الدينِ عن الأحكامِ المعيارية، ولا تتبنّى أيّةَ مواقفَ مسبقة، ولا تتحمّس في الانحيازِ لأيّةِ ديانةٍ أو معتقد، فلا يحضر الإيمانُ أو الاعتقادُ بدينٍ معينٍ، بوصفه شرطاً، في تفكيرِ فيلسوفِ الدين، ما يحضر هو العقلُ الفلسفي، من دون أيِّ توصيفٍ أو شرطٍ إضافي يقيّد العقل، أو يملي عليه طريقةَ تفكيره، أو يرسم له حدودَ الأفقِ الذي يتموضع فيه، أو المنطقَ الذي يوجِّه مسارَ تفكيره. (7).

قصدت أن أقدم هذه المقدمة عن كانط لأمهد للحديث عن تحليلي للكتاب الشيق الذي بين يدي، وهو كتاب " فلسفة الدين في الفكر الغربي" (ويقع في "362" صفحة من القطع الكبير)، للمفكر العراقي المبدع الدكتور إحسان علي الحيدري – أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة المساعد بكلية الآداب بجامعة بغداد، ومن عادتي عند قراءة كتاب لا أعرف محتواه أن أخمن موضوعه من عنوانه، وغالباً ما يكون تخميني صحيحاً؛ فحسب علمي لم يكتب قبله كتاب في فن كتابة فلسفة الدين وشرح أفكارها بطريقة نقدية، وهذا واضح من خلال ما فاله في مقدمة الكتاب:" قلبت صفحات الكتب الفلسفية بحثاً عن موضوع فلسفة الدين، لأسهم في معالجة جزء من المشكلة الدينية القائمة التي أدت إلي حدوث شرخ كبير في لحمة الشعب الواحد، فضلا عما عليه الحال بين شعب وآخر يمتلك كل منهما رؤية دينية مختلفة عن رؤية الآخر" (8).

2- التعريف بالمؤلف:

في رأيي أن هناك نمطان من الأساتذة الجامعيين، نمط تقليدي تتوقف مهارته عند تقليد الآخرين والنقل عنهم وضبط الهوامش، والحرص علي أن يكون النقل أميناً، وكلما كان من مصادر ومراجع أجنبية كان أفضل، وكلما قل فيما يقولون فإن ذلك هو الصواب عينه، ونمط مبدع يسخر قراءته لإبداء الرأي أو للتدليل علي صواب الاجتهاد العقلي الشخصي، وبالطبع فإن النمط الثاني هو الأقرب إلي النمط الفلسفي الحق، فالتفلسف ينتج الإبداع ولا يتوقف عند النقل وإثراء الهوامش .

ولا شك في أن إحسان علي الحيدري (مع حفظ الألقاب) من هؤلاء الذين ينتمون إلي النمط الثاني، فهو صاحب موقف فلسفي ونقدي واضح من كل ما يقرأ ولا يكتب إلا في حول أو في قضايا معاصرة  بغرض بلورة موقف مبدع ومستقل عن كل المواقف ومختلف عن كل الآراء المطروحة حول نفس الموضوع سواء قيل من قبل .

إن البحث الفلسفي في نظر إحسان علي الحيدري تعبير خالص عن الموقف الفكري المستقل الخالص بالباحث وليس مجرد مجموعة من النفول والشروح والتعليقات المفتعلة . وعلاوة علي ذلك فإن جدية أحمد سالم وأصالته تتكشف عندما يطرح القضايا الفكرية والسياسية، حيث نجد الغاية من هذا الطرح ليست مجرد تكرار للأفكار، وإنما يسلط الضوء علي أفكار وقصايا بعينها، من أجل أن يكشف عن المجتمعات العربية عموما، والمجتمع المصري خصوصا، وكذلك من أجل أن يستقي القارئ العربي منها مصادر خلاصة من مشكلاته التي تؤرقه وخاصة مشكلة وجوده كإنسان له كرامته الأصلية.

ولهذا يعد إحسان علي الحيدري واحداً من أبرز الوجوه الثقافية من زملائنا المعاصرين، وهو يمثل قيمة كبيرة وشعلة من التنوير الفكري التي بدأها منذ ربع قرن باحثاً ومنقباً عن الحقيقة والحكمة . إنه الباحث عن سبيل يحفظ للإنسان حريته وكرامته فهو ينقب في ثنايا الفكر العربي الحديث والمعاصر، لكنه لا يسلم به من ما يكتب عنه من قبل زملائه الباحثين، بل لديه قدرة عظيمة علي أن يلقي بنفسه في خضم المشكلات المطروحة، ويشق لنفسه طريقه الخاص غير عابئ بما يقوله هذا الفيلسوف أو ذاك من أعلام الفلسفة الشوامخ.

وإذا ما أكتب اليوم عنه هذه  الوريقات القليلة، فما ذلك إلا نقطة في بحر فكره، وقد آثرت أن تكون ورقتي منصبة حول أحد إسهاماته في الفكر الغربي المعاصر، وقد اخترت كتبه بعنوان " فلسفة الدين في الفكر الغربي "، حيث يعد هذا الكتاب واحداً من تلك المؤلفات الني عني بها مؤلفها إحسان علي الحيدري بالدفاع عن فلسفة الدين في الفكر الغربي من خلال مجموعة من الفلاسفة الغربيين دون غيرهم كان لتميزهم من غيرهم في إدلاء دلوهم في المشكلة المراد بحثها، ومن ثم لا يعني عدم ذكر غيرهم أن المعالجة الفلسفية للمشكلة الدينية اقتصرت علي آراء الفلاسفة المذكورين فقط، بل ذكر المؤلف هؤلاء الفلاسفة بوصفهم نماذج فلسفية عبرت عن نفسها وعن غيرها ؛ لوجود شبه كبير بينهم وبين غيرهم من الفلاسفة (9).

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.........................

الهوامش

1- د. محمد عبد الحفيظ: الفلسفة والاعتقاد الديني، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الاسكندرية، 2004، ص 7-8.

2- اميل بوتروا: الدين والعلم في الفلسفة المعاصرة،، ترجمة أحمد فؤاد الأهواني، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 1973، ص 10.

3- د. محمد عبد الحفيظ: المرجع نفسه، ص 9. .

4- عبد الجبار الرفاعي: مدخل غلي فلسفة الدين، حفريات، منشورة بتاريخ  18/11/2019.

5- المرجع نفسه.

6- المرجع نفسه

7- المرجع نفسه

8-د. إحسان علي الحيدري: فلسفة الدين في الفكر الغربي، دار الرافدين، العراق، 2014، ص 8.

9-المصدر نفسه، ص 13،

 

 

جواد عبد الكاظم محسنصدر حديثاً كتاب (الأب يوسف حبي؛ دراسة تاريخية في نتاجاته الفكرية) لمؤلفه الدكتور أمير أحمد الشمري ومراجعة علمية من الدكتور عز الدين رسول المدني، وقد تصدره الإهداء إلى روح أبيه رحمه الله، وتقديم للكاردينال لويس روفائيل ساكو بطريرك الكنيسة الكلدانية في العراق والعالم الذي وصف الكتاب بـ(دراسة أكاديمية تحليلية غطت نتاج الأب حبي على مدى حياته الفكرية) وأضاف أنه (سفر ثمين عن رجل دين مفكر) وقد أبرز فيه المؤلف (سمات الانفتاح عند الأب حبي وسعيه لإشاعة التحليل بغية اكتساب وعي ذاتي ونشر قيم العيش المشترك المتناغم).

وقال المؤلف في مقدمته (أسهم المسيحيون قديما في صناعة التاريخ الثقافي العربي، وبرزت أهميتهم في مجالات لم يهتم بها الآخرون بفضل اتقانهم للغات عديدة)، وكان لهم دور في بناء حضارة الدولة الإسلامية، وحافظوا على ثقافتهم ولغتهم بهدوء، و(كانوا مترجمين للكتب العلمية والأدبية والثقافية ومؤلفين وأطباء ومحققين)، وكان لهم في التاريخ الحديث دور فعال واسهامات مهمة في نشر الفكر والمعرفة).

2884 يوسف حبيوزع المؤلف مادة كتابه على أربعة فصول، تناول في الفصل الأول حياة الأب يوسف حبي المولود في مدينة الموصل سنة 1938م، وتعمد في كنيسة مار أشعيا القريبة من دار سكناه في السنة التالية، ودخل مدرسة مار يوسف الابتدائية بمحلة القلعة سنة 1945م، ودخل السمنير (معهد مسيحي) ليتخرج منه كاهنا في معهد شمعون الصفا الكهنوتي، وكان متضلعا في اللغتين العربية والسريانية ونهما في قراءة الكتب بشكل كبير وملفت للنظر، ودخل الجامعة الأوربانية في روما، وحصل على شهادة البكالوريوس سنة 1957م، ثم الماجستير سنة 1962م، وبعدها حصل على شهادة الدكتوراه في القانون الكنسي من جامعة اللاتران في روما سنة 1966م، وعاد إلى العراق ليتسلم مسؤولية خدمة أكثر من كنيسة في الموصل.

وتحدث المؤلف في الفصل الثاني من الكتاب عن شذرات من نتاج الأب حبي في مجلته (بين النهرين)، إذ بلغت مقالاته فيها سبعين مقالة، بدأت بالعدد الأول سنة 1973م، وآخرها في العدد المزدوج 111-112 سنة 2000م، وهي سنة وفاته.

أما الفصل الثالث فقد خصصه المؤلف لمقالات يوسف حبي المنشورة في الصحافة في خمسة مباحث، هي: تراث وتاريخ المسيحية في العراق، وتراجم لشخصيات مضيئة في كنيسة الشرق، وأثر السريان في الحضارات العالمية، وفكر كنيسة المشرق في التعاليم المسيحية، والإنسان والمجتمع في فكر الأب حبي، وجدولا بالمقالات المنشورة.

وتضمن الفصل الرابع من الكتاب ثلاثة مباحث هي: الأب حبي مؤرخا لكنيسة المشرق، وتاريخ العراق وآثاره المسيحية، والأب حبي محققا ومترجما للكتب، مع جدول بالمصنفات التي ألفها وترجمها وحققها وعلّق عليها.

وختم المؤلف كتابه بكلمة أخيرة وقائمة بالمصادر والمراجع مع ملاحق بصور ووثائق مهمة وذات علاقة بالمترجم له وما ورد في الكتاب.

والمؤلف الدكتور أمير أحمد رحيم الشمري من مواليد مدينة سدة الهندية في محافظة بابل سنة 1985م، وحاصل على بكالوريوس تاريخ من جامعة الكوفة، وأكمل دراسته العليا فيها، فنال شهادتي الماجستير والدكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر، ونشر مجموعة من البحوث، وشارك في عدد من الندوات والورش العلمية والمؤتمرات المحلية والدولية، وحصل على العديد من كتب الشكر والتقدير.

 

جواد عبد الكاظم محسن

 

جمعة عبد اللهالاصدار من أتحاد الأدباء والكتاب في ميسان الكتاب (من جنى الذائقة / حكايات من وحي نصوص مختارة) للكاتب والباحث الاستاذ لطيف عبد سالم. تمثل مبادرة رائعة في استنطاق واستبطان روح القصيدة وحكايتها التي تملك خلفية عميقة في ولادة النص الشعري من رحم الواقع الاجتماعي، الذي يحمل ثنائية النص وحكايته من رحم الأحداث الجارية من الواقع الفعلي، أي أن مخيلة الشعرية اعتمدت على ارضية الحكاية في الدلالة والمعنى. بمعنى تسليط الضوء على حدث الحكاية واستنطاقه في الصياغة الشعرية.لكل قصيدة ولدت من رحم الحدث الواقعي الذي خلقها. لذلك اختار الكاتب والباحث الاستاذ لطيف عبد سالم لذائقته الإبداعية الرفيعة في الأدب والبحث والنقد، أن يختار حوالي 40 قصيدة، لها خلفية حدثية وفعلية، بمعنى لكل قصيدة ولدت من حدث معين حدث بشكل فعلي في مجريات الواقع الاجتماعي. وكل قصيدة تملك مناخات وطقوس خاصة بها. وساهم شعور وإحساس الشاعر بتدوين واقعية الحدث، أن يخلق نص شعري مرتبط بخلفية الحدث أو الحكاية وفي استنباط روحيتها شعرياً من الواقع للحكاية، لكي يخلق منها رؤى ورؤيا الفكرية والتعبيرية، في تسجيل الوقائع شعرياً. وهي محملة بالحزن والمعاناة، تدفع القارئ الى التعاطف روحياً وعاطفياً للنص الشعري وأصل حكايته. هذه الدلالة الروحية الواعية بالذائقة الشعرية والادبية في اختيار النصوص الشعرية من وحي حكاياتها المرتبطة بالنسيج الذاتي والعام، لأنها ولدت من مخاض الواقع الاجتماعي وتداعياته المتفجرة. التي تدل على عسف الواقع الجاف والجامد.،كل نص شعري يستحق وقفة تأمل وتفكير، وسأختار بعض النصوص وحكايتها:

1 - قصيدة الشاعر أحمد العاشور وحكاياتها:

تتحدث عن واقعة حدثت فعلاً للاعلامي والفني (احمد وائل البكري) وأدت الى مقتله. فبعدما أنهى عمله الاعلامي خرج من مؤسسته الاعلامية قاصداً بيته ذات مساء من عام 2005. صادف في طريقه رتل عسكري أمريكي، فخفف السرعة واتخذ جانب الطريق، لكي يفسح المجال لمرور الرتل العسكري. لكن الرتل بكل غطرسة عدوانية أمطره بخمسة عشر رصاصة نخلت جسمه، وارتدى ثوب الشهادة. صديقه الشاعر أحمد العاشور قام بالواجب في مراسيم الوفاة. وفي لحظة بارقة تفجرت من رحم الحادثة المؤسفة هذه القصيدة:

-  قصيدة: وارتدى ثوبك الاسى / الى الشهيد أحمد وائل البكري مخرج برنامج بيادر خير.

سربٌ من العصافير يحطُّ

وسربٌ من العصافير يمضي

يحملُ خمس عشرة رصاصةً

على أجنحته،

يقرأُ عليكَ سورة الفاتحة

كنتَ على موعدٍ،

تَرقبُك الحبيبة

واطفالٌ يتسمرون عند الباب،

يرقبونَ الهدايا

ويرقبونَ الابتساماتِ،

لكنَّ القبلاتِ صارت من دون شفاهٍ

كنتَ على أشتياقٍ

خمس عشرة سنبلةً

لتحترقَ الأرحامُ

بأسرها،

وتتوشح الجراحُ مآذنَ

ونواقيس للصلاة،

فتمضي بغفلةٍ

في وضح النزفِ

ونحن نيامٌ

2 - قصيدة الشاعر حامد عبدالحسين وحكايتها:

جراح الماضي العميقة، تبقى حية تستفز الذاكرة، ولايمكن ان تغيب عن الذاكرة والتاريخ،ومنها مجزرة حلبجة المروعة التي ارتكبها النظام الوحشي الساقط، في استهداف مدينة حلبجة بالهجوم الغاز الكيمياوي. جراء هذه الابادة الانسانية سقط أكثر من خمسة آلاف كردي عراقي، اكثرهم من الاطفال والنساء، كان حديث الشجون عن هذه المجزرة الرهيبة، حديث في علقم مرارة الذكرى الفاجعة بين الشاعر وصديقه الشاعر شينوار أبراهيم. ففجر الحديث الشجن هذه القصيدة بعنوان: حلبجة..... البحث عن الانسان.

-  أيها الحزن.... رويداً

فما تزال هناك أرواح تهفو

الى تلك القرى النائيات

للناس الذين تركوا أجسادهم للعراء

تلتقط أنفاسهم الغرقى

ما بين لحظات تنتقل الذاكرة المفجوعة

بالظمأ...

الى (حلبجة)،

العنوان الذي يغرني: البحث عن الانسان

الذي طبعته فينا تلكم الوجوه.......

بلدي..... الذي مات من كثرة سياط الجلادين

ولم يبق منه إلا رمق بقاء

الجلادون..... لغة من الغباء المدججة

بسخرية القدر.....

3 - قصيدة الشاعر دريد الشاروط وحكايتها:

الصورة التي ظهرت في الإعلام المرئي الداخلي والخارجي. استفزت الضمير العالمي بوحشيتها وغطرستها المفرطة العنف والاذلال، بما شهدته انتفاضة تشرين في ساحة التحرير، من عنف دموي مفرط في الوحشية الدموية الفاشية، لم يشهد له مثيلاً تبقى وصمة عار في جبين نظام الحكم الطائفي، الصورة المأساوية التي ظهرت، أب طاعن في السن يحمل صورة أبنه الشهيد الذي سقط مع مئات الشهداء خلال الانتفاضة الشبابية، رفع الصورة في وجه القوى الامنية، عسى ان يحترموا كبر سنه الطاعن وأبنه الشهيد، ليوقفوا عنفهم المفرط بالوحشية، لكن الاجهزة الامنية بدلاً من ان تحترم هذا المشهد الانساني العاطفي، فتحت عليه بقوة الماء الحار، فلم يتحمل جسمه النحيل فسقط على الارض، لكنه ظل يقاوم رفع صورة أبنه الشهيد في وجه هؤلاء المفرطين بالوحشية، كما هزت الصورة مشاعر الضمير الانساني الحي العالمي، أيضاً هزت مشاعر الشاعر فولدت هذه القصيدة من الحادثة المأساوية، فكان عنوان القصيدة: رصاص الماء.

-  جذوره ألف طينٍ

رأسه علمٌ

وتحت نعليه يا هذا

هوت قمم

جنائز الأرض

من شيباته هدمت

كل الكهوف

فهل يثنيه ما هدموا ؟

أحلامه من خريف

غصنه عطش

شراعه بعض أكفان

صداه فمُ

تاريخه الدمع

من فانوس حسرته

قد يهلك الله

أكواناً وينتقمُ

رضيعه

ما تبقى منه

يقذفه

صوب السماوات

كي لا يدعوه همُ

حرفه....

ظل يستسقي بها همما

ما كان يفقه معنى الماء

سوطهمُ

4 - قصيدة الشاعر يحيى السماوي وحكايتها:

غادر الشاعر يحيى السماوي مدينته السماوة في مغتربه القسري، الذي طال أكثر من ربع قرن نتيجة سوط الإرهاب المرعب من النظام الساقط. وحين رجع الى العراق زائراً توجه الى مدينته القديمة السماوة، التي رحل عنها قسراً، لكن حبها بالشوق والحنين يكبر في صدره. حل في مدينة المولد والبهجة تعلو وجهه، وتفقد أزقتها واحيائها، واسترجع فيها ذكرياته القديمة، وذات مساء جمعته الطاولة في صلة فندق (قصر الغدير) مع صديقه الشاعر قاسم والي، وتناول أطراف الحديث عن الوطن والغربة. وحين خرج من صالة الفندق متوجهاً الى بيته مشياً على الأقدام،وعرج على بداية نهر الفرات،وعرج على بداية الشارع الذي يحمل أسم (شارع الشاعر يحيى السماوي). أيقظت احاسيه وهو يتطلع نحو زورق قديم ومهجور على الشاطئ، فاعتلى سطحه وتخيل انه يبحر به الى مملكة سومر، وقدحت في ذهنه هذه القصيدة بعنوان: هبوط إينانا.

لـم تـعـدْ فـي الـعـالـمِ الــعــلــويِّ إيــنـانـا..

هـيَ الان مـعـي تـمـشـي عـلـى الأرضِ..

مـعـي تـزرعُ ورداً..

ومـعـي تـجـتـثُّ أشــواكـاً..

مـعـي تـغـفـو وتـصـحـو..

وتُـسـاقـيـنـي كـؤوسَ الــسَّــمَــرِ

*

ومـعـي تــقــطــفُ تُـفّـاحـاً وريـحـانـاً

وتــســقـي شَــجـري

*

خُـضــرةً مُــشــمِــســةَ الـفـيءِ..

وأصـنـافَ قـطـوفٍ..

ومـعـي تـرعـى ظِـبـاءَ الـفِـكَـرِ

*

ومـعـي تـحـرثُ بـالأضـلاعِ صـخـراً

قـبـلَ مـيـعـادِ هـطـولِ الـمـطـرِ

................

-  الكتاب: من جنى الذائقة / حكايات من وحي نصوص مختارة

-  المؤلف: لطيف عبد سالم

-  النشر: أتحاد الأدباء والكتاب في ميسان

-  الطبعة: عام 2021

-  عدد الصفحات: 232 صفحة

***

جمعة عبدالله

 

 

عدنان حسين احمدسيرة الأخ العقيد الذي وعدَ بالجنة الأرضية فحوّل ليبيا إلى جحيم لا يُطاق

يشكّل كتاب "دولة الخيمة" الصادر عن منشورات "ضفاف" و "الاختلاف" في بيروت والجزائر انعطافة جذرية في حياة الكاتب والروائي الليبي مجاهد البوسيفي، فهذه ليست سيرة سياسية فقط للقذافي وإنما هي سيرة نفسية، وفكرية، وثقافية لهذا الكائن الذي يجمع بين تناقضات كثيرة تشير بما لا يقبل الشكّ بأنه مُصاب بالانفصام والازدواجية  وجنون العَظَمة في أقل تقدير.

يرسم البوسيفي خلفية تاريخية تبدأ من أحمد باشا القره مانلي وكيفية نجاح حفيده يوسف باشا في الاستيلاء على الحكم وإبعاد شقيقه أحمد باشا وتعزيز سلطته على الأقاليم الثلاثة "طرابلس وبرقة وفزان"، وخوضه معارك متقطعّه مع الأسطول الأمريكي لمدة أربع سنوات وخروجه منتصرًا حيث أذعن الأمريكان لدفع الرسوم للسفن والبواخر التي تمرّ في المياه الإقليمية الليبية. وقد استمر حكم يوسف باشا قرابة ربع قرن لم يكن فيها بعيدًا عن الأسلوب العثماني الذي يعتمد على القمع والتنكيل وجباية الضرائب لكنه كان مستقلاً بشكل شبه تام عن السلطنة التركية، ويتوصل في خاتمة المطاف بأنّ يوسف باشا هو "جدّ الليبيين".

مقاومة الاحتلال الإيطالي

في آخر عهد القره مانليين يصل إلى قرية "الجغبوب" قادمًا من تلمسان الجزائرية محمد بن علي السنوسي الذي ينتهي نسبه إلى الإمام علي بن أبي طالب ويبدأ دعوته الصوفية من تلك الواحة نحو الشرق الليبي حتى يتمكن من بناء "الزاوية البيضاء" سنة 1842م، وبسبب فهمه المتنوّر للدين تمكّن من استقطاب قبائل برقة لسلطانه. أمّا الدولة العثمانية التي وقّعت على معاهدة لوزان سنة 1911م فقد تركت ليبيا لوحدها تواجه الغزو الإيطالي فأخذت العائلة السنوسية على عاتقها مقاومة المحتلّ خاصة في الجبل الأخضر حيث برز عمر المختار كمقاوم شرس للغزاة الطامعين في أرضه حتى وصلت الزعامة إلى الحفيد محمد إدريس السنوسي الذي تُوج ملكا على ليبيا، وسيتحقق استقلال ليبيا بمساعدة الأمم المتحدة سنة 1951م بهذه الحدود المتعارف عليها الآن. وقد اهتمّ الملك في حينه بالتعليم، وهيأ مناخًا معقولاً للصحافة الليبية آنذاك لكن جيرة عبدالناصر له لم تكن لمصلحته فثمة ضباط شباب كانوا يتطلعون إليه كأبٍ وقائد قومي يقتدون به الأمر الذي دفع بهم إلى الإطاحة بالملك بينما كان في رحلة علاجية في اليونان. أمّا الضابط الأول الذي دبّر الإنقلاب وقادهُ فهو معمّر القذافي الذي وُصف بأنه شاب نحيف، معروف بالحياء والورع، ولا يحب الظهور الإعلامي. وحينما وصل المنشور الموجّه إلى الملك والذي يقول:"أنتَ ليس إدريس، بل إبليس" طلب حضور رئيسيّ مجلس النواب والشيوخ وأبلغهما بعدم رغبته في الاستمرار بالحكم، وتمنى فقط أن يؤمنوا وصول ابنته بالتبنّي، وأن يبعثوا إليه راتبه الشخصي بانتظام. وحينما وصل محمد حسنين هيكل بعد الانقلاب بأيام سأل عن العقيد عبدالعزيز الشلحي فأخبروه بأنه في السجن وأنّ القائد الحقيقي الذي يجب أن يبقى في الظل هو معمّر القذافي. وما إن سقط النظام الملكي حتى تقاطرت الوفود العربية إلى ليبيا تعرض خدماتها وخبراتها للنظام الجمهوري الجديد حيث أرسل العراق صالح مهدي عمّاش وعرض دعمه الكامل للنظام الليبي الجديد، وبعد يومين حطّت طائرة النائب صدام حسين الذي كان اسمه قد بدأ بالذيوع والشهرة السريعة لكن القذافي عامله بجفاء وأسكنهُ في مكان لا يليق بمنزلته التي توازي منزلة الرئيس البكر إن لم تتجاوزها في بعض الأحيان. وستكون هذه المعاملة السيئة بداية لعداء طويل بين رئيسين عربيين يحلمان بقيادة الأمة العربية بأوهام وشعارات برّاقة لم تجد طريقها إلى التحقيق أبدًا. كما بعث جعفر نميري وفدًا برئاسة الرائد مأمون أبو يزيد للهدف ذاته. أمّا الرئيس الجزائري هواري بومدين فقد حطّ بنفسه في المطار لكن عينيّ القذافي كانتا متجهتان صوب الزعيم عبدالناصر الذي جذب العالم العربي بشخصيته الآسرة ومشروعه القومي الذي لاقى صدىً طيبًا من المحيط إلى الخليج. فلاغرابة أن يبعث فتحي الديب، رجل الظل الذي سينسج كل الخيوط بهدوء ورويّة مُقدمًا استشارته الأولى بتعيين العقيد سعد بوشويرب بمنصب رئيس أركان الجيش، وهو المعروف بمواقفه الموالية لمصر، أمّا الشلحي فقد تركوه في السجن، ووضعوا ثقلهم على الثوّار الشباب الذين وصفهم هيكل في أول تقرير كتبه لعبدالناصر بأنهم "شباب في منتهى البراءة" التي سيتخلون عنها رويدًا رويدا.

الأمين على القومية العربية

2882 دولة الخيمةوبعد ثلاثة أسابيع لا غير سيأتي عبدالناصر بنفسه إلى بنغازي ويستقبله الليبيون استقبالاً شعبيًا حافلاً  دفعهُ إلى مغازلة مشاعر القائد الشاب القومية حين لقّبهُ بـ "الأمين" على القومية العربية من بعده، وهو اللقب نفسه الذي أطلقهُ من قبل على الرئيس العراقي "غريب الأطوار أيضًا" عبدالسلام عارف وأوهمه، زورًا وبهتانًا، بأنه "الأمين" على الأمة العربية من خليجها الثائر إلى محيطها الهادر مع أنه يحمل نفس الدرجة من الانفصام والإزدواجية والوهم. ولعل هذا التوصيف المبكر للقذافي هو الذي سارع في قدْح شرارة الاضطراب في شخصيته هذا الرجل القادم من "وادي جنهم" الذي سيعمّم "جهنميتهُ" على كل أرجاء البلد المترامي الأطراف. ليس من الصعب على المتابع أن يكتشف غرائبية القذافي ومواقفه الخارجة على أدنى مستويات الأتيكيت واللياقة البروتوكولية. ففي موتمر القمة العربية الخامسة التي عُقدت في الرباط سنة 1969م طلبَ القذافي من عبدالناصر بصوت مسموع الانسحاب من هذه القمة لأنهما مُحاطان بالرجعيين المتآمرين. وفي مؤتمر القمة التي عقدت في القاهرة سنة 1970م لحل الخلاف بين الأردن والفلسطينيين طالبَ بقتل الملك حسين أو تكتيفهُ في الأقل لكن "الأب" عبدالناصر تحمّل طيش "الابن" الغِر وتدخّل لإصلاح الموقف ولملمة الموضوع الذي لم تشهده أي قمة عربية سابقة. وحين مات عبدالناصر كان على القذافي أن يجترح صوتهُ الخاص، ويخلق بصمته المميزة التي لن تتحقق ما لم يتجاوز بصمة الأب الكبير.

ساهم فتحي الديب هو الآخر في دغدغة مشاعر القذافي الذاتية وحرّضه على الظهور الإعلامي الذي لم يكن يحبّه أول الأمر، وقد وصفه لزعيمه في القاهرة بأنه: "متزن، وصلب، ومتديّن، به بعض الغموض، يتمتّع باحترام زملائه، مُدركًا لما يدور في العالم، ويميل للابتعاد عن الأضواء" لكن الجميع لم ينتبهوا إلى أنّ القذّافي سوف يدير ظهوره الإعلامي بموهبة فطرية تُحبب الناس به أول الأمر لكنهم سينفرون من إفراطه في الظهور وهيمنته على شاشة البلد الوحيدة. وبعد المحاولة الانقلابية التي قادها وزير الدفاع أحمد الحوّاز، ووزير الداخلية موسى أحمد بدأ القذافي ينفرد بالقرار وأخذ يعامل رفاقه بتعالٍ ويعتبرهم ناقصي وعي وولاء. وقد اتسمت تلك الحقبة باتخاذه لعدد من القرارات التي تُوحي بوطنيته وحرصه على ليبيا من بينها إخراج القواعد الأمريكية والبريطانية في يونيو 1970م، وإبعاد الجالية الإيطالية من ليبيا بعد ثلاثة أشهر من العام ذاته الأمر الذي حرم البلد من شريحة ثقافية واجتماعية وعِرقية مهمة بذريعة "جلاء الفاشست". كما أثبت القذافي أنّ الأمازيغ من أصول عربية مُصححًا وضعهم التاريخي وأمرهم بأن يتصرفوا كعرب، ومنعهم من التحدث أو الكتابة بلغتهم الأمازيغية طوال 40 سنة. كما حرّض على "أن يكون البيت لساكنه" فتم الاستيلاء على أكثر من 80 ألف بيت يعود إلى مواطنين آخرين. وركّز على القضاء النهائي لثقافة "العهد البائد" وتكريس ثقافة ليبيا الجديدة.

الشطحات الفكرية للصادق النيهوم

يؤكد مجاهد البوسيفي في كتابه "دولة الخيمة" بأنّ القذافي قد تأثر بثقافة الصادق النيهوم وفكره، ويصفه بأنه أول وآخر ليبي يؤثر في عقلية العقيد القذافي. ونظرًا لإعجاب البوسيفي بالشطحات الفكرية للنيهوم وقدرته على توليد الأفكار  فلاغرابة أن يُغرقه بالكثير من الأوصاف من بينها أنه "ذكيّ،ٌ ولمّاح، درّب نفسه على تكنيك الكتابة بصبر المُحب ووصل درجة لا تُنافس من الاحتراف". وكان النيهوم والقذافي لا يحبّان الملكية، وقد صرّح لصديقه الروائي ابراهيم الكوني بأنه كان يطمح بالوصول إلى سدة الحكم لكن العسكر سبقوه إليها وتركوه ينتظر على قارعة الطريق. التقى النيهوم بالقذافي في الشهر الخامس سنة 1970م في ندوة "الفكر الثوري" التي وصف فيها الملكية بنظام الراعي الواحد للقطيع، وأنّ الثورة التي جاءت تهدف إلى تحويل هذا القطيع إلى بشر. لم ينسجم الطرفان مع بعضهما بعضًا فاتفقا على ما يشبه التوقيع على معاهدة "عدم اعتداء" ويغادر النيهوم إلى حال سبيله حيث انتقل إلى ألمانيا ومنها إلى سويسرا حيث استقر في جنيف، وقد شعر أنّ العقيد قد خذله تمامًا مثلما خيّب الاسكندر آمال أرسطو مع فارق التشبيه. وحينما مات النيهوم سمّى القذافي إحدى قاعات المكتبة الوطنية باسمه، وأمر بتنظيم ندوة تحت عنوان "النيهوم أديبًا" كي ينفي عنه صفة المفكّر التي احتكرها القذافي لنفسه، فهو الذي يفكّر، حسب وجهة نظره، نيابة عن الجميع. لقد اعتاش القذافي على غالبية الآراء والأفكار والتصورات التي اجترحها النهيوم ومنها، تمثيلاً لا حصرًا، نظرية المحور الثالث التي لا تتكئ على العالمين الرأسمالي والاشتراكي التي بنى عليها مجده الفكري المزوّر والمسروق مع بعض التعديلات البدائية عليه. تأثر بماو تسي تونغ وأعجب به، كما تأثر بصدام حسين وإن لم يعلن ذلك وكان يقلّده في الملبس، والموكب الرئاسي، والحلم بالزعامة العربية الموهومة، ومثل كل الدكتاتوريين كان القذافي يتحصن بقائمة طويلة من الألقاب التي تبدأ بالأخ العقيد وتنتهي بملك ملوك أفريقيا. لا يستكثر البوسيفي على القذافي بعض الصفات مثل الذكاء الحاد، والفراسة المتوقدة، والموهبة الفطرية التي حكم بها الليبيين أكثر من أربعة عقود.

الانفراد في الحكم

شغل القذافي ثلاثة مناصب سيادية هي رئيس الدولة، ورئيس الوزراء، ووزير الدفاع، ثم عززها بفكرة الانفراد بالحكم من دون استشارة أحد من أعضاء مجلس قيادة الثورة الأمر الذي دفعهم لمطالبته بالاستقالة فوافق شرط أن يطلب الشعب استقالته. وبينما كان المجلس مشغولاً بهذه المعمعة فجّر القذافي ثلاث ثورات متتالية وهي الثورة الثقافية، والثورة الإدارية للقضاء على البيروقراطية، والثورة الشعبية التي عطّل فيها كل القوانين فأصبح المجلس خارج اللعبة إلى الأبد، فتحولت الدولة إلى ثورة، وأخرج مفكرته التي سجّل فيها الأسماء المشتركة في ندوة "الفكر الثوري" وسجن المشاركين فيها ما بين 18 شهرًا و 18 عامًا، وأوكل الثورة التي أعقبت الدولة إلى اللجان الثورية التي زادت طين القذافي بلّة وقرفًا واشمئزازًا من هذا البلد الذي أخذ يهوي إلى الحضيض يومًا بعد يوم. إذ شرع الطلاب بالتدريب العسكري كخطوة أولى لعسكرة البلاد التي ضاعت هويتها الإدارية والاجتماعية التي أهّلتهُ لولوج مرحلة الطغيان في سنة 1977م حيث شرع بتدبيج "الكتاب الأخضر" الذي سيصبح بمثابة الدستور الجديد للبلاد الذي نهب مواده من النيهوم وغيره من الكتاب الآخرين بعد أن دعا فيديل كاسترو إلى مؤتمراته الشعبية، وقرر فيها تغيير اسم البلد وقد وافقه صديق دربه الرائد عبدالسلام جلّود الذي وصف صديقه العقيد بـ "المفكِّر الثائر، والقائد المعلِّم". وقد ورد في إعلان التغيير "أنّ الاسم الرسمي لليبيا سيكون "الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى"، وأنّ القرآن هو شريعة مجتمع الجماهيرية، وأنّ السلطة الشعبية المباشرة هي أساس النظام السياسي، وأنّ الدفاع عنها هو مسؤولية كل مواطن ومواطنة عن طريق التدريب العسكري العام". وعندما استوت سلطة الشعب تحوّل الأخ العقيد إلى الأخ القائد، وتحوّل الشعب إلى الجماهير.

الأقوياء دائمًا يحكمون

أصبح الأخ القائد في عامه الـ 35 يملك كل شيء، الشباب، والقيادة المنفردة، والمال الوفير، وبدأ يعرّف "السلطة الشعبية" بأنها "النظام الذي يحكم فيه الناس أنفسهم" لكنه كان، ينسى أو يتناسى، شطحاته الأخرى التي يصرّح فيها بأنّ "الأقوياء دائمًا يحكمون" وكان هو الأقوى  في عموم الجماهيرية التي انبثقت من مخيّلته الشوهاء.

ومع فصول "الكتاب الأخضر" كانت فصول الجماهيرية الوليدة تتقوّض من دون درايته. وما إن شرع كتابة في الفصل الثاني منه المسمى بالرُكن الاقتصادي حتى زحفت الجماهير على المحلات التابعة للتُجّار والمُلاك الكبار وأمعنوا في إهانتهم على شاشة التلفزيون ليعترفوا بجرائم الفساد والاحتكار والرشوة التي لم يرتكبها الكثير منهم.

طرحت "اللجان الشعبية" نفسها كطليعة ثورية لقيادة الجماهير وتحقيق الفردوس الأرضي الذي يحلمون به. ومع انحسار دور الجيش والشرطة أعلنت اللجان الثورية بأنّ "يدها أصبحت قوية وطويلة لسحق أعداء سلطة الشعب في الداخل والخارج" وتمادت في الإقرار بالتصقيات الجسدية لمعارضيها في الخارج بعد أن شرعوا بحملات إعدام كبيرة طالت الطلبة، والناشطين، والمطالبين بحقوق الإنسان. وصار لزامًا على الطلاب أن يذهبوا إلى المدراس كل يوم في زي الجنود، ويخضعوا للتدريب العسكري الصارم يومًا في كل أسبوع. وحينما شعر الأخ القائد بأن عجلة الحياة قد توقفت في عموم الجماهيرية سمح بمزاولة التجارة على استحياء، وعودة دوري كرة القدم، والسفر من دون موافقة أمنية غير أنّ هذه الاجراءات التخفيفيّة كلها لم تغيّر من رفض الشعب لـ "اللجان الثورية" التي كانت تنتعش اقتصاديا على حساب الجماهير العريضة التي تنوء تحت مسميات كثيرة مثل "الرفاق"، و "مواليد الفاتح"، و"الحرس الثوري" وما إلى ذلك.

إغلاق المقاهي وتحريم كرة القدم

كانت حملات الأخ القائد مستمرة، ففي أوائل السبعينات في أثناء "الثورة الثقافية" بدأت الحملة على المقاهي باعتبارها عادة برجوازية توفر أجواء مثالية للعطالة والنميمة والاسترخاء، كما حرّم كرة القدم بوصفها ماكينة لصناعة "النجومية" التي تحتكر الأضواء، و"أخذ يعصب رأسه، ويتحدث بإدغام وتغليظ للحروف" بينما كانت الجماهير تهتف: "علّم ياقايد علّمنا / كيف نحقق مستقبلنا".

يصف البوسيفي سنة 1979م بالعام الكبير الذي شهد نجاح ثورة الخميني، وصعود صدام إلى المركز الأول في السلطة، واقتحام جهيمان العتيبي للحرم المكي، وغزو الاتحاد السوفييتي السابق لافغانستان فانهمرت الفتاوى وجاء المجاهدون من كل فجٍ عميق.

تفاقمت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والنفسية للمواطنين في تسعينات القرن الماضي فانتشرت النكتة السياسية بسبب المكابدات النفسية التي تبحث عن متنفس لها. وحينما بلغ سمع الأخ القائد بهذه النكات الجريئة والخادشة للحياء أصدر القرار رقم 5 لعام 1991م معتبرًا فيه أن الإشاعة والإرجاف والنكتة المُغرضة أفعالاً حرّمها القرآن الكريم، وأنها تعتبر جريمة يحاسب عليها القانون لكن الليبيين أمعنوا في السخرية والاستهزاء، وأعلن الإسلاميون عن أنفسهم كقوّة مسلّحة فتناسلت الأحداث المحلية والدولية مثل حادثة "سجن بوسليم" وحادثة "لوكربي" وغزو صدام حسين للكويت الذي انبرت له قوات التحالف وأخرجته منها يجرّ أذيال الخيبة والخُسران بعد أن فرضوا عليه شروطًا قاسية مقابل بقائه في الحكم فخشي القذافي أن يكون المٌستهدف الثاني فأخرجوا له ملف لوكربي ووضعوه على الطاولة بهدف تقليم أظفاره.

خاض القذافي حروبًا عبثية خاسرة مع تشاد التي خسر فيها 7 آلاف جندي ونصف مليار دولار بحسابات ذلك الزمان، ثم انسحب منها سنة 1987م واستولوا على الشريط الحدودي محل الخلاف عبر التحكيم الدولي بينما كان حسين حبري يستعرض الأسرى الليبيين في العاصمة بطريقة مُذلّة. ولكي ينتقم من الجيش الليبي كتب القذافي في صحيفة "الزحف الأخضر" مقالا بعنوان "الجيش . . . حشيش وطيش" منكِّلاً به وبمواقفه الوطنية محولاً إياه إلى وعاء يدّرب الشعب على السلاح. وحينما حدثت محاولة انقلابية جديدة في أكتوبر 1993م أعدم فيها عددًا من الضباط فقرر الاستغناء عن هذه المؤسسة العسكرية وتهيئة البديل الذي تمثل بظهور الكتائب الأمنية التي حظيت بتدريبٍ عال، وتسليح ممتاز، يقودها مجرّبون في الولاء من الأبناء والأصهار، والراسخون في الثقة.

في أبريل 1986م شنّ سرب من الطائرات الأمريكية غارة على بيت القذافي وقيل إنها قتلت ابنته وأصابت البعض من أفراد العائلة بعد أن وجهت له أمريكا وإنكلترا اتهامًا رسميًا بتفجير طائرة أمريكية وفرضت عليه حصارًا استمر لمدة سبع سنوات بعد أن وافق على تسليم المتهمين إلى محكمة دولية محايدة واعترف بالذنب الذي ارتكبه، لكنه توصل إلى نظرية من خمس كلمات مفادها:"الدين الوحيد للغرب هو المال". وحينما سقط صدام حسين وأدرك أن اللعبة قد انتهت أعلن بنفسه عن تخليه عن كل البرامج الكيمياوية والبيولوجية والنووية حيث فككها جميعًا وشحنها إلى أمريكا وطلب أن تعامله الولايات المتحدة مثلما تعامل جيرانه في تونس والجزائر والمغرب.

سباق وحشي لقمع التمرد

لم يكن بعض الأولاد أقل وحشية من أبيهم مثل الساعدي الذي ينتمي إلى فصيلة عدي صدام حسين، والمعتصم الذي ترأس مجلس الأمن القومي، وخميس الذي اتخذ من الجيش مهنة له، وأسس اللواء 32 المُعزز، فيما ظل سيف الإسلام كنموذج مختلف عن البقية وسوف يأخذ على عاتقه مغازلة الغرب والحوار معه. أما هانيبال الذي رأس النقل البحري لكنه ظل شرسًا، وغارقًا في الملذات، ومنتهِكًا للقوانين حتى أن الحكومة السويسرية سجنته بسبب تجاوزاته المستمرة فأفسدت العلاقة بين الجماهيرية الليبية وسويسرا لبعض الوقت. وعندما انطلقت ثورة فبراير أطلق الأب أبناءه في سباق وحشي لقمع التمرد بأسرع وقت وستكون ولاية العهد لمن يفوز في هذا السباق الذي قصم ظهر البعير.

على الرغم من أنّ الأخ العقيد الذي درس التاريخ وأحبّه قد مُنح  العضوية رقم 1 في رابطة اتحاد الأدباء والكتاب الليبيين إلاّ أن العديد من الأدباء تعرّض للسجن والتعذيب وأُتهم البعض منهم بالشيوعية لأنه كان يمتلك سيارة حمراء أو يرتدي قميصًا أحمرَ أو يحمل عكازة تشبه عكازة لينين فغيّبهم في السجون لمدة عشر سنوات. ومع ذلك فقد حلّ الاتحاد وحوّله إلى رابطة اجتماعية لأنه لا يحبّذ ظهور النجوم سواء أكانوا رياضيين أم فنانين أم أدباء. وقد خسرت الثقافة الوطنية ثلاثة أدباء موهوبين جدًا عندما غادروا الوطن إلى المنافي كي لا يدخلوا في علاقة عدائية مع الرئيس الذي لا يحبّذ شهرة الآخرين من أمثال النيهوم والكوني والفقيه.

بثّ الإعدامات في ساعة الإفطار

عارض البعض نظام القذافي وأسس الحركة الوطنية الديمقراطية الليبية لكن الاغتيالات ظلت قائمة على قدم وساق وطالت معارضين ليبيين في لندن وروما وألمانيا واليونان ولشدة قساوة الأخ القائد أمر أن تُبث الإعدامات في ساعة الإفطار.

يخصص البوسيفي صفحات كثيرة يشرح فيها طبيعة العلاقة التي تكوّنت بين القذافي والرائد عبد السلام جلود، هذا الرجل الوحيد الذي يستطيع أن يقول "لا" للقذافي، فقد درسا معًا، وسُجنا معًا، ونفّذا الانقلاب معًا لكن هذه العلاقة الحميمة ستنتهي ذات يوم ليقف جلّود في الخندق المواجه للقذافي في ثورة فبراير حيث يصبّ جام غضبه على العقيد وسمّيه بالطاغية بعد 40 عامًا من تجبّره وغطرسته واستبداده الفريد من نوعه. وقد سُئل جلّود من قِبل أحد الصحفيين عن مكان القذافي في أثناء الغارة فأجاب متسرعًا: "لقد كان تحت الأرض" بينما أعلنت الإذاعة أنه قد أُصيب مع بعض أفراد عائلته، وتزامن ذلك مع اختفاء العقيد لمدة ثلاثة أيام ليرسل بعدها شريطًا مُسجلاً يطمئنهم فيها على سلامته لكنه كان يشعر في أعماقه بأنه مخذول وأن الجماهير قد خانته، وربما تشفّت به، وتركته وحيدًا، مُطاردًا يواجه مصيره المحتوم في مجارير الصرف الصحي على يد قوات المجلس الوطني الانتقالي التي وضعت حدًا لأوهام "ملك ملوك أفريقيا" الذي وعد شعبه بالجنة الأرضية فتحولت إلى جحيم لا يُطاق قبل أن تتحرر من الكابوس الثقيل الذي جثم على صدور الليبيين لمدة 42 عامًا بالتمام والكمال.

 

عدنان حسين أحمد

 

سناء عبدالقادر مصطفىيحمل زميل الدراسة في الاتحاد السوفيتي (في سبعينيات القرن الماضي) الباحث العراقي الدكتور عقيل الناصري، شهادة الدكتوراه من معهد بليخانوف للاقتصاد الوطني منذ العام 1979 في موسكو. ويملك خبرات علمية وعملية عديدة في مجال اختصاصه حيث شغل عدة مناصب علمية في العراق والجزائر.  وله بحوث عديدة نشرها في الصحف والمجلات إضافة إلى محاضراته العلمية التي ألقاها في الكثير من المؤسسات العلمية والثقافية وفي مدن وبلدان عربية وأجنبية مختلفة حيث شغل معاون مدير قسم التفتيش في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية العراقية للفترة الزمنية 1968 ـ1970، ومدير قسم الأجور في  وزارة العمل 1970 ـ 1972، وباحث علمي في حقل التنظيم الإداري بوزارة العمل 1972 ـ 1973. ومحاضر في المؤسسة الثقافية العمالية في وزارة العمل في الفترة الزمنية 1970 ـ 1974.

عمل مدرسا ً ثم أستاذا مساعدا في جامعة وهران، معهد العلوم الاقتصادية في الجزائر للأعوام الدراسية 1979 ـ 1987.

من آثاره العلمية:

1 - الجيش والسلطة في العراق الملكي 1920م ـ 1958م، دار الحصاد ـ دمشق،2000.

2 - عبد الكريم قاسم في يومه الأخير، الانقلاب التاسع والثلاثون بيروت 2003م توزيع دار الحصاد، دمشق.

3- قراءة أولية في سيرة عبد الكريم قاسم،  دار الحصاد، دمشق 2003. 

وله في مجال الترجمة من اللغة الروسية الى اللغة العربية جهود كبيرة تناول من خلالها جوانب مختلفة السياسية منها والاقتصادية ومن اثاره في هذا المجال:

1ـ البلدان العربية والمشاكل الاقتصادية لدى المستعربين السوفيت، وهران، الجزائر في 7 /10/1979.

2ـ الطبقة العاملة الأفريقية، مجلة الحرية الفلسطينية العدد في 22 أيار 1983 بيروت.

3 ـ كتاب التطور الرأسمالي، معهد العلوم الاقتصادية في جامعة وهران، 1984.

4 ـ القضايا المنهجية في كتاب رأس المال، معهد العلوم الاقتصادية في جامعة وهران 1985.

5 ـ الفئات الوسطى والثورات الوطنية، 1986م) 1986.

6 ـ   طريقان لنقل التكنولوجيا، معهد العلوم الاقتصادية في جامعة وهران 1986.

ومن المعروف أن الدكتور الناصري أصدر عدة كتب عن الزعيم عبد الكريم قاسم يتراوح عددها الخمسة وبعض منها أعيد نشره. 

يتكون الكتاب الموضوع البحث ( ملاحقة اليسار في العراق المعاصر 1921-1964) من مقدمة وثلاثة فصول وأربعة ملاحق بالاضافة الى المصادروالمراجع التي بلغ عددها 161 والمطبوعات الدورية التي عددها 58 و23 موقعا ألكترونيا مع فهرست للكتاب. وهذا الكتاب هو الكتاب السابع عشر من كتب الدكتور عقيل الناصري.

أن الاسلوب  الذي اتبعه الباحث في هذا الكتاب هو اسلوب أكاديمي صرف، يعتمد على شرح الموضوع من كافة جوانبه باسهاب مع التحليل ومن ثم تلخيصه والخروج بالاستنتاجات ونجد  تكرار للمعلومات في أكثر من فصل أو مكان في الكتاب وذلك لأن الموضوع له علاقة بمواضيع متشعبة في أمكنة أخرى من الكتاب. وهذا ما يؤدي الى ضجر القارئ بسبب  تكرار المعلومات في أكثرمن مكان. ولهذا السبب حرصت على قراءة المادة بكاملها دون ضجر أو ملل، من الألف الى الياء، كما توجد ملاحظات أخرى سوف أدونها لاحقا في نهابة التقييم.

يبدأ الفصل الأول: أفكار عن صيرورات تأسيس الدولة العراقية المعاصرة بتعريف الوطن وأحقية البشر بالعيش في مكان ما يختارونه بأنفسهم ويصنعون فيه التاريخ لأن التاريخ لا يصنعه شخص واحد كما قال هوشي منه  ويشاركون بوعي في صنعه كما قال فيكتور سيرج (ص9) . وقد سبقهم في مقدمة الكتاب بمقولة لابن عربي (أعلم أن كمال الوجود وجود النقص فيه، إذ لو لم يكن لكان كمال الوجود ناقصا بعدم النقص فيه).  وبعد ذلك ينتقل الباحث الى  ايجاد تعريف مناسب للدولة انطلاقا من وظائفها وجوهرها كونها كائن حي يستمد خصائصه من جغرافية المكان وخصائصه الطبيعية والبشرية مع تطور العلاقات الانتاجية وبنائها الفوقي.

يشمل الفصل الأول من الكتاب على الفترة التاريخية الممتدة منذ بداية الاحتلال البريطاني للعراق في العام 1914 وطرد العثمانيون منه ومن ثم تأسيس الدولة العراقية في العام 1921. ومع ذلك نرى أن الكتاب يغطي باشارات واضحة الحقبة التاريخية الى ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في العام 2003، وسيطرة احزاب الاسلام السياسي والمحاصصة الطائفية على إدارة البلاد.

هذا وقد ركزالفصل الأول على العلاقة الجدلية في ظرفي تأسيس الدولة العراقية الداخلي والخارجي مرورا بجميع المراحل التاريخية لنشأتها وتطورها، آخذا بنظر الاعتبار المطامع البريطانية في العراق متمثلة في مصادر الثروات الطبيعية وبالدرجة الأولى النفط. ولهذا قامت بريطانيا بتأسيس ادارة محلية وكيان سياسي (ص34). ولكن لم  تقام هذه الدولة على اسس تخدم مصلحة الشعب العراقي بأجمعه وانما جاءت لتخدم مصالح الاقطاعيين بالدرجة الأولى. ومستعرضا بهذا الصدد أراء كثير من السياسيين والباحثين بمختلف اتجاهاتهم ومشاربهم السياسية وتحتل أراء الكتاب والباحثين اليساريين حيز كبير من هذا الفصل ومن الكتاب بشكل عام.

ومن ثم ناقش أصل تسمية العراق وجذرها التاريخي من حيث تقسيمه الى ثلاث ولايات في الوسط  (بغداد) والشمال (الموصل) والجنوب (البصرة). وتأسيس الوزارات العراقية التي كان أولها كما يحلو للباحث بتسميتها الوزارة النقيبية الأولى المؤقتة (25/10/1920 – 23/8/1921)(ص44). وكانت جميع الوزارات العراقية تشكل بموافقة بريطانيا وتستمد قوتها منها بالدرجة الأولى كما يؤكد على ذلك الباحث في مجمل بحثه.  وبالاضافة الى مصادر أخرى هي:

- النسب ورابطة الدم

- الملكية والثروة

- الروابط الشللية والعصبوية

- الشهرة والوجاهة الاجتماعية

- الكفاءة والمقدرة

- امتلاك أو التصرف بوسائل العنف المادي

- الأحزاب السياسية ومؤسسة العشيرة

- التجمعات الجماهيرية الشعبية (46).

ويجب القول أن هذه المصادر باقية لحد الأن والى يومنا هذا في العراق وتؤثر تأثيرا كبيرا على تطور العراق سواء كان سلبا أو ايجاباً. 

ومن مبررات (استيراد) الملك فيصل الأول الثلاثة والعشرين (ص59-ص67) ورد المبرر الحادي عشر (ص63) الذي يذكرفيه "كان عداء فيصل الأول للبلشفية أحد العوامل التي استندت اليها الخارجية البريطانية لتفضيله على غيره ليكون سدا أمام الشيوعية في العراق وفي المنطقة..." ولم يذكر الباحث أسباب هذا العداء؟ وأقتصر على كتابة المصدر الذي اعتمد عليه (138- د. صادق البلادي، التطور التأريخي وتأسيس الجمهورية العراقية، ص39، الثقافة الجديدة. العدد 325 تموز2008). 

وفي المبرر الأخير رقم 23 (ص67) "...وكان فيصل بذلك يلعب لعبة الموازنة، فها هو يقوم بتعيين رمزي لعراقي شيعي، وسط كل ما يحيط بالملك من سنة عثمانيين وسوريين وحجازيين من أتباعه....".  من هو هذا العراقي الشيعي ؟؟ وأي منصب أناطه الى هذا الشيعي؟؟ وانما اقتصرالباحث على كتابة المصدر رقم 150 (سامي زبيدة، مجموعة باحثين، مستل من كتاب المجتمع العراقي، ص103، مصدر سابق).

في فقرة سيرورة التصويت على ترشيح الملك فيصل الأول وردت عبارة التشيع الفلكلوري في القرن التاسع عشر(ص69) من ضمن اقتباس فقرة من مقالة في السفالة للدكتور فالح مهدي، مصدر رقم 153. فما هو المقصود بهذه العبارة؟؟

وبعد تتبع واف لتطور سلطة  الدولة  في العراق يرى الدكتور الناصري انعكاس الأزمة البنوية في فشل الحكومات الملكية (ص92)في كل من:

- الانطلاق من الأبعاد الطبقية في السياسة العامة

- تمذهب الدولة السياسي

- تحقيق التنمية الاقتصادية

- التداول السلمي للسلطة

- التوزيع العادل النسبي للثروة وتقليل التفاوت الطبقي بين الطبقات الاجتماعية

- تحقيق وتنفيذ الأسس المادية للهوية الوطنية العراقية

- الانطلاق من التضامن الميكانيكي  وليس التضامن العضوي

- عدم تحقيق التشريع الموحد للقضاء العراقي

ولهذا فهو يرى أن حقبة الملكية لم تكن وردية كما يظن الواهمون ولم تكن "فندق بخمس نجوم  مصدر 203" إلا في مخيلة مرضى الضمير(ص93). ولذلك فهو يعتقد أن شرعية ثورة 14 تموز 1958 مستنبطة من:

- القبول والتأييد الشعبي

- التداول السلمي للسلطة بين المكونات الاجتماعية وقواها السياسية

- البرنامجية والغائية المستهدفة

- المؤسسات السياسية المستديمة

ويستنتج الباحث أن السلطة الملكية كانت تنتابها أزمة بنيوية في طبيعة النظام وأليات ادارتة وكانت النتيجة المتوقعة هي التي مهدت الطريق نحو تغييرها بقوى العنف المنظم (الجيش) وبالوسائل العنفية. ولكنه يذكرثمانية عوامل لنجاح النموذج المعتمد في عهد الملك فيصل الأول(ص97):

1- انفتاح النظام السياسي- الديمقراطي -البرلماني- الدستوري لسائر الجماعات القومية/الاثنية /الدينية/المذهبية....الخ

2- انفتاح اقتصاد السوق الحر أمام رؤوس الأموال والتجارة المحلية

3- المشاركة في الثروة الوطنية(الأرض)  باستثناء طبقة ملاكي الأراضي على قاعدة التملك الحديثة  (الطابو)

4- فتح باب المشاركة في الجهاز الاداري الحكومي

5- فتح باب المشاركة في الجيش والشرطة

6- احترام التنوع الثقافي العربي الكردي في التعليم

7- شهدت تلك الحقبة بداية خروج الجماعات العراقية المنغلقة على نفسها لتنخرط في تشكيل المجتمع العراقي المعاصر......الخ ولكن لم يحدد الباحث من هي هذه  الجماعات العراقية المنغلقة على نفسها؟؟؟؟

8- بداية تشكل الطبقة الوسطى في المجتمع العراقي

وناقش الباحث د. الناصري باسهاب دور وسيطرة المؤسسة العسكرية على مقاليد الحكم في العراق واستنتج التالي(ص107-108):

1- قام الاحتلال البريطاني الأول (1914-1932) بتشكيل الحكومة العراقية وسلمت مفاتيحها المركزية على حد تعبير الباحث للضباط العراقيين الذين تعاونوا معها منذ الثورة العربية وبخاصة الشريفيين منهم.

2- لم تكن ثورة 14 تموز1958 هي التي شرعت ابواب السلطة لقدوم العسكر وذلك لان الدولة الوليد سيطر عليها العسكر منذ لحظة ولادتها كما يؤكد الباحث؛ وما التغيير الجذري في 14 تموز 1958 إلا محاولة واحدة من أصل 41 محاولة تم استخدام الجيش فيها في حل الاشكاليات التي انتصبت أمام السلطة الملكية.

3- تركيز السلطة بيد فرد واحد أو مجموعة صغيرة من الأفراد ولهذا تسنم نوري السعيد 47 منصبا وزاريا سياديا و 14 مرة رئيسا للوزراء وأصبح أكثر من 20 مرة وزيرا للخارجية وأكثر من 145 مرة وزيرا للدفاع.

4- نجحت الدولة العراقية الجديدة التي تأسست بعد الحرب العالمية الأولى في تثبيت وتوسيع ألية الحركة الاقتصادية وتوسيع السوق وتأسيس البنى التعليمية الحديثة.

5- أخفقت الدولة الملكية في تثبيت الأسس المادية للهوية الوطنية العراقية والانطلاق منها الى العالم العربي والتداول السلمي للسلطة وفي انتشال واقع العراق من براثن التخلف

والتوزيع الأمثل للمشاريع الصناعية وتقليل الفروقات بين المدينة والريف من حيث مشاريع التنمية الاقتصادية وغيرها من المشاكل البنوية والهيكلية.

6- تركزت سلطة القرار المركزي للدولة في مثلث الحكم: مؤسسة العرش بدءا من الملك فيصل الأول ورئيس الوزراء والمندوب السامي البريطاني. اعتمد مثلث الحكم على أن نمو وتوسع المصالح البريطانية وبخاصة النفطية تتطلب توفير دولة تقوم بحماية هذه المصالح.

ويخصص الزميل عقيل الناصري الفصل الثاني من كتابه ملاحقة اليسار في العراق المعاصر 1921-1964 لموضوعة العنف . فبعد ايراد عدة تعاريف للعنف كان أهمها بنظري هو تعريف ابن خلدون: الظلم مؤذن بخراب العمران، لأنه يلخص جوهر هذا المصطلح بثلاثة كلمات فقط. وذلك لأن الظلم اذا ساد فهذا يعني خراب ودمار كل ما يبنيه الانسان من حضارة.  وفي فقرة العنف وتفسيرات علم الاجتماع (ص134) نجد اقتباس من (مصدر رقم 299 -ابراهيم الحيدري، سيسيولوجيا العنف) مايلي: "ومن الناحية السيسيولوجية فالعنف هو ظاهرة اجتماعية عامة وشاملة وتوجد كلما كان هناك ظلم وقع واستبداد وتسلط، يقابله عجز وخضوع عن مجابهته. ولهذا فالعنف هو التعبير المادي للتعارض والخلاف والاختلاف الذي يولد الصراع والتنازع وليس التعاون والتفاهم والحوار..". ولكن برأي أنه ليس بشرط أن يؤدي الخلاف والاختلاف الى صراع، فالنقد والنقد الذاتي هما خلاف واختلاف في الرأي والعقيدة. ومبدأ النقد والنقد الذاتي كثيرا ما تجده في الأنظمة الداخلية للأحزاب اليسارية في العالم وفي مقدمتها الأحزاب الشيوعية.

ومن وجهة نظر مشروعية العنف، يورد الباحث عدة اجابات من قبل عدة فلاسفة وعلماء وسياسيين . فكارل ماركس ينطلق من وجهة نظر اقتصادية الذي يرى أن تاريخ المجتمعات هو تاريخ صراع بين الطبقات، الصراع بين من يملك وسائل الانتاج والخبرات وبين من لا يملك سوى قوة عمله. أما ماكس فيبر  فينطلق من وجهة نظر سياسية، إذ يرى أن أساس سلطة الدولة  هو العنف وكذلك تروتسكي،  واعتبر المهاتما غاندي أن العنف رذيلة لا أحقية ولا مشروعية له. في حين يعرف فرانز فانون العنف بأنه الاستخدام المتعسف للقوة والتهديد باستخدامها لإلحاق الأذى بالاشخاص أو البنى التحتية بل حتى إغتصاب الوعي الاجتماعي بكل تجلياته الجمالية والفلسفية والسياسية والتشريعية والدينية. ويعرًف ينبورغ العنف بأنه مختلف أعمال الشغب والتدمير والأذى التي تهدف أساسا الى تحقيق أغراض تتمثل في  تغيير سلوك الجماعات الأخرى. وبهذا نرى أن أسباب العنف هي اقتصادية وسياسية واجتماعية ودينية وثقافية وفكرية.

وبعد شرح مفصل لمفاهيم العنف وأسبابه من وجهات نظر فلسفية ونفسية واجتماعية ومادية وثقافية مرورا بكافة المدارس العلمية في هذا المجال ينتقل بعد جرد للعوامل الداخلية والخارجية التي لعبت دورا مهما في تطور المؤسسات القمعية في العراق الى أبرز حالات العنف في العراق المعاصر. وكان تأسيس الدولة العراقية في العام 1921 من خلال التحقيقات الجنائية ومن ثم الأمن العامة هي البداية الحقيقية لإرهاب الدولة في العراق المعاصر وإطلاق شرعية العنف في الحياة السياسية وخاصة بعد الانقلاب الدموي في 8 شباط 1963 وكذلك في الفترة الزمنية الممتدة بين  17 تموز 1968 و 9 نيسان 2003. إلا أنه بعد الاحتلال الثالث في 9 نيسان 2003-31 كانون أول2011 للعراق المعاصر وما أعقبه من استلام السلطة من قبل أحزاب الاسلام السياسي ذات الأفق الضيق والمذهبي العدائي بطبيعته وغير الشامل لمختلف الاثنيات والأديان والمذاهب، وتوزيعها حسب المحاصصة الطائفية المقيتة وبموافقة قوى الاحتلال(ص217).

كل هذه الظروف تجعل من غير الممكن تحقيق مصالح المكونات الاجتماعية وتطلعاتها الى واقع ملموس حتى بلغ المجتمع المدني حدود الحرب الأهلية ذات الأبعاد الطائفية والمناطقية والاثنية في السنين العجاف من تاريخ العراق الجديد 2005-2007.

يتناول الفصل الثالث: من تاريخية المؤسسة الأمنية في العراق الملكي موضوع مهم ألا وهو أمراض السلطات الادارية في بناء الدولة وخصوصا البلدان النامية التي هي انعكاس ل  "ضعف السلطة السياسية وأجهزتها وإخضاعها لمصالح قادة الجهاز الإداري (الوزراء) واستغلال الآخرين مناصبهم لخدمة مصالحهم الخاصة، والصراع الذي يحكم علاقاتهم، ومصادر النفوذ الشخصي اللارسمي التي تدعم سلطتهم ومواقفهم السياسية، والتحالفات القائمة بينهم وبين قوى داخل وخارج الهيكل الرسمي للجهاز الاداري، والمعارضة التي يواجهونها من قبل القوى السياسية الوطنية، ولا زالت إجراءات وسلوكيات تكتنف عددا من المجتمعات النامية التي تمتاز بضعف السلطة السياسية تجاه السلطة التنفيذية..."(ص219-220).

كان هدف سياسة بريطانيا هوالسيطرة على قمة الجهاز الاداري والأمني في العراق لخدمة مصالحها الحيوية. ولقد استفاد العراق كثيرا من خبرة البريطانيين الأكثر تطورا في حقول الإدارة والسياسة والأمن لبناء مؤسسسات الدولة العراقية. وكان هذا للأسباب التالية:

- تصديرالفائض الاقتصادي المتحقق الى بريطانيا نتيجة الاستحواذ على الموارد النفطية

- موقع العراق الاستراتيجي في الشرق الأوسط وتأمين الطريق الى الهند

وبناءً على ذلك أناطت جملة الظروف الموضوعية لحالة البلد المحلية وظروف تأسيس الدولة العراقية، لوزارة الداخلية، أهم الأدوار في استقرار الحالة الأمنية في عموم البلاد وسريان مفعول قرار الدولة المركزي والمحلي وتشريعاتها نظرا لسعة مؤسساتها وتعدد مديرياتها وتشعب اهتماماتها . وأهم ما أنيط اليها هو الحفاظ على الأمن الداخلي عبر تشكيل قوة الشرطة المحلية باعتبارها من أهم مديريات وزارة الداخلية(ص227).  كما عززت قوى الاحتلال والسلطة العراقية الملكية لاحقاً بمجموعة من ضباط الاستخبارات السياسية الى مختلف أنحاء العراق وتم  توزيعهم حسب المناطق الادارية وأناطت كل واحد منهم واجبات متعددة كان أهمها: أن يقف على مجرى حياة القبائل، وأن يعرف المنطقة التي هو فيها جغرافيا وطوبوغرافيا، وأن يعرف كذلك طرقها ومسالكها، والمحلات التي تصلح لنزول الطائرات فيها عند الضرورة. على أن يزود هؤلاء الضباط بتقارير اسبوعية تتضمن كشفا عن سير الامور الإدارية والجانب الأمني وموقف القبائل بصورة عامة(ص203).

ويلعب العامل الخارجي دورا مهما في استقرار البلاد الى جانب العامل الداخلي حيث يمكن ملاحظة مدى ارتباط  اقتصاد الدول ضمن المنظومة الرأسمالية وأبعادها المعولمة المعرضة لحدوث الهزات الاقتصادية. ومن تأثيرها على الدول التابعة لها أو بالاحرى الدول المرتبطة بها والمستعمرة من قبل الدول الرأسمالية. ساهم العامل الخارجي في التأثير على مستقبل الحكم في العراق من خلال التغيرات البنوية التالية كما يطلق عليها مؤلف الكتاب:

- دوره في تأسيس الدولة العراقية المعاصرة وفق المصالح البريطانية

- اجهاض صعود العراقوية بعد انقلاب بكر صدقي في العام 1936

- اجهاض حركة مايس التحررية في العام 1941

- التدخل الأمريكي المتزايد في الشأن العراقي وتشكيل وزارة الجمالي تعبيرا عن هذا التوجه في العام 1953

- تحقيق الانقلاب الدولي في العام 1968

- اشعال الحرب العراقية -الايرانية 1980-1988

- اشعال حرب الخليج الأولى وإحتلال الكويت في العام 1990

- احتلال العراق في العام 2003 وإعادة تأسيس الدولة وفق المنظور الأمريكي

ومن الاستنتاجات المهمة للباحث هي أن عمل الحكومات العراقية المتعاقبة سواء كانت الملكية أو الجمهورية وبخاصة في الفترة الزمنية 1963-2003، قد نصبت العداء لكل الأفكار التقدمية والتحررية وبخاصة التوجهات اليسارية وعلى الأخص الشيوعية، كنقيض نوعي لتوجهات السلطة والمنطلق الفكري والطبيعة السياسية للنظام والتداول السلمي للسلطة، وبالتنسيق مع قوى الاحتلال الخارجية سواء كان بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

وخصص الدكتور الناصري فقرة عن السجون السياسية(ص260) في العراق وتواريخ تأسيسها  وبالأخص سجن نقرة السلمان مستشهدا بكتاب همام عبد الغني المراني الموسوم أيام لا تنسى الصادر عن دار ميزر للنشر والتوزيع  في مالمو بالسويد في العام 2019.  وكتاب عبد القادر العيداني الموسوم من اعماق السجون، نقرة السلمان ...قيود تحطمت، مؤسسة السجناء السياسيين، بغداد2013، وكذلك كتاب د. غانم نجيب عباس الموسوم سجن نقرة السلمان في ضوء وثائق وزارة الداخلية 1942-1943، ط.3،  دار أديان، المثنى، 2016(ص263).

وجدير بالذكر فقد كتب لي القدر أن أضطلع بزيارة هذا السجن، فقد حصلت  عائلتنا في العام 1964 على موافقة مديرية الأمن العامة في بغداد بزيارة سجن نقرة السلمان في شهر شباط العام 1964، حينما كان أخي المرحوم سمير عبد القادر مصطفى الموصلي مسجونا فيه بمحكومية عشرة سنوات بالاشغال الشاقة . كان المرحوم سمير نزيل قاووش رقم 9، وحينها بلغ عدد السجناء 3000 سجينا في سجن النقرة. وبسبب ضيق المكان، لم تسمح ادارة السجن بأن يكون عرض حشية النوم الاسفنجي (الدوشك حسب اللهجة العراقية)  بأكثر من 50 سم، أتذكر ذلك جيدا من رسالة أرسلها أخي سمير الى المرحوم الوالد يطلب فيها ارسال حشية اسفنجية لايزيد عرضها عن 50 سم وطوله عن مترين مع بعض الملابس ونقود . روى لنا أخي المرحوم سمير قصة سجينين تمكنا من الهروب من السجن بسبب الحكم عليهم بالاعدام . كانا يعرفان السير في الليل بواسطة ضوء النجوم . ولكن لم يحالفهما النجاج بسبب افتراسهم من قبل الذئاب الجائعة في بادية السلمان .  كما روي لنا حادثة اجراء الدكتور رافد صبحي منيب الذي كان سجينا أيضاً عملية قص الزائدة الدودية لأحد السجناء بدون مخدر حيث قام بتشغيل اسطوانة للمطرب المصري محمد عبد الوهاب بصوت عالي وأستخدام أمواس الحلاقة العادية لعمل فتحة في البطن لاستئصال الزائدة الدودية. كان السبب في اجراء العملية هو طول الطريق بين سجن نقرة السلمان ومدينة السماوة الذي يبلغ حوالي الثلاثة ساعات وخطر انفجار الزائدة الدودية الذي قد يؤدي الى وفاة المريض.

ومن المواضيع المهمة التي بحثها المؤلف عقيل الناصري في الفصل الثالث والأخير من الكتاب هي التعذيب، الاغتيال السياسي والحكم بإعدام الحياة،  المجازر الجماعية من ضمنها مجازر السجون، إسقاط الجنسية العراقية أو النفي القسري، قرارات الحكم القاسية، التشهير والبراءة، المطاردة من خلال النشر، الإندساس، الفتوى الدينية.

وبالاشارة الى التعذيب في قصر النهاية، يدرج الباحث ثلاثة ملاحق  وهي عبارة عن ثلاثة مقالات كتبت من قبل عبد الجبار العتابي وحسين الهنداوي وآخرى باسم مبهم بقلم "سجين عراقي". ومن المؤسف  له، أنه لم يذكر اسم الشهيد خالد محمود الأمين من بين أسماء شهداء قصر النهاية الذي ذوب جسده بأحواض التيزاب. مع العلم أن حسين الهنداوي نشر مقالة في الحوار المتمدن عن الشهيد خالد الأمين بعنوان:

خالد الأمين، ذلك الشاعر الشهيد

حسين الهنداوي

الحوار المتمدن-العدد: 4211 - 2013 / 9 / 10

المحور: الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية

أما  مقالته عن قصر النهاية ...الرمز الأكبرلفاشية البعث؛ فقد نشرت في موقع الحوار المتمدن  في العدد 4158 بتاريخ 19/7/2013

سوف أتوقف عند  فقرة الفتوى الدينية  وذلك لأهميتها  ولأنها أخذت حيزا كبيرا من الكتاب قياسا الى الفقرات الأخرى، فقد امتدت هذه الفقرة من الصفحة 327 الى الصفحة 418 أي ما يقارب 91 صفحة وهذا ليس بالشىئ القليل وانما يدل على أهمية الموضوع في العراق المعاصر وبالذات في الوقت الحاضر.

بعد ايراد الكثير من التعريفات للدين من وجهات نظر عديدة، فلسفية واجتماعية وحتى سياسية لابد من ذكر تعريف كارل ماركس للدين وهو تعريف متميز يتم التغاضي عنه عمداً: "الدين هو النظرية العامة لهذا العالم، قيمته الموسوعية، منطقه بشكله الشعبي، نقطة شرفه الروحانية، ولعه وحماسه البالغ، عقوبته الأخلاقية.....طمأنينته وتبريراته الكونية. والتي تمثل الإنجازالمتخيل للكائن الإنساني والسبب في ذلك يكمن في ان الانسان لايمتلك الواقع الحقيقي"(ص334).  في حين  أن ميخائيل سيرغيفيج فوسلينسكي في كتابه الموسوم: النومينكلاتورا- الطبقة الحاكمة في الاتحاد السوفيتي الصادر في لندن العام 1985 باللغة الروسية (قمت بترجمة الكتاب الى اللغة العربية وصدر من دار نشر الزمن في الرباط بالمغرب في العام 2001)، يشرح مصطلح الدين أفيون الشعوب لماركس بأنه ليس كما يعتقد الناس بأن الدين هو مخدر الشعب أو الشعوب وانما ما يعنيه كارل ماركس هو أن الدين ورد بما يعني مهدىء للناس أو هو أنين القلب المضطهد. ومع العلم أن فوسلينسكي عمل مترجما من الألمانية الى الروسية  وبالعكس في محكمة  نورنبيرغ بعد الحرب العالمية الثانية لمحاكمة الفاشست الألمان وكان أستاذا في جامعة موسكو في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي ونائب رئيس جمعية الصداقة السوفيتية الالمانية لفترة طويلة. وكذلك فان البوذية ليست ديناً كما يعتقد الكثير من الناس وحتى الباحثين؛ وانما: The Way of Life. كان هذا جواب أحد أساتذة البوذية  بدرجة Rinpocha على سؤال طرحته عليه في احدى المحاضرات عن البوذية في مركز Karma Tashi ling في أوسلو بالنرويج  في العام 1993.

ومن الناحية الجدلية "يمتلك كل من العلم والدين وجهين اثنين: الثقافي والاجتماعي، وفي كلا الوجهين يوجد الكثير مما يؤمل من المؤثرات الاجتماعية فيه: ربما يكون العلم قد خفف التبعات المأساوية للأمراض ومشقات العمل القاتلة، وقدم في الوقت ذاته جعبة كاملة من أدوات الترفيه ووسائل الراحة؛ لكنه أوجد أيضاً أسلحة الدمار الشامل المرعبة وأخل بنوعية الحياة البشرية على نحو خطير للغاية؛ ولهذا كان تأثير العلم على المجتمع نعمة تشوبها الأذى".

ولكن من جهة أخرى "اقترف الدين المنظًم ما هو أكثر سوءاً ولا أحد يستطيع أن ينكرالحالات العديدة من التكريس المفعم بنكران الذات التي أبداها بعض العاملين في مجموعات دينية حول العالم؛ لكن الدين استحال منذ أزمان بعيدة هيكلا مؤسساتيا يعني غالبا بالسلطة والسياسة أكثر من عنايته بمو ضوعات الخير والشر"(ص332). وكانت الحماسة الدينية المفرطة هي السبب في نزعات عنف شوهت نزعة التسامح وأطلقت شهوة الوحشية من مكامنها.  وتوجد لدينا أمثلة صارخة حدثت على مر التاريخ، مثل التطهير العرقي للسكان الأصليين في أمريكا اللاتينية خلال العصور الوسطى وحتى في عصر التنوير شاعت الكراهية الدينية وتأججت النزاعات المسلحة في جميع أنحاء العالم.

كما انتشرت في اوروبا تهديم كنائس الكاثوليك من قبل أتباع  المذهب البروتستانتي حيث يوجد شاهد على ذلك،وهي خرائب كنيسة دوم شيركه Domkirkeruinene på Hamar بمدينة هامرHamar  في النرويج التي هدمت في  سنة 1567 من قبل السويديين في حرب  السبعة سنوات الشمالية Den nordiske sjuårskrigen. والأمثلة كثيرة في الوقت الحاضر من تفجير المساجد في دول العالم الاسلامي المختلفة بسبب الصراع بين الطوائف الاسلامية المختلفة حتى صار  الانسان  يخجل من ذكرها كونه مسلماً.

ومنذ بداية القرن العشرين لعب الظرفان الداخلي والخارجي دورا في استخدام الدين في مواجهة الأفكار التقدمية التي تسللت الى العقول المتنورة والمتجسدة في الرواد الأوائل للفكرالحر (اللبرالي)، في نهاية القرن التاسع عشر. ومن ثم الرواد الأوائل للفكر الاشتراكي ودعواتهم لتحرير المرأة(ص338). وقد ساهمت صحيفة الزوراء الحكومية في تنمية الوعي السياسي لدى فئة المثقفين العراقيين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

يعود تاريخ التصادم بين الافكار التقدمية والأفكار الدينية المحافظة الى بدايات القرن العشرين

مع العلم كان يوجد رجال دين متنورين أمثال هبة الدين الشهرستاني وعبد المحسن الكاظمي ومحمد رضا الشبيبي ومحمد سعيد الحبوبي وعلي الشرقي. وتركز الصراع وقتذاك حول المنطلقات الحضارية وتهيئة دخول المجتمع العراقي الى العصر الحديث. وتمحور التناقض بين المؤسسة الدينية وآلية سريان تطور المجتمع المادي في الصور التالية:

- الحركة التي تدعو النساء الى التحرر من الجور والظلم الاجتماعيين والمساواة بين الرجل والمرأة، عبر الدعوة الى السفور في العقد الثاني من القرن العشرين؛

- النقد الذي وجهته جماعة  متدارسي الأفكار الحرة باشراف حسين الرحال في ثلاثينيات العقد الماضي للمؤسسة الدينية؛

- النقد العلمي الذي وجهته مجلة الصحيفة الناطقة باسم الرواد الأوائل للفكر الاشتراكي الذي ركز على محاربة العادات والتقاليد الخارجة على الماهيات الأصيلة للدين الاسلامي الحنيف في العقد الثالث من القرن المنصرم؛

- نقد جمعية الأحرارللمؤسسة الدينية في نهاية العشرينيات؛

- تصدي جماعة الأهالي للتقاليد الإجتماعية البالية والمتلبسة برداء الدين في العقد الرابع من القرن المنصرم؛

- الأفكار الجذرية التي رفعتها الحلقات الماركسية قبل توحيدها وتأسيس جمعية مكافحة الاستعمار والاستثمار والحزب الشيوعي العراقي؛ والتي خشيت منها المؤسسات الدينية التقليدية والاقطاع والقوى المحافظة وقوى الاحتلال البريطاني. 

- عدم قدرة الفئات الدينية القديمة من مواكبة العصر بسبب التطور الفكري والسياسي والاجتماعي في النصف الاول من القرن العشرين(ص346).

كان الخلاف بين المؤسسة الدينية ذات الأفكار المحافظة والأفكار الحداثوية المتمثلة بالقوى التقدمية من لبرالية وماركسية وكذلك توجهات ثورة 14 تموز 1958 واجراءاتها الجذرية لصالح الفقراء وأصحاب الدخول المنخفضة هو السبب في حدوث رد فعل لدى اصحاب التوجه الاسلامي في مواجهة الشيوعية وتمددها في البلاد بسلوك الطرق التالية:

1- تأسيس التنظيمات الاسلامية السياسية لمواجهة الحركة الشيوعية عن طريق حزب الدعوة الاسلامية والحزب الاسلامي العراقي وجماعة العلماء التي أصدرت مجلة الأضواء في العام 1959.

2- التنظير الفكري الاسلامي ودحض الطروحات الماركسية والاشتراكية في الاقتصاد والسياسة والمجتمع من خلال الصحف والمجلات والمؤلفات، كما فعل محمد باقر الصدر في كتابي فلسفتنا (صدر في1959) واقتصادنا(صدر في 1961).

3- تحريم  مراجع ورجال الدين الشيعة والسنة الانتماء الى الشيوعية، مثل محسن  الطباطبائي الحكيم وأبو القاسم الخوئي وعبد الكريم الجزائري وعبد الهادي الشيرازي وعلي كاشف الغطا ونجم الدين الواعظ وحمدي الأعظمي وعبد القادر الخطيب وفؤاد الآلوسي والملا صالح عبد الكريم وجميل المفتي وعمرعبد العزيز وعثمان عبد العزيز.

ولهذا فقد توجلت جميع القوى السياسية وأحزابها من بروز قوى اليسار التقدمية وخاصة المرجعية العليا ولجنتها السرية، بالاضافة الى الملاك الكبار وتجار البازار؛ ومصالح ايرانية وخليجية ودولية.  وقد صرح مدير المخابرات الأمريكية آلان دلاس، بأن العراق أصبح أخطر بقعة في العالم بسبب تنامي اليسار وخاصة الحزب الشيوعي العراقي وانتشار العلمنة في أوساط الشباب العراقي (ص381). ولكنه نرى من جهة أخرى "ان بعض التصرفات الصبيانية والأخطاء المرتكبة والاستعجال في رفع الشعارات غير الملائمة والداعون اليها محسوبين على الحزب الشيوعي، من خلال الإساءة لبعض المفاهيم الإسلامية والدينية"(ص382).

وكانت من الأسباب الواردة أعلاه بعد انقلاب 8 شباط 1963 المشؤوم أن صدرت فتوى محسن الطباطبائي الحكيم الداعية الى تحريم الانتماء الى الحزب الشيوعي باعتباره كفر والحاد. وبناءاً على فتوى الحكيم صدرت عدة فتاوي بهذا السياق تحرم الانتماء للحزب الشيوعي العراقي من قبل السيد ميرزا عبد الهادي الشيرازي والسيد محمد مهدي الحسني الشيرازي والسيد محمود الحسيني الشاهرودي والشيخ عبد الكريم الجزائري وأبو القاسم الخوئي والسيد عبد الله الشيرازي والشيخ مرتضى الياسين والشيخ محمد مهدي الخالصي والشيخ محمد علي الطباطبائي والشيخ علي كاشف الغطا . وكذلك السيد نجم الدين الواعظ وحمدي الأعظمي وعبد القادر الخطيب وفؤاد الآلوسي والشيخ ملا صالح عبد الكريم  والشيخ عمر عبد العزيز والشيخ عثمان عبد العزيز.

ولكن  وبالنقيض من الموقف السياسي للسيد محسن الحكيم كانت هناك مواقف انسانية لأربعة من رجال الدين الأفاضل وهم: آية الله محمد الحسيني البغدادي وآية الله حسين الحمامي وآية الله عبد الكريم الزنجاني وآية الله محمد فاضل القانيني من اللذين رفضوا رفضاً قاطعاً اصدار فتوى ضد الشيوعية لمعرفتهم بالعواقب الوخيمة لها (ص405) كما حدث بعد انقلاب  8 شباط 1963. كان ثمن هذا الرفض قاسياً، حيث اتهم الحمامي بأنه شيوعي والزنجاني بأنه عميل بريطاني وتم تسفير القانيني الى ايران في العام 1963. ورفض السيد محمد حسين آل كاشف الغطاء في كتابه الموسوم: "المثل العليا في الاسلام لا في بحمدون".

ونختتم هذا العرض للكتاب بالوصول الى استنتاج مهم وهو، لقد لعبت المصالح الاقتصادية والمذهبية والعوامل الداخلية والخارجية والتخوف من اليسار وتحالفات أجنحة الحركات الاسلامية الشيعية والسنية مع التيارات القومية من اسقاط الاجراءات الجذرية التي قامت بها حكومة 14 تموز لصالح فئات الشعب الفقيرة .

وهناك بعض الملاحظات التي من واجبي أن أطرحها للزميل العزيز دكتور عقيل الناصري حول طباعة الكتاب؛ وهي أنه توجد الكثير من الأخطاء المطبعية والتواريخ والأسماء والمسافات كما هو في صفحة 191 حيث ورد اسم معسكر الاعتقال النازي اوشفيتز بيركينو  Auschwitz Birkenau  في بولندا وكونه يبعد 70 كم عن مدينة خاركوف ولكن الصحيح هو أن المعسكر يبعد 66 كم عن مدينة كراكوف في بولندا وليس عن مدينة خاركوف في أوكرانيا  التي تبعد عن المعسكر بحدود 1426 كم.  بالإضافة الى تلاصق الحروف وتكرار في الجمل والافكار والذي يسبب في حدوث ملل عند القاريء . ولهذا فالكتاب يحتاج برأي الى تنقيح . 

 

اسم المؤلف: د. عقيل الناصري

الناشر: أوروك ميديا – ستوكهولم- السويد، الطبعة الثانية 2021

الرقم الدولي: ISBN    7- 978915194787

1921-1964 (450 صفحة)

 

د. سناء عبد القادر مصطفى

 

  

2867 هاجر بكاكريةتنخرط دراسة الباحثة والأكاديمية الجزائريّة "هاجر بكاكرية" الموسومة بـ: إشكالات جائزة نوبل للأدب، "نجيب محفوظ أنموذجا" الصادرة عام 2015، عن دار الثقافية للنشر/ تونس  في مساءلة أهم الأسئلة والإشكالات التي تواجه جائزة نوبل للأدب منذ إنشائها عام 1901، والسعي إلى الإجابة عن كيفية منح هذه الجائزة، وهل تم ذلك انطلاقا من خصائص أدبية شفافة تخضع  لمبدأ الاستحقاق،  أم أنها  تستند إلى خلفيات أخرى غير أدبية؟

ومن أجل الإجابة عن هذه الإشكالية فقد اختارت الباحثة تجربة ونموذج الروائي المصري نجيب محفوظ، الحاصل على جائزة نوبل للأدب في نسختها لعام 1988، ليكون بذلك " مفاجأة للعالم العربي، ويثير جدلا كبيرا وتوجه له اتهامات وشكوك، ليخلف بذلك آراء توزعت بدورها بين فريقين مختلفين.

-الفريق الأول يرى أن الجائزة هي بمثابة الاستحقاق والتكريم لنجيب محفوظ وهو صاحب التجربة الروائية المتميزة والفريدة من نوعها، لهذا فإنه يستحق أن يكون في قائمة الكبار.

- ويُرجع الفريق الثاني هذا الفوز إلى مسوغات وأسباب غير أدبية، انطلاقا من مواقف نجيب محفوظ السياسية والدينية التي ضمنها في أعماله الروائية. والتي قد تكون أبرز أسباب الفوز.

وتستهل الباحثة هذه الدراسة بمدخل تأسيسي تعرض فيه أهم القضايا المتعلقة بجائزة نوبل للأدب، وتناقش الإشكالات البارزة التي تواجهها هذه الجائزة، وعلاقة العرب بها، مما يطرح بدوره قضية استحقاق المبدعين العرب،وقيمة أعمالهم الأدبية .

وقد ناقشت الباحثة في دراستها أهم العوامل التي لها علاقة بمنح جائزة نوبل لنجيب محفوظ، وذلك بالعودة إلى حيثيّات هذا التتويج عام 1988، وكذا علاقة أعماله بالسينما، وهل يمكن لها أن تكون من الأسباب الجوهرية في حصوله عليها، وهو الذي كانت له إسهامات في كتابة "السيناريوهات لعدد من أبرز الأفلام التي تم إنتاجها خلال فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي" ص 126

غير إن الباحثة هاجر بكاكرية ترى أن "الشهرة ليست من الأسباب التي مكنت نجيب محفوظ من الجائزة لأن شهرته كانت محليّة ولم تتجاوز العالم العربي شعبيّا، ويؤكد ذلك ما جاء في خطابه يوم تسليمه الجائزة، حيث عقب عن عدم معرفته لحظة إعلان اسمه مقرونا بالجائزة." ص 132

وتشتغل هذه الدراسة على رواية "أولاد حارتنا" إحدى الروايات المثيرة للجدل بهدف الكشف عن بعض الملامح الفنية والموضوعاتيّة التي دفعتها لأن تكون من أعمال نجيب محفوظ البارزة والتي أنجزت عنها دراسات نقدية عديدة. وترى هاجر بكاكرية أن لجنة نوبل قد أثنت على أعمال نجيب محفوظ وغزارة إنتاجه وعطائه المستمر رغم بلوغه سن السابعة والسبعين وركزت على تصويره للبيئة المصرية والاهتمام بتفاصيلها...ص 186

تتوصل الباحثة إلى جملة من النتائج منها أن ترجمة أعمال نجيب محفوظ إلى اللغات العالميّة قد جعلته ينال حظا وافرا بين القراء خاصة باللغتين الإنجليزية والفرنسية. كما إن أدبه الروائي قد وجد من يحتفي به خارج الحدود خاصة بعد أن تمت دراسته ضمن منجز الآداب الشرقية في جامعات عالمية بارزة، مما أسهم في لفت الأنظار إليه. وتذكر الباحثة نماذج عن هذا الاهتمام منها: "ماجستير قدمها فليب ستيوارت عن رواية أولاد حارتنا في جامعة أكسفورد، وقد كانت قبل فوزه بالجائزة عام 1988. ودكتوراه لبليد ماتياناهو قدمت في جامعة كالفورنيا، 1971 ودكتوراه منى نجيب ميخائيل  عن أدبه قدمت في جامعة ميتشيغان عام 1972...." ص 296

ولم تكتف الباحثة بالعودة إلى الأعمال الروائية لنجيب محفوظ فحسب، بل استحضرت خطابه الذي ألقاه بمناسبة الحصول على الجائزة عام 1988، وهو خطاب يدخل ضمن مراسيم التتويج والذي يُظهر أن نجيب محفوظ لم يكن ينتظر فوزه هذا، مما يستدعي فرضيّة أنه لم يكن يكتب من أجل الجوائز كما يفعل الكثير من المبدعين. وهو ما استبعدته الباحثة في قولها: "نعتقد أن جائزة نوبل كانت من اهتمامات نجيب محفوظ وعمل على الحصول عليها حتى وإن رفض التصريح بذلك، وأبى النقاد أن يضعوه في خانة الساعين للجوائز." ص 298

يبقى هذا الكتاب من الدراسات القليلة والفريدة في المنجز العربي المعاصر،  ويكمن تفرده في كونه قارب موضوعا متجددا، يثير في كل عام نقاشات بين النقاد والمبدعين والمهتمين بجائزة نوبل للأدب. وأنه اشتغل على النموذج العربي الوحيد المتوج بها إلى حد الساعة، لهذا فإن هذه الدراسة تثير إشكالية جوهرية ترتبط بقيمة الأدب العربي ضمن خارطة الأدب العالمي، وما هي الأسباب الظاهرة والخفية للفوز العربي الوحيد بهذه الجائزة.

 

د. طارق بوحالة

 

 

عبد الجبار الرفاعيالكاتبُ الجادّ هو الكاتبُ الذي يعيشُ الكتابةَ بوصفها تجربةَ وجودٍ. تجربةُ الوجودِ صيرورةٌ، تجربةُ الوجودِ ليست ميكانيكية، كلُّ تجربةِ وجود شديدةٌ، كلُّ تجربة وجود يعيشها الإنسانُ تعطّلُ كلَّ شيء سواها لحظةَ تتحقّق. تفرض تجربةُ الكتابةِ على الكاتب الذي يعيشها ألا يصغي إلّا إلى ندائها، ماخلا حضورها يغيبُ الكاتبُ عن كلِّ شيء ويغيبُ عنه كلُّ شيء. لحظةَ يبدأ الكاتبُ الكتابةَ تأخذه إليها، لا تدعه يفكّر إلّا في مداراتها، كلّما حاول الهربَ قبضت عليه من جديد أنى كان، لا تتركه مالم يمنحها كلَّ ما يمكنه. الكاتبُ الذي يعيشُ الكتابةَ بوصفها تجربةَ وجودٍ تمكث حياتُه الخاصة مؤجلةً على الدوام.

أعيشُ الكتابةَ بوصفها أُفقًا أتحقّقُ فيه بطور وجودي جديد. فشلت في أن أكونَ شخصيةً نمطية، أعرفُ أني لا أنفردُ بذلك، كلُّ مَنْ تكونُ الكتابةُ تجربةَ وجود في حياته لا يمكن أن يكونَ نمطيًا.

تتكرّرُ لدي تجاربُ الكتابة والتحرير، وعلى الدوام لا أصل للشعورِ باكتمال النص، ونقائه من الوهن والثغرات، وصفاء صوته، ونضج طاقة المعنى الذي يريد إبلاغَه للقارئ، لذلك كثيراً ما أعود إليه لتقويمه وترميمه وإثرائه. أتردّد في نشره، وأقلق لحظةَ أنشره، مثلما يقلقني إهمالُه ونسيانُه، ينتابي شعورٌ أحيانًا كأني خنتُ ذلك النصَّ المؤجل، أو خنتُ القرّاءَ الأصدقاءَ ممن يتطلعون أن يجدوا في كتابتي ما يبحثون عنه.

لا تكون الكتابةُ جادةً مالم تتكشف فيها شجاعتُنا في البوح والاعتراف للقرّاء بعجزنا البشري. لم أكن قادرًا على الاعتراف بالعجز قبل أربعين عامًا، لكني روّضت نفسي بمشقة على الاعتراف بضعفي، حتى صار البوحُ يشعرني بالشفاء من الخوف. أبادر لمراجعة كتاباتي وأعمل على تمحيصها، وأستبعد ما أكتشفه من هفوات وأخطاء، بحدود إدراكي لها. يرشدني أيضًا التقويمُ والنقدُ الذي يصلني مشافهةً أو عبر الكتابة، من قرّاء نابهين أذكياء، غير مأزومين نفسيًا وأخلاقيًا، ولا شتّامين. أضيف ما أراه ضروريًا لترسيخ قناعة القرّاء بصواب ما اهتديتُ إليه، وأحاول تعزيزَ الأدلة، وتوضيحَ ما هو ملتبسٌ أو غامضٌ أو مبهمٌ من المفاهيم.2846 علم الكلام الجديد

أكتبُ لنفسي قبلَ الكتابة للقراء، أخاطب نفسي قبلَ مخاطبة القراء، وأُعلِّم نفسي قبل أن أكون مُعلِّمًا للقراء. أحاول البحثَ عن إجابات لأسئلتي الوجودية، وأسعى لاكتشاف حلول لمشكلاتي، عسى أن ينكشفَ النور الذي يُضيء خارطةَ النجاة. يهمني أن أكتشف نفسي قبل أن أكتشف العالَم، وأغيّر نفسي قبل أن أغيّر العالَم.

غرضُ كتاباتي سكينةُ الروح، وطمأنينةُ القلب، وإيقاظُ العقل. البُعد البياني والجمالي لم يكن غرضَ كتاباتي المباشر، هذه لغتي التي لا أعرفُ أن أكتبَ بغيرها ‏اليوم، وهي لغةٌ بذلت جهودًا مضنية حتى أمتلكتها. ‏سعيدٌ بامتلاكي هذه اللغة بعد مطالعات متواصلة، كانت ومازالت تأكلُ كلَّ وقت فراغي خارج العمل، شرعتُ فيها منذ الصف الخامس الابتدائي، وسجنت نفسي في الكتابة طوعيًا حتى اليوم، مضافًا إلى تمارين كتابة متواصلة بدأتُ بها قبل نحو نصف قرن، ولم تكتمل لغتي ولم أصل إلى ما أنشده إلّا قبل ثلاثين عامًا.

لم يكن كتاب: "مقدمة في علم الكلام الجديد" يحظى بهذه العناية لولا الإدمان على القراءة والكتابة، ولم يكن مؤلفُه يتوقع مثلَ هذه الثقة بكتابه بعد نشره مباشرة حين بادر قرّاء متخصصون ومهتمون بعلم الكلام للاحتفاء بالكتاب مشكورين. أستاذٌ في جامعة جزائرية لحظةَ قرائته الكتابَ قرّر تبنيه لتلامذته في الدكتوراه، ورئيسُ لجنةٍ علمية في جامعةٍ عراقية أصدر قرارًا بتبنيه لتلامذة جامعته في الدراسات العليا، وهكذا بادرت أستاذاتٌ وأساتذةٌ كرام، في أكثر من جامعة في البلاد العربية لتبني الكتاب. وقرّرت بعضُ أقسام الدراسات الإسلامية والفلسفية اعتماد الكتابَ في مقرّر "علم الكلام الجديد" ابتداءً من العام الدراسي الجديد. وبعد شراء أحد خريجي الأزهر الأندونيسيين للكتاب من معرض القاهرة الأخير وقراءته، راسل المؤلفَ فورًا يطلبُ الإذنَ بترجمته للأندونيسية، لأنه رأى ضرورةَ حضوره في أقسام الدراسات الإسلامية والفلسفية في الجامعات الأندونيسية، وتقديمه للقرّاء في هذه اللغة التي يتحدّثها أكبرُ مجتمعٍ مسلم، وباشر بالفعل ترجمتَه، ويعتزم مترجمٌ ترجمتَه للتركية، ويوشك أستاذٌ في جامعة اصفهان على الفراغ من ترجمته للفارسية. كلُّ ذلك دعا المؤلفَ لإعادة النظر في الكتاب، وكعادته بنقدِ كتاباته قبل أن ينقدها غيرُه، وعملِه الدؤوب على اكتشاف ما فيها من وهن وأخطاء وقصور في التعبير أو التفكير، أعاد العملَ على هذا الكتاب مجدّدًا، وأمضى مدةَ شهر تقريبًا يعيد تحريرَه وتدقيقَه وتهذيبَه، محاولًا أن يشرح مفاهيمَ محورية اختزل الكلامَ فيها في الطبعة الأولى مثل مفهوم الوحي، وعزّز أسسَ أركان علم الكلام الجديد، إذ اكتملت هذه الأركانُ في سبعة بعد أن كانت ناقصة، وشرحَ مواردَ أخرى كان مقتصِدًا في التعبير عنها، أعاد صياغتَها بوضوحٍ بكلمات أصرح وأوضح، وعالج الوهنَ والخللَ في بعض الجمل والفقرات، وأصلح أخطاءَ إملائية ونحوية ومطبعية غفل عنها فيما مضى.

ازداد حجمُ الكتاب في هذه الطبعة أكثر من خمسين صفحة. لا شكّ في أن هذه النسخةَ أغنى وأدق وأوسع وأوضح، إلا أن المؤلفَ لا يعدُ القرّاءَ بأن هذه الطبعةَ نهائية، فلو راجع الكتابَ بعد سنة أو أكثر من صدوره لكرّر ما فعله في الطبعة الأولى. وهذه عادةٌ منهِكةٌ يعترف أنه لا يستطيعُ الخلاصَ منها. طالما أزعج المؤلفُ أصدقاءَ ناشرين، فبعد أن يُرسل لهم كتابًا جاهزًا للإخراج والطباعة، يعودُ بعد أيامٍ لإرسال إضافات أو استبعاد كلمات أو جمل أو فقرات، ويواصل هذه العمليةَ إلى أن يصدرَ الكتاب، وأحيانًا يضطرّ الناشرُ لتأخير الكتاب في المطبعة وقتًا اضافيًا.

يعترف المؤلفُ بأن كلَّ نصٍّ يكتبُه لا يراه نهائيًا، يكتبُه كمسوّدة، وبعد تحريرٍ وتنقيحٍ ومراجعاتٍ متعدّدة يبعثه لدار النشر، وعند نشره تتحوّل هذه الطبعةُ إلى مسوّدة لطبعةٍ لاحقة، وهكذا تلبث كتاباتُه مسوّداتٍ غير مكتملة، كلُّ طبعة جديدة مسوّدةٌ لطبعة لاحقة، وكأنه يحلم بالكمال الذي يعرفُ أنه لن يدركَه في كلِّ ما يكتبُه.

كلُّ كتابٍ نكتبُه يكتبُ تاريخَه الخاص بعد نشره، يبدأ تاريخُه منذ قراءة القارئ الأول له، يمتلك القرّاءُ مصائر الكتب بعد قراءتها. للكتب الجادّة حياةٌ يتحكمُ في مآلاتها القرّاءُ والنقّادُ، وتحدّد أعمارَها ومصائرَها مواقفُهم وانطباعاتُهم، ونوعُ تلقيهم لمضمونها، وكيفيةُ قراءتهم لنصوصها. ربما تدخلُ بعضُ الكتب كهوفَ النسيان بعد صدورها مباشرةً على الرغم من أهميتها، ثم يأتي مَنْ يُخرِجها من الظلام ويسلّط الضوءَ عليها بعدَ مدة، وربما يتلقى القراءُ كتبًا أخرى لحظةَ صدورها بثقةٍ واهتمام.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

 

 

 

 

 

 

ناجي ظاهرتهدف الدكتورة مارجيري ويلسون، من تأليفها لكتابها، موضوع حديثنا الجاري، "طريقك إلى الشباب الدائم"، للتسهيل على مَن يريد أن يحافظ على شبابه اقصى ما يمكن، وتعتمد في تنفيذها هدفها هذا، على خبرة واسعة في التعامل مع اناس قامت بتقديم العلاج لهم وحققت نجاحات حقيقية، شهد لها الكثيرون، غير أن ما يلفت النظر في هذا الكتاب الرائع أنه يُقدّم وجبة مفيدة من علم النفس، ويتشعّب إلى علوم أخرى مثل علم التغذية وعلم وظائف الاعضاء والتربية البدنية، والفلسفة أيضًا. كل هذا خدمة لفن" الحياة الفتية"، التي باتت منذ فترة ليست قصيرة حلم الكثيرين من محبي الشبوبية ورافضي الشيخوخة.

صدر هذا الكتاب ضمن سلسلة "كتاب الهلال" الشهرية الثقافية التي تصدر في القاهرة عن دار الهلال- المصرية، وذلك بطبعتين تيسّر لي مؤخرًا اقتناؤهما وقراءتهما، وها انذا أحاول أن أشرك الاخوة القراء في الاطلاع على أهم ما جاء في هذا السفر الثمين، بما تبحّر فيه من معلومات.. من شأنها ان تؤدي إلى المزيد من الأداء الحياتي الابداعي لدى الكثيرين.

ترى المؤلفة في الفصل الاول من كتابها تحت عنوان" مسألة سلوك"، أن الحياة اختيار وأننا نحن من نختار ان نكون.. نجومًا في السماء او اناسًا عاديين نستسلم لما تفرضه علينا الحياة في غفلة منا.. من شيخوخة ومرض. وتشرع في اللفت إلى نقاط هامه، وهو ما تفعله في بقية فصول كتابها هذا، من شأنها أن تكبح جِماح الشيخوخة المتهاوية، تقول إننا لسنا بحاجة إلى الاعاجيب والخوارق للمحافظة على الشباب، وإن كل ما نحتاج إليه هو أن نتخذ مسلك الشباب في حركاتنا واصواتنا وتصرفاتنا مجتمعة لكن بدون مبالغة، وان نرفع من روحنا المعنوية بزيادة الاقبال على مسرات الحياة، كي تتجدد ينابيع النفس تجددًا متواصلًا، منوهةً إلى أن الاثر الذي نتركه عادة في الناس إنما يعتمد على مؤثرات بصرية وسمعية وشمية، وانه من وراء هذا كله ينجم تأثيرنا الشخصي الصادر من قوة عقلنا وتوازن جوانبنا النفسية. وتوضح المؤلفة أن أول واحد من اسرار النجاح في المحافظة على الشباب ومقاومة آثار السنين هو الرشاقة.. مُلمحة إلى أن البدانة هي أهم عوامل الشيخوخة كونها تُثقل الحركة وتجعل من الصعب على الانسان أن يُظهر خفة الشباب ومرونته في جميع انواع حركاته. وتشير إلى أهمية أن يتخذ الواحد منا له نموذجًا يقلده في مشيته، مضيفة انها لا تدعو إلى تقليدنا لإنسان معين حتى لا ننقلب إلى جماعات من القرود، وإنما هي تدعو إلى شيء من نشاط المخيّلة، موضحة أنه على الواحد منا أن يخلو إلى نفسه ويتخيل أفضل صورة يتمنّى أن يرى نفسه فيها خلال مشيته. وتدعو المؤلفة إلى الفرح بالحياة عبر الابتعاد عن الهموم قدر الامكان ، مؤكدة أن جسمنا سيكون مرآة لما يدور في نفوسنا.

كما ترى المؤلفة أن مصير شخصيتنا بين ايدينا، وأنه مرهون بإرادتنا وإيماننا وعزيمتنا، وعليه ليس علينا إلا أن نريد، حتى يكون لنا ما نصبو إليه ونتطلّع. فنحن- تقول- لا نجني إلا ما زرعناه، ومَن زرع الشوك لا يحصد العنب، ومَن زرع الخروع لا يجني التفاح، وكذلك فإن مَن زرع الخوف والتشاؤم والخذلان والياس، لن يجني القوة والفتنة والسرور.

تلفت المؤلفة إلى أهم واحدة من عقبات تعديل الشخصية وهو الخجل، وتتوجّه إلى مَن يجعلون مِنَ الخجل عقبة في سبيل تعديلهم شخصيتهم، تقول: لهؤلاء أقول إن السنديانة الضخمة كانت في بداية أمرها بذرة مدفونة في بطن الارض. بعدها تتحدث عن أهمية الحيوية التي يمكن اعتبارُها تعريفًا مناسبًا للشباب، تقول: إن الحيوية حالة نفسية وعقلية يعكسها الجسم.. ممثلًا اياها في التوقد والانتباه، لا في الشرود، وفي التيقظ والصحو، لا في الخمول والتراخي، وفي الاقبال على المسرات واستحداث المزيد منها.. لا في التخاذل.

تُقدّم المؤلفة لقارئها بعد ذلك خمس وصايا هي: أن يجعل رأسه امتدادًا لعموده الفقري لا انثناءً متداعيًا إلى الامام. وألا يدفع معدته قُدّامه، بل يدفع صدره إلى الامام، وأن يحافظ على مرونة ركبتيه، فالركبة من اوائل الحصون التي تهاجمها الشيخوخة، ما يُضفي على المشية ظلًا ثقيلًا. كما توصي المؤلفة قارئها بالاسترخاء، فتوتر الاعصاب يُفسد الرشاقةَ في جميع حركات الجسم، وتؤكد أن الاسترخاء وما يستتبعه من انسجام إنما هو سر بقاء الجمال، ابتداء من حركة الافلاك في السماء، انتهاءً بالموسيقى، مرورًا بضربات القلب.

في فصل آخر تحت عنوان" كيف تتنفس؟"، تقول إن طريقة التنفس هي أهم حركة درامية يقوم بها الانسان، وتضيف إن الممثلين يتدربّون في بدايات طريقهم الفني على كيفية استخدام التنفس، وتُوجّه عناية قارئها، ضمن لفتةٍ موفقةٍ، إلى أهمية الاوكسجين بصفة خاصة على اعتبار أنه عامل مساعد يساهم في تقليل كمية الشحم لدى البدناء من الناس، كونه يحرق الذهن إذا كانت الانفاس عميقة قوية، وتوضّح قائلةً، إن هذا عامل مساعد، كونه لا يكفي لتخسيس الوزن من دون أن يتبع من يريد من البدناء نظامًا خاصًا للتغذية والرياضة، وتتحدّث عن أهمية الجاذبية في المحافظة على روح شبوبية وفرح دائم، تقول: إن أهم أركان الجاذبية لدى شخصٍ ما هو اهتمامُه بالآخرين من المحيطين به، وتتساءل كيف يُمكننا أن نترجم هذا الاهتمام إلى طريقة تنفسية؟ وتجيب إن سبيل ذلك هو الهدوء، فاذا راقبت المتفرجين في مسرح وهم يركّزون اهتمامهم فيما يدور أمامهم ويستولي على البابهم من المشاهد الروائية، ستجدهم يتنفسون بهدوء.. هدوء عميق جدًا، بأنفاس مستريحة وانفراجه شفتين بعض الشيء، وكأن جميع مسام اجسادهم متفتحة لالتقاط ما يدور بين سمعهم وبصرهم.

ترى المؤلفة في فصل آخر تحت عنوان" التعب عدوك اللدود"، أن التعب وما يتفتق عنه من قلق وتوتر يؤثر تأثيرًا سلبيًا على الناس في عصرنا الحديث خاصة، وتلفت بهذا الصدد إلى ما قاله اللورد برتراند رسل- أحد كبار فلاسفة عصرنا- وهو : أن انواع التعب مختلفة وأن بعضها اخطر بكثير من بعضها الآخر واشد عرقلة للسعادة. والتعب البدني المحض- اذا لم يكن شديد الاسراف- قد يكون واحدًا من أسباب السعادة.. ذلك أنه يؤدي إلى النوم العميق، والشهية الجيدة، ويبعث فينا الاقبال على المسرات المتاحة.. وتوضح المؤلفة أن الإنسان العاقل لا يفكر في متاعبه، إلا إذا كان هناك جدوى من ذلك التفكير، وفي الليل لا يفكر في شيء اطلاقًا، فشرط السعادة تنظيم التفكير بحيث نفكّر في كل شيء في وقته المناسب.. تفكيرًا كافيًا. لا أن نفكر تفكيرًا مضطربًا في جميع الاوقات.. فمتى وصلنا إلى قرار، نطرح الموضوع ولا نُتعب ذهننا من غير داع.

تشير المؤلفة في فصل آخر إلى أهمية مراقبتنا لأصواتنا، فهذه الاصوات تحتضن المودة والتسامح وسعة الافق وهي الاساس الذي يترجم عنه الصوت الساحر الشاب على الدوام مهما كانت لهجة الكلام ومناسبته. في فصل آخر تؤكد المؤلفة أن الإيحاء الذاتي- أحد مصطلحات علم النفس- كون ما نُفضي به إلى اللاشعور يتحوّل إلى فعل، تقول: إن عملية الإيحاء الذاتي هو عملية أدخال مما قرره الشعور إلى مملكة اللاشعور، والمثابرة على ذلك إلى أن تستقر البذرة وتتأصل جذورها ثم تؤتي ثمرها تلقائيًا. وعليه لا بأس من أن تقول لنفسك جملة مرات عديدة في يوم واحد هي: "ترقية نفسي هي الأمنية التي أسعى لتحقيقها".. وسترى بعد ذلك أن الآية ستنقلب.. وسوف تجد نفسك مسوقًا من اللاشعور إلى كل ما من شأنه تحقيق هذا الهدف.

المؤلفة تُبدع في حديثها عن اللاشعور ومما تقوله: وطّن نفسك أن تستيقظ في ساعة معينة وسوف يوقظك لا شعورك. وتخلّص في حديثها عن الإيحاء الذاتي إلى أنه لا يحارب الانانية فحسب، بل يقضي عليها، فهو اذن عامل خير أولًا وأخيرًا، إنه قوة تغير بها ما بنفسك من روح التخاذل والشعور بتقدم العمر، إلى روح التفاؤل وتفتح الشباب الحقيقي للحياة الجميلة الراقية النقية من شوائب الطيش وشوائب التداعي والتهدم على السواء.

هناك فصول أخرى لا تقل أهمية في هذا الكتاب الدسم، أكتفي بذكر عناوينها وهي: راقب عينيك، راقب طعامك وشرابك، وقاوم شعورك بالنقص، كونه شعورًا هدامًا. وتقترح المؤلفة اكثر من طريقة لمقاومة هذا الشعور، كما تقترح ألا نكف عن الحب، وتستشهد بقول للشاعر الالماني هايني هو:" أنا أحب.. إذن انا موجود"، وتُنهي كتابَها الرائع هذا بقولها: عش ودع الآخرين يعيشون.. دع المخاوف واستقبل الحياة.. هذا هو شعور الشباب الدائم و العمر الطويل والسعادة الشاملة.. في آنٍ واحد.

 

ناجي ظاهر

 

أزهر هاشم العذاركتابُ "الدين والكرامة الانسانية" يُعيد الإنسان إلى نصابه الحقيقي، ويفكك بنقدٍ معمق مقولة "إن الأديان تسلب الكرامة من الإنسان". هذا الكتاب انقلاب على أنساقٍ عُرفت سابقا بمناهضتها للدين وحمّلتهُ مسؤولية هدر كرامة الإنسان وانحداره. يجعل الرفاعي الكرامةَ هي معيار إنسانيّة الدين، حيث يقول: "المعيارُ الكلّي لاختبار إنسانيّة أيّ دينٍ هو كيفيةُ تعاطيه وإعلائه للكرامة الإنسانية، والموقعُ الذي تحتلّه الكرامةُ في منظومة القيم لديه. إنسانيّةُ الدين تلخّصها نظرتُه للكرامة بوصفها القيمةَ التي تستحضر كلَّ قيمةٍ إنسانيّة، قيمةٍ تتسع لكلّ الحقوق الأساسية... الكرامةُ قيمةٌ أصيلةٌ، إنها أحدُ مقوّمات وجود إنسانيّة الإنسان، حضورُها يعني حضورَ إنسانيّة الإنسان، وغيابُها يعني غيابَ إنسانيّة الإنسان".

الدين والإنسان ثنائية متلازمة، وحضور دائم في جميع كتابات الدكتور الرفاعي، لذلك نجد أنهما شغلا وبشكلٍ مكثف مساحة واسعة في حقل التجربة الدينية والإنسانية التي توافرت عليها كتاباته. يفتتح الرفاعي كتابه الدين والكرامة الإنسانية بقوله: "لا يمكن أن نفهمَ الدينَ قبلَ أن نفهمَ الإنسانَ أولًا، وحاجتَه لمعنى لحياته، وحاجتَه للكرامة والمساوة والحرية. إعادةُ تعريف الإنسان هي المدخلُ الصحيح لإعادةِ تعريف الدين وكيفيةِ فهمه وتفسيرِ نصوصه، بالشكل الذي يصيرُ الدينُ فيه مُلهِمًا للعيش في أفق المعنى".

تقصّى الرفاعي وبدقة في كتابه هذا، وكتبه الأخرى حاجة الإنسان ورغبته للدين، وتوصل إلى كون الدين ليس حاجة نفسية، أو فلسفية، أو حاجة تتطلبها الذات من أجل تسكين حالة الخوف من المجهول، أو صنع اطمئنان كاذب تسعى له النفس هروبا من واقع مؤلم، بل الدين بحسب قراءة الرفاعي حاجة وجودية لا يمكن للإنسان الاستغناء عنها أو استبدالها، إذ يوجد في أصل كينونة الإنسان رغبة وعطش وظمأ انطولوجي للدين، ولا يمكن لغير الدين أرواء هذا الظمأ الوجودي.2616 الدين والكرامة الانسانية

النتيجة التي توصل إليها الرفاعي تتفق مع عدة دراسات نفسية واجتماعية أثبتت أن الدين حاجة وجودية، تولد مع ولادة الإنسان وتتطور بتطور وجوده، وإن الإنسان بلا ارتباط ديني هو وجود مغترب، وحسب تعبير الرفاعي يسقط الإنسان في الاغتراب الميتافيزيقي عن الوجود المطلق الغني بذاته، وينهك الإنسان القلق الوجودي.

هذا الكتاب يثبت أن الدين باعثٌ للمعنى عند الإنسان، فهو يضيف للحاجة الوجودية للدين الحاجة إلى منح المعنى للحياة. الدين إذن ليس حاجة وجودية تقتضيها طبيعة الكينونة الإنسانية فقط، بل هو حاجة تُنتج المعنى لحياة الإنسان، وتنقذهُ من حالات العدمية والشعور بالعبث والضياع والقلق والاغتراب الوجودي.

يعطي الرفاعي في كتابه "الدين والكرامة الإنسانية" للإنسان مركزية في الأرض، تأتي بعد مركزية الله في الوجود، حسب تفسيره لمفهوم "استخلاف الإنسان في الأرض". ويجعل من الاعتراف بمقام الإنسان وفهمه بوصفه مقدمة لفهم الدين، ويطلب الرفاعي وبجرأة كبيرة إعادة فهم الإنسان من أجل إعادة فهم الدين، إذ لا يمكن للدين حسب قرائته أن ينتج معناه ما لم نفهم معنى الإنسان وحاجاته الوجودية.

أفاد الرفاعي في قراءته للنص الديني من نتاجات علم النفس الإيجابي، الذي يؤكد على إيقاظ مكامن القوة في الشخصية، والانهمام بما يبعث ويغذي كل طاقة بناءة محتجبة مثل: تقدير الذات والتفاؤل والأمل، والعطاء والقناعة والإيثار، لذا فهو يؤكد على إبراز جانب الرحمة الذي ينطوي عليه النص، ويعمل على استجلاء مفهوم المحبة، وضرورة استحضاره، وعدم تغييبه في أي قراءة للنص الديني.

إن الإسقاطات النفسية للذات، وإحباطات الحياة المؤلمة، والفهم المغلق للنص الديني هو الذي أدى إلى تسيّد صورة مشوهة ومرعبة عن الدين والإله في أذهان الكثير، إذ إن الصورة التي يرسمها المتشائمون، والمنغلقون تشكل اقترانا بحسب المقاربة النفسية السلوكية، يعمل هذا الاقتران على ردع أي سلوك أو رغبة في الانتماء للدين، أو الاقتراب منه بوصفه فعلاً غير مرغوب للنفس، ولا يتوافق معها. الدين وفقا لتلك الصورة يخلق لدى الإنسان سلوكا مقترنا بالألم والانزعاج والنفور، يُظهر تبعا لذلك سلوكات تجنبية رغبة في تجنب الألم النفسي الناتج منه.

من النتائج المثيرة التي توصلت اليها الدراسات النفسية هي أن سلوك التجنب قد يصل إلى مرحلة مستعصية يصعب معها نقصانه، أو زواله، حتى بعد الغياب التام للمثيرات المنفرة؛ لأنها تتحول إلى آلية دفاعية ذاتية وحتى مضمرة، يتحول فيها التنفير إلى بنية داخلية تعمل على شلّ تفكير الإنسان، وتنفر من أي ممارسة للنقد، أو خروج عمّا هو مألوف، رغبة في السلامة وعدم اهتزاز ما ترسخ وتجذر عندها.

نجح الرفاعي في كتاب "الدين والكرامة الإنسانية" في تشخيص واقع الإنسان وحالات الاستلاب والاغتراب والقلق، واهدار الكرامة التي طالت كيانه، ولا تزال تطاله الاهانة والحط من مكانته، وهو ما تسعى إليه الأنظمة التسلطية دينية كانت، أم سياسية، أم عرقية، وتعمل على ترسيخه في نفس الإنسان وتحويله إلى سلوكٍ طبيعيٍ مقبولٍ بواسطة عمليات الإيحاء والترويض النفسي والتدجين،. الأمر الذي يصل بالإنسان وبتسيد مازوخي إلى الدفاع والاستماتة من أجل تبرير أدوات استلابه، وهدر كيانه، بل يصل أيضا إلى حالة مؤلمة من الشعور بالذنب وتبخيس الذات، واتهامها بالتمادي غير المبرر على السلطات، والمساس بقداستها.

لا يغيب لدى الرفاعي الفهم الفرومي "نسبةً إلى الفيلسوف وعالم النفس اريك فروم" للدين، والذي يرى أن في الدين الإنساني والعقلاني حلاً لكل هذه التشوهات التي أحاطت  بكيان الإنسان وعملت على مسخ كينونته. الدين الذي يُعنى بالإنسان هو الذي يعمل على إنمائه، وتأكيد ذاته، وزيادة فاعليتها، وكشف الإمكانات الإيجابية والطاقات الحية واستثمارها في بناء نوعية حياة جديدة جديرة بالعيش والكرامة.

إن أهم العوامل التي تستبيح الإنسان وتهدر كرامته، وتجعله عرضة للاغتراب الوجودي، هو الفهم المغلق للنصوص الدينية، وقراءتها قراءة نكوصية تريد للإنسان العيش في مرحلة عصر النص، ولا تكترث بطبيعة ظروفه والواقع الذي يعيش فيه، وتسعى من خلال هذه الأوالية الدفاعية إلى إعادة تعميم تلك القراءة على الحاضر والمستقبل، في محاولة بائسة لتجاوز الفشل والإخفاق الذي يحيط بالإنسان وإحساسه المزمن بالغربة عن الواقع، وشعوره بتدني هويته مقابل الهويات الأخرى.

وذلك ما لا يرتضيه الدكتور الرفاعي، إذ يرى أن الدين عملية ديناميكية مستمرة تنتج معرفتها باستمرار بمواكبة تغيير الواقع الذي يعيش فيه الإنسان، وهو كفيل بملء كيان الفرد وحماية هويته الوجودية وفردانيتها، دون الانسحاب للعيش في الماضي أو أسطرته، أو الذوبان في هوياتٍ أخرى توهم بخلق وجود إنساني آخر.

إن جوهر إنسانية الدين بحسب المقاربة التي يتبناها الرفاعي هو حماية الكرامة الإنسانية، فالدين الذي لا يحمي الإنسان بما هو إنسان، ولا يحفظ له كرامته مطابق للايديولوجيا، ولا يتضمن معنى الدين. الدين يحمي الكرامة الإنسانية، ويعمل على تعزيزها وانمائها وتطويرها؛ بوصفها قيمة كونية يشترك فيها الجميع، وأي انتهاك لها يُعدّ انتهاكا لكرامة الجميع.

الدين الذي يُعنى بالإنسان وكرامته يعمل على إعادة قراءة الإنسان لذاته ككيان مستقل يفرض على الآخرين الاعتراف بإنسانيته، وعدم المساس بها، فهو يسهم في جبر هشاشة الإنسان وضعف تكوينه وإنقاذه من حالة الخواء التي ترافقه، ويغذي منابع القوة في الإنسان، ويدعم انتاج المعنى في حياته، ويغلق كل الثغرات التي يمكن أن تُستغل في هدر وجوده والانتقاص من كرامته.

إن الحضور الايجابي الفاعل للدين في توليد معنى الحياة، هو حضوره خارج أنساق الأيديولوجيا المغلقة، الأيديولوجيا تطبع الأفكار بمعنى تنتجهُ من خلال صور متخيلة لا تعكس الواقع. الأيديولوجيا كما يراها الرفاعي تزييف للحقيقة، وهي مرض للدين والتدين.

باختصارٍ شديد ان كتاب "الدين والكرامة الإنسانية" يعيدُ قراءة الدين والتدين بما يضمن حضور الإنسان وكرامته، ويسعى إلى إنقاذ الإنسان والدين معا من حالات الاستلاب والهدر التي طالتهما، بفعل تشكلات معرفية صاغتهما نظرتا الفقه وعلم الكلام للإنسان والدين. الإنسانُ في الرؤية القرآنية كما يرى الرفاعي غيرهُ في رؤية الفقه والكلام، لذلك يجتهد الدكتور الرفاعي في انتشال "الإنسان القرآني"، والتعريف به بالشكل الذي يحرر الدين من الطوارئ والإسقاطات التي لحقت به؛ بفعل عمليات الإغراق الإدراكي الذي يوفر حضورا مكثفا لهدر إنسانية الإنسان واستلاب كرامته.

الرفاعي ومن خلال هذا الكتاب يعيدُ ثقة الإنسان بذاته، ويدعوه لاكتشاف مكامن الجمال في روحهِ والعالمِ من حولهِ، ويدعوه لأن يتعامل مع تراثهِ بعقلانية نقدية، بعيدا عن عمليات التجميل والجذب والإبهار والتفخيم. بعيدا عما يجوز لي أن اسميه الغرق في نرجسية التراث، وتوجيه نزوة الحب لهُ فقط، الأمر الذي يجعل ذات الإنسان خاوية مهدورة فاقدة لكلِ معنىً روحيٍ وجماليٍ سامٍ .

 

د. أزهر هاشم العذاري

دكتوراه في علم نفس النمو، أستاذ في جامعة ساوة، المثنى، العراق.

 

 

2850 فرانشيسكا بللينوبلفظة "دليلDalil  /" العربية تعنون الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا بللينو آخر إصداراتها القصصية المندرجة ضمن أدب الطفولة (منشورات "باروماتز"، نابولي 2021). تبدو "دليل" للوهلة الأولى قصة موجهة للأطفال وربما للناشئة، ولكن القارئ يكتشف أنه يسافر نحو عالم يستعيد أطياف تدمر وزينوبيا، عبر لغة مفعمة شاعرية، لا تراعي كثيرا الفوارق بين الطفل والكهل. إذ تستدرج بللينو القارئ إلى عالم خيالي رحب، تروي من خلاله كثيرا من الحكايات بقليل من الكلمات. وتعتمد في ذلك لغة رمزية تحاكي لغة التصوف، تَجول بالقارئ في مدينة تطلّ على العالم دون أن يراها العالم. المدينة هي في الواقع ملتقى حضارات قديمة، من تلك المدن التي رسمت مسار طريق الحرير. تقول فرانشيسكا بللينو: وُلدت هذه القصة لديّ من حسّ الانتماء إلى تدمر.. فهي دَيْن عليّ، وفاء لذاكرة سوريا وقداستها..2849 دليل

نشير إلى أنّ فرانشيسكا بللينو هي كاتبة إيطالية تدور هواجس الكتابة لديها حول التمازج الثقافي، العربي الغربي، صدرت لها مجموعة من الأعمال الأدبية والشعرية منها رواية "على قرن الكركدن" المترجمة إلى العربية (منشورات المتوسط 2021)، وفازت بجائزة "كوستا دامالفي ليبري" 2014 وجائزة "ماريا تيريزا دي لاشيا للرواية" 2015.

 

 

ناجي ظاهرأتيحت لي في الايام الاخيرة الماضية، قراءة كتابين يتعلّقان بالعيش المطمئن، وعيش الحياة في شباب دائم. تعود قراءتي لهما لسببين احدهما يتعلّق بما سبق واجمع عليه الكثيرون، وهو أن المرء بعد الاربعين، يشرع بالاهتمام بصحته بصورة ازود مما سبق واهتم بها سابقًا، والآخر هو توفر هذين الكتابين لدي، علما انني اولي حالتي الصحية اهتمامًا كبيرًا منذ فتحت عيني على هذه الحياة، معتمدًا على ساعة بيولوجية.. احملها ليل نهار وانصاع لما تؤشر إليه وتأمر به.

هذان الكتابان هما بالترتيب وفق قراءتي لهما: "عش شابًا طوال حياتك" تأليف الدكتور فيكتور بوجو موليتز، والثاني هو "عش مطمئن النفس"، تأليف الدكتور فرانك س. كابريو. لن اقدّم هنا قراءة لكل من هذين الكتابين، وانما سأكتفي بقراءة في كل منهما، وهذا يعني انني سأتوقف عند اهم النقاط التي أثارتني في كل منهما، ولن اتوقف عندها كلها وبصورة موسّعة كما قد يتوقع بعض الاخوة القراء، ويعود اختياري هذا إلى سببين احدهما أن النشر في وسيلة اتصال اجتماعية لا يتحمل بصورة عامة القراءة الموسعة، شأن المجلات والصحف الورقية، والآخر انني اعتقد ان من سيقبل على قراءة هذا الكلام قد يهمه ما همني من نقاط، وذلك لاعتقادي انه يعيش ظرفًا مشابهًا لذاك الذي اعيشه.. ألم ير العديدون من الكتاب وانا منهم اننا انما نكتب لأناس يشبهوننا ونود ان نشاركهم في العادة بما نحب ونرغب؟

هذان الكتابان صدرا ضمن السلسلة الثقافية الشعبية واسعة الانتشار" كتاب الهلال"، وهي من ابرز السلاسل الثقافية التي يُقبل عليها وعلى اقتناء كتبها وقراءتها الكثيرون من الناس المهتمين في بلادنا وفي عالمنا العربي المحيط بنا ايضًا. مع التنويه أن ما تقوم هذه السلسلة بانتخابه وترجمته إلى لغتنا العربية يعتبر من الاصدارات الهامة والرائجة في العالم، علمًا انها قدمت وتقدّم مؤلفات لكتاب عرب لا تقل اهمية، ويكفي أن أشير إلى أن اصداراتها تضمنت كتبًا عرفها العالم في العديد من اصقاعه منها الكتاب المشهور" الرجل من المريخ والمرأة من الزهرة" للكاتب الامريكي ذائع الصيت جون غراي.

عش مطمئن النفس

يفرّق مؤلف هذا الكتاب، في فصوله الاولى، بين الانسان السويّ والانسان غير السوي، او العُصابي، ويرى أنه في حين أن الانسان السويّ يتعامل مع الحياة بوضعية واقعية لا تشطح بعيدًا عن الواقع وتتأقلم معه ومع ما يمور فيه من مستجدات، فإن الانسان العُصابي يتصف بالحساسية المفرطة، ويعيش حالةً من الصراع بين اناه او ذاته وضميره، ويوضح أن الشخصية السوية تتصف بالعديد من الصفات هي: القدرة على إثبات النضج العقلي، القدرة على تقبّل الواقع، القدرة على مسايرة الناس، القدرة على حب الغير، وامتلاك فلسفة ووجهة نظر ناضجة في الحياة، ويؤكد المؤلف أنه بإمكان العُصابيين، أن يعودوا بعد تلقي العلاج النفسي الملائم، ليكونوا اسوياء، يمارسون حياتهم بكل هدوء وطمأنينة، أما بالنسبة للعصابيين وهم من يخصص لهم ولدراستهم جل صفحات كتابه، يقول المؤلف انهم في اغلب الاحيان يكونون ذوي ضمائر متيقظة ومثالية عظيمة وطيبة مبالغ فيها، مضيفًا ان العصابيين عادة ما يمتلكون شخصيتين فهم يبدون في الظاهر بشخصية مقنعة دفاعية في طبيعتها وهي عادة ما تكون محبوبة، على انهم في اعماقهم يدفنون كل الصفات التي تجعلهم اناسًا ظرفاء، وينوّه أن التاريخ عرف العديد من هذه الشخصيات التي اتصفت بالعظمة في مجالات العلوم والفنون المختلفة، ويقول مخاطبًا القارئ إنه بإمكانه أن يتصادق مع هؤلاء العصابيين وأنه بإمكانه، اذا ما بذل مجهودًا لفهمهم وتمكّن من مسايرتهم، أن يجد لديهم قلوبًا طييبة كون بعضهم يمتاز بموهبة فنية وكون اغلبهم قادرين على أن يسدوا للحياة نفعًا عظيمًا. ويتحدث عن العداء الذي يظهرونه رامين به الآخرين، فيقول إنه عداء مصطنع، مضيفًا انه اذا كان بكاؤهم قريبًا وشكواهم لا تنتهي، فإنهم إنما يفعلون هذا لفتًا للأنظار وطمعًا في أن يشعروا أنهم مرغوبون ومحاطون بالأمن والحماية.. إنهم اطفال في حقيقتهم يتشوقون إلى من يحيطهم بالحب والتفهم.

يُقدم المؤلف في كتابه هذا، العديد العديد من القصص التي تُثبت ما يراه، ولفت نظري في فصل تحدّث فيه عن الاضطرابات العصبية والعقلية ما قاله عن دور الاضطرابات العقلية في الجنس والانتحار، عن الجنس يقول إنه ليس السبب المباشر لدى العصابيين، وإنما هو الشعور بالذنب المصحوب بنشاط جنسي، وما يستتبعه من قلق، منوهًا إلى أن النساء اللواتي لا يمكنهن الرضاء من صلتهن بأزواجهن، غالبًا ما يصبحن عصبيات سريعات الغضب. أما فيما يتعلّق بالانتحار فإن المؤلف يطرح رؤية عميقة مفادها أن الرغبة في الانتحار تعود في العادة إلى سنوات بعيدة جدًا موغلة في حياة صاحبها، أما السبب/ القشة التي تقصم ظهر البعير، فهي عادة ما يتم الحديث عنها، مثل الترك والهجر او الافلاس وما اليهما.

يقترح المؤلف على قارئه العديد من الاقتراحات البناءة منها: ألا يدع اعصابه تنزل به العقاب، أن يتحرّر من الخوف، وان يسلك نهجًا جنسيًا سويًا لا افراط فيه، كما يقترح عليه أن ينتهج اسلوب التفكير الايجابي، ويقترح عليه وضع خطة يمكنها اسعاده مكونة من نقاط هي باختصار شديد، 1: أن يواجه الحقيقة فيقوم بواجبه والتزاماته برباطة جاش وألا يأخذ مشاكله مأخذ الجد والتزمت، فلا تهزمه احزانه. 2: الا يحاول ان يصيح مدمن قلق وأن يضع نصب عينيه أن تسعين بالماءة مما يثير قلقنا لا يحدث البتة 3: الا يكون انانيًا فيستغل اصدقاءه وألا يصنع جميلًا وهو ينتظر الجزاء، ذلك أن السعادة الحقيقية إنما تأتي من الرضاء النفسي الناشئ عن معاونة الآخرين وتقديم التضحية دون انتظار الجزاء في المقابل. 4: أن يبتعد عن الركود، ويتمثل هذا في أن ينفس عن نفسه بضروب من التسلية وفي وضع اهداف يسعى لتحقيقها، إضافة للتسلح بالحماسة. 5: تعزيز الثقة بالنفس، ويتجسّد هذا في توطين النفس على الانتصار ويستشهد بهذا فيما قاله داروين وهو: أن الذين يستطيعون الانتصار هم الذين يعتقدون أنهم يستطيعون".6: الابتعاد عن النرجسية والعشق الذاتي، ويفصل هذا بقوله، ألا تنشد الشهرة بطرق ممقوتة، فالأشخاص المغرورون يفقدون اصدقاءهم بسهولة ويسر، ويقترح أن تتمتع بالتواضع تلك الصفة التي كانت وما زالت طبيعية لدى معظم او كل النوابغ الرجال وعباقرتهم، فالناس يتقبلونك على حقيقتك وليس على ما تحاول الظهور به. 7: الا تكون منطويًا على ذاتك. وان تنسى نفسك متجنبًا أن تصبح "عاطفيًا" بكاءً، ويقول إن الرثاء للذات لا يؤدي إلا إلى الشعور بالكآبة، مقترحًا أن تثقف نفسك على السعادة.8: أن تكون متسامحًا، بمعنى أن تهدئ عواطفك عبر طريق ضبط النفس والنظر إليها نظرة ذكية، وأن تروّض نفسك على احتمال المحيطين بك، إضافة إلى تجنب جمود الشخصية كما تتجنب المرض، وألا تحكم على الناس يجنسهم او دينهم او رصيدهم البنكي،، بل بصفاتهم واخلاقهم.9: الابتعاد عن الكراهية، وتعلُّم الصفح والنسيان، ذلك أن الكراهية هي" المادة" التي تصنع الشقاء والتعاسة، يؤكد المؤلف انه يوجد هناك ترياق وحيد لمعالجة الكراهية هو الحب..

اقوى ما يملكه الانسان.

عش شابا طوال حياتك

يفتتح الكاتب مؤلفه هذا بالقول إن هدفه من تأليفه له واضح، وهو بيان مدى ما يستطيعه علم الحياة الحديث من حلول لمشكلة الشيخوخة، وبيان ما القي على عاتق العلماء من مسؤوليات ذلك الموضوع الخطير، ويتخذ المؤلف شعارًا/ نبراسًا لنفسه في هذا المجال البحثي هو " بذل اقصى المجهود وعمل كل ما هو ممكن للوصول إلى الهدف المنشود". ويميّز المؤلف بدايةً بين أن نشيخ وبين أن تشرع الشيخوخة في الدب بأجسامنا، فمن شاخ فقد بلغ مرحلة من العمر يصعب النكوص عنها، أما مَن هو في الطريق فبالإمكان تأخير وصوله إلى الشيخوخة. كيف يتم هذا؟ ينطلق المؤلف من أن الجلد/ جلدنا، هو عمرنا، وهو في الآن ذاته، احد منافذ الاذى التي تتسرب عبرها المركبات الجرثومية والطفيليات إلى داخل اجسامنا، وهذه المنافذ هي: الفم، الاغشية حول العينين، الحلق والانف ومسام الجلد. وهنا يخفف المؤلف عمّن يؤمنون بعامل الوراثة ايمانًا اعمى فيقول: المهم من وجهة نظر الطب الظاهري (وهو طب يُقعّد له ويدعو إليه في كتابه هذا)، هو تطور حياة الشخص، عضويًا ونفسيًا منذ مولده، أما ما قبل ذلك، يقصد الوراثة، فانه يعتبر مسألة ثانوية جدًا.

يتطرّق المؤلف إلى الجانبين العقلي والجسدي، في المحافظة على شباب دائم، يقول فيما يتعلّق بالجانب العقلي، ان اطالة امد الشباب وامد الحياة لجسمنا يتوقّفان على حالة العقل والنفس، وهذه الحالة تتوقف على سلامة الغُدد العصبية ونشاطاتها. ويضع المؤلف أسس الطب الظاهري الذي يعتبر من اعلامه، بعدها يتحدّث عن " فنّ الحياة"، مقدمًا وصايًا يقسمها إلى مجموعتين تلك الخاصة بالصحة البدنية واختها الخاصة بالصحة النفسية، بما أن هذه الوصايا هي اكثر ما يمكن أن يستفيد منه القارئ، فإنني اركّز عليها فيما يلي واحاول أن اقدم تلخيصًا لها، أرجو ألا يكون مخلًا.

يؤكد المؤلف في مستهل وصاياه أنه لا انفصال بين البدن والعقل – الروح-، ويقول إنه يجب اعتبار هذين العنصرين شيئًا واحدًا.. وكلًا لا يتجزأ. فأي تدخل تعسفي منك في حياة احدهما يؤدي لفقدانك توازنك، ويُشدّد على اهمية احترام الانسان لبدنه، كما يدعو إلى الحرص على الارتياح النفسي من اجل شباب دائم. مشدّدًا على عدم التطرف في النشاط الجسمي كونه ضارًا جدًا، فقد زوّدت الطبيعة الانسان بقدرة على ضبط النفس كي تمكّنه من وضع حد لملذاته على انواعها المختلفة. بعد هذا يتمحور في العديد من النقاط أولها العناية بالجسم، ويبتدئ بالاستيقاظ مقترحًا عدم العودة إلى السرير بعد مغادرته صباحًا، ومشيرًا إلى أن الانسان يحتاج عادة إلى سبع او ثماني ساعات من النوم. ويقترح المؤلف عدم المبالغة في الاستحمام، واستعمال المواد الكيماوية، والاكتفاء بالاغتسال مرتين في الاسبوع، منوهًا إلى أن الاستحمام صباحًا مستحسن غير أن الاستحمام مساء اعظم فائدة. وينصح المؤلف بالتنفس من الانف، منوهًا إلى أهمية تنظيفه، كما ينصح بالتمرينات الرياضية، والمشي الصحي ملمحًا إلى انه ينبغي ألا يكون بسرعه، ويقول تكفي ساعة من المشي كل يوم، فيما يتعلّق بالطعام يقترح المؤلف الهضم الجيد وغير المعتل لأنه من اهم ما يكون فيما يتعلق بإطالة العمر. كما يقترح تجنب تناول اللحوم قدر الامكان والاقبال على الخضروات والحبوب، ويرى أنه علينا عدم تناول الطعام حتى التُخمة فهي مُضرة، وتفريغ الامعاء مرة كل اربع وعشرين ساعة على الاقل. فيما يتعلّق بالنشاط الجنسي يدعو المؤلف إلى الاعتدال وعدم الافراط.

في فصل تحت عنوان "الترويح والاستمتاع"، وهو الأخير في كتابه تقريبًا، يقول إن القاعدة الذهبية في الرياضة هي القاعدة ذاتها في الطعام، ويقترح التزام الاعتدال وتجنب الافراط، إلى حدّ الشبع او الاجهاد، ويؤكد أن الرياضة المعتدلة منذ الطفولة وقاية ناجعة من السمنة والتشوه في القامة شريطة ألا يعتزلها مُمارسها فيما بعد.. فيترهل.

فيما يتعلّق بالتدخين يقترح المؤلف الاعتدال في ممارسته، أو الابتعاد عنه في حال اقتضاء التشخيص الطبي تحريمه اطلاقًا. اما فيما يتعلق بالفن يقول المؤلف إن الفن الامثل بالنسبة لك هو ذاك الذي يلهبك بالحماسة ويملأ نفسك بالاغتباط، فهو مصدر الراحة والانتعاش كما انه مصدر لطاقة جديدة أي لتجديد شباب عقلك وبالتالي شباب بنيتك. في حديثه عن السينما ومشاهدة افلامها يقول المؤلف إن الافراط في مشاهدة الافلام يحدث تعبًا عصبيًا وتعبًا عضويًا في العين خاصة وتوترًا عامًا .. فلا تفرط في مشاهدتك لها.

في حديثه عن القراءة وأهميتها كعلاج للنفس المتعبة، يورد المؤلف عددًا من الاقتراحات الجديرة بالنظر، فهو يرى أن القراءة تعتبر العنصر الاقوى بين عناصر التغذية الفكرية والتشكيل الوجداني لدى جميع الطبقات وجميع البلدان. ويرى المؤلف أن كيفية القراءة أهم بكثير من كميتها، كما يقترح عدم قراءة الكتب التي تجهد الذهن، والاكتفاء بقراءة ما يهمك من فصول الكتاب، اذا احببت طبعًا، ويؤكد أن الذوق الجمالي والادبي موهبة فطرية لا يكتسبها الانسان بالقراءة.. بيد أن القراءة مع فقدان تلك الملكة تفيد فائدة لا شك فيها بالعمل على تحقيق التوازن النفسي والشخصي وفي زيادة النضوج في حدود الفطرة الاصلية.

 

ناجي ظاهر

 

 

محمد التهامي الحراق

يعتبر إصدار د. عبد الجبار الرفاعي لكتاب جديد حدثا معرفيا بالمعنى المستوفي لهذا التوصيف، فقد أتيح لي أن اطلع على جل أعماله؛ مثل "إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين"، و"الدين والظمأ الأنطولوجي"، و"الدين والاغتراب الميتافيزيقي"، وصولا إلى الكتاب الأخير الذي نقدمه هذه الورقة، أعني: "مقدمة في علم الكلام الجديد"؛ فضلا عن اطلاعي على عدد من تقديماته ومراجعاته، وعلى نشاطه المتّقد في مجلة "قضايا إسلامية معاصرة" و"مركز دراسات فلسفة الدين"...؛ اطلاع أظهر لي حجم العمل الكبير الذي يقوم به الأستاذ الرفاعي، ضمن جبهة تجديد التفكير الديني اليوم، وخصوصا تجديد علم الكلام. من هنا، أهمية كتابه الجديد؛ وهو إذ يسمه بـ "مقدمة في علم الكلام الجديد"، فهو يدرك المسار المعرفي الطويل والعميق الذي يتطلبه الانتقال من علم الكلام التقليدي إلى علم  كلام جديد، الأمر الذي جعله، ومنذ الصفحات الأولى، ينتقد في كتابه من يحمل شعار علم الكلام الجديد فيما هو يكرر المحتوى القديم.

الأستاذ الرفاعي، ودفعا لهذا الالتباس، يطرح في كتابه الجديد معايير وعلامات المتكلم الجديد المعرفية والمنهجية والرؤيوية، وذلك بوضوح نادر، ورصانة علمية أبعد ما تكون عن الحرتقة أو التلفيق، مع استشراف مؤسِّس ومؤصَّل، يستحضر من خلاله معالمَ قصورِ علم الكلام التقليدي، والمواقفَ المرتبكة التي يوقعنا فيها اعتمادُه في تناول أسئلة اللحظة المعاصرة. يعود د. الرفاعي في تأصيل هذا الاستشراف إلى محاورة المحاولات السابقة للتأسيس لهذا الأفق، ولا سيما مع رواد مدرستي الإسلام الهندي (ولي الله الدهلوي، سيد أحمد خان، ثم محمد إقبال وفضل الرحمن....).

لقد أكدت لي القراءة الأولية لهذا العمل العلمي الجاد ما سبق أن أدركته منذ بداية اطلاعي على أعمال الأستاذ الرفاعي؛ أكدت لي أن  تجربة عبدالجبار الرفاعي الفكرية تستحق الإصغاء والاهتمام؛ ذلك أن الرجل ذو تكوين تقليدي وحداثي متين، ولا ينطلق من رؤية طائفية، ولا من انغلاقية مخاتلة، وينفتح على محاورة كل المشاريع الفكرية التجديدية في عالمنا الإسلامي في الجناحين السني والشيعي؛ مثلما يؤسس لرؤية معرفية إيمانية تستلهم الفلسفة والعرفان الإسلاميين والمعارف الفلسفية واللاهوتية والمنهجية الحديثة المختلفة، للذهاب نحو أُفق جديد لعلم الكلام في المرجعية الإسلامية. وهو بهذا الاعتبار يشتغل في العمق، مثلما يتسم عملُه بجرأة معرفية مسؤولة أصبحت شبه مفقودة في مجالنا الثقافي العربي والإسلامي، أمام سيادة أشكال التطرفات "الفكرية" سواء منها التي تتذرع باسم الدين أو تلك التي تسعى إلى استئصال الدين.

ضمن هذا المنظور، تبرز أهمية كتاب: "مقدمة في علم الكلام الجديد"، إنها أهمية تنطلق من مكانة وتجربة الرجل، ومن قدرته على تبديد التباس المفاهيم، وتوضيح أفق الرؤية المنشود. فمنذ الصفحات الأولى للكتاب الجديد نجده يقف، مثلا، عند التمييز بين "علم الكلام التقليدي" و"علم الكلام الجديد"، وكذا عند التمييز بين هذا الأخير و"فلسفة الدين"،  مع تبيان المساحات المعرفية والروحية والأخلاقية والجمالية التي يفتحها علم الكلام الجديد، خصوصا وأساسا، بما هو أفق جديد لفهم الوحي، وقراءة النصوص الدينية من داخل الإيمان الديني، معتبرا هذا شرطا من أجل إدراج اجتهاد ما ضمن نعت علم الكلام الجديد. يكتب الرفاعي: "إن كل من يقدم تفسيرا جديدا للوحي، بشرط أن يكون مؤمنا بمصدره الميتافيزيقي، يمكن أن يصنف تفسيره على أنه علم كلام جديد، أما من يقدم تفسيرا جديدا للوحي لكنه لا يؤمن بالله، أو يؤمن بالله ولا يؤمن بالمصدر الإلهي للوحي والنبوة والقرآن، فهو ليس متكلما جديدا، يمكن أن يكون فيلسوف دين؛ لأن المتكلم غير فيلسوف الدين، فيلسوف الدين يفكر خارج إطار الدين، أما المتكلم فيفكر في إطار الإسلام، كاللاهوتي في كل دين وحياني الذي يفكر في إطار الدين، وإن كان يستعير مناهج بحثه مما أنجزته العلوم والمعارف البشرية" (د.عبد الجبار الرفاعي، " مقدمة في علم الكلام الجديد"، دار التنوير، بيروت _ مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، ط1، 2021، ص،9).

2846 علم الكلام الجديد

 يستند هذا الكتاب، كما أومأنا، إلى رؤية واضحة قوامها اقتناع معرفي رئيس ومؤسس، هو قصور علم الكلام التقليدي عن الإجابة عن أسئلة المسلم المعاصر، بل والإنسان المعاصر بوجه عام، وذلك  بسبب انتماء مقولات ذاك العلم القديم إلى نظام معرفي مغاير لما صار إليه النظام المعرفي في السياق الحديث والمعاصر. وهو ما يجعل تلك المقولات مثل وَرِقِ أهل الكهف فاقدة الصلاحية، مفتقرة للسياق الذي يمنحها حياتها المعرفية والتاريخية. يكتب الرفاعي منبِّها لذلك، وموقظا الوعي بتقادم مقولات المتكلمين التقليديين: "تعكس مقولاتهم الكلامية عقلانية عصرهم، ودرجة تطور العلوم والمعارف، ومناهج التفكير، وأدوات المعرفة، ومستوى الوعي البشري، ونمط التمدن. في ضوء ذلك لا يصح النظر إلى آراء النظّام أو الأشعري، أو الماتريدي، أو المفيد، أو الطوسي، أو القاضي عبد الجبار، أو الغزالي، أو الفخر الرازي، أو ابن تيمية، أو غيرهم من المتكلمين، بوصفها آراء أبدية، والتمسك أسئلتهم وأجوبتهم بوصفها أسئلة وأجوبة نهائية"، (ص،15).

إن إضفاء الطابع التاريخي على آراء الفرق والمتكلمة القدامى، هو مفتاح رئيس لمشروعية أي حديث عن تجديد علم الكلام، مع الوعي التام بعدم المماهاة بين تلك الآراء الاجتهادية والنسبية والتاريخية في الفهم، وبين الوحي الإلهي المطلق والمتعالي الذي يشكل منهلا لا ينضب للاستمداد  المعرفي، وأفقا لا ينقضي للحوار العقلاني والروحاني المتجدد. فالوحي يمثل مصدرا أبديا ما يفتأ ينتج  معنى دينيا متجددا، فيما علم الكلام التقليدي قد جمد على معنى ديني؛ لم يعد يطرح أو يجيب على أسئلة وإحراجات العقل المسلم المعاصر. يكتب المؤلف: "لا يمكن للمعنى الديني الذي ينتجه علم الكلام القديم إرساء أسس للعيش المشترك بين مختلف الأديان والثقافات، وبناء علاقات دولية سليمة تحقق المصالح المشتركة بين الشعوب؛ إذ لا تصلح المقولات الكلامية الموروثة منطلقا للحوار  الصادق المنتج  بين الأديان، الذي لا يمكن أن يؤتي ثماره إلا بالإيمان بالحق في الاختلاف، وتبنيه أصلا في أي حوار وتفاهم ونقاش مع المختلف في الدين، والعمل على اكتشاف ما هو جوهري في كل دين"، (ص.17). والأستاذ الرفاعي يشير هنا إلى الإحراجات التي تضعنا في مآزقها اليوم مقولات كلامية موروثة مثل مقولة الفرقة الناجية، وأحكام أهل الذمة، والردة، ونجاسة غير المسلم... وغيرها.

لا يعني هذا المنحى الذي يتبناه الرفاعي حيال المقولات الكلامية الموروثة أنه من أنصار القطيعة الجدرية مع الميراث المعرفي والروحاني الإسلامي، أو أنه من دعاة الانسلاخ التام عنه أو نسيانه بشكل كامل وشامل؛ بل إنه مع الجمع بين الاستفادة النقدية من هذا الميراث، بعد التمكن من علوم الأقدمين واستيعاب مسالكها المختلفة، يكتب الرفاعي: "لا يقطع علمُ الكلام الجديد كليًا مع التراث، بل يحاولُ أن يستوعبَ ما هو حيّ في عقلانيته"، والاستفادة النقدية من مختلف الفتوح المعرفية والمنهاجية الحديثة دون عقدة أو مركب نقص، وهو ما من شأنه أن يجدد العقل المسلم، ويجعله قادرا على إنتاج أفق جديد في فهم الوحي ينتمي إلى روح الدين، ويستجيب للسياق المعاصر معرفةً وتاريخا وإشكالاتٍ ورهاناتٍ وتطلعات. يقول المؤلّف: "لا يمكن تجديد علم الكلام من دون دراسة وبحث يستكشف مسالك التراث الكلامي المتنوعة، واستيعاب مقولات وآراء المتكلمين المختلفة. وبموازاة ذلك يتوقف تجديد علم الكلام على تمثل روح العصر، والانفتاح على المكاسب الهائلة للعلوم الراهنة، خاصة العلوم الإنسانية، والتخلص من الحساسية والوجل والعقدة في التعامل مع معطيات العلم الحديث، فإن بعض العلوم الإنسانية تطورت لدرجة توازي تطور العلوم الطبيعية والعلوم البحتة والتطبيقية في الغرب"، (ص،161).

نجد الأستاذ الرفاعي، وبقدر ما يحتفي بمعارف فلسفة العلم، والهيرمينوطيقا، والسميائيات، والأنتروبولوجيا، وعلم الاجتماع، وغيرها من علوم الإنسان والمجتمع الحديثة؛ بقدر ما نجده يعيد الاعتبار لبعض الإلماعات العرفانية الكونية في ميراثنا الإسلامي، كما نجدها مثلا عند الشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي أو مولانا جلال الدين الرومي، مثلما نجده يستحضر بعض الرؤى الإنسية والفلسفية والعقلانية المنسية في ذاك الميراث لإعادة استثمارها في أفق قرائي يشيِّد فهم الدين على عقلانية زماننا، مع إعادة الاعتبار في هذا الفهم لقيم المحبة والروحانية والجمال ومكارم الأخلاق، ومحورية تكريم الإنسان، كما يدل على ذلك عنوان كتابه الجديد الآخر: "الدين والكرامة الإنسانية". يقول الرفاعي: "كما لا يقطع علمُ الكلام الجديد كليًا مع التراث، يسعى لأن يستخلص ما أشرق به العرفانُ من رؤى واستبصارات تفتقر إليها حقولُ التراث الأخرى. العرفانُ كنزُ الأديان، وعصارةُ معناها الروحي والأخلاقي والجمالي، لذلك يحرصُ الكلامُ الجديد على توظيف رؤية العرفاء لنمط الصلة بالله، المؤسسة على المحبّة المُتبادَلة بين الله وعباده، ويستأنفُ مقولاتِهم في النجاة والخلاص، ليكسر احتكارَ الرحمة الإلهية، والادعاء باختصاص النجاة والخلاص بديانة أو فرقة أو طائفة دون سواها". هذا الوعي المنهاجي النقدي الذي ميز عمل الرفاعي في هذا الكتاب، وهو الذي جعله يُسهم في إيقاظ المعنى القيمي في الكلام الجديد، ومَكَّنَهُ من أن يرصد بجلاء معالم القصور في علم الكلام التقليدي؛ والتي من بينها هيمنة المنطق الأرسطي، والنزعة التجريدية أو الفصام بين النظر والعمل، وتفريغ علم الكلام من مضمونه الاجتماعي، وسيادة التقليد مع تراجع دور العقل، ونسيان الإنسان، والتربية على الخوف وترسيخ العبودية الطوعية، ونسيان القلب والعاطفة الدينية، والافتقار للمضمون الأخلاقي، والخلط بين النص وقراءاته، واعتماد الطبيعيات الكلاسيكية؛ وهي معالم بسطها المؤلف بدقةٍ في بالتفصيل في الكتاب.

وهنا، أراني مُلزَما أخلاقيا ومعرفيا بالإدلاء بشهادة؛ فقد اطلعتُ على العديد من أعمال "المجدّدين" في الفكر الإسلامي المعاصر؛ لكنها، وعلى الرغم من المزايا العظيمة لبعضها، لم تكن تقنعني؛ لغياب وضوح الرؤية، وافتقاد جرأة التجديد من الداخل، والافتقار لسلاسة المنهج. فهذا يُشعركَ بأن عمله هو تبريز للمنهج أكثر مما هو إضاءة للموضوع المدروس، وهذا يذهب باسم جذرية النقد إلى نسف الإيمان باسم "الموضوعية العلمية"، دون أن يُقْدِرَك على امتلاك قدرتِك الخاصة والمستقلّة على التفكير، وهذا يتبنى باسم "التجديد" لغةً "علمية منطقية" مقعَّرة إلى درجة التعقيد والإغماض، فيما هو وفي أحايين شتى ينتج القديم في ثوب لغوي جديد، دون أن يمس تجديده الروح والجوهر؛ وهذا يُبشّر بآفاقِ "مشروعه النقدي" المُخَلِّص، فيما هو يرسم الخطوط والبرامج دونما انخراط مثمِر وكاف ومقنع في الإنجاز، وهذا يُشظِّي بنية العقل العربي، يستبقي منها أجزاء ويلفظ أخرى، فيما هو ينسف تكاملية المعرفة الإسلامية، وينكرُ دينامية تفاعلها التاريخي مع محيطها الثقافي المتعدد منطلقا في ذلك من مفهوم وهمي ولا تاريخي للهويةِ؛ وغيرهُ تشعُر بفقرٍ في معرفته بالعلوم الإسلامية أو فقرٍ نظير في المعارف العلمية والمنهجية الحديثة، أو سرعة غير حذرة في إسقاط رؤية إحداهما على الأخرى.

بخلاف هذا وذاك، تُعد أعمال عبدالجبار الرفاعي واحدةً من ألمعِ المسارات البحثية التجديدية في الفكر الإسلامي المعاصر، والتي شدَّتني إليها؛ فقد وجدتُ في كتاباته خمسة أمور جاذبة على الأقل؛ أولها: النَّفَس الإيماني الصريح والواضح، وهو نَفَسٌ قرآني مثمر يحوِّلُ الإيمانَ إلى أداة استبصار معرفي ووجودي، مما يُحرّرُ أعمال الأستاذ الرفاعي من تلك المقابلة الوهمية التي تناقِضُ بين المقاربة الإيمانية والمقاربة العلمية، بل ويدرأ عن فكرهِ الالتباسَ الذي يقع فيه غيره على هذا المستوى؛ الأمر الثاني: هو الجمع بين معرفة عميقة ومتينة بالعلوم الإسلامية الموروثة، وبين انفتاح نقدي رصين على المعرفة الفلسفية الحديثة، وخصوصا ما تعلق منها بالمعارف اللاهوتية وفلسفة الدين؛ أما الأمر الثالث: فهو التفاعل الإيجابي والنقدي مع كل المشاريع الفكرية المطروحة في هذا الباب دون إقصاء أو عقدة اعتراف، بعكسِ الغالب في علاقة أصحاب المشاريع التجديدية الكبرى فيما بينهم؛ الأمر الرابع: خفوت الصوت الإيديولوجي في أعمالهِ قياسا إلى السؤال المعرفي الإبستيمولوجي والسؤال الإيماني الأنطولوجي؛ أضف إلى ذلك أمرا خامسا: هو ما أسميه بـ"الاستعادة النقدية للميراث العرفاني والفلسفي"، مما لا أجد له أثرا تأسيسيا واضحًا في أعمال جمٍّ من المجدِّدين منذ محمد إقبال. وهي أمور تجعلك إزاءَ مفكر حقيقي؛ مفكرٍ لا يريد أتباعا وإنما رفقة صالحة في المعرفة، تطوِّر الأفكارَ وتوسِّع الأفق، عنوانُ الوفاء فيها المراجعةُ النقدية الدائمة، والتجاوزُ المستمرّ لمزالق الرفقة طلبا للحقيقة بتعدد أوجهها ولا نهائيتها.

وإجمالا، فإننا لا نروم في هذه الورقة الوجيزة تقديمَ قراءة موسَّعَةٍ ومعمَّقة لكتاب "مقدمة في علم الكلام الجديد"، أو استيفاء القول في المسار المعرفي للأستاذ الرفاعي، بقدر ما نرومُ التنبيه إلى أهمية الكتاب في هذا المسار، وما يطرحه من مقدمةٍ نفيسةٍ تؤسسُ للتفكيرِ في علم كلام جديد، بل وتنخرط في بنائه؛ مقدمةٍ تَنظر لهذا العلم بوصفه أُفقا متجددا لفهم الوحي، كفيلا بالذهاب بهذا الفهم نحو إنقاذنا من نوعين من الغلو متواطئين موضوعيا كما أسلفنا؛ أحدهما: يغلو في  تجميد المعنى الديني، وكأنهُ فُهِمَ مرة واحدة ثم أغلق باب الفهم إلى الأبد، وثانيهما: يغلو في الإقصاء التام لأي معنى ديني تجفيفا للوجود من الغيب وللعالم من التعالي؛ فضلا عن كون هذا الكتاب يتوِّج مسارا من البحث الجدي والجاد الممتد على أكثر ثلاثة عقود.

ها هنا، تبرز أيضا أهمية أُفقِ الكتاب، وتظهر الحاجة مسيسة إلى محاورة أفكاره، والتفاعل النقدي معه، طلبا لسفر مفتوح في هذا الأفق الاستثنائي الواعد، الذي يفتحه لنا د. الرفاعي، وتحتاجه بقوة لحظتنا الإسلامية المعاصرة؛ بل يحتاجهُ ذاك السعي التحريري للإنسان المعاصر بوجه عام، سعي ما فتئنا نؤكد عليه من أجل التحرر من إحراجات "ألهُنا" و"الآن"، تَحَرُّرٌ نريده بنَفَس عقلاني إيماني، نتحَرَّرُ فيهِ بالدين لا من الدين.

  

د. محمد التهامي الحراق

المغرب.  أُستاذ في الإسلاميات والتصوف،

 

احمد بابانا العلويقراءة في كتاب الأستاذ عبد الاله بلقزيز "الفتنة والانقسام"

خصص الاستاذ عبد الاله بلقزيز ضمن مشروعه الفكري التأ ريخي النقدي للتراث الإسلامي..سلسلة من المؤلفات الهامة تناول في بعضها اشكالية تكوين المجال السياسي الاسلامي.. والجدير بالذكر في هذا المقام كتاب "الدولة والدين في الاجتماع العربي الاسلامي وكتاب االدولة والمجتمع جدليات التوحيد والانقسام ثم كتابيه في تكوين المجال السياسي الاسلامي الاول بعنوان النبوة و السياسة والكتاب الثاني بعنوان الفتنة والانقسام(ط/3/عام 2015).

اهمية هذه الكتب وغيرها من كتابات الاستاذ عبد الاله انها تطرح قضايا واشكالات جوهرية تغوص في تعقيدات الاجتماع السياسي للمجتمعات الاسلامية وتفتح كوة تضيئ السبيل للباحثين وتحفز على اختيار المنهج العقلاني القويم لاستشراف المستقبل لتمكين المسلمين من استعادة فاعليتهم ودرهم الحضاري والانساني على مسرح التاريخ..

لهذا اخترت ان اتوقف عند ما اثاره الاستاذ عبد الاله حول اشكلية المجال السياسي الاسلامي او الاحرى ازمة السلطة السياسية في الاجتماع الاسلامي عبر التاريخ.. وسوف اعرض فقط لمضامين الكتاب الثاني من تكوين المجال السياسي الاسلامي" الفتنة والانقسام".

ذكر المؤلف في مقدمة هذا الكتاب بانه يستانف ما بداه في الجزء الاول" النبوة والسياسة" الصادر سنة 2005 بمعنى انه في هذا الكتاب يتناول فترة الخلفاء بعد النبي عليه السلام وما شجر من احداث جسام خلال هذه الحقبة من تولية ابي بكر الى مقتل الامام علي..حيث كان الهاجس هو البحث على توازن يحافظ على الكيان الذي اسسه النبي( دولة المدينة) ليحمل رسالته الدينية وينشرها بين الناس..

وقد شهد المجال تطورا اكبر وتعقدا اشد في لحظة الانتقال من دولة النبوة الى دولة الخلافة..ففي العهد العمري توسع نطاق الدولة فازدادت الجاجة الى الجيش والى المال والى اطر سياسية وادارية وقضائية ودينية تزود الدولة الامبراطورية بمن يشغل الوظائف والمناصب والمسؤوليات العليا في الدولة.. ونتيجة لهذا التوسع الامبراطوري للدولة الاسلامية وانضمام اقوام وثقافات وملل ونحل ضمن مجالها.. فكان يجب استيعابها وادماجها في النسيج الديني والسياسي في المجال السياسي الاسلامي...

لقد ادى هذا التطور المتسارع الى تحول المجال السياسي الاسلامي الى الى امبراطورية شاسعة الاطراف متعددة الاعراق والثقافات.. وقد تولد عن هذا التطور السريع تناقضات عميقة لم يكن في وسع المجتمع والدولة تفادي تاثيرها ونتائجها..

يقول المؤلف بهذا الصدد بانه حاول قراءة المجال السياسي الاسلامي لحظة الخلافة الراشدة من طريق تحليل مختلف الديناميات الحاكمة له :"جدلية الديني والسياسي فعل العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية..جدلية المركز والاطراف جدلية النص والاجتهاد.." متوخيا من وراء ذلك بناء ادراك متكامل لسياقات ذلك التكوين ومآلات الاجتماع السياسي الاسلامي اعتمادا على المصادر التاريخية الاسلامية محاولا بناء صلة نقدية بها وبمروياتها..ومع تحري الدقة في بناء الاحكام والاستنتاجات من خلال التدقيق في الروايات التاريخية وتجنب استسهال الاطمئنان الى معطياتها..(ص/11)

يتضح من هذه التوطئة منهجية المؤلف وطريقته في مقاربة وتحليل اشكاليات المجال الساسي الاسلامي بغرض الوصول الى العوامل الفاعلة في ازمة المجال الساسي بمختاف ابعاده ومكوناته ومحدداته :" ازمة السلطة والدولة والسياسة والمجتمع.."

وضمن هذا الاطار قسم المؤلف كتابه الى قسمين..

في القسم الاول تناول فيه مسالة الصراع على السلطة (ما بعد النبي..)

وفي القسم الثاني تطرق فيه الى مسالة التمرد والانشقاق..

..دارت فصول القسم الاول من الكتاب على مسالة الصراع على السلطة في الاسلام المبكر لحظة الانتقال من عهد النبوة وادراته الى عهد الخلافة وادارة الصحابة وهي لحظة كما يقول المؤلف صنعتها متغيرات ذات اثر بالغ في حياة الجماعة ومستقبلها..

لقد ترك النبي فراغا ما توقعه القوم وما عرفوا باي الوسائل يواجهونه..فالنبي كان هو القائد والمرجع والمعلم بامور الدين والدنيا.. واليه يعود تدبير شؤون الجماعة وقيادتها في الحروب..و اليه يحتكم الناس في كل امر. او خلاف.. وبه الاسوة والاقتداء..وللنبوة هالتها وقدسيتها..

والمؤمنون الذين صحبوه وعاشوا معه وتقاسموا معه الصراء والضراء..ما عرفوا غيره اماما ورمزا لجماعتهم.. فهو فيهم رسول ورئيس الدولة وقائد الجيش والقاضي والمربي وكفيل اليتامى والمحرومين..والاب والقدوة والمثال..اذا امر يطاع واذا نهى فيمتثل لنهييه واذا تكلم حسم.. (ص/16)

ومن ثم كانت وفاة النبي صدمة عظيمة اصابت المسلمين بذهول وشعور بالفراغ الرهيب واليتم الجماعي الشديد الوطاة.عليهم.. ورغم هول المصاب كان لا بد من ملء الفراغ القيادي..والذي يحصل في مثل الحالات الشبيهة ان تؤول امور سده الى عامة الناس وخاصتهم.. الا ان النبي كان قائدا استثنائيا في التاريخ وفوق ذلك وقبله..كان نبيا يوحى اليه..وكان معلوما لدى الصحابة ان خلافته انما في تدبير شؤون المسلمين من بعده..ومع ذلك فقد استعظموا التصدي لذلك الامر ليس لجهلهم بامور الدولة فقد خبروا بعضها.. ولكن بسبب الخشية وعدم اليقين بان احدهم يملك القدرة على القيام به على الوجه الانسب..

لقد احدثت نازلة غياب النبي فراغا في السلطة.. هز الاجتماع السياسي ونجمت عنه ديناميات عميقة سوف تؤثر في مالات حقبة الخلافة وما تلاها..

يرى المؤلف ان اول علامات ذلك الفراغ الكبير في السلطة يرجع الى افتقار الجماعة الاسلامية الى نص يشرع لاجتماعهم السياسي ولمسالة السلطة ونظام الحكم.. كجماعة ما ادركت معنى للسياسة والدولة الا في اقترانها بالدين وقيام امرها على مقتضاه... فالدولة التي ورثها المسلمون (دولة المدينة) او الدولة النبوية. اقامها على مقتضى الدين..وهي تبدو اليوم دولة سياسية بالمعنى الكامل للكلمة.. وتسميتها بدولة تيوقراطية اسقاط غير مبرر وغير ذي سند تاريخي..(ص/24) لان السلطة تفقد الراسمال النبوي و بالتالي اصبح مفروضا على جماعة المسلمين الانتقال من سلطة النبوة الى سلطة خلافة النبي والسلطة بعد النبي لا عصمة لمن يطلبها او يتولاها او لمن تؤول اليه..فهي تابعة للموازين الاجتماعية ولاحجام القوة..وضمن هذا السياق يمكن فهم الخلاف بين الانصار والمهاجرين..

ومن علامات الفراغ ايضا فقدان الخلفاء راسمال الكاريزما المحمدية (اجتماع القيادة والنبوة) الراسمال السياسي الذي كان يتمتع به النبي في وسط قومه" القيادة السياسية المحنكة لجماعة ومجتمع وامة ودولة.." مما فتح امامه طريق الظفر..ومكن الدعوة ان تفرض نفسها بقوة السياسة..(ص/26) علامة اخرى في الفراغ الذي احدثه غياب النبي ويتعلق بالشرعية التي كرستها الحقبة النبوية في الادراك الجمعي الاسلامي و المتمثلة في التداخل والتماهي بين القيادة السياسية والقيادة الروحية في شخص واحد يمثلها ويجسدها معا..بعد وفاة النبي حصل انفصال بين الحدين وباتت القيادة السياسية مجردة من راسمالها الديني وبالتالي فقدت اهم ديناميات السياسة والسلطان والمشروعية..وهكذا كان الانفصال داخل الشرعية بين الديني والسياسي يدفع بالسلطة الى البحث عن شرعية من السياسة.. فهي لم تملك ادعاء العصمة..(ص/27). وفي احسن الاحوال مجرد اجتهاد محكوم بسياقه قد تزول الجاجة اليه بتغير الظروف التي كانت وراءه.. ونتيجة لهذا التمايز بين شرعية النبي وشرعية سلطة الخلفاء التي هي بالاساس شرعية سياسية وتبعا لذلك فهي موضوع للنقد والتنازع..

بتوسع نطاق الدولة وكيانها انطلاقا من الفتوحات مما سيكون له الاثر الحاسم في تقرير انماط الصراعات التي جرت على السلطة بين الصحابة وما تنج عنها من اشكال وتوازنات سياسية استقرت عليها تلك الصراعات وما لابسها من التحالفات وانبثق عنها من مذاهب فقهية..

هل ادى الخلاف بين الصحابة حول الخلافة الى شل قدراتهم مما جعلهم عاجزين على ملء الفراغ وحفظ الاجتماع السياسي من الانفراط والتبدد؟

يجيب المؤلف على هذا السؤال الحاسم بقوله " لم يفشلوا بل بذلوا اوسع جهد في طاقة بشر ان يبذله من اجل الذهاب بالمشروع التاريخي الى التحقق واحرزوا نجاحات تبهر خاصة في عهد الشيخين (ابوبكر وعمر) وحفظوا وحدة الجماعة السياسة من الانفراط وحافظوا على وحدة الدولة وهيبتها وسلطانها في الجزيرة..ان ما جرى من احداث جسام سيشكل المفتاح لفهم التحولات الكبرى في المجال السياسي الاسلامي الحديث التكوين..(ص/30)

وهكذا فان المجال السياسي الاسلامي بعد حقبة النبوة سيشهد تبدلات غيرت تكوينه ومجراه واعادت تشكيله على نحو جديد حافظ فيه على سمات التكوين ولو على نحو رمزي ولكن ضروري من اجل استمراريته واسعار لنفسه بعض القواعد والادوات التي تناسب التطور المنشود طبقا لضرورات قوانين التاريخ وحتمياته..

لقد ادى الصراع على السلطة بين مختلف الفرقاء خلال هذه الحقبة المبكرة من تاريخ الاسلام والمسلمين الى التغير الحثيث في ديناميات السياسة والانتقال من الدينامية الدينية الى الدينامية العصبوية..الخ وهو ما حاول المؤلف ان يرصد تجلياته السياسية واليات احتوائه وفضه من اجل اعادة انتاج وحدة الدولة والجماعة السياسة وذلك في فصول القسم الاول من الكتاب..

قام المؤلف في فصول القسم الثاني من الكتاب بتحليل عميق لآزمة السلطة والخلافة في الاسلام وما نتج عنها من صراع ونزاع بين القوى المتنافسة والمتصارعة على السلطة..

وتطرق للجدليات الحاكمة للاجتماع السياسي وحددها في الحقائق التالية:

1- جدلية المركز والاطراف وقد ظلت حاكمة طيلة الفترة التي اعقبت وفاة النبي..و كان اثرها حاسما في صناعة وقائع التاريخ الاسلامي وتوجيهها في تلك الحقبة..

2- جدلية الديني والقبلي كان لها اثر بالغ في وقائع تاريخ هذه الحقبة بحيث توحي بان مفعول الدين كان اساسيا في تقرير الحوادث والظواهر والصراعات..غير ان التدقيق في اخبارها يقطع بوجود اشكال تلبس الابعاد القبلية والعصبوية في الصراع على السلطة..

منذ اجتماع السقيفة وتولي ابي بكر الحكم وصولا الى اختيار عثمان وما حصل في نهاية ولايته من تحشيد وتجييش..كان العامل القبلي حاضرا في المشهد باعتباره العامل الرئيس في اذكاء الصراع..ففي حرب الجمل وصفين انحاز المقاتلون الى هذا الفريق او ذاك مما يدل على دور العامل القبلي في تفجير الاحداث.. بحيث يصعب فهمها بمعزل عن هذه الجدلية التي يتداخل فيها الديني بالقبلي تداحلا تلازميا واقترانيا..(ص/296)

3- جدلية النزاع على السلطة بين بني امية وبني هاشم والتي توجد تاثيراتها وادوارها في قلب التطورات و المتعطفات السياسية وهي اساس كافة الاومات التي استبدت بالجماعة والدولة.. لقد مر الصراع بين القطبين من اربع لحظات تاريخية بدات مع بزوغ الدعوة المحمدية وصراعها مع اعدائها..ثم جاءت لحظة الانفجار باغتيال الامام علي وتنصيب معاوية خليفة..

4- جدلية السلطة والثروة بحيث كان تاثير الطلب على الثروة عاملا من عوامل الصراع على السلطة " حروب مصالح استعارت مفردات دينية ونتجت عنها تحالفات سياسية.." فكان لعامل الثروة دور كبير اثر في تاجيج الصراع على السلطة مما اوصل الازمة الى مداها وادى الى الانشقاق داخل كيان الامة..

لقد قادت هده الجدليات الى اعادة تشكيل المجال السياسي الاسلامي على نحو مختلف الى حد بعيد عما كان عليه في العهد النبوي..و اسفرت عن هذا الوضع ظهور ديناميات سلبية تمثلت في تاسيس العلاقات السياسية على الغلبة والاستبداد بدلا من من الشورى والتراضي..فكان مدخلا الى الانتقال من الفتنة الى الانقسام..(ص/298)

الخاتمة..

ان الهدف الذي توخيناه من هذا العرض هو الوقوف عند اطروحات المؤلف التي تبحث في تطور الاجتماع السياسي الاسلامي.. وعن ابعاد ازمة السلطة في المجال السياسي واسبابها والعوامل المؤثرة فيها والمحركة لها..

بحيث لم تكن المسالة مجرد نزاع بين قطبين ينتصر فيه هذا الطرف او ذاك..ولكنها كانت خلافا بين نظامين متقابلين وعالمين متنافسين.. احدهما يتمرد ولا يستقر والاخر يقبل الحكومة كما استجدت ويميل فيها الى البقاء والاستقرار..

صراع بين الخلافة الدينية والدولة الدنيوية.. وليس موضع الحسم فيها ان ينتصر هذا الفريق او ذاك..بل موضع الحسم فيها مبادئ الحكم كيف تكون اذا تغلب احد النظامين على خصمه..ان تكون مبادئ الورع والزهد او مبادئ الحياة على اساس الثروة والمال..

فالحسم هنا انما تغليب مبادئ الملك او مبادئ الخلافة.. ولا بديل في علاج الامر على غير هذا الوجه..

واذا التبس الموقف بين الخلافة والملك فوجب ان يزول التباس على وضع صريح..ولن يزول الا اذا بلغ الخلاف مداه.. وكتبت الغلبة لحكم من الحكمين..

هذه هي العلة التي تنطوي فيها جميع العلل الظاهرة والخفية.. وهي الخلاف بين مبادئ الخلافة الدينية ومبادئ الدولة الدنيوية.. وضرورة الفصل بين قيادة المنافع وقيادة الصلاح التي تطمح الى الاصلاح والتغيير..

 

احمد بابانا العلوي