عمار عبدالكريم البغداديشهريار: وعدتك في المرة السابقة أن اضرب لك مثلا حيا لعلاج أحد الساديين المترنح تحت عباءة المازوخية، فإن لي مع البيروقراطيين صولات وجولات، وهذا هو حال المراجعين للدوائر الحكومية في المنطقة العربية عامة، إلا ما رحم ربي، فقد قضيت عاما تقريبا في إنجاز معاملة القسام الشرعي بعد وفاة أبي رحمه الله، وكان شرا لابد منه كخطوة أولى لاستحصال الراتب التقاعدي لإمي، في آخر المطاف رمى بي القدر أمام بيروقراطي عتيد في هيئة التقاعد العامة ببغداد، ولأنني مضطر الى اصطحابها معي في كل يوم، وبسبب خطواتها المثقلة بهموم العقود الطويلة كنت أصل متاخرا الى الدائرة، وأقف في آخر الطابور الممتد لأكثر من 30 مترا، أجْلِسُها على مقعد قريب قبل أن ابدأ بعدّ الساعات علّني أصل الى الشباك المنشود لأكحل عينَي بطلعته البيروقراطية، كنت أسترق النظر إليه عن بعد، وقد علا التجهم وجهه، ومن خلفه باب يدخل منه مراجعون قد من الله عليهم بتهميش من (السادي الكبير)، فيترك المراجع الذي يحدثه عبر (شباك المظالم) ويتهلل وجهه بتمشية معاملة القادم من الخلف، الذي أعاده الى خانة المازوخي المطيع، وبعد ربع ساعة أو أكثر يلتفت الى المراجع مرة أخرى ليتجهم وجهه من جديد ويقول للمتشبث بالشباك، المعترض على عدم إحترام الطابور: المعاملة مرسلة من المدير لا أستطيع تاخيرها .

 في اليوم الأول كان بيني وبين (شباك الأحلام) 3 مراجعين قبل أن ينظر إلينا بابتسامة لئيمة ملؤها السعادة وهو يقول: تعالوا غدا إنتهى وقت الدوام.

في اليوم الثاني تكرر المشهد وكان بيني وبينه 5 أشخاص، ولم يبقَ على الوقت الفعلي للدوام إلا 15 دقيقة، أطلت النظر إليه من فوق الرؤوس المطرقة من تعب الإنتظار، وهو ينظر الى ساعته بانتظار اللحظة المناسبة للإبتهاج بانتصار جديد على ضحايا الطابور اليومي، في حينها إرتسمت أمام عيني القبعة العسكرية لهاينرش هلمر قائد القوات الخاصة في جيش هتلر والأب الروحي لمحرقة الهولوكوست حينما كتب رسالة لأحد القادة النازيين وهو دالبرت غراف كوتولينسكي جاء فيها:

(الحبيب كوتولينسكي لقد كنتَ مريضا وقد عانيتَ كثيرا من مرض القلب، من أجل صحتك أحظر عليك ولمدة سنتين ممارسة التدخين، بعد سنتين يتوجب عليك تقديم تقرير طبي، وبناءً عليه أتخذ قراري في رفع حظر التدخين، او أقوم بتمديده .. يعيش هتلر).

إحمرّ وجهي آلما، وتسارعت نبضات قلبي وأنا اتذكر ذلك الإذلال العظيم لقائد عسكري كبير في معركة طاحنة، في تلك اللحظة وقعت عينا (هلمر الصغير) عليَّ، ولم ير مني الا وجها متجهما فاقت ملامحه ساديته المجيدة، إنتبهت الى الشباك وهو يُغلقُ في وجهي لكنني دفعته في اللحظة الإخيرة، ابتسمتُ بإعجوبة وقلت: مازال هنالك 10 دقائق.

بازدراء وابتسامة متعجرف أجابني: معاملتك تتحتاج الى أكثر من نصف ساعة إرجع غدا، ثم أغلق الشباك بقوة .

في صباح اليوم الثالث وصلت مبكرا بعض الشيء، وأنا أحمل في جوفي إبتسامة أقسمتُ ألا تتوقف حتى أصل الى البيروقراطي المتحامل عليّ منذ الأمس، تلك الإبتسامة كانت حصيلة ساعات من السهر والتفكير، قلت لنفسي وأنا أتقلب في فراشي: لو كان كوتولينسكي حاذقا لتحامل على جراحاته، وتجرأ على محاكاة عقلية هلمر في زيارة خاطفة، كان بإمكانه أن يصل إليه بزعم مراجعة خطط عسكرية او أية ذريعة أخرى، وأن يبدي قوة مصطنعة تدرب عليها النازيون كثيرا، وهو يؤدي التحية العسكرية، ويرسم ابتسامة ثقة على وجهه ويقول: سيدي لقد تركتُ التدخين قبل أن تصلني رسالتكم العزيزة، وكنت أود لو أنني مازلت أدخن السجائر حتى أمتثل لأوامركم.

ربما كان هلمر سيشعر بخيبة أمل لضياع معنى التحكم والسيطرة، ويسمح له بالتدخين ولو لإسبوع واحد قبل أن يعلن كوتولينسكي الإقلاع عنه مجددا خضوعا وإذعانا لهلمر .

ذلك الأسبوع هو الأعز في حياة كوتولينسكي لأنه كسب المزيد من الوقت للتدخين وهو الأسعد لهلمر ليعيش التحكم والسيطرة من جديد .

كنت أميل برأسي يمينا ويسارا وسط الطابور بين الحين والأخر ليراني (هلمر الصغير) وأنا مبتسم الوجه ولسان حالي يقول: أحيي فيك إخلاصك في تطبيق القانون، وفي مداخلة سريعة قلت لأحد المراجعين المعترضين على البيروقراطي بعد أن طلب منه مستمسكا (قانونيا) لم يكنْ بحوزته: يارجل أطيعوا القانون .. الموظف يقوم بواجبه وحسب .

رمقني (هلمر) بنظرة ماأذكر أنني رايت مثلها قط، وابتسم برضاً وهو يقول: بارك الله فيك .

ماهي إلا سويعة وكانت هوية التقاعد في يدي، ومازالت الإبتسامة على وجهي حتى غادرت مع أمي منتصرَينِ الى البيت .

شهرزاد: عذرا لكن هل كان ذلك موقف خضوع منك أم خدعة لتمشية الأمور؟

- حينما ابتسم كوتولينسكي في وجه هلمر كان يدرك في قرارة نفسه أنه يكسب وقتا قبل أن يخضع من جديد، وحينما ابتسمتُ أنا شعر هلمر الصغير بالأمن الداخلي وهو أكثر ما يفتقد اليه البيروقراطي السادي، فهو (يطبق القانون) وحسب، وبين الحالتين فرق عظيم لا يغيب عنك ياشهرزاد، فالابتسامة التي رافقتني في اليوم الثالث كانت نابعة من قلبي، لقد إستحضرت، في الليلة الماضية، صفة في البيروقراطي لاغبار عليها إنه يحب تطبيق القانون، ولأنني أدرك أن (هلمر العصر) يتقلب بين السادية والمازوخية ليشعر بالأمان، ولو استحصل على ابتسامة مَحبة واحترام طلما افتقدَ إليها تهاوت لديه الصفتان في لحظة طمأنينة نادرة، ذلك الإحساس الرقيق بددَ رغبته العارمة بممارسة السادية الباردة، وأغلق شباكه وهو يشعر بالرضا لأدائه الواجب، وإنجاز معاملة آخر مراجع في ذلك اليوم، تلك النظرة الممتلئة بالإحترام والمحبة الصادقة أوصلت إليه رسالة مفادها: " نعم أنت تؤدي الواجب فلا تقلق"، أظن أنه عاش يوما نادرا حتى صباح اليوم التالي حينما جاءه إشعار من السادي الكبير أعاده الى المازوخية من جديد.

 

بقلم: عمار عبد الكريم البغدادي

..................................

من وحي شهريار وشهرزاد (19)

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

 

محسن الاكرمينباقة ورد: في نفس الحافلة وطيلة سنين ممتدة من العمر، كان ذاك الرجل الهرم يواظب على حمل باقة أزهار متفتحة تغري الناظر بملاطفتها بالشم والتفحص الجمالي ولو من بعيد. كانت تلك الباقة المرتبة بالشكل الاحترافي تحمل تنوعا من ألوان ورد زاهية تفوح عطرا ممتدا مع مشية الرجل الحثيثة والمتأنية على طول. باقة تتحرك بخفة الأزهار وبقلة سرعة حاملها ، حتى أن سائق الحافة منذ عشرين سنة وهو يألف التوقف بمهل أمام تلك المحطة القصية كل صبح أحد ليحمل راكبا لا يزيد عن كلامه المختصر إلا أهلا، وعند النزول والترجل يستدير بمهل وبتحية يواكبها قول: استودعكم برحمة الرب.

لم يخلف هذا الرجل موعد الحافلة لما يزيد عن خمس قرن، لم يتأت له نسيان تلك الباقة المزهرية المصففة برونق الذوق الباريسي كل يوم أحد حتى ولو كان الجو ممطرا وباردا، لم يقدر السائق أن يستفزه بالحديث يوما لمن يقدم تلك الأزهار الأنيقة دون إخلافه للموعد الدقيق بالساعة والزمن المضبوط. كل التكهنات كان تلف تخمينات السائق والراكبين الدائمين في ذاك الخط الآتي من منطقة لا تبعد عن دوشة المدينة مسافة، كل من جلس بجانب الرجل الذي دخل عقده السابع كان يستمتع ولو لمحطات قصيرة من السير بريحان الزهر وتنوع الألوان ولو بسرقة الرؤية الخاطفة .

المحطة:

في تلك المحطة غير النائية بالبعد عن دوشة المدينة صعد الرجل ببطء حركة سنه، صعد إلى الحافلة والابتسامة الخفيفة لا تخفيها نظارته السميكة. كان ذاك المكان الفارغ للجلوس من حسن الصدفة الباسمة بجوار شابة متفتحة في سنها العمري مثل الزهر الذي تحمله ذراعه اليمنى. جلست الباقة البهية بجوار الجمال الأشقر، جلس الرجل وقد بات عظمه يحمل عودة الحياة من رميم العظام بقدرة ربانية، جلس بعد أن ابتسم في وجه شابة زينة الحياة، فكانت التحية مماثلة بين العيون المخفية من وراء النظارة السميكة، والنظارة الشمسية الشبابية.

من حسن التناظر الناظم والسريع بين القلوب والإحساسات ولو بحد المفارقة العمرية بالتباعد، أن تلك النظارات المعبرة عن السدود التفاوتية في سن العمر لم تعد تخفي تلك العيون الزرقويتن، لم تعد حائلا سميكا بين فوارق الأجيال، كانت الشابة الوسيمة تلامس الزهر برفق، ومرات عديدة آثرت على أن تتذوق شم ريحان كل زهرة على حدا، لم يكن يمانعها من ملامسة تلك الزهرات المصففة بانتظام، بل كان هو منشغلا في تأمل عشق الحياة، كان يتفحص من داخله زينة الحياة الشقراء، والحلم الباسم بانطلاقة مستقبل متجدد ومفرح.

شقراء الحافلة:

لم تطل المحطات بالركض وسرعة الحافلة المحدودة، وإلا وقد توقف السائق بنفس المحطة التي ألف الرجل أن تكون آخر محطة له بالنزول وبانتظار العودة مساء. لأول مرة لم يسرع الرجل الخطى نحو الترجل من الحافلة، بل وضع تلك النظارة السميكة بعينيه و ألقى ابتسامة نحو الشابة الشقراء ثم انحنى برفق السن، وقبل أن يغادر الحافلة قدم لها باقة الورد مع ابتسامة تفيض حبا، وهو يقول: تفضلي شابتي الأنيقة، هذه الأزهار ربما أعجبتك لقد اشتريتها من أجل زوجتي، لكني لحظتها واثق من أنها تريد منك أن تأخذيها. كل من في الحافلة بقي مشدودا لفعل الرجل العجوز وهو يتابع المشاهد المتحركة برفق، وكيف تخلى عن أزهاره التي ألف أن يحملها لزوجته منذ عشرين سنة!!! ومن شدة الملامح المتغيرة عند كل من امتطى الحافلة، كان لمحات السائق أكثر حدة وتعجبا، ولم يستطع أن يوفي الرجل تحية الوداع المألوفة، وبقي مشدودا لفعل رجل السن المتقدم.

مجاملة:

استقبلت الشابة الحسناء التي يماثل جمالها زينة باقة الورد البهية بفرحة تنط من ملامح خدودها المحمرة بالخجل، وهي لا تعير ملمح عيون الركاب الحائرة و المستطيلة اهتماما. لم تنته المواقف داخل ركح حافلة وثقل سرعة الحياة، بل آثر السائق أن يتمهل عن الدوس على مضخة البنزين للتحرك، كل من كان في الجهة اليسرى نهض من مكانه ليتمم آخر فصل من مسرحية حياة الحافلة، كان ينتظر من زوجة الرجل السبعيني أن تعاتبه بحد لطمه على خده الأيمن ثم الأيسر عن عدم إحضار الباقة المعتادة بتراتبية عشرين سنة خلت.

الكل بدا مشدودا وقد نهض من مقاعده ينتظر النهاية السيئة للرجل الذي يمكن أن المراهقة المتأخرة قد نالت منه شدا إلى العيون الزرق والشعر المتموج الأشقر. في قلة سرعة تحرك الرجل يزيد الشوق إلى معرفة النهايات، من فرح الشابة بباقة زينة الحياة لمت بيدها كمشة من ألوان أوراق الزهر وألقت بها في سماء الحافلة بهجة.

علامة تشوير:

حين تمكن الرجل من اجتياز الطريق كانت علامة التشوير قد كتب عليها باتجاه المقبرة، حينها شد الألم كل من في الحافلة حين تيقنوا أن زوجة الرجل تسكن المقبرة، وبدت بعيون الشابة دموعا نازلة برفق على خدها الأيمن، هنا علم الجميع أن الرجل بقي طيلة حياته وفيا لروح زوجته التي ترقد تلك المقبرة، بقي وفيا حتى في نوعية الزهر والورود الذي كان يقطفها من حديقة زوجته الباقية حياة وإزهارا بفسحة المنزل الأمامية، بقي على الوعد خدوما وعلى حبه لرفيقة عمره صادقا. حينها علم الجميع عند تحرك الحافلة أن الرجل احتفل بالحياة لا بالموت، علم الجميع أن الحياة زينة ومن بهائها الأمل والحلم في الأفق الآتي، علم الجميع حكمة الاحتفاء بالحياة و أن لا ننسى من نحب في قلوبنا.

(فكرة مقتبسة)

 

محسن الأكرمين

 

يحيى علوانكُنّا " ثالوثاً " منذ ما يزيدُ على نصف قرنٍ . ومُذ رحلَ " ثالث الأثافي "- صادق البلادي- مُستعجلاً، قبل أربع سنوات، غدونا " ديو"! نحرص على إدامة ما تبقى لنا من عيشٍ، نسقي زهورَ الوصل والودّ...

صاحبي يُتابعني في كلِّ نصٍّ أنشره، وإنْ سكَتُ، يلاحقني .. وأنا مُمتنٌّ له في ذلك .

أقولُ له، أحياناً، أنني منشغلٌ بشحن " بطارية الكتابة " قراءةً، حتى لا تَترهّل مفردتي ..

فيردُّ عليَّ بـشيءٍ من" التقريعٍ الشفيف " بأنَّ لغتي ما تزالُ " مُترفِّعَةٌ "! غيرَ سَلِسَةٍ، تستعصي

على " غالبية القرّاء "!!

لستُ هنا في مَعرضِ الجدل حولَ مصدر أو مصادرِ ما توصَّلَ إليه من رأيٍ !

لكنني أقولُ له أنها مُقايسةٌ قد تكون مُتعجّلة بعض الشيء، كي لا أقول شيئاً آخر! لأنني أعرفُ كلَّ الحُجَجِ التي دَرَجَ صاحبي يرشقني بها ! فقد تَرَيبّنا سويةً في " المدرسة " عينها .. وعلى" مَسطرة " مَن قبيل" مَنْ المسؤول عن الأوضاع، ومَن المُستفيد..إلخ ؟"

قد يكون " درسُ المسطرة "، الذي تعلّمناه سابقاً، ينطبق على المادة السياسية، والبرنامج السياسي والمادة " التعبوية "!، لكن الأمرَ يختلف في النشاط الثقافي - الإبداعي، لأنَّ للإبداع شروطه !!

وهذا الرأي ليسَ جديداً، أو من " عِنديّاتي "! بل واجهته البشرية منذ القِدَم، حتى قبلَ سقراط وإفلاطون وسينيكا، مروراً بالفارابي وإبن سينا وإبن عطاء وإبن النجّار وإبن رُشد وأبي تمّام وأبي نؤاس والمتنبي والمعرّي وملتون ... وحتى أوسكار وايلد واندريه بريتون :"الكتابة الإبداعية طريقٌ فَذٌّ لتحرير الإنسانِ من عبادة الله وعبادة المال .. فالأولى عبادةُ وهمٍ، والثانية وَحشٌ ..." ناهيكم عما أورده رولان بارت في " لذة النص " ... إلخ من العديد من النصوص والمقولات، التي غدت معروفةً، ولا حاجة لإيرادها، فلسنا في معرض السجال !!

 فللمفردة رنينٌ هاديءٌ يَهتِكُ خَرَسَ الخَؤون، وردحَ المرتدينَ الضِعاف، الذين هَتَكوا تأريخهم، كي يَنعموا بـ"دفء حُضن السلطانِ"!، أَيّاً كان !!

 أقولُ أَنَّ الكنايةَ والجِناسَ، وحتى الطِباقَ، تُغريني،

 لأنها تَترفّعُ على أُحادية المعنى ومباشرته ..!

ففي هذا الزمن " الحداثي وما بعده !" وإنْ كانت مجتمعاتنا العربية، لمّا تزل في طورِ ما قبل الحداثةِ، بإستثناء المؤسسة الأمنية والرقابية !! تحتاجُ الناسُ كما أظنُّ – وإنْ قيلَ أنَّ بعض الظن إثمٌ !! -

تحتاج نصٍّاً مشحوناً يُقطِّرُ الدلالةَ والمعنى، دون أنْ يستدعي مزيداً من وقتٍ يتسرَّبُ بين الأصابع في زحمة العيش" الحديث "!

وأضيفُ أنَّ مادتي هي الحياةُ كلّها ! فهي " مُلقاةٌ " في الشارع !! ما عليكَ إلاّ تناولها .. فطالما بقيتْ أرصفةُ المدن والبلدات تَعجُّ بالمُفقَرين والمهَمَّشين، وطالما بقيت زنزانةٌ لسجين رأيٍ، وطالما تَشَوّقَتْ زهرةٌ لَفَراشةٍ، وتَشَبّثت نبتةٌ بصخرةٍ شَبَقاً، ولم تَرتهب الشمسُ أنْ تُدحرجَ كُرتها خلف المدى .. هناكَ أجدُ ما يكفيني مادةً للكتابة، تَتَناغمُ مع إيقاعِ " أَنا "يَ بكَدَحٍ ذهنيٍّ، يبتعدُ عن المحكيِّ . فقد ذَهبَ إليه غير شخصٍ ممن وجدَ فيه ضالَّته، وأَبدعَ البعضُ فيه !!

وأُزيدُ فوقَ ذلك .. نقرأُ ونسمعُ في أحيانٍ، غير قليلةٍ، مَنْ يتحدَّثُ عن لغةٍ " بريئةٍ "! وتعاملٍ "بريءٍ " مع المفردة ! أقولُ أنا أتعامل معها بشكلٍ غائيٍّ (مُغرض) .. أستحلبُ معانيها، أُلقِّحُها بمضاداتها ونقائضها أحياناً، أصطادها من جُموعِ ما يهرَبُ جزعاً من سَقطِ المقيلِ والتَحبير، أجلوها من صَدَأ الصمت ومُكْرِ التورية ..! أرنو إلى ما سينتج عن ذلك من مجازٍ و" تناصٍّ" أو ما لمْ أخطِّطْ له أساساً .. فالمجازُ هنا ساحةُ الحياة والتأريخ كلِّه .. من فلسفةٍ وسياسة وتأريخ وأسطورة وخرافة وإبداع ... كلها " ملعبي "..!!

وأقولُ، زيادةً، أنَّ العالم الذي نحيا فيه مُعقّدٌ بما فيه الكفاية، يستلزمُ فهمه أَنْ يرتقي المُتلقّي فيه، لُغةً ومفاهيمَ وأفكاراً تستفزُّ كلَّ طاقاتِ حواسّه وخياله ليفهم العالم الذي يحيا فيه أولاً، ومن ثمَّ التفكير بتغييره "تطويره " .. هذا إنْ أرادَ أنْ ينسلخَ عن عالم الحيوان، ليَلِجَ عالم الثقافة والإنسان !

عليه فإنْ لم نستخدمَ العقلَ، لا " النقل "، أياً كانَ نوعه فكرياً، سيبقى الفردُ حيواناً غريزياً، بليداً ... فالجاهل إنْ لم يرتقِ بأفكاره ومفاهيمه، كيف يمكن للمبدعِ أنْ يتحاور معه ...؟!!

فالسؤال، الذي يطرحه صاحبي، يُغيِّبُ مسؤولية الفرد/ المتلقّي، يُرحّلها إلى عاتق " ظروفٍ موضوعية / إقتصادية " .. كذا!

...............

...............

كُنّا ندخلُ أحياناً، في "سِجالٍ" غيرَ ذي جدوى ..! لا هوَ أَقنعني برأيه، ولا إستطعتُ إقناعه برأيي .. بقينا هكذا ..! ففي مكانٍ ما من الوعي أدركتُ عدمَ إمكانية " التصالحِ "! بين موقفينا، لأسبابٍ مختلفةٍ، أَحجبُ عن ذِكرها وفاءً لعمر العلاقة، كي لا تنخدِشَ الآصرةُ ما بيننا، ونحن في عمرٍ لا يسمح لنا بتَرَفٍ كهذا !!

إذن، علينا أنْ نتعايشَ مع هذه الحالة، كلٌّ له رأيه . لكن ظلَّ سؤاله مِطرَقةً تَدُقُّ في يافوخي !!

طبيعيٌّ جداً، من حقِّ صاحبي، وكل قاريءٍ أنْ يرى في " النص " ما يراه، طبقاً لثقافته وخبرته.

وأُ ضيف أنَّ للمتلقّي حريةً أوسع من حرية المبدع المحكوم بشروط الإبداع !! عليه لا أجدني مُلزَماً، ولا اُلزمُ نفسي بالردِّ على كلِّ إجتهادٍ في هذا الصدد، أو الدخول في مساجلاتٍ لا طائلَ منها، حينَ تغيبُ مُشتركاتُ المفاهيم والمعاني، فتَتَمَنَّعُ على " التسامحِ " مع "الآخر" بهدف التصالحِ من أجل " الأعم " !!

* * *

أَزعمُ أَننا نَنَبري لمعالجة عَطَبِ الأوضاعِ بالكلماتِ .. هي سلاحنا، لا نَملِكُ غيره ..! نُشاغِبُ بها عَلَّها تُحرِّكُ المياهَ الراكدَةَ، لنَكشِفَ دَرَكَ " البهيميةِ "! التي أوصلنا إليها سَدَنَةُ الإستبداد والغيبِ والخرافة الكذّابونَ، الذينَ إنْ قالوا " صباح الخير"! يتحتَّمُ علينا أنْ نتَطلَّع من الشُبّاك كي نتأكَّدَ مما يقولون، وإنْ تَلفّعوا بأستار الكعبة !!

لذلك تراني أرفَعُ عقيرةَ السؤال، لأنَّ السؤالَ حاجةٌ معرفية .. مُتحرّراً من التكتيك السياسي المُتغيِّرِ. أَشتَبِكُ مع متواليةِ التحقُّقِ من مرجعياتِ الفَرَضيّةِ والمعلومة، كما تصِلُ إلينا إثرَ تراكمٍ تأريخي، لم تَثبُتْ براءتَه من التزوير ! طالما أنَّ التفكيرَ النقدِي يقتضي أولاًّ التشكيكَ في المفاهيمَ، كي نُغادرَ حالةَ السُبات اليقينيِّ ...!!

فأسئلةُ المعنى، خُلخالُ الثقافة وذاكرة الوعي المُجرّب !

فإنْ كُنّا نحنُ سليلونَ نَجيبونَ لِمَنْ أَتقَنَ صُنعَ الشعارات ! أَلا تَجدرُ بنا مساءلةَ ما، ومَنْ أَوصلَنا إلى

 ما نحنُ فيه من تيهٍ، نتيجةَ الإفراط في الإفتتانِ بماضٍ " ظنَّاً " أنه شكلٌ من أشكال " إستراتيجياتِ " الدفاع عن النفس ..؟!! بإعتبار أنَّ " الأحلام الكبيرة " لا وظيفةَ لها سوى توفيرِ المناخِ الملائم لإنسيابِ الأحلام الصغيرة، للعاديِّ، للبشريِّ فينا، وما وُعِدنا به وأمَّلنا النفس فيه، دونَ إحتسابٍ معقولٍ لمُمكناتِ الواقع المُتقلِّب، المُتغيِّر في عالمٍ دائم التحوُّل ...؟!!

أَقولُ ذلك لأؤكِّدَ حقنا في الحلم .. نُعلي فيه بسالةَ الصوتِ الشجاع .. حتى المنفردَ منه ![ ولا نُقلِّلُ من شأن مَنْ تحصَّنَ بشرنقة الصمت " تقيَّةً "!! حتى لا يبيع نفسه وشَرَفَ الكلمة للشيطان ..!] ضدَّ مَنْ هَيَّجَ قَمْلَ الخرافة " الخُردة " مما لا تَنفَعُ معه المصطلحاتُ والتوصيفاتُ، مهما إستنفَرَنا طاقةَ المعاني ومحمولاتها !!

الشجاعةُ بُعدٌ رؤيويٌّ، لا يتجلّى في النزالات وحدها،

بل في أنْ تَجرؤَ على البدء بشيءٍ تعرف مُسبقاً أنكَ الخاسر فيه !

فالحلم أنْ ترى الضوءَ في زُحامِ العتمة .. حتى بعدَ وصول الغُزاةِ الجَهَلة إلى غَدنا المُرتجى، حين أحرقوا وخرّبوا كلَّ شيءٍ .. حتى خيوطَ ثوبِ السراب، الذي كُنّا نَنْسِجُه !! ولم يتركوا لنا غير ذكرياتٍ تجوبُ واحات الفراغ بليلٍ وثنيٍّ نتَسلَّقُ فيه سفوح الخوف " مِعراجاً "! فقد قَتَلوا فينا القدرة على الفَرَح .. سرقوا تلألؤَ البهجة وفيضَ النور ..

.....................

ليقُلْ مَنْ يقول، ومَنْ شاء ما شاء !

لم أُولد في مكانين، لكن في وُسعي أنْ أموتَ في أكثر من مكانٍ . تلك هي حريتي ! فلماذا يكونُ مكانُ ولادتي الجغرافي نقيضاً لهذه الحرية ؟! وبعيداً عن شاعرية بلادي التأريخية، أرضاً وميثولوجيا ... ممراً لهوياتٍ وحضاراتٍ ... بعيداً عن كل هذا وذاك، هي نزوعُ إسطورة القِفار إلى شَبَقِ الإستقرار .

فهل في بلادي ما يُفقِرُ الشاعريةَ الإنسانية، أم فيها ما يُغنيها بتذكيرِ الإنسان بسيرته في تأريخ الكون والكلمة، وفي إنفتاح المعنى على معنىً آخر، وفي قُدرته على إنقاذِ الواقع بالإسطورة، وفي عودة الإسطورة إلى عناصرها وأهلها ؟! فلا حاضرَ للغةٍ إلاّ بماضيها ... وإلاّ سَنأتي إلى اللغة يتامى، من الفراغ !!

.................

لا أستطيعُ الإنتماءَ إلى جَسَد حداثةٍ مُشَوّهٍ، يُغيّرُ إسمَه وملامحه، كيفما شِيءَ له، وفي حالاتٍ غير نادرة، يُهدّدُ بفائض من التشابه والتقليد المُخلْ .. بل حتى بإغترابِ المبدعِ والإبداعِ معاً !

صحيحٌ أنَّ التحولات الإجتماعية المتسارعة بخطىً حثيثة، وهيمنة وسائل الإعلام ومواقع "التراشق" الإجتماعي ! وإنتهاك اللغة بتحويلها إلى مادة إستهلاكية، قد أسهمت في تراجع الإصغاء للإبداع .

بيد أنَّ الصحيحَ كذلك، أَنَّ غير قليلٍ من المبدعين قد ساهم في هذه الظاهرة، منذ أصبحَ مفتوناً،

إمّا بعزلته المُقَعّرَة، أو بجماهيريته المُبسَّطة ! ففي الحالة الأولى صيَّرَ الغموضَ صورةً لـ" أنا " لا تحتوي غيرَها، فلا تَخرجُ من الذات إلى العالم . وفي الحالة الثانية جعَلَ الوضوحَ رسالةً نهائية تقتلُ المتعة، التي نبحث عنها في الإبداع ! وبذلك يُترَكُ المُتلقّي عاطلاً عن العمل !! هناكَ إذاً ما هو أسوأ من الغموضِ المُعتِم، ألا وهو الوضوحُ التعليمي، الذي يَحرمُ المتلقّي من المشاركة في عملية الإبداع، بإعطاء العمل الإبداعي حياةً ثانية .

هكذا سيظلُّ سؤال الحداثة والإبداع عموماً في مجتمعاتنا المطحونة بأسئلة وجودها الأساسية، سؤالاً مأزوماً، ما لم يوضَعَ في سياقِ إنعتاقها ! وعليه لا يكون هناك، في هذا المجال تحديداً، ما هو أسوأ من قَسرِ السياسة على العملية الإبداعية بمعناها المباشر، إلاّ الإفراط في تعالي الإبداع عن قضاياه السياسية، بمعناها العميق .. أي الإصغاء إلى حركة التأريخ والمجتمع والمشاركة في صياغةِ مقترحاتٍ لصورة المستقبل . من دون ذلك يُغَيّبُ المبدع نفسه عن فضائه الجيو – سياسي ويعزله عن الكينونة المشتركة وعن المجتمع !

 

 يحيى علوان

 

ضياء نافعتستمر في روسيا الاتحادية ظاهرة اعادة قراءة التاريخ الروسي من وجهة نظر جديدة وموضوعية وهادئة، وهي ظاهرة واضحة المعالم بدأت واقعيا في الربع الاخير من القرن العشرين، عندما نضج المواطن الروسي الاعتيادي (او الطبقة الوسطى الروسية كما قال لي مرّة أحد ألاصدقاء الروس وهو يبتسم!)، وعندما اصبحت الشعارات المعلّبة الجاهزة عتيقة ومنسية، وقد شاهدت ذلك (بامّ عيني!) عند زيارتي لموسكو في نهاية التسعينيات، واستمعت – وبكل اندهاش – الى نقاشات الاساتذة الروس في الجامعات التي زرناها حول  ضرورة الحفاظ على معالم المدن ونُصبها وتماثيلها ورموزها المتنوعة (وعدم تكرار أخطاء الماضي المُخجلة ! كما قال أحدهم) بغض النظر عن المواقف السياسية المتناقضة جدا التي كانت سائدة بينهم آنذاك، مؤكدين، ان الذين حكموا روسيا قاطبة (من قياصرة وبلاشفة !) حاولوا، كل حسب مفهومه وافكاره واجتهاداته، ان يبني روسيا ويساهم بتطويرها، وبالتالي، فان الحفاظ على كل ما قام به هؤلاء الحكام هو دليل نضوج المواطن الروسي وعلامة صحيّة لا تقبل الشك لوطنيته واخلاصه لمفهوم المواطنة . لكن هذه العملية معقّدة جدا لأنها ظاهرة فكرية قبل كل شئ، وفي كل زمان ومكان، (ونحن في العراق نعرف حق المعرفة ماذا يعني ذلك!!!)، ولهذا فان هذه الظاهرة لا تسير بشكل سلس جدا وبسيط كما يبدو للبعض ظاهريا، اذ لا زالت هناك في روسيا عناصر معارِضة لتلك العملية تبرز هنا وهناك في دولة هائلة المساحة جغرافيا مثل روسيا ومتعددة التنوع في مكوناتها القومية رغم الاكثرية الروسية الساحقة، وتتكلم هذه العناصر عادة عن الادارة السيئة والفاسدة واعمالها المختلفة الرهيبة سواء في النظام القيصري او في النظام السوفيتي، الا ان هذه الاصوات – مع ذلك - اصبحت تمثّل الاقلية الضئيلة ليس الا، ولم تعد مؤثّرة ابدا على سير الاحداث اليومية في روسيا الاتحادية المعاصرة، ويمكن القول – وبكل ثقة – ان ظاهرة قراءة التاريخ في روسيا من جديد وبنظرة موضوعية هادئة قد انعكست بوضوح وسطوع عندما احتفلت روسيا عام 2017 في الذكرى المئوية الاولى لثورة اكتوبر 1917 الاشتراكية، والتي ادّت – كما هو معروف - الى تحويل دولة الامبراطورية الروسية الى دولة الاتحاد السوفيتي، ولا مجال هنا للحديث التفصيلي حول كل ذلك...

 الكساندر الثالث (الذي نود ان نكتب هنا قليلا عن تمثاله الجديد في روسيا حسب عنوان مقالتنا) هو القيصر ما قبل الاخير في تاريخ الامبراطورية الروسية، وقد جاء بعد القيصر الكساندر الثاني (والذي يسمونه القيصر المحرر لانه أصدر عام 1861 قانون الغاء حق القنانة (العبودية) للفلاحين الروس، وهي المسألة الكبرى في مسيرة روسيا وتاريخها)، والذي اغتالته حركة سياسية متطرّفة تسمى بالروسية (نارودنايا فوليا) اي (الارادة الشعبية) عام 1881، هذه الحركة التي كانت تعتقد (بشكل حازم وجازم وصارم ولا يقبل اي نقاش او اجتهاد!) ان اغتيال القيصر سيؤدي الى نهاية الخوف والتردد لدى الشعب، وبالتالي سيؤدي حتما الى انطلاق الجماهيرالمظلومة وتحقيق الثورة الشعبية العارمة، ولم يحدث ذلك بعد الاغتيال كما كانت تؤكّد وتجزم تلك الحركة السياسية في منشوراتها وأدبياتها، وانما جاء ابنه – ليس الا - وحلّ محله، وهو القيصر الكساندر الثالث، والذي حكم منذ عام 1881 والى حين وفاته عام 1894، واستطاع هذا القيصر ان يحافظ على السلام طوال الثلاث عشرة سنة، التي حكم فيها، ولذلك أطلقوا عليه تسمية – (حافظ السلام)، الا ان هذا القيصر قد حصل ايضا على تسمية اخرى بعدئذ، وهي - (القيصرالمنسي)، وقد جاءت هذه التسمية طبعا بعد مرور سنوات طويلة في تاريخ روسيا، اذ لم يعد يتذكره الناس وسط تلك الاحداث الجسام، التي مرّت منذ الحرب الروسية اليابانية 1904 وثورة عام 1905 والحرب العالمية الاولى عام 1914 وثورة شباط 1917 ثم ثورة اكتوبر الاشتراكية 1917، ثم المراحل المتنوعة لمسيرة الدولة السوفيتية في القرن العشرين من الصراع على السلطة ثم انتصار الستالينية ثم الحرب العالمية الثانية واحداثها الهائلة ثم مرحلة ذوبان الجليد ..و..و..و، وصولا الى عام 1991، عندما انهارت تلك الدولة...

التمثال الجديد للقيصر الكساندر الثالث جاء طبعا نتيجة القراءة الموضوعية الهادئة للتاريخ الروسي، والتي أشرنا اليها في مستهل هذه المقالة، وقد تم تدشين هذا التمثال في بداية شهر حزيران / يونيو من هذا العام (2021)، وافتتحه الرئيس الروسي بوتين نفسه في ضواحي بطرسبورغ، ووضع باقة من الزهور على منصته وهو جاثيا على ركبتيه امامه احتراما وتبجيلا (وهي حالة نادرة جدا جدا، وقلّما تحدث من قبل رؤساء الدول عندما يضعون باقات الزهور في مثل هذه المناسبات)، وعبّر بوتين عن اعجابه الشديد بالتمثال الهائل للقيصر (والذي كان جالسا وبشكل مهيب جداعلى كرسي العرش القيصري بزيّه العسكري)، وألقى الرئيس بوتين بعدئذ كلمة أشاد فيها بمكانة القيصر ألكساندر الثالث المتميّزة في التاريخ الروسي الحديث، وأشار الى حب هذا القيصر المتناهي لروسيا وعمله المخلص من اجل تطويرها والدفاع عن مصالحها وتعزيز مكانتها في اوروبا والعالم أجمع . 

 

أ. د. ضياء نافع

 

 

جميل حسين الساعدي(يمكنك أن ترمي بمفتاحك في البحر، طالما أنّ القفلَ ليس في الباب، ولا الباب في البيت، ولا البيت هناك).

هذه الكلمات قالها الشاعر سركون بولص، بعد أن  غادر العراق في رحلة طويلة  شاقة  قاطعا ًمئات الكيلومترات مشياَ على الأقدام، قاصدا بيروت لينطلق من هناك إلى أثينا ولندن وبرلين وسان فرنسيسكو. هناك عند صخرة الروشة ــ صخرة الحب ـ كما يحلو للبنانيين أن يسمّوها ـ وقف الشاعر متأملا في الأمواج، ماذا كان يدور في رأسه في تللك اللحظات؟ هل كان يفكر بأن يرمي مفاتيح منزله في البحر؟ ولِمَ لا؟ فما معنى أن يحتفظ بمفاتيح منزل في وطنٍ تحوّل إلى سجنٍ كبير ! لقد طفح الكيل وبلغ السيل الزبى، ولم يعُدْ من وجود  لذلك المنزل،الذي يحنّ إليه ويواسي نفسه بأنّه ذات يوم سيعود إليه بعد أن اقتلعت العاصفة الهوجاء كلّ شئ وحلّ الخراب في الوطن من أقصاه إلى أقصاه. لا عليك أيّها البحر ! كلّ شئ في أوانه . اليوم ستخرج المفاتيح من مخبئها لتستقر في قاعك وغدا بعد أن تطأ الأقدام برّ الأمان سيقذف بالجواز  لتحمله أمواجك بعيدا عن أعين الرقباء  في المطارات والموانئ.. ما أثقلها على النفس هذه الأشياء الصغيرة؟ لا بدّ من التخلص منها !

كان على الشاعر أن يواصل سفره، وأنْ يغيّر المحطّات باستمرار ويجتاز الحدود تلو الحدود كان هنالك سؤال كثيرا ما كانت تطرحه عليه نفسه بإلحاح  كلما أحسّ بالتعب  والضيق وهو: إلى أين سيقودك الطريق؟، لم يكن بمقدور الشاعر أن يجيب على هذا السؤال، وهو ما زال في بداية الطريق، لكنه بعد سنين طويلة من حياة المنفى، تأكّدت له حقيقة عبّر عنها بوضوح  واختصرها في هذه الكلمات: (البدءُ نختاره، لكنّ النهاية تختارنا، وما من طريق سوى الطريق) .

الشاعر سركون بولص من الرموز الرائدة والمهمة في كتابة قصيدة النثر، التي لم تحل بينه وبين كتابة أشعار موزونة . فهو متمكن من بحور الشعر العربي وقوافية، لكنه وجد أنّ قصيدة النثر تفتح له آفاقا أرحب للتعبير عما يدور في ذهنه من أفكار وما يعتلج في نفسه من مشاعر وأحاسيس، خصوصا وأنه كان معاصرا لحركة حداثية في الشعر اتخذت من مجلة شعر منبرا لها، والتي كان من أبرز شعرائها أنسي الحاج .

في مجموعته الشعرية الصادرة بالإنكليزية في نيسان من العام 2007 بعنوان: knife Shapener، والتي تشتمل على مقالة ترجمها الى العربية خالد الجبيلي يفصح الشاعر عن مكان ولادته وأصله الآشوري بهذه الكلمات: (ولدت في بلدة صغيرة تدعى (الحبانية) في وسط صحراء لم يكن يعيش فيها إلا البدو والماعز لذلك كان للبحيرة الاصطناعية التي شيدت حولها البلدة تأثير كبير على حياة السكان الذين جلهم من الآشوريين الذين جلبهم البريطانيون إلى هذه المنطقة بعد أن ذبحت عائلاتهم وطردوا من ديارها) .

2655 سركون بولص 1

ثمّ يضيف في موضع آخر قائلا: (بعد فترة من الزمن غادرنا الحبانية وانتقلنا إلى كركوك المدينة التي تقع في شمال البلد والتي لم يكن يوجد فيها ماء تقريبا سوى نهر صغير يظلّ جافا طوال تسعة اشهر في السنة ثمّ تفيض ضفتاه فجأة)، ويضيف واصفا سكانها : (وكان جلُّ السكان الذين يعيشون في هذه المدينة من التركمان الذين كان يعيش العديد منهم في قلعة قديمة يلفها الغموض ـ كأنّك تواجه التأريخ هناك كلّ يوم. إنّ التأريخ الآشوري والأرمني والتركماني والكردي والعربي متداخل وقد صُبّ في قالب

واحد مثل برج بابل هائل. لذلك فإني عندما أكتب قصائدي باللغة العربية التي هي آشورية (آرامية وسريانية) بنسبة سبعين في المائة، اشعر بانني أردد كلّ هذه الأصوات، لأنني أعتقد بأنّ أيّ لغة تحتوي على جميع مسارب ذاكرة المجتمعات التي ساهمت فيها ولا يمكن أن يضيع أيّ شئ منها على الشاعر ـــ نفس المصدر السابق ترجمة خالد الجبيلي ــــ .

من المعروف عن الشاعر سركون بولص أنّه كان يتردد كثيرا على برلين وقد شاء القدر أن يتوفى فيها لا في المدينة التي حظّ فيها رحاله آخر المطاف وجعلها محل إقامته ـ سان فرنسيسكو ـ  المدينة التابعة لولاية كاليفورنيا الأمريكية والتي تمثل مركزها الثقافي والمالي والتجاري بعد أن طاف في مدن كثيرة يسامر الذكريات في ليالي المنافي الباردة.

2655 سركون بولص 2صورة نادرة للشاعر سركون بولص مع الشاعر البولوني الحاصل على جائزة نوبل جيسواف ميووش

في برلين جمعتني لقاءات عديدة بالشاعر الراحل سركون بولص أولها في العام 2002 على ما أتذكر في مقهى . كان في حوزتي آنذاك كتاب هو (مختارات شعرية مترجمة عن الإنجليزية) للأستاذ توفيق علي منصور من مصر، فتحت الكتاب فوقع بصري صدفة على قصيدة (رثاء الأبرياء) لوليم شكسبير، بدأت في القراءة فسرح سركون بأفكاره بعيدا وهو يتأمل في معاني القصيدة، وكأنّه كان هو المعنيّ بتلك القصيدة . لم أكن أعلم بعد أن مرّت سنوات على ذلك اللقاء، أنني سأرثي سركون بقصيدة على نفس الوزن والقافية، التي اعتمدها المترجم آنذاك في نقل قصيدة شكسبير إلى العربية.

اعتمد المترجم توفيق علي منصور بحر الرمل وقافية الهمزة في نقل النص الشعري، لكنه خلط بين تفعيلات بحر الرمل وتفعيلات بحور أخرى فجاءت أبيات كثيرة غير موزونة. وأدناه القصيدة كما وردت في الكتاب:

رثاء الأبرياء لوليم شكسبير

ترجمة توفيق علي منصور

لا تضقْ همّــاَ بلفحــــات ذكـــــــــاء

أو تخفْ بعدئذٍ عضّ الشتــــــــــــاء

فنهايــة عمــــرك اليــــــــــوم ثواب

إذْ هجرتَ الأرضَ من أجل السمــاءْ

سوفَ يدفنُ في الترابِ الأثريــــــاءْ

مــنْ شبـــــابٍ أو كهولٍ فقهــــــــاءْ

حيثُ يرقــدُ ذو الثيــــابِ الذهبيــــة

جنبَ صنـــــوٍ من شباب الفقـــــراء

***

لا تخــفْ من بعدُ سطوِ الأقويـــــاء

حينِ تنأى من عذاب الأشقيــــــــاء

لســــتَ محتاجاَ لثوبٍ أو طعـــــام

فهنــــاك يماثلُ القشّ اللحـــــــــــاء

صولان الملك رمــز العظمـــــــاء

والعلــــــــوم وكلّ ما يشفي البلاء

يحتويها الخلدُ حتمــــاً في النهــاية

حيــث تلقاهــــــا بدار الشهـــــداء

***

لنْ يخيف البرقُ إلّا الضعفـــــاء

لنْ يصمّ الرعـــدُ سمعَ الأذكيـاءْ

لنْ يضيــركَ أيُّ زجـرٍ وافتـراء

لنْ يفيـــــدكَ أيّ مدحٍ أو رثـــاء

كمْ حبيــبٍ مـن أناسٍ سعـــــداء

عشقــوا الدنيا كعشــق الأوفيـاء

ثمّـــَ عادوا للحيــاة السرمديّــــة

لبسوا تحت الثـــرى ثوب الفناءْ

***

لنْ يلاحقكَ المشعـــوذُ بالهـــراء!

أو يذيبُ السحرُ قلبكَ في الهباء!

أوْ تدورُ برأسكَ الأشباحُ حيرى !

فلتطبْ عيشاَ بدنيــا الرحمــــاء!

غاية حققتها فيهــــــا الهنــــــاء!

فليكنْ لحدكَ قصـــد الشرفـــاء !

فهوَ معـــــروفٌ لكلّ الأصدقاء

ينشدونَ له رثاء الأبريـــــــاء!

في الثاني والعشرين من تشرين الأول من العام 2007، وبعد صراعٍ طويلٍ مع المرض في أحد مستشفيات العاصمة الألمانية برلين، غادرنا الشاعر سركون بولص الى عالم الخلود . كان لرحيله أثرٌ بليغ في نفسي  فرثيته بقصيدة سميتها (وداعا أيتها البسمة)، ألقيتها في في الأمسية الأدبية ، التي أحياها ــ صالون حوارات برلين الأدبي ــ في مقر المعهد الثقافي العربي في برلين بمناسبة الذكرى الأولى لرحيل الشاعر وهذا هو نصّ القصيدة:

وداعا أيتها البسمة

سألتني ذات يــومٍ باستيــــــاء

أيّ شئ ٍ قـدجنـــــــاهُ الشـــــعراءْ

عشـــتمُ الآلام والفقــر ّ معـــــا ً

وسواكــــمْ عاش ّ في دنيــا الثراءْ

قلتُ مــَنْ تعنينهــمْ لــمْ يملكــوا

فعبيــــــد ُ المــالِ ليســـــوا أغنياءْ

أشكـــرُ اللهَ بأنَــــي شـــــــاعر ٌ

قدْ تقاسمــــتُ معَ الطيْـــرِ الغنــاءْ

وتعطّــرتُ بأزهــارِ الربـــــى

وتوهجتُ بنجمـــــاتِ المســـــــاءْ

كلّ ما حولـي َ حباني سحْـــرهُ

فجمـــالُ الأرضِ مُلكـــي والسماءْ

عمُــري شعري الذي أكتبـــــهُ

عِشــتُ أوْ متُّ همــا عنـدي سواءْ

شعـــــراءُالروحِ أحيــــاءٌ وإنْ

حُجبـــــــوا عنّا بأستارِ الخفــــــاءْ

نتغــذى نحنُ بالمـــوتِ الذي

لمْ يّزلْ يحسبنــــــا نخْنُ الغـــــذاءْ

***

أيّهــــا الشاعرُ ما أروعهـــا

بسْمـــــــة ً لم تنطفئْ رغْــمَ العناءْ

زمنٌ خلفــك َ قاسٍ مُتْعِـــب ٌ

وجــــــــراحٌ لمْ يلامسْــــها الشفاءْ

مدنٌ تسألُ عـــن أبنائــــــها

وقرىً تحلُمُ دومـــا ً دومــا ً باللقاءْ

والمحطّاتُ التي غصّت بنا

حمّلتْ أوجهنــــا ألف َ طــــــــلاءْ

ما عسى أكتبُ عنْ أحوالنا

أيّ وصـفٍ ســوف َ أُعطي للشقاءْ

عندمـــا تقذفـنـا أقدارنـــــا

كلّ حيـنٍ فـــي بــلادٍ وفضـــــــاءْ

تصبحُ الأوطانُ طيفا ً عابرا

ويصيـــرُ الأهلُ مثْـل َ الغربـــــاءْ

***

شــاعرٌ طافَ بعيـدا مثلمــا

يرحلُ الغيمُ بعيــــــدا ً في السمـاءْ

صامتــا ً تسكنُ فـي أعماقهِ

لغــــــــة ٌ أحرفُهـــا نورٌ ومــــــاءْ

شـــاعرٌ خبّأَ فــي معطفِـــهِ

صــــــورة ّ الأمّ وتبْغـــــا ً ودواءْ

زادهُ فــي سفرٍ لمْ يبْغِــــــه ِ

إنّمـــــا قرّرهُ حُكْــــــم ُ القضـاءْ

هلْ وفينا حقّهُ حيــن ّ مضى

آه ِ ما أنْدره ُ هــذا الوفـــــــــاءْ

لمْ يكنْ حين َ نعينـاه ُ ســوى

حامل النعْش ِ وبعض الأصدقاءْ

آهِ مــا أفظعّـــه ُ مِنْ زمــن ٍ

جِين َ لا تظفرُ حتّـــــى بالعزاءْ

***

جميل حسين الساعدي

 

شاكر فريد حسنجولييت انطونيوس شاعرة لبنانية مبدعة تتألق في عالم الشعر والثقافة، وتتوهج بالقصيدة، ورشاقة الحرف، وصدق الإحساس، وسعة الخيال، والمعاني العميقة. أثبتت حضورها البهي والمتميز في المشهد الثقافي اللبناني والعربي بجدارة وتميز من خلال قصائدها الرائعة المنشورة في الصحف والمجلات الورقية والمواقع الالكترونية المختلفة.

جولييت انطونيوس تستفز القارئ بنصوص وكلمات تحمل نفحات الأنثى، وما تعطر به قصيدتها من سمات الحب والغزل والجمال، وجمالية المفردة، والصور الشعرية الرقيقة، والخيال الرومانسي الواعي، والعاطفة الجياشة القوية، والايحاءات العميقة، والتغني بالياسمين واستيراد الزهور.

وما يميزها البوح الانثوي الدافئ الذي يختزل الواقع بين المرأة العاشقة، والأنثى العابرة شقوق الحنين بكلام رائع يحاك بيراع شاعرة موهوبة، ويتردد بإحساس أنثى عاشقة مدهشة.

تعرّف جولييت انطونيوس نفسها بأنها شاعرة وأم لبنانية الهوية، فينيقية الجذور، عريقة الانتماء، موطنها الإنسان أينما كان.

والشعر بالنسبة لها-كما تقول: "هو روح الكلمة التي كان بها البدء.. إنه نافذة الروح من خلاله نطل على الحياة ونسمو بها إلى فضاءات من النور والحق والحرية، وهو لطالما كان المؤثر الأبرز في تاريخ الشعوب وحضارتها وعنوان لرقيها أو انحطاطها ولسان حال الإنسان في كل زمان ومكان. في الشعر نستطيع أن نرتفع فوق الواقع ونخلق عالم أفضل تحكمه القيم ويسمو فيه الإنسان جسدًا وروحًا، إنه رسالة إنسانية جامعة بكل ما للكلمة من معنى، والتحليق في فضاء الشعر بعيد كل البعد عن منطق الإيحاء الجنسي الرخيص.

وفي رصيد جولييت انطونيوس ديوانين من الشعر هما:" خطيئتي"، و"أغمض عينيك لترى"، حظيا باهتمام نقدي واسع من قبل النقاد والدارسين في لبنان والوطن العربي.

قال عنها الشاعر الجريفاني: " إنها تكتب بسلاسة في المبنى والمعنى، تجد في شعرها صور الأرض والحبَ والجمال ممزوجة بروح التمرد على واقع يفرض على المرأة شروطًا أو اتجاهات قد لا تريدها.

قصائدها رقيقة حالمة فيها رقة متمازجة مع العاطفة الصادقة، تتسم بجرأة ورومانسية مرهفة، ولغة حية نابضة، محكمة التراكيب والمفردات، متناغمة ومتكاملة في موضوعاتها. وبالإضافة إلى ما تحمله نصوصها من بوح شفاف، نلحظ سيل الكلمات، وانسيابها كالموجة الواحدة، التي لا يتحقق وجودها إلا بموجات متتالية، وصورها مدهشة وعميقة ومؤثرة تتناسب مع المشهد والفكرة، وهي تمتلك قدرة فائقة في رسم المشاهد وتناول الفكرة بأسلوب عميق.

من شعرها، قولها في قصيدة "سيدة الأقدار":

كل ما تستطيعه هو لك

قمم الجبال المكسوة بالرغبة

شجر اللوز

والغبار الأصفر

الفراشات المضرجة بالموت

على سرير الضوء

الشارع الخلفي لأحلامك

خيالك المهمل على كرسي

منهمك بالملابس

أحمر الشفاه على

مرآة غرفة تائهة

في زوبعة الأرقام

وعطر الزيزفونة الهرمة

والظل الليلكي

لك.

جولييت انطونيوس مبدعة تراود سحر الكلمة الشاعرية، تتصف بقدرتها على التقاط اللحظات الجميلة في الحياة، ترتوي بماء المجاز والاستعارة والخيال الجموح، والانصياع لعوالم التخييل وتشييد شعرية بهية، وقد نجحت في جعل صوتها متفردًا بوضوح وعمق الرؤيا، هو صوت الأنوثة داخل القصيدة.

 ويمكن القول إن قصيدتها تتميز بالأناقة وانتقاء جميل لمفرداتها وتعابيرها، ما يجعل بنائها الهندسي متميز للغاية.

أجمل تحية للصديقة الشاعرة والإعلامية اللبنانية جولييت انطونيوس، وتمنياتي لها بمزيد من العطاءات والإبداع الراقي والنجاحات المتواصلة، ولها الحياة والمستقبل والغد الأجمل.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

يسري عبد الغنيلقد كان بين القبائل العربية في العصر الجاهلي تنافس وصراع، وكانت الحياة عندهم سلسلة لا تكاد تنقطع من الغارات والمعارك، وقد سجل التاريخ الجاهلي معارك مشهورة سميت (أيام العرب) .

 والأبيات التي سوف تطالعها بعد قليل تصور لك إحدى هذه المعارك، وتنفرد بتصوير مأساة مما كانت تنجلي عنه .

 وها هي جليلة بنت مرة بن ذهل من شيبان، والذي ينتهي نسبها إلى قبيلة بكر، وقد تزوجت من وائل بن ربيعة، المعروف بكليب، وكان كليب قد بلغ درجة كبيرة من الغنى، والقوة، والكبرياء؛ حتى لقد منع أن ترعى إبل غيره في أرض له، أو أن تشرب من الماء الذي ترده إبله، وحدث أن مرت هذه الإبل وهي في الطريق إلى الماء بناقة البسوس بنت منقذ التميمية، ورآها كليب فغضب ورماها بسهم فقتلها .

 ثارت ثائرة البسوس، وغضب لغضبها جساس ابن أختها، وأخو جليلة بنت مرة، فتحين فرصة من كليب، فقتله، ونشبت بذلك بين بكر وتغلب حرب ظلت فيما يقول الرواة أربعين سنة، وسميت (حرب البسوس) .

 ولما اجتمع نساء الحي في مأتم كليب ـ وفيهن جليلة زوجة القتيل وأخت القاتل ـ رأت أخت كليب في بقاء جليلة بينهن شماتة وعار، فقالت لها: يا هذه، اخرجي عن مأتمنا، فأنت أخت واترنا (الذي قتل قتيلاً منا)، فخرجت حزينة مهمومة، ويقال أن جليلة تقوض بيتها وسيادتها، وراحت تتنقل مع قومها من بكر مدة حربهم مع تغلب، وتوفيت سنة 538 م، ولنتأمل معًا أبيات جليلة بنت مرة الشاعرة التي تصور مأساتها تقول:  

يابنة الأقوام إن شئتِ فـلا

تعجلي باللوم حتى تسألي

فإذا أنت تبينت الــــذي

يوجب اللوم فلومي واعذلي

إن تكن أخت امرئ ليست على

شفق منها عليه ففـــعلي

جل عندي فعل جساس فيــنا

حسرتي عما انجلت أو تنجلي

فعل جساس على وجدي به

قاطع ظهري، ومدن أجلي

في هذه  الأبيات من المقطوعة الشعرية نستمع إلى الشاعرة، وهي تتحدث عن حقيقة موقفها، وتبذل غاية جهدها في تبرئة ساحتها مما وقع من أخيها، وتتوجه بالخطاب إلى أخت كُليب، وهي تقول لها:

ـ إن أردتي يا بنة الكرام أن تكوني عادلة منصفة فلا تتعجلي، وتريثي في حكمك؛ حتى تنكشف حقيقة موقفي، فإذا تبين ما استحق به اللوم والتأنيب فافعلي ما بدا لك، ولا تترددي .

ـ وإن كان في النساء من تلام على إشفاقها بأخيها في مثل هذا الموقف العصيب كنت أستحق اللوم منك .

ـ لقد بلغ فعل جساس ما بلغ من نفسي، ووقع عليها وقعًا أليمًا، فما أقسى ما أشعر به من فجيعة لهذه الكارثة التي نزلت بي وبزوجي، وما ينتظر أن تسفر عنه من مصائب وويلات !! .

ـ إن فعل جساس ـ مع شدة حبي له ـ قد هدَّ كياني، وحطم آمالي، وعجل نهايتي في الحياة .

 وفي الأبيات يبرز صوت العقل والتفكير، وتبدو الشاعرة وقد ملكت مشاعرها، فأخذت تطلب من أخت كُليب أن تتريث، و تقدر كل ما يحيط بالموقف .

 ولعلنا نقف عند قولها (يا بنة الأقوام) وهو نداء جميل، يحمل معنى التعظيم والعتب معًا، وهذا يذكرنا ما نقوله في البيئات الشعبية (يا بنة الناس) .

 ونقف كذلك أمام (إنجلت أو تنجلي)، فنرى طباقًا جمع بين الماضي والمستقبل، ومعاني الأبيات تتابع في رفق وأناة، وعاطفة الشاعرة جياشة بالألم والحزن والتخوف من القدر، وقد لجأت الشاعرة إلى التعبير بقولها (قاطع  ظهري)، لتدلل على شدة الكارثة التي حلت بها فحطمتها .

تقول جليلة:

يا قتيلاً قوض الدهر بــه

سقف بيتي جميعًا من عـل

هدم البيت الذي استحدثته

وانثنى في هدم بيتـي الأول

 في هذه الأبيات من المقطوعة تتفجر صيحة الحزن في قلب الزوجة المنكوبة، فتقول:

 أيها القتيل الذي كان قتله سببًا في القضاء على بيتيَّ معًا: بيت الزوجية، وبيت أهلي: هدم البيت الذي بنيته لنفسي، وجعلته عُش آمالي وأحلامي، ثم انقض على بيت أهلي ينذرهم بحرب مهلكة مدمرة .

 وفي البيتين  ـ كما نرى ـ صرخة زوجة فقدت الغد، وأوشكت أن تفقد الماضي، والتصوير على درجة كبيرة من الجودة حيث جعلها الدهر هدفًا لحربه ونزاله، فقوض بيتها تقويضًا تامًا، ويمكن أن نلمح دلالة استعارية رقيقة في كلمة (الدهر)، وجميل منها أنها صورت البيتين، وقد قوض فعلاً .

تقول جليلة:

يا نسائي دونكن اليـوم قد

خصني الدهر برزء معضـل

خصني قتل كليب بلـظى

من ورائي ولظى مســـتقبل

يشتفي المدرك بالثأر وفي

درك ثأري ثكل المثــــكل

إنني قاتلة مقتولـــــة

ولعل الله أن يرتاح لــــي

 ثم تتجه الشاعرة إلى قلب المرأة تلتمس العذر والتلطف بها في مصيبتها التي انفردت بها من دون النساء جميعًا، فتقول:

ـ إني لأنتظر منكن الإشفاق والتقدير ؛ فقد ابتلاني الدهر وحدي بمأساة لا حل لها: لقد أصبحت بين نارين، نار تطاردني ومعها الحزن والآلام لمقتل زوجي، ونار تنتظرني وتهدد أهلي بالهلاك والدمار .

ـ وليتني كنت ممن يشفيهم الأخذ بالثأر، إذن لأسرعت إليه، ولكن مصيبتي في أن أخي هو المطلوب للثأر، وفي قتله فاجعة جديدة، وبدءٌ بسفك الدماء  بين القبيلتين .

 إنني قاتلة مقتولة: قاتلة لأن القاتل أخي، ومقتولة ؛ لأن زوجي هو قتيل اليوم، وأخي سيكون قتيل الغد، ومن يكن في مثل حالي فلا ملجأ له إلا الله، وعسى أن يتداركني فأرى سبيلاً للراحة .    

 في الأبيات السابقة تتركز حقيقة المأساة التي لا ترى لها الشاعرة / جليلة بنت مُرة حلاً، والمعاني واضحة، وفيها تأكيد، وشيء من تكرار الفكرة .

 ولو عدنا إلى البيت الثاني من هذه القسم لوجدنا صورة رائعة معبرة، جعلتها ـ وهي في معضلة بين قتل زوجها، وما ينتظر من قتل أخيها ـ كمن وقعت بين نارين، كل تحيط بها وتطاردها .

 والبيت الأخير من هذا القسم جيد إلى حد كبير في فكرته وصياغته، ولا نبالغ إذا قلنا أنه لم يسبق إليه، وفي البيت الأخير نجد مقابلة بين قاتلة ومقتولة، زادت من إيضاح المعنى الذي أرادت جليلة التعبير عنها، وهو ما تعانية من صراع وتمزق .

***

 أقول لكم: إن القصيدة أو المقطوعة التي معنا لها منزلة خاصة لدى الأدباء ونقاد الأدب، فهي قصيدة تعبر تعبيرًا حيًا صادقًا عن عواطف امرأة ملتاعة، وجدت نفسها فجأة ضحية لنكبة من نكبات الاندفاع والتهور والطيش والحمق، قضت عليها وعلى آمالها، وأدت إلى دمار قبيلتين يربط بينهما رباط  القربى والصهر .

 وتتجلى لنا أفكار القصيدة مترابطة، تسلم فيها الفكرة إلى الفكرة، وكلها في موضوع واحد، كما نجحت الشاعرة في توضيح موقفها من الجريمة الشنعاء التي ارتكبها أخوها، وكذلك في تصوير رابطة الأخوة التي لم تستطع مقاومتها .

 والصور بوجه عام معبرة، والجميل فيها أنها وإن لم تلجأ إلى الخيال    كثيرًا، فقد أجادت في تصوير الواقع، والألفاظ لديها حلوة سهلة، معبرة عن روح المرأة ومشاعرها .

 ولعل القارئ الكريم يلاحظ في هذه الأبيات التي قالتها جليلة بنت مرة أنها تستخدم لغة عربية فصيحة وواضحة في نفس الوقت، ولا نبالغ إذا قلنا أنها تشبه لغتنا العربية المعاصرة، وما أقربها إلى الخطاب الأنثوي البليغ، لكل ما فيه من تأثر وعاطفة متحرقة على أخ لها في مأزق شديد، وحيرتها البالغة بين أخيها القاتل وزوجها القتيل .

والله ولي التوفيق،،،

 

بقلم / د. يسري عبد الغني

 

 

صادق السامرائيأبو القاسم عباس بن فرناس بن التاكرني، مخترع موسوعي، شاعر وعالم في الفلك والرياضيات والكيمياء والموسيقى والطب والصيدلة والفلسفة، من أصل أمازيغي، ولد في تاكرنا في منظقة رندة بالأندلس وتوفي في قرطبة (810 - 887) ميلادية.

ويشار إليه في المصادر الغربية (أرمن فيرمان)، ويُلقب (حكيم الأندلس).

وقد ألف العديد من الكتب في علم الفلك والفيزياء والهندسة، ويُذكر أن أعماله قد ألهمت (ليوناردو دافنشي) أفكارا هندسية وفنية أصيلة.

ويُقال أنه إستوحى فكرة الطيران من فهمه للآية: "أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيئ بصير".

وقام بتجربته سنة (875) ميلادية، ونجح في الطيران، لكنه فشل في الهبوط، لإغفاله ضرورة الذيل، فأصيب ببعض الرضوض والكسور.

وكان شاعرا متميزا ومن شعره الذي نقشه على الميقاتة التي أهداها للأمير محمد بن عبدالرحمن: "ألا إنني للدين خير أداةٍ...إذا غاب عنكم وقت كل صلاةٍ، ولم تُرَ شمسٌ بالنهار ولم تنر...كواكب ليلٍ حالك الظلمات، بيمين أمير المسلمين محمدٍ...تجلّت عن الأوقاتِ كلّ صلاة".

كما أنه يجيد العزف على العود، وله نشاطات في الصيدلة والطب وتحضير العلاجات من الأعشاب والنباتات، وكان طبيبا في قصور الأمراء، ويشرف على طعامهم والوجبات الغذائية.

اختراعاته:

قلم الحبر، النظارة الطبية، تطوير صناعة الزجاج الشفاف من الحجارة، ساعة مائية (الميقاتة)، ذات الحلق، طور تقطيع أحجار المرو، ورقاص الإيقاع، قبة سماوية (بلانتريوم)، إستخدامه جناحين في محاولة منه للطيران، والإسطرلاب الكروي.

سميت فوهة قمرية بإسمه (وهي فوهة صدمية قمرية ناتجة عن إصطدام جسم بسطح القمر ويبلغ عرضها 89 كم)، وله تمثال قرب مطار بغداد، وأطلق إسمه على معالم أخرى، وأفتتح جسر معاصر بإسمه في قرطبة.

إنه صاحب أول محاولة للطيران في تأريخ البشرية، إذ صنع لنفسه جناحين مقلدا الطيور وطار لمدة من الزمن قرب قصر الرصافة في قرطبة، لكنه أخفق في عملية الهبوط بسلام.

اتهامه بالزندقة:

وبسبب ما قدمه من حيل ومخترعات إتهموه بالشعوذة والجنون، وحيكت له المؤامرات، وذروتها إتهامه بالزندقة، وحوكم لأكثر من مرة وثبتت براءته، لكنه ضرب حتى أغمي عليه، وتلك حكاية كل نابغة وعالم أصيل.

وقد توفى في سنة (887) ميلادية، والبعض يرى أنه أول رائد فضاء، ومن بدأ سبر أغوار الفضاء.

وتجربة هذا العالم الألمعي الموسوعي الموهوب، ومعاناته في مجتمعات الأمة، تشير إلى أن هناك بشر سبّاق لعصره، ويحمل أفكارا تتجسد بعد قرون عديدة من محاولاته التعبير عنها بأدوات زمانه.

واليوم فكرته في الطيران أصبحت حقيقة، فالبشر إستطاع أن يطير بأجنحة، كما حاول عباس بن فرناس قبل أكثر من عشرة قرون وقرن.

فهل لنا أن نفخر بأنوارنا العلمية المتميزة!!

 

د. صادق السامرائي

 

صادق السامرائيأبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه، شاعر أندلسي وصاحب كتاب (العقد الفريد)، (246-328) هجرية، ولد وتوفي في قرطبة، وقد أصيب بالفالج، وتوفى عن عمر (82)

إمتاز بسعة الإطلاع والرواية والشعر، كتب الشعر في الصب والغزل، ثم تاب وكتب أشعارا في المواعظ والزهد سماها (الممحصات)، وكان يتكسب بالشعر، ومن رواد نشر الموشحات، وقد جلب له الأدب ثراءً.

أساتذته:

بقي بن مخلد، محمد بن عبدالسلام الحشني، محمد بن وضاح وغيرهم.

مؤلفاته:

 "العقد الفريد، أمثال العرب، سحر البيان، أبناء النور، طبائع النساء، الممحصات".

من شعره:

"ودّعتني بزفرةٍ واعتناقِ...ثم قالت متى يكون التلاقي، وبدت لي فأشرق الصبح منها...بين تلك الجيوب والأطواق".

" ولو أن موسى جاء يضرب بالعصا ...لما انبجست من ضربه البخلاء، بقاء لئام الناس موت عليهم....كما أن موت الأكرمين بقاء، عزيز عليهم أن تجود أكفهم...عليهم من العزيز عفاءُ".

وله شعر في الفخر والنسيب والمديح والمواعظ.

ودرته الخالدة اللامعة كتاب العقد الفريد، الذي في أصله (العقد)، ويقال أن النساخ أضافوا عليه (الفريد)، ويشتمل الكتاب على جملة الأخبار والأمثال والحِكم والمواعظ والأشعار وغيرها، وقد قسمه إلى أبواب عددها (14)، كل منها إسم حجر كريم (زبرجد، ياقوت، جمان، لؤلؤ) وغيرها.

ومن أبوابه (اللؤلؤة في السلطان، الجمانة في الوفود، الجوهرة في الأمثال، العسجدة في كلام العرب، المرجانة الثانية في النساء وصفاتهن، الدرة الثانية في أيام العرب ووقائعهم).

إنه خريدة الأزمان، وجمان العصور، ورائعة البديع الفتان، العقد الفريد ذو الدرر والألوان!!

وهكذا عاش جهبذنا في كتابه الدري الفِكَر!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

سارة طالب السهيلرغم الضعف الساري في جسد الوطن العربي من مشرقه ومغربه، وتراجعه العلمي مقارنة بدول العالم المتقدم، الا ان الصروح الثقافية العربية لا تزال تقف شامخة في مواجهة اعاصير التردي الاقتصادي والسياسي العربي، بل يكاد يكون العمل الثقافي هو المكون العربي الوحيد القوي في مواجهة ما يواجهه العالم العربي من تشظي.

تقف الأكاديمية المصرية بروما في صدارة هذه الصروح العربية  رافعة راية العروبة بحضارتها الزاخرة، وراية الحضارة المصرية التي أدهشت ولا تزال تدهش العالم بأسرارها وعلومها النادرة، وهذا ما تجسد أمامي عمليا خلال زيارتي  وشعوري بالفخر ككاتبة عربية لوجود هذا الصرح الثقافي المصري العربيّ المشرف والمشرق لوجه العرب الحضاري في اوروبا.

سعدت جدا بهذه الزيارة التي استقبلتني بها الدكتورة هبه يوسف، رئيسة الأكاديمية وبجولة حول المبنى كاملًا وبحب شديد تعرفت على الدور الثقافي الهام التي تقوم به الأكاديمية في ايطاليا و قد كانت الدكتورة هبه تشرح لي و كانها تتكلم عن جزء منها عن بيتها عن طفلها العظيم.

وكما تجسد حب الوطن والانتماء له في كلام د. هبة يوسف عن هذا الصرح الثقافي، سرى في داخل كلامها وكأنها تقول ما في قلبي وتعبر عن نفس مشاعري وانتمائي لمصر العزيزة، فحب مصر في قلب كل عربي لا سيما انني ابنة مصر انسانيا وثقافيا وروحانيا.

من خلال هذه الزيارة ازددت ثقه برعاية مصر لابنائها المبدعين في كل مكان فالمبنى يستقبل المثقفين والفنانين والفرق الشعبيه وغيرها في فعاليات ثقافية ويستضيفهم في مبنى مخصص للضيافة.

وتعد الاكاديمية المصرية بروما جسرا ثقافيا بين مصر والمشرق العربي واوربا، تتلاقح عبره الثقافات والافكار ويتحقق من خلاله التواصل الانساني في اسمى تجلياته.

تلعب الاكاديمية ادوار البطولة الرئيسية في تعزيز التواصل الثقافي الغربي و نظيره المصري والعربي، وتعمل على تعزيز الهوية العربية وترسخ منابتها في تربة الارض الغربية عبر العديد من البرامج الثقافية والمعرفية، لعل أخرها الجهد المشكور للدكتورة هبة يوسف وجهودها في تأصيل اللغة العربية للعرب والمصريين المقيمين بروما.

وبكل قلبي وعقلي وروحي أثمن هذه التي اطلقتها الاكاديمة تحت اشراف د. هبة يوسف، وهي مباردة "اتكلم عربي" والتي تتضمن دروسا تعريفية عن اللغة العربية تذاع مساء الجمعة أسبوعيا على الموقع الرسمي للأكاديمية.

وفي تقديري، ان تنفيذ هذه المبادرة بناء على توجيهات وزيرة الثقافة المصرية ايناس عبد الدايم لتعليم اللغة العربية، من أهم الادوار التي تؤديها الاكاديمية في وقتنا الحاضر لمواجهة تحديات العولمة وما بعدها، وما افرزته من تهميش للغات والحضارات والاديان اللغة العربية.

فتحية وتعظيم لهذه المبادرة، وتحية لكل جهد يبذل من أجل الحفاظ على الهوية العربية التي تسعى جحافل الظلام الى طمسها.

فهذه المبادرة  تمثل احياءا للغة والهوية العربية معا، وتبرز دور مصر الفاعل في تأكيد دور الحضارة العربية المصرية، وانها ستظل نابضة بعلومها ومعارفها وخصوصيتها.

وجاءت مبادرة اتكلم عربي طبقًا لتوجيهات وزيرة الثقافة الفنانة الدكتورة إيناس بهدف تعزيز الهوية للجالية المصرية وايضا العربية بروما.

ولا يغفل اي مثقف عربي عن قدرات مصر بل سبق مصر في توظيف قدراتها الدبلوماسية الناعمة في الاصطفاف حول مصر وينابيع حضارتها وحضارة العربي وجسورها الثقافية المضيئة التي تحملها عبر مشاعل لغتنا العربية الجميلة.

فتحية لوزيرة الثقافة المصرية على هذه الفكرة، وتحية خاصة جدا للدكتورة هبة يوسف على تطبيق هذه المبادرة بحرفية عالية، ولكل الانشطة الثقافية التي تقوم بها الأكاديمية المصرية بروما تحت اشرافها، وأتمنى مزيدا من النجاح والتألق في عملها ودورها الفاعل في نشر الثقافة والابداع لخدمة الانسانية.

لو عدنا قليلا الى التاريخ كما روت لي الدكتورة هبة تاريخ الاكاديمية المصرية في روما

كانت فكرة إنشاء الأكاديمية عام 1929)، على يد الفنان المصري راغب عياد. الذي كان يدرس الفن آنذاك في إيطاليا،و بعد مراسلات و مباحثات قررت إيطاليا انذاك متمثلة بجلالة الملك استعدادها لمنح مساحة من الأرض لبناء الأكاديمية المصرية، مقابل مساحة أرض تمنح من حكومة صاحب الجلالة ملك مصر انذاك لإقامة معهد لدراسة الحفريات في القاهرة. و في عام ١٩٦٥ انتقل مبنى الأكاديمية بعد انتهاء أعمال البناء في المقر الجديد ، بحدائق فيلا " بورجيزى " وهو من أرقي مناطق المدينة، حيث تم لاحقا تخصيص ميــدان صغـير بالقرب من الأكاديمية بتمثال يحمل اسم احمد شوقي.

ودعتني الدكتورة هبة سليلة الحضارة الفرعونية بدعوة جميلة لحضور فعالية كبيرة في مبنى الاكاديمية و هي اوبرا عايدة و ذلك بمناسبة مرور ١٥٠ عام على تأسيس اوبرا عايدة المصرية

سعدت بالدعوة التي سألبيها بقلب مليء بالفخر و المحبة لمصر العظيمة

 

سازة طالب السهيل

 

 

ناجي ظاهرقد يستغرب القراء أو بعضهم على الأقل لهذا العنوان، ذلك أن الناس اعتادوا على أن يستغربوا طرح أسئلة يعتقدون أن الإجابة عنها واضحة وضوح الشمس، إلا أن هؤلاء كثيرا ما يعيدون النظر حينما يطلعون على أجوبة واجتهادات جديدة فيما يعتقدون انه واضح ومفروغ منه.

حقا من هو قارئ القصص، وهل له مواصفات خاصة؟ هل هو يحتاج أصلا إلى مثل هذه المواصفات؟ ثم هل هو يختلف عن سواه من القراء؟ أسئلة وأسئلة أخرى اطرحها، بعد أن تبين لي من المعايشة اليومية لأصناف مختلفة من القراء، أننا يجب أن ننشغل بها قليلا.

اعتقد بداية أن قارئ القصة ينبغي أن تتوفر فيه صفة خاصة، هي ما تميز كاتب القصص عادة، وتمنحه الفرق بين غيره من كتاب النثر الأدبي، بمعنى أن المرسل- الكاتب، ينبغي أن يلتقي مع المرسل إليه- القارئ، في نقطة لقاء لا بد من الالتقاء فيها تحديدا، كي يكون اللقاء اغني وأكثر ثراء.

هذه الصفة هي الحساسية المفرطة تجاه الحياة والأشياء المحيطة به، إن هذه الصفة تجمع بين الاثنين، المرسِل والمرسَل إليه، جمعا لا بد منه لتكتسب القراءة أهميتها، ذلك أن الكاتب عادة ما يكون في ذروة تألقه الإبداعي حين إقباله على الكتابة القصصية، حتى انك لتخاله زاهدا في معبد أو راهبا في كنيسة أو شيخا في مسجد، أثناء معايشته للحظة اتصال بخالقه.

كل من القارئ والكاتب القصصيين، يحتاجان إلى نوع من العزلة، أثناء القراءة والكتابة، فالكتابة القصصية وكذلك القراءة القصصية، تحتاجان للتوحد بالكلمات، لمعايشتها، للإحساس بها، ولامتلاك القدرة، للإيغال فيما وراءها، إذا ما تطلب الأمر، وهو كثيرا، إذا لم يكن دائما، ما يتطلب هذه القدرة أو مثلها، بعيدا أو قريبا منها.

بدون هذه الحساسية لكل كلمة، نأمة وحركة، لا توجد كتابة قصصية، ولا توجد بالتالي قراءة قصصية ذات جدوى.

قارئ القصص والحالة هذه، لا بد من أن يمتلك حساسية من نوع ما، تجاه ما يقدمه إليه كاتب مرهف الإحساس، كاتب سبر غور الحياة، عبر تغلغله إلى أعماق ما تضمنته وقدمته إليه من تجارب، يمكن لنا إذا ما تمكنا كقراء، أن نتغلغل إلى أعماقها، وان نجعل لحياتنا بعدا أخر غير ذاك اليومي المعيش، بعدا يجعلنا نقلع إلى بحار ما كان بإمكاننا أثناء عمرنا المحدود القصير أن نقلع إليها، هذا البعد يمكننا من التعرف على أصناف وأصناف من الناس، سواء كان في زمننا الراهن، أو في الزمن الماضي الغابر.

القصص تجعل حياتنا أكثر ثراء، أخصب واقدر على التفاعل مع التجربة الإنسانية الشاملة، فهي تمكننا من أن نكون أناسا آخرين، أعمدة من دخان أو طيورا تحلق فوق محيطات بعيدة، هي تمكننا باختصار، في هذه النقطة، من أن نكون آخرين وغير من يشكلون انانا المحدودة مهما اتسعت أبعادها وآفاقها، أضف إلى هذا أنها تخرجنا من ذواتنا المحدودة، إلى ذوات أخرى قد تكون حجارة تنبض على شواطئ بحار بعيدة، بُعد الحلم، قريبة قرب النبض.

القصص هي عوالم الكتاب، وهي في الآن ذاته، عوالم الآلاف والملايين من القراء المشابهين لهم، ليس في الشكل والظروف، وإنما في العمق، في ماهياتهم كأناس، يمتلكون طموحات فائقة عصية ترفض أن تحدها حدود، وترنو لان يكون العالم حركتها، وفي تطلعاتهم للتمرد على العادي، الساكن والمستسلم، بَلَه في تشوفهم إلى أن يكونوا محبين أو قادرين على الحب، رغم ما يملأ العالم من كراهية يصنعها البشر لاغتيال أحلام اخوان آخرين لهم.

كاتب القصة، وكذلك قارئها، يرفضان الزيف، تسطيح الأشياء، وإظهار سطوحها فحسب، وإنما هما يحاولان ، كل بطريقته، أن يتغلغلا إلى أعماق هذه الأشياء، والى إظهار الجميل والنبيل فيها، إنهما لا يكتفيان بالسطحي من أمور الحياة وشؤونها، وإنما هما يدركان تمام الإدراك أنهما ينبغي أن يصلا إلى ابعد ما يمكن أن يصل إليه نظراؤهما من أبناء البشر، أن يندفعا إلى أعماق الكلام، وصولا إلى جوهره الذي يشعل نار المحبة والحقيقة، فتستسلم هناك روح كل منهما مطمئنة لشعورها بأنها وصلت إلى ابعد ما يطمح إنسان مرهف للوصول إليه في لحظات حياته القصيرة مهما طالت.

عالم هذين، كاتب القصة وقارئها، هو عالم واحد، انه عالم لا يستخف بأية حركة مما يمور فيه، ويمنح الاهتمام، للبستاني بنفس القدر الذي يمنحه لمن يصنفون على أنهم علية القوم، وهم في الواقع لا يختلفون جوهريا عن سواهم من بني جلدتهم، كما انه يمنح الاهتمام بتلك السمكة السابحة في محيط بعيد (اقرأ الشيخ والبحر لارنست همنجواي مثلا)، بنفس القدر الذي يمنحه للحوت الأبيض في محيطات لجية (اقرأ موبي دك لهرمان ملفل مثلا أيضا). لا يوجد في عالم القصص أمور لا تستحق الاهتمام وأخرى تستحقه، كل شيء في عالم القصص يستحق الاهتمام، ما دام موجودا وما دامت العين البشرية تقع عليه وتستمتع برؤيتها له.

القصص بالمجمل تمنحنا، سواء بكتابتنا، أو بقراءتنا لها، ثراء ما بعده ثراء، تغني نفوسنا إذا كانت فقيرة، وهي كثيرا ما تكون كذلك، تحدث توازنا في أحاسيسنا الكاذبة بالاستعلاء، إذا ما حل بنا داء الصلف والتكبر، إنها تجعلنا متوازنين في هذه الحياة، وتعطينا قوة ما بعدها قوة لأن نكون نحن الحقيقيين، نحن الذين وجدنا على هذه الأرض كي نعيش إلى ما لا نهاية، وليس لمدة محدودة سرعان ما تندثر، وتضحي أثرا بعد عين، إنها تعطينا إمكانية غير محدودة لأن نعيش عوالمها الرحيبة، هذه العوالم التي يشكل كل عالم حقيقي منها، عالما آخر مثل هذا العالم الجميل، الذي كان لنا شرف أن نكون من أبنائه.

 

بقلم: ناجي ظاهر

 

 

اسراء عبوشللأديبة: حمدة خلف مساعيد

صدرت حديثاً رواية تحرير للأديبة حمدة خلف مساعيد، وهي من منشورات وزارة الثقافة الفلسطينية، لوحة الغلاف للفنان الفلسطيني محمد نصر الله، وعلى الغلاف حصان ينحني مقابل فتاة ترفع جبينها عالياً، وتنظر للحصان بهدوء، في اختيار الغلاف دلالة على روح تحرير وصفاتها.

نحن أمام عمل روائي وطني فلسطيني، سجلت الكاتبة في روايتها الأولى أحداث ثورية ونضالية لمخيم جنين، كان لشخصية الفدائي الفلسطيني نصيب الأسد في الوصف والسرد، أيقظت فينا الكاتبة ذكريات بطولية، وأحييت الفكر الثوري، خاضت البطلة تحرير مع الأبطال جولات بطولية انتهت باستشهادها، البندقية المدفونة تنهي الرواية، أطلقت تحرير رصاصة الموت أصابت أو أخطأت.. لن تدري، وكأن قدر الفلسطيني أن يموت حزيناً بعد أن يحمله اليأس لاختيار نهاية موجعة.

حوار سردي

تخلت الكاتبة عن حقّها السّردي ُكلّفت تحرير به، امتلأت صفحات الرواية بالحوارات العاطفية تجاه الوطن، حاورت الكاتبة النفس البشرية وتتبعت عقدها من خلال شخصيتيّ تحرير وإيهاب بأسلوب حواري شيق،

أحبت تحرير  إيهاب المتخاذل لتنشي الكاتبة بينهم حوار يصب في عمق الصراع الوجودي بيننا وبين المحتل.

لقد جسدت الكاتبة عنفوان المقاومة وبسالة مرحلة من نضال مخيم جنين، واصفة جمال الروح النضالية، ومبينة قيمة الوحدة فلم تذكر أحزاب، تلك الروح الجريئة التي لا ترَ صوب عيونها سوى النصر.

تحرير تظهر في بداية الرواية فتاة حرة تعرف ما تريد، شخصية قيادية قوية مبادرة، وبين ليلة وضحاها يتبدل الحال وتضع في ظرف يجبرها على ترك حبيبها والزواج من أخيه، تضع الكاتبة يدها على الجرح، هناك خلل في العلاقات التي تحكمها الظروف والعادات والتقاليد والأعراف في المجتمع، تعري الكاتبة سوء العلاقات وتدخل بطلي الرواية ـ إيهاب وتحريرـ التي عاش معهم القارئ قصة حب جميلة، رغم الاختلاف بينهم في النظرة للمقاومة والدفاع عن الوطن، والرغبة في تحريره.

ومع ذلك تتعايش تحرير مع الواقع الجديد، في دلالة على قوة المرأة الفلسطينية في خوض التحديات وتأكيد على أخلاق المرأة الفلسطينية واهتمامها بالمحافظة على تربيتها المبنية على المبادئ والالتزام.

صراع نفسي

بين حب الوطن والهزائم المتلاحقة معضلة أوقعت البعض في الشك وأضعفت النفوس، هو فساد للروح المتوهجة، يطفئها رويداً رويداً لتغدوا غير صالحة للنضال، تكسر سيف المقاومة، وتنحني لروتين الحياة الذي يجعل الفلسطيني على الهامش، هو أحد روافد الهزائم جريمة النفس وتخاذلها أمام روحها وكينونتها الوطنية.

لقد أتت الكاتبة على الأسباب التي شكلت شخصية إيهاب بهذه الصورة، وهناك أسباب أخرى دفعت الفلسطيني للشك في جدوى نضاله وأورثت شخصية انهزامية ضعيفة، لا تستطيع أن تتخذ قرار، ومن يهزم أمام قرار وطنه يهزم في قرار ذاته، خسر إيهاب تحرير لأنه نشأ بشخصية انهزامية.

وهناك أسباب أخرى هي عدم توفر الوقت الكافي للفلسطيني ليفكر بما يحدث حوله، يمضي جل وقته باحثاً عن قوت يومه، تعطل الفكر مقابل الماديات.

يخطط العدو في أفكار متراكمة ولا يترك ثغرة، فها هو يرسل الجواسيس إثر تحرير، ويجند العملاء، هذه من أسباب قتل روح النضال في الفلسطيني، حيث أن إيهاب متعلم، ويتمتع بشخصية قوية وحياة عملية ناجحة وحضور طاغي، وقلب محب ومشاعر تحسن الجدال، وترغم الحبيبة على خوض معركة خاسرة لصالح قلبه دائما.

مشاهد حياتية

أبدعت الكاتبة في سرد حوار مشوق سلس قريب من مشاهد الحياة الاعتيادية، مع أنها ليست من مخيم جنين ولم تسكنه يوماً، ولكنها استطاعت أن تدخلنا بقلمها المبدع، واسلوبها المميز إلى حارات المخيم وبيوته، لكن في بعض المواقع يتداخل الحوار بلا مقدمات مثال ذلك صفحة 149. حيث يحتار القارئ من القائل؟

في مشهد موت أم محمد تفتح الكاتبة جراح عميقة تجسد حياة أمهات الشهداء والأسرى، بالغالب الموت ينهي معاناة أم الشهيد وأم الأسير، فلا انتظار على بوابات السجن، ولا قلق من ظروف الأسر.

وددت بعد أن أنهيت قراءة الرواية أن أسير في شوارع المخيم أتصفح وجوه المارة باحثة عن ملامح أم محمد وتحرير وأكرم وشادي، أن ارفع رأسي لعل أم سمير تطل من إحدى النوافذ أو تجلس على باب محل خضار تلقي التحية على المارة، فقد صورت الكاتبة حمدة مساعيد الشخصيات بصورة حقيقية تكاد تسمع صوتها وأنت تقرأ الحوار.

تحرير اسطورة فلسطينية

تنتهي الرواية على صورة مغايرة لما بدأت به، تفاجئ القارئ بعيدة عن تصوراته، وهذا نوع من الأبداع، هي ليست رواية اعتيادية، تتعقد الأحداث ثم تسيطر عليها الكاتبة بحنكة واقتدار.

عندما طويت آخر صفحة فهمت مغزى الرواية بنظرتي الأنثوية، تحرير هي أسطورة فلسطينية لأُنثى ترسم الوطن الذي تحب وتعيش في إطار الصورة، يحاصرها الخونة ويستدرجها أحدهم ولكنها تتمكن منه، لا تقع ولا تتبع قلبها، لأجل سمعة أهلها واحترام لكلمتهم تقبل الزواج، ترفض الانصياع لقلبها وتُخلص لزوجها، تدافع عن شرفها بالدم وتدافع عن بيتها بروحها.

في رسالة أكرم التي تعتبر وصية لتحرير تدخل الكاتبة القارئ بمتاهة لا داعي لها عندما تذكر أصل إيهاب وكون أخته سولينا زوجة شادي، فلا داعي له في الرواية ولا يخدم الأحداث، ومبالغ به.

ومما لفت نظري أن الرواية تمت عام 2002م وطبعت هذا العام، أي أنها بقيت حبسية الأدراج كل تلك الأعوام، كم هي المواهب التي تبقى حبسة الأوراق بلا دعم، وما أخطر وأد الكلمة.

 

بقلم الأديبة: إسراء عبوشي

 

 

جميل حسين الساعديلم يحدث شاعر ضجة كبيرة في تاريخ الشعر العراقي الحديث، مثلما أحدث الشاعر البوهيمي المتشرد حسين مردان بنشره لمجموعته الشعرية الأولى (قصائد عارية) في العام1949 والتي رأى فيها الوسط العام خدشا لحياء المرأة وتحقيرا لها، والتي تسببت في مثوله أمام القضاء . أما الوسط الأدبي فقد اعتبرها نتاج نظرة أحادية الجانب الى المرأة، فالشاعر كما يعتقد بعض النقاد يصف لنا المرأة الجسد والمتعة ولايصف لنا المرأة الفكر والروح .. أليس هو القائل؟

ما قيمة القبلات إنْ لـــــــم تنطفِ

نارٌ من الشهوات تسري في دمي

ما الحبُّ إلّا شهوةٌ فلتبعــــــــدي

أمّ الزنى فمك المدنّس عن فمي

وتجرّدي لأراكِ جسماَ ناعمــاً

بلظى الفجور يضجّ مثلَ جهنــمِ

وذري أحاديث العفاف لمعشرٍ

لم يفهموا سرّ الحياةِ المبهمِ

ما الطهرُ ما الشرفُ القديم وما التقى

إلّا اختلافات الزمانِ الأقدمِ

أمّا في قصيدته (من بنات الليل ص67 من نفس الديوان فلا يتورع الشاعر عن إعلان حكمه القاسي على الحب والمرأة كما هو واضح في هذه الأبيات:

فلا تعيدي حديث الحبّ واضطجعي

فالحـبُّ وهـــمٌ تغذيـــه الخيـــــالاتُ

لقد عشقــتُ وجرّبت الهوى زمنـــاً

حتـــــى نحلـــتُ وأردتني الحبيباتُ

لقدْ كرهتُ نســاءَ الأرضِ قاطبـــةَ

إنّ النســــاءَ بذيئاتٌ حقيــــــــــرات

لكن هذا الموقف من المرأة والحب قابله موقف آخر مناقض عبّر عنه في البيت التالي:

مسّني الحبُّ فانقلبتُ ملاكــــــاً

مفعم الروح بالرضـــا والحبـورِ

بل إنه ذهب إلى ما هو أبعد في تمجيد المرأة حين قال: (لن ينهض الشرق، ولن ينزل المطر المقدّس من السماء بدون أكفّ النساء). وقد رأى فيها رمزا للجمال، الذي وصفه بالعبارات التالية: (إنّ الجمال لا يجذبني فقظ بل يدفع بي إلى الصرع، وعندما أستفيق أجد نفسي في حالة متناهية من الشفافية والصفاء، وخلال تلك اللحظات التي لا توصف، تورق الأشجار العتيقة في روحي، ويولد ذلك النوع الغريب من الشوق، لاحتضان الكون بكلّ ما فيه) .

هذا التناقض في توصيف الشاعر لهو دليل على أنّه لم يكن محقرا للمرأة، لم يكن قصده أن ينال من مكانتها فالأرجح أنه لجأ إلى هذا اللون من الشعر بدافع حب الشهرة، تماما كما فعل الشاعر نزار قباني عملا بالقول الشائع: (كلّ ما هو ممنوع مرغوب) أو بالمثل الشعبي (خالف تُعرفْ). لقد دفع هوس الشهرة بالشاعر الى اختلاق القصص والحكايات ورسم هالات العظمة حول نفسه، فقد ادعى أنّ له قصة حب مع الفنانة عفيفة اسكندر. القصة كانت من نسج خياله الجموح، فهو لم يرها سوى

مرة واحدة حين دعاه بعض الاصدقاء إلى الملهى الذي كانت تغني فيه، وكانت وقتها في ريعان شبابها جميلة تلفت الأنظار، فقصة الحب هذه هي من القصص والحكايات الكثيرة، التي كان يختلقها الشاعر حسين مردان ليثير فيها انتباه الأخرين ويلفت أنظارهم إليه،فقد ذكر بعض الذين عرفوا الشاعر عن كثب، بأنّ صديقه المقرب منه يوسف طعمة فرمان هو الذي جعل من هذه الخرافة حقيقة حينما تطرق إليها في روايته المعروفة (خمسة أصوات) والتي حولت إلى فلم (المنعطف) فيما بعد، وقد عرض الفلم في سينما بابل وقد ظهرت كذلك في مسرحية مثل فيها دور حسين مردان يوسف العاني حيث يظهر فيها حسين عريان بملابسه الرثة وهو يستجدي الحب من عفيفة . المسرحية كانت متأثرة بقصص ألف ليلة وليلة الخيالية، ومن الجدير بالذكر والتنويه أنّ الأشعار التي نشرها الشاعر في حياته، و تلك التي عثر عليها بعد وفاته لم يرد فيها أيّ ذكر للفنانة عفيفة اسكندر لا من قريب ولا من بعيد .

المشكلة التي كان يعاني منها حسين مردان حين قدم إلى بغداد في منتصف الأربعينات مودعا مدينته بعقوبة بلا رجعة هي الإعتراف به كشاعر لذا لجا إلى موضوع المراة والجنس ليثير الإهتمام. اما الفنانة عفيفة اسكندر فكانت تسمع بهذه القصص المختلقة وحالها حال أية فنانة تشعر بالزهو ويزيدها إعجابا بنفسها حين تختلق حولها قصص الحب والإعجاب الكاذبة .

في فجر الرابع من أكتوبر للعام 1972 لفظ حسين مردان أنفاسه الأخيرة في مستشفى مدينة الطب، الشاعر، الذي ظلّ حتى آخر أيّامه صادقا مع نفسه رغم القصص التي كان يختلقها من وحي الخيال، وينشرها بين أصدقائه على أنها قصص واقعية حقيقية .

لقد قام الشاعر حسين مردان بما لمْ يقُم به شاعرٌ من قبله، حين أهدى ديوانه (قصائد عارية) إلى نفسه، فقد استهله بهذه المقدمة: (لم أحب شيئاَ مثلما أحببتُ نفسي، فإلى المارد الجبار، الملتفّ بثياب الضباب، إلى الشاعر الثائر المفكر الحرّ، إلى حسين مردان، أرفع هذه الصرخات، التي انبعثت من عروقه في لحظات هانئة)

هذه المقدمة تجعلنا نلتمس العذر لحسين مردان عن كلّ شطحاته، وأن لا نحمل كلماته التي صبّ فيها جام غضبه على النساء محمل الجدّ، لقد بحث عن الحب فلم يجده .. أراد أن يحتسي خمرة الحبّ ليصبح ملاكا، لكنه وجد نفسه وحيدا بلا مأوى يفترش الأرض ويلتحف السماء في المقبرة

الملكية، وفي جيب سترته الرثة زجاجة خمر، دسّها له الشيطان.

 

جميل حسين الساعدي

 

 

يسري عبد الغنييعتبر السفر وفق معظم الأساطير والحكايات جزءاً من المغامرة الإنسانية. وسواء كانت رحلة الإنسان لعمل خيري أو نحو أرض الميعاد (سيدنا إبراهيم وسيدنا موسى)، ليواجه العديد من المحن قبل عودته إلى موطنه الأصلي (أوليس)، ويقطع المسافات طلبا للحكمة من خلال لقاءات متعددة (بوذا) أو يذهب إلى اكتشاف أرض مجهولة (ابن بطوطة، كريستوفر كولومبوس أو ماركو بولو)، فهو في آخر المطاف يغني تصوره للعالم. وقد أضحى السفر في عصرنا الحاضر جزءاً من حياتنا اليومية.

ولعل أبرز نموذج ملموس للحوار بين الثقافات هو أدب الرحلة، ذلك أن الناس انتقلوا على مدى قرون من مكان إلى مكان آخر إما للعمل، أو لطلب العلم، أو للتجارة، أو في مهام دبلوماسية، أو لغاية الترفيه، فكان التفاعل مع أشخاص آخرين من أجناس وثقافات وعقائد مختلفة. وتتخذ هذه التفاعلات أشكالا مختلفة، فتكون عنيفة ومدمرة أو سلمية وودية. ولا نقصد بالعنف هنا الاحتلال أو الغزو بل نعني به تصورا ثقافياً خاطئاً ناجما عن نقص في التواصل بسبب الأفكار المسبقة. وفي الحقيقة فإن الإنسان سيج نفسه بكثير من الحواجز ولم يشيد سوى القليل من جسور التواصل واللقاء. فهل كان ذلك بسبب الخوف؟ أم التفوق؟ أم الكراهية؟ أم إن السبب يكمن في كل هذه الأمور مجتمعة؟ وفي الواقع ليس ثمة إجابة جاهزة لهذه الأسئلة بل ثمة العديد من السيناريوهات...

ويسعى أدب الرحلة، إلى تعزيز التبادل الثقافي في مجال الأدب والترجمة عبر توطيد التعاون متعدد الأطراف الذي يشمل البحث والتحليل في مجال التخطيط والمنشورات والتدريب في مجال الترجمة وتنمية المهارات.

ويمكن تلخيص الأهداف الرئيسة التي يتوخى بلوغها في مجال أدب الرحلة في ما يلي:

- تعزيز الحوار من خلال تشجيع أدب الرحلة وترجمته؛

- تيسير الوصول إلى أعمال أدب الرحلة الأقل شهرة، وخاصة تلك المكتوبة باللغات المستخدمة على نطاق محدود، وتلك الأعمال الأقل حضوراً في الساحة الدولية؛

- تشجيع المزيد من التنوع في الملتقيات الأدبية الدولية ونشر الأعمال الأدبية لفائدة جميع الفئات العمرية؛

- صياغة منهجيات مبتكرة للإبداع الأدبي، وتشجيع الترجمة ودعمها وتدريب مترجمي الأعمال الأدبية العاملين باللغات الأقل استعمالا؛

- تحفيز أنماط التواصل الجديدة متعددة الأطراف، وأشكال التعاون والمشاريع المبتكرة التي تمكن أدب الرحلة من التفاعل مع غيره من الأجناس الفنية، واستكشاف الدور الاجتماعي والسياسي للكتابة؛

- تحفيز النقاش حول القضايا ذات الصلة بالحوار بين الثقافات؛

- إيجاد فرص لتبادل الأفكار ونقل المهارات والمعارف، وتبادل الخبرات والموارد بين المنظمات والمؤسسات من أجل تشجيع الحوار والتواصل بين الثقافات بأفضل السبل الممكنة.

ويمكن لنا القول أن الإنسان قد يقوم في حياته برحلات اختيارية هدفها البحث عن العلم والمعرفة و الفن، أو البحث عن العمل يهيء له ولذويه حياة أفضل، وقد تكون الرحلة إجبارية كأن يذهب إلى العلاج، أو منفيًا أو هاربًا أو لاجئا، أي أنه مذعنا خاضعًا للضرورة .

على كل حال فإن هذه الرحلات الاختيارية أو الإجبارية أنتجت لنا أدبًا غزيرًا مهمًا : أشياء مرئية، وأشياء مسموعة، وأشياء محكية، قد تكون مروية شفاهة أو مكتوبة في صفحات نقرأها، رددها أصحابها عند العودة، فتمكنت من أن تخصب أخيلة القراء، ولكن قد يكون أثرها قد فقد لأمر أو لآخر، فتأتي الأشياء التي حفظت على الورق على أشكال مختلفة، ابتداءً من الملاحظات البسيطة المسطرة بلا أدنى عناية في دفتر صغير وجد ضمن مقتنيات (مونتسكيو) الخاصة إلى قص قصة الرحلة كما فعل (شوتو بريان)، و (مارين)، أو وصف الرحلة وصفًا يوميًا كما فعل (مونتيني)، أو من خلال خطابات كما فعل (دي بروس)، وذلك دون أن ننسى الأهجية الغاضبة مثل (مسكينة بلجيكا!) التي كتبها (بود ليير)، بعد (الرحلة العاطفية) التي كتبها (سيترن)، و(رحلة في إيطاليا) التي كتبها (جوته)، ونذكر أيضًا (رحلة من باريس إلى القدس) التي كتبها (شاتو بريان) .

ووفقًا لذلك أصبحت الرحلات فنًا أدبيًا مشهودًا به تمامًا منذ العصر الرومانسي، حتى عصرنا الحديث، هذا الفن الأدبي الجميل المشوق يبدو الآن قد استنفد، وفي الواقع نحن في حاجة إليه من جديد، ولو في عالم الإنترنيت والأقمار الصناعية والعولمة وتحول العالم إلى قرية كونية صغيرة .

 نقول: إن الدارس للأدب المخصص لهؤلاء الرحالة سوف يلاحظ أنه ليس كثيرًا فحسب، بل إنه يصل إلى حد الزيادة والإفراط، فرنسيون في   إنجلترا، فرنسيون في اسكتلندا، فرنسيون في صقلية الإيطالية، وتقريبًا في كل مكان من العالم الذي نعرفه .

رجال ورجال من مختلف بقاع الدنيا أحبوا العلم والمعرفة، فتتابعوا في صفوف متقاربة أمام لجان مناقشة الرسائل الجامعية، ليس فقط في جامعة السوربون الكبرى ذائعة الشهرة والصيت، ولكن في العديد من الجامعات الأخرى .

ولم يكن (إيتامبل) إذن على خطأ بوقوفه ضد إساءة استغلال هذه الدراسات المصنوعة على حساب أعمال أخرى، والتي توشك أن تكون في سهولة إعداد القوائم والفهارس .

ولكننا لا نستطيع أن نهاجم هذه الدراسات من حيث المبدأ والفكرة، بحجة أنها غالبًا قد تم إجراؤها بواسطة باحثين تنقصهم الدربة أو الدراية إلى درجة كبيرة، إذ توجد في الواقع مؤلفات أساسية في هذا الميدان تصل إلى الحديث عن (المبادلات الأدبية بين الأمم)، وعلم نفس الشعوب، و تكوين الأساطير، وتجديد فكرة كاتب، أو تجديد قوى الأفكار وفاعليتها في أدب ما .

ونذكر هنا كأمثلة: مؤلفات (ج . كوهين) عن الفرنسيين في هولندا، ومؤلفات (ج . ماري . كاريه) عن الفرنسيين في مصر، وعن (ميشليه) في إيطاليا، ومؤلف (ج . أرهارد) الذي تابع فيه (مونتسكيو) في إيطاليا.

ومع الشرق، الأدنى والأقصى، توجد علاقات للغرب منذ أزمنة موغلة في القدم : يكفي أن نذكر حملة الأسكندر المقدوني، تكوين فن إغريقي بوذي، الحروب الصليبية وأثرها، الاهتمام الذي أولاه الباحثون لشخصية القسيس / جان الأسطورية، وطريق تجارة الحرير، ورحلة (ماركو بولو) وكتابه (استيلاء الترك على القسطنطينية)، وطردهم حملة الثقافة الهيلينية إلى إيطاليا .

ونذكر (فرانسوا كسافير) ورحلته وحديثه عن الهند، تلك التي ستدخل عالم الشعر العظيم بظهور ملحمة (لونراد) للشاعر البرتغالي (كامونيس)، وفي النصف الثاني من القرن السابع عشر تروض أوربا الغربية نفسها على معرفة الإسلام بطريقة علمية، ثم تعقبه بمعرفة الهند والصين، اللتين ستدخلان بمزيد من القوة في القرون التالية.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

صادق السامرائيأبو الوفاء محمد بن محمد بن يحيى بن إسماعيل بن العباس البوزجاني (328 - 388) هجرية.

ولد في مدينة بوزجان وعاش في بغداد (40) سنة وتوفى فيها.

عالم رياضيات وفلك وهندسة، وقد لمع نجمه في سن العشرين، بمؤلفاته التي إشتهر بها، وهو الذي قدم أبو حيان التوحيدي إلى الوزير بن سعدان، والتي نجم عنها كتاب (الإمتاع والمؤانسة).

مؤلفاته

" الزيج الكامل، الكامل، المجسطي، فيما يحتاج إليه الكتّاب والعمال من علم الحساب، فيما يحتاج إليه الصانع من أعمال الهندسة، فاخر بالحساب، حساب اليد، زيج الوادي "

أساتذته:

"أبو عمر المغازلي، أبي عبدالله محمد عنبه، أبي يحيى الماوردي، أبي العلاء بم كرنيب"

إسهاماته في علم المثلثات لا تضاهى، وفي الهندسة عالج العديد من المسائل المعقدة، وفي الفلك طور جهاز حساب ميل الأجرام، وهو أول من عرف دالة الظل والمماس، وهو أول من درس حركة القمر، ومكتشف قانون الجيب "

تم إطلاق إسمه على فوهة بركانية بالقمر.

قالوا فيه:

البهقي: "بلغ المحل الأعلى في الرياضيات"

الصفدي: "له في الهندسة والحساب إستخراجات غريبة لم يُسبق إليها"

أبو الوفاء موهبة علمية متميزة وكأنه ولد وفيه إرادة التعبير عن علوم الرياضيات والفلك والهندسة، فأدى رسالته العلمية وغادر الدنيا، تاركا وراءه آثارا علمية باللغة العربية سامقة وأصيلة، أسهنت في تطوير العلوم ورفد الإنسانية بمعين علمي معرفي فياض.

وبجهوده تطورت علوم الفلك والمثلثات والرياضيات، ولديه نظريات وقوانين غير مسبوقة فيها.

تحية لهذا الجهبذ الطود العلمي الشامخ في ربوع الأجيال، وعاشت الأمة التي تنجب أمثاله.

 

د. صادق السامرائي

 

عبد الخالق الفلاحلقد كانت للتجربة العراقية الثورية بعد 14 تموز عام 1958 تجربة فريدة وكانت إنتفاضة هائلة قدمت لنا لأول مرة (وربما لآخر مرة) حكاماً يمشون مع الناس ويفكرون بالناس ويموتون من أجل الناس. وكان الأدب الملتزم یطلق علی مشارکة الشاعر أو الأدیب والفنان لهموم الناس فی قضایاهم الاجتماعیة والسیاسیة ومواقفهم الوطنیة تخرج على شكل قصائد ومقالات تكتب واغاني تتغنى بها الجماهير، ومن میزات الأدب الصادق، أن یتکلّم عن الواقع الذی یعیشه الأدیب والظروف التی تحیط به ولاشك فی أنَّ قیمة الشعر تنطلق من طریقة تعاطیه مع موضوعات الحیاة ولاسیَّما الموضوعات المصیریة فی حیاة الإنسان ویکون الإنسان موضوعاً متسعاً لهذا النمط من الأدب وظهر الأدب الملتزم رداً علی فکرة الفن للفن.

 لقد كانت الاغنية التموزية فيها اللقاء الوطني والهوية الديموقراطي الجوهر الذي ابتعد عن الشعاراتية ورايات سياسية لم تعني الانشطار وقد كان للأغنية الريفية التي تعزز حظها واشتهر مطربيها مع الثورة، حضوراً واضحاً، ورغم ان الأغنية السياسية العراقية لم تنتشر كثيرًا خارج العراق، كما هو الحال في الأغاني السياسية في الكثير من البلدان العربية، إلا أن تاريخ الأغنية السياسية العراقية ممتد ومتنوع. فالعراق اشتهر بالأغاني الحزينة ولكن على نطاق الاحتفالات الخاصة كانت نزينها الفرح وتلك التي تتحدث عن الحب والفراق والهجر بشجن جميل ولذيذ، واشتهر بالمقامات والتنزيلات الموصلية، إلا أن ذلك لم يلغي جانب الأغاني الوطنية والسياسية لديه ومن اهم مميزات الاغاني والقصائد التي كانت تنشد هي الرمزيّات التي وراء الكلمات بدلالاتها وإشاراتها السياسية التي لا توثق فقط بل تتحدث عن اوجاع الفلاح او العامل وكانت تصلح لتوثيق العديد من المعانات التي تحوي ظلم الاقطاع وتضحية الجياع . الثورة حركت مشاعر المغنيين العرب كما هو نشيد" يا شعب ألعراق" لفائدة كامل هذه الأغنيه كانت واحده من مجموعة أغان قدمتها ألحناجر العربيه أبتهاجا بتحرير العراق ومساهمة في ألثوره العراقيه ألسلميه للشعب العراقي ضد ألطغيان والعمالة والفساد وكان للغناء الريفي العراقي دوراً فاعلاً في انعكاس الثورة،فالى جانب عبد محمد وناصر حكيم وعبدالجبار الدراجي ووحيدة خليل وشهيد كريم وعبدالصاحب شراد وآخرين غيرهم إشتهر الثنائي عبدالواحد جمعة وجواد وادي بأغنية نريد نريد والتي كان مطلعها:

تريد تريد العزة تريد ...جَمْعَة كلمة ولمَّه تريد

كلنه نصير شعلة نار ...بوجه الغاصب والغدار

او كما غني فرقة الانشاد زعيمنا الغالي:

زعيمنا الغالي حققت امالي ...حطمت الاستعمار ورفعتنا عالي

او الاغنية الاخرى ايضاً لفرقة الانشاد من الحان احمد الخليل :

انا العراق انا العراق

حطم الجيش قيودي

عدتُ للمجد التليدِ

ليس للظلمِ مكانٌ فوق أرضي

انا بالعزم الى المجدِ سأمضي

انا العراق انا العراق

**

وغنى المنلوجست فاضل رشيد

واحد اثنين وثلاثه وبس

گلنالك يا طامع جوز

تهديد وتفريق وبس

ماتطفي شعلة تموز

جوز جوز

**

ولحن وغنى الفنان الراحل احمد الخليل للشاعر زاهد محمد، اغنية (هربجي كرد وعرب) وما زالت عالقة في اذهان الاجيال الماضية تلهب احاسيس ابناء الشعب وتعزز وحدة العرب والكرد في الوطن الواحد .

من تهب انسام عذبه من الجبال

على ضفاف الهور تتفتح گلوب

لو عزف عالناي راعي بالشمال

عالربابه يجاوبه راعي الجنوب

هربجي هربجي كرد وعرب رمز النضال

**

ويا موطني التي تقول.

يا موطني أحمي حماك بالدم

وافتديك بالعزيز دم عزيزاً واسلم

وقد إشتهر كذلك رضا علي الذي غنى: أرضي الحلوة جنة وتسوه بيها أغني أجمل غنوة وكان هناك المبدع علاء كامل، مبدع إن عمر كلنا ونبني ووحد الصف ونادي دمت ياشعب العراق ويلاّ ع المعمل التي تقول:يلاّ ع المعمل يلاّ يلاّ وتوكل باالله دير الآلة بجهودك واثبت للناس وجودك وسمير بغدادي (وديع خوندة) صاحب اللحن الخالد نسمات الذي وزعه موسيقار روسي وغنته زوجته المطربة مائدة نزهت: ما أجملك ياكون بسمات الشمس تزهي بروابي بلادنا والنور ع الوادي بدى محلاه وكحل عيون أولادنا وذاتها غنت رائعة أنا العراق لعلاء كامل وهناك محمود عبدالحميد صاحب أغنية ديمقراطية وسلام وتوحدنا عرب وأكراد وحطمنا حلف بغداد وكان هناك محمد كريم وفاروق هلال وأحمد الشافي وداود العاني وآخرون ممن تغنوا بالوطن وشعبه وبحبها.

ولم توحي بالتقسيمات الطائفية التي تمثل الطبقة السياسية اليوم ولا الشعب أُراد للاحتفال إلأ بالثورة وبالعراق ومحبته وأن يبقى بعيدا عن انقسامات الطبقة السياسية وعن أمراض الواقع المعاش ومخلفات الماضي ليبرز وجه العراقيين الموحد وحقيقة الوطن الهوية الرافضة للانقسامات (فوق الميول والاتجاهات)، والجميع في بوتقة واحدة، سفينة واحدة هي سفينة الإبداع العراقي ثقافة وجمالا وفنونا تعبر عن المعدن العراقي الناصع المشرق بشموس للخير والعطاء لا تحجبها الظنون بل تعمّدها أجواء الثقة الراسخة بين جميع العراقيين لا استثناء ولا إقصاء ولا تهميش بل ساعد يشد أزر ساعد آخر وقلب ينبض على معزوفة قلب آخر والكل ينشد للعراق محبة العراق الديمقراطي الفيدرالي الجديد. لغد ينتظره لا بغضب بل بوجد لهذه النسمات النورانية لأهل العراق محبة وسلام. امتدت تلك الأغاني من النشيد الوطني،الى تلك المحاولات كانت بمثابة بدايات الاغنية السياسية مروراً بالأغنية الوطنية التقليدية، وقد لمع في كل مجال منها شعراء، واشهرهم زاهد محمد وهلال عاصم وسيف الدين الولائي وعدنان السوداني وجبوري النجار،حيث ترك بصمة واضحة في أغنية الوطنية مثال ذلك- أراضي العز غناها جواد وادي،- خليلي غناها عباس جميل- هيه تدري غناها رضا علي - تحية غريب غناها حضيري ابو عزيز - بالهور غناها عبد الواحد جمعه والمطربة مائدة نزهت غنت: ماأجملك ياكون بسمات الشمس تزهي بروابي بلادنا والنور ع الوادي بدى محلاه وكحل عيون أولادنا وذاتها غنت رائعة أنا العراق علاء كامل.. الملحنين، أحمد الخليل،سمير البغدادي وعلاء كامل ومحمد نوشي ومحمد كريم وفاروق هلال وناظم نعيم،يخلد الكثير منهم في ذاكرة الوطنيين العراقيين بكل إجلال وإعتزاز، ليس لشيء،سوى لأنهم منحوا الشعب من عصارة أرواحهم روح الحب والغيرة على ثورة سيظل التاريخ العراقي يذكرها بمزيد التقدير والإكبار، على الأقل لأنها أرخت لحقبة جديدة من عمر هذا الوطن، رغم كل التفسيرات والاستنتاجات المتأخرة.

 

عبد الخالق الفلاح

 

 

عمار عبدالكريم البغداديأخبريني يا شهرزاد هل تعرفين هدفا في الحياة أسمى من انتشال إنسان غارق في ظلمات العداوة والكراهية الى أرض المحبة والعطاء من جديد؟

- حقا إنها رسالة إنسانية عظيمة، وهنيئا لمن إستطاع أن ينجح في تحقيقها ولو لمرة واحدة في حياته، لكنني أسأل هنا عن حالة أعتقد أن جذورها مرتبطة بالعدوانية، وأعني السادية بمفهوم الرغبة بإلحاق الأذى الجسدي بإنسان آخر او التحكم فيه، كأنه يتخذه عبدا مملوكا له؟

شهريار: نعم .. السادية تتخذ أشكالا متعددة فمنها مايعني الرغبة بالحاق الضرر الجسدي، والمفهوم العام لها يدخل حيز الإنحراف الجنسي لدى الرجل في إساءته للمراة، لكنها تتجسد بشكل أعمق حينما يتمكن أحد الساديين من إلحاق الأذى بمخلوق سواءً كان إنسانا أو حيوانا، ويجبره على تحمل الألم والإنصياع لأوامره. ويذكر لنا آيريش فروم أن السادية أنواع: فمنها السادية الدافئة العاطفية التي تتجسد بشكل واضح في تحكم بعض المعلمين بتلاميذهم، أو مدراء بمرؤوسيهم من دون أن تلحق آذى جسديا بهم، لكنه يؤكد أن السادية الباردة هي أكثر الأنواع انتشارا وهي ليست عاطفية وليس لها علاقة بالناحية الجنسية،انما لها الحالة المميزة نفسها للسادية الجنسية الناعمة،ويبقى هدفها النهائي هو التحكم، أي فرض كامل السيطرة على شخص آخر بشكل كلي ليطيع ويكون في قبضة اليد، كما عجينة الطين في قبضة صانع الفخار .

وكما هو معلوم ياشهرزاد فإن الضرر التي تحققه السادية الباردة هو ضرر نفسي وليس جسدي، اذ أن السادي يقيد حرية أحدهم، بل إنه يخالفه في كل رأي،ويجبره على السير بالإتجاه الآخر، ولا نريد هنا أن نتحدث عمّا يسمى بالسادية النافعة التي تغدق النصح المفيد على الأبناء والبنات والطالب الخلوق، وغيرهم من فئات المجتمع التي تحتاجة الى تقويم عام بسبب قلة خبرتها في الحياة .

إن السادية الباردة عامة ناشئة من تعلق غالبية الناس بحب السيطرة،ولو بابسط أشكالها،وذلك لأسباب بعضها يتعلق بالعدوانية، كما ذكرتِ أنتِ،للشعور بالذات المفقودة، او كشكل من أشكال الإنتقام من الماضي بضحية حاضرة، أمّا الأسباب الأخرى التي تصنع غالبية الساديين برأيي، فهي حصيلة إفتقادهم لقدرة الإقناع وصفات القيادة الحقيقية،لكن أحدهم يجد في المقابل المُنقاد الخنوع الذي يرضا بتحكمه،ويتحمل ألم السيطرة العمياء، بل إنه يشعر بمتعة الألم،ويرضى بالفشل والإهانة، أو التحقير أو الإيذاء اللفظي أو البدني على يد السادي، وهو يكرر هذا السلوك بشكل شبه قهري، ويجد لذة خفية في ذلك،فهو يعشق دور الضحية والمظلوم والمقهور والمُعَذَب، وهذا هو مايسمه علماء النفس بالمازوخية العامة او المازوخية الأخلاقية.

وعلى أختلاف الأسباب الموجبة للسادية الباردة فإن أصحابها لا يحملون قلوبا طيبة في صدورهم، وهم لا يقلون ضراوة عن المتكبرين والمتجبرين، وإنْ انحسرت دائرة تاثيرهم السلبية، ونجدها بصورة جليّة في الطبقة البيروقراطية المطبقة للقانون بحذافيره، وهم بطريقة ما متَحكمِون ومُتَحَكّمٌ بهم، فهم في غاية الطاعة لرؤسائهم، ولايشعرون بالراحة إلا بتطبيق كل صغيرة وكبيرة تصدر عن السادي الأكبر،بل إنهم يتجاوزون مبدأ (القانون والقانون فقط) ليظهروا الولاء لـ(سيد القانون)، بهذا الأسلوب يتخلصون آنياً من حالة الإضطراب الدائمة في مواجهة خطر الحياة، والناس عندهم مقابل القانون مجرد أشياء عليها الإنصياع لإرادة التحكم القهرية التي يمثلها (المازخوي) ليتحول بين لحظة وأخرى الى السادي الأصغر المتحكم بالمواطن البسيط الذي تعذر عليه العبور من على خطوط المرور يوم نسي نظارته في المنزل، واستطاع بإعجوبة أن يسلك طريقه بين عدة مركبات متباعدة، لكن منبه مركبة أحد المتعجرفين أيقظ البيروقراطية لدى ضابط المرور المازاوخي الذي ترك مكتبه ومعاملات المراجعين،ورضخ لأوامر السادي الكبير، وناب عنه بالوقوف في إحدى إشارات المرور بحركة إستعراضية ساعة مرور موكب الوزير.. لم يأتِ الوزير، وتعسر على صاحبنا أن يكون مثلا يقتدى للمازوخية، وانتفخت أوداجه، وعادت إليه حالة الإضطراب والخوف، وكان منبه مركبة المتعجرف لحظة التحول والفرج، في تلك اللحظة تحديدا عادت إليه معالم السادية الباردة، وانطلق نحو الرجل المسن متسلحا بـ(القانون والقانون فقط)، الرجل تعذّر كثيرا من صاحب الوجه المتجهم، وشرح مرارا سبب مخالفته للقانون لكنه أصر على الحاق الأذى المعنوي به ليشعر بالسيطرة والتحكم، حمله معه في سيارة الدورية الى موقف المديرية، ورمى به خلف القضبان قبل أن يطلق قاضي التحقيق سراحه بكفالة مالية .

هؤلاء ياشهرزاد طبقة متسلطة ومحكومة في الوقت ذاته تحت عباءة القانون،وهم يتنفسون حب السيطرة كالمحتضر ساعة نزع الروح، ويرتعد أحدهم في أحوال السكون، ويفضل الموت على كسر روتين البيروقراطية، فهي عالمه الوحيد والبعيد عن عالم الأحياء .

شهرزاد: أخيرا أقررتَ بصعوبة الحال لعلاج من وصفتهم بالمحتضرين، والمحتضر كما تعمل لاينفعه دواء.

- لن أعترض على ماتقولين لكنني سأضرب لك في المرة المقبلة مثلا حيا لعلاج أحدهم .

 

بقلم: عمار عبد الكريم البغدادي

........................

* من وحي شهريار وشهرزاد (18)

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

 

يستمر الأديب جميل السلحوت في سلسلة محاربة الجهل والتخلف، وبعض العادات والتقاليد التي كانت سببا في ترسيخ مفاهيم سلبية أثرت على استقرار الأسر الفلسطينية وسعادتها، هذا التأثير من شأنه أن ينشئ أجيالا مهتزة الشخصية توثر في خلخلة بناء المجتمع، ومن هنا أتت أهمية روايات السلحوت التي منها: الخاصرة الرخوة، والمطلقة والآن اليتيمة.

 أتت رواية اليتيمة لتكمل السلسلة واللافت في رواية اليتيمة أن الأديب تناول الرواية من ناحية عاطفية، حيث أن أحداث الرواية تدور حول عبير اليتيمة التي توفي والدها وأخواها في حادث سير، وتعيش برعاية جدها أبو نعمان ووالدتها لبنى وأخاها عزيز، هذه اليتيمة المتفوقة في المدرسة، آثرت زواج آخاها عزيز على دراستها وقدمت له المنحة التي حظيت بها من معلماتها.

 ضحّت عبير لأجل عزيز بالمقابل قصّر عزيز، ولم يكن أخاً يعتمد عليه، لم يقف معها يسندها إلى أن وقعت ضحية زوج مريض، يعاني من اضطرابات نفسية، عانت معه الأمرين.

2641 اليتيمة للسلحوت

تتحدث شخصيات الرواية بتلقائية روحية تجعل القارئ يألف تلك الشخصيات، ويجسدها في فكره، شخصيات بسيطة تتناول الأحداث بسلاسة، تلك الشخصيات التي يقبلها القارئ، تتطور في فكرة فيرفض كل ظلم وتخلف تقود إليه.

 في بداية الرواية عبير صبية فائقة الجمال متفوقة في دراستها تنتظر فرحة النجاح، وفي نهاية الرواية عبير زوجة مسلوبة الإرادة تقف تنتظر الطلاق وعلى يدها طفلها، الذي ستربيه بلا أب ولم تبلغ العشرين بعد، وبين البداية والنهاية حاور الكاتب نفوسنا وأتى على عيوب عاداتنا وتقاليدنا، وبيّن كم يسهم المجتمع في ظلم الأنثى، ويفرق بينها وبين الذكر، همس الكاتب بعتاب مبطن يقول: كفى تخلفا.

شخصية عبير ليست ضعيفة أو مهزوزة أو منكسرة لِتُلقى بين ليلة وضحاها في حضن زوج لا تعرف عنه شيئا، لقد قبلت عبير أن تعيش دور الزوجة المقهورة، لا يَظهر أنها حاولت تغيير ساكن لأجل أن تنجح حياتها الزوجية، فقط عاشت حسب المطلوب منها، زوجة تقليدية مخلصة، صحيح أن تلك الصورة جميلة في حفظ البيوت، لكنها صورة مشوهة، عبير أوصدت باب بيتها على قهرها، ورضيت به إلى آخر رمق، وكل ذلك لم يجدِ، ففي النهاية تركها مهيب يتركها وذهب، هي شخصية رغم جمالها وتفوقها في دراستها، لا تستغل ذكاءها لتغير واقعها، استسلمت ولم تكمل تعليمها الجامعي، واستسلمت لزوج مريض، هي ضحية نفسها أولا، وضحية أخيها الذي لم يكن له دور إلى جانبها في الرواية، وضحية جدها الذي رأى الظلم يقع عليها مرة إثر مرة ولم يحرك ساكنا، وضحية والدتها كذلك التي تعتبر المشاكل العائلية أسرار بيت  يجب ألّا تخرج، وعلى الزوجة القبول والتسليم لكل أمر يواجهها في بيتها، ويعترض سكينتها وسعادتها.

جميعهم أنكروا الشكوك، غرهم وسامة مهيب وتعليمه، ودفعوا ابنتهم لقبول الحياة القاسية ولم يعلموها ما هي حقوقها كزوجة.

وكم من بناتنا يشبهن عبير! لبؤة في حجر فأر.

تضيق عليها الدنيا، وتنقطع أنفاسها ولا أحد يسمعها، باسم القدر والنصيب والعادات والتقاليد تُقتل بناتنا بصمت، ويُرغمن على إكمال حياتهن بلا حياة، يصبحن ضحية وينجبن ضحايا، وإن تكلمن وقعن في المحظور.

قتل بطيء لا يُسمعه المارة، بكاتم صوت، رصاصة تُدّك باسم الحب والزواج وتمضي، فعليا تتوقف الحياة تماما.

ابن عبير شاهد على الجريمة، ضحية الضحية.

حاور الأديب جميل السلحوت أرواحنا بقلمة الجريء، ونظرته العميقة، مستخدما أدلة من القرآن الكريم، ومجموعة من الأمثال الشعبية منتقاة لتناسب الأحداث، معرجا على الأقصى بجماله ورونقه، ذاكرا بعض الأماكن التي يحن القارئ لزيارتها مثل: جبل المشارف عين سلوان التحتا والفوقا وبئر أيّوب.

يذكر أن الرواية صدرت عن مكتبة كل شيء في حيفا، وتقع في 260 صفحة، من تصميم شربل الياس، أمّا لوحة الغلاف فهي للفنّان محمد نصرالله.

 

الأديبة: إسراء عبوشي

 

احمد عزت سليماعتبر بعض العلماء مثل سي سو كارتر وستيفن دبليو بورجز فى دراستهما عن "كيمياء الحيوية للحب: فرضية الأوكسيتوسين" أن الحب حبا بيولوجيا وأن ينتتشر فى كل حياتنا وبتاثير عميق على الحالة العقلية والجسدية، وأن "كسر القلب" أو فشل العلاقة يمكن أن يكون له آثار كارثية؛ وأن الفجيعة تعطل فسيولوجيا الإنسان وقد تؤدي إلى الوفاة، وأنه بدون علاقات حب، يفشل البشر في الازدهار، حتى لو تم تلبية جميع احتياجاتهم الأساسية الأخرى، وبناء على ذلك، من الواضح أن الحب ليس "مجرد" عاطفة؛ إنها عملية بيولوجية ديناميكية وثنائية الاتجاه في أبعاد متعددة. التفاعلات الاجتماعية بين الأفراد، على سبيل المثال، تؤدي إلى عمليات إدراكية وفسيولوجية تؤثر على الحالات العاطفية والعقلية، وبدورها، تؤثر هذه التغييرات على التفاعلات الاجتماعية المستقبلية وبالمثل، تتطلب المحافظة على العلاقات المحبة ردود فعل مستمرة من خلال النظم الحسية والمعرفية؛ يسعى الجسم إلى الحب ويستجيب باستمرار للتفاعل مع أحبائهم أو لعدم وجود مثل هذا التفاعل، وأن الحب الإنساني أكثر تعقيدًا من آليات التغذية الراجعة البسيطة فالحب قد يخلق واقعه الخاص .

تنشأ بيولوجيا الحب في الأجزاء البدائية من الدماغ - وهي القلب العاطفي للجهاز العصبي البشري - التي تطورت قبل وقت طويل من القشرة الدماغية . إن دماغ الإنسان "في الحب" تغمره الأحاسيس، التي تنتقل في كثير من الأحيان عن طريق العصب المبهم، مما يخلق الكثير مما نختبره كمشاعر، تكافح القشرة الحديثة لتفسير الرسائل الأولية للحب، وتنسج رواية حول التجارب الحشوية الواردة، والتي قد تتفاعل مع تلك القصة بدلاً من الواقع، وتعتبر قضية الدور الرئيسي للأوكسيتوسين في الحب قوية، ولكن حتى وقت قريب كان يعتمد إلى حد كبير على الاستقراء من البحوث حول سلوك الوالدين أو السلوكيات الاجتماعية في الحيوانات ومع ذلك، فقد أظهرت التجارب التي أجريت على البشر أن إيصال الأوكسيتوسين عبر الأنف يمكن أن يسهل السلوكيات الاجتماعية، بما في ذلك الاتصال بالعين والإدراك الاجتماعي وهى السلوكيات التي تقع في قلب الحب، والأوكسيتوسين ليس المكافئ الجزيئي للحب إنه مجرد مكون مهم في نظام كيميائي عصبي معقد يسمح للجسم بالتكيف مع المواقف شديدة الانفعال، وتشمل الأنظمة اللازمة للتفاعلات الاجتماعية المتبادلة شبكات عصبية واسعة من خلال الدماغ والجهاز العصبي اللاإرادي التي تتسم بالديناميكية وتتغير باستمرار أثناء حياة الفرد كما أن خصائص الأوكسيتوسين ليست محددة مسبقًا أو ثابتة حيث يتم تنظيم مستقبلات الأوكسيتوسين الخلوية بواسطة هرمونات أخرى وعوامل جينية، وهذه المستقبلات تتغير وتتكيف مع تجارب الحياة، كل من الأوكسيتوسين وتجربة الحب تتغير مع مرور الوقت، على الرغم من القيود، أثبتت المعرفة الجديدة لخصائص الأوكسيتوسين أنها مفيدة في شرح العديد من الملامح الغامضة للحب . ورأى العديد من العلماء أن أن تكون في الحب يعني أن الجسم يبدأ سلسلة كاملة من العمليات الكيميائية الحيوية حيث يتم توجيه مسرحية "الحب" الخاصة بك عن طريق هذه الهرمونات فهو "هرمون الحب" الأكثر أهمية. في البحوث الكيميائية العصبية، حيث يرتبط الأوكسيتوسين بمشاعر مختلفة، بما في ذلك الحب والثقة على سبيل المثال، تؤدي المداعبة الجلدية إلى إطلاق الهرمون الذي يضمن الشعور بالراحة وبالتالي يقوي الرابطة مع الشريك الذي يثير هذا الشعور بالراحة . بالإضافة إلى ذلك، وله تأثير يعزز المتعة. خلال النشوة الجنسية، يتم زيادة إفراز الهرمون بشكل كبير . بعد صنع الحب، يضمن مستوى الأوكسيتوسين العالي الاسترخاء العميق والتعب ومن المفترض أن هذا الهرمون مسؤول أيضًا عن العلاقة الحميمة للزوجين حي، ويستخدم أيضًا في زيادة الجرعات عند الولادة موزع ومسؤول بشكل مشترك عن العلاقة العاطفية للأم مع طفلك، وقد حدد علم النفس فى دراسة ل د. جوليا كلينكوش نشرتها بوابة الصحة الألمانية ستة أنماط نموذجية على أساس معايير مختلفة لمراحل الشراكة فى الحب والسعادة وحيث تزداد جودة الشراكة - وبالتالي تعيش أكثر سعادة وصحة وتتمثل المراحل في:

المرحلة الأولى: طازجة في الحب والتحرك معا بسرعة لرؤية وتعامل الزوجين لبعضهما البعض.

المرحلة الثانية: التعرف على بعضهم البعض بشكل صحيح والتحدث وبنظرة فاحصة صريحة معا .

المرحلة الثالثة: قبول الخصوصيات وحيث لا أحد يستطيع تغيير شخص بالغ وأن تكون قادرًا على قبولها وحبها كما هو / هي، وإعادة التفكير في أفكارك الخاصة وربما تعديلها والتعامل مع خصوصيات بعضهم البعض وتفضيلاتهم على المدى الطويل .

المرحلة الرابعة: اتخاذ القرار الصحيح بمعرفة موضوعية ل هل تتطابق خطة الحياة مع أهم النقاط؟ هل نحن نحب بعضنا البعض؟ هل يمكن أن نجادل جيدًا، هل يمكن للجميع الاستسلام وهل نتصالح في كل مرة بشكل صحيح؟ إذا سارت الأمور على ما يرام، يقول الشريكان الآن "نعم" لبعضهما البعض ويقرران الزواج .

المرحلة الخامسة: إتقان الحياة اليومية بداية من الأطفال، والعلاقة الوظيفية، وتخصيص الأدوار، والحياة اليومية والروتينية والتعامل مع جميع المشكلات بشكل علني وزرع علاقتك بتذكر البداية الرائعة، دلل نفسك معا بعطلة نهاية أسبوع .

المرحلة السادسة: الاستقرار والسعادة بأن لا تنسى أن الشراكة الجيدة يجب أن تزرع أيضًا بإستمرار معا .

وأكدت الدراسة لإستمرارية الحب والسعادة لابد من ألا تدع الحياة اليومية تخيف الحب وأن تظهر لشريكك الجانب الأفضل، كما أن المراوغات العاطفية والجمالية تأتي للضوء في الحياة اليومية وضرورة التحدث مع بعضهم البعض واحترام احتياجات بعضهم البعض وأن تجعل من حبيبتك الشوكولاتة المفضلة لديك - أو دون تذمر - شاهد فيلم شريكك المفضل وكل من يهتم يظهر أنه يحترم احتياجات الشريك والاحترام هو أساس مهم للحب، ولا تضيق على شريكك فهذا يضر الحب فكل علاقة تحتاج إلى الفضاء للتفرد لفعل شيئ بمفرده، وأكدت الدراسة على أن الأزواج الذين يفعلون كل شيء معًا يواجهون خطر الانفصال بشكل أسرع لأنه إذا واجهت كل شيء معًا، فلن يتبقى لك شيء تخبر شريكك به" ومن المهم أن يتمتع كل واحد منكما بحرية في العلاقة ويجب ألا تخفي أي شيء عن شريكك سترى أنه يستمتع باكتشاف جوانب غير معروفة لك وسيحافظ على حبك جديدًا، وأكدت أن الغيرة المرضية تهدد كل علاقة للحب والسعادة ومع أن الغيرة جزء من الحب فإنها تؤثر عليه فيمكن أن تكون الغيرة الطفيفة حافزًا لك لمحاولة بذل جهد أكبر لشريكك مرة أخرى، لأن الغيرة تظهر لك أنك تحب شريك حياتك، ولكن الغيرة كمرض وتؤدى إلى سلوكيات تهدد علاقة الحب الدائمة فإذا كان لديك شريك غيور بشكل مرضي، فتحدث معه حول المشكلة وأوضح أنك تحبه / لا تقبل الغيرة وفي معظم الحالات، تفتح الأبواب لأن الغيرة تعرف سلوكك وترغب في وضع حد له وادعم شريكك في العلاج وساعد في تعزيز احترام الذات، والاحترام والصداقة أساس لبقاء الحب ويجب أن يكون لهما الإستمرار حتى لو تم الإنفصال وأن إحترام ذلك وإستمراريته بمعاملة عادلة ومحترمة فسيحتفظ لاحقًا بالذاكرة في ذاكرة إيجابية ويكون هناك أمل فى العودة .

 

بقلم: أحمد عزت سليم

عضو إتحاد كتاب مصر

 

جميل حسين الساعديفي السابع من تشرين الأول للعام 1959 جرت محاولة اغتيال للقائد الوطني الزعيم عبد الكريم قاسم، في رأس القرية ( شارع الرشيد) أصيب على أثرها بجراح، وتمّ نقله الى مستشفى دار السلام الكائن في شارع 52، وقد زاره وقتها شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري، وألقى على مسامعه هذه القصيدة، التي أحتفظ بنسخة  منها طبق الأصل، منذ أن كنت شابا يافعا، وهذه هي المرة الأولى، التي ينشر فيها النص الأصلي  للقصيدة، أما ما نشر حتى الآن منها فهو بعيد بعض الشئ عن روح النص الأصلي فقد حذفت بعض الأبيات وأضيفت أخرى وحوّرت بعض الكلمات، حتى أنّ أسم الزعيم عبد الكريم لم يرد فيها .

 لقد تنبأ الشاعر بما سيحدث للزعيم  في مقتبل الأيام، اذا لم يستخدم الحزم والردع مع مع من يحيكون الدسائس والمؤمرات ليل نهار خدمة للأجنبي ومخططاته لإيقاف مسيرة التقدم والبناء في العراق، التي كان رائدها وراعيها،وفعلا صدقت نبؤة الشاعر، فقد تمّ قتل القائد الوطني عبد الكريم قاسم في 8 شباط إثر انقلاب عسكري دموي، القائد الذي أصدر قانون رقم 80 لتأميم النفط، وقانون الإصلاح الزراعي، وقانون المساءلة : من أين لك هذا ؟ والكثير من القوانين، التي حسّنت من واقع الطبقات الفقيرة والمحرومة، التي خاطبها مرة َ واصفا أوضاعها بأبلغ وأصدق كلام في احدى خطبه، حيث قال : وإنّ حال الواحد منكم كحال الإعرابي، الذي وصف حاله بهذا البيت من الشعر

ولي ثيــابٌ رثــــاثٌ لســتُ أغسلـــــها

أخافُ أغسلهـــا تجــــري مع المـــــاءِ

2638 الجواهري وعبد الكريم قاسم

الجواهري يزور عبد الكريم في مستشفى دار السلام بعد تعرضه لمحاولة اغتيال في رأس القرية

أمّا عن جريمة قصر الرحاب، التي راح ضحيتها الملك وعائلته، ولم يسلم منها جتى الخدم والطباخون والعاملون في القصر، فلم يكنْ للزعيم يدٌ فيها، بل كانت نتيجة تصرّف فردي قام به النقيب عبد الستار سبع العبوسي، الذي أطلق الرصاص على العائلة المالكة، والتي أعلنت استعدادها لمغادرة البلاد امتثالا لأوامر الأمير عبدالله، الذي طلب من الحرس الملكي بعدم اطلاق النار على المهاجمين. كانت جريمة نكراء لا تُغتفر، يندى لها جبين الإنسانية . تلك الجريمة المروعة حدثت بدون علم عبد الكريم ورفاقه، وقد أبدى الجميع أسفهم وحزنهم لدى سماعهم الخبر.

 قصيدة تحرّك اللحد

للشاعر محمد مهدي الجواهري

كِلُوا إلى الغَيبِ ما يأتي به القَدَرُ

                واستَقبلوا يومَكُمْ بالعزمِ وابتدروا

وصَدِّقُوا مُخْبِراً عن حُسْنِ مُنْقلَبٍ

                وآزِرُوه عسى أنْ يَصْدُقَ الخَبَرُ

لا تَتْرُكوا اليأسَ يَلقى في نُفوسكم

                لَه مَدَبَّاً ولا يأخُذْكُمُ الخَوَر

إنَّ الوساوِسَ إنْ رامَتْ مَسارِبَها

                سَدَّ الطريقَ عليها الحازِمُ الحَذِر

تَذكَّروا أمس واستوُحوا مَساوئهُ

                فقدْ تكونُ لَكُمْ في طَيَّه عِبَر

مُدُّوا جَماجِمَكمْ جِسراً إلى أملٍ

                تُحاوِلونَ وشُقُوا الدربَ واخْتَصِروا

وأجمِعوا امرَكُم يَنْهَضْ بسعيِكُمُ

                شَعبٌ إلى هِمَمِ الساعينَ مُفْتَقِر

إنَّ الشبابَ سِنادُ المُلْكِ يَعضُدُهُ

                أيّامَ تُوحِدُهُ الأرزَاءُ والغِيَــــــر

أتتْكُمُ زُمرةٌ تحدو عزائِمَها

                ما خَلَّفت قَبلها من سيّيءٍ زُمَر

ألفتْ على كلِّ شبرٍ من مَسالكها

                يلوحُ مما جَنى أسلافُها أثــــر

مُهمةٌ عظُمت عن انْ يقوم بِها

                فردٌ وأن يتحدَّى امرَها نفــــر

ما إن لكُم غيرَهُ يومٌ فلا تَهنوا

                وقـــــد أتتكم بما تخشونه نُذُر

طالتْ عَمايةُ ليلٍ ران كَلْكَلُه

                على البلادِ وإنَّ الصُبْحَ يُنتظر

وإنما الصُبحُ بالأعمال زاهيةً

                لا الوعدُ يُغري ولا الأقوالُ تنتَشِر

وأنتَ عبد الكريم الفذّ من لهجـتْ

                بما جَسرتَ عليه البدوُ والحضر

الكابتُ النفسَ أزماناً على حنَقٍ

                حتى طغى فرأينا كيفَ ينفجر

والضاربُ الضربةَ الأولى لصَدمتِها

                لحمُ العُلوج على الأقدام ينتثر

هل ادَّخرتَ لهذا اليوم إهبَته

                أم أنت بالأجل الممتَّدِ مُعتذر

أقدَمتَ إقدامَ من لا الخوفُ يمنَعُهُ

                ولا يُنَهنِهُ مِن تَصميمهِ الخطر

وحَسْبُ امرِك توفيقاً وتوطئةً

                أنَّ الطُغاةَ على الأعقابِ تَندحر

دبَّرتَ أعظمَ تدبيرٍ وأحسنَه

                تُتلى مآثِرُهُ عُمـــــــــراً وتُدَّكر

فهل تُحاوِل ان تُلقي نتائِجه

                يأتي القضاءُ بها أو يَذْهب القَدَر

وهل يَسُرُك قولُ المُصطلين به

                والمُستغِلين أنَّ الأمرَ مبتَسَر

وأنَّ كُلَّ الذي قد كانَ عِندَهم

                على التبدل في الأسماءِ مُقْتَصر

وهل يَسُرُك أن تخفي الحُجُولُ به

                ما دامَ قد لاحتِ الأوضاحُ والغُرَر

أُعيذُ تلك الخُطى جَبَّارةً صُعِقَت

                لها الطواغيتُ وارتجَّت لها السُرُر

أنْ يَعتري وقْعَها من رَبكةٍ زَللٌ

                أو أن يثبِّط من إقدامها الحَذَر

ماذا تُريد وسيفٌ صارِمٌ ذَكرٌ  

              يحمي الثغورَ و أنتَ الحيَّة الذَكر

والجيشُ خلفَك يُمضي مِن عزيمتهِ

                فَرطُ الحماسِ ويُذكيها فتَستعِر

أقدِمْ فأنتَ على الإقدامِ مُنطَبِعٌ

                وأبطُشْ فأنت على التنكيل مُقتدر

وثِقْ بأن البلادَ اليومَ أجمعَها

                لما تُرجيِّه مِن مسعاك تَنتظِر

عبد الكريم وما الإلهــام معجـزة

                حتّى النبيّــون في إلهامهم بشـرُ

قدْ أقرأُ الغيبَ لمْ يخصصْ بهِ أحدٌ

                وقدْ أقولُ الذي من أمسِ يُدّخرُ

إنَّ الرؤوسَ التي أبقيتَ جمّعهـــا

                في الأربعاءِ برأسِ القريّةِ القـدرُ

لا تُبقِ دابِرَ أقوامٍ وتَرْتَهم

                فَهم إذا وَجدوها فُرصَةً ثأروا

هُناك تنتظِرُ الأحرارَ مَجزرةٌ

                شنعاءُ سوداءُ لا تُبقي ولا تَذَر

وثَمَّ شِرذِمةٌ الفَتْ لها حُجُباً

                من طُولِ صَفحٍ وعَفوٍ فهي تَستَتر

إنّي أُصارِحك التعبيرَ مُجترئاً

                وما الصريحُ بذي ذَنبٍ فَيعتذر

إن السماءَ التي ابديتَ رَونَقها

                يومَ الخميس بدا في وَجهها كَدَر

تَهامَسَ النفَرُ الباكون عَهدَهُم

                أن سوفَ يرجِعُ ماضيهم فَيزدِهر

تَجري الأحاديثُ نكراءً كعادتِها

                ولم يُرَعْ سامرٌ مِنهُم ولا سمر

فحاسبِ القومَ عن كلِّ الذي اجترحوا

                عما أراقوا وما اغتلوا وما احْتَكروا

للآن لمْ يُلغَ شبرٌ من مَزارعِهم

                ولا تَزحزح مّمِا شيَّدوا حَجر

ولم يزل لهمُ في كلِّ زاويةٍ

                مُنوِّهٌ بمخازيهم ومُفَتخر

وتلكَ لِلحرَّ مأساةٌ مُهيَّجةٌ

                يَدمى ويدمعُ منها القلبُ والبصَر

فضيِّقِ الحبلَ واشدُدْ مِن خناقِهُمُ

                فَربَّما كانَ في إرخائه ضَرر

ولا تَقُلْ تِرَةٌ تبقى حَزازتُها

                فَهُمْ على أيِّ حالٍ كُنتَ قد وُتِروا

تَصوَّرِ الأمرَ معكوساً وخُذْ مَثَلاً

                مما يَجرُّونه لو أنهم ظفــــروا

أكانَ للرِفِقِ ذِكرٌ في مَعاجِمهمْ 

                  أمْ عنْ كريـــمٍ وأخوانٍ لهُ غفروا

تالله لاقتِيدَ "زيدٌ " باسم " زائدةٍ"

           ولأصطلى " عامرٌ " والمبتغى " عُمَر"

ولا نمحى كلُ رَسمٍ من مَعالمكُم

                ولاشتَفَتْ بِكُم الآثـــارُ والسِيَـــــر

ولا تزالُ لهم في ذاكَ مأرُبَةٌ

                ولا يزالُ لهم في أخذِكُم وطَـــــر

أصبحتُ أحذرُ قولَ الناسِ عن أسفٍ

                من أن يروا تِلكمُ الآمالَ تَندَثِـــــر

تَحرَّكَ الَلحدُ وانشقَّت مُجدَّدةً

                أكفانُ قَومٍ ظنَّنا أنَّهـــــم قُبِــــروا

              ***

جميل حسين الساعدي