سامي عبد العالفي المجتمعات الأقل ديمقراطيةً كحال مجتمعاتنا العربية (وإزاء فشل "الاستعمال العمومي للعقل" لو أوردنا كلمات كانط)، ثمة أسئلةٌ مزعجةٌ: هل (يَغيبُ) المجال العام على غرار غياب أي شيء آخر أم أنه (يُغيَّب) بفعل فاعل هو نحن؟! أليس المجالُ العام  Public sphereعمليةً تاريخيةً تستوعبُ طاقات المجتمع، وبالتالي يبقى فضاءً مفتوحاً لا ينتهي؟ وهل فعل التغييب (من الغياب) يجري تحت عناوين أخرى بمسماه أم أنَّه مسارٌ يُخطِّئ أهدافه؟!

يرتبط المجال العام بكافة جوانب المجتمع وتحولاته (تراثاً وحاضراً ومستقبلاً)، بل لعلّه هو المجتمع ذاته حين يجسدُ قيم التواصل والإختلاف والتكوين العمومي للفكر والحرية والتجارب السياسية والاجتماعية. إنه ممارسة كلية لما هو خارج ذواتنا وفقاً لآليات حرةٍ (أو هكذا ينبغي أنْ يكون). ويمثل هذا المجال الدائرةَ الأوسع دائماً من جميع خطوط الأفعال الفردية الخاصة، بحيث يكون مجسّاً لسبر غور قدارتنا العامة على التعايش معاً وانتاج (الوجود المشترك) الذي لا يخصُ فرداً أو جماعة بعينها قدر ما يخص  كيان الأفراد إجمالاً دون تفرقة.

 الأسئلةُ الفائتة مهمةٌ لثلاثة أسبابٍ تتطلب تحليلاً مختلفاً.

أولاً: هي أسئلةً كاشفة لأساليب تغييب المجال العام في دول غير ناضجةٍ سياسياً واجتماعياً. ونحن نعرف أنَّ المجتمعات الشرقية ما برحت في طريق التحول والتطور. وأنَّ معيار صلاحية الدول ليس بتواجدها على خريطةٍ جغرافيةٍ ملَّونة تحت أنظار القراء ومخابرات الدول الأجنبية وتحت أعين أطفال الروضة والمدارس(1)!! لكن تصبح الدول كذلك، نتيجة قدرات المجال العام على بناء وعي أفرادها وفقاً لأفعال سياسيةٍ تحرز حقوقهم الإنسانية وتقبل الاختلاف وتدير التنوع الخلاَّق.

ثانياً :تُلقي هذه الأسئلة الضوء على أنَّ غياب المجال العام لا يأتي بسيطاً، لكنه وفق قانون تكويني يسبب خلَّلاً للممارسات العامة وينتج عن ضعف السياسات العقلانية التي تغذيها. أي أنَّ تكوينات أخرى (كآثار جانبية) تضيِّع الوزن النوعي للمجال العام لابد أنْ تلتهم بعض قدراته لصالحها. لأنَّ أية " أورام عمومية خبيثة " في شكل مذاهب شاملة أو أنظمة ديكتاتورية مستبدة أو دجمائيات غائية teleological dogmas   ستمتص غذائها مما يُفترض أنْ يكون غذاءً عاماً لطاقات العمل والتفكير الحر.

لو تخيلنا المجال العام جسداً سياسياً political body وربما هو كذلك بمعناه الرمزي (كموضوع للرغبة في الالتقاء مع الآخر)، فإنَّ آلامه المبرحة ليست بسبب علل مجهولة المصدر والهوية، إنما نتيجة فيروسات نبتت من أحشائه الحية وتورمت على حسابه وتعيش داخله. والعكس فإنَّ صحة الدولة والمجتمع تتوقف على أن يتحرر هذا الجسد من قيوده وأنّ يتسع للجميع، والأهم أنْ يُوقِّظ ويقوّي مناعته الكلية القاضية على (الطفيليات السياسية) كلما هاجمت قواه الحيوية لصالح جميع الناس والأفكار والأطياف دون استثناء.

وفي هذا الاتجاه، رأى يورجين هابرماس أنَّ المجال العام بمثابة كلّ أفق إجمالي لحياتنا الاجتماعية إذ تتشكل داخله آراء وتصورات وأفعال عامة لجميع المواطنين، وأنَّ هذه الأشياء تتبلور على هيئة نظام يستجيب لمتطلبات الأفراد آخذين خلاله بالحوار والتفاعل الدافعين للتواصل على أساس عقلاني لصالح الجميع، ومن هناك كانت تتحدد شروط نشأة الأنظمة السياسية والدول (2).

ثالثاً: تبرز الأسئلة حيوية المجال العام وكيف يتم تدعيمه تاريخياً حتى لا يُخترق طوال الوقت، فالشيء الذي يغيب ثم يسبب غيابه تشويش الممارسات كما نرى في الدول الأدنى تقدماً إنما هو شيء مهم بالسالب. أي تأتي أهميته بالمعكوس ليثبت كم هو خطير(كموضع لاستفهام دائم) إن كان غائباً فما بالنا إذا كان موجوداً.

هكذا من أقرب الطرق كي تجدد مناعتها، تسير حيويةُ المجال العام وفقاً لمنطق: لا …. ولاNeither .… Nor  ، أي: أنَّه مجال ليس خاصاً ولا ذاتياً كما نمارس حياتنا الشخصية، ولا يجري طبقاً لاحتكار النافذين اجتماعياً فرصَ الحياة المشتركة. أيضاً هو لا يفترض أية إمكانية للهيمنة عليه مثلما لا يقبل الاحتواء الأحادي حزبياً أو لاهوتياً أو أيديولوجيا. وحدُّه المجال العام هو الذي يتحدد بخلاف ما نتوقعه نتيجة رغباتنا شبه الجمعية وغرائزنا المنبثقة عن الأهواء والتصورات المحدودة.

إنَّه فضاء التنوع العمومي نفسه في شكل متداخلٍّ، تتجلى عبره فسيفساء المجتمع دون حذف وبلا إقصاء. حيث يكشف طبيعة الممارسات وكيف تنحرف عن حدوده المفترضة. من ثمَّ فهناك طرح خاطئ لقضايا المجال العام حين نعتبره منحازاً سلفاً لأية قوى غالبة إلى درجة الشيوع.

المجال العام لا ينتمي (بحكم طبيعته وآلياته والعيش داخله) إلى أية دوائر فئويةٍ. لأنَّه مجال عام وكفى، غير قابل للتلوين ولا للانحراف إلاَّ تحت مطرقة السلطة الشموليةِ. والكفاية هي حدٌّ منطقي أكبر من أية حدود أخرى. بالوقت ذاته يحطم أي مجال عام كافة الحواجز لحصره في تلك البقعة السياسية أو هذه الرقعة الاجتماعية أو بخلافهما وإلاَّ لفقد ماهيته، فقد جوهر تعريفه وسماته النوعية.

هل يعني ذلك أننا لا نستطيع الانتماء إلى أيَّة توجهات؟ بالطبع الإجابة هي النفي، فليكن الإنسان منتمياً إلى ما يشاء، سواء أكانت أفكاراً أم مرجعيةً أم رموزاً أم أيديولوجيا، شريطةَ أنْ يمارس وجوده الجمعي اعترافاً للآخرين بالحقوق نفسها، أي هو عندئذ ليس شخصاً ميتافيزيقياً، إنما فرداً في حالة تنوعٍ، هو ترس داخل المجموع،  داخل الكلِّ بالنسبة لاختلاف الرؤى وتباينها.

ههنا يغدو المجال العام وجوداً موضوعياً خارج ذواتنا وداخلها، يغدو أيضاً فعلاً تواصلياً بين الأفراد جميعاً، إنَّه كما يذهب هابرماس أيضاً مرتهن بالعقلانية التي تأخذ مساحتها في الحياة المشتركة. ففي المجتمع البرجوازي، نتج المجال العام عن العلاقات الاقتصادية والتجارية التي خلقت مناخاً مناسباً للتفاعل وتكوين المجتمعات، ثمَّ كان هناك وجود لآليات تسهل حركة السلع بين أطراف الإنتاج والاستهلاك على صعيد واسع(3).

ضمن إطار كهذا، هناك فيروسان خطران على التعايش المشترك بالمعنى السابق: الأصولية والوصولية. وهما يختلفان بحسب المنطلقات الفكرية والسلوكية لكل منهما، فالأولى(الأصولية  fundamentalism (هي عادةً الانحراف الاعتقادي لما يؤمن به الفرد إزاء موضوعات الحياة. ويدخل في هذا الانحراف عدةُ مكونات تضَّخِم بنيته، وهو كالانحراف الجيني الذي يؤدي إلى مخلوق مشوَّه.

1- ترسُخ مركزية الأصول الثابتة، حيث لا تتغير ولا تتبدل. إذ من غير المتصور أنْ تحافظ الأصولية على قوامها دون ثوابت ضد ما هو طارئ ومتباين وقابل للتحول.  المركزية هي العصارة الموروثة، لكنها الحاضرة دفاعاً عن المعتقد بإطلاقٍ حتى الرمق الأخير.

2- وجود سلطة الحقيقة المطلقة. وهي القوة المضافة بفعل امتلاك الحقيقة وتفردها إلى كل ما تعبر عنه.

3- قدرةٌ ذاتيةٌ على تحصين ذاتها والدفاع عنها إزاء أي نقد أو معارضة.

4- التبرير الذاتي، فالأصولية تفرز مبررات ضمنية لكل ما تقوم به من احتكار للحقائق والمعاني(أسْلَّمة العلوم والمعارف كما يتبنى الإسلاميون).

5- هناك الأيديولوجيا وهي التي تُعطي الأصول غلافاً كلياً عصياً على الاختراق، وتوفر ضخاً آلياً للمعاني ودلالات الأفعال.

وبالتالي فالأصولية هي دجما الفكر وفرض الوصاية العنيفة على الآخرين وتبرير المواقف من طرفٍ واحدٍ رغم اختلاف السياق. بهذه المواصفات قد تكون الأصولية واسعة الانتشار في مجالات السياسية والاجتماع والثقافة والتاريخ شريطة تَوافُر العناصر السابقة حول نواة محورية تحقق السمات المفترضة.

لكن يعدُّ الدين أبرز مضمار ينتج أصوليات دينية تواصل عنف الخطاب والأفعال. إن الإرهاب الديني هو تجسيد لتلك النقاط، والأهم أنَّه يقضم رقعة المجال العام كما يقضم الخادم التفاحة. لأن الدين لا يرى سوى ذاته حاكِّماً لمساره الصاعد. وليس هذا فقط بل المؤمنون لا يرون في إيمانهم أية قيمة دون دحْر مخالفيهم في الإعتقاد والمخالفين في المذهب، وأخيراً المخالفين في التنظيم. المتطرفون يرتئون من وراء الأصولية إلتهام فضاء الحرية جزءاً بجزءٍ، ولا يتورعون عن تثبيت أركان ذهنياتهم بقمع الآخرين. لأنَّ كلَّ (أصولية دينيةٍ) إنما لا تجري إلاَّ على أنقاض ما هو عمومي(4).

أي أنَّه لا يوجد متطرف أصولي في ظل الاعتراف بقوة وتأثير المجال العام. لأنَّ الاثنين لا يلتقيان معاً على أرضية واحدةٍ، إنَّ المتطرف ينهب الفرص نهباً لإزاحة أي كائن عمومي. وليست الجماعات الأصولية سوى القبضة الحديدية التي تسدد ضربات قاتلة لكل ما يقابلها من أفراد وعقول.

والنظرة الفاحصةُ تؤكد: أنَّ المجال العام ليس معنيَّاً بأية أصوليةٍ، لأنَّه ليس قابلاً للتملُّك ابتداءً. كما أنَّ الأصولية ترى في فاعليته قوة مناوئة لوجودها، ولنلاحظ كون الأصولي يخاف من أية أمور خارج سيطرته الأيديولوجية، وهو دائماً مهووس بالصراع الذي يسفر عن غزو مواقع جديدةٍ. ليس مصادفة أنَّ بعض الإسلاميين كانوا يطلقون على انتخابات البرلمان في غير دولة عربية " غزوة الصناديق ". إنَّ الكائنات السلَّفية  ترى فقط ما يقبع في اللاوعي من عبارات تجرّ عصوراً غابرة من غسق الإنسانية.

إنَّ الغزو في حدود الدولة المدنية يحيلُ الأخيرةَ إلى مجرد صدَّفةٍ خارجيةٍ لحاشية قديمة جداً. ويبدو أنَّ دهاء المجال العام يكشف من أدنى الأبواب زيف الممارسات الخادعة التي تتم في فضائه. والقاعدة المرنة تقول: كل تلاعب بأسس المجال العام ستكون نتائجها اللاحقة على المستوى ذاته من التأثير. فلئن كانت (الغزوات الجهادية) تتقيَّأ محتواها العنيف داخل ممارسات حداثيةٍ، فإنَّها تصبح ذاتَ دلالة قارئة بالمقام الأول، تقرأ كيف يستند التصور إلى طباقٍ من الأفكار التي لم تعد تواكب زمنها.

والأصولية من تلك الجهةِ هي غزوة حربية للمجال العام متأخرةً عن موعدها عشرات القرون، لكنها أكثر رمزية وتتسربل برداء الدين نافذةً عير أخلاقيات المجتمع وأفعال أفراده. حتى إذا تمكنت من تطويق رقابهم وعقولهم إلاَّ وكانت وجها لوجه مع إعادة تأسيس المجال بحسب توجهاتها. إنَّ تكريس الأصولية لذاتها (كما تجلت بدمويتها الأخيرة لدى جماعات العنف) ليس تعديلاً ولا حتى خلافاً حول ترتيب أولوياتٍ. فالأمر يتجاوزُ المجال العام ذاته، لأنَّ الأسس الآتية بها الأصولية لا تعترف بالتنوع ولا بالمنافسة الحُرّة للفاعلين، بل لفرض نمط الحياة فرضاً صارماً. وما الدولة بمجالها العام وحتى بشعبها غير موقِّد ضخمٍ لطهي الأفكار المغلقة. وكأن الأصولية تصر على خلق الإنسان كرَّة أخرى بأدوات يعدُّها المتطرفون– فيما يعتقدون- من صُلب الدين!!

أمَّا الوصولية، فهي إحدى تشوهات الحياة المدنيَّة الهشة، كممارسةٍ تهتم بأولوية المصالح والمكاسب وصولاً للنفوذ وتزلفاً للسلطة القائمة. وهي الجانب الهامشي من تداول فرص العمل والحياة وتحويل الغايات إلى أفعال بهلوانية قابلة للتحقق دون التزام بحيادية المجال العام.

وعلى نطاق السياسة، تقترن الوصولية بطابع الانتهازيةopportunism (5)، من حيث التلاعب بالإمكانيات المتاحة للغير عن طريق تحويلها إلى إمكانيات خاصةٍ، ومن جهة كونِّها تعتمد على المؤهلات والسمات الهزلية التي تضيع المعايير وتحول بينها وبين إتاحة المجال أمام الجميع. والانتهازي يَخلُّ بما يضمنُ توافر الفرص ذاتها بالنسبة للآخرين. والضمان ليس ساقطاً من أعلى، وإلَّا لكان مرتَّهناً بمصالح السلطة لكنه يأتي من الموقع الأعم في المجتمع.

إذن وجهُ الإشكال في التلاعب بالضمان الذي هو خارج الطرفين (الانتهازي والمنتَّهز منه)، أي عملية أحداثُ خلل في المرجعية التي نحتكم إليها ونختلف ونتعدد في الرؤى والمواقف والتوجهات. لأنَّ (الانتهازي الوصولي) مثل طائر ليلي مراوغ يصطاد فرائسه بحذر وسط الظلام، لا ليأكل فقط، بل ليقتل الضحايا بدم بارد. والأمر لا يأتي هو ذاته في الحالين، لأنَّ التركيز على الفرائس يعني أنَّ صياداً ماكراً يأكلُّ من أقرب الطرق، لكنه يمارِس أيضاً فعلَّ الموت تجاه الكائنات الأخرى.

قياساً على ذلك، فالوصولي حين يقتنص الفرصَ تلو الفرص، لا يعترِّف بأية معايير تُعطي حُقوقاً متساويَّة للآخر، أي أنَّه يأكل حقَ الوجود بالنسبة للآخرين. ولا يكف عن الإطاحة بالمجال الجاري فيه ذلك الحال، بل قد استغله عن قصد ليصطاد مصالحه عاصفاً بالقانون والحياة المشتركة إنْ لم يكن لينقض العقد الاجتماعي(أي في الحدود المفهومية والتداولية للقوانين conceptual and pragmatic limits of laws)(6).

لأنَّه جعلَ من المجتمع (بمجاله العام) سيركاً للقيام بأعتى الحيل والأعمال الأكروباتية مثل البهلوان لأجل مآربه. الانتهازي يفعل الأفاعيل غير عابئ بالقيم والأخلاقيات المدنيَّة وقواعد التنافس العملي وآليات التفاعل السياسي وصُولاً إلى ما يريد. وبصرف النظر عما إذا كان المجال العام حاضراً في شكل قوانين ومبادئ أم لا، فالانتهازي يعتبره في حالة محاق تام. وطالما أنَّ السلطة القائمة تسمحُ بالألاعيب الانتهازية وتعتبرها نوعاً من (إسالة اللعاب) حتى تظل مرغوبة طوال الوقت، فإنَّها تصبح شيئاً آخر إلاَّ أن تكون من جنس المجال المشار إليه.

والأغرب أنَّ الوصولية تردد صوتاً متوارياً بكون السلطة تستعمل المواطنين، وبالتالي على الوصوليين الاستفادة منها إلى أقصى درجة. إذ يبادلونها الألاعيب بالألاعيب حتى يتمكنوا من نيل حظوتها ونعيمها. وهي كشجرةٍ عملاقةٍ ومتضخمةٍ حاجبةً الهواء والأضواء، تريد من روادها أنْ يتسلقوا حتى قطف الثمار. وفي المجتمعات العربية نتيجة شمولية السلطة وتغولها، فإنَّها لا تتيح فرصاً لجميع المواطنين من جهة العدالة والمساواة، إنما تخضعهم للفرز والتمييز. ولم يكن من مسئول صغير أو كبير إلاَّ أنْ يُمالئ رؤساءه بشكلٍّ فاضحٍ ووقحٍ. لأنَّ (خطاب الانتهازية) هو الخطاب السائد إلى حد اللعنة، حتى باتَ هو اللهجة الغالبة على وسائل الإعلام والأنشطة السياسية والإجتماعية.

والمعروف أنَّ اللغة السياسية في جانبها الخفي لغة خالقة للفرص، أي تفتحُ إمكانية عمل شيء خلال المجال المؤثرة فيه. وإذا كانت تتحايل عليه لأغراضٍ خاصةٍ، فالمقصود أن تنحاز السلطة لفئةٍ ما. وهي تفعل ذلك، ليس بطرح الانتهازيين لأهدافهم، بل بمجرد الاستجابة لذلك. وعليه تمثل السلطةُ (حتى بالنسبة لأبعد نقاطها) وسيلةً للهيمنة. ولا يبعد عن هذا نُصح مكيافيللي للأمير: أنَّه لا عليه حين يسعى لفرض قوته على الجميع، ولو كانت بوسائل قميئةٍ. فالغاية تبررُ الوسيلة مهما تكن الغاية (وهي غالباً كما يطرحها صاحبُها)، وأيا كانت الوسيلة التي لن تقل مراوغة عنها.

ورأي مكيافيللي يأخذُ شكلَّ النُصح، كنوعٍ من التدابير التي لا تتوانى عن ترسيخ نفسها. والنُصح يقع خارج سياق المجال العام وخطاباته، فهذا المجال لا يعرف آليةً اسمُها (النُصح السياسي) الذي قد يعني المؤامرةَ، إذا غابَ الجميعُ من المعادلة (هيمنة الحاكم = الوسيلة × الغاية).

وبالتالي فالشخص الوصُولي المتسلق يتميز بأساليبه المراوغة التي تستغفل شيئاً ما إشكالياً بالنسبة إليه. وكأنَّه يخاطب كياناً كُّلياً فوق رأسه بينما يحتاج الأمر منه مجهوداً للإفلات من عينه الحارسة. والسؤال من أين يأتي هذا النظر؟ إنَّ المجال العام يتخلق في مؤسسات عينيةٍ ورمزيةٍ، وهو ذاته كفضاءٍ عمومي يحكم صورته ضمنياً من واقع النظام الجاري.

الوصولي يدركُ جيداً: أنَّه يطيح بذلك كلِّه عندما يسترقُ الامتيازات والأرباح الاجتماعية والعملية بأساليب ملتويةٍ. لقد انتشر المتسلقون كالجرذان في ردهات الدول ومؤسساتها المختلفة، وباتوا يقدمون أنفسّهم قرباناً مدفوع الأجر والتزلف لمن يُريد. وهم أساس التخلف الذي تعيشه بعض المجتمعات العربية ويقرضون كلّ آمال الحرية والقيم الإنسانية المرتبطة بها. وأخطر أشكال التسلق هذا الذي يقدمه صاحبه من باب إدعاء الذكاء الذي يزعمه لاهتبال الفرص تحت مبررات إنسانية وتواصلية، في حين هو يفرط في جميع القيم، يدغدغ معيارية القيم طالما أنه يمارس هذا الإنبطاح المجاني، هذا الخراب النفسي والروحي، هذا الغباء المؤصل والمعتَّق.

 

سامي عبد العال

............................

1- المقصود أنَّ اغلب الدول كمسميات (جمهورية كذا وكذا) لا تستوفي شروط المجال العام، لأن قيام الدولة يفترض بالضرورة وجود مجال عام بل درجة تقدم الدولة سياسياً يرتهن بتحرر هذا المجال من القيود المفروضة عليه من قبل السلطة ووجود تفاعل حقيقي في الأفعال الجمعية. والطريف أنَّ بعض الدول ترفق مسمياتها بالديمقراطية والشعبية أحياناً (جمهورية كذا الديمقراطية أو الشعبية)، بينما هي لم تتخلّص بعد مما يكبل مجالّها العام من إكراهاتٍ وعمليات فرزٍ متواصل للمواطنين سواء أكان على أساسٍ مذهبي أم قومي أم ديني أو أخلاقي.

2– Habermas, Jurgen, The Public sphere: An Encyclopedia Article (1964), New German Critique, No. 3 (Autumn, 1974), P 49.

3- Habermas, Jurgen, The structural transformation of the public sphere: An inquiry into a category of Bourgeois society. translated by Thomas Burger with the assistance of Frederick Lawrence, Cambridge, MA: MIT Press, 1989. P15.

4- يندرج تحت هذا كل محمولات الأصولية مثل الدولة الدينية. فأبرز معالم هذه الدولة مها تم التنظير لها كونها رقعة جغرافية لاهوتية بلا مجال عام وأنه يُلغى لحساب الوصاية وفرض الأوامر والنواهي الدينية. ولذلك ليس المهم الشعارات البراقة بل ما فحواها على مذبح الواقع الذي لا يبقي ولا يذر من التنوع البشري في الاعتقاد والأعراق والثقافات. والإسلاميون يغلفون هذا الطابع تحت عنوان الرفاة المنتظرة أو العدالة الإلهية أو دولة الإيمان والخير.

 5– Shraga F. Biran, Opportunism: How to Change the World, One Idea at a Time, New York: Farrar, Straus and Giroux, 2011.

6- Ravi S. Achrol and  Greogry T. Gundlach, Legal and Social Safeguards Against Opportunism in Exchange, Journal of Retailing, Volume 75 (1), New York University 1999, P 108.

 

صالح الرزوقيبدأ ويتني س. بودمان في "كتابه شعرية إبليس: اللاهوت السردي في القرآن"* من نقطتين منهجيتين. الأولى عن العلاقة بين السرد والعدالة الإلهية ص11. وهذه الفكرة تغني بقية الافتراضات دون أن تلغيها. ومن بينها علاقة الخيال بعقدة أوديب وصراع أفراد العائلة سواء بالمعنى السلبي أو الإيجابي (ويدخل في هذا المضمار نحر قابيل لأخيه هابيل). وهي نظرية تشيطن قابيل أيضا، وتضفي عليه صفات موروثة بنيويا في ثاني دافع لتطوير المخيلة، أقصد العقلية البورجوازية (وأهم مثال عليها نموذج روبنسون كروزو).

الثانية عن العلاقة بين النص الثابت وقارئه. ص 16. وهي فكرة عادلة تحرر القارئ من الإلزام والشروط المسبقة (ما تعودنا على تسميته بسرير بروكست). لكن المبالغة بالحكم على النص بالموت، وتركيز كل المفاتيح بيد القارئ، حرم الكاتب من كل حقوقه. والمنطق يقتضي وجود ولو قليل من الاشتراطات. إن الكاتب دائما موجود في نصه، سواء بشكل إفرادي أو بشكل ظاهرة لها اتجاه وخلفيات. وربما أقر بودمان بذلك ضمنا حينما أشار للفرق الجوهري بين الجانب السردي في الإبليسيات والمعنى الأخلاقي للشيطنة ص 16. وما ترتب على ذلك من تفاوت: من إظهار معنى عقلي وحتى التفسير بواسطة الإحساس والمعايشة ص 17. إن الاختلاف في طبيعة النصوص لا يتوقف على مضمونها فقط بل على طريقة ظهورها. بمعنى آخر إن النزاع بين الكاتب والقارئ أخطر مما يمكننا تصوره. وأكتفي بمثال واحد من خلال المقارنة بين الروايات الشائعة ونصوص القرآن. ولا يوجد عندي أي قدر من الارتياب أن تفسير القرآن يعاني من التهويل والإضافات مثل الخيال الشعبي، ولا سيما إذا نظرنا للتفاسير التي ظهرت بعد الفجوة الحضارية، ومنها التفاصيل التي لحقت بحادثة ثابتة هي الإسراء والمعراج. إن نسبة الإضافات على ما ورد في القرآن لا تقل عن 90 بالمائة. ولا يمكن لأحد إعادة ترتيب الوقائع دون أن يشعر بالمبالغة. فالتصورات تجاوزت حدود العقل البشري على التخيل، ولم يعد هناك أي مجال للتثبت حول حقيقة المزاعم باتصال النبي مع خالقه وطبيعة الحوار الذي دار بين عنصر بشري متناه وقيمة خالقية لا متناهية وبلا جسم ولا صفة. وحتى لا ندخل في الميتافيزيقا يمكنني الاحتكام لنظرية تحليل السرد. هل هو بنية أم نشاط متحول ومتدرج؟.

يختار بودمان التفسير الديناميكي، ويرى أن الذخيرة المعرفية للكتابة تشكل جانبا من الذخيرة المعرفية للقراءة ص 18. بمعنى أن أحد الطرفين بنية والآخر هو شروط تشكيلها، وهذا يعني حسب مفهومي أن النص لديه الصلاحيات لتوجيه القراءة بشكل عام وكل قارئ على حدة بشكل خاص، ولا يمكن إهماله والاستهانة به. وإذا كانت لدينا عدة تصورات عن إبليس فهذا يعود للمصدر وظروفه، وعلى هذا الأساس يمكننا تصنيف المخلوقات الراعية للشر، فهي باعتقاد علي الطنطاوي في كتابه (تعريف عام بدين الإسلام- دار المنارة. السعودية. 1989) ثلاثة: الشياطين والجان والأبالسة. ويوجد فروقات في مقاربتها للبشر وقدرتها على تدمير أدوات المناعة الروحية والعقلية. ويؤكد بعدة مناسبات أن إبليس ليس من الجان (كما هو شائع) لأنه يتزوج ويلد. والجن مكلفة وليس لها قدرة على الزواج أو الإنجاب، وهي مخلوقة من نار لكن هذا لا يلزم أنها تحرق كل ما تمسه. ص151. ولا يمنع أن الله بدلهم لاحقا لطبيعة أخرى. فالإنسان نشأ من طين لكنه لم يستمر كذلك. ص 151. كما أنهم لا يعلمون الغيب. ص152 أما الشياطين فهم كفار الجن وأبوهم إبليس ص 153 مع ذلك ليس للشيطان القدرة على الإضرار أو النفع بل الكيد فقط.

بالمقابل يبني بودمان تصوراته على افتراضات ديناميكية ص 19.

2737 شعرية الشيطانالأول أن للنبوة خاتما (محمد خاتم الأنبياء).

الثاني أن النبي يموت وإبليس متطور عن الجان وهو روح الشر الخالدة التي لا تفنى ولا تغيب.

الثالث أن أخطاء النبي في تفسير بعض الأوامر الإلهية لا يقارن بتمرد إبليس وتحوله إلى نزاع مع الخالق.

الرابع أن معجزات الأنبياء ينتهي مفعولها بموتهم بينما شرور إبليس ليس لها دورة حياة. وهي باقية وأزلية مثل الإله ذاته.

الخامس أن إبليس فكرة متطورة تطورت مع تقدم التنزيل من الوحي وبأمر من الله نفسه. ص 20. وقد طرأت على حوارياته في السرد الإلهي عدة نقلات ملحوظة وسعت قدراته من النميمة إلى القتل المروع والجائر (ويضرب مثالا بمقارنة صوره في سورة الحجر ثم في سورة ص).

وبهذا المنظور يمكن إضافة شخصية إبليس للبنية المأساوية التي تحكمت بأقدار البشر منذ ملاحم بلاد الرافدين وحتى تكوين العقل الكلاسيكي وظهور الدراما الإغريقية ص22. ولا يستطيع أي إنسان عاقل أن لا يلاحظ الفرق في صور إبليس وهي تتطور من مجرد رمز للشر إلى أداة شريرة يطالها قانون اللاهوت الإسلامي. وإن كانت الحالة الأولى خاصة بالوحي والتصورات الشعرية لمجتمع قيد التشكل، فالحالة الثانية لها علاقة ببدائل الشر المنظور. بتعبير آخر إن إبليس الذي حاربه القرآن هو غير إبليس الذي كانت تطارده لعنة اللاهوت الإسلامي. وبتعبير بودمان: السرد الذي جاء ليفسر ويهدي الإنسان لحل ألغاز حياته تمهيدا للتغلب عليها بواسطة المعرفة والوعي، تحول إلى جزء من الطبيعة التسلطية للشر المهذب الذي يفرضه القانون على المجتمعات ص 24. مثل تطبيق العقاب بواسطة التعذيب أو الإفراط بتقييد الحرية الشخصية حتى لو أنها لا تشكل خطرا على الآخرين. وهذا يفسر برأي بودمان جوهر التفكير السني الذي تتبناه الأشعرية والذي جعل من وجوب الشر أساسا لمضمون وسطوة الممنوع (ص 26). وقد قادته هذه الفلسفة الخاصة لأن يرى في إبليس إمكانية للتحالف مع الصلاح والخير أو القوامة. ص 28. وبالصورة النهائية يضع بودمان عدة حواجز بين هوية إبليس وشخصية الشيطان.

الثاني رمز دائم للضرر وإلحاق الأذى، وهو بلا صفات ولكن له مزايا. ص 49. والأول مخلوق متحول ارتكب المعصية نتيجة استعمال المنطق بالهداية والتفكير، ولم يكن مؤمنا بالقدرة الإلهية بشكل أعمى، وكل ذنبه أنه اختار التوحيد ومركزية الإيمان (ويوجد نص للحلاج يؤكد أنه لا يوجد موحد في السماء مثل إبليس - ص 36)، حتى أنه رفض السجود لغير الخالق ص 35. ولذلك هو شخصية تمثيلية ص 48 وكائن غير تعبيري، لا يعبر عن الشر وصوره بقدر ما يمثل ضمنيا الضعف والنقصان المأساوي عند جنس البشر. ويبدو أن صراعه مع الله وتمثيله لصراع الملكات عند الإنسان رفعه من تصوراتنا عن الشر لتمثيلات النضال البشري ضد عوامل النقص. ص 43. ويتعارض كلام بودمان بهذا الخصوص مع التصوف الذي يساوي بين أشكال الشر والصلاح. وحل العطار والحلاج هذه المفارقة بالتمييز بين أمر الله وإرادته. فالأمر النافذ تعترضه إرادة نافذة أيضا. وإذا لم يكن اختيار إبليس صحيحا فقد كانت دوافعه نقية، وبالنهاية نفذ مشيئة مقدرة عليه سلفا. وهذا وحده يكفي لمضاعفة معناه المأساوي كشخصية مغلوبة على أمرها ومضطرة لسلوك ستحاسب عليه. ص 423. ولذك يوجد تبادل بين نوعين من أنواع الاستواء عند الخالق: رحماني وإلهي (ص 628- المعجم الصوفي- سعاد الحكيم)، كما أن الأفعال لا تحكم، والفرق بينها يعود للوجود (وهو خير دائم) والعدم (وهو ظرف شرطي للشر). ومع أن هذا التفسير لا يكفي لردع الصور المخاتلة التي أجمع عليها المتصوفة عن إبليس، فهو شخصية مغامرة ومتقلبة، ولا يمكن الوثوق بها، ويستعمل المكر والدهاء لتحقيق غاياته. بالإضافة إلى أنه يعلمنا قيمة الصبر في الوصول للهدف النهائي. إنه بالنتيجة يمتلك (حسب عقلية التصوف) صفتين.

الأولى أنه طبقي، وهو يشعر بالرحمة مع الملوك والنبلاء ويرشدهم لطريق التقوى (كان ينبه معاوية لاقتراب صلاة الفجر، لكنه لم يكن ناصحا لأبي ذر أو الإمام علي).

الثانية أنه يختار الطرف الأضعف من المعادلة، والمقصود النساء (كما في قصة إيداع ابنه عند حواء في غياب آدم). وهذا وحده دليل على ترويج البنية الذكورية للأسرة بل لأول أسرة في تاريخ البشر والمخلوقات. ص 35.

ومع أن بودمان كان نبيها بما فيه الكفاية ليلاحظ الفرق بين تصور السنة لإبليس وتصورات “سواهم”. وهذه الكلمة تجمع طيفا عريضا من المعارضة الفقهية والميتافيزيقية - بدءا بالتشيع وحتى المغالاة بالتصوف، لكنه قدم تفسيرا أفقيا لإبليس. وحينما وضع أسطورته - وكل تفاصيلها تحت مجهر نظريات سرد القارئ لم يتردد في تحميل القراءة كل الإسناد. ويمكن أن تقول إن الفهم كان بالنسبة له مرجعيا وليس جزءا من نشاط تتكاتف فيه مجموعة قنوات ناقلة. ويتوقف مطولا مع ستانلي فيش ليتفق معه بنهاية المطاف أن: المعاني لا تتحلى بالبراءة، وهي نتيجة فعل تفسيري. ص 58. ويقفز من فوق قناعة المعتزلة (وهم من أشد الموالين لحكمة العقل الغربي في تفسير روح حضارة المشرق الجديد - الجاحظ مثالا) وينسى أن المعاني عندهم بضاعة مشتركة، والأشكال - أساليب التعبير هي الجانب الذاتي ص 58. بلغة مباشرة: تقديم الموضوع هو الذي يحدد معانيه وليس معناه المجرد أو قبلياته. وباعتقادي إن صور إبليس سواء هي تراجيدية أو سردية (تحمل بصمات فرويد ورواية العائلة - فإبليس لم يكن خصما لربه فقط بل لكل من يشاركه موضعه في دولة الظل من جان وشياطين). وهي صور تعمل من خارج التفسير التاريخي لفكرة الملحمة البورجوازية أو سرديات الصراع مع الطبيعة وما فوقها. وإن دققت النظر بإبليس حسب كل الرواية الإسلامية يمكن أن تجد منه اثنين: خارج على القانون (عند السنة) ومتآمر على مكانة البشر وسيادتهم (عند المتصوفة). وما يدعو للدهشة أن الحالتين لا تؤيدان نظريات التأويل. فصورته السنية لا تتطور. وهي ثابتة وراكدة وتكرر ذاتها. وبالمثل صورته الصوفية. هي مطاطية، ويصعب أن تتعامل معها بمنطق جسم له حدود ومرتكزات. بتعبير موجز هو كائن محنط- في السنة أو أنه موجود دون كينونة في التصوف. وتعكس هذه التصورات طبيعة الحراك السياسي ولعبة شد الحبل بين النظام والمعارضة. ولا يمكن أنه غاب عن ذهن بودمان الطبيعة الخاصة للكتاب السماوي وما نجم عنه. فهو رسالة لتبديل قناعات راسخة، وليس حكاية للتسلية والترفيه. وتطور صورة الشرير لم يؤثر بها الاستجمام، وإن استفادت من الوسائط المساعدة التي عمت أرجاء الحياة بعد دخول الرخاء. لقد أمكن تخيل تفاصيل عن العالم غير المنظور بعد اختصار المسافة بين الوهم والخيال. ولكن لم تتراجع المهمة الأساسية وهي تنبيه الإنسان لضعفه ولقوة وأحابيل القوة المتربصة به في المناطق التي لم تتكلل بالفتوحات. ومن بينها ولا شك الجوانب المستعصية من المعرفة كنشوء وانتشار الأمراض ولغز الموت وظواهر الطبيعة وغير ذلك. وعليه لم يكن هناك هامش واسع للتفسير. لقد توسعت الأدوات وأساليب الأنواع لضمان المحافظة على نفس الهدف. وهذا يلغي فكرة "موت المؤلف" ويستبدلها بـ "موت القارئ".

ومهما تتبعنا مصادر شخصية إبليس - حسب الخيال الإسلامي لن نصل لشيء يذكر. فالقرآن بنى منطقه على الإعجاز وحسن التدبير وليس على الدهاء والمكر وهما من طبيعة إبليس. وإذا أعدنا قراءة السنة والوحي سنلاحظ كما هائلا للمعجزات والخوارق وقصص الأنبياء مع مساحة بسيطة للتحايل والشر. وقد تطور الفكر الشرعي الإسلامي وخياله التربوي على هذا الأساس. والتراث المعاصر الذي يحمل عدة عناوين براقة منها قصص أو سير الأنبياء وأحسن القصص وغير ذلك لا تتوقف كثيرا عند ألاعيب إبليس ولكن عند حسنات الملائكة. وربما كانت الأطروحة الإسلامية تعمل على أساس التبشير بالخير وليس التخويف من عاقبة الشر ورموزه. والمثال على ذلك وفرة أشجار الفاكهة في الجنة واقتصار الجحيم على شجرة واحدة هي الزقوم. كما أن الجنة الموعودة، مزدحمة بالحوريات والغلمان والطيور المغردة فقط. وإذا تساوت بالعدد آيات جهنم والتعذيب بالنار مع آيات الجنة وما يرافقها من رخاء واستجمام لا يوجد أية وقفة مخصصة مع جهنم. بينما وردت آية بوصف محاسن الجنة (سورة البقرة - 50). أما المساحة القليلة التي احتلها إبليس (ومرادفاته) والتي وصلت ذروتها في رسالة الغفران للمعري فتعود لواحد من ثلاثة مصادر: مخالطة الرسول لورقة بن نوفل وللراهب بحيرا. ثم للغيتو اليهودي في المدينة (والذي تطور لاحقا لما يعرف باسم الإسرائيليات). وهي بمجملها مصادر ذات خلفيات سريانية شرقية أو يونانية غربية. وكل الإضافات التي لاحظ بودمان وجودها في نصوص أدبية معاصرة منها "أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ و"الشهيد لتوفيق الحكيم" ص 73 لا تدين للذاكرة الإسلامية ولو بالنذر اليسير، وتبني أساسا على الخيال الغربي. فقد أعاد مشروع النهضة وما تلاه من تنوير وانفتاح ترتيب العلاقة بين الدين والعقل. لقد انفصل الدين بالتدريج عن الحياة الفكرية ودخل في صراع المجتمع مع ظروفه، وتراجع العقل ليصبح خلف حدود ما يسمى المعرفة. وتبع ذلك ترتيبات جديدة للمتن والهامش. فقد تحول المتن الإسلامي لهامش يخيم عليه ظل ثقيل لفكرة صراع الحضارات أو صدام الشرق والغرب (وكلاهما يدخل في الموجات المتعاقبة لتحليل الأفكار وبناء الهوية واستعادة الذاكرة - يسميها بودمان: الفراغ ص 65 وما بعد). بتعبير آخر أصبح المتن ابنا شرعيا للثقافة الغربية. وينسحب هذا الكلام على التصوف وإضافاته. فهو نتيجة عودة ثقافات الميتروبول للحياة والازدهار ولكن بأقنعة وأزياء إسلامية. إن أي نظرة عادلة لشعر أبي نواس ستنتهي للفصل بين المعنى والمبنى. وهذا يدل على الدراما القوية التي بدأت تهضم العنصر العربي وتضعه في ما يسمى علبة الأدوات الإسلامية. وإذا عالج القرآن واقع الروح العربية بلسانها، فإن تفسير القرآن هو نتاج آلية تفكير إسلامي فوق عربي أو عابر للجنسيات والقوميات (لو استعملنا المصطلحات المعاصرة). وهذا يعني ضمنا أن أي إجحاف أو ظلم وقع على عقل الشعوب التي وصلتها الفتوحات، كان هو وراء الانقلابات الدموية اللاحقة، ثم ترميم الماضي واستعادته، إن لم نقل تحريره. ولذلك بدأ فن التصوير بفرض نفسه. وبالتدريج تمايزت صور إبليس الفقير بالخيال، وظهرت من تحتها صور أغنى بالتفاصيل. ولا يمكن أن تجد مثلها إلا في بنات المخيلة أو ما يشبه الخيال العلمي. وابتداء من القرن العاشر والحادي عشر، في أعقاب الضعف الذي لحق بدور العرب في الدولة الإسلامية، بدأ إبليس يأخذ مظهرا يذكرنا بالتماثيل الآشورية والأكادية التي لم يلحق بها الهدم مع إضافات تربطه بكل شيء يذكر بالخطيئة والعذاب. ويمكن القول إن حركة إحياء الفلسفات الظلامية هي المسؤولة عن تطوير صور إبليس. بتعبير آخر لقد دخل إبليس مع اللاهوت الإسلامي وليس مع انتشار الدعوة.

ونحن ليس بمقدورنا التعامل مع صورة واحدة متفق عليها لإبليس. ولكن مع عدة نسخ وتراكيب، أقلها إسلامي وأكثرها فلاش باك أو حفريات معرفية في ثقافات شعوب المنطقة. وإذا كان صحيح مسلم هو المصدر الأساسي لمداخلات النبي عن إبليس يكفي أن نعلم أنه مولود في نيسابور وبعد 200 عام من الدعوة تقريبا. لم يكن القرآن مولعا بصور إبليس ولكن بموضعه في الدورة الطبيعية للغواية والشر، بعكس الفكر الساساني الذي يحتفظ عنه بتفاصيل لا شك أنها ساعدت في تجسيده حتى تحول لشخصية روائية (فقد كان هو من شجع الضحاك في الشاهنامة على الطغيان، وتوجد روايات تشير أن الضحاك صورة لروح إبليس الشريرة، وهما شيء واحد). وكما تذكر الدكتورة ريبكا دينوفا Rebecca Denova حمل اليهود (في طريق عودتهم من السبي البابلي بعد سقوط المملكة البابلية في يد الفرس في 539 ق.م) معتقدات الفرس القديمة، وأوكلوا مثلهم لإبليس الشر بدلا من الرب. وتطورت هذه الفكرة عند الأسينيين (كما تذكر مخطوطات البحر الميت) ليكون مندوب إبليس جزءا من كل نفس حية، وليصبح الربان الذي يهدي البشرية للضغائن والانحرافات. ولكن على الأرجح إن حبكة إبليس الإسلامية هي أبسط من الصور المعقدة المعروفة حاليا. وهناك أكثر من صلة قربى بين الملاحم الدامية وبين التراث غير المكتوب للخيال بعد - العربي، ولكن الناطق باللغة العربية (تحديدا ألف ليلة وبقية سير الأبطال والمشاهير). ولا يوجد في الإسلام ما يزيد على نمطين. الأول هو الصور المكية ويغلب عليها مشكلة المعرفة، وهي غامضة وتدخل في آلية التعبير بالرموز، أقدم أساليب التواصل قبل اكتشاف الفن التعبيري. ثم الصور المدينية وهي ناجمة عن الاحتكاك الشعبي بالأقليات (غيتو اليهود).

ولا يوجد عندي أي شك أن ما لحق من إضافات بإبليس في الإسلام هي بنيوية وليست عبارة عن تطور موضوعي. بمعنى أن المسلمين تركوا لنا عدة نسخ منه، وليس مجموعة من الصور المعدلة. ويؤكد ذلك القطيعة المعرفية التي لحقت بالإسلام بعد فترة بسيطة من التقشف الثوروي (عصر البعثة ودولة المدينة ثم الكوفة). فقد تم رفع المنع عن التصوير كنتيجة مباشرة لموت عقلية البيت المكي، وبزوغ فجر البلاط في دمشق. وهو تعريب بغلاف إسلامي رقيق لأهم إنجازات الحضارة الرومانية الآفلة. وهكذا بدأت تنتشر تصورات عن أساطير التكوين لتعبر عن قلق الدولة الجديدة ورغبتها في إعادة تشكيل عالمها بعد أن كان الخلق يقتصر على المشيئة الإلهية. إن الفرق بين ما ورد في القرآن وما تداولته الأخويات ومجالس السمر في دمشق يشبه الفرق بين التعبد للخالق والاتكال على رحمته الواسعة وقلبه المتسامح في اقتراف الأخطاء. ومن المؤكد أن السنة بعد سقوط دولة الكوفة بيد الدمشقيين نظروا للرفاهية على أنها نوع من أنواع الشكر الواجب علينا تجاه الخالق. ويستندون في ذلك لجزئيات من حياة الرسول: ومنها حسن الملبس وأطايب الطعام. وطبعا تتسع المساحة لإبليس كلما زادت المطامع.

بنظري لم يكن هناك خلاف بنائي بين أشكال الشر. وكل من الشيطان وإبليس كناية عن الفساد أو بذرة الانحراف المزروعة في داخل كل إنسان. وهذه الأسماء هي ترادفات بلاغية قد تدل على التدرج في الأذى والضرر، ولكنها لا تصل لخلاف نوعي. وبهذا السياق لا أفهم لماذا أضاف بودمان فقرة كاملة عن الآيات المحكمات والمتشابهات؟ ص 86.

لا توجد علاقة عضوية بين الاتجاهين والتطور المزعوم لشخصية إبليس. فهو لم يخرج عن أنه كائن لا يحبه خالقه، وإن لم يدمره فهذا فقط ليترك الإنسان حائرا دائما وأمام اختبار لملكاته وإرادته. ولم تكن صور إبليس عرضة لأي تأويل أو تشابه وكانت محكمة، ولا تنفي بعضها بعضا. ولكن الوفرة بالتفاصيل يعود للفجوة التاريخية التي تفصل زمن التنزيل عن لحظة تأسيس الوعي باللاهوت الأرضي أو اللاهوت البشري الذي تتدخل في تشكيله الأهواء والنوازع. وإن كانت مشاركة إبليس تقتصر في القرآن على 7 آيات كما ورد منذ المقدمة لا يغيب عن ذهني هذا السؤال: أليست هي مشاركة خجولة.إذا علمنا أن عدد آيات القرآن الإجمالية يبلغ 6236. لم يحارب القرآن إبليس بل وضع نصب عينيه محاربة المجتمع المكي ثم بدو شبه الجزيرة. واتساع المساحة المخصصة له كانت مقياسا لعودة الفلسفات غير الإسلامية وتسربها من خلال جدار دمشق الذي تعرض لصدوع عميقة من الدعوة العباسية.

والشيء بالشيء يذكر.

تمت ولادة دولة دمشق بعد حروب علنية بين المتنازعين على السلطة، لكن ولدت دولة بغداد (القريبة من حدود الثقافة الفارسية) بعد صراع صامت ودعوي وسري إن ذكرنا بشيء يذكرنا بمطلع البعثة. ومثلما عملت الدولة العباسية على تقويض كل أساسيات الدعوة المكية: التأكيد على عروبة الإسلام وقرشيته، ونفي لغة القياس والمحاكاة والتصوير، وديمقراطية القيادة واحترامها لحرية الأفراد، عملت أيضا على تقويض الجانب الأسطوري فيها. ومن ضمنه هوية إبليس، واستعادت أمجاد إبليس الزرادشتي بكل دهائته وخلاعته. والصور القلمية التي كسبها إبليس بعد سقوط جدار الشخصية العربية (مع انهيار دمشق) تحولت في العصر الوسيط لصور مرسومة ومبتكرة جريا على عادة البلاط الساساني واليوناني.

هناك نقطة تتفرع مما سبق.

مع أن القرآن ترك مجالا واسعا للديمقراطية والتداول بالرأي أو استعمال العقل والتفكير، وهو الهدف من آيات الاشتباه (التي تستعمل المجاز) لم يكن متسامحا مع إبليس، وربما ضغط عليه الخالق بطريقة مقصودة.إن لم نقل كان متحاملا ضده. لقد اتخذ القرآن موقفا مسبقا من إبليس. وكذلك فعلت بقية الديانات الوثنية التي بوأته مرتبة بارون أو إله للشر الكامن. وإن كانت جنايته هي الاحتجاج على السجود لآدم فإن الملائكة احتجت على خلقه آدم أصلا. هذا غير استعمال الرسول لعقله (والاستماع لنصيحة موسى) ومجادلة الرب بعدد الصلوات. لقد كان القرآن بجوهره حواريا، ولم يكن يملي تعليماته بطريقة تسلطية باعتراف بودمان ص 17. وآيات الترهيب دائما مغلفة بآيات التفسير، وغالبا ما يذكر الغاية من هذه القسوة والخشونة في الكلام.

لقد كان للقرآن ثلاثة حدود ثورية بالنسبة لعصره وهي:

1- الغائية. ولم يقدم فكرة دون أن يريد حكمة منها.

2- الديمقراطية. فقد ترك المجال مفتوحا لمراجعة الأوامر والنواهي بل نسخها أحيانا. وهو أحد المعاني العدلية للآيات المحكمات (كما أوردها الطبري). ص 84.

3- الجدلية. وأعتقد أن مثل هذه الصفة تضعه في إطار الفكر الواقعي (المثالي والتاريخي) لأنه يقدم الديالكتيك بنوعيه، بالقياس (توليد فكرة من فكرة وصورة من صورة) وبالتعليل (فلكل شيء علة أو سبب). ما عدا حالة إبليس، الأمر الذي يؤكد أنه رمز مصمم سلفا أو هو بقايا تصورات جاهزة ومفصلة قبل بداية الحبكة. ويؤكد بودمان على هذه الحقيقة في سياق كلامه عن تغريب النصوص وتحول الكتابة القرآنية لقراءة في نشاط معرفي سابق ص 89. ومع ذلك يبقى إبليس - القرآن أشد تهذيبا ولديه شهادة حسن سلوك إن قارنته بما ورد في سفر أخنوخ اليهودي من فساد للملائكة المراقبين (من اشتهى نساء البشر وتناسل معهن) وعزازيل الخبير بالمعادن والذي علم الإنسان حرفة إنتاج الأدوات الحربية. ص 130. لقد خان مندوبو أخنوخ ميثاق ربهم بينما احتج إبليس على تفصيل بسيط من تفاصيل الخلق. والخيانة الصامتة التي تحولت لأفعال تخبر عما تتضمنه من دمار وإفساد لا يقارن فعليا بالجدل الذي انتهى بفرض عقوبة رادعة (وربما غير مبررة) بإبليس المخلص والموحد لدرجة السذاجة والغفلة. ولا يمكنني أن أفسر انقلاب حال إبليس ما لم أفترض أنه ضحية لنية مبيتة. ودائما توجد في الميتافيزيقا مفاجآت. ففداء إسماعيل بأضحية لإخلاص والده لم يقابله تنازل من الخالق مع إبليس الذي لم يكن يرتضي الإشراك بالخالق. والتحيز ضد إبليس له بوادر أيضا. لقد خلقه الله من نار (تدمر وتحرق) ولم يخلقه من نور مثل بقية الملائكة (لنهتدي به). وبلا أي شك لقي إبليس معاملة ظالمة من الخالق العادل لأسباب غامضة. إن لم تكن بسبب الحبكة الرمزية فقط، فقد هبط من السماء بالإكراه، بينما أشرار أخنوخ هبطوا بمحض إرادتهم (كما يلاحظ بودمان ص 131). وهذا يعني أنه لم يكن لديه مجال ليختار. بتعبير آخر كان محروما من الدلال وطيبة المعشر التي تجدها في أخنوخ. وهذا لا يخول إبليس ليكون تراجيديا، وإنما ليكون محروما من شرط الحرية الذي وجد الإسلام لتحقيقها أصلا. وبذلك يكون هو الاستثناء الوحيد في الإسلام من حق أن تختار، بمعنى أن تضع فكرك أمام وعيك الباطن. ويمكن أن تقول مع بودمان إن إبليس يثير الشفقة أكثر من السخط وبالأخص إن نظرت لدوره في حياة آدم وحواء. فقد كان إبليس غائبا من الصورة في النسخة الإغريقية والسلافية ص 137 وكان ضعيفا يبكي ويشكو ويعترف بزلته (وجدير بالملاحظة أنه لا يصنفها في عداد الأعمال الانتقامية والحقودة حقا ولكن ضمن أفعال حفظ ماء الوجه والدفاع عن كرامته المهدورة. وبأسوأ الأحوال بمنطق نقطة ضد نقطة). لكن من الواضح أنه كان للحكمة الإلهية تدابير سوى ذلك، وهي مداومة الشر، وتعريض الإنسان لامتحان الإرادة. ويستنتج بودمان وجود علاقة بنيوية بين مخططات إبليس وجريمة قابيل. والقرائن لديه اثنتان. الأول هو أسبقية كليهما بالخلق والولادة على غريمه. والثاني الاعتراض على مشيئة الإله. ص 156. ولكن لا مجال للمقارنة. فالنصوص على اختلافها لم تسمح لقابيل ببلوغ منزلة إبليس عند الخالق. بقي الرب محجوبا عن بصر قابيل ولم يتمكن من الصعود للمنطقة الإلهية (بتعبير بودمان نفسه - ص 156). ناهيك أن المسألة سويت بالندم بعد ارتكاب حماقته. لم يستمر الدافع للجريمة حيا ويقظا في وعيه، وتآكل من الندم والأسف، وتعلم من الغراب كيف يواري جثمان القتيل. ولكن يبقى السؤال بمثابة جرح مفتوح وملتهب: لماذا توجب على قابيل أن يكون هو القاتل؟. لا يوجد مسوغات واضحة. وهكذا يتساوى إبليس معه مجددا. لكن من المؤكد ليس بالبنية، فذات إبليس هي غير ذات قابيل. ولا يوجد أي مبرر للمطابقة بينهما. الأول شجرة للشر. والثاني نقطة ندم وعدم رجوع. وبغض النظر عن التطورات اللاحقة لا يوجد أي مبرر لتحميل إبليس أو قابيل وزر الخطأ الأول. فهو شيء يحدده النص ويختاره كاتب السيناريو والمخرج. وبلغة علمية كل منهما نمط بدئي لنوعه.

ولا تتوقف ألغاز القرآن عند هذه النقطة بل يذهب بودمان لإحصاء على الأقل ثلاثة عناصر غامضة وضعت العقل البشري بموقف صعب للغاية أمام مقاصد الخطاب الإلهي.

الأول هو انتقائية الخالق في علاقاته مع عباده. ص 36.

الثاني الحروف الغامضة في مستهل بعض السور ومنها سورة طه التي تتضمن مختصر حكاية إبليس. ص 167. بالمناسبة توجد دراسة مفصلة عن قوة الحروف وما تتضمنه من احتمالات ذات معنى في مقدمة ابن خلدون عالم الاجتماع العربي المعروف. ناهيك عن دراسات معاصرة منها بحث لؤي الشريف الذي يقترح أنها كلمات تامة باللغة السريانية، وكانت شائعة في وقت النزول، مثلا طه: تعني يا رجل. ألم: تعني اصمت. كهيعص: تعني هكذا أعظ. .

الثالث هو الصدع الذي يفصل الخلفيات عن التفاصيل. ويعتقد بودمان أن هذا يفرض علينا اعتماد معايير وأدوات مختلفة لكل حالة مما يجعل النص أمام مصادره. ص88. وإذا فهمت بودمان جيدا فهو يوعز إلينا أن هناك مساحة بين النص والقارئ وهي الكاتب نفسه. وباعتبار أنه الذات الإلهية أو مبعوثها لا يبقى أي مجال للتعجب. لا بد أن الخالق لديه حصانة ومناعة من التماهي مع ذات المخلوقات واستطاعتها وإمكانياتها. ولو لا هذا الغموض لما بقي فرق بين الإنسان وربه.

 وينتبه بودمان لعدة افتراضات حول هوية إبليس. أهمها أنه لم ينفرد بسورة كاملة مثل غيره من الشخصيات والحوادث، وأنه جاء بسياق مساحة ضيقة، ولكنه يستند للتاريخ والأدب الإسلامي (وليس اللاهوت) ليتسنتج حقائق غير مبرمة عن عالم الكائنات غير المنظورة أو الكائنات الليلية. وهنا يخرج لأول مرة عن الموضوع، ويدخل في عالم تكهنات وتصورات جيل من أجيال حضارة الشرق الأوسط (وهو العصر الوسيط بالتحديد)، ويقدم إعادة بناء خيالية لعالم الموتى.

وقد ابتعد بودمان عن المنطق القرآني بمجموعة من النقاط.

الأولى أنه اتكأ على روايات غير دينية وهي عرضة ولا شك لأن يلعب فيها المجاز ومهارات البلاغة الدور الأساسي.ص 228.

الثانية أنه لم يضع حدا فاصلا بين مختلف المصادر. مثلا لم يعزل حدود الفكر الإسلامي (الذي يحتكره الله لنفسه) عن دائرة التفكير المسيحي (والذي يمكن أن تتعايش فيه مخلوقات الأرض مع مخلوقات السماء من خلال مبدأ التجسيد وحلول روح الأب في جسد الابن).

الثالثة أنه طور فكرة عن الحياة بعد الموت حينما تنفصل الروح عن الجسد وويتوزع المخلوق - أو يتجزأ لمكوناته. روحه في السماء وجسده في باطن الأرض. وهذا يرشح فكرة بودمان لتكون تصويرا للحياة المرجأة أو لميكانيكية انتقال الإنسان من تجليات مرحلة لتجليات مرحلة غيرها. أو بلغة قرآنية ليركب المركب الصعب ويحسم مصيره ويرحل للعالم الآخر. إن كل ما فعله بودمان لا يدخل في مجال تفسير وشرح العبارات الموجزة التي وردت عن إبليس. ولكنه يجمل تصورات الشعوب عن كائنات تختبئ وراء حجاب الواقع المادي، ونراها بعد أن نتحرر منه، ولهذا السبب عجز عن تقديم دليل واحد على صدقية تواصل الجان مع الكهنة والشعراء ص 225. ببساطة لعدم توفر مثل هذه الأدلة إلا في ذهن أدباء الخيال العلمي أو المشعوذين.

وبالنتيجة يتفرد ابليس بهوية لا ينازعه عليها أحد.

أولا إنه يمثل دور المعارضة ويطمع بالرئاسة. ويمكن أن تستنتج أنه السبب بالنزاع بين أهم عنصرين من عناصر الحياة. الهواء حيث يستوي عرش الخالق. والماء حيث يستوي عرشه.ص 36 فضلا عن الفرق العدلي بين الطرفين. الأول (الريح العاتية) استعملها الله لمعاقبة الفاسد، بينما كان الغمر بالماء يعبر عن الهلاك والحقد الأعمى دون تفريق بين مذنب وبريء (مثاله طوفان نوح).

ثانيا أنه وجه كيده لصنفين من أصناف المخلوقات الأرضية، البشر ويمثلون الوجود الفيزيقي المادي، والإنسان ويمثل الوجود الاجتماعي. ص 267.

ثالثا. التردد وعدم اتخاذ موقف واضح حتى أنه طرأ اختلاف على آيات إبليس. فهو في كل السور يجادل ربه ليعفيه من السجود لآدم باستثناء سورة ص قرر الامتناع. ص 305. وتفهم ضمنا أنه لم يكن لديه استعداد للتفاهم لا بالحوار ولا باستعمال القوة. ولم يحاول أن يفتح باب النقاش مع الله حتى يلين كما فعل الرسول بموضوع الصلوات، وبهذه الطريقة يمضي كل منهما بطريقه. الله من طرف وإبليس من الطرف الآخر.

ويفضي ذلك ببودمان لقراءة مواقف وشخصية إبليس في الفكر المعاصر من خلال نماذج أدبية حديثة. ويأخذ إبليس فيها منعطفا غريبا وعجيبا. فهو بنظر اليمين واليسار، المحافظ والراديكالي، نقطة مضيئة رغم الخطيئة الأصلية التي ارتكبها. فموقفه يتسم بالبسالة والجرأة بالإضافة إلى أنه اعتمد على مبدأ التفكير والقياس. وهذا بحد ذاته ليس خطيئة، وربما نقطة تحسب لصالح رجولة إبليس ومبدئيته.

ولكن لا أستطيع أن أؤيد هذه الفكرة ولعدة أسباب.

أولا لا يمكن استعمال نفس المعايير إذا كنا نقرأ شخصية إبليس في حقول متعاكسة مثل شعر محمد إقبال (الذي يلتزم بخط وإطار القرآن 397) وشعر أمل دنقل المعارض والثوري 418.

ثانيا. لا يجوز النظر لشخصيات نجيب محفوظ بنفس العين التي نتابع بها شخصيات نوال السعداوي. حتى أنه لا يمكننا وضع كل أعمال نجيب محفوظ بكفة واحدة، وروايته المعنية (أولاد حارتنا) بالذات لها وضع خاص. فهي ليست اجتماعية كثلاثيته. ولا أسطورية كبواكيره بل تدخل وبشكل مباشر بالصراع على السلطة، والشك بحقيقة دوافع ثورة الضباط الأحرار، وقد استعمل فيها الرموز تهربا من الرقابة السياسية وليس بسبب الخوف من ضوابط وشروط الوعي الديني.

ثالثا لم يتحرر إبليس في الشرق من النظرة الدونية لمخلوقات العالم الموازي. وهو لا يعدو أن يكون مثالا للشر مهما تعددت أسبابه. فهو الإمبريالية التي تستعمل القوة لقهر إرادة الشعوب بالتحرر(عند يوسف إدريس). وهو النظام الأبوي والمخابراتي (الأب والزوج الظالم) في كتابات نوال السعداوي ص409. لكنه الجمود العقائدي الذي يسخر الروح لخدمة أديان أرضية (كما هو الحال في رواية "عزازيل" ليوسف زيدان، أحدث نسخة من صور إبليس المعاصر).

 

صالح الرزوق

*ترجمة رفعت السيد علي. منشورات الجمل. بيروت وبغداد. 2017.

 

 

 

علي محمد اليوسفتنبيه: تعتبر هذه المقالة استكمالا لما نشرته في مقالتي السابقة (مطلق الحقيقة المعرفية والفلسفية).

يستعير فلاسفة المنطق عبارة هيجل "الحقيقة هي الكل" بمعنى فهم الحقيقة لا يكون صائبا الا اذا كان ضمن نسق تام من الترابط الحقائقي الذي لا يتقبل التجزئة على حساب تفكيك الهيكل النسقي الكلي الذي يضيع في فك ترابط أجزائه وفصلها عن بعضها البعض.

ويفرق فيلسوف المنطق "بوزانكت" أن الحقيقة لا يفهم معناها ولا تكون صائبة الا ضمن نسق منتظم يحتويها. والحقيقة لا يمكن الاستدلال عليها إلا اذا كانت ضمن نسق كلي ترابطي داخليا يجمعها بغيرها في بنية واحدة.

والحقيقة المنطقية هي ليست الحقيقة في المفهوم الفلسفي الذي يقوم على نسبيتها وحمولة الخطأ والصواب معا بداخلها، وحتمية إندثارها حينما تكون (درجة) في سلم مفهوم البحث الدائب عن مطلق الحقيقة الوهمي الزائف الذي لا يمكن بلوغ أزليته. ترافقها حتمية تطورها النسبي على الدوام عندما تكون حقيقة (نوعية) لا تندثر ولا تموت بل تستحدث نفسها بإستمرار.

منطق الحقيقة النسقي هو غيره مفهوم معنى الحقيقة الفلسفية، فالمنطق لا يعتبر إكتساب الحقيقة المجردة مصداقيتها كما هي في المفهوم الدارج في تطابق الفكر مع الواقع في معرفة حقيقة المادة، بمعنى آخر تطابق تعبير اللغة مع الموجود الشيئي تطابقا تاما يعطيه حقيقته المادية الصادقة.

وتأكيد هذا المنحى لدى فيلسوف منطقي مثل " بوزانكت" الذي لا ينكر وجود الوقائع الانطولوجية الشيئية منفردة مستقلة في العالم الخارجي تعبر عن نفسها في إدراكها الحسي لكنه لا يعتبرها حقائق معرفية. الحقيقة في الشيء المنفرد المادة التي تدرك حسّيا في تطابق وجودها الخارجي مع معنى الفكر المعبّر عنها، والتي لا يحتويها نسق ترابطي من الحقائق داخليا وتكون حقيقة منفردة لوحدها. الحقيقة التي لا تشكل إنتظاما نسقيا متداخلا بغيرها لا معنى لها. لذا تكون الحقيقة التي تدركها الحواس زائفة كونها تعبر عن موجود خارجي منفصل.

 يعتبر فلاسفة المنطق ما أشرنا له في تعبيرنا الدارج الذي يعتبره كلا من برادلي وبوزانكت هو في مطابقة الدال مع المدلول مطابقة تامة لا تحتمل غير التاويل الوحيد المتعيّن بحقيقة الشيء. لذا مطابقة أفكارنا مع وقائع موجودية بعينها لا يمنحها حقيقتها الصادقة حسب المناطقة. كذلك حقيقة الشيء المادي المتعيّن هو ليس منطق حقيقة المفهوم الفلسفي. منطق الحقيقة الذي لا يأخذ بمبدأ الترابط في التطابق خارجيا في معناه مطابقة الفكر لما هو واقع عياني في الوجود وهو مايخص المادة كموجودات متناثرة في عالمنا الخارجي، أي هنا تلعب الحواس دورا مهما مركزيا في خلق التطابق الخارجي بين الفكر والاشياء خارجيا الذي نطلق عليه حقيقة ذلك الشيء. أما إدراك الحقيقة كمفهوم تجريدي إنما يكون في ترابطها الداخلي ضمن نسق كلي موحد.

والطعن بمبدأ الترابط الخارجي بين الفكر والمادة في تحقق تطابق المعنى الذي يخص المتعيّن الانطولوجي المادي منطقيا وليس منطق الترابط الداخلي النسقي الذي تختص به الحقيقة كمفهوم تجريدي يعتمده منطق الفلسفة يقوم على أربع ركائزحسب إجتهادنا هي:

-  الحواس في جوهرها الحقيقي هي تضليل العقل في معرفة حقائق الوجود النسقي.

-  عدم تطابق حقائق الاشياء في نظام نسقي داخلي يجعل منها اجتزاءات فاقدة لجوهر تحققها المنطقي وليس تحققها الحسّي الانفرادي.فمدركات الحواس للاشياء خارجيا زائفة منحلة زائلة قياسا لمدركات الفكرالثابتة بما يخص علاقته التطابقية مع النسق الداخلي للحقيقة.

-  تطابق حقائق الاشياء خارجيا لا يكافيء ترابطها الحقيقي المنطقي داخليا عندما يحتويها نسق كلي يعطيها حقيقة معناها ولا يؤخذ بترابطها الخارجي التقليدي في مطابقة الادراك عن الشيء في وجوده الانطولوجي..

-  لا مجال لنكران دور العقل في التعبير عن حقائق الظواهر والاشياء في إرتباطها الداخلي مع بعضها البعض كنسق والخارجي في مطابقة معنى الفكر اللغوي مع الشيء على السواء. وكل ما لا يدركه العقل لا يمكن معرفة حقيقته الزائفة ولا الصادقة معا. وسيلتا إدراك العقل للعالم الخارجي هما الحواس والمخيلة فقط.

رغم مثالية المناطقة في معرفة الحقيقة إلا أن التفسير المنطقي للحقيقة مستمد من التفكير العقلي الذي لا يقوم على انطولوجيا موجودات الواقع بل في دراسة النظام المنطقي الداخلي الذي يحتوي الحقيقة نسقا ادراكيا تصوريا. بهذا يكون تحليل المنطق في إنكاره علاقات الترابط الخارجية بين الوقائع وإدراكها الفكري المطابق لوجودها لا يمنح حقائق الاشياء في ترابطها بمنظومة النسق الكلي داخليا مصداقية وأرجحية على صدقية معرفة الحقيقة. فمعرفة حقيقة المادة حسيا عقليا لا يعني معرفة حقيقيتها الجوهرية ،كذلك معرفة الحقيقة المجردة في إنتظامها النسقي المترابط داخليا لا يمنح مفهوم الحقيقة المجرد مصداقيته اليقينية. معنى دلالة الحقيقة في الوجودين المادي والمثالي لا يدرك العقل أصالتها من زيفها تماما..

منطق الحكم

يقر برادلي ومعه مناطقة المثالية معرفة الحقيقة لا تكون بإدراكها التصوري، فالتصورلا مكان له في التفكير الفعلي إلا بوصفه جزءا من (حكم) يشترط معرفة الحقيقة أن تكون نسقية مترابطة غير مجزأة الى قطوعات تنهي الهيكلية الكلية الانتظامية للترابط الحقائقي. فقد إعتبر بوزانكت حكم الادراك الحسي الخارجي المألوف تداوله يعد تعبيرا جزئيا عن الواقع في غير حقيقته. أما الحكم المنطقي والكلام لبوزنكارت فهو في تأكيد كلية الواقع في صورة شمولية عامة.

تعقيب:

-  الادراك التصوري الحسّي التجريدي لاشياء العالم من حولنا هو الطريقة الوحيدة التي يتوفر عليها العقل. ولا يتوفر العقل على إدراك الحقيقة المجردة حتى لو كانت – إفتراضا – هي حلقة في منظومة نسق داخلي لا يدركه العقل مباشرة لا بالحس ولا بالحدس.

-  الادراك التصوري ليس جزءا من (حكم) مثالي يعبرمن فوق الواقع، فالادراك مرحلة بدئية اولى في سلم المعرفة الحقيقية تبدأ بالحواس وتنتهي بالعقل. سواء أكان المدرك ماديا حسيا أو موضوعا متخيلا تجريديا من تداعيات تفكير الذاكرة. منظومة العقل الادراكية التي تبدأ بالحواس وتنتهي بالدماغ هي نسق منتظم بدونه لا يتحقق للعقل أي نوع من الادراك.

-  الحكم على الكليّات ليس حكم حقيقة صائبة تماما بل حكم إحتمال.

-  الحكم على حقائق العالم الخارجي في كليته يلغي الخصوصية الانفرادية لكل حقيقة جزئية، فمثلما يكون الاهتمام بجزء من النسق الكلي هو إنحلال لوحدته المتكاملة كذلك الحكم الشمولي هو تضييع خصوصيات الاجزاء الحقيقية.

-  الحكم على الواقع يأتي من أسبقية وجوده المادي على كل تفكير، والواقع هو ما يحدد نوع الحكم وليس نوع الحكم يخلق حقائق الواقع.

-  في لغة المناطقة الذي ينكرالاستدلال الكلي بدلالة الجزء، فهذا لا يبيح أن يكون الحكم المنطقي الكلي هو في إهمال خصوصيات أجزائه ضمن النسق الذي لا يعير فيه الحكم حقائق الاجزاء أدنى إهتمام في تشكيل النسق الكلي العام.

برادلي ومطلق المثالية

يطرح برادلي في كتابه (المظهر والحقيقة) عدة مفاهيم نجدها متناقضة في بعض منها:

-  يعرف برادلي المظهر – ويعني به الصفات الخارجية – ليس هو الظاهري، سواء فهمنا هذا الظاهري على أنه معطى في الوعي أو أنه مقابل الشيء في ذاته، والمظهر ليس مجالا معينا للوجود أو الفكر يتميز عن أي مجال آخر.1

أود في تعقيب بسيط قبل الانتقال الى فقرة أخرى لبرادلي، أن ظواهر الاشياء ليست معطى في الوعي، بل هي معطى إدراك حسّي قبلي يتبلور لاحقا بالفكر الى وعي عقلي مجرد. إدراك الشيء لا يكافيء معنى الوعي به. الصفات الخارجية للاشياء هي ادراك حسي قبل كل شيء. وطبعا صفات الشيء أو الظاهر منه لا يشابه كما ولا يمثل الشيء بذاته. معلوم الشيء بذاته هو الماهية أو الجوهر الذي لا تدركه الحواس ولا يدركه العقل، فكيف يكون الجوهر أو الماهية معطى للوعي يكافيء وعي الصفات الخارجية لذلك الشيء.؟ ثم ومن المرجح الذي اؤيده أنا أن يكون جوهر الشيء تتقاذفه فرضيتان: الاولى لا يمكن الجزم القاطع أن الاشياء وكائنات الطبيعة الحيّة تمتلك جوهرا هو غير صفاتها الخارجية باستثناء الانسان الذي يمتلك كينونة موجودية تسبق ماهيته الجوهرية. الثانية توجد دلائل يقينية ثابتة أن الحيوان والنبات والجماد جميعها لا تمتلك ماهيات هي غير صفاتها الظاهرية الخارجية التي يدركها العقل الانساني.

-  في فقرة لاحقة أخرى يناقض برادلي علاقة ظواهر الاشياء بحقيقتها قوله: المظهر هو الحقيقة المطلقة للشيء، ولا يوجد ما يعقبها، والحقيقة التي يتوزعها تقسيم العالم الى جزئي وكلي، يجعلنا ندرك حقيقة ما هو جزئي في تعميمها على ما هو كلي.. وبذلك لا يكون هناك فرق يذكر بين حقيقة نسبية واخرى مطلقة.2

لا امتلك تعليقا إدحاضيا لما ذكره برادلي من خلط جرى توضيحه سابقا من قبلي في هذه المقالة أكثر مما ينبغي تكرار مناقشته وتوضيحه، فقط اتساءل كيف يكون المظهر(الصفات الخارجية) هو الحقيقة المطلقة للشيء الذي لا يوجد ما يعقبه.؟ ومن قال أن جزئية حقيقة شيء كافية لجعل كليته حقيقة مطلقة بدلالة مطلق الجزء الوهمي؟ المظهر هو صفات الشيء المدركة خارجيا وهي في تغيير مستمر فكيف لا يعقبها حقيقة مطلقة أخرى غيرها؟ مطلق الحقيقة وهم ركض وراءه عشرات الفلاسفة ولم يستطيعوا حتى ولو تعريفه.

أختم برأي ورد على لسان هيجل (الحقيقة هي الكل) بمعنى الحقيقة الكلية هي نسق متكامل من الصعب معرفته بدلالة معرفة الجزء. عبارة هيجل تكررت استعارتي لها مرتين في مفتتح هذه المقالة وفي نهايتها..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

....................

الهوامش:

1- امل مبروك /الفلسفة الحديثة / ص 254

2- نفسه ص 255

 

 

علي رسول الربيعيقصة ريكس وأخلاق القانون

يخبرنا لون فولر في بدايات كتابه (The Morality of Law)، قصة ملك يًدعى "اريكس لم يكن".[1] يأتي ريكس إلى العرش راغبًا في جعل اسمه كمشرع عظيم. لكن، لسوء الحظ، تفشل جهوده كافًة في تشريع القوانين بطرق مختلفة، لذلك لم ينجح أبدًا في تشريع أي قانون على الإطلاق. يحاول في البداية العمل دون أي قواعد، وإصدار قرارات فردية أرتجاليًة غير خاضعة لقواعد. ثم يقوم بإنشاء مدونة قانونية لتنظيم قراراته، لكنه تبقي محتوياتها سرية. ثم ينشر المراسيم، لكنها كلها بأثر رجعي. ثم ينشر مدونة القواعد المُتوقعة أو المحتملة مستقبلا، ولكن يكتشف أن أحكام هذه المدونة غامضة لدرجة أنها غير مفهومة من قبل رعاياه. يأتي بعد ذلك بمنظومة وهي عبارة عن مجموعة من القوانين يتكون من بنود كل منها واضح، لكن هذه المنظومة مليئة بالتناقضات، حيث يتم إبطال كل بند بحكم بند آخر مختلف. ثم يأتي بمدونة أحكام واضحة ولكن من المستحيل الامتثال لها. فيتبع ذلك بمنظومة تتغير باستمرار من يوم لآخر. وأخيرًا، ينتج ريكس منظومة واضحًة ومفهومًة، لكن يكشف مع الوقت أن أحكامه التي من المفترض أن تطبق المنظومة، من المستحيل التوفيق بينها وبين بنود تلك المنظومة.

لماذا يخبرنا فولر هذه القصة؟

إن فلسفة تشريع القوانين محاولة لإيجاد معنى متماسك ثوابت لفهمنا القانون. نتحدث عن القانون باعتباره يفرض التزامات ويمنح حقوقًا؛ علاوة على ذلك، نفترض أن القانون مرتبط بشكل وثيق بالعدالة. نحن نعلم أنه إذا كان يريد المرء أن يكتشف مضمون القانون، فيجب عليه أن ينظر إلى القوانين والحوادث السابقة، لأن القانون قائم على السلطة إلى حد كبير: فالعديد من القوانين، وربما جميع القوانين، ناتجة عن قرارات الأشخاص الذين لديهم السلطة القانونية لسن القانون. بقدر ما يكون القانون نتيجة لقرارات بشرية غير معصومة، فقد لايحقق العدالة بشكل كامل في بعض الأحيان، وربما يكون ظالم أو غير عادل للغاية أحيانًا. نعتقد أن القضاة يجب أن يطبقوا القوانين الموجودة أو المدونة، حتى وأنْ كانوا لا يتفقون معها؛ وأن قراراتهم لها تأثير في تشريع القانون، ولهذا السبب يجب أن تُخذ السوابق في نظر الاعتبار.

ليست هذه سوى عدد قليل من الأفكار والافتراضات التي تشكل فهمنا للقانون والمواقف تجاهه. وبالتالي فهي تساعد في تشكيل المجموعات التي تحكم بموجب القانون. لا نولي هذه الفكار الكثير من الاهتمام في معظم الأوقات: فننخرط في مناقشات قانونية تأخذ مثل هذه الأفكار كأمر مسلم به دون إخضاعها لتدقيق جاد. ومع ذلك، فإن فلسفة التشريع هي الجزء التأملي للفكر القانوني حيث يتم تقديم مثل هذه الأفكار لفحصها بعناية. وهذا هو السبب في أن لفلسفة التشريع، جانبًا مزدوجًا بوصفها انعكاسًا فلسفيًا للقانون وجزءًا لا يتجزأ من أشكال الفكر التي تشكل نظامًا قانونيًا. يمكن متابعة البحث في مسألة التشريع لقيمتها الجوهرية كأحد جوانب الوعي البشري المهمة، أو أحد الجوانب التي تعكس الأرتباط بين الأخلاقي والسياسي. أو يمكن أن تُفرض علينا من خلال ظهور مشاكل لا يمكن حلها بشكل مباشر من خلال ممارساتنا المألوفة وغير التأملية، وكذلك غالبا ماتوحي المشاكل بأن أفكارنا الشائعة حول القانون قد تكون متعارضة. نحن في حيرة فيما يتعلق بكيفية المضي قدما، أو ما ينبغي أن نستنتج. نجد أنفسنا نتساءل عما يجب أن يكون عليه القانون، إذا كانت مفاهيمنا المستقرة الأعتيادية هي إشارة سليمة لطبيعة القانون، أو حتى مكونة لوجوده؟

نعتقد،مثلًا، أن القانون له علاقة خاصة بالعدالة، ونشير إلى هذا الارتباط بالحديث عن المحاكم بوصفها "محاكم عدل"، ووصف القضاة بأنهم "يحققون العدالة وفقًا للقانون". ربما تنعكس الفكرة نفسها في الطريقة التي نتحدث بها عن القانون باعتباره يمنح الحقوق ويفرض الواجبات: فقد نسأل كيف يمكن أن يمنح القانون حقوقًا إذا لم يكن له أساس في العدالة؟ ومع ذلك، نعتقد أيضًا أن القوانين يتم تشريعها في الغالب من قبل بشر غير معصوم من الخطأ وتكون غير عادلة أحيانًا. لا تتعارض هذه الأفكار في معظم السياقات: لأننا ندرك أن الناس يمكن أن يختلفوا حول متطلبات العدالة، ونحن نقبل بأن وجود إطار مشترك من القواعد ضروري، حيث قد لايعكس تشريع القوانين من قبل السلطات المختصة المفهوم الخاص للعدالة الذي نفضله نحن. بعبارة أخرى، نقبل بأن "العدالة وفقًا للقانون" قد لا تكون هي نفسها العدالة المجردة، لأنه عندما تقوم المحكمة بالحكم طبقًا لمقتضيات "العدالة وفقًا للقانون"، فإنها تدير مفهوم العدالة المتجسد في القانون، و قد يختلف هذا عما أعتبر أن الفهم الأخلاقي أكثر صحة لهذه الفكرة. ولكن ماذا عن الحالة التي تكون فيها تشريعات السلطة غير عادلة حقًا، بحيث لا يمكن لأي شخص عاقل أن يعتبرها تجسيدًا لمحاولة تحقيق العدالة بحسن نية ؟ لنفترض، مثلًا، أن الحكومة بشكل علني ومن دون ذريعة تسعى إلى استغلال وقمع بعض الأقليات، دون أن تدعي حتى أن ذلك يتم لأسباب تتعلق بالعدالة؟ هل يمنحنا الارتباط بين القانون والعدالة سببًا وجيهًا للاعتقاد بأن مثل هذه التشريعات لا ينبغي اعتبارها قانونًا على الإطلاق؟ أم هل يجب أن نفكر في القانون على أنه مجرد مجموعة من المراسيم والأحكام الصادرة عن أولئك الذين لديهم سلطة فرض إرادتهم؟ هل ينبغي لنا أن نعتبر الصلات المفترضة بين القانون والعدالة على أنها صلات غير جوهرية، ربما لأنها بلاغية بحتة أو احتفالية،[2] أو ربما تنبع من ارتباط بين العدالة الشكلية واتباع القواعد دون أهمية أخلاقية عميقة؟[3]

تجعلنا مثل هذه الأسئلة ندرك أن مفاهيمنا المختلفة لا يمكن دمجها بسهولة في تفسير واضح لطبيعة القانون. كما أن المشكلات ليست مقتصرة على المواقف المتطرفة للأنظمة غير العادلة والاستغلالية علانية، لأنها موجودة في صميم تفكيرنا القانوني. كيف يمكن، مثلًا، أن يكون تشريع القانون على أساس السلطة المخولة قانونًا؟ من أين تنبع قوانين منح السلطة نفسها؟ وكيف يمكن للقضاة أن يكونوا ملزمين بتطبيق القانون الموجود مسبقًا إذا كان جزء كبير من القانون يتجسد في سوابق، تم إنشاؤها أوتشريعها من قبل القضاة في سياق الفصل في قضايا فردية؟ فكيف يمكن للمرء أن يلتزم بقانون موجود مسبقًا إذا كان لديه القدرة على تغيير القانون في كل مرة يتم تطبيقه فيها أيضًا؟ تكثر مثل هذه الأسئلة في اللحظة التي نبدأ فيها بالتفكير بجدية في افتراضاتنا العادية. يميل أولئك الذين يصرون على طرح مثل هذه الأسئلة إلى إثارة السخط والانزعاج، لأنه قد يُعتقد أن الأسئلة يجب أن يكون لها إجابات سهلة (إذا كان بإمكان المرء فقط التفكير فيها!) وأن أي مظهر يخالف ذلك هو وهم. ومع ذلك، فإن أي محاولة جادة لتقديم إجابات مناسبة ستكشف لنا الطبيعة المستعصية للمشكلة. أثبتت مفاهيمنا المسبقة عن القانون أنها توحي بصور مختلفة، يربط بعضها القانون بالأخلاق بشكل وثيق، في حين لا يفعل البعض الآخر ذلك. نظرًا لأننا نادرًا ما نعزل مفاهيمنا المسلم بها ونعرضها للتدقيق، فقد يكون من الصعب الوصول إلى بيان واضح لا جدال فيه بشأن مضمونها. قد يعطي المنظرون القانونيون المختلفون روايات مختلفة قليلاً عن هذا المضمون، وقد يكون من الصعب تحديد من التقط الأفكار ذات الصلة بدقة أكبر. سيقترح،بالتأكيد، الموقف النظري الذي يفضله الُمنظر هذا التفسير أو ذاك من افتراضاتنا الأعتيادية المألوفة ؛ ولكن، على المنوال نفسه، فإن أولئك الذين يميلون إلى نظرية مختلفة سوف يفسرون مفاهيمنا العادية بشكل مختلف. إذا قمنا ببناء نظريتنا القانونية على افتراض أن الارتباطات الوثيقة بين القانون والعدالة هي جزء من التفاهمات الراسخة التي نحتاج إلى تفسيرها، فسوف نشعر بالفزع من طريقة استجابة العديد من المنظرين القانونيين، لأنهم سيعتبرون حججنا مفتوحة للحل السهل.

كما يلاحظ برادلي، "ليس من السهل قول ما يعنيه الناس بكلماتهم العادية"، ويرجع ذلك جزئيًا إلى "العقائد الجاهزة التي نجلبها حيث تلون العمل كل ما نقوم به."[4] لطالما كانت طبيعة القانون محل نزاع شديد لعدة قرون لدرجة أننا قد نتساءل عما إذا كانت هناك أي أرضية محايدة متاحة. سوف تفتقر نظريتنا إلى أي قوة إقناع ضد منافسيها إذا انطلقت من مقدمات يرفضها هؤلاء المنافسون في البداية. ليس من غير المألوف على الإطلاق أن يستنتج طلاب القانون أن المنظرين المتنافسين يتحدثون ببساطة عن بعضهم البعض، لأنهم غالبًا ما يبدو أنهم ينطلقون من افتراضات قد يرفضها خصومهم. أين يمكننا أن نجد، في المشاجرة بين التأكيد والتأكيد المضاد، بعض التفاهمات االتي يمكن تأييدها على نطاق واسع والتي يحتمل أن تكون مثمرة من طبيعة القانون والتي يمكن أن تقدم وتتحسن حجتنا من خلالها؟

تفي قصة ريكس بعدد من الأدوار المختلفة في حجة فولر، وأحدها استجابة لهذه المشكلة. تذكرنا القصة بأن نظام الحكم بدون أي قواعد لا يمكن اعتباره نظامًا قانونيًا؛ ولا شكل من أشكال الحكم طالما كانت جميع القواعد سرية، أو بأثر رجعي، أو غير مفهومة، أو يستحيل الامتثال لها، أو حيث لا يتبع المسؤولون القواعد مطلقًا، أو كانت مليئة بالمخالفا، أو تتغير باستمرار. لا يتحدث فولر، مثلًا، عن أنظمة يتم فيها إبقاء العديد من القواعد سرية، أو تعمل بأثر رجعي. إنه يتحدث عن نظام تكون فيه جميع القواعد سرية أو بأثر رجعي.[5] تهدف الأمثلة الخيالية إلى تكوين بعض التفاهمات فيما يتعلق بالقانون: لكي يكون هناك قانون، يجب أن يكون هناك: (1) قواعد، وأن تكون القواعد (2) منشورة (3) محتملة الحدوث (4) معقولة (5) غير متناقضة (6) من الممكن الامتثال لـ (7) مستقرة بشكل معقول عبر الزمن، و(8) يتبعها المسؤولون. [6]

قد يبدو أن هذه الافتراضات توفر نقطة انطلاق قوية للحجة. لكن مشكلة الانطلاق من مثل هذه المقدمات التي تبدو واضحة هي أنه قد يكون من الصعب استخلاص أي استنتاجات أو مفيدة منها. يمكننا بالتأكيد أن نجد بعض الملاحظات العامة والشكلية حول العدالة التي يمكن أن نتفق عليها جميعًا إلى حد ما: ولكن هل يمكننا أن نستخلص من تلك الملاحظات أي استنتاجات مفيدة تعزز فهمنا لطبيعة العدالة حقًا؟[7] يواجه فولر مشكلة مماثلة لهذه. إنه يأمل في إثبات أن هناك علاقة ضرورية من الناحية المفاهيمية بين القانون والأخلاق، وبالتالي دحض القانون الوضعي. حاول آخرون الوصول إلى نتيجة مماثلة، لكنهم انطلقوا في الغالب مما قد يبدو أنه نقطة بداية واعدة أكثر. لقد أشاروا، مثلًا، إلى الطريقة التي نتحدث بها عن القانون بوصفه يفرض الالتزامات ويمنح الحقوق، وقد جادلوا بأننا لا نستطيع التفكير بشكل مناسب في القانون بهذه الطريقة إذا اعتبرنا أنه لا أساس في الأخلاق له. أو أشاروا إلى الطريقة التي نربط بها بشكل وثيق أفكار "القانون" و"العدالة"، ووصف المحاكم بأنها "محاكم العدل" والتحدث عن القضاة على أنهم "يحققون العدالة وفقًا للقانون". قد يبدو بناء حجة تربط القانون بالأخلاق من خلال هذه مقدمات. لكن لسوء الحظ، يمكن للقانونيين الوضعيين أن يقدموا ردودًا مقنعة بشكل معقول من شأنها أن تسلب من البداية ما يظهر كقوة لها. وهكذا، يمكن للقانونيين الوضعيين أن يزعموا بشكل معقول أن لغة الالتزام القانوني تعبر فقط عن نتيجة حول قابلية تطبيق قاعدة ما، أو حقيقة أن إجراءً مطلوبًا بموجب قاعدة ما، دون الاستناد إلى أي نوع من الموافقة الأخلاقية على القاعدة أو تطبيقها.[8] يفسر الوضعيون الارتباط الوثيق بين أفكار "القانون" و"العدالة" على أنه ينبع من حقيقة أن العدالة تتعامل مع القضايا على حد سواء. وبالتالي، هناك ارتباط قوي بين فكرة العدالة والتطبيق المتسق للقواعد. لأنه عندما يطبق المرء أي قاعدة، فإنه يعامل الحالات على حد سواء من حيث المعايير التي توفرها القاعدة. ومع ذلك، فإن هذا لا يثبت أن القاعدة عادلة، أو أن تطبيقها صحيح أخلاقيًا.[9]

ليس من السهل على الوضعيين رفض متطلبات فولر الثمانية: لا يرغب الا القليل في الأعتراض على أن نظامًا لا يحتوي على قواعد على الإطلاق، أو حيث تظل جميع القواعد سرية، أو لا يتصرف المسؤولون مطلقًا وفقًا للقواعد (على سبيل المثال) يمكن اعتباره نظامًا قانونيًا. وبالتالي، لا يعترض معظم الوضعيين القانونيين على نقطة بداية فولر، لكنهم جادلوا بأن لا يمكنه بمثل هذا لنظام الأساسي المتشدد أن يستمد أي استنتاجات بشكل صحيح من شأنها أن تؤسس ارتباطًا مفاهيميًا بين القانون والأخلاق. ظل الباحثون يتجادلون حول هذه القضية منذ ذلك الحين حيث أيدت الغالبية العظمى االقانون الوضعي وظظل عدد قليل مصرين على أن فولر كان على حق.

تكشف قصة ريكس كيف أن الجهد المبذول لإيجاد قانون يمكن أن يخطئ فيؤدي الى عواقب وخيمة. يجب أن يُفهم القانون، كما يرى فولر، بوصفه نشاط بشري هادف: أنه من صناعة البشر ويجب فهم سماته المميزة للقانون بالرجوع إلى النقطة الأساسية وهي أنه نشاط بشري. شرع ريكس في تشريع قانون، ولكن بعد سلسلة من المحاولات الفاشلة، وفي ضوء تلك التجربة، كان في وضع يسمح له بفهم طبيعة الهدف الذي حدده لنفسه تمامًا. لقد كان بعد هذه الإخفاقات في وضع يسمح له برؤية أنه من أجل تشريع قانون، يجب على المرء أن يضع قواعد منشورة، محتملة (الوقوع)، مفهومة، غير متناقضة، يمكن الامتثال لها، مستقرة بشكل معقول عبر الزمن، ويتبعها المسؤولون. وهنا بدا يفهم ريكس ما كان عليه أن يفعله عندما بدا في تشريع القانون . لقد اكتشف أن هدفه معقد بطرق لم يتوقعها، وأن محاولات المرء لبلوغ هذا الهدف يمكن أن تنجح بطرق متنوعة.

يعكس هذا، من وجهة نظر فولر، ميزة شائعة في تجربتنا الأخلاقية والسياسية: فنحن نعمق أحيانًا فهمنا لطبيعة قيمة أو هدف من خلال تجربة السعي وراءه.[10] إن المجتمع الذي يسعى إلى "الحرية" أو "المساواة"، على سبيل المثال، سوف يتعلم في سياق السعي وراء هذه القيم، قدرًا كبيرًا مما تعنيه حقًا. ينطبق الأمر نفسه على القانون من وجهة نظر فولر. وهذا هو السبب في أن كتاب "أخلاق القانون" مختلف جدًا في طبيعته عن معظم الكتب الفلسفية الحديثة حول طبيعة القانون أو العدالة. بينما نتجاوز قصة ريكس الرفيعة وغير الواقعية، ونقرأ متن أخلاق القانون، نتعرف على مجموعة واسعة من الخبرات الإنسانية المستمدة من تاريخ محاولات تشريع نظام قانوني والحفاظ عليه. يعتقد فولر أن التفكير في هذه الخبرات أو الأمثلة سيعمق فهمنا لفكرة القانون. معظم أعمال فلسفة التشريع والقانون لا تفعل هذا: فهي تميل إلى تقديم نظام فقير من الأمثلة، وكثير منها مستمد من خيال الكاتب وليس من التجربة التاريخية الفعلية.

يختلف التقليد الفلسفي حول مدى صلة الخبرة الحياتية بفهم الأخلاق. يخبرنا كانط، مثلًا، أنه يمكن حتى للشخص عديم الخبرة في مجريات العالم (وعلى ما يبدو، في جميع الظروف) معرفة ما يتطلبه واجبه الأخلاقي.[11] لكن نلاحظ أن فولر أقرب كثيرًا إلى التقليد الأرسطي هنا. فيشير،[12] الى أن أرسطو قد تنبه منذ البداية الى أنه من السهل معرفة ما تتطلبه العدالة، اذ أن هناك قواعد ثابتة للتعامل العادل يمكن تعلمها بسهولة. لكن تكشف لنا التجربة أن تطبيق مثل هذه القواعد على ظروف الحياة البشرية بعيد كل البعد عن الوضوح: فهي تتطلب حكمًا سليمًا مستنيرًا بنوع من الحكمة الأخلاقية التي تأتي كثمرة للتجربة.[13] يقول فولر أن هناك بالتشابه مع المتطلبات الثمانية. قد يكون من المناسب التحدث عن ثمانية متطلبات منفصلة، لكن لا ينبغي اعتبارها منفصلة عن بعضها تماما، لأنها "لا تصلح لتعبير منفصل وقاطع".[14] يجب أن تؤخذ جنبًا إلى جنب، لإفساح المجال للطريقة التي يمكن لكل واحد من خلالها تأهيل الآخرين. إنها ليست مبادئ أخلاقية مميزة، يجب أن يُنظر إليها بشكل مستقل: بل إنها تمثل جوانب مختلفة لطموح واحد. في ظل ظروف القلق الحقيقي، تؤدي المتطلبات الثمانية إلى مطالب متضاربة. وبالتالي، "لا يمكن النظر إلى يوتوبيا القانون على أنها حالة تتحقق فيها كل رغبة أو أمنية في الأخلاق الخاصة بالقانون إلى حد الكمال".[15] إن درجة معينة من الامتثال للمتطلبات الثمانية ضرورية إذا كان المرء يريد أن يكون لديه قانون على الإطلاق؛ لكن السعي لتحقيق أكثر من حد أدنى من الامتثال سيضع على عاتق المشرع سلسلة من المطالب التي لم يكن أحد يتوقعها. وبالتالي، فإن السعي وراء مثال أو مبدأ الشرعية القانونية يتطلب الحكم والحكمة، حيث يتم إثراء فهم المرء لمتطلبات المثل الأعلى باستمرار من خلال التجربة.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

......................................

[1] Fuller, L. The Morality of Law, revised edn, (New Haven: Yale University Press, 1969), p.33.

[2] Raz, J. "Professor Dworkin's Theory of Rights", Political Studies (1978) 26, p.123.

[3] Hart, The Concept of Law, (Oxford: Clarendon Press, 1994), Ch 8.

[4] Bradley, F.H. Ethical Studies, 2nd edn (Oxford: Clarendon Press, 1927), p.2.

[5] Dworkin, R. Justice in Robes (Cambridge, Mass: Harvard University Press, 2006), especially Chs 6, 7 and 8.

[6] ربما كان ينبغي على فولر أن يضيف بعض المتطلبات الأخرى إلى قائمته. على سبيل المثال، يبدو أنه يعتبر أنه من المسلم به أن سيادة القانون تتطلب من الدولة استخدام القوة أو الأكراه فقط ردًا على انتهاك قاعدة (منشورة، مستقبلية، إلخ)، ولكن ربما كان ينبغي عليه توضيح ذلك على أنه قانون منفصل. (وأساسي للغاية) شرط. كان بإمكانه أيضًا توضيح أن القواعد التي تُخضع الأفراد لسلطة تقديرية واسعة للآخرين تنتهك سيادة القانون. وللمضي قدمًا، ربما كان من الحكمة تضمين شرط أن القواعد يجب أن يتم فرضها بواسطة عقوبات عند الضرورة: لكي تعيش في ظل حكم القانون هو أن تعيش ضمن ضمان أنه يمكن الاعتماد على الآخرين لأداء واجبهم، وهكذا التأكيد غير ممكن (بالنظر إلى ظروف العالم الحقيقي) في غياب العقوبات. إن الحاجة إلى الإنفاذ ليست ضمنية بالضرورة في مطلب فولر للتوافق بين الإجراء الرسمي والقواعد المعلنة، ويبدو أن هذا عيبًا في النظرية.

[7] أنظر مثالا على هذه المقاربة:

Gewirth, A. Reason and Morality (Chicago: University of Chicago Press, 1978).

[8] Hart, Essays on Bentham (Oxford: Oxford University Press, 1982), pp.153-161.

[9] Hart, The Concept of Law, Ch.8.

[10] Fuller, L. The Principles of Social Order, K. Winston (ed.), (D NL: Duke University Press, 1981), pp.47-64.

[11] أنظر : أمانويل كانت، تاسيس ميتافزيقا الأخلاق، تر وتقديم:د. عبد الغفار مكاوي، دار الجمل، كولونيا-المانيا 2002.

[12] Fuller, L. The Morality of Law, p.94.

[13] يشير فولر الى/ أرسطو أخلاق نيقوماخوس، الكتب الخامس من الأعمال الكاملة بالأنجليزية

[14] Fuller, L. The Morality of Law, p.104.

[15] Fuller, L. The Morality of Law, p.45

 

 

حاتم حميد محسنتسعى فلسفة التعليم لإختبار أهداف وأشكال وطرق ومعنى التعليم. مصطلح فلسفة التعليم استُخدم لوصف التحليلات الفلسفية الأساسية لهذه الموضوعات وكذلك لوصف تحليلات لإتجاهات بيداغوجية معينة. وهكذا تتداخل فلسفة التعليم مع كل من حقل التعليم وحقل الفلسفة التطبيقية.

افلاطون (424-348 ق.م)

كانت فلسفة افلاطون التعليمية ترتكز على رؤية الجمهورية المثالية وحيث ان أفضل خدمة للفرد هي عبر الخضوع لمجتمع عادل . الذهن والجسم كانا يُنظر اليهما كوجودين منفصلين . في حوارات فيدو، عبّر افلاطون عن افكاره المتميزة حول طبيعة المعرفة والواقع والروح:

عندما يتحد الجسم مع الروح، فأن الطبيعة تأمر الروح لتحكم، والجسم ليطيع ويخدم. الآن أي من هذين الوظيفتين أقرب الى الإله؟ وأيهما أقرب الى الفناء؟ الا يبدو ان الاله هو الذي ينظّم ويحكم، والفاني هو الموضوع والخادم؟

على هذا الأساس، دعا افلاطون لإنتزاع الأطفال من امهاتهم وتربيتهم كقاصرين تحت رعاية الدولة، مع الاهتمام الكبير في تمييز الاطفال الملائمين لمختلف الطبقات، الطبقة الأعلى هي الأكثر تعليما، لكي يمكنهم العمل كحراس للمدينة ويعتنون بالأقل قدرة. التعليم سيكون كلي وشامل، يتضمن الحقائق، المهارات، التعليم البدني، والموسيقى والفن.

اعتقد افلاطون ان الموهبة تتوزع ليس على أساس وراثي وهي لهذا يجب ان توجد في الأطفال المولودين في أي طبقة اجتماعية. هو بنى على هذا بالإصرار على ان اولئك ذوي الموهبة الملائمة كان يجب تدريبهم من جانب الدولة لكي يكونوا مؤهلين لدور الطبقة الحاكمة. هذا اسّس ضرورة وجود نظام تعليم عام اختياري مبني على افتراض ان الأقلية المتعلمة من الناس كانت بمقتضى تعليمها (وتعليمها الفطري)، كافية للحوكمة السليمة.

كتابات افلاطون تحتوي على الأفكار التالية: التعليم الابتدائي يكون مقتصرا على طبقة الحراس حتى سن الـ 18 عاما يتبعه سنتان من التدريب العسكري الإلزامي ومن ثم التعليم العالي لاولئك المؤهلين. واذا كان التعليم الابتدائي جعل الروح مستجيبة للبيئة، فان التعليم العالي ساعد الروح للبحث عن الحقيقة التي تنيرها. كل من الاولاد والبنات يتلقون نفس النوع من التعليم. التعليم الابتدائي يتألف من الموسيقى والجمناستك، وهو صُمم لتدريب ومزج الصفات الرقيقة والقاسية في الفرد وخلق فرد متناغم.

في عمر العشرين، يجري الإختيار. أحسن التلاميذ سيأخذون كورس متقدم في الرياضيات والهندسة وعلم الفلك. الكورس الأول في برنامج التعليم العالي سوف يستمر لعشر سنوات، سيكون لأولئك الذين امتلكوا موهبة في العلوم. في عمر 30 عاما سيكون هناك اختيارا آخرا، اولئك المؤهلين سيدرسون الديالكتيك والميتافيزيقا والمنطق والفلسفة للسنوات الخمس القادمة. بعد القبول بوظائف في مستوى أدنى في الجيش لمدة 15 سنة، سيكون الرجل قد أكمل تعليمه النظري والعملي في سن الخمسين.

ارسطو (384-322 ق.م)

اعتبر ارسطو طبيعة الانسان، العادات والعقل قوى متساوية في الأهمية يجب تنميتهما في التعليم. فمثلا، هو اعتبر التكرار أداة هامة لتطوير العادات الجيدة. المعلم كان عليه قيادة التلميذ منهجيا، وهذا يختلف عن سقراط في تأكيده على استجواب مستمعيه لكي يجلب افكارهم الخاصة (مع ان المقارنة ربما غير صحيحة لأن سقراط كان يتعامل مع البالغين).

وضع ارسطو اهتماما كبيرا في التوازن بين المظاهر النظرية والتطبيقية للموضوعات المتعلمة. الموضوعات، كما يذكر بوضوح هي هامة بما فيها القراءة والكتابة والرياضيات والموسيقى والادب والتاريخ. من بين اهم المهام التعليمية لدى ارسطو هي انتاج مواطنين جيدين وفضلاء للمدينة. كل منْ تأملوا في فن حكم الناس كانوا مقتنعين ان مصير الامبراطورية يعتمد على تعليم الشباب.

مونتين montaigne(1533-1592)

كانت أفكار الفيلسوف الفرنسي مونتين في تعليم الاطفال متعارضة مع الممارسات التعليمية في أيامه. هو وجد خللا في كل من موضوعات التعليم وطريقة تعليمها للطلاب. الكثير من التعليم الذي عاصره مونتين ركز على قراءة الكلاسيك والتعليم من خلال الكتب. مونتين رفض فكرة التعليم الصارم بواسطة الكتب. هو اعتقد انه من الضروري تعليم الاطفال بطرق مختلفة. هو ايضا رفض الطريقة التي تُعرض بها المعلومات للطلاب. كانت تُعرض بطريقة شجعت التلاميذ على اعتبار المعلومات التي تعلّموها كحقائق مطلقة. الطلاب لم يُمنحوا الفرصة في التحقق من المعلومات ولذلك، فان الطلاب لم يتمكنوا من التعليم الحقيقي. هو اعتقد ان الطالب لكي يتعلم حقا يجب ان يأخذ المعلومات ويجعلها ملكا له. هو اعتقد ان المشرف يجب ان يكون في حوار مع الطالب، يسمح للطالب التحدث اولا. المشرف ايضا يجب ان يسمح بالنقاشات . هذه الحوارات قُصد بها خلق بيئة يتمكن فيها الطلاب من تعليم أنفسهم. هم سيكوون قادرين على ادراك أخطائهم وعمل التصحيحات لها عند الضرورة. التعليم الفردي كان مكملا لنظريته في تعليم الطفل. هو جادل بان الطالب يدمج المعلومات التي يعرفها سلفا مع ما تعلّمه ليشكّل منظورا متفردا حول آخر المعلومات المكتسبة. التجربة ايضا كانت عنصرا هاما في التعليم حسب مونتين. المشرف يحتاج لتعليم الطلاب تجربة فكرية بدلا من تذكّر المعلومات التي تتم عادة في تعليم الكتب. لم يتم الاحتفاظ بأي أهمية ولا قدرات سيتم تعليمها. هو اعتقد ان التعليم من خلال التجربة كان متفوقا على التعليم من خلال الكتب. بعض افكار مونتين في التعليم جرى دمجها في التعليم الحديث.

جون لوك (1632-1704)

في (بعض الأفكار المتعلقة بالتعليم) عرض لوك خطة في كيفية تعليم الذهن لكي نزيد قوته ونشاطه:

"مهمة التعليم ليس ان نجعل الطلاب مثاليين في أي من العلوم، وانما لكي نفتح وتنظّم عقولهم لكي نجعلهم قادرين على تطبيق اي من تلك العلوم". "اذا اعتاد الناس ولوقت طويل فقط على نوع واحد او طريقة واحدة من التفكير، فان عقولهم ستصبح قاسية، ومن الصعب ان تتحول الى طريقة اخرى. ولهذا السبب حين تعطيهم هذه الحرية، هم سينظرون لكل انواع المعرفة، ويطبقون فهمهم على تنوع واسع من المعرفة. انا لا افترض مختلف مخزونات المعرفة، وانما التنوع وحرية التفكير كزيادة في قوة ونشاط الذهن، وليس كزيادة في حجم المعلومات".

لوك عبّر عن عقيدته بأن، الذهن هو "خزانة فارغة"، بالقول" انا اعتقد ان جميع الناس الذين قابلتهم، تسعة أعشار من عشرة هم كما هم، خيّرين او شرّيرين، مفيدين ام غير مفيدين، بمقتضى تعليمهم".

روسو (1712-1778)

مع ان روسو كان يحترم فلسفة افلاطون، لكنه رفضها باعتبارها غير عملية بسبب الحالة الفاسدة للمجتمع. روسو ايضا له نظرية مختلفة حول تطور الانسان، حيث ان افلاطون اعتقد بأن الناس وُلدوا مع مهارات ملائمة لمختلف الطبقات (مع انه لم يعتبر هذه المهارات موروثة)، روسو اعتقد ان هناك عملية تطورية واحدة مشتركة لكل الناس. هذه كانت عملية جوهرية، طبيعية، فيها الفضول هو التجسيد السلوكي الاساسي . هذا يختلف عن "الصفحة البيضاء" tabula rasa لجون لوك لأن هناك عملية نشطة تُشتق من طبيعة الطفل والتي تقوده ليتعلم ويتكيف مع ما يحيط به. هو قال مرة ان الطفل يجب ان ينمو بدون تدخّل البالغين و يجب ان يُراقب لكي يعاني من ممارسة النتائج الطبيعية لسلوكه الشخصي. فهو عندما يواجه نتائج أفعاله، سينصح نفسه.

عمانوئيل كانط (1724-1804)

اعتقد ان التعليم يختلف عن التدريب في ان الأول يستلزم التفكير بينما الثاني لا يتطلب ذلك. بالاضافة الى تعليم العقل، فان الأهمية الكبرى بالنسبة له هي تطوير الشخصية وتعليم المبادئ الاخلاقية. كان كانط داعما لفكرة التعليم العام والتعليم بواسطة العمل.

البرجماتية : جون ديوي(1859-1952)

في (الديمقراطية والتعليم: مدخل لفلسفة التعليم) يعلن ديوي ان التعليم، بمعناه الأوسع هو الوسائل "للاستمرارية الاجتماعية للحياة" بالنظر "للحقائق الاساسية لولادة وموت كل واحد من الأعضاء المكونين للجماعة الاجتماعية". التعليم لذلك هو ضرورة لكي "تستمر حياة الجماعة". كان ديوي مؤيدا للتقدمية التربوية وكان مناصرا قويا لإصلاح التعليم، مشيرا الى ان الاتجاه التقليدي للتعليم في المعرفة الصارمة والسلطوية والمسبقة كان يتعلق جدا بتسليم المعرفة وليس بفهم التجارب الحقيقية للطلاب.

الرؤية الوجودية

الوجودي يرى العالم كذاتية شخصية للمرء، حيث ان الخيرية، الحقيقة والواقع يُعرّفون انفراديا. الحقيقة هي عالم الوجود، الحقيقة يتم اختيارها ذاتيا، والخيرية هي مسألة حرية. موضوع الدراسة في صف الوجودي يجب ان يكون مسألة اختيار شخصي. المعلمون ينظرون الى الفرد كوجود ضمن سياق اجتماعي فيه يجب ان يواجه المتعلم رؤى الآخرين لكي يوضح افكاره. تطور الشخصية يؤكد على المسؤولية الفردية في القرارات. الأجوبة الواقعية تأتي من داخل الفرد وليس من سلطة خارجية. اختبار الحياة من خلال تفكير أصيل يستلزم ان يكون الطلاب في تجربة تعلّم حقيقية. الوجوديون يرفضون التفكير في الطلاب كأشياء يجب قياسها وتتبّعها وتوحيدها.

 

حاتم حميد محسن

 

علي محمد اليوسفتمهيد: اثبت التطور الانثروبولوجي للانسان أنه لا توجد هناك حقيقة تامة كاملة صحيحة مطلقة ثابتة زمكانيا يقدر الانسان التحقق منها أوالوصول لها ويعيشها، يشمل هذا أبسط الظواهر الى أعقدها فهي حالة من الحياة والموت المستمرين الى ما لا نهاية، حالة من الحضور والاندثار، حالة من الصيرورة والتكوّن التي لا تنفك معالجة أخطاءها على الدوام بغياب مطلق الحقيقة كمثال وهمي تقتفيه فلسفة المعرفة بلا جدوى ولا وجود حقيقي له وإنما المطلق في حقيقته غير الادراكية التي لا يمكن الوصول لها، هي مفهوم لوجود إفتراضي يسعى الانسان بلوغه دون محصلة. فمطلق الحقيقة مفهوم ميتافيزيقي وليس موضوعا يدركه العقل واقعيا.

برادلي واشكالية الحقيقة

إعتبر الفيلسوف الانكليزي برادلي توفي منتصف القرن التاسع عشر عاش حياته زاهدا محروما مريضا من كل بهيج ممتع نعتبره اليوم من طبائع حقوق الانسان بالحياة مثل الزواج وتأمين متطلبات العيش بكرامة حيث مات منعزلا معدما.

إعتبر برادلي كل حقيقة نتعامل معها بالحياة علمية أو غير علمية تحمل نسبيتي الصح والخطأ معا، وهذه النسبية توقعنا على الدوام نتيجة تفاوت غلبة الصح على الخطأ أحيانا وبالعكس في الحكم على ما هو صحيح خاطئا في مرحلة متقدمة وظروف متغيرة نجده فيها أصبح الأصح من سابقه حاضرا وجودا في مرحلة لاحقة عليه..

لكن كيف يكون حكمنا يقينيا في تفريق خطأ الشيء من صحته؟ الجواب الاحتكام بقياس معيارية حقيقة كل شيء في عالمنا والحياة التي نعيشها هي حقائق نسبية زائلة أمام السعي المتواصل في الوصول الى (مطلق) الحقيقة التي هي إفتراض وهمي غير موجود سوى في تفكيرنا اليوتوبي الحالم بيقظة هناك مطلق لم ندركه يروم وصوله طموح تفكير العقل الانساني في ملامسة تخومه المطلقة اللانهائية غير المدركة خارج تفكير طموحات العقل بلوغها..

وحكمنا على الشيء يحمل صفتي الصواب والخطأ معا. هنا يكون حكمنا على كل شيء يحمل تمام الصواب هو خطأ مضمر سينكشف لاحقا والعكس منه صحيح . من ضمن ذلك حقيقة عالمنا الذي نعيشه فهو يحتمل صفتي الزيف والحقيقة معا فلسفيا. وهذا لا يعني معادلة طرحها بعض الفلاسفة هي هل وجودنا وعالمنا الذي نعيشه وهما أم حقيقة؟

برادلي أثار تساؤلا إعتبره مفتاح الحل هو هل الحقيقة التي نسّلم بصحتها في وقت ما هي مجرد (درجة) في سلسلة مسيرة المعرفة اللانهائية المكونة من حقائق نسبية يتحتم زوالها ونكتشف خطأها في سلم السعي الدائب للوصول الى حقيقة أصح منها تقوم على تخطئة الصواب النسبي السابق عليها وهكذا تستمر الحياة في مسيرة تصحيح وتجاوز أخطاء ماكنا نعتبره حقيقة صائبة يصبح ونجده خطأ علينا تجاوزه؟.

الحقيقة في أصالتها الصحيحة وتمام إدراكها هي طموح وهمي زائل يفنى لا محالة في سلسلة تجاربنا في مسار التقدم المعرفي والتقادم الزمني معا؟. ولو كانت الحقيقة درجة وفعلا هي كذلك أحيانا في حياتنا فمن السهل أن لا نستغرب إندثارها مخلية السبيل أمام حقائق أخرى اكثر صدقية منها تليها وأكثر مقبولية صادقة على التوالي.

ولو نحن إعتبرنا الحقيقة (نوعية) وليست درجة فهنا تكون الحقيقة تحمل صفتي التناقض المتعايش داخل الحقيقة الواحدة في تفاوت طغيان صفة الصواب مرة وصفة الخطأ مرات وهذه الحقيقة النوعية هي السيرورة الحياتية دائمة الاندثار والتجدد والاستحداث المستمر في مسعى الوصول الى تمام الحقيقة على طريق (المطلق) الحقيقي المحال بلوغه.

بمعنى شديد الاختصار الحقيقة الدرجة فناء حتمي زائل، والحقيقة النوع سيرورة لا تندثر كلية من جدل التضاد والخطأ داخلها بما يجعلها حالة تجدد مستمر يطاول الزمن لكنها تكون عاجزة الوصول الى يقين مطلق الحقيقة الذي هو إفتراض وهمي لا يمكن التحقق من إدراكه. حين نقول الحقيقة كمفهوم معرفي فلسفي علمي لا يفنى ولا يزول فهذا لا يعني اننا انكرنا الحقيقة الفيزيائية العلمية المادة لا تفنى ولا تزول نهائيا. فمفهوم الحقيقة ليس (مادة) في وجود انطولوجي واقعي متعيّن. لذا تكون ماهيات المفاهيم تتبدل وتتغير بخلاف ماهيات المادة فهي ثابتة دائما وابدا.

إذن بضوء ذلك نكرر ما الفرق بين الحقيقة (درجة) عن الحقيقة (نوع)؟ الحقيقة الدرجة في سلم المعرفة هي وجود وقتي لها محكومة بحتمية الموت والاندثار والزوال النهائي مخلية الطريق أمام إستحداث أخرى أكثر صوابا وصدقا، أما الحقيقة النوعية فهي عملية سيرورة تصحيحية متقدمة باقية على إمتداد العصور رغم تعايش الخطأ والصواب في تضاد يحكمه جدل تطوري يعتمل داخلها.

التضاد الجدلي المادي لا يفني المادة بل يستحدث الاكثر من سابقتها جدة ومقبولية وصواب. اما تضاد المفاهيم فيحكمه جدل البقاء للاصلح بمعنى جدل الزوال والفناء الاستعمالي الحضوري من الحياة في استحداث ما هو اكثر صدقية من مفاهيم ايضا يعتمل داخلها التضاد التطوري وليس التضاد الافنائي بالكامل. فالمفهوم كفكر تجريدي في تمثله الواقع هو لا يختلف عن المادة كوجود واقعي في محكومية كليهما لحتمية التطور. والعدم يفني ما هو حي من الكائنات ولا يفني ما هو مادي بلا روح في الموجودات الطبيعية..

اين حقيقة وجودنا؟

زعم الفلاسفة منذ القدم أن ما قد يظهرلنا من العالم ليست حقيقته بل شبحيته الزائلة وهو ما ردده افلاطون ايضا. فالذي يظهر أمامنا من ظواهر واشياء ندركها ونحسبها مكتسبة صدق الحقيقة الثابتة بالحواس لا تلبث أن تزول وتتلاشى وتفنى على إمتداد زمني تعاقبي لذا نجد الفلاسفة منذ عصور طويلة تساؤلوا " هل الوجود الحقيقي هو غير هذا الوجود الذي نعيشه الزائل الفاني في جميع مكوناته وظواهره التي نعيشها بزيف نتكيف التعايش معه في عجزنا إثبات لا حقيقته؟"1.

كما نعلم ذهب الايليون وأقتفى أثرهم افلاطون ومن بعده عشرات الفلاسفة منهم نيتشة وهيدجر التفرقة بين عالمين عالم الظواهر وعالم الحقيقة، ورأوا عالم الظواهر الذي تحكمه الحركة والتغيير والسيرورة الدائمية، والتعدد والكثرة، هو عالم الوهم والزيف واللاحقيقة الذي تدركه الحواس في إحساسات زائلة. أما عالم الحقيقة – الذي يحكمه الثبات - تحكمه ميزتان أساسيتان هما الوحدة والكون الذي يدركه العقل المفكر. وعالم الحقيقة النوع لا تدركه الحواس ولا يمكن معرفته أو أن نشعر به 2.

بالحقيقة لا إختلاف حقيقي من وجهة نظرنا في كلا الاحتمالين المصاغين بلغة فلسفية طالما مرجعية كل مدرك نعيشه ويتعايش معنا هو العقل. فادراك الحواس الذي بضوئه حسب رأي بعض الفلاسفة يكون عالما زائفا، هو نفس ادراك العقل الذي يعتمد الحواس في إدراكه وفهمه العالم من حولنا الذي يعتبره نفس الفلاسفة عالم الحقيقة الصادق الصحيح غير المخادع.. بمعنى أكثر توضيحا من المحال إمتلاك الحواس منفردة قدرة بناء عالم نعيشه وندركه زائفا كون الحواس تضليلية لعقولنا. كما ولا يمكن لتفكير العقل بناء عالما حقيقيا نعيشه بمعزل عن عالم الحواس الخداع. ثم بأية آلية كيفية يمكننا تمييز عالم الزيف عن عالم الحقيقة؟ هل بالاحتكام للحواس وحدها منفردة وهو محال، ام بالاحتكام الى منطق العقل المعزول عن بدئية مدركات العقل للعالم عن طريق الحواس وهو محال ايضا؟.

الحقيقة والمناطقة

السؤال الذي أثاره برادلي ونحاول مناقشته وأشرنا له في سطور سابقة هو هل الحقيقة (درجة) زائلة في نشدان المطلق، أم الحقيقة (نوع) ثابت يحمل نقيضيه في تضاد الصح والخطا النسبيين معا معرفيا جدليا في تفاوت غلبة صفة الصح أحيانا على حمولة الخطأ، وغلبة صفة الخطأ أحيانا أخرى على حمولة الصح الصواب؟.

جواب الفلاسفة المناطقة أنهم لا يعترفون بهذا التصنيف لما يبدو حقيقي مؤقت وما هو خاطيء محكوم بحتمية الاندثار والتلاشي العدمي. قولهم في حال إعتبارنا الحقيقة (نوع) يحتمل صفتي الخطأ والصواب معا، فهي لا تنطبق عليها المقولة المنطقية :لا يكون معنى الشيء صحيحا وخاطئا في وقت واحد والثالث مرفوع بينهما. وهو ما لا ينطبق على كل حقيقة نتداولها بمعيارية الصح والخطأ أو ظاهرة نعيشها أيضا بمعيارية الصح والخطا.

والإحتمال الوهمي (الثالث المرفوع) الذي يتوسطهما في جمعه الصح والخطا يكون غير موجود فلا يمكن أن تكون الحقيقة صائبة وكاذبة في وقت واحد فهي إما أن تكون صائبة وإما أن تكون خاطئة مغلوطة والجمع بين الصفتين صائبة وكاذبة لا يقبله منطق العقل.

لكن الحقيقة كلاما ولغة يمكن أن تكون صحيحة تحتمل الخطأ أو خاطئة تحتمل الصح في محاولة إستعارتنا تعبيرات صوفية الشيخ جلال الدين الرومي. وهذا يساير المذهب الفلسفي الذي يرى أن الحقيقة كنوع لا تندثر بالزوال الذي يبطل التطور المعرفي الانساني، لذا فالحقيقة النوعية سبب تطورها وعدم اندثارها مع الزمن أنها تحمل وتجمع داخلها نسبية وجود الصواب ونسبية وجود الخطأ معا حتى على صعيد حقائق العلم. وتبقى السيرورة الزمنية الفيصل بين الاندثار الحتمي الخاطيء للحقيقة الدرجة والصواب الحتمي للحقيقة كنوع من السيرورة الدائمية لا تندثر ولا تفنى. ولا يعني هذا أن الحقيقة النوع لا تحمل معها صفتي الخطأ والصواب معا في تضاد جدلي داخلها لاحقا يعيق تجاوزها.

سقراط والمثالية

حول مفهوم حقيقة عالمنا المادي كان أفلاطون يرى كل ما تدركه الحواس متغيرا غير ثابت لا يمكن التعويل على صحته والاخذ به، وهو نفس ما قال به الايليون أن مدركات الحواس خاطئة زائلة ومدركات العقل ثابتة وهي تمثل الحقيقة الصواب.

طبعا لو نحن سلمنا علميا كما في وقتنا الحاضر الحواس هي مبتدأ ادراك العقل لعالمنا وموجوداته فلا يبقى معنا أي معيار حقيقي ينكر على الحواس عدم صدقيتها لأنها متغيرة بما تنقله من إحساسات زائلة ويأخذ بمعيار العقل الثابت الذي يتجاهلون فيه أن معيارية صدق أفكار العقل بدايتها هي ما يستقيه العقل من حقائق ثابتة نسبيا يكون مبتدأها الحواس.

مبتدأ إدراك الحس العقلي هو الوجود السابق على الادراك والحواس المدركة له ومن دونهما لا يدرك العقل شيئا لا ثابتا ولا متغيرا متحركا بمعنى المحكوم بالاندثار والزوال كما ولا يستطيع بناء حقائقه بغير إحساسات الحواس الادراكية حتى لو كانت على شكل إنطباعات مؤقتة زائلة يستمدها من موجودات العالم الخارجي.

سقراط كي يخلص من هذه الاشكالية التي تنتصفها الميتافيزيقا وتتوزعها جوهريا كمفاهيم مطلقة لا يمكن التحقق من محدوديتها الادراكية لها كغيرها من الاشياء والموجودات أنطولوجيا، إتجه سقراط نحو عالم (المثل) المطلقة المقارن بعالمنا المادي وظواهره الذي نعيشه. معتبرا الكمال الحقيقي موجود في المطلقات التي هي مفاهيم نتقاسمها مع صفتي التحقق منها وصفة المطلق الميتافيزيقي الذي ننشده ولا ندركه متمثلا بالكمال الذي لا يمكن بلوغه.

لذا إعتبر سقراط مفاهيم مطلقة مثل الاخلاق والشجاعة والمباديء والتقوى والعدالة والفضيلة والشجاعة سر قوتها في حقيقة ثباتها غير الزائلة عبر العصور ولم يكن موفقا في تعبيره بمعايير ما وصلناه من معرفة اليوم إذ أصبحت حتى هذه المفاهيم رغم مطلقيتها غير المحدودة إلا أنها أصبحت محكومة بزمن التغيير والتبدل وليست ثابتة كمباديء ازلية. فمثلا صدق الاخلاق لم تعد اليوم ثابتة لم تتغير كما كانت سائدة قبل عدة قرون ومثلها مع الشجاعة والتقوى والعدالة وغيرها. فهي مفاهيم أصبحت معيارية يحكمها التغير الزماني والمدني الحضاري للانسان. فشجاعة السيف التي سادت قرونا طويلة من عمر البشرية نجدها تراجعت اليوم أمام شجاعة الرأي والحكمة الأكثر جدوى مقبولية من وحشية شجاعة السيف وهمجيته الدموية.

إعتبر سقراط هذه المباديء المفاهيمية الانسانية المطلقة مثل صفات الاخلاق والعدالة والحق حقائق ثابتة صادقة لا يمكن التشكيك بها، وهذا الصدق المطلق الثابت للمفاهيم يرفض ما يدور حوله من ظواهر متغيرة زائلة تلازمه لا قيمة حقيقية لها. قائلا " كل ما يتّغير لايكون علما بالمعنى الدقيق، فالعلم لا بد أن يتصف باليقين الذي لاتزعزعه إختلافات الناس حوله ولا إختلاف العصور بالتقادم الزمني عليه"3

سقراط هنا إعتبر المفاهيم الثابتة مثل الاخلاق والفضيلة والعدالة التي لا تتغير هي مباديء (علمية) لا تحتاج البرهنة على صدقية يقين العمل بها. ولم يناقش سقراط مسالة نسبية حقائق العلم هي الاخرى غير ثابتة ومتغيرة حالها حال المفاهيم المطلقة الانسانية المجردة التي لا يمكننا هي الاخرى التحقق من ثباتها في مطلق الوجود وعلة ذلك أننا نتعامل بها كثوابت مبدئية تتطور وتتقدم وليست مطلقات لا يمكن التنبؤ بها أن تكون وقائعا نعيشها..

فالقيم الاخلاقية وجميع المفاهيم الاخرى التي تشابهها في اليقين التسليمي لنا بها هي ايضا متغيرات عبر العصور والايمان بمطلقيتها الثابتة ضرب من الخيال الاخلاقي السليم القصد الذي يجعل من الاخلاق مرتكزها نزعة الخير الانسانية المزروعة في النوع الانساني بالفطرة.

نعزو سبب هذا التداخل المفهومي بين إن كانت الاخلاق والشجاعة والحكمة مباديء مفهومية مطلقة ثابتة أم هي سلوكيات متغيرة متبدلة عبر العصور والازمان معيار ذلك الحقيقي هو ما توصل له التقدم العلمي في فرزه مابين التحقق من صدقية حقيقة أي شيء هو التجربة ويكون حقائق علمية نسبية، وبين المفاهيم الاخلاقية التي لا يخضع التيّقن من صحتها معيار التجربة العلمية التي لا تنطبق عليها فهي افكار افتراضية مجردة خارج تصرف السلوك الانساني بمقتضاها لذا إعتبرها العلم علوما انسانية التحقق منها يكون على صعيد تقصّي حقائق الاركيولوجيا وحقائق التاريخ الاثارية الخفيّة والمكتشفة منها والمكتسبة.

حين نقول اليوم علم الاخلاق أو علم التاريخ أو علم الاديان أو علم اللغة فهي لم ولن تكون معيارية إكتسابها الصفة العلمية فيها تكافيئ معيارية إكتساب العلوم الطبيعية في (التجربة). إختلاف التجربة العلمية أنها غير ثابتة متغيرة على الدوام في توازي متغيرات معيارية التحقق من حقائق العلوم الانسانية دائمة التغير ونسبية الصواب فيها خارج التجارب العلمية في إعتبار فلاسفة اليونان ماهو ثابت يعني ما هو حقيقي دائم مطلق لا يتغير عبر العصور والازمان وهو ما ثبت خطأه البديهي اليوم .

هذا الاختلاف العصري التمديني فرز ما هو علمي مكتسب يقينه بالتجربة وبين ما هو علم انساني لم يكتسب ولا يكتسب يقينيته بالتجربة العلمية كونها علوم مفاهيمية مجردة انسانية لا تقوم على معطيات واقعية مدركة تنطبق عليها تجارب العلوم الطبيعية. ولم يكن مثل هذا الفرز موجودا معروفا عند الايليين في إعتبارهم ثبات الحقيقة يعني هي ماهيتها الجوهرية التي لا تتغير. تاركين معرفة أن ثبات الماهية بالاشياء – في حال إفتراض صحة التحقق من وجودها في الاشياء الذي يدركه العقل – هي من مدركات العقل الخيالي غير العملي وليست من المدركات العقلية التي تؤيدها تجارب العلم أو التحقق الادراكي من حقيقتها... ماهية الاشياء الفلسفية هو إفتراض تحكمه الشكوك وفقدان البرهان عليه أرجح من أن تكون ماهية الاشياء حقيقة قابلة للادراك العقلي.

الحقيقة والماهية

بالعودة الى برادلي نجده تجاوز سقراط قوله الحقيقة الكاذبة الزائلة مصدرها الحواس، والحقيقة الثابتة الصائبة مصدرها العقل، الى القول تنقسم الحقيقة الى (درجة) محكومة بالزوال مصدرها الحواس، والى حقيقة (نوع) مصدرها العقل وميزتها الثبات المستمد من ثبات (ماهيتها). هنا اراد برادلي التفريق بين الصفات الخارجية المتغيرة في الاشياء وبين ماهياتها الثابتة التي لا تتغير وهي ثابتة تمثل حقيقة الشيء." وهذه الفكرة كانت واضحة عند افلاطون الذي كان يعتقد أن عالم الحس هو عالم التغيير غير الثابت لذا فهو غير حقيقي لان الحقيقة ابدية ساكنة لا تتغير، والحقيقة كلية لانها تقوم على اساس الماهيات الثابتة كما سبق لسقراط قوله."4

بمجيء كانط من بعد اسبينوزا حسم المسالة بذكاء محايد دونما الخوض في معترك الاشكالية قوله " العالم قسمان هما عالم الظاهر وعالم الباطن أو عالم الشيء بذاته. فهناك الظواهروالاشياء – والقول لكانط - على نحو ما تبدو لنا، ثم هناك الاشياء كما هي في ذاتها. وأضاف وليست تلك القسمة خاصة بالعالم ككل وحسب، وإنما كل شيء من أشياء العالم له ظاهر وباطن أو مظهر وحقيقة"5

تعقيب

- كانط برأيه الذي اشرنا له كان مراوغا ذكيا حين وصف العالم الباطن هو ما يمثل حقيقة ذلك العالم أو الموجودات، وتحاشى القول بصريح العبارة كل موجود له ظاهر متكون من مجموع صفاته الخارجية المدركة حسيا وعقليا، وله جوهر خفي يحتجب خلف صفاته الظاهرة يمثل حقيقته الثابتة التي أطلق عليها سقراط الماهيات.

- كانط يعرف حقيقية الاشياء في جوهرها غاية لا يدركها العقل وقال ذلك بكتابه نقد العقل المحض، العقل الذي يدرك الظواهر فقط أي يدرك إحساسات ما تنقله الحواس. ويعرف كانط ايضا بخلاف اسبينوزا أن الموجود لا يدرك عقليا بدلالة الماهية أو الجوهر التي قال بها قبله اسبينوزا أن الوجود يدرك بدلالة الجوهر غير المدرك عقليا لما يحتويه طرح اسبينوزا من ميتافيزيقا دينية اجتنبها كانط بحذر شديد..

- مفارقة عجيبة قال بها اسبينوزا وردد عكسها كانط. يترتب على ذلك تساؤل كيف يجزم كانط أن حقيقة الشيء أو العالم الموجود يبرهن صوابها بالماهية أو الجوهر أو الوجود بذاته لا فرق بين هذه التسميات جميعا، في حين جميع هذه التعبيرات لا تحتوي مضمونا يسترشد به العقل كون الوجود بذاته أو الجوهر أو الماهية لا يدركها العقل حسيا. فكيف تكون حقيقة العالم بكيفية ثابتة لا تتغير داخل كل موجود، وهذه الماهية الثابتة لا يدركها العقل لسببين: الاول لا نستطيع الجزم أن الاشياء والموجودات تمتلك ماهيات ثابتة أو جواهر ثابتة لا يدركها العقل ولا يعرف ماهي كي يترتب على معرفتها برهان حقيقتها الوجودية الصادقة. ثانيا محدودية الادراك العقلي عند الانسان يجعله عاجزا معرفة ماهيات الاشياء المحتجبة خلف صفاتها الخارجية أو ما يسمى الباطن. وكيف نثبت أن في باطن الاشياء توجد ماهيات لا يدركها العقل.؟

- علينا التفريق بين وجهتي نظر فيلسوفين أحدهما كانط الذي لم يعتبر وعي الشيء بذاته وحقيقته يتوقف على معرفة ماهيته، كانط إعتبر معرفة ماهيات الاشياء ضرب من ضروب مباحث الميتافيزيقا وليست برهانا يمكن بواسطته الوصول الى حقيقة الشيء. ولم يجزم كانط أن جميع موجودات العالم من حولنا تمتلك ماهيات لا يدركها العقل. وترك الامر معلقا حتى مجيء فلاسفة الفينامينالوجيا بزعامة هوسرل الذي كان تاثيره الفلسفي قويا في الفلسفة الوجودية التي حسمت الموضوع على يد سارتر فقط دون غيره.

- بخلاف كانط كان سبق لاسبينوزا أن جاهر بأن ظاهر كل شيء يختزن جوهرا أو ماهية داخله لا يدركها العقل بدلالة صفات ذلك الشيء الخارجية، والجوهر أو الماهية لا تدرك بدلالة وجود الشيء، بل الوجود يدرك بدلالة ماهيته التي لا يدركها العقل لأن جواهر الاشياء هي من جوهر الخالق وإدراك الجزئي منها يكون متاحا بدلالته إدراك أجزاء أخرى غيرها هي من صفات جوهر الخالق وهو محال ويدخل في باب تشييء الخالق بصفات يدركها عقل الانسان...

 

علي محمد اليوسف /الموصل

...............................

الهوامش:

1- امل مبروك /الفلسفة الحديثة /ص 254

2- نفسه ص 255

3- نفسه ص 256

4- نفسه نفس الصفحة

5- نفسه نفس الصفحة

 

 

تفسير الظواهر الاجتماعية يرتبط بتأويل الرموز المعرفية في اللغة. وكُلُّ مُجتمع إنساني لا يعيش داخل اللغة، سيجد نَفْسَه بلا هُوِيَّة ولا بَصْمَة، وهذا يعني أنَّ إيقاع الحياة اليومية سيعيش في الفراغ (خارج الزمان)، وتاريخ التحولات الشعورية سيعيش في العَدَم (خارج المكان). لذلك، يجب على الإنسان إعادة اكتشاف اللغة، لَيس مِن أجل إكمال نَقْصِه أوْ توسيع أُفُقه فَحَسْب، بَل أيضًا مِن أجل تكوين منظومة وجودية قادرة على تكوين الدَّلالات اللغوية في الأنساق الاجتماعية، وتفجيرِ الطاقة الرمزية في اللغة، كَي تصبح اللغةُ قادرةً على توليدِ الأزمنة والأمكنة باستمرار، وتأسيسِ قواعد منهجية لتفسير الظواهر الاجتماعية ضِمن صَيرورة ثقافية، تستطيع تحويلَ الشكل إلى مَضمون، وإحالة المَضمون إلى مُستويات الوعي الفردي والجماعي. وعمليةُ ارتباط المَضمون بالوَعْي تُجسِّد فلسفةَ اللغة رمزيًّا واجتماعيًّا، لأن هذه العملية هي التي تُشكِّل نظامَ المعرفة الإنسانية الذي يتكوَّن مِن المَعْنى والوَعْي بالمَعْنى. وهذه الثنائيةُ الفكرية تُمثِّل مركزَ الظواهر الاجتماعية، الذي يُحوِّل الطاقةَ الرمزية في اللغة إلى كُتلة إنسانية في المجتمع.

2

الأُمُّ هي التي تُربِّي، ولَيست التي تُنجِب. وكذلك اللغة هي التي تُوظِّف الأُسَسَ المعرفية في سِياق الفِعْلِ الاجتماعي والشَّرْطِ الإنساني، ولَيست التي تُنجِب الألفاظَ الخاليةَ مِن الشُّعور، والمعاني العاجزةَ عن الامتداد والدَّيمومة. وسببُ عَجْز الإنسان عن معرفة نَفْسِه، يَرجع إلى عَدم قُدرته على مَعرفة اللغة، فهو يَعتبرها مَجموعة من الألفاظ، ووسيلة للتخاطب لقضاء الحاجات اليومية. وهذه هي قِشرة اللغة الخارجية، ولكن اللغة شديدة العُمق، والسابح إذا استهانَ بالبحر سَيَغرق. ورحلةُ الإنسان إلى معرفة اللغة رُوحًا وجسدًا، لا تتأتَّى إلا بالاستعداد للغَوص في الأعماق، وعدم الاكتفاء بِمُلامَسَة السَّطْح. وعلاقةُ الإنسان معَ اللغة هي عملية تنقيب مُستمرة، وكُلُّ انقطاع يُمثِّل فَجْوَةً في مسار التفسير الاجتماعي، وثَغْرَةً في مَجال التأويل اللغوي.

3

تفسيرُ الظواهر الاجتماعية يعتمد على إيجاد الأفكار القادرة على حَمْل التفاصيل اليومية المُعاشة، وإيصالها إلى حرارة التجربة الإنسانية، مِن أجل بناء أنساق معرفية قادرة على التعامل مع اللفظ اللغوي حقيقةً أوْ مَجَازًا، وتوظيفه في المَعنى الاجتماعي العام، والتحررِ من ضغط العناصر الزمانية (وذلك بنقل الماضي إلى الحاضر، والانطلاق إلى المستقبل، وبذلك يكون الماضي شرعيةً وُجوديةً، وقُوَّةً دافعةً إلى الأمام، ولا يَكون مشروعًا للهُروب وعِبئًا ثقيلًا)، والتحررِ من ضغط العناصر المكانية (وذلك باستعادة الحُضُور وانتزاعه من الغياب، ونقل مَاهِيَّةِ العَدَم إلى هُوِيَّةِ الوجود، والانطلاق مِن نَفْي المعنى الحضاري إلى إثباته. وبذلك تكون الحياةُ شهادةَ مِيلاد للوُجود المُتجدِّد، ولَيست هاويةً مُرتبطةً بالمأزق الوجودي). والظواهرُ الاجتماعية حِين تتكرَّس في اللغة، فهذا دليل على تفسير الواقع والوقائع وإيجاد رواية منطقية للأحداث، ولَيس فُرصةً للهُروب من تحدِّيات الحياة اليومية. وكما أنَّ اللفظ اللغوي يَكشف عن المُراد الاجتماعي، كذلك التاريخ الإنساني يَكشف عن مركزية اللغة في الوجود، ودَوْرِها المِحوري في التَّفريق بين الحَياةِ الحقيقية والحياة الوهمية (المَوت في الحياة).

4

تأويلُ الرموز المعرفية في اللغة يعتمد على التراكيب الفكرية الإنسانية، والمعاني المُستمدةِ مِن باطن الأشياء، وحقيقةِ المُراد. والعلاقةُ بين التأويلِ كأداة معرفية واللغةِ كنظام وجودي، تقوم على استنباط الوَعْي المُسْتَتِر والفِكْرِ الكامنِ والثقافةِ الخَفِيَّةِ. ويَستند التأويلُ اللغوي إلى السِّياق الاجتماعي وأُسلوبِ حياة الإنسان (طريقة تفكيره وتعامله مع العناصر المُحيطة به، وزوايا الرؤية إلى الأشياء جُمْلَةً وتفصيلًا). لذلك، ارتبطَ المجتمعُ بالتَّفسير، وهو كشف المَعنى الواضح القائم على الاتِّباع، والمُستفاد مِن العِبَارة (النَّسَق الظاهري)، وارتبطت اللغةُ بالتأويل، وهو كشف المعنى الغامض القائم على الإبداع، والمُستفاد مِن الإشارة (النَّسَق الباطني). وإذا أدركَ الإنسانُ الفروقات العميقة بين التفسير والتأويل في الخيال والواقع والمشاعر والأفكار، فإنَّه سيعرف تفاصيل الظواهر الاجتماعية، ويَستوعب رمزيةَ اللغة.

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

محمود محمد عليالتفسير والتأويل مفهومان تطورا عبر التاريخ الإسلامي، وكان لكل منهما دلالالته المختلفة في كل مرحلة من مراحل هذا التاريخ . من هنا جاء اهتمام الدكتور نصر حامد أبو زيد بدراسة التأويل، وأعاد الاعتبار له مؤكداً أنه يمثل ممارسة مشروعة في الثقافة العربية المعاصرة، ومعتبراً أن تجديد الخطاب الديني يجب أن يستعيد فريضة التأويل الغائبة، وفي خضم تحديد نصر حامد أبو زيد لمفهوم التأويل المنشود لبناء خطاب ديني جديدة لم يفته نقد التأويل المعاصر متهماً إياه بالتلفيقية وبالنفعية الإيديولوجية وغيرها من التهم .

 وقد قرأ نصر حامد أبو زيد النص القرآني انطلاقا من رغبته في بناء جدلية بين الماضي والحاضر من جهة، والبحث عن الخصائص اللسانية العميقة للغة الدينية التي توفر لها الإنفتاح الزماني والمكاني من جهة أخرى. فهو يسعى من خلال تأويله لمختلف آي القرآن إلى تحقيق الفهم الدقيق لها بفك شفرات النص والحصول على دلالات للعلامات النصية التي تشكله، وهذه القراءة وجب أن تتجاوز كل القراءات السابقة، خاصة التاريخية منها أو تدحضها نهائيا، ولا سبيل لذلك إلا باعتبار هذا النص نسيجاً لغوياً متماسكاً لا تظهر معانيه إلا بجعل المناهج التى تتصل بنظريات ما بعد الحداثة وسيلة وإجراءاتها سلاحا لا غىني عنه (1).

 والسؤال كيف نظر نصر حامد أبو زيد إلي التأويل؟ .. ولماذا وضع التأويل في تضاد مع التفسير؟ .. ولماذا نقد التأويلات المعاصرة ؟ وما هي المرجعيات الفكرية التي وجهت تأويله للنص القرآين؟ .. وما الإجراءات النقدية التي توسل بها لفك شفرات هذا النص؟.. وهل استطاع فعلاً أن يتجاوز ما يطلق عليه اسم التفسري التاريخي للنص الديين؟ وما علاقة التفسير بالتأويل في نظره ؟.

 وللإجابة علي تلك التساؤلات يمكن القول بأن مشروع نصر أبوزيد قد جاء في وقت شهد صعود نجم التيارات السلفية في مصر وخفوت مشاريع تنويرية مثلتها كتب محمد عبده "الإسلام دين العلم والمدنية"، وطه حسين في كتابه "الشعر الجاهلي"، وعلي عبد الرزاق في كتابه "الإسلام وأصول الحكم"، حيث تناول كتاب نصر "مفهوم النص" النص القرأني بالنقد والتحليل بصفته "منتجًا ثقافيًا" أنتجه واقع العرب التاريخي والإجتماعي خلال عهد النبوة، وأبعد النص القرأني عن أي بُعد ديني مطبقًا عليه الشروط النقدية كأي نص أدبي، ولا شك أن مشروع نصر حامد أبوزيد ذا روؤية عميقة لمفاهيم قراءة وتأويل النص القرآني (2).

  وربما كان اشتغال نصر حامد أبو زيد في التأويلات منجزه الأهم، وعموده الأساسي لمشروعه الفكري، وفي الوقت نفسه السبب نفسه في حملة الهجوم الشعواء التي تعرض لها، وانتهت بتكفيره، ودخوله في محنته المعروفة، وقد ضمن نصر حامد أبو زيد كتابه الشهير " مفهوم النص دراسة في علوم القرآن"، نظريته الخاصة في التأويلات، إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يطورها وينقدها ذاتيا حتي السنوات الأخيرة من حياته، وامتلك الشجاعة الأدبية والفكرية ليراجع بعض طروحاته، لا بل أن يغير منطلقات نظرته للنص المقدس نفسه .

  قدم نصر حامد أبو زيد قراءة تحليلية تفكيكية للتراث، داعيا إلي تجاوز القراءات السابقة للقرأن التي كان تنظر إليه كنص، وإعادة قراءته كخطاب محمول علي نص، كما شجع علي تعدد التأويلات، ولم ير ضيرا في دخولها في سجالات .

  لقد انتقد نصر حامد أبو زيد التأويلات المعاصرة، واتهمها بالتلفيقية، وقدم نظريته للتأويل، وللمفارقة تعرض هو ذاته بالنقد نفسه، من بعض الكتاب والباحثين العرب، حتي أن هناك من اتهمه بأنه انطلق من الأرضية الأصولية نفسها، التي انطلق منها خصومه، وبين مؤيد وناقد بنصر حامد أبو زيد سيستمر السجال ولن ينتهي، لكن تبقي نظرية نصر حامد أبو زيد في التأويلات واحدة من محركات الفكر العربي المعاصر في هذا الحقل (3).

   ونصر حامد أبو زيد في إطار تأسيس مشروعية للتأويل كما نجده في كتابه النص، السلطة، الحقيقة، لم يكن ليرتضي هذه النتيجة، فراح يبحث في تطورها التاريخي، وعلاقتها بالسياسي والاجتماعي، تماشيا مع نظرته في أن القراءة الواعية للتراث لابد أن تهتم بالجوانب الثلاث: الشرط الاجتماعي، الممارسة السياسية، والتراث الفكري (4).

  إنّ النص القرآني في تقدير نصر حامد شأنه شأن أيّ نصّ آخر قُدّ من لغة مخصوصة تعبّر عن المجتمع المُشكّل له، وبهذا المعنى فالنص القرآني "منتج ثقافي" أي أنّه تشكل في الواقع الجاهلي خلال عشرين سنة (تقبّل الرسول محمّد للوحي)، وفي ذلك تقويض للطرح التقليدي المهيمن على الفكر الإسلامي القائل بأنّ للنص وجودا ميتافيزيقيا غيبيا سابقا لوجوده في عالم الشهادة، وبخصوص هذه المسألة حرص "أبو زيد" على التمييز بين مصدر النص وطبيعة النص، فأنْ يكون القرآن الكريم وحيا إلهيا فإنّ ذلك لا ينفي عنه أنّه نص بشري بالنظر إلى أنّ الوحي قد تأنس عندما تجسّد في اللغة والتاريخ، مما يجعل "القرآن الكريم" محكوما بجدلية الثبات والتغيّر، فالنصوص ثابتة في المنطوق مُتحركة مُتغيّرة في الدلالات، فالقول بألوهية مصدر النص لا ينفي واقعية محتواه، ولا ينفي انتماءه إلى البشر، وعلاقته الجدلية مع الواقع (5).

  لقد انطلق نصر حامد في فهم لماهية "النص" من مقدمة مؤدّاها أنّ النص صنو الواقع الذي نشأ فيه، ذلك أنّ اللغة لا تكون مفارقة لثقافة الجماعة المُستخدمة لها، وبناء على ذلك ذهب إلى أنّ النظر في النص القرآني يقتضي الإلمام بنظام اللغة العربية ومنظومة القيم والأعراف والتقاليد الجاهلية (6).

   ثم يختار نصر حامد أبو زيد "منهج تحليل الخطاب" آلية لمقاربة التراث مقاربة تأويلية. وسواء قرأنا التراث أو اكتفينا بتحليل النص الديني، الذي يعتبره أبو زيد الخيط الناظم لجميع المعارف التراثية لما يقدمه لها من أفق فلسفي ورؤية للعالم، فإن على التأويل أن يتفاعل معه وفق الخطوات التالية: الكشف عن الخطابات الظاهرة والمضمرة في النص، تعيين دلالات المفهوم، ودلالات المنطوق، تحليل بنية الخطاب السردية والأسلوبية، اكتشاف السياق، وتحديد نوعه، اكتشاف دلالات سيميولوجية أو غيرها (7).

واستقبال مشروعه من طرف الباحثين في الدراسات الإسلامية لم يخل هو الآخر من نقد حاد، فعلي حرب مثلا، يؤكد أن «خطاب نصر حامد أبو زيد يناهض الأصولية ولكنه يقف على أرضها»، لا على أنه يفككها من داخل، بل على أن الفرق بينه وبينها فرق في الدرجة لا النوع. ويعيب عليه بعض التلفيق المنهجي، وقلة الجدة والإبداع، وأنه وهو يناهض الأيديولوجية التي صبغت الفكر الإسلامي، كان خطابه أيديولوجيا بالأساس (8)، ويدلل حرب على رأيه أن نصر استمر في نفس النهج من بحث وتوليد للمفاهيم الإجرائية في الشرح والتفسير، كالتأويل والنسخ وأسباب النزول، وبالتالي أبقى نصر على نفس اللغة الماورائية الغيبيبة للأصوليين في حين أن مشروعه الفكري يقوم على الدعوة للتحرر منها.

  ونستطيع أن نفهم أيضًا ما دفع محمد أركون لكي يصف قراءة نصر أبوزيد للنص القرآني بالقراءة "العادية (9)- مثلها مثل القراءات الماركسية لطيب تيزيني وحسين مروة، والأبستمولوجية مثل قراءة محمد عابد الجابري. والتي لم تسطع أن تصل إلى مساحات "اللامفكر فيه" في الثقافة العربية وهذا ما يجب الإلتفات إليه بعيدًا عن الضجة والجدل. ولعل فكرة الضجة والجدل التي ينبه لها أركون تشير إلى أن الفكر الزيدي قد شغله في بعض الفترات الكبت السياسي والتشويش الصوفي، ولعل هذا ما جعله يقدم على الوقوف على حقل بحثي يخص "ابن عربي"، وهذا الحقل لم يكن "لا مفكر فيه"، بل كان حقلاً قدمت فيه العديد من الأبحاث والدراسات الاستشراقية، على الرغم من كل الآليات التي أتيحت لنصر لمحاولة قراءة النص من السيميائية، والاركولوجية، والتحليل السوسيولوجي، والنقد التاريخي (10).

  ومع هذا التقدير لمشروع نصر حامد أبوزيد لكنه يبقى مشروعاً جدلياً لا يلقى قبول الجميع حوله، وتظل قيمة العمل الفكري لنصر أبوزيد أنه يفتح لنا المجال لإعادة البحث والتنقيب حتى في مناهج النقد والتأويل للدين عمومًا وليس الإسلامي فقط. فالعقلانية تقتضي نقدًا مستمرًا لا ينقطع. ولعل ما أوردناه من نقاط قليلة ومختصرة حول محورين فقط هما إشكالية قراءة النص وتفسير الوحي داخل مشروع ضخم لقراءة النص القرآني، تدفعنا للتنويه إلى وجود أوجه نقد أخرى للقراءة الزيدية مثل "هدر كيونة النص، وإستقدام الإيدولوجيا التي هاجمها ولكنها ظهرت لديه في كتابه "مفهوم النص" وخصوصًا مقدمة الكتاب التي كانت أشبه ببيان سياسي موجه ضد خصومه داخل التيار الديني" (11).

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...............

1-عثماني آمال: تأويل نصر حامد أبو زيد للنص الديني (القرآني)، مجلة فتوحات، العدد الثاني، جامعة تيسة، الجزائر، جوان 2013، ص 332..

2- عبد السلام يوبي: " المسكوت عنه في نقد نصر حامد أبو زيد"، رسالة ماجستير غير منشورة، الجزائر، جامعة مولود معمري، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، عام 2011 .

3- التأويلات عند نصر حامد أبو زيد | برنامج يتفكرون – قناة الغد- الحلقة الخامسة - الموسع الرابع.

4- نصر حامد أبو زيد: النص، السلطة، الحقيقة، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1995، ص 48.

5- محمد إدريس: قراءة في مشروع نصر حامد أبو زيد الفكري (1943 ـ 2010)، مؤمنون بلا حدود، 20 أبريل، 2015.

6- المرجع نفسه.

7- نصر حامد أبو زيد:المصدر نفسه، ص 8.

8- عبد السلام يوبي: المرجع نفسه.

9- مصطفي شلش: نقد الناقد: قراءة نقدية في فكر نصر حامد أبوزيد، أنظر الرابط: https://www.jadaliyya.com/Details/39801

10- المرجع نفسه.

11- المرجع نفسه.

 

 

سامي عبد العالالأبوة بديل استعاريٌ يَطرحُ (ويعوِّضُ) في الحياة معاني الأصالة والحماية والغلبة والرعاية. ولئن حلَّت دلالتها في نصٍ ما، فثمة إطار يعودُ بالكلام إلى مستوى من (الإلزام) في مقابل (السمع والطاعة). حيث تتجلى ضمن الكلمات والعبارات (كما تعتقد السلفية) أرواحُ الاسلاف وأشباحُ السابقين ومآثرهم وقواهم الخارقة. وتصبح الاستعارة في ذهنيةِ مستعملي الكلام أحدَ الأسرار الدفينة التي تمسك قدرتنا على الفعل والتأثيرِ. ومع تقمص (عباءة الأُبوة الدينية)، لن تكون النصوص فضفاضةً ولا قابلة للتأويل الحُر، لكنها تغدو سلطةً دافعةً على الإنتهاك إزاء الموضوعات. لأنَّ اللغة ستكون كلية وشاملة لدرجة الاكتمال، كما أنَّ المعاني تسعى لتتلقف ما يقابها من متغيراتٍ ومعانٍ نسبية.

في حدود الممارسة، تعدُّ الأبوة استعارة (بيولوجية - عائلية) تُلصق صفة القوة والمرجعية بتوجهات مَنْ تُطلق عليهم. استعارة تستحضر خلفياتَ الأفكار من حاضنة البيئة ونمط العيش وتكوين الثقافة الذكورية وعلاقات القرابة. وقد تُنتزع المعاني من سياقها العائلي (أو تفترضه بمستواها الرمزي) لتكوّن صخرةً عصيةً على الذوبان في مجرى الحياة والتصورات والأفعال. إنَّه يتم التعامل مع (النصوص الدينية) كالأباء والأجداد المقدَّسين، حين يوضعوا كأيقونات مفارقة فوق كل اعتبار.

وتدخل هذه النصوص أو تلك عبر (سلاسل وخرائط) من النسب اللغوي الأيديولوجي على هيئة عائلات وقبائل وعشائر رمزية، وعلى المتلقي أنْ ينتسب بكل قوة إلى احداها منخرطاً في كيانه الاستعاري البديل. لأنه سيكون عنصراً من عناصر النظام الدلالي الذي يحكم عمل الاستعارات ضمن اللغة - الواقع. وعلى الرغم من كونَّه شخصاً مادياً من لحمٍ ودمٍ، فإنَّه سيتحرك في أطرٍ أخرى من الممارسات التي تمليها النصوص ارتباطاً بالثقافة.

الأبوة: عنف الاستعارة

على سبيل المثال، لاحظنا أنَّ هناك انتشاراً (لألفاظ الأبوةِ) بين الجماعات المتطرفة، حتى أضحت ماركةً مسجلةً لشيوخهم وجهادييهم على السواء. إذ بدا الارهابُ (سِكيْناً أبوياً) بحدِّهِ الدموي تجاه المجتمع لا الأفراد فحسب. وهو استعمالٌ للأسماءِ الرمزية (الكُّنى الحركيّة) التي تُطلق على أكثرهم بعنف الدلالةِ والإقصاء. ويظل الشخص ممتثلاً لوقع الاسم الأبوي كأنَّه مُعبر عن فحوى تلازمه وتستوجب منه العمل بمقتضاه.

التساؤل المنطقي: لماذا تُفرز الأسماءُ معانيها العنيفةَ حين تنقل فكراً مُتداولاً داخل تلك الجماعات؟ بأي منطقٍ تشير الكلماتُ إلى واقعِ الحال لديهم؟ التفسير المبدئي أنَّها أسماء قاتلةٌ بحسب الأدوار المنوطةِ بأصحابها، فلم تكن الأبوةُ سوى (فكرة انتحارية) يلقيها الشخصُ ليحصد رؤوس الأعداء. كل اسم يقف على تأويلاتٍ وأخيلةٍ جهاديةٍ أساسها اقصائي، فيكون الإسم " أقنوماً لأبِ" يعبر (بخلفيته الأخلاقية والدينية والمعرفية والتاريخية) عن سلوكٍ متطرفٍ.

لكّمْ سمعنا وقرأنا ألقابَ الأبوة لدى الإرهابيين بخلاف اسمائهم الحقيقية: أبو عبد الله (أسامة بن لادن)، أبو مصعب الزرقاوي، أبو بكر البغدادي، أبو دجانة الخرساني، أبو صالح المصري، أبو حمزة المهاجر، أبو يحيي الليبي، أبو قتادة الفلسطيني، أبو جندل الأزدي، أبو هاجر المهاجر، أبو مصعب السوري ... وغيرهم كثيرون كانت ألقابُهم تتوالد يومياً في معارك الدولة الاسلامية وأحراشها بالعراق والشام وليبيا. بينما المفارقة الدالة بالمقابل أنَّه كان لفلاسفة العرب ومتصوفيهم فقط ألقاب الابن: ابن سينا، ابن الهيثم، ابن رشد، ابن باجة، ابن طفيل، ابن خلدون، ابن المقفع، ابن النفيس، ابن حزم، ابن عربي، ابن الفارض، ابن عطاء الله السكندري، ابن سبعين... حيث كانت البنوةُ علاقةً تاريخيةً حرّة كضربٍ من التفوقِ الفكري والروحي.

ماذا يوضح هذا الفارقُ الدال بين صنفين من العقول؟ كيف نفهم هذا التحولَ؟ من خلال الارهاب ينال كلُّ من يعتنق فكراً متطرفاً مرتبةَ (الأبوةِ) دون ترددٍ. وقد أخذت الأبواتُ تتوزع على الخريطة العربية والاسلامية كأنَّها ألفاظ حاملةٌ للإيمان بالفكر التكفيري. الأبوة القاتلةٌ ألقابٌ حركية تُعطِي حاملها تجاوزاً لحدود الدين وانتهاكاً لوجود الآخر، ذلك باعتقاده أنَّه لا يفعل إلاَّ الحقَّ ولا يُمارس دوراً إلاَّ ما أعطاه إياه الشرعُ الحنيفُ!!. ولكن اذا اطّلعنا على ألقابِ هؤلاء، سندرك هذا التدثر المهترئ بمضامين الكلمات، وسندرك أيضاً أنَّها ليست مظلةً رحيمةً بحالٍ من الأحوالِ. هي أبوةٌ عنيفةٌ عنف المضمون، ومُسمّمة قدر ما يتوغل السمُ في جسم فرائس لدغتها الأفاعي. فالشخص الإرهابي يُعدُّ ويُدرّب على افراغ الأبوة (نصاً وفعلاً) مع متفجرات يحملها لإيقاع الضحايا كما شاهدنا مراراً أثناء تفجبرات القاعدة والدواعش.

لئن كان النصُ الديني المؤدلّج له صورة دلالية واحدة لا تتغير، وكذا " الداعية " له عباءة ثقافية وتاريخية متطرفة، فإنَّ المعتنقين لذات الفكر تجسيدٌ أبوي لسياجٍ مغلقٍ من التفكير. وهؤلاء الخلف عن سلفٍ لا مناص لهم من جزْ رقابِ مخالفيهم في الرأي مهما اتسعت الأمورُ. باختصار " النص والداعية والعنف " يتماهى مثلّثهم في رأسٍ أبويٍّ غير قابل للإنفلاق. هذا الرأس (فرداً أو جماعةً) مُركّبٌ على جسدٍ تنظيمي يتولى رعايته شيوخ الجهاد ومدربوهم لأجل التضحية والقتل الفاجع باسم الله. إنَّه الانحراف التكويني من الأب father إلى شكل بطريركي patriarchy بتوسط من النص الديني وتأويلاته.

وتكوينُ الأبوة في حدود الإرهاب لا يعبرُ عن تسلسلٍ هرميٍّ، إنما ينقل جيناتَ النصوص المغلقة والقراءات العنيفة[1]. وفوق هذا وذاك، يعتبر الأب (في هذا الإتجاه) مصدراً لدماءٍ تُراق بمنطق الوكالة عن الله في أرضه. لقد يظن الأب الجهادي مسئوليته المباشرة عما يقع من أفعالٍ يراها منافيةً لجوهر النص المؤول من وجهة نظر جماعتهِ. ومن ثمَّ، فالأب هو كسْرٌ (قطع) مضاعف في مفاصل التواصل الإنساني الحُر مع المجتمع وعناصره المتنوعة.

فتبعاً لبنيةِ الجماعات المتطرفةِ، تعتبر اللغة بمثابة لغة (الأب / الداعية) الوارث عن السماء. هذا الذي يعْلم كل شيء وأي شيء في مقام  متعالٍ غير قابل للمنازعة. والنص كما يذهبون هو (لسان الأبوة) الذي يعرف كل شيء ولا نعرف نحن أي شيء، ويدرك جميع العالم بينما نحن معشر العميان على الحقيقة، وهو اللسان الذي يخبر عن الماضي والمستقبل في حين أننا لا نملك إلاَّ الخنوع لها. النص يلاصق اللام، فكان نصلاً لحد السيفِ في عهود الجهاديين الأوائل، ثم نصلاً لحد الرصاص بعد اختراع الأدوات الأخرى ولحد الموت بعد قيام أدوات التفجير بالمهام. كيف كانت المسافة لا تذكر بين " النص" و"النّصْل" في تاريخ الإسلام السياسي؟[2]

حقاً لقد أصبح التداخلُ بين (النصِ والنصْل) عصياً على الذوبان وممتنعاً على المساءلة. كيف نسائل ما ينتج فهمنا للحياة والعالم والزمن؟!لأنَّه يضعنا أمام الأمر الواقع بحكم اهتبال الفرصة لإرهاب الآخرين وقتلهم. بل من بإمكانه إدراك الخيط الرفيع بينهما منذ أن رفع الخوارجُ المصاحف على أسنةِ الرماح؟ حينئذ غدا المصحفُ نصْلاً والنص سيفاً وله معالم السلاح الفتاك حتى قيل أخيراً مع داعش: إنَّ نبي الإسلام الذي بُعِث به رحمة للعالمين أباح قتل الكفار أينما وجدوا، وإنَّه لا شيء أحب إلى اللهِ من قطع رؤوس المرتدين. ولكن.. كيف عرِفَ هؤلاء الأوغاد الأمرَ المحبوبَ بخلاف المكروه إلى الله؟!

إنَّ كل نزعة نصية textualism مطلقة نوعٌ من الأبوة (مقطوعة النسب كما يزعم) بغيرها مقابل النسب مع الله مباشرة. هي ظاهرة العُلو بلا نسلٍ إلاَّ إليها رأساً في عملية استبدال لا تنتهي. أقصد أنَّها نواة حول أب مؤسَّس على اليقين الكامل بوجوده في ذاته ولغيره. فالأبُ يتوحد مع نفسه معطياً إياها درجة الصفر في المرتبة والتسلسل. من هنا ذكر القرآن الأبوة كمقدمةٍ غامضةِ الملابسات لادعاء الأصل الموثوق به في المواقف المتصلبة والعمياء: " إنّا وجدنا آباءنا على ملةٍ وإنّا على آثارهم لمهتدون". ولئن لم تكن الأبوة خطيرة، فلماذا أورد القرآن الآباء هكذا قصداً؟ وهل كان ذلك (استباقاً توثيقياً) في القرآن لمعنى الارهاب مؤخراً باسم الدين؟!

المثلث السابق (النص والداعية والعنف) يتأسس على الموقع من الله، ومن النصِ الأصلي (القرآن) فيكتسبُ عناصره ذات المكانة من الموقع نفسه. فيغدو النصُ البديل (المؤول- أو التأويل ذاته) نصاً أصليّاً. إنَّ نصوص ابن تيمية وابن القيم الجوزية وأضرابهما لا تكف عن مزاحمة قداسة القرآن في أعراف مؤيديهم .... هكذا يزعُم شيوخُ الجهاد ضمنياً وصراحةً مهما كان إنكارهم لذلك. فلعبة اللغة التي يصوغها الأبُ خطاباً دينياً تُزحْزح مكانَ النص الأصل وتأخذ بنيته تدريجياً. وطالما كان الخطاب خارج التاريخ أو يعلوه، فلن تكون الرسالةُ إلاَّ ابتلاع النص الأصلي وانتهاك آلياته. فالأيديولوجيات الإرهابية تنسج معانيها على غرار الدين الصادق صدقاً ايمانياً لا معرفياً، على غرار أحد عناوين كتب ابن القيم " إعلام الموقعين عن رب العالمين"[3].

هناك حديثٌ يُتداول عن رسولِ الإسلام يخاطب علياً بن أبي طالب: " يا على أنا وأنت أبوا هذه الأمة ". وإذا كان الحديث يدلل على شيء فإنما يدلل على الفراغ التاريخي الذي يتركانه لا الامتلاء، أي على الغياب الذي أحدثانه لا الحضور. إذ بدا نمطُ الأب مندرجاً في تلك المساحة من الفراغ الزمني الذي كانت ومازالت جميع الفرق والملّل والنِّحل والجماعات تبحث عن ملئه. فراغٌ كان عند بعض غلاة الشيعةِ موالاةً عنيفة للإمام على بن أبي طالب، بينما ألقت السلفية بجميع جوانب التاريخ لدي سلفٍ صالحٍ بدايةً ونهايةً.

الأبوة (تكملةً لنموذج الحديث السابق) نوعٌ من التراتب الذي يعيد بناءَ التاريخ، بل قد يعيد بناءَ الدين بحسب المآرب الأيديولوجية. لم يكن أيُّ أبٍ في الجماعات المتطرفة إلاَّ عارفاً بالفراغ التاريخي مؤولاً إيَّاه لصالح جماعته. وهو بهذا يعطِي لنفسه حقاً مزيفاً في أخذ مكانة الرسول (الأب النبوي الأول)، إنَّه تكرار انحرافي لأصلٍ مقدسٍ في تاريخ المسلمين يحتاجُ إلى فهمٍ جديدٍ يواكب العصر لا ليتحول إلى نصلٍ قاتلٍ.

أبوة الجماعة

تحتل الأبوةُ الدينية مكانةً خطيرة في تاريخ الفكر الإسلامي، لم تكد تختفي حتى تظهر في شكل تنظيمات نتيجة الثقب الأسود (الفراغ الأبوي) في جسد المجتمعات الإسلامية. يتجلى هذا الثقب مرة باسم الخلافة وأخري بدعاوى تطبيق الشريعة وغيرهما باسم الوصاية. إنَّ الأبوة جزءٌ لا يتجزأ من حركةِ المجتمع الإسلامي ورمزيته، بفضل اعتماده على نموذجِ الأبوة النبوي ثم القبلي والعشائري والعائلي والتنظيمي بعد ذلك. وكادت مراحل التاريخ الاجتماعي تبحث صراحةً عن أبوةٍ في شكلِ الحاكم والسلطان والأمراء والملوك والنظام والمؤسسة.

إنَّ الأبوة الدينية المعاصرة مؤشرٌ عائلي- لاهوتي إذ تستعمل أبناءها عبر انفجار قاتل هنا أو هناك لا نتائج وراءه إلا الأشلاء المتناثرة. هي مرحلة راهنة من نصية حرفية قديمةٍ ليست إلا عدماً متواصلاً في تاريخ الإسلام السياسي، إنَّها نقش جسدي حتى الموت، كتابة الموت. ومن ثمً كانت تفسيراً متطرفاً للنص الديني وتكفيراً للآخرين. ولأنَّ الأبوةَ الإرهابية متعديةٌ عضوياً، فلن ترضى بديلاً عن سلطة القتل. ألم يذهب الجهاديون إلى تطبيق كلام الله بلا انفتاحٍ فكري ولا ابداع معرفي؟!

الأبُ هنا نص بيولوجي وديني تتم كتابة دلالاتِّه بالأنماط السائدة في الجماعة التي يوجد فيها. تبدو الجماعة المتطرفةُ مبرمجةً بهذا الاعتقاد الأبوي، حتى إذا طُلبَ من أحدِ أفرادها تفجير نفسه يذهب فوراً كأبٍ يتصرف كيفما شاء. لكن لماذا يغيب وعيّه؟ التغييب ليس لنقص الوعي بل يزعم (كما يُروج بين أقرانه) أنَّه يتلقى الأمر من الله. فالأب يخلِّق جماعته، يخلق فضاءَ تأثيرها كحال علاقات القرابة. إنَّ مسيرته في ثقافتنا العربية الاسلامية لا تُقطع إلاّ وتُعاد مجدداً نتيجة التألُّه الماثل خلف الجماعة المؤمنة المزعومة. ويقف الأبُ بادعاء الألوهية خفاءً في تفاصيل وصايته على الآخرين من جهةٍ، وفي ولاء الجماعة لصورتهِ من جهةٍ أخرى.

أيُّ أب تنظيمي عبارة عن لوحةٍ مشفرةٍ من الوصايا الموسوية (كألواح موسى) التي أخذت أنماطاً ولهجات فكرية عدةً. وإذا كان الأبُ المتمثل في الإرهابي يبيح لنفسه (انتزاع الحياة)  من الآخرين، فلن يكون إنساناً عادياً. إنَّه بعض إله الجماعة باعتباره ينتزع حقاً وجودياً لله (حق التصرف في حياة مخلوقاته). على أنَّ الشرع الإسلامي نقيض ذلك تماماً، فقد أوكل هذه المهمة في القصاص للمجتمع، للقانون وليس للأفراد (ولكم في القصاص حياةٌ يا أولي الألباب). لقد تكلم القرآن بإرجاع القصاصِ إلى ما يرتئيه المجتمع مشروطاً بالحياةِ في ذاتها لدي الناس جميعاً. معنى هذا أن الشرع قد يُلغى القصاصُ أو يُهملّه في حالة لو أدى إلى انتهاك تلك القيمة الإنسانية أو لوكان في بيئة تستمرئ التنكيل بالناس لمجرد تطبيق الحدود والتشفي. لأنَّ الحياةَ ليست جزئيةً إنما تعدُّ هدفاً كلياً في هذه اللحظة أو تلك. وما يأخذه شخصٌ منها يخصُ جميع الناس قاطبةً وما يضيفه إليها إنما يُضيفه إلى هؤلاء دون استثناءٍ.

بينما الأب المتطرف يأخذ بالسبب الجزئي في انتزاع حياة الآخرين، ليتصور أنَّه المهيمن على حياة الجماعة والقادر على انزال العقاب بهم. تقول البصمة اللغوية كما يذهب الراغب الأصفهاني: " يُسمى كل من كان سبباً في ايجاد شيء أو صلاحه أو ظهوره أباً، ولذلك يسمى النبي صلى الله عليه وسلم أب المؤمنين ...."[4]. فحوى هذا القول في السياق الذي اتحدث عنه أنَّ الإرهابي يستولي على الحياة (تلك النعمة الإلهية) بمبرر واهٍ من غير فهم منفتحٍ لقضايا الإنسانية ككل ولمغزى الدين فيها. هذا المبرر تمتدُّ داخله نواة بيولوجية عضوية، فكما أنَّ الابن مولود بالتناسل، فكذلك الأب مرفوع فوق البشر (الأبناء والاتباع) بذات الوضع، سوى أنَّ التحول يتم بخطوة تنظيمية ارهابية، ليغدو السبب المقتنع به هؤلاء في صلاح الناسِ (كونهم أبناءً) هو ذات السبب البيولوجي والروحي للإضرار بهم (كونهم أبناءً أيضاً).

وبما أنَّ النبي ليس والداً بيولوجياً للمؤمنين، فإنَّه يأخذ تلك المكانة روحياً. أمَّا باللجوء إلى الإرهاب فيكون المتطرف قد جمع بين الأب التناسلي والأب الروحي على قاعدة الإله- الأب. وهذا يفسر القتل العشوائي لمخالفيه في الآراء والاعتقاد مدمراً حياتهم، ويوضح معاداته لمؤسسات الدولة الحديثة لمجرد أنَّها دولة. فالأخيرة لا تعترف بروابط الأبوة كحال القرابة أو غيرها، وليست منضوية تحت الأب المؤمن ولا الأب الحاكم، لكن الدولة أو هكذا يفترض في كل توثيق قانوني وإجراء تنظيمي أن تنفي أيَّة تقنيات أبوية من هذه الأصناف[5]. ولذلك لا تلتئم الدولة كفكرة حداثية وتشريعية مع الجماعات المتطرفةِ إطلاقاً، إنَّها المضاد الحيوي التكويني لأفكارها السياسية. وليست الأنظمة التي صعدت فيها الجماعات الإسلامية إلى سدة الحكم إلا دليلاً على هذا التصور. بسبب أنَّ نمط التفكير الأبوي يتعارض مع التفكير المُؤسسي ابتداءً.

الأبوة: التضحية بالأبناء

نظراً لوجود بذور الأبوة، لن تكون أية جماعة دينية سوى جماعةٍ بمنوال التفكُّك لا الجمع، فكل عنصر فيها (بحكم أبويته) قابل لحمل تأسيسها وانهيارها بالتوازي. أي أنَّها تخضع لمفاهيم الخلخلة بسهولةٍ. وذلك يلقي الضوء على انشاق قيادات الجماعات التكفيرية بعد الخلافات التي قد تنشب بينهم. فمع كل انشقاق تخرج جماعةٌ أخرى بمفهوم مختلف للتكفير وآليات للخطاب وتأويل للنص الديني. ثم سرعان ما يُعاد هيكلتها بأبويةٍ مماثلةٍ للأبوات السالفة، مع هذا تزعم الاتصال بالمصادر النقيةِ الأولى لفهم الدين وامتلاك حقيقته النهائية.

ذكر الجرجاني في كتابه التعريفات " الأب، حيوان يتولد من نطفته شخصٌ آخر من نوعه"[6]. وهذا هو مصدر هشاشة الجماعة، فإذا كانت تنبني على أبٍ بخلفية التوالد فلن يكون إلا تلك الإمكانية (الهشاشة). ليس هناك شيءٌ متوقعٌ قدر ما ينفرط عقدها، لأنَّ أي تصور أومفهوم يحمل في ثناياه بذورَ الأب، سواء أكان قائداً للتنظيم أم مجاهداً أم داعيةً أم أباً روحياً أو انتحارياً. جميعهم نقطة ضعف من حيث كونهم نقطةَ قوة بالمثل. فلا شيء أخطر على الأبوة من ذاتها المنفلتة. وستتحقق قابلية الانهيار من خلال التصلُّب والاستحواذ وممارسة العنف. أين قوة تنظيم القاعدة بعد اختفاء اسامه بن لادن؟، فعلى الرغم من أنَّه نموذج للأبوة في شخصية الإرهابي، بيد أنَّه لم يدرك في حياته أنَّ ضعفَ تكوين القاعدة في هذا الإطار تحديداً.

أولاً: تشكلت الأبوة الدينية ميتافيزيقياً بناء على الاستخلاف (إني جاعل في الأرض خليفة). بالتالي يمكن لأي فردٍ تنظيمي (وغير تنظيمي) القول بكونه خليفةً بالقدرِ ذاته. وصل الأمرُ إلى أنْ عُدَّ الاستخلاف حِكْراً على تلك الجماعة أو غيرها وأصبح مبرراً لأبوتها إزاء أبناء من البشر لا حصر لهم.

ثانياً: طُرِحَ نمطُ الأب (ضمنياً) دون أبناءٍ، هذا على الرغم من أنّه لكل أبٍ أبناء وإلاَّ لما سُمِّي بالأب. تحديداً لقد قُيّضَ لمفهوم الأبوة غيابُ الأبناء المباشرين باعتبار الأفراد الآخرين أبناءً لها بواسطة التنظيم. وهذا جانب الوعظ والوصاية حين يواجِه آباء الجماعات الدينية أقرانهم ومخالفيهم معاً. يُعزَز ذلك الصاق صفات الشهادة والجهاد والعلم والمعرفة بهم.

ثالثاً: الأبوة نمطٌ أخلاقي تربوي على أساس سيكولوجي[7]، وفي نطاق الدين بمثابة العمل بنموذج لاهوتي سابق التكوين يستثمر هذا النمط كما أشرت. أبوة الارهابي ذات أزيز عقابي في المقام الأول، سواء أكانت مرتبطة بخطابٍ صارمٍ التوجه أم شخصيه بسمات جسديةٍ وشكليةٍ.

لهذه النقاط تعدُّ الأبوة كما يمارسها المتطرفون نزعةً مسيحية مقلوبةً. إنَّها عكس عنيف لمعالم الآب وآلياته الرمزية والطقوسية في الديانة المسيحيةِ. فإذا كان آباء الجماعات الإسلامية يعادون المسيحيين ويتبنون تفجيراتهم وذبحهم، فهم يمارسون (أبوة اسلامية) تزعم لنفسها (منزلةَ الأب) معتبرين الله حالَّاً فيها. وهم بهذا (آباء للجماعات والتنظيمات الإسلامية)، هم يزورُون الإسلام الذي قال بوضوح (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد). ويدخلون المسيحية في الإسلام من باب الإرهاب التنظيمي الذي يعادي روح الإنسانية. وصنعون ديناً هجيناً لا يعرفه الإسلام هو الإسلام المسيحي أو المسيجية الإسلامية.

أما في المسيحيةِ كما هي معروفة، فالأبوة واضحةٌ بموجب الاعتقاد بصلب الابن (المسيح) الذي هو الخلاص والتكفير عن الخطايا. فارتضى بعض المسيحين (الآب – الإله) في مقابل التعويض ببنوةٍ كان هذا مصيرُها. فالابن المصلوب كلمة لآبٍ وَضَعَه لخلاص رعاياه الأرضيين. وثلاثية " الآب والابن والروح القدس" هي ثلاثية الحقيقة التي هي مصدر العلاقة للبشر بالإله. فالأبوة –على ألوهيتها- وقفت عارفةً بصلب الابن، لأنَّ ذلك الوضع لهدف تاريخي أسمى كما ورد في اللاهوت المسيحي. ولئن كانت الأبوة في هذه الحالة لا تعلم مصير البنوة، فهذا قدح في قداستها الإلهية. أمَا وهي قد بدت عارفة بكل شيء في سيناريو التاريخ والغفران،  فلقد تركت الابن معلقاً على صليبه مقابل الخلاص من الخطايا. وتلك الفكرة لها صدى بشري بعيد: أنَّ كل أبوة (مهما تكن طالما أنها إنسانية) لا تخلو من منطق تضحيةٍ بالأبناء، بالبنوة ولو عن طريق الخلاصِ. كانت الخطيئةُ هي المذبح الفعلي لجريان السرد التاريخي لهذه الحبكة اللاهوتية الوجودية. وتلك فكرةٌ ليست الجماعات الاسلامية بعيدةً عنها، لكن موجوده في أضابير عقولهم في شكل مذابح ونصوص تكفيريةٍ.

ولذلك سيكون عنوان تلك المسألة (الأب – الموت)، فاستعارة الأبوة من تلك الجهة ترجع إلى (حيوان ميتافيزيقي) ينتظر التهام غيره ولا يكف عن ملاحقته. عندما يتحول الشخص إلى أب إنما تعطيه الجماعة الدينية عمراً زمنياً للتخلص منه. فكل أب مصيره إلى تدمير وجوده ووجود الآخرين. وبالتالي عندما يكون النص أبوياً، فإنه يدمر وظائف اللغة والفهم البشري القائمين على الإنفتاح والتنوع.

ولربما يسأل الأب بلسان الإستعارة ما الخلاص من خطايا البشر؟ هنا لا يجيب الإرهابي إلاَّ بحتمية الموت الذي يراه استشهاداً أو اغتيالاً أو تفجيراً أو سحقاً للرؤوس أو إغراقاً أو إحراقاً للضحايا كما تفنن الدواعش. وهي الإجابة نفسها التي كانت أيديولوجيا عنيفة قائمة على الإقصاء والاستبعاد. وإنه حين كان يصدر الأب الداعية فتاوى اهدار الدم أو حين كان يدفع اعضاء التنظيم إلى ذلك إنما يترجم النص إلى حالة من المعاني القاتلة. وفي نهاية الأمر، ليس ذلك انقطاعاً عن الإستعارت المؤسسة للنصوص في الحياة والإشتباك السلبي مع تفاعلاتها.

 

د. سامي عبد العال

............................

[1]- لأنَّ مفهوم الأبوة يمثل استعارة توظف المشاعر وثقافة السلطة داخل نسيج مجازي أبوي parental imagery في إطار الدين، وهذا مفهوم قديم قدم الديانات الوثنية والابراهيمية مثلما لعب فيها دوراً كبيراً.

Sarah J. Dille, Mixing Metaphors, God as Mother and Father in Deutero- Isaiah, T&T International A continuum imprint, London,  New York, 2004. PP 2-5.

[2]- ليس النص هو النص المؤسس فقط، المتون، كالقرآن والسنة وكتب الأئمة الكبار، فحتى لو أطلق عليها هذا المعنى فإنه ذو نطاق أوسع، لأنَّ كلَّ نص حدثٌ ثقافيٌّ واجتماعيٌّ. يشارك في انتاجه المؤوِلُ بمقدار ما لا يستطيع الافلات من اللغة التي يحيا داخلها.

[3]- فضلاً عما يدل علية العنوان من اتصال طبقة الفقهاء بالله وتوقيعهم عنه، يذكر ابن القيم أنهم " في الأرض بمنزلة النجوم في السماء بهم يهتدي الحيران في الظلماء وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء"

ابن القيم الجوزية، اعلام الموقعين عن رب العالمين، الجزء الأول، دراسة وتحقيق طه عبدالرؤوف سعد، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة 1986، ص8.

[4]- الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، تحقيق واعداد مركز الدراسات والبحوث بمكتبة نزار مصطفى الباز، د.ت، ص7.

[5]- Carol Gilligan, David A .J. Richards, The Deepening Darkness, Patriarchy, Resistance, Democracy future, Cambridge University Press, New York, 2009. P. 225.

[6]- الشريف الجرجاني، كتاب التعريفات، مكتبة لبنان، بيروت، 1985، ص 5.

[7]-Ron Spielman, The  Father in the Mind, Focus on Fathering, Edited by Robin Sullivan, Acer Press, Melbourne, 2003. PP 95- 100.

 

علي محمد اليوسفحتما يكون سارتر في فلسفته الوجودية التي يفخر ويعتز بها كرائد متفرد لها بلا منافس في تبيان رأيه حول علاقة اللغة بالفلسفة الذي يحسب له اسبقية التنبؤ الرافض في أن يكون للغة كهوية تواصلية انثروبولوجية فلسفة متفردة تقوم على مراجعة تاريخ الفلسفة وقضاياه بضوء معالجة أخطائها في ما سمي التحول اللغوي ونظرية ملاحقة فائض المعنى الذي تدّخره اللغة في النص ولم تفصح عنه في خيانتها المراوغة للفكر..

فلسفة اللغة حسب ما نستنبطه عن رأي سارتر هو الوليد المحمول الاحشائي الذي ينمو في بطن الفلسفة الام وبولادته يميتها بحمى الولادة. سارتر يعتبر فلسفة اللغة لا يمكننا فرضها على تحليل مشاكل وقضايا الفلسفة المتوارثة عبر العصورمن داخلها. ومن غير الخروج على رأي سارتر فلسفة اللغة هي الديناميت الذي اراد تفجير الفلسفة داخليا فانفجر بيدي حامله قبل إتمام زراعتها في جسد واحشاء الفلسفة. ربما الرأي المخالف لهذا يرى في قديم سارتر لا يحكم معاصرة فلاسفة اللغة والتحول اللغوي وعلوم اللسانيات التي جعلوها الفلسفة الاولى في النصف الثاني من القرن العشرين..

وهذا الرأي لسارترحول طفيلية فلسفة اللغة على الفلسفات الام كان إدانة ضمنية لفلسفة البنيوية التي عاصرها سارتر حين بدأت مشوارها الفلسفي اول نشاتها على حمولة فلسفة نظرية المعنى في اللغة التي قادها شتراوس ودي سوسير، ثم بعد هجرفلاسفة البنيوية فلسفة اللغة بالتقادم الزمني عليها في وقت لاحق رفضهم ان تكون فلسفة اللغة هي الفلسفة الام التي ينبغي دوران كل الفلسفات المعاصرة حول مركزيتها. كما فعلت ذلك بتطرف فلسفي شديد كلا من الفلسفات التاويلية والتفكيكية والتحليلية المنطقية حلقتي فينا واكسفورد. حتى مفاهيم فلسفية فضفاضة لم يكن بالمقدور احتوائها لغويا مثل الوعي والادراك والمخيال والذاكرة والزمان باتت مفاهيم تدرك بدلالة دراسة تطبيق فلسفة اللغة عليها وليس العكس.

رفض سارتر تفسيرتاريخ الفلسفة المليء بالاخطاء والمطبّات حسب فلاسفة البنيوية أن تكون بدايته التصحيحية تبدأ من وسيلة مراجعة وتصحيح معنى الدلالة اللغوية الخاطئة في قصور معنى حمولة الافصاح غير المسكوت عنه، ودعا الى أن كل فلسفة تطغى عليها فلسفة اللغة بالتعالق العضوي معها الناشيء من إحشائها هي وليد تابع من رحم تاريخ الفلسفة الام التي لا تقود فلسفة اللغة الفلسفات الاخرى أو تكون بديلا عنها.

قائلا ما معناه يمكن استنباط فلسفة لغوية خاصة من فلسفة الوجودية مثلا وهكذا مع باقي الفلسفات الاخرى. بمعنى أنه يمكن إستيلاد فلسفة لغة من كل فلسفة أم لها لا تحل محلها. ورأي سارتر يحتمل القول فلسفة اللغة هي وسيلة التفكير الفلسفي في التعبير عن رؤاها خارج معنى اللغة الطبيعي المحكوم بقواعد ونحو ومجازواستعارة وبلاغة وغيره التي حاولت تدخل كل فلسفة في محاولة نسفها وتفجيرها تشظيّا من الداخل وهو ما لاينكره دريدا مثلا ولا ينكره البرتو ايكو ولا عديدين من فلاسفة اميركان استسهلوا لعبة اللغة في التفكير الفلسفي استبطانيا مغلقا على نفسه جاعلين من الفلسفة هامشا يدور في فلك اللغة حصرا...

كان ما ذكرناه ملخصا رأي سارتر في سني حياته الاخيرة واصابته بالعمى نشرته له مجلة الادب الفرنسية العدد 182 اذار 1982في مقابلة اجراها معه كلا من ميشال ريبالكا واوريست بوشاني. وترجمها الى العربية الباحث المغربي الحسن علاج ونشرها على موقع كوة تموز 2021. وترك سارترفي هذا اللقاء الحواري الخوض في تفاصيل لا تزيد عن عبارة واحدة وردت في نص المقابلة.

في إجابة سارتر عن سؤال من ضمن اسئلة المقابلة المشار لها "هل خطر ببالكم وضع فلسفة للغة؟ فكانت إجابته " لا ينبغي على اللغة أن تدرس بداخل فلسفة ما – يقصد أن لكل فلسفة لغتها هي اداتها وصنيعتها اللغوية اذ الفلسفة تصنع لغتها ولا يمكن للغة خلق فلسفتها المتفردة مع أو بمعزل عن الفلسفة الام كما حاول بعض الفلاسفة وأخفقوا في مسعاهم الموضة – لا يمكن أن تشكل اساسا لفلسفة ما. أعتقد – والكلام لسارتر – أنه يمكننا استخلاص فلسفة لغة من فلسفتي الوجودية مثلا، ولا يمكن وجود فلسفة لغة يمكن فرضها عليها."

في البدء الذي لا يمكن الالتفاف عليه ومغادرته هو عدم قابلية اللغة فرض نفسها على قيادة فلسفة ما حسب تعبير سارتر، وكي نضع هذا الرأي الفلسفي لسارتر بموقعه الطبيعي الصحيح " انه لطالما كانت اللغة – وليس فلسفة اللغة – محط اهتمام الفلاسفة – منذ افلاطون - غير انها لم تصبح موضوعا مركزيا في الفلسفة الا في القرن العشرين، حيث كان الاتفاق كبيرا على أن الوسيلة الفضلى لحل مشاكل مختلف فروع الفلسفة إنما يكون ويتم عبر فحص اللغة التي صيغت بها هذه المشاكل. هذا الاهتمام الذي أبداه الفلاسفة المعاصرين باللغة وازدياد الاعتماد على تحليلها اصطلح على تسميته بالتحول اللغوي ." ويكيبيديا الموسوعة الحرة.

- اولا أرى وجوب التفريق بين اللغة وسيلة التعبير عن الافكار وبين فلسفة اللغة من جهة، وبين فلسفة اللغة في التحول اللغوي ومصطلح القراءة الجديدة الذي إعتمدته البنيوية لدى أقطاب فلاسفتها مثل فوكو والتوسير ودي سوسير في مراجعة قضايا الفلسفة التي إغتالت اللغة المعنى فيها حسب دعاتها، وبين أن اصبحت فلسفة اللغة هي الفلسفة الاولى في تاريخ الفلسفة المعاصرة منذ النصف الثاني من القرن العشرين بعد إنصراف إهتمام فلاسفة البنيوية بمباحث ما بعد الحداثة تاركين فلسفة اللغة بعد أن أخذت مديات من التخوم التي جعلت منها هامشا في شكل مرتكز خال من محتواه...

- ثمة التباس حصل في خلط اللغة كهوية انسانية بيولوجية تحكمها قواعد النشأة والتطور الانثروبولوجي وصولا الاستقرار الذي يحكمها في قواعد وضوابط نحوية خاصة تمّيز بنية وهيكلية كل لغة عن غيرها، وبين فلسفة اللغة كمعنى مفهومي تفلسفي يتداخل مع النسق البنيوي الخاص باللغة يتطفل على الفلسفة ويستخدمها أداة لنسفها داخليا عندما يكون الاهتمام باللغة تجريدا هو إغتيال مبرمج يجري تحت عنوان إنقاذ اللغة من إزدواجية المعنى في تضليلها الفلسفة.

اللغة وفلسفة اللغة

من الملاحظ أن عديدا لا يستهان به من الفلاسفة لم يعطوا أو ينتبهوا إعطائهم أهمية إستثنائية للغة كجنس هوياتي انثروبولوجي قبل تحوله الى تجنيس ادبي – ثقافي هووي في مباحث تاريخ الفلسفة حاول ذلك سارتر وبرجسون الحائزين على جائزة نوبل بالادب حين رفضها سارتر وقبلها برجسون وكلاهما وضع بعض قضاياه الفلسفية ضمن قوالب التجنيس الادبي وبخاصة سارتر في نصوصه المسرحية والروائية...

كما لم يعتبروا مفتاح حل المعضلات الفلسفية يقوم على تصحيح معنى اللغة القاصر في التعبير عن الافكار الفلسفية عبر تاريخها. والسبب نراه في إعتمادهم تفكير العقل المجرد كفيل بايجاد لغته التعبيرية الخاصة به في إيصال المعنى الفلسفي. بمعنى فلاسفة ما قبل النصف الثاني من القرن العشرين لم يكونوا يبحثون تصحيح أخطاء الفلسفة من خلال تقصّيهم أخطاء وسيلة التعبير اللغوية بل كانوا يتعاملون بالفكر المجرد السابق الاهمية على اللغة. فوجدوا القصور في تفكير الفلاسفة وليس في لغتهم التعبيرية عن أفكارهم.

ولم يتم إبطال هذا الرأي الفلسفي الا بعد أن تحولت اللغة الى فلسفة قائمة بذاتها تمتلك مقومات ذاتية خاصة بها ونظام تعبير نسقي يلغي المقولة الكلاسيكية أن اللغة اداة التعبير عن الفكر. فهذه المقولة اصبحت غير مقبولة بعد أن أصبحت اللغة لها فلسفتها الخاصة بها بمعزل عن إنقيادها للفكروهو بداية الثورة على الفلسفة من قبل البنيوية تحديدا.

فلسفة اللغة في ملامحها الخاصة

اتفق بعض فلاسفة اللغة تدعيم وجهة نظرهم في مناصرتهم فلسفة اللغة بالتالي:

- اللغة سلوك يستخدم اللغة وهذا السلوك هو من اكثر السلوكيات التي يظهرها العقل تعقيدا.

- علم اللغة الذي هو علم اللسانيات يقدم من (الكم) الهائل من المواد التي يقوم عليها الفكر الفلسفي وبخاصة فلسفة العقل.

- مفهوم اللغة هو مفهوم المعنى في تراكمه ملاحقة فائض المعنى بما تدّخره اللغة.( ويكيبيديا الموسوعة الحرة).

تعقيب عما مر ذكره نرى:

- صحيح اللغة هي غير الفكر في ناحيتي توليد المعنى وناحية التعبير عنه. ومقولة دي سوسير اللغة وعاء الفكر لا يلغي التمايز الانفصالي الواضح بينهما حتى مع الاخذ بتعبير اللغة والفكر وجهين لعملة واحدة لا يمكن الفصل بينهما، لكن هذا لا يلغي حقيقة الفكر ليس وجه اللغة الآخر له فقط. وانما هما يتمايزان في فرق بنية هيكلية اللغة التصويرية عن بنية هيكلية الفكر كتجريد سردي لا يخضع لاحكام نظام وقواعد اللغة المستقلة.علما أن حقيقة الفكر هي تعبير اللغة عنها يبقى ثابتا.

- رغم أن تفكير العقل هو تفكير صوري يتخذ شكل تعبيرات اللغة في كل تحولاتها من لغة صوت الى لغة منطوقة الى لغة كلام وحوار واخيرا الى لغة تعبير معرفي بالكتابة الابجدية والرموز والاشارات والمعادلات الرياضية وحتى على صعيد لغة الموسيقى في وضع النوتة الخاصة باللحن الموسيقي التي هي لغة تعبير صوتي رمزي إشاري صرف. وهنا بهذه الخاصيّة لا تكون اللغة هي الاصوات التي تشير عليها ابجديتها المرسومة كتابة. اللغة تفكير عقلي يتخذ قولبة محتوى التفكير.

- طالما أن تفكير العقل هو تصور تمّثلي في تعبير اللغة سواء الصامت منها أو المفصح عنه بالصوت اللغوي الشكلي المكتوب أو الصوت التعبيري الخارج عن مصدره الحنجرة واللسان، لذا يكون تمايز الفكر عن اللغة ليس في إختلاف مصدرهما الواحد الصادران عنه العقل في سذاجة قولنا الفكر تفكير عقلي مجرد، واللغة إفصاح صوتي تعبيري هو من وظيفة اللسان والحنجرة. اللغة ليست هي الصوت الذي يتقدم الفكربل هي المحتوى والشكل المعبّر عنهما في جميع الحالات..

- هذا يفرض علينا تمييز ماهية وأسبقية أحدهما على الاخر نوضحها كالتالي: طالما أن الفكر واللغة هما توليد إفصاحي للعقل في ادراك العالم والتعبير عنه ومعرفته لذا تكون أسبقية الفكر على اللغة يتمثل في تفكير العقل الصامت الذي هو ليس تجريد للفكر عن اللغة بل في تداخلهما التعبيري الموحد فالفكر هو تصور لغوي صامت وهو ما يتم إستبطانيا داخليا، وتكون أسبقية اللغة على الفكر في تلازمهما التعبير عن موجودات العالم الخارجي وهنا تكون اللغة صوتية غير صامتة. وتكون نتيجة تفكير العقل أن اللغة أصوات لغوية إشارية تعبيرية لمدلولات في حين تكون حقيقة الفكر أنه وعي إدراكي لغوي صامت.

- عندما نقول فلسفة اللغة هي مفهوم البحث عن المعنى هنا يتراجع الفكر أمام أسبقية اللغة عليه حيث يصبح مهمة اللغة (قولبة ) الفكر قبل التعبير الافصاحي اللغوي عنه. كما أن إبطال مقولة لم تعد اللغة وسيلة التعبير عن الفكر تعطي ضمنيا توكيد ما تريد نفيه في حقيقة لا وجود لفكر بلا معنى لغوي.

- وإذا ما إعتبرنا صحة مقولة لم تعد اللغة وسيلة تعبير الفكر عن نفسه وهو نتاج عقلي فدحض هذا الافتراض الوهمي هو أن العقل لا يفكر بتجريد فكري لا يداخله تصورا لغويا في التعبير عن معنى. الفكر لغة العقل الصورة تستبق لغة الاصوات. فتفكير العقل هو ليس فكرا لوحده ولا لغة تصورية عن الاشياء لوحدها بل هو في تداخل الاثنين معا. التفكير هو صورة لغوية تتمثّل التعبير عن الافكار . الفكر من غير إفصاح تعبير اللغة عنه هو صمت إنعدمت فيه لغة النطق الصوتية وليست لغة الفكر الصامتة. الصمت الصوتي للغة لا يميت التفكير العقلي لغويا.

- كما أن إعتبار اللغة هي سلوك من نوع خاص مميز هو الاكثر تعقيدا حسب التعبير الفلسفي الذي مررنا عليه مقولة خاطئة لا يقل خطأها الاشتباكي المتداخل عن خطأ إسقاط التداخل الاشكالي الذي يجمع الفكر باللغة على أن هذه الاخيرة ليست أداة ووسيلة التعبير عن الفكر فقط . من المهم توضيح السلوك لا تحدده اللغة، وإنما يحدده الوعي القصدي الذي يعبر تفكير اللغة النابع ايضا من فعالية العقل الادراكية.

- كان يتردد في بداية القرن العشرين سؤالا فلسفيا جداليا هل بألإمكان فصل اللغة عن الفكر؟ جدال نقاشي تم حسمه في أدبيات الفلسفة البنيوية بخاصة عند دي سوسير بتعبيره اللغة هي وعاء الفكر. بمعنى أن فصل تداخل شكل اللغة مع محتواها المضموني محال إدراكه عقليا. وفصل إلإدراك عن اللغة محال معرفيا.

- ألادراك من دون لغة تلازمه عبث لا يمكن تحققه في معنى دلالي في ألإفصاح التعبيري عن شيء أو موضوع، وتجريد اللغة عن تعبيرها التجريدي للأشياء هو محال أيضا فاللغة وجود يلازم كل موجود يدركه العقل في التعبير عنه. والعقل لا يدرك ألاشياء والعالم وموجودات الطبيعة بغير وسيلة تعبير تلازم الفكر واللغة معا في دلالة لمعنى شيئي واحد.

اللغة فلسفة العقل معرفيا لا فلسفة اللغة تجريديا

الانسان العاقل يفكر ذهنيا وهوصامت، ويفكرصامتا وهو نائم، ويفكرصامتا وهو حالم، والصمت لغة حوار العقل مع ذاته داخليا في الموضوع، فالعقل لا يفكر في فراغ – سنوضح هذا لاحقا – ويكون تفكير الصمت بلا لغة تعبير تواصلي إفصاحي إيحائي لا يشترط توسله اللغة ممكنا وجودا، عندما يكون الصمت هو تفكير في موجودات مادية واقعية تكون مادة تفكير صامت في إنعدام صوت اللغة، أو أن مواضيع التفكير الصامت خيالية لا وجود لها ماديا متعيّنا في الواقع ، يتناولها العقل بالتفكيرالذهني المجرد، والصمت الذي يفكر بموضوعه لا يلغي دور العقل أو لايستطيع الاستغناء عن الوظيفة العقلية في الوعي والتفكير بالاشياء.

إن وظيفة العقل التفكير بالمجردات الذهنية أرقى درجة منها التفكير في الموضوعات المادية التي يعقلها العقل كواقعات مادية شيئية ويدركها ظاهراتيا أو ماهويا.فالعقل في ملازمته الخيال ورقابته على اللاشعور وتداعيات التصورات الذهنية تكون مهمته أصعب من مهمة العقل في تناوله الماديات والموجودات والاشياء في الطبيعة، لكي لا ينتج عن التفكير الخيالي الذهني المجرد أصوات وهذاءات تعبيرية لا تعطي الموضوع المفكّر به من موضوعات مادية أو مجردة إستحقاقها الوعوي الادراكي كما لاتعطي الهذاءات غير العقلية وعي الذات مصداقيتها.

يقول سارتر: (ان مسألة اللغة تسير جنبا الى جنب مع مسألة الجسم) وهي عبارة سليمة في توكيد بديهة بايولوجية فيزيائية، أن اللغة لاتفارق جسم الانسان العاقل الناطق بإعتبارها خاصية انسانية يتمايز بها الانسان ويحتازها لوحده من دون الكائنات الحية في الطبيعة. وفي نفس المقاربة التعبيرية يقول ميرلوبونتي (الكلمة ايماءة حقيقية لانها تتضمن معناها، وليست عشوائية او طبيعية). بمعنى حسب اجتهادنا الكلمة وعي قصدي قبل أن تكون دلالة لغوية. والانسان في جنبة محورية جوهرية من كينونته الطبيعية هو أنه وجود عقلي لغوي ناطق. فالانسان يفكر وهو يتكلم ويفّكر وهوصامت ويفّكر لا شعوريا وهو نائم، ويفكر وهو في حلم اليقظة، ويفكر وهو ماشيا لوحده أو مع مجموع أو منفردا منعزلا. وفي كل حالات الصمت التفكيرية يحتاج الانسان التعبير اللغوي التفكيري الصامت او الكلامي الصوتي الناطق عن بعض الاشياء والموضوعات، ويكتم أو يستعصي عليه التعبير عن بعضها، أو يتعذّر عليه الافصاح التواصلي في بعضها الاخر.

إذن الانسان وجود مفكرلغويا في صمته وفي الافصاح عن بعض تفكيره الصامت في الكلام أو اللغة أو الكتابة.والانسان هو كينونة عقلية ادراكية تفكيرية، ولغوية ناطقة،وخيالية تجريدية، تحتويها كل خصائص الانسان المادية وجودا.

يقول ميرلوبونتي (اذا كانت اللغة كيان باطن، فان هذا الباطن ليس فكرا مغلقا على ذاته وواعيا بها). إنه لمن المهم إدراكنا أن اللغة في التفكير الباطن العقلي أي الصامت، هي وسيلة العقل أن يعقل نفسه كذات ووسيلة العقل في وعي الاشياء المادية وغير المادية ذهنيا.

كما أن العقل هو الوسيلة الوحيدة في ادراك وفهم الوجود الخارجي ولا بديل عنه.أما إذا بقي هذا الادراك العقلي منغلقا على العالم الخارجي، في عدم إدراك تواصله الجدلي التخارجي مع الاشياء والموضوعات،فهنا يصبح الانسان كيانا لغويا حواريا داخليا صامتا فقط مفارقا لجوهر انسانيته في حقيقته التواصلية مع الاخرين، وهو محال أن يكون وضعه هذا دائميا بالنسبة لانسان سوي عاقل وناطق ايضا سواء يعيش منعزلا أو يحتويه مجتمع.

ومحال ايضا أن يكون الانسان خارج طبيعته بخصائصها الانسانية،أن لا يوجد ويكون جزءا من الطبيعة متفاعل مع مظاهرها فردا في مجتمع انساني يحتويه، لا أن يكون كيانا مفكرا بذاته لذاته فقط ، منعزلا عن واقعه ومحيطه الاجتماعي. ولا في تعطيله لغة الحوار التواصلي مع الاخر.الصمت الانساني هو حوار لغوي داخلي يعتمل في الذهن البشري المفكر، بينما يكون صمت الحيوان (عدما) غير متعين لا عقليا ولا ذهنيا ولا تفكيرا منطقيا ولا تعبيرا لغويا. فاللغة غير الناطقة عنده لا تكون وسيلة عيشه في تجمّع من نوعه ولا هي وعي يحدد سلوكه.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

علاء كاظم الجابرييهدف هذا البحث لبيان أو الكشف عن قراءة المفكرين العرب المعاصرين للنص القرآني، وذلك من خلال توظيفهم للمفاهيم أو المصطلحات الفلسفية الغربية وتطبيقها على النص القرآني، وتأتي هذه القراءة ضمن قولهم بتاريخية النص القرآني، على اعتبار إن هذه القراءة تأتي أو تندرج تحت قراءة النص القرآني عن طريق أدوات الغرب باعتباره نصاً أو خطاباً لغوياً أو أدبياً، مُستعملين في ذلك مناهج النقد التاريخي والأدبي واللغوي، والتأويل والهرمينوطيقا، والتفكيك، وكذلك مدرسة الحوليات الفرنسية وغيرها. تلك الأدوات التي طُبِقت من قبل فلاسفة الغرب على الكتاب المقدس، وقد تلقف المفكرون العرب المعاصرين تلك الأدوات والآليات على قراءة النص القرآني وذلك من أجل إثبات تاريخيته.                                                      

تعريف التأويل (Interpretation والهرمينوطيقا Hermeneutics)

أولاً: مصطلح التأويل:

يرد تعريف التأويل بأنه: مشتق من الأول وهو في اللغة الترجيع، تقول أوّله اليه رجّعه(1)، وقد ورد لفظ التأويل في القرآن بمعانٍ عدة منها كقوله تعالى: (وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ) (سورة يوسف: الآية 6)، وقوله تعالى: (مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ) (سورة يوسف: الآية 21)، وقوله تعالى: (وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ) (سورة يوسف: الآية 100)، وقوله تعالى: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ) (سورة يوسف: الآية 101)، وقوله تعالى: (ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا) (سورة الكهف: الآية 82)، وقوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) (سورة آل عمران: الآية 7)، وقوله تعالى: (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) (سورة آل عمران: الآية 7).

والتأويل في الشرع: هو صرف اللفظ عن معناه الظاهر الى معنى يتحمله اذا كان المحتمل الذي يراه موافقاً للكتاب والسنة مثل قوله تعالى يخرج الحي من الميت. ان اراد به اخراج الطير من البيضة كان تفسيراً، وان اراد اخراج المؤمن من الكافر، او العالم من الجاهل كان تأويلاً(2)

والتأويل عند أبن رشد(ت595ه-1198م) هو: "اخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية الى الدلالة المجازية من غير ان يخل في ذلك بعادة لسان العرب في التجوز من تسمية الشيء بشبيهه او سببه، او لاحقه، او مقارنه، او غير ذلك من الأشياء التي عودت في التعريف اصناف الكلام المجازي"(3)، أما التأويل عند علماء اللاهوت فهو تفسير الكتب المقدسة تفسيراً رمزياً او مجازياً يكشف عن معانيها الخفية(4)

ويقوم التفسير على الكشف عن مُراد المؤلف ودلالة النص، ولهذا يعطي الأولوية للمعنى على النص، أما التأويل هو صرف اللفظ إلى معنى يتحمله، فهو أذاً يقوم على الاعتراف بأهمية اللفظ ودوره في إنتاج المعنى(5)

ثانياً: مصطلح الهرمينوطيقا:

تُعرّف الهرمينوطيقا بأنها: نظرية التأويل والمبحث الخاص بدراسة عمليات الفهم، وبخاصة فيما يتعلق بتأويل النصوص(6)، وتأتي كلمة هرمينوطيقا من الفعل اليوناني (Hermeneuein) ويعني "يفسر"، والاسم Hermeneia) ويعني "تفسير"(7)، أما مفهوم الهرمينوطيقا فقد اتسع في القرن الثامن عشر والقرن العشرين ليشمل مناهج فهم النصوص الدينية والدنيوية على حد سواء(8)، "وأصبحت تُستعمل في التفسير، ونظرية تفسير الكتاب المقدس، وعلم المنهج اللغوي وعلم الإدراك اللغوي، وكذلك أساس المنهج المعرفي للعلوم الإنسانية"(9)

أما مصطلح الهرمينوطيقا في الفكر العربي المعاصر وترجمته، فلا نكاد نجد مقابلاً واحداً، أو مصطلحاً جامعاً لما يدل عليه المفهوم في أصوله الغربية؛ إذ تتباين الترجمات وتتعدّد، كل والرؤية المعرفية التي يدين بها المفكر(10)

توظيف المفاهيم الغربية على النص القرآني

يُعتبر مفهوم التأويل والهرمينوطيقا من المفاهيم الرئيسية التي طبقها المفكرين العرب المعاصرين على القرآن الكريم، وإذا ما بحثنا عن هذين المفهومين في نصوصهم نجد أن نصر حامد أبو زيد (ت2010م) يقول: اقترنت مشكلات التأويل ونشأتها في الكتب الدينية المقدسة، اليهودية والمسيحية، تحت أسم "الهرمينوطيقا". التأويلية إذن مصطلح قديم كان يشير في بداية استخدامه إلى مجموعة القواعد والمعايير النظرية التي يجب على المفسر أن يتبعها لفهم النص الديني وشرحه وتأويله(11)

ولهذا اصبحت "القضية الأساسية التي تناولها "الهرمنيوطيقا" بالدرس هي معضلة تفسير النص بشكل عام، سواء كان هذا النص نصاً تاريخياً، أم نصاً دينياً، وتدور أسئلتها حول طبيعة النص وعلاقته بالتراث والتقاليد من جهة، وعلاقته بمؤلفه من جهة أخرى. والأهم من ذلك أنها تركز اهتمامها بشكل لافت على علاقة المفسر (أو الناقد في حالة النص الأدبي) بالنص"(12)، "وقد اتسع مفهوم المصطلح في تطبيقاته الحديثة، وانتقل من مجال علم اللاهوت إلى دوائر أكثر اتساعاً تشمل كافة العلوم الإنسانية كالتاريخ وعلم الاجتماع والأنثروبولوجي وفلسفة الجمال والنقد الأدبي والفولكلور"(13).

ثم يُبين نصر حامد أبو زيد طبيعة الهرمينوطيقا التي يتبناها لتطبييقها على القرآن إذ يقول: إن "الهرمنيوطيقا الجدلية عند جادمير(*) بعد تعديلها من خلال منظور جدلي مادي، نقطة بدء أصلية للنظر إلى علاقة المفسر بالنص لا في النصوص الأدبية، ونظرية الأدب، فحسب، بل في إعادة النظر في تراثنا الديني حول تفسير القرآن منذ أقدم عصوره وحتى الآن"(14)

ولهذا فقد اعتبر نصر حامد أبو زيد: إن دراسة قضية التأويل لا تقف عند حدود التراث بكل ما يمثله هذا التراث من قيمة، بل يمتد هذا المغزى إلى الواقع الراهن الذي نعيش فيه جميعاً، فالنص الديني بكل ما يحمله من تراث تفسيري واقع متعين في حياتنا اليومية، وفي ثقافتنا المعاصرة، يشكّل حركة هذا الواقع(15)، و "إن عمليات التفسير والتأويل ليست في الحقيقة أنشطة مفارقة لبنية النصوص؛ إذ إنها تتفاعل إنسانياً وتاريخياً مع النص، بحيث يكون الحديث عن "النص الخام" وهماً يتصوره البعض، في محاولة لنفي الإنساني وعزله عن الإلهي"(16)

إما منهجية أبو زيد في التعامل مع النصوص، أو تأويلها، تنطلق من زاويتين :

الزاوية الأولى: زاوية التاريخ بالمعنى السسيولوجي لوضع النصوص في سياقها من أجل اكتشاف دلالتها الأصلية، ويدخل في ذلك السياق التاريخي، وبالطبع السياق اللغوي الخاص لتلك النصوص. أما الزاوية الثانية : زاوية السياق الاجتماعي والثقافي الراهن الذي يمثل دافع التوجيه إلى تأويل -أو بالأحرى إعادة تأويل- تلك النصوص، وذلك من أجل التفرقة بين الدلالة الأصلية التاريخية وبين "المغزى" الذي يمكن استنباطه من تلك الدلالة(17)، "ومعنى ذلك أن التأويل حركة متكررة بين بعدي "الأصل" و "الغاية" أو بين "الدلالة" و "المغزى"، حركة بندولية وليست حركة اتجاه واحد. إنها حركة تبدأ من الواقع/ المغزى لاكتشاف دلالة النص/ الماضي، ثم تعود الدلالة لتأسيس المغزى وتعديل نقطة البداية"(18)، وبالتالي، يكون "التأويل الإنساني للعقائد يظل مشروعاً ومنتجاً خاصة في مجال الربط بين العلم الإلهي والعلم الإنساني، وتحويل الأول إلى الثاني من خلال صياغة مفهوم إنساني للوحي، مفهوم يستبعد الميتافيزيقي وينحاز للتاريخي"(19)، " وليست العلمانية في جوهرها سوى التأويل الحقيقي والفهم العلمي للدين"(20)

ثم ينتقل أبو زيد إلى دور المفسر أو المؤول أو الذات العارفة في تأويل النص فيقول: "ويظل "عقل" القارئ أو المؤول ذا دور أساسي في حركة التأويل"(21)، و "مادام التأويل فعالية ذهنية استنباطية فمن البديهي أن يكون للذات العارفة دور لا يصح إنكاره أو تجاهله"(22)، "صحيح أننا نجد بعض نظريات "التأويلية" تبالغ أحياناً في التركيز على فعالية "الذات" القارئة إلى درجة زعم "موت المؤلف" و "الوجود الوهمي للنص" لحساب "القارئ" أو "المؤول". لكننا نجد أيضاً على الجانب الآخر "تأويلية" تعلي من شأن القراءة الموضوعية المحايدة، وتبالغ إلى حد الزعم بإمكانية الوصول إلى "المعنى التاريخي" الأصلي للحدث أو للوثيقة والنص"(23)

أما محمد أركون (ت2010م) فيعتبر: "علم التأويل كفن للتساؤل أو طرح الأسئلة والقيمة التثقيفية لصراع التأويلات فيما بينها لم يدخلا بعد إلى الساحة العربية- الإسلامية، إنهما لم يدخلا ساحة البحث العلمي أو التعليم الجامعي اللهم إلا بعض الاستثناءات القليلة الخاصة ببعض الشخصيات الجريئة ولكن المجبرة على التزام الحيطة والحذر المستمر"(24)

ثمّ يميّز أركون بين تأويلين: الأول: (الحالة التأويلية)، والثاني: (الدائرة التأويلية)، ففي الحالة التأويلية: "نجد أن القارئ المؤمن بالنص الموحى يعتبر نفسه ذاتاً مستقلة قادرة على تحديد المعنى القانوني الصحيح لكلام الله، إن الوعي الإسلامي مضطر لأن يعيش الحالة التأويلية حتى نهايتها، أي الدخول في الدائرة التأويلية حيث نجد الروح الموضوعية تهدف إلى تكوين معرفة مطابقة للواقع ولكنها ترتد حتماً في الوقت ذاته إلى ذاتيتها من أجل تقطيع الواقع و رؤيته حسب الشروط للتحسس والتعرف والتبصر"(25)، أما في الدائرة التأويلية: فيكون "الاعتقاد والفهم هما اللذان يشكلان جدلية الدائرة التأويلية، أي أن نفهم لكي نؤمن و أن نؤمن لكي نفهم في داخل هذه الدائرة تتموضع كل فعاليات الروح"(26)

ويحدد أركون طبيعة العلاقة بين الحالة التأويلية و الدائرة التأويلية إذ يقول: "إن المرور أو الانتقال من الحالة التأويلية إلى الدائرة التأويلية يستدعي أولاً وقبل كل شيء إضاءة المسألة الأنطولوجية في متناول الجميع (كانت الأنطولوجيا في البداية مستقلة عن كل تنظير ثيولوجي أو فلسفي) تثق ثقة كاملة بالقوانين المستنبطة من النصوص، لكن نلاحظ في الحالة الثانية (حالة الدائرة التأويلية) أن التفحص الشكلي للمعاني الناتجة عن العملية الأولى يؤدي إلى حذف كل مرمى ثيولوجي"(27)

أما مهمة علم التأويل عند أركون: لا تكمن فقط في التأكيد على تاريخية الآيات من أجل تعليق تطبيقها في السياق الحديث، ولكننا نعتقد أن أي نقد حقيقي للعقل الديني ينبغي أن يتمثل في استخدام كل مصادر المعقولية والتفكير التي تقدمها لنا علوم الإنسان والمجتمع من أجل زحزحة إشكالية الوحي من النظام الفكري والموقع الابستمولوجي الخاص بالروح الدوغمائية، إلى فضاءات التحليل والتأويل التي يفتتحها الآن العقل الاستطلاعي الجديد المنبثق حديثاً(28)

ثمّ يختم أركون بطبيعة العلاقة بين مؤلف النص، والنص، والقارئ، بقوله: إن "الشك هو الذي يُمكننا من ألا نعتبر آثار المعنى بمثابة المعنى الجوهراني والموثوق لمجرد أنه متجذّر في انطولوجيا مُعطاة داخل الوحي، ... فالواقع أننا إذا ما تفحصنا الأمور جيداً، فإننا نرى أن هذا المعنى الموثوق ليس في الحقيقة إلّا عبارة عن آثار معنى متغيّرة طبقاً للتفاعلات المعقدة الكائنة بين المؤلف- الناطق للخطاب/ النّص، وبين القارئ الذي وُجِّه إليه هذا الخطاب أو هذا النص(**)"(29)

وتبدأ الهرمنيطيقا عند حسن حنفي (1935م-...) بالمعنى الدقيق : ابتداء من تحليل وجودي للكائن الإنساني ولم يعد الأمر خاصاً بالنص أو الخطاب بل يتعلق الآن بإحالة النص إلى الواقع المطابق(30)، و"أنه لا يوجد نص لا يمكن تأويله من أجل ايجاد الواقع الخاص به"(31)، وهذا التأويل يقوم بتحويل: القرآن إلى علم النص، والتفسير إلى علم الهرمنيطيقا، والسيرة النبوية إلى علم التاريخ، من خلال تحويلها إلى علوم إنسانية خالصة. وتجريدها من مصدرها الأول (المقدس)، واعتبارها علوم تخضع لمناهج الإنسانية(32)

ولذا فقد اعتبر حنفي: لا يوجد "فرق بين الظاهرة الطبيعية والنص الديني، كلاهما يخضع للعقل وقواعده"(33)، فقد أعلن العقل استقلاله ضد القطيعة في اللاهوت والميتافيزيقا وضد الشك في العلوم المادية. ودخل في نسيج الوجود الإنساني، فالظاهريات (***) تقريباً وللمرة الأولى في تاريخ الفلسفة الغربية فلسفة دون افتراضات مسبقة، وتستطيع ظاهريات الدين مرة واحدة وإلى الأبد رفع الشك واضعه معطى الوحي كقبلي تعتمد عليه دون افتراض مسبق(34)

نقد وتقويم

ومما تقدم من نصوص المفكرين العرب المعاصرين يمكن إعطاء مجموعة من الملاحظات النقدية الآتية:

أولاً: اعتمدت قراءة المفكرين العرب المعاصرين للقرآن على منظومة من المفاهيم الفلسفية للفلاسفة الغربيين التي تناولها من خلال نقدهم للكتاب المقدس (التوراة والأنجيل)، ووظفوها بقراءتهم للقرآن الكريم، فنجد كل واحد من هؤلاء المفكرين في كتبه أثر لهؤلاء الفلاسفة الغربيين واضح في تبني اطروحاتهم(35)، لذا بدأت تُمنهجُ علاقةُ القارئ بالنص القرآني وفق منهجية أرست دعائمها الوجهة النقدية المعاصرة، حيث تمَّ إسقاط الاتجاهات المعرفية الموروثة في قراءة النص القرآني، وإبدالها باتجاهات أخرى وفق عاملين: أولهما رفع عائق القدسية عن النص القرآني، ثم زحزحة الثوابت أو المركز في النص، وصنع قطيعة منهجية مع ضوابط الموروث التفسيري، مما جعل النص ينفتح على جميع الفهوم، بعد ذلك تم العمل على إلغاء درجة الصفر في النص، حتى لا يوجد هناك معنى معلوم أو متيقن (36)

ثانياً: إن من أهم خصائص الهرمينوطيقا الغربية هي التقاطع بين الإنسان وانتمائه لموروثه، يقول بول ريكور(37): "فالهرمينوطيقا تبدأ بدورها عندما لا نكون مسرورين بالانتماء إلى تقليد متوارث، فنقطع علاقة الانتماء لمنحها دلالة مّا"(38)، أما عن غايتها فيقول غادامير: نميّز من خلالها "التأويل اللاهوتي –الفيلولوجي عن التأويل القانوني"(39)، وذلك من أجل "قصد الحصول على فهم جديد للمعنى الذي ظل محل تحريف وإفساد سببه الاعوجاجات والتشوهات والاستعمالات السيئة وغير الوجيهة، كما هو الحال بالنسبة للإنجيل مع سلطة الكنيسة، والآداب القديمة مع اللاتينية البربرية، وللقوانين الرومانية مع الأحكام القضائية الجهوية"(40)

فقد عمل غادامير في كتابه (الحقيقة والمنهج) على ضرورة تخليص عملية الفهم من الطابع النفسي، وضرورة فصل النص عن ذهنية المؤلف وروح العصر الذي ينتمي إليه، ثم ضرورة تحويل الاهتمام إلى عملية الفهم في حد ذاتها، في حيثياتها الخفية، وفي بعدها التاريخي(41)، أو كما يصفها ريكور: "ربط خطاب جديد بخطاب النص"(42)، ويمكن القارئ أن يستخرج من النص "دلالة" ليست ما قصد إليها المؤلف، حتى ولو كانت هذه "الدلالة" من إسقاط القارئ، فهدف الهيرمينوطيقا الأخير هو فهم المؤلف أحسن مما يفهم المؤلف نفسه(43)

ثالثاً: إن هذه "الهيرمينوطيقا"، قد بلغت في الغلو إلى الحد الذي حكمت فيه بموت الإله، وفي تأويل النصوص المقدسة، وبموت الكاتب والمؤلف في النصوص الأدبية والفنية، وبالقطيعة مع "المعنى" الذي قصده الكاتب، وإحلال "الدلالة"، أي في عالم القارئ وكينونته وفهمه الذاتي محل مقاصد الكاتب والمتكلم(44)، وحكمت أيضاً "بالتاريخية والنسبية" على عالم المؤلف، ونفسيته، وملابسات خطابة، ومقاصده، والمعاني التي أودعها النص الذي أبدعه، وأقامت - هذه الهيرمينوطيقا- القطيعة المعرفية الكبرى مع منظومة القيم التي جاء بها النص، فكانت -في هذا النسق الفكري الغربي-: علم فهم النص، الذي أحل "الدلالة" و "المغزى" محل "المعنى"، فأقام القطيعة مع الموروث، والموروث الديني على وجه الخصوص(45)

وهكذا "نشأ التأويل للنصوص، كمحاولة من القارئ للفكاك من قيود هذه النصوص، ففي مواجهة النصوص ذات السلطة والنفوذ الفكري والاجتماعي نشأ التأويل للفكاك والتحرر من هذه السلطة وهذا النفوذ"(46)، ولقد كانت دواعي التأويل -الذي يتجاوز ظاهر اللفظ إلى باطنه، ويتعدى حقيقة معناه إلى المجاز- متعددة، منها:

1- التحرر من قيود النص المقدس، ابتغاء التوفيق بينه وبين الرأي الذي يذهب إليه صاحب التأويل.

2- التحرر من قيد النص المقدس، ابتغاء التوفيق بين ما يفهم من صريح اللفظ وبين ما يقتصيه العقل.

3- الرغبة في تعميق صريح النص المقدس الساذج، ابتغاء مزيد من العمق في الآراء التي يحتويها(47)

رابعاً: لم يُطبق نصر حامد أبو زيد على القرآن هرمينوطيقا وتأويلية غادامير فقط(48)، وإنما استعمل أيضا اطروحات الفلاسفة الغربيين في مفهومهم للهرمينوطيقا والتأويل، وعلاقة المفسر بالنص(49)، ومن أبرزهم شيلاير ماخر(50)، و فلهلم دلتاي (51)، ومارتن هيدجر(52)، وغيرهم.

ولهذا نجد إن مقاربة أبو زيد التأويلية تجعل من النص مجرّد خطاب تاريخي ثقافي يتماهى مع الواقع، فيفقد بذلك خصوصيته وتميزه، باعتباره وحياَ، فتأويل النصوص يجب أن يراعي خصوصيّتها وفردانيتها الأصيلة، ولا يمكن، والحالة هذه، جعل جميع النصوص على المستوى نفسه، وطمس الاختلافات الموجودة بينها(53)، "ففهم النص في ضوء السلسلة التاريخية أفقده قداسته وتعاليه وجعله تابع لزمن بشري استعدته ضرورات المرحلة ليس غير، وبالتالي حين نقرر فهماً موضوعياً له لا بد أن نحترم هذه الخصوصية الدنيوية والبشرية وأن لا نجعله مفارقاً لتلك الطبيعة البشرية والزمنية"(54)، "وهنا تكمن حركة التعلمن في مشروع الرجل هو استناده إلى جملة من المنهجيات الغربية التي توافق ايديولوجيا البحثية النافذة في التحديد من القداسة إلى البشرية من خلال قاعدة بيانات أملتها عليه الهرمينوطيقا فالأسئلة التي طرحتها هذه الأخيرة جعلت النص يترجل بين البشر وفق نسق مخصوص هو النسق المصلحي/الدنيوي"(55).

خامساً: لم ينهل أركون من المصادر الاستشراقية، فحسب، وإنّما نهل أيضاً، من مدرسة الحوليات الفرنسية(56)، والمنهج التفكيكي عند جاك دريدا(57)، وتأويليّة بول ريكور، فقد كان له بالغ الأثر في توجيه نتائج بحوثه؛ التي لم تتزحزح قيد أنملة عن هذه المرجعيّات الغربية وأطروحاتها(58)، ويقول هاشم صالح مترجم وشارح كتب أركون: إن أركون يستفيد من أبحاث علماء أوروبا المرتكزة على العهد القديم أو الجديد (أي على التوراة والإنجيل) من أجل تطبيقها على القرآن. ومن الفلاسفة الذين تأثر بهم أركون بول ريكور. ولكن علماء أوروبا لا يعطون القرآن حتى الآن نفس المكانة التي يعطونها للتوراة والإنجيل(59)

إن مزاعم أركون في التفريق بين معنى ومغزى النصوص، إذ المعنى يمثل الدلالة التاريخية للنصوص في سياق تكونها، والمغزى ذو طابع معاصر بمعنى أنه محصلة قراءة عصر غير عصر النزول، إن هذه المزاعم وهذا التفريق المزعوم بين المعنى يقتضي الطعن المباشر في كتاب الله والحكم عليه باعتباره (نصوصاً) تاريخية(60)

سادساً: يمثل حسن حنفي نموذجاً يدفع بالموقف العلماني من التراث والدين والنسق العقدي الإسلامي خاصة إلى حدوده القصوى، خاصة وأن مشروعه في تجديد العقيدة والتراث يمثل آخر مرحلة في تطوره الفكري، ويسميها "مرحلة التأسيس العلمي" أو مرحلة "التراث والتجديد"، حين إن التجديد عنده إعادة قراءة فينومينولوجية (61)، والتي تنتسب إلى الفلسفة الظاهراتية لقراءة لنص الديني(62)، وبالتالي، إن التأويل الهرمينوطيقي الذي طبقه حنفي على القرآن -قد ذهب إلى عكس الاتجاه الباطني في التأويل- فالتأويل الباطني يزعم أنه ينتقل بالنص من "جسده" إلى "روحه" بينما الهرمينوطيقا تنتقل بالنص من "روحه" إلى "جسده"، وبعبارة أدق تنتقل بالدين من الإلهية إلى "الطبيعة" ومن الميتافيزيقا إلى الفيزيقا، ومن الوحي إلى العقل والتجربة الحسية(63)

سابعاً: أن التأويل في الخطاب الفكري العربي، عمل على نقل الذات القارئة وفرضيات الخطاب إلى جهة لا تتعادل في المعنى، وإذ لا تعادل فلا نهاية للتأويل(64)، "ولأن التأويل قد يخطئ وقد يصيب، فإن حدوده لا تتعدى حدود الذات الفردية والتاريخية، وتلك الحدود هي احتمالية في جذورها"(65)، ولهذا نجد "إن علاقة التأويل بالتاريخية تتجلى في كون التأويل آلية من آليات القراءة ومساءلة النص التي تعتمدها القراءة المعاصرة في مجال النصوص عموماً وفي مجال النص الديني خصوصاً(66) 

وأن "هذه القراءة التي كانت من أهم نتائجها تأسيس الرؤية التاريخية بعد أن كانت من أهم أدواتها التأويل؛ ذلك لأن القراءة تغيرت مناهجها وتعددت خاصة عندما ازدهرت البحوث اللغوية الحديثة، الأمر الذي جعل من عملية القراءة عملية شاملة تجمع بين التحليل اللغوية والتساؤل التاريخي؛ وهذا لأن تاريخ الفكر يعتمد على قراءة النصوص(67) 

وأن الخطاب الحداثي العربي المعاصر لم يمارس التأويل كما هو في الثقافة الإسلامية، بل كانت التأويلية عند الحداثيين العرب امتداداً للتأويلية الغربية وهذا ما جعل دراساتهم تفضي إلى نتائج كرست القول بتاريخية النص القرآني(68)، "وأما القرآن فإنه يختلف اختلافاً أساسيّاً عن النصوص البشرية، من جملة ذلك أن القرآن مؤلف من قبل الله، وترتيبه الموجود ليس ترتيباً فكريّاً ومطالبه غير مبوبه بحسب ترتيب النزول، ومتى كان ذلك أفلا يتطلب نوعاً آخر من الهرمنيوطيقا؟ "(69) 

 

د. علاء كاظم الجابري

دكتوراه في الفلسفة

...............................

الهوامش

(1) ينظر: صليبا، جميل: المعجم الفلسفي، ج1، الناشر: ذوي القربى، ايران، ط1، 1385ه، ص234 (مادة: التأويل). وقارن مع: ابن منظور، أبي الفضل محمد بن مكرم: لسان العرب، ج11، ضبط نصه وعلق حواشيه: خالد رشيد القاضي، دار صبح، بيروت، ط1، 2006م، ص33.

(2) ينظر: الجرجاني، علي بن محمد بن علي (ت471ه): كتاب التعريفات، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 2005م، ص 86 (مادة: التأويل ).

(3) ابن رشد: فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الإتصال، تقديم ومدخل: محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط7، 2017م، ص97.

(4) ينظر: صليبا، جميل: المعجم الفلسفي، ج1، المرجع السابق، ص234 (مادة: التأويل).

(5) ينظر: حرب، علي: النص والحقيقة (3)، الممنوع والممتنع (نقد الذات المفكرة)، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1، 1995م، ص81.

(6) ينظر: مصطفى، عادل: فهم الفهم مدخل الى الهرمينوطيقا (نظرية التأويل من أفلاطون الى جادمير)، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 2007م، ص12.

(7) ينظر: المرجع السابق، ص24.

(8) ينظر: المرجع السابق، ص26.

(9) السيد أحمد، معتصم: الهرمينوطيقا في الواقع الإسلامي (بين حقائق النص ونسبية المعرفة)، دار الهادي، بيروت، ط1، 2009م، ص27.

(10) ينظر: بارة، عبد الغني: الهرمينوطيقا والفلسفة (نحو مشروع عقل تأويلي)، منشورات الأختلاف، الجزائر، ط1، 2008م، ص85.

(11) ينظر: أبو زيد، نصر حامد: الخطاب والتأويل، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط3،2008م، ص173.

 (12) ينظر: المرجع نفسه والصفحة نفسها.

(13) أبو زيد، نصر حامد: إشكاليات القراءة وآليات التأويل، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط5، 2007م، ص13.

(*) هانز جورج جاداميرHans Georg Gadamer (1900-2002م): فيلسوف ألماني معاصر. يعد من أبرز مؤسسي مبحث التأويلية والهرمينوطيقا. تقوم محاولة غادامير على ضرورة إبراز العنصر المشترك الذي يقوم بربط العلائق المتشابكة بين أنماط الفهم المختلفة، وإظهار الفهم، ومن ثم التأويل. (ينظر: غراندان، جان: المنعرج الهرمينوطيقي للفينومينولوجيا، ترجمة وتقديم: عمر مهيبل، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط1، 2007م، ص22 ضمن هامش المترجم).كما عنى غادامير بالبحث في مشكلة الحقيقة؛ وتجلى ذلك في كتابه الرئيسي "الحقيقة والمنهج". فقد قدم جدامير تفسيراً تاريخياً دقيقاً لمعنى "التفسير". وفيها ميز أولاً بين "التفسير اللاهوتي" و"التفسير القانوني". فالتفسير اللاهوتي هو من تأويل الكتاب المقدس. وقد بدأ في المسيحية في عصر أباء الكنيسة، وقال إن نواة التفسير القديم هي مشكلة التأويل الرمزي. أما في العصر الحديث فالتفسير اللاهوتي وجد في اشلير ماخر أكبر مؤسسيه. ثم جاء دلتاي فطبق التفسير على حوادث التاريخ وبدلتاي تأثر هيدجر. كما جعل جدامير جماع فلسفته في التفسير، وتوسع خصوصاً في مسألة اللغة والتفسير. من مؤلفاته: "الأخلاق الديالكتيكية عند أفلاطون" و"في أولية الفلسفة" و الحقيقة والمنهج" وغيرها من المؤلفات الأخرى. ينظر: بدوي، عبد الرحمن: موسوعة الفلسفة، ج3، الناشر: ذوي القربى، قم، ط2، ص101-102.

(14) أبو زيد، نصر حامد: إشكاليات القراءة وآليات التأويل، المرجع السابق، ص13.

(15) أبو زيد، نصر حامد: إشكاليات القراءة وآليات التأويل، ص49. وقارن: نفسه: النص، السلطة، الحقيقة (الفكر الديني بين إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة)، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1، 1995م، ص8.

 (16) ينظر: أبو زيد، نصر حامد: فلسفة التأويل (دراسة في تأويل القرآن عند محي الدين بن عربي)، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1983م، ص17.

(17) أبو زيد، نصر حامد: التجديد والتحريم والتأويل (بين المعرفة العلمية والخوف من التكفير)، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1، 2010م، ص77.

(18) ينظر: أبو زيد، نصر حامد: نقد الخطاب الديني، الناشر: سينا للنشر، القاهرة، ط2، 1994م، ص142-143.

(19) المرجع نفسه، ص144.

(20) المرجع نفسه، ص187.

(21) أبو زيد، نصر حامد: مفهوم النص (دراسة في علوم القرآن)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1987م، ط1، ص64.

(22) المرجع نفسه، ص276.

(23) المرجع نفسه، ص142.

(24) أركون، محمد: الفكر الأصولي واستحالة التأصيل (نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي )، ترجمة وتعليق: هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، ط1، 1999م، ص261.

(25) أركون، محمد: تاريخية الفكر العربي الإسلامي، مركز الانماء القومي، بيروت، ط2، 1996م، ص134.

(26) أركون، محمد: الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، المرجع السابق، ص280.

(27) أركون، محمد: تاريخية الفكر العربي الإسلامي، المرجع السابق، ص134.

(28) ينظر: أركون، محمد: القرآن (من تفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني )، ترجمة وتعليق: هاشم صالح، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط2، 2005م، ص58.

(**) إن الشعار الذي رفعته البنيوية (وبخاصة فوكو) حول موت المؤلف، أو عدم وجود مؤلف بالمعنى التقليدي المعطى لهذه الكلمة. فأي نص مخترق من قبل عدة مؤلفين وليس مؤلف واحد يضع اسمه عليه، لأنه متأثر حتماً بعدة نصوص سابقة عليه وليس مخلوقاً من العدم. وكما رأينا، هناك تداخلية نصّانية، صريحة أو ضمنية، في كل نصّ. وبالتالي، فنحن نتوهم عندما نكتب نصاً ما ونضع اسمنا عليه أننا خلقناه من العدم.. في الواقع أننا كنا متأثرين عندما كتبناه بكل ما كنا قد قرأناه سابقاً، وبكل ما يحيط بنا من كلام شفهي عن نفس الموضوع. وبالتالي، فلا ينبغي أن نغترّ كثيراً بكلمة "مؤلف". فربما كان المؤلف جماعياً لا فردياً. على هذا النحو بالغت البنيوية في حذف المؤلف أو إعدامه. ينظر: أركون، محمد: القرآن (من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني)، المرجع السابق، ص54 (ضمن هامش المترجم).

 (29) أركون، محمد: القرآن (من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني)، ص 54.

(30) ينظر: حنفي، حسن: ظاهريات التأويل (محاولة في تفسير وجودي للعهد الجديد)، ج2، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط1، 2013م، ص502.

(31) حنفي، حسن: من العقيدة إلى الثورة (المقدمات النظرية)، ج1، دار التنوير، بيروت، ط1، 1988م، ص397-398.

(32) ينظر: حنفي، حسن: من النقل الى العقل (علوم الحديث من نقد السند الى نقد المتن)، ج2، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ط1، 2013م، ص7.

(33) سبينوزا: رسالة في اللاهوت والسياسة، ترجمة: حسن حنفي، دار التنوير، بيروت، ط1، 2005م، ص19(ضمن مقدمة المترجم).

 (***) فلسفة الظاهريات نسبة الى الفيلسوف الماني ادموند هوسرل Edmund Husserl  (1859-1938م). مؤسس فلسفة الظواهر Phänomenologie. تقوم فلسفة هوسرل بالتميز بين عالم الخبرات التي نعيشها، والعالم كما يعرفه العاِلم، ومهمة الفلسفة الفينو مينولوجية الأولى هي دراسة العاَلم المعاش Lebenswelt، ودراسة خبراتنا به. من مؤلفاته: "فلسفة الحساب" و"بحوث منطقية" و"الفلسفة كعلم دقيق" و"أفكار لايجاد ظاهريات محضة وفلسفة ظاهراتية" وغيرها من المؤلفات الأخرى. ينظر: الحفني، عبد المنعم: موسوعة الفلسفة والفلاسفة، ج2، الناشر: مكتبة مدبولي، القاهرة، ط3، 2010م، ص1486-1487.

(34) ينظر: حنفي، حسن: تأويل الظاهريات (الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدين)، ج1، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط1، 2013م، ص176.

(35) للاستزادة حول هذا الموضوع يراجع: أبو زيد، نصر حامد: نقد الخطاب الديني، ص203، 207. ونفسه: النص، السلطة، الحقيقة، المرجع السابق، ص79-80، 86،98. ونفسه: إشكاليات القراءة وآليات التأويل، ص49. ونفسه: التفكير في زمن التكفير(ضد الجهل والزيف والخرافة)، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط2، 1995م، ص217، 227. و أركون، محمد: نافذة على الإسلام، ترجمة: صيّاح الجهيّم، دار عطية للنشر، بيروت، ط1، 1996م، ص67. ونفسه: قضايا في نقد العقل الديني (كيف نفهم الإسلام اليوم؟)، ترجمة وتعليق: هاشم صالح، دار الطليعة، بيروت، ط1، 1998م، ص149. ونفسه: القرآن (من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني)، ص45، 47-48، 49، 60. ونفسه: من فيصل التفرقة إلى فصل المقال أين هو الفكر الإسلامي المعاصر؟، ترجمة: هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، ط1، ص60-61، 81. ونفسه: التشكيل البشري للإسلام (مقابلات رشيد بن زين وجان لوي شليجيل)، ترجمة: هاشم صالح، المركز الثقافي العربي، المغرب، ط1، 2013م، ص40-41، 52، 66، 69. ونفسه: الإسلام، أوروبا، الغرب (رهانات المعنى وارادات الهيمنة)، ترجمة: هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، ط2، 2008م، ص196. ونفسه: تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ترجمة: هاشم صالح، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط2، 1996م، ص14. ونفسه: الفكر الإسلامي (قراءة علمية)، ترجمة: هاشم صالح، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط2، 1996م، ص33-34، 94، 121، 232. ونفسه: الفكر الإسلامي (نقد واجتهاد)، ترجمة وتعليق: هاشم صالح، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ط1، ت بلا، ص78. ونفسه: من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي، ترجمة: هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، ط1، 1991م، ص51. و حنفي، حسن: من النص إلى الواقع (تكوين النص)، مركز الكتاب للنشر، القاهرة، ط1، 2004م، ص20. ونفسه: من النص إلى الواقع (بنية النص)، ج2، مركز الكتاب للنشر، القاهرة، ط1، 2004م، ص8. ونفسه: من النقل إلى العقل (علوم الحديث من نقد السند إلى نقد المتن)، ج2، المرجع السابق، ص7. ونفسه: من النقل إلى العقل (علم السيرة من الرسول إلى الرسالة)، ج3، الهيئة المصرية العامة الكتاب، القاهرة، ط1، 2013م، ص35. ونفسه: تأويل الظاهريات (الحالة الراهنة للمنهج الظاهرياتي وتطبيقه في ظاهرة الدين)، ج1، المرجع السابق، ص176. ونفسه: ظاهريات التأويل (محاولة في تفسير وجودي للعهد الجديد)، ج2، المرجع السابق، ص502. و تيزيني، طيب: مشروع رؤية جديدة للفكر العربي من بواكيره حتى المرحلة المعاصرة في أثني عشر جزءاً، النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة، ج5، دار الينابيع، دمشق، ط1، 1997م، ص44، 48-49، 51-52، 53، 58.

(36) ينظر: غالي، أسامة: النص القرآني (بين سلطة الموروث والقراءات المعاصرة)، دار المدينة الفاضلة، بغداد، ط1، 2014م، ص47.

(37) بول ريكور Paul Ricoeur (1913-2005م): فيلسوف فرنسي معاصر. يمثل في الفلسفة الفرنسية المعاصرة محاولة أصلية تستلهم الوجودية والفينومينولوجيا وتريد، بالإضافة إلى التيارات البنيوية والعقلانية، أن تحصر نفسها بمسألة التأويل. إن بول ريكور كمفكر مسيحي وثيق الارتباط بالبروتستانتية، يرمي بمذهبه إلى تعقل "كلية الإنسان" ككائن يعرف ويحس ويفعل، أي في التحليل الأخير كشخص غير قابل للاختزال، ينطلق من أحدث منجزات تيارات الفكر: من التحليل النفسي وصولاً إلى جاك لاكان، ومن الاثنولوجيا وصولاً إلى كولد ليفي ستراوس، ومن الألسنية والبنيوية، وهذا بالإضافة إلى معلمي الشك كما يتجسدون في ماركس ونيتشه وفرويد، إلى إنشاء فلسفة في اللغة تقدم المعنى على البنى. من مؤلفاته: "الإرادي واللاإرادي" و "التناهي والإثم" و "في التأويل، محاولة في فكر فرويد" و "تنازع التأويلات". ينظر: طرابيشي، جورج: معجم الفلاسفة، دار الطليعة، بيروت، ط2، 1997م ص338.

(38) ريكور، بول: من النص الى الفعل (أبحاث التأويل)، ترجمة: محمد برادة، حسان بوريقة، الناشر: عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، القاهرة، ط1، 2001، ص46.

(39) غادامير، هانس غيورغ: فلسفة التأويل (الأصول، المبادئ، الأهداف)، ترجمة: محمد شوقي الزين، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط2، 2006م، ص63.

(40) المرجع نفسه، ص66.

(41) ينظر: شرفي، عبد الكريم: من فلسفات التأويل إلى نظريات القراءة (دراسة تحليلية نقدية في النظريات الغربية الحديثة)، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط1، 2007م، ص36.

(42) ريكور، بول: من النص الى الفعل (أبحاث التأويل)، المرجع السابق، ص117.

(43) ينظر: المرجع نفسه، ص46.

(44) ينظر: عمارة، محمد: قراءة النص الديني بين التأويل الغربي والتأويل الإسلامي، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، ط1، 2006م، ص7.

(45) المرجع نفسه والصفحة نفسها.

(46) المرجع نفسه والصفحة نفسها.

(47) ينظر: بدوي، عبد الرحمن: مذاهب الاسلاميين (المعتزلة، الأشاعرة، الإسماعيلية، القرامطة، النصيرية)،ق2، دار العلم للملايين، بيروت، 1997 م، ص754.

(48) ينظر: أبو زيد، نصر حامد: إشكاليات القراءة وآليات التأويل، ص49. وقارن: نفسه: النص، السلطة، الحقيقة، ص8.

(49) ينظر: أبو زيد، نصر حامد: إشكاليات القراءة وآليات التأويل، ص7، 13، 20، 23، 26، 30، 32، 38، 41، 48. ونصر حامد أبو زيد، الهرمينوطيقا ومعضلة تفسير النص، مجلة فصول، العدد3، المجلد1، سنة 1981، ص144، 147، 150، 152-153. نقلاً عن: شرفي، عبد الكريم: من فلسفات التأويل الى نظريات القراءة، المرجع السابق، ص26 وما بعدها.

(50) شلاير ماخر Schleier Macher (1768-1834م): فيلسوف ألماني شهير، يعد بحق مؤسس ما صار يعرف بمبحث الهرمينوطيقا (أو التأويلية) إلى جانب دلتاي، غادامير، ريكور، وهيدغر. والهرمينوطيقا تعني فيما تعني فن الفهم والتأويل. وهي تجد لها سنداً قوياً في مجال اللغة لهجة أن الفهم ومن ثمة التأويل يقع فيها وبها، ليست منظومة مجردة ونسقية كما كان يراها دو سوسير مثلاً. كما أن الحاجة الى الفهم تزداد بشكل متوتر كلما وجد هناك سوء فهم، وسوء الفهم يولد رغبة في الفهم، وهكذا إلى أن تكتمل حلقات الدائرة الهرمينوطيقية عند شلاير ماخر. من أهم مؤلفاته: كتاب الهرمينوطيقا. ينظر: غراندان، جان: المنعرج الهرمينوطيقي للفينومينولوجيا، ترجمة وتقديم: عمر مهيبل، ص101 (ضمن هامش المترجم).

 (51) فلهلم دلتاي Dilthey W (1833-1911م): فيلسوف ألماني. يعد من أهم رموز الهرمينوطيقا. تركزت جهوده على ضرورة تحقيق التقاء التأويل الفيلولوجي بالفهم القابل للتفسير المطبق في العلوم الطبيعية، هذا، بالإضافة الى محاولة إدخال البعد الهرمينوطيقي في العلوم الإنسانية، ومن ثم التأكيد على تاريخانية الوجود الإنساني، وضرورة فهم الإنسان بوصفه موجوداً تاريخ جوهرياً في جوهره. من أهم كتبه: عالم الروح 3ج. نقد العقل التاريخي. ينظر: ينظر: غراندان، جان: المنعرج الهرمينوطيقي للفينومينولوجيا، ترجمة وتقديم: عمر مهيبل، ص43 (ضمن هامش المترجم).

(52) مارتن هيدغرMartin Heidegger  (1889-1976م): فيلسوف ألماني ذائع الصيت. من أبرز ممثلي الفلسفة الأنطولوجية؛ فهو وإن كان يهدف الى فهم لغز الوجود بوجه عام إلا أنه يرى السبيل الأوحد إلى تحقيق ذلك هو المرور حتماً عبر البحث في كينونة الموجود. من أهم كتبه: الكينونة والزمان. كانط ومشكلة الميتافيزيقا. ما الميتافيزيقا. ما هية الحقيقة. ينظر: غراندان، جان: المنعرج الهرمينوطيقي للفينومينولوجيا، ترجمة وتقديم: عمر مهيبل، ص21 (ضمن هامش المترجم).

 (53) ينظر: العارف، مصطفى: تاريخيّة النص الديني عند نصر حامد أبو زيد (نحو منهج إسلامي جديد للتأويل)، بحث منشور ضمن مشروع " محاولات تجديد الفكر الإسلامي مقاربات نقدية (1)، تقديم بسام الجمل، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، قسم الدراسات الدينية،2017م، ص28.

(54) أبن تومي، اليامين: الملهيات الكبرى للعلمانية (قراءة في اوجه النضال لدى المفكر نصر حامد أبو زيد)، بحث منشور ضمن كتاب: العلمانية والسجالات الكبرى في الفكر العربي المعاصر (من هواجس التأسيس المتعالي إلى مأزق النقد المحايث)، مجموعة باحثين، إشراف وتقديم وتنسيق: البشير ربوح، ابن النديم للنشر والتوزيع، الجزائر، ط1، 2015م، ص67-77.

(55) المرجع نفسه، ص81-82.

(56) مدرسة الحوليات: ظهرت مدرسة الحوليات سنة 1929 بتأسيس المجلة التاريخية الاقتصادية الاجتماعية التي قام بتأسيسها أستاذان شابان هما لوسيان فيفر، ومارك بلوخ حيت قرر الرجلان أن ينفخا في دراسة التاريخ روحاً قومياً جديدة، بحيث ستأخذ الكتابة التاريخية أبعادا جديدة سوسيولوجية و لسانية وجغرافية و ديموغرافية، و تحول التاريخ إلى دراسة كل ما له علاقة بالإنسان، واهتم المؤرخ بالمدة الزمنية الطويلة عكس المدرسة المنهجية، وتقوم علي الانفتاح على كل الحقول والميادين لكن بتحفظ ومع إبقاء كل علم علي خصوصياته، وبذلك أصبح التاريخ يدرس المجتمع بدل الفرد.

 أما أهم أفكار مدرسة الحوليات الفرنسية: 1. الابتعاد عن السرد السطحي والتركيز علي الأبطال والشخصيات والأساطير والخرافات، إلي الاهتمام بالمجتمع بكل مكوناته بما فيها الطبقات المسحوقة والمهمشة والطبقة العاملة والكادحة. 2. مفهوم الوثيقة اتساع مجاله ومداها وأصبحت تشمل كل مخلفات الإنسان من وثائق وكتب ورسائل،والاعتماد على الكشوفات الأثرية وعلم النوميات، وكل شيء يساعد المؤرخ علي استجلاء الحقيقة. 3. ظهور تخصصات وحقول معرفية جديدة تفرعت عن التاريخ، ظهر التاريخ الإشكالي وتاريخ العقليات والذهنيات والعديد من الميادين من علم التاريخ. 4. الانفتاح على كل الميادين والحقول والعلوم والآداب التي يمكن أن تقيد المؤرخ، فالتاريخ هو حصيلة كل التواريخ الممكنة، جميع المهن وجميع وجهات النظر بالأمس واليوم وغدا. ينظر: موحن، وليد: مدرسة الحوليات الفرنسية، مقال منشور في موقع الحوار المتمدن على شبكة الانترنيت، .www. m. ahewar. org

(57) جاك دريدا Jacques Derrida (1930-2004م): فيلسوف فرنسي يمثل الجيل اللاحق للبنيوية، أي ذلك الجيل الذي أستفاد من البنيوية ولم يقبلها كلية، ورفضها ولم يتخلص منها كلية أيضاً. عرف دريدا عبر مصطلحه الشهير التفكيك، ومن ثمة عرفت فلسفته بالتفكيكية. وهي كما قال هو ذاته ليست منهجاً، وليست فلسفة، وليست إيديولوجيا، فهي لا شيء وكل شيء في الوقت ذاته. في كتابه العمدة علم الكتابة أو الغراماتولوجيا نادى دريدا بأولية الكتابة على الكلام، وبهذا خالف القاعدة الأساس التي استند إليها الألسنيون المعاصرون وعلى رأسهم دو سوسير من أن الكلام هو أسبق من الكتابة، وأن الأصوات هي أكثر بكثير من الحروف. (ينظر: غراندان، جان: المنعرج الهرمينوطيقي للفينومينولوجيا، ترجمة وتقديم: عمر مهيبل، ص23 ضمن هامش المترجم). وإن التفكيك لا يتعامل إلا مع ما هو بالمتناول، أي يعالج النص ويسعى إلى استكشاف إمكاناته، ولهذا يعتبر التفكيك خلخلة لبنية النص وحفر في طبقات الخطاب. (ينظر: حرب، علي: الممنوع والممتنع (نقذ الذات المفكرة)، ص53). والتفكيك يقطع الصلة بالمؤلف ومراده، ويتعدّى المعنى واحتمالاته. إنه لا يهتم بالمعنى بقدر ما هو يسعى للتحرر من أمبرياليته. ولا يبحث عن الدلالة الحقيقية للنص، بل يتعامل مع النص نفسه بوصفه واقعة مستقلة تملك حقيقتها وتفرض نفسها. (ينظر: المرجع نفسه، 53-54). التفكيك فإنه يقطع الصلة نهائياً مع المؤلف ومُراده. إنه لا يلتفت إلى المعنى واحتمالاته ولا إلى القول وطروحاته، وإنما يهتم بما لا يقوله الخطاب أي بما يستبعده أو يتناساه أو يهمشه أو يحجبه… بكلام آخر في المنظور التكفيكي لا ينص الخطاب على المراد، بل هو أكثر مما يقول أو غير ما يقول، بحيث يكون هناك دوماً مجال لأن نقرأه قراءة جديدة مغايرة ولكن فاعله وخلّاقة. ولهذا فالتفكيك يقوم على الاشتغال على بنية النص للكشف عن آلياته في إنتاج المعنى أو إجراءاته في إقرار الحقيقة أو ألاعيبه في إخفاء ذاته وحقيقته وسلطته. (ينظر: المرجع نفسه، ص81). ولهذا فإن التفكيك هو اشتغال على بنية النص وتحليل لفاعليته للكشف عن آلياته في إنتاج المعنى أو إجراءاته في إقرار الحقائق أو ألاعيبه في إخفاء ذاته وحقيقته. باختصار: التفكيك يتعامل مع النص بوصفه استراتيجية للحجب والخداع والنسخ والتحويل أو التحريف. والنص يحجب في النهاية ذاته وسلطته أو موضوعه وشروط إمكانه. وهذه مفاهيم محورية في استراتيجية التفكيك. (ينظر: المرجع نفسه، ص54). من أهم كتبه الأخرى: الكتابة والاختلاف. الصوت والظاهرة. هوامش الفلسفة. (ينظر: غراندان، جان: المنعرج الهرمينوطيقي للفينومينولوجيا، ترجمة وتقديم: عمر مهيبل، ص23 ضمن هامش المترجم).

(58) ينظر: السالمي، حاتم: التجديد في فكر أركون (مظاهره وحدوده)، بحث منشور ضمن مشروع "تجديد الفكر الإسلامي (1) محاولات تجديد الفكر الإسلامي مقاربة نقدية"، تقديم: بسام الجمل، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، قسم الدراسات الدينية، الرباط،2014م، ص22.

(59) ينظر: أركون، محمد: القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، ص60 (ضمن هامش المترجم).

(60) ينظر: السرحاني، محمد بن سعيد: الأثر الاستشراقي في موقف محمد أركون من القرآن الكريم، بدون تفاصيل، ص54-55.

 (61) ينظر: السحمودي، شاكير أحمد: مناهج الفكر العربي المعاصر، في دراسة قضايا العقيدة والتراث، مركز التأصيل للدراسات والبحوث، المملكة العربية السعودية، ط2، 2015م، ص141.

(62) ينظر: العالم، محمود أمين: مواقف نقدية من التراث، دار قضايا فكرية للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 1996م، ص65.

 (63) ينظر: الطعان، أحمد إدريس: العلمانيون والقرآن الكريم (تاريخية النص)، تقديم: محمد عمارة، دار ابن حزم للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، ط1، 2007م، ص10 (من مقدمة التقديم).

(64) ينظر: الناصر، عمارة: اللغة والتأويل (مقاربات في الهرمينوطيقا الغربية والتأويل العربي الإسلامي)، دار الفارابي، بيروت، ط1، 2007م، ص122-123.

(65) العمري، مرزوق: إشكالية تاريخية النص الديني (في الخطاب العربي المعاصر)، منشورات ضفاف، بيروت، ط1، 2012م، ص 19.

(66) المرجع نفسه، ص89.

 (67) المرجع نفسه، ص89.

(68) ينظر: المرجع نفسه، ص116.

(69) روشن، محمد باقر سعيدي: تحليل لغة القرآن وأساليب فهمه، ترجمة: علي عباس الموسوي، دار الولاء، بيروت، ط1، 2014م، ص494

 

 

 

سامي عبد العالهناك نموذج استعاري يكاد يطْغى على تضاعيف وانحناءات الثقافة العربية الإسلامية. هو نموذج (كما لو  As If..)، وربما أغلب هذه الثقافات الفرعية أو تلك من النهر التاريخي الكبير لثقافتنا الأم يسير بهذه الآلية. وصورة الـ " كما لو.." تعني ممارسة الفعل والفكر وفهم الخطابات والنصوص كأنَّها (الحقيقة المطلقة)، وكأنَّها (السلطة المتعالية)، وكأنَّها (الميتا وراء) بوافر المعنى، وكأنها (الحياة و الأخرة). وتدريجياً على صعيد المعرفة، سيحل المشبّه به (المُطلق) محل المشبّه (النسبي) مكوناً وضعاً ليس مناسباً لعمليات القراءة والمعرفة والتفكير. وهذا الاحلال سيرسم فكراً مقفلاً على نفسه دون الاهتمام بالزمن والحياة.

إن تاريخ الثقافة العربية الاسلامية إجمالاً هو عمليات من (الحشو الإستعاري البلاغي) المتواصل الذي فقد الأصل ولا تستطيع أن تملأ مكانه إلاَّ بواسطة البدائل المتاحة. ثم سرعان ما يحتل البديل (يغتصب وينهب) مكان الأصل ويدّعي ضمناً أنه يفوقه انطولوجياً ومعرفياً. ونظراً للشعور الجمعي بفقدان المرجعية كاملة (حيث تعيش مجتمعات وشعوب عربية حائرة بين الماضي والمستقبل)، ستكون هناك رغبة (من جنس الفقدان وبملء التاريخ) في استعادتها المتواصلة (الحنين إلى الفائت وبكاء الأطلال). ولذلك يوجد انتشار واسع النطاق لفكرة التأصيل في الذهنيات الإسلامية، فعندما تكون هناك معرفة يتم إسنادها إلى أصل بعينه مع تثبيت مرجعيته بإطلاق.

التأسيس الأقصى

وهذا معناه ما يلي:

1- أن الثقافة (وبخاصة ثقافتنا العربية الإسلامية) أبنية مؤسسة على (فكرة الموت) في مجمل التفاصيل. والمعنى المعبر عن الزائل هنا يحكم أطر التفكير بصفة عامة، حيث يرى الناس في صورتي(التقدم والتطور) عملاً دنيوياً نهايته التلاشي، لأن النهاية المحتومة بالموت هي النتيجة القريبة جداً. والفكر الديني قد لا يحتكم إلى معايير موضوعية لصالح الحياة، بل يعول على رهبة الموت لإحراز الانتشار ولضمان سماع صوته دون تردد. وهذا هو السبب في شيوع البكائيات واستعمالها في انجاز الأعمال وأمور الحياة. ولذلك سيكون تأسيس النصوص والأفكار أخروياً، بمعنى أن هناك دوماً معاني مؤجلة قد تتحقق ولا تتحقق. وهذا في المجتمات يتيح للمتسلقين والفاسدين والمستبدين أن يتولوا مراكز القيادة تاركين أمرهم إلى الله في الأخرة. مما يشيع جواً من الإتكالية والإهمال بينما الإنسان مأخوذ بما يفعل تركاً واتياناً.  أي أن الترك في الثقافة يساوي إتيان الفعل، لأن هناك من يملأ هذا الفراغ بشكل سيء، فيُعتبر ما قام به فعلاً في نهاية الأمر وبالتالي يجب أن يتحمل مسئوليته (التاركون له والأتون به) على السواء.

2- مقابل الموت الذي يسبب الفقدان (الفراغ – الحاجة إلى اليقين)، تتكون جميع نزعات الإطلاق وإدعاء الحقيقة الكاملة. ولذلك يؤكد كلُّ حاكم مستبد أنه (خالد مخلد) فوق كرسي السلطة وفوق أنفاس الشعوب. ويؤكد كل رجل دين أنه يقول (اليقين كل اليقين) ولا شيء سواه. ويقول كل عارف أن يحوز الصدق قبل أي شخص. وهذا هو الصدى البعيد لنوع من التأسيس المعرفي على الاعتقاد أكثر من الواقع. والحال نتيجة ذلك أن النصوص مهما تقول شيئاً معيناً سيكون المعنى شيئاً آخر.

3- الإستعارات هي الحاضنة البدائية للوعي البشري، وهي المرحلة المتأخرة من تكوين الأفكار بصور غير ناضجة وستكِّون لدى اصحابها (كل الحقيقة). لأنها حاضنة فيها من البلاغة والمجاز أكثر من المعرفة الدقيقة. وهذه المرحلة كانت تواكب عصر الغجز الإنساني عن صناعة الواقع وانتاج التاريخ وابداع الحياة.

4- الرؤية الدينية للعالم أمر أساسي في هذه الحالات، والدين في مجال الاعتقاد لا مشكلة فيه شريطة الوعي بمكانه إزاء الحياة والتاريخ والمعرفة. ولكن المشكلة هي الخلط بين تكون الفكر وسياق الفعل في ضوء الإعتقاد والإيمان. وهنا بمجرد تفعيل هذه الصورة الخاصة ستنشط استعارة (كما لو..) مباشرة، فالدين مجال للإنجاز والأداء الفردي الخاص ويصعب تعميم الانجاز أو اسقاطه استعارياً على الواقع.

ذلك أنَّ الإيمان الديني في لاوعي أصحابه يرتبط عادة بالتحقُق غير المباشر، لدرجة أنهم يتخيلون (أو بالأدق يشعرون) أنْ ما وَقرَ في القلب قد تمَّ انجازه كأنه شيء فعلي. وهذا نوع من التمثيل النفسي الداخلي على مستوى الواقع (أو إعادة انتاج الواقع) بحسب ما يوجد لدى الفرد من معتقدات وصور إيمانية. وغالباً يأتي توصيفه الجاري كما يلي: أنَّ الإيمان (فعل وجود being act)، حتى ولو لم يتركً آثاراً ملموسة خارج المؤمن. فهو من وجهة نظر صاحبه قد حدث نتيجة الامتلاء الباطني بما يُؤمن، وهو ذاته من طرف الآخر ليس واصلاَ إليه هنا أو هناك. لكن الخطوة الأهم: أنَّ المؤمن يرى في إيمانه الخاص عالماً مكتفياً بذاته في الوقت نفسه الذي يتجسد معه خلال الحياة.

ولربما كان نموذج الايمان الديني كـ " فعل وجود " هو (الأضعف والأقوى معاً) في اتجاهين عكس بعضهما البعض. هذا النموذج هو الأقوى من جهة العمل والتخلق في الحياة وفقاً لآثاره المترتبة عليه دون تحسُب للعواقب، لأن كل إيمان يملأ صاحبه بواقع خاص هو وحده يلامسه ويسعى إليه إجمالاً (من الخاص إلى العام، ومن الاعتقاد إلى الممارسة). والنموذج السابق هو الأضعف أيضاً لكونه يحمل عالماً أكبر ليس من ضمانةٍ له إلاَّ بالنسبة لهذا الفرد أو ذاك (من العام إلى الخاص، ومن الكلي إلى الجزئي).

وفي الاتجاهين يسير الإيمان ومعانيه أيضاً بطريقة (كما لو  as if). أي أن المؤمن يمتلئ حباً للمقدس (كما لو..) أنه معشوقه الأول والأخير و(كما لو) أنه لا يوجد في الحياة والكون سواه، وهذا صحيح على صعيد الامتلاء الروحي والمسئولية الإيمانية. ولكن الأخطر أن المؤمن حين يستنزل موضوعات الإيمان من كليتها الفائقة عن الوصف(مثل فكرة الله) عبر تجربته النوعية(كما لو..)  فهي موضوعات كانت متجسدةً بما هي كذلك. أي كانت متشخصّة سلفاً لدية ولدى الواقع، ولذلك حارب الإسلام قدر ما يستطيع الوثنية والصنمية وأخيلة التجسد من تلك الجهة، ومن جهة ألاعيب أستعارة (كما لو هذه) عن طريق معنى التوحيد الخالص(ليس كمثله شيء). كما يؤكد القرآن بنفي الكيفية الناجمة عن (كما لو ...) الواردة في ظلال الآية.

وحدها أيةُ قرائن إيمانية (أو براهين قائمة على الإيمان فقط) قد لا تساوي وجودياً عالَّماً متولِّداً عنها أو سابقاً عليها، إنّها عندئذ الرغبة الإنسانية المسئولة عن (تقديس) الغيب كأنك تراه وتلامسه لينسحب على ما يخرج من ذات المصدر ومالا يخرج. فيجيء الغيب مؤسَّساً تاريخياً في الآفاق العامة رغم أنه فعل إيمان للأشخاص، بل في حالات كثيرة سيأتي نظاماً للسلوك والاعتقاد. وإلى هنا لا مشكلة في ذلك كفعل إيمان، لكن هذه المعنى لو أسس أفعالاً أخرى بصدد المعرفة والتنوع الديني والفكري ستكون هناك إشكالية. فسيبدو الغيب متشككاً في نمط الحياة، فقد يكون هناك الغيب السياسي، والغيب المعرفي، والغيب الاجتماعي، والغيب النسوي والغيب الذكوري، والغيب الطائفي. إذ أن مجتمعاتنا مازالت تعيش(غيبيات) أكثر مما تعيش في وقائع. ولأن الغيب قريباً من الغياب، فمازلنا نفتقد حضوراُ ملموساً نتيجة غياب حضاري طويل. هذا الكهف العربي الاسلامي الذي لا يرى بارقة ضوء والذي رسمناه بأنفسنا في العصر الراهن.

إذ ذاك لا يكفي كلُّ هذا الكون المتغير، كلُّ هذا التطور الخلاق بعبارة برجسون. حيث تترسب الغيبيات تراثاً قابلاً للترديد باتساع الأفعال الثقافية. إن نصوص ابن تيمة وابن القيم الجوزية ومحمد بن عبد الوهاب وسيد قطب وحسن البنا .. وغيرهم لها سلطة أكبر من سلطة أية دولة عربية. تبدو دول العرب قاطبة دويلات بجانب (رقعة نصوص) هؤلاء الرموز في مخيلة الاسلاميين. فالقضايا السياسية والمعرفية الواردة في الموروثات نتيقن من صدقها بضمان غيبٍ ليس لها ابتداءً. لأن عالم الدين كله أصبح استعارة لحياة عقيدية أصيلة أصالة معنى الإله. والنماذج المعرفية والفكرية بذلك التّعيُن آليةُ حقائق وإنتاج ليقين فوري بلا انفتاح. مع أنَّ الأخير(أي اليقين) في شتى الاحتمالات يحتاج عمليات نقديةً وبراهين ونقاشاً طالما أنه في سياق العقول البشرية.

التفكير الاستعاري

مناط ذلك هو (التفكير الاستعاري) الذي يوحد بين المعتقدات وبين عالم الأشياء. إنَّ الأساطير والوثنيات القديمة ضروب  من استعارات تُخلع على الأشياء. وبهذا تتخلق الآلهة  في أشكال ممسوخة مألوفة أو غريبة. ورغم اختلاف العصور لم تتوار الاستعارات المقدسة ببقاياها السارية. قد تتسلل خفية مع النص الديني وأيديولوجياته. فهذا القاع المجازي غائر  لدى احساسنا بالأشياء. ولذلك فإن الأيديولوجيات الإرهابية أنظمة استعارية أشبه بالحفريات المنقوشة في الدماغ البشري. ومع التقدم التقني لا يُهال عليها التراب، لكنها وثائق بدائية تخرج مع العنف الديني والصراع المذهبي.

ونظراً لعجز العقل عن معرفة الأشياء في ذاتها nomena كما يذهب كانط، فالإنسان ينَّشْط الاستعارات للقيام بهذا الدور الحيوي. فهي مجازات لمعانٍ لا تحضُر عملياً بأسباب الطبيعة والزمن والفعل. فحين كان يخفق الإنسان في بلوغ شيء سرعان ما يصوغه بواسطة استعارة تلامسه. هو لا يدرك ميتافيزيقا المقدس خارج مستوى الإدراك العادي، فكان عليه أنْ يطاله باللغة. وبهكذا مبرر كانت الاستعارة ذات فاعلية تأسيسية في قضايا الدين والسياسة والمذاهب.

وعلى المنوال ذاته طرحت خاصية التأسيس في الثقافة الاسلامية بصيغة " كما لو " as if. فلقد جرت المفاهيم والنصوص والأفعال والحقائق والهوية كأنَّها كذا. على أن نفتح عقب الــ" كذا" قوسالأخيلة والمعاني المرتهنة بطرائق التفكير حول العالم والتاريخ. هي كل شيء، ولا شيء يُستثنى إلاّ إنكارها فقط. فالدلالة المعجمية العربية للتفكير تؤكد على التعقل، التأمل بما هما دائران خلال نسق ثقافي دائري. ليس فكرنا اجتراحاً نحو أفق مخالف، لكنه اجترار القديم ومضغه حتى الاختناق. العقل لدينا من عقال البعير، الرباط الذي لا حلَّ منه. ليكون التزاماً صارماً بالاعتقاد السائد حتى النهاية. فهو مقيدٌ بإرادة الجماعة القابضة على صور الأشياء؛ أي أنَّه عقل مدجّن في حظيرة يحرسها الفقهاء والساسة ورعاة البشر بعناوين مختلفة. ولئن كان هناك من بإمكانه الإطلالة ولو سنتيمترات خارجها، ستطاله تهمة ازدراء المقدسات.

من ثمَّ يُستعمل النص الديني كأنَّه واقع فعلي يتمثل (ويُمسرَّح) في شخوص وقضايا. اللغة المستعملة عبارة عن مسرحية انطولوجية واسعة النطاق وربما مفهوم ما (كمفهوم الجماعة المؤمنة) يجري كما لو كان" حقيقة " موضوعية، بينما هو محض تصور سردي لضبط الواقع وتثبيت الدلالة. تماماً مثل العلاقة مع الأغيار، فأية علاقة قد تنعقد كأنها تسامحية وحرة، بيد أنها رغبة تنتهك الحد الأقصى. وبالأسلوب نفسه ستستعمل المجتمعات العربية الاسلامية الراهنة المصطلحات الحديثة كالديمقراطية والأحزاب والبرلمانات والرئاسة والمواطنة والمؤسسات. فهي ليست مؤسسات ولا أبنية سياسية فاعلة في حياة الناس، لكنها عبارة عن خيال نفعي يدير الشأن العام لصالح أرتال المنتفعين وأصحاب الحظوة. وفي أوقات الأزمة يدار الشأن العام بمنطق الغزوات كما كان السلفيون يسمون الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بمصر غزوات الصناديق.لأن منطوق الاستعارة الدينية الجهادية أكثر تعبيراً عن غرائز الجموع.

مسرح الواقع لدينا أحد أصناف التمويه الاستعاري الزلق بطريقة (كما لو...). لا يوجد واقع موضوعي، لكن هناك وقائع لسبي جماعي للمواطنين وممتلكاتهم ومدخراتهم في شكل مصالح وغنائم. فكان منطقياً الهيمنة على اللغة كلاهوت اجتماعي مرتبط بقبيلة الإيمان في مقابل قبائل الكفار. إذن التأسيس البديل صناعة ثقافية تتدخل فيها طرائق التخيل وأنماط العيش وسرديات الجماعة حول نفسها وحول الموروث. ولعل الخيال الثقافي يلعب دوراً رئيساً في إفرازه بكامل تواجده الحي. وما من جماعة تدخل العمل السياسي إلا وتستعيد ذاكرتها الرعاعية الضاربة في الزمن.

تناسُل الاستعارات

ليس أقرب إلى الفكرة السابقة من استعمال نصوص الدين وتكرار قصصه كسرديات تقرب المعنى. هذا المعنى الذي يحتاج أصلاً إلى عمل وجهد ووعي لتحقيقه.  فكل جماعة وكل مذاهب دينية تمتلك سرداً استعارياً لمعتقداتها أيا كانت. والاستعارات أقرب الأشكال البلاغية لضخ الحقائق عبر نصوص متداولة قابلة للعيش مع الوعي جنباً إلى جنب. إنَّ استعارات القوة والنقاء والخلوص والطهرانية تجاه عصر من العصور وتجاه فكرة معينة تغلف تصورات الدين وتشكله في لا وعي المؤمنين. وهي أحلام تأخذ أصحابها إلى تحديد موضوعات الممارسة والتشوف إليها. لدرجة أن تلقي العبارات وترديدها يشعرهم بحلول روح عميق داخل أرواحهم. وكلما عاشوا في استعاراته التأصيلية بهذه الآلية، كانوا على اتصال مع دراما النص. فالمعاني تغدو تمثيلية، هذا الصراع بين الأخيار والأشرار، بين المؤمنين والكافرين، بين الطوائف والنِّحل حتى يواكب الشحن الاستعاري للمفاهيم.

ارتبطت الاستعارات دوماً بمعطيات حياتية. فالسراب- مثلاً- امتلاء مجازي لمساحة من التصحر مع قيظ الظهيرة. وهو خيال بيئي حول أشياء قريبة من هذا التجسد. ويستعمل السراب كتعبير عن خداع يكمن في أحلامنا وأفكارنا وحجم العلاقة بالآخرين. كما أنَّ السحب استعارة للمياه التي ستمطر ترقباً للنماء والحياة الرغدة. وفي هذا تكشف كل استعارة كيف نفكر في ماهية الأسس التي نترقبها؟ وهي تجري عادة بصيغة كما لوas if  مع أننا نعرف بقليل من التفكير أن الواقع ليس كذلك. والمدهش أن (الأسس) تأتي بصيغ متعددةٍ كضروب من المعاني القادرة على تأكيد الاستعارات ثانية. فلو قلنا إنَّ النص يتحدث عن حقيقةٍ ما،  فإنه يعبر عنها بعبارات اليقين المباشر. ونظراً لأنه في النهاية لغة، فلن نتمكن من امساكها تماماً لأنها تحتاج إلى سياق يحققها. إذن سيواصل المعنى عملية القذف باستعارته، حتى تشكل الحقيقة كما يقول نيتشه استعارات داخل أخرى كجوفٍ لمرايا منعكسة هي اللغة ذاتها.

إنَّ الميتافورmetaphor دالة على ما وراء الحركة بين مدلولين يتحول أحدهما إلى الآخر لرسم صورة مبتغاة. المثال الأبرز حينما نستعمل صورة الشمس كدلالة على ألقٍ لشخص ما يأخذ مضامين العلو والسمو. هكذا كل المفاهيم الكبرى حول النصوص المقدسة والخلافة والحاكم والسلطة تسكنها استعارات شمولية بطريقة أو أخرى. إن الاستعارة حفرية في كيفية ارتحال المعاني وهجرتها تبعاً لنظام الاعتقاد السائد اجتماعياً. وهي من هذا الجانب تمثل جهازاً بلاغياً لتشغيل ماهية التصورات وآليات الخطاب المتداول.

والاستعارة مزيج من الصور الحسية واللاشعورية معاً. لأنَّها نتاج معتقدات نوعية تدمج الأكوان والكائنات بشكل عجائبي بعيداً عن الواقع. مثل العقل الجسدي، الجسد المتسامي، العاطفة الكونية، الإنسان الحيوان، النبات المؤنسن، العادل المستبد، الفيزيقي الميتافيزيقي. تخليط لعناصر لا تجتمع معاً إلى بدرجات من المجاز. كان المسلمون المؤدلجون ومازالوا يعيشون في سراويلها الفضفاضة إلى اليوم. فالخليفة هو أمير المؤمنين، ولي الأمر، ولا يجوز الخروج عليه، ولا يصح الدين إلاَّ بوجوده، واهب الأرزاق، وفالق الحَبَّ والنوى، طاعم الرعية وجالب الخيرات. قال عنه ابن تيمية: إنه لاحتمال ستين عاماً من الظلم والاستبداد تحت حاكم ظالم أهون من مبيت ليلةٍ واحدةٍ دون سلطان. وهذا المعنى يشغل استعارة الإله في حاشية حاكم بقدرات خارقة. فيضيِّع الدين والحياة من جميع جوانبه لأجل البقاء في كرسيه. وهو كرسي العرش الشاغر دوماً إلاَّ من إله صغيرٍ يتلاعب برعيته كيفما شاء. كل ذلك تحت (كما لو...). وبالتالي ظل يتسيَّد السلطان تاريخ الإسلام عن طريق الفقهاء وبأمر صحيح الدين كما لو كان ثمة قانون طبيعي يؤيد ديمومته.

ولهذا لن تحدث استفاقة للفكر الديني إلاّ بجعل "كما لو" موضوعاً مفتوحاً للفعل المتطور. فلئن اُشبعت هذه الصيغة بالخيال الرومانسي لقصص الدين وسير أقطابه وأصحاب المذاهب فإن ثمة أفعالاً تنتظرها راهناً. صيغة " كما لو" تفخخ الواقع والحياة استعارياً لصالح خيال متشبث بحياة ماضوية بديلة. كانت هذه الصورة سلفية مرةً ووهابية غيرها وإخوانية سواها وداعشية تالياً... إلى أخر التناسل الاستعاري. وتلك الصور أردية مستعارة بدلالة القداسة ليلبسها المسلمون المعاصرون تحت لافتة الدين. ومع أنَّ الدين لا يفرض بحكم روحانيته اليقظة جسداً ثقافياً محنطاً اسمه السلفية أو الوهابية إلاَّ أننا نرى هؤلاء الأيديولوجيين (مومياءات نصية) من لحاهم حتى أخمص أقدامهم.

 

د. سامي عبد العال

 

 

البُنية الاجتماعية هي التجسيد الحقيقي لأحلام الإنسان ضِمن منظومة إنتاج الوَعْي، وتوظيفه في السِّياقات الثقافية ودَلالاتِ الهُوية التاريخية . وهذا التجسيدُ لَيس فلسفةً للوجود الاجتماعي في الوَعْي الإنساني فَحَسْب، بَل هُو أيضًا صِيغة عقلانية تَرْمي إلى إعادة بناء التاريخ المُتَشَظِّي في أعماق الإنسان وتفاصيلِ المُجتمع، من أجل تحقيق التكامل بين الخصائص الجوهرية لحركة التاريخ والمعاني الحَيَّةِ لرمزية اللغة. وهذا التكامل مِن شأنه كشف المفاهيم الفلسفية المركزية التي تُسيطر على أعمال الإنسان، وتتحكَّم بسُلوكه، وترسم مسارَ حركته في غُربته الوُجودية واغترابه عن ذاته. وإذا نجح الإنسانُ في إيجاد علاقة منطقية بين طاقةِ التاريخ المُحرِّكة للأحداث الواقعية وطاقةِ اللغة المُحرِّكة للمشاعر الدفينة، فإنَّه سَيَنجو من الاغتراب الذاتي، ولَن يَشعر بالصراع بين الوَعْي المعرفي وانتحارِ المَعنى . ومُشكلةُ الإنسان في الأنساق الحياتية تتَّضح في طبيعة تركيب العَالَم الذي يعيش فيه، فهو يعيش في عَالَم يَنتحر فيه المَعنى، وتَؤُول فيه قيمةُ الكِيان الإنساني إلى شُعور بالغُربة وانفصالٍ عن الذات، وتصير شُروطُ الكَينونة الإنسانية معاييرَ استهلاكية فاقدة للرُّوح والغاية . وينبغي استنباط حُلول عملية لهذه المُشكلة من المعرفةِ النقدية والخِبرةِ الحياتية والتجربةِ الاجتماعية، للحفاظ على تماسك المجتمع الإنساني في وجه التحديات الوجودية والأزمات الوِجدانية .

2

سببُ التَّوَتُّر في الحياة الاجتماعية هو عدم التمييز بين الأشياء والعلاقاتِ بين الأشياء . فالأشياءُ كِيانات اعتبارية، أمَّا العلاقات فهي سُلطات منطقية. وفي أحيان كثيرة، تُصبح العلاقاتُ بين الأشياء أكثر أهمية من الأشياء ذاتها. وهنا تَظهر أهمية التحليل الخاضع لقواعد المنهج الاجتماعي، ويَبرُز دَور التَّأمُّل الخاضع للعقل الجَمعي . والتحليلُ الواعي والتَّأمُّلُ العميق يستطيعان بناءَ كِيانات اجتماعية مُرتبطة بطبيعة أحلام الإنسان، ويَقْدِرَان على صناعة سُلطة معرفية حاكمة على الوَعْي في سِياقه الثقافي ودَلالته التاريخية . ومِن أجل تحديد الآلِيَّات الفكرية المُتحكِّمة بجَوهر التغيير الاجتماعي، ينبغي تحرير الإنسان مِن المشاعر التي تُولَد في داخله، وتُقنعه بأنَّ مصيره لَيس في يده، وأنَّ مساره مَفروض عليه مِن جِهات معرفية خارجية . وعمليةُ التحرير هي القيمة الاجتماعية القادرة على كسرِ العُزلة الثقافية حول الإنسان، وإقامةِ رابطة مصيرية بين ذاته وأعماقها، لأنَّ انفصال الذات (الغُصن) عن عُمق الذات (الجَذر) يُؤَدِّي إلى تكريس اللامعنى وتجذيرِ اللاجَدوى، أي إنَّ الإنسان يَشعر بأنَّ حياته بلا هدف، وأنَّ التغيير الاجتماعي بلا جَدوى . وهذا هو مَوت الإنسان في الحياة . إنَّه الانتحار الإنساني التدريجي في أنظمة الحَيَاة الخالية مِن الجَوهر العميق والوظيفة الفعَّالة .

3

العلاقات الاجتماعية هي صُوَر لُغوية رمزية يُنتجها العقلُ الجمعي، لتسهيل رحلة الإنسان من اللامعنى إلى المعنى، ومِن الفراغ إلى الدَّلالة، ومِن العدم إلى الوجود . وأعماقُ الإنسان هي الحاضنة الوجودية للصِّرَاعِ بين التاريخ المُتخيَّل والتاريخ الحقيقي، والصِّدَامِ بين الثقافةِ المُؤَدْلَجَة كأداة لتغييب العقل الجَمعي، والثقافةِ التحريرية كرؤية للعَالَم وطَوق نجاة لانتشال المجتمع مَن الغَيبوبة . وهذا يعني أنَّ الإنسان يَخُوض حربًا معرفية في أعماقه لإيجاد نَفْسِه في رُكام المعاني وتراكمات المشاعر، ويُعيد بناءَ وُجوده على أنقاضه، ويَصعد مِن حُطامه كائنًا حَيًّا وكِيَانًا حُرًّا . وإعادةُ اكتشاف الإنسان لذاته ومُجتمعه وعَالَمه، هي الوسيلة المُثلى والسياسة الناجعة لإيجاد المعنى، ومَن وَجَدَ المَعنى الإنسانيَّ امتلكَ سُلطةَ المعرفة. والمَعنى هو السُّلطة، وسُلطةُ المَعنى هي الحياة.

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

1- كانط والمعرفة:علي محمد اليوسف

احدى مقولات كانط الفلسفية ذات الحمولة الثرّية المدخّرة قوله " المعرفة تبدأ بالتجربة لكن لا تنشأ عنها" ليس من السهل الوقوف على فهم شاف لما يرغب كانط التعبير عنه بعبارته هذه، و وسبق أن شرحها العلامة دكتور عدنان ابراهيم في إحدى محاضراته الفلسفية على موقع يوتيوب شرحا فلسفيا يحسب له وليس لعبارة كانط. وكان شرحه لها ملتبسا عليّ فهمه في توازي شغفي الكبير معرفة معنى عبارة كانط المفعمة بالتعبير الفلسفي العميق.

ماجعلني أذهب في مقاربة لما تحمل عبارة كانط من حمولات تاويلية ثرّة. كانط حسب فهمي لعبارته أن التجربة السابقة على المعرفة ليست هي تجربة العقل وإنما هي تجربة الحواس البدئية الاولية في الادراك السابق على المعرفة في تفريقه معنى الادراك عن معنى المعرفة... لماذا؟

كون التجربة العقلية هي تجربة معرفية وليست تجربة ادراك اولي فقط،  تلازم موضوعها ولا تتركه  من دون الخروج بمحصلة البرهان معه أو ضده.،  بخلاف تجربة الحواس التي هي نقل انطباعات الاحساسات للاشياء والمواضيع المدركة التي تنطبع بالذهن وتنتهي في عملية التجربة ألادراكية الاولية للاشياء،  وتجربة احساسات المدركات تجربة فاقدة لبرهانها اليقيني التجريبي فهي ليست خاضعة لبرهان العقل بل لاستشعارات ما تنقله عن الحواس. إذ الانطباعات تكون سطحية وسريعة المروق من الذهن قبل إستكمال العقل البت بها كافكار عقلية وليس إنطباعات ذهنية متحولة بسرعة غير ثابتة.

الانطباعات هو ما تدركه الحواس وتطبعه الاحساسات الناتجة عنها بالذهن،  والانطباعات ليست أفكارا مصدرها العقل فما يصدره العقل بخلاف مدركات الحواس هو مقولات معرفية فكرية بما يراه العقل في الاشياء وليس انطباعات زائلة عنها. ما تنقله الحواس هو الانطباعات الادراكية المنقولة لمؤثرات التجربة الحسيّة الاولية  العابرة للذهن التي لم تكن ناشئة عن تجربة إكتسبت برهانها العقلي. وهنا تصبح التجربة ليست تاكيدا لبرهان العقل كاملا بل الشك بها على أنها ناتج إدراك حسّي ناقص غير مكتمل عقليا.إدراك الشيء حسيّا إنطباعيا هو ليس معرفة ذلك الشيء معرفة عقلية حقيقية. المعرفة تسبق الادراك العقلي الى إصدارفكري نهائي يصدره العقل.

2- هيوم والعليّة

نال ديفيد هيوم سخطا كبيرا حين أنكر ما لا يعقل إنكاره مثل مقولته المثالية لا وجود للعقل الذي أيّده بها بعد قرون طويلة فيلسوف العقل الانجليزي المعاصر جلبرت رايل في مقولة له "لا يوجد ما يسمى عقلا ابدا" يلاحظ رايل لم يقل (مطلقا) بدلا من قوله (أبدا)،  فالأبد ربما يتحقق لاحقا،  بينما المطلق فهو أزل  لا يمكن إحتمال تحققه الادراكي لاحقا. كما أنكر هيوم العالم المادي الخارجي خارج إدراك التجربة الحسّية. كما وأنكر مبدأ السببية في نظام علاقات الاشياء ايضا،  وقال لا يوجد سلسلة لانهائية من المتواليات الرياضية تحكم ظواهر حياتنا تتوزع بين علة ومعلول تحكم الظواهر والاشياء من حولنا،  حيث نجد تفكيرنا يتوقف تماما عندما يصل الى علة بلا معلول في وجود الخالق الذي يتوجب علينا الإيمان بهذه العلة خارج أحكام السببية ونؤمن بوجود الله علّة كل الاشياء الذي لا تسبقه علة موجدة تخليقية له سابقة عليه.. ولم ترق لديفيد هيوم هذه النتيجة النهائية وهو ذلك الملحد العتيد الذي يمّجد التجربة الحسّية ولا يعترف بشيء اسمه ميتافيزيقا من أي نوع كانت. لذا إعتبر هيوم مبدأ العليّة ليس وسيلة معرفية موثوقة لفهمنا العالم من حولنا.معتبرا السبب والنتيجة هما تكرار لحقائق تربطها علاقات تكرارية متلازمة مع ظروف ملازمة لها بعينها لا تتغير ليست سببية لكنها علاقات تصبح يقينينة بحكم التكرارللظاهرة السببية التي ينتج عنها (عادة) تلازم الحكم على تلك العلاقات على أنها سببية. مثال ذلك حسب هيوم حين تتكرر ظاهرة الاحتراق كنتيجة يولدها سبب النار فهي تصبح بمرور الوقت وتكرارها بلا ما لا يحصى من المرات (عادة) بديهية يعاملها العقل معاملة اليقين السببي أن الاحتراق نتيجة سبب هو النار.

3- مصطلح جدل الجدل

مصطلح جدل الجدل قرأته في احدى مقالات الباحث السوري محمد ديوب المنشورة على موقع الحوار المتمدن لاول مرة ولا استطيع الجزم نسبة المصطلح له لم يسبقه به أحد غيره،  وتناولت المصطلح في مقالة لي منشورة بعنوان (جدل الجدل والمجانسة النوعية ). ملخصها حسب إجتهادي الفلسفي أن جدل الجدل هو ديالكتيك خارج علاقة المادة بالفكرماركسيا حيث ينفصل في هذا النوع من الجدل الزائف غير الحقيقي  الفكر عن المادة في علاقة وهمية شكلية ليست حقيقية الحدوث. بفعل إنعدام حاكمية المجانسة النوعية المختلفة بينهما المادة والفكر(اختلاف الماهية والصفات بينهما). جدل الجدل في المجانسة النوعية للمادة يكون ديالكتيكا داخليا لها خارجيا منفصلا عن تعالقها بالفكرجدليا.  ويكون جدل الجدل بالفكر ايضا داخليا بالنسبة له خارجيا بالنسبة للمادة في علاقتها بالفكرتكامليا وليس جدليا...

بمعنى لا يوجد في هذا الديالكتيك المزعوم وحدة تناقض الاضداد في مجانسة نوعية واحدة تجمع المادة والفكر في علاقة جدلية تقوم بينهما. بل تجمعهما علاقة تكاملية على مستوى ابستمولوجي صرف. فرق علاقة الديالكتيك الجدلي الذي يحكم متضادين متجانسين في النوع أنه ينتج عنه ظاهرة مستحدثة جديدة تسمى المركب الثالث. بينما تكون علاقة التكامل المعرفي بين مادتين أو بين ظاهرتين لا يشترط تحكمهما علاقة التضاد الجدلي في استحداثهما الظاهرة الثالثة الجديدة فتكون علاقتهما تكاملا معرفيا لا يلغي أحدهما الاخر كما في تضاد الديالكتيك الجدلي.

جميع التعبيرات اللغوية الخاطئة التي تصف علاقة شيئين مختلفين بالمجانسة النوعية،  أي مختلفين بالماهية والصفات على أنها علاقة جدلية وليست علاقة تكامل ابستمولوجي يجمعهما تفرضها ظروف موضوعية هو إسفاف متعمّد بالخطأ. الذي يحاول إنابة وضع علاقة جدل وهمي زائف محل علاقة تكامل تخارجي معرفي بين الاشياء وموجودات العالم الخارجي.المقصود بالمجانسة النوعية للشيء هي الصفات والماهية لذلك الشيء المتفرد بها كخاصيّة لا يشاركه الفكر بها والتي لا تشابه ولا تلتقي بغيرها من المواد الاخرى في المجانسة النوعية ذاتها والا دخلتا في تضاد جدلي بينهما،  وهنا يكون معنا خاصية الفكر الاجناسية هي تجريد لغوي صوتي،  في حين تكون المجانسة النوعية للمادة هي غيرها لا تحمل هذه الصفة الخاصية الملازمة للفكر لذا لا يمكن حصول جدل ديالكتيكي بينهما أي بين المادة والفكر في إختلاف المجانسة النوعية بينهما.

صفات المادة وماهيتها لا تلتقي يالمجانسة النوعية الموحدة مع صفات وماهية الفكر. الشيء الاخر الذي لا يقل أهمية أن المجانسة النوعية (خواص الماهية والصفات) في الفكر هي من نوع المتغيرات الطارئة على تغييرات الفكر باستمرار وهو ما لا تتوفر عليه المادة في ثبات صفاتها وماهيتها.

4- تنظيم الذاكرة

يذهب باشلار في تاكيده  أهمية الاستذكار النفسي الزمني معتبرا " الانسان لا يتذكر بمجرد التكرار وأنه لا مناص له من تركيب ماضيه،  فالسمة هي حكاية النزوع في الأنا،  ومع الإستذكار لا يكتمل عمل التذكر أبدا،  فالاستذكار لا يتناهى عندما ينتهي الحدث لأن الذاكرة تكتمل بالصمت "1.

بالحقيقة ما إستوقفني مليّا هو تعبير باشلار نهاية العبارة "الذاكرة تكتمل بالصمت" لما تحمله من تاويل نافذ. اذا ما إعتبرنا التذكر هو عملية إستعادة تداعيات الصور الخيالية المخزّنة بالذاكرة. عندها لا توقف الذاكرة  قابليتها على الاستذكار الماضوي "خياليا" كون الخيال هو إستذكار دائم الحصول متواترزمانيا في تداعيات من الشعور المسيطر عليه عقليا. تداعيات متسلسلة قائمة أساسا في صمت الذاكرة  إستيلادها الخيال وليس التوقف عن الكلام بمضمون تفكيرها الذي هو أساسا غير مطلوب الحضور لا في فعالية التذكر ولا في صمت الذاكرة عن الإسترسال بإستعادة تداعيات الخيالات الصامتة غير الصوتية غير الناطقة. الاستذكار الخيالي خيال تصوري لغوي لتشيييء لوقائع تاريخية غير ناطقة يحكمها الشعور وليس تداعيات اللاشعور.

ميزة الخيال انه صورتشييئية في التعبير عن وقائع وشخوص لا صوتية لكنها تكون لغوية  متكوّنة من الاستذكارات الماضية والخيالات الاستيلادية الجديدة المتلازمتين.  هما في كلتا الفعاليتين حقيقة فعالية واحدة تقوم على صمت الذاكرة وليس في إنعدام التفكير بالخيالات في الصمت المنسوب للذاكرة وليس الخيال. صمت الذاكرة الاستذكاري للماضي هو نفسه صمت التفكير في تعبيرها الحاضر عن الماضي. صمت الذاكرة صمت بيولوجي لا يمتلك غير وسيلة تعبير اللغة. لذا أجد أن تعبير الذاكرة تكتمل بالصمت لأنها دائمة الاسترسال في التذكرالخيالي الصامت الذي لا يتوقف. صمت الذاكرة تفكير لا يحدّه الزمن. ما يعني تعبير اللغة عن استذكار الخيالات هي لغة تشييئية صورية غير ناطقة خرساء بلا صوت فقط لكنها شغّالة في كل أوقات اليقظة وحتى في أحلام المنام.. ميزة الذاكرة أنها تداعيات نفسية خيالية مكتسبة عن تجارب وخبرة احداث ووقائع الماضي،  لكنها بنفس الوقت تستحدث خيالها الذاتي غير المكتسب عن استذكارات الماضي بتصورات جديدة مصدرها المخيّلة.

- تنظيم الذاكرة كخبرة تراكمية مكتسبة مخزّنة في حقيقتها عمل إرادي إكتسب جوهره الوظيفي كجزء من عملية إدراك عقلي عضوي – تجريدي. وبدون هذه المرجعية في التنظيم للذاكرة يصبح إستذكار حوادث ووقائع الماضي غير متاحة إدراكيا عقليا منتظما.

- زمن الاستذكار لحدث وقع بالماضي،  ليس هو زمن إستذكاره لاحقا بذاكرة الحاضر،  إستذكار الماضي يحكمه الحاضرتاريخيا والماضي يحكم الحاضر زمانيا فقط بوقائعه الحياتية التي لم تكتسب ماضوية وقائع ثبات التاريخ. وليس زمانيته الماضوية التجريدية التي لا يمكن إدراكها بغير دلالة تاريخية.، 

فالماضي كزمن وتاريخ لا يعي ذاته ولا يمكنه الحضور خارج إستدعاء الإستذكارات الخيالية الصورية والمتعينّات الاثارية له. الماضي تحقيب تاريخي زمني يكون التاريخ فيه متقدما على أهمية الزمن له. والحاضر تأطير زماني ثابت لوقائعه.

- لماذا تكون حاجتنا تنظيم الماضي في إستذكاره خياليا في وقت يكون هو إكتسب نظاميته القطعية بثبات وقائعه التاريخية التي أصبحت جزءا مدركا من ماض. الى جانب أنها وقائع تاريخية حدثت وإتخذت صفة ثباتها.

- تعبير باشلار السابق " الاستذكار لا تناهي عندما ينتهي الحدث لأن الذاكرة تكتمل بالصمت". بالعودة الى أن الإستذكار في حقيقته يجمع زمانين،  زمن الحاضرغير الثابت المتغير المتلاشي باستمرار الذي يحصل فيه الاستذكار الخيالي للماضي كوقائع وحوادث تاريخية ثابتة.،  وزمن الذاكرة بالاستذكار عملية مزدوجة لا تتم الا بالصمت الذي يجعل من الذاكرة تحقيبا ماضويا في تكامله مع حاضر إستذكاري خيالي يجمعهما كليهما معا في تمثيلهما خاصية الذاكرة التوليدية لهما وليس خاصية أحد الخيالين عن مصدر أخيلة الآخر..

- الارادة الانسانية لا تخلق زمانا تجريديا،  بل تخلق زمانا تحقيبيا تاريخيا. والارادة لا يمكنها قيادة زمان بل هي تدخل في علاقة تخارج معرفي في مواضيع يدركها الانسان بدلالة زمانية يحدّها مكانا معيّنا. الارادة الانسانية بمستطاعها تغيير الواقع في جميع تمظهراته التي يدركها الحس العقلي،  لكنها عاجزة عن خلق تلك الوقائع التي تسبق الارادة والادراك العقلي في وجودها الانطولوجي. .

5- الذاكرة والنفس

 باشلار حول مصطلحه الفلسفي تنظيم الذاكرة يرى (أنها لا تحتاج التكرار الاستذكاري للماضي) بل تحتاج التنوع الاستذكاري القائم على الاختيار والارادة النفسية. هذا المنطوق الفلسفي يجعل من الذاكرة في حالة التنظيم لنفسها هي حالة إستذكار نفسي لا علاقة ترابطية لها بوقائع الماضي التي نتصورها لها تاثيرا مباشرا على تنظيم الذاكرة ليست المنعزلة بقواها الذاتية كما يرغبها باشلار. الذاكرة لا تخلق عوالم الخيال فقط بل بحاجة تنظيم مكتسباتها المعرفية السابقة بضوء ما تستحدثه من افكار جديدة. الخيال الاستذكاري للذاكرة يجمع زمانين في وحدة زمنية ادراكية موحدة هما زمن الماضي والحاضر.

بضوء هذا الفهم يكون الإستذكار المنّظم هو تخليق ذاتي لما ترغبه النفس أن يكون عليه الاستذكار من المخيلة وليس تكرار ما يفرضه الخيال الاستذكاري لحوادث الماضي وبدلالتها كوقائع تاريخية ثابتة تكون الذاكرة مرتكز النفس وليس الذكريات الماضية هي المرتكز الذي تدور حوله الذاكرة.

من أهم المعضلات التي تصادفنا هنا هي هل الذاكرة إجترار تكراري إستذكاري لوقائع الماضي بما ترغبه النفس؟ أم هي توليد إبتكاري إستذكاري خيالي جديد لا علاقة دلالية تربطها بالماضي من الناحية الواقعية حيث عندما تكون خيالات الذاكرة تخليقا متجددا تبتدعه المخيلة المترابطة مع استذكار وقائع الماضي يكون هو السائد المعوّل عليه فلا يبقى حينها معنى أن يمتلك الماضي ما هو مادة تشكيلية لما ترغبه النفس. بحاكمية أصبحت خيالات الذاكرة تصنيع ذاتي منظم .

نخلص تثبيت الاتي:

- تنظيم الاستذكار بما يريح النفس وترغبه يقوم على المنفعة الذاتية للفرد التي تتحكم بها الذاكرة وليس الماضي بحوادثه التي تستثير خيال الذاكرة. حين تكون الذاكرة متحكمة بمواضيع الخيال تصبح معها عملية الاستذكار لا يحركها الماضي بل يتحكم بها حضور الذاكرة الاستذكاري.

- تنظيم الذاكرة يتم بما ترغبه النفس لا بما تفرضه خيالات الاستذكار المتعالقة نفسيا بالماضي تجريدا عن مؤثرات حوادث التاريخ في ثباتها الزماني. نحن نستذكر من التاريخ الماضي القطوعات الوقائعية التي حدثت بما نحن نريد نفسيا إستذكاره غير المحزن الكئيب منه.

- تنظيم الذاكرة لحوادث ما ترغبه النفس من الماضي،  هو تنظيم لا يمكن التلاعب بثباته في إكتسابه واقعة الزمن الماضي كحدث. بل كل تنظيم ذاكراتي يلزم عنه إرادة نفسية ترغبه هي تعيش الحاضر ولا علاقة معيقة لها في ثبات وقائع الماضي بحوادثه المتنوعة فيها البهيج السعيد وفيها المحزن الكئيب.

- لماذا نرغب تنظيم الذاكرة برغبة الانجرار الى استذكار الماضي وليس الانجرار تجاه المستقبل؟ هل كاف السبب أن الماضي يحتوي ثبات وقائعه التي تتسم بمعيارية صالحة للقياس بها؟ في حين يكون المستقبل هلاميا غير واضح لا يمكن للذاكرة الركون المعياري له بما تركن وترغب الذاكرة تكييف دوافعها النفسية بدلالته. ربما تبدو مفارقة غريبة أن طموحات ورغبات النفس يكون مرجعية إستنادها  الماضي التي تجد نفسها فيه ولا تجدها في سيرورة المستقبل.

6- برجسون والعدم

يعتبر برجسون فكرة العدم وظيفيا أغنى من فكرة الوجود للسبب الذي يسنده " فكرة العدم قد لا تتدخل ولا تتبلور إلا بزيادة وظيفة إضافية للاعدام على شتى الوظائف التي نطرح الوجود بواسطته ونصفه".

العدم بإجماع فلسفي علمي ايضا هو ليس جوهرا لا فارغا ولا ممتلئا،  العدم هو المطلق الذي لا يحدّه الادراك زمكانيا. فكيف نتمكن تحميل العدم حمولة موجودية وظائفيا أكثر من حمولة أي موجود مادي في الوجود؟

وإذا كان العدم حسب برجسون جوهرا ممتلئا بأكثر مما يحتويه الوجود،  تكون عبارته صحيحة حينما تكون علاقة الوجود بالعدم علاقة عكسية وليست علاقة طردية،  فكل ما يخسره الوجود من موجودات يفنيها العدم كلما زادت كفة العدم في الإمتلاء الميّت المزعوم حسب برجسون.

واذا ما كان العدم حسب برجسون جوهرا ممتلئا باكثر مما يحتويه الوجود،  فبإي منطق فلسفي يمكن تصويب مثل هذا الجزم الفلسفي؟

واذا كان هيدجر إعتبر العدم جوهرا ممتلئا في تعبيره الهروبي الفلسفي من مواجهة الاشكال العدمي متسائلا لماذا كان الوجود ولم يكن العدم؟ وهو تعبير يضع العربة أمام الحصان،  لذا نجد ليس غريبا تمجيد برجسون للعدم أنه إمتلاء بما لا يستطيع الوجود الإمتلاء به.

كما يعتبر الجوهر الذي من الممكن إنسحابه شمول العدم هو جملة إمكانات غير قابلة للنفاذ على حد تعبيره. العدم لا يكون جوهرا فاعلا حيويا ممتلئا بالامكانات خارج خاصيته الافنائية العدمية لموجودات الوجود،  وكما أن العدم غير مدرك انطولوجيا ولا حدسيا بالدلالة الشيئية فكذلك يكون الجوهر هو كل عصّي على التصور الادراكي ماديا أو خياليا.

ومتى كان العدم معياريا تقاس به جواهر موجودات الطبيعة التي هي قيد الشك المتسائل.؟ ومتى كان الجوهر يسبق الوجود المادي ويملأ الفراغات؟ جوهر المادة لا يسبق وجودها الانطولوجي وهو ما ينكره اسبينوزا قوله الجوهر سابق على الوجود الذي يعرف بدلالة الجوهر خلاف المتداول فلسفيا الجوهرسابق الوجود.،  لذا يعرف الجوهر بدلالة الوجود،  وهذه المقولة عكسها اسبينوزا قائلا الوجود بموجوداته يقاس بدلالة الجوهر الشامل الخالق غير المخلوق لجواهر الاشياء الذي هو الله..

الجوهر يسبق الوجود المادي في مذهب وحدة الوجود لدى اسبينوزا ومع هذا بقي الانسان  جوهرا لا يدرك بدلالة الجوهر الالهي ميتافيزيقيا،  من حيث أن جوهر الانسان يمكننا إدراكه مقارنة بالجوهر الالهي الذي لا يمكننا إدراكه. وكينونة الانسان الوجودية تسبق جوهره. وحسب فلسفة سارتر فالانسان يوجد وبعدها يقوم بصنع ماهيته الجوهرية الخاصة به وحده منفردا داخل نوع متجانس واحد هو الانسان منفردا عن جميع كائنات الطبيعة الاخرى.

7- هيدجر والوجود الاصيل

يرى هيدجر تحقق الوجود الاصيل للموجود هناك الانسان كذات متفردة هو في التحرر من منزلقين الوقوع في احدهما يضيع هدف تحقق هذا الوجود:

- اولا سقوط الفرد في الناسية المجتمعية الكلية التي تصهر الذات في تغييب هدف الوجود الاصيل وتفقدها كل نزوع تمايزي ينشد الاستقلالية المتفردة. وهذا السقوط في المجتمعية يجعل الانسان متكيفا قسرا مع واقع حال تغييب وجوده الاصيل في الاندماج بالكلية العامة. وهو ما اطلق عليه هيجل التسليم والاذعان لرغبة المجموع.

- الثاني حسب فلسفة هيدجر في تضييع الانسان لوجوده الاصيل هو "في هروب الانسان من ذاته" الذي يعني حسب توضيحه " فرار الوجود الانساني من ذاته" في عدم امكانية الفرد ان يكون هو المرء ذاته الحقيقية الصحيحة السليمة كما يرغب ان يكون وليس كما يرغبه مجتمعه له.

تعقيب:

- لا يشترط ان يكون الفرد معيارا لتحقق الوجود الاصيل،  كما ولا يصح معيار ان يكون المجتمع مصدر تضييع الذات تحقق مثالها الوجودي المتفرد. وهروب الانسان من ذاته حسب هيدجر الذي هو ايضا فرار الوجود الانساني من ذاته. هو تطابق غير سوي سليم في تحقيق الوجود الاصيل للذات بفقدان معيارية القياس السوي السليم في الذات المتفردة والمجتمعية الكلية على السواء.

- اذا كان اغتراب الانسان – لا يستخدم هيدجر مصطلح الاغتراب في التعبير عن انسلاخ الذات عن جوهرها المثالي القيمي وانسلاخها الاخر عن مجتمعها الزائف – عن مجتمعه وسقوطه في الناسيّة المجتمعية التي تعيش الحياة ببعد بايولوجي أحادي صرف برتابة إشباع مستلزمات الحياة وغرائز الطبيعة الانسانية. التي تكون سببا مباشرا في تغييب وجوده الاصيل،  فباي معيارية وجودية تستطيع الذات تحقيق وجودها الاصيل. وبهذا المعنى يكون الفرد بانفصاله الاغترابي عن ذاته ومجتمعه فقد معيار تحقيق توازنه الانفرادي الايجابي.

- تعابير هيدجر مثل هروب الانسان من ذاته الذي هو فرار الوجود الانساني من ذاته تعابير هي اقرب من علم النفس منها للفلسفة في غياب محاولة تداخلهما،  كلا التعبيران هما واحدا في الافصاح عن انفصامية اغترابية غير متحققة ويتعذر تحقيقها حتى على مستوى تجريد الفلسفة خارج تعابير علم النفس .

- كذلك يكون الحال حين يغترب الانسان عن ذاته وهروب الوجود من ذاته،  نصطدم بجدار استحالة تحقيق وجود انساني غير مغترب عن ذاته ولا مغترب عن مجتمعه. فالنوعين من الاغتراب الذاتي تجعل من الفرد انسانا ضائعا يفتقد معيارية تحقق وجوده الاصيل. فالذات المثلى لا تجد حقيقة وجودها في إغترابها عن ذاتها ولا في إغترابها عن المجتمع في التكيف السلبي الزائف معه. لا يوجد وسيلة ولا معيار حقيقي يحاكم به الفرد بضوئه أين تكمن حقيقة الوجود الاسمى الاصيل؟

 

علي محمد اليوسف / الموصل

.......................

هامش

1- جاستون باشلار / جدلية الزمن / ت: خليل احمد خليل/ ص67

 

 

علي رسول الربيعيقيم حكم الأغلبية

إذا كان "لا توجد وجهة نظر تقول أن ما تريده الأغلبية صحيح"، كما يقول راولز[1]  فلماذا إذن تحمل عناء صنع القرار الذي يعتمد على الأغلبية؟ إن موهبة راولز هي في قلب السؤال في الاتجاه المعاكس. إذا لم تكن للأغلبية حق صنع القرار، فلمن إذن؟ البديل الوحيد هو شكل يكون صنع القرار فيه بيد الأقليًة، لكن ما الذي يمكن أن يبرر ادعاءات أي جماعة بأن لها حق الامتياز في صنع القرار؟

الطريقة الأكثر وضوحًا للدفاع عن حكم الأقلية هي العودة إلى ادعاء راولز بأن الغرض من الديمقراطية هو التوصل إلى تشريعات عادلة وذات فاعليًة. إذا كان الأمر كذلك، فلماذا يجب أن نقوم بذلك بشكل أفضل عن طريق الديمقراطية؟ بالتأكيد يمكن لنخبة ذكية ومدربة تدريباً عالياً أن تقوم بعمل أفضل: ملوك أفلاطون الفلاسفة، أو على الأقل خلفاؤهم البيروقراطيون المعاصرون.

ولكن هذه الحجة  ليست حاسمة. ربما يكون أفضل رد على ذلك هو اتباع نهج روسو[2] ورايه بأننا سنعمل بشكل أفضل إذا كان لدى الناس ككل التعليم المناسب، والفضائل السياسية، ليقوموا بدور مستنير وفعال للغاية في التشريع كمواطنين. ومن المثير للاهتمام، أن راولز يرفض قبول هذا الرأي، بحجة أنه لا يكرس "في دولة تخضع للحكم الجيد، سوى جزء صغير من الأشخاص الكثير من وقتهم للسياسة. هناك أشكال أخرى كثيرة  من الخير للناس.[3]

كيف إذن يقاوم راولز حجة أفلاطون المناهضة للأغلبية؟ لا يوجد، من المحتمل في الواقع، ملوك فلاسفة، بالنظر إلى تعقيدات المجتمع الحديث على الأقل. جميعنا غير مطلعين على كافة المجالات ونواحي الحياة، فنحن غير كاملين من ناحية المعرفة، ولدينا جوانب عمياء وتحيزات غير ملحوظة. وهكذا، يشبِّه راولز إجراء اتخاذ القرار بالأغلبية بنوع من "تجميع المعلومات" لكي تصل الجماعة إلى قرار جماعي.[4] يمتلك الأفراد المختلفون تجارب وخبرات ووجهات نظر متنوعة، وبعد مناقشة حرة ومفتوحة، من المرجح أن تتخذ الجماعة قرارًا أكثر موثوقية مما يمكن لأي فرد أن يكون قادرًا على أتخاذه  بمفرده. ومن ثم ، قد يكون النقاش المفتوح داخل المجموعة، متبوعًا بالتصويت بالأغلبية للوصول إلى تشريع عادل وفعال هو أفضل طريقة للمضي قدمًا.

حتى لو كان صحيحًا أن المبادئ الأساسية للعدالة هي تلك التي سيتم اختيارها في الموقف الأصلي، فإن أقتراح راولز بتطبيق المبادئ على القضايا الملموسة سيكون بعيدًا عن الوضوح. ما نوع الترتيبات الاقتصادية التي ستجعل الأسوأ حالاً أفضل؟ ما هو نوع التعليم الأفضل لتعزيز تكافؤ الفرص؛ ما هي إجراءات التنظيم الأفضل لحماية حرية تكوين الأتحادات والجمعيات وغيرها؛ كل هذه  قضايا صعبة ويمكن الطعن فيها. فيمكن للأشخاص العقلاء أن يختلفوا بشدة، ولذا فكل ما يمكننا فعله هو التصويت (بعد مناقشة مفتوحة، بالطبع).

هل هذا دفاع قوي عن تصويت الأغلبية؟ للأسف لا. إن ما يدافع عنه هو صنع القرار بالأغلبية داخل هيئة تشريعية: في البرلمان، على سبيل المثال. تستند هذه الحجج إلى فكرة أن السبيل إلى تحقيق تشريع عادل وفعال هو ترك القرارات لمجموعات مؤهلة وذات التزام عالي ملتزمة من الناس تضم مجموعة متنوعة من الخلفيات والخبرات. لا شيء يجيب حتى الآن على السؤال عن سبب سؤال المواطنين العاديين، الذين ليس لديهم معرفة أو خبرة خاصة، عن رأيهم حول من يجب أن يكون هؤلاء المشرعون. ليس للناس، في العديد من المجتمعات المتقدمة، أي تأثير على أختيار من يجب أن يكون القضاة أو الجنرالات أو رؤساء الشرطة. لماذا إذن يجب أن يكون لهم تأثير على أختيار من يجب أن يكونوا مشرعيهم؟

قد يجعلنا هذا السؤال نشعر بعدم الارتياح إلى حد ما. إنها إحدى بنود الإيمان في المجتمع الحديث أن المجتمع يعاني من نقص خطير إذا لم يتم انتخاب المشرعين ديمقراطياً. ومع ذلك، عندما نأتي إلى محاولة تفسير لماذا يجب أن يؤدي مثل هذا النظام إلى تشريعات أفضل من أشكال الحكم البيروقراطي، ليس لدينا الكثير لنقوله. قد يكون من المفيد، مع ذلك، وضع هذا في سياق أوسع من خلال النظر في ما يجب أن نفكر فيه على أنهما نهجان متباينان للدفاع عن الديمقراطية.

يقول أحد أنواع الدفاع أن هناك شيئًا ما حول الديمقراطية يقودها إلى إصدار قرارات ذات نوعية جيدة بشكل خاص. يكون الادعاء، في هذه الحالة، إذا سمحنا للناس بالتصويت، فإنهم سينتخبون المشرعين الذين يسنون تشريعات عادلة وفعالة أكثر مما نتوقعه في ظل أي نظام آخر على الأرجح. قد نطلق على هذا الدفاع "الأداتي" عن الديمقراطية: فالديمقراطية هي أفضل وسيلة لتحقيق نوع النتائج التي نرغب فيها. المشكلة هي أنه لم يتم إعطاؤنا أي سبب لنفترض أن هذا صحيح حتى الآن. سنصوت لاختيار الأكثر إقناعًا، وقد لا يتخذون أفضل القرارات.

النوع الآخر من الدفاع الذي يجب أخذه بنظر الاعتبار يمكن أن يسمى الدفاع "الجوهري" عن الديمقراطية. يجب أن نقدر الانتخابات الديمقراطية، من وجهة النظر هذه ، ليس لأنها ستؤدي إلى تعيين أفضل الحكام، ولكن لأن هناك شيئًا مهمًا أو جيدًا يحصل بشكل خاص وهو السماح لجميع الناس بالتصويت. تتمثل إحدى طرق إثبات هذه القضية في القول إن منح كل فرد حق التصويت في هذه المسألة هو طريقة لاحترام الحرية والمساواة بين جميع المواطنين. بالطبع ، قد تكون هناك طرق أخرى للقيام بذلك، ولكن أقوى علامة في العالم الحديث على أن جميع أولئك الذين يعيشون داخل بلد ما يتم احترامهم كمواطنين أحرار ومتساوين هو أنه يُسمح لهم جميعًا - بل يتم تشجيعهم - على التصويت في الانتخابات .

إن النتيجة المثيرة للاهتمام للتناقض بين الدفاعات عن الديمقراطية  الآلية والجوهرية هي أننا قادرون الآن على صياغة ما قد يعتقد البعض أنه المشكلة المركزية للديمقراطية. إذا تعاملنا مع الجميع على أنهم أحرار ومتساوون وأعطينا حق التصويت لهم، فلا يوجد سبب للاعتقاد بأنهم سيستخدمون ذلك لاتخاذ أفضل القرارات. بعبارة أخرى، هناك صراع بين الدفاعات الجوهرية والأداة عن الديمقراطية.

لتوضيح هذه الحجة، فكر في السؤال المعاصر للاقتصاد السياسي: ما إذا كان يجب أن يكون البنك المركزي مستقلاً عن الحكومة. كان على بنك إنجلترا، حتى عام 1997، يتبع أوامر وزير الخزانة. تغير هذا الترتيب في1997 ليقترب  من الترتيب في ألمانيا حيث يكون البنك المركزي مستقلاً عن الحكومة. لماذا  تم إجراء هذا التغيير؟ تأتي الإجابة من الحجة الرئيسية  التي تقول: إذا كان البنك تحت سيطرة السياسيين، فقد تستخدم الحكومة السياسة الاقتصادية لأسباب سياسية غير متوازنة. فعلا سبيل المثال، في العام الذي يسبق انتخابات أي حزب في السلطة، سيكون هناك إغراء لمحاولة ضمان إعادة انتخابه من خلال مايعرف بهندسة ازدهار "ما قبل الانتخابات". كان القليل من  وزراء المالية  قادرين على مقاومة مثل هذا الإغراء، وغالبًا ما يُقال إن هذا "المدى القصير" سوف يضر بالاقتصاد على المدى الطويل.

ولكن في استقلالية البنك المركزي، اي عدم خضوعه للسيطرة السياسية، فهو ليس جزءًا من العملية الديمقراطية. لذلك يمكن القول أحيانًا أن وجود البنك المركزي تحت السيطرة الديمقراطية أمر سيء للاقتصاد. هل ينبغي لنا إذن أن نقف لصالح استقلال البنك المركزي؟ قد يبدو هذا هو الحل العقلاني: ولكن سوف يُنتقد الوضع باعتباره غير ديمقراطي. وهنا مشكلتنا. يقال إنك إذا تركت الأمر لأغلبية الناخبين فسوف يتخذون قرارات سيئة. يمكن أن يكون لديك ديمقراطية حقيقية أو اقتصاديات سليمة، ولكن ليس كلاهما. يوضح هذا المثال القلق العام من أنه إذا كنت ترغب في احترام القيمة الجوهرية للنظام الذي يعطي كل شخص رأيًا في القرارات التي تؤثر عليهم، فعليك أن تتوقع أن يكون هذا النظام أداة ضعيفة لوضع تشريعات عادلة وفعالة.

وردًا على ذلك، سيقال إن الحجة تشير فقط إلى أن مثل هذه التوفيق بين الدفاعات الجوهرية والأداتية للديمقراطية يمكن أن يكون صعبًا وليس مستحيلا. وأخيرا نعود الى راولز في هذه النقطة حيث نعطي بعض الملاحظات الموجزة مفتاحًا لكيفية حل هذه المشكلة. يبدو أن راولز يقبل أنه يمكن أن يكون هناك توتر بين الدفاعات الأداتية والجوهرية للديمقراطية. ويضيف، " إن أسس الأستقلالية أو الحكم الذاتي ليست مجرد أداتية أو وسيلة".[5] .25. لقد رأينا بالفعل أنه يمكن الدفاع عن الامتياز حكم الأغلبية إلى حد ما على أساس الحرية والمساواة. لكن يذهب راولز إلى أبعد من ذلك: فهو يجادل بأن إعطاء حق الأنتخاب للناس يضع على عاتقهم مسؤولية أخذ معتقدات الآخرين ومصالحهم في الاعتبار. بعبارة أخرى، يرى راولز أنه سيكون لمعاملة الناس على أنهم أحرار ومتساوون بهذه الطريقة تأثيرات عميقة على تطورهم الأخلاقي. لذا، يزعم أن التصويت لن يؤدي فقط إلى زيادة الإحساس بالقيمة الذاتية للأفراد، ولكن كفاءتهم السياسية أيضًا.[6]

يبدو أن راولز يدعي أن التوتر الواضح بين التبريرات الجوهرية والأداتية للديمقراطية - الموضحة من خلال مثال "البنك المركزي '' - يصحح نفسه إذا كان التعامل مع الناس باحترام كمواطنين أحرار ومتساوين، وهي فرصة جيدة ، كما يعتقد راولز، لأنهم سيأتون لكسب هذا الاحترام من خلال العمل الجاد والواعي. يؤمن راولز أن إعطاء الناس حق التصويت، ولمجموعة واسعة من القضايا التي لديهم بعض التأثير عليها، ستساعد في تحويلهم إلى مواطنين صالحين. إظهار هذه الدرجة من الاحترام للأفراد سيكون له آثار عميقة. سوف يساعدهم على تطوير حساسيتهم الأخلاقية والسياسية، وفهم أنه يجب عليهم تبرير سلوكهم للآخرين.  على الرغم من وجود تعارضات محتملة بين التبريرات الأداتية والجوهرية للديمقراطية وفقًا لوجهة النظر هذه إلا أن أولئك الذين يعاملون كمواطنين سيتصرفون كمواطنين، ويعلمون أنفسهم ويتصرفون بطريقة مسؤولة.

قد نسأل كيف يختلف هذا الاقتراح عما أسميته حل روسو، الذي رفضه راولز. كانت تلك هي الفكرة القائلة بأنه يجب علينا جميعًا أن نصبح مشاركين نشطين للغاية في الحياة السياسية، وأن نكتسب الخبرة اللازمة لاتخاذ قرارات سياسية دقيقة، من خلال الانغماس في السياسة. كان رد راولز أنه في حين أن بعض الناس قد يختارون قضاء حياتهم في النشاط السياسي، هناك العديد من الطرق الأخرى الجديرة بالاهتمام. يجب على الناس أن يبقوا على اطلاع، وأن يضعوا في اعتبارهم مصالح وآراء الآخرين في عملهم، بما في ذلك تصويتهم. يستغرق هذا المستوى من النشاط، على الرغم من أن له تأثيرات كبيرة وقتًا قصيرًا نسبيًا، فيترك مجالًا كبيرًا للمهام الأخرى في الحياة.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.........................................

[1] Rawls, A Theory of Justice, p. 356.

[2] أنظر الربيعي، دكتور علي رسول:

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=937706&catid=272&Itemid=630

[3] Rawls, A Theory of Justice, p. 228.

[4] Rawls, A Theory of Justice, p. 358.

[5] Rawls, A Theory of Justice, p. 233

[6] Rawls, A Theory of Justice, p. 234.

 

 

سامي عبد العالإلى الآن، لم (تفكِّر) الثقافةُ العربية الإسلامية في: كيفية تأسيس النصوص الدينية وتداولها؟! لقد جاءت النصوص وحلَّت بمعطى لغويٍّ تؤكده ماهيتها دون نقاشٍ. لدرجة أنَ ما ينطبق على النص الأول (القرآن) سينطبق تباعاً على نصوص الفقهاء والمفسرين والدُّعاة حتى نصوص كبار شُرَّاح اللغة والشعر والنثر. وربما المُعضلة أكبر من ذلك، إذ يصبحُ الاقترابُ من هذه النصوص أمراً ممنُوعاً على الدوام، لتقف (دوائرهُا المحرّمةُ) دون المقاربة الفعلية تأويلاً وتداولاً. فالنطاق الدلالي المضروب بمحيط النصوص لا تعاينه الألفاظُ والعبارات العادية، إنما يحتاج إلى كلمات حذرةٍ ومنتصة على الحافةِ حدَّ الرعبِ.

لقد أوجدت النصوصُ الدينية مُعجماً ضخماً من كلمات اللا مساسTaboo  بصدد تدوين مادتها المعرفية والفكرية. ولكن على الرغم من ذلك، سنجد أن تلك الأنشطة (التدوين، المعرفة، الفكر) تدخل حيز القراءة. وطالما هي هكذا، فإنها تفترض ضمناً تاريخية اللغة حتى تجري بحريةٍ وبدقة أيضاً. ولو كانت هذه الأنشطة (فيما هو ملحوظ) بلا فاعليةٍ هذه المرةِ، وإذا كانت النصوص عصيةً على تأثير اللغة وافتتاح عملها، فستكون ثمة استحالةٌ لتجارب المعنى. هل نتصور أنَّ نصَّاً يوجد بلا معنى؟ بل هل هناك نص خارج اللغة إبتداءً؟ ولأنَّ كل نص هو لغةٌ بالأساس، فالمنطقي ألّا يبعد عنها وعن الثقافة بقدر ما توجد الاثنتان داخله وعبر جميع التفاصيل الخاصة به. ولهذا، فإنَّ كل التفسيرات التي ستخرج (لو تجاهلنا هذه الفكرة البسيطة) ما هي إلاَّ فرض الرؤى فرضاً حتميّاً. وأنَّ النص سيظل بهذا المنطق (حجرّاً سحرياً) لا يعتريه معنى ولا يتفاعل مع الثقافات المختلفة!!

 هنا يجب التفرقة بين مفهومين رئيستين: مفهوم (التأسيس) ومفهوم (الأصل- المصدر)، فالقرآن (وهو النص الأول في الإسلام) مصدره الوحي، وقد توجد هناك نصوص تفسيرية للقرآن في جميع المذاهب والطوائف، وهذه هي النصوص المتعارف عليها بالمصادر الشارحة. ولا غبار إطلاقاً في أن يُنسب (النص) إلى مصدره الإلهي (القرآن) أو أن يرجع إلى مصدره البشري (التفسير). أمَّا التأسيس، فهو فعل ثقافي اجتماعي قيد التراكم حتى يحوز النص قدراته أثناء عبور الزمن والوعي المباشر. أي أنه تراكم القوى التي تُنسب إلى النص وتجعل كافة تأويلاته (خارج التاريخ النسبي) بقدر استعماله في مجالات السياسة والخطابة والرأسمال الرمزي للمجتمعات.

قد يقول أحدهم إنَّ ذلك أمر طبيعي بحكم مصدرية النص ذاته، وهنا يعد هذا القول غير فاهم لطبيعة (التراكم السلطوي) الذي يسلّب قدرة النص على توليد قراءات مختلفة وجد متنوعة وثرية. لو نتخيل أن هناك تطابقاً بين (التأسيس والأصل)، فذلك معناه التطابق بين البشري والماورائي، بين الوحي والتاريخ. بينما التأسيس هو ولادة النصوص مرات ومرات في مسيرة الثقافة وتحولاتها، أي كيف تتأرخ كمعان وتأويلات وتصبح أفعالاً إنجازية قابلة للمزيد من الإنجاز مع تطورات الزمن واختلاف الرؤى. وذلك الأمر (بخلاف فكرتي التأسيس والمصدر) هو شرط أنْ يكون النص نصاً مثلما أنْ تكون اللغة لغةً في الحقيقة.

 لحظةُ التأسيس في ثقافتنا العربية الاسلامية ليست خاطفةً ولا مؤقتة. هي تستغرق عصوراً من العمل عليها وتكرارها: أي هي عملية من الإخفاء، ومن إلباس النصوص كل أنظمة القيمة والدلالة والقداسة وأحياناً الأدلجة والإطلاق. فالنصوص لا تُولّد فقط من خلال الوعي بها مباشرةً، لكنها تدور كذلك مع (طباق الثقافة السائدة) لتمتين صورتها المُثلى. وحتى إذا كانت النصوص نصوصاً ثانويةً، فإنَّ (التقديس) يتلامس في جوهرها مع معنى(التأسيس). وبخاصة أنَّ الجانب الأكبر من (التأسيس) هو صنو (التقديس) في الثقافة الاسلامية. بل أنهما يتبادلان المقاعد وجها لوجه، فيغدوان معبرين عن الشيء ذاته.

من ثمَّ تبدو الأسئلة الفلسفية مهمةً حول تلك القضايا. فلو تساءلنا فعلياً حول الوضع النصي السابق، لكان لنا مسافة حرة تسمح برؤية الأشياء والأفكار والمعتقدات على حقيقتها. المشكلة أنَّ العقل العربي الاسلامي لا ينظر في طبيعة الأسس عادةً. من أين جاءت، وكيف كانت، ولماذا صارت بهكذا معانٍ وإيلام ستؤول في المستقبل؟! سؤال مصير الأفكار والرؤى وتحولاتها لا يشغلنا كثيراً، حتى وإنْ كان السؤال قريباً جداً في إطارٍ دمويٍّ هو جماعات الإرهاب الديني التي رأيناها ترتدي عباءات النصوص!!

لكن هل تفكر الثقافة هكذا (أية ثقافة) بنبرةِ الجمع الفكري؟ أي بهذا الزخم النوعي لنسق التصورات داخل آفاق الإنسان. طبعاً قد يكون ذلك ممكناً: فالزخم يفترض وجودَ مناخ فكري عام يتيح التأمل بكثافةٍ مغايرةٍ فيما يصاغ. لأنَّ تأسيس النصوص يقع عادةً في المنطقة الخفية من العقل الجمعيٍّ. إنَّه يخاتل الوعي ليربطه بأسباب عميقة خارج الواقع تمهيداً لجعله سلطة بعيدة عن التاريخ أو على الأقل يضعه بين يدي سلطة عامة تجيد توظيفه واستعماله.

هي إذن (فكرة القداسة المجانية) الممنوحة للنصوص (في موضعها وغير موضعها تارةً أخرى). والكيفية المشار إليها بالأعلى هي مبادئ واجراءات وقيم تتيح لمن يفكر أنْ يكون حُرّاً دون حدٍّ. تجعله في حالة تعمُق بامتداد لجذور الأفكار وكيف تتحول من مرحلةٍ إلى أخرى، وتباعاً ايجاد طرائق مبتكرة لغربلة التأسيسات ونقدها المتواصل.

كانت أهم بدائل التأسيس في هذا السياق (عقيدة الإعجاز) الكامنة في النصوص لا الدينية فقط، بل كذلك الأدبية. وهي عقيدة رغم كونها تنطوي على دلالة الإدهاش والندرة في المعاني والعجز عن الاتيان بالمثيل (ربطاً بالمصدر)، لكنها دفعت هذا النص أو ذاك إلى (مستوى فوقي متعالٍ) بمنأى عن الأفهام (انحرافاً إلى التأسيس). وهكذا كان النص الديني إعجازاً تأسيسياً مضاعفاً لا في رؤاه الحية، إنما في انفصاله عن الواقع. ولهذا كانت النصوص المقدسة قادرةً على قلب العالم والتاريخ رأساً على عقب. فإعجازها يُعلِّق بها كافةَ مناحي الحياة ليصبح تطور الأخيرة وتحولها لا قيمة لهما بجوار النص. الاعجاز عقيدة، لأنه غير مُبرّر إلاَّ على إيمان ليس محله النص فقط، لكن هناك تصورات بديلة تسنده مثل الوجود الإلهي والحقائق التاريخية وصور المقدس والمحرمات... ثم يأتي الاعجاز تتويجاً لها. كما أنه يرسخ مفاهيم (اللغة التوقيفية) من مشكاتها العُليا. أي مهما تكن اللغة إنسانية الطابع ومتغيرة، غير أن الإعجاز يرجعها ثانيةً إلى مصدرٍ غير إنساني.

 الاعجاز يحتاج إلى الإيمان تحديداً دون الرأي والاختلاف، وهذا ما يجعل كل اعجاز سلسلة من العقائد لا مجرد فكرة ولا مفهوم. وقد يسهل بالاعجاز أن يضم داخله موضوعات جديدة طالما تلتقي بالنص المعجز. وهذه السلسلة لا تنفصم عُراها، بل تقوم على الاستحضار وتبادل اليقين بين المفردات والعناصر. ولا يعتمد أي اعجاز على النقاش والحوار، فالأخيران يأتيان في تبيان سمات النص ومفارقته للواقع والحياة. وهذا مرتهن لدينا بقدرتنا على نقل واستظهار النصوص كما هي بدعم مطلق من سلطة ما تتميز بسرية الحركة والإلزام.

بهذا المنحى النافي للاختلاف، تعدُّ الثقافة الاسلامية ثقافةً نصيّةًtextual culture في المقام الأول. حيث يمثل النّصُ ثقلاً تاريخيّاً في (ميزان الثقافة) نزن به كافة مظاهر الحياة ومواقفها الغامضة. فهو يضاف إلى المعاني سلباً أو إيجاباً، بجانبنا أو ضدنا، حينما يُستشهد به عادةً. لكون النص معياراً خفياً يحضر حيث تغيب حقائق الواقع بالتبعية. وحتى لو كان الواقع حقيقياً، فلن يعدّ الأخير كذلك سوى بشهادة النص قبل أي شيء. ماذا وراء هذا التأسيس الميتافيزيقي لواقعنا وللنص بالتساوي؟

أولاً: يتجلّط معنى النص وتأويلاته (بهذا الشكل المادي) على هيئة (بقعة دلالية تامة) غير قابلة للذوبان. وهذا واضح في جعل النصوص مادة سحريةً ليست لها، ومن حينها تسند كل كلام تاريخي وثقافي ومعرفي مرتبط بها أو في محيطها. وهذا واضح تماماً بصدد استعمال الآيات والمقولات والعبارات والقصص الدينية في غير سياقها حتى أضحت تمائم وأحجبة وتعويذات جالبة للخير ودافعة للشر. وتجرى كأنها تُمرر المضمون على جناح التأسيس الثقافي المُسلِّم به. فالمستوى البعيد لها جعل كل مَنْ يتمسح بها يدعم مواقفه خلال الحياة العامة.

ثانياً: طالما أنَّ النص كذلك، فإنه سيحتاج إلى طبقةٍ آلية من المفسرين والشُرّاح والحواريين. لأننا كأناسٍ عاديين لم نستطع فهمه بداية نتيجة الخلط بين (المصدر والتأسيس). بالتالي سيكون مُتاحاً لمفسريه أنْ يلاصقونه ويعتبرنه مادةً للتكَّسب والتسلُّط. إنَّ كلَّ نصٍ مؤسس بهكذا طريقة إنما ستُنذر له مجموعاتُ من الشُرّاح وراء الشُراح حتى يأخذون مكانه. لدرجة أنَّهم سيقفون جنباً إلى جنبٍ مع قداسته العليا. وفي تاريخ الإسلام السياسي، كان المفسرون لهم أهمية تفوق ما يقصده النص الأصلي. الأمر هنا جزء من(لعبة اللغة) التي تستبدل الصورة والنسخة، بالأصل. وستكون هذه النقطة أكبر ثغرات التأسيس، لأنَّها ستنوعه وستجعله عرضةً للنقد المباشر.

ثالثاً: يفترض التأسيسُ كون النص غامضاً دوماً ولا سبيل إلى فك شفراته. هو ليس منطوقاً في كلماتٍ، لكنه كتلة لغوية فيزيائية صماء كما هو. لن يجدي تحليله وسبر أغوار معانيه في غالب الأحيان لدى القارئ العادي. فهذه أشياء تحتاج تأكيداً لمعانٍ بجانب الأخرى وتتطلب ابرازاً للمختلف دون سواه. وتلك القضايا الجارية لا يسمح بها التأسيس بالمفهوم السابق. كل اختلاف طالما لم يمس التأسيس الأوسع للنص لن يكون فاعلاً ولن ينصرف إلى رؤى ثريةٍ في الحياة والمعنى.

رابعاً: يتعارض الوضع التأسيسي للنص مع إمكانية الإيمان به. الإيمان يحتمل معايشة المعنى وفهمه بشكل متنوعٍ ومع إمكانية الاختلاف حوله (فالمعايشة فردية ومسئولية خاصة). والسؤال المنطقي: كيف سيتم ذلك مع طباق الحواجز التفسيرية المانعة للوصول إليه؟ بل كيف سيكون متاحاً مع حجبه بعيداً عن المتناول؟! بالتالي، فإنَّ العجز عن الوصول إلى المعنى سيكون بمثابة العجز بحثاً عن حقائقه. فالنص المقدس بالتحديد ما لم يتحول إلى (تجارب تاريخيةٍ) لن يكون مؤثراً. وبدلاً من كون التأسيس تجدُّداً مفتوحا،ً سيصبح مطرقة تحطم أدمغة معارضيه ومؤيديه على السواء. لأن كل تجربة تاريخية يصعب اغلاقها ويستحيل اعتبارها في الوقت نفسه كاملة وتامة.

خامساً: يدعو هذا التأسيس إلى تقديس النصوص المُجاورة للنص الأصلي. لأنَّها ستزعم امتلاكاً لحقيقته واحتكار التحدث باسمه. وهذا يفسر توالي أجيال المفسرين من عصر إلى عصر، بينما (جوهر الدين) نفسه لم يتحقق فعلياً في المجتمعات الاسلامية. إنَّ رجال الفقه ومعارفهم وأطرهم الثقافية رغم كونهم موجودين ويجيبوا عن أسئلة الحياة، لكنهم يعزلون الدين عن (الوجدان الحي). يمنعونه وراء مماحكات وأمور هي أقرب إلى الطبائع الخاصة بهم منها إلى المعرفة الفعلية. كما أن هؤلاء الوسطاء كانوا " نموذجاً وظيفياً " functional paradigm لخدمة أغراض السياسة والطوائف والمذاهب المتصارعة.

سادساً: سيدعو التأسيس إلى التحارب حفاظاً على وجوده المفارق باسم السلطة. ومن ثم سيجري القتال على تفسير النص بلا نهاية. فحينما رفع الخوارج المصاحف على أسنة الرماح (تأسيس ثقافي) في إحدى المعارك، قال على ابن أبي طالب حاربناكم على تنزيله (المصدر والموحى إليه) وسنحاربكم اليوم على تأويله (كل تأويل هو أحد أفعال النص). فأي تأسيس دجمائي هذا الذي سيُحول النص إلى ميدان حربٍ بلا طائل. أبرز مظاهر الاختلاف الديني في تراثنا العربي الإسلامي: هذا التناحر بين الفرقاء إلى درجة الإبادة الجماعية للطوائف والملّل والنِّحل. وليس الدواعش بالأمس القريب إلاَّ نسخة أخيرة تتواتر في تراث المسلمين. حتى هؤلاء الأكثر اعتدالاً (سواء كانوا مؤسسة أم مذهباً) يحملون بذور التقاتل الشرس. فصدمة التأسيس ستتحور لديهم إلى منطق صراعي يثير الفتن والحروب عاجلا أم آجلاً. ويظهر ذلك في الفتاوي التكفيرية والقمعية والدموية والمواقف من أصحاب الديانات الأخرى.

سابعاً: سيقف التأسيس بهذا الخلط ضد منطق اللغة وقوانينها. فاللغة تغاير معانيها بحسب السياقات المتنوعة. كما تتسع أبنيتها إجمالاً بحكم التراكم الدلالي النوعي. كيف سيكون ثمة تغاير بينما يعلن التأسيس من الوهلة الأولى ثبات اللغة حرفياً؟ هذا الفهم الحرفي للنصوص كان طابعاً مشتركاً في تاريخ جماعات العنف الديني، بل كان بمثابة القاعدة البارزة في الثقافات التقليدية. ولهذا كان الفهم بالحرف يقتل في كل الأديان، فلم تخرج جماعة إرهابية عن المجتمع إلاَّ بفضل الفهم الحرفي للنصوص.

إذن ليست القضية ما إذا كان النص ذا مصدر إلهي أم أرضيّ على أهميتها. فهذه قضية مهمة بالفعل في تحديد درجة التأسيس، بيد أَّها لن تزيد المعالجة إلاَّ ثنائيات متناسلة. مثل .. الله / الإنسان، الانبياء / البشر، الأرض / السماء، الواقع / الغيب، المقدس / الدنيوي. فهذه الثنائيات تحكمها هكذا المعاني المتنافرة، لأنَّها فوق ذلك تظل عصية على الإثبات و ربما يتساوى التفكير فيها من عدمه. فلن نستطيع تجاوز وضعها المتناقض، نظراً لاستقطابها الحاد لكل الأفكار المنفتحة. كما أن الثقافة العربية الاسلامية لديها مقدره مهُولة على التأرجح فوق النهايات الحادة. وفي هذا الاتجاه، لن يختلف نصٌ ديني بشري عن غيره أيا كان مصدره. ببساطة لأن طرائق تعاملنا مع النص تسلب أيَّ تنوع في وجوده. فلن يبلغ القارئ معانيه المتنوعة دونما اعتباره مقدساً وفوق مستوى القراءة منذ البداية. كأنَّ التأسيس الثقافي بهذا الشكل يضع العربة أمام الحصان. فالحصان (التأويل – القراءة) يجر عربة النص دون طايل، إذ يأتي التقديس اللا تاريخي ليقلب الأمر.

 لكن المفارقة تظل تلعب دورها حتى النهاية، فطالما ثمة لغة فلا يوجد " تأسيس نصي" خارج التاريخ. اللغة والخارج يتعارضان تعارضاً يهدر المعنى مع اهدار السياق. لأنَّ الأخير دوماً في حاجةٍ إلى تجربة حية بالنسبة لمتلقيه. كما أن عملية الفهم هي تجربة النص عبر أزمنة تأويليةٍ لا تتوقف. هذا مبدئيا يطيح باعتقاد سلفي (أصولي) باعتبار النصوص الدينية أصولاً مستعادة كما هي، أي باعتبارها (مادة لا تُفنى ولا تُستحدث) من عدم على غرار المواد الطبيعية. وهنا ستجد اللغة نفسها مشابهة للطبيعة عن كثب. فاللغة ليست مادة في أقنية معلبةٍ ومحجوبة عن التغير والهواء الطلق. إنها محض دوال signifiers قادرة على التوالد اللانهائي، أي أنَّ التداعي الحر للدلالات يناطح أيَّ أصل يناوئها.

 وهكذ فإن كلُّ نص حتى يكون كذلك بملء الكلمة يفترض سلفاً حركة التاريخ التي يتفاعل معها. النص ذاته هو الفعل اللغوي لمضمونه استناداً إلى (تراث هو الحاضر- الغائب). ورغم بنيته التعبيرية التي لا خلاف عليها، إلاَّ أنها تتعدد في كيانها الاشتقاقي وفي مسيرتها الدلالية. يأتي النص، أي نص، كمضمون بعيد وناءٍ عبر اللغة. فلن يكون النص حاضراً في معانيه من أولِّ وهلة. التعبيرات كي تنتج المعنى لابد لها من أصداء ثانية وثالثة ... ومتواترة باستمرار. وعليه ينبغي استعمال الإيقاع الحياتي لما يجعلنا نفهم الكلمات كما لو كانت هي نحن. فاللغة تتمتع بالطابع التاريخي لإيجاد الأشياء وتضييعها بالمثل. والتضييع ليس التلاشي، لكنه التراكم(أو التحول) الاختلافي لما كان مقصوداً من وراء المعنى.

 من هنا، فلن يشكل النص الديني معطى ثابتاً غير قابل للغياب. فطالما يجري داخل لغة سائلة، فسيخضع لعملية انتاج الدلالات. وبخاصة أن الدلالات هي آثار الغياب نتيجة وجود معاني النص إلى حد المعاناة. أو كما يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي: المعنى في العربية آتٍ من المُعاناة. فمعنى الشيء هو حالته التي صار إليها وخرج منها بعد مشقةٍ. وبهذا، فإن المعاني في العربية ناجمة عن محن النص الوجودية التي آلت إليه ومر بها. وحدها بنيةُ معناه ستظهر وستتجلى حينما يعاني هذا النص أو ذاك من خلال التجارب الخاضغ لها. فالمعاني إذن هي آثار عميقة بفضل تغاير الأشياء والعلاقات عبر التجارب طويلة الأمد. أليس ذلك جديراً بإعادة النظر في أسس النصوص وقراءتها؟!

 

سامي عبد العال

 

 

علي محمد اليوسفالمثالية والوجود

يذهب المثاليون أن أي شيء يكون موجودا، أو يمكن معرفة أن له وجود لا بد أن يكون متمثّلا في معنى ما عقليا او ذهنيا. باحث فلسفي.

يمكننا  بناءا على هذا الاقتباس تثبيت ما يلي:

- أن يكون الشيء موجودا يترتب عليه أن يكون مصدر تحقق موجوديته في العالم الخارجي  أن يكون له معنى عقليا أو ذهنيا يتوفر عليه كما ورد في نص الاقتباس.

- بضوء الفقرة السابقة تكون أفكار الذهن والعقل المجردة لا تستطيع خلق مدركاتها من الموجودات المادية المستقلة في العالم الخارجي. فالفكر المجرد لا يخلق حقائق مادية على الارض.كما ان ما لا يدركه العقل له معنى لاوجود له حسب النظرة المثالية.

- وجود أي شيء في عالمنا الخارجي لا يتوقف وجوده من عدمه على إدراكنا الحسّي والعقلي أو عدم إدراكنا له. فالاشياء موجودة مستقلة انطولوجيا حتى لو إختفت العقول المدركة لها. لكن من المهم التذكير أنه لا يوجد شيء يدركه العقل بلا معنى له. فالموجود الذي لا معنى له لا وجود له حتى بغياب إدراك العقل له.

- النزعة المثالية الفلسفية تكتفي أن تدرك الموجود المادي أو أي شيء آخر في العالم الخارجي بصورة إدراكية حسية " فوتوغرافية"، صورة تحمل المدلولات الصفاتية الخارجية للشيء فقط ولا تحمل معها الاصل بما وراء شكل المدرك، ولا يعنيها الاهتمام بما يحتجب وراء هذه الصفات الخارجية  مما يطلق عليه "ماهيات" أو "جواهر" سواء اكانت موجودة في الاشياء أم غير موجودة. وهذه اشكالية تنازع حولها ديكارت وبيركلي وجون لوك وهيوم.( تنظر مقالتنا المنشورة / الادراك :الاصل والصورة).

الاشكالية المادية

هنا أود الاشارة الى اشكالية سبق لي أن تطرقت لها في أكثر من مقال لي منشور هي أن الفلسفة المادية الماركسية تلتقي الفلسفة المثالية في اربع مناحي بما يخص موضوعة الادراك المادي والجوهر:

-  تلتقي الفلسفتان المادية والمثالية في مرجعية إدراك أي موجود مادي مستقل هو العقل، ولا يعني هذا أنه بغياب حضور العقل الادراكي لايكون للموجود وجودا انطولوجيا في عالم الاشياء المستقل. فليس ضرورة وجوب حضور العقل الادراكي يجعل من الاشياء موجودة مستقلة. ومن غير حضور العقل ينتفي وجودها.

- تذهب الفلسفات المادية كما هو الحال مع المثالية الى أنه يكفي معرفة صفات الاشياء في إدراكها الحسي بما يغني ويسقط أهمية التفتيش عن ماهية أو جوهر تلك الاشياء وراء صفاتها.

- تتفق الفلسفتان المادية والمثالية على أن جميع مدركاتنا من الاشياء هي بلا جواهر تحتجب خلف صفاتها، وميزات صفاتها الخارجية المدركة هي جواهرها، علما أن هذا التوصيف ينطبق على الحيوان والجمادات وبعض النبات ايضا بخلاف الانسان الذي يمتلك كينونة وجوهرا نوضحه لاحقا.

- تقر الفلسفتان المادية والمثالية على أن الانسان من دون جميع كائنات وموجودات العالم والطبيعة يمتلك ماهية وجوهرا هما غير صفاته المدركة خارجيا. في حين تكون جميع الموجودات في الطبيعة صفاتها الخارجية هي ماهيتها المتطابقة معها.

تعالق مشترك كيف الحل؟

هنا أود إثارة سؤال ربما يمتملك مفتاح الحل ويبسط الاشكالية من تعقيدها، هل هناك في الفلسفتين المادية والمثالية إتفاق غير معلن أو عدم اتفاق معلن أن جميع موجودات الطبيعة والعالم الخارجي تمتلك جواهرا وماهيات تحتجب خلف صفاتها المدركة  أم لا تمتلك؟ وهل الجوهر ثابت أم متغير كما هو حال الصفات في تغيراتها الدائمية؟.

الفلسفات المادية من ضمنها الماركسية لا تهتم بالموجودات والاشياء التي ندركها سواء تمتلك جواهرا أو ماهيات هي غير صفاتها الخارجية التي تغنينا عن ملاحقة ما تدّخره هذه الصفات داخليا. كذلك هي الفلسفات المثالية لا يعنيها أمر البحث والتفتيش عن ماهيات وجواهر خارج الادراك الخارجي لها. إذن كيف نعلل هذا التوافق المتضاد بينهما؟.

الفلسفة الوجودية والبنيوية

نشير سريعا الى أن تاريخ الفلسفة البنيوية التي أعقبت الفلسفة الوجودية أنكرت العديد من مرتكزات تاريخ الفلسفة في ماضيها وحاضرها منها إنكارها الحداثة بكل إشتمالاتها، وأنكرت العقل، والذات، والانسان، وكل ما يمّثل مرجعية فلسفية ثابتة مثل السرديات الكبرى الاديان والايديولوجيات .

أما الوجودية فهي بالرغم من أنها تأثرت بكل من الماركسية  والفينامينالوجيا "الظاهراتية " لهوسرل والتي جميعها بتفاوت فلسفي بينها أنكرت وجود الجوهر بالاشياء لا بل هوسرل أبدى تحفظا كبيرا في تمرير نزع الجوهر أو الماهيات عن الاشياء لكنه لم يأت بجديد يتجاوز به طروحات الوجودية خاصة في فلسفة هيدجر التي سنعرضها. وهوسرل لم يعمد في تناوله مسألة الجوهر التفريق في وجوده بالاشياء وفي الانسان بخلاف سارتر الذي إعتبر جميع موجودات الطبيعة والعالم الخارجي بلا جوهر ما عدا الانسان. وليفاجؤنا إنكاره أن يكون للانسان جوهرا هو ايضا.نناقش لاحقا مقولة سارتر حقيقة جوهر الانسان أنه لا يمتلك جوهرا مناقضا رأيه إمتلاك الانسان لجوهر من تصنيعه هو له..

سارتر في الوقت الذي تماهى مع الماركسية في عدم وجود ماهية أو جوهرا في الاشياء إلا أنه استثنى الانسان من هذا التعميم في إعتباره الانسان من بين جميع كائنات الطبيعة  يمتلك كينونة موجودية مادية تدخر جوهرا نوعيا خاصا يحتازه الانسان النوعي الفرد وحده. وإعتبر سارتر جوهر الانسان ليس معطى وجودي يلازم صفات الانسان الموروثة بالولادة بل جوهر الانسان هو تصنيع فردي في تنمية الذات وبنائها مدى الحياة من قبل الانسان الفرد. وجوهر الفرد ليس مشابها جوهر المجموع فلكل فرد جوهره الخاص به من صنع يديه. وجوهر الفرد لا يكون موضوعا مدركا من غيره.

وأضاف سارتر إننا بدلالة أسبقية كينونة الانسان الوجودية على الجوهر نعي امتلاك الفرد جوهرا مختلفا عن باقي جوهر الافراد من نوعه كبشر. وفي هذا الطرح تجاوز سارتر كلا من رأي اسبينوزا في ذهابه أن الجوهر الانساني وفي موجودات الطبيعة يسبق الكينونة الموجودية التي تحددها الصفات الخارجية للانسان والاشياء. وأخطر من ذلك أن اسبينوزا إعتبر معرفة وجود الانسان يتم بدلالة الجوهرالذي لا يدرك ولا يتم معرفته بدلالة وجوده كما يذهب له سارتر ومن بعده ما لا يحصى من فلاسفة. اسبينوزا على خلاف الوجودية يرى الجوهر يسبق الكينونة.ولعل الاخطر في ذلك ذهاب اسبينوزا أن جواهر الاشياء في الانسان وموجودات الطبيعة لا يمكننا ادراكها لأنها جواهر مستمدة من جوهر خالق لها يحتويها جميعا لا ندركه بمحدودية العقل الادراكي لنا ذلك هو الجوهر الازلي الله.

وعلل إسبينوزا عدم إمكانية الانسان إدراك جواهر الاشياء لأنها موزعة في صفات الموجودات الخارجية، وهذه المعلومة الفلسفية إعتمدها كانط قوله الجوهر هو الوجود بذاته الذي لا يمكننا إدراكه بالعقل المجرد المحدود لذا يكون السعي لأدراكه ومن ثم معرفته تبديد جهود بما لاطائل منه.

موجودات الطبيعة والجوهر

العبارة التي وقفت عندها متأملا هي مقولة سارتر (جوهر الانسان الحقيقي أنه بلا جوهر). وأعود تثبيت ما قلته لاهميته من السهل جدا أن نحسم خطأ العبارة بمصادرتها من نهايتها، ونقع نحن أيضا بالخطأ مع سارتر أن الانسان لا جوهر له في حين هو يمتلك جوهرا قيد التكوين والتصنيع مدى الحياة حسب فلسفة سارتر الوجودية نفسه.

وكي نناقش تناقض العبارة نقول الانسان يمتلك كينونة وجوهرا، لكن متى يكون الانسان فاقدا جوهره ومتى يكون مالكا له؟ وهل الجوهر خاصيّة ثابتة لا تتغير أم خاصية وهمية زائلة؟ وهل الجوهر الانساني يحكمه الزمن أم لا؟

هذا يتوقف على المرحلة العمرية للانسان ويتوقف على موقفه النفسي الصحّي، فالطفل يولد موجودا بلا ماهيّة ولا جوهر، والجوهر الانساني في جميع المراحل العمرية هو عملية تصنيع ماهوي تلازم الانسان منذ الولادة والى الممات. أما المجنون فهو يمتلك وجودا لا جوهر حقيقي طبيعي سوّي له.  على خلاف من فوكو وهيدجر ونيتشة من قبلهما في إعتبارهم ادراكات الجنون للوجود هي اسمى من ادراكاتنا لوجودنا الزائف بالحياة. لكن حتى في حال اقرارنا هذه الفرضية الفلسفية الخاطئة فهذا لا يمنح المجنون جوهرا فوق /اسمى من جوهر الانسان السوي الطبيعي.

تصنيع الجوهر عند الانسان يقوم على ركيزتين الاولى أنه يعي ذاته عقليا طبيعيا كموجود في عالم طبيعي ومجتمعي والثاني الانسان يعي مدركاته الخارجية   والعالم من حوله  بنوع من المسؤولية المجتمعية  التي تتطلب قدرة إمتلاك الحرية في إتخاذه القرار الصائب. والجوهر الانساني ماهيّة يشّكلها الوعي الذاتي والمحيطي الطبيعي والمجتمعي وتتجلى في صورة سلوك  هادف بالحياة.

ولتوضيح أكثر نجد:

- الوجودية تؤمن أن الانسان موجود طبيعي نوعي قبل أن يكون جوهرا خفيا، فالانسان يوجد أولا وبعدها تتشكل ماهيته أو جوهره ذاتيا حسب مؤهلاته وقدراته وإمكاناته الفردية ومميزاته الخاصة به كفرد.

- يمتلك الانسان جوهرا ماديا مكتسبا مصدره الحياة التي يعيشها وتجاربه وخبراته ومميزاته الثقافية والسلوكية في تكوين شخصيته. بمعنى الانسان يصنع جوهره بقواه وإمكاناته الذاتية كفرد.

- الانسان كائن نوعي موجود بالطبيعة جزء منها متمايزعنها بصفات العقل والذكاء والوعي بالذات والمحيط،و،إمتلاكه لغة تواصلية معرفية، شعوره بالزمن، إدراكه أن الطبيعة تحكمها قوانين عامة ثابتة، كما أن الانسان يعي حاجته للطبيعة ولا تعي الطبيعة حاجتها للانسان. وغيرذلك مما تفتقده الطبيعة ويمتلكه الانسان مثل الوعي، المخيّلة، العواطف، الاحساسات ، والمشاعر، الذاكرة ، الخيال، الضمير، الاخلاق الخ.

- سارتر يقر أن الانسان هو الكائن الوحيد الذي يصنع ماهيته الجوهرية بقواه الذاتية النوعية مدى الحياة، والجوهر ليس معطى فطريا يلازم الانسان بالولادة، فكل المفردات التي يتشكل منها الجوهر الانساني الذي يتم تصنيعه من قبل الانسان الفرد لوحده مثل الضمير ، الاخلاق، الحب، العواطف، القيم وقابلية التديّن وغيرها عديد التي بمجملها تشكل السلوك الانساني بالحياة وتحدد مواقفه منها، لا تمثل صفات خارجية مدركة للفرد، بل يدركها هو ذاتيا انفراديا كجوهر لا يشاركه به أحد.

أصبحت لدينا مقولة سارتر أن جوهر الانسان الحقيقي  بلا جوهر، صحيحة تحمل إمكانية تخطئتها كما مر بنا توضيحه.  وفي منطق الفلسفة لاتكون العبارة اللغوية تحمل صفتي الصواب والخطأ معا والثالث المرفوع بينهما حاضر بقوة بمعنى لا يجوز قولنا الانسان يمتلك جوهرا والانسان بلا جوهرفي وقت واحد. وتوضيحي الاجتهادي غير القاطع تجريد سارتر الانسان من الجوهر يمثّل حقيقته الوجودية لسببين :

الاول الجوهر الانساني خاصية انفرادية خارج النوع في الطبيعة وداخل النوع في الجنس البشري ولا يتكرر في المشابهة لدى المجموع. وهو مدرك من الانسان صاحبه الذي قام بتصنيعه ولا يدرك من آخرين غيره. الثاني أننا حسب الفهم السارتري بعيدا عن عبارته الحدّية حقيقة الانسان أنه بلا جوهر يجعلنا الذهاب الاخذ بالجوهر الانساني تصنيع من السيرورة التطورية المتنامية في الذات لا تتوقف مدى الحياة.فالجوهر يصبح نوعا من الحركة والتغيير بملازمة زمنية يتعذر علينا إدراك ثباتها.

لذا لايمكننا الحكم على جوهر هو حالة من الحركة والتغيير المستمر مدى الحياة. أما في حال ذهابنا الاخذ بالنص الحرفي للعبارة فالانسان لا يمتلك جوهرا في حياة لا معنى لها في الفلسفة الوجودية والجوهر واللاجوهر كلاهما يستقيان من حياة لا حاجة ضرورية للانسان فيها إمتلاكه جوهرا غير صفاته الخارجية. فالانسان كينونة وجودية هي نزوة لا جدوى منها في كل الاحوال.

عود على بدء

والآن نعود طرح تساؤل يخّص موضوعة وحدة الوجود لدى اسبينوزا، ما علاقة مذهب وحدة الوجود بالطبيعة من غير الانسان.؟  وما  هو الجوهر في مذهب وحدة الوجود؟ مذهب وحدة الوجود هو نزوع صوفي ديني ليس لإثبات الوجود الانساني وإنما لإثبات وجود الخالق كموجود لايدركه الانسان بذاته ولكن يمكن إدراك وجوده من خلال تقصّي وجوده كجوهر  يحكم نظام الطبيعة وموجوداتها .جميع الكائنات من موجودات الطبيعة الحيوان، والنبات والجماد هي موجودات بلا جوهر يحتجب خلف صفاتها.وصفاتها الخارجية هي جواهرها.

لنأخذ مثلا هل الحيوان يمتلك جوهرا؟ أم لا يمتلك جوهرا وكيف؟ الحيوان لا يمتلك جوهرا متمايزا عن صفاته الخارجية لا في داخله ولا في سلوكه خارج صفاته. والقول في منطق وحدة الوجود حسب فلسفة اسبينوزا أن جميع الكائنات في الطبيعة من ضمنها الانسان تمتلك جواهرا مستمدة من جوهر مطلق خالق لها غير مخلوق هو فوق إدراك العقل، جوهر يستطيع الانسان إدراكه في مخلوقاته ولا يستطيع إدراكه في خالقه الجوهر الكلي المهيمن على كل موجود، هو نوع من المنهج الذي يصادر برهان تحققه.من قبل اسبينوزا  .

بمعنى النظام الطبيعي الإعجازي في قوانين الطبيعة الثابتة، يمتلك من القدرة والإمكانية ما هو فوق عقلي، وهذا النظام الإعجازي بالطبيعة لا يعني إمتلاك مكوناته لجوهر دفين موزّعا عليها يشير لوجود خالق عظيم ولا يشير لإثبات وجود موجودات لوجودها في الطبيعة كمظهر وجوهر متكاملين.. هذا التكامل من قبيل الحدس الايماني لا أكثر،. إذ هل من المتاح لإدراك عقل الانسان إدراك جواهر الاشياء خارج صفاتها في موجوداتها؟ الجواب لا يمكن ذلك لأن تلك الموجودات والكائنات عدا الانسان  بلا جواهر خارج صفاتها.

نعود لمثال الحيوان الذي هو أعلى مرتبة بيولوجية من النباتات والجمادات، فهو موجود بلا جوهر ولا ماهية. لماذا وكيف؟

- الحيوان لا يعي ذاته ولا يدرك الطبيعة ويفتقد اللغة وشعوره بالزمن من حوله إلا على نطاق ضيق جدا يتحدد في إشباعه لغرائزه الاكل والتكاثر ودفع الاخطار المحدقة عنه وعن نوعه. الطبيعة هي التي تعطي الحيوان صفاته الخارجية هي مجموع كينونته المنفردة كحيوان.

- الحيوان لا يمتلك ميزات إنفرادية نوعية كما هي عند الانسان مثل الذكاء العقلي ، الوعي الذاتي، إمتلاك اللغة، الإحساس بالزمن وغيرها من صفات.

- الحيوان يكتسب صفاته الخارجية من خلال إذعانه المتكيّف بما تمليه عليه الطبيعة من غير إرادتها ولا وعي منها. عدم وعي العلاقة الحيوانية – الطبيعية من كليهما المشّكلين لها هو سبب إمتلاك الحيوان قدرات التكيّف الطبيعي البيئي كي يبقى حيا. وانثربولوجيا تاريخ الحيوان تؤشر لنا إنقراض العديد من السلالات البشرية والحيوانية على السواء لفقدانها قدرة التكيّف مع ظواهر طبيعية شديدة القسوة مثل الانهيارات الجليدية والفياضانات، والزلازل ، والبراكين، وقلة الغذاء وهكذا.

- التكيّف الطبيعي يمتلكه الانسان والحيوان على السواء لكن بإختلافات جوهرية هامة. إذن علاقة التكّيف الحيواني بالطبيعة يجري بين قطبين هما الطبيعة والحيوان وكلاهما لا يتبادلان الوعي الادراكي بهذه العلاقة بينهما. فالطبيعة لا تدرك معنى تكّيف الحيوان في إستمرار بقائه، ولا الحيوان يدرك أن تكيّفه مع الطبيعة لا تعيه الطبيعة ولا تدركه.

- كذا نفس الحال يتكرر مع النباتات في علاقتها بالطبيعة فكلاهما لا يتبادلان الادراك المشترك بينهما. وليس مهما تفتيش الانسان عن جوهر يمتلكه النبات أكثر من إعتبار الانسان للنبات وسيلة الطبيعة في توفير إحتياجاته من الغذاء.وصفات النبات الخارجية هي جوهره ايضا.

- أما الجمّاد الطبيعي غير المصنوع وجوده في الطبيعة من قبل الانسان فلا جوهر له خارج صفاته. وتختلف عن الجمادات التي يصنعها الانسان فهي لسد رغبته بالحاجة لها في تأمين خدمته. فالقلم يحمل ماهية إستخدامه من قبل الانسان قبل تحقق وجوده المادي كقلم، وكذا مع جهاز التلفاز أو مع أي شيء آخر مادي يصنعه الانسان لسد حاجته له، فهو يمتلك ماهية وجوهر وجوده بذهن الانسان صانعه قبل إمتلاك وجوده المادي حينما يكون فكرة صناعية في تفكير الانسان حاجته لها أن يقوم بصنعها فهو يعرف ماهيتها الإستعمالية قبل وجودها المصنوع.

هل يمكننا إستخلاص أن مفهوم الجوهر في وحدة الوجود الذي يفهمه اسبينوزا وسيلة ميتافيزيقية لتدعيم إيمان ديني بوجود الخالق، ويفهمه هيجل مطلق متعيّن في هيمنة العقل على كل شيء يمكن إدراكه لا وجود له هو فوق متعال عقلي يدركه العقل ولا يدرك هو العقل؟ فكرة المطلق عند هيجل إدراك عقلي، وفكرة الجوهر لا إدراك عقلي يطاله.

كلا المفهومين فكرة المطلق الذي لا يفهم بدلالة الجوهر، ولا الجوهر يقبل الإستدلال العاجز التعريف به... يصبح معنا كلا المفهومين الفكرة المطلقة والجوهرالتام الشامل الذي لا يدرك هما تجريد فلسفي عاجز عن الوصول للمادة وإحتوائها كوجود.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

 

حاتم حميد محسنتهتم فلسفة الاقتصاد بالقضايا المفاهيمية والمنهجية والأخلاقية التي تبرز ضمن الحقل العلمي للاقتصاد. التركيز الاساسي هو على قضايا المنهجية والابستيمولوجي – الطرق، المفاهيم، والنظريات التي من خلالها يحاول الاقتصاديون الوصول للمعرفة حول العمليات الاقتصادية. فلسفة الاقتصاد تهتم ايضا بالطرق التي تشترك بها القيم الاخلاقية في التفكير الاقتصادي – قيم الرفاهية الانسانية، العدالة الاجتماعية، والمقايضات بين الافضليات التي تتطلبها الخيارات الاقتصادية. التفكير الاقتصادي له انعكاسات على العدالة والرفاهية الانسانية، وما هو اكثر اهمية، هو ان التفكير الاقتصادي عادة ما يضع افتراضات أخلاقية هامة مع انها غير واضحة لكن فلاسفة الاقتصاد وجدوا انها تستحق التمحيص. اخيرا، تهتم فلسفة الاقتصاد بالافتراضات الاجتماعية الواقعية التي يتخذها الاقتصاديون. الفلاسفة وجّهوا انتباههم الى المؤسسات والهياكل التي يحدث من خلالها التغيير والفعالية الاقتصادية. ما هو السوق؟ هل هناك مؤسسات بديلة يمكن ان تجري بها الفعالية الاقتصادية الحديثة؟ ما هي المتغيرات المؤسسية التي توجد ضمن الاطار العام لإقتصاد السوق؟ ما هي بعض الادوار التي يمكن ان تلعبها الدولة ضمن التنمية الاقتصادية لكي تعزز الفاعلية والمساواة والرفاهية الانسانية والانتاجية و النمو؟

ان أبعاد فلسفة الاقتصاد التي تقع ضمن فلسفة العلوم لها علاقة بموقع التحليل الاقتصادي كمجموعة من المعارف التجريبية. الأسئلة الأساسية تتضمن : حول ماذا تتركز المعرفة الاقتصادية؟ ما نوع المعرفة التي يقدمها حقل الاقتصاد؟ كيف يرتبط بالعلوم الاجتماعية الاخرى وبالمعرفة المتضمنة في تلك الحقول؟ كيف يمكن تبرير او تقييم المعرفة الاقتصادية؟ هل النظرية الاقتصادية تزعم تقديم نظريات مجردة لعمليات اجتماعية واقعية – آلياتها، الديناميات والمؤسسات؟ ما طبيعة التوضيحات الاقتصادية؟ ما هي العلاقة بين النماذج الرياضية المجردة والنظريات من جهة، والحقيقة التجريبية للمؤسسات والسلوك الاقتصادي، من جهة اخرى؟ ما طبيعة المفاهيم والنظريات التي تُصاغ بها العقائد الاقتصادية؟ هل هناك نمطية منتظمة تشبه القانون بين الظواهر الاقتصادية ؟ ما اهمية التنبؤات في الاقتصاد؟

الدور الفكري لفلسفة الاقتصاد

الفلاسفة ليسوا باحثين تجريبيين، وبشكل عام هم ليسوا بناة لنظرية شكلية. لذا ما هو الدور البنّاء الذي تلعبه الفلسفة في الاقتصاد؟ هناك عدة ادوار. 1- الفلاسفة لديهم القدرة الجيدة لفحص الخصائص المنطقية والعقلانية للحقل التجريبي. كيف ترتبط الادّعاءات النظرية في الحقل بالدليل التجريبي؟ ما الدور الذي تلعبه السمات البرجماتية للنظريات مثل البساطة، سهولة الحساب، وما شابه في التقويم العقلاني للنظرية؟ كيف تساعد الافتراضات المسبقة للبحث في بناء التقدم الواعد لنظريات وفرضيات الحقل؟ 2- الفلاسفة مهيئون جيدا للنظر في الموضوعات ذات العلاقة مع المفاهيم والنظريات التي يوظفها الاقتصاديون – على سبيل المثال، العقلانية الاقتصادية(1)، توازن ناش(2)، المنافسة التامة(3)، تكاليف الاجراءات(4)، تباين المعلومات (5). الفلاسفة يمكن ان يقدموا تحليلا مفيدا لقوة وضعف هذه المفاهيم والنظريات – وبهذا يساعدون الاقتصاديين الممارسين في صقل وتوضيح اكثر للاسس النظرية لحقلهم. في هذا الدور، يعمل الفيلسوف كموضّح مفاهيمي للحقل، يعمل في شراكة مع الممارسين لخلق نظريات اقتصادية اكثر وضوحا ونجاحا . حتى الآن نحن وصفنا موقف الفيلسوف كمساعد للاقتصادي. ولكن في الحقيقة، لم يكن الخط بين النقد وتكوين النظرية حادا جدا. اقتصاديون مثل امارتي سين وفلاسفة مثل دانيال هوسمان اظهروا ان هناك امكانية لعبور بنّاء جدا للحدود بين الفلسفة والاقتصاد، وان الخبرة الفلسفية يمكن ان تؤدي الى تقدم هام بشأن المشاكل النظرية والتجريبية الهامة ضمن حقل الاقتصاد. ان المحتويات التراكمية لمجلة الاقتصاد والفلسفة توفر دليلا واضحا على الانشغال المنتج عندما تلتقي الفلسفة مع الاقتصاد.

ولكي ينجز فيلسوف الاقتصاد هذه الأهداف، فهو عليه مسؤولية موازية لتلك المسؤولية لدى فيلسوف البايولوجي او فيلسوف الفيزياء: هو يجب ان ينجز فهما مهنيا ودقيقا للحقل كما هو موجود حاليا. ان العمل الأكثر قيمة في فلسفة أي علم ينطلق من اساس الخبرة الهامة لدى الفيلسوف حول أحسن تطبيق، وحول النقاشات المعاصرة، والتحديات المستقبلية للحقل. فقط من خلال هذ الاطّلاع سوف ينجح الفيلسوف في إثارة موضوعات تتعامل حقا مع القضايا الهامة للمهنة.

اسئلة هامة في فلسفة الاقتصاد

لننظر الآن في نماذج من اسئلة فلسفية حول الاقتصاد كمجموعة منظّمة من المعرفة. هذه الاسئلة ليست على سبيل الحصر ، لكنها تفيد القارئ في الاطّلاع على أنواع الأسئلة التي يثيرها الفلاسفة في حقل الاقتصاد.

هل هناك قوانين في الاقتصاد؟

كان مفهوم قانون الطبيعة مركزيا في فهمنا للعلوم الطبيعية. القوة الفكرية للفيزياء الكلاسيكية مشتقة من حقيقة انها قادرة على تطوير ادّعاءات في القوانين الفيزيائية التي كانت قوانين بسيطة وعالمية – قوانين الجاذبية وحركة الكواكب، البصريات، الكهرباء والمغناطيسية وغيرها. هل هذه سمة ضرورية للعلم التجريبي الناجح؟ وهل يحوز الاقتصاد على مثل هذه القوانين؟ العديد من المؤلفين يوافقون على كلا النقطتين (كينكيد 1996) و (روزنبيرغ 1976). غير ان عدة نقاط برزت في النقاشات الاخيرة للعلوم الاجتماعية التي تقود للشك بمركزية القوانين في العلوم الاجتماعية – بما فيها الاقتصاد. اولا، هناك فرق هام بين الظاهرة الطبيعية والظاهرة الاجتماعية يجب ان يجعلنا نشك بوجود قوانين قوية للطبيعة تصف الظاهرة الاجتماعية. ثانيا، من الواضح ان هناك انتظامية ضمن حقل الاقتصاد التجريبي – الاستهلاك عادة يزداد عندما تهبط الاسعار، التجارة تزيد عندما تهبط كلفة النقل، وفيات الاطفال عادة تقل عندما تخصص الدولة المزيد من الموارد للصحة العامة. لكن هذه هي مجرد انتظامية تجريبية رتيبة . هل هناك قوانين اقتصادية قوية لها قوة قوانين ماكسويل في الانتشار الكهرومغناطيسي؟ لاشيء في النظرية الاقتصادية الحالية يوفر سببا للاعتقاد ان هناك مثل هذه القوانين. الافتراضات الاساسية للنظرية الاقتصادية من الواضح لا تقع في صنف قوانين الطبيعة. وكما سنرى أدناه، ان افتراض العقلانية الاقتصادية لايشكل تعميما عالميا حول سلوك الفرد. هنا، وكما في المجالات الاخرى للعلوم الاجتماعية، من المبرر جدا البحث عن آليات سببية بدلا من قوانين اجتماعية.

هل افتراضات الاقتصاد واقعية؟

هل النظريات والفرضيات الاقتصادية تساعد في وصف الهياكل والآليات الاقتصادية غير المشاهدة؟ ملتن فريدمن مهّد للجواب على هذا السؤال عبر الجدال بالتفسير الآداتي للافتراضات الاقتصادية (فريدمن، 1953). وفق رؤية فريدمن ، فان قيمة النظرية هي تماما يُعبّر عنها بمقدرتها للتنبؤ بالظاهرة المشاهدة، النظرية هي وسيلة للتنبؤ . الآداتية، عموما واجهت نقدا قويا من فلاسفة العلوم (ليبلن، 1984). أحسن توضيح للنظرية هو في امتلاك تنبؤات موثوقة حول نطاق من الظواهر وان الآليات التي تفترضها هي في الحقيقة صحيحة. لذا فهو عجز في النظرية عندما تكون الآليات التي تفترضها غير مقنعة او زائفة. والنظرية الاقتصادية ستكون عاجزة كثيرا لو استنتجنا ان مقدماتها غير منسجمة بعمق مع العمليات الاساسية الواقعية التي تشكل الاقتصاد الناجح. مقابل هذا الاطار الأداتي يضع دانيال هسمن Daniel Hausman اتجاه واقعي للنظرية الاقتصادية (هسمن، 1992). وفق هذا الاتجاه، يكون هدف الاقتصادي هو الوصول لإفتراضات صادقة تقريبا.(كما سنرى ادناه، هذا المبدأ المنهجي يقترح ان الاقتصاديين يجب ان يوجّهوا انتباها كبيرا للمؤسسات الاقتصادية وتحليلات الاقتصاد المقارن والتاريخ الاقتصادي).

هل النظريات الاقتصادية قابلة للاختبار او ممكن تفنيدها؟

قبل ان نسأل ما اذا كانت النظرية قابلة للاختبار، يجب ان يكون لدينا توصيف واضح لمحتواها التجريبي. هذا يتطلب منا ان نسأل السؤال، ماذا اريد للنظرية ان تصف، تتنبأ او توضح؟ النظرية يكون لها محتوى تجريبي لو هي تعمل ادّعاءات حول العمليات السببية المؤطرة لمجال الظاهرة وتلك الادّعاءات لها تأثيرات للحالات المشاهدة في العالم. في ظل هذه الظروف سيكون من الممكن لنا ان نؤدي تجارب (نرتب العالم بطريقة معينة، نلاحظ المحصلة، ونقارن مع المحصلة المتنبأ بها للنظرية)، المشاهدات التي تحت السيطرة (تُجمع قبل وبعد الحالات وتُقارن المحصلة مع تنبؤات النظرية)، مشاهدات متدرجة على مراحل منفصلة (فحص عناصر العملية لكي نقيّم ما اذا كانت العمليات السببية المفترضة تحدث حقا)، وهكذا. من خلال هذه الجهود نستطيع جلب الدليل التجريبي المرتبط بمهمة تقييم حقيقة الافتراضات. لذا فان السؤال الذي امامنا هو: هل النظرية الاقتصادية تحتوي على افتراضات هامة حول الأعمال السببية للعالم الاقتصادي التي قُصد بها ان تمتلك تأثيرات على الحالات المستقبلية المشاهدة للعالم؟ وهل نحن قادرين على آداء ملاحظات لحالات العالم التي تؤكد او تنفي النظرية(هاندس، 1992)؟. من حيث المبدأ، من الواضح ان الجواب لهذا السؤال هو بالايجاب.

لننظر في نطاق من النظريات لعملية اقتصادية معينة – نمو اقتصادي، تجارة، بطالة، الاجور، التمييز – مثل هذه النظريات لها نتائج تنبؤية، وليس من الصعب وصف الملاحظات التي يجب التأكد منها لإختبار هذه النظريات. الصعوبة الإبستمية تأتي لاحقا: معظم نظريات الظاهرة المعقدة هي في الحقيقة يمكن تكذيبها – بدون ان تكون بالضرورة خاطئة تماما في وصفها للعمليات الاساسية. لذا كيف نميز بين النظريات القابلة للتكذيب لتحديد تلك الأكثر احتمالا من الأقل احتمالا (لاكاتوس، 1974)؟

هل النظريات الاقتصادية مجرد انظمة رياضية شكلية بدون ملائمة تجريبية؟

الكسندر روزنبيرج يدافع عن الرؤية الشكلية للنظرية الاقتصادية، كونه استنتج بان الاقتصاديين لم ينجحوا في انتاج نظريات تجريبية او توضيحات لظاهرة تجريبية واقعية (روزنبيرغ، 1992، فصل 8). روزنبيرغ يشبّه الاقتصاد الجزئي بهندسة اقليدس بدلا من الفيزياء الكلاسيكية او البايولوجيا التطورية. النظرية هي مجموعة من مقولات او مبادئ مجردة غير تجريبية، وان ممارسة عمل الاقتصاد هي واحدة من اشتقاق فرضيات من هذه المبادئ. هل هذه طريقة مقنعة لفهم البرنامج الفكري للاقتصاد؟ ليس كذلك. المهمة الفكرية لحقل الاقتصاد – والتي لا تتحقق دائما بنجاح – هي توفير اساس علمي اجتماعي لفهم وتوضيح والتنبؤ بالظاهرة الاقتصادية. لماذا يؤثر سعر الفائدة على حجم الاستثمار؟ لماذا يرتبط التضخم والبطالة مع بعضهما ؟ لماذا يكون النمو الاقتصادي اكثر سرعة في سياق نوع واحد من المؤسسات دون اخرى؟ ما هي الروابط السببية التي تضمن الارتباطات بين المتغيرات الاقتصادية؟ هذه انواع من الاسئلة التي من مسؤولية الاقتصاديين الاجابة عليها. وان الاتجاه نحو التنظير الاقتصادي الذي يفترض ان الحقل هو شكلي خالص سوف لن يساعد في إلقاء الضوء على هذه الآليات الاقتصادية الواقعية وان كانت غير مشاهدة. على هذا الخط من التفكير، الرياضياتية المستمرة في الاقتصاد يجب ان تُفهم كوسيلة لغاية وليست غاية في ذاتها. الآلية الرياضية او الشكلية للاقتصاد هي ذات قيمة فكرية فقط بمقدار ما تساهم بفهم أفضل او واقعي، للعمليات الاقتصادية التجريبية ، والأسباب، والانظمة.

ماهي مكانة مفهوم العقلانية الاقتصادية؟

ان مفهوم العقلانية الاقتصادية هو أساسي ضمن النظرية الاقتصادية، وخاصة ضمن الاقتصاد الكلاسيكي الجديد. الاهتمام الخاص لفلاسفة الاقتصاد كان تزويد إختبار نقدي لنظرية العقلانية الاقتصادية. الفلاسفة اثاروا سلسلة من القضايا الهامة المتعلقة بنظرية العقلانية الاقتصادية. وبالنظر اليها مجتمعة، هذه الانتقادات قادت الى تعزيز هام في فهمنا لمفهوم العقلانية. اولا، الفلاسفة خصصوا المزيد من الانتباه للفجوة بين نظرية المنفعة ونظرية التفضيل الفردي. ثانيا، هم رفضوا افتراض الأنوية او المصلحة الذاتية العقلانية التي افتُرضت سلفا في النظرية الخالصة (سين، 1987)، (اندرسون، 2000). ثالثا، الفلاسفة وآخرون اشاروا الى ان الفاعلين السايكولوجيين الواقعيين يفكرون بطرق تتناقض مع النظرية الخالصة للعقلانية الاقتصادية (سيمون، 1983)، (كاهنمن، 1982) . رابعا، فلاسفة وآخرون خصصوا اهتماما كبيرا للافتراضات المتعلقة بنظرية المباراة. اخيرا، بعض الفلاسفة باشروا دراسة خصائص العقلانية الاقتصادية في افراد واقعيين من خلال التجربة (Schmidtz، 1991). فمثلا، روبرت اكسيلرود استخدم ظروف تجريبية لفحص الكيفية التي يتعامل بها المفكرون المنطقيون الواقعيون مع مأزق السجناء، هو وجد ان الاشخاص التجريبيين باستمرار قادرين على انجاز التعاون بدلا من اللامبالاة(اكسيلرود، 1984). النتائج لهذا البحث تقترح ان المفكرين المنطقيين يتصرفون بإدراك – ولكن بشكل مختلف عن مبادئ نظرية العقلانية الاقتصادية الخالصة.

ما دور القيم الاخلاقية في الاقتصاد؟

الاقتصاديون عادة يصفون علمهم كمتحرر من القيمة – كتحليل تقني لمتطلبات العقلانية في تخصيص الموارد بدلا من مجموعة معينة من التزامات القيمة او السياسة. في هذا التفسير، يرغب الاقتصادي ان يُقارن مع المهندس المدني بدلا من صانع سياسة نقل: هو يمكن ان يخبرنا كيف يبني جسرا ثابتا، ولكن ليس اين ومتى ولماذا. المواطنون وصناع السياسة هم الذين يضعون الأحكام حول المطلوب بشأن الصالح العام لكي يقرروا ما اذا كان طريق معين او جسر مرغوب اجتماعيا، التقني التخصصي هو الذي يجهز التصميم ويضع تقدير للتكاليف. هذا الوصف لحقل الاقتصاد يفشل في عدة مجالات هامة. النظرية الاقتصادية تحتوي على مجموعة متقاربة من الافتراضات الهامة المسبقة حول طبيعة الصالح – فردي او اجتماعي – التي تؤثر مباشرة في التوصيات السياسية التي تدعمها النظرية الاقتصادية. فمثلا، افتراض الأنوية العقلانية غير منسجم مع العديد من قيم الجماعية، الافتراض بان المساواة تخضع للفاعلية هو غير منسجم مع فلسفة المساواة السياسية، وافتراض ان عدد من السلع تشكل رفاهية الفرد هو غير منسجم مع التصور الأرسطي للحياة الانسانية الجيدة (Nussbaum، 2000). لذا فان مقدمات وافتراضات الاقتصاد متداخلة بقوة مع الافتراضات المعيارية حول الحياة الانسانية الجيدة والمجتمع الجيد. هذا ليس عجزاً، ولكن يجب الاعتراف به لكي نستطيع الاعتراف بعمل الافتراضات غير واضحة القيمة، وانه بالتأكيد يبطل افتراض العلم الاجتماعي المتحرر من القيمة. عموما، يبدو من الإنصاف القول ان الافتراضات الاخلاقية التي يفترضها مسبقا الاقتصاديون الكلاسيك الجدد تقع مجتمعة ضمن عائلة المُثل المعيارية التي تمجد الفردية واللامساواة وممارسة الحد الادنى للسياسة العامة.

هل العدالة التوزيعية موضوع للاقتصاديين؟

حالما يتم الاعتراف بان الاقتصاد له محتوى أخلاقي، يصبح واضحا اننا نحتاج لفحص هذه المقدمات الاخلاقية بالتفصيل، ونقدم نقدا عندما نجدها دون التوقعات. وبالذات، الاقتصاد مجبر لمواجهة قضايا العدالة التوزيعية بوضوح اكبر مما هو عليه حتى الان. اقتصاد السوق ينطوي على درجة من اللامساواة من مختلف الانواع: لامساواة في المحصلات (ثروة ودخل)، لامساواة في الفرص، لامساواة في السلطة والنفوذ، لامساواة في مستويات الرفاهية (صحة، تعليم ، سنوات الحياة). ما نوع اللامساواة المقبولة أخلاقيا في المجتمع العادل؟ ما حجم اللامساواة التي يمكن ان توجد قبل ان تخلق فرقا بين المواطنين ولدرجة تُضعف من كرامتهم الانسانية وتبطئ الظروف المسبقة للديمقراطية؟ طوال الثلاثين سنة الماضية قدّم الفلاسفة مساهمات هامة لفهمنا لقضايا العدالة التوزيعية والمكانة الأخلاقية لـ الاّمساواة:(رولز 2001)، (نوزك، 1974)، (الستر، 1992).

هل هناك اساس للنقاشات العقلانية حول المؤسسات الاقتصادية؟

ما نوع العالم الاجتماعي الذي تفترضه النظرية الاقتصادية مسبقا؟ في دراسة هذا النوع من السؤال،  ينتقل الفلاسفة الى نقاشات هامة حول طبيعة الظاهرة الميدانية قيد الدراسة. النقاش يقع في ظل عنوان من النقد، كونه يركز على النقاط المعتمة التي يمكن اكتشافها ضمن الحقل المرئي للتنظير الاقتصادي. الاقتصاديون يضعون افتراضات حول المؤسسات التي تشكل اطارا للاجراءات الاقتصادية، وان هذه الافتراضات هي احيانا غير مرنة وغير واقعية. ولذلك يجدر بالفلاسفة توجيه انتباههم للنواقص في الافتراضات المؤسسية الاجتماعية التي يضعها الاقتصاديون عادة. المؤسسية الجديدة في العلوم الاجتماعية أبدت اهتماما كبيرا بمؤسسات معينة تحدث فيها الفعالية الاجتماعية (برنتون و ني، 1998). المؤسسات ذات اهمية كبيرة، لذا فان المزيد من التفكير الدقيق عن المؤسسات الاقتصادية لإقتصاد سوق معين قد يقود الى فهم أفضل للظاهرة التي نشهدها. فمثلا، دمج تكاليف الاجراءات وتباين المعلومات بين البائع والمشتري غيّر بشكل كبير فهمنا لمؤسسات السوق. أحد مجالات النقد الفلسفي يأتي من مستوى التجريد في نظريات اقتصادية عادية. الكثير من التفاصيل التجريبية ربما تغيّر كثيرا من الاستدلالات التي نصل اليها عن عمل المؤسسات. المنافسة غير التامة في السوق ربما هي القاعدة بدلا من الاستثناء- لذا من المهم دمج بعض من هذه الخصائص التجريبية في نظرياتنا عن المؤسسات الاقتصادية.

هل هناك مؤسسات اقتصادية بديلة يمكن ان تعمل في الاقتصاد الحديث؟

الفعالية الاقتصادية في المجتمع الحديث تتطلب مؤسسات تعرّف الادارة الناجحة والتمتع بالموارد واستخدام وادارة العمالة، وادارة المشاريع. الاقتصاد الكلاسيكي الجديد يفترض سلفا الملكية الخاصة لرأس المال، وعمال أحرار ليس لديهم ملكية، ودول لها أقل نفوذ اقتصادي. هل هناك مؤسسات اخرى من خلالها يمكن ان تدار الفعالية الاقتصادية ضمن المجتمع المنتج والحديث (الستر و موني، 1989)؟ فمثلا ما هو المنطق الاقتصادي لتعاون العمال؟ كيف يمكن استخدام المعاش التقاعدي للعامل المُتحكم فيه لتعزيز المساواة الديمقراطية؟ هل هناك الكثير يمكن تعلّمه من تجربة الاقتصاد الاشتراكي، وملكية الدولة، او سيطرة العمال على العمليات الصناعية؟ هل المؤسسات البديلة ممكنة؟ هل هي فعالة؟

ماذا يمكن ان نتعلم من تحليلات الاقتصاد المقارن؟

اجريت التنمية الاقتصادية في طرق مختلفة في مختلف الدول والاقاليم منذ ظهور التكنلوجيات الحديثة والمؤسسات الاقتصادية. مؤسسات السوق تطورت بشكل مختلف في بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. الاقتصادات الجمعية اتّبعت مسارات مؤسسية مختلفة في يوغسلافيا والاتحاد السوفيتي والصين. ماذا يمكن ان نتعلم عن العمليات الاقتصادية والديناميكيات من خلال دراسة ومقارنة الاقتصادات القومية في تفاصيل هامة؟ فمثلا، ماذا يمكن ان تعلّمنا التجارب المختلفة للصين والهند منذ عام 1945 عن المسارات البديلة للتنمية الاقتصادية (Dr ze&Sen، 1989)؟ هل هذا النوع من بحث الاقتصاد المقارن يوفر اساسا لما بعد الحرب الباردة في تحليل الاقتصاد السياسي للتنمية؟ عندما يأتي الاقتصاديون لمواجهة التحدي الفكري في تهيئة وصف سببي واقعي للأنظمة الاقتصادية، هم سيكونون قادرين للوصول الى رؤى هامة جديدة من خلال تحليلات الاقتصاد المقارن.

ما مدى الملائمة الفكرية لتاريخ الرأسمالية الصناعية الغربية للنظرية الاقتصادية؟

ان إعادة فحص تاريخ الرأسمالية الاوربية يشير الى ان هناك مسارات ممكنة اخرى للتنمية الاقتصادية الى جانب التصنيع الواسع والتخصص في الانتاج (سابيل و زيتلن، 1997). التصنيع الواسع والعمالة غير الماهرة جسّدا بديلا واحدا هاما، لكن هناك خيارات اخرى ممكنة تاريخيا. وكما يرى سابيل و زيتلن، ان نظاما ممكنا آخرا للانتاج الصناعي يستلزم عمالة عالية المهارة، وانتاج مرن، ووسائل وعمليات انتاج مرنة (سابيل، 1985). مرة اخرى، يُعتبر العامل الاخلاقي في حقل الاقتصاد هام جدا . من الممكن الوصول الى نظريات اقتصادية مقنعة تجريبيا عندما ننظر في نطاق من مؤسسات يحدث فيها النمو الاقتصادي والفعالية الاقتصادية.

استنتاج

فلسفة الاقتصاد تُفهم باعتبارها كمصدر للنقد القوي والدقيق لعلم الاقتصاد. انها تثير اسئلة حول ابستيمولجيا هذا الفرع من العلوم الاجتماعية – اسئلة حول بناء النظرية، تأكيد النظرية، كفاية التوضيح، وما شابه. انها تستجوب الافتراضات الضمنية المعيارية التي يحتوي عليها الاقتصاد. انها تثير بعض الأسئلة الأخلاقية التي يُجبر الاقتصاد على مواجهتها – لكنه نادرا ما يفعل. انها تقترح اتجاه أوسع واكثر تنوعا للتنظير الاقتصادي – يدمج المزيد من الدراسة للمؤسسات الاقتصادية ، ويخصص المزيد من الاهتمام للتاريخ الاقتصادي. الاقتصاد سيكون علم اجتماعي اكثر نجاحا عندما يحتضن الدور الذي لعبه في القرن التاسع عشر كعلم اجتماعي مؤثر – وهي المساحة من التحقيق الاجتماعي التي كانت مهتمة بنفس القدر بالمؤسسات الاجتماعية والاقتصادية التي شكّلت الاقتصاد الحديث - ويركّز على المضامين الاخلاقية للظاهرة الاجتماعية قيد الدراسة، ويرغب في دراسة مختلف النماذج النظرية من أجل تحقيق فهم علمي للعمليات الاقتصادية والمؤسسات والمحصلات.

 

حاتم حميد محسن

.........................

Philosophy of economics,

www- personal.umd.umich.edu

الهوامش

(1) العقلانية الاقتصادية Economic rationality هي مبدأ يرتكز على بديهية بأن الناس يتصرفون بطرق عقلانية ويتخذون قرارات وخيارات ضمن بناء منطقي من التفكير، وبالضد مما يستلزم من عناصر سايكولوجية وعاطفية وأخلاقية.المبدأ يفترض ان الناس يتصرفون بشكل معقول، وهذا يعني حساب السلبيات والايجابيات.

(2) توازن ناش Nash equilibrium : يعمل هذا التوازن ضمن نظرية المباراة، واُطلق عليه اسم ناش نسبة للرياضي جون فوردس ناش، وهو الطريقة الأكثر شيوعا لمعرفة الحل في مواقف عدم التعاون التي تستلزم لاعبين اثنين او اكثر. في توازن ناش كل لاعب يُفترض ان يعرف استراتيجيات التوازن للاّعبين الآخرين، وان أي لاعب لن يكسب أي شيء بتغيير ستراتيجيته الخاصة به فقط. مبدأ ناش يعود تاريخيا الى زمن جرى فيه تطبيق المبدأ على اختيار المخرجات لدى شركات متنافسة. لو ان لاعبين اثنين (زيد) و (عمر) يختاران الستراتيجيات (ك) و (ل). فان (ك و ل) هو توازن ناش عندما (زيد) ليست لديه ستراتيجية اخرى تعمل افضل من (ك) في تعظيم ارباحه استجابة لإختيار (عمر) للاستراتيجية (ل)، وان (عمر) ليست لديه ستراتيجية اخرى افضل من (ل) في تعظيم ارباحه استجابة لإختيار (زيد) للاستراتيجية (ك).

(3) المنافسة التامة او الخالصة Perfect competition وهي هيكل سوق نظري يتميز بالخصائص التالية: اولا، كل الشركات تبيع سلع متجانسة، ثانيا، كل الشركات لها سعر واحد، لا تستطيع اي شركة التأثير على سعر السوق. ثالثا، حصة كل شركة من السوق ليس لها تأثير على السوق. رابعا، المشترون لديهم معلومات تامة حول السلع المباعة والاسعار المستلمة من جانب اي شركة. خامسا، العمال يستطيعون الحركة التامة، سادسا، اي شركة تستطيع الدخول او الخروج من السوق بدون أي تكاليف.

(4) تكاليف الاجراءات transaction costs وهي نفقات يتم تحملها عند بيع او شراء السلع والخدمات. هذه التكاليف تمثل كلفة العمل المطلوب لجلب السلعة او الخدمة للسوق. انها تتضمن عمولة السماسرة في الأسواق المالية .

(5) تباين المعلومات Asymmetric information وتسمى ايضا فشل المعلومات. وتحدث عندما يمتلك احد اطراف الإجراء الاقتصادي معرفة اكثر من الطرف الآخر. حيث ان البائع للسلعة ستكون له ميزة على المشتري. مثال على ذلك عند بيع منزل خاص. صاحب المنزل يعرف كل عيوب وخصائص المنزل كأن تكون شقوق في السقف او ضوضاء الجيران او ان البيت يكون بارد جدا في الشتاء. هذه العيوب لا يعلم بها المشتري الا بعد الشراء وهو بهذا يكون دفع الكثير على المنزل.

 

 

علي رسول الربيعيراولز والديمقراطية

ما هي الديمقراطية الليبرالية؟ من المعروف أن هناك فكرتان منفصلتان لكنهما يرتبطان بمصطلح "الديمقراطية": أولاً، إجراءات تصويت بالأغلبية. والثانية حماية حقوق معينة للفرد.  ومن سيئ السمعة أيضًا الرأي القائل بأن هذه الأفكار في حالة توتر: إن منح الكثير من السلطة للأغلبية يمكن أن يؤدي إلى دولة قمعية يتم تجاهل حقوق الأقلية أو إبطالها فيها، بينما يؤدي منح الكثير من الحقوق المحمية دستوريًا إلى تقلص مجال صنع القرار الديمقراطي. التهديد الأول بالطبع هو استبداد الأغلبية. التهديد الثاني، المهم للغاية ولكنه أقل نقاشًا، يمكن أن نطلق عليه "إضعاف السياسي".

أعتبر فكرة الديمقراطية الليبرالية هي نظام يتم فيه تحقيق التوازن الصحيح بين حكم الأغلبية وحماية الأقلية. وهكذا يمكن للمرء أن يجد دستورًا، مكتوبًا أو غير مكتوب، جنبًا إلى جنب مع ازدهار النقاش واتخاذ القرار في المجالات الواسعة للسياسة التي لم يحددها الدستور. تصون الحقوق المحمية بموجب الدستور الحريات الأساسية للمواطن، لكن يمكن للمجتمع أن يتخذ قراراته الخاصة بشأن الأمور الأقل أهمية.

هل راولز ديمقراطي ليبرالي؟ لا يمكن لأحد أن يشك في التزامه بالليبرالية. كانت الرغبة في حماية الحقوق الفردية إحدى القوى الدافعة وراء نظرية العدالة. نلاحظ مثلا مطبعة جامعة هارفارد اختارت  في إعلانها المبكر للكتاب ما يمثل رسالة الكتاب من خلال الاستشهاد بعبارة: "في مجتمع عادل لاتخضع  الحقوق التي تضمنها العدالة للمساومة السياسية". يتم إعطاء هذه الحقوق من خلال مبدئي راولز للعدالة، مع التركيز بشكل خاص على الحريات الأساسية المنصوص عليها في المبدأ الأول.

وهكذا، فإن نصف فكرة الديمقراطية الليبرالية- الدستور الليبرالي- يظهر بقوة في نظرية العدالة. أين النصف الآخر؟ ألمح منتقدو راولز أحيانًا إلى أنه بالكاد يمكن العثور عليه،[1]  لذا سيعاني المجتمع الراولزي  مما أسميه إضعاف السياسي حقًا. وبالفعل، لا تظهر "الديمقراطية" و"التصويت" و"الأحزاب السياسية" في الفهرست. نعم هذا عيب في الفهرس أكثر منه في الكتاب إلأً أنً الإشارة المرجعية إلى "قاعدة الأغلبية" تحل المشكلة. عندما نفحص الأقسام ذات الصلة من الكتاب نجد راولز يدافع عن ديمقراطية دستورية تقليدية إلى حد ما حيث يصوت الأفراد لممثليهم في الدوائر الانتخابية المحلية. على الرغم من الإلمام بهذه الصورة، إلا أن هناك بعض التقلبات في الأمور ذات الاهتمام النظري والعملي الكبير.

يبدأ راولز بما يسميه مبدأ المشاركة المتساوية، فجميع المواطنين لهم حق متساو في المشاركة وتحديد نتائج العملية الدستورية التي تحدد القوانين التي يجب عليهم الامتثال لها.[2] يجب أن يتمتع "جميع البالغين العقلا، مع استثناءات معينة معترف بها بشكل عام" بالحق في التصويت في انتخابات نزيهة وحرة تُجرى بانتظام. [3] يجب أن يكون الناس أحرارًا في تشكيل أحزاب سياسية، وفكرة "المعارضة الموالية '' - حزب معارض لمن في السلطة، ومع ذلك التي تقبل وتحترم الدستور والعملية السياسية - أمر حيوي للسياسة المعقولة.

علاوة على ذلك، فإن الحق المتساوي في المشاركة يعني أن تصويت كل مواطن يجب أن يكون له وزن متساو، مما يستلزم بدوره أن حدود الدوائر الانتخابية يجب أن تظل قيد المراجعة باستمرار من قبل هيئة مستقلة.[4] بالإضافة إلى ذلك، يجب أن يتمتع الجميع بفرص متساوية "على الأقل بالمعنى الرسمي" لتولي المناصب العامة.

هناك ثلاث نقاط على وجه الخصوص يتعمق فيها راولز، أود أن ألفت الانتباه إليها: القيمة العادلة للحريات السياسية؛ التصويت والمحفزات. والتبريرات الجوهرية مقابل المبررات الآلية للديمقراطية.

القيمة العادلة للحريات السياسية

تأخذ فكرة القيمة العادلة للحريات السياسية النقطة التي مفادها أن الجميع يجب أن يتمتعوا بفرص متساوية "على الأقل بالمعنى الشكلي" لتولي الوظائف أو المناصب العامة. يبدو أن عبارة "المعنى الشكلي" لا تشير إلى أكثر من أن كل شخص يجب أن يكون له الحق في الترشح لمنصب، أو على الأقل جميع من هم في سن الرشد. أنه لمن الصحيح أن راولز يعتقد أنه يجب أن يتمتع الجميع بمثل هذه الحقوق. لكنه لا يتوقف عند هذا الحد. إنه قلق بحق من أن التفاوتات في الثروة ستؤدي، من الناحية العملية، إلى عدم المساواة في الوصول إلى السلطة السياسية.[5]

نرى هذه الظاهرة بعدة طرق في السياسة  في هذا العصر. أن تطلب الأحزاب السياسية مساهمات من رجال الأعمال، والشركات، ومن الأفراد الأثرياء، وعليه من المعقول الاعتقاد بأن الأطراف التي تستفيد بهذه الطريقة ستتعامل مع مصالح مانحيها الرئيسيين بثقل أكبر في صياغة السياسة. وبالتالي، يمكن ان يكون للثروة الأكبر تأثير سياسي أكبر من أجل المنفعة الشخصية. وأكثر من ذلك، يمكن للأفراد الأثرياء الترشح لمنصب، وغالبًا ما يكون لديهم فرص أكبر للنجاح، في الظروف يجد فيها من هم أقل ثراء وضعهم ميؤوسًا منه. يمكن للأثرياء أن ينفقوا أموالهم على الانتخابات، أو يشجعوا الأصدقاء والأقارب الأثرياء على دعمهم، مما  قد لا يكون للفقراء فرصة للمنافسة. وهناك العديد من الأسباب التي تجعل هذا الموقف يبدو غير مرغوب فيه. كما رآى جون ستيوارت ميل، كيف يمكننا الوثوق في أي شخص مستعد لإنفاق أمواله على الانتخاب؟ من المؤكد أنهم سيبحثون عن بعض العائد على استثماراتهم؟[6]

لذلك قيل: نظرًا لأن راولز يعطي أولوية عالية للمساواة في الحريات الأساسية، بما في ذلك الحق في الترشح لمنصب سياسي، وهو يدرك أن عدم المساواة في الثروة يمكن أن يؤدي إلى عدم المساواة في الحق في المشاركة السياسية، فهو مجبر منطقيًا  حظر التفاوتات الاقتصادية. أي أنه يجب ألا يسمح بوجود فروق في الدخل والثروة في مجتمعه.[7] هذه طريقة جذرية ودرامية لضمان أن الحريات السياسية لها نفس القيمة للجميع. لن تكون هناك تفاوتات في الثروة لترجمتها إلى عدم مساواة في السلطة السياسية. وهكذا لدينا، في الواقع، حجة من الديمقراطية إلى المساواة في الدخل والثروة.

لكن لم يتأثر راولز بهذه الحجة، وظل يرغب في التعامل مع مشكلة تأثير تفاوت الثروة على السياسية بطريقة أخرى. بعد كل شيء، يمكن أن يكون عدم المساواة في الثروة مفيدًا اقتصاديًا للجميع، بما في ذلك الأسوأ حالًا. فقد يؤدي السماح بعدم المساواة إلى إنشاء نظام من الحوافز من شأنه أن يؤدي إلى المزيد من النشاط الاقتصادي والازدهار العام مقارنة بنظام المساواة المستقيمة. هذه هي نقطة مبدأ الاختلاف، الذي ينص على أن عدم المساواة مسموح بها إذا كانت تجعل حتى الأسوأ حالًا أفضل مما سيكون عليه بدونها. إذا كان صحيحًا أن التفاوتات يمكن أن تعود بالفائدة على الجميع، فسيكون من المؤسف أن نفقد فوائد عدم المساواة من أجل المساواة في الحق في المشاركة السياسية إذا أمكن إيجاد طريقة أخرى للقيام بذلك. يعتقد رولز أن البديل متاح: لا تسمح للناس بتحويل الميزة الاقتصادية إلى ميزة سياسية.

لا تكمن المشكلة، كما يراها راولز، في أن الناس لديهم مبالغ مختلفة من المال، ولكن في قدرتهم على إنفاق الأموال لمساعدة حزب أو شخص معين أو حتى انتخاب أنفسهم. هذا هو الاحتمال الذي يجب استبعاده. لذا يقدم راولز ما يعتبر اقتراحًا جذريًا: يجب ألا يكون الناس قادرين على إنفاق الأموال في محاولة للتأثيرعلى العملية الانتخابية. وعليه، ينبغي تمويل الأحزاب السياسية من عائدات الضرائب.17[8]  لا بد من وضع تفاصيل مثل هذا المخطط بطريقة عادلة وعملية، وهناك العديد من الاحتمالات، ولكن النقطة الأساسية هي أنه إذا كان الناس لا يستطيعون إنفاق الأموال في الانتخابات، فإن التفاوتات في الدخل والثروة يسمح بها الاختلاف. يتضح أن المبدأ متوافق مع حق متساوٍ في المشاركة السياسية. لا يقول راولز إنه يريد الذهاب إلى أبعد من جون ستيوارت ميل الذي أقترح يجب أن لايكون أعضاء البرلمان مدفوعي الأجر (لمنع مثل هذه الوظائف من أن تكون هدفًا لرغبة المغامرين من الطبقة الدنيا ميل،[9]أنه موقف هو   لا ينبغي أن يحصل أعضاء البرلمان على رواتب جيدة بشكل خاص: ولا ينبغي لأحد أن يرغب في أن يصبح عضوًا في البرلمان من أجل المال.

التصويت والمحفزات

إذا كانت لدينا ديمقراطية تمثيلية، كما يدعو راولز، فسيكون هناك نوعان من التصويت داخل النظام. أولاً، يصوت المواطنون العاديون لأعضاء يمثلونهم في المجلس النيابي، وثانيًا، يصوت هؤلاء النواب على سن القوانين. ولكن على أي أساس يصوت  المواطنون والممثلون بطريقة دون أخرى؟

قد تبدو نقطة أو حتى معنى هذا السؤال غير واضحة إلى حد ما، وقد يكون من الأفضل تناولها من خلال النقد الممكن  لتصويت الأغلبية الذي يحاول راولز نزع فتيله. النقد هو أن قد يكون قبول رأي الأغلبية غير عادل، لأن أفراد الأقلية قد يفضلون خيارهم الأول، في حين أن أعضاء الأغلبية قد يكون لديهم تفضيل ضعيف نسبيًا. ومن ثم، فإن التصويت بالأغلبية لا يأخذ في الاعتبار كثافة التفضيلات. يبدو رد راولز رافضًا  ذلك إلى حد ما. يقول إن الاعتراض يفترض أن التصويت يتعلق بإرضاء التفضيلات (أن النتيجة الصحيحة هي التي ترضي معظم التفضيلات)، لكن هذا الافتراض خاطئ. فما يسعى إليه هو تشريعات عادلة وفعالة. والتفضيلات الفردية- وبالتالي نقاط القوة في التفضيلات الفردية- ليست ذات صلة.[10]

قد يبدو هذا متسلطًا إلى حد ما. بعد كل شيء، إذا كانت التفضيلات غير ذات صلة  فلماذا نهتم بالتصويت في المقام الأول؟ لكن يوجد وراء هذه النقطة تمييز ذو أهمية أساسية للنظرية الديمقراطية. هناك عدد من الطرق المختلفة التي يمكننا من خلالها تصور إجراء تصويت. أبسطها هي فكرة أن التصويت الديمقراطي يخبرنا ببساطة بما تفضله الأغلبية. يعبر الناس عن تفضيلاتهم، وعند عد الأصوات نحسب ببساطة أين يكمن تفضيل الأغلبية. إذا كانت هذه هي الطريقة الصحيحة للتفكير في اتخاذ القرارات ذات الأغلبية، فإن مشكلة "التفضيلات القوية الممفروضة" ستكون بالتأكيد مصدر قلق. قد يكون للأقلية معًا تفضيل أقوى من الأغلبية المعارضة. ومع ذلك، فهذه ليست الطريقة التي يفكر بها راولز في الديمقراطية. الرأي الثاني هو أن الناس لا يصوتون لتفضيلهم الخاص، ولكن لما يعتقدون أنه صحيح. كان يعتقد جون ستيوارت ميل، على سبيل المثال، أن هذا هو النهج الصحيح، بحجة أن تصويت المواطن ليس شيئًا يملك فيه خيارًا؛ لا يتعلق الأمر برغباته الشخصية، انه  في موقف ليس أكثر من حكم المحلفين في المحاكم. إنها مسألة واجب بحت؛ وهو ملزم بإعطائها وفقًا لأفضل آراءه وأكثرها التزاما بحكم الضمير في الصالح العام. ''[11] (20) وبالتالي، يجب على الناخبين التصويت لما يعتقدون أنه النتيجة الصحيحة. بناءً على هذا الرأي، يكشف التصويت عن رأي الأغلبية حول ما هو صواب. لماذا نولي اهتماما خاصا للأغلبية في هذه النقطة؟ سنعود إلى هذا السؤال لاحقا.

فهل يعتقد راولز أن الناس يجب أن يصوتوا لما يعتقدون أنه صواب؟ نعم ولا. علينا أن نقوم بتمييز إضافي قبل أن  نقدم إجابة مناسبة. إن إحدى السمات الرئيسة للديمقراطيات الحديثة، ولا سيما الديمقراطيات الغربية،بالنسبة إلى راولز، هي التعددية غير القابلة للاختزال بين مفاهيم الخير أو القيم. يأتي الأشخاص داخل مجتمع واحد من ديانات مختلفة، وثقافات وخلفيات مختلفة، وقيم مختلفة، وقد يتحدثون بلغات مختلفة. لكن لا يعني هذا أننا مضطرون إلى الخلاف المستمر، لأن الدولة الليبرالية، وفقًا لرولز، تسعى جاهدة إلى أن تكون محايدة بين المفاهيم المتنافسة للخير. يوفر مبدآ العدالة إطارًا لمثل هذه الدولة المحايدة. وبالتالي، يدعي في كتاب "الليبرالية السياسية"،[12] أنه من الممكن صياغة "إجماع متداخل" بين الأشخاص العقلاء لقبول هذين المبدأين..

ومع ذلك، سيُسأل، ماذا يعني القول بأن الناس عقلاء؟ من هم هؤلاء الناس العقلاء؟ إن أهم ميزة للأشخاص العقلاء هي قبولهم لما يسميه راولز "أعباء الحكم". هذه هي الفكرة القائلة بأن العقلاء يدركون أن هناك مجالات من الحياة لا يكفي فيها العقل وحده لتحديد وجهة النظر التي يجب تفضيلها. يقبل الأشخاص العقلاء الذين يقبلون أعباء الحكم أيضًا أنه من الخطأ استخدام سلطة الدولة لإكراه الناس على الامتثال لوجهة نظر لا يمكن إثبات صحتها. لتوضيح ذلك، حتى لو كنت مقتنعًا تمامًا بحقيقة دين معين، يجب، إذا قبلت أعباء الحكم، أن تقبل أن الأشخاص المتعلمين، العقلاء، الأذكياء، الناضجين يمكنهم تبني وجهات نظر أخرى بعقلانية. ومن ثم، إذا كنت عقلانيًا يجب أن تقبل أنه سيكون من الخطأ بالنسبة لك استخدام سلطة الدولة لفرض وجهة نظرك على الآخرين.

لذا لنعد إلى السؤال أعلاه:  عما إذا كان يعتقد راولز أنه يجب على الناس التصويت على أساس ما يعتقدون أنه صحيح. جزء من إجابته هو أنه لا ينبغي لهم التصويت على أساس أخلاقهم الخاصة. حتى إذا كانت الأغلبية مقتنعة تمامًا بحقيقة دين  معين، على سبيل المثال، فسيكون من الخطأ مع ذلك أن يصوت أي شخص لمنح هذا الدين امتيازات الدولة، أو أن تميز الدولة ضد الأديان الأخرى. إن أعباء الحكم عالية جدًا: لا يمكن إثبات أن هذا الدين صحيح، وبالتالي سيكون من الخطأ جعله دينًا تديره الدولة. وفقًا لذلك، يريد راولز منا التصويت وفقًا لأفكارنا حول ما يمكن تبريره لمواطنينا، بغض النظر عن مضامين معتقداتهم الأخلاقية الخاصة أو مفاهيمهم عن الخير. وبالتالي، يجب أن نصوت كمواطنين متساوين، في محاولة لإيجاد سياسات يمكن تبريرها للجميع، وليس كعلماء دين أو أخلاقيين، مقتنعين بأننا نعرف الحقيقة.[13]

لكن بالعودة إلى سؤال آخر: إذا لم نكن مهتمين بتفضيلات الناخب الفردية، أو حتى القيم الفردية للناخب، فلماذا نتجشم عناء سؤال الناخب عن وجهة نظره؟ إذا أردنا مجرد تشريع فعال، ألا يجب أن نسأل الفلاسفة وعلماء الاجتماع، ونتجاهل آراء الأغلبية؟ إن هذا التساؤل هو الذي يؤدي إلى الادعاء بأن المنطق الواضح لنظام راولز يضعف السياسة: أن المبادئ النهائية للمجتمع العادل يتم وضعها من خلال ما يمسيه الموقع الأصلي وليس هناك شيء متبقي للناخبين ليفعلوه. سؤالنا الآن هو لماذا يرفض رولز اتباع هذا المنطق الواضح.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

......................................

[1] أنظر على سبيل المثال:

Benjamin Barber, The Conquest of Politics: Liberal Philosophy in Democratic Times (Princeton, NJ, Princeton University Press, 1988).

[2] Rawls, A Theory of Justice, p. 221.

[3] Rawls, A Theory of Justice, p. 222.

[4] Rawls, A Theory of Justice, p. 223.

[5] Rawls, A Theory of Justice, p. 225.

[6] J.  S. Mill, 'Considerations on representative government', in H. B.  Acton (ed.), Utilitarianism, Liberty, Representative Government: Selections from Auguste Comte and Positivism (London, Dent, 1972), p. 310.

[7] Norman Daniels, 'Equal liberty and unequal worth of liberty', in his Reading Rawls.

[8] Rawls, A Theory ofJustice, p. 226.

[9] Mill, 'Considerations on representative government', p. 311.

[10] Rawls, A Theory of Justice, p. 230

[11] Mill, 'Considerations on representative government', p. 299.

[12] Rawls, Political Liberalism (New York, Columbia University Press, 1993).

[13] Rawls, Political Liberalism, p. 219.

 

 

سامي عبد العالعَبْر جوانب الثقافة الإنسانية، يستحضر الصوتُ فضاء اللغة دون إبطاءٍ، اللغة ضرب من العالم الظاهر- الخفي المؤكِّد لوجودنا المشترك. واللغة هي التي تقول للصوت (كما يقُول لها بالوقت عينه): ليس من مجالٍّ خارج هذا التأثير المتبادل. فالإنسان قد يَعي وجوده وقضاياه الحياتية، ولكنه ربما ينسى أنَّ هناك وسيطاً يحددُ: ما معنى أنْ يعي؟ وكيف سيعي؟ وإلى أين هو ذاهب ذلك الوعي؟ ومن ثمَّ يتخفى الصوتُ لدرجة التلاشي مستعيناً بقوة اللغة على ايجاد سلطته القُصوى. وهو كصوتٍ لن يجدها سلطةً بعيدةً عنه إلاَّ إلى درجةِ التلاحم بمعانيه وتأويلاته لكيفية الفعل والتفكير.

ينطوي كلُّ صوتٍ مقدَّس على أمرٍ لا يخلو من إلزامٍ ما. بدليل أنَّ عملية الإسماع (أي إبلاغ الصوت إلى الأذن) تمثل هدفاً للصوت في ذاته، فليس يوجد الصوتُ الذي لا يُسمع إطلاقاً. لأنه في هذا الحال (لو كان غير مسموع) سيفقد وجوده من حيث المبدأ. وسيكون عُرضَّة للضياع، بينما يؤكد التاريخ: أنَّ أصوات المقدس (بأشكالها الدينية والسياسية والاجتماعية) لا تذهبُ هباءً دون عودةٍ. فمن طبيعة تكوينها: أنَّها تعبر عن شيء باقٍ وخارج السيطرة. هي إملاءٌ لا يبلغه الإنسان عرضاً، إنما عليه الانصات والتوقف والتحين إلى ما ستقول.

والحقيقة أنَّ كل (بديلalternative) لصوت مقدسٍ سيجدُ المعنى محفُوراً بهذه الفاعلية. وعليه أنْ يسير عبر هذا (الجرْف) بين البدائل كأنَّه يسير خلاله لأول مرة. لأنَّ الصدى الحاصل سيجدد له الحالة التي خاضها الصوت الأصلي. وبهذا التكون، فإنَّ الثقافة كلها عبارة عن أصواتٍ مقدسة وشبه مقدسة تتحاور وتتجادل وتتصارع وتتحارب بالتأكيد. هي عملية (الاحلال والتبديل) التي تحدثت عنها في نقطة سالفةٍ. وهي الآلية التي تتم بإمكانيات اللغة، فقد يحرص (المتسلطون والمستبدون والأيديولوجيون..) على إطلاق الأصوات بعد الأصوات قيد الهواء، جرياً على أنْ يشعر المتلقي (المستمع) بقوة الإلزام الذي يسكنها. إنَّ الصدى هو التواتر الضمني الذي يؤكد سلطة المعنى إزاء قوة الإحتمال المفترضِ. ولذلك ستكون الثقافات الشفاهية ترديدُ لأصوات مكرورة من فمٍ إلى فم ٍآخر ومن أذنٍ إلى غيرها ومن جيل إلى جيل. الترديد الذي سيُكِّون في النهاية (فيزياء الصوت)، حيث لا تخلو من قوانين الجاذبية الشديدة، إنْ لم تكن المستحيلة!!

اجترح القرآن معنى مختلفاً لم يكن معهوداً على الأذن العربية .. وإنْ كانت تمارسة دون وعي. يقول القرآن: " ..أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِين". (البقرة 19) إنَّ دقة المعنى من خلال المجاز المرسل في الآية هو إبراز مبالغة غير المؤمنين في نفورهم من سماع (صوت القرآن)، فكأنهم وضعوا (الأصابع كلها) داخل الآذان مبالغةً في كراهية السماع. مبالغة تكشف عما في نفوس هؤلاء القوم من نفور لفكرة السماع.. من أجل ذلك عدل النص القرآني عن كلمة (الأنامل - أطراف الأصابع - التي هي المناسبة لحجب الصوت) واستعمل كلمة (أصابع التي هي غير مناسبةٍ) اثباتاً لصورة المبالغة التي انهمك فيها المعرضون.

لكن الحقيقة الثقافية أنَّ الصوت سلطة لا قبل للمتلقي أنْ ينتظم وجودها، هؤلاء المعاندون للقرآن يدركون جيداً فحوى أن يكون هناك امتثال للصوت المختلف. لأنهم عارفون ومتدربون بالثقافة الجارية على خطورة الشفاهية في تشكيل الأفعال والوعي. فالخوف كل الخوف كان من الصوت القرآني بتلك الحمولات المقدَّسة التي ستقارع التاريخ، أو بالأحرى سيفتتح الصوت الجديد (القرآن) تاريخاً مختلفاً لعملية الإسماع وتكون المجتمع والفكر. بينما هم سائرون على درب الصوت الذي يعهدوه في حياتهم. ورغم كون القرآن لا يذكر لفظة الصوت مباشرة، لكنها كلمة تمثل الفضاء الذي يربط المعاني الواردة في الآية. وليس هذا فقط، بل يوضح القرآن خطورة الصوت كتكوين وجودي ثقافي معاً. يقول القرآن عن هكذا معنى في سياق آخر: " إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا " (المزمل 5). والثقل أيضاً يؤكدُ على المجاز التاريخي لحياة الصوت الجديد (القرآن)، وماذا يفترض من المستمعين له في حياتهم، ذلك بالنسبة لآذان اعتادت الخضوع لصوت تقليدي (صوت الآباء).

كانت أصوات الآباء بالنسبة للبيئة الثقافية العربية التي نزل فيها القرآن هي أصوات لا يجدون حلّاً منها. ولاسيما أن الأبوة في الثقافات الشفاهية صوت رمزي غالب يجلب كافة الإكراهات التي يخضع لها الإنسان. وبحجم هذه الأبوة الصوتية كان القرآن نفسه يجد صعوبة بالغة في زحزحتها.." بل قالو إنا وجدنا آباءنا على أمّة وإنا على آثارهم مهتدون" (الزخرف 22). والمقصود هنا زحزحة الصوت في حياة تلك الذهنيات الأبوبة وكان الإقرار مسبوقاً بفكرة ارسال النذير كما أورد القرآن في مقدمة الأية الآخيرة. والنذير هو الصوت المختلف الذي يحاور صوتاً راسخاً رسوخ الترديد والتكرار، ولهذا كانت الإجابة بفعل القول (قالوا إنا..)، بمثابة هذه الإذن الضخمة بمقدار ضخامة الصوت.

1- يكشف القرآن معالم الصوت في الجانبين (صوت الوحي وصوت الآباء) ارتباطاً بمعالم الثقافة الشفاهية السائدة. ويوضح أنَّ الصوت يتماهى مع تكوينها، لدرجة أنَّ تغييراً لهذا التعاضد أمرٌ شديد الصعوبة والبأس.

2- استطاعت الثقافة الشفاهية أنْ تجعل من (تجربة القرآن) مع الآذن العربية مجالاً لممارسة البدائل (أي سرقة هذا الصوت المقدس باسم القبيلة والعشيرة والسياسة والدولة والأفراد والجماعات والتنظيمات). وهذا نوع من التلاعب التاريخي بجوهر كلِّ جديدٍ بإختلاف مشاربه ناهيك عن كونه تلاعباً بالصوت الأول المؤسّس للوعي في الإسلام.

3- تعدُّ (ذهنية الصوت) مكونةً بدرجة من التعقيد والتركيب الثقافي لحد أنَّها تتوجس من سلطة الصوت المقدس، ولذلك هي تلوي وجوده وتغتصبه بالمنطق ذاته. أي تجعل من صوتها الأدنى مقدساً رافعة إياه إلى أعلى درجة عوضاً عن الانصياع للمقدس الأصلي.

4- هناك جانب معكوس في قضية الصوت اتاحها القرآن كوحي، حيث قام الوحي بتعرية هذا التاريخ وتعرية البدائل المنحرفة ضمن تلك الفجوة التي كان يملأها الصوت كما سنوضح.

فالتعامل مع صوت القرآن كان في تاريخ المسلمين في غير موضعه تماماً، لأن الأنظمة السياسية والعائلات الحاكمة والأنظمة الاجتماعية كانت تستولى على هذا الصوت وتجعله صوتها الأثير استثماراً لتجربة الوحي وقدرته على إبراز تاريخ الصوت بكل قداسته التي تفوق قدرات البشر والحياة الإنسانية. استثمار يضخُ في الصوت نبرات الهيمنة والتحكم في البشر.

الوحي- الصوت النموذج

في الثقافة العربية الإسلامية، رسَّخ وكشف مفهوم الوحي نموذجاً صوتياً فكرياً بعينه. حتى كانت التجربة الأصلية (الخاصة به وبالنموذج الساري المترتب عليه حتى الآن) فوق مستوى الحس البشري. ولم تتلاش آثارها بسهولة كما حدث مع تجارب أدبية ابداعية خطَّها (على سبيل المثال) الجاحظ وأبو العلاء المعري وابن المقفع وبعض أقطاب التصوف والحياة الروحية. هؤلاء تمَّ إهمال نصوصهم نتيجة (ما قالوه هنا أو هناك) بشأن قضايا الاعتقاد والدين والزهد والدنيا والسلطة. إن (تجربة الوحي) في غير (سياقها القرآني) قد وضعت جميع محتويات اللغة العربية داخل سلة التعبير المباشر عن الفكر. كأن المعنى الساري والمتعالي والفائق للوصف هو الأساس الذي يطبع الفكر وليس اللفظ. وهذا أمر لا غبار عليه بالنسبة للنص القرآني كموضوع للوحي وتجربته الخالصة والأصلية في حياة المسلمين.

ولكن في باقي المجالات الثقافية، توجد هناك محاذير حدية إزاء تلك المسألة اللغوية، ولاسيما في المعرفة والفكر والسياسة والتاريخ. أقرب النتائج الخطيرة على ذلك: هو مصادرة (القراءات المبتكرة) لأي موضوع فكري وثقافي مهما يكُّن واضح التشوِّه. وكذلك التحام النصوص بالمقدسات على أنها الخميرة الإلهية المنتشرة في (كافة الدقيق البشري). فجاءت الألفاظ المعبرة عن التقديس، التأليه، التبجيل، بمثابة الخلفية المؤسسة لمفاهيم اللغة العربية. كلُّ اللغة العربية هي عبارة عن خريطة مضمخةٍ بالمقدس والجليل والتفخيم حتى درجة الاشباع الكامل. والدليل على هذا شيوع تلك الألفاظ والعبارات المُراقة مجاناً للأشخاص بمهابة التقديس والمرسومة في بداية النصوص والمصنفات ومقدمات الرسائل الأدبية والدينية ومفتتح الخطابات العامة (شيخ الإسلام فلان، وحجة الإسلام فلان، العالم الرباني علان، بديع الزمان وعلامة الدهر ترتان .. وهكذا).

وهناك انتشار لألفاظ أخرى تتعلق بالحمد للخالق (الواجد والماجد) وصولاً إلى الثناء على الحكام والأسلاف والأولياء (أي الخلط بين التوحيد والوثنية مرةً أخرى). حتى وإنْ كان الموضوع المتحدث عنه علمياً صرفاً كموضوعات الطب والهندسة وكتب الأعشاب النباتية والجغرافيا والهندسة مثلما هي واسعة الاستعمال في نصوص التراث المعرفي والفكري العربي. وهذا يفترض الوقوف عند الحدود القصوى لنهايات التفكير للإمساك بكيفية نفاذ المعاني هنا أو هناك.

ولِمَ نذهب بعيداً على نحو مجرد، ففي مقدمة كتابه " فقه اللغة وسر العربية " .. يقول أبو منصور الثعالبي الملقب بإمام اللغة: " من أحب الله تعالى أحب رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، ومن أحبَّ الرسول العربي أحبَّ العرب، ومن أحبَّ العرب أحبَّ العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب، ومن أحبَّ العربية عُنيَ بها، وثابر عليها، وصرف همَّته إليها، ومن هداه الله للإسلام وشرح صدره للإيمان وآتاه حسن سريرة فيه، اعتقد أن محمداً صلى الله عليه وسلم خير الرسل، والإسلام خير الملل، والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات والألسنة، والإقبال على تفهمها من الديانة، إذ هي أداة العلم ومفتاح التفقُه في الدين وسبب إصلاح المعاش والمعاد، ثم هي لإحراز الفضائل، والاحتواء على المروءة وسائر أنواع المناقب، كالينبوع للماء والزند للنار. ولو لم يكن في الإحاطة بخصائصها والوقوف على مجاريها ومصارفها والتبحر في جلائها ودقائقها، إلاَّ قوة اليقين في معرفة إعجاز القرآن، وزيادة البصيرة في إثبات النبوة، للذي هو عمدة الإيمان، لكفى بهما فضلا يَحْسُنُ فيهما أثره، ويطيب في الدارين ثمره، فكيف وأيسر ما خصَّها الله عزَّ وجلَّ به من ضروب الممادح يُكِلُّ أقلام الكتبة ويتعب أنامل الحَسبّة .. " (الإمام أبو منصور الثعالبي، كتاب فقه اللغة واسرار العربية، المطبعة الأدبية بسوق الخضار، القاهرة – مصر، الطبعة الأولى 1317، ص ص 2- 3.).

أولاً: يتحدث الثعالبي (كما لا يُفترض أنْ يفعل في هكذا سياق!!) بمنطق الفقهاء عن اللغة. ومماثلة كتابه على نحوٍ معلن بالفقه لا يختلف عما ينذره رجال الدين من نصوص لخدمة أهدافهم وأهداف السلطة. ونحن نعرف أنَّ متن الفقه الاسلامي ليس خالصاً خلوص القرآن مثلاً، لكنه معجون تاريخياً بنوازع المذاهب والصراعات بين الطوائف تحت أعين السلطة السياسة التي لا تنام. والثعالبي هنا يتحدث عن اللغة التي هي نتاج ثقافي تاريخي بالدرجة الأولى. فاللغة هي اللغة المتغيرة والقابلة للتطور أو للركود (أو هكذا يفترض أن تكون)، وقد لا تعبأ اللغة العربية تاريخياً بالقداسة، لكونِّها محتملة التداول والتطور. حتى وإنْ كانت هذه اللغة مقدسةَ الأصل (على حدِ الاعتبار المشار إليه)، فإنَّها ستقطع الحبل السري بالمصدر، نتيجة الانحرافات الثقافية عن الأصول والنماذح العامة.

ثانياً: لم يبدأ الثعالبي بنظام اللغة كما فعل عبد القاهر الجرجاني مثلاً. لكنه وضعها على طريق صوت المقدس الموروث وبدائله مباشرةً. فالحب لدى الثعالبي كما أشارَ هو المؤدي إليه (على غرار قول بشار بن بُرد)، ومن ثمَّ سيؤدي إليها كذلك في نهاية المطافِ. والحب هو الرابط بين الله واللغة مُروراً بالرسول والرسالة والناس. والأسئلة الواردة منطقياً هنا والتي كان يجب طرحها: هل غير المسلمين في المجتمعات الاسلامية لا علاقة لهم باللغة العربية ولا بأسرارها؟! هل لا يتقنونها كتابة وتواصلاً وابداعاً؟ هل لم يسهموا فيها ولو بشيء قليل؟ فالغريب أنَّ الثقافة العربية الاسلامية قد أدلى فيها بشكل لافت وثري منْ لم يؤمن بالإسلام أصلاً كالمسيحيين واليهود وأصحاب الديانات الأرضية واللادينيين. وهذا ما حدث بصدد دارسي العربية الحديثة والمعاصرة (أحمد فارس الشدياق الذي كان مسيحياً قبل اسلامه، بطرس البستاني، أنستاس الكرملي، ناصيف اليازجي، ابراهيم اليازجي، سعيد الخوري الشرتوني، جبور عبد النور، جبران مسعود ..). إذن بدا كلام الثعالبي منذ عصره عنيفاً وقائماً على تصنيف البشر باعتبارهم مغايرين في الديانة إلى أبعد درجةٍ ومن ثم فهم من وجهة نظره واقعون، بل مطرودون خارج اللغة العربية.

ثالثاً: اللغة العربية بقول الثعالبي تمثل ظاهرة هامشية على جسم المقدس الشفاهي. هي كانت مجرد زائدة ثقافية تخرج عن الحاجة في هكذا حال. وكون أنظمة اللغة مرتبطة بكلمة فقه، فهي لا تختلف عما يعتري المقدس من أعراض جانبية لنسغ أساسي يمتد نحو المرجعية التاريخية الثابتة. وعلى التوالي ستكون سلسلة هذه المرجعية هكذا: الله – الوحي- الرسول- القرآن العربي- العرب- اللغة العربية من أعلى ألى أسفل والعكس. وكأنَّ اللغة العربية كظاهرة إنسانية لدينا نحن البشر تعدُّ (ظاهرة توقيفيةً) بالتراتب الديني الثقافي التاريخي.

رابعاً: اللغة العربية في كتاب الثعالبي معبرة كذلك عن تراتب- لاهوتي عرقي. حيث أنَّ إيمان المسلمين بالله أعلى من جميع الأشكال الأخرى من التأله لدى أي أناس آخرين. وهكذا سيكون (كتاب القرآن) أفضل من كل الكتب السماوية، وهذا شيء تلقائي داخل الإسلام. وبالتالي فأمة العرب هي أفضل من جميع الأمم الأخرى وأعلى كعباً وسبقاً من كل الشعوب. وأنهم الأمة المختارة من قبل الله (ولتكن خير أمة أخرجت للناس). وإذا كان القرآن عربياً كما يوصف نفسه(إنا انزلناه قرآنا عربياً)، فالعربية (الحرف والجينات والمعجم والعرق والأصوات) خارج المقارنة مع اللغات الأخرى. إنها عندئذ حروف تساوي وتترجم، بل تختلط بالجينات الحية للعرب. أي أن هندسة اللغة العربية هي الهندسة الجينية للعرب أنفسهم لا غير.

خامساً: يتحدث الثعالبي عن اللغة بنبرة أخلاقية دارجة بحسب شيوع سلطة الثقافة. فاللغة العربية (من وجهة نظره) خير اللغات.. هكذا مرةً واحدة. واللسان العربي نطقاً هو أفضل الألسن على الإطلاق. وتلك النبرة ليس لها علاقة من قريب أو من بعيد باللغة كنظام للدلالة والمعنى. في حين أن الأهم : هل هي لغة قد استوعبت التجارب الإنسانية بشكل دال أم لا ؟ كيف أحدثت تطوراً في التفكير والثقافة والمعارف ؟ وهل اللغة قادرة على مواكبة التغيرات الجارية أم غير ذلك؟ .. فتلك أسئلة لم يتطرق إليها الثعالبي إلاَّ شذراً. حاملاً إياها على الامتياز التاريخي للغةٍ لا تأخذ مكانتها إلاّ بحسب معايير مغايرة تماماً.

سادساً: اعتبر الثعالب اللغة العربية خادمةً للدين حصراً. لأنَّها اللغة الأقرب للإيمان وزيادة اليقين بالإسلام وهي المؤيدة منه وبه. والمدهش في هذا الكلام هو تحويل اللغة من دلالات حرة إلى نوع من الأيديولوجيا القُح. وبالتالي تصبح اللغة العربية سوقاً عاماً لأغراض وبدائل المقدس السائد في كل عصر بجميع أنماطه. وهذا الأمر هو الواقف وراء جعل اللغة العربية لاهوتاً معجمياً ويصعب عليها أنْ تتطور مع الاتجاهات اللغوية المعاصرة. لا لشيءٍ إلاّ لأنها تحتفظ بقداسة (هي المناعة الذاتية) ضد تحولات المعرفة وتطوراتها.

أي لقد أصبح صراع المقدس داخل فضاء اللغة العربية مع كل النقائض التي يخشاها أصحابه. يوضح ابن تيمية جذر المسألة وهو العارف الخبير بأدلجة السلف وأفكارهم: " ما زال السلف يكرهون تغييرَ شعائرِ العربِ حتى في المعاملات، وهو التكلُّم بغير العربية إلاّ لحاجة، كما نصَّ على ذلك مالك والشافعي وأحمد، بل قال مالك: مَنْ تكلّم في مسجدنا بغير العربية أُخرِجَ منه. مع أنّ سائر الألسن يجوز النطق بها لأصحابها، ولكن سوغوها للحاجة، وكرهوها لغير الحاجة، ولحفظ شعائر الإسلام".

إذن ليست اللغة لغةً في نهاية الأمر بل أداة حافظة، ناقلة خارج التاريخ مهما يكن. وأن طريقاً لاعتبار الدين متفرداً في نفسه إنما أن تغدو اللغة قوالب مصُوغة سلفاً قبل خلفٍ. وأن هؤلاء المؤيدين لشعائر العرب وحيواتهم هم أنفسهم المؤيدون للتصديق على شعائر الدين. وكأن مسألة المطابقة (هوياً وأصولياً وعقائدياً) بين جوهر الدين وأصل اللغة مسألة اعتقاد صارم. وينبغي علينا في عملية التعبير تتبع هذه الآثار غير اللغوية حتى نفهم أهميتها. يحدد ابن تيميه أيضاً بعين الأيديولوجي: "... وليس أثر اعتياد اللغة الفصحى مقصوراً على اللسان، بل يتعمق حتى يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرا قويّاً بيِّناً، ويؤثر أيضاً في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق ". وابن تيمية بالتأكيد لا يقصد اللغة لذاتها إنما يخاطب الهوية العميقة من خلال الوحدة الأولى بين اللفظ وصوت المقدس.

إنه التصور اللاهوتي للغة السائر في تضاعيف التاريخ العربي. فلن تكون اللغةُ ظاهرة مستقلةً بحال. دوماً ترتهن هذه اللغة ببداية مطلقة، نقطة لا سابق إنذار لها بتاتاً. فهي لغة السماء المطلقة وأيضاً لغة الامتياز الحضوري للمعاني الإلهة وهي لغة أهل الآخرة. ولهذا يراها الفارابي (بتعميد فلسفي لاهوتي) لغة الآخرة: بأنَّها من كلام أهل الجنّة، و لسانها هو المُنزّه بين الألسنة من كل نقيصة، والمُعلّى من كل خسيسةٍ، ولسان العرب أوسط الألسنة مذهباً وأكثرها ألفاظاً.

هكذا يربط الفارابي اللغة بغاية أخروية لا تنفك عنها رغم أنه فيلسوف والجانب العقلاني فيه أكثر من الجانب الديني أو على الأقل ينظر إليه برؤية منفتحة. وكأنه يقول إنَّ الامتياز العرقي الذي يميز العربية سيستمر إلى كل غاية قصوى. وأنها فوق ذلك تمثل ظاهرة مؤقتة في الحياة الإنسانية، عابرة كحال الدنيا التي نحياها ونرتحل عنها بين الفينة والأخرى. وكلام الفارابي – الذي يفترض أن يكون فلسفياً- إنما هو دجما دينية خالصة. وبفضل أسبقية صوت المقدس فإن نقطة التبادل هنا بين الفلسفي والديني تتم ببلاغة الايمان والاعتقاد. ولهذا فإن جميع الجوانب الفلسفية لخطابات المفكرين العرب تغرق في مرحلة أو أخرى داخل تقاليد الدين. إن غياب التفلسف في الثقافة العربية بمعناه الحقيقي يرجع إلى انعدام الوعي بأصداء المقدس وآثاره. وهو انعدام بمفهوم الاعتقاد الديني المطلق الذي يحجب أيَّ شيء سواه حتى انكاره. وأنَّ نقد وكشف آثاره على التفكير في غير موضعها لم ولن تتم بشكلٍّ كاملٍّ.

هنا علينا التنويه بأنَّ اللغة ستكمل مسيرتها رغم التحامها بأصداء المقدس. فهل حضوره في شكل أصداء سيواصل دفقاته؟ وبخاصة أن اللغة العربية (كأية لغةٍ أخرى) تنطوي على تناقضات داخلية هي أساس نظامها الدلالي والتواصلي. واللغة بالتالي سواء أكانت العربية أو غيرها ستُغيّب ما يظن الناس حضوره إلى درجة التقديس. هي في الآن ذات الذي تسمح فيه بالتقاط أنفاسه، ستخضعه لقوانينها المؤقته والقابلة للتغير. إنَّها ستؤرخه كحادثةٍ في آفاقها الحُرة والمتنوعة، أي ستعدده، ستجعله مختلفاً، ستمزق جوانبه ودلالاته، ستتأوله وتفتح الطريق لتأويلات أخرى، ستشذر معرفته وآفاقه. وهذه أمور معرفية وفلسفية (طبيعية وتلقائية) تماماً في جميع اللغات الحية. بل وعلى المدى البعيد تشكل اللغة في الحياة الانسانية الغسق لكل أيديولوجيا، إنها خارقة المفاجئات إلى حد الإدهاش. إذن كيف سيظل صوت المقدس مقدساً رغم تقطيع أوصال المعنى؟ إذ ليس ما أفهمه هو نفسه ما يفهمه سواي وإذ ليس ما أسمعه هو ذاته ما يسمعه غيري و إذ ليس ما نعقله سوياً هو عين ما يعقله الآخرون!!

إنَّ الألفاظ اللغوية عبارة عن أجداث وبقايا تحتاج إلى تنقيب في حواشيها باستمرار. هي تتطلب بعثاً جديداً كلما تسرطنت بالدجمائيات والأيديولوجيات التي تعتبرها مقبرة للواقع والزمن. وبمقدار تعدد جوانب أية لغة وثرائها بمقدار ما تعتبر لغةً قادرة على التطور. ويستحيل أن يستقر ما يوضع فيها من فكر بشكل ثابت لدرجة الجمود. لأنَّها كل للغة تنطوي على تبذير وإهدار دلاليين لكل احتياطها من أصداء القداسة. اللغة قريبة الجذر من اللغو، التفريغ، التفضية والاختزال والتبذير. بل تظل مفتوحةً ليلاً ونهاراً على الترحال، التجوال، التشتت بمفهومها ما بعد الحداثي وغيره. وهذه شروط ماهوية تحددُ جميعَ أبنية اللغات ووحداتها العامة سواء أكانت بصدد اللغة العربية أم غير العربية. اللغة مسكونةُ بهذه التوالدات والتحورات الخلاّقة، وذلك لكون عقل الإنسان فيضاً لا يتوقف من الاعتبارات النوعية والصور والأحكام والمعارف غير المستقرةِ.

 

سامي عبد العال