عبد الجبار العبيدينعم بين اسلام القرآن وأسلام الفقهاء بون شاسع وكبير.علينا ان ننبه المشتغلين بالنص الديني الى ضرورة البحث والتدقيق في أصول التاريخ الاسلامي لنصحح ما يحتاج الى تصحيح، وتصفية ما يحتاج الى تصفية، مما شابه من عدم الدقة فيما قدمه الفقهاء تفسيرا لا تأويلاً فاضاعوا صحة النص وكل جديد، في قرآنٍ منزلٍ كان المفروض ان ينتج أمة واحدة "ان هذه أمتكم امة واحدة وانا ربكم فأعبدون، الانبياء 92"..لا ان ينتجوا لنا مذاهب ومسارب مختلفة ومتخالفة فرقتنا وابعادتنا عن كل استقامة ووحدة وتجديد حتى رمتنا خلف الأمم .

ان النص القرآني المقدس في الاسلام بطبيعته نظرية اشكالية، لأحتوائه على المعنى الظاهر والباطن.. لذا فهو بحاجة الى جدلية لمعرفة التأويل الصحيح له من التفسير الفقهي، كما في الأديان الأخرى لأنتمائه الى عصرِماضٍ بعيد.أمتاز بالعاطفة الروحانية النابعة من القلب لا العقل ..وكانت تهدف الى زرع الأيمان في العقيدة متجاوزة طرق البرهان، بين العقل والقلب في التأويل والتفسير للوصول الى حقيقة ما يهدف اليه النص.لذا أوجدوا بينهما جدلية.

الاول يهدف الى زمن ومعرفة النص لغوياً، والثاني يهدف الى متابعة العملية التفسيرية من أجل الكشف عن المستويات الباطنية للنص.فالنص يقرأهُ العام والخاص وكل منهما يفهمه حسب مستواه العلمي واللغوي، لذا من واجب الفقيه والعالم ان يبين مقاصده بيسر وسهولة لمعرفة القصد في التحقيق لكل المستويات.والثاني يهدف الى المعنى الحقيقي له في التطبيق كي لا يحدث الاختلاف الذي شق ظاهر وباطن عقيدة المسلمين..وبمرور الزمن تحولت الى تقليد . بعد ان احتلت مرجعيات الدين الصدارة في التقديس "قدس سره" دون الحاجة لما ورد في النص المقدس فضاعت قيمة التنفيذ ...وكلها خدمة للسلطة لا الدين..

ان دراسة النص يجب ان تكون على مستويات مختلفة من حيث الفهم الظاهر والباطن، لأن كل منهما يهدف الى اهداف مختلفة الواحد عن الأخر، ولا يمكن فهمهما الا بالتجربة المعرفية لكل جيل لكي تسوقه الدراسة الى ادراك المستويات التي لم تستطع الاجيال الماضية ادراكها، هنا تلعب الصيرورة الزمنية (التاريخ) دورا في الأدراك والفهم الظاهر والباطن للنص المقدس .

هذه الحالة ظلت حبيسة النص عند فقهاء المسلمين الذين اشتركوا في التفسير الظاهر للنص في القرون الاولى لحركة التفسير، لعدم ادراكهم حقيقة التأويل لأنهم جاؤا في زمن لم تصل المعرفة العلمية للتأويل الى ما يتطلبه النص في التحقيق..في وقت ان اللغة العربية لم تستكمل تجريداتها الحسية بعد..في الزمن الاول للدعوة.

ولأن المفسرين الاوائل والحاليين لم يطرحوا الأدبيات الاسلامية عقيدة وسلوكاً دون ان يدخلوا في العمق الفلسفي للعقيدة الاسلامية حتى انطلقت اطروحاتهم من مسلمات بحاجة الى اعادة نظربعد ان دارت في حلقات مفرغة لم يصلوا بها الى حل المعضلات الاساسية للفكر الاسلامي مثل اطروحة القضاء والقدر والحرية القائمة على نظرية "لكم دينكم ولي دين" ومشكلة المعرفة والدولة والحقوق..لذا فشلوا في انتاج فكر اسلامي معاصرلحل اشكاليات التطور..بعد ان أهملوا المنهج العلمي الموضوعي في التطبيق..حتى بقي التفسير اللغوي ترادفيا دون تحديد، علما ان لغة القرآن خالية من الترادف كما أقرها ابن جني في نظرية الخصائص والجرجاني في نظريته اللغوية دلائل الأعجاز.

ان التأويل يتجاوز التفسير الحركما في قوله تعالى" هو الذي خلق السموات والأرض في ستتة ايام ثم استوى على العرش، سورة الحديد أية 1".هنا التبس التفسير النصي على المفسرين ففسروه وكأن الله له عرش يجلس عليه كما عند الملوك"أنظر غالبية المفسرين"..بينما التأويل يقول ان الاستواء على العرش هي سلطة الله المطلقة على الخلق.. ويقول أخوان الصفاء وخلان الوفاء في رسائلهم : "ان العرش هو الحد الفاصل بين عالم المادة وعالم الروح..والروح هي اللامدرك وهي التي لا تموت وانما الذي يموت هي النفس"كل نفسٍ ذائقة الموت"  ويقول الحق "يسألونك عن الروح ..قل الروح من أمرربي وما آوتيتم من العلم الا قليلا) .هنا تدخل الدراسة المعمقة في نظريات اشكالية الحقيقة والوهم ..

اي معرفة الحقيقة..فأين التفسير منها..؟

وكما وصف القرآن الجنة والناروما فيهما:" في جنات النعيم على سررٍ متقابلين..يطاف عليهم بكأسٍ من معين ..وعندهم قاصرات الطرف عين، وزوجناهم بحور عين الصافات 43-48"...أقرأ كل التفاسير ترى فيها ما تتصوره انت من نعيم ونساء ولذة للشاربين وهذا هو المتعارف عليه بين نقاد النص القرآني ..ألم يكن هذا هو التصور التفسيري العام الظاهرالذي نشروه في المنهج المدرسي كحقيقة وتعلمناه وأصبح من الصعب نزعه من الأفكار وكأنه حقيقة ..لكن الباطن هو غير هذا ..هو: ما وراء ظاهرة الوصف المادي من معانٍ روحانية.لان الانتقال بالجنة يكون بالروح لا بالجسد.فهل بحثوا هم في الروح وأفهونا ما هي..؟ أبدأً.

وحين يشبه القرآن بمثل الجنة يعني التشبيه والتمثيل ليريد القول بتقريب معنى التصور لا غير، أي يخاطب العامة والخاصة وهم قليلو علم بلغة النص الجزل.يقول الحق :" انزل المطر" وهو الوجه الظاهر للنص أي انزل العلم الذي يجب ان يأول لصالح التطور في الحياة .لذا كانت الآيات القرآنية مُحكمة أي واضحة للجميع..أما الآيات المتشابه فيتطلب التأويل أي التبصر في المعاني الباطنية للنص فيها..هنا يقول الحق :"وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم، النساء 113". والرسول يدرك ظاهره وباطنه.لكنه لم يذكرالباطن لعلمه بالصيرورة الزمنية في تغيير معاني الكلمات وحتى لا يلتبس على الناس الأمر... جعل تأويلة للزمن دون تحديد.

وقد حوى القرآن ثلاثة حدود هي "الصراط المستقيم والاستقامة ونظرية التطور(الحنيفية) والتي سميت بنظرية الحدود، وقد حوت الوصايا العشر واجبة التنفيذ دون خرق.. وتحديد مفهوم الأخلاق..والمعروف والمنكر، وكلها مستمدة من الآية الكريمة"لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة، الاحزاب 21"..كلها جعلها التفسير في خانة الأهمال دون تنفيذ..فأستبد الحاكم بها فضاعت الحقوق والمعايير.

لذا فقد وقفت المعتزلة موقف الضد من التفسير الظاهرللنص وخصوا التأويل للعقل من أجل الكشف عن بواطن الامور ورد المتشابه الى المحكم.لذا فأن المعتزلة واخوان الصفاء اتجهوا بدراساتهم نحو الحركة العقلية في دراسة النص وليس الظاهر منه.

ان التاسيس القرآني للمجتمع يهدف الى بحث الظاهرة القرآنية واكتشاف القوانين التي تحكم الظاهرة ..لكي يتماشى مع نظريات التطور في كيفية نشوء القوانين المجتمعية لتأسيس الدولة لا سفسطائيات المفسرين..حين فسروا النص على هواهم ليقفوا الى جانب السلطة ..فاصبح ولي الامر هو الحاكم في وقت ان ولي الامر هم عامة الناس وليس الحاكم.

هنا فأن دراسة النص تاويلاً يعني خلق المجتمع المتطور لا المجتمع الذي نعود به الى الزمن الماضي والعودة عبر الزمن مستحيلة.

نتمنى من اصحاب المناهج المدرسية ان يعودوا الى دراسة النص تأويلا لا تفسيرا.. لنبدأ بتطيق القانون الذي يحكم الظاهرة ويفرض نفسه على ميلاد المجتمع الجديد...وهنا تكون المعاصرة..ومن هنا تكمن نظرية التجديد. ليكون مشروع الـتاويل للنص القرآني المقدس مشروعا قابلا للفعل في ظروف العصرالحديث.

 

د.عبد الجبار العبيدي

 

علاء شدهان القرشييُــقْــــصد بمصطلح: الآيات العلمية في القرآن، الآيات التي "تشرح" أو "تصف" ظاهرة من ظواهر الكون أو الحياة. ووصفها بــ (العلمية) يحيل إلى العلوم (Sciences)، بحقولها ومجالاتها المختلفة، والعلوم أعم من: (Natural sciences،Engineering and ، technology، Medical and health science، Agricultural sciences).

تضم هذه (Natural sciences) مجموعة من العلوم تحت صنفها كما يلي:

علم الأحياء (Biology)، علم الكيمياء (Chemistry)، علم الفيزياء (Physics)، علوم الأرض (Earth science).

كما تضم هذه (Engineering and technology)، مجموعة من العلوم في ضمنها:

الهندسة الميكانيكية (Mechanical engineering)، الهندسة الكيميائية والتحويلية (Chemical & process engineering)، الهندسة الصناعية والتصنيعية (Industrial & manufacturing engineering)، الهندسة الجيوماتيكية (Geomatic engineering).

كما تضم هذه (Medical and Health Science) مجموعة من العلوم ضمنها أيضًا:

علم التشريح (Anatomy)، طب القلب (Cardiology)، علم الوراثة (Genetics)، علم المناعة (Immunology)، علم الطب العام (Medicine)، علم التغذية (Nutritional)، الطب النفسي (Psychiatry).

وهناك علوم تدخل ضمن العلوم أعلاه، مثل علوم الزراعة وغيرها.

فيكون معنى الآيات العلمية: تلك الآيات التي تتحدث عن ظواهر مختلفة تناولها العلم (Sciences)، أو [يمكن] أن يتناولها العلم. بتعبير منطقي: هي آيات علمية بــ [الفعل]، أو بــ [القوة].

بالفعل، أي: فسّر العلم بعد مرور 1400 سنة هجرية، هذه الظاهرة أو تلك، وكان تفسيره مطابقًا لنص الآية المعنية بتلك الظاهرة.

بالقوة، أي: [يمكن]، من خلال أدوات العلم الطبيعي، أن يفسر هذه الظاهرة أو تلك، بتفسير يطابق نص الآية المعنية بتلك الظاهرة.

يذهب بعض المتخصصين في العلوم إلى أن الآية التالية من الآيات العلمية، حيث فسرت العلوم الكونية (Cosmology) نشأة وولادة الشمس والقمر تفسيرًا تحدثت عنه هذه الآية قبل 1400 سنة هجرية. قالوا: جرم القمر كان مشعًا أول ظهوره، كشعاع الشمس، ثم (محى) الله نوره، وحوله إلى صخرة كبيرة تدور حول الأرض، وأبقى على شعاع الشمس، ليستقيم بذلك الليل والنهار على كوكب الأرض.

(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا).

كتبت قديمًا عن أن هذا المنهج (= التفسير العلمي للقرآن) هو منهج يشكل خطرًا على القرآن، فضلًا عن أنه منهج لا يصمد أمام النقد والتحليل وتفكيك المفاهيم. لأننا نحتمل أن يهدم اكتشاف علمي أحدث اكتشافًا علميًا أقدم منه، وبذلك يهدم ما أسسه هذا المنهج العلمي في تفسير القرآن فهمه للآية التي كان قد قرر أنها تنسجم مع الاكتشافات العلمية الأقدم. بتعبير آخر:

يبني المفسِّر العلمي (أي الذي يتبع المنهج العلمي في التفسير) فهمه للآية على أساس اكتشاف علمي، مثل: نظرية تمدد الكون (Expansion of the universe)، وقوله تعالى: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ)، بينما يشكك علماء الكونيات اليوم بهذه النظرية، أو يطرحون أرقامًا تهدد تماسكها المنطقي والعلمي، وربما سيصلون إلى نتائج جديدة كما في حالة فريدمان وفريقها في جامعة شيكاغو.

كما أن الفرضيات حول ولادة القمر مختلفة، هناك من يعتقد أن القمر نشأ من اصطدام كويكب بالأرض، مما سبب انفصال جزء منها ليشكل القمر. وهو خلاف النظرية المتقدمة، وهكذا ما زال العلم يفترض ويتحقق ويختبر فرضياته.

أما إذا أردنا أن نفهم هذه الآية، فما علينا سوى اتباع المناهج المناسبة لموضوعاتها. مثلًا: في الموضوع القرآني، علينا اتباع المناهج الأدبية العربية: اللغة، ومباحث الألفاظ، واللسانيات الحديثة، والتأثيل، وتاريخ اللغات، ودراسة عصر النزول، وأسبابه ...الخ، لنكتشف المعنى المقصود، أو نقارب فهمه المراد. ثم نكتشف موضع الهداية فيه، فالقرآن يهدي للتي هي أقوم.

بعيدًا عن التفسير العلمي ومخاطره وضعفه، يمكننا فهم الآية كما يلي:

بما أن كلام الإمام هو إمام الكلام، فأذكره أولا، ثم أذكر الأقرب زمنيا منه ثم الأبعد:

رأي الإمام علي 41 هجرية: تفسير عبد الرزاق الصنعاني 211 هجرية:

قَالَ شَهِدْتُ عَلِيًّا وَهُوَ يَخْطُبُ وَيَقُولُ: سَلُونِي فَوَاللَّهِ لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا حَدَّثْتُكُمْ بِهِ وَسَلُونِي عَنْ كِتَابِ اللَّهِ، فَوَاللَّهِ مَا مِنْ آيَةٍ إِلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ بِلَيْلٍ نَزَلَتْ أَمْ بِنَهَارٍ وَأَمْ فِي سَهْلٍ، أَمْ فِي جَبَلٍ، فَقَامَ إِلَيْهِ ابْنُ الْكَوَّاءِ، وَأَنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَلِيٍّ وَهُوَ خَلْفِي فَقَالَ: مَا {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا}  فَقَالَ له عَلِيٌّ: وَيْلَكَ سَلْ تَفَقُّهًا وَلَا تَسَأَلْ تَعَنُّتًا، {وَالذَّارِيَاتُ ذَرْوًا} الرِّيَاحِ. {فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا} السَّحَابُ {فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا} السُّفُنُ {فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا} فَقَالَ: هُمُ الْمَلَائِكَةُ , قَالَ: أَفَرَأَيْتَ السَّوَادَ الَّذِي فِي الْقَمَرِ مَا هُوَ؟ قَالَ: أَعْمَى سَأَلَ عَنْ عَمًى أَمَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ} فَذَلِكَ مَحْوُهُ السَّوَادَ الَّذِي فِيهِ...

مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي بالولاء 150 هجرية:

وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ يعني علامتين مضيئتين فكان ضوء القمر مثل ضوء الشمس، فلم يعرف الليل من النهار، يقول الله- تعالى: فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ يعني علامة القمر فالمحو السواد الذي في وسط القمر، فمحى من القمر تسعة وستين جزءا فهو جزء واحد من سبعين جزءا من الشمس فعرف الليل من النهار وَجَعَلْنا آيَةَ يعني علامة النَّهارَ وهي الشمس مُبْصِرَةً يعني أقررنا ضوءها فيها لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ يعني رزقا وَلِتَعْلَمُوا بها عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا.

تفسير يحيى بن سلّام 200 هجرية:

 قَالَ: {فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ} قَالَ قَتَادَةُ: وَهُوَ السَّوَادُ الَّذِي فِي الْقَمَرِ. قَالَ يَحْيَى: وَيُقَالُ مُحِيَ مِنْ ضَوْءِ الْقَمَرِ مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ جُزْءًا وَبَقِيَ جُزْءٌ وَاحِدٌ.

ابن فارس، معجم مقاييس اللغة 395 هجرية:

(مَحَوَ) الْمِيمُ وَالْحَاءُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى الذَّهَابِ بِالشَّيْءِ. وَمَحَتِ الرِّيحُ السَّحَابَ: ذَهَبَتْ بِهِ. وَتُسَمَّى الشَّمَالُ مَحْوَةً، لِأَنَّهَا تَمْحُو السَّحَابَ. وَمَحَوْتُ الْكِتَابَ أَمْحُوهُ مَحْوًا. وَامَّحَى الشَّيْءُ: ذَهَبَ أَثَرُهُ.

المحكم ابن سيده: 458 هجرية:

والمَحْوُ: السوَاد الذي فِي الْقَمَر، كَأَن ذَلِك كَانَ نيرا فَمُحِيَ. وأصبحت الأَرْض مَحْوَةً وَاحِدَة، إِذا تغطى وَجههَا بِالْمَاءِ حَتَّى كَأَنَّهَا مُحِيَتْ.

المحو والمحق متقاربان لغة واستعمالا، فمحق الشيء ذهابه ونقصانه، وكذلك المحو، ولكن يختلفان في درجة النقصان والذهاب. والذي فهمته مما مضى أن المحو ذهاب ونقصان لشيء ذهابا دائما، كمن تذهب عينه، فذهابها دائم، وكالسواد الذي يرى في القمر فإنه دائم، وأما محاقه فهو مؤقت، ريثما يستكمل، ويحدث ذلك كرارا ومرارا.

والمحو أعم من المحق، فهو يشمله ويتضمنه، كما في حالة محو نور القمر بنور الشمس، حين يكون نور الشمس في النهار أقوى، مع وجود القمر في كبد السماء باهتا ضئيلا.

من خلال المحو والمحق، يتمكن الناس من حساب الأيام، فولادة القمر إلى محاقه أو امّحائه، تستغرق شهرا قمريا، ينقص فيها القمر يوما بعد يوم نقصانا يعرفه العرب بأبصارهم، لذلك فإنهم وضعوا لكل يوم اسما، ورقما، ولحالات القمر كلها أسماء، فلو افترضنا أن أحدا ما أضاع اسم اليوم العادي (جمعة أو سبت أو أحد)، فإنه سيعرف موضع يومه من الشهر بمجرد النظر إلى القمر. ولكن كل هذا ذهب الآن وأصبح الناس يحملون أيامهم في جيوبهم أو معاصمهم. ولا يخفى كيف أن الشمس تميز الفصول السنوية، وللعرب تقويم موسمي أو زراعي يعتمد على الشمس والنجوم.

وبصرف النظر عن هذا وذاك، فإن القرآن ليس بصدد الحكاية عن (كيفية) الصنع والخلقة، ولا شرح النظم والقوانين والمعادلات التي أنتجت ما نراه من ليل ونهار وشمس وقمر، ولكنه بصدد الهداية للتي هي أقوم.

ولا تحصل الهداية إلى الأقوم إلا بصلاح المحتوى الداخلي للإنسان، ولا يصلح هذا إلا بالإيمان باليوم الآخر، فمن دونه – على مستوى العموم – ترتفع المسؤولية، يشعر المرء أنه لن يُسْأل عما يفعل، لن يكون هناك من سيسأله، وهذا هو ارتفاع المسؤولية، وهذه هي مشكلة أهل مكة المشركين المنكرين للآخرة والمعاد، وإن كانوا يعترفون بوجود الله ولا يشكون طرفة عين بأن للكون خالقا متعاليا. مشركو مكة أكثر إيمانا من ملحدي هذا الزمان. ومن أدوات التفهيم للوصول إلى الإيمان بالمعاد هو النظر في آثار الله، أي: في الكون، فهذا من شأنه أن يجعل فكرة المعاد والحياة بعد الموت أمرًا معقولًا، وهذا ينطق به القرآن دائمًا كلما أراد أن يقارب فكرة المعاد. فمضمون كلامه مع منكري المعاد: كيف تستبعدون وتنكرون المعاد!؟ مع أنكم ترون من حولكم ظواهر كونية يومية وشهرية وسنوية ودهرية من شأنها أن ترجّح كفة الحياة بعد الموت، وتُــعَــقْــلِنـــها، وترفع احتماليتها، أي: أن اختلاف هذه الظواهر من حولكم تجعل فكرة المعاد مشروعة (legitimate inference)، وليست مما ينكره العقل كما تفعلون.

القرآن يحكي عن آثار الله وبديع صنعه وكمال خلقه وقدرته. وترك لعقولنا اكتشاف (كيفية) الصنع، ودعانا في القرآن مرارا إلى إجالة النظر في الأرجاء، وتجاوز وجودنا المحدود خطوة إلى الأمام.

 

بقلم: علاء شدهان القرشي

 

علي جابر الفتلاويموضوع  الآية 43 من سورة الأنفال

قال تعالى: (إذ يريكَهمُ الله في منامك قليلا ولو أراكهُمْ كثيرا لفشِلتمْ ولتنازعتمْ في الأمرِ ولكنّ الله سلَّمَ إنّهُ عليمٌ بذاتِ الصدورِ)

هناك آيات في القرآن تهتم بنفسية المقاتل قبل وأثناء وبعد المعركة، موضوع الآية الكريمة 43 من سورة الأنفال، الاهتمام بنفسية المقاتل قبل بدء المعركة، لما لنفسيته من أثر كبير في تحقيق النصر، ونفسية المقاتل اليوم من اهتمام جميع الدول التي تمتلك جيوشا عسكرية، وكذلك يهتم بنفسية المقاتل جميع المنظمات المسلحة، سواء كانت تدافع عن حق مشروع كحركات المقاومة الفلسطينية، أو تدافع عن فكر تؤمن به سواء كان صحيحا يقع ضمن دائرة رضا الله سبحانه أو غير صحيح، رفع معنوية المقاتل هو جزء ما اصطُلِح عليه اليوم الحرب النفسية. وتعريفها:

 (ممارسة التأثير النفسي (السايكولوجي) وذلك بغرض تقوية وتدعيم الروح لأفراد الأمة، وتحطيم الروح المعنوية لأفراد العدو).(1)

هذه الحرب النفسية تهتم بها اليوم أغلب الدول، خاصة الكبيرة منها لتوظيفها في تحقيق مصالحها وأهدافها في السيطرة على الشعوب المستضعفة لتطويعها ونهب ثرواتها، الحرب النفسية من عوامل الانتصار لمن يوظفها لصالحه.

القرآن الكريم أشار إلى هذا العامل النفسي لأهميته في تحقيق الانتصار، والعامل النفسي له وجهان إيجابي وسلبي، الإيجابي ما يترك من أثر في نفوس من يُوظَف هذا العامل لخدمته، إذ يساهم في خلق الحماس وتحفيز النفوس للقتال من خلال الصورة التي يرسمها للمقاتلين، والعامل السلبي هو الذي يترك  أثرا نفسيا قلقا وخوفا وهلعا في نفوس المقاتلين.

الآية 43 من سورة الانفال أعطت زخما قويا لنفوس المقاتلين، نستطيع أن نسميه تسديدا إلهيا للمقاتلين في أحداث معركة بدر، والتسديد الإلهي قد يأتي من دون أن نشعر به، لكن الله سبحانه في معركة بدر أخبر نبيه بهذا التسديد كتكريم للنبي (ص) وعند بعض المفسرين يدخل في باب الإعجاز.

يقول البيضاوي في تفسير الآية من سورة الأنفال: (إذ يُريكهمُ الله في منامك قليلا) يقللهم في عينك في رؤياك وهو أن تخبر به أصحابك فيكون تثبيتا لهم وتشجيعا على عدوهم. (ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر) في أمر القتال وتفرقت آراؤكم بين الثبات والفرار. (ولكنّ الله سلّم إنّه عليم بذات الصدور) أنعم بالسلامة من الفشل والتنازع،  ويعلم ما سيكون فيها وما يغير أحوالها.(2)

في الآية كشف لتدخّل إلهي في المعركة، – معركة بدر – إذ يرى النبي (ص) المشركين في منامه وهم قلّة، ويبشّر أيضا بالنصر والاستيلاء على القافلة، فيخبر المؤمنين بذلك ليطمئنّوا بالنتيجة. (3)

اللطف الإلهي جعل النبي (ص) يرى المشركين في منامه قلّة، وبشّره بالنصر عليهم، فأخبر المقاتلين معه بذلك، مما تسبب في رفع معنوياتهم للقتال، وتحقيق النصر على المشركين، الآية تحدثت عن العامل النفسي وأهميته في صمود واستبسال المقاتلين، وهذا لون من ألوان التسديد الإلهي الذي يعيش أجواءه السائرون في خطّ الرضا الإلهي سواء شعروا بذلك أم لم يشعروا.

جاء في (التفسير الكاشف): هذه معجزة أخرى للرسول (ص)، إذ رأى في منامه أنّ المشركين عددهم قليل، وعدّتهم ضعيفة، أخبر النبي (ص) الصحابة بما رأى فاستبشروا وتشجعوا، ولو أراه الله الأعداء أقوياء لوهنت عزيمة المسلمين، وضعفوا عن القتال، واختلفوا فيه، ولأعقب ذلك الفشل وذهاب الريح أي القوة، لكنّ الله سلّم من هذه المشكلة، ولطف بعباده، (إنّه عليم بذات الصّدور) أي أنّ الله يعلم أنّ قلوب المسلمين تشعر بالخوف من القتال إذا أيقنت بكثرة العدو، فأبعد الله هذا الشعور عن قلوبهم بما أراه للرسول الأعظم (ص) في منامه من قلّة العدوّ وضعفه.(4)

الآية تبرز أهمية شعور المقاتل الثقة بالنفس وشعوره بالقوة تجاه العدو لتحقيق النصر في المعركة، الآية تبني الثقة بالنفس للمقاتل قبل المعركة، وهذا ما يسمى اليوم الحرب النفسية بناء نفسية المقاتل قبل المعركة وأثناء المعركة وبعدها، مع تحطيم لنفسية العدو قبل المعركة وأثنائها. الآية الكريمة فيها إشارة ظاهرة للتسديد الإلهي للمقاتل من أجل ألحق والعدالة التي يريدهما الله لنا نحن البشر، وقد صرّح القرآن بهذا التسديد في الآية الكريمة من خلال ما رأى الرسول (ص) في منامه،  قد نعيش التسديد الإلهي في حياتنا من دون تصريح أو إشارة، علما إنّ بعض المؤمنين قد  يشعرون بنتائج وخيرات هذا التسديد، وهذا لون من ألوان الرحمة الإلهية التي نعيش خيراتها سواء تحسسنا بذلك أم لا، علينا شكر الله سبحانه في كلّ الأحوال.

فسّر السيد الطباطبائي الآية قائلا: الفشل هو الضعف مع الفزع، والتنازع هو الاختلاف، وهو من النزع نوع من القلع، كأنّ المتنازعين ينزع كل منهما الآخر عمّا هو فيه، والتسليم هو النتيجة. أي اذكر – والخطاب للرسول (ص) – وقتا يريكهم الله في منامك قليلا، وإنّما أراكهم قليلا ليربط بذلك قلوبكم وتطمئنّ نفوسكم ولو أراكهم كثيرا، ثمّ ذكرتها للمؤمنين أفزعكم الضعف واختلفتم في أمر الخروج إليهم، ولكنّه تعالى نجّاكم بإراءتهم قليلا عن الفشل والتنازع، إنّه عليم بذات الصدور وهي القلوب، يشهد ما يصلح به حال القلوب في اطمئنانها وارتباطها وقوتها. والآية تدلّ على أن الله سبحانه أرى نبيّه (ص) رؤيا مبشّرة، رأى فيها ما وعده الله من إحدى الطائفتين أنها لهم وقد أراهم قليلا لا يعبأ بشأنهم، وأنّ النبي (ص) ذكر ما رآه للمؤمنين ووعدهم وعد تبشير فعزموا على لقائهم، والدليل على ذلك قوله تعالى: (ولو أراكهم كثيرا لفشلتم) الخ والدليل ظاهر.(5)

اليوم من حق المسلم المؤمن أن يسأل من هو عدو المسلمين اليوم؟

الجواب يعرفه كل مسلم ملتزم بتعاليم دينه، العدو الأول هو أمريكا وإسرائيل، لكنّا نرى غالبية الحكّام المسلمين خدّاما مطيعين لتحقيق مصالح أمريكا وإسرائيل وهؤلاء الحكّام  أعداء لكل تيار شعبي في بلدانهم يعلن عداءه لأمريكا وإسرائيل. بناء على ذلك نسأل:

هل سيُحرَم المسلمون بسبب عمالة حكامهم من التسديد الإلهي...؟!  الله سبحانه لن يترك عباده المطيعين والمجاهدين لإعلاء كلمة الحق ومقاومة الظالم ونصرة المظلوم، ربّنا الرحيم يسدد من يسير في طريق الانتصار للحق ومحاربة الظلم. كمثال على ذلك الموقف من إسرائيل اليوم، نرى الكثير من الحكّام العرب والمسلمين يتسابقون لخدمة الصهاينة مغتصبي فلسطين والقدس قبلة المسلمين الأولى، نرى الحكّام الأعراب يهرولون للتطبيع مع العدو المغتصب. للأسف نرى كذلك بعض من يحمل الفكر السياسي المحسوب على الإسلام متساهل ومتفاهم مع الصهاينة المدّنسين لبيت المقدس قبلة المسلمين الأولى، نرى هؤلاء يقاومون ويعادون من يعلن تحرير فلسطين بالكامل، فهم على استعداد لبيع فلسطين مقابل تأسيس حكومة لهم تقوم على جزء من أرض فلسطين، ويعطون توجيهات باسم الإسلام لتبرير فعلتهم، هؤلاء لا يختلفون في شيء عن الحكام الأعراب المطبّعين.

 إنّ الصلح مع الصهاينة تحت أي مسمى كان هو خيانة للقضية الفلسطينية، وخيانة لمبادئ الاسلام الذي يرفض الظلم وينشد العدالة، ويدعو للجهاد لاستعادة المقدسات والحقوق المغتصبة ورفض الظلم.

 نسأل هل أنّ الذين يدّعون الإسلام، وهم يسعون للاتفاق مع إسرائيل لتأسيس كيان سياسي على جزء من أرض فلسطين تحت أي مسمى كان، هل هؤلاء مشمولون بالتسديد الإلهي؟!  الجواب متروك للقارئ الكريم.

أرى إنّ على من يدّعي المقاومة من الفلسطينيين أن يمسحوا هذا الوهم من عقولهم لأنه يتعارض وعقيدة الإسلام، هذا الوهم يحطّم نفوس الأجيال الفلسطينية والعربية والإسلامية القادمة، إضافة إلى أن الله تعالى يحرم هؤلاء من التسديد الإلهي، لأنه سبحانه لا يرضى بالاستسلام للظالم.

رؤيتنا أنّ الله سبحانه مع نصرة المظلوم ضد الظالم. علينا توظيف مفهوم وموضوع الآية الكريمة لمصلحة الشعوب المظلومة، وشعب فلسطين خاصة، ومن ينتصر لشعب فلسطين المظلوم، لأنّ الله تعالى ينتصر للمظلوم ضد الظالم.

 

علي جابر الفتلاوي

.....................

المصادر:

(1): موقع فيدو، تحت رعاية شركة الحاسبات المصرية، www.feedo.net.

(2): عبد الله بن عمر البضاوي، تفسير البيضاوي، م2، ص153.

(3): محمد علي التّسخيري، محمد سعيد النّعماني، المختصر المفيد، ص182 .

(4): محمد جواد مغنية، التفسير الكاشف، م3، ص487 .

(5): محمد حسين الطباطبائي، الميزان، ج9، ص68 .

 

 

مجدي ابراهيمتقوم الذاتية القرآنية على أركان ودعائم مثل: (1) الحضور (2) الفهم (3) الحَلاوة (4) وحدة القصد (5) الإيحاء (6) العقل البصيري (7) العقل والإيمان في القرآن (8) تحويل النفس (9) التجلي. ويضاف إلى هذا كله: أصول الثقافة الثوريّة في القرآن، وعلاقة اللغة بالقرآن وكيف تجيئ القيم فاعلة وحيوية في القرآن الكريم. هذه كلها بحوث تجلي الخاصّة الذاتية في القرآن وتثبت أمام العقل المتدبر أصولها وأسسها. غير أن التفسير الإشاري يقوم على خصائص ومعالم هى التي أطلقنا عليها اسم "الذاتية الخاصّة للقرآن"؛ فلن يتأصّل التفسير الإشاري عندنا ما لم تسبقه دعائم مركزية يعرفها المُفسّر الذي يقتدر على هذا النوع من التفسير, وتقوم فيه أولاً قياماً فعليّاً ثم يتحقق بالذاتية الخاصّة للقرآن، تستند على أركان مشروطة.

هذه الأركان هى موضوع هذا العنوان؛ إذ كانت بمثابة المنهجيّة التي يعتمد عليها بالأصالة التفسير الإشاري اعتماداً كلياً؛ لا لشيء إلا لأنها الدعامات والركائز الأساسية لهذا التفسير على وجه الخصوص؛ ولكونها كذلك؛ فلقد جاءت تأصيلاً للتفسير الإشاري. وبما أن العلاقة أعمق ما تكون بين هذا التفسير من جهة، والخاصّة الذاتية من جهة ثانية؛ فإنها من جهة ثالثة تعدُّ أوثق صلة وأقوى رابطة فيما بينها، حينما تنطبق بالكلية على شخص المفسّر نفسه، يوليها العناية البالغة ولا يعرفها فقط مُجَرَّدُ معرفة من الخارج وكفى، ولكنه يطبقها على نفسه أولاً؛ ليمضي فاعلاً نشطاً مقبلاً على مثل هذا العمل العظيم.

وعليه؛ فشرط القدوم على التفسير الإشاري كما أقدم عليه صُلحاء العارفين: أن يكون صاحبه متحققاً في نفسه بالخاصّة الذاتية للقرآن، ولا يكتفي منها فقط بالاستشراف الذي يلمُّ بجوانبها وأركانها إلماماً برَّانيّاً في غير تحقيق ولا تجريب.

إذا نحن أردنا تسليط الضوء على مفهوم التأصيل حقيقةً، فلتجدر الإشارة بدايةً، حسبَ ما نتصوّر، فيما يَخُص موضوعنا، إلى أن قلة الاكتراث بالقرآن تَعدُّ إسرافاً في الضمير الديني ليس له نظير؛ فالقرآنُ الكريم باعتباره ذكراً مفروضٌ أن نحْيَاهُ ونتخلّق به ونعيشه تجربة في حروفه وكلماته وفي إشاراته وموحياته، فكما كان القرآنُ الأصلَ والمصدرَ لمنطلقات شيوخ الصَّدْر الأول في الإسلام على التعميم، فينبغي أن يكون كذلك هو الأصل والمصدر لمنطلقات الفكر والعمل لدى من يقرأه على وعي وبصيرة في كل جيل. وتلك هى طلاقة النَّص القرآني في أبسط معانيها، تماماً كما هى بداهة التأصيل في معروف العقل ومعروف الوعي ومعروف الضمير: الرجوع بوعي المسلم إلى القرآن؛ فمن لم يعرف القرآن ويتدبَّر أسراره ويقيم علاقة روحيّة معه، لا يَطْرُق باب التذوق لأسراره أبداً لا من قريب ولا من بعيد. وكذلك في حال التجريب معه وممارسته والانفعال به؛ فالأمر ـ من ثمَّ ـ لم يكن معرفة نظرية خارجة وكفى، ولكنه معاملة باطنة تستشعر ما في القرآن من حيوية وحياة وتوجُّه؛ ليكون الإنسان هو نفسه القرآن من ناحية التّخَلق.

ولنذكر قول السيدة عائشة، رضى الله عنها، عن الرسول، صلوات الله عليه، حين وَصَفَتْهُ بقولها أنْ: "كان خُلُقه القرآن"؛ ليتبيَّن لنا، من بعدُ، أن كلمات الله كانت تتحوّل في شخص الرسول، صلوات الله عليه، إلى "عمل" بمقدار ما كانت تتحوّل لدى أكثر المقبلين على الله من المخلصين إلى فعل يُسْلَك، وإلى حياة تُعَاش، وإلى سلوك ينفعل بباطن تلك الحياة.

على أن دراسةُ كلام الحق جَلَّ شأنه فضلٌ من الله تعالى، يؤتيهُ الله من يشاء، حين يشاء من عباده، ولا يَدّعيه مُجَرَّد ادّعَاء فهماً ولا ممارسة كل من هَبَّ ودَبَّ. ولا بدّ ممَّا ليس منه بُدٌ: توافر عنصر الاصطفاء لهذه المهمة الجليلة.

وليس يمكن لغير من اختصهم الله بفضله أن يخوضوا فيه، فأنت تستطيع أن تكون عالماً في أي ميدان تختاره، تستطيع أن تكون متكلماً أو فيلسوفاً أو نحويّاً أو أدبياً أو ما شئت أن تكون إذا توَفَّرْت لذلك، وكان لديك استعدادُ ملائم، ثم خَصَصْتَ هذا الاستعداد بعنايتك. أمّا أن تكون مستنبطاً للإشارة المقصودة من العبارة القرآنية، فهذه خصوصية فريدة لا بدّ أن يسبقها اجتباء إلهي.

ومن هنا؛ ظهر ما يُسمى بالتفسير الإشاري للقرآن الكريم، قامتْ به على مرِّ العصور طائفة من أتقياء المسلمين، وهو من النُّدرة بمكان بحيث نَخُصُّ منهم بعض أئمة صوفية الإسلام على التحديد، يقوم على استنباط الإشارة من العبارة، ولسوف نتحدّث بالإشارة عنه تباعاً لاكتشاف ما نسميه من جانبنا بــ "الذاتية الخَاصَّة للقرآن"، تجيء كدعائم وقوائم ومرتكزات يقوم عليها، مع تحديد عناصر هذه الخَاصَّة الذاتية وأركانها التأسيسية؛ كونها دعائم تأصيلية للتفسير الإشاري، عَسَانَا نقف على منطلقاتها الحَساسة في العقل والشعور، على وعي وبصيرة بالقرآن، لكأنما التفسير الإشاري قائمٌ على تلك الذاتية الخاصَّة منذ البداية، ومؤسسٌ على أركانها، ولكأنما كانت هذه الذاتية الخَاصَّة بمثابة الأصل الذي ينطلق منها فيُسْتَبْصر مقوماتها المنهجية وأسسها التأصيلية والتذوقيّة.

نعم! للقرآن الكريم خَاصّة ذاتية مُحققة، لم يقف عليها إلا الموهوبون من طلاب الحقائق العليا، ومريدي الثقة بطوالع الملكوت، أعني الحاضرون دوماً مع الله عبادةً وتبتلاً. هذه الذاتية الخاصّة للقرآن تقدحُ فيمن يتعامل مع القرآن ببصيرة مطموسة: يَتَعَبَّدُونَهُ باللفظ ولا يعرفون إيحاءاته ولا دلالاته ولا معانيه، ويقيدون الفهم من جانبهم، فيقفون على الظاهر من الألفاظ وكفى، ويعزلون اللفظ عن الدلالة، وعن المعنى، وعن الإيحاء، ولا يكتفون بتلك العزلة الواصبة من جانبهم بل يعزلون القرآن كله عن رُوحه العام: إنْ في آياته وإنْ في سوره، وإنْ في مجمله على الصورة الكلية. ومن أجل ذلك؛ فاهتمامنا في هنا سيَنْصَبُّ تحديداً في هذه الدراسة وما يتفرّع عنها وما يصدر عن جزئياتها وتفاصيلها، لا على التفسير الإشاري نفسه كونه بارزاً ومقرّراً لدى صوفية الإسلام، ولكن على الذاتية الخَاصَّة للقرآن بوصفها تشكل دعائم تأصيل التفسير الإشاري.

على أن القشيري (ت 465 هـ ـ 1072م) يُجمل ذلك في مقدّمة تفسيره الإشاري أو يُفَصِّله على نحو من الأنحاء؛ ليُصَوِّر لنا كيف يكون التفسير عامة والتفسير الإشاري منه على وجه الخصوص؛ فإجمال ما تقدَّم مذكوراً عن الزَّرْكشِي والسيوطي والحارث بن أسد المحاسبي إنما هو عند القشيري إشارة. حيث يقول: "إنّ الله أكرم الأصفياء من عباده بفهم ما أودعه من لطائف أسراره وأنواره لاستبصار ما ضَمَّنَه من دقيق إشاراته وخفيِّ رموزه، بمَا لوَّح لأسرارهم من مكنونات، فوقفوا بما خُصّوا به من أنوار الغيب على ما أستتر عن أغيارهم، ثم نطقوا على مراتبهم وأقدارهم: الحق سبحانه وتعالى يُلْهمَهُم بما به يكرمهم، فهم به ناطقون، وعن لطائفه مخبرون، وإليه يشيرون، وعنه يُفْصحُون، والحكم إليه في جميع ما يأتون به ويَذَرُون".

ويَتَبَيَّن من ذلك: أن التفسير عامة، والإشاري منه خاصَّة، إنما هو تفسيرٌ إلهاميٌ من فضل الله وتوفيقه، واصطفائه واختصاصه لمن شاء له من عبيده، لا بقدرة منهم أو حيلة أو اكتساب، ولا اقتدار من جانبهم على هذا الفضل أو ذاك التوفيق، ولكنه توفيق موهوب واختصاص من عند الله وكفى، لا يُقال في حقه سوى ذلك. وهو مع ذلك كله، لا يخلو من دراسة وبحث وتنقيب في طريقة فهم القشيري في استعمال دراسة أصول الكلمات (etymology) للوصول إلى استخلاص معنى روحي لها ودلالة باطنة، وكذلك كيفية استعمال الشعر المعبِّر عن الحبِّ العذريِّ للإفصاح عن تجارب الحبّ الإلهي.

غير أن هذا اللون من التفسير الذي يتكلم عنه القشيري يَفْتَرَقُ عن سائر ألوان التفسير الأخرى، تماماً كما يفترق التفسير في مجمله عن سائر ألوان الفكر الإسلامي؛ لشرط عنصر الاصطفاء من قبيل الله تعالى؛ فلئن كان أصل الوقوف على معاني القرآن التَّدبُّر والتفكر، وهذا صحيح؛ فلا قيمة لهذا الأصل مُطلقاً بغير الشرط الذي أجمع عليه العلماء بالقرآن:

شَرَطَ "الذَّرْكَشيّ" في "البرهان في علوم القرآن"، والقشيري في "لطائف الإشارات"، والسيوطي في "الإتقان في علوم القرآن" منقولاً عن الإمام أبي طالب الطبري، والمحاسبي في "العقل وفهم القرآن"، وصدر الدين القونوي في "إعجاز البيان في تأويل أمّ القرآن"؛ شرطوا شروطاً قاسية ليس فينا في الغالب مَنْ لا يخلو من وجودها فيه بوجه من الوجوه، وذلك لنُدرة من لا توجد فيه، ولكن ليس معنى وجودها فينا أن يتخلى المرء عن فضيلة الجهاد والتَّصْفيَة، مُدَّعياً شدّة هذه الشروط وقسوتها، وقلة حظه بالمرة في تطبيق أضدادها بالوقوف على الجوانب الإيجابية المتسعة، فيروح فيعزف بالجملة عن مواجهة الذات الإنسانية بالقرآن على ما شرطوه.

شَرَطوا فيما يُشْبه الإجماع: أن الخطاب الإلهي لا يفهمه ذُو بدعة، ولا مَنْ هو مُصرٌّ على ذنب، ولا مُحبّ لدنيا، ولا مَنْ كانت في قلبه ذرة من كبر أو هوى، ولا من يكون غير متحقق الإيمان أو ضعيف التحقيق أو يكون مُقلداً في نظره، معتمداً على قول مُفَسّر ليس عنده من العلم سوى علم الظاهر أو يكون راجعاً إلى معقوله النظري؛ (أي راجعاً إلى الدعوى الفكرية والعقلية)؛ فهذه كلها حُجُب وموانع عائقة عن فهم معاني الوحي حقيقةً، حاجبةً عن أسرار العلم من غيب المعرفة.

فمن كانت في نفسه صفة من تلك الصفات لا يَدَّعي مُطلقاً فهم الخطاب الإلهي، ولا ينبغي له، وليس بملزم لأحد أن يأخذ عنه في قولٍ أو في دلالة؛ لأنه إذْ ذاكَ سيكون محجوباً بهذه الحجب الكثيفة المانعة ما لم يجاهد نفسه، ويتصفى.

ومن هنا؛ يتجلى معنى التفسير الإشاري الذي يفترق عن سائر ألوان التفسير الأخرى، والذي قَدْمَهُ صوفية الإسلام عامة، والإمام القشيري بصفة خاصّة، ويضافُ إليه من قبل ذلك ما كتبه الإمام السُّلمي في "حقائق التنزيل". وكذلك استعمال اللغة الرمزية في تفسير الأمثال القرآنية والظواهر الطبيعية واللمعات الإنسانية التي ورد ذكرها في القرآن الكريم. ناهيك عن محاولة فهم: كيف ينتقل الصوفي المُفسّر من سياق قرآني لا علاقة له بالتصوف إلى كلمة أو عبارة لها صبغة روحية يتمكن من خلالها من التعبير عن تجاربه الروحية العميقة والفرديّة.

قَدَّمَ الصوفية منهجاً جديداً لفهم القرآن يقوم على الذوق الشعوري أسموه "الاستنباط القرآني"؛ (والاستنباط هنا: "استبطان"، واستخراج من الخفايا، وليس هو الاستنباط العقلي بحال)؛ ومعناه: أن يُردِّد الصوفي القرآن مستغرقاً فيه حتى تنفتح له المعاني الإلهية، ثم ينتقل إلى معاناة العبارة، يخلو بنفسه مع ربه بين مقامات يتردد فيها وأحوال يعانيها، حتى تنقدح المعرفة الإلهية فيه، أو تُلقى فيه إلقاءً؛ فيتذوقها.

لاحظ قوله تعالى: "لعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُوَنَهُ"؛ أي لعلمه الذين يجاهدون أنفسهم في فهمه ومذاكرته واستحضار رؤيته للخلق والكون والعالم والإنسان، لا الذين يهملونه أو يهجرونه أو يقرؤونه على الغفلة والسَّهَيَان.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

محمد بنيعيشأولا: اعتبار الروح جسما هو مبدأ الخلل في عقيدة المتسلفة

حينما نركز على تأثر الشيخ محمد بن عبد الوهاب، زعيم السلفية الحديثة، بابن قيم الجوزية أكثر من غيره فذلك لأسباب موضوعية وعلمية منهجية خالية من كل تعصب أو إسقاط، رغم أن ابن تيمية قد يعتبر أستاذهما الفكري والروحي والمؤسس لمذهبية ما يصطلح عليه بالسلفية (التاريخية).

إذ أن ابن قيم الجوزية قد كان فكره أكثر ميلا إلى السطحية المادية من تقي الدين ابن تيمية الحراني بالرغم ما لديه من كتب قد تبدو موغلة في الروحانية والمعاني الصوفية ولكن بتقليد اصطلاحي محض فيما نرى، كما أن تقارب فكره مع موضوع التجسيم والتشبيه الذي يتهم به الحنابلة المتأخرون قد كان أكثر إيغالا وتصريحا وخاصة فيما يتعلق بموضوع الروح وخصائصها، والذي تأثر في تصوره لها فيما يبدو بابن حزم الأندلسي الظاهري، بحيث إن ابن قيم الجوزية سيذهب إلى اعتباره جسما من الأجسام ولا يتميز عنها إلا بحسب الرقة والخفة والدقة كما يتوهم، وإلا فإنها تشترك معها في الماهية والحقيقة من حيث إنها جسم عريض طويل عميق، كما يذهب إليه في المسألة التاسعة عشرة1 من كتاب "الروح" الذي يروج له الوهابية بصورة مركزة.

وبالتالي فهو يذهب إلى تحليل السؤال الذي طرحه اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم فيرى أنهم سألوه "عن أمر لا يعرف إلا بالوحي وذلك هو الروح الذي عند الله لا يعلمها الناس، وأما أرواح بني آدم فليست من الغيب، وقد تكلم فيها طوائف من الناس من أهل الملل وغيرهم، فلم يكن الجواب عنها من أعلام النبوة"2 .

وبهذا فيكون ابن قيم الجوزية مجسما للروح الإنسانية ومتأثرا بالفلسفات المادية في تصوره، وبالتالي مخالفا لموقف السلف الصالح من مسألتها . ومن ثم فإن مخياله العقدي وكذا المتأثرين به كمحمد بن عبد الوهاب وأتباعه لن يكون سوى متلبس بالمادة وصورها، كما أن مسألة الوجدان والتجريد فلن يكون لهما وجود أو مكان في وعيهم وشعورهم. ومن ابن قيم الجوزية انتقل هذا التجسيم الأولي للروح إلى المتأخرين من الحنابلة وخاصة الوهابية ولكن بصورة جد ضيقة وذلك على المستوى العقدي والسلوكي، بحيث إنهم لم يفهموا من الآيات والأحاديث الخاصة بالصفات الإلهية إلا وجهها الظاهري والمادي اللغوي، فاستعملوا قياس التشبيه والتمثيل على وجه متناقض ومن نموذج الذي فهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر بخيط الثوب، حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم، "عرضت قفاك" أو "أنت عريض القفا"، حسب الروايات في كتب التفسير . وهذا النوع من الفهم والتفسير المناقض للمعنى والحقيقة قد يؤدي حينما يتعلق الأمر بالنظر في صفات الله تعالى إلى الإلحاد والمروق وإلغاء العقل بصورة كلية ، وخاصة لدى ضعيفي التفكير والوعي بمفهوم التنزيه الحقيقي والمحكم الذي دلت عليه النصوص، كقول الله تعالى: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير".

فهم قد ينظرون إلى صفات الوجه واليد والعين وما إلى ذلك على وجه الحقيقة والتقسيم العضوي المشبه للصفات الإلهية وفصلها عن سياقها الذي وردت فيه، وبدون محاولة فهم معقول لمعانيها أو تفويض أمرها إلى علم الله تعالى والعدول عن إضافة تفسير ولو حرف واحد منها، وذلك حتى لا يختل المعنى والسياق الذي وردت فيه هذه الصفات .

ثانيا: تداعيات الخلط بين مقتضى الذات الإلهية والصفات عند المتسلفة

كما أن هناك مغالطة قد وقع فيها السلفية المتأخرون من الوهابية وغيرهم وذلك حينما يطرحون موضوع اليد والوجه والأعين وما إلى ذلك باعتبارها صفات ، لكنها على العكس من ذلك فإنها تدخل في حكم الذات ولا يمكن القول بأن اليد صفة أو الوجه صفة ،ولهذا فإثباتها على الوجه الذي يفهمه المتسلفون الوهابية بشكل مادي وحشوي ويدافعون عنه باسم الصفاتية هو مدخل إلى توسيع دائرة شبهة التشبيه لديهم كما ينعتهم به غيرهم من علماء التوحيد الذين يرون بأن التأويل الضروري في مثل هذه المسائل العقدية المقتضية التنزيه المطلق لله تعالى.

ولقد كان من الأولى بمدعي السلفية من الوهابية وما تفرع عنهم من الجماعات الإسلامية كمصطلح حديث هو الالتزام بما كان عليه السلف الصالح فيما قبل من قاعدة: "اقرأوها كما جاءت"، وهذا ما ركزنا عليه بدقة ولغة علمية رصينة في كتابنا "التجديد في دراسة علم التوحيد" فليرجع إليه من يريد زيادة إفادة.

وكنموذج على هذا النوع من الاعتقاد عند الوهابية أورد ما شرح به أحد حفدة محمد بن عبد الوهاب "باب لا يسأل بوجه الله إلا الجنة" من كتاب التوحيد "عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يسأل بوجه الله إلا الجنة" فيقول: وحديث الباب من جملة الأدلة المتواترة في الكتاب والسنة على إثبات الوجه لله تعالى، فإنه صفة كمال. وسلبه غاية النقص والتشبيه بالناقصات كسلبهم جميع الصفات أو بعضها، فوقعوا في أعظم مما فروا منه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا3".

وهذا النموذج فيه الكفاية للدلالة على نوعية التفكير العقدي عند الوهابية وزئبقية تعاملهم مع النصوص الدينية، إذ من جهة يشبهون ومن جهة يدعون التنزيه ، وهذا تناقض صارخ وخلط فكري لا يدرك أصحابه انعكاساته وتداعياته كما يصرح شيخهم ابن تيمية في عدة اعتراضات له على المتكلمين بأن لازم المذهب مذهب، وهو ما وقع فيه نفسه وبعده مقلدوه.

ومن هنا فقد كانت لمحمد بن عبد الوهاب وأتباعه سلبيات سواء فيما يتعلق بالعقيدة في الله كما بينا باختصار أو فيما يتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم والأولياء والصلحاء من هذه الأمة، بحيث أصبح أعدى عدو لهم هو من يعلن شدة حبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأولياء الله الصالحين، إذ من خلال هذا الطابع المادي الطاغي على تصورهم في الروح يؤولون كل علاقة أو مناجاة أو تعشق من المحبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتواصل مع أوليائه بأنه يدخل في حكم الشرك والبدع والضلالات ، وبالتالي فقد أدى بهم تحجرهم إلى هدم الأضرحة ومقابر الأولياء والصحابة ... والتي كانت تعتبر معالم ومشاهد تذكر الناس بالصلاح والتقوى، وذلك بدعوى الحيلولة دون وقوعهم في الشرك حسب توهمهم. وما هذا إلا نتيجة تصور الوهابية المادي وإسقاطاتهم على مفهوم الروح وتواصلها. وإلا فشدة محبة رسول الله وأوليائه والتوسل بهم هو عين التقوى والمحبة لله تعالى: و"المرء مع من أحب" كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا ما عبر عنه البوصيري رحمه الله تعالى:

دع ما ادعته النصارى في نبيهم *** واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم

وباختصار شديد ومجمل وحتى نبقى في إطار الموضوعية والتزام أخلاق المناقشة فإن الرد على شبهاتهم العقدية ومواقفهم الروحية يمكن تلخيصه في المسائل التالية:

- مسألة حياة الأنبياء الروحية بعد موتهم وقصة الإسراء وإمامة النبي صلى الله عليه وسلم لهم ببيت المقدس4، فحياته بهذا الخبر أولى بالاستمرارية والحضور لأن أمته مازالت مستمرة بعده ومستنيرة بنبوته ورسالته.

- مسألة وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وخطاب أبي بكر له على أساس الحياة الروحية كما في رواية البخاري "فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبله وبكى ثم قال: بأبي أنت وأمي، والله لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقدمتها" وفي رواية "اذكرنا عند ربك" أو كما قال.

- مسألة رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم وقوله "من رآني فقد رآى الحق فإن الشيطان لا يتكونني" رواه البخاري وفي رواية "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي" وقد ذهب المفسرون والشراح إلى اعتبار اليقظة في الدنيا فإنه في الآخرة قد يرآه المؤمن والكافر والطائع والعاصي!

- مسألة التوسل بالنبي والأولياء: عن أنس رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: " اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فسقينا وإنا نتوسل بعم نبينا فاسقنا" قال: "فيسقون" رواه البخاري.

والحديث فيه توسل بالنبي في حياته ومماته، لأن عمه جاء في هذا التوسل بمجرد الإضافة، ولأن المسألة جمعت النبي وآل بيته، كما أن المتوسل عمليا هو عمر لأنه هو الذي دعا وليس العباس، فجمع التوسل بين الحسنين تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته كوسيلة وتعهد لتحصيل واستمرار هذه الوصلة به صلى الله عليه وسلم، وهذا ما لم يفهمه الوهابية ومن سار على وهمهم في هذا الباب!

- مسألة تواصل الأرواح واختراق الزمان والمكان من خلال قول النبي صلى الله عليه وسلم "الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف" رواه مسلم، وكرامة عمر بن الخطاب في قصة " ياسارية الجبل!".

- مسألة التصرف الحسي في الأرض وقصة سيدنا سليمان وآصف بن برخيا الذي كان له علم بالاسم الأعظم: "قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك" إذا التصرف بإذن الله تعالى، وهذا هو حال الأولياء وما يرد عن بعضهم من أخبار!

- مسألة العلم اللدني وخصوصية الأولياء المعرفية والادراكية من خلال قصة سيدنا موسى وسيدنا الخضر، وقول الله تعالى " فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما"، "واتقوا الله ويعلمكم الله" صدق الله العظيم.

 

د. محمد بنيعيش

................

1- ابن قيم الجوزية: الروح: دار الكتب العلمية بيروت 1395-1975. ص 175 – 217

2- ابن قيم الجوزية: الروح: ص 151

3- عبد الرحمن بن محمد بن عبد الوهاب النجدي: فتح المجيد في شرح كتاب التوحيد: تحقيق عبد القادر الأرناأوط. مكتبة المعارف الرباط. ص 555

4- ابن كثير: السيرة النبوية: دار المعرفة، بيروت ج2 ص95

 

 

مجدي ابراهيميتجدّد ميراث النبوة بالعمل، ويُحيي في القلب التأمل المشروط على شرطه، وشرطه انطباع صورته الشريفة في خيال الذاكرين. ما من فرحة تدخل قلب مسلم محبّ أشدّ ولا أعلى من فرحة ذكره صلوات الله وسلامه عليه، وما من مجلس أطيب ولا أندى من مجلس يُذكر فيه مناقبه الشريفة وعاداته مع ربّه وسننه المتواترة بمطلع النور ..

(قل إنْ كنتم تحبُّون الله فاتّبعوني يحببكم الله)

هذا شرط من يريد محبّة الله: اتّباع خطاه، صلوات الله وسلامه عليه. وعين الاتباع ميراث النبوة على التحقيق. ولكنه ميراث مثقل بالتبعات، وكل تبعة تحتها تكليف، ولا يخلو تكليف من تحمل المسؤولية في شجاعة الأبطال الشرفاء. ومن هنا جاءت المحبّة مقرونة بعين الاتباع، فلا طمع في محبة الله وميراث النبوة مهجور، والتكليف فيه منبوذ أو تحت طينة الطبع النابي الجاف الغليظ مقهور !

مطلع النور:

من المولد المبارك حتى الانتهاء إلى الرفيق الأعلى عاش، صلوات الله وسلامه عليه، حياته في بعدها الزمني المحدود بزمان ومكان، فكان كاملاً مُكمّلاً في خصاله الشريفة ومناقبه العفيفة. لم تصف اللغة ولن تستطيع أن تصف وصفاً من أوصافه على التحقيق؛ لأن الكمال فيه لا يوصف بلفظ ولا يحيط به تصوّر محدود، وبخاصّةٍ إذا كان الكامل يجسّد صفة إلهيّة لا وصف لها إلا النور الذي يشملها ويضمّها.

محمدٌ رسول الله، ولكنه مع ذلك هو قبضة النور. محمدٌ المُبلغ رسالة الله للعالمين، هو الرحمة المُهداة من قبل الله إلى خلق الله أجمعين، ولكنه مع ذلك لولاه لم تُخلق الدنيا من العدم، لولا محمد في البعد الروحي لا البعد الزمني ما خُلقت الدنيا من العدم. وجوده الروحي أسبق من وجود جميع الأنبياء، ومددُ الأنبياء وعلومهم ومعارفهم من مدد نوره السابق.

ولمّا أن ولد، صلوات الله وسلامه عليه، في الفترة الزمنية التي وجدت في زمانها ومكانها، تمثل النور فيه كاملاً فظهرت حقيقته النوريّة الباطنة في مظهره الكامل، ولكنها مع ذلك لم تكن لتظهر فيه ولا في غيره من إخوانه الأنبياء إلّا لإظهار الحقائق الإلهيّة.

ومع أنه السابق للخلق نوره، إلا أن الأنبياء أسبق منه في الوجود الزمني، ولم يسبقوه في الوجود الروحي، غير أنه خاتمهم. خاتم هذا الموكب الخالد، موكب النور الذي تقدّمه وختمه في نفس الحال.

لقد سمّاه القرآن الكريم داعياً إلى الله بإذنه، وسمّاه سراجاً منيراً؛ فالدّعوة إلى الله على الإذن خاصّةُ محمد رسول الله كما كانت خاصّة الأنبياء جميعاً من قبله، فهو يدعو إلى الله بالإذن المخصوص بالرسالة؛ فهو رسول مبلغ للرسالة، مأذونٌ بالدعوة إلى الله على بصيرة لا بل على وحي الشريعة والتنزيل.

هذا بعدٌ زمني محدود بزمان ومكان، المساحة فيه مع كمالها محصورة في تاريخ المولد والنشأة والدعوة ثم الانتقال إلى الرفيق الأعلى، لكنه في نفس الوقت رحمة للعالمين تتجاوز حدود الزمان والمكان والمدّة الزمنية التي عاشها في حياته الشريفة المباركة بمدد لا ينقطع ولا يزول، هو مدد النور المحمّديّ: أوليّته وقدمه.

ومن أجل هذا، سمّاه سراجاً منيراً، سراجاً منيراً للكون من الأزل إلى الأبد. الإنارة سرمدية لا تتوقف على فترة زمنية محدّدة بزمانها ومكانها، فإذا السّراج المنير هذا لا ينصرف إلى البعد الزمني وحده، بل يتعدّاه إلى البُعد الروحي الذي لا ينقطع بانقطاع فترة النبوّة، فهو الذي منه يشع النور ليملأ الأرض والسّماء كما يملأ القلوب والأرواح والأسرار واللطائف والأذواق، ومنه تكون الهداية يتوخّاها الصُّلحاء، وفي التعلق به يكون الهُدى والكمال والرفعة كما تكون علوم الأولياء.

لم يكن عُرفاء الإسلام بالذين يستقون من مشكاة الأنوار نوراً غير نور النبوة؛ ليمدهم بمدد موصول لم يكن لينقطع ولا ليزول في حين انقطعت النبوة بوفاته على التحقيق، وبقى منها الميراث وهو الأبقى والأدوم يدور في فلك إظهار الحقائق الإلهيّة حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

ولم يكن ميراث النبوة سوى هذا المدد الدائم من فيض فضل نوره، صلوات الله عليه، سواء كان علماً أو خُلقاً أو نوراً أو ولاية وتحقيقاً.

وسمّاه القرآن الكريم الإمام المبين؛ إذ أحصى كل شئ فيه، ولم يكن المجيئ سابقاً في الترتيب على المعجزة إلا بفضل تقدّمه سبق النور (قد جاءُكم من الله نورٌ وكتابٌ مبين) فالنور أسبق في الترتيب من المعجزة التي هى الكتاب المُبين، إذ كان النور التام الكامل هو محمد رسول الله.

وعلى هذا البعد الروحي جاز للذين عرفوه أن يصلّوا عليه بمطلق الأمر الإلهي، وبمطلق استمراريته في قوله "يصلون": الفعل المضارع الذي يدل على الاستمرارية، بمثل هذه الصيغة: (اللهم صلّ على سيدنا محمد القطب الكامل. الجوهر المكنون، وعلى أخيه جبريل المُطوّق بالنور). وفي الصلاة اتصال باليقين الذي لا شك فيه. فلا يتصل متصل إلا من طريق الصلاة عليه ولا ينقطع منقطع وفي قلبه محبته وموالاته على تحقق المنهج وموافقة الاتّباع.

الجوهرٌ المكنون نورٌ في نور، ولذلك كان ولا يزال قطباً كاملاً، ومن مدد نوره يستمد الأقطاب أنوارهم إلى يوم الدّين. ومع أن أخيه جبريل مطوقٌ بالنور فإنه لم يتقدّم خشية الاحتراق في حين تقدّم هو فاخترق حُجُب الأنوار كلها، فنورُه كاملٌ من نوره وفي نوره. ولم يكن تطويق جبريل بالنور كقبضة النور الأزليّة السرمدية، لذلك تأخّر وتقدّمت .. فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد القطب الكامل والجوهر المكنون، وعلى أخيه جبريل المطوّق بالنور.

لا تحتاج الحفاوة بمطلع النور إلى قناعة عقليّة، ولكنها تحتاج إلى لطيفة ربّانيّة ملآنة بالمحبّة لسيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه: منقذ البشرية من مهاوي الفناء. والمحبّة اتّباع: "قُل إنْ كنتم تحبُّون الله فاتّبعوني يُحببكم الله". ولا يجب في كل ما كان محبوباً أن يكون محبوباً لشيء آخر وإلا لدار أو تسلسل؛ بل لا بدّ أن ينتهي إلى ما يكون محبوباً لذاته.

وعليه؛ فالاستقراء يدل على أن معرفة الكامل من حيث هو كامل يوجب محبته، .. صلوات الله وسلامه عليه.

رشَاشَات النور:

ومن خطأ الرأي أن يُقال أيهما الأكمل: محمد النبيّ أم محمد الوليّ؟ لأن كمال نبوته ليست بالمفصولة مطلقاً عن كمال ولايته (صلوات الله وسلامه عليه). وحقيقته الروحيّة مددُ حقيقته الزمنية، ولولاه، صلوات ربي وسلامه عليه، لم تخلق الدنيا من العدم كما قال البوصيري حقاً وصدقاً طيّب الله ثراه. ولكن السؤال ينبغي أن يتقرّر هكذا: أيهما الأبقى: محمد النبي أم محمد الوليّ؟

وهو بلا شك سؤالٌ مشروع، والإجابة عليه من جهة الواقع الفعلي مشروعة أيضاً؛ لأن النبوّة انقطعت بوفاته، فلم يبق بعده نبيّ، ولم تنقطع الولاية بوفاته عليه السلام؛ فمدد الأولياء موصول منه على الدوام بغير انقطاع، فالأبقى من جهة (البعد الروحي) ولايته بعد انقطاع فترة نبوته في بعدها الزمني. وكلتاهما - ولايته ونبوته - من الكمال الذي لا يقدح فيه سوى مخبول عقيم البصيرة.

أمّا أبقاهما من جهة الواقع الفعلي، فالولاية ..

حقيقة كنت قد قرأت نصاً تغلب عليه لغة الإشارة لشيخنا الجليل الشيخ "أحمد الأمين" مفاده: أنّ قطرات المطر لا يمكن أن تتكون إلا من خلال ذرات الكون الأرضية، وهي مادة الأرض، وهي ما تنتج الطمي .. وأن نقطة مركز الدائرة الكونيّة ما هي إلا محل السرّ الإلهي الذي يرى النور من خلاله، وهي مظهر النور الإلهي في الكون ... وأنّ السّر الإلهي هو تلك القبضة التي قبضها الله من نوره ثم قيل لها كوني محمداً ... وأنّ تلك القبضة هي التي احتوت جميع نور الكون الإلهي ... وأن الكون كله تكوّن من تلك القبضة من خلال ماء السماء بالتكاثر لتلك القبضة النورانية. ثم قال: هل تعلم أن حقيقة الكون في تلك الذّرة؟ وتلك الذرة ماهي إلا نورانية في أصلها .. وهل تعلم أن تلك الذرة هي بمثابة السراج والكون كله حولها بمثابة القمر المنير .. هل تعلم أن تلك الذرة نتجت عنها الواحدية وكل ما حولها أنتج الأحديّة، والذرة أصلها متفرّدة فكانت منها الفردانيّة" (أ. هـ).

فالإشارة هنا إلى الحقيقة المحمديّة، والرمز مقصود واضح لمن يفهم الإشارة (أول ما خلق الله نور نبيّك يا جابر) وجابر هذا هو الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري الذي سأل رسول الله صلوات الله وسلامه عليه عن بدء الأمر.

والحقيقة المحمديّة غير الشخصية المحمديّة، الحقيقة لا تشخّص، بينما الشخصية النبويّة تتحقق في الواقع الفعلي، والشخصية المحمديّة أي (شخص محمد عليه السلام) لها بعد زمني ككل الأشخاص، لها بداية ونهاية، مولد فحياة فموت، وجدت في التاريخ فوجودها محدود بزمان ومكان. أمّا الحقيقة المحمديّة فلها بعد روحي مطلق غير محدود ولا مقيّد بالزمان ولا بالمكان. نعم قد تتحقق "الحقيقة" في "الشخصية"، فتحوز آيات الكمال وذروته من حيث كونه إنساناً له معدن النور الإلهي. وكل إشارات العارفين ورموزهم تنصرف إلى هذا البعد الروحي؛ لأنه هو سر مددهم الشريف وإمدادهم اللطيف سواء.

صلوات الله وسلامه على سيدنا محمد النور الذاتي والسّر الساري سرّه في سائر الأسماء والصفات. وسريانُ السّر السّاري في سائر الأسماء والصفات الإلهية لطائف لا يدركها المحجوبون، ولا يعلمها متعلم عاجز عن فقه الإشارة؛ ليقال في إشارته هلاويس، لا بل مواهب وتوفيقات من رشاشات النور.

وفي ميراث النبوة يلزم للعمال لله ميزانٌ صادق على الدوام هو ميزان التوبة. وقد تندرج في هذه الجزئية خصوصية هى من ميراث النبوة على التحقيق؛ فلأهل الخصوص من الأولياء: الشفاعة وهي انصباب النور على جوهر النبوة ؛ فينبسط إلى أهل الشفاعة من الأنبياء والأولياء، وتندفع الأنوار إلى الخلق. فالأولياء شفعاء للمؤمنين ولكن فيما ليس بكفر ولا بمعصية، بل في "حق بحق". وشفاعة الكافر والعاصي هى التوبة. إنما الشفاعة للمؤمنين بالدعاء لهم، والتضرع إلى الله أن يرفع درجاتهم، بوصف أن الأولياء ورثة الأنبياء، ينوبون عن صاحب الرسالة والشفاعة، ويقومون مقامه متى لزم ذلك. ولا تصح الشفاعة للمستهترين أو للعصاة أو للمنافقين، ولكنها تصح للمستغفرين التائبين؛ عسى الله أن يتقبل توبتهم فيغفر لهم ثم يزكيهم بمحبتهم له، أو بمحبته لهم؛ فإنّ التوبة أو عمل مثمر يتدرج بالتائب من حالة إلى حالة، كيما يكون أهلاً لاندفاع الأنوار المنبسطة من جوهر النبوّة إلى النواب الشافعين.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

اياد الزهيرينتناول في هذه الحلقة الأخيرة من سلسلة حلقات الاله في الأديان القديمة، الاله في ديانة الشنتو، وهي ديانه نشأت في أقصى بلدان الشرق (اليابان). هذه الديانة بالوقت التي نشأت ببلد بعيد وهو اليابان، فهي كذلك تأسست في زمن سحيق. فهي ديانة غير معروفة المؤسس، ولا زمان تأسيسها، فهي غاية في القدم تبنهاها اليابانيون عبر أجيالهم المتلاحقة، ويُعتقد أنها الديانة الأولى لليابانيون. الشنتو ديانة بسيطة تقوم على أعتقاد مركزي الا وهو الأيمان بالكامي، والكامي؛ هو تعبير عن القوى الغير مرئية الكامنة وراء كل ما يحيط بنا من ظواهر وموجودات كونية. حيث يمثل الكامي محور عقيدة الشنتو، وهناك طقوس وشعائر يقومون بأداها تقرباً وتزلفاً للكامي طلباً للبركة، وأبعاداً للأرواح الشريرة، حيث يؤمن اليابانيون بوجود الأرواح الشريرة، بالوقت الذي يؤمنوا كذلك بوجود الأرواح الخيرة.

الشنتو: هي كلمة تحمل بذاتها معناً الهياً، فهي تعني طريق الالهة، فالاله هو العنصر الأساسي، والمحور الرئيسي في هذه الديانة، ومن الجدير بالذكر أنها تختلف عن البوذية، وهي الديانه الثانية باليابان، حيث أنها لم تتطرق على يد مؤسسها بوذا الى مسألة الاله، بل أن بوذا أقرب للألحاد.

الشنتوية تؤمن بالكامي، وهو الاله، وتعبر عنه بالقوة المقدسة، التي تحل بالأشياء الحية والغير حية، وهذا ما ذهب بالبعض بأن يعتقد بأن اليابانيون يعبدون الطبيعة ووثنيون، في حين أنهم يعبدون القوة المقدسة (الكامي) التي تتواجد في كينونة الطبيعة. أن مسألة حلول القوة المقدسة (الكامي) في الأشياء الحية والغير حية، هو السبب في جعل اليابانيون يؤمنون بالهه كثيره، لأن في كل شيء تكمن قوة مقدسة، لذا هناك بانثيون (مجمع الهه) في ديانة الشنتو، وهي كغيرها من الديانات القديمه، حيث أن لكل بانثيون رئيس، فأن رئيس البانثيون الشنتوي هو اله الشمس (أماتيراسو)، والذي يلقي توقيراً وتبجيلاً كبيراً من قِبل اليابانيون، وقد خُصص له معبد كبير على بُعد 200 ميل الى جنوب العاصمه طوكيو، ولكن هناك معابد كثيرة للكامي، وكل يراه يتجلى في شيء من الأشياء، أو في مظهر من المظاهر، حتى لتجد كل عائلة يابانية لها كامي خاص بها، كما تجد هناك لكل فرد كامي خاص به يخصص له مكان في بيته يعبده، حيث يُقيمون الصلوات والشعائر له، كما هناك لكل فئه من الناس لهم كامي خاص بهم، فمثلاً تجد أن للصيادين كامي البحر، وللفلاحين كامي المطر، وهكذا، كما هناك كامي أسمه (كازي) وتعني الرياح الالهية، حيث يعتقد اليابانيون أنها من حطمت عام 1281 م أسطول المغول عندما حاولوا غزو الجزر اليابانية، وعلى أسم كامي الرياح كازي، سمى اليابانيون الفرقة الأنتحارية (كاميكازي) من الطياريين اليابانيون في الحرب العالمية الثانية، حيث كان هؤلا الطيارون ينتحرون بطائرتهم في تفجير قطع الأسطول الأمريكي، وبسببهم خسرت أمريكا الكثير من قطع البحرية الأمريكية والتي تقدر ب47 سفينة تحطمت بمياه بحر اليابان والمحيط الهادي، وقُدرت الخسائر البشرية من الجنود الأمريكان والأستراليين والبريطانين ب 7 الآف.

كما أن البوذي يسعى من خلال اليوغا بالأتصال والتماهي مع الروح الكبيرة، وكما في الهندوسية حيث الرغبة بالأتحاد أو الرجوع الى الكينونة المطلقة (البرهمان-أتمان) أي الذات العليا، كذلك هو الأمر نفسه مع اليابانيون المعتقدون بالشنتو، حيث أن الطقوس والصلوات التي يقيمونها في معابدهم للكامي، تكون الغاية منها هو تحقيق الأتصال بين الفرد والكامي.

من الملاحظ أن تصور اليابانيون للكامي يعتريه الغموض، وفيه الكثير من الضبابية، وهو نفس ما مر به أصحاب الديانة التاويه الصينيون، حيث أن التاو مبدأ يلفه الغموض، ولم يكشفوا حقيقة كنهه، والأمر نفسه عند الهندوس، حيث لا حقيقة واضحه عن طبيعة (برهمان-أتمان)، هو الأمر نفسه مع الشنتوية أتجاه الكامي، فهم يعبرون عنه بالقوة المقدسة من غير التطرق الى كنهه، وهذا أمر طبيعي ليس فقط لمعتقدي الشنتو ولكن لكل اصحاب الأديان التي تؤمن بالاله المتسامي، فالكل عاجزون، وسيظلوا عاجزين عن وصفه لأنه خارج أمكانية مداركهم، وكما وصفه القرآن (ليس كمثله شيء وهو اللطيف الخبير)، وهذه الحيرة والغموض قد عبر عنها أحد حكماء الشنتو في القرن الثامن عشر للميلاد، وهو (توري نورينما) حيث عبر عن عجزه في فهم كنه الكامي بأن قال (جميع الأشياء أياً كانت، التي تستحق التبجيل، وتبعث على الرهبة، لأنها فوق المألوف...).

من الضروري الأشارة الى ظاهرة خروج مُريدي الشنتوية الى الطبيعة ويمارسوا طقوسهم في وسطها، والتي فسرها البعض خطاً بعبادة الطبيعة، ولكن بالحقيقة هو أعتقاد منهم بأن الكامي يتجلى في كل شيء، وبما أن الطبيعة تجمع الكثير من الكائنات الحية والغير حية من أشجار وحيوانات، وجبال ومياه، بالأضافة الى مظهرها الذي يتجلى فيه الجلال والهيبة، لهذه الأسباب جعلوا منه مكاناً لعبادة الكامي الذي حل بكل هذه الأشياء.

يتضح لنا من خلال كل هذه الحلقات عن الاله في الأديان القديمة من أقصى الغرب في عبادة الهنود الحمر الى أقصى الشرق في اليابان، ومن أقصى الشمال في سيبريا ودول الأسكندنافيا شمالاً الى أفريفيا وأستراليا جنوباً، تجد أن الكل يؤمن بأن هناك اله خالق ومهندس لهذا الكون الرحيب، وما أستمرار هذا الأيمان ليومنا هذا، وسيستمر الى ما بقي الوجود الأنساني على هذه الأرض الا دليل بأن مسألة الالوهه مسألة في عمق وجدان الأنسان، وحاله لا يمكن للعقل نكرانها، بل مسلماته هي من تدعو لها، لأن الأعتراف بالآلوهه هي أستجابه لأبسط مسلمات المنطق، وهو العلة لكل المعلولات، وقد صرح المفكر السوري الباحث في شؤون الأديان فراس السواح في مقابلة تلفزيونية مع مقدم برنامج (مختلف عليه) الصحفي المصري أبراهيم عيسى، عندما سأله عن مسألة الالوهية، فقال له بالنص أن الالوهية مسألة موجودة بكروموسومات الأنسان. وبهذه الحلقة نختتم الحلقه 12 من الاله في الأديان القديمة، متمنين وقد قدمنا للقراء الكرام فكرة واضحة عن الاله في الأديان، والتي نأمل بعدها أن نقدم سلسلة أخرى من الحلقات عن الاله في فكر الفلاسفة عبر أزمان مختلفة.

 

أياد الزهيري

 

اياد الزهيري(البوذية، التاوية، الكنفوشيوسية)

تطرقنا في الجزء الأول من حلقة (الاله في الأديان القديمة في شرق آسيا) عن البوذية، وفي الجزء الثاني عن التاوية، وفي هذا الجزء سوف نتطرق الى الديانة والبعض يعتبرها الفلسفة الكونفوشيوسية في موقفها من مسألة الالوهية. في الحقيقة هناك الكثير من المشتركات بين التاوية والكونفوشيوسية، ولكن في الكونفوشيوسية الآلهة لها حضور أعمق وأشمل، وفيها طقوس وشعائر أكثر من التاوية، كما أن البعد الأخلاقي يدخل حتى في الجانب السياسي، وقد كان وما يزال للفلسفة والتربية الكونفوشيوسية الأثر البالغ في الحياة الصينية وبعض دول شرق آسيا، وأن البصمات التي تركتها واضحة المعالم في العادات والتقاليد والأخلاق العامة.

لقد نشأت الديانة الكونفوشيوسية في القرن السادس ق.م، وأن مؤسسها عاش بين (551-479 ق.م) وولد في ولاية (لو). ولد الرجل في ظل أزمة فكرية، وصراعات سياسية عصفة بالبلاد حتى أخذت الحياة السياسية والأجتماعية بالتداعي والأنحدار، مما راع الأمر هذا الفيلسوف وجعله يفكر في وضع حلول لما يجري بالبلاد من تداعيات خطيرة، هذا الأمر جعله يفكر بأسترجاع القيم والتقاليد الصينية، وأعادت الروح والمثل الصينية العليا، وهذا ما جعلته يركز على الفلسفة الأخلاقية، ولكن كالعادة في الحلقات السابقة سنركز على مسألة الاله في الديانة الكونفوشيوسية، ولكن من الضروري الأشارة الى أن كونفوشيوس قد جمع التراث الصيني القديم وشذبه وأضاف علية بما يحتاجه عصره، لذا ففي فلسفته الكثير مما يعتبر أمتداد لتعاليم صينية قديمة.

من الملاحظ أن بوذا لم تشغله مسألة الآلوهية كثيراً، بل ركز فقط على الأنسان، والبحث في أسباب شقاءه، وبأختصار كانت فلسفة بوذا تتركز على تحرير الأنسان من بؤسه ومعاناته، وحدد ذلك بالسيطرة على الرغبات والمتع الحسية، ولكن من الغريب أن أَتباع ومريدي بوذا جَعلوا منه الهاً يُعبد وتُقدم اليه القرابين والصلوات، وهكذا تحدث التغيرات في الأديان بسبب ما يتفرع منها من أديان شعبية، في حين أن كونفوشيوس يكون اله السماء من أولوياته، وأن لم يتعمق في ماهيته، لمعرفته المسبقه بأن الماهيه الالهية لا يمكن لعقل الأنسان أدراك كنهها، مما جعله يركز على وجوده، وما يعكسه هذا الوجود من تجليات، وما يطلبه اله السماء من الأنسان من أخلاقيات تشتغل على تساميه في عالم التكامل.

التاوية أقتربت من مجال الالوهية بخطوات أكثر من البوذية، وتكلمنا كما ذكرنا في الجزء الثاني من حلقة (الاله في الأديان القديمة في شرق آسيا) عن المبدأ الأول، وعن التاو الذي وصفته بالمطلق والخالق للطاقة والحركة التي تكمن في الأشياء، وهو القائم بنفسه، والذي يقول عنه لاوتسو بأنه لا يعرف أسمه، وفي مكان آخر يصفه بالعظيم، وكل هذه الصفات التي يصف بها لاوتسو تدور حول الألوهيه، وتقترب منها، بل وفي بعض تلميحاته تعني الاله بالخصوص، ومنها قول لاوتسو بوصف التاو (هناك شي بلا شكل، موجود قبل السماء والأرض...) أما كونفوشيوس فيعترف أعترافاً واضحاً، ويقر أقراراً صريحاً باله السماء، ويدعو الى التقرب اليه عند طريق الأخلاص بأقامة الطقوس، ومن خلال الألتزام بالأخلاق التي تدفع بالأنسان نحو التسامي. من مثل الأخلاص والصدق والتواضع، وبالنسبه للحكام أن يُعامِلوا الرعية بالحسنى، وأن يلتزم الأنسان بالفطرة الخيرة التي فطره الله عليها، وهناك قاعدة ذهبيه وضعها كونفوشيوس تقول (عامل الناس بما تحب أن يُعاملوك). فالاله في فلسفة كونفوشيوس ذو بُعد محوري، وفاعل في خلق الكون وصناعة المجتمع القوي والسعيد، بشرط الألتزام بتمجيد الاله (تين) وأجلاله والخشوع له، وأقامة فروض الطقوس بأخلاص وأنضباط، فكنفوشيوس وضع شرطاً لعدم وقوع الأنسان في مستنقع الخطيئة والسقوط والمرض، وذلك من خلال أتباع ما أودعه رب السماء من نظام أخلاقي يستطيع الأنسان التعرف عليه من خلال التعلم من الطبيعة والتثقيف الذاتي والنظره والألتزام بأيحاءات الفطرة السليمة. فاله السماء حاضراً في الخلق والمراقبة والجزاء،وهو القطب والمحور في دائرة الكون وليس كبقية الفلسفات العدمية كفردريك نيتشه الذي اعلن موت الله

لقد ربط كونفوشيوس الأنسان بالاله برابطة قوية، حيث أن الأنسان الكامل في نظره، والذي أطلق عليه لقب (تشون تزو) هو ذلك الأنسان الذي يكون ممتثلاً للاله، وخاصة في النظام الأخلاقي. أن فلسفة كونفوشيوس ترتكز على أن الكون برمته من أبداع رب السماء، وأن الأنسان عليه أن يساير النظام الطبيعي الذي هو جزء منه، وبما أن طبيعة الأنسان وفطرته الأصيلة ذات طبيعة خيرة، فعليه أتباعها من خلال الأستماع الى هذه الفطره التي تسعد بعمل الخير وتمتعض من عمل الشر. كما يدعو كونفوشيوس الى القبول بالقدر بأعتباره تقدير سماوي، ينبغي أن يأخذ مجراه في حياتنا، ونقبله كما قدر لنا، وهذا القبول والرضا سبب في سعادة الأنسان وأختفاء بؤسه وشقائه. لم يقف أيمان كونفوشيوس فقط برب السماء بل يؤمن بكائنات روحية، تشكل ماهية كل الأشياء، وهذه لا يمكن أن يوجد شيء من دونها (موسوعة تاريخ الأديان ج4 فراس السواح). أن أيمان كونفوشيوس برب السماء وبنظامه الأخلاقي وبالكائنات الروحية هو من أضفى على فلسفته الطابع الديني، وهذا الأيمان لا يختص بكونفوشيوس وحده، بل نرى تلميذه (مينغ تزو) قد نحى نفس المنحى، حيث آمن باله السماء الغير مجسد، وأنه قوة روحية لا بد من أطاعتها، وأن السماء في نظره هي من تتحكم بمصيرنا، كما يؤكد أن نظام الحكم الفاضل مدعوم من السماء، وأن هذا الدعم يُرفع حين تكون هناك أساءه من الحاكم، وهذا يوضح بشكل لا يقبل الشك بأن السماء من وجهة نظر الكونفوشيوسية، هي من تخلق الكون، وهي من تضع قانونه الأخلاقي، وهي من تراقب، ومن تجازي على فعل الخير والشر، ومن الملاحظ أن أحد علماء الكونفوشيوسيه وهو (تونغ تشانغ شو 176-104 ق م) ساق دليل على وجود اله السماء جواباً على سؤال الأمبراطور، بنفس الطريقة التي أعتمدها الفيلسوف الألماني عمانؤيل كانط في دليله على وجود الله أعتماداً على وجود المنظومه الأخلاقيه في فطرة الأنسان، حيث قال (تونغ تشانغ شو) (عندما تسود الفضيلة سوف تأتي بشائر خير من السماء أستجابة لذلك)، وهو عين ماقله كذلك تلميذ كونفوشيوس (مينغ تزو) (ان نظام الحكم الفاضل مدعوم من السماء...)، كل ذلك يدل على أن العلاقة التي تصفها الكونفوشيوسية بين الأنسان والاله هي علاقة ديناميكية، وذلك من خلال الأشارات التي ترسلها السماء من دلائل الخير والشر أنعكاساً لسلوك الأنسان وممارساته الأخلاقية.

هناك من المصادر التاريخية من تقول أن الكثير من الأفكار والعقائد التي قال بها كونفوشيوس، هي بالحقيقة أفكار صينية قديمة، ولكن كنفوشيوس جمعها وهذبها، وجعلها في نسق منتظم، وواحده من هذه العقائد، هو اله السماء (تيان) الذي آمن به الصينيون القدماء، وأن السماء كلمة مقدسة عندهم، ولا تعني عندهم بأنها كلمة مقابلة للأرض وأنما تحمل معنى الألوهية الكبرى، وقد ذكرنا بالجزء الثاني من هذه الحلقة أن التاويون يعتبرون (تيان) الاله الأكبر، وهذا ما موجود في كتبهم الخمسة القديمة (الأسفار الخمسة)، وهناك نص في سفر القصائد (23) يُستدل به على هذا المعنى، حيث قال الشاعر (أوجد السماء (تيان) انسان، ودبّر له القواعد لشؤونه، ليتمسك بها عروة وثقى، فيميل البشر الى الفضائل فطرة) كما يمكننا الأشارة الى سفر الوثائق كأقدم سجل بين الأسفار الخمسة فيه عبارات مثل كالاله الأكبر، والمالك الأعلى في أرادته وأوامره للأنسان والمجتمع). وقد أكدت الحضارة الصينية تعلق النظام الأخلاقي باله السماء من خلال ما يذكره التاريخ في عهد أسرة (تشو) (1077-771 ق م) حيث أصبح النظام الأخلاقي السماوي كبرنامج عمل سياسي للحكام والملوك، وننقل هنا نص ينصح فيه الملك الحكيم (شون) خليفته وولي عهده (يو) (لقد نزل عليك السماء (تيان) حظاً عظيماً، وقدر لك أن ترث مني سلطة ومُلكاً.... فكن متواضعاً دائماً.... وأد واجباتك لأجابة مطالب الرعية وحوائج الشعوب... وأن ضاق على الجمهور من أنحاء البلاد معايشهم وشقت شؤونهم، فسيقطعك السماء (تيان) من الحظ والنعمة بتةً) (المصدر: الأوهية في كتاب الوسطية والأعتدال عند مذهب الكونفوشيوسية، مريم سليمان- د أحمد جان الأزهري)، وهنا نلمس العقيدة باله السماء والأمتثال لأوامره متاصله في المجتمع الصيني السابق لكونفوشيوس، والذي نسج على منواله كونفوشيوس.

كما قلنا أن كنفوشيوس قد ورث تراث صيني كبير، لكن مشتت، فجمعه وطوره، وكان للبعد الأخلاقي أهتمام خاص، حتى أنه أدخل فكرة الرحمة (رين) والتي أعتبرها من صميم فطرة الأنسان التي فطر الله الناس عليها. فقد جاء بأحد النصوص الكونفوشيوسية (ان ما أمره السماء (تيان) للآنسان يسمى بالطبيعة الفطرية، وأتباع الآنسان لهذه الطبيعة الفطرية والأهتداء اليها يسمى بطريق الحق ( داو)، ونورد بالأضافة الى ذلك، وما يؤكد أمتداد هذا المعتقد أحفاد وتلاميذ كونفوشيوس ومدى أيمانهم برب السماء، وضرورة أتباع نظامه الأخلاقي، الذي يسير بالتوازي مع النظام الطبيعي الذي جاءت على أساسه المنظومة الكونية، فيقول حفيد كونفوشيوس (تس س) فيما يخص الأعتقاد بربوبية السماء ما نصه في الفصل السابع في كتاب (الوسطية والأعتدال) فمن يزرع حسنة يزده السماء اعلى فضيلة ونعمة، ومن يأت الى السيئه يزده خسارة وهلاكا.... سنة السماء الأعلى قدراً مقدورا).

هناك نقطة جديرة بالأهتمام، الا وهي ما أثاره بعض الباحثين بأن كونفوشيوس لم يتعمق كثيراً في مسألة الألوهية، ومنهم تلميذه (تس تونغ)، فقد قال (يمكن أن تسمع فضائل الأستاذ، وآدابه، ونادراً أن تسمع أحاديثه في طبيعة الأنسان وفي ذات السماء (تيان) وسنته)، وقد أجابه العالم (موزنغ سان) (1909-1990) حيث قال (ان وجود السماء (تيان) وذاته قائم بنفسه موضوعياً، وان الحكيم (كونفوشيوس) غالباً لا يسرف وقته في الأستقصاء عن ذات السماء (تيان) ولا يدخل فيه ظناً عقلياً، اذ كان هذا الموضوع في الحقيقة لا يصل بعقل الأنسان وظنه الى معرفة حقيقته. وبهذا ترك كونفوشيوس الموضوع جانباً، بل من جانب آخر فتح للأنسان باباً وهو التطبيق بفكرة الرحمة (رين) والسير على طريق الحق لمعرفة ارادة السماء (تيان)وعنايته، حتى يتصل الأنسان أخيراً به اتصالاً خلقياً وروحياً) المصدر (الالوهية في كتاب الوسطية والأعتدال عند مذهب الكونفوشيوسية). نرى من خلال ما توصل اليه عقل كونفوشيوس كان مصدره ما تفتق به عقله من أستنتاجات أقتربت به من مباديء الأديان السماوية، وهذا دليل على أن العقول الصافية والفطرة السليمة تقترب بالأنسان من المنبع الألهي المتجسد في مبادي وتوصيات الأديان السماوية..

هذا مجمل ما يخص موضوع الاله في الفكر والديانة الكونفوشيوسية وبأختصار شديد، ولكن قبل أن نأتي على نهاية المقال، أحببت أن نتطرق الى ما أبدع أحد أتباع كونفوشيوس، حيث أضافوا وطوروا بعض المسائل فيما يخص نشوء الكون، ومن هؤلاء ما يُدعى (شوهس) (1130-1200) فقد طور المفهوم الميتافيزيقي للكونفوشيوسية، حيث قدم أفكار مبتكره كمفهوم (المآل العظيم)، وهنا نجمل نظرية (شوهس) بنص ينقله لنا فراس السواح بموسوعته (موسوعة تاريخ الأديان ج4) ما يأتي ( أن هناك مبدأ يسمو على الزمان والمكان، وهو سبق وجود الكون، وسيبقى بعد أنهيار الكون)، وبحسب منهج ( شوهس) فأن الكون بمجمله ما هو الا مبدأ واحد (المآل العظيم)، وأن هذا المآل العظيم مستودع كل المباديء المتحققة والكامنة، وقد عزا (شوهس) القدرة الأبداعية أو التوليدية الى المآل العظيم، وبحسب قول (تشو) بأن المآل العظيم لا يحد بحدود، وليس له شكل مادي، وهذا يعني كما صورها المبدأ التاوي بالمبدأ الأول أو التاو. فالمبدأ عند تشو معنوي وواحد، وخالد ولا متغير، وثابت على حاله، انه يشكل جوهر الأشياء، وهو علة الخلق، خير دائم، انه يمثل العالم الميتافيزيقي، وهو ما يعبر عنه (تشينغ آي) بقوله (ما هو موجود فوق الشكل)، وأن (شوهس) قد جعل الأولويه للمبدأ على القوة المادية، ولكنه يقول أنهما متداخلان بحكم طبيعتهما، ولا يمكن فصلهما ولا يتقدم أحدهما زمنياً على الآخر ولكن للمبدأ أولوية.

 

أياد الزهيري

 

 

اياد الزهيري(البوذية، التاوية، الكنفوشيوسية)

ذكرنا في الجزء الأول من حلقة 11 من سلسلة الاله في الأديان القديمة في الشرق الأدنى في الجزء الأول، الى أن شعوب هذه البلدان عبدت آلهة متعددة، وقد ذكرنا بعض أسماء هذه الالهة، ولكن من المعروف أن تاريخ هذه الشعوب ينبأ عن أعتقاد عام بأنهم يؤمنون بأله السماء الذي يسمى بأسم (تيان)، وقد يأتي بأسماء أخرى مختلفة ولكن بنفس المعنى، ومن هذه الأسماء، ملك السماء، ورب السماء، سيد السماء، أمير السماء،أمبراطور السماء، دوق السماء، لواء السماء، الاله الملك، وللأطلاع هناك كتب تضم قوائم، وسلاسل هرمية للآلهة، ومن ضمنها كتاب (السجل الكامل للآلهة والخالدين)، وكتاب (السير الذاتية للآلهة والخالدين) الذي ألفه (جي هونغ) .

في الجزء الثاني سنتناول الديانة التاوية (الطاوية) بعد أن تناولنا الديانة البوذية في الجزء الأول، وهي ديانة نشأت تحديداً في الصين على يد رجل يُدعى (لاوتسو) وهناك من يدعوه (لاوتسي) في القرن الرابع قبل الميلاد، وهناك مصادر تقول في القرن السادس قبل الميلاد . ففي الوقت التي تدعى بالديانة التاوية، فهي بنفس الوقت مدرسة فلسفية لأنها تعبر عن وجهة نظرها بالكون والحياة، والأخلاق والسياسة، ولاتزال لهذه المدرسة بصماتها الواضحة في الثقافة والحياة الصينية، ونحن كسابق عهدنا في الحلقات السابقة سيكون محور بحثنا هو الاله، وهذا ما سوف نركز عليه.

أن نظرة الصينيون القدماء للاله بأنه مفهوم ذو طبيعة غير مرئيه، ولا مشخصه، ويدعوه ب (تي-يين) وتعني قوة السماء، ويرون أن اله السماء هذا له أرادة أودعها في الطبيعة على شكل نظام، وقد أطلق علية الصينيون في عهد أسرة شانغ (1500-1100) ق م ب (شانغ تي) أي الحاكم الأعلى، ويتصوره كقوة تشغل قبة السماء، ولكن بعد 1100 ق م أُطلق على الألوهية الكونية أسم (تي يين) والذي يعني مسكن الروح الكبرى، وهذا الأسم يذكرنا بأسماء مقاربة أطلقته عليه أديان أخرى قديمه من شعوب وحضارات في أنحاء أخرى من العالم، فالهندوس أطلقوا عليه أسم (برهمان-أتمان) والهنود الحمر ب(الكائن العظيم) أو الروح العظيمة، وأقوام الديولا الأفريقية أسموه ب (القوة الحيوية) وهكذا و ولكن هذه القوة العظمى في نظر الصينين تنطوي تحتها قوى جزئية أقل شأن منها، وهي تعتبر كآلهه ثانوية . هذا المفهوم الصيني القديم يلتقي مع المفهوم الطاوي الذي يدعى التاو، وهو كذلك مفهوم مجرد، وأن يشوبه شيء من الغموض لأقترابه من مفهوم وحدة الوجود في بعض مفاهيم الديانه الهندوسية لأن الطاوية تقول في أحد مقالاتها بأن التاو موجود في كل شيء، فهو موجود بالجبال والماء والشجر والحيوانات ووو، وهو مفهوم أقرب للنظره الحلولية، ولكن من ناحية أخرى تأخذ هذا المفهوم الى حالة مجردة تماماً، حيث تطلق مفهوم أخر يدعى بالمبدأ الأول، وهو مبدأ يسبق مبدأ التاو، وهو الأصل لكل الأشياء، وهو الذي يحكم الأمور الكونية، فهو العلة، وأما التاو فهو المعلول، ولكن من الأمور التي تخلق حالة من البلبة الفكرية، وتضفي حالة من الضبابية، هو أنهم يصفون التاو بصفات تشبه صفات المبدأ الأول، فهم يقولون أحياناً أن التاو عبارة عن الحقيقة المطلقة عن الكون، ووجوده متعال على الزمان والمكان، وأنه لا نهاية له، ولا بداية، وهو عبارة عن أصل الكون وراعيه،وعلى الأنسانية أن تتناغم مع التاو لكي تعيش معه بتوافق، وأن كل ما بالوجود فهو من التاو وفيه ومنه، وأنه أصل الأشياء، لذا تحث الطاوية على التوافق مع النظام الكوني لأنه يعكس المشيئه السماوية، وهنا يتبين أن الطاويه تدمج بين نظرية وحدة الوجود ونظرية الله الخالق، الذي يمثل عندهم بالمبدأ الأول، والأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل أنهم يؤمنون بوجود آلهه ثانويون، وكل منهم له مهامه ووظيفته، ولكن أنا شخصياً أرى بأن الطاويون يميلون بفكرة الله (المبدأ الأول) أكثر من نظرية وحدة الوجود، والدليل ما نجده فيما كتبه مؤسس الطاوية نفسه (لاوتسو) في كتابه (هناك شيء بلا شكل، موجود قبل السماء والأرض، صامت وفارغ، قائم بنفسه، شأنه الدوران بلا كلل، مؤهل لأمومة هذا العالم، لا أعرف أسمه فأدعوه الطاو، ولا أستطيع وصفه فأقول هو العظيم، وعظمته هي أمتداد في المكان الذي يعني أمتداد وبلانهاية، ويعني العودة الى نقطة البداية). وفي مكان آخر يصف الطاويون الطاو بالحقيقة المطلقة عن الكون ووجوده، وأنه لا نهاية له ولا بداية، وهو عبارة عن أصل الكون وراعيه، وعلى الأنسانية أن تتناغم مع الطاو لكي تعيش معه بتوافق . هذا الوصف يبتعد كثيراً عن نظرية وحدة الوجود بأعتبار أن هناك كائن أكبر ومتسامي ولا محدود، وبلا شكل في حين أن الوجود له شكل وحيز من الوجود، وهنا تكمن ضبابية الرؤيه أو الخلط بين المبدأ الأول والذي ندعوه بالله كمسلمين وبين الطاو الذي بالحقيقه أفسره بالنظام الطبيعي الذي أودعه الله في الكون، والدليل على رجاحة هذه النظرة، هو قول الطاويون أنفسهم، حيث يقرون بوجود المبدأ الأول قبل الطاو، وهو أصل كل الأشياء (الطاوية المنشأ والجذور والعقائد الروحية) صبري المقدسي. كما أن هناك من المقولات الطاوية التي تؤكد ما ذهبنا اليه، وهو أن الطاوية تقول بأن الطاو يخلق الحياة ثواباً لفعل الخير، ويخلق الموت لأخافة الشر، وأن الاله يُمكنه أن يعلن عن نفسه في القوة الخيرة والقوة الشريرة، قوة النور وقوة الظلام . كما أن الطاويون يعتقدون بأن الكون يمثل وحدة واحدة، ومنسجمه وعالية الأتقان، لذا ينبغي التوافق معها لكي ننسجم مع الكون، وهذا يتطلب نظام أخلاقي ينسجم مع المسيرة والنظام الكوني . كما أن كتاب (القوة والفضيلة) الذي كتبه (لاو تسو) والذي يدعو فيه الى عبادة الالهه والى فعل الصلاح والخير في العالم، والتقرب الى الطبيعة والأبتعاد عن الملذات بكل أنواعها. كما تقول الطاوية في موقع آخر، أن النظام الأخلاقي الذي تدعو اليه الطاويه، هو أن يكون الأنسان صادقاً ويتصف بالأخلاص والتواضع والأبتعاد عن الحقد والغضب وأن يمارس الرحمة والمحبة مع الآخرين وأن يكون صالح مع الجميع، وأن الأنسجام مع الطاو هو عن طريق مراعات النظام الأخلاقي الذي يشكل أنتهاكه خطيئة بحق السماء. يتضح أن هناك نظام كوني ونظام أخلاقي تصدر من المبدأ الأول (التاو)، ونرى أحياناً هناك فصل بين المبدأ الأول و مبدأ التاو وأحياناً يُدمج وهذا نتيجة لحالة التداخل التي أوجدها الطاويون أنفسهم من خلال ما طرحوه من أفكار في مدرستهم الفلسفية. طبعاً لا يقول الطاويون بوجود واسطه بين التاو والناس كالأديان السماوية، ولكن بنظرهم يتحقق ذلك من خلال التنجيم والسحر والأستخارة والتعلم من الطبيعة. السؤال الذي يطرح نفسه، وهو من الذي يطرح النظام الكوني والأخلاقي الذي من ينتهكه يقترف خطيئه، الله أم الطبيعة؟ فأكيد فكرة الله هي الأقرب لهذا التنظيم الكوني والأخلاقي، وهذا أستنتاج منطقي، يضاف اليه ما جاء بالفلسفة الصينيه القديمة وخاصة كتاب (التغيرات) فكل شيء يجري دون توقف كماء النهر كما يقول كونفوشيوس،(ولكن هذا التغير الدائم يقوم على أرضية ثابتة غير متغيرة، هذه الأرضية هي (التاو) الوحدة الجوهرية الكامنة وراء الكثرة المتبدية، والواحد الذي يعطي للمتعدد الأساس والمعنى، انه البداية العظمى لكل الموجودات) (موسوعة تاريخ الأديان-ج4 فراس السواح)، وهنا يتبين أن المادة هو تبدٍ لشيء خفي غير مادي،وأن اله السماء كما يسميه الصينيون القدماء هي من تشكل عالم الأفكار فوق العالم المادي.

سبق وأن قلنا أن الضبابية تصطبغ بها الطاوية ولم تتخلص منها، وقد عمدنا للتوضيح أعلاه الى الفصل بين المبدأ الأول والتاو، وأعتبرنا أن المبدأ الأول المقصود به الخالق والتاو هو النظام الكوني الذي وضعه الخالق، وهناك نص للاوتسو يبين معى ذلك، وهنا نذكر ما قاله في الفصل الأول:

التاو الذي يمكن التحدث عنه

ليس التاو السرمدي

والأسم الذي يمكن اطلاقه

ليس الأسم السرمدي

هو السابق على السماء والأرض.

هذا التاو الثاني الذي يقصده لاو تسو والذي أيضاً أسماه بالتاو هو المبدأ الأول الذي سبق التاو الذي يمثل القوانين الفيزياوية والحيوية، ويعود لاوتسو في الفصل ال 25 ويوضح أكثر فيقول

هناك شيء بلا شكل

موجود قبل السماء والأرض

صامت فارغ

قائم بنفسه لا يَحَول

شأنه الدوران بلا كلل

مؤهل لأمومة العالم

لا أعرف اسمه فأدعوه: التاو

لا أستطيع وصفه فأقول : العظيم.

أن ما تطرحه التاوية في مجملها، أن هناك مبدأ لا يمكنها وصفه، وهو مجهول الطبيعه لها، ولكنه يمثل علة الأشياء، وهنا ننقل قول لتلميذ لاو تسو، وهو (تشوانغ تزو) جواباً لتسائل من (تونغ كاوتزو) حيث يؤكد له هذه العلة المحركة التي تقف وراء ما يحدث، حيث يقول (في السماء حركة دائبة وفي الأرض ثبات، هل يتنازع القمر والشمس مجريها؟ (وهذا ما يذكرنا بالآية القرآنية) (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون)، ويستمر نص تشوانغ تزو هل هناك قوة خفية تجعلها على ما هي علية؟ هل يتحتم على الأجرام السماوية أن تجري على هذا النحو ولا تستطيع غير ذلك؟ ....رياح تنطلق من الشمال وتهب غربية وشرقية، وأخرى تنطلق نحو الأعلى دون وجهة. أي أنفاس تحركها، ومن بلاجهد يدفع هبوبها؟ ما هي العلة؟) (موسوعة تاريخ الأديان ج4 ص311 .، يكشف هذا النص أن هناك قوة متعالية حكيمه، قادرة، هي من وراء هذا التنظيم الكوني، وهذا ما يرجح بأن مبدأ التاو المقصود هو القوه الحاكمة والعاقلة، وأن الكون لا يمكن في نظر التاوية أن يأتي بشكل تلقائي، لأن تشوانغ تزو يقول (عليك أن لا تسأل عن أشياء محددة يوجد فيها التاو، لأنه لا وجود لأي شيء بدون التاو). يتبع.

 

أياد الزهيري

 

محمد بنيعيشأولا: الانتقاء من غير توفيق قد يؤدي إلى الطعن والتلفيق

يبدو من خلال ملاحظاتنا الموضوعية والعلمية المحايدة أن مسلك ابن تيمية وابن قيم الجوزية في مجال الكتابة والتأليف  قد يتوافق على خط واحد في انتقاء ما يناسب توجهاتهما الخاصة ولا يكادان يلتزمان بما يصرحان به كموقف ومنهج لديهم ومقدمة استدراجية لكسب القراء والأتباع.

1) فمثلا نجد ابن قيم الجوزية يقول: "فاعلم أن في لسان القوم (أي الصوفية) من الاستعارات وإطلاق العام وإرادة الخاص، وإطلاق اللفظ وإرادة إشارته دون حقيقة معناه ما ليس في لسان أحد من الطوائف غيرهم، ولهذا يقولون: نحن أصحاب إشارة لا أصحاب عبارة، والإشارة لنا والعبارة لغيرنا وقد يطلقون العبارة التي يطلقها الملحد ويريدون بها معنى لا فساد فيه وصار هذا سببا لفتنة طائفتين: طائفة تعلقوا عليهم بظاهر عباراتهم فبدعوهم وضللوهم، وطائفة نظروا إلى مقاصدهم فصوبوا تلك العبارات وصححوا تلك الإشارات، فطالب الحق يقبله ممن كان ويردها خالفه على من كان" .

في حين سنجد أستاذه ابن تيمية لا يأخذ بهذا التوسع في التقسيم والأعذار وتحري الصواب في نسبة الأقوال والإسناد، اللهم إلا من باب اعتبار السكر المعنوي عند بعض الصوفية كالشبلي بصفة خاصة وإلغاء الشطحات الصادرة عنه أثناءه كما يحكي عنه إضافة إلى انتقاص مكانته في بعض الأحيان ووصفه بالجنون تلميحا وتعييرا حينما يذكر انه أدخل البيمارستان، لكنه في الغالب يذهب إلى النقد الأهوج والمتطرف وخاصة لابن عربي الحاتمي بالدرجة الأولى حيث يقول عنه كنموذج: "وهؤلاء المتفلسفة قد يجعلون جبريل هو الخيال الذي يتشكل في نفس النبي صلى الله عليه وسلم، والخيال تابع للعقل، فجاء الملاحدة الذين شاركوا هؤلاء الملاحدة المتفلسفة وزعموا أنهم أولياء الله، وأن أولياء الله أفضل من أنبياء الله، وأنهم يأخذون عن الله بواسطة كابن عربي صاحب الفتوحات والفصوص..." ثم يقول: "فإن ابن عربي وأمثاله وإن ادعوا أنهم من الصوفية فهم من صوفية الملاحدة الفلاسفة، ليسوا من صوفية أهل العلم!!!، فضلا عن أن يكونوا من مشايخ أهل الكتاب والسنة كالفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي والجنيد بن محمد وسهل بن عبد الله التستري وأمثالهم رضوان الله عليهم..."

ثم يمضي في الإسقاط والتعميم بدون تحرز أو تحفظ العالم الورع فيقول: "ولما كانت أحوال هؤلاء شيطانية كانوا مناقضين للرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم، كما يوجد في كلام صاحب الفتوحات المكية، والفصوص وأشباه ذلك يمدح الكفار، مثل قوم نوح وهود وفرعون وغيرهم، وينتقص الأنبياء كنوح وإبراهيم وموسى وهارون، ويذم شيوخ المسلمين المحمودين عند المسلمين كالجنيد بن محمد وسهل بن عبد الله التستري وأمثالهما ويمدح المذمومين عند المسلمين كالحلاج ونحوه، كما ذكره في تجلياته الشيطانية!!!"

2) هكذا إذن تمت عملية التسلف ووظفت حركيتها لإنتاج بطالتين متتاليتين ورئيسيتين هما: البطالة الفكرية بصرف العامة والعلماء عن مطالعة كتب العارفين والأولياء، والبطالة الروحية بالتشويش على قلوب الطالبين طريق الحق للسلوك إلى الله تعالى، على منهج التزكية النفسية والاقتداء بالمشايخ الأحياء أهل الصلاح والقدم الراسخة في المعرفة والتسامي الروحي والوجداني، إضافة إلى الانزلاق في البطالة الأخلاقية المتمثلة في الغيبة والنميمة والحسد والتشهير والتكفير والتبديع بغير تحرز أو ضوابط من الورع وسلوك مسلك التأويل أو افتراض عدم نسبة الأقوال إلى صاحبها إن كانت لا تقبل تفسيرا سليما، إلى غير ذلك من الإجراءات الأخلاقية وسلوكيات البحث العلمي الرصين والمتأني في إصدار الأحكام.

فلماذا لا يرجع ابن تيمية إذن إلى مبدأ الخير ويغلبه على ما فهمه ذاتيا ووهميا من الشر الذي يزعمه في أقوال وكتابات وحتى نوايا ابن عربي مثلا؟ لماذا لا يغلب الواضح الصريح على المبهم أو الغامض المشكل حينما تكل آلته الذهنية وحوصلته الفكرية عن استنباط المعنى السليم من الأقوال؟ بماذا سيرد ابن تيمية على إشهاد ابن عربي لله ولرسوله وللأمة جمعاء على سلامة عقيدته وسنيتها حينما قال: "فيا إخوتي ويا أحبائي رضي الله عنكم، أشهدكم عبد ضعيف مسكين فقير إلى الله تعالى في كل لحظة وطرفة وهو مؤلف هذا الكتاب ومنشئه، أشهدكم على نفسه بعد أن أشهد الله تعالى وملائكته ومن حضره من المؤمنين وسمعه: أنه يشهد قولا وعقدا أن الله تعالى إله واحد لا ثاني له في ألوهيته منزه عن الصاحبة والولد مالك لا شريك له، ملك، ملك لا وزير له، صانع لا مدبر معه، موجود بذاته من غير افتقار إلى موجد بل كل موجود سواه مفتقر إليه تعالى في وجوده، فالعالم كله موجود به وهو وحده متصف بالوجود لنفسه، لا افتتاح لوجوده ولا نهاية لبقائه، بل وجود مطلق غير مقيد، قار بنفسه ليس بجوهر متحيز فيقدر له المكان ولا بعرض فيستحيل عليه البقاء ولا بجسم فتكون له الجهة والتلقاء، مقدس عن الجهات والأقطار، مرئي بالقلوب والأبصار، إذا شاء استوى على عرشه كما قاله وعلى المعنى الذي أراده، كما أن العرش وما سواه به استوى وله الآخرة والأولى، ليس له مثل معقول ولا دلت عليه العقول، لا يحده زمان ولا يقله مكان، بل كان ولا مكان وهو على ما عليه كان، خلق المتمكن والمكان، وأنشأ الزمان، وقال: أنا الواحد الحي لا يؤوده حفظ المخلوقات ولا ترجع إليه صفة لم يكن عليها من صنعة المصنوعات، تعالى أن تحله الحوادث أو يحلها أو تكون بعده أو يكون قبلها، بل يقال كان ولا شيء معه..." إلى أن يقول: "فكذلك أشهده سبحانه وملائكته وجميع خلقه وإياكم على نفسي بالإيمان بمن اصطفاه واختاره واجتباه من وجوده ذلك: سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أرسله إلى جميع الناس كافة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فبلغ صلى الله عليه وسلم ما أنزل من ربه إليه وأدى أمانته ونصح أمته ووقف في حجة وداعه على كل من حضر من أتباعه وما خص بذلك التذكير أحدا من أحد عن إذن الواحد الصمد، ثم قال: ألا هل بلغت؟ فقالوا بلغت يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم اشهد، وإني مؤمن بكل ما جاء به صلى الله عليه وسلم مما علمت وما لم أعلم...."

أما الزعم بأن ابن عربي يرى الولاية أفضل من النبوة والرسالة فهذا كلام من توهم ابن تيمية وكلل فكره عن التدقيق في مغزى وأبعاد كلامه، وإلا فإن الولاية تبقى دائما تحت لواء الرسالة والنبوة في الدنيا والآخرة كما يقول ابن عربي بصريح العبارة: "فكان من شرف النبي صلى الله عليه وسلم أن ختم الأولياء في أمته نبي رسول مكرم هو عيسى عليه السلام وهو أفضل هذه الأمة المحمدية وقد نبه عليها الترمذي في الحكم في كتابه ختم الأولياء له وشهد له بالفضيلة على أبي بكر الصديق وغيره، فإنه وإن كان وليا في هذه الأمة والملة المحمدية فهو نبي ورسول في نفس الأمر فله يوم القيامة حشران: يحشر في جماعة الأنبياء والرسل بلواء النبوة والرسالة، وأصحابه تابعون له، فيكون متبوعا كسائر الرسل، ويحشر أيضا معنا وليا في جماعة أولياء هذه الأمة تحت لواء محمد صلى الله عليه وسلم تابعا له مقدما على جميع الأولياء من عهد آدم إلى آخر ولي يكون في العالم، فجمع الله له بين الولاية والنبوة ظاهرا، وما في الرسل يوم القيامة من يتبعه رسول إلا محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه يحشر يوم القيامة في أتباعه عيسى وإلياس عليهما السلام، وإن كان كل من في الموقف من آدم فمن دونه تحت لوائه صلى الله عليه وسلم، فذلك لواؤه العام، وكلامنا في اللواء الخاص بأمته صلى الله عليه وسلم، وللولاية المخصوصة بهذا الشرع المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ختم خاص هو في الرتبة دون عيسى عليه السلام لكونه رسولا..."

فهل يا ترى صاحب هذه العقيدة المعلنة وهذا الفكر الدقيق العميق والسليم من التشبيه والتجسيم والتعطيل في تأسيسه على التقديس والتعظيم والتنزيه والتصديق يمكن وصفه بالإلحاد والزندقة والتلبيس الشيطاني وما إلى ذلك مما أصبح مظهرا للبطالة الفكرية عند متسلفة عصرنا؟

 

ثانيا: الانعكاسات الدورية  للمنهج المتسلف على أقطابه

1)  إن المثل يقول: "كما تدين تدان" وهذا هو الذي حصل عمليا لابن تيمية وجماعته من المتسلفة إلى يومنا هذا! بحيث قد أصبح ينسب إليه القول بالتجسيم والتشبيه والجهة، بل قد يعزى إليه القول بقدم العالم أو قدم الهيولى على غرار زعم الفلاسفة ، لغاية أنه أدخل السجن بسبب عقيدته حتى توفي فيه. فكان كل ذلك يعود في سببه على ما نرى إلى أنه لم يتحرز في تكفير غيره وتبديعه فناله من مسلكه ما أذاقه غيره. حتى إننا نجد النشار يبالغ في وصف ابن تيمية بالتشبيه والتجسيم، بحيث يقول عنه في عدة مواضيع: "وقد أثرت الكرامية في السلف المتأخرين ونادى ابن تيمية بما نادى به الكرامية، واحتضن الحنابلة المتأخرون هذه الآراء وظهرت على أقوى صورة لدى الوهابيين بعد وأصبحت جزء من عقائدهم..." ولم تمت الكرامية... لقد عاشت الكرامية بعد موت مؤسسها...  ثم احتضنها عالم سلفي متأخر ومفكر من أكبر مفكري الإسلام وهو تقي الدين ابن تيمية أو بمعنى أدق سار الحشو في طريقه بدعم فكرة التشبيه والتجسيم ويجتذب إليه مجموعة من أذكى رجال الفكر الإسلامي". "...بقي التشبيه والتجسيم في بيت المقدس وفي دمشق وفي حران، وفي هذه الأخيرة ولد عالم السلف المتأخر الكبير تقي الدين ابن تيمية عام 661هـ، نشأ ابن تيمية في أسرة حنبلية يحيط بها التشبيه والتجسيم، وقد وقع فيهما ابن تيمية وقوعا كاملا" .

ومن دقيق الملاحظة عند النشار حسب دعواه أن التيار الحنبلي المتسلف صار يجتذب إليه مجموعة من أذكياء الفكر الإسلامي، وذلك لأن الذكاء وفي باب العقيدة ليس هو الحد الفاصل في تحديدها والتزامها، لأن مقر الاعتقاد هو القلب وانشراح الصدر إلى الحق، وحينما يصبح العقل وحده هو المفسر للعقيدة والمصور لها فحينئذ قد ينجذب العقل إلى مطالب الخيال الحسي وبالتالي قد يؤلف اعتقاده بحسب تعوده على المرئيات والماديات والمحسوسات خاصة إذا كان صاحب هذا العقل متحجرا ومتشددا في الاعتداد بنفسه وتوهمه امتلاك الحقيقة لوحده.

2)  وإذا كان النشار وغيره يصرحون باتهام ابن تيمية في قوله بالتشبيه والتجسيم وكذلك قدم العالم فإننا قد نتحفظ في هذا الموضوع ولا نجاري هذه الاتهامات رغم ما يمكن أن تحتمله كتاباته وجماعته المتسلفة من عبارات تؤكد صحتها، وذلك حتى لا نقع فيما وقعوا فيه وننزلق في بطالة فكرية وأخلاقية لا نكاد نخلص من وحلها، وأذكر بصورة خاصة مسألة القول بقدم العالم ،إذ نجد في بعض كتابات ابن تيمية نفيا صريحا لها، كما وجدنا عند ابن عربي نفيا صريحا للقول بوحدة الوجود أو الحلول والاتحاد، إذ بحسب ما التزمنا به من أخلاقيات البحث العلمي والعدالة الفكرية فقد ينبغي أن نغلب الصريح الصحيح على المبهم الموهم.

فمن نموذج الصريح في قول ابن تيمية بحدوث العالم نورد هذه الفقرة من مناقشاته "والعلم بصدق الرسول ليس موقوفا على العلم بحدوث العالم، وهذه طريقة صحيحة لمن سلكها، فإن المقدمات الدقيقة الصحيحة العقلية قد لا تظهر لكل أحد، والله تعالى قد وسع طريق الهدى لعباده، فيعلم أحد المستدلين المطلوب بدليل، ويعلمه الآخر بدليل آخر، ومن علم صحة الدليلين معا، كان كل منهما يدله على المطلوب وكان اجتماع الأدلة بوجوب قوة العلم، وكل منهما يخلف الآخر إذا عزب الآخر عن الذهن.

ولكن مع كون أحد العقلاء لم يعلم أنه قال هذا، ومع كون نقيضه مما يعلم بالسمع فنحن نذكر دلالة العقل على فساده أيضا فنقول: كما أنه ما يثبت قدمه امتنع عدمه، فما جاز عدمه امتنع قدمه، فإنه لو كان قديما لامتنع عدمه، والتقدير أنه جائز العدم فيمتنع قدمه وما جاز حدوثه لم يمتنع عدمه بل جاز عدمه، وقد تقدم أن ما جاز عدمه امتنع قدمه، لأنه لو كان قديما لم يجز عدمه بل امتنع عدمه. وتلك المقدمة متفق عليها بين النظار متكلمهم ومتفلسفهم وغيرهم"...

من هنا فقد يمكن القول بأن الخوض في التلفيق الفكري وخلط المناهج مع التركيم المعرفي قد يكون نتيجة حتمية لوقوع مغالطات وسقطات ستعود على أصحابها سلبا لا محالة وسيوضعون على محك المحاكمة الفكرية والنقد أسوأ مما صبوه على غيرهم وذلك من باب إذا كان بيتك من زجاج فلا ترم غيرك بالحجارة.

 

د. محمد بنيعيش

 

 

علي جابر الفتلاويللشيخ محمد جواد مغنية

الشيخ محمد جواد مغنية (1) من علماء لبنان ولد سنة 1322 هج الموافق 1904م في أحدى قرى جبل عامل، درس على المرجع الشيخ حسين مغنية، ثمّ سافر إلى النجف ودرس على عدد من العلماء منهم السيد الخوئي، أنهى دراسته وعاد إلى لبنان وتوفي في 19 محرم 1400هج الموافق 1979م، نُقل جثمانه إلى النجف وصلّى عليه السيد الخوئي، دُفن في أحدى غرف ضريح الأمام علي (ع)، له الكثير من المؤلفات منها كتابه (التفسير الكاشف).(2)

في مقدمة كتابه (التفسير الكاشف) يتكلم عن الدافع لتأليف الكتاب، يقول: ألّفت في العقيدة وأصولها سلسلة من ثمانية كتب صغار، شجعني انتشار السلسلة على تأليف كتب أكبر وأوسع، ودفعت بي مشيئة الله تعالى وتوفيقه إلى تأليف موسوعة فقه الإمام جعفر الصادق (ع) ستة أجزاء كبار، أغراني نجاح الموسوعة إلى تأليف تفسير القرآن الكريم الذي أسميته (التفسير الكاشف). وقد تمّ بتوفيق الله وفضله هذا الجزء – الأول – الذي أقدم له. تكلّم في المقدمة عن معنى التفسير لغة واصطلاحا قال: التفسير في اللغة: بمعنى الاستبانة، وفي الاصطلاح: علم يُبحث فيه عن معاني ألفاظ القرآن وخصائصه. ولابد لعلم التفسير من معدات ومؤهلات، منها العلوم العربية بشتى أقسامها، وعلم الفقه وأصوله، وعلم الحديث، وعلم الكلام، ومنها كما يرى البعض علم التجويد والقراءات. 

عبارة الشيخ محمد جواد مغنية الأخيرة نستوحي منها، أنّه لا يعدّ علم التجويد والقراءات من معدات ومؤهلات علم التفسير. هذه الرؤية يتوافق عليها جمهور علماء الشيعة من علماء الإمامية، والسبب عندهم أنهم يرون عدم التواتر في القراءات أي توجد قراءة واحدة للقرآن وليس قراءات، (والمعروف عند الشيعة أنّها غير متواترة بل القراءات بين ما هو اجتهاد من القارئ، وبين ما هو منقول بخبر الواحد. واختار هذا القول جماعة من علماء أهل السّنة).(3)

قد يهتم المفسّر بالقراءات لعلاقتها بالإعراب، الاهتمام بالإعراب مدخلا للقراءات لكنّ جمهور علماء الشيعة متوافقون بعدم التواتر في القراءات. من هؤلاء السيد مصطفى الخميني في تفسيره (تفسير القرآن الكريم)، أنّ التنوع ليس من باب تنوع القراءات، لأن قراءة القرآن واحدة منذ النزول إلى اليوم، بل من جهة المرجّحات الاعتبارية والاستحسانية، أي بناء على الموقف الشخصي للقارئ.(4)

يرى الشيخ محمد جواد مغنية، أن هناك شيئا آخر يحتاج إليه المفسّر، وعنده هو أهم وأعظم من كل ما ذكره المفسّرون في مقدمة تفاسيرهم، يقول:

 لم أرَ من أشار إليه وقد اكتشفته بعد أن مضيتُ قليلا في التفسير، وهو أن معاني القرآن لا يدركها ويعرف عظمتها إلّا من يحسّها من أعماقه، وينسجم معها بقلبه وعقله، ويختلط إيمانه بها بدمه ولحمه، واستشهد بقول الإمام علي (ع): ذاك القرآن الصامت، وأنا القرآن الناطق. وأضاف: أن المفسّر الذي لا يأتي بجديد لا يملك عقلا واعيا، وإنّما يملك عقلا قارئا وبحكم رؤيته هذه وصل إلى نتائج منها:

أنّه أيقن وهو يفسّر القرآن أنّه لا إيمان بلا تقوى، وأنّ الجّنة حرام إلّا على من جاهد وضحّى في سبيل الحق، وأنّ جميع أصول الإسلام وفروعه ترتبط بالحياة ارتباطا وثيقا. وتوصل إلى نتيجة أنّ أجهل الناس بحقيقة الإسلام ومراميه هم المنتمون إليه. وذكر أن كلّ مفسّر لا بدّ وأن يمتلك مؤهلات علم التفسير من الاحاطة بعلوم اللغة العربية وعلم الفقه والحديث.. إلى غير ذلك من العلوم التي تؤهل المفسّر ليكون مفسّرا من الناحية العلمية وضرورة أن يمتلك المفسّر مؤهلات شخصية كالشعور بالمسؤولية والوعي الذي يتناسب مع العصر الذي يعيش فيه، كي يستطيع المفسّر الربط بين ما يحصل من تقدم بالعلوم المختلفة التي لها علاقة بالتفسير.

أرى وجود مفسّرين استفادوا من التقدم العلمي في زمانهم، منهم مؤلّف تفسير الميزان السيد محمد حسين الطباطبائي، قال: هناك مسميات مادية ذُكرت في القرآن مثل السراج والميزان والسلاح وغيرها هذه المسميات محكومة بالتغير والتبدل في المعنى حسب تبدل الحوائج، فالسراج أول ما عمله الانسان إناء فيه فتيلة وشيء من الدهن للاستضاءة به في الظلمة، ولم يزل يتكامل حتى بلغ اليوم السراج الكهربائي. وكذا الميزان حتى وصل اليوم لتوزين الحرارة مثلا، والسلاح سابقا والسلاح المعمول اليوم إلى غير ذلك من المسميات، المسميات بلغت في التغير إلى حيث فقدت جميع أجزائها السابقة ذاتا وصفة والاسم مع ذلك باقٍ، لأنّ المراد في التسمية هو الغاية لا الشكل والصورة فما دام غرض التوزين أو الاستضاءة أو الدفاع باقيا كان اسم الميزان والسراج والسلاح وغيرها باقيا.(5)

النتائج التي توصل إليها الشيخ مغنية أثناء تفسيره للقرآن، نتائج سليمة، لكن من النتائج التي أشار إليها، قوله:

أيقنت وآمنت بأنّ أجهل الناس بحقيقة الإسلام ومراميه هم المنتمون إليه.

لا اتفق مع الشيخ محمد جواد مغنية في هذه النتيجة، لأن التعميم يصادر حتى جهود الشيخ مغنية نفسه، وغيره من العلماء الذين وظّفوا مواهبهم وطاقتهم لخدمة الإسلام والمسلمين، من فقهاء ومفسرين ومجاهدين وعلماء في علوم مختلفة.

 يصف الشيخ مغنية المفسّر، أنّه يعبّر عن فهمه وتصوره لمعاني القرآن ومقاصده كما هي في ذهنه، لا كما هي في واقعها. أي المعيار هو العقل عند المفسّر، أرى نتيجته هذه واقعية. وتؤشر على الوعي الكبير للشيخ مغنية، بناء على هذه النتيجة نرى التنوع في التفسير والتجديد المستمر فيه حسب اجتهاد وقدرات المفسّر واستفادته من تطور العلوم في عصره لتوظيفها في خدمة التفسير وليس العكس.  وقد أشار إلى ذلك السيد محمد حسين الطباطبائي في مقدمة الميزان، إذ أن البعض يعد المكتشف من العلوم حقيقة لا يمكن الطعن بها، ولا يتصور القائل بذلك احتمال الخطأ في المكتشف من العلوم، أو احتمال تبدل المعلومة في المستقبل بناء على مكتشف جديد بسبب التقدم في العلوم، إنّ حمل معاني الآيات على المكتشف من العلوم لا يعدّ تفسيرا، بل اسماه السيد الطباطبائي تطبيقا، يقول:

إن تحميل ما أنتجته الأبحاث العلمية أو الفلسفية من خارج على مداليل الآيات فتبدل به التفسير تطبيقا وسُمّي به التطبيق تفسيرا، وصارت بذلك حقائق من القرآن مجازات، وتنزيل عدة من الآيات تأويلات. (6)

من رؤى الشيخ محمد جواد مغنية في مقدمة تفسيره، وهي مبادئ سار عليها في منهجه يقول: أن سور وآيات القرآن الحكيم ترتبط جميعها برابط مشترك وهو الدعوة إلى أن يحيا الناس، حياة طيبة يسودها الأمن والعدل، ويغمرها السلام. إنّ أسلوب الدعوة في القرآن يقوم على الحكمة والموعظة الحسنة، بمعنى أن القرآن يخاطب القلب والعقل، إذ يعرض في دعوته إلى الله بدائع المخلوقات وعجائب الكائنات، مع تحذير للمشاغبين والمعاندين من سوء العاقبة والمصير ويضرب لهم الأمثال من الأمم السابقة، كما فعل شعيب مع قومه، فإن أصرّوا على العناد تركهم وشأنهم. تطرق الشيخ محمد جواد مغنية كذلك في مقدمة تفسيره إلى ركائز الدعوة إلى الحياة الطيبة، مستشهدا بآيات من القرآن الكريم، وعلى ضوء هذه الركائز قام بتفسير القرآن المجيد، نذكر هذه الركائز باختصار:

 إنّ الإنسان لم يوجد في هذه الحياة صدفة ومن غير قصد. إنّ الله سبحانه لم يترك الإنسان تتحكم فيه الأهواء والنزوات، بل اختطّ له طريقا سويا لا يجوز أن يتخطاه ويتعداه. مسؤولية كل إنسان صيانة الأمن والنظام، ومَنْ أخلّ به وسعى في الأرض الفساد عوقب بأشدّ العقوبات في الدنيا، وله في الآخرة عذاب أليم. كل إنسان له قدسيته الانسانية، حتى ينتهك هو حرمة نفسه بارتكاب جريمة ترفع عنه تلك القدسية والحصانة الانسانية. العلاقات بين الناس تقوم على أساس حصانة كرامة كل فرد من غير فرق بين الذكر والانثى والأسود والابيض والغني والفقير، من أي ملّة كان ويكون. إنّ الإيمان بالله ونبوة محمد (ص) واليوم الآخر وما إلى ذاك من الأصول والفروع ليس مجرد شعار ديني يرفعه القرآن، بل تقترن بالعمل الصالح.. وهذا دليل على أنّ أية دعوة لا تمت إلى الحياة بصلة فما هي من الدين في شيء. أخيرا يقول: وعلى ضوء هذه الركائز حاولت أن أفسّر آي الذكر الحكيم.

يتكلم الشيخ العلّامة محمد جواد مغنية في مقدمة تفسيره كذلك، عن الضوابط العامة التي يجب أن يسير المفسر في ضوئها، كي يسير التفسير في الطريق السليم، يقول: المنهج الذي اتبعته في التفسير يتألف من الضوابط التالية:

 نظرت إلى القرآن على أنه كتاب دين وهداية، واصلاح وتشريع يهدف إلى أن يحيا الناس جميعا حياة تقوم على أسس سليمة؛ يسودها الأمن والعدل والرفاهية. اهتمّ جماعة من المفسّرين القدامى باللغة، وأطالوا في بيان السّر لإعجاز الكلمة والأسلوب. يقول: لم أتعرّض لشيء من هذا النوع. وإذا كان لكل تفسير لون يغلب عليه، فإن اللون الذي يغلب على تفسيري هو عنصر الإقناع بأنّ الدين يستهدف خير الانسان وكرامته وسعادته وكي أصل إلى هذه الغاية حاولت جهدي أن يجيء الشرح سهلا بسيطا واضحا. اهتم المفسّرون القدامى بالتراكيب الفصيحة، والمعاني البليغة بناء لحاجة عصرهم اتجهت في تفسيري لإقناع الجيل بالدين، وأنّه يسير مع الحياة ولا يعني هذا أني أغفلت الجهات النافعة التي تعرّض لها المفسرون الكبار. خاصة المشكلات الفلسفية كما خصصت في الغالب لكل آية فقرة بعنوان اللغة لتفسير بعض المفردات غير المألوفة، وفقرة أخرى بعنوان الإعراب لبيان بعض المشكلات النحوية، أما علم البيان والبديع فقد تركته لكشاف الزمخشري وللأندلسي الغرناطي في كتابه البحر المحيط. عدّ الشيخ مغنية الاسرائيليات في بعض التفاسير خرافة. تجاهل الروايات في أسباب التنزيل إلا قليلا منها. لم يهتم بتفسيره في ذكر العلاقة والمناسبة بين الآيات، وذكر السبب لأن القرآن نزل منجما. يقول:

 اعتمدت في تفسير الآية على حديث ثبت في سُنّة الرسول (ص). فإذا لم يكن حديثا من السُنّة اعتمدت ظاهر الآية وسياقها، إذا تعارض ظاهر الآية مع حكم العقل وبداهته أوّلت اللفظ بما يتفق مع العقل، باعتباره الدليل والحجة على وجوب العمل بالنقل. إذا تعارض ظاهر اللفظ مع اجماع المسلمين في كل عصر وبلد على مسألة فقهية حملت الظاهر على الإجماع. أقوال المفسّرين لم يتخذ منها حجة قاطعة بل مؤيدا ومرجحا لأحد الوجوه إذا احتمل اللفظ لأكثر من معنى. أخيرا يعتذر الشيخ محمد جواد مغنية في المقدمة من الأخطاء المطبعية.

من خلال قراءتي لمقدمة تفسيره، أشخص منهجه التفسيري، أنّه يعتمد المنهج العقلي مع توظيف أو عدم الاستغناء عن المناهج والاتجاهات التفسيرية الأخرى، لتوظيفها مع العقل في تفسير الآيات، واعتماد المنهج العقلي مؤشر على أنّ المفسّر فقيها مجتهدا، وقد يكون عارفا ومجتهدا في علوم أخرى. 

 

علي جابر الفتلاوي

..............................

 المصادر:

(1): محمد جواد مغنية، التفسير الكاشف، م1، المقدمة، ص5 – 17 ، مؤسسة دار الكتاب الإسلامي، قم، الطبعة 4، 1438 هج /2007م .

(2): الموسوعة الحرة، محمد جواد مغنية، www.ar.wikipedia.org.

(3): أبو القاسم الموسوي الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ص137، ط4، الكويت ، 1979م.

(4): علي جبار الفتلاوي، المنهج التفسيري للسيد مصطفى الخميني، ص159 – 160 ، دار الفرات للثقافة والإعلام في الحلة، 1442هج/2020م .

(5): محمد حسين الطباطبائي، الميزان، ج1، المقدمة،  ص9 ،ط1، دار الأضواء، بيروت، 1431هج/2010م. 

(6): المصدر نفسه، ج1، المقدمة، ص8.

 

اياد الزهيري (البوذية، التاوية، الكنفوشيوسية)

من المعروف تاريخياً أنه يوجد عدد لا يحصى من الآلهة تعبدت فيها شعوب بلدان جنوب شرق آسيا بالأضافة الى الصين واليابان ومنغوليا، حيث يوجد في معتقداتهم  اله لكل ظاهرة كونية، وأن مقام كل اله في السلم الهرمي للآلهه يتحدد حسب وظيفة كل اله، كما أن هناك آلهه يرجع أصلها الى الأسلاف، حيث أكتسبوا درجة الألوهية بسبب ما قاموا به من أعمال عظيمة وكبيرة، وأن هذه الالهه المتعددة، هي بالحقيقة تجلي لروح السماء، وقد وصف (والتر ميدهورست) (1796-1857) هذه الحالة مانصه (السماء العليا هي سيد لمئات الأرباب). ومن الألهه القديمة لديهم مثل (تيان) و(شانغدي) (الاله العظيم)، وتاي (العظيم الوحداني) وتياندي (اله السماء) أو أمبراطور  السماء، وتيانجو (رب السماء)، وتيانههوانغ (ملك السماء)، ولوتانيا (الأب السماوي القديم) وهناك الكثير الكثير من الالهة ولكنها بالحقيقة تعبير عن اله السماء ولكن بأسماء مختله، ولكني أردت أن أحصر الموضوع الذي نحن بصدده في ثلاث أديان رئيسية، وهي البوذيه والتاويه والكونفوشيوسية بأعتبارها هي الأكثر أنتشاراً،  ومعتنقيها الأكثر عدداً والتي لا زال لها وجود ومريدين لحد الان، كما أن  أحدهم وهي الكنفوشيوسية  لم يكن لها مريدين كديانة ولكن لها من البصمة الواضحة على الحياة الثقافيه خاصةً في الصين، وهناك الكثير من الأخلاقيات والممارسات الثقافيه والعادات والتقاليد في حياة هذه الشعوب،تنتمي بأصلها للكنفوشيوسية .

نتناول في الجزء الأول من هذه الحلقة الديانة البوذية، وهي الديانة الأكبر من بين هذه الديانات  الثلاثة بسبب سعت وأنتشار مريديها مقارنةً مع التاوية والكنفوشيوسية، كما لعل البعض يتسائل في كيفية أحتساب البوذيه على أديان الشرق الأدنى وهي بالأصل ذات منشأ هندي، بأعتبار مؤسسها بوذا ولد بشمال شرق الهند ومات فيها، والجواب، صحيح أنها ديانة هندية الأصل لكنها تمددت وبشكل واسع الى بلدان الشرق الأدنى وخاصة الصين ومنغوليا بشكل كبير جداً حتى فاق كثيراً أعداد مريديها بالهند . نحن سوف نركز جل أهتمامنا حصراً في مسألة الألوهية في هذه الأديان، وهي أديان بالحقيقة تشترك في الكثير من المشتركات،  بالخصوص في الجانب الأخلاقي والسلوكي،بأتخاذ الزهد كطريق في ممارسة الضبط النفسي، كما أعتمدت على الرياضات النفسية كضابط وكابح لغرائز ورغبات الأنسان والتي يعيق أستفحالها تحرر الأنسان وتساميه نحو النرفانا، كما أنها أديان تشترك بهدف مشترك، الا وهو رفع البؤس والشقاء من على كاهل الأنسان، ولكن طريقتهم في تحقيق ذلك ليس من موضوع بحثنا وهو أمر طويل وعميق.

بالحقيقة أن مؤسس البوذية غوتاما بوذا (563) ق.م لم تشغلة مسألة الألوهية، ولم يتعاطى فيها كثيراً، وأنما كان جل نشاطه الفكري والعملي هو التركيز على قضية الشقاء والبؤس الأنساني، وكيف يتحرر الأنسان منه، وما هو السبيل في الوصول الى حالة التحرر والأنعتاق والتنعم بحالة النرفانا، وهي تمثل أرقى حالات التسامي، وهي  نظره تمثل الحاله النهائية والأصلية للوجود، لأن بوذا يعتبر الأصل هو الفراغ، والذي هو أصل كل الموجودات، فمثلاً على سبيل الحصر أن من تقنياته السلوكية للسير في طريق التحرر والصفاء هو عدم تكوين أسرة، لأن الأسرة سوف تتكاثر، وتكون هناك زوجة وأبناء، وستكون هناك بينهم علاقة حب، ولكن لاشك سيتولد من هذا الحب بؤس وشقاء كنتيجة طبيعية لموتهم نتيجة المرض والحوادث مما تكون سبباً لشقاء الأنسان، وهكذا مع التملك والجنس، فكانت هذه الأمور هي ما شغلت بال بوذا، ففلسفته أقرب ما تكون ذات جانب نفسي وأجتماعي.

من الملاحظ بالوقت الذي يكون فيه المعلم الأول للبوذية لم تشغله كثيراً قضية الآلوهية، لكن نرى مريديه، وهم كُثر كان هاجس الألوهية لم يفارقهم، وقد أضافوا للبوذية أهتماماً أخر بالأضافة للجوانب الأخرى من أهتمامات هذه الديانه، وقد ظهرت مدارس وطوائف كثيرة جداً، وعلى سبيل المثال ظهرت في النصوص البوذية المتأخرة ما يؤكد أن البوذا كان كائناً ألهياً، يعيش في سماء توشيتا، ومن هناك جاء الى الأرض، وكانت هذه أول محاولة لتأليه بوذا، وترجمةً لذلك المعتقد نرى في معابد تايلاد البوذية صور للكائن العظيم (بوذا) حيث تكون تماثيله وصوره محاطه بالشمعدانات وأعواد البخور والمزهريات الذهبية، وهم يعتقدون بأن شخصية بوذا حية وفائقة الطبيعة، وقادرة على أن تسمع وتستجيب الدعوات، وأن الاله بوذا جاء ليخلص البشرية من الألم والشقاء، طبعاً هناك من الأساطير في ال (جتكا) من القرن الثاني ق.م تشرح كيف أصبح الكائن العظيم الذي صار بوذا ونزل الى الأرض، وبأختصار تروي الجتكا أن هناك ألهه هي من ذهبت الى السماء توشيتا، وطلبوا من الكائن العظيم أن يأتي الى الأرض، وهذا يعني أن الديانه البوذية بعد موت بوذا قد آمنت بوجود آلهه ثانويون، كما أن هناك في نظرهم اله أعظم والذي يدعوه ب (الكائن العظيم) وأن هذا الكائن العظيم هو من دخل في رحم أم بوذا وبواسطة الملائكة  ولدت بوذا. كما أن هناك ملاحظة مهمه جداً الا وهي أن بوذا كان يركز على الجهد الذاتي في عملية الخلاص، بينما المدارس البوذية التي أتت من بعده تقول أن الخلاص لا يتحقق بالجهد الذاتي وحده، بل كذلك بمعونة الكائنات الآلهية، وهذا هو سر أقامة الصلوات والطقوس التي يبتغي من خلالها البوذيون ألتماس المساعدة من الالهة في مساعدتهم بالعبور الى مرحلة التحرر ومساعدة الموتى، والخلاص من الألم والمرض والشقاء الذي يعانون منه في حياتهم، وهم يؤمنون أن هذه الكائنات الالهية تسكن السماء، وهي كائنات فائقة الطبيعه والقوة، حتى أن طائفة المهايانا البوذية تعتبر بوذا خالد في السماوات.

أن حالة الفراغ النهائية  التي جاء بها بوذا والتي ينتهي اليها العالم، والتي تمثل الحقيقة والأصل لكل مظاهر الكون لم تقدم لأتباعه الا حالة ضبابية معتمه ومشوشة، لأن لا يمكن للفراغ أن يكون سبب لعالم مادي، لذا أخذت أحد طوائف البوذية والتي تسمى بالمهايانية موقفاً أكثر وضوحاً، حيث أنشأوا فكرة (الجسد الثلاثي) والذي يدعي فيه أن لبوذا ثلاث أجساد : الأول هو جسد بوذا الكوني أو المطلق، وهذا ما يذكرنا بالمبدأ الهندوسي الاله (برهمان-أتمان) والذي يُعتبر الحقيقة النهائية للعالم والاله الكوني وتسميه هذه الطائفه ب (دارماكايا)، وهناك جسد ثاني، هو جسد النعيم الروحي، والثالث جسد الأشكال الدنيوية، ولكن الشكل الأول يشير الى الحقيقة الخالدة لبوذا، وهي الأساس والمصدر للعالم، وهو غير شخصي، وغير مميز . هذا الشكل الأول هو قاع الوجود الذي كان يقطن في السماء نوشيتا والذي نزل الى الأرض ليصبح البوذا التاريخي (موسوعة تاريخ الأديان ج4 فراس السواح).وعندما أنجز بوذا الرسالة الأرضية رجع الى مصدر كل الوجود (الدارماكايا) . هذا الأعتقاد جاء نتيجة طبيعية لما ترك فيه بوذا أتباعه في حالة من الفراغ المحير . فالفراغ حالة محيرة، لأنها غير منطقية، وهذا ما جعلهم يبحثون عن مخرج يطفئ ضمأهم عن طريق تلمس خالق لهذا الوجود الذي لا يمكن تجاهل التسلسل السببي لوجوده، والهاجس الشعور الذي يخالج مشاعر الأنسان، وهنا يمكننا الذهاب الى راهب صيني أسمه (تشيهي) وقد يكون هذا أكثر وضوحاً من مدرسة المهايانية، حيث يقول أن البوذا هو تجل للمبدأ الكوني الذي يسري في الكون بأسره، والموجود حتى في أصغر أشيائه، وأن هذا المبدأ هو ماتقصده الجماهير البوذيه عن طريق ما تؤديه من شعائر وطقوس للوصول الى الرؤية الوجديه (النرفانا) وهذا المبدأ الكوني هو ما تأول اليه كل الأشياء، وهو الحقيقه الكلية ومآل كل الأشياء.

.بالحقيقة أن بوذا كان ملحداً أو لا أدرياً بأقراره أن أصل الكون ومرجعه هو الفراغ، وهو تصور ضبابي، وحتى جعل تابعيه في حيره من أمرهم، وهو تصور بالحقيقه للايمت للمنطق بشئ لأن الفراغ لا ينتج عالم مادي، فليس من المعقول أن هذا الكون بنجومه وكواكبه التي تُعد بالبلايين أن تأتي من حالة فراغية وتنتهي الى فراغ، وأن حالة الأتقان في الصنع الكوني لا يمكن أن تأتي من فراغ، فالأمر لا يمكن التسليم به في قياس أبسط منطق . هذا الأمر هو ما دعى أتباع بوذا الى سد فراغ هذه الحلقه الغير محكمه الذي تركها بوذا، والذي ترك لهم نهاية سائبه وضبابية، وهذا الأمر من الأسباب التي جعلت الباب مفتوحة على مصراعيها في الأجتهادات والمدارس البوذية عبر الزمن، لذا نرى فقط باليابان هناك حوالي ثلاثمئة طائفة بوذيه، ويجري على نفس الوتيره في أقطار مثل الصين ومنغوليا وبقية دول جنوب شرق أسيا.

أنطلاقاً من فكرة بوذا بالفراغ الكوني التي لم تقنع مريديه، ومن هاجس الأحساس لدى فطرة الأنسان بوجود سبب أولي لهذا الكون، وأيماناً منهم بوجود قوى غير مرئية، هي من تؤثر فيما يجري من حولهم من أحداث كونية، ولا يمكن كذلك أستبعاد موروثهم الفكري وأيمانهم بوجود آلهه . كل هذه الأمور هي من حدت براهب صيني يدعى (تشيهي) بأن يدعي بأن العالم كل العالم بما فيه بوذا، هو عبارة عن تجلي لمبدأ كوني،  وهو أكيد شيء غير متصور وأزلي، ولم يتوقف الأمر على هذا الراهب، فنجد كذلك مدرسة بوذية أخرى تدعى (مدرسة السر) والتي أدعت بوجود مجمع آلهه من الكائنات البوذية المُخَلصة، والتي يُلتمس عندها عن طريق الأبتهالات والصلوات والطقوس الشفاء من المرض، وضمان الصحه والحظ السعيد، وأكيد هذا اللون من العبادة لا يمكن الا ليكون موجه الى كائن يعتقدون به بالأجابة لدعواتهم والقدرة على تنفيذها، وقد عبر أحد رواد هذه المدرسة ويدعى (كوكاي) عن هذا الاله ب (الكائن الواحد، الكلي، الشمولي، وهو بوذا العظيم، وهو الشمس العظيمة، وأن البوذات الآخرون أنبثاقات منه، وأطوار من طاقته التي لا تنفذ) . أن صلوات وطقوس وأبتهالات الفرد البوذي، وطلباته في الشفاء ودفع الضرر، وجلب المنفعه، لا يمكن أن تكون لولا وجود أعتقاد بوجود رب يسمع ويستجيب لدعواتهم .

قلنا أعلاه أن الحالة السائبة التي ترك بوذا به فلسفته وبالتالي أتباعه ومريديه، هي من فتحت الباب لأجتهادات كثيرة وعديدة، لأن الشوق للآله موجود في صميم تكوين الأنسان، وحالة فطرية لا يمكن تجاوزها، وهذا ما جعل أتباع بوذا رغم تقديسهم له لحد العباده، خرجوا بأجتهادات لم يأتي هو بها، ومن هذه الأجتهادات ما أتت بها طائفه بوذية تُدعى ب(التنترية)، وهي بالهند، حيث يعتقد هؤلاء بأن لكل الهه  تتمة على شكل زوجة، وأن القدرة العليا لا تتم الا من خلال هذا الأتحاد بين الاله وزوجته، حتى كان لهم علم أنساب للالهه، ويعتقدون بوجود خمسة بوذوات ربانيين سماويين هم (أميتابها) و(أكشوبهيا) و(أموغهاسيدي) و(رتنسمبهفا) و(فايروكانا)، ويفترض كما يزعمون قد أنجبتهم جميعاً (أدي- بودا) وهي تعتبر ماهية البوذا، والمصوره عاى أنها اله قصي يتصرف بصاعقة سحرية، وهناك من البوذيون من يقولون أن الاله (فايروكانا) كان الكائن السماوي الذي تسبب في ظهور بوذا غوتاما، كما أن هناك طائفه بوذية تبتية تدعي أن الأنسان بصلاته ونسكه وبأدائه للطقوس، وما يتفوه به من الفاظ صوفية تؤهله للدخول في النرفانا، حيث تضعه على مستوى واحد مع القدرة الالهية التي يتقرب اليها. ومن العجيب أن الديانه البوذيه بدأت ملحده أو لا أدرية وأنتهت بأتخاذ مؤسسها أله، والذي هو تجلي للاله أو المبدأ الكوني، والبعض من طوائفهم يسمونه بالكائن السماوي، وأن أتباع بوذا يطلبون عن طريق أدعيتهم وصلواتهم، وأداء طقوسهم من القوى الغيبية أن تجلب لهم الخير وتدفع عنهم الشرور، وأن طائفة التنترية تزعم بأنها يمكن أن تنشأ أتصالاً فعلياً مع الالهه والذين هم خمسة وثلاثون الهاً تنترياً أو أكثر وذلك عن طريق المودرات، وهي أوضاع خاصة بحركة اليد، تؤدى بطقوس خاصة. يتبع.

 

أياد الزهيري

 

محمد بنيعيش1) إذا كانت العقيدة بصورتها اللغوية قد تعني الربط والشد، وهذا آت من عقد يعقد حبلا أو شيئا آخر غيره، وإذا أمكننا تعريف العقيدة عقليا وتجريديا بأنها مجموعة قواعد أو تصورات معرفية يقف عندها الإنسان ويربط عليها عزمه ويبني عليها إرادته فتصير جزء أساسيا من كيانه تتميز به شخصيته وتنعكس عنه أفعاله الظاهرية، بحيث تكون العقيدة الملتزمة كقاعدة هي "المعرفة الباعثة للقدرة المنبعثة عن الإرادة"، وإذا كان هذا هو وصف العقيدة من حيث هي عقيدة مجردة ، فإن عقيدة التوحيد بما تحمله من معرفة مقدسة ورفيعة، وبما يلتزمه الموحد من تكامل بين التصور والنظر والسلوك ستجعل شخصية المسلم شخصية التكيف مع المنظومة الكونية والتآلف مع الوجود من حيث هو جماد أو حيوان، من حيث هو عاقل أو غير عاقل. فالإنسان وليد إرادته وإرادته وليدة عقيدته، ولهذا التلازم في الارتباط الذي يميز العقيدة الإسلامية فقد كانت ظاهرة التذبذب في الحركة والعمل هي الطابع الغالب على سلوك المنافقين الذين لا عقيدة لهم تشد تصورهم وتثبته، كما يقول الله تعالى: "إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا، مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء"[1]

ومن هذه القاعدة الخاصة بالعقيدة أدرك بعض العلماء المسلمين ،من خلال متابعتهم للنصوص القرآنية والحديثة ومن خلال الملاحظات النفسية والسلوكية ،بأن علم التوحيد كعلم  هو ذو فعالية وانعكاس إيجابي على واقع الحياة العامة ينبغي أن يكون جامعا بين نوعين من أركان علم التوحيد متلازمين تلازما ذاتيا من غير إسقاط أو إغفال،كما ذهب إليه تقي الدين ابن تيمية، وهما: توحيد الربوبية المحدد لصحة العقيدة والتصور، وتوحيد الألوهية الضابط للغاية المحورية من العمل والسلوك. وأن الموحد لن يصل إلى التوحيد بمفهومه الدقيق إلا إذا جمع بين هذين الركنين وترقى في سلمهما إلى أن يحصل على التوحيد الخالص والمطلوب شرعا، وهو الغاية القصوى والمقصد الابتدائي والنهائي للدعوة الإسلامية.وهذا قد يقترب مفهومه من التقسيم الذي ذهب إلى اعتبار الأدلة القرآنية برهانية من دليلين رئيسيين ومتلازمين في آن واحد وهما دليل العناية ودليل الاختراع كفصل بينهما منهجا وأسلويبا أو هما معا كجمع وتكامل ،كما يرى ابن رشد الحفيد.

2) وفي هذا المضمار نجد ابن خلدون يقول: "وكذلك المريد في مجاهدته وعبادته لا بد وأن ينشأ له عن كل مجاهدة حال نتيجة تلك المجاهدة، وتلك الحال إما أن تكون نوع عبادة فترسخ وتصير مقاما للمريد وإما أن لا تكون عبادة وإنما تكون صفة حاصلة للنفس من حزن وسرور أو نشاط أو كسل أو غير ذلك من المقامات، ولا يزال المريد يترقى من مقام إلى مقام إلى أن ينتهي إلى التوحيد والمعرفة التي هي الغاية المطلوبة للسعادة، قال صلى الله عليه وسلم "من مات يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة…"[2]

وهذا المفهوم يغلب وروده عند الصوفية، ويسلِّم به الكثير من العلماء المختصين في الدراسات التوحيدية سواء من المتكلمين أو الفقهاء وغيرهم كما نجد تعبيرا جيدا عن خصوصيات علم التوحيد عند المسلمين يقول فيه ابن تيمية: "فالتحقيق بالأمر والنهي والمحبة والخوف والرجاء، يكون عن كشف علم الإلهية والتحقيق بالتوكل والتفويض والتسليم يكون عن كشف علم الربوبية وهو علم التدبير الساري في الأكوان كما قال عز وجل "إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون". فإذا تحقق العبد لهذا المشهد ووفقه لذلك بحيث لا يحجبه هذا المشهد الأول فهو الفقيه في عبوديته. فإن هذين المشهدين عليهما مدار الدين فإن جميع مشاهد الرحمة واللطف والكرم والجمال داخل في مشهد الربوبية، ولهذا قيل، إن هذه الآية جمعت جميع أسرار القرآن "إياك نعبد وإياك نستعين" لأن أولها اقتضى عبادته بالأمر والنهي والمحبة والخوف والرجاء كما ذكرنا، وآخرها اقتضى عبوديته بالتفويض والتسليم وترك الاختيار وجميع العبوديات داخلة في ذلك"[3]

فإذن قد تبين لنا من خلال هذا التقسيم أن علم التوحيد ليس مجرد دراسة نظرية للعقيدة من حيث إنها تصور محض يخص الوجود الإلهي وتوحيده ذاتا وصفات وأفعالا، وإنما هو كملازم لهذا التصور معرفة وتجربة سلوكية ومعايشة وجدانية تخص العقل والشعور من حيث التصور والاعتقاد القلبي، كما أنه ذوق ذاتي صادق وصحيح يعيشه الموحد بحسب عمق تصوره ونموذج سلوكه الروحي المتعلق بالتوحيد، فتكون الاستنتاجات التي سيخلص بها الموحد بعد تجربته وصياغة مشاعره داخلة في إطار علم التوحيد ولها خصوصياتها التقريرية والبرهانية والذوقية، وهذه التقسيمات ليست ناتجة عن استدلالات عقلية محضة وإنما هي استدلالات نقلية قطعية، كما نجد مثلا  في الحديث الصحيح عن العباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا"[4]، كما أن هذه التقسيمات مستخلصة من تجارب عملية خطاها العديد الوافر من المسلمين في مسيرتهم التوحيدية فعبروا من خلالها عن مفاهيم توحيدية من الواجب إدراجها في مجال علم التوحيد، وهذا يعني أن علم التوحيد يمثل أشمل المصطلحات المصاغة حول موضوع العقيدة تقريرا وبرهانا وأنه بمضمونه يشمل كل مرافق الحياة والوجود من تحديد التصور أو العمل المؤدي إلى توحيد الله التوحيد الخالص.

إذن فعلم الكلام أو الجدل والمناظرة وعلم العقيدة والمحاجة وما إلى ذلك كلها فرع لعلم التوحيد وليست مرادفا على سبيل المساواة أو التطابق، ومع هذا فإن توظيفها وخاصة علم الكلام في مباحث علم التوحيد قد يبقى ضروريا ومطلوبا لتوسيع دائرة المعرفة التوحيدية من جوانبها المتكاملة، إذ أن التوحيد في الإسلام له خصوصية الترابط بين العقيدة والسلوك والنظر والعمل، وأن الترقي في التصور يسير موازيا للترقي في السلوك والعمل الظاهري والباطني كنتيجة لذلك التصور العقدي، بحيث يصير المترقي في ميدان التوحيد إلى مستوى عقائدي راسخ وثابت في جوهر الشخصية المعتقدة به.

"وما وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ "[5] صدق الله العظيم.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

..............................

[1] سورة النساء آية 142.

[2] ابن خلدون: المقدمة: ص 349.

[3] ابن تيمية: مجموع فتاوى، مجلد 1: توحيد الألوهية ص 89-90.

[4] رواه مسلم

[5] سورة البينة آية 5.

 

محمد بنيعيشأولا: أصولية وخصوصية مصطلح التوحيد

من أهم خصوصيات الأمة الإسلامية أنها أمة التوحيد، والذي قد يأخذ طابعا شموليا في كل مرافق وجودها وتصوراتها وعلى أساسه تنبني قمتها وقاعدتها حيث لا قمة ولا قاعدة وإنما الناس سواسية كأسنان المشط.

ولقد كان أول نداء نادى به الرسول صلى الله عليه وسلم حين أمره الله تعالى بالدعوة إليه هو توحيد الله قبل توحيد العباد، فكانت دعوته وهو مازال في مكة كلها مرتكزة على قوله "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا" "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله…" الحديث[1].

فكانت هذه الكلمة هي أصل التوحيد، والتعبير الذي لا يقبل التأويل والنسخ والتعديل بل هو كلام محكم كل الإحكام جامع لكل ما يقتضيه التوحيد من معان ومضامين مانع لكل شوب أو تداخل في المفاهيم، وإنما هي كلمة تحمل قوة ما بعدها من قوة في النفي ودقة ما بعدها من دقة في الاستثناء ووضوحا ما بعده من وضوح في الإثبات،  حيث لا ثابت إلا ما أثبتته هذه الكلمة ولا ذات تختص بصفة الألوهية إلا ذات الله سبحانه وتعالى.

إذن كانت هذه الكلمة التوحيدية القول الفصل في تحديد مستحق الألوهية وحولها تكونت العلوم والمعارف العقائدية بشتى أنواعها وشعبها وتأسست على إثرها مذاهب ومدارس عقلية وروحية وسلوكية، كل مذهب قد اغترف منها بحسب استعداده وطاقاته الفكرية والروحية وبحسب بعد نظره وعمق غوصه على استخلاص المعاني.

وهكذا أخذت المذاهب سواء كانت مذاهب فردية أو جماعية ذات طابع مدرسي تفرز أفكارا وتفسيرات لمعاني الكلمة ومستلزماتها، منها ذات الطابع التقريري المحض والتعبير الذوقي المنبعث عن الإيمان المبدئي بالعقيدة المعبر عنها، ومنها ذات الطابع الاستدلالي والأسلوب البرهاني ذي الطبيعة البحثية، يأخذ مرة صورة المعرفة من أجل المعرفة ومرة أخرى صورة جدلية هدفها الإقناع واتخاذ موقف الدحض والدفاع.

وأمام هذا التنوع المعرفي واتجاهاته المنهجية وأمام هذا التركيز الأساسي على مدلول الكلمة ومضامينها، أخذ يتكون ما سيصطلح عليه بعلم التوحيد بصفته – أي المصطلح – يعتبر جامعا لكل المذاهب الفكرية المتفرغة للكلمة ومستلزماتها وبصفته النعت الأساسي لعقيدة المسلمين ورأس علومهم، بحيث أن المصطلحات الأخرى التي سمي بها علم التوحيد لا تعطيه الخصوصية الدقيقة والضامنة كما يعطيه له مصطلح التوحيد. وذلك كعلم الكلام وعلم العقائد والنظر والاستدلال والفقه الأكبر وأصول الدين… إلخ.

فمصطلح علم التوحيد لا يوجد حوله خلاف من حيث مدلوله أو سبب تسميته لأنه من أساسيات الدين الإسلامي: ولأن أصل الأصول في الإسلام هو الإقرار بالألوهية لله الواحد الأحد الفرد الصمد بدون تشبيه ولا تمثيل في ذاته وصفاته وأفعاله. ومن أجل هذا المعتقد سمي العلم الذي يبحث في هذه العقيدة تقريرا واستدلالا بعلم التوحيد تسمية له بأهم أجزائه وهو إثبات الوحدانية لله تعالى في وجوده وذاته وصفاته وأفعاله.

وعلم التوحيد بهذا المصطلح أشمل من كل المصطلحات التي قيلت كمرادفات له، وذلك لأنه يجمع بين النظر والعرفان والسلوك وذوق الوجدان كما أنه يجمع بين الدفاع والإقناع وبين العقل والسماع.

ثانيا:حدود  الترادف الاصطلاحي بين علم التوحيد وعلم الكلام

ولربما يكون قد جانب الصواب كثير من العلماء والبحاث حينما يستعملون مرادفات لعلم التوحيد تحمل وإياه على قدم المساواة نفس المعنى الشمولي والدلالات التي يقتضيها هذا المصطلح.

فنجد النشار مثلا يقول "علم الكلام أو علم التوحيد أو علم أصول الدين، علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، وهذا العلم فيما أعتقد هو النتاج الخالص للمسلمين"[2] وبنفس الأسلوب يتحدث أبو ريدة فيقول "كان النظر في الدين بأحكامه وعقائده يسمى فقها ثم خصت الاعتقادات باسم الفقه الأكبر وخصت العمليات باسم الفقه وسميت مباحث الاعتقاديات باسم علم التوحيد أو الصفات تسمية للبحث بأشرف أجزائه، أو علم الكلام، لأن أشهر مسألة قام حولها الخلاف هي مسألة كلام الله، أو لأنه يورث قدرة على الكلام  في الشرعيات كالمنطق في الفلسفيات"[3].وكثير هم البحاث الذين وضعوا علم الكلام مرادفا لعلم التوحيد دون الإشارة إلى تميز أحد المصطلحين عن الآخر بوجه من الوجوه، لكن حينما نعود إلى تعريفات المتقدمين من العلماء فإننا نجد لديهم دقة في تحديد المصطلح وخصوصياته أكثر مما عليه المعاصرون، بل إن بعض هؤلاء المتأخرين أضافوا إلى تعريفاتهم ما لم يقله المتقدمون، وذلك كما نجده عند النشار في النص السابق، بحيث قد أضاف إلى تعريف ابن خلدون مصطلحات أريد بها توسيع دائرة التعريف والتبيين لكن العكس هو الذي حصل بحيث أفقد المصطلح الذي قصده ابن خلدون خصوصيته ودقته، ومضمن النص الخلدوني كالتالي: "علم الكلام علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة، وسر هذه العقائد التوحيد، فلنقدم هنا لطيفة في برهان عقلي يكشف لنا عن التوحيد على أقرب الطرق والمآخذ ثم نرجح إلى تحقيق علمه وفيما ينظر ويشير إلى حدوثه في الملة وما دعا إلى وضعه"[4]

وحينما عرض ابن خلدون للتوحيد بعد تعريف علم الكلام وخصوصياته، أخذ مسلكا عقائديا ومعرفيا، خال من كل رائحة للجدل أو المناظرة، أو الحجاج، وإنما هو عرض معمق مقصود لذاته ومبرهن عليه بأدلة عقلية واستنتاجات علمية تعتمد على واقع النفس الإنسانية وقدراتها الإدراكية ومستوى حدود في الاستدلال والبرهنة، وذلك من حيث تحديد مفهوم التوفيق والتوقيف، ثم بين بعد ذلك كيف تطور النظر في التوحيد من علم مقصود لذاته إلى علم ظرفي ومرحلي فرضته الوقائع والأحوال التي طرأت على منهج النظر والاستدلال كما يقول "إلا أنه عرض بعد ذلك خلاف في تفاصيل هذه العقائد أكثر مثارها من الآي المتشابهة، فدعا إلى الخصام والتناظر والاستدلال بالعقل زيادة إلى النقل، فحدث بذلك علم الكلام…

فموضوع علم الكلام عند أهله إنما هو العقائد الإيمانية بعد فرضها صحيحة من الشرع من حيث يمكن أن يستدل عليها بالأدلة العقلية فترفع البدع وتزول الشكوك والشبه من تلك العقائد"[5].

ورأي ابن خلدون هذا ليس إلا ملخصا لرأي سابقيه من المتخصصين في علم الكلام أو المؤرخين له  والمعارضين لبعض قضاياه كابن تيمية مثلا، الذي يرفض بشدة اعتبار علم الكلام كمرادف لأصول الدين بل إنه حمل على المتكلمين حملة شعواء فيها نوع من المبالغة والإسراف في النقد كما سنرى في حينه.

وفي رأيي أن كلا طرفي قصد الأمور مستبعد في هذه المسألة، فلا الذين رأوا علم الكلام كمرادف تام لعلم التوحيد قد أصابوا الهدف ولا الذين حاولوا إقصاء علم الكلام عن تمثيله لعلم التوحيد كانوا موضوعيين وعلميين.

لكن بين هذين الاتجاهين في تحديد علم التوحيد من حيث احتواؤه لمصطلح علم الكلام أو عدمه كمرادف تام أو مخالف تام نجد موقفا وسطا موضوعيا يحدد وظيفة علم الكلام ودوره داخل دائرة علم التوحيد بمفهومه الواسع. وقد مثل هذا الموقف بصورة واضحة أبو حامد الغزالي في قوله: "فإذن علم الكلام صار من جملة الصناعات الواجبة على الكفاية حراسة لقلوب العوام عن تخيلات المبتدعة، وإنما حدث ذلك بحدوث البدعة، فليعلم المتكلم حده من الدين وأن موقعه منه موقع الحارس في طريق الحج، فإذا تجرد الحارس للحراسة لم يكن من جملة الحاج"[6]

وهذا الاعتبار الذي خصصه الغزالي لعلم الكلام ودور المتكلمين حذا ببعض المعاصرين إلى القول بأن "علماء الكلام أشبه بوزراء الداخلية في العصر الحاضر، مهمتهم المحافظة على الأمن العقلي الداخلي والمحافظة على النظام الداخلي للحضارة الناشئة"[7]

فالغزالي كان أدرى بواقع مصطلح علم الكلام وأبعاده، ولهذا فإنه بعدما أدرك خصوصيته وعدم مجاراته لشمولية علم التوحيد وغاياته ألف كتابا سماه "إلجام العوام عن علم الكلام" ولو كان الغزالي يفسر علم الكلام بعلم التوحيد كمرادف  تام وكامل الأركان لما تجرأ على طرحه هذا والمتمثل في حظر علم الكلام على فئة عريضة من المسلمين، ولو فرضنا أن علم الكلام مرادف لعلم التوحيد فهذا يعني أن الغزالي يمنع علم التوحيد على العامة من المسلمين، وهذا ما لم يقصده، وإنما مقصوده شيء آخر وهو محاولته صرف العامة عن الدخول في مجادلات وشبهات ليس بمقدورهم فهم رموزها وإشاراتها، كما أنه ليس مطلوبا شرعا وجوب التدقيق فيها بصورة تفصيلية، وإن كان مطلوبا معرفة أصول التوحيد بصورة جملية لتثبيت العقيدة والاستقرار على أصولها.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

..................................

[1] رواه مسلم من حديث جابر في كتاب الإيمان.

[2] علي سامي النشار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام دار المعارف ج 1 ص 54.

[3] حسام الألوسي: دراسات في الفكر الفلسفي الإسلامي، ص 52.

[4] ابن خلدون: المقدمة، مطبعة محمد عاطف ص 342.

[5] نفس المصدر، ص 348.

[6] الغزالي: إحياء علوم الدين. مكتبة محمد علي صبيح أولاده ج 1 ص 23.

[7] حسن حنفي: التراث والتجديد دار التنوير للطباعة والنشر ط 1 ص 132.

 

مجدي ابراهيمجميلٌ أن يكون لك قلمُ حر، تكتب ما تريد في الوقت الذي تريد، ولا عليك أبداً فيما يقال حولك أو فيما يُقالُ فيك؛ لأنك في تلك الساعة التي تضع فيها قلمك على الأوراق، تستجيب "لنداء القلم" فتؤدي الرسالة، صادقاً ومخلصاً ومؤمناً بما تفعل، ليست لك غاية فيما تريد أن تؤديه إلا ابتغاء وجه الله والوطن، من حيث إنك تؤدي ما عليك من أمانة الكلمة التي جعلك الله عليها شاهداً ولها مؤديّاً.

وجميلٌ كذلك أن تجد في نفسك رغبة عارمة في أن يكون كلك لله: لفظك وفعلك، وفكرك وقولك، وضميرك وعملك، تنأى بنفسك عن تُرَّهات الأنداد والقرناء: أنداد السوُء وقرناء المنافسة على الزائل في هذه الدنيا. جميلٌ أن تكون لك مثل هذه الطلاقة الروحانيّة في كشف "القيمة"، والدفاع عنها، والطرْق الدائم على فاعليتها، والإيمان بدوامها واستمرارها، رغم ما تراه أمامك من جحود ونكران، ومن تغيير يفرضه تطور وتحديث ليس لنا لمقاومته سبيل.

جميلٌ أن تقول ما يمليه عليك ضميرك، وتحتسب كل ما قلته أو تقوله لله، وفي سبيل الله، فإذا نجحت كنت بالله مُوفّقاً، وإذا أخفقت وفشلت كنت مع الله صابراً؛ لعلمك أن الله لا يضيع أجر المحسنين، ومن ورائك بذل المجهود، لا رقيب ولا حسيب عليك إلا ضميرك بين يدي الله. جميلٌ أن ترى الواغش البشري من أولئك المتطفلين المتسلطين ينتهزون الفرص فيصعدون على أكتاف الآخرين، ووسيلتهم التي لا يعرفون لهم وسيلة سواها هى التملق والزلفى والنفاق والتطبيل، إنما هى وسيلة يجيدونها ويصوِّبون سهامهم ضاربة إليها في الصميم, ثم تنأى بنفسك عن كل هذا، وأكثر من هذا؛ ليكون لك عصمة الرقابة الباطنة التي تعصمك من الغفلة عن النجاح بغير تعب، والصلاح بغير جهاد، والوصول بغير ضريبة مفروضة من بذل المجهود. جميلٌ منك أن تسعي وأن تطلب معالي الأمور بعزة النفس، ولا تذلُّ لمخلوق - كائناً من كان - ولا تطأطئ الرأس لإنسان مهما وُجِدتْ فيه جبروت الأناسي؛ لأنه صلوات ربي وسلامه عليه قال:"اطلبوا الأشياء بعز الأنفس؛ فإن الأمور تجري بالمقادير"؛ فهذا - يا صاح - جبروت الطغيان الخاوي من الامتلاء، هو فراغُ في هواء، لا مضمون فيه ولا مفهوم، خواءُ غير قابل للاحتواء!

جميلٌ منك أن تكون في كل ما تراه دالاً على الحياة الجادة الصادقة طالباً، ومجدَّاً فيما تطلب، رامياً إلى أن تصبر على أعمالك وأقوالك، وأن تتقي بصبرك أفاعيل العجزة المُفلسين. جميلٌ منك كل هذا، وأكثر من هذا؛ فمن نعماء الله علينا نحن البشر الضعفاء أنه قدَّر لنا في هذه الحياة ما يمكن أن نسير عليه ونسلكه، ولا نسلك غيره من طرائق سواه. ولولا أنه سبحانه رفق بنا وبصَّرنا بالحقائق التي يجب أن نكون عليها، ويجب أن نلازمها وتلازمنا، وبيَّن لنا ما هو حق وما هو باطل وألهم العقول أن تعتقد في مبادئ هى من جنس ما فرض ومن نوع ما أوجب، لكانت الإنسانية في كل زمن وفي كل عصر غاية في السقوط والحيرة والضلال، فريسة لطمع الأهواء وفتك الشهوات.

ألا .. فليرحم الله عبداً عَرَفَ قَدْرَ نَفْسَهُ. والله تعالى عَلَّم الإنسان كيف، وبما، يعرف قدر نفسه فيتعامل من ثمَّ مع الحياة والأحياء بمعرفة هذا "القدر" الكامن في أغوار النفس وأعماق الضمير. فنحن أحرارٌ بمعرفة ما وقر في ذوات نفوسنا، ونحن أحرار بمقدار ما يتسنَّى لنا قهر النفوس على "يقين" الإيمان بالله.

ومن هاهنا؛ تنشأ "الرسالة" في ضمير الكاتب: أن يكون حراً، وأن يكون قادراً على توظيف "الحرية" لنفسه قبل الآخرين توظيفاً أميناً يجعلنا نحن القارئين من بعده على اعتقاد لا شك فيه، بما يُدوِّن من مقبول الآراء، وبما يقول، وإنيِّ لأعني بالحرية هنا تلك "الطلاقة الروحانية" التي تتسع، ولا تنقبض، للقيام بتبعات الرسالة؛ تبعةً، تبعةً، لا ردَّةً فيها ولا نكوصاً، ولا خنوع فيها ولا استسلاماً للطوارئ والغيَر الخارجية.

للمنفلوطي - رحمهُ الله - عبارة قالها في "النظرات"، تصوِّر هذا المعنى أيَّما تصوير، وتسبح في فلكه، وتدعو لأن تجيء تبعة الكاتب مرهونة بما تقف عليه نفس الكاتب من حرية وتحرُّر عن العلائق والقواطع والأغيار .. فماذا قال ..؟

قال:" الكاتب كالمُصوِّر: كلاهما ناقل، وكلاهما حَاكٍ، إلا أن الأول ينقل مشاعر النفس إلى النفس. والثاني ينقل مشاعر الحس إلى الحس، وكما أن ميزان الفضل في التصوير أن تكون الصورة والأصل كالشيء الواحد، كذلك ميزان الفضل في الكتابة أن يكون المكتوب في الطِّرْس خَيَالَ المكنون في النفس .. " (أ . هـ).

فعلى سِنِّ اليراع تجيء مكنونات النفس "قيماً علوية" في طريق التغيير؛ لتكون إصلاحاً لبني الإنسان. مصدر هذا القيم مما لاشك فيه هو "الوعي" : الوعي المأخوذ من فاعلية التجربة الحيويّة مع الأشياء والأحداث والعلاقات، ومن قبل ذلك "الوعي" المأخوذ من فاعلية التجربة الروحيّة مع الله - سبحانه وتعالى - فتجاربنا مع الله أوفر، وأكمل، وأصدق، وأدعى لأن تجيء أقلامنا مستقيمة بغير انحراف أو اعوجاج على طريق الصواب؛ ففي كل إنسان جزءُ من هذا الوعي، وله أن يطمره وله أن يظهره، فلئن كان هو وعياً خاصَّاً في جوهره تحكمه فاعلية التجربة مع الله؛ فهو مع ذلك ليس مقطوع الصلة بالإدراك الإنساني العام، تماماً كما لا نستطيع قطع الصلة بين الإنسان ومداركه العقليّة.

الوعي كالعقل: قاسمٌ مشتركٌ لا يخلو منه حظ الإنسان؛ فإذا كان العقل قاسماً مشتركاً بين جميع الناس؛ فأحرى بالوعي أن يكون على هذا الوصف. وعليه؛ فأحرى بالكاتب الذي يخاطب جمهور القراء أن يكون موصوفاً بهذا الوعي قبل أن يكتب بقلمه حرفاً واحداً. للكلمات مباني تؤدي إلى معاني، وللمعاني مستويات، هذه المستويات قوة مضمرة باطنة لا يكشفها إلا قلم التحليل توفيقاً من عند الله، سواء كانت هذه الكلمات ممَّا يجري فيه القول في مجال الفكر والحياة أو في مجال العقيدة والدين.

حقاً..! إنّ الإنسان في جميع الأحوال مُوَزَّع القوى بين مطالب الأرض ومطالب السماء، لا لشيء إلا لأنه إنسان؛ فليس هو بالروح الخالص ليكون إلى مطالب السماء وحدها منصرفاً، ولا هو بالحيوان ليكون إلى مطالب الأرض وحدها محققاً، ولكنه إنسان، وإنسانيته تقضي إلا يكون مُسْرفاً في الجانب الذي يهبط به إلى طريق لا يرى فيه مقدار هاته الإنسانية على الصفة المثلى فكان بها إنساناً على الحقيقة لا على شيء آخر سواها.

فما من شريف هو شريف إلا أستحق من الشرف مكاناً يليق بالكرامة الآدمية الدائمة وهو بعيد عن مطالب الإنسانية "الخاصَّة" في كونه ذا طاقة روحية تُفْرز القيم الأخلاقية مع إفراز سائر القيم الوجودية السائدة على وجه الزمان كمالاً أو ما يقرب من الكمال، يحتذي الأمثلة العليا التي لا تتقيد بقيود الزمان والمكان، ولا تعرف النسبي المتغير، ولا المصلحة الشخصية أو المنفعة الخاصة.

وإنما الخصوصية المُرَادَة هنا هى تلك الخصوصية التي نطلقها على الإنسان من حيث هو إنسان وكفى، يشاركه في الإنسانية جميعُ الأناسيِّ الذين هم على شاكلته في الجوهر الطيب والمضمون الصالح والخلق الكريم. إنّ طلاقة القيم التي تجعل من الإنسان إنساناً لمرهونة بذلك الأمد الذي يُعَلق عليه الوجود الروحي في الطبيعة الآدمية، ويستقيم بمقتضاه؛ فلا خلاف - من ثمَّ - بين إنسان وإنسان مادامت في الإنسانية كلها مثل هذه السجايا التي تسعي دوماً إلى الكمال.

وعليه؛ فلا يمكن أن تكون قيم العدل والحق والسلام والمساواة والإخاء والتعاون والمحبة سائدة، عاملة، فعالة، في المجتمعات والشعوب بغير أن نَفْقَهَ مثل ذلك "الوجود الروحاني" الذي يولدها؛ فتنبثق منه بالضرورة، وتتفجَّر ينابيعها الكبرى عنه بمقدار استطاعتنا نحن على التوليد والتفجير والانبثاق، أو بمقدار استطاعتنا على أن نغترف من هذا الخضَم الواسع الكبير ما نشاؤه.

فإذا عُدْنا على ما بدأناه؛ قلنا إن أقلامنا ينبغي أن تقاس بمدى مداركها لهذه الزاوية النورانية وإلا جاءت أقلاماً لا تكتب ولا تدري ماذا تكتب، لكأنما تحجَّر المداد في أجوافها، فلا تريد أن تكتب. وهل تكتب الأقلام على الحقيقة حقاً إلا بمدد من قوة الروح والمعرفة مطواع سيَّال؟ لكن الله - جلَّت قدرة الله فيما قدَّر- لم يشأ أن يجعل لنا أقلاماً مدادها سيَّال وأفكارها غَضَّة لينة مطواعة تجرى مع المداد بمقدار ما يجرى المدادُ صدقاً بين أيدي الكاتبين!

لا مناصَّ للقلم الذي يريد أن يفعل شيئاً في هذه الدنيا إلا أن يجيء كل ما يخطه من كلمات وعياً مصقولاً من أعلى، هو من جوفه هو لا من أجواف آخرين.

أقول؛ لا مناصَّ للقلم الذي يريد أن يفعل شيئاَ ذا إرادة إلا أن يثق بذاته، وبوعيه، وبالمصدر الذي استمد منه هذا الوعي مثل هذه الثقة العصماء، وأن يكون رقيباً على نفسه مثل هذه الرقابة الرشيدة، واللحوحة، في توخِّي الرشد والهداية والتميُّز بحيث يجيءُ الأمر فيها موكولاً على اليقظة الدائمة والتنبـُّه الموصول. كيف؟!

فَرِّغ نفسك من عوائق السِّوَي، وحاذر مجانبة الأغيار، وتوجه إلى الله بالكلية، وتأمل من بعدُ قوله تعالى:"إن الذين اتقوا إذا مسَّهم طائفٌ من الشيطان تذكروا فإذا هم مُبْصِرون"؛ فماذا أنت واجد؟ تجد هاهنا مصدر الوعي الملهم. وهاهنا مركز اليقظة الدائمة وموطن التنبـُّه الموصول. ها هنا بحق "عبقرية التدين الرشيد" ومنبعها؛ لكأنما الجانب الغامض (= الباطن) في الإنسان هو موطن العبقرية فيه، لكن بأي معنى من المعاني يحتمله هذا "الغموض"؟ لا شك إننا هنا لا نعني عدم الوضوح، ولا نعني قلة الإدراك للأشياء، ولا نعني غياب الحقائق والمفاهيم؛ فكل هذا وغيره يعني لدينا الغموض الذي يقود الإنسان إلى الخلط والاضطراب، وأباطيل الخَطْل الغارق في الجهالة العمياء.

إننا نعني بالجانب الغامض هو كل ما هو "باطن" في الإنسان، مستتر غير ظاهر، خفيُّ غائر في الأعماق التي لا تُرى، ثم - إنه من بعد ذلك - مشروط بشروطه التي تتولاه وترعاه وترقبه في كل حال. وعلى هذا الجانب الغامض العميق تربو عبقرية التدين وتزيد، بمقدار ما تزداد في الإنسان وتربو أغواره الداخلية، عمقاً وغموضاً واستتاراً غير مكشوف لكل إنسان، ولا لأي إنسان. ومن ها هنا كانت عبقريته. ومن ها هنا, جاء صنيعه الخارق للعادة يعتادها الناس مِمَّن يعملون ويحسنون أو لا يحسنون.

وعبقرية التَّديُّن جزءٌ لا يتجزأ من عبقرية التَّوجه نحو الغيب المجهول، الأصل فيها "الانتباه" اليقظ، والتركيز المفرط والإخلاص الشديد للرؤية يراها الرائي حين يرى؛ فينزوي في رؤياه مدركاً لأغوار ما يرى في باطنه وخفاياه، فلا يتزحزح قيد أنملة عَمَّا كان قد أدركه، ولو لاقى في سبيله المنون.

ومن أجل هذا؛ لا نستغرب أوصاف العلماء الغربيين للعبقرية حين وصفوها بحق بـ "الانتباه" وشدّة التيقظ؛ لكأنهم جندوا أنفسهم للبحث في مزايا النوابغ والعظماء، فلم يجدوا وصفاً للعبقرية أدق ولا أصوب غير "اليقظة والانتباه". غير أننا نبحث في تراثنا المهجور!؛ ذلك الذي أصبح اليوم مهجوراً بحكم الإهمال؛ فنجد اليقظة ضد الغفلة، والغفلة إنما هى سَهْمٌ من سهام الشيطان، توجب الاستعاذة بالله، بل هى في قانون الأولياء والعارفين ذنبٌ كبيرٌ يستلزم "التوبة"، ويقتضي الإنابة والرجوع فوراً وبغير تباطؤ أو تسويف. فقد كان رواد العارفين وأقطابهم يتوبون عن الغفلات؛ لأنها في نظرهم من الكبائر، ولما كانت كل كبيرة من الكبائر تمليها غفلة عن الحق يرمي بها الشيطان أو ترمي بها النفس في بواطن صاحبها، صارت بالضرورة حجاباً عن الحق ضد اليقظة والتنبه، أي ضد الانتباه. والمحجوبون عن الله بالغفلات كثيرون، والموصولون بغير حجاب هم المتنَبِّهون المتيقظون لا لشيء إلا لأنهم هم المتقون.

هكذا تعلموا دوماً من أسرار القرآن؛ إذْ يصعد الكتاب العزيز في طراز رفيع وعال من المعاني يجبُّ بآية واحدة من سورة الأعراف (201) كل ما كتبه الغربيون في معنى العبقرية من حيث كونها يقظة وتنبُّه ولا تزيد، وعبقرية التدين الرشيد على وجه الخصوص تضمُّها الآية الكريمة:"إنَّ الَّذِيِنَ اتَّقُوا إذا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكروُا فإذا هُمْ مُبْصِرُون"؛ إنها قمة العبقرية يضفيها القرآن على المتقين. فلتلحظ أولاً "التقوى" بمثابة الأصل الأصيل الذي يشترط توافره لاستقبال البصيرة الواعية وحدة الانتباه العنيف. ولتلحظ ثانياً رمز الغفلة وهو مسُّ الشيطان أو طائف منه، ثم تلاحظ ثالثاً "فعل التذكرة"؛ وهى الحركة الفجائية التي يحكمها الأصل الأصيل تنطلق منه فلا تعود إلا بالبصيرة؛ لكأنها القنطرة التي يتمُّ خلالها العبور حقيقةً من الأصل والمصدر إلى قمة العبقرية (البصيرة) لكن هذه الحركة ليست حركة ذهنية وكفى، بمقدار ما هى حركة كيان واع بكل ما يملك من إمكانيات وقدرات، هى حركة إنسان بكليته الإدراكية، حتى إذا ما كانت ها هنا غفلة أعقبها عند المتقين تذكرة. والتذكرة أولى مراحل الانتباه اليقظ الفعال في الحركة الفجائية التي تقاوم جذبة الغفلة من فورها؛ إذْ لا يكتمل التنبُّه إلا بالبصيرة.

ثم تأتي الملاحظة الأخيرة في كلمة (مُبْصِرُون) ليكتمل الانتباه ويرشد إلى أن الرؤية هنا ليست رؤية بصرية عيانية، رؤية مُقلة وجارحة؛ بمقدار ما هى رؤية قلبية وازعها الأوحد فيما يبدو من سياق الآية ذاتيٌ خاص يقصرها النسق الإلهي على طراز خاص هم أولئك الذين اتقوا، لا كل إنسان ولا أي إنسان، وإنما هو إنسان خاص متفرِّد بأصل مشروط بالتقوى. والتقوى أمرُ باطن لا يطلع عليه لأنها علاقة خاصة مخصوصة بين العبد وخالقه، فهى بحق ذلك الجزء الغامض غير المكشوف لكل إنسان ولا لأي إنسان.

أي نعم ! هى السريرة الباطنة التي تحكم عمل العلاقة بين العبد والرب. وعلى هذا الغموض المستتر المبطون تقوم عبقرية التديُّن في كل قوة روحيّة تتصل بأسباب السماء، ولا شرط لقيامها في البداية غير إماتة الجانب المظلم في الإنسان، جانب الغفلة وما يتولد عنه من عوائق أخلاقية بغيضة وآفات شهوانية شرهة ورذائل حيوانية خسيسة، وعلائق من الأمراض والخبائث يضج تحت وطئتها الإنسان ويَسْوَدُّ بها وجه المجتمع - ظاهره وباطنه - في عصور ندعوها بعصور التقدم والاستنارة مجازاً لا حقيقة.

ولا صلاح للإنسان ولا للمجتمع إلا في هذا الموات، أعني موات الجانب المظلم بغفلاته وَسَهَوَاته المتعمدة ونكوصه عن الطريق. وقد تسألني: وما علاقة الموت بالعبقرية؟! فأجيبك بأن الموت بهذا المعنى هو أرقى درجات الوعي والعبقرية فيما لو صدق صاحبه وترقى من موت صادق إلى حياة حقيقية؛ إذْ لما كانت العبقرية يقظة وانتباهاً كان الموت بهذا المعنى أيضاً هو التعبير المباشر لأوصاف العبقرية الحقة والصادقة؛ فإن درجة الانتباه الشديد ليست تتأتى إلا بالموت (موات الغفلات وإحياء اليقظات).

صدقت نظرات القدماء وتأملاتهم حين قال أحدهم, وهو أفلاطون:" الدنيا حُلم، والآخرة يقظة، والمتوسط بينهما الموت، والناس في الدنيا كأضغاث أحلام".

ولماذا نَذْهًب بعيداً؟ ألم يقل سيّد الخلق صلى الله عليه وسلم:" الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا"؛ انتبهوا من ماذا؟!

من غفلاتهم وسباتهم وعبوديتهم للأغيار، ولكل ما يعبدون من غير الله. انتبهوا على الحقيقة التي تغافلوا عنها أو تجاهلوها حتى إذا ما ماتوا تيقظوا انتباهاً ليصطدموا بحق ما عرفوا، وبحقيقةٍ لم تلابسهم ولم تخالط ذواتهم من قبل. وصدق قول الله تبارك وتعالى: "فبَصَرَكَ اليوم حديد".

علينا أن نعبئ من تلك القيم العلوية حياتنا بدلاً من قراءة الأفكار الهدَّامة التي لا تجدي نفعاً من قريب أو من بعيد. وكما نقرأ القرآن بترتيل وتنغيم علينا أن نقرأه لا على الغفلة والخداع بل على حضور التقوى والإخلاص فيه لله، بمعنى أن نقرأه بوعي وفاعلية حيَّة وداخلية بدلاً من التسابق على تكرار آياته والانتهاء منها كما لو كانت مهمة عاجلة تقتضي الإنجاز! ثم ماذا؟ ثم ننسى فلا نذكر إننا بحاجة مَاسَّة إلى تصحيح التوحيد.

*   *   *

لا شيء يبقى من معدن الذات غير أن تعلم أنها لا يمكن أن تقدّم للإنسانية خيراً ليس هو فيها، ولا أن تعطي عطاءً وهى محرومة منه، لاشك أن الإحساس الداخلي بالعطاء الإنساني يجعل من الفرد قوة قوية قادرة تلازمه في كل حين؛ لأنه إحساس ناشئ عن تشبُّع الروح بالوعي السرمدي واتصالها بمصدر هذا الوعي، وهو كذلك إحساسُ ناشئ عن إنكار للأنانية والذاتية، وإدراك للطلاقة الروحيّة في الحالة التي ينتصر فيها الفرد الفذ على نفسه، ويَفْقَهُ أن الانتصار على النفس قوة من أقوى قوى النفس لا يتيسر مأتاها لكل إنسان ولا لأي إنسان في كافة الأحوال.

لأهل الله من كمَّـل العارفين أقوالٌ في معرفة الذات والوقوف على أسرارها بغير إحصاء. ومن جملة هذه الأسرار أنهم عرفوا ذواتهم من اعتبارات كثيرة، ومن وجهات في التفرُّد والامتياز لا يحصيها هذا المقام ولا مقام غيره، لا نخال أننا نعزلها عن الحياة الشعورية ومناشط التقدير الآدمي. كانت لهم مُبدعات حول ما يسمونه "بقوة الهمة" وهى طاقة فاعلة، عاملة، محركة لوعي الإنسان، ومشكِّلة لفاعلية هذا الوعي في سائر مناحي الحياة. فالهمَّة المجموعة على أمور يُرَاد لها أنْ تؤدَّى؛ إذا هى لم تتجمَّع خيوطها خيطاً خيطاً بحيث تكوِّن لُحْمة الحياة الشعورية الباطنة وسداها، فقلَّ أن تجدي نفعاً ذا بال.

ومعنى أن تكون الهمة مجموعة هو نفس المعنى الذي تكون به الهمة قوية مؤثرة فعالة، ولا تكون الهمة قوية ومؤثرة وفعالة إلا إذا هى عالجت بقوتها عوائق الحياة؛ لا أي حياة ولا كل حياة، ولكنها الحياة الكريمة يسلكها الإنسان ويعيشها ويحياها، فيُكرم بما يسلك ويعيش ويحيا. تلك هى الحياة القائمة على الإرادة كيما يتصدّى الإنسان بحياته القائمة على الإرادة لغوائل الفناء. فإذا لم تكن هنالك قوة إرادة فقلَّ أن تكون هاهنا حياة حقيقية، والذي يضمن وجود الحياة الحقيقية هو الذي يضمن في الوقت نفسه وجود الهمَّة مع وجود الإرادة؛ فلا يزال الكيان الآدمي محفوظاً بعصمة الرقابة على وجوده إذا قويت لديه الإرادة وارتفعت من ثم "الهمة". وقوة الإرادة أو ارتفاع الهمَّة ليست كلمة هينة بسيطة تلوكها الألسنة التي اعتادت أن تلوك الكلمات حتى تعدمها قيمتها وحيويتها، ولكنها عمل دائب وفعل متواصل ومجهود شاق لا يخلو من مغالبة وصراع مع الأهواء والآفات.

وفي الإرادة جزءٌ منها اكتساب، وجزءٌ منها توفيق. والثاني مترتب على الأول ضرورة:" إنَّ الله لا يغيِّر مًا بقوْمٍ حَتى يُغَيِّروُا مَا بأنْفُسِهِم". "وَاتَّقُوا الله وَيُعَلِمَكُم الله".

إنَّ حياتنا الإنسانية لا تتحرك إلى أعلى ولا تشي بالتفوق والامتياز على سائر الحيوات الأخرى إلا إذا تفوَّقت فينا الإرادة، وامتازت إرادتنا بالهمة القوية الفاعلة، أي ارتحلت تلك الإرادة وتفوقت في نفسها لتتصل بالهمة فتتعلق الهمة بالأعلى دون الأدنى، بالباقي دون الزائل، وبالوجود دون العدم. وكلما أدركت الهمة متعلقاتها فعرفت فيما عَسَاه تَصْرف هذا التعلق أبالأدنى أم بالأعلى؟ صار التوجه لديها ضرباً من الحياة تختاره على يقين الإيمان، ولا تختار سواه من حيوات.

وفي الحق أن أخلاقنا لا تنضبط إلا بهمَّة، وأقلامنا لا تتحرك إلا بهمَّة، وأفئدتنا لا تتصفى إلا بهمة، وألسنتنا لا تنطق بالحق إلا بهمة، ومطايانا لا تسير إلى غاياتها إلا بهمَّة. إن أقلامنا المهجورة لا تتحرك إلا بهمَّة تحتاج إلى تحريكها نحو قول الصدق ودعوة الحق وتوخي الصواب ونداء الحقيقة.

ومن عوائق عدم حركتها ذلك الخذلان الذي نجده دوماً في حياتنا بغير وضوح في الرؤية وبغير وضوح للسبيل. أقلامنا مهجورة تخط على الأوراق كلمات ضبابية ليس فيها روح ولا حياة، والسبب الذي يؤدي إلى كونها مهجورة أنها أقلام تضرب في واد غير ذي زرع، فكأنما لا ضربت ولا أحسَّ أحدُ بأنها تضرب على وتر حساس من ديدن المعرفة وهِجِّيرِ الإدراك.

 

د. مجدي إبراهيم

 

  

 

 

اياد الزهيريوكما قلنا في البدء أن الديانة الهندوسية، هي ديانة مفتوحة ، ولم توضع لها حدود صارمه، وأنما نهاياتها، نهايات سائبه، أي ديانة مرنه وسياله، وأن كانت لها بعض المعالم الثابته وخاصه فيما يخص النظام الطبقي الأجتماعي، والأيمان بتناسخ الأرواح . هذه الخاصيه جعلت منها ديانه ذات أمتدادات عقائدية تتصف بالتغير والتبدل مع الزمن، وقد بينا ذلك في الجزء الأول والثاني من حلقات الديانه الهندوسية، وسنبين في الحلقة الثالثة والأخيرة الفروع التي تفرعت من الهندوسية، والتي ولدت من رحمها و ولكنها أخذت سبيل آخر مختلف، وخاصه الموقف من النظام الطبقي، ولكن بما أن مسألة الألوهة هو محور بحثنا، لذا سيكون هو المحور الوحيد في أطار أهتمامنا .

من الأمور التي ينبغي الأشارة أليها والتي تؤكد المسار المتحول في عقائد هذه الديانه، هو الأنظمة الفلسفية المختلفة التي سُجلت في حساب الهندوسية، والتي شكلت ملامحها الفكرية، التي عبرت عن مخاض عقائدي عبر تاريخ طويل يمتد من 500 ق م الى وقت ظهور حركة (الآريا سامج) التي تأسست عام 1875 م وهي ذات أتجاه ليبرالي، وما بين هذين التاريخيين نشأت الكثير من الفرق والمدارس الفكرية والعقائدية ذات الأساس الهندوسي، ومن هذه الطرق التي ظهرت قديماً الجاينية والبوذية والتي سنحاول التطرق لها في بحث خاص بأعتبارها ديانة كبيرة أشتقت بالأساس من الهندوسية، وشملت معظم منطقة الشرق الأدنى، كما ظهرت طرق ومدارس متأخرة، من أمثال البراهمو ساماج أو الحركة الليبرالية، وهي تعتبر حركة ضمن الهندوسية العصرية، وقد تأسست 1828 م (موسوعة تاريخ الأديان ج4 فراس السواح)، وهي حركة تدعو الى عقيدة جوهرية تقوم عليها كل الأديان، وهي وحدانية الله (الكينونة الخالدة) مؤلفة الكون وحافظته، وكذلك حركة (الأريا ساماج) وهي حركة لا تؤمن بالشرك والألحاد، كما يمكننا الأشارة كذلك الى حركة أخرى تُدعى (راما كريشنا) هي الأخرى ظهرت بالقرن التاسع عشر على يد شخص يسمى (راما كريشنا) وهو برهمي هندوسي بالأساس والذي يعتقد بأن جميع المخلوقات هي عبارة عن صور مختلفة عن الله، وأن جميع الآلهه والآلهات انما هم جوانب متعددة لبراهما مطلق واحد، ولكن أهم وأشهر هذه الحركات، والتي جذبت الكثير من الهنود أليها، الا وهي الديانه السيخية التي أنسلخت من صلب الهندوسية، والتي يعود زمن أنشاءها الى القرن الخامس عشر الميلادي . هذه الديانة عبرت عن أنعطافة كبيرة في مسيرة الهند الدينية، والمهم أنها ولدت من رحم الديانه الهندوسية، والتي تأسست على يد مؤسسها المعروف ب (نانك) . أن النقطة الجوهرية في السيخية هو التأكيد على التوحيد، والذي بالحقيقة يتوازى مع التوحيد الأسلامي، وهذه نقلة نوعية فيما عُرفت عليه الديانه الهندوسية التي بدأت بالتعدد وأنتهت بوحدة الوجود على يد البرهمية، ولكن من المهم الأشارة الى أنها تتوافق في كثير من عناصرها مع الهندوسية، الديانة الأم. هناك رأي يقول أن السيخية قد تأثرت بالتوحيد الأسلامي بحكم وجود المسلمين القوي بالهند، وكان أحد كبار مفكري السيخية، والمدعو (كبير) من الذين أزدروا الأصنام، وكان يقول لا يمكن للاله أن يحل في حجر، وقد أعلن بأعتباره موحداً، حيث قال (أن حب الله كان كافياً لتحرير أي شخص) . قد يسأل سائل كيف يزدري (كبير) الأصنام وأنت تدعي أن الهندوسية بدأت بالأصنام وأنتهت بوحدت الوجود، الجواب أن فلسفة وحدة الوجود أقتصرت على طبقات الحكماء والمثقفين والمتعلمين من الهندوس، أما الديانه الشعبيه الهندوسية ففيها خليط من الالهه، وبأشكال وعناوين وطبيعة مختلفة، وهذا الأمر نراه في أكثر الأديان سواء كانت سماوية أو غير سماوية، حيث يلعب المخيال الشعبي والجهل الدور الكبير في نشوء عقائد وتصورات مختلفة عن الديانة الأم ومنها ديننا الأسلامي الحنيف، حيث أن الدين الشعبي قد جاء بالكثير من العقائد التي لا علاقة لها بالأصل.

أن التوحيد السيخي هو تعبير عن أتجاه توفيقي مع ثاني أكبر ديانة في الهند وهو الأسلام، لكن تبقى السيخية تتفق كثيراً مع العقائد الهندوسية الأخرى.

أن التوجه التوحيدي عند أكبر شخصية سيخية وهو نانك واضحاً وشفافاً في أعلان مبادئه التوحيدية عبر ترنيمته الخاصة والتي جاء فيها

((لا اله الا الله الواحد الذي أسمه الحق، الذي يجردنا من الخوف والبهتان.

الخالد، الموجود بذاته، غير المولود، الكريم الجواد، الواحد الحقيقي، كان في البدء الواحد الحقيقي، كان في أول الزمان، الواحد الحقيقي الذي كان، ويكون، وسيكون أبداً يانانك)).

أن هذه النصوص المذكورة أعلاه من قِبل السيخية، هو تعبير عن أتجاه أصلاحي من داخل الديانه الهندوسية، وتكشف عما عانته الهندوسية من ترهل وتآكل في نسيجها الفكري والأجتماعي نتيجه للتغيرات الكثيرة والغير منضبطة الملامح، بالأضافة لنظامها الطبقي الذي مارس أضطهاد قاسي للطبقات التي رُسم لها أن تكون في الدرك الأسفل من السلم الأجتماعي، وكانت السيخيه عبارة عن ثورة في جانب العقيدة الالهيه، وثورة في الجانب الأجتماعي، حيث كانت ضد النظام الطبقي التميزي، والذي أُدلج بطريقة وتفسير ديني هندوسي، والقائم على عقيدة تناسخ الأرواح، وَسَيَران قانون (كارما).

أن نانك قد سمى الاله ب (الأسم الحق) لكي يتجنب أسمه في الأسلام (الله)، وعند الهندوس (راما)، (شيفا)، (براهما)، وقد وصفه بأنه خالد، والحاكم القدير، الظاهر الباطن، الخالق والمدمر واللطيف ... وقدَّر الله بسره الغيبي مصائر كل المخلوقات وجعل الأنسان سيدها لتخدمه كلها، وقد وجدنا في ترنيمة سيخية تجمع فيها الالهه الثلاثة ذات الأصول الهندوسية ويعود بها الى الاله الواحد كأصل لها؛

((مايا الالهة الميثولوجية، نشأت من الواحد، وولد من رحمها ثلاثة تلاميذ مقبولين للواحد براهما، وفيشو، وشيفا،

يُقال ان براهما هو الذي يعطي العالم قوامه وفيشنو هو في حفظ ديمومته، وشيفا المدمر هو من ستعيده اليه ويمتصه، وهو من يضبط أمور الموت والدنيوية، الله يدفعهم للعمل كما يريد هو، هو من يراهم دائماً، وهم لا يرونه أبداً) (موسوعة تاريخ الأديان ج4 فراس السواح).

خلاصة القول في هذا النص السيخي أن الله هو من خلق المايا (القوة الساحرة)،وهو الخالق الحقيقي وليس المايا، أي هناك تركيز على الله، وهو أصل الأشياء.

السيخيه قد نأت بنفسها عن الهندوسية الأم لما رأت فيها من حالة التخبط ، وما أصابها من ضبابيه في مسألة االألوهه، لذى حسمت السيخيه أمرها بوضوح تام نحو التوحيد، وبشفافيه عالية، حيث تنطق أحدى ترانيمهم بنزعة توحيدية واضحة (فأعبدوا الله الواحد لكل الناس، المعلم الالهي الواحد)، وأن من ضمن تعهدات المنضمين الى هذا الدين، هو أن يتعهدوا بعبادة اله غير مرئي، وأن يعظموا الشيء المرئي والمقدس الذي هو كتابهم (الجرانث).

خلاصة القول أن الهندوسية بدأت بتعدد الالهه، ومرت بأنساق مختلفه منها وحدة الوجود، ومنها الأيمان بالروح المطلقه (البرهمان –أتمان) الذي يمثل أصل الأشياء، والذي تتماهى فيه كل الأرواح بأعتباره أصلها، حيث يَدّعون أن العلاقة بين الفرد والبرهمان –أتمان شبيه بتلك التي بين الأنهار والمحيط حيث تختفي فيه، ففي أدبياتهم يقولون (كما الأنهار الجارية تختفي في المحيط) أنه الأتحاد الكامل بين الفرد والنفس العليا، وهو تسليم النفس لحضرة الألوهية، وقد عبرت عنه الأوبانيشاد بعبارة (هذا العالم كله من براهمان)، هذا الأعتقاد هو من جعل البرهمي يدعي أنه الأسمى على الأرض مهما كان مستوى طبقته لأن كل واحد منهم هو جزء من الكينونه الألهية الفائقة العظمة (موسوعة تاريخ الأديان-ج4 فراس السواح)، في حين حسمت السيخيه أمرها بشكل قاطع في مسألة الألوهيه كفرقه منشقه عن الهندوسيه لتعلن أعتقادها الواضح والحاسم بأن هناك اله واحد أزلي (لا اله الا الله الواحد الذي أسمه الحق) كما جاء في أحدى ترنيمات مؤسس السيخيه (نانك).

 

أياد الزهيري.

 

اياد الزهيريفي الجزء السابق، توصل العقل الهندي القديم الى نتيجه لملم فيها آلهته العديده، جامعاً لها في الروح الكليه، والحقيقة النهائية التي تمثل الجوهر، وكل ما سواه هو عرض له، او ما تدعى بالثنائية الموضوعية والذاتيه، وهي (برهمان-أتمان). وأن هذه الروح موجوده في كل كيان حيوان أو جماد، وأنها تمثل الحقيقة الجوهرية لكل مظهر كوني موجود، وهذا يعني أنها العالم والعالم هي، وقد عبروا عنها في أحد أناشيدهم (...ان نفسي هذه موجودة داخل القلب في برهمان) . هذه الرؤيه أو العقيدة أطلقوا عليها عقيدة وحدة الوجود، وهذا المبدأ قريب لمبدأ الحلاج في عقيدة وحدة الوجود الذي عبر عنها (أنا من أهوى ومن أهوى أنا. نحن روحان حَلَنا بَدَنا ....فأذا أبصرتني أَبصرته ..). هذه العقيدة أعتقد بها الهندوس في أحد مراحل تطور عقيدتهم المفتوحة والسائبة النهايات كما قلنا في بداية الكلام عنهم. أن هذه العقيده عن الاله يعتريها شيء من الغموض، وذلك بلحاظ أن العالم قد جاء بنفحه من (برهمان-أتمان)، وأصبح برهمان-أتمان كينونة هذا العالم، ولكن من الواضح أن من نفخ سابق بالزمن والوجود على من أصبح نتيجة لهذه النفخة، وبالتالي يحصل هناك سابق زمني وجودي بين الأثنين ، وهذه مسأله واضحة من طريقة التسلسل الزمني، ولكن مع ذلك تراهم يصرون على وحدة الوجود بين العالم وروحه الكلية التي تمثل جانب الكينونة فيه، ولكن يبدو أن الهنود لم يستطيعوا الأنفكاك بين هذين الوجودين المختلفين وكأن كل واحد منهم صنو للآخر ولا يستطيع الأستغناء عنه، ولكنهم يقرون بأن العالم الموضوعي سيذوب ويفني، حيث يحل العدم المطلق، وأن النفوس التي كانت تسكنه ستتجمع، وتعود الى الكينونه، التي هي تمثل الروح المطلقه، أي لا وجود الا للرب (براهمان-أتمان)، ولكن وبنفخه منه يرجع الوجود ثانيةً، وهكذا الأمر دواليك، حيث أنهم يؤمنون بهذه الدوره للخلق، ولكن عندما يريد الأنسان التحقيق بما يقول حكماء الهندوس، سيرى أن المادة مفصولة ومخلوقة، لأنها تتراوح بين الوجود والعدم، ولا وجود دائم الا لبرهمان-أتمان، وهذا أعتراف واضح وضمني بالخالق الأول، لكنهم وبحكم البعد الحسي الذي يهيمن على عقولهم ومشاعرهم يعرقلهم بالأندفاع الى المجرد التام، الخالق للوجود، وهي حاله غير غريبة في وضع أنساني يكون فيه العقل في سلم بداياته الأولى بعملية الأرتقاء العقلي في عالم المعرفة . أن ما سعي العقل الهندوسي يكاد أن يصل في نهاياته الى المجرد، لأن بعض رسائل الأوبانيشاد تنطق بما يُسمى بالحقيقة النهائية، وكما يسموها أيضاً بمملكة الكينونة الخالدة، والتي لا تشبه مطلقاً هذا العالم المليء بالتغير والأنحلال وآلية الولادة والوفاة...) . أنهم يعتقدون بما يُسمى بالوجود الحق، الغير هذا العالم المادي.

يتضح من ذلك أن الهندوسية سارت في طريق تطورها نحو محاولة الأتحاد مع المطلق، وأن هذا المطلق هو الروح الكلية والأزلية التي يسعى اليوغي عن طريق الرياضة الروحية (اليوغا) بالأندماج به عن طريق التأمل بالروح المطلقة، وأن جسده الحالي لا يمثل الا وعاء لنفسه التواقه بالسكون مع النفس الكبيره والأزلية، والتي يسميها أحياناً بالروح العالمية الخالدة، كما أن هناك بعض الكتابات الهندوسية، تصف الأنسان الهندوسي المتأمل، بأنه من يركز ذهنه على الواحد، وأن من يمنح نفسه الى النفس العلوية، ومتخلياً عن الأثم والمعاصي، يمر بلا عقاب الى بركة الأتحاد مع براهمان اللانهائية (موسوعة تاريخ الأديان ج4 فراس السواح).

هناك من بين عقائد الهندوسية من تتجه صوب قوة فائقة القدرة والقوة، فيصفون البرهمان بصفات أسطورية لا يمكن لكائن يتصف بها غيره، وذلك من مثل هيئته البالغة الضخامة، وما لدية من أفواه لا تعد ولا تحصى، وعيون لا حصر لها، ووجوه تلتفت في كل أتجاه، ولو دققنا بهذه المواصفات لرأينا المحاولات المضنيه في الوصول الى أساس القدرة الكلية، ولكن بوسائل حسيه، وهذا هو السبب في تعثر وصولهم الى الذات الالهيه المجرده . أن الحكمة الهندوسية تحلم بالظفر بالروح المطلقة لكن أدواتها المعرفية المتواضعة، ومحدودية مجساتها البايلوجية تعيق تحقيق حلمها، الذي عبرت عنه في هذا المقطع من أنشودة الأوبانيشاد ؛

(أذا حدث وأنفجرت آلاف الشموس في السماوات بشكل مفاجيء، وغمرت الأرض بأشعة لم يُرَ مثلها، عندئ من الممكن أن نحلم بذلك الواحد المقدس والمبجل).

أن رؤية الهندوس وعقيدتهم بفناء العالم، وأن النهاية الأزليه هو الروح المطلقه التي يمكن أن تضمه لها، هو من جعله يتخلى عن جسده، ويعيش حالة الزهد الى أقسى حالاته، لأنه يعتير الجسد مادة، والمادة تمنع الروح من الأنطلاق والتأمل في الروح الكلية، هذه الفلسفة هي من كشفت حياة الزهد والكفاف في حياة الهندي وأهماله لجسده، أنه يتوق لنشوة الأتحاد مع البرهمان-أتمان. وكما قلنا أن هذه الديانه متحركة المواقف فيما يخص الاله، وأن كانت لها مواقف ثابته في شؤون أخرى، مثل نظام الطبقات، وعقيدة تناسخ الأرواح، وهي أن الأنسان يمكن أن تنتقل روحه الى كائن أخر سواء كان أنسان أو حيوان أو نبات وحتى جماد، وهذه ما تسمى بتدوير الولادة، أما تكون نحو الأعلى أو نحو الأسفل، وهذا يعتمد على سلوك الأنسان ونوع الأخلاق التي يمارسها مع الأخرين، وهناك عندهم قانون كارما تُوضح فيه هذه التفاصيل، ولكن على العموم هناك ما هو متغير وخاصة مسألة الالهه وطبيعتها وعلاقتهم بها، ولذلك نرى بين فتره وأخرى تخرج علينا فرقه أو طائفة تحمل عقيده حول الالوهه تفترق فيها عن ما سبقتها، لذلك حتى في مسألة وحدة الوجود التي أفترضت الوحده التامه، نرى هناك من جاء ببعض الأفكار التي تحمل شيء من الأختلاف، الا وهو رجل أسمه (سانكارا (788-820م) حيث لا تخلو أفكاره من الغموض والأبهام، حيث يفصل سانكارا بين العالم والبراهمان، ولكن في نفس الوقت مرتبطين مع بعضهم بشكل غير مستقل، فهو يصف البراهمان بالغير مشخص، والغير موصوف، وأنه خارج نطاق التجربة الأنسانية، وأنه لا يفنى ولكن لا تربطه بهذا العالم علاقة سببيه لأن الكون على حد زعمه ظهر بفعل وقوة المايا، وهي قوة سحرية جاءت على يدي الاله أشفارا، وتنتهي بسلسله الى اله مستتر هو براهمان، وهنا أتسال كيف لا تربطه علاقة سببيه بالعالم، والسلسله تنتهي به؟ فهم يلتقون مع من سبقهم أن هناك قوة المايا، كقوه وسطية بين الالهه والعالم، وأن العالم جاء عن طريقها، وهذه القطعة من أناشيد متأخرة من الأوبانشياد يكشف ذلك:

(ان صانع الوهم يعكس الى الخارج هذا العالم كله من براهمان...)، فنرى هنا أن المايا هي القوة الساحرة التي أظهرت العالم، ولكن هذا الوهم غير مطلق، فالمطلق فقط هو البراهمان (اشفارا)، وأن أشفارا هو المبدأ الالهي الحي، والذي يكون تحت أسماء مختلفة مثل (فيشنو، شيفا، براهما) هم عبارة عن ظهور الهي ثلاثي الأبعاد صدرت من (براهمان-أتمان)، وهو بالحقيقه أن اشفارا هو (براهمان –أتمان)، وبالتاي هو الخالد بلا مكان ولا زمان، وأنه الضابط الباطني لكامل العالم في مختلف أجزاءه كما تُشير الأوبانيشاد في ذلك حتى تُسمى بالتوحيد المؤهل، أو بالحقيقة النهائية أو الكائن الأعظم. ففي الأعتقاد السابق كانت هناك وحدة تامه للوجود أما سانكارا فقد فككها بعض الشيء وأضاف لها قوة المايا، وهكذا تمر الهندوسيه عبر الزمن بأطوار متعدده يتخللها الكثير من التباينات والتحولات في مسألة الالوهية وطبيعتها. فعلى سبيل المثال كمصداق على هذه التحولات والفرق التي خرجت من رحم الهندوسيه، هي الجاينية والبوذيه والسيخية، وهي توجهات أدلت بدلوها عن الهندوسية الأم في مسألة الالوهه، وأحدثت أنعطافات كبيره، حتى أثرت على تماسك وأمتداد الهندوسية في الهند مما أصابها بعض الوهن والتلكأ في أنتشارها، ولكن مع ذلك بقى عامة الجمهور الهندي سادراً بديانته الشعبية بعيداً عن النخب الفكريه وقد نرى بعض الموظفين البرطانيين الذي عملوا بأدارة الهند أنذاك وقد وصفوا حالة التدين في الوسط الشعبي فذكروا (الفرد العادي لا يلقي بالاً في حياته اليومية لمستقبل وجود لاحق، هو أنسان قانع بعبادة الهة القرية الصغار، الذين يتطلع أليهم من أجل المطر والمواسم الخيرة، والنجاة من الطاعون والكوليرا..).

نلاحظ أن التعدد يقوى ويضعف بين الحين والآخر، لذا الهندوس يأتون بالهه معاونون للحقيقة المطلقة (براهمان-أتمان) ويكونون كمساعدين الى جنبه، وهؤلاء الالهه الثلاثة هم (براهما-شيفا-فيشنو)، وحتى هؤلاء الثلاثة، وحتى هذه الالهه الثلاثة تستوعب وظائف مئات بل آلاف الالهه المحلية في المدن والقرى المختلفة، وهذا التعدد بالوظائف ما لمسناه بالديانات التي تطرقنا عنها سابقاً (السومرية والبابليه والسورية والمصرية واليونانية) وسميت بالآلهه الثانوية، وكذلك الأمر يتكرر هنا بالديانه الهندوسيه وهذا دليل أشتراك الكثير من الأديان بمشتركات كثيره، وهذا دليل على سير التفكير الأنساني في المسألة الدينيه بطريق شبه متوازي خلال تطور التفكير الأنساني عبر التاريخ، فهنا نرى الهنود وقد قسموا هذه الآلهه حسب وظيفتها، فمثلاً يختص الاله (براهما) بالخلق، والاله (شيفا) بالتدمير، والاله (فيشنو) بالحفظ، ويبقى (براهمان-أتمان) فوق كل ذلك.

لم يقف قطار التغير على الديانة الهندوسية عند هذا الحد، بل سار قُدماً بأتجاهات مختلفة، كما وهناك من رجع القهقري الى الديانه الهندوسيه القديمه وأعتبروها هي الأصل بعد أن رأوا التغير الذي عصف بمبادئها، مما خلق حالة من الأضطراب والحنق بين صفوف أتباعها، مما حدى بهم بالرجوع الى أصل الديانه لكي يتخلصوا مما عَلق بها مما يعتبرونه من تشوهات، لذى رجعوا الى الفيديه القديمه والتي تحتوي فيها على عدة الهه.

من الفرق التي أنحدرت من الهندوسية قديماً مثل الجاينيه والبوذيه، أما التي جاءت بعصور متأخرة فكانت مثل السيخية و والحركة الليبرالية بقيادة (رام موهانروي) عام 1828 م وأتباعها يُدعون بـ(البراهمو ساماج) وهو توجه يسعى الى أن كل الأديان لها نواة روحية واحدة والأيمان بوحدانية الله والتي يدعوها بـ(الكينونة الخالدة والممتنعة التي لا تخضع للبحث، مؤلفة الكون وحافظته)، كما هناك من أنصاب بردة الفعل القوية على ما طرأ من تغيرات لم تعجبه على الديانه الهندوسية وأعتبرها نوع من الشعوذه والأنحراف ، فرجع الى الفيدا بأعتبارها الديانه الأصلية التي لم تدنس بالشرك والألحاد، بالأضافة الى ظهور حركة (راماكريشنا) وهي الأخرى أنبثقت من الهندوسية، والتي دعى منظرها (راماكريشنا) الى أن جميع الآلهه والألهات أنما هم جوانب متعددة لبراهمان مطلق واحد. يتبع

 

أياد الزهيري

 

 

محمد بنيعيشأولا: التوصيف النفسي والعاطفي للمرأة بين ابن حزم وعلم النفس الحديث

إن تحليلات نفسية المرأة عند ابن حزم الأندلسي من خلال كتاب"طوق الحمامة"بالتركيز على أنها ذات جانب انفعالي غريزي طاغ على شخصيتها وسلوكها قد تسير جنبا إلى جنب مع ما توصلت إليه بعض الدراسات الحديثة، أعرض لبعض الاستنتاجات في علم النفس الجنسي حيث يقول فيها بعض الباحثين-أوسفلد اشفارتس-:

"إن المرأة تحتوي على مخالفة غريبة لا حيلة لها فيها، إذ تضطر المرأة إلى إثارة الرجل وتحديه، غير أن كل شيء يتعلق برد الرجل على هذا التحدي وتلك الإثارة!.

فلقد أعطيت المرأة القدرة على الاختيار إذا ما أتيح لها الاختيار فقط، ومعنى ذلك أن مصيرها بيد الجل طالما أن الحياة الجنسية هي سبب وجودها، وأن حياتها الجنسية لا يمكن أن ترضيها إلا إذا كانت كاملة، ولهذا يعجز النساء عن المحافظة على اتزانهن الداخلي بسبب هذا النزاع، لا تستغرب أن الكثيرات منهن يصبن بعصاب جنسي حقيقي"[1].

يضيف صاحب هذا الرأي معرفا بصفات المرأة على أن هناك"طائفة أخرى من الصفات تنتسب إلى ما يمكن تسميته "بنزعة موبيوس الطفولية"ولا يعني ذلك غباوة النساء الفيزيولوجية"كما يدعي موبيوس، بل يدل ذلك على أن جسم المرأة أقرب من الناحية البيولوجية إلى تركيب جسم الطفل من جسم الرجل وكذلك الشأن فيما يتعلق بتفكيرها تقريبا، ويمكن لمعظم الصفات التي تعتبر خاصة بالنساء أن تنتمي إلى المرح وعدم الشعور بالمسؤولية والخضوع للنوازع والأهواء وقلة اليقظة وكراهية السخرية والعجز عن قيادة النفس وعدم الدقة.

ويجب علينا أن نذكر ما قلته في مطلع هذا التحليل عن النزاع الجوهري في وجود المرأة وذلك أن للمرأة دماغا ولكن أيضا لها قلب، وليس من العدل في جانبنا أن نجعل من الأوضاع الاجتماعية فقط سبب هذا النزاع، ذلك أن المشكلة أكثر أهمية"[2].

فبخصوص انشغالات النساء ومدى تعمقهن الفكري وتدقيقهن في القضايا المعقدة ذات البعد الاجتماعي والمصلحة العامة قد نجد تقاربا كبيرا بين هذا الباحث الغربي وابن حزم، إذ أن هذا الأخير كان يرى أن الرجال هم أهل الفكر والانغماس في المعقولات والمجابهة الفعلية لمتطلبات الحياة، بينما النساء فارغات البال منطويات على أنفسهن لا يفكرن عند وجود بطالة بينهن إلا في الدواعي الشهوانية وما قرب منها.

بينما يرى أوسفلت شفارتس أن طريقة الرجال في النظر إلى الحياة غاية في نفسها، بل هم ينظرون إليها كوسيلة للنجاح، وهناك مظهر آخر لهذا الموقف وهو أنهم يعتقدون أنهم لا يصلون لتحقيق شيء بدون شيء وأنهم يجب أن يستحقوا كل شيء كاللذة وغيرها.

وهذه طريقة الرجال في النظر إلى الحياة لأن الرجل يهمه الفعل، كما أن النظرية تتعارض ومزاج المرأة؛لأن ما يهم المرأة هو أن تكون فقط، وهذا في نظري -على حد تعبير الباحث- هو السبب الجوهري لما يحس به النساء من اضطراب في المجتمع الحالي، لأن طريقة المرأة في الحياة هي أن"توجد"وأن تستمتع بالحياة بكل ما فيها من تمام وثراء.

فهي فنانة خبيرة بفن الحياة، وهذا هو ميدان نجاحها الخاص بها، نرى الآن مقدار صحة كل ما قلناه عن سر المرأة، ذلك لأن الوجود الصافي الذي لا يتدخل فيه الفكر إنما هو شيء لا يفهمه الرجال بل هو يخيفهم"[3].

ثانيا: المراة والرجل والشروط الموضوعية لتحقيق التوازن والكمال

هذه الآراء رغم أنها قد تتوافق مع ما ذهب إليه ابن حزم من بعض وجوهها إلا أنه سيتجاوزها حينما يطرح بعض القضايا الجوهرية التي تمنح المرأة القدرة على التوازن، وذلك من خلال الدعوة إلى الحفاظ على سلامة نفسيتها بتطبيق ما تأمر به الشريعة الإسلامية من التزام ضوابط وصمامات أمن لاجتناب المعاصي والتزام التعفف والطهر، وليس ذلك إلا بغض البصر وسعيها إلى إخفاء مفاتنها واجتناب الاختلاط بالرجال لحد تقارب الأنفاس.

وإنما تنبغي المباعدة بينها وبين الرجل قدر الإمكان كما في الحديث الشريف الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "باعدوا بين أنفاس الرجال والنساء"، وحتى لو توفرت الظروف لهذا الاختلاط وخاصة عند المحبين- كما يرى ابن حزم- فإن أفضل ما يأتيه الشخص في حبه هو: التعفف، الذي لن يتيسر إلا إذا كان صاحبه ذا قوة في إيمانه وخشية من الله تعالى.

يضاف إلى هذا أنه رغم ما ذهب إليه في تحليله لنفسية المرأة ووصفها بالضعف والانفعال وما إلى ذلك - مما رأينا- إلا أنه في الجملة يرى أنها قد تصل إلى درجة الكمال وأن خصائصها النفسية ليست موجبة لنقصان مقامها وفضلها، وإنما قد يتساوى الرجال والنساء ولو في رتبة الصحابة وغيرهم من الفضلاء حيث يقول:

"فلسنا نشك أن المهاجرات الأوليات من نساء الصحابة رضي الله عنهم يشاركن الصحابة في الفضل، ففاضلة ومفضولة وفاضل ومفضول، ففيهن من يفضل كثيرا من الرجال، وفي الرجال من يفضل كثيرا منهن.

وما ذكر الله تعالى منزلة من الفضل إلا وقرن النساء مع الرجال فيها كقوله تعالى: "إن المسلمين والمسلمات"[4]، حاشا الجهاد فإنه فرض على الرجال دون النساء.

ولسنا ننكر أن يكون لأبي بكر رضي الله عنه قصور ومنازل مقدمة على جميع الصحابة، ثم يكون لمن تستأهل من نسائه تلك المنزلة منازل في الجنة دون منازل من هو أفضل منهن من الصحابة، فقد نكح الصحابة رضي الله عنهم التابعيات بعد الصحابيات وعليهن، فتكون تلك المنازل زائدة في فضل أزواجهن من الصحابة فينزلون إليهن ثم ينصرفون إلى منازلهم العالية"[5].

ويقول أيضا في تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم : "كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون":

"والكمال في الرجال لا يكون إلا لبعض المرسلين عليهم السلام، لأن من دونهم ناقص عنهم بلا شك، وكان تخصيصه صلى الله عليه وسلم بالكمال مريم وامرأة فرعون تفضيلا على سائر من أوتيت النبوة من النساء بلا شك، إذ من نقص عن منزلة آخر ولو بدقيقة لم يكمل، فصح بهذا الخبر أن هاتين المرأتين كملتا كمالا لم يلحقهما معه امرأة غيرهن أصلا، وإن كن بنصوص القرآن نبيات وقد قال تعالى: "تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض"[6].

فالكامل في نوعه الذي لا يلحقه أحد من أهل نوعه، فهم الرجال الرسل الذين فضلهم الله تعالى على سائر الرسل، ومنهم نبينا محمد و إبراهيم عليهما الصلاة والسلام بلا شك، للنصوص الواردة فيهما بذلك في فضلهما على غيرهما، وكل من النساء من ذكر عليه الصلاة والسلام"[7].

وهكذا فليس الكمال حكرا على الرجل ولا على أي طبقة من الطبقات ولا طائفة من الطوائف إلا إذا كانت ذات مرتكزات سليمة وخصائص مؤهلة لتحصيل درجة سامية من الرقي ، الذي بدوره قد يتفاوت فيه الرجال كما النساء "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون".بحيث ستبقى الأحكام حول الأفضلية من غيرها مجرد ظنون وإسقاطات ذاتية لا يبررها إلا ما يصدر عن الشخص أيا كان من الفضائل والإنجازات الدالة على سموه المعنوي والمادي المفيد لنفسه ولمحيطه.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

..........................

[1] أوسفلد شفارتس: علم النفس الجنسي، تعريب شعبان بركات، منشورات المكتبة العصرية للطباعة والنشر صيدا بيروت 1972ص197

[2] نفس  ص198

[3] نفس  ص206

[4] سورة ا|لأحزاب  آية 35

[5] ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل دار الكتب العلمية بيروت ط2-1420-19993ص49

[6] سورة البقرة آية 253

[7] ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء النحل طبعة دار الكتب العلمية ج3ص188

 

 

مجدي ابراهيملطائفُ المَنَن في فضائل الشيخ أبي العباس المرسي وشيخه أبي الحسن، هو كتاب الترجمة الشخصيّة لقطبي المدرسة الشاذليّة، الإمام أبي الحسن الشاذلي، وتلميذه الإمام أبي العباس المرسي. يَعْرض ابن عطاء الله السَّكندري حياتهما وآثارهما في الفكر والواقع؛ أعني آثارهما النظريّة مُطبَّقة على حياتهما الحيَّة الواقعيّة.

ويجودُ قلم ابن عطاء في هذا الكتاب؛ وصَّافاً مُبْدِعاً في الوصف والتصوير، حتى ليُخَيَّل إليك وأنت تقرأ "اللطائف" أنك تعيش بروحك وبشعورك هنالك في تلك الحقبة وفي ذلك الزمن، ومع هذين القطبين الكبيرين، تعيش حياتهما في لحظة القراءة وتتنسم أذواقهما بتبتّل يصفو مع الشّذرة التي يقدّمها ابن عطاء، وتحيا في بواطن الشعور ما كانا يحييانه ويفكران فيه، ويؤمنان به على البصيرة الفائقة والوعي الصوفي العالي المستنير.

وليس هذا بغريب على ابن عطاء الله الأديب الوَصَّاف: صافي الفكرة من خيانة التجسيد القبيح، صفيُّ العبارة من علائق الأوْشَاب والأخلاط، جميل الأحدوثة في أطايب الكلم الجميل، ذكي الفؤاد وهو يطيل، وَذَكِيُّه كذلك وهو يميل إلى التقصير، نقيُّ البيان من لوثة الحشو والحشر والتقعير: صَاحِبُ الحكَم، وَصَّاف الفكرة العلويّة.

لم يكن ابن عطاء في هذا الكتاب ـ  فيما يبدو ـ يضع نصب عينيه سوى الصورة التي استقرَّت في مخيَّلته عن شيخيه الجليلين، وكفى: يرسم عبارتهما رسماً مؤثراً يأخذ بمجامع القلوب؛ ليُحدِث في الشعور هَزَّة إيمانية جليلة؛ وليعيشه القارئ حياة من خلال ما يقرأ ويفهم ويتصوَّر، ثم يعمل بمقتضي الفهم والتصور. ويهدي ـ  بما يقول الأشياخ ـ  سُدَفِ الظلام الحائر لدى الحائرين: يُنيرها ويبدِّد ظُلمتها بنور التوفيق والعناية، ويمضي على الطريق بعون الله، وجزاؤه أن يكون مع الله، والله مع السائرين.

كان ابن عطاء الله السكندري ـ ولا تزال آثاره ـ بما كتب في هذا الكتاب وفي الحكم أيضاً، ريحانة المدرسة الشاذلية تَعَطَّرَتْ على سنان قلمه شذرات الإمام الهُمَام أبو الحسن الشَّاذلي، ولولا ما كتب ابن عطاء في هذا الكتاب، وفي التنوير، وفي الحكم، ما كُنّا لنَعْرف شيئاً بمثل هذا الجمال والتأثير ورُقيَّ الأداء عن الشيخ أبي الحسن الشاذلي، والأغرب من هذا: أن معرفتنا بالشيخ أبي العباس المرسي تكاد تنقطع لو أن الفرصة لم تكن لتتاح لابن عطاء لكتابة "اللطائف". ربما قد يكون هناك مصدر آخر غير "اللطائف"، يمدُّنا بمناقب الشاذلي الإمام وسيرته وإشاراته وبعض معارفه؛ من طريق ابن الصّبَّاغ في كتابه الجامع "درَّة الأسرار وتحفة الأبرار"؛ ولكن تلميذه أبو العباس المرسي تتلاشى معرفتنا به تماماً لو لم يكتب ابن عطاء الله هذا الكتاب وغيره من الكتب التي صَنَّفَها في آداب الطريقة، أقول هذا: على المستوى النظري، على مستوى الكتابة والتأليف وتدوين الآثار.

ولكن ما من شك في أن الطريق العملي للشَّاذُليَّة باق على صعيد السلوك والعمل؛ وهو الأهم في الدلالة على الطريق، أعني أن مستوى العمل والممارسة والانخراط في التسليك هو الفاعلية النشطة الباقية، وهو مدار الاهتمام من الشاذليّة على التعميم. عنصر الفضل في هذه المدرسة يكمن في "التوجُّه" ويحيط سلامة "التوجه" بالعمل الدائم ورعاية السلوك الديني على مقتضاه. لم يكن السلوك بمنأى عن "التوجَّه" ولا يجيء "التوجّه" بمعزل عن العمل في إطاره. ليس ثمة انفصال بينهما. أغلب آثار الشاذلية تدور حول النشاط الديني والسلوك العملي: فكرة  تخضع لمقتضى التطبيق، وتطبيق يتلازم مع الفكرة التي يمليها "التوجّه" كما تفرضها آفاقه العلوية. رحاب الشاذلية سماحة وعي واتّساع مدراك تسمح باللقاء المباشر وتحقق الشهود الكامل.

لم يرث علم الشيخ أبي الحسن الشاذلي بالمباشرة والخصوصية غير أبي العباس المرسي، وهو أجَلُّ من أخذ عنه الطريق، ولم يضع لا هو ولا أستاذه شيئاً من الكتب، وكل ما تركاه جملة أقوال في التصوف: تعاليم وإرشادات، وبعض الأدعية والأحزاب. وكان يقول، فيما يروي الشعراني عنه: "علوم هذه الطائفة علوم تحقيق، وعلوم التّحقيق لا تحتملها عقول عموم الخلق"؛ وكذلك شيخه أبو الحسن الشاذلي، رضوان الله عليه، لم يضع شيئاً من الكتب، ولما سُئل في ذلك كان يقول:"كتبي أصحابي"!

وعندي أنها لإشارة عالية تكشف عن ذَوْق الطريق حتماً بالمعاملة والممارسة والرياضة والتجربة؛ ليكون التصوف بمقتضاها حركة عمل وعلاقة علم، وليس هو مُجرَّد نظر فارغ من الممارسة أو مجرد قراءة سطحية سرعان ما تتبخر مع الأيام، هو على التحقيق فاعلية تجريبية: أعني خوض غمار الفعل الحيوي المباشر والدوام عليه وتمثله حياة خالصة تُعاش بعيداً عن عبث الأغيار.

إنه ليُربّي الرجل تربية علميّة على أسس الطريق ثم يرقيه في خضم المعاملة بالتي هى أحس؛ فيكون العلم قرين العمل، والعمل قرين الحال.

كتبي أصحابي؛ لأن التربية الرُّوحيَّة التي كانت ممثلةً في أبي الحسن الشاذلي لهى هى تربية الرجال. وصناعة الرجل في التصوف خَاصَّة أهم وأقوى من صناعة الفكرة النظريّة المعزولة عن الحياة والمُجَرَّدة عن فاعليتها وحضورها في دنيا الواقع العملي.

كتبي أصحابي؛ لأن الكلمة يقولها الشيخ لها من التأثير الإيجابي الفوري بحيث تنقلب من ساعتها إلى واقع مُحقق منظور، وتتحوّل لدى مُتَلَقِّيها إلى عمل يظهر في سلوكه بالمباشرة؛ بسبب أنها حياة روحيّة صادرة بالفعل عن التجريب.

كتبي أصحابي؛ لأن الصُّحْبَةَ للرجال أقوى للنفس وأفعل من صحبة الأفكار التي لا تدل على مِكْنَةٍ في ذاتها أو على قوة. الرجل الإنسان الذي يحيا الحياة الروحية ويعشها تجربة وممارسة وفاعلية ليس كالنصّ الصامت الميت الذي لا ينطق إلا إذا أنطقوه. صحبة الرجال صدق في الحال ما دامت صدقاً في الطريق؛ وهى من بعدُ لأنفع من مفعول الأفكار الهدَّامة، وبخاصّة إذا جاءت تلك الأفكار عاصفة في معترك الحياة الدينية والرّوحيّة.

كتبي أصحابي؛ وليس لي من صحبة إلا الرجال. والرجل الذي لا يمثل فكرة ولا ينهض برسالة ولا يعطي من ذاته ما يدل على فكرته، أو على رسالته؛ خيرٌ من صحبته القطعية؛ لأنه ليس برجل ولا هو بإنسان يستحق الحياة.

وللمدرسة الشاذلية في مصادرها العلمية (النظريّة) طريقان: الأول طريق ابن الصَّبَّاغ، وهو قد استقى كل معلوماته عن الشيخ أبي محمد ماضي خَادِم الشيخ أبي الحسن الشاذلي نفسه، وهذا الكتاب أقدم كتاب عن الشاذلية وشيخها أبي الحسن الشاذلي، طبع منذ أكثر من مائة عام تقريباً في تونس، ثم توالت طبعاته في القاهرة، وألحقت به ملاحق وزيادات.

ومنه إلى أحمد بن محمد بن عبَّاد المحلي الشافعي المتوفى سنة (1153هـ)، صاحب كتاب "المفاخر العليّة في المآثر الشاذلية"، ثم الفروع. والطريق الثاني: طريق أبو العباس المرسي؛ فابن عطاء الله السَّكندري، ثم الفروع .. هذان هما الطريقان اللذان يمدَّانا بالمعلومات النظرية عن الشاذلية، وما سواهما يأخذ عنهما إمَّا نقلاً أو محاكاةً أو تربيةً أو ترقيةً أو تجربة. وفي التجربة فقط يجود البيان!

حين ترجم "الشعراني" في طبقاته الكبرى للشيخ أبي الحسن الشاذلي قال: " وقد أَفْرَدَهُ سيدي الشيخ تاج الدين بن عطاء الله هو وتلميذه أبو العباس بالترجمة، وها أنا أذكر لك ملخَّص ما ذكره، ثم لخص الشعراني بعض ما وَرَدَ في لطائف المنن في طبقاته (الطبقات الكبرى، جـ2، ص 4 وما بعدها). ولكن هذا التلخيص إنْ كان يفي بمقصود الشعراني من حيث علمه وخبرته بأسرار الطريق كونه شاذليّاً يدين بالولاء للطريقة الشاذلية، فهو لا يفي من جهة أخرى بمقصود القارئ النهم الشغوف بمعرفة المزيد عن المعلومات الوافية لكتابات الشاذلية، وبخاصّة ابن عطاء الله، المعبّر الحقيقي عن هذه المدرسة، والناطق باسمها، والمدَّون لإشارات شيوخها الأوُّل.  

وكتاب لطائف المنن لابن عطاء من الوثائق الصوفية لهذه المدرسة، يُحتَفي به من الأوساط الأدبية والمعرفية خير احتفاء، ويُحقق تحقيقاً علمياً على يد الإمام الأكبر المرحوم الدكتور عبد الحليم محمود ـ طيَّبَ الله ثراه ـ ليكون مصدراً أساسياً لتعاليم السادة الشاذلية كما جاءت على يَرَاع كتابها العارف ابن عطاء الله السكندري، ثم ليجيء نبراساً ينير الطريق بشذى الولاية والعرفان للمريدين والطالبين على مَرّ الأزمان.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

اياد الزهيرينتجه شرقاً الى الهند حيث وجود منشأ الكثير من الديانات بعد أن غادرنا الزرادشتية في أيران الى حيث الهندوسية في الهند، الأرض التي ضجت ولا تزال بالأديان والالهه لنستكشف عوالم آلهتها عبر العديد من الأديان والمعتقدات، ولكن تبقى الهندوسية هي محور دراستنا بأعتبارها هي الديانة الأكبر في الهند . نشأت بالهند في فترة ما قبل هجرة الأقوام الآرية من أواسط أوربا الى أرض الهند ديانات محلية لسكانها الأصليون، الذين يمتازون بالبشرة الداكنة الأقرب للبشرة الزنجية، وذوي الشعر المجعد، حيث يشير المؤرخون الى ما قبل 1500 ق م، حيث سادت عندهم عبادة الآلهه، وكانوا كغيرهم من الأقوام التي سبق وأن تطرقنا لهم بدراسات سابقة كالرافدينيون والسوريون وعرب الجزيرة والمصريون وحتى اليونانيون، حيث عبدوا آلهة متعددة، فكان لكل مجموعة اله، حتى لترى لكل عائلة اله خاص بها يحتفظ فيه في بيته . هذا التعدد جاء نتيجة أعتقاد الهنود القدامى أن هناك قوى سحرية وخفية تكمن وراء الأشياء والظواهر، لذلك تجد الهنود منهم من يعبد حجر ذو شكل معين، ومنهم من يعبد نبات ومنهم من يعبد حيوان، ومنهم من عبدوا قوى الطبيعة كاله السماء والشمس والأرض والنار، والريح والماء، وهذا ما ميز أرض الهند بكثرة المعابد والمقامات والأضرحة، في الغابات والمدن والأرياف والجبال، وهنا هم لم يختلفوا كما قلنا عن الأشعوب الأخرى، وأن كانوا هم أكثر تعدد في عبادة الالهه من الشعوب الأخرى، ولكن لا يمنع من وجود التماثل بالعباده بين شعوب الأرض، فمثلاً الاله (ديوس) اله السماء عند الهنود، يقابله الاله زيوس عند اليونانيين وجوبتر عن الرومان وأنيليل عن السومريين وحورس ونوت عند المصريين، وهم كغيرهم من الأقوام الأخرى التي نحت نحو تجسيمي، حيث لا يسعهم ولا تطمئن نفوسهم الا بقرب آلهه مجسمه بقربهم تحميهم وتلبي لهم حاجتهم الدائمة والمختلفة، فقد سموا اله السماء (فارونا) وجعلوا منها أباً، واله الأرض (بريثيغي) وجعلوا منها أماً واله المطر (بارجانيا) والنار (اجني) والريح (فايو) والشمس (سوريا) أو مترا، أما أهم الالهه هو اله النار، اله الشعلة المقدسة، أما اله المطر فهو (أندرا) وهو من يجلب للهندي الأمطار التي تمثل له أهمية كبرى مما جعلوه أعظم الالهه مقاماً، وهذا هو ما أشرنا اليه حيث أن قرب أو بعد الالهه عنهم تقرره مدى حاجتهم اليه، وهذا هو سر التعدد والتحول مابين الالهه عندهم، وكغيرهم ممن سبق ذكرهم فأن هناك اله يختص بالأخلاق ورعايتها ويراقب تطبيقها وهو الاله (فاروفا) الذي هو أيضاً كما ذكرنا اله السماء في البدء ثم تطور عندهم ليصبح أكثر الهة الفيدا علواً في الأخلاق والمثل الأعلى للآلهه، وهو من يراقب العالم بعينه الكبرى، ويعاقب على الشر ويكافيء على الخير، ويعفو عن ذنوب التائبين، وكان حارساً على القانون الأبدي ومنفذاً له، وهذا ما يذكرنا بالآله أوزوريس في الديانة المصرية القديمة، الذي كان يمثل اله الأخلاق.

تُشير الدراسات التاريخية الى حدوث هجرات لأقوام من أصول أرية من أواسط أوربا الى شمال الهند وأستوطنت على ضفاف نهر الأندوس قبل 1500ق م، وهناك من يقول أبعد من ذلك بكثير، وقد حملت هذه الأقوام معها ديانتها الخاصه بها، وقد زحفت هذه الأقوام بأتجاه الوسط والجنوب وامتزجت مع الأقوام الهنديه الأصلية، وهنا أخذت تبرز عندهم الديانه الفيديه . أن الأقوام الآريه الزاحفة داخل الأراض الهنديه كانت من ضمن أهم آلهتها هو الاله (اندرا)، وهو سيد الالهه، كما أنه اله الحرب، كما كان لهم اله آخر يُدعى (رودرا) وكانوا يخشونه بأعتباره اله العواصف المدمرة، لذلك كانوا يناجونه بكلمات التضرع؛

أيا رودرا، لا تؤذ أنفسنا العزيزه علينا

لا تؤذينا في قطعاتنا ولا في خيولنا

أيا رودرا، لا تذبح أبطالنا في غضبك.

هذا المزيج بين الهة السكان الأصليين والقادمين، وما مروا به من أرهاصات وتحولات فكرية عبر الزمن تولدت عدهم ما يُدعى بالآلهه الفيديه والتي تمخضت عن ظهور الديانه الفيديه والتي تضمنت للآلهه أناشيد وصلوات وتبتلات، تمثل مجمل الديانه الفيديه، وهي ديانة بدأت متعددت الالهه، مشركة، وقد بنوا ثقافة غزيرة بلورة لظهور هذا الدين الذي يمتد لجذور سحيقه. لكن مع الزمن بدأ يظهر عندهم أتجاه نحو وحده أجمالية، وهنا ظهرت لنا شخصيات ذكرتها ترانيم متأخرة في (الريغا فيدا) من أمثال الاله (فيشا كارمان) الذي هو من صنع العالم، والاله (براجاباتي) رب المخلوقات، وهناك الاله (بوروشا) الاله الكوني والمانح للحياة لكل الكائنات الحية، وهو مخرج العالم بأسره من داخل ذاته، وهنا نلاحظ أتجاه لوجود مرجعي يتكثف في عدد محدود من الاله، فنرى أن الترنيمة 129 من الكتاب العاشر تشير الى حقيقه كونية عظيمه لا تسميها، ولكنها تشير اليها على أنها ذلك الشيء الوحيد، وهنا يمكن ذكر بعض من هذه الترنيمة؛

كان الخلاء لا يزال ممسكاً بالممكن الذي لم يتشكل

الى ان قامت قوة الدفء بأنتاج الواحد المتفرد

ثم تحركت الرغبة في ذلك الواحد لتتحول الى كينونة .

فقد أعتقدوا أن هناك كينونة مبدعة مجهولة الأسم، قبل وجود الآلهه وكل الأشياء، وهي من قررت خلق العالم. الهنود القدامى أطلقوا ألقاب عديده على هذه الكينونه المبدعه، فهم سموها (آغني، ياما، فارونا وغاروتمان ووو). لم يكن هذا التصور عن خلق العالم الوحيد في كتاب الفيدا، والسبب أن هذا الكتاب كُتب في مدة بين 500 ق م الى 500 م، وكان خليط متراكم من التصورات والأفكار والأعتقادات، والدليل أن هناك أساطير أخرى لمسألة الخلق فيه والتي تقول أن العالم كان أما بقرة أو حصان أو أنسان كوني أزلي خضع لعملية تضحية فَتَقطَع فأنتج الجبال والأنهار والمخلوقات الأخرى، وهذا الأنسان الأصلي يُسمى (بوروشا) ويدعى بالقربان الكوني، كما هناك أسطورة أخرى، تقول أن هناك بحر أزلي حمل بيضه ذهبية والذي خرج منه المنشأ (براجاباتي) الخالق، صانع الالهه والناس والحيوانات، وهذه الأساطير يرجع أصلها الى أزمان سحيقه سبقت الهندوسية، وقد تناقلت شفوياً عبر الأجيال والتي تجمعت ودونت بالفيدا التي تألفت خلال الالف سنه الى 800 جزء، ولكن مع وجود هذا التعدد في الأساطير التي تفسر نشوء العالم، وهذا التعدد في الالهه الكبير عبر الزمن والذي يُذكر أن للهنود 330 مليون اله، ولكن الهنود أتجهوا نحو نهايات قريبة للتوحيد، وهنا يصف فرانكلين ادغرتون هذا التوجه في تكثيف الالهه فيقول (اما أنه يتم جعل اله محدد يستوعب كل الالهه الآخرين ... أو أنه يمنح صفات لا تعطى في المنطق الدقيق الا لألوهية موحدة واحدة)، وهنا يتبين برغم التعدد الا أننا نرى توجه بمخاطبة حقيقة كونية واحدة هائله كما أشرنا بذلك الشيء الواحد بالترنيمه 129 من الكتاب العاشر من الفيدا، كما تذكر الفيدا في بعض سطور هذه الترنيمه ؛

وماذا اذا كان العالم مصنوعاً أم أنه وجد بذاته

انه يعرف بثقة كاملة، وحده هو الذي يحرس ويراقب في أعلى السماء.

نرى أن الفكر الهندوسي ينتهي باله واحد مقدس وأن لم يحسموا أمرهم بتسميته، وأحياناً يُسموها قوة الدفء، كما في فترات لاحقه أطلق حكماء الهند علية عدة أسماء ( آغني، ياما، ماتاريسان).

في خضم هذه الفوضى الفكرية والسائبة النهايات للديانه الهندوسة، نرى في غضون 200 ق م خرجت علينا مجموعة من الأرشادات التي سُميت بالبراهمانات، وهي ذات مضمون وتوجه تدفع بأتجاه التوحيد، حيث أدعوا أن هناك (براهما سفايانيبهور) ويُدعى براهما الموجود بذاته، والخالق الشخصي للكون، وهو القادر على تغير مجرى الكون، وهو القوة التي لها القدرة على فرض الطاعة على الالهه والناس على حد سواء، ويسموه (براهمان). أن حكماء الهنود تراهم يدورون حول توحيد غامض ومشوش، ولكنهم يرغبون بالوصول الى نقطة أو حالة مركزية . فكلمة (براهمان) نراها تشير في الهندوسية الى معنى الروح الفائقه، العالمية، وهو المطلق . (اليوكبيديا).

ولو نظرنا في تاريخ الديانه الهنديه القديمه لرأيناها تؤمن بحقيقة وجود عالم خارجي وبقواه السحرية، وهذه الفترة يدعوها بالهندوسية الأصلية، وهي من زمن ما قبل الآريين، وهذا الأمتداد بالأضافة لما جاء من قبل الآريين المهاجرين، ومجهولية المؤسس لهذه الديانه هو من جعلها مفتحة الأبواب بدخول وخروج الأفكار عليها، وسوف نجد في الجزء القادم من هذا البحث كيف ظهرت تيارات وفرق ومذاهب أخرى من هذه الديانة، وحدث ذلك بأنسيابية عالية نتيجة لعنصر التسامح والقبول بالآخر من قبل الديانة الهندوسية، وهذا ما سمح لها بالتطور والنمو والأضافة الفكرية المستمرة، لهذا نراها بدأت بالتعدد الضخم للآلهه وأنتهت الى الأيمان بالحقيقة الكلية التي تدعى براهمان – أتمان، وهو الوجود الشامل، وهنا نكشف شذرات من ترانيمهم التي تظهر عقيدتهم وتصورهم عن البراهمان ؛

(خالد هو وموجود كرب،

ذكي، موجود في كل مكان، حارس هذا العالم،

هل هو من يحكم هذا العالم على الدوام)

نلاحظ مدى التوجه الى الخالق الأوحد، ومن ناحيه أخرى يعتريهم التسائل والريبه في أخر سطر، عندما يقول (هل هو من يحكم...) أنه مخاض وقلق فكري لدى حكماء الهند القدامى، ولكن نرى في تطور لاحق يصفون الخالق بصورة تصفها هذه الكلمات في أحد ترانيمهم (في البدء كان هذا العالم براهمان. الواحد اللامحدود، لا محدود بالنسبة للشرق، ولا محدود بالنسبة للشمال ... لا محدود بالنسبة لكل الجهات...).

هناك فكرة أيضاً دخلت على الديانة الهندوسية، وهذا هو أستمرار لديدن الهندوسية في جريان العقائد تلو العقائد الى صفحات كتبها، بأعتبارها ديانة مستمرة التكون، هذه الفكرة تدعى قوة المايا، وهي قوة سحرية تقول أن الغير ظاهر هو مصدر لكل الأشياء والكائنات، والبرهمان المستور هو وحده الحقيقي بالمطلق ولا يفنى، وقد جاء في بعض كتابات الأوبانيشاد (أن البرهمان المستور عبر قوته الخلاقة المتأصلة في ذاته بأنتاج البيضه الذهبية التي عند فجر الخلق ... وأصبح الاله الخالق الفعال براهما، وخلق براهما العالم من خلال القوة السحرية (مايا) المتأصلة في البرهمان). وهنا يتبين أن برهمان المستور هو المصدر النهائي للعالم الخارجي، وهو الحقيقة النهائية، ويعبرون أحياناً عنه ب (برهمان- أتمان) بتصور ثنائي (موضوعي وذاتي). يتبع ج2

 

أياد الزهيري