سامي عبد العال"الثقافة التي تغطي نفسها بأوراق اللغة لن تكون بمأمن يوماً من هبوب عواصفها .."

" تمارس اللغة كلَّ الأدوار على مسرح الحياة، غير أننا نتفرج دوماً على شيء آخر.."

أثناء رؤية صورتَّنا شاخصةً في إطار لّقْطةٍ أو غيرها، قد يلِّحُ هذا البُعد الاستفهامي: ما الذي تلتقطه الكاميرا فينا؟! أو بالأحرى... أيُّ شيء أخذته منَّا لدرجة الانجذاب نحوها كأننا نرى سراً مرغوباً؟! الصورة عادة لها وظيفة تعبيرية لدرجة الإغواء فيما وراء الشكل الصِرْف. فالإحساس التصويري (أو الإحساس الفيلمي film sense بعبارة المخرج والفنان سيرجي أيزنشتين) لا يقف فقط لدى النظر المباشر نحو موضوعه، ذلك باعتباره أبعد من مجرد الإطار الخارجي لوضعية المحتوى في ذاته.

هذه الطريقة نفسها تصحُ بصدد اللغة التي تعبر عن شيءٍ ما، فتتركه مادةً بلا حماية، ولا حصانة ذاتية إلاّ من وجودها القابل للتجلي. ليس هناك في اللغة ما يضمن أية حصانةٍ ضد المساءلة والتنقيب عن الخفي والمتلاشي لو افترضنا الوضع بدلالة معرفية. إنَّ معنى الأشياء واقع هناك داخل العبارات والألفاظ كمحض تعرية متواصلة لما هو كامن فيها. واللغة بخلاف سواها لا تذهب فقط للإضمار والتستر، لكنها تومئ بألف طرفٍ خفي إلى التّعري والإغواء.

أي: يظل موضوع اللغة منكشفاً وفق نظام دلالي آخر بخلاف وجوده. بحيث يكون حدث التعبير فعلَ تجلٍ، ويمارس انكشافاً لا يجدي أيُّ غطاءٌ فوقه. وبدلاً من توقف الكلام عند حدودٍ بعينها كما نتوهم، تصبح  التعبيرات عمليةً لغوية تجتذبُ أطرافها دون نهايةٍ. والمقولة المتداولة بين الأصدقاء ليست ببعيدة عن هكذا حالٍّ: " تعال لنتجاذب أطراف الحديث".

وهذا المعنى أقرب إلى مفهوم الحقيقة عند هيدجر. الحقيقة  (من وجهة نظره) هي اللاتحجب أليثيا a-letheia. إنَّه عمق الأعماق الذي يقطع المسيرة الطويلة نحو الانكشاف، التفتُق، البروز، التفتح. تلك الخطوة المنبثقة من الضمور، من الكمون تجاوزاً نحو الظهور. والحال بهذا الطلوع ليس أقل من الإشراق، أو التشرْيق المرتبط بالخروج من الظلام إلى النور. ولذلك كلمة: phenomenon  (أي الظاهرة) ترتبط بـ pha: المفردة القديمة في اللغات الهند أوروبية الدالة على الضوء الآتي من شروق الشمس في لحظات التماعها. ويمكن ربطها فيما يقول ألبرت اينشتين بالـ photons  (الفوتونات) ...أي الكميات الدقيقة التي يتألف منها الضوء وتشكل حركته.

" اللقطة والكلمة " تندفعان في عمل إضافي بالنسبة إلى كيانهما، لأنَّهما ليستا موجودتين موضوعياً على ما يبدو. فلا موضوعية، هناك عبر دهاليز اللغة وداخل جوانب الصورة. فالاثنتان محط التواء الرغبة التي تنضح بالمزيد من الرغبات الدفينة المتتالية، والأخيرةُ كامنة فيهما إلى حد الإغراق. وتلك هي قوة التجلي والانكشاف أثناء التعبير مهما يكن تكوينها الوسيط. ليست الكلمات بقعاً مظلمةً في مجرة اللغة، لكنها بؤر انصهار تلتهم ما يُغطِّي مدلولها من غلالات الثقافة، فهي تعرضّه للآخر. إنَّ الكلام قدرة إنسانية على التعري الدلالي إمام المتلقي. وعندما يقول جاك لاكان: "اللاوعي هو خطاب الآخر"، فلم يُبعد معنى مقولته عما يظهر مع اندفاع العبارات من مكبوتات واكراهات فيما يذهب فرويد.

إنَّ استدعاء هذا الغائب يعني الافتضاح الذي هو أمر خارج السيطرة. تماماً كما تعتبر اللغة خارج التحكم out of control رغم انطباع نسيجها الداخلي بأنفاس ناطقيها. ولهذا لن تكون النصوص المقدسة والسرديات والوثائق والأضابير الضاربة في الزمن معزولة عن تلك الأنفاس. لأنَّه لا بد أنْ تمُر من هنالك عبر اللغة المعبرة عنها والمكتوبة بحروفها حتى الرمق الأخير.

وسواء أكان نطق النصوص والسرديات ميتافيزيقياً أم إنسانياً، فهي لن تبتعد عن هذا الانكشاف. ومازال مدلول" اللغو" meaningless talk يسكن مفردات اللغة منذ أنْ بلبل الرب ألسنة شعب بني اسرائيل كما ورد بالعهد القديم، وهي أكبر حادثة لغوية لاهوتية في ذاكرة الشعوب السامية. ربما منذ ذلك الاعتقاد وما زال الشرق  (هذا الفضاء الجغرافي الشمسي) موضع الظهور اللغوي الأبرز. فجميع الظواهر لا تخلو من إشراقٍ ما. وبالتالي ترتبط بالشرق على نحو أو غيره الذي هو مهبط الأديان وانتشار الملل والمذاهب والعقائد سماويةً وأرضيةً.

فاللغة بالمضمون السابق تتعرَّى بمكنونها حتى داخل بلاط الملوك والسلاطين. ليس أكثر الغازاً وطلسمة من الخطابات في دول الشرق الاستبدادي وكان زكي نجيب محمود متفائلاً عندما أطلق عليه الشرق الفنان، ومع ذلك هي لغة فاضحة ورغبوية إلى أبعد مدى، واللغة من ثمَّ لن تتواني عن القيام بهذه المهمة السياسية. ليس لأنّها جارية وفقاً لسياق ما فقط، بل لكون بنيتها بنية تعرّية من حيث المبدأ. بحكم أنَّها تحمل انفتاحاً يفضح المقُول. ويصبح  أي خطاب نهباً لهواجس وشكوك تنال منه في الصميم!! وذلك يعني على المدى البعيد استحالة الهيمنة على اللغة مهما تكن.

ورغم ذلك الوضع، فهذه الهيمنة هي الغاية التي ما بعدها غاية لكل مستبد ولكل كاهن ولكل لاهوتي قُح. ونحن نعرف أنّه في الأنظمة الاستبدادية يكون الشغل الشاغل للحكام كيف يستطيعون " إلجام العوام عن الكلام في الشأن العام" على إيقاع عنوان كتاب الأمام الغزالي (إلجام العوام عن علم الكلام). والعوام مصطلح يلتهم لدينا كل ما يقابله من أية رمزية لأفراد الشعب (الرعية). ولأنَّ اللغة تحتاج إلى تحرُر جذري مما يقمعها، فإنها ستكون ميداناً للصراع غير المباشر إلى سنوات عديدة، كما نراها في العوالم الافتراضية ووسائط التواصل الإلكتروني.

ولهذا حينما نتكلم تتجلى (عبر الكلام) دوال الرغبات التي هي رغباتنا ورغبات سوانا في الوقت نفسه. وإذا توجهنا إلى أحدنا بالكلام لن يكون هناك ما نفكر فيه ولا ما نضمره، بل ما يأتي بصيغة الجمع. التعرية ستكون جمعاً على نطاق واسع رغم كون الناطق فرداً ليس أكثر. ذلك أن" الصورة والكلمة " لا تمثلان ممارسةً أحادية الدلالة بحالٍ.

1- الكلمات ما كانت لتُقال سوى بمحاولة التواصل مع آخر. وهو ما تسميه جوليا كريستيفا الرغبة في اللغة. وهي رغبة تتجاوزنا قطعاً كما نوهنا لتستقر عند  مواقع الآخر المتفلت باستمرار.

2- الصورة هي صورة لسوانا كما نراه، من حيث كوننا نطرح كياننا أو هيئتنا المرئية بالأساس. وإذا كنا نرغب في  النظر كثيراً إلى الصورة، فلأنها تلبي حاجة الآخر الساكن بداخلنا. أي أننا نلتقط صورتنا بالجانب الغائر من أعماقنا.

3- الكلمة هي الإغواء في أنْ يتكلم ما هو صامت فينا. ومازالت الكلمات ترتبط بفحوى الإيجاد، الخلق. وهذا الوضع للتكلم يردد طيفاً لاهوتياً في النصوص المقدسة، إذ ورد بالعهد الجديد " في البدء كان الكلمة". ومن هذا المنطلق لا يوجد بدء على نحو جديد سوى كلمة.

4- الصورة هي إيماءة نرجسية بلا نارسيس الأصلي... هذا البطل اليوناني خلال الأسطورة القديمة الذي كان معجباً بصورته المنعكسة في ماء البحيرة وحين فشل في معانقتها أو الإمساك بها اعجاباً وهياماً سقط غارقاً فيها. الصورة هي الموت المؤجل الذي يرانا عبر أنفسنا يومياً، ومع ذلك تمارس الصورة تعبيراً عن المضمون النرجسي نفسه . فكلُّ صورة لا تخلو من قوة معكوسة هي نحن. لأنها في الوقت عينه الذي تنفصل فيه عنا نحن نترك شيئاً داخلها وداخلنا. ولئن كانت تبدو قائمة على الفقدان، فإنها تستبقي شيئاً وراءناً. ولهذا ترتبط الصورة بعمل الذاكرة، لأنها نوع من الحفظ للمعاني في شكل متجسد.

5- الكلمات لا تتلاشى بسهولة. لأنَّها حالما تخرج، سرعان ما تكبر وتنمو في مكان ما عبر فضاء اللغة الرحب. وبالتالي تبقى الكلمات كأشجار عملاقة تتغذى على بقايا الزمن. والزمن مصدر الانطلاق فيما وراء أحداث الكلام كما أنه يتخلله في كافة التفاصيل.

6- الكلمة والصورة تقاومان الانقطاع عن الوجود، هما يأتيان كأشباحٍ فقدت أصولها. فلماذا نلتقط صورة من حين لآخر. لأننا نريد إضافة شيء إلى ما نحن فيه، نريد التقاط الهارب من كياننا. وهو الاتصال المأمول الذي يضرب موعداً مع الآتي. وكأنهما (أي الكلمة والصورة) ينبثقان من بعضهما البعض بشكل متواترٍ.

7- الصورة تأخذ مكانها في أعماق اللغة من جهة المعاني والاستعارات. وأن واو العطف التي قد تجمعهما (اللغة والصورة) ليست إلاَّ فاصلة هي تعلم كونها مؤقتة عادةً. لأنَّه بين كل لقطة ولقطة وبين كل كلمة وكلمة يتوسط المتلقي حتى ولو كان أنتَ. فإذا كانتا متفرقتين، فهناك وعي وسيط يمد الخطوط إلى اتجاهات تالية. وقد تمرق الكلمات واللقطات من حزمتها البصرية أو التعبيرية لكنها تنكشف لدى متابع ما افتراضاً.

وذلك الأمر يجعل فعل التعرّية هبة بلا مقابل بمقدار التفاعل داخل اللغة. فتتحول المعاني إلى صورٍ ليست كخاصية ثانوية، إنما نتيجة التقاط الجوانب الغائبة ضمن الكلام. لأنَّ تمثيل المعاني مجازاً ورمزاً هو الأساس، فالأداء يعد مخزوناً يحول اللغة إلى صور مجازية والصورة إلى لغة رمزية.

المخرج السينمائي سيرجي ايزنشتين المشار إليه  كان مبدعاً في تلك التحولات عبر النصوص البصرية السينمائية التي قدمها. كان يقصد تحويل الصورة السينمائية إلى خطاب معبر بقدرات اللغة على الإفضاء. ليس ذلك من مجرى الفيلم تحديداً في كل الأوقات، بل بواسطة إدخال ذهنية المتلقي في اللعبة. فنتيجة الانتقال ما بين الصور والحوار (السيناريو) ينكشف نسيج آخر للأحداث. وهو ما يعرف بـ"المونتاج الذهني".

وهو الأسلوب الذي يقول بضرورة الاختيار القصدي intentional للقطات السينمائية بمعزل عن سياق الحدث، ذلك ضمن خلق كل ما من شأنه أحداث التأثير النفسي في أبلغ صوره. وبذلك سيكون هناك دروب خفية لإنشاء تواصل بنَّاء يهدف إلى إعادة تشكيل وعي المتلقي. أي شحذه باحتمال الفرجة على نفسه متموضعاً ومفتوحاً على الآخر مع الحوار الداخلي.

واللغة هنا بنية تعرية تمارس هذا العمل من خلال نماذج أخرى في الحياة. على طريقة رولان بارت  (ومن قبله دي سوسير) الذي اعتبر أن نظام اللغة يستطيع تفسير الأنظمة الدلالية الأخرى، أي يكشف جوانبها ويعطيها مسرحاً للظهر. وقد جاءت رؤية أيزنشتين حول المونتاج السينمائي وليدة دراسته لمسرح "كابوكي" الياباني (مسرح ذو طابع شعبي مفتوح يشمل الغناء والرقص والأداء المجازي)، ثم انبهاره باللغة اليابانية وأشكالها المصورة، كذلك كانت وليدة دراسته لأشعار "هايكو". لأنها أشعار مليئة باللقطات كأنها بروق ورعود جياشة وحرة تحمل كامل سمات المعاني العميقة.

تاريخياً لعلنا نلاحظ في سرديات اللاهوت تزامن لحظة العُري المتبادلة بين آدم وحواء عندما أكلا من الشجرة المحرمة. وكانت الثلاثية واضحة: " الكلام- الجسد- الخطيئة". وهي ثلاثية  متزامنة جرت على خلفية المقدس (الأمر الإلهي) والغواية  (المعصية). جاء في القرآن: "وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلاَّ إبليس أبى. فقلنا يا آدم إنَّ هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنةِ فتشقى. إن لك ألاَّ تجوع فيها ولا تعرى. وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى. فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد ومُلك لا يبلى. فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى".

ولأنَّ بنية الغواية واحدة من جهة اللغة، فجميع تفاصيل الآية تؤكد على فعل القول (قلنا يا آدم). القول قد يوجه للملائكة ولإبليس ثم لآدم. ويظل النص يكرر"قلنا". ثم يكون القول مبطناً بالأمر ثم الرفض ثم الغواية فالخطيئة فالنزول إلى الأرض وفقدان النعيم. إنّ هذا الإغواء ميراث الكلام في الثقافة الشفاهية حتى اللحظة. وإذا كان آدم قد تعرى بعد أن أنصت لغواية إبليس كما ورد في بعض الروايات حول قصة الخلق، فإنَّ العري لم يكن في الجنة، بل أصبح داخل اللغة على الأصالة. في إشارة أن ثمة تكراراً للجنة بمنطوقين: إحداهما كانت في بداية الخلق مع آدم وحواء. والأخرى هي اللغة حيث سيتحدثان فيها وبها طوال حياتهما وحياة أبنائهما.

ويبدو أنَّ الجنة الأولى طُرد منها آدم وزوجه فنزلا أرضاً حيث نشأة الحياة الدنيا. بينما الجنة الثانية (وهي اللغة) فقد طرد فيها (أي وجدا داخلها). أي أن آدم (الذي هو نحن) سيعيش في اللغة بلا قرار، بلا إيواء، سيظل متشرداً حائراً. إنَّها اللغة المطرود عبرها إلى أبد الآبدين. اللغة في عمقها هي صحراء هذا الترحال المستمر، ويظل الوصول إلى ركن ركين داخلها أمراً مستحيلاً بالضرورة. لدرجة أنَّ اللغة هي التعرّي بانكشاف الآخر الذي لا ينتهي. وهي فوق ذلك الوجه الثري للحياة، فقد التحما (أي اللغة والحياة) لدرجة التماهي التام.

وهذا التعري جاء كحال النفي عندما لم يسمع آدم كلام ربه. وهو سيشكل صورة الخطيئة طوال هذا العصيان. لأنَّ وضوح العري في الجنة سيكون واقعاً فيما دونها أيضاً وبخاصة إذا كانت اللغة هي مضماره. وتبدو اللقطة القرآنية فاعلة في تجسيد المشاهد (الرؤية- النظر). فالعري الذي حدث تجسيد كمشهد إغواء ما بلغة الصورة.  تماماً مثلما هو الكلام الذي يجسد الرغبة بإيقاعها الجسدي كما في الجنس وعلاقات الحب والغرائز المكبوتة.

لأن الحس في هذا السياق يتحول إلى مادة لغوية متجسدة تلتقي بدلالتها البعيدة والقريبة معاً عبر الخيال. وهو الأمر نفسه الحادث في ظواهر السياسة أيضاً. فالكلام في هذا الإطار السياسي أو ذاك قد يتشخص كما لو كان مادة مشمومة أو متذوقة أو ملموسة أو متلونة. حتى أن كلام السياسة يغوى أو يخاتل متلقيه على طول الخط. ولذلك ليس مستغرباً أن تنتشر هناك كلمات التزلف والمداهنة والفخر والحماسة في عودة لا تنتهي إلى الإغواء.

بينما في الكتاب المقدس الإشارة واضحة بسفر التكوين: " أمَّا ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال الله لا تأكلا منه ولا تمساه لئلا تموتاه. فقالت الحية للمرأة لن تموتاه بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل وأنها بهية للعيون وأنَّ الشجرة شهية فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت رجلها أيضاً معها فأكل. فانفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان. فخاطا أوراق تين وصنعا لأنفسهما مآزر".

إنَّ لغة الوصف النصي هنا لغة حسية بكل محمولات المعاني المتصورة. كانت اللغة  في أصلها هي الحياة التي تخرج في دوال مثل: الحية، حواء، المرأة، آدم، الشجرة، الأكل، العيون. لأن معنى آدم يجيئ من أديم الأرض، أي أنه مادة ملموسة (صورة) هو الآخر. وبمقدار ارتباط الشهوة بالعُري والتغطية ستكون اللغة أحد متعلقات الحادثة كأمر وارد باستمرار. ولم تكن هناك سوى كلمات الرب والأشجار ومواد الحياة وغرائزها.

لكن الجانب الذي يضم ذلك كله هو  (الجنة واللغة بالتبادل). وهما اللذان كما في نص القرآن يجريان حواراً بينهما من نوع آخر. ذلك بناء على الإغواء الممتد لدى الآدميين والذي لن ينتهي وما زال ساكناً في أفعال الكلام والسرد والحكي. إذن لن يكون الانتقال الآدمي (على صعيد المعاني والصور) اختلافاً إلاَّ بقدر ما هو داخل اللغة. والصورة التي وُجد فيها آدم وحواء تحت تجلي الجسد أمام بعضهما البعض هي بنية اللغة كنظام جديد أعاد التعارف على العالم من حولهما. بل وعرفهما على الحياة الأرضية الجديدة، لأنه من بنية الغواية وجدت جوانب الحياة وما زالت.

أما تعبير" شجرة المعرفة " فيكشف الخلود من خلال الأسماء والكلمات والصور. لذلك (كما ورد بالكتاب المقدس والقرآن) تعد الأسماء  ممارسة لوجود الصور المعبرة عن الرغبات بالنسبة لآدم تجاه العالم والأشياء. والدليل أن الكلام الإلهي مع المخلوق الآدمي الجديد كشف جميع هذه المعاني المتقدمة جداً في خطابه لآدم وحواء. ثم بحكم تلك المكانة المرغوبة والمحفورة في كل اسم نشأت السلطة تاريخياً عبر جسد اللغة، لأنَّ كل كلمة مسكونة بأثر لمعنى سابق يدفع التعبيرات إلى مفترق طرق. حيث أخذ الإغواء يتشكل مع السلطة التي تركت أصدائها في أجسادنا وأهوائنا منذ ذاك الوقت. عندما يتنكر الحس الشعبي لشخص يعلن أنه بلا اسم" هذا الذي لم يسمَّ"  (اللي ما يتسْمّاش) وعندما يعترف بشخص آخر يعطيه ألقابا بطولية وأسطورية. في إشارة إلى  (إسقاطه أو تدعيم مكانته) من الوجود الذي لم يبعد كثيراً عن علاقة الرب بآدم قديماً بعمر ذاكرة آدم داخلنا نحن الأبناء.

وفي هذا الإطار، مازالت الثقافة العربية تعتبر الكلام الكاشف نوعاً من الفضيحة. فالإنسان لدينا مخبوءٌ تحت لسانه كما يشار في الأقوال العربية القديمة. وكأن العبارات تكشف (رويداً رويداً) الجسد الذي هو العورة الآدمية القديمة بمنطوق أنثوي. لأنَّ الدلالة تختمر بصراع المضمون الأخلاقي والإلهي والبشري في ذاكرة اللغة. وعلى خلفية سياسية يقال: "الجدران لها آذان" حيت نتكلم عن أمور محظورة تمس شخصيات مهمة. أي لا يجب أن تتكلم في شيء سري مخافة أنْ يستمع أحد فيأتي الأثر بالوبال عليك.

وهناك الرد غير الإيجابي حينما يقول شخص لآخر" لابد من قطع لسانه" وهو تعبير رمزي عن إيقاف تداعي صور اللغة الكاشفة. ذلك حتى لا يتفوه هذا الشخص مرةً ثانيةً بكلمة من شأنها الحط منه. وقيل أيضاً بتحذير لا هوتي حول جنوح الكلام العام: "من كثُر كلامه كثر لغطُه". إنَّ اللغة هي جنة العراة بامتياز، هؤلاء الذين لا يستمعون لكافة النصائح بستر العورات، إذ يظنون كونهم بعيداً عن مسرح الحياة حيث يتفرجون على أنفسهم في سيناريوهات لم يكتبونها حصرياً، إنما تأخذهم الأهواء نحو الغواية المتكررة.

 

د. سامي عبد العال

 

عدنان عويدالحداثة في سياقها العام، تحديث وتجديد ما يمكن تحديثه أو تجديده من قيم ماديّة قديمة في بنية الدولة والمجتمع بشقي هذه القيم، الماديّة بشكل عام، والفكريّة أو القيميّة بشكل خاص، مبينة – أي الحداثة - مرحلة التطور التي طبعت مجتمعاً من المجتمعات في المرحلة التاريخيّة المعيوشة. وهي برأينا هنا ليست صيغة واحدة معطاة إلى الأبد، تُحدد سماتها وخصائصها بفترة زمنية محددة من حيث جوهر التحديث العام، على اعتبار التجديد والتطور (التحديث) فعلاً تاريخيّاً، ابتدأ أساساً كما نرى مع بداية علاقة الإنسان مع الطبيعة، من حيث قدرته على استخدام ما يُتاح له من مفرداتها، وتسخيرها لمصلحته، ثم ما تحققه هذه العلاقة من تطور وتجديد في قوى ووسائل الإنتاج، ومدى تأثيرها على خلق علاقات انتاجيّة واجتماعيّة جديدة في بنية المجتمع والدولة ذاتيهما.

أما تعريف الحداثة بالنسبة لأوربة كما بينها علماء الاجتماع والمهتمين بشؤون حياة الإنسان عموما في أوربة،، فيمكن تعريفها على أنّها معطيات التطور والتجديد التي تمت في الفترة التاريخيّة التي امتدت منذ قيام الحركة الأنسيّة في إيطاليا في القرن الرابع عشر، مروراً بتقدم الثورة الصناعيّة والتكنولوجيّة وعصر التنوير في القرن الثامن عشر، حتى نهاية الحرب العالميّة الثانية، وقد اشتغل عليها فكريّا بعموم أنساقها الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة، كعالم النفس النمساوي  سيجموند فرويد، والفيلسوف الألماني كارل ماركس، والفيلسوف الألماني فريدريك نتشه، والعالم البريطاني تشارلز داروين وغيرهم الكثير أمثال سبنسر، ودافيد هيوم، وفواتير، ومنتسيكيو، وكل فلاسفة عصر التنوير... الخ. وعبر فكر هؤلاء أُعيد النظر في الكثير من  المعتقدات القديمة التي كانت سائدة على كافة المستويات وبخاصة الفكريّة منها، وحاولوا تغييرها.

ماهي  سمات وخصائص الحداثة الأوربيّة:

1- تركيزها على الحريّة الفرديّة، واعتبار هذه الحريّة هي المنطلق الأساس للإبداع، وتحدي كل ما هو تقليدي في بنية المجتمع ويحول دون تحقيق جوهر الإنسان والعودة به إلى مرجعيته الإنسانيّة.

2- هي تعمل على بناء مجتمع مصالح متبادلة بين أفراد أحرار، وبالتالي لا بد من القضاء على قيم المجتمع التقليديّة القائم على التراتبيّة الاجتماعيّة والثروة والدماء الزرقاء.

3- اعتبارها الحواس والحدس والعقل والتجربة هي المراجع الأساسيّة للمعرفة، وبالتالي  تدعو إلى ضرورة إضعاف النظرات اللاهوتيّة أو إقصائها من مضمار المعرفة. أي إنزال معرفة تشكيل العالم وتسييره من السماء إلى الأرض، وحصرها في عالم الإنسان وقدراته، بغض النظر هنا عن المناهج الماديّة والمثاليّة المتبعة في تحقيق هذه المعرفة، إن كانت تأمليّة ذاتيه أو حتميّة ميكانيكيّة، أو سيكولوجيّة (علم النفس الفردي)، أو بسيكولوجيّة (علم النفس الاجتماعي)، أو رؤية منهجيّة وضعيّة أو بنيويّة أو ماديّة تاريخيّة  وغيرها.

4- العمل على تحطيم أسس الحياة السياسيّة القائمة على النبالة والدين، ممثلة بسلطات الملك والكنيسة ورجال الإقطاع، والدعوة إلى الدولة المدنيّة والقانون والمؤسسات وتداول السلطة، واعتبار الشعب مصدر السلطات،

5- العمل على اقصاء أو اضعاف دور الدين في الحياة الاجتماعيّة (العامة – الطائفة والمذهب) وتركيزه في عالم الفرد الروحي، وذلك تجنباً لما أنتجه هذا الدين تاريخيّاً من صراعات دينيّة بين الشعوب والدول، راح ضحيتها ملايين من البشر بسبب اعتناق هذا المذهب أو ذاك، كاثوليكي أو بروستانتي أو أرثوذوكسي وغيرها.

6- على المستوى الوطني والقومي، السعي الدائم من قبل الحامل الاجتماعي لهذه الحداثة، وهو هنا الطبقة الرأسماليّة الوطنيّة، من أجل بناء الدولة الوطنيّة والقضاء على دول المدن التي خلفها الاقطاع، فكان الشعار الميركانتيلي الذائع الصيت (دعه يعمل دعه يمر) القاعدة الاقتصاديّة التي أسست عليها الدول الوطنيّة اقتصاديّا وسياسيّاً فيما بعد.

7- على المستوى العالمي، أو مستوى الحقل الكوني، سعت الطبقة الرأسماليّة الأوربيّة  بعد أن تحولت إلى طبقة امبرياليّة إلى التوسع خارج حدودها الوطنيّة والقوميّة، وإلى نمذجة العالم الخاضع لسيطرتها وفقاً لمصالحها، من حيث تحويل المستعمرات إلى حزام ناقل لهذه المصالح في مجالي توريد المواد الأوليّة واستهلاكها معا، ثم السعي أيضاً إلى تسويق ثقافتها ولغتها والكثير من قيمها الماديّة والروحيّة، عند مجتمعات هذه الدول المستعمرة حتى تكون صورتها هي، وهنا يتحقق اغتصاب الروح لشعوب هذه الدول المستعمرة، وتنسيتها ذاكرتها وتاريخها وثقافتها من خلال عولمة العقل الإنساني الاستهلاكي، أي نمذجة حياة الشعوب وعقولها وفقاً لما تريده هذه الطبقة الرأسماليّة الامبرياليّة. وهذا ما وجدناه في سياسة الفرنسة التي اتبعت في الجزائر على سيبل المثال للحصر من قبل الامبرياليّة الفرنسيّة.

إذن، إن الحداثة الأوربيّة عملت على تغيير العالم، وجعل عقلانيتها (الأداتيّة)، (1)، مركزا لعقلانيّة العالم، (المركزيّة الأوربيّة). وعليه نقول: إن التحديث في صيغته الأوربيّة وفق هذه المعطيات، يعني تعميم خط أو أنموذج التطور الأوربي على الاخر. وهو خط أحادي أو نسق تطور يختزل التاريخ العالمي بالتجربة الأوربيّة، ويعلي من شأن حاظرها الرأسمالي، ومن عقلانيتها الأداتيّة وأنانيها واستغلالها لشعوبها وشعوب العالم، إلى أعلى مستوى يمكن أن تصل إليه، مقدمة تجربتها الحداثويّة إلى كل المجتمعات العالميّة للأخذ بها وفق مفهومها للنهضة والتقدم، ولا نبالغ إذا قلنا:  إن الخط العام لسير العلاقات الرأسماليّة في صيغها الاحتكاريّة اليوم، ودعوتها لتطبيق النظام العالمي الجديد بصيغته الأمريكيّة، هو تأكيد على توجهاتها الشموليّة العالميّة. وتأكيد أيضاً على انتقال الحداثة الأوربية إلى ما بعد الحداثة.. إلى عالم النهايات في التاريخ والفن والدين والأخلاق

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سوريّة

............................

(1) - يُنظر للعقلانيّة الأداتيّة كنوع من العقلانية التي تركز على أفضل وسيلة لتحقيق غاية ما من خلال استخدام المهارات العقلية، بغض النظر عن قيمة هذه الغاية الأخلاقيّة أو القيميّة. أي هي عقلانيّة لا تختلف في استخدام (العقل) عن كونه ترساً في عالم تسيير آليّة النظام الرأسمالي الاحتكاري الذي يهمه الربح والربح فقط.

 

 

علي رسول الربيعيتزعم كل من ساندرز ويونغ[1] أن هناك تباينًا وتفاوتا داخل المؤسسات التداولية بين الجماعات المستفيدة والمحرومة. وأن هذا يتجاوز مشكلة الوصول إلى هذه المؤسسات طبقاً لرأيهن. ويؤكدن على أن تمثيل الجماعات المحرومة، في الوقت الحالي، يعتبر تمثيلأ ناقصأ وضعيفا في المؤسسات والمنتديات السياسية – وتصويتها في تلك المؤسسات قليل في أغلب الأحيان، وتلعب دورا أصغر في معظم مجموعات الضغط، كما لديها عدد أقل من الممثلين المنتخبين وما إلى ذلك. هذا أمر غير مقبول من وجهة نظر الديمقراطية التداولية، حيث أن المداولات لا يمكن أن تكون شاملة، وبالتالي لا يمكن أن نتوقع أنها تسفر عن نتائج عادلة، ما لم يعكس تكوين الهيئة المتداولة بدقة كاملة تكوين مجموعة كاملة من المواطنين الذين سيتم تطبيق أو تنفيذ القرارات من أجلهم . كيف يتم تصحيح هذه الحالة هو موضوع نقاش مستمر: فهناك على وجه الخصوص، خلاف حول ما إذا كان يجب أن يكون هناك حصص في حالة المؤسسات التمثيلية لضمان التمثيل النسبي للنساء والأقليات العرقية.[2] لكن يجب ألا يحجب هذا النقاش حول أفضل سياسة لضمان الإندماج، مع ذلك، يدورالاتفاق الأساسي بين الديمقراطيين التداولين ومنتقديهم حول الحاجة إلى وصول الجماعات المحرومة إلى المؤسسات الديمقراطية على قدم المساواة مع المواطنين الآخرين. وفقًا لـ ساندرز ويونغ، فإن الوصول المتكافئ ليس كافيًا، لأنه لا يوفر أي ضمان بمعاملة أفراد الفئات المحرومة على قدم المساواة بمجرد دخولهم داخل المؤسسات. قد يترددون، على سبيل المثال، في الدخول في نقاش سياسي، لشعورهم بأنه ليس لديهم الحق في التحدث أو أن الآخرين لن يأخذوا مداخلاتهم على محمل الجد أو ساهمون بشكل غير متناسب في النقاش الجماعي. تستشهد إيف ساندرز عديدة [3] من تجربتها في المجتمع الأمريكي، ويمكننا نحن ايراد أمثلة من جماعات أخرى كما هو الحال في مجتمعات في الدول العربية حيث تستبعد ليس فقط الأقليات ولكن الأغلبية من خلال هيمنة سطوة زعامات دينية وقبلية. كما يبدو معقولًا، افتراض وجود صلة بين حجم الحجة وراء المنصب واحتمال انتشاره، فإن هذا يعني أنه في الحالات التي يكون فيها الجماعات المحرومة والأقليات العرقية أو الطائفية أو حتى ما يطلق عليهم مسيري شؤون التقديس - اصحاب السيادة على اغلبية بـ" العوام" رغم أغلبيتهم العددية اهتمامات ومصالح مختلفة في منتدى تداولي، تميل وضعية الجماعات المحرومة إلى الخسارة بسبب ترددها في عرض قضيتها على الملأ.

ومع أن رأي ساندرز.[4] حول الموقف أكثر تعقيدًا من يستوفيه شرحي الموجز له. حيث تقول، 'يبدو من المرجح أن بعض أساليب مناقشة الجماعات تظهر للعيان آراء جميع أعضاء الجماعة أكثر من غيرهم.[5] يشجع أسلوب التداول المبني على الأدلة مجموعة واسعة من الآراء التي تتطلب التعبير عنها، وبالتالي يساعد هذا السلوب على جذب المزيد من المشاركين إلى المناقشة ؛ كما أنه يساعد على الانفتاح، بمعنى الرغبة والقبول في تغيير المواقف عند تقديم أدلة جديدة.[6] وبالتالي، فإن الدرس الذي على الديمقراطيين التداوليين استيعابه هو أن لايخافوا من ميل أعضاء الفئات المحرومة إلى المشاركة بشكل أقل أو ضعيف في المداولات الجماعية، ولكن ينبغي عليهم البحث عن طرق لضمان أن تأخذ المداولات نموذج يتوافق مع هيئة محلفين تعتمد على الأدلة، مما يعني أنه بدلاً من محاولة الانتقال بسرعة إلى قرار "نعم / لا"، يجب استكشاف الحجج المؤيدة والمعارضة للخيارات المختلفة دون الحاجة إلى إعلان الأفراد المشاركين عن تأييدهم لها. يبدو لي أن هذا هو ما تتطلبه المداولات السياسية الجيدة على أي حال. فعندما يتعين اتخاذ قرار بشأن مسألة تنطوي على بعض التعقيدات، من الأفضل أن تكون المناقشة مفتوحة واستكشافية في البداية، وسيكون من الخطأ مطالبة المشاركين بالإشارة في وقت مبكر إلى الخيار الذي يدعمونه، لأن التأثير القيام بذلك سيكون تشجيع المتداولين ببساطة على تنظيم الحجج التي تدعم وجهة نظرهم الأولية، بدلاً من الاستماع إلى جميع وجهات النظر المطروحة والمشاركة فيها.

يمكن الإشارة إلى نقطة مماثلة فيما يتعلق بملاحظات يونغ حول المناقشات البرلمانية وإجراءات المحكمة، حيث " التداول هو المنافسة". تهدف أطراف النزاع إلى كسب المحاججة، وليس الوصول الى التفاهم المتبادل.[7] قد تحقق مثل هذه السياقات امتياز لأولئك الذين يجيدون التنافس ومعرفة قواعد اللعبة. يعد الكلام الحازم والمواجهة الصارمةه نا أكثر قيمة من الكلام المتردد أو الاستكشافي أو التوفيقي "و يفضّل الذكور أساليب التحدث هذه أكثر من الإناث". لكن هذا يدل على أن المناقشات البرلمانية والمحاكم، أيا كانت فضائلها الأخرى، لا تمثل أمثلة جيدة على الديمقراطية التداولية في أشتغالها، ومن الصعب تخيل أنصار النظرية التداولية يقولون عكس ذلك. تتطلب الديمقراطية التداولية أن يتم تنظيم النقاش السياسي بطريقة، يجب أن تدخل النقاش مجموعة واسعة من الآراء والحجج ذات الصلة بموضوع النقاش قدر الإمكان، حتى تعكس المناقشة بشكل حقيقي مخاوف ومصالح وقناعات أعضاء هيئة التداول، أولاً؛ وثانياً، عندما تحاول الهيئة المضي قدمًا نحو حل "للقضية التي تواجهها يجب أن يكون ثقل الأسباب المعروضة لدعم المواقف المختلفة التي له أهمية فعلية. هذا يعني أن المشاركين، بدلاً من محاولة الفوز، بمعنى التأكد من أن تفضيلاتهم الأولية تسود، عليهم أن يستمعوا إلى ما يقوله الآخرون ويفكروا فيه، ويبحثون عن الحل الذي لديه أقوى الحجج والأسباب. هذا، بالطبع، هو وصف مثالي. ولكن يمكن تقريبها بشكل أو بآخر اعتمادًا جزئيًا على البنية وجزءًا آخرعلى روح الهيئة التداولية. ولإعطاء مثال على ذلك كما يجري في المجتمعات المدنية الديمقراطية، تؤكد الدراسات التي تجرى عن هيئات المحلفين من المواطنين – وهي مجموعات صغيرة من المواطنين المختارين عشوائياً لمناقشة القضايا ذات الاهتمام الحالي مثل السياسة الصحية - على أهمية وجود المشرفين الذين تتمثل مهمتهم في ضمان تمتع الجميع بفرصة للمساهمة في النقاش، وأن وجهات النظر المختلفة تحصل على استكشاف صحيح وتمحيص نقدي.[8] وترى يونغ - طبقا لهذا الوصف بقدر ما تتطابق شروط المداولات الجيدة هذه مع أشكال الكلام والحجة بقدر ما يكون عادةً هذا الكلام "مبدئيًا أو استكشافي أو تصالحي"، ويستعمل "لإعطاء المعلومات وطرح الأسئلة بدلاً من تقديم آراء أو إثارة الجدل.[9]

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.....................

[1] L. Sanders, ‘Against Deliberation’, political theory, 25(192,.7.), 347-76; l.M. Young, ‘Communication and the Other: Beyond Deliberative and Democracy’ in Benhabib (ed.), Democracy and Difference ; I.M. Young, ‘Difference as a Resource for Democratic Communication’ in Bohman and Rehg (eds), Delib­erative Democracy; I.M. Young, ‘Inclusive Political Communication: Greet­ing, Rhetoric and Storytelling in the Context of Political Argument ‘ (paper presented to Annual Meeting of the American Political Science Association, Boston, Mass., September 1998).

[2] يمكن العثور على الحجج القوية المؤيدة والمعارضة، على التوالي :

I.M. Young, Justice and the Politics of Difference (Princeton, Princeton University press1990), Ch. 6.

C. Ward, ‘The Limits of “Liberal Republicanism”: Why Group-Based Remedies and Republican Citizenship Don’t Mix’, Columbia Law Review, 91 (1991), 581-607.

لمزيد من المناقشات الدقيقة، انظر:

C. Sunstein, ‘Beyond the Republican Revival’, Yale Law Journal, 97 (1988), 1539-89;

W. Kymlicka, Multicultural Citizenship (Oxford, Clarendon Press, 1995), ch. 7.

A. Phillips, The Politics of Presence (Oxford, Clarendon Press, 1995)..

[3] Sanders, ‘Against Deliberation’ pp. 363-6.

[4] المصدر نفسه، ص 366.

[5] R. Hastie, S.D. Penrod and N. Pennington, Inside the Jury (Cambridge, Mass., Harvard University Press, 1983), ch. 8.

[6] N. Marsden, ‘Gender Dynamics and Jury Deliberation’, Yale Law Journal nal, 96 (1987), 593-612.

[7] Young, ‘Communication and the Other’, p. 123.

[8] . Coote and J. Lenaghan, Citizens' Juries: Theory into Practice (Lon­don, IPPR, 1997);

G. Smith and C. Wales, 'Toward Deliberative Institutions: Lessons from Citizens' Juries' (paper presented to the ECPR Workshop on Innovation in Democratic Theory, 1999).

 [9] Young, 'Communication and the Other', p. 124

 

 

زهير الخويلديمقدمة: "يجب أن تبدأ العدمية بواسطة الذات في حد ذاتها"

العدمية هي الاعتقاد بأن جميع القيم لا أساس لها من الصحة وأنه لا يمكن معرفة أو توصيل أي شيء. غالبًا ما يرتبط بالتشاؤم الشديد والشك الراديكالي الذي يدين الوجود. لن يؤمن العدمي الحقيقي بأي شيء، وليس لديه ولاءات، ولا غرض سوى، ربما، دافع للتدمير. في حين أن قلة من الفلاسفة يدعون أنهم من العدميين، فإن العدمية غالبًا ما ترتبط بفريدريك نيتشه الذي جادل بأن آثارها المدمرة ستدمر في النهاية جميع المعتقدات الأخلاقية والدينية والميتافيزيقية وتسبب في حدوث أكبر أزمة في تاريخ البشرية. في القرن العشرين، شغلت موضوعات العدمية - الفشل المعرفي، وتدمير القيمة، والافتقار إلى الهدف الكوني - الفنانين والنقاد الاجتماعيين والفلاسفة. في منتصف القرن، على سبيل المثال، ساعد الوجوديون في نشر مبادئ العدمية في محاولاتهم لإضعاف إمكاناتها المدمرة. بحلول نهاية القرن، أفسح اليأس الوجودي كرد فعل على العدمية الطريق لموقف من اللامبالاة، غالبًا ما يرتبط بمناهضة التأسيس. لقد مر أكثر من قرن منذ أن اكتشف نيتشه العدمية وآثارها على الحضارة. كما تنبأ، كان تأثير العدمية على ثقافة وقيم القرن العشرين منتشرًا، ومضمونها المروع يولد مزاجًا من الكآبة وقدرًا كبيرًا من القلق والغضب والرعب. ومن المثير للاهتمام أن نيتشه نفسه، وهو متشكك جذري منشغل باللغة والمعرفة والحقيقة، توقع العديد من موضوعات ما بعد الحداثة. من المفيد أن نلاحظ، إذن، أنه يعتقد أنه يمكننا - بسعر رهيب - العمل في النهاية من خلال العدمية. إذا نجونا من عملية تدمير جميع تفسيرات العالم، فربما يمكننا حينئذٍ اكتشاف المسار الصحيح للبشرية. لكن كيف نشأت العدمية؟ وماهي مصادرها؟ وهل تمارس تأثيرات سلبية ام إيجابية على الحياة الإنسانية؟ ولماذا ارتبطت بالفلسفة التأسيسية في الحضارة الغربية؟ وهل ظهورها دليل استكمال وانتهاء أم دليل أفول وانحطاط؟ ومن هم أعلامها من الفلاسفة والدباء والفنانين؟ وبأي معنى يجدر بناء فلسفة مضادة للعدمية؟

1- أصول العدمية

"مع العدمية، لا توجد مناقشة ممكنة؛ لأن العدمي المنطقي يشك في وجود محاوره، وهو غير متأكد تمامًا من وجوده." فيكتور هوجو، البؤساء

تأتي "العدمية" من الكلمة اللاتينية nihil، أو لا شيء، والتي تعني عدم وجود أي شيء. يظهر في الفعل "إبادة"، بمعنى عدم تقديم أي شيء، تدمير تمامًا. في أوائل القرن التاسع عشر، استخدم فريدريش جاكوبي الكلمة لوصف سلبًا المثالية المتعالية. إلا أنه لم ينتشر إلا بعد ظهوره في رواية إيفان تورجينيف الآباء والأبناء (1862) حيث استخدم "العدمية" لوصف العلموية الفجة التي تبناها شخصيته بازاروف الذي يدعو إلى عقيدة الإنكار التام. مع حركة ثورية غير محكمة التنظيم (1860-1917) رفضت سلطة الدولة والكنيسة والأسرة. في كتاباته المبكرة، كتب القائد الأناركي ميخائيل باكونين (1814-1876) التماسًا سيئ السمعة لا يزال مرتبطًا بالعدمية: "دعونا نضع ثقتنا في الروح الأبدية التي تدمر وتفنى فقط لأنها المصدر الخلاق الأبدي الذي لا يمكن البحث فيه عن الحياة". - شغف التدمير هو أيضًا شغف إبداعي! " (رد فعل في ألمانيا، 1842). دعت الحركة إلى ترتيب اجتماعي قائم على العقلانية والمادية كمصدر وحيد للمعرفة والحرية الفردية كهدف أعلى. من خلال رفض الجوهر الروحي للإنسان لصالح جوهر مادي فقط، استنكر العدميون الله والسلطة الدينية على أنهما يتناقضان مع الحرية. تدهورت الحركة في نهاية المطاف إلى روح التخريب والدمار والفوضى، وبحلول أواخر سبعينيات القرن التاسع عشر، كان العدمي هو أي شخص مرتبط بجماعات سياسية سرية تدعو إلى الإرهاب والاغتيال. هؤلاء من المشككين. لأنهم أنكروا إمكانية اليقين، يمكن للمشككين أن يشجبوا الحقائق التقليدية باعتبارها آراء غير مبررة. عندما لاحظ ديموسثينيس (حوالي 371-322 قبل الميلاد)، على سبيل المثال، أن "ما أراد أن يؤمن به، هذا ما يؤمن به كل رجل" (أولينثياك)، فإنه يفترض الطبيعة العلائقية للمعرفة. الشكوكية المتطرفة إذن مرتبطة بالعدمية المعرفية التي تنكر إمكانية المعرفة والحقيقة. يتم تحديد هذا الشكل من العدمية حاليًا مع مناهضة التأسيس ما بعد الحداثة. في الواقع، يمكن فهم العدمية بعدة طرق مختلفة. العدمية السياسية، كما لوحظ، مرتبطة بالاعتقاد بأن تدمير كل النظام السياسي والاجتماعي والديني الحالي هو شرط أساسي لأي تحسين في المستقبل. العدمية الأخلاقية أو العدمية الأخلاقية ترفض إمكانية القيم الأخلاقية أو الأخلاقية المطلقة. بدلاً من ذلك، فإن الخير والشر غامضان، والقيم التي تتناول هذا الأمر هي نتاج لا شيء أكثر من الضغوط الاجتماعية والعاطفية. العدمية الوجودية هي الفكرة القائلة بأن الحياة ليس لها معنى أو قيمة جوهرية، وهي بلا شك المعنى الأكثر استخدامًا وفهمًا للكلمة اليوم. هاجم ماكس شتيرنر (1806-1856) الفلسفة المنهجية، وإنكر للمطلقات، وغالبًا ما وضعه رفضه للمفاهيم المجردة من أي نوع بين أوائل الفلسفيين العدميين. بالنسبة لشتيرنر، فإن تحقيق الحرية الفردية هو القانون الوحيد. ويجب تدمير الدولة التي تعرض الحرية للخطر بالضرورة. حتى فيما وراء اضطهاد الدولة، توجد القيود التي يفرضها الآخرون لأن وجودهم بحد ذاته يشكل عقبة تهدد الحرية الفردية. وهكذا يجادل شتيرنر في أن الوجود هو "حرب لا نهاية لها من كل واحد ضد الجميع" (الأنا وخاصتها، 1907).

2- فريدريك نيتشه والعدمية

"الرحمة هي الممارسة العملية للعدمية. دعونا نكرر: هذه الغريزة الكئيبة والمعدية تحبط الغرائز التي تهدف إلى الحفاظ على الحياة وتعزيزها: باعتبارها مضاعفًا للبؤس وحارسًا لكل بؤس، فهي الأداة الرئيسية لتفاقم الانحطاط." فريدريك نيتشه، المسيح المضاد

من بين الفلاسفة، غالبًا ما يرتبط فريدريك نيتشه بالعدمية. شخَّص نيتشه جوهر الأزمة المميتة في عصرنا: لقد وصفها بخصائصها الرئيسية وبطريقة إكلينيكية تقريبًا. لقد درسها على مستويات مختلفة، وأثناء قيامه بذلك، أعلن في كثير من الأحيان بأكبر قدر من الدقة عما كان يظهر فقط في نهاية القرن التاسع عشر. هذا المرض المميت في العصر الحديث، مرضنا، هو العدمية، عهد العبث، لا شيء ("العدم"، كما يخبرنا أصل الكلمة).  ان العدمية أو غياب المعنى ... كما يصبح عندئذٍ بلا هدف وكل المُثل التقليدية تفقد قيمتها. ولكن ما هو جوهر هذا "لا شيء" وما هو منبعه؟ لقد تميزت ظاهرة العدمية بشكل أساسي بموت الله، وهو الحدث الأهم في الآونة الأخيرة. لقد غربت للتو شمس الإيمان المسيحي. الظلام الآن هو الكثير من عالمنا. لقد تركنا الإله الفائق: لقد قتلناه، كما يخبرنا نيتشه أحيانًا. إن موت الإله المسيحي هذا، إذا كان أيضًا، ربما، علامة وإعلان فجر جديد، هو علامة، في عصرنا، بمجيء الإنسان الأخير، اكتمال العدمية. يشير "الانسان الأخير" إلى أكثر الأشياء حقيرًا في هذا العالم: الشخص العاجز عن الخلق والحب، والفرد المستعبد تمامًا، والتمتع "بسعادة" مبرمجة تافهة. هكذا يقفز على سطح الأرض.  بالنسبة لنيتشه، لا يوجد نظام موضوعي أو هيكل في العالم باستثناء ما نعطيه. من خلال اختراق الواجهات الداعمة للقناعات، يكتشف العدمي أن جميع القيم لا أساس لها وأن السبب عاجز. كتب نيتشه: "كل معتقد، كل شيء يعتبر شيئًا صحيحًا"، "خاطئ بالضرورة لأنه ببساطة لا يوجد عالم حقيقي" [ملاحظات من 1883 إلى 1888). بالنسبة له، تتطلب العدمية نبذًا جذريًا لكل القيم والمعاني المفروضة: "العدمية هي. . . ليس فقط الاعتقاد بأن كل شيء يستحق الهلاك؛ ولكن في الواقع يضع المرء كتفه في المحراث؛ واحد يدمر” ("(إرادة الاقتدار). يجادل نيتشه بأن القوة اللاذعة للعدمية مطلقة، وتحت تدقيقها الشديد “القيم العليا تقلل من قيمتها. الهدف مفقود، و"لماذا" لا تجد إجابة "(إرادة الاقتدار). حتما، ستفضح العدمية كل المعتقدات العزيزة والحقائق المقدسة كأعراض لأساطير غربية معيبة. سيكون هذا الانهيار في المعنى والأهمية والهدف القوة الأكثر تدميراً في التاريخ، وسيشكل هجوماً شاملاً على الواقع وليس أقل من أكبر أزمة للبشرية: ما أعنيه هو تاريخ القرنين المقبلين. أصف ما سيأتي، وما لم يعد يمكن أن يأتي بشكل مختلف: ظهور العدمية.. لبعض الوقت الآن، كانت ثقافتنا الأوروبية بأكملها تتجه نحو كارثة، مع توتر معذب يتزايد من عقد إلى عقد: بلا كلل، بعنف، متهور، مثل النهر الذي يريد الوصول إلى النهاية.. (إرادة الاقتدار). منذ نقد نيتشه المقنع، شغلت موضوعات العدمية - الفشل المعرفي، وتدمير القيمة، وانعدام الهدف الكوني - الفنانين والنقاد الاجتماعيين والفلاسفة. مقتنعًا بأن تحليل نيتشه كان دقيقًا، على سبيل المثال، درس أوزوالد شبنجلر في كتابه أفول الغرب (1926) عدة ثقافات لتأكيد أن أنماط العدمية كانت بالفعل سمة بارزة لانهيار الحضارات. في كل من الثقافات الفاشلة التي درسها، لاحظ شبنجلر أن التقاليد الدينية والفنية والسياسية التي تعود إلى قرون قد أضعفت وأطيح بها أخيرًا بسبب الأعمال الخبيثة للعديد من المواقف العدمية المتميزة: العدم الفاوست "يحطم المثل العليا". العدمي الأبوليني "يشاهدها تنهار أمام عينيه"؛ والعدمي الهندي "ينسحب من وجودهم إلى نفسه". الانسحاب، على سبيل المثال، غالبًا ما يتم تحديده بنفي الواقع والاستسلام الذي تنادي به الديانات الشرقية، ويرتبط في الغرب بنسخ مختلفة من الأبيقورية والرواقية. خلص شبنجلر في دراسته إلى أن الحضارة الغربية هي بالفعل في مراحل متقدمة من الاضمحلال حيث تعمل الأشكال الثلاثة للعدمية على تقويض السلطة المعرفية والأسس الأنطولوجية. في عام 1927، لاحظ مارتن هيدجر، على سبيل المثال لا الحصر، أن العدمية في أشكال مختلفة وخفية كانت بالفعل "الحالة الطبيعية للإنسان" (مسألة الوجود). كانت تنبؤات الفلاسفة الآخرين حول تأثير العدمية رهيبة. كتب هيلموت ثيليك، في عرض موجز لأعراض العدمية في القرن العشرين، أن "العدمية حرفياً لديها حقيقة واحدة فقط تعلنها، وهي أن العدم يسود في النهاية والعالم بلا معنى" (العدمية: أصلها وطبيعتها، مع إجابة مسيحية، 1969). من منظور العدمي، يمكن للمرء أن يستنتج أن الحياة غير أخلاقية تمامًا، وهو استنتاج، كما يعتقد تيليك، يحفز مثل هذه الفظائع مثل عهد الإرهاب النازي. تم رسم التنبؤات القاتمة لتأثير العدمية أيضًا في كتاب عدمية يوجين روز: أصل ثورة العصر الحديث (1994). إذا أثبتت العدمية أنها منتصرة - وهي في طريقها جيدًا، كما يجادل - فسوف يصبح عالمنا "عالمًا باردًا وغير إنساني" حيث سينتصر "العدم وعدم الاتساق والسخافة".

 3- العدمية الوجودية

"العدمية ليست فقط اليأس والنفي، ولكن قبل كل شيء الرغبة في اليأس والإنكار".

 ألبرت كامي، الانسان المتمرد

تُناقش العدمية غالبًا من منظور الشك الشديد والنسبية، فقد ارتبطت في معظم القرن العشرين بالاعتقاد بأن الحياة لا معنى لها. تبدأ العدمية الوجودية بفكرة أن العالم بلا معنى أو هدف. بالنظر إلى هذا الظرف، فإن الوجود نفسه - كل فعل ومعاناة وشعور - هو في النهاية بلا معنى وفارغ. في الجانب المظلم: أفكار حول عبث الحياة (1994)، يوضح آلان برات أن العدمية الوجودية، بشكل أو بآخر، كانت جزءًا من التقليد الفكري الغربي منذ البداية. إن ملاحظة المتشكك إمبيدوكليس أن "حياة البشر تعني شيئًا إلى حد أن تكون غير حياة فعليًا"، على سبيل المثال، تجسد نفس النوع من التشاؤم الشديد المرتبط بالعدمية الوجودية. في العصور القديمة، قد يكون هذا التشاؤم العميق قد بلغ ذروته مع هجسياس القيرواني. يجادل الفيلسوف بأن السعادة مستحيلة لأن البؤس يفوق عدد الملذات، وبالتالي يدعو إلى الانتحار. بعد قرون خلال عصر النهضة، لخص ويليام شكسبير ببلاغة وجهة نظر العدمي الوجودي عندما جعل ماكبث، في هذا المقطع الشهير قرب نهاية ماكبث، يبدي اشمئزازه من الحياة:

خارج، خارج، شمعة قصيرة!

الحياة سوى ظل يمشي، لاعب فقير

هذا يتبختر ويقلق ساعته على المسرح

وعندها لم يسمع مرة أخرى؛ إنها حكاية

قالها أحمق، مليء بالصوت والغضب، لا يدل على شيء.

في القرن العشرين، كانت الحركة الوجودية الإلحادية، التي انتشرت في فرنسا في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، هي المسؤولة عن عملة العدمية الوجودية في الوعي الشعبي. جان بول سارتر (1905-1980) يحدد حرف الجر للحركة، "الوجود يسبق الجوهر"، يستبعد أي أساس أو أساس لتأسيس الذات الأساسية أو الطبيعة البشرية. عندما نتخلى عن الأوهام، تنكشف الحياة على أنها لا شيء؛ وبالنسبة للوجوديين، فإن العدم ليس مصدر الحرية المطلقة فحسب، بل هو أيضًا مصدر الرعب الوجودي والألم العاطفي. يكشف العدم عن كل فرد على أنه كائن معزول "يُلقى" في عالم غريب وغير مستجيب، ممنوع إلى الأبد من معرفة السبب الذي يتطلبه اختراع المعنى. إنها حالة لا تقل عن كونها سخيفة. كتب ألبير كامو (1913-1960) من المنظور المستنير للعبثية أن محنة سيزيف، المحكوم عليها بالنضال الأبدي غير المجدي، كانت استعارة رائعة للوجود البشري (أسطورة سيزيف، 1942). القاسم المشترك في أدب الوجوديين هو التعامل مع الألم العاطفي الناشئ عن مواجهتنا مع العدم، وقد بذلوا طاقة كبيرة في الرد على السؤال حول ما إذا كان البقاء على قيد الحياة ممكنًا. كانت إجابتهم "نعم" مؤهلة، وتدعو إلى صيغة من الالتزام العاطفي والرواقية الجامدة. عند العودة إلى الماضي، كانت حكاية مليئة باليأس لأنه في عالم عبثي لا توجد أي إرشادات على الإطلاق، وأي مسار عمل يمثل مشكلة. الالتزام العاطفي، سواء كان غزوًا أو خلقًا أو أيًا كان، لا معنى له في حد ذاته. أدخل العدمية. لقد كان كامو، مثله مثل الوجوديين الآخرين، مقتنعًا بأن العدمية كانت المشكلة الأكثر إزعاجًا في القرن العشرين. على الرغم من أنه يجادل بشغف بأن الأفراد يمكن أن يتحملوا آثاره المدمرة، إلا أن أشهر أعماله تخون الصعوبة غير العادية التي واجهها في بناء قضية مقنعة. في كتابه الغريب (1942)، على سبيل المثال، رفض مورسو الافتراضات الوجودية التي يعتمد عليها غير المبتدئين والضعفاء. قبل لحظات فقط من إعدامه لارتكاب جريمة قتل بدون مبرر، اكتشف أن الحياة وحدها هي سبب كافٍ للعيش، ومع ذلك، فإن ذلك في السياق يبدو مقنعًا بالكاد. في كاليجولا (1944)، يحاول الإمبراطور المجنون الهروب من المأزق الإنساني عن طريق تجريد نفسه من إنسانيته بأعمال عنف لا معنى لها، ويفشل، ويرتب خلسة لاغتياله. يُظهر الطاعون (1947) عدم جدوى القيام بأفضل ما يمكن في عالم سخيف. وفي روايته الأخيرة، القصيرة والساخرة، السقوط (1956)، يفترض كامو أن كل شخص لديه أيادي ملطخة بالدماء لأننا جميعًا مسؤولون عن جعل الحالة المؤسفة أسوأ من خلال أفعالنا الباطلة وتقاعسنا على حد سواء. في هذه الأعمال وغيرها من أعمال الوجوديين، غالبًا ما يترك المرء انطباعًا بأن العيش بأصالة مع عدم معنى الحياة أمر مستحيل. كان كامو مدركًا تمامًا لمخاطر تعريف الوجود بلا معنى، وفي مقالته الفلسفية المتمرد (1951) يواجه مشكلة العدمية وجهاً لوجه. يصف فيه بإسهاب كيف ينتهي الانهيار الميتافيزيقي في كثير بالنفي التام وانتصار العدمية، التي تتميز بالكراهية العميقة والدمار المرضي والعنف والموت الذي لا يحصى.

4- مناهضة التأسيس والعدمية

"أنا أرفض العدمية، لكني أعبر عنها من أجل البدء من جديد." - مانو سولو

بحلول أواخر القرن العشرين، اتخذت "العدمية" طبقتين مختلفتين. في أحد الأشكال، يتم استخدام مصطلح "العدمي" لوصف شخص ما بعد الحداثة، وهو شخص ملتزم غير إنساني، ومبعثر، وغير مبال، ومربك، ويوجه الطاقة النفسية إلى النرجسية المتعالية أو إلى مشاعر عميقة تنفجر غالبًا في العنف. هذا المنظور مستمد من تأملات الوجوديين حول العدمية التي جردت من أي توقعات مفعمة بالأمل، ولم يتبق سوى تجربة المرض والانحلال والتفكك. كتب دونالد كروسبي في دراسته عن اللامعنى أن مصدر العدمية الحديثة ينبع بشكل متناقض من الالتزام بالانفتاح الفكري الصادق. "بمجرد أن تبدأ عملية التساؤل، يمكن أن تنتهي فقط إلى نهاية واحدة، تآكل القناعة واليقين والانهيار إلى اليأس" (شبح العبث، 1988). عندما يمتد البحث الصادق إلى المعتقدات الأخلاقية والإجماع الاجتماعي، يمكن أن يكون مميتًا، كما يواصل كروسبي، ويعزز القوى التي تدمر الحضارات في نهاية المطاف. يروي مايكل نوفاك، الذي تمت مراجعته مؤخرًا بعنوان تجربة العدم (1968، 1998) قصة مماثلة. كلتا الدراستين هي ردود على النتائج القاتمة للوجوديين من وقت سابق من هذا القرن. وكلاهما يناقش بتفاؤل طرق الخروج من الهاوية من خلال التركيز على الآثار الإيجابية التي يكشف عنها العدم، مثل الحرية والحرية والإمكانيات الإبداعية. نوفاك، على سبيل المثال، يصف كيف كنا نعمل منذ الحرب العالمية الثانية على "الخروج من العدمية" في طريقنا لبناء حضارة جديدة. على النقيض من الجهود المبذولة للتغلب على العدمية المذكورة أعلاه، فإن الاستجابة ما بعد الحداثة الفريدة المرتبطة بمناهضي التأسيس الحاليين. الأزمة الفلسفية والأخلاقية والفكرية للعدمية التي أزعجت الفلاسفة المعاصرين لأكثر من قرن أفسحت المجال للانزعاج المعتدل أو، وهو الأمر الأكثر إثارة للاهتمام، القبول المتفائل لللا معنى. كما يصف الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار ما بعد الحداثة بأنها "شكوك تجاه ما وراء السرد"، تلك الأسس الشاملة التي اعتمدنا عليها لفهم العالم. لقد قوض هذا الشك الشديد التسلسل الهرمي الفكري والأخلاقي وجعل مزاعم "الحقيقة"، متجاوزة أو عابرة للثقافات، إشكالية. المناهضون للقومية ما بعد الحداثة، الراسخون على نحو متناقض في النسبية، يرفضون المعرفة باعتبارها علائقية و "الحقيقة" باعتبارها عابرة، وحقيقية فقط حتى يحل محلها شيء أكثر استساغة (يذكرنا بمفهوم ويليام جيمس عن "القيمة النقدية"). الناقد جاك دريدا، على سبيل المثال، يؤكد أنه لا يمكن للمرء أبدًا التأكد من أن ما يعرفه يتوافق مع ما هو موجود. نظرًا لأن البشر يشاركون فقط في جزء متناهي الصغر من الكل، فإنهم غير قادرين على فهم أي شيء على وجه اليقين، والمطلقات مجرد "أشكال خيالية". يطرح ريتشارد رورتي المناهض للقومية الأمريكية نقطة مماثلة: "لا شيء يؤسس لممارساتنا، ولا شيء يضفي الشرعية عليها، ولا شيء يظهر أنهم على اتصال بالطريقة التي تسير بها الأمور" ("من المنطق إلى اللغة إلى اللعب،" 1986). ويخلص رورتي إلى أن هذا الطريق المسدود المعرفي يؤدي حتما إلى العدمية. "في مواجهة اللاإنساني وغير اللغوي، لم نعد لدينا القدرة على التغلب على الاحتمالات والألم من خلال التخصيص والتحول، ولكن فقط القدرة على التعرف على المصادفة والألم" (الطوارئ، المفارقة، والتضامن، 1989). على النقيض من مخاوف نيتشه وقلق الوجوديين، تصبح العدمية بالنسبة للمعارضين للقومية مجرد جانب آخر من بيئتنا المعاصرة، أفضل ما يمكن تحمله مع الغناء. تناقش كارين كار في كتابها تفاهة العدمية (1992) الاستجابة المناهضة للقومية للعدمية. على الرغم من أنها لا تزال تؤجج النسبية المشلولة وتدمر الأدوات النقدية، فإن "العدمية المبهجة" تحمل اليوم والتي تتميز بقبول سهل لللامعنى. ويخلص كار إلى أن مثل هذا التطور ينذر بالخطر. إذا قبلنا أن جميع وجهات النظر غير ملزمة على قدم المساواة، فإن الغطرسة الفكرية أو الأخلاقية ستحدد المنظور الذي له الأسبقية. والأسوأ من ذلك، أن تبذير العدمية يخلق بيئة يمكن فيها فرض الأفكار بالقوة مع القليل من المقاومة، والقوة الخام وحدها هي التي تحدد التسلسل الهرمي الفكري والأخلاقي. إنها استنتاج يتوافق بشكل جيد مع استنتاج نيتشه، الذي أشار إلى أن جميع تفسيرات العالم هي ببساطة مظاهر إرادة الاقتدار.

خاتمة

" يعلم الجميع أن الحزن يمنح الأسلوب. العدمية أيضًا." بيير موستييرز

تفاؤلنا هو العدمية: إنها تنص على أن هذا العالم لا يساوي شيئًا، لأن أي عالم آخر سيكون أفضل. لا يوجد أي تردد، أي شك محتمل حول معنى القصة: عليك أن تختار التغيير بدافع التحيز، لأنه سيحدث ولأنه يجب أن يحدث. يرفض مثل هذا المنظور اعتبار أن لدينا سلعًا يجب أخذها في الاعتبار عند الاختيار، والتمييز الذي يتعين القيام به؛ لذلك، من المفترض أن نفترض أنه ليس لدينا ما نخسره - وهو الافتراض بأنه ليس لدينا أي شيء على الإطلاق، في الواقع. إنه جعل الوجود كله في العدم، من خلال منح الفضل فقط لما لم يحدث بعد.

يمكن فهم العدمية، المعروفة أيضًا باسم "النسبية"، على أنها ظاهرة خاصة بالعصر الحديث. العدمي هو الذي يعمل على الفصل بين القيم والحقائق، الذي يعلن استحالة تراتبية القيم. انها عقيدة لا يوجد بموجبها أي شيء بالمعنى المطلق؛ إنكار أي حقيقة جوهرية، لأي عقيدة. شاع مصطلح العدمية من قبل الكاتب الروسي إيفان تورجينيف في روايته الآباء والأبناء (1862) ليصف من خلال بطله، بازاروف، آراء المثقفين الراديكاليين الروس. كما يعرّفها تورغينيف، العدمية تتوافق مع الوضعية الراديكالية. لقد مر أكثر من قرن منذ أن اكتشف نيتشه العدمية وآثارها على الحضارة. كما تنبأ، كان تأثير العدمية على ثقافة وقيم القرن العشرين منتشرًا، ومضمونها المروع يولد مزاجًا من الكآبة وقدرًا كبيرًا من القلق والغضب والرعب. العدمية هي الاعتراف الواضح بأن الأساس الميتافيزيقي القديم للقيم، عند التماثل مع الله، هو مجرد تخليق حول العدم: "إذا كان فيلسوفًا يمكن أن يكون عدميًا، يستنتج نيتشه، فسيكون كذلك لأنه" لا يجد شيئًا وراء كل المُثل العليا “. ومن المثير للاهتمام أن نيتشه نفسه، وهو متشكك جذري منشغل باللغة والمعرفة والحقيقة، توقع العديد من موضوعات ما بعد الحداثة. من المفيد أن نلاحظ، إذن، أنه يعتقد أنه يمكننا - بسعر رهيب - العمل في النهاية من خلال العدمية. إذا نجونا من عملية تدمير جميع تفسيرات العالم، فربما يمكننا حينئذٍ اكتشاف المسار الصحيح للبشرية: أنا أمدح، ولا ألوم، وصول العدمية. أعتقد أنها واحدة من أكبر الأزمات، لحظة أعمق انعكاس للذات للإنسانية. وسواء كان الإنسان يتعافى منها، سواء كان سيدًا لهذه الأزمة، فهذه مسألة تتعلق بقوته. إنه ممكن. لكن كيف نحارب العدمية؟

إذا كان كل شيء على ما يرام، فلا شيء جيد. هذه العدمية مميتة. من ناحية أخرى، يجب أن نقبل النسبية، التي هي الأفق الفكري الذي لا يمكن التغلب عليه في عصرنا: كل قيمة مرتبطة بمجتمع معين، إلى حضارة معينة. كما تحدد العدمية أصل التكوين المعاصر في القوة المتنامية للفراغ. ونتيجة لذلك، فإن هذا يتفق مع عصرنا الذي، أحيانًا للأسوأ، يكرس انهيار معايير اليقين. لمحاربة العدمية، عليك أن تتبع المسار الذي أوصلك إلى هناك، وعلى هذا النحو، فهو تيار عميق أثر على البشرية منذ عدة قرون؛ سواء أعجبك ذلك أم لا، فقد ولدت في عالم قام فيه العديد من الفنانين بالإشارة إليه وطُبع خطبهم ... فماهي الفلسفة التي انتصرت على العدمية؟ وأليس الخلق الإبداعي والالتزام العملي بالثورة والتغيير هو التفلسف المضاد للعدمية؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

 

سامي عبد العالبأضَّدادِها تتمايز الأشياءُ.. وعلى هذا المنوال ستُعْرف بماهيتها وخصائصها إزاء أشياءٍ أخرى. الضّدُ في العادة يكشفُ غيره إلى درجة بعيدةٍ، أي يبرز ما يناقضه تماماً مثل اختلاف الطبائع والألوان. فاللون الأبيض مختلفٌ تماماً عن الأسود، وكذا الأحمر متباين عن الأصفر، وتباعاً الأخضر لا يماثل اللون الأزرق.. وهكذا. ولكن إذا حَدَثَ ذلك ثقافياً في إطار المفاهيم والمعاني والرؤى، فلأننا نفكر بتصوراتٍ حدِّية قاطعةٍ تحكمها مرجعيةٌ لا يوجد بديل عنها، حيث نترقب مستويات بائنة لحد الظهور بين الأفكار.

 وهذا المعطى قد يمثل سقفاً (عقلياً وايمانياً) يحدد آفاق القول في مجالات الدين والسياسة والأخلاق والمعرفة بالإجمال. إذ ذاك نؤكد داخل مواقف الحياة على ذلك الصراع الدرامي: "نحن أو هم"..." أنا أو هو". وبالتالي نظن أنه يوجد هناك هذا المعنى: " كلُّ شيء أو لا شيء"، مثلما يُقال في السياسة: " أنا ومن بعدي الطوفان " أو كما قال أبو جعفر المنصور ذات خطبة " إنما أنا سلطان الله في أرضه "!! وهكذا بات الصراع المقُّوليconflict categorical نمطاً لكيفية التفكير وخطاب التواصل في بعض المجتمعات العربية الإسلامية، نتيجة أنَّ (التنوع الأفقي) ليس راسخاً إلى حد كبيرٍ. والشيء الأبعد أنَّه بتلك الطريقة يبثُ عنفاً مؤسَّساً على قضايا الدين (خلال مجالاتٍ ثقافية متباينةٍ).

إذن يبدو منطقياً (بهذا التاريخ أو ذاك من الفكر) التساؤل عن نقيض المقدس (معتقد- نص- مرجعية – أيديولوجيا- سلطة) طالما يتكون معناه في سياق ميتافيزيقي- ثقافي. فلرُبَّ قائل هنا إنَّ نقيض المقدس هو: المدَّنس، وآخر قد يزعم أنَّه: الدنيوي، وربما ثالث يؤكد أنَّه: العلماني، ورابع يظن أنَّه: الإنساني... إلى باقي الأطراف الوارد في معادلات الفكر المعاصر (المقدّس / المدّنس، المقدس / الدنيوي، المقدس / العلماني، المقدس / الإنساني...). يترتب على ذلك وجود عبارة رائجة: طالما أننا ننتقد التجليات العنيفة للمقدس بحكم ولادته اعتقادياً في سياق الحياة، فينبغي علينا (أو هكذا يُقول المتعلمنون) تأييد الطرف المقابل له، أو هكذا يجب معرفته حتى نقلل من الغلواء باسمه. يحدث ذلك من قبل البعض المتعلمن دونما أدنى اهتمام بدلالة المقدس نفسه. ولا كيف يحقق وجودّه على صعيد الفكر، ولماذا يتقدَّس أصلاً على نحو مستمر بين الناس؟ وهل كل مقدس يقفز خارج نطاقه فارضّاً معناه كمعتقد ونمط ايمان أم لا؟

استدراكاً لهذا بعد تلك الأسئلة، قد يذهب آخرون أنَّ الطرفَ الآخر لثنائية dualism المقدس وغيره هو (محصلةُ ذلك كلِّه) في الاتجاه المغاير تماماً. ولكن تلك الطريقة في فهم الأمور ترتبط بأحكام خاطئةٍ، مثل اعتبار (الإيمان) خاصاً بموضوعات التقديس ضمن الأديان فقط وأنه سيكون مفهوماً في نطاقها ليس إلاً (كما يقول البعض المتسلِّف). بينما الإيمان في الحقيقة ينتشر بدرجةٍ كبيرةٍ عبر ممارسات إنسانية أخرى مثل: الحب وحميمية العلاقات الاجتماعية والصداقة والضيافة والكرم والتسامح والتقدير والاحترام المتبادل وممارسة الفضائل. كما أنَّ تجاهل مواقعه (أي الإيمان) غير الدينية سيوقعنا في أشكاله الزائفة مرات ومرات.

وعلى الرغم من صحةِ الاستفهام حول ما هو نقيض المقدس؟، إلاَّ أنَّ موضوع الاستفهام المقصود في ذاته ليس صحيحاً (أي المقابل له حصرياً). فهو استفهام مزيف false question من طرفه المفتوح ما لم نتأمل أولاً طبيعة المقدس كمعنى أصلي على نحو مغايرٍ. المسألة الحيوية إذن: أنَّ المقدس ليس طرفاً في نظام منطقي مع أي نقيض له وإلاَّ لفقد مدلوله المتعالي ابتداءً. كل مقدس لا يدخل في أرجوحة التقابل مع سواه، إذ كيف يكون مقدساً مكتفياً بذاته ثمَّ يترك نفسه مع شيء مساوٍ له منطقياً أو أيديولوجياً؟! إنَّ المقدس بحكم مكانته (أو هكذا يجب اتساقاً مع تعريفه) يهيمن على كل الأطراف في لعبة إقصاء وجذب دائراً حول نواتُّه العليا دون سواها.

كما أنَّ (ماهية المقدس النوعية) من الخطورة بمكان لدرجة أنّها قد تُخلّع على الطرف المقابل له كما هو حال لعبة الثنائيات في الميتافيزيقا واللاهوت. فلكي يكون المقدس متفرداً في ذاته، تذهب صفاته على الطرف الثنائي له من باب أن الواقف أمام المقدس يعد مقدَّساً بالمثل ولو كان مناقضاً له. وبالتالي سيكتسب هذا الطرف المقابل أو ذاك قيمته الأصلية نفسها بدرجة متقاربة جداً. فلو تصورنا مثلاً أنَّ معنى الدنيوي (هذا الأمر المؤقت والمعيش) مضاد للمقدس (ذاك المطلق والتام)، وكان الدنيوي محل أيديولوجيا سياسية أو اجتماعية رائجة وغارقة في الشمول والإكراه، فسيكون الطرف الأخير له مكانة التقديس نفسها. وسينصرف الدنيوي الزائل من حينه طارداً الأطراف المغايرة في دورات ثقافية لا تنتهي. فالمقدس إزاء أيِّ طرفٍ (أشبه بالموجب مع الموجب) لا يلتقيان معاً ولا يرتفعان معاً، إنما يتنافران عادةً في أية دائرةٍ تجمعهما. إنَّ معرفة تلك الفكرة البسيطة سيحُول مستقبلاً بيننا بين تقديس الأشياء والأفكار والشخوص والمفاهيم. بل سيكون أيُّ مقدس غير أصيلٍّ موضّع استفهام دائم لمعرفة أبعاده وحيثياته، كما أن البحث عن نقيض المقدس سيستنفد طاقاتنا، بقطع النظر عن سلطته وتضخُمه المتواصلين.

شيءٌ من هذا يوجد في مفهوم (الله بمعناه التوحيدي) ضمن الديانات الإبراهيمية (اليهودية، المسيحية، الاسلام). فدلالة الإله لا تقبل معنى الشرك من قريبٍ أو بعيدٍ بحسب منطلق الإيمان. وكلُّ من ينادي بذلك يعتبره أصحاب أهل الايمان منحرفاً عن أصل الاعتقاد. كما أنَّ الإله لا يسعْه في الكون شيءٌ، وبالتالي سيقف ملء السماوات والأرض خيالاً وايماناً (وسع كرسيُّه السموات والأرض). كما لخصت الفكرة إحدى آيات القرآن بشكل موجز من النهاية (لو كان فيهما آلهةٌ إلاَّ الله لفسدتا). إنه التنافر الأصلي في بذرة القداسة (تلك التي لا تجتمع بغيرها) طالما انطوت على الإمكانية القصوى لموجود واجب الوجود بذاته وبسواه هو الله.

 ومن قدرة المقدس على اعادة انتاج تأثيره: أنْ يستقطب انتباهنا بواسطة الطرف النقيض. على سبيل التوضيح: أليست هناك جوانب في جميع الديانات تخص الشيطان؟ والشيطان هو الطرف النقيض إيمانياً لله، فهناك هذا الصراع الخفي والدؤوب بينه وبين الله على صعيد الحياة البشرية وأمورها. ولهذا سينصرف انتباه البشر إلى ما سيفعله الشيطان بهم لا إلى أي شيء غيره. وكيف سيكون قادراً على تضليلهم ودفعهم إلى طريق الخطايا والأعمال الخبيثة ولذلك أخذوا بالترقب لنفثاته وهمزاته طوال الوقت. مع أن الشيطان خِلْقياً من مخلوقات الله ولم يقل الشيطان نفسه بوضع مقارنه بينه وبين الخالق، بل الأدق أنّ الاسلام نهى عن تأليه الشيطان أو إضفاء صفات القداسة عليه كأنْ يتصرف في الكون أو يشكل أمور الحياة. وعلى المسلمين التحسب من جميع بدائل الشيطان (الطاغوت، الأصنام، الأوثان، الأشرار،...).

من جانبٍ آخر، فإن ثمة ديانات كالمسيحية تبني دراما جدلها الداخلي بين الخير والشر على وجود النقيض (الخطيئة) نتيجة اغواء الشيطان. وهو جدل كوني مرتبط بمسألة الخلق ومسيرة الحياة الإنسانية وعودة المسيح ونهاية الحياة بالمثل. وكانت ميتافيزيقا الصلْب والفداء هي الغلاف المقدس الذي ظل يبرر الاعتقاد، لدرجة أنَّ من يؤمن بالثانية من المسيحيين (عملية الصلب والفداء) لابد أنْ يؤمن بالأولى (الخطيئة). وبذلك كان للشيطان دور واضح في سيناريو الوجود البشري منذ البداية إلى النهاية، وبالطبع هناك موطئ أقدام شيطانية لا يفقدها هؤلاء المؤمنون حيال الحياة وفي التفاصيل التي يمارسونها. وهي ما تجعلهم متمسكين بالمعتقدات والأسرار كما تطرحها الكنيسة كركن من أركان اللاهوت المسيحي.

 كلُّ ذلك دونما مناقشة أنَّ مصدر الكلام هو النصوص المقدسة في الأساس. ومن هنا – وتلك أحدى خواص المقدس- كلما سلَّطنا التفكير تجاهه سيكون النقيض (هذا الشيطان... وأي شيطان آخر) هو الضامن لمعرفته وأهميته وقدرته الفائقة على الوصف. بل النقيض هو الامتداد المقلوب له بدرجة متساويةٍ في كثير من الأحيان. بمعنى إذا كانت كل الصفات الشريرة والخبيثة والماكرة تُنسب إلى كائن غامض اسمه الشيطان، فإنَّ جميع صفات الخير والهداية والرحمة ستنسب بالمقابل إلى الله.

وهذه الفكرة تشكل ميتافيزيقا الاعتقاد الثنائي في تاريخ الديانات طُراً بلا استثناءٍ. فعالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم اعتبر أنَّ المقدس فاعل داخل الدين كنظام موحَّد من المعتقدات والممارسات المرتبطة بأشياء ميتافيزيقية حتى ولو كانت متناقضة؛ أي أشياءً يجري عزلها وتحاط بشتى أنواع التحريم واللامساس، لدرجة أن هذه المعتقدات والممارسات تجمع كل المؤمنين بها في جماعة أخلاقية واحدةٍ.

على الجانب الآخر، فإنَّ اقصى ما يفعله المؤمنون (على اختلاف حيواتهم الدينية) هو التأكيد على وجود نقيض شبه موضوعيquasi-objective للمقدس (مثل وجود أصحاب المعاصي أو أهل الظلم والجور أو إجمالاً وجود أفعال الشرور والآثام). فهذا سيعطيهم طاقة إضافية لمواصلة الإيمان العملي طالما وجدوا عدواً منظوراً أو متوقعاً في طريقهم. كما أنهم يجنبون إيمانهم شروخاً محتملة في المستقبل، لأنَّ العدو المنظور سيوفر لهم درجةً من التلاحم الذاتي لا تقل عن الاعتقاد نفسهِ. وبذات الوقت، فإنَّ هؤلاء المؤمنين يخطفون تصورات متأرجحة (من جهة الصحة والخطأ) حول الأعمال وتحمل المسؤولية عنها أو لا. فعندما يريد هذا المؤمن أو ذاك الهروب من الإلزام الخلقي بسبب بعض تصرفاته غير المقبولة، يلقي بالمسؤولية على الشيطان ووساوسه. ولعلَّ الشيطان هو أكبر نقيض في تاريخ الأديان الذي يحمل أوزاراً ولعنات ملقاة عليه من هنا وهناك بحجم تاريخ البشرية.

 والآن: طالما لا يوجد نقيض للمقدس بالمفهوم السابق، فهل كلُّ مقدس سيناقض ذاته؟! يبدو أنَّ الإجابة بنعم هو الأمر الأقرب للصحة، لكن هذا التناقض يأتي بصيغة الاتساق المزدوج (أي معنى المقدس وبدائل المعنى نفسه). فكل مقدس من هذا الصنف لن يقبل وجود غيره مستقلاً بسهولة فلسفيةٍ. كما أنه يتمتع بسلطة مطلقة دون شريك ولا مثيل، حتى يأخذ مكانته متفرداً وإلاَّ لما سُمي بهذا الاسم. ولنلاحظ أنه لا توجد وراء هذا الوضع (استحالة إنسانية) تقف بالمقدس ضد منطق العقل (أي أنه من غير المتصور تحقق المقدس هكذا)، بل إنَّ المقدس نفسه يمثل مفارقة ميتافيزيقية metaphysical paradox غير عقلانيةٍ بالأساس.

 وهذا من طبيعة تكوينه المطلق في ذاته وتكوينه النسبي عبر وجودنا وتصوراتنا. فالله مطلق خارج التصور والفكر والوجود وهكذا يؤمن الناس، ولكنه نسبي عبر تفكيرنا تبعاً لما نعتقد (ولذلك سيكون الإيمان هو الرافعة الرمزية والنفسية التي تحل هذا الإحراج المنطقي). لأن الإيمان حب وطاقة نفسية تحقق على صعيد الاعتقاد نزوع التعرف والتيقن الخاصين دون المرور بنظام منطقي يتعلق معطيات الواقع والأشياء ولا هو مطالب بها أصلاً.

وأظن (من ثمَّ هي الفكرة المفترضة هنا) أنَّه لا نقيض للمقدس إلاَّ المقدس نفسه بحكم وضعية المفارقة المشار إليها. وبالتالي ستعارض الفكرة السابقة جميع الثنائيات المطروحة بمعناه أو كيانه في تراثنا العقلي: فثمة مشكلة حقيقية: كيف يقف مقدسٌ إزاء مقدس آخر؟ إنَّ تناطُّح المقدسات كما في حال المذاهب والنحل والملل لا يأتي إلاَّ بفضل النقائض التي تستبطن أفكارنا. تلك النقائض التي نراها بعيدةً عن المقدس وخارج هيمنته، بينما هي مشبعة بوجوده إنْ لم يكن حقيقةً، فعلى منواله وأساليب عمله. وبالتالي: كيف نتتبع المسألة إذن بصورة واضحةٍ؟! هناك عدة مستويات يظهر من خلالها المقدس في معناه البعيد. وهي مستويات تظهر: لماذا لا يوجد نقيض للمقدس وفي حالة لو وجدت صيغ منه، ستجعله مفهوماً ومتداولاً بطريقة أخرى.

* الأصل origin. يحتل المقدس موقع الأصل قصداً، سواء أكان كائناً أم نصاً أم دائرة مرجعية دينية أو أيديولوجية. وطبعاً الأصل لا يترك نفسه كلما اتفق، إنما يُخفي ذاته في رموز وأنشطة ومعارف عديدة داخل الحياة الإنسانية. والفكر العربي الإسلامي يضع الأصل (الأصول) موضع التحريم ويضعه سارياً عبر كل الأشياء والأفعال. وبالتالي تتضاعف معاني الأصل بشكل متواتر دونما مبررات فعلية. بحيث تصبح أية علاقة لا تتوافر على الأصل ضرباً من الإقصاء الحادث بالضرورة. وحتى إذا وُضعت حقيقتها مرهونةً به كان ذات الأقصاء أيضاً. وهنا يظهر التناقض الذي يقع فيه وضع المقدس بالأصل. فكيف يكون أُسّاً ويعد كذلك علاقة، وعرضاً؟!

وربما يزداد هذا التناقض حدةً إذا كان وارداً في مجال الفعل الإنساني. فالأصل المقدس ضمن التاريخ ليس أصلاً، لكونه إمَّا يتعدد، يتنوع، يختلف ويتشذر وهذا شيء طبيعي تماماً، وإما يتكرر ويستنسخ مراراً كما هو وضعه. وفي الحالين لن يغدو معناه مفارقاً خارج التاريخ كما تؤكد فحواه بالنسبة للإنسان. بل سينتج الإنسان إزاء المقدس تجارب متناقضة تمام التناقض به وداخله (تجارب الإيمان والاعتقاد كثيرة ومتناقضة بحسب الأديان). المثال الأبرز حينما يظن أصحاب مفهوم الخلافة الإسلامية (الجماعات الدينية) وجودها على منهاج النبوة كما يقولون. هذا في التاريخ ليس إلا ادعاءً.

فالسؤال المهم: ما المقصود بهذه المقولة السياسية؟! أهي حقبة كان النص الديني فيها نصاً حيّاً ومعيشاً بكافة الجوانب والتفاصيل؟ وهل هي ضمان تاريخي لصحة الأفعال والصورة المقدمة للحياة؟! وعلى افتراض الإجابة بالإثبات، فلن يكون نموذج الحكم صحيحاً ولا مثالياً كما يقال (السلف الصالح والراشد). فهذا إنْ حدث فلن يجري في التاريخ كأحداث وأزمنة من لحم ودم. والوقائع تثبت كون الخلفاء الراشدين كانوا بشراً يخطئون ويصيبون، وتحيطهم الصراعات السياسية والاجتماعية من كل جانب مثلما فعلوا أشياء مقبولة وأخرى غير مقبولة. وبخاصة أن رسول الاسلام نفسه ترك مساحات من الحياة السياسية دون تقرير نظامها وكيف يتصرف فيها الخلفاء والصحابة (مثل نظام الحكم وإدارة المجتمع والسلطة). وبالتالي لم تكن فترات سلطتهم معبرةً تمام التعبير عن النقاء والطهرانية إنْ كان الأمر كذلك لدى المتسلفين!! إذن ثمة استحالة تجدد نفسها لتأصيل الأصل في التاريخ بعبارة محمد أركون. ويصبح المقدس في صورة تاريخ معطى على نحو كامل محل استفهام وراء استفهام. إذن لماذا لا يبدع الإنسان حياة جديدةً في كل عصر من العصور، حيث لن تعود الحياة القديمة (مع استحالة ذلك بالطبع) إلاَّ في بنية مختلفةٍ. ذلك على افتراض التكرار السلفي لحياة الإسلام الأول في أضيق الحدود والبدائل.

* السر secret. الأسرار تلف المقدس بدايةً من وجوده وتأثيره حتى الإيمان به. ربما ليس المقدس مقدساً في ذاته إلاَّ لكونه سراً. وهناك ترادف في المعنى بين التقديس والسرية التامة إبقاءً عليه. وربما لهذا السبب يظل حافظاً مكانته في نفوس المؤمنين والاتباع. فالأقانيم الثلاثة في المسيحية (الآب- الابن – الروح القدس) في تكوينها هي أحد أسرار الايمان. ناهيك عن أنَّ العلاقة بين عناصرها متروكة للغموض على هذا الغرار أيضاً. وسيبدو التناقض ظاهراً مع محاولة التبرير العقلاني Justification rational لهذه الأسرار. وقد حاولت بعض الفلسفات تقديم إنساق تبريرية حول هذه المسائل مثل فلسفة بول تيلش وسورين كيركيجارد ولكنها لم تفعل سوى إنشاء مفاهيم موازية في مجتال التفلسف ومحشوة بكم من المعاني النفسية والإيمانية على طول الخط.

أما لماذا يرتهن المقدس بالسر عموماً، فلأن المقدس ذو عمق شخصي غائر في تكوين الذات، يتشكل من إيمان الأفراد ومن أخيلتهم وتجاربهم الروحية. وبالتالي إذا ما حاول هؤلاء فرض نمط من الإيمان على غيرهم سيكون التناقض جلياً. والمسلمون المؤدلجون لا يقتنعون في قرارة أنفسهم بأن المقدس سر ملغز. فكل جماعة اسلامية هي ضرب من الإعلان الجمعي العنيف- القائم على التناقض- لهذا السر. حت يمكن القول بأن الممارسات الدينية عبارة عن ترويض لهذا النزوع بإخضاع الأخرين لما يعتقدون. إما الأكثر تناقضاً من تلك الجهة فهو تعميم هذا الايمان السري خارج نطاقة في هيئة نظام جمعي.

* الهوية الذاتية self- identity. كل مقدس يتميز بهويته الذاتية المكتملة من أول وهلةٍ. ربما هو المعبر الوحيد عن القضية الأرسطية (قانون الهوية: أ= أ)، الهو هو. جميع الأديان تؤكد على ذلك المعنى. ولا تمل من التأكيد عليه. ويشمل هذا القانون الحقائق والمفاهيم والنتائج أملاً في الوصول إلى الفعل. وإذا كانت أية هوية تستحيل إلى اللاهوية non identity بفضل التراكم التناقضي لعناصرها من واقع تنوع الحياة، فالفكرة السابقة الخاصة بالهوية تبقيه بمنأى عن الانقسام. والدين إجمالاً ضرب من الهوية الذاتية المتخيلة بهذا المدلول.

لكن سيأتي التناقض الخصيب من محاولة التوحُد بتلك الهوية المفارقة من قبيل المختلفين. مرة بالتصوف كحال التوحُد الروحي مع المحبوب. ومرة بممارسة الطقوس استحضاراً لتجربة الأصل. وغيرهما بالمعارف التي ترمي إلى قول الحقيقة الأصلية رأساً.

* الايمان والاعتقاد faith and belief. يترسب المقدس لدى المؤمنين بهاتين الوسيلتين. لكنهما أكثر من وسيلتين. فالفرق بينهما كالفرق بين القول بإمكانية تحريك الشمس بأصبع اليد وبين القطع بكون الأصبع يحركها حقاً. فالتناقض واضحٌ بين الإحساس والرغبة وبين التصور. إنَّ الإيمان عاطفة قوية لدى الشخص بطاقة الامتلاء من المقدس. إنه تجربة ذاتية من الألف إلى الياء وتصاغ بمعطيات التجربة نفسها. وقد تكون بعيدة الدلالة من جهة عدم إمكانية امتلاكها حتى ينجذب المؤمن إليها بكامله. أما الاعتقاد فهو تحول الإيمان إلى معتقد (تصور- مفهوم- فكرة) معقُود عليه وغير قابل للمناقشة.

والتناقض يظهر عندما يغدو الإيمان فاقداً حرارته ليصبح مادة باردةً. لأنه كإيمان حي يجب ألاَّ يتوقف عن الحركة والتعبير عن نفسه كما أنَّه يختلف من شخص لآخر. وبالتالي لن يغدو موضوعياً بحال من الأحوال.

* الحضور presence. فإي مقدس يحضر بطريقةٍ من الطرق حضوراً كاملاً. ولو كف عن الحضور سيكف لدى معتنقيه عن إيصال معاني القداسة. وهذه القضية رغم أنها تبذل الحذر كل الحذر من التناقض سوى أنها تؤدي إليه بالنهاية. فكيف لسر غير متعين أنْ يحضر؟ أليست الكلمات تشيئ المعاني؟ ثم يحاول المؤمن تأكيد معنى الألفاظ دونما الشعور بوقع هذا التعين على نحو ملموس.

وبالتالي تتداعى المفاهيم البشرية للمقدس بوضوح من خلال اللغة وتداولها. لأنَّ أي نقيض محتمل في وجوده لن يقارع هذه العناصر السالفة المكونة له ولا يحققها ولو كانت سالبة (أي في الاتجاه النقيض). فاللغة تحمل لدرجة التنوع صور المقدس وطرائق عمله في ذهنية الإنسان. وكل النصوص الدينة تعتمد على شيء يتجاوزها مثل الإيمان والوحي والعالم الأخروي (سلطة المعنى مع قوة الرغبة والاعتقاد والتجربة الروحية).

 لكن اللغة مع كل هذا لابد أنْ تتمتع باتساقٍ من نوع ما في نظامها الدلالي. إذ ذاك ستترك المقدس يتجلى بمنطق التعبيرات ودلالتها كما هو في النصوص. عندئذ سيتجدد التساؤل الدائم: هل يتسق المقدس مع مواقعه الدلالية المتنوعة بلا تناقض أم لا، وبخاصة أنَّ مواقف الناس متناقضة لدرجة الاختلاف؟! وهذا الباب سيظل مفتوحاً دون نهاية، لأنَّه جزء لا يتجزأ من روحانية الإنسان وتجاربه الحرة القابلة للثراء واحتمال الأسرار.

 

سامي عبد العال

 

حاتم حميد محسنفي مقاله الشهير "حول المنهج"، فرض ديكارت بدءاً من عام 1637 فصاعداً فكرة محددة حول ما يجب ان يكون عليه التفكير الفلسفي، وهو القياس الجيد والمنهجية والوضوح والتميز. ديكارت بشاربه المفتول اعتُبر بطل العصر الجديد للعقل، فكان رمزاً ليس فقط لنوع معين من الميتافيزيقا، وانما ايضا لكل الفلسفة الحديثة. هو اصبح بسرعة رمزاً للروح الفرنسية التي سميت بـ "الديكارتية"، مركّزاً اهتمامه على النظام والقياس، اما الفلاسفة الذين لم يتّبعوه وجدوا أنفسهم بسرعة قد تُركوا جانباً. واذا كانت أسماء هؤلاء لاتزال باقية في غوغل، فهم عادة يُنظر اليهم ليسوا كـ "فلاسفة" وانما كـ "كتّاب"، واذا اعتُبروا فلاسفة، فهم ليسوا فلاسفة كلاسيك، وانما كفلاسفة للجمال والإثارة baroque.(1)

ولكن ما هو الفيلسوف المثير؟ هو يعني عدة أشياء، لأن "الاثارة" تعني الوجه الآخر للعملة الديكارتية: تذوّق الجدال الماكر والحوار الغامض المضاد للبيان الهندسي الصريح، والمتعة في الطروحات النخبوية الخاصة مقابل الأفكار الواضحة والمتميزة، والنزوع نحو البانوراما الهائلة مقابل الطريقة التحليلية الديكارتية. ولكي نضعها في منظور جمالي، هي الإحساس بالمنحني بدلا من الخطوط المباشرة. واذا كان ديكارت يناصر الأفكار الواضحة والمتميزة، فان هناك طرق اخرى متميزة في معالجة الفلسفة، والعديد منها يمكن ان تُسمى مثيرة أو أنيقة.

لو بدأنا من مسألة التعريف، فلابد من القول ان المفهوم الديكارتي الواضح للفلسفة – طريقة لتطوير تعليمنا عبر الذهاب من فكرة واضحة ومتميزة الى اخرى- لا ينسجم مع جميع الاستعمالات للكلمة في القرن السابع عشر الفرنسي واللاتيني. الاستعمالات التي جرت لكلمة "فيلسوف" و "فلسفة" اختلفت بالطبع والى اليوم، من مدرسة فلسفية الى اخرى:الديكارتية، الانسانية، المدرسية التقليدية المتأخرة، الايبوقورية، الرواقية، والاوغسطينية، كلها ليست لها نفس التعريف.

لكن هناك معنى جديد برز حينما أصبح مصطلح "فيلسوف" مرادفا لـ "العالِم" في أعقاب ثورة غاليلو في عدد كبير من الاكاديميات الخاصة، ومن ثم لاحقا في التجمعات العلمية العامة، مثل حلقة ميرسين Mersenne’s circle (2) و"الفلاسفة الطبيعيين" الذين ساهموا بمنح فلسفة القرن السابع عشر السمة الطبيعية التي تميزها اليوم. لكن فيلسوف ذلك الوقت، مهما كانت ميوله للفيزياء او الفلك، فانه لا يمكن مقارنته بالخبير العلمي في وقتنا الحالي: هو يبقى فرداً هجينا يجمع في شخص واحد عناصر تبدو اليوم مختلفة.

ولكي نعطي توضيحا للأبعاد الرئيسية لهذ التفرد المثير، فلا بد من النظر الى حدود الفلسفة، الحدود التي هي أكاديمية، ولكنها ايضا دينية وسياسية. من بين المواضيع الرئيسية التي واجهها فيلسوف القرن السابع عشر هي الثيولوجي في المقام الاول. وعي الفيلسوف بمفهوم الله هو شيء لم نعد على اطّلاع به، ليس فقط بسبب ان الايمان كان يفقد جذوته في اوربا، وانما ايضا بسبب صعوبة الايمان بان الفلسفة هي خادم للثيولوجي. ولكن في عصر ديكارت – الذي عرض عدة بيانات لوجود الله - وباسكال – الذي رفض اللامبالاة وطرح رهانا شهيرا حول الحياة بعد الموت – جاء الثيولوجي في الترتيب الأول بين جميع الحقول التعليمية. وبما ان الاهتمام الرئيسي كان منصباً على خلاص الروح فان الثيولوجي وجّه الاختيارات الفلسفية طبقا لمختلف تقاليد النظم الدينية.

ذلك يوضح ايضا سبب الانقسام الفكري الرئيسي العميق في قرن الملك الفرنسي لويس الرابع عشر" – الانقسام الذي استمر اكثر من 150 سنة واثّر بعمق في ثقافة الادب الفرنسي – وهو الانقسام بين الجانسينيين واليسوعيين(3) الذي يصعب فهمه لدى معظم الناس اليوم. كيف يمكنهم ادراك ان الفوضى التي تسببت بالنفي والعقوبات الكنسية واخيرا تدمير الدير الكنسي port- Royal عام 1713، هي ببساطة تتعلق بما اذا كانت التفسيرات الجانسينية للرعاية الالهية مؤمنة بتعاليم القديس اوغسطين ام لا؟.

الرجلان الشابان اللذان بدءا العمل سوية في جنوب فرنسا من عام 1605 فصاعدا ليسوّيا موقفهما من المسائل الخطيرة لم يتوقعا مثل هذا المجد العظيم، وربما لم يسعيا الى التفوق الذي قاد (جين دوفيرجير) و آخرين الى السجن في فينسين عام 1638، والى كتابة (جانسن) لأهم كتاب في القرن "اوغسطينوس" عام 1640. الهجمات الكتابية القوية برزت بعد خمسة اقتراحات حول الرعاية الالهية، وُجدت في "اوغسطينوس"، والتي شجبها البابا انوسينت العاشر بطلب من اليسوعيين، فمن جهة، كان اليسوعيون يعتبِرون تلك المقترحات – مثل المقترح بانه "في حالة السقوط من الجنة وفسوق الانسان الكلي، فان كل شخص ولد في هذا العالم سيكون عبدا لخدمة الإثم، وبعيد عن الرعاية المسبقة لله، وبالتالي هو غير قادر على اختيار طاعة الله او الامتناع عن الاثم او القبول بهدية الخلاص كما قُدّمت له"- كانت مقترحات مناقضة لروح اوغسطين، ومن جهة اخرى، أثبت الجانسينيون ان تلك المقترحات كانت في الواقع ضمن كتابات اوغسطين.

الحقيقة هي ان المذهب الرسمي للكنيسة الكاثوليكية تغير بمرور الزمن، وان القديس اوغسطين، رغم السلطة الرسمية للكنيسة، لم يقل ما ارادت الكنيسة قوله. ولكن من الصواب ايضا ان هذه الأناقة والخلافات الثيولوجية كانت اولاً المصدر للعديد من النقاشات الفلسفية وثانيا، انها كانت تمثل السلوك العملي للمقاومة الفكرية ضد الملك المطلق. النقطة الاولى جرى توضيحها جيدا بالرسائل الشهيرة التي كتبها باسكال تحت عنوان Lettres Provinciales والتي دافع فيها بعنف عن ارنولد واصدقائة الجانسينين الآخرين ضد الفلسفة الاخلاقية لليسوعيين، واتهامها بكونها "اخلاقية رخوة". النقطة الثانية جرى توضيحها عبر رفض الجانسينيين توقيع شهادة رسمية تصرح بان جانسن شوّه تعاليم اوغسطين حول الرعاية الالهية.

ان أصداء الخلاف الكبير حول الجانسينية لا تزال تتردد، نظراً لارتباط الفلسفة باحترام الضمير – لماذا يجب ان اوقّع شهادة تصرح بخطأ في شيء ما انا اعرف انه صحيح؟ لكنها ايضا اصوات بعيدة عن آذاننا، لأن القليل من الناس لا يزال يعتقد بفاعلية الرعاية الالهية، او حتى لا يعرف ماهية الرعاية. لكن في الحقيقة ان الجانسينية كان لها تأثير عظيم، ليس فقط على الفلسفة وانما ايضا على الادب والثيولوجي والبيداغوجي والاخلاق والسياسة، واننا لا نستطيع فهم ذلك التأثير مالم نفهم شيء عن تفاصيل الرعاية الالهية. بدون هذا الجزء الصغير من الثيولوجي، سنكون امام صعوبة فهم (راسين فيدرو) او (ارنولد) او كتاب (نيكول) الشهير" فن التفكير". وهكذا، فان مظهر الأناقة في الجانسينية هو تعقيدية الطبيعة والرعاية، التي توضحت جيدا من جانب باسكال والههُ المخفي مسقطا ظله على واحد من ألمع العقول الفلسفية والرياضية على مر العصور.

مثال آخر شهير ومثير عن أهمية العامل الديني في فلسفة القرن السابع عشر هو اننا لا نستطيع فهم فكرة (هاغنت بير بايل) حول التسامح – التي جرى الدفاع عنها من جانب لوك، ولكن على اساس فلسفي مختلف – ذلك لو نسينا ان جميع البروتستانت الفرنسيين الذين رفضوا التحول نحو الكاثوليكية اُجبروا على مغادرة فرنسا بعد عام 1685. ان مرسوم إلغاء الحريات المدنية والدينية للفرنسيين البروتستانت عام 1685 هو بالتأكيد لم يكن مفهوما فلسفيا، وانما حدثا سياثيولوجيا عجّل من ظهور مفاهيم جديدة، سيما مفهوم الضمير الآثم الذي يشير الى عدم وجود قوة سياسية او كنسية يمكنها إجبار الآخرين على الايمان بما لم تؤمن به.

ولكن حتى عندما تنتقد الفلسفة الفرنسية الثيولوجي والايمان، فهي لا تشبه ما نعنيه اليوم بالالحاد. التفكير المتحرر من التدريسية هو ايضا ظاهرة أنيقة، كما يبدو من (لاموذ ليفير)، مرشد ملك الشمس، الذي اُخفيت حججه المضادة للدين وكُشف عنها عبر التضليل والإنكار والتناقض الذاتي. أحد العناصر الذي يوضح ذلك الشعور بالبعد حين نقرأ إلحاد القرن السابع عشر هو ناتج عن أهمية الادب السرّي خلال تلك الفترة، لاسيما رسالة الدجالين الثلاثة Treatise of the Three Impostors(وهي رسالة تنكر الاديان الرئيسية الثلاثة) . فاذا لم توجد هناك سلطة تقبل التعبير العلني بالنقد الصريح للاديان، فان هذا النوع من الفلسفة لا بد له من تطوير فن سرّي في الكتابة.

وبالرغم من وجود نوع معين من الفلسفة "المختبئة"، لكن لابد من الحذر من إغراءات التمدد بالتنوير رجوعا الى القرن السابع عشر. (جوناثن اسرائيل) التنويري الراديكالي يعطي وصفاً حياُ لتأثير سبينوزا على الفلسفة الاوربية بدءاً من منتصف القرن السابع عشر فصاعدا، ولكن، فيما يتعلق بفرنسا، يجب ان لا ننسى ان تأثير سبينوزا كان مقتصرا على حلقات ضيقة جدا – خاصة حلقة (هنري دي بولانديفيرس) الذي تحدّى كتاب سبينوزا في الثيولوجيا والسياسة عام 1694 (Tractatus Theologico-Politicus) وبدأ بقرائته بقصد تفنيده ودحضه .

وهناك بُعد غريب آخر في هذه العقلانية المبكرة هو ارتباطها بالكيمياء alchemy، والتي تطورت فيما بعد الى الكيمياء الحديثة. كليات الطب كانت نتيجة للأعمال العظيمة للكيميائيين. اولئك العلماء السريين نسبوا لأنفسهم لقب فلاسفة، وهم ايضا اطاعوا مختلف اشكال المعتقدات الدينية اللاارثودكسية. ومع هذا الوجه المخفي للفلسفة الطبيعية، نستطيع ان ندرك جيدا ان ما سميت بـ "العلوم الكلاسيكية" لم تضع نهاية للابيستيمولوجيا الأنيقة.

ان الجانب الأنيق من الفلسفة الفرنسية للقرن السابع عشر تأكّد ايضا من خلال الشراكة غير الليبرالية بين الفلسفة والسياسة والاقتصاد. قبل وقت طويل من اختراع جامعة اكسفورد للـ PPE (فلسفة، سياسة، اقتصاد)، اقترح لويس الرابع عشر موضوعات ملكية، اعتمد فيها الفلاسفة والكتاب كثيرا على المساعدات المالية للسلطات السياسية. اول الاقتصاديين مثل Montchrestien الذي اخترع مصطلح "الاقتصاد السياسي"، ولاحقا بويزجلبرت و فابان، لم ينجحا كثيرا في رسم سياسة مالية جديدة. جميع القرارات السياسية بقيت في ايدي الملك المطلق الذي يحتاج للنقود لتمويل الحروب.

لكن طموح الملك لويس للمجد تطلّب ليس فقط انتصارات وانما ايضا كتّاب ورسامين وحتى فلاسفة ليقولوا كل ما يمجّد جلالته. ولكي يحصل الملك المطلق على تلك النتيجة، قام بمنح امتيازات لكي يطبّق عمليا اول مثال لسياسة ثقافية واسعة الانتشار. ومن خلال الاكاديمية الملكية، سعى العرش الملكي للتحكم والسيطرة على الانتاج الثقافي القومي، بما فيه الفلسفة، وهذا التوجّه بلا شك يوضح القيود الشديدة للفكر السياسي في ذلك الزمن ونفي العديد من الفلاسفة. نحن نعلم ان ديكارت فضّل هولندا الصناعية على فرنسا في ظل القبضة الحديدية لملك فرنسا لويس الرابع عشر. قوائم التعيينات في الاكاديمية الملكية والامتيازات تشير دون شك الى القيود التي ربطت الكتّاب بسادتهم. الجانسينية مرة اخرى تشكل، من هذه الزاوية، مثالا لا لبس فيه عن المقاومة الروحية والفكرية للحكم المطلق.

ورغم حديث البعض عن الدولة الأنيقة، فان الارتباط بين الجماليات من جهة، والفلسفة والسياسة من جهة اخرى يصعب تأكيده. هوبز، الذي قُرأت أعماله من جانب لويس الرابع عشر، بلا شك ترك أثراً في الفكر السياسي الفرنسي، لكن إعادة بنائه للسياسة المرتكزة على عقد هي اكثر كلاسيكية من الاناقة، وان الرسائل عن منطق الدولة، هي بالتاكيد انيقة في تفاصيلها، لكنها حقا لا تنطوي على اي شيء اكثر من امتداح السلطات الحاكمة. وهكذا، فان السياسة الثقافية لذلك الوقت تلقي ضوءا مفيدا جدا على عمل الاكاديميات الملكية، لكنها ايضا تشير الى حدود السمة الجمهورية لجمهورية الرسائل.(4)

بالاضافة الى ذلك، يجب التأكيد بان العدد القليل جدا من النساء الفيلسوفات كان يشكل موقفا نادرا للاقلية المضطهدة . السمعة غير المبررة التي اُعطيت (لماريا دي غورناي)، رغم الاحترام الذي منحه مونتاجين لذكاءها، هو اشارة لعدم انسجام المراة الفيلسوفة في ذلك الوقت. Gabrielle Suchon، المعاصرة للوك وسبينوزا، التي كتبت (On voluntary celibacy or A life without commitment, 1700). طرحت كل حججها النقدية على اساس الانجيل او النصوص الكلاسيكية. اول رسالة حول المساواة بين الجنسين، لـ Scipion Dupleix، وغيرها، يجب ان لا تخفي حقيقة ان الفلسفة كانت، في القرن السابع عشر، هي بالاساس نشاط ذكوري. الحركة النسوية يجب ان تتعلم الكثير من النسوة الفيلسوفات الأوائل، ومحاولاتهن الفلسفية لتبرير مكانة جديدة للمرأة في عصر العقل.

هناك عنصر أخير يجب تذكّره، رغم انه لا يبدو من اول وهلة مرتبطا بالفلسفة الانيقة. ذلك هو استخدام اللغة الفرنسية في تأكيد الفلسفة العالمية. ان السياسة تركت بصماتها على وسائل الفكر من خلال السياسة اللغوية الهادفة التي قادت الى تحوّل هام في فرنسا بين بداية ونهاية القرن. ان إختفاء المفردات المناطقية ورفض اللغة المهنية وولادة القواميس المتعلقة بالاستخدام الجيد، كل هذا حوّل لغة الفلسفة، وخلق الحاجة للّجوء المتكرر للفرنسية في الرسائل الفلسفية – (مقال في المنهج) لديكارت هو المثال الكلاسيكي، ولكن هناك امثلة اخرى. فلاسفة مثل ديكارت و مالبرنش ساهموا في اختراع او تحسين ما يعرف الان بالفرنسية الكلاسيكية، ومن الصحيح القول ان هذا الاختراع تضمّن اختفاء المزيد من اناقة الكاتب الفرنسي مونتاغين .

ما هو غريب للعقول الحديثة هو حقيقة ان اللغة الرئيسية للقرن الفرنسي السابع عشر هي اللغة اللاتينية وليست الفرنسية، ذلك ان استخدام اللاتينية الموروثة من الكنيسة الكاثوليكية في القرون الوسطى، ساعد في تجنب المزيد من الترجمة، لأن نمط المبادئ الفلسفية كان لايزال سائداً في الكليات والاديرة وفي الرسائل العلمية الكبيرة، وبالذات تعليقات توما الاكويني او دونس سكوت. الفلاسفة الفرنسيون في ذلك الوقت كانوا يفكرون ضمن لغتين واحيانا بينهما، لغة الناس العاديين واللغة التعليمية، وهو الموقف الذي أضاف المزيد من التعقيد لأفكارهم. الفلاسفة المعاصرون المتحدثون بالانجليزية ربما يعتبرون هذه الاناقة غير مريحة لكنها مثمرة، حيث ان الذهاب من لغة الى اخرى احيانا يخلق ضبابية في معنى المفاهيم، لكنه يضيف لها عمقا وتعقيدية نفعت الفلاسفة كثيرا أمثال ارنولد وديكارت.

ان علاقة الفلسفة الفرنسية باللاتينية هي ايضا مؤشر لعلاقتها بالثقافة الادبية القديمة بشكل عام، كما يتضح بالخلاف الكبير ونتائجه الفلسفية الكبيرة التي حرضت "القديم" في ظل قيادة Boileau – ضد "الحديث"بقيادة شارلس perrault. هذا النزاع حول مكانة السلطة الادبية هو هام جدا، طالما يرشدنا كثيراً عن الحداثة في تطوراتها المبكرة.

في عصرنا ما بعد الانساني، اصبح من المؤكد صعوبة فهمنا للدور الحيوي للفلاسفة الاغريق واللاتين والشعراء، لكن الرجوع الى الفلسفة الفرنسية الانيقة ربما يساعدنا في فهم ان ما نجده الآن أنيقا هو كان كلاسيكيا في ذلك الوقت، وان ما يبدو لنا اليوم من طرق عادية للتفلسف – التفكيك، مابعد البنيوية، وحتى الفلسفة التحليلية – ستبدو أنيقة جدا للمعاصرين لديكارت وباسكال.

 

حاتم حميد محسن

...........................

Lost baroque, The Philosophers Magazine, August 15, 2012.

الهوامش

(1) يشير مصطلح baroque الى الاسلوب الاوربي الأنيق في المعمار والفن والموسيقى في القرنين 17 و 18 الميلاديين والذين تميزا بالرغبة في إثارة الحالات العاطفية عبر إستدعاء الحواس بطرق دراماتيكية. المصطلح يصف أي شيء غير منتظم او يبتعد عن القواعد السائدة. انه ينطوي على التعبير عن قيم جديدة. أشهر مثال على هذا الاسلوب الجذاب هو رواية الفردوس المفقود لجون ملتن. الشكل الخارجي عادة يُمنح اهتماما خاصا للتعويض عن نقص المحتوى الداخلي.

(2) وهي مجموعة من كبار المفكرين في ذلك العصر، ضمت في صفوفها ديكارت وباسكال. كان ميرسين على اتصال ايضا مع اشهر المفكرين في اوربا. مراسلات ميرسين هذه وعددها (17 جزءاً) في طبعتها الحديثة تُعتبر مصدراً لا يُقدّر بثمن عن العالم الفكري للمفكرين المحدثين الأوائل.

(3) الـجانسينية Jansenism حركة ثيولوجية مسيحية أكّدت على الاثم الأصلي، وخضوع الانسان لإغراءات الاثم، وضرورة العناية الالهية والحماية من الأذى. نشأت الحركة بعد ان نشر الثيولوجي الهولندي Cornelius Jansen عمله عام 1638، والذي ذاع صيته بفعل صديقه Jean duvergier، وبعد وفاة الأخيرعام 1643 تولّى القيادة انتوني ارنولد. كانت الـجانسينية حركة متميزة ضمن الكنيسة الكاثوليكية خلال القرنين 17 و 18 وكان مركز الحركة دير port-Royal الذي كان ملاذاً للكتاب الكبار. لقيت الحركة معارضة من جانب العديد من النخب الكاثولوكية وخاصة اليسوعيون.

(4) جمهورية الرسائل هي جماعة فكرية برزت في القرنين 17 و 18 في اوربا وامريكا. هذه الحركة عجّلت من الاتصالات بين المفكرين والفلاسفة في عصر التنوير وبالذات في فرنسا. ضمت الحركة عددا من المفكرين وامتدت الى ماوراء الحدود القومية مع احترامها للاختلافات في اللغة والثقافة. ونظرا لأن هذه الجماعات عابرة للحدود فانها شكلت الاساس لجمهورية ميتافيزيقية. وبسبب القيود على المرأة فان الجمهورية تألفت في معظمها من الرجال. الرسائل المكتوبة باليد كانت ضرورية لعمل الجماعة لأنها مكّنت المفكرين من التخاطب من أماكن بعيدة. يؤكد المؤرخون على الدور المهم لجمهورية الرسائل في التأثير على حركة التنوير.

 

 

محمد لمعمرنظرية هيغل حول الدولة تعرضت لانتقادات شرسة من طرف الفلاسفة والمفكرين المهتمين بمجال الفلسفة السياسية، وعلم السياسة، وعلم الاجتماع السياسي، ولا شك في ذلك، لأن مضمونها السياسي، ومحتواها المعرفي، وأسسها المنطقية وعلاقتها بالواقع والفرد والمجتمع المدني فريد من نوعه، وجديد في معناه ومبناه. كيف لا، والحديث هنا عن هيغل، فيلسوف العقل والعقلانية المطلقة، بحيث أن الفلسفة المعاصرة ما هي محاولة للإنفلات من القبضة الصارمة لهيغل على المستويين: الفلسفي المعرفي والتاريخي، تلك هي سمة  النظرية الحقيقية، لا يحصل حولها إجماع واتفاق، وفي مقدمة المنتقدين لنظرية هيغل، فيورباخ وكارل ماركس، فالأول سعى إلى تفنيد التصور المثالي لهيغل، متوسلا بمسلمات الأنوار، معتبرا، أنه لا انفصال بين الفكرة/ العقل/ الروح وبين الكيان، فالكائن هو الفاعل، والفكرة هي الصفة الملازمة له، هذه القاعدة التقطها ماركس، الذي فند هيغل بمنطق هيغل، وبمسلمات الأنوار، عاملا على تطبيقها في قراءته ونقده لنظرية هيغل.([1])

إذا كان هيغل ينطلق من العقل معتبرا الفكرة تجل من تجليات الروح، وهي الأصل والأساس، فإن ماركس سيحافظ على المنهج الجدلي لهيغل، ويمنحه الصفة الواقعية، انطلاقا من الواقع، الذي محل مكان الفكرة المجردة، مؤكدا، أن وعي الناس لا يحدد وجودهم المادي والاجتماعي، وإنما وجودهم المادي هو الذي يحدد وعيهم، إنه قلب لجدل هيغل، ألم يقل ماركس، بأن جدل هيغل يمشي على رأسه وقد وجب قلبه ليمشي على رجليه، بمعنى ضرورة الانطلاق من الواقع، وليس من العقل. فالاختلاف هنا حول مسألة التأسيس والأسبقية.

يؤكد العروي، بأن ماركس في معرض نقده لهيغل اضطر إلى العودة لفلاسفة الأنوار، محتفظا بمفهوم الواقع الذي ظل ماركس وفيا له، بغية النظر إلى الدولة بناء على أسس منطقية، والمبدأ الزمني المتمثل في حركة وتقدم التاريخ، خصوصا، وأنه يعتبر التحليل هيغل للدولة لا يجيب على تناقضاتها، ولا يكشف عن عللها، والضرورات المتحكمة فيها، وعن أسباب نشأتها، لأنه تحليل غير فلسفي، لأن التحليل الفلسفي يقف عند الجذور والأصول والبدايات الأولى، فتعريف هيغل للدولة مجرد، وتجسيد للإرادة العامة المتمثلة في العقل ذاته، ثم يلجأ هيغل إلى الحوامل المادية لإضفائها على دولته العقلية كموضوع، وفي ذلك سعي لتجسيد العام في الخاص، وانتقال من المجرد العقلي إلى الواقع الملموس، دون تقديم التبريرات والتفسيرات المعقولة، حيث الاستغراق في النظري.([2])

فماركس حسب العروي يستند لفيورباخ، معتبرا هيغل يركب مفهوم الدولة المطلقة عقليا وتجريديا، ويستنتج أليا النظام البروسي، وفي ذلك مصادرة على المطلوب، بلغة المناطقة، بغية إضفاء الواقعية على دولته المطلقة، فجميع خصائص الدولة البروسية تبرر فلسفيا، وذلك، بالاعتماد على المفهوم المجرد، مثال ذلك، أن هيغل يقسم الدولة في ذاتها إلى قسمين: الأسرة والمجتمع المدني، ولكل دائرة خصوصيتها ووظيفتها، يقبل ماركس من حيث المبدأ هذا التقسيم، لأن الدولة ترتكز على علاقات القرابة، وعلاقات الإنتاج، لكن؛ المشكل أن هيغل لم ينطلق من المعطى الواقعي المادي، الذي هو علة التناقض والصراع والتغيير، بل، استغرق في التعليلات المنطقية المجردة، وفي ذلك تحصيل حاصل، و ابتعاد عن  مملكة الواقع.([3])

هيغل من وجهة نظر ماركس يلجأ إلى التعليل المنطقي، لأنه يبدأ بالتحديدات المجردة التي تضطره إلى تبرير الواقع، فيشخص العام في الخاص، وتلك قاعدة يمكن أن تبرر كل تشخيص مهما كان نوعه، فلا يمكن استخراج واستنباط مفهوم الدولة من مفهومي الأسرة والاقتصاد، وهو الأمر الذي جعل هيغل حسب ماركس يقدم استنتاجات جدلية فارغة من المعنى، وجعلها ترتدي ثياب الواقعية، فلو انطلق هيغل من الواقع المادي الذي هو مناط الفعل والحركة والتقدم، لما احتاج إلى افتراضات صوفية تذهب مثلا الى إحلال الدولة ( الشأن العام)  في الفرد ( الشأن الخاص).([4])

يقدم فيورباخ من وجهة نظر العروي، طريقة للإنفلات من منطق هيغل المثالي، بإحلال الموصوف أو الواقع محل الصفة أو الفكرة لدى هيغل، لأن هيغل يتمركز في نظريته حول الفكرة/ الصفة التي هي الفاعل، فمنها يحصل التطور، فرغم تشبت هيغل بالواقع وتبريره، إلا أنه ليس هو أساس التقدم، بمعنى أن هيغل من وجهة نظر ماركس يقدم تحليلا مقلوبا بناء على المقولات الجدلية المجردة، فيبقى الواقع غير مبرر بشكل واضح، إنها التجريبية التامة والواقعية الفجة التي تجعل هيغل سفسطائيا.

لتبرير الواقع يلجأ هيغل إلى حيلة الوسط، لصياغة رؤية حول علاقة الفرد بالدولة، ودليل ذلك، أن هيغل يبرر وجود طبقة الموظفين، بكون الدولة تجسيد للعقل، فهي تمثل إرادة الملك العامة، ولا تهتم بالجزئيات، لذا؛ لا بد من وسيط بينهما، يخصص القواعد العامة في إطار الوظيفة، إنها طبقة العموم الذين لا يخدمون مصلحتهم الذاتية وإنما العامة.([5]) ولمباشرة أعمالهم لا بد أن تتوفر فيهم شروط الكفاءة التي تتم عن طريق امتحان لولوج الوظيفة، هذا التعليل حسب ماركس ينطبق على الدولة البروسية، نظرا لنفوذ الأرستقراطية العقارية في المجلس النيابي، وخوفا من وجود تعارض بين المجلس النيابي وسلطة الملك، لا بد من وجود وسيط يتبدى في الحكومة، علما أن هيغل حسب ماركس يتساهل ويتلاعب بالتبريرات، حسب الفئة التي يتكلم عنها، وفي ذلك قفز فارغ من المنطق إلى الواقع، ومن العمومي إلى الخصوصي. لكن، لماذا يعود ماركس إلى فلاسفة الأنوار؟

سر عودة ماركس لفلاسفة الأنوار راجع إلى نفي هيغل وعدم اعترافه بنظرية العقد الاجتماعي ([6])، وذلك بنقد أسسها ومقدماتها التي أنبت عليها، أهمها، أن مصلحة الفرد سابقة عن مصلحة الدولة، وأن الأفراد هم أساس وجود الدولة وتطورها. نفي وتقويض هيغل لفكرة العقد، منبعه أن العقد الاجتماعي الذي ينص على أن الدولة حدث اصطناعي ناتج عن إرادات الأفراد، بحيث تصبح الدولة مجرد وسيلة لخدمة أغراض الفرد، وتحقيق حقوقه الطبيعية، في مقابل أطروحة هيغل التي يؤكد فيها على أن الدولة هي الجوهر والغاية، والفرد هو الشبح الخادع، وينتقد هيغل أيضا قول، أن حب الوطن من ركائز الدولة، فحب الوطن، حالة وجدانية بموجبها ينظر الفرد للدولة كغاية لا كوسيلة، لأن الدولة هي أصل النظام والوجدان، ونقد هيغل لنظرية العقد الاجتماعي، نقد لأساس العقد المتمثل في الفرد، إنه نقد النقد حسب عبارة العروي نقد العقد والفرد معا.([7])  ويؤكد العروي؛ أن نقد ماركس لهيغل، انطلق من مفهوم الديموقراطية عند روسو وفخته وفيورباخ، فإذا كان فخته يرى أن الدولة لا يجب عليها أن تتجاوز الحدود التعاقدية، ولا تتحكم في الحق الطبيعي، ولا في وجدان الفرد، فإن فيورباخ يؤكد على أن الدولة تنشأ عندما يتمركز الفرد حول ذاته، وتصبح ذاته هي منطلق فعله، أي أنهما يؤكدان على أولوية الفرد على الدولة، فهو المنطلق والأساس. ([8])

وفي معرض تأكيده على أولوية الدولة، يوضح هيغل أن السيادة كذاتية تتمثل في سلطة الملك، الذي هو صاحب القرار الحاسم، فعنصر التقرير المطلق في الدولة هو الملك، وفي ذلك تعليل للحكم الملكي المطلق. ينتقد ماركس ذلك معتبرا أن السيادة هي مجموع الارادات الفردية، لأن الدولة تجريد، والواقع ملموس، بمعنى أن ماركس يبني تصوره على الأساس الذي قامت عليه نظرية العقد الاجتماعي، الذي هو اتحاد إرادات الأفراد، فالسيادة حسب ماركس للشعب، ولا تتشخص في فرد معين. وكأن ماركس يريد أن يجعل من الدولة وسيلة وراعية للفرد الذي هو أساس الدولة وغايتها، قول يناقض تصور هيغل الذي ينطلق من الدولة، ليجعل من رعاياها تفريعات وتفريدات تابعة لها، ومعبرة عن روحها، فأفق ماركس؛ فلسفة الأنوار، حيث الانطلاق من الفرد والعقد بناء على مفهوم الديموقراطية، وأفق هيغل؛ الدولة كحقيقة جوهرية وروح أخلاقية مطلقة. ([9]) وهنا نتساءل: هل رؤية هيغل للدولة مثالية حقا أم أن ذلك من تأويلات الفلاسفة والمفكرين؟

يجيب العروي، بكون هيغل يصف بدقة واقعا معاشا، رغم التبريرات العقلية، واقع يتمثل في تخارج الدولة والفرد، الذي يعيش في المجتمع المدني، حيث تحقيق حاجيات الفرد الخاصة. فالفرد الذي يعمل وفق التعاقد يكون خارج الدولة، بل؛ ضدها في بعض الأحيان، لأنه يكون متمركزا حول مصلحته الخاصة لا العامة، مثل هذا الفرد يجب أن تحتاط منه الدولة، لأنه غير مهيأ لتجسيد الإرادة العامة، وتحقيق مصلحة الدولة، وأن تحذر منه، وذلك بوضع شروط دقيقة، كالامتحان مثلا لقبوله في وظيفة ما، إنه الفرد المفرط في فردانيته الذي يناقض الدولة، لأنه ينتج لذاته فقط، فهو بمثابة امبراطور داخل امبراطورية، يتصور نفسه البداية المطلقة لكل شيء، عندما ينتج لا يعرف الدولة، وعندما ينتمي لها يتنكر لذاته كمنتج، وتلك مفارقة علاقة الدولة بالفرد. ([10]) لكن؛ (أخشى ما أخشاه لدى العروي أن يكون تأثره بهيغل – أستاذه بلا منازع- قد حمله على أن يضحي بفكرة الفرد ويقدمها قربانا للدولة. إذ ما فتئ العروي يذكر الدولة ويهمل الفرد حتى ظننت أنه سيقدمه لمقصلة الدولة فداء كما فعلت كل الفلسفات التوتاليتارية... فما نكاد نسمع للفردانية المتمردة على كلية الدولة في فلسفة الرجل صوتا. وعبد الله العروي، إسوة بأتباع هيغل من المثقفين الهيجليين لربما تعرض مثلهم لعضة هيجل، فما زال يمجد الدولة حتى جعلها هي والعقل سواء. أليس هو القائل: " هناك اختياران عامان: العقل واللاعقل، الدولة وغير الدولة") ([11]).

إنه فرد محتال ومخادع، غارق في فردانيته، لا يشعر بالمسؤولية العامة اتجاه دولته. فالمشكل هنا، مرده إلى تضخم الفردانية وتعاظم الأنانية، وعلى طبيعة التعاقدات الأولى التي منحت الفرد مكانة معتبرة وجعلت الدولة وسيلة لخدمته، فأثناء التعاقد كانت المصلحة الفردية حاضرة، بطريقة غير مباشرة، بحيث يمكن القول هنا؛ أن التعاقد وسيلة لخدمة الفرد، هي حيلة أراد الأفراد الأوائل إسقاطها على علاقة الفرد بالدولة أيضا، وهنا تظهر أهمية رؤية هيغل. فأين يتجلى خطأ هيغل حسب العروي؟

يرى العروي، أن خطأ هيغل يتمثل في اعتباره؛ أن فلاسفة الأنوار يعتبرون الدولة شركة إنتاجية، وأن تفنيد ذلك يجعلها غاية في ذاتها، دولة هيغل لا تنتج، فهي كيان مجرد ومتعال عن الكل، بينما الإنتاج وتحقيق المنافع والمصالح والرغبات من اختصاص المجتمع المدني، يعلق العروي؛ أن تصورات فلاسفة الأنوار ليست سطحية كما ادعى هيغل، ولكنها تعبير عن واقع قائم وحادث، أي أن نظرية العقد واقعية، ولا يجب التنصل من الواقع الذي هو أساس الفعل. بمعنى أخر أكثر دقة، أن دولة التعاقد والحاجة والإنتاج الأنوارية التي انتقدها هيغل هي واقع معاش، حيث انغماس الفرد في الانتاج والمصلحة، غير مكترث للدولة الجوهرية، تلك نقطة دقيقة وحساسة لم يدركها هيغل، كان عليه أن يحلل دولة واقعية مرتبطة بالمجتمع المدني عوض تحليل دولة شكلية عقلية ومجردة. ([12])

وزيادة في التوضيح، أن العروي يعتبر أن ماركس يميز بين دولة الحاجة (كمضمون) والإنتاج التي يعيش الفرد بداخلها، ودولة السياسة (كشكل) المنفصلة عنها بحيث تسعى الثانية لإخضاع الأولى. والتي سماها هيغل بالعقل المطلق. وفكر هيغل يتمحور حول إخضاع المضمون للشكل، بغاية تحصيل العقلنة أو الشكلنة، أو البيروقراطية بلغة ماكس فيبر، إخضاع دولة الإنتاج لدولة السياسة. ([13]) لذلك؛ يعتبر العروي، أن هيغل يرى الدولة الأنوارية وقد صارت منغمسة في المجتمع، لذلك؛ جعلها هيغل جوهرية ومنطقية، إنها الكل، والحيز الذي يتأطر ضمنه المجتمع والفرد، وهو بهذا لا يأبه للمجال السياسي كمجال مستقل، وإنما تابع للدولة، معترفا بوجود تناقض بين الفرد والدولة، لكنه يتجاوز ذلك، بجعل الفرد ضمن الدولة، وكأن هيغل يسعى إلى الوصول إلى المجتمع عن طريق الصورنة والتجريد، وهي عملية منطقية مجردة جعلت رؤيته سطحية حسب العروي، بحيث تصبح نظرية الأنوار واقعية، وبدون برهان منطقي أو استدلال عقلي، ولو بشكل مؤقت، بينما نظرية هيغل، اندثر مضمونها الواقعي لحظة انفصال المجتمع المدني عن مجال السياسية.([14]) إذا كان هيغل يعتبر أن مشاركة المواطنين في تدبير شؤون الدولة أرقي عمل إنساني، فإن ماركس يعقب على ذلك بكون المشاركة نظرية لا عملية واقعية، فالمشاركة وفق تصور هيغل، تجعل الأفراد مجرد رعايا مضطرين إلى تنفيذ إرادة ذات الملك المتسمة بالسيادة. ([15])

مضمون القول السابق وفق تحليل العروي يوحي، بالهروب من المجال السياسي، الذي تحول إلى مشكلة، ربما جعلت هيغل يتهرب من المقاربة الواقعية، وبقي منتميا لمملكة التجريد. لنا أن نتساءل هنا: هل ماركس استقل في نقده لهيغل؟ الملاحظ، أن ماركس غارق في مفاهيم هيغل، بحيث لم يستطع الانفلات منها، وتأسيس قاموسه الخاص به، خاصة فيما يتعلق بمسألة الدولة، دون إهمال أن ماركس ينطلق من إشكالات هيغل حول الدولة والمجتمع، وكأني بماركس يرفع شعار، التفكير مع هيغل ضد هيغل، بمعنى توظيف منطقه وجدله، في حلة واقعية، والتفكير ضده، بقلب رؤيته المثالية المجردة، وإضفاء البعد الواقعي، لا الانطلاق من الصفة أو الفكرة.

أهمية ماركس بالنسبة للعروي تكمن في أن فصل الدولة السياسية عن دولة مجتمع الإنتاج شيء حادث في تاريخ التقدم البشري، وأن التناقض الذي تحدث عنه هيغل بين الفرد المنتج والدولة السياسية، واقع تاريخي محدد وليس ضرورة منطقية. ([16]) الأمر الذي يجعل  ماركس يؤكد؛ أن التناقض بين الفرد والمجتمع موجود وحادث في الزمن، ولم يكن موجودا في  التاريخ القديم بحيث كان رب الأسرة يشارك في الإنتاج بصفته رب الاسرة لا كفرد حر، فمثلا الثورة الفرنسية، هي التي حولت الهيئات السياسية إلى اجتماعية، وخلقت التفاوتات، خاصة بين هيئات المجتمع المدني والدولة، ، فحدث انفصال بين المجتمع المدني والكيان السياسي المتمثل في الدولة، أي أن الثورة الفرنسية هي التي غيرت العلاقات الاجتماعية والسياسية أفقيا وعموديا، وقبل الثورة الفرنسية كان المجتمع الإنتاجي يكون الدولة بشكل مباشرة، ومثال ذلك، النظام الاقطاعي، فامتلاك الإقطاع، يعني الحق في السياسي وممارسة السياسة، فلم يكن هناك انفصال بين الدولة والمجتمع.([17])

مضمون الكلام السابق، أن الدولة الجوهرية الموضوعية، عبارة مجردة وانعكاس لما كان موجودا قبل الثورة الفرنسية، بمعنى أن هيغل استنبط فكرة أن الدولة هي الكل، من المفهوم السائد للدولة قبل الثورة الفرنسية، حيث كان المجتمع والدولة شيء واحد، ولكن، الثورة الفرنسية فصلت بين الاجتماعي المتمثل في المجتمع المدني، والسياسي المتجلي في الدولة، بحيث صارت الدولة مجرد وسيلة في يد الاجتماعي. ودور هيغل -هنا-، يتمثل في منح الدولة السيادة المطلقة، باعتبارها هي الكل، المتحكمة في وجدان الأفراد، ومؤطرة للمجتمع المدني، وذلك خوفا من استقواء الفرد، وتغوله على حساب الدولة. إن هيغل أدرك الانفصال الذي أحدثته الثورة الفرنسية، فأراد إعادة صياغة الكل، وفق مقولات العقل المطلق، والذي يتعلق به هيغل، وفي ذلك نوع من الحنين إلى تاريخ الدولة والمجتمع قبل الثورة الفرنسية، وهذا، ربما هو ما يفسر نقده للثورة الفرنسية التي فصلت بين المجالين، الاجتماعي والسياسي، محدثة تمايزا كبيرا، الأولوية فيه للفرد على حساب الدولة.

صحيح، ربما أن هيغل لم يفهم حقيقة الأنوار التي عبرت عن الوعي والتحول الحاصل بالفعل، لكن؛ التناقض بيد الدولة والفرد حاصل أيضا، وهو تناقض منطقي، كنتيجة للثورة الفرنسية، إنها وإن كانت حدث جلل وعظيم حسب هيغل، بحيث عصفت بالمؤسسات التقليدية، فإنها في المقابل لم تنجح في إقامة مؤسسات حديثة، لأنها توسلت بالعقل التجزيئي، فرأت أن لا توافق بين الحرية الحقة، والمؤسسات المفروضة، وتلك بداية الفصل والتناقض بين الفرد والدولة، وتمهيدا لخلق شرخ بين المجال الاجتماعي والفردي من جهة، والمجال السياسي من جهة ثانية، بل، أكثر من ذلك، أن الإرادة الكلية لا تتوافق مع نظام التمثيل السياسي، هذا الانفصال أدى إلى تمزيق الحياة عوض التأليف، أي أن عقلانية الأنوار تتضمن في ذاتها التناقض.

حقا، إن هيغل بحديثة عن علاقة التناقض بين الفرد والمجتمع، قد يكون عاد القهقري إلى الماضي حسب العروي، ماضي ما قبل الثورة الفرنسية. ([18]) لكن، رؤيته أيضا مستقبلية، إنه لا يريد أن يخلق الفرد عالمه الخاص به ويتخندق فيه، متجاوزا الدولة، فالخير موجود في الدولة، وفي الانتماء لها، بحيث تصبح الفكرة الأخلاقية متحققة بالفعل وموجودة في عالم المؤسسات الاجتماعية.

 

محمد لمعمر - المغرب

أستاذ الفلسفة، وباحث في فلسفة القانون

.....................

الهوامش:

[1]- عبد الله العروي، مفهوم الدولة، المركز الثقافي العربي، الطبعة العاشرة، الدار البيضاء، 2014، ص، 47.

[2]- نفس المصدر، ص، 48.

[3]- نفس المصدر، ص،48.

[4]- نفس المصدر، ص،49.

[5] - نفس المصدر، ص،.50

3- هناك عدة انتقادات وجهت إلى نظرية العقد الاجتماعي، بدءا من سبينوزا، مرورا بهيغل ووصولا إلى الفيلسوف الأمريكي جون راولز، الذي يرى بضرورة إعادة ترميم مفهوم السعادة والرفاهية، وبالتالي ترميم جديد للتعاقد، لتأكيد مفهوم التضامن أو التعاون الاجتماعي؛ يقول:" بنية الوضع الأصلي هي الشكل الذي به تنتظم المؤسسات السياسية والاجتماعية في نسق واحد من التضامن الاجتماعي الذي توكل إليه الحقوق والسلط الأساسية والتي تبين توزيع المستحقات التي تسفر عن التضامن الاجتماعي ذاك". John Rawls : la justice comme équité. Ed. La découverte 2003. P 25.

[7]- نفس المصدر، ص،52.

[8]- نفس المصدر، ص،53.

[9]- نفس المصدر، ص،54.

[10]- نفس المصدر، ص،55.

1- محمد الشيخ، مسألة الحداثة في الفكر المغربي المعاصر، منشورات الزمن، العدد 13، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2004، د.ط، ص.24-34.

[12]- نفس المصدر، ص،56. (يقصد هيغل بالمجتمع المدني تجمع الأفراد بغاية تحقيق مصالحهم الخاصة. فشأن المجتمع المدني إذا أن يتحدد بنظام الحاجات من حيث هو ينهض على خلق وسط من الاحتياج المتبادل. فقيامه على أنانيات الأفراد الخاصة أمر متحصل. لكنه يضمن التوازن بين نسق الحاجات المتبادلة بتوسل نظام قضائي الشأن فيه أن يحقق سلامة الأفراد وملكيتهم، وأن يضع حدا للخلافات بينهم، وبتوسل إدارة ترابية تحمي مصالح كل الأشخاص، وبالاستناد إلى تنظيم الهيئات المهنية لأشكال العمل الخاصة). محمد الشيخ، فلسفة الحداثة في فكر هيغل، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2008، الطبعة الأولى، ص. 300-301.

[13]- نفس المصدر، ص،58.

[14] - نفس المصدر، ص58،

[15]- نفس المصدر، ص،59.

[16] - نفس المصدر، ص 59.

[17] - نفس المصدر، ص،60

[18] - نفس المصدر، ص،61.

 

 

شهرزاد حمدي يأتي الحديث عن علاقة الفكر العربي بالفكر الغربي، ليدلّ في كل مرة على جدلية الهيمنة والتبعية بمختلف صيغها وأنماطها، إذ لطالما شكّلت هذه الوضعية الحرِجة محور سجال ومدار مُطارحات ونقطة نقاش بين عديد الذِهنيات القلِقة على الموقع الذي يتّخذه الفكر العربي بالنسبة للفكر الغربي، والزاوية التي ينظر من خلالها لواقعه، والآليات التي يعتمدها في التعبير عن رؤاه الفكرية. وتتطبّع الهيمنة التي تُمارس أدبياتها العقلية الغربية بطبائع كثيرة، غير أن الرائِج منها هي: الهيمنة السياسية، الهيمنة الاقتصادية والهيمنة العسكرية والهيمنة الثقافية من عادات وسُلوكيات جديدة، هذه أشكال سُلطوية مُتداولة الاعتراف، بيد أنه هناك شكل آخر من نوعٍ خاص، يتسّم بمرونة في الوجود، يُضاف باستحقاق إلى القائمة المذكورة، يتوارى خلف التيارات الفكرية والرؤى الفلسفية الغربية وما تحمله من عُدّة مفاهيمية، تتجلّى في الاستعمال الفكري العربي لها في مختلف منابر الحوار ومقامات الكتابة والتأليف، إنها سُلطة المفهوم وهيمنة المصطلح التي تجعل من العقل العربي في مُرافقة مستمرة للتحرّكات الفكرية للعقل الغربي ومجموع مُخرجاته المفاهيمية، هي مُرافقة خاضعة لمُراقبة، الأولى يمتهنها التابع والثانية يحترفها القائد. ونظرًا للدور المحوري الذي يتمتّع به المفهوم داخل عالم الفكر ومُستتبعات صياغته والعمل بدلالاته في البنى الثقافية، الاقتصادية، السياسية والاجتماعية وغيرها، فإن منطق الهيمنة يعلن موالاته التامة له ومُراهنته القوية عليه، ليتغذّى أكثر ويضمن حضورًا أكبر، ولِيُحّكِم قبضته على الفكر الذي يقع تحت إطار الفكر السُلطوي، وفي نطاق مفاهيمه، فيستجلبها ويستخدمها، ممّا يُفضي إلى تجذير عقلية المركزية، وبالمثل يفعل العقل العربي، بنقله لحُزمة من المفاهيم من مجالها الغربي إلى مجاله، ليكرّس تواجدها على مستوى معتركه الفكري اليومي.  ونحن نُساير مجرى هذه الأفكار ومعانيها، يتداعى علينا الحسّ الاستشكالي ليتمظّهر من خلال الاشكالات التالية: فيم تتمثّل قيمة توليد المفاهيم وبشكل خاص في ارتباط العملية بالسياق الفلسفي الغربي؟ ماهي أبرز تجلّيات هيمنة المفهوم الغربي في الحقل الفكري العربي؟ وهل من منفذ للخروج من أزمة المفهوم وانحسار فعالية إبداعه؟

1- أهمية صياغة المفهوم والاشتغال عليه:

يعد سؤال المفهوم من الأسئلة البارزة التي تطرحها الفلسفة بشكل مكثّف، إذ تكتسي عملية الإجابة عنه أهمية كبيرة وقيمة معتبرة، تتحدّد من خلال جدّية صياغته ووضعه وفحص أوجه الدلالة الخاصة به، وهي مهمة شاقة تتطلّب ذاتًا واعية بمهمتها والظروف المُصاحبة لها، فليس من السهل الإتيان بمفهوم في ظرف وجيز والإعلان عنه وجعله اللبنة الأولى في تأسيس الأنساق والتيارات الفكرية، وحتى وإن يكن الأمر متعلّق باللانسقية وغياب الموضع الفلسفي الصريح الثابت والمكتمل، فإن مسألة إجتراح المفهوم تأخذ مسافة زمنية، ببنية عميقة من الوعي الذي يشمل الذات الحامِلة له وكذا بمُعطيات الواقع الموضوعي وقضاياه والامكانات المُتاحة، حتى يكون المفهوم ناجعًا معبّرًا عن روح البيئة الزمانية والمكانية التي تمخّض عنها، وهكذا نتجنّب الوقوع في شِراك الترف الفكري والمِثاليات الحالِمة بغدٍ أفضل وسبل ذلك في قطيعة عن أحداث اليوم. ولقد شهدت الفلسفات المتنوّعة على مدار العصور المتلاحقة زخمًا مفاهيميًا مثّقلاً بالمعاني، يكشف عن طبيعة التساؤلات ومحاور القلق الفلسفي والمسارات الحاسمة التي سلكها، ويكفي أن نطّلع على جملة المفاهيم في فترة زمنية معينة، لنكتشف نمطية الاشكالات المطروحة، فمثلا، ننفتح على مفاهيم: العقل، النقل، اللاهوت، العناية الإلهية، التأويل في زمن العصر الوسيط، لنقف على تجاذبات فكرية بين الفلسفة والدين. وانطلاقا من ضرورة الاشتغال على المفهوم، فإن الفلسفة تدرك جيدا وظيفتها الحيوية والملحّة في أزمنة لا تلبث عند طبيعة واحدة، بحسب تحوّلات ملحوظة في نماذج التفكير وأشكال الفهم ومناهج التحليل، لتأخذ الفلسفة موقعها وتجتهد في إعادة بناء مفاهيم جديدة واستحداثها، تتناسب والوضعية التي تُطرح في خضمّها، لتتعايش معها مَعيش إبداع المفهوم، فالفلسفة هي المُنظّر والمنّتج لأحداث واقعية بحسّ نقدي، وتِبعًا لذلك المفهوم والدلالات التي يبعث بها ترسم المسار العام للوضع الحاضر بالنسبة إليها. وإن كان البحث الفلسفي النظري هو المصدر الأول لمفهوم معيّن، فإنه يتم سحبه ليغطّي بقية المجالات من سياسة، إقتصاد، مجتمع، تاريخ ... مثلما حدث مع مفهوم الحداثة modernism  الذي شمِل جميع ميادين الحياة الممتدّة من القرن 16 إلى القرن 19م، ليُصبح كل شيء حداثيًا بعد إعلان الثورة على القديم والكلاسيكي في المنهج والمضمون. وتبرز أهمية صياغة المفهوم في كونه دلالة على قوة الوعي بالمرحلة التي تم صياغته فيها، ومدى قدرة الفرد المنتمي إليها على قراءة واقعه، والتكلّم بضميره، فلسفة الضمير المتكلّم كما يصفها الفيلسوف الفرنسي أندري كومت سبونفيلAndré compte sponville  (1952م)، وهو الذي نادى بالتفلّسف الشخصي؛ بمعنى التعبير بالآنا والتحرّر من أنظمة إعادة ترديد قول الآخر، ليس لقطع صلة التواصل الفكري مع فلسفات غيرية، وإنما هي مُطالبة لانصاف الرؤى الشخصية حتى يغدو التفلّسف أكثر حياتيًا، عمليًا يحقّق رغباتنا التي سطّرناها وفق ما نملك أمره. إذن لابد أن تنتج الذات وتُبدع مفاهيم تتحايث والعالم الموضوعي، لكي تتمتّع ولو بقدر من الاستقلالية الفكرية من جهة، ومن جهة ثانية تُثبت نجوعها في عالم تتصاعد فيه يوميًا موجة التنافس بين الذوات...  لفرض الهيمنة.

وتتعزّز أهمية إبداع المفاهيم، في الموقف المسجّل من الفيلسوف الفرنسي جيل دولوزGilles deleuze  (1925 - 1995م) بالمشاركة مع فيليكس غاتاري Félix  guattari (1932 - 1990م)، حين أصدرا كتابًا بعنوان: ما الفلسفة؟ qu’est-ce que la philosophie?، قدّما فيه تعريفًا مميّزًا للفلسفة وجديد وهو الذي "يجعل منها فن صياغة وإنشاء وصنع المفاهيم"(1)، فمن بين عديد الوظائف التي يمكن عدّها لتتولّى الفلسفة مسؤولية القيام بها، اختارا لها وظيفة بناء المفاهيم، وهو تصريح بأهمية المفهوم وقيمة وضعه، ولذلك أُسندت للفلسفة مهمة ذلك، كوّنها العلّة الأولى لوجوده.

2- الثورات الفلسفية الغربية وإنتاج المفاهيم:

لقد شكّلت ثورات العقل الغربي الُمستلهمة من الروح الفلسفية مثالًا صادقًا لقدرة الفلسفة على التغيير، من خلال إبداع مقولات جديدة  للتفكير وقوالب مستحدثة للفهم، يتم إسقاطها على مجريات الواقع عبر التأمّل النقدي لأحداثه، التي تعد مصادر حيّة يمتح منها، فالعلاقة بينهما جدلية مركّبة، من ثم التنظير له برؤى جريئة تطمح لقيام واقع جديد وخلق عالم أفضل للإنسان بالدرجة الأولى. على هذا النحو تمكّنت الفلسفة الغربية من قلب الأحوال بإعلان الثورة على كل ما من شأنه تشويه الطاقة الإبداعية وخفضها بواسطة طرائق القمع، الإستبداد، والتسلّط بمختلف صيغه، فالثورة الفلسفية بمجموع  لبِناتِها الجوهرية كالنقد، التحليل، الأشكلة، المُحاججة والبناء، ترمي بالأساس إلى تحرير الفكر من سجن الوصاية، وإحلال حركة ديناميكية في بنية المعنى، تعمل على انسيابيته وتفتّحه على عديد الأمور، بخاصة تلك التي شهدت تغييبًا متعمّدًا وحجّبًا قسريًا وتهميشًا مخطّطًا له، من أجل ضمان المركزية الكُليانية والشمولية لكل مجالات الحياة. ويقف القالب التاريخي شاهدًا حاضرًا على نجاعة الفلسفة وحضورها القوي في محافل إعادة تأويل الحياة وقراءة الواقع، قراءة نقدية ثاقبة متطلّعة لتغييره نحو أفق التحسين، وذلك بالكشف عن المستور، وخلخلة الثوابت وإزاحة المركز، وخرق المقدس، وتفجير الدلالة الخامدة، حينها تبدأ الرؤية الصائبة في التشكّل. وبالعودة إلى سجّلات التاريخ الفلسفي، لوقفنا وقفة عرضانية لا طولانية على شاكلة الأركيولوجيا، نلحظ من خلالها الصلة الوطيدة بين الفلسفة والثورة على السائد، والأهم على العناصر التي حدثت الثورة ضدّها، فلقد جاءت الفلسفة اليونانية في عصرها الذهبي مع سقراط، أفلاطون وآرسطو، للاعّتداد بالتفكير العقلاني في مقابل التفكير الأسطوري، والفلسفة الغربية الحديثة لإعلان جرأة إستخدام العقل، وممارسة الشك، وخوض تجارب النقد، على خلفية نواتج العقلية الوسيطية ومناهجها التكبيلية للعقل، والمناهضة لكل محاولات الخروج عن النسق المألوف نحو سبيل معرفي جديد. لتستمر موجة الفلسفة في التعالي بواسطة النقد كدعامة ماهوية لها، حيث سجّلت الفلسفة الغربية المعاصرة نمطًا مغايرًا من التفكير، تجلّى في الموضوعات التي بحثتها، والمناهج المتعدّدة التي أطّرت عملية تقويض صرح العقلانية الغربية، وتدمير أسُسّ ميتافيزيقا الحُضور لصالح الهامش والمتغيّر والنسبي والمختلف، بإيجاز عودة كل ما نفته الذهنية الغربية من فضائِها، كالأسطورة مثلا. والبيّن في خضم هذه السلسلة الثورية، أنها طرحت مفاهيم جديدة، امتدت وشملت جميع نواحي الحياة، لتعبّر عن مُراجعة حقيقية للوضع الفكري المَعيش، فلقد تميّزت كل حقبة فلسفية غربية تحالفت مع النقد والبناء، بجملة مفاهيم جعلت منها الإطار المرجعي لكل محاولات التغيير نحو الأفضل، ففي الفترة الفكرية المعاصرة مثلا، تم طرح مفهوم مابعد الحداثةpost modernism ، ليكون فاتحة نقد وتفكيك وتشريح لبنية الحداثة، تكتّلت الرؤى ضمنه حول موقف صريح بإخفاق مشاريع التحديث وأن وعود المحدثين خرجت عن سياق الوفاء إلى سياق الخيانة والنقض، وأن مجموع الآمال التي سطّرتها الحداثة آلت إلى الخيبة في عصر الفراغ، عنوان كتاب الفيلسوف الفرنسي جيل ليبوفسكي) Gilles lipovetsky 1944م)، وأنه يجب إعادة استحضار الغائب، كالمتغيّر، المبدع، الآخر، وانتفاء السرديات الكبرى، والمثاليات، والعقلانيات المجرّدة التي تحوّلت إلى أداة للسيطرة، بدعم هوس تحطيم المقابل المختلف، إلى السرديات الصغرى، كما دعى الفرنسي جون فرنسوا ليوتارJean fronçois lyotard )1924 - 1998م)، واستدخال الصيرورة في كل ثابت سكوني، حينما أحلّها فيلسوف كتاب: الإختلاف والتكرارDifference and repetition جيل دولوز متأثّرا بفيلسوف إرادة القوة، الألماني فريدريك نيتشه Friedrich nietzsche  1844)- 1900م)، "في بعدها الجمالي أعطى للإبداع حركية متواصلة، وفي بعدها الأخلاقي حيث أعطى للقيم بعدا تحوّليًا غير سكوني، وفي بعدها السيكولوجي أعطى للرغبة قدرة للعطاء والإنتاج بعدما كانت تعتبر نتيجة نقص وحرمان"(2). بعكس هذا الموقف الاحتجاجي المناهض، هناك من وقف نصيرًا للحداثة، بتبرير أنها مشروع مازال قادرًا على العطاء أكثر، وهو موقف الألماني فيلسوف الجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت النقدية يورغن هابرماس  Jurgen    habermas  (1929م). ما يهم من هذه الأفكار أن الثورة تخلق المفهوم، ليحمل رسالتها ويجسّدها من خلال الإمتداد والشمول، كما هو الحال مع مفهوم مابعد الحداثة، وتأتي فعالية أيّ مفهوم من كونه يعبّر تعبيرًا أصيلاً عن العالم الذاتي والموضوعي الذي أبدعه، غير ذلك فلن يكون إلا تقليدًا لن يورث سوى توطيد التبعية. لتتموّضع الثورات الفلسفية الغربية ضمن النماذج الحيّة الدالة على علاقة الوصل التي تجمع روح الثورة بجسد المفهوم، بخيط ناظم وهو الفلسفة.

3- العقل العربي واستنساخ مفاهيم العقل الغربي:

يتّضح لدى المتتبّع لأحوال العقل العربي في علاقته مع العقل الغربي، أن الهيمنة الغربية كملّمح جوهري لهذه العلاقة، هي هيمنة مفهومية، وهذا ما يفسّر الإستخدام المتواصل للعقل العربي للمفاهيم التي يطرحها نظيره الغربي، والأكثر يخوض فيها وبها بحثًا وتحليلاً، ويجتهد في أشكلة الإشكالات التي تفيض عن ذلك المفهوم، ويؤسّس عليها مواقف فكرية، يلخّص همّه فيها. فبدل أن يشتغل على استنبات وإنتاج مفاهيم تتوافق وخصوصية عالمه، يستنسخ أخرى من العالم الغربي، فيتماهي وماهيتها درسًا وتبليغًا وتأليفًا، وقد تأتي المسوّغة بتسويغ مفاده أن مصيرنا الحضاري محكوم بما يقرّره العقل الغربي، وأن محاور القلَق الفلسفي لديه وما ينتج عنها من مفاهيم، تفّرض نفسها علينا، بالتالي لابد من جلبها والكتابة حولها. لكن من جهة مختلفة تمامًا، فإن الواقع يثبت أنه بهذه العقلية، إنما نعمل على توطيد المركزية الغربية، وتمتين هذا الجسر الموصول بين ضفتي الفكر الغربي والفكر العربي، حينما نتتبّع باهتمام وفضول متزايدين لإصدارات الغرب المفاهيمية، ونكثّف جهودنا، ونبرّمج مواعيدنا من مؤتمرات، ملتقيات، كتب ودراسات حولها... ألسنا قادرين على خلق مفاهيم حيوية من بيئتنا، والتفلسف بروحها حتى يغدو سؤال التغيير أقرب إلى الواقع ومجرياته منه إلى الترف الفكري ومثالياته المُفرغة من كل نجوع؟ أم أننا آلفنا التبعية واعتدنا على ملاحقة الغير حتى في خصوصياته بتبرير أننا لسنا في وضعية تخيير بل تسيير؟

إن الحديث هنا، يجب أن لا يُفهم على أنه دعوى صريحة لغلق سبل التواصل مع الآخر والامتناع عن الانفتاح على علومه وفلسفاته، وتدشين قطيعة جارحة معه، لأن التراكم هو سند العلم والمعرفة، فكما تأثّر غيرنا بالآنا الشخصية، كذلك تتأثّر هي بمعطياته، لكن الأصحّ أن ننفتح بوعي، مع المحافظة على مسافة نقدية تفصلنا عنه، تلك هي مسافة الإنتاج الذاتي المُبدع بمقولات وقوالب فهم مُستنبتة، ومفاهيم مجتثّة من عمق الواقع العربي وهوّيته وميراثه مع إضفاء روح العقلانية النقدية الحديثة، حتى لا نقع في متاهة تكرار القديم ومحاولة تصفيحه على الجديد. وفي سياق نقاش التحكّم بالمفهوم، يُمّكن التحدّث عن مجموعة من المفاهيم المتناقلة تحليلًا وتركيبًا في الحقل الفكري العربي، والتي من بينها: مفهوم الديمقراطية، العلمانية، القومية، الليبرالية، الحداثة...وغيرها، والتي حظيت بعناية بحثية كبيرة لعلّها تُخَلِّص الفرد العربي من مأزق الاختناق الحضاري، وأُلّفت حولها العديد من الكتب دون أن نستفيد عمليًا منها، لأنها تعبّر عن تجارب غربية المنشأ وخبرات مرّ بها العقل الغربي، شكّلت حالات من الأزمة، ممّا دفعه للتفكير جدّيًا فيها قصد اجتراح الحلول، والتي توّجت بخلق حُزمة من المفاهيم وسحب دلالاتها على عديد القطاعات، هذا ما يبرّهن قوة المفهوم الذي يولد عن مخاض شخصي. وما يثير الحفيظة أنه من الاستطاعة طرح مفاهيم خاصة بطبيعة ثقافتنا، لكننا لا نستغل ما نملك!  ففي مقابل الديمقراطية مثلا، ألا يمكن الحديث عن الشورى وإن كان هناك فرق بينهما؟ لأن الديمقراطية في عالَمنا العربي لا تُراوح مكان الشعارات التي تتغنّى بها الحكومات المستبدّة! مع مفهوم العلمانية كذلك، والذي طبعتّه مُسحات إيديولوجية مقيتة، ومفهوم القومية والجماعات الكابحة لطاقات العيش المشترك والولاء للوطن، بهذه الطريقة نصل إلى أننا لم ننتفع من المفاهيم التي صاغها غيرنا، لأنها غريبة الدلالة على دلالة البيئة. وغير ببعيد عن التحرّكات الفكرية الحاضِرة، نلحظ صعود مفهوم إلى طليعة الاهتمام الكبير للمفكّرين والباحثين العرب، وهو مفهوم البيوإيتيقا Bioethics، كحالة بحثية فرضها التقدّم العلمي والتقني الهائل إلى درجة أنه تدخّل بتقنياته في المادة الحيّة ووضع سؤال مستقبل الهوية الإنسانية على المحك، نظرًا لجرأة تطبيقاته ومدى طموحها للتحكّم في الخريطة الجينية للإنسان، هذه أشكلة حقيقية يعيشها العقل الغربي بقلق يومي، ممّا أفضى إلى قيام ما يسمّى بالبيوإيتيقا أو أخلاقيات الطب والبيولوجيا لتفعيل المُلاحقة الفلسفية الإيتيقية النقدية لنتائج التيار العلموتقني. يأتي العقل العربي ويأخذ على عاتقه مهمة تبليغ مفهوم البيوإيتيقا وقضاياها إلى المتلقّي العربي وتحسّيسه بأهمية الانكباب بحثيًا حولها، رغم أن العديد من القضايا التي تشتغل عليها أخلاقيات الطب والحياة لم تقع بعد ضمن مستجدات واقعنا، وإن كنا نشهد البعض منها لكن ليس لدرجة أن يُصطلح عليها بقضية ملحّة، ثم إن السؤال الأخلاقي وحفظ الكرامة الإنسانية، وعِرضها ونسلها وعقلها ودينها ومالِها من المبادئ الأولى لمقاصد الشريعة الإسلامية، فهل نتجاوزها لصالح وصايا رجال الأخلاق الغربيين؟ لما لا نقوم بعملية استيعاب لميراثنا الديني الأخلاقي بأعين معاصرة؟  فلنبحث في قضايا البيوإتيقا لكن لا نغفل عن قضايا أهم نعيشها بتوتر كبير، وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل الإجابة عن السؤال الأخلاقي هو سبيلنا نحو الخروج من أزمة التيه؟ وهل فعلا نحن نعيش أزمة أخلاقية حتى نولّيها شطر جهودنا قصد النظر في حلولها؟ أم أن أزماتنا من طبيعة مختلفة؟

4- آلية الترجمة كدعامة للهيمنة بالمفهوم:

تعد آلية الترجمةTraduction  من أبرز الآليات المُعتمدة في التواصل الفكري، حيث تأتي كأداة أولى لتحقيق غاية معرفة تراث الآخر الأجنبي عن تراث الآنا ومنه أجنبية اللغة المكتوب بها أو المُعبَّر بواسطتها شفهيًا. واعتمادًا على الترجمة لم يتوقّف شغف العقل لاكتساب معارف جديدة والاطلاع على إنتاجات غيره من العقول المفكّرة حتى وهي غريبة عنه من ناحية اللفظ والمعنى، إذ تم اللجوء إلى هذه الآلية من أجل فهم المعاني التي تحملها نصوص الكتب والمخطوطات في لغتها الأصلية، فعن طريق نقل حروفها إلى الحقل اللغوي المُراد الترجمة إليه، يتم كسر حاجز اختلاف اللغة، ويتحقّق مكسب الإنتفاع المعرفي. على هذه الشاكلة تصبح الترجمة الوسيط الحقيقي الفعّال بين المترجم والنص الأصلي وما بينهما من علاقة دلالة، تتعدّد المنظورات إليها، بين من يعتبرها علاقة نقلية حَرفية، وبين من يجعلها فرصة للتأويل والاجتهاد حتى نقبض على المعنى الخام وبلغة مغايرة. وبالرغم من إيجابية آلية الترجمة في مد جسور التعارف والحوار المعرفي، تأتي المؤاخذة دائمًا عليها، بخاصة الحَرّفية منها، بتبرير يُفيد أنها تشكّل دعمًا قويًا لتبعية المعنى، حيث يتوخّى المترجم الدقة التفصيلية في نقل الألفاظ ومعانيها إلى لغة الترجمة، من دون مراعاة السياق المعرفي والمنهجي والعقدي للمجال المنقول إليه، ثم إنه وبهذه الكيفية يسجن نفسه في قفص النقل الحرفي المغلق، ويوطّد علاقة التبعية للنص الأول، وذلك لغياب مفاتيح التحرّر من تأويل، فهم وإعادة صياغة بما يضمن للمعنى الأصلي حق الوجود دون تشويه مع جعل الترجمة أداة للتواصل والانتفاع لا للتبعية والخضوع. وفي هذا السياق، تندرج الهيمنة بالمفهوم بواسطة آلية الترجمة، حيث يحصل أن تترجم المفاهيم الغربية التي صنعت صدًا واسعًا إلى اللغة العربية، ومن بعدها تأتي عملية التفكير بها وحولها، وكأنها مفاهيم قلِقة انبثقت عن حالنا المأزوم، إذ أن ترجمة المفاهيم ونقلها إلى حقل لغوي ودلالي مختلف دون تعديل ولا إعادة صياغة هو تعبيد طريق طويل لفعل التبعية والهيمنة، وقد نصطدم برأي يخالفنا تمامًا ويقطع سبيلنا أفقيًا وعموديًا، بحجة أن للنص وما يحمله من مفاهيم ودلالات حق علينا بأن تُنقل كما هي، إذ يخشى هذا الموقف أن تشوّه التأويلية المعنى، وأن للمؤلّف الحق الكامل في أن تُتداول معانيه دون عملية التعديل والتحوير، ولكن نحن نعتقد أن الإبقاء حَرّفيًا على المستوى اللفظي والدلالي هو الذي يشوّه المعنى بل ويقتله، لأنه بحاجة إلى تجديد وإعادة رسكلة حتى يواصل تدفّقه ولا يتوقّف عند حدود نصه الأصلي، ولهذا فإن الترجمة الحَرّفية دعامة قوية لاستمرارية وضع التبعية بل وتحيينها في كل مرة، وفي هذا الصدد نستحضر موقف الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمان) Taha abederrahman 1944م) حول الترجمة وأنواعها، فلقد كان له تصوّر مميّز حول هذه الآلية باعتبارها تواصل فكري لكن بشروط، وأولى أنماط الترجمة التي ينتقدها، هي الترجمة التحصيلية والتي هي "طريق في النقل يجب ترك العمل به ما أمكن، فالنقل التحصيلي يُبقي على تمام  التعارض بين الفلسفة والترجمة ويدخل في ترجمة كل ما تضمنه النص الأصلي، لفظا ومعنى، متمسكا بتمام الصورة التعبيرية، على أساس أنها الدليل على تمام المضمون الفكري، فتكون نتيجة ذلك كله أن هذا النقل يقع في تطويل العبارة بالقدر الذي يُبعد طريق الفهم على المتلقي ..."(3)، هي ترجمة نقلية تحصيلية لا إبداع فيها، تلخّص مجهودها في النقل التام للفظ والمعنى، مما يُفضي بوقوع اللافهم. أما النوع الثاني فهو الترجمة التوصيلية، التي هي "طريق في النقل يجوز أن يُعطى حكم الترجمة التحصيلية، حيث لا يتغلّب النقل التوصيلي على التعارض بين الفلسفة والترجمة، ولا يستقل عن محاكاة مضمون النص الأصلي، وإن لم يُحاك صورته، كما أنه لا يهتدي إلى تبيّن عناصره الخادمة لخصوص التفلسف من العناصر الحاملة لعموم المعرفة، فينتج من ذلك أن هذا النقل يقع في تهويل المعرفة بالقدر الذي يوعّر طريق الإنتاج الفلسفي على المتلقي..."(4)، تسير هذه الترجمة تقريبا في نفس اتجاه سابقتها التحصيلية، حيث لا تتغلّب على عوائق التفلسف المنتج التي تطرحها الترجمة التحصيلية، وإنما تقع في نفس الشراك أين ترسم سبيلًا صعبًا لا يترك للمتلقي فرصة الإنتاج الفلسفي وذلك بالتهويل والتضخيم من المعرفة. ليأتي الدور على النوع الثالث كمتنفّس إبداعي للمترجمين، وهو الترجمة التأصيلية، وهي "طريق في النقل يجب العمل به ما أمكن، فالنقل التأصيلي ينبني على لزوم الفلسفة لما يوافق الترجمة من الصفات، ولا ينقل من النص الأصلي إلا ما يناسب الأصول التداولية التي يأخذ بها المتلقي، موليًا أبلغ عنايته لما جاء فيه من عناصر يتجلّى فيها كمال التفلسف... فيكون هذا النقل بذلك أوفى من غيره بغرض تمكين المتلقي من وسائل التفلسف التي من شأنها أن تفضي به إلى شق طريقه في العطاء والإبداع"(5)، هو نوع ترجمي مُبدع خلاّق يتوافق والمجال التداولي المنقول إليه، لأنه يُراعي شروط التفلسف الحق، يأخذ بأهمية الترجمة الولاّدة، على عكس العقيمة التي تنحصر في دائرة النقل التحصيلي والتوصيلي، وبهذا يكون طه عبد الرحمان قد أبان عن موقفه من الترجمة، جاعلاً منها أداة للتواصل الفكري بشرط إرتباطها بطبيعة الأصل وليس التحصيل والوصل. إضافة إلى أن الترجمة في غالبية استخداماتها ومنه الاستخدام العربي، لا تحيط بالسياقات التاريخية والاجتماعية والثقافية للنص، فهي تُنهي عملها عند نقطة مغلقة منتهية الحدود يصدق عليها القول: "سجن النص"، وبهذا المنهج فإن المترجم يجعل من نفسه أسيرًا لمفاهيم النص ودلالاته، لأنه ضيّق نظرته واختزل مهمته في إطار نصي من دون الالتفاتة البحثية الحفرية الفضولية للعوامل الخارجة عنه والتي شكّلت دورًا مهمًّا في بناء النص، وتجاهلها يؤدي إلى نتيجتين سلبيتين، وهما، أولاً: خيانة المعنى العميق للنص والذي يتغذّى من روح التاريخ والثقافة والمجتمع، وثانيًا: الانخراط في تيار الهيمنة، هيمنة النص ومفاهيمه التي تُنقل بخضوع في غياب لاجتهادات قِرائية تجديدية. إذن، تحضر الترجمة ضمن دعامات الهيمنة بالمفهوم، وبالتحديد الحَرّفية منها، أين نتّبع النص الحامل للمفاهيم بلا شكّية نقدية، فنترجم وننقل والنتيجة تثبيت أقدام السُلطة الفكرية للعقل الغربي.

5- التعريب والانحباس في أسر المفهوم:

التعريب من اللغة العربية، ومعناه أن ننقل المفهوم بحروفه ونعرّبه؛ أي نبحث عن المقابل الحَرّفي له من الناحية اللفظية، بلا ترجمة أو إعادة صياغة تختلف لفظيًا وتتفق دلاليًا، مثال: sociologie، فنقول: سوسيولوجيا، epistimologie، فنقول: إبستمولوجيا، وهكذا مع بقية المفاهيم، ويتم استخدامه مخافة الإخلال بالمعنى حين ترجمة المفهوم، فيقع الاقتصار على تقديم موازاة لفظية. وقد قيل تهكّمًا: عُرِّبت فَخُرِّبت، وهي دلالة على عَيْبِ التعريب وقُصوره، فهو من جهة لا يجتهد في تقديم صورة لغوية جديدة، ومن جهة ثانية يُهدّم المعنى ويُخَرِّبه، ولنا مثلاً مع مفهومtranscendantal  الذي يُعرَّب دائمًا إلى: ترنسندنتالي، حيث لا يلقى ترحيبًا كبيرًا من جمهور الفلسفة، وذلك لأنه ثقيل الصياغة والنطق، ثم إنه غريب عن حقل اللغة العربية، إذ لا وجود لمصطلحات تقترب منه، على العكس تكون ترجمته أكثر حظًا من خلال القول بالمُتعالي، والأمثلة كثيرة. وضمن موضوع التداعيات السلبية لعملية التعريب، فإنها تمثّل خطوة نحو الانحسار والانحباس في أسر المفهوم، لأنها لا تدعم قوى الإبداع حتى تجتهد في خلق مفاهيم جديدة تتفق والسياق المُستقبِل لها، بل إنها تعيد استحضار مفاهيم العقل الغربي وتطرحها بحروف اللغة العربية لا أكثر، ممّا يجعلها تختنق في سجن المفهوم ومن كل جهة. وبهذا يكون التعريب أحد سُبل الهيمنة الغربية ولو بطريقة غير مباشرة، لأن من يستخدمه هو العقل العربي وليس  العقل الغربي، غير أن المُستفيد هو العقل الثاني. صحيح أن التعريب طريقة فاعِلة للحفاظ على المفهوم كما جاء في صياغته الأصلية، وذلك بتبديل اللغة فقط، إلا أنه في إطار التبعية والتقليد حاضرًا دون تغييب، فنحن لا نسعى لإعادة تكرار إنتاجات الغير ولو بلغة مختلفة، إنما المسعى الجوهري هو الإنتاج بأدوات بحثية تُصقل بروح عقل عالَمنا العربي.

6- على سبيل التحرّر من مضائق تبعية المفهوم: منافذ النحت المفهومي:

لعلّ أبرز داعم للأزمة هو التفكير في منحى تأزّم الوضع سلبيًا؛ بمعنى تشخيص الحالة المَرضية لفِكرنا من دون وصف العلاج الذي نتوسّم فيه أن يكون مناسبًا، إذ تأتي الحلول من عمق الأزمة، لأن القبول بالوضعية والاستسلام لها، بحيث تصبح نمطًا دائِمًا من العيش، يُعمي العقل عن رؤية مكامن العطب، في حين يكون الفكر الاحتجاجي النقدي والمُناهض لرتابة تفكير العقل، منفذًا حقيقيًا نحو الخروج من أزمة الأزمة وتيهان الوعي، ولأن تبعية المفهوم تشكّل أزمة للعقل العربي، فإن التفكير جدّيًا في تحطيم جِدارها يعدّ مطلبًا مُلحًّا في ظلّ استمرارية العلاقة غير متكافئة القوى، وأولى هذه المُفاتحات الحُلولية، تتمثّل في ضرورة العمل على صياغة مفاهيم من جوف خصوصية ثقافتنا، وبالإمكان تطعيمها بأعين ورؤى معاصرة حتى تغدو محايثة للواقع ومجريات العصر وتحوّلاته وتطوّراته، يجب أن نؤشّكل أوضاعنا الفكرية أشكلة قَلِقة، وأن نَنّْظُر بعينٍ ثاقبة لما نعيشه من احتضار واختناق معرفي ومنهجي، كما يتعيّن على تفكيرنا أن ينشغل بتوفير الحلول المُستوحاة من أزماتنا لا من أزمات الغير وحلوله، بمعنى أن نركّز اهتماماتنا على تعثّراتنا وإمكانية النهوض من جديد والوسائل المُتاحة لذلك، بواسطة إبداع مفاهيم حيوية نابضة بثقافة العصر من ناحية المنهج وثقافة الأصل من ناحية المضمون، وبكليهما معًا من أجل تكوين قاعدة مفاهيمية رصينة قادرة على تغطية عدّة ميادين حُلوليًا لمشاكلها. وطريق الإبداع المفاهيمي يمرّ عبر محطة رئيسية تتمثّل في إعادة الاعتبار إلى التفكير الفلسفي والذي يُعاني انسدادًا كبيرًا في ثقافتنا العربية بفعل الجُحود بفاعلية الفلسفة والرؤية المُتعسّفة لدورها والذِهنيات القامعة لها ضمانة غياب الانتفاضة واستمرار عقلية التحريم، في حين يُراهن الغير الغربي على الفكرة الفلسفية لإحداث القفزات النوعية في التغيير التقدّمي، بالتالي لابد من التحسّيس بأهمية العقل الفلسفي والسعي في بعثه وإرساء دعائمه، والانطلاقة من الوسط التربوي كمحضن قاعدي له وتكوين أجيال تؤمن بالفكر الفلسفي ودوره الفاصل في الإرتقاء بالمكانة. أما بالنسبة لآليتي الترجمة والتعريب، فإن الأولى بحاجة لشروط حتى تكون في مقام الإبداع والإنتاج كالآخذ بخصوصية المجال المنقول إليه، والثانية فالأفضل أن ترافقها حملة خلق مفاهيم وليس مجرّد تعريب لها؛ بمعنى طرح المفهوم في صورته المُعرّبة مع البحث عن إمكانية خلق مفهوم يتفق والمعنى مع الاختلاف في الاصطلاح أو يختلف لفظًا ودلالة إن اقتضى الوضع، ولأجل ألا نكون من الجاحدين فإن هناك بعض الاجتهادات الفلسفية العربية في خلق مفاهيم تضمّنتها أطروحاتهم الفكرية، لكنها محاولات يتيمة بحاجة لتكثيف جهود وتجييش طاقات. بهذه الإقتراحات يرمي عقلنا لرسم مسافة سيادية للعقل العربي تجعل موقعه لا يثبت عند المركز أو الهامش وإنما موقعًا ينفتح وينغلق في الآن ذاته، وحتى نوسّع من دائرة الحلول المُقترحة، فإنه ينبغي وبإصرار أن يعقبها تطبيقًا وعملًا بفلسفة الفعل، لأننا نشهد حضورًا بارزًا للتنظير في عالَمنا العربي مع غياب ملحوظ للإسقاطات العملية، وبالتالي فلنغيّر مسار النهضة إلى آخر يؤمن بإطلاق بتلازمية النظر والعمل.

 

شهرزاد حمدي

طالبة دكتوراه تخصص: فلسفة عامة

.........................

هوامش المقال:  

(1) محمد عابد الجابري، قضايا في الفكر المعاصر، ط1، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1997م، ص10 

(2) فتحي التريكي، فلسفة الحياة اليومية، ط1، الدار المتوسطية للنشر، تونس، 2009م، ص ص47 - 48

(3) طه عبد الرحمان، فقه الفلسفة -1- الفلسفة والترجمة، ط1، المركز الثقافي العربي، المغرب، 1995م، ص510

(4) المرجع نفسه، الصفحة نفسها

(5) المرجع نفسه، الصفحة نفسها

 

 

حاتم حميد محسنيوضح ديفد ليون David Lyon رؤية ما بعد الحداثة للدين في كتابه (يسوع في ديزني،عام 2000). فيه يصف كيف اصبح الدين منعزلا في المجتمع المابعد حداثوي: انه لم يعد مرتبطا  بالمنظمات الدينية او في بلد او ثقافة معينة، والعقائد لم تعد متصلة في سياقاتها الأصلية. هذا يسمح للناس للاختيار والمزج بين العديد من أنظمة العقيدة، يأخذون ما يحبون ويرفضون ما لا يحبون. وسيجدون الدين يظهر في أماكن غير متوقعة كما في العنوان (مدينة العاب ديزني). في هذه الطريقة يصبح الدين مسألة اختيار ولذلك يجب النظر اليه ليس كإلتزام (كما يُنظر عادة للاديان التقليدية) وانما كإستهلاك. هذا ينسجم مع فكرة النمو في البيئة الشمولية للعصر الجديد وطبيعة الحركات الدينية للعصر الجديد (1)، انها دائما تشبه الشركات التي تبيع الروحانيات كسلعة. العامل الرئيسي في كل هذا هو التكنلوجيا. التلفزيون ومن ثم الانترنيت حاليا سحبا الدين بعيدا عن الكنائس باتجاه القنوات التلفزيونية والمواقع الالكترونية. هذا ايضا يسمح للدين ليصبح اكثر خصوصية، ويمكن ربطه  بفكرة الخبيرة الاجتماعية غريس دافي Grace Davie حول الناس الذين "يؤمنون دون انتماء" believing without belonging .

هذه التغيرات في الدين كانت لها نتائج هامة وكبيرة جدا حول ما اذا كانت للدين أية وظائف كما ادّعى دوركهايم و بارسون وماركس وببيفور. اذا كان الدين لا يتعلق بمجموعة من المعتقدات المشتركة وانما هو فقط عقيدة فردية خاصة، عندئذ فهو لا يمكن ان يقود الى ضمير جمعي. اذا كان الدين هو حول تلبية حاجات الفرد ورغباته كسلعة للاستهلاك بدلا من وضع أي التزامات على المؤمنين، عندئذ فهو سوف لن يضمن الانضباط الذاتي والسيطرة. الناس الذين يعبدون تماما دين خصوصي وفردي لا يعبدون المجتمع ذاته (البعض يدّعي انه يعبد نفسه).

وبينما يرى البعض ان النمو في الاصولية قد يكون مضادا تماما لإتجاه الاختيار والمزج في الدين، لكن هناك طريقة واحدة يمكن النظر بها للمسألة، وهي الطريقة التي يكون فيها الدين مصدرا للهوية. في مجتمع عندما تكون فيه المصادر الاخرى للهوية في حالة انهيار – القومية،الجنس، الطبقة،الاثنية، النوع جميعها مائعة وهويات متشظية طبقا لما بعد الحداثويون – فان الدين يمكن ان يكون مصدرا جذابا للهوية وهو حقا يمكن ان يصبح وظيفتها الاساسية. ان مصدر الهوية لم يُنظر اليه ابدا كوظيفة للدين من جانب دوركهايم وماركس، لأن الافتراض كان هو ان أغلب الناس في المجتمعات هم متدينون ومعظمهم اعتنق نفس الدين. اما في المجتمع التعددي والمعولم والمتنوع، بالطبع لم يعد ذلك هو الموقف ولذلك فان الدور الجديد للاديان باعتبارها مصدرا للهوية، هو دور يتم إعتناقه والدفاع عنه بقوة ضد الهجمات من المعتقدات الاخرى او العلمنة.

يرى الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي ليوتار Lyotard، ان رفض السرديات الكبرى، مثل النظريات الحداثوية الكلية كالماركسية وايضا النظريات العلمية، يعني ان الدين هو مجرد سرد آخر، يتنافس مع الآخرين. وبينما، يبدو هذا للمتدينين انه يُضعف ويقلل من قيمة الدين، فهو في الحقيقة تحدّي لنظرية العلمنة، لأنها تقول ان "الحقائق" الدينية هي صادقة بنفس مقدار صحة الحقائق العلمية. ان فكرة كون الناس يستطيعون اختيار حقيقتهم الخاصة هو عامل آخر في تجديد حيوية العقائد الدينية للمجتمع. عالم الاجتماع البولندي بومان Bauman (اعلاه) جادل بان جماهير الحداثة كانوا يبحثون عن نظريات دائما صحيحة- حقائق عالمية ،ولكن شعوب ما بعد الحداثة تهتم في العقيدة او النظرية او الحقيقة التي خدمتهم في ذلك الوقت وفي ذلك المكان. كل هذا يتناسب جيدا مع انتقادات نظرية العلمنة التي تأتي من بيرغر، والفكرة بان السوسيولوجيين يحتاجون لممارسة الكثير من الانعكاسية reflexivity (2) في دراستهم للدين. العقائد الخاصة بالباحثين - او غياب المعتقدات الدينية لديهم – يجب التفكير فيها عند دراسة الدين في المجتمع المعاصر. يؤكد بيرغر ان نقص الانعكاسية يعزز نظرية العلمنة، لأن السوسيولوجيين في أقسام الجامعة كانوا يشغلون جامعة علمانية، وهم افترضوا ان أي  شخص آخر هو مثلهم .

تقييم رؤى ما بعد الحداثة للدين

1- كان بيرغر صائبا تماما بان نظرية العلمنة هي مركزية اوربية والدين لازال ينمو في أجزاء اخرى من العالم. ان ما يتجاهله العديد من السوسيولوجيين الما بعد حداثويين هو انه بالنسبة للغالبية الكبرى لأولئك المتدينين، لايزال الدين تقليديا بشكل كبير ويستمر في تنفيذ  وظائفه التقليدية. بالنسبة للمسلمين عبر العالم الاسلامي،مثلا، الاسلام لم يكن منفصلا عن المسجد او عن سياقه التقليدي. ويصح نفس الشيء على العديد من المسيحيين في افريقيا وامريكا اللاتينية. البعض يجادل ان نظرية العلمنة هي خاطئة ليس بسبب ان الدين قد تغير، وانما في الحقيقة – في أجزاء كبيرة من العالم – بقي هو ذاته بشكل كبير.

2- ايضا، اذا كان التلفزيون والوعاظ في اليوتيوب يشكّلون أمثلة على تغيير الدين، فان ليون ربما ضخّم من أهمية تلك العوامل. أغلب الجمهور ايضا سوف يحضرون مراسم دينية لأن  هذه الاشياء يتم تسويقها لجمهور ديني. التكنلوجيا الحديثة وسّعت من إمكانية إبلاغ الرسالة الدينية، لكن هذا لا يعني بالضرورة تغيير الطبيعة الأساسية لتلك الرسالة،او معناها للجمهور.

3- كذلك، لازال هناك الكثير من الدليل بأن نظرية العلمنة في الديمقراطيات الغربية الليبرالية هي صائبة. ورغم النمو في حركات العصر الجديد لكنها لا تتحدى شعبية الاديان الكبرى ولا حتى الالحاد . العديد من اولئك الذين يستهلكون افكار العصر الجديد هم سعداء في إعتبار انفسهم مسيحيين او غير ذلك، وهم  في الحقيقة ليس لديهم ايمان ديني. اولئك "المؤمنون بدون انتماء" والذين يعبدون بالإنابة من خلال رجال الدين المهنيين ربما صحيح، كما يرى بروس، انهم لايؤمنون ابدا .

 

حاتم حميد محسن

.....................

الهوامش

(1) العصر الجديد New Age هو نطاق من الممارسات والعقائد الدينية والروحية التي انتشرت بسرعة في الغرب اثناء السبعينات من القرن الماضي. التعريفات البحثية الدقيقة للعصر الجديد تختلف في اهتمامها كنتيجة للتركيب الانتقائي لتلك الحركات، فعلى الرغم من الناحية التحليلية يمكن اعتبار تلك الحركات دينية، لكن اولئك المشتركين فيها يفضلون تسمية روحانية، ونادرا ما يستعملون مصطلح العصر الجديد.

(2) الانعكاسية هي مقدرة المرء على فحص مشاعره وردود فعله ودوافعه والكيفية التي تؤثر بها على ما يفكر به او يفعله ضمن الموقف. هي الفعل المستمر للباحث لمعرفة المدى الذي يؤثر به هو ذاته على البحث ونتائجه. ما بعد الحداثويون يؤكدون ان الباحث غير قادر على ان يكون موضوعيا حقا لأنه جزء من المجتمع الذي هو موضوع الدراسة. وبهذا لابد من معرفة وتقدير مدى انحياز الباحث وقيمه الشخصية وتأثيرها على التفسير والتحليل. الانعكاسية تشير الى العلاقات الدائرية بين السبب والنتيجة. بهذا المقدار انها تشير لقدرة الباحث على تمييز قوى التنشئة الاجتماعية وتغيير مكانها في البناء الاجتماعي. المستوى الواطئ للانعكاسية يقود الى ان ينطبع الفرد كثيرا ببيئته. المستوى العالي من الانعكاسية الاجتماعية يتم تعريفها بما يتميز به الفرد من معتقدات واذواق وسياسات ورغبات وما شابه . في الاقتصاد تشير الانعكاسية الى التأثير المعزز ذاتيا لمشاعر السوق، حيث ان المستثمرين لا يبنون قراراتهم على الواقع وانما على تصوراتهم لذلك الواقع. الأفعال التي تنتج عن هذه التصورات سوف تؤثر على الواقع والتي بدورها تؤثر على تصورات المستثمرين ومن ثم الأسعار. العملية تتعزز ذاتيا باتجاه حالة من عدم التوازن فيها تصبح الاسعار منفصلة عن الواقع. المفكر الاقتصادي سوروس يوضح الازمة الاقتصادية العالمية وفق هذه النظرية، حيث ان ارتفاع اسعار البيوت حفز البنوك على زيادة اقساط الاقراض السكني والذي بدوره ادّى الى رفع أسعار البيوت. عدم مراقبة ارتفاع الاسعار هذا ادّى الى فقاعة في الاسعار انفجرت في النهاية مؤدية الى أزمة مالية وكساد كبيرين.

 

 

علي رسول الربيعيمقدمة: يقع التفكير في العدالة ضمن مجال الفلسفة. ولكن لماذا يجب أن يساهم النقاش الفلسفي حول طبيعة القانون؟ أليس القانون مؤسسة اجتماعية تخضع للمراقبة. قد نعتقد أن ما يمكن تعلمه عن القانون يمكن تعلمه من تخصصات القانون والإجتماع وعلماء العقائد أو فقهاء المذاهب القانونية : فلماذا يجب أن تساهم تأملات الفيلسوف في أي شيء يستحق التقدير؟ كيف يمكن أن تكون هناك أسئلة حول طبيعة القانون لم تعالجها الدراسة التقليدية للقانون، أو علم الاجتماع أو تاريخ القانون؟

غني عن القول، أن هناك العديد من القضايا الأخلاقية التي تنشأ في سياق القانون. عندما يتم تناول هذه المسائل على مستوى معين من التجريد، فإنها تشكل موضوعات فلسفية مقبولة: هل هناك التزام بطاعة القانون؟ هل يمكن تبرير العقوبة؟ لكن يبدو أن مثل هذه الأسئلة تأخذ طبيعة القانون كأمر مسلم به: إنها أسئلة تتعلق بالأخلاق التطبيقية، وليست أسئلة تتعلق بطبيعة القانون. لذلك رجعنا إلى نقطة البداية: كيف يمكن للفلاسفة أن يأملوا في المساهمة في فهمنا لطبيعة القانون، وهو ما لا تساهم به أشكال مألوفة من الدراسة القانونية؟

القانون الطبيعي والوضعي

غالبًا ما يُنظر إلى الجدل الفقهي بشأن طبيعة القانون على أنه معركة طويلة الأمد بين مدرستين فكريتين: المعسكران المتنافسان هما القانون الطبيعي والقانون الوضعي. لطالما شدد تقليد القانون الطبيعي على أسس القانون في العدالة والخير العام، بينما يميل القانون الوضعي إلى التأكيد على أن أساس القانون في السلطة. يحتوي كل تقليد منهماعلى قدر كبير من التعقيد، ومع ذلك، فإن فكرة وجود مسألة واحدة بسيطة تقسم المعسكرين هي فكرة مضللة للغاية. إونه من الضروري لفرز بعض هذا التعقيد وجود منظور تاريخي معين.

يصدر التقليد الرئيس (الكلاسيكي) لنظرية القانون الطبيعي من أرسطو والأكويني، الى فينيس Finnis داعمها الرئيس في العصر الحديث. نجد افضل شرج موجز للادعاءات المركزية لهذا التقليد في الفقرةات الافتتاحية لكتاب فينيس:" القانون الطبيعي والحقوق الطبيعية":"هناك خيرات بشرية لا يمكن تأمينها إلا من خلال مؤسسات القانون البشري، ومتطلبات المعقولية العملية التي لا يمكن أن تفي بها إلا تلك المؤسسات".

يبدأ هذا النوع من نظرية القانون الطبيعي بالسعي لفهم ما هو خير للبشر (ما يعتبر ازدهارًا للإنسان)؛ فيثبت هذا البحث والسؤال أن لا يمكن تحقيق الخير البشري إلا في المجتمع، لكن وجود المجتمع يتطلب تنظيم السلوك البشري. ولكي يُنظم بالسلوك البشري بطرق مناسبة، من الضروري أن تكون هناك قوانين يتم وضعها وتنفيذها من قبل السلطة. وتتطلب المجتمعات البشرية اتفاقيات تؤسس بعض المصادر الموثوقة للقانون. ومع ذلك، لا يمكننا فهم الطبيعة الحقيقية للقانون بمجرد وصف وجود مثل هذه المؤسسات التي تقوم بالتشريع والتنفيذ. فالمطلوب للفهم طبيعة القانون أن نفهم كيف أن القانون هو الرد على مشكلة حددتها "المعقولية العملية: يجب أن نفهم كيف يمكن تأمين خيرات بشرية معينة من خلال مؤسسات القانون فقط . عندما نفهم المشكلة،ونرى كيف يكون القانون هو الحل، لقد فهمنا طبيعة القانون.

تشير هذه المقاربة إلى أنه يجب فهم طبيعة القانون بالرجوع إلى ما يعتبره راه فينيس مطالب وشواهد "محورية"، حيث يخدم القانون الصالح أو الخير العام. إن الحالات التي يتم فيها استخدام مؤسسات القانون كأدوات للقمع والظلم واضحة تماما: لكن يجب فهمها بالطريقة التي تختلف بها (وتشبه) الحالات "المحورية" حيث يخدم القانون الصالح العام. إنها أمثلة منحطة للقانون، وستكون مضللة بطبيعتها إذا تم أخذها كدليل للطبيعة العامة للقانون.

بدأ التقليد "الكلاسيكي" للقانون الطبيعي الناشئ عن أرسطو والأكويني. ركز الفكر السياسي والفقهي الأرسطي على مفهومي " التميز" و"الخير": كان لابد من فهم وتقييم المؤسسات السياسية والقانونية من خلال قدرتها على تعزيز الازدهار البشري. ومع ذلك، افتقر الفكر السياسي الحديث ما بعد الإصلاح البروتستانتي إلى المفاهيم المشتركة عن الخير التي قد يبدو أن مثل هذه المقاربة الأرسطية تفترضها مسبقًا. ثم بدأت في الظهور أشكال التفكير السياسي التي سعت إلى ترسيخ التمييز بين المجال القانوني للعدالة والحقوق (من جهة) والمجال الأخلاقي للفضيلة والتميز والخير (من جهة أخرى).

كان غروتيوس وهوبز من أهم الفلاسفة في هذا التطور. رفض كلاهما (كليًا أو جزئيًا) المقاربات الأرسطية، فاستدعى كلاهما مفاهيم القانون الطبيعي لتجنب الاعتماد على فكرة مشتركة عن الامتياز أو الخير. ومع ذلك، رغمًامن أوجه التشابه هذه، يُنظر إلى غروتيوس على أنه أحد الفلاسفة الرئيسيين في مسار القانون الطبيعي، بينما غالبًا ما يُنظر إلى هوبز على أنه منشئ القانون الوضعي.

يعتبر غروتيوس القانون مجموعة المبادئ التي تحدد الحقوق الفردية. ليست هذه الحقوق مستمدة من فكرة ما عن الصالح لاأو الخير العام، ولكنها (في الواقع) من مجالات للملكية الذاتية، والتي يمكن للمرء أن ينظم فيها أفعاله.1 . يحق للفرد تعزيز مصالحه الخاصة، ولكن فقط بشرط أن لا يتم أنتهاك حقوق الآخرين.2 فالأفعال التي تتعدى على المجال الشرعي للآخرين هي انتهاكات للحق. وبالتالي، فإن الصورة التي قدمها غروتيوس هي صورة لمجال من الحقوق غير المتداخلة: فعندما يتصرف المرء في نطاق حقوقه، لا يمكنه، بفعله ذلك، أن ينتهك حقوق الآخرين.

موقف هوبز مختلف تمامًا، حيث يقارن بين "الحق" و"القانون"، فيرى إنهما يختلفان بقدر الاختلاف بين "الالتزام" و"الحرية": وإن الحق يكمن في حرية الفعل بينما يقرر القانون ويلتزم بواحد من الأفعال.3 بالنسبة لهوبز، الحقوق متضاربة بطبيعتها: فلكل فرد في حالة الطبيعة الحق في كل شيء، "حتى في جسد الآخر".4 إن القانون، بالنسبة له، ضروري لجعل النظام الاجتماعي ممكنًا، ولكنه لا يفي بمتطلبات أي بنية أساسية للحقوق: انه ببساطة يقيد الحقوق أو يلغيها. أما بالنسبة لغروتيوس، تشير الحقوق إلى إمكانية وجود نظام اجتماعي غير متعارض؛ ويجب أن يتتبع القانون الوضعي محتوى الحقوق غير المتضاربة، ويقدم بنية منظومية تعكس هذا الترتيب أو النظام. عندما يُنظر إلى هوبز على أنه وضعي قانوني، فذلك لأنه يؤكد على الحاجة إلى السلطة لوضع القواعد التي تخلق حدودًا بين المصالح المتضاربة. فبالنسبة له، إن سلطة المشرع هي التي تجعل القاعدة قانونًا، وليست عدالة أو معقولية القاعدة. لا ينكر غروتيوس الحاجة إلى سلطة تشريعية، لكنه يعتقد أن القانون يجب أن يجسد ويعكس بشكل صحيح ترتيبًا للحقوق (كمجالات غير متداخلة للحرية) يكون سابقًا ومستقلًا عن السلطة التشريعية. وهكذا، بالنسبة لغروتيوس، يجسد القانون مبادئ العقل الأخلاقي، وليس نتاجًا للسلطة وحدها.

يقدم كل من غروتيوس وهوبز، مثل دعاة التقليد الكلاسيكي والأرسطي، حججًا توجيهية متعلقة بفرض أو إنفاذ قاعدة أو طريقة. وهذا يعني أن حججهم تهدف إلى أن يكون لها تأثير على ما يجب علينا القيام به. النقطة المهمة هي إثبات أن القانون يتمتع بسلطة أخلاقية معينة (بحكم ارتباطه بالازدهار البشري، أو بحقوقنا الموجودة مسبقًا، أو بحكم الحاجة إلى ضبط الصدام بين المصالح المتضاربة).

القانون الوضعي الحديث مختلفة نوعًا ما. فلايرى القانونيون الوضعيون الحديثون أنفسهم على أنهم يقدمون حجة توجيهية حول السلطة الأخلاقية للقانون. إنهم يحاولون تقديم طريقة لفهم طبيعة القانون تضع في جانب واحد جميع القضايا الأخلاقية. إنهم يقولون إن فهم طبيعة القانون شيء، وتقييمه أخلاقيًا على أنه جيد أو سيئ شيء آخر. بمجرد أن نوضح (تحت التوجيه الوضعي) "مفهومنا" عن القانون، سنكون في وضع أفضل من ناحية الوضوح للتفكير في قضايا مثل السلطة الأخلاقية للقانون والتزامنا (إن وجد) بالطاعة.

يشير هذا إلى تباين جوهري للغاية بين التقليد الطويل للتفكير الفلسفي في القانون (أرسطو، هوبز، إلخ) والنهج الأضيق والأكثر تطهيرًا للوضعيين المعاصرين. اعتبرت الكلاسيكيات العظيمة لفلسفة القانون القانون تعبيرا عن الطبيعة البشرية ووضعها. تشكل فهم طبيعة القانون بالنسبة لهم عنصرًا واحدًا في فلسفة أخلاقية وسياسية أوسع. على النقيض من ذلك، رأى العديد من المنظرين القانونيين الحديثين مشروعهم باعتباره أحد "التوضيح المفاهيمي" الذي يهدف إلى تزويدنا بمجموعة أكثر شفافية ومنهجية ووحدة من المفاهيم من حيث الأسئلة الأخلاقية والتجريبية الجوهرية التي يمكن أن تكون أفضل صياغة ومعالجة. إذا تم تصور النظرية القانونية بهذه الطريقة، فهناك مجال للشك في قيمتها.

تقليد التفكير الفلسفي في القانون (أرسطو، هوبز، إلخ) والنهج الأضيق والأكثر تطهيرًا للوضعيين المودم. اعتبرت الكلاسيكيات العظيمة لفلسفة القانون القانون تعبيرا عن الطبيعة البشرية وحالة الإنسان. تشكل فهم طبيعة القانون بالنسبة لهم إلا عنصرًا واحدًا في فلسفة أخلاقية وسياسية أوسع. على النقيض من ذلك، رأى العديد من المنظرين القانونيين الحديثين مشروعهم باعتباره أحد "التوضيح المفاهيمي" الذي يهدف إلى تزويدنا بمجموعة أكثر شفافية ومنهجية ووحدة من المفاهيم من حيث الأسئلة الأخلاقية والتجريبية الجوهرية التي يمكن أن تكون أفضل صياغة ومعالجة. إذا تم تصور النظرية القانونية بهذه الطريقة، فهناك مجال للشك في قيمتها، و(كما سنرى) أعرب منظرين مثل دوركين عن مثل هذا الشك.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.........................

 1- Grotius, H. The Rights of War and Peace, Liberty Fund (2005), 1.1.5.

 2-Grotius, H. The Rights of War and Peace,1.2.1.6.

 3- Grotius, H. The Rights of War and Peace, Ch.14.

 4- Hobbes, Thomas, Leviathan, Independently published 2021. Ch.14.

 

عبد الجبار الرفاعيمَنْ لا يعرفُ الإنسانَ لا يعرفُ الله. مَنْ يعرفُ شيئًا عن غرابة ‏الإنسان وغربته الوجودية وفقره وهشاشته، ويعرفُ شيئًا من الطبيعة الإنسانية، يمكنه أن يصلَ إلى الله. ‏معرفةُ الطبيعةِ لا تكفي لمعرفة الله.

يتنكرُ بعضُ المثقفين للميتافيزيقا وما وراء الطبيعة، على الرغم من أنه لا يعرف عنها شيئًا، وينفي وجودَ الله، لأنه لم يصل إليه بأدوات العلم التجريبي التي يثق بها فقط، ولا يثق بسواها. يجزم بالنفي من دون أن يتواضعَ ويكشفَ عن إخفاق عقله في إدراك ما لم يتمكن هو من إدراكه. لا يدري هؤلاء بأن البحثَ في الميتافيزيقا وما وراء الطبيعة خارجَ أدوات العلم، وخارجَ وسائل اكتشاف العالَم الفيزيقي وقوانينه.

يُعلِن بعضُهم بصرامة بأنه لا يؤمن بوجود الله، ويقطع بعدم وجود ما وراء الطبيعة، بلا تأمّل وتدبّر وتبصّر، وينسى بأن الميتافيزيقا وعالَم ما وراء الطبيعة هو الموضوع الأثير للفلسفة منذ بدايات التفلسف حتى اليوم، وأن سؤالَ الايمان والإلحاد ليس سؤالًا علميًا، وأن أسئلةَ الميتافيزيقا وعالَم ما وراء الطبيعة أسئلةٌ فلسفية. كلُّ سؤال وجواب خارج عالَم الطبيعة سؤالٌ وجوابٌ فلسفي. إعلانُ الإلحاد ضربٌ من الجواب الميتافيزيقي، الإلحادُ يعكسُ ضراوةَ القلق الوجودي، وأقصى مديات ‏حيرة الجواب الميتافيزيقي. لحظةَ يعلن أحدٌ عن إلحادِه ينتقل من التفكير العلمي إلى التفكير الفلسفي، من دون أن يتنبه لذلك. نفيُ عالَم ماوراء الطبيعة كإثباته، الإثباتُ حكمٌ فلسفي، والنفيُ حكمٌ فلسفي. التفكيرُ في ماهية العلوم الطبيعية وماهية أيّ علمٍ هو تفكيرٌ فلسفي، العلمُ لا يُفكّر في ماهيته، التفكيرُ في ماهية العلوم خارجَ مجال العلوم، كلُّ تفكيرٍ من هذا النوع تفكيرٌ فلسفي. في مقابلةٍ تلفزيونية على إحدى الفضائيات العربية مع معماري عراقي مثقف واسع الاطلاع، تحدّث فيها عن إلحاده بصراحة. يقول رفعت الجادرجي: "أنا ملحد بكل ما للكلمة من معنى". ويضيف: "أن لديه وصية مكتوبة بأن تحرق جثته بعد موته ولا يُدفَن ولا يُصلَى عليه"1 .

ولد ونشأ المهندس المعماري رفعت الجادرجي في محيطٍ تقليدي ببغداد، أبوه كامل الجادرجي كان سياسيًا ومثقفًا غير تقليدي، وهو من أبرز رواد الديمقراطية ودعاتها في العراق. سمعتُ الحوارَ كلَّه بتأمل أكثر من مرة، رأيته يفسِّر الدينَ والمقدّسَ، وحاجةَ الإنسان للصلة بوجودٍ الله تفسيرًا سيكولوجيًا وسوسيولوجيًا وأنثربولوجيًا. لا يغور رفعت الجادرجي فلسفيًا ليرى الأبعادَ العميقةَ للحاجة الى الدين في وجود الإنسان، ولا يذهب تفكيره بعيدًا ليطلّ على الميتافيزيقا وعالَم ما وراء المادة. حاجةُ الإنسان للصلة بوجودٍ مطلق يفرضها نوعُ وجوده، ونتيجةً لها يفرض الدينُ حضورَه الأبدي، وينتقم لنفسه كلّ مرة تجري إزاحتُه فيها ليعود عاصفًا، مهما كانت محاولاتُ بعض الفلاسفة والمفكرين لرفضِه، والكشفِ عن بؤس تمثلاته وتطبيقاته العملية. الحاجةُ الوجودية لله أسعدتْ كبارَ ملهمي الروح المعلمين في إطار الأديان المعروفة وغيرَهم ممن عاشوا مُتيّمين بحب الله، وأشقت بعضَ البشر، عندما زجّتهم في صراعٍ مع أنفسهم والناس والعالَم من حولهم.

لا أريد أن أحكم على تفسيرِ رفعت الجادرجي وشعورِه وتعبيرِه الصريح عن موقفه، لأن كلَّ تفسيرٍ لا يمكن أن يتحرّر كليًا من بصمةِ الذات، وكيفيةِ نشأتها وتربيتها، وتكوينِها المعرفي، والبنى اللاشعوريّة الغاطسة فيها، واحتياجاتِها المتنوعة.

‏ الظواهرُ الدينية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية، ‏وكلُّ تمثلات الدين المجتمعية، تدرسها علومُ الإنسان والمجتمع الحديثة، ‏مثل: سوسيولوجيا الدين، انثربولوجيا الدين، سيكولوجيا الدين، وغير ذلك. التفسيرُ السيكولوجي والسوسيولوجي والأنثربولوجي والاقتصادي والسياسي والتاريخي للظواهر الدينية شديدُ الأهمية، لأننا لا يمكن أن ندرس تمثلاتِ الدين وتعبيراته في حياة الفرد والجماعة من دونه، غير أن هذا التفسيرَ لا نستطيع أن نرى بأدواته منشأَ الحاجة الوجودية لله، ولا يسعفنا في اكتشاف الجذرِ العميق لهذه الحاجة، لأنه يقف خارجَ فضاء الميتافيزيقا.

جذرُ هذه الحاجة وأصلُها لا تتمكن من الغوص في مدياته إلا الرؤيةُ الفلسفية، لأنها يمكن أن تطلّ على الميتافيزيقا. التفكيرُ في حقيقة الأشياء وماهياتِها تفكيرٌ فلسفي. ماهيةُ الدين لا يمكن التفكيرُ فيها خارجَ السؤال الفلسفي، أعمقُ سؤال فلسفي السؤالُ ميتافيزيقي، لا يستطيع العقلُ أن يفكِّر في العالَم الميتافيزيقي بلا منظارٍ فلسفي. ولا يحضر جوهرُ الدين الروحي إلا باستبصارات العرفاء وإشراقات تجاربهم المضيئة الآسرة.

اللهُ، الوحيُ، النبوةُ، الآخرةُ، وغيرُ ذلك من عوالم الغيب، تبحثها فلسفةُ الدين، لأنها تحاول أن تغوص في ما هو ميتافيزيقي. كما تبحث فلسفةُ الدين كيفيةَ تجلي الإلهي في البشري،‏ وكيفيةَ شهود البشري للإلهي، ونمط ‏الحالة الروحية والعاطفية لحظة شهود البشري للإلهي.

العلومُ الطبيعية والبحتة والتطبيقية وعلومُ الإنسان والمجتمع لها مدياتٌ قصوى تقف عند تخومها ولا تتخطاها، إنها تظلّ مقيمةً في آفاق الزمان والمكان والحركة والمادة وأبعادها وخصائصها وشؤونها. يقول علي عزت بيغوفيتش: "إن علمَ الحفريات، وعلمَ هيئة الإنسان، وعلمَ النفس، كلَّها علومٌ تصفُ من الإنسان فقط الجانبَ الخارجي الآلي الذي لا معنى لهُ... إننا لا نستطيعُ تفسيرَ الحياةِ بالوسائل العلمية فقط، لأن الحياةَ معجزةٌ وظاهرة معًا. الإعحابُ والدهشةُ هما أعظمُ شكلٍ من أشكال فهمنا للحياة".

مادامت مناهجُ وأدواتُ ووسائل العلم تجريبيةً فهناك قصورٌ ذاتي في هذه المناهج والأدوات والوسائل عن أن تطلّ على عوالم الميتافيزيقا، لذلك يعجز العلمُ عن عبور فضاء المادة وأحوالها وما يتصل بها، ولا يمكنه الكشفُ عن ماهية الأشياء وجوهرها، كما لا يمكنه الجواب عن السؤال الميتافيزيقي. ما يتناوله العلمُ يلبث في حدود المادة، بخلاف الفلسفة واللاهوت التي بوسعها إدراكُ شيء من أبعاد الميتافيزيقا وعوالمها وشؤونها. وفي العرفان تنكشف مواطنُ أشواق الروح البشرية وأحوالها واحتياجاتها العميقة، لحظة يعلن جوهرُ الدين عن حضوره المُضِيء باستبصارات العرفاء وإشراقات تجاربهم المبهجة.

علّق هايدغر على عبارته المشهورة: "العلم لا يفكّر"، (بقوله: "إن هذه العبارة التي خلّفت كثيرًا من الضجيج إثر نطقي بها، تعني أن العلم لا يشتغل في إطار الفلسفة، إلا أنه، ومن غير أن يعلم، ينْشدّ إلى ذلك الإطار. فعلى سبيل المثال: إن الفيزياء تشتغل على المكان والزمان والحركة. إلا أن العلم، بما هو كذلك، لا يمكنه أن يحدّد ما الحركة، وما المكان، وما الزمان". العلمُ إذًا لا يفكّر، بل إنه لا يمكن أن يفكّر في هذا الاتجاه باستخدام وسائله. لا يمكنني على سبيل المثال أن أقول ما الفيزياء باتّباع مناهج الفيزياء. ماهية الفيزياء لا يمكنني أن أفكّر فيها إلا عن طريق سؤال فلسفي)2 . وكما يقول فتحي المسكيني: "الفلسفةُ شيء لا علاقةَ له بالعلم. وبعبارة واحدة لهيدغر: العلم لا يفكّر. والقصد هو لا يفكّر بشكل كوني في الكينونة، رغم أنّه ينتج معرفةً كلية بالكائن".

تتوقف التفسيراتُ العلميةُ للدينِ عند معاينةِ حضورهِ الفردي والمجتمعي، ودراسةِ وتحليل آثاره المتنوعة في حياة الإنسان ومختلف تعبيراته، لكنها تخفقُ في البحث عن المديات الأعمق لأصل الحاجةِ للصلة بالله في الكينونة الوجودية العميقة للكائن البشري. تقودُ هذه التفسيراتُ بعضَ الناس أحيانًا إلى نفي الحاجةِ للدين، ويتمادى بعضُ مَنْ يتبناها ليقولَ بنفي وجود الله، من دونِ أن يسوقَ أيَّ برهانٍ على هذا النفي. ويزعمُ أناسٌ آخرون إن الإيمانَ مجردُ شعورٍ نفساني، تفرضُه على الإنسان سيكولوجيتُه وبيئتُه وتربيتُه وثقافتُه، وهي محاولةٌ أخرى لنفي وجودِ الله بلا دليلٍ.

الإنسانُ ليس عقلًا محضًا، الإنسانُ كائنٌ تتحكم فيه المشاعرُ والإنفعالاتُ والمصالحُ أكثرَ من العقل، الإنسانُ كائنٌ عاطفي قبل أن يكون كائنًا عقلانيًا. أسرف التنويرُ الغربي في الاعلاء من مكانة العقل والعلم، وتجاهلِ العواطف والمشاعر والأحاسيس والانفعالات، والمتخيل والأسطورة والذاكرة، بنحو تسيّد العقلُ والعلمُ واستبدّا، فصادرا كلَّ شيء خارج حدودهما، وصار كلُّ شيء لا يصدق عليه عقل وعلم منسيًا. قراراتُ ووقائعُ حياة الإنسان تكذِّب ذلك، لأن الشعرَ والفنَ، والمتخيل والأسطورة والذاكرة، ومكاشفاتِ الروح وإشراقاتها، لا يصدر كثيرٌ منها عن العقل. القرارات المصيرية في حياة الإنسان تصدر أحيانًا لحظةَ انفعال عاطفي، وطالما اتخذ الإنسانُ فردًا وجماعةً مواقفَ تغيب فيها حساباتُ العقل والعلم تمامًا.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

......................

1- في مقابلة أجراها معه الإعلامي: ريكاردو كرم، متاحة على اليوتيوب.

2- عبد السلام بنعبد العالي، "العلم هل يفكّر؟ كل ما يمكن أن يصبح ممكنًا تقنيًا لا يمكن السماح به"، مجلة الفيصل، 1 يناير 2021.

 

 

علي رسول الربيعيتطرح الديمقراطية التداولية وعود قوية وطموحة جداً وعليه نحن بحاجة إلى وضع هذه الديمقراطية تحت المجهر لنرى ما إذا كان يمكن أن ترقى حقًا إلى مستوى الادعاءات أو المطالب التي قدمتها بوصفها هكذا. لقد حظيت الديمقراطية التداولية باهتمام العديد من المنظرين لكن رغم هذا لم تفلت من انتقادات قوية وجهت لها. سأذكر نوعين من النقد.

المجموعة الأولى من النقاد هم من الخبراء الذين يشيرون إلى الفجوة الهائلة التي تبدو غير قابلة للتجسير بين المثالية التداولية وممارسة الديمقراطيات القائمة بالفعل.[1] كيف يمكن للمجتمعات الكبيرة والمعقدة أن تحكمها مجالس تداولية تكون بطبيعتها صغيرة، بالإضافة الى أنها هيئات بطيئة الحركة بحكم طبيعتها؟ ربما تكون الديمقراطية التداولية مناسبة لدولة / المدينة كما هي عند الأثينيين القدماء الذين يضرب بهم المثل في هذا دائما، الذين يمكنهم الاستماع إلى خطب بريكليس وسيبياديس والباقي قبل أن يقرروا ما إذا كانوا يرغبون في إرسال أسطول لمهاجمة البيلوبونيز، كما تذكر لنا كتب تاريخ الإغريق، ولكن كيف يمكن أن تعمل في عالم لا يقتصر الأمر على اتخاذ القرارات العسكرية فحسب، بل قرارات عديدة أخرى - القرارات المالية، على سبيل المثال لا الحصر - في دقائق لا أيام، ولا يترك أي وقت للتشاور الشعبي ناهيك عن المداولات؟ علاوة على ذلك، حتى إذا كان للمجالس التداولية دور محتمل تلعبه في صنع القرار، فلماذا نعتقد أن المشاركين سوف يلتزمون بقواعد التداول وليس مجرد التلاعب بالمؤسسة لمصلحتهم الخاصة؟ تتطلب الديمقراطية التداولية درجة عالية من المسؤولية الاجتماعية من جانب كل مشارك: ومع ذلك، فإن كل ما نعرفه عن السياسة يوحي بأنها تجذب الأشخاص ذوي الميول الميكافيلية وتكافئ أولئك الذين يعملون عليها بضبط وتأثير كبير.

الموقف النقدي الثاني أزاء الديمقراطية التداولية يأتي من نظرية الاختيار الاجتماعي. فبينما تفترض الديمقراطية التداولية أن شيئًا ما مثل الإرادة العامة يمكن أن ينشأ من عملية التداول والتشاور، تقول "نظرية الاختيار الاجتماعي أن هذا ليس الاً وهمً.[2] فنظرية استحالة افتراض السهم وسلسلته[3] تثبت أنه لا توجد وسيلة للتوصل إلى قرار جماعي من مجموعة من التفضيلات الفردية التي تتوافق مع مجموعة من الشروط التي نتوقع من إجراء ديمقراطي احترامها. نظرًا لأننا لا نستطيع افتراض أن المناقشة العامة ستؤدي إلى الإجماع دائمًا، يجب أن تستخدم الديمقراطية التداولية إجراءات أتخاذ القرار الذي قد يكون أخيرًا، على سبيل المثال، تصويتًا داخل الهيئة المعنية. لكن نظرية الاختيار الاجتماعي تكشف عن عدم حتمية وتعسفية إجراءات مثل تصويت الأغلبية، ومن ثم تقوض كل من العقلانية وادعاءات الشرعية للديمقراطية التداولية. إذا كان يعتمد القرار الذي تم اتخاذه على الأوضاع التعسفية للإجراء المستخدم للوصول إليه (مثل الترتيب الذي يتم فيه طرح البدائل للتصويت) فإن نجاحه لا يكون انعكاسًا لوزن الأسباب المعروضة التي تدعمه؛ وبنفس القدر، يبدو أنه لا يوجد سبب قوي يجعل من سينتهي بهم الأمر في الجانب الخاسر يعتبرون القرار قرارًا مشروعًا.

لذا يتعين على الديمقراطية التداولية أن تصمد أمام كل من النقد التجريبي للواقعيين والنقد المنهجي والشكلي لمنظري الاختيار الاجتماعي. أعتقد أنه يمكن إيراد دفاعات جيدة على كلا الجبهتين الآن، لكن لا مجال لأعرضها هنا، فأشير الى المصادر المهمة لها فقط.[4] نركز هنا على من يتحدى اعتماد الديمقراطية التداولية أو تبنيها كطريقة عادلة للوصول إلى قرارات جماعية في مجتمع تعددي. إنه يدعي أن الديمقراطية التداولية منحازة ضد الجماعات التي تذكر تاريخياً ودائما بوصفها جماعات محرومة مثل - الفقراء والأقليات العرقية والنساء وما إلى ذلك. وأن التداولية ليست إجراء محايدًا، أنها تعمل لصالح الأشخاص الذين لديهم خصائص ثقافية معينة، ولاسيما الذكور في المجتمعات التقليدية أو حتى الطبقة الوسطى في المجتمعات المدنية. إن هذا تحدٍ خطير لأنه يناقض بشكل مباشر أحد المطالب الرئيسية المقدمة لدعم الديمقراطية التداولية، أي أنها قادرة على الوصول إلى قرارات أكثر اجتماعيًا من تلك التي تم التوصل إليها في الديمقراطيات الليبرالية القائمة على توزيع السلطة السياسية بما يعكس توزيع الثروة وغيرها من أشكال المنافع الاجتماعية. إن ما يجب أخذه بنظر الاعتبار، وفقًا للديمقراطيين التداولين، في اطار التداولية هو الأسباب والحجج، وليس لون بشرة الشخص أو حجم رصيده المصرفي. قد لا يتحقق هذا النموذج تمامًا أبدًا، ولكن يمكن أن تكون الإجراءات الديمقراطية بمثابة ثقل موازن للتفاوتات الناتجة في مجتمع يهيمن فيه رجال الدين على المؤمنين بذلك الدين، أو زعماء الجماعات العرقية أو الرأسماليون على العمال، أو يهيمن فيه الرجال على النساء. لكن يعارض النقاد ذلك، أو على الأقل يتحفظون عليه بشدة. ويقومون بذلك لتشككهم في الادعاءات المتعلقة بالاندماج والعقلانية والشرعية. قد تكون الديمقراطية التداولية شاملة كليًا، بمعنى أنه يُسمح للجميع بالدخول والتحدث في المنتديات الديمقراطية، ولكن إذا كانت المناقشة بطبيعتها تفضل بعض الجماعات على حساب الأخريات، فهي ليست شاملة بالمعنى الموضوعي. وبالمثل، إذا كانت الأسباب التي تثبت العد في البيئات التداولية ليست أسبابًا للجميع، بل أسبابًا لجماعات معينة أو ائتلافات جماعات محددة، فإن النتيجة لا يمكن وصفها بأنها عقلانية بمعنى تتجاوز عضوية الجماعة. إذا سقطت المطالبة بالعقلانية، فإن المطالبة بالشرعية كذلك، فلماذا يجب أن تقبل الجماعات المحرومة هذا كإجراء شرعي في حين هو يعتمد على أساليب من الحجج والأسباب لا يستطيعون مشاركتها أو تقاسمها؟

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

..........................

[1] من بين أولئك الذين ينتقدون ضمنيًا أو صراحة الديمقراطية التداولية من منظور واقعي ، هم:

G. Sartori, The Theory of Democracy Revisited (Chatham, NJ, Chatham House Publishers, 1987).

A. Przeworski, Democracy and the Market (Cambridge, Cambridge University Press, 1991).

D. Zolo, Democracy and Complexity: A Realist Approach (University Park, Penn., Pennsylvania State University Press, 1992).

[2] أنظر:  W.H. Riker, Liberalism Against Populism (San Francisco, W.H. Freeman, 1982).

Coleman andJ. Ferejohn, 'Democracy and Social Choice', Ethics 97 (1986), 6-25.

J. Knight and J. Johnson, 'Aggregation and Delib­ eration: On the Possibility of Democratic Legitimacy', Political Theory, 22 (1994), 277-96.

D. Van Mill, 'The Possibility of Rational Outcomes from Democratic Discourse and Procedures', journal of Politics, 58 (1996), 734-52.

[3] Theorem أفتراض عام ليس بديهيًا ولكن يتم اثباته بسلسلة من الأستنتاجات ؛ حقيقة تُثبت عن طريق الحقائق المقبولة.

[4] J. Johnson, 'Arguing for Deliberation: Some Sceptical Considerations' in Elster (ed.), Deliberative Democracy and J. Drysek and C. List, 'Deliberative Democracy and Social Choice Theory-A Reconciliation'.https://www.cambridge.org/core/journals/british-journal-of-political-science/article/social-choice-theory-and-deliberative-democracy-a reconciliation/B3AC55710D81F60C8F3817A3BD8B

 

سامي عبد العالفي أثرها البعيد، ترتبط الحقيقةُ بمعطيات اللاوعي والخيال الجمعي وصورة الهوية، لأنَّها على علاقةٍ خفيةٍ بأنماط الحياة المعيشة. ولدى تحديدها سرعان ما تأخذ صلاحيتها من شيء مغايرٍ- على سبيل المثال- كالسلطة أو الإطار المعرفي أو الثقافة الجارية. وبذلك تعدُّ الحقيقة مصدراً لقلق وإنكار دائمين حتى مع عمليات تداولها.

إذ لا تُعطّى أية حقيقة إنسانية من تلقاء نفسها، هي ظلالٌ من الصراع حيث يوجد الآخر، فينشأ الجدلُّ، النفيُ، السلبُ، الاختلافُ. لقد تعني الحقيقة شيئاً مغايراً عندما يتم تعيين خطابِها في أفق العقل. ومن ثمَّ، لن تسري الحقيقة كما هي ولن يجري مصدرها ولا مرجعها كذلك إلى نهاية المطاف. إنَّ حقيقةً مكتفيةً بذاتها لدرجة البداهةٍ أمرٌ مشكوكٌ في صحته على طول الخط.

ولأي شخصٍ يضع نفسه على رماح اليقين علينا أنْ نقول: " الحقيقةُ ليست أَنْتَ "the truth is not you ... كمقولةٌ يُظهِر غيابُها تسلل الدُّجمائياتdogmatisms   وتضخم الذوات والمفاهيم على نطاقٍ واسعٍ. والدُّجما تَبرُزُ عادةً ضمن برامج السياسة ونسق الأفكار والخطابات الدينية وجوانب المعرفة والتعليم، حين يزعم أحدُهم أو سواه امتلاك "الحقيقة المطلقة". تلك التي أنتجت سياسة الطاعة والخُنوع داخل الجماعات الأصُولية بأشكالها المتباينة. وإلَّا فمن ذا الذي يستطيع تفجير نفسه لمجرد فتوى أو رأي فقهي أو شحن أيديولوجي أو تعبئة لاشعورية عنيفة...؟! وهي أشياء مرتبطة بأدلجة الدين وليست من صميم الدين ذاته!!

بالتوازي لو خاطبَ أميرٌ مزعومٌ لتنظيم ديني أحداً بفتوى دمويةٍ أو رأي أيديولوجيٍّ ثم واجهه المُتلقي: " الحقيقةُ ليست أنْتَ "، لكان الاثنان بمنأى عن مُعاقرة الوهم. وبإمكان الأول التشكُّك كثيراً فيما يقول الثاني وتوجيه نقدٍ قاسٍ إزاء ما يبدو رأياً متعسفاً نهايتهُ الموت. وبدرجةٍ معرفية أكبر من ذلك، فإنَّ مجتمعاً يسود فيه معنى " الحقيقة ليست أنت " يستطيع بناء إرادة عامة تتحمل عمل المؤسسات وأعباء التطور والتقدم وبذل الحقوق والشفافية. لأنَّ بعض الكيانات الجمعية والفردية يستغلون مُناخ القهر ليحقنوا الوعي بحتمية ما يتصورون وينجزون دون أي وزن نوعي في الحياة.

لدرجة أنَّ عقول بعض الأفراد قد تصبح "بلونات فارغة " المضمون نتيجة الانتفاخ الأهوج والهمجي لذهنيةٍ غير سويةٍ بالأساس. ويبنون أوهاماً على ما يظنون أنهم أشياءً يُعتد بها في الحياة، بينما هم مجرد وسائد وثيرة لأمراض التخلف الإنساني. وهذه الكيانات البشرية لا تختلف عن النفايات التي توجد في الطبيعة، بل وتعد مهمةً فقط لإتمام عملية التفاعل والتحلل فيها، أو كما يقول فلاسفة اليونان" الطبيعة تنظفُ نفسها بنفسها". فالكائنات الحية عندما تموت تصبح جيفاً سرعان ما تتحلل من تلقاء طبيعتها وكأنها شيء لم يكن، غير أنها في النهاية تخضع لدورات الطبيعة عندما تنظف رواسبها وتتطهر ذاتياً لكيلا تتراكم الفيروسات والجيف.

الآن ... سأحلِّل تلك الفكرة معتمداً على الجانب السيمانطيقيsemantic  لعلاقة (الأنا- أنت) من جهةٍ، وعلى الجانب الفلسفي لمضامين الحضور الرابط بين( أنا – أنت) من جهةٍ أخرى. وهو الحضور المفترض بالتبعية على خلفية علاقةٍ من هذا النوع. خاصة في حدود " تداول الأفكار" الذي يتم في إطار الطرفين. وإذا كان ذلك واضحاً عبر مجالات عديدةٍ، فإنَّه أوضح بصدد الخطاب الديني والفكري كما تستعمله حناجر الإسلام السياسي، إذ تصبح دلالاته العنيفة أداةً لتحجيم الوعي وتجميد الخيال لدى الاتباع.

إذن كيف نفكِّك معانيها المتكلسة( أي علاقة الأنا– أنت)؟ وأيُّ احتمال يجعلها جارية في صالح العقل والانفتاح النقدي؟ فهي علاقة لا تتكلس بطبيعتها، إذ لا يمكن اختزال طرفيها، بل هما في الحقيقة يتنوعان إلى عدد لا يحصى من الأطراف، بحكم تعدد المنظورات القابلة للتحقق. ولئن كانت العلاقة السابقة تبدو علاقة بائنة المعنى المباشر، فليس الأمر كذلك، لكونها قيد التأويل المتواصل. كل علاقة من هذا الصنف هي خفية خفاءً يصعب الوصول إلى أعماقها من أول وهلة، وقد تستغرق عمر طرفيها لسبر قضية: على أيِّ الأغوار ستقف.

في تاريخ الفلسفة ترك الألماني مارتـن بـوبـرMartin Buber (1878-1965) بصماته الأهم حول المسألة. ذلك ضمن كتاب بعنوان "الأنا والأنت Ich und Du". حيث اعتبرها ثنائية حوارية ووجودية بالمقام الأول، تحدد أشكال الوعي الديني والقيم والتأويل وأبعاد التربية والعلاقات بين الأفراد. إذ سيكون التفاعل (لا الإملاء) هو الوجه الأهم بهذا الشأن. ولعلَّ الإرهابيين يعتبرون (الأنا– أنت) قضية محسومةً لصالح التنظيم والجماعة. غير أنَّ مارتن بوبر– بتأثير فويرباخ وكيركيجارد- اعتبر(الأنا- أنت) انفتاحاً لا انغلاقاً. لأنَّها تتضمن أطياف التفاعل وتناقضاته إزاء البشر والكائنات. وتتجاوز مرحلة التجاور المكاني والمادي نحو مفهوم التجربة الأشمل

)Martin Buber, I and Thou, Translated by Roland Gregor Smith, Edinburgh and London, Printed by Morrison and Gibb Ltd., PP24 ,38. (.

وجرياً على أنَّ الأيديولوجيا الدينية تختزلُ الوعي بإحدى العقائد، يؤكد بوبر أنَّ تعقد الموجود الانساني بمثابة المبدأ الأساسي. فالشخص ليس الوجه المقابل للانت كجدار حياديٍّ عازل. لكنه حالة سائلة تتفاعل فيها أشياء يستحيل عزلها داخل سياج عقلي. في تلك اللحظة هناك ما هو كليholistic ومتبادل. وقد لا يستطيع الفكر النيل من ثراء عمليته التواصلية. فالكلي يعصف بمحاولة إقصاء الاختلافات كتجربة إنسانيةٍ (Ibid, p 46). لأنَّ ما سيحدث خلال الكلي لا يتوقعه أحدٌ ولا يتقولب بإرهاب فكري. فلئن تمَّ ذلك، فالإرهاب يقضي على شرطه المبدئي؛ أي يُجهض تنوع الحوار والتلاقي!!

من ثم فإنَّ" الحقيقة ليست أنت"... عبارة تّنم عن حضور ناقصٍ وجهاً لوجه. وعدم الاكتمال أحدُ خيوطها النوعية لأنَّها قيد التشكُّل. ولا يصح لأحد أطرافها الادعاء بحيازة مالا يُوجد. وإذا أُطلقت فهي معبرةٌ عن فعل القول الذي ينادي آخر في محيط اللغة. فــ(أنت) تختلف عن ( هو). ذلك بموجب التفاعل تواصلياً إلى درجة التنوع. ومن ثمَّ، لن يكون النفيُ الذي تحمله العبارة سوى حقيقةٍ أيضاً. فعندما ننفي كون الحقيقةَ ليست(أنت ) سواء أكنت شخصاً أم فكراً أم ديناً أم خطاباً، فالنفي واقعة لغوية- وجودية تترك نتائجها البعيدة لتحرير الوعي.

أولاَّ: أنَّ عملية النفي - بفكرة هربرت ماركيوز– تظهر فاعلية الإنسان المنتج. هذا الذي يعي ما يقول ويعبر عن موقفه الرافض.

ثانياً: أنَّ الرفض معناه إيجاد رؤى مغايرة تحسباً للوقوع في الأخطاء. ولا سيما إذا كان الـ (أنت) معتقداً أو مذهباً لا نملك أمامه إلاَّ الرضوخ.

ثالثاً: أنَّ النفي يعني كون الحقيقة غير مكتملةٍ إطلاقاً، بل هي مؤجلّة للتأكُّد من مصيرها إجمالاً. وأنَّه مهما تكن موضعتُّها الآنية ستكون هنالك إضافة لها.

رابعاً: يعني النفي نقضاً للمواقف الصارمة أيديولوجيا بدلاً من التَّوحُل فيها( أي الانغماس في وحلها الآسن).

خامساً: أنَّ النفي يضع الـ(الانت) كمخاطب حي في موضعه النسبي. بكلمات هوسيرل يرسم حولة أقواساً (الأبوخيهepoche) أو بعبارة جاك دريداً يموقعه( تحت الشطب Under the write-off) ويتركه كعلامة مشروطة (أي تحت خطي X).

سادساً: النفي علامة انطولوجية بوجود مستقل للمتكلم. وأنه عبارة عن حادثة فعلية يجب ألاَّ يتم تجاوزها بحال. وأكثر الأشياء استعصاء على الذوبان هو رفض الحقيقة بحكم أنها خاضعة للمراجعة بالكيان لا بالاعتقاد الصوري.

سابعاً: المقولة تذكير دائم بانشطار الحقيقة وتشظيها. فطالما هناك في الخطاب صوت ونقيضه، فلن يمتلك هذا (الانت) الحقيقة بوصفها إملاءً. حيث تزداد الأصوات وتكثر النقائض.

مأساة الجماعات الدينية كالتالي: أنَّها ترى الحقيقة واقعة في طرف (خاص بها) دون الطرف الآخر. الطرف الآخر منسحق تماماً، وعليه ألاَّ يعارض أو يناقش أو ينتقد أو يجادل. جاء بأدبيات الدين الإسلامي (إذا غضب الله على قوم منعهم العمل ومنحهم الجدل). وأخذ المسلمون طرف العبارة فقط، فأصبح الصمت سمة التلقي حتى شاع مصطلحا الخشوع والامتثال. ومن ثمَّ جرى مصادرة الآراء المخالفة وقمعها. في حين أنَّ الحقيقة– أية حقيقة- بها مفارقات لا تنتهي بسهولة. ولهذا فالتناقض من جوهر الحقائق ولُحمتها، فكيف لا يكون من صلب خطابها مهما يكن؟!

ثامناً: يدخل النفيُّ ضمن الحقيقة ذاتها. بمعنى إذا كان الشخص (مهما تكن مكانته) لا يمتلكها، فالأولَّى أنَّها ليست كذلك في ذاتها. وإلاَّ ما الطريق إلى تحديدها كاملة بأدوات بشرية؟ ومن هو الذي يستطيع تحديدها؟ وهذه الخطوة تقع في القلب من نظام الفكر. فجميع الأصوليين لا يزعمون توصيل الحقيقة وحسب، بل يؤكدون معرفة ماهيتها وإمساكها بالمثل وهذا غير صحيح بالمرة!!

ولنلاحظ أنَّ الخطابة الدينية (الشفاهية oral) تقف بالأساس على التعامد بين الأنا- أنت. وتلك استراتيجية لإيقاع وعي المتلقي من أول ضربة داخل حلبة الأقوال المباشرة. فقادة الإسلام السياسي يستخدمون تلك الوسيلة، إذ يستفردون بأتباعهم عن طريق تلقين الحقيقة بواسطة المعادلة الحية(أنا – أنت). حينئذ لا تستطيع إدخال أثراً غريباً على الطرفين طالما أنهما وجه لوجه. إنَّ آليات الإقناع لديهم هي آليات التجنيد والشحن العاطفي، ذلك بمنطق التعبئة (اللاواعية) لإلحاق الأفراد بهيكل التنظيم.

لو أخذنا الإخوان المسلمين مثالاً، لوجدناهم يعتمدون على استقطاب الأفراد بتلك الوسيلة. فهم لا يستطيعون التوغل بخطابهم في أبنية المجموعات المتجانسة، لكنهم يأخذون الأفراد بعيداً ليعايشوا – منفردين- هذه الدائرة المغلقة. عندئذ ينظر الإخوان ما إذا كانوا قد تنازلوا عن أفكارهم الخاصة لخدمة الجماعة أم لا. ويسمون عملية كهذه بالتربية الفكرية، كأن الأفراد في حضانة (روضة أطفال) للتعاليم الإخوانية. وعلى غرارها توجد هياكل تربوية وأيديولوجية لتعاليم الوهابية والسلفية والداعشية.

ومن واقع الإملاء الحضوري وجهاً لوجه، يكون الـ(أنْتَ) في حالة إلقاء الكلام باستمرار(متكلم). لنتذكر أنَّ أبرز كتب الإخوان هي " مذكرات الدعوة والداعية " لحسن البنا. وكلمتا الدعوة والداعية تتضمنان الأنا – أنت عزفاً على نغمة الشفاهية وسط الحضور المباشر للمعاني. ولذلك كان تأكيد البنَّا بكل مناسبة: " أنه لا يهدف إلى صياغة الأفكار، بل إلى صناعة الرجال والأبطال!!"، لكن أي رجال وأي أبطال إذا كان الاعتقاد نتيجة التقليد الحسي لما يقال بشكل حرفي؟! ولهذا كان هذا الأسلوب ميراثاً ضخماً أغرق عقول الجماعة في الأساليب والمفاهيم العمياء للتنظيم. وهو الذي جعلها تترهل وتشيخ في إدراكها للواقع والأحداث!!

وكان جميع هذا كما قلت ضمن تقديس الأفراد وأمراء الجماعة. وليس ذلك حكراً على الإخوان، فالسلفية ضرب من التقديس الماضوي لرجال وفقهاء سالفين. تتعامل مع الوقائع بنفس المنطق الفردي للخطاب. بحكم أنَّ الإيمان والاعتقاد يتحصلان استناداً إلى تلمذة المريد على أيدي الشيخ. وأنَّ التعليم الديني يصبح مشكوكاً فيه ما لم يكن اخلاصاً لشيخ ينهل الدين من منابعه الأولى.

علماً بأنَّ وضع (الانت) كمصدر للحقيقة لا يأتي في الاسلام إلاّ بعد انتهاء الدنيا. يقول القرآن: " إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا. لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا. وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا" (مريم 39 / 95). وهذا المعنى يؤجل دلالة (الانت) باسم (الله – الرحمن) كجزء من حيثيات أخروية تالية الله هو المتحكم فيها. إذن (الانت) له مكانة الإله، وعندما تستعمله جماعات الإسلام السياسي، يصبح التلقين ومصادرة الحرية هما الأساس. لأنَّ الشيوخ يعتبرون أنفسهم مُلاَّكاً لا لمفاتيح الدنيا فقط، بل لناصية الآخرة كذلك. بينما يدفع القرآن كلامه بجلاء لمكاشفة جميع من في السماوات والأرض شريطة أنْ يأتوا فُرادى. أي لا (أنت) إلاَّ هو (الله) كنهايةٍ قصوى لن تتاح للبشر تحت أي ظرفٍ من الظروف.

ولهذا فإنَّ أحد أساليب هيمنة الذاكرة في جماعات العنف الديني هو اعتمادهم على الـ ( هو) غير القابل للتحديد. كما أشرت منذ قليل بصدد اختلاف الانت عن الـ (هو). فعندما يجبرون شخصاً على التسليم بأفكارهم يذكرون أحاديثَ نبوية بصيغة (عن فلان ... عن فلان... عن فلان... قال رسول الله كذا وكذا...). والرسول يأتي بمقصود الغائب المنقول عنه الكلام، أي الـ (هو). والأمر نفسه حين يرددون آيات قرآنية يقولون قال الله تعالي كذا.. وكذا. وقول الله يأتي بدلالة الغائب المنسوب إليه كل شيء (هو). لكن من يُحمّل هذه الأحاديث وتلك الآيات من البشر باسم الهو سرعان ما يأخذ سلطتها بمدلول الـ(أنت). وبناءً عليها يفرض ما يقول فرضاً لا مناص منه باعتباره المتحدث مباشرة عن المرجعية النبوية!!

وتلك عملية سطو مكتملة الأركان على سلطة المقدس. لأنَّ السطو يتم على ما هو غائب (هو) واضعاً إياه فيما يقول. وأغلب الخطابات الدينية المتشددة تهتبل هذه الفرصة لتأكيد وجودها الخاطف. حتى ليُخيل للمتلقي أنَّ المتحدث يمتلك الله ورسوله. لا مجرد امتلاك الكلام فقط، لكنه انتقال اليقين الذي يسرق وعي المتلقي بإحلال السلطة في جوهر ما يقول ويتحدث. واللغة الأيديولوجية تعطيه مساحة تغليط دلالاتها خارج السياق.

أي يصبح الأنا – الأنت Ich-Du هو القاعدة وليس الأنا- هو. لأنَّ الأخير بمثابة الغائب الذي لن يحضر في التو، وبالتالي سيكون من وجهة نظر مارتن بوبر باباً للحوار والاختلاف بعيد الأمد. فطالما لم يُوجد هذا الطرف الغائب، سيكون موجوداً بمثابة هناك Da. ويصبح الحضور الشفاف مؤجلاً باستمرار. وليس ثمة بابٌ للتغيير سوى هذا الباب البعيد. إنَّ الحضارة تنشد الهو زمنياً حتى تستطيع الانجاز والتحول، فلا توجد حضارة لم تكن متطلعة تجاه هذا الغائب. أي تتشكل مع تشكل المستقبل بصيغ الغائب الذي تنتظر تحقيقه. والحضارات التي تتطابق مع الانت بمعناه القريب كانت تضمر حتى التلاشي. لكونها عملية بشرية عبارة عن مونولوج داخلي ينتج سلطة التكرار في أغلب المجالات.

 

سامي عبد العال

 

حاتم حميد محسنفي معسكرات الإعتقال النازية طُلب الى الاطفال ان يحملوا لوحة معدنية عندما يسيرون من بناية الى اخرى، تشير الى انهم تابعون للمعسكر. اذا فشلوا في ذلك، سيتحملون مخاطرة ان يؤخذوا الى سجن الأطفال المشردين، حيث يلتقطهم الحراس عشوائيا ويُلقى بهم في أفران الغاز.

اللوحة المعدنية، حدّدت الأطفال ضمن مجموعة ضُمنت لها الحقوق والحريات المتوقعة، وضُمن لها الأمان. انها ايضا كانت تعني ان ما يجرى لهم من عمل سيُعتبر من جانب القائد العسكري للمعسكر كما لو انه عمل تجاهه هو .

هذا المثال يوضح ان هناك مهمتين اثنتين للفلسفة السياسية في النظام الليبرالي. الاولى هي التعبير عما يمكن ان يسميه المرء "شروط منصفة للتعاون بين الأفراد المعتبرين كأحرار ومتساويين". في هذا المثال، هذه تتضمن، مثلا، مبادئ تخصيص المنافع والأعباء باسلوب منصف بين النازيين الذين يديرون المعسكر، الى جانب عمليات التعامل وحل المشاكل بين أعضاء هذه المجموعة.

التحليل الرولزي ربما مفيد وصالح للعمل. افرض ان النازيين اعتبروا شخصا آخر حرا ومتساويا، ورغبوا في ترتيب شؤونهم بطريقة تعكس هذا الفهم. سيكون ممكنا لمثل هؤلاء النازيين الحكم على المبادئ التي تحكم ارتباطهم المتبادل فيما اذا كان ممكنا قبولها من وجهة نظر الموقف الأصلي(1). لكن المهمة الثانية للفلسفة السياسية هي ان تقول أي الناس يُعتبرون افردا احرار ومتساويين. في المثال المذكور، السجناء كان يجب اعتبارهم هكذا، لكنهم لم يكونوا كذلك. فما هو الاساس الذي اُعتبروا فيه هكذا؟ لنسمي المهمة الاولى، بالمهمة الرسمية، واالثانية هي المهمة المادية للفلسفة السياسية. الاولى هي مسألة محتوى، الثانية هي مسألة نطاق. الاولى هي مسألة تعبير واضح، اما الثانية فهي مسألة مطابقة صحيحة.

ان جعلْ المهمة الرسمية صحيحة تبدو مثل إعطاء تفسير مناسب وفق مستوى معين من الملائمة، كما في جعل النحو يحكم اللغة بشكل واضح او صياغة بديهيات تحكم فرع من الرياضيات. لكن جعل المهمة المادية صحيحة يبدو مثل انجاز النوع الصحيح من المطابقة، او تماثل صحيح بين بناء رسمي وافراد ذلك البناء، قياسا لبعض مفاهيم الاستحقاق والجدارة الموجودة سلفا .

بعض الملاحظات الاساسية

2437 جون رولزاولا، من بين المهمتين تبدو المهمة المادية اكثر أهمية: لا احد ابدا اعتقد ان المعسكرات كانت افضل، من حيث العدالة، لدرجة ان حكومة المعسكرات كانت أكثر انصافا بين النازيين.

ثانيا، المهمة المادية تبدو من السهل تجنّب الحديث المعمق فيها، دون تناقض محسوس. في شهادات مجرمي الحرب النازية، لم نر الاّ القليل من الاعتراف بعدم الانسجام المعرفي الذي شعر به النازيون اثناء عمل المعسكرات. السبب هو ان "المبادئ التي تحكم الافراد الذين جرى تصورهم كأفراد أحرار ومتساوين" هي بمقدار الحاجة لتشكيل جماعة متميزة.

ان الالتزام بالمبادئ له انسجام داخلي، لا يهم الكيفية التي فُهم بها نطاق تلك المبادئ. (يمكن المقارنة بتقسيم مجموعة وفق علاقة متكافئة في الرياضيات). سبب آخر هو ان اي شخص عندما لا تتسع له المبادئ بحكم الواقع فانه لا تُعتبر له اهلية لتقديم الشكاوي. هو كما لو كان غير موجود في الجماعة السياسية.

اخيرا، لو انتقلنا بعيدا عن مثال معين للمعسكرات، وننظر في هذا النوع من السؤال بعمومية اكثر، طوال التاريخ، يبدو كما لو أن اخطاءً في تنفيذ المهمة المادية حُكم عليها كلاعدالة مفرطة: فمثلا، العبيد في امريكا نُظر اليهم بأثر رجعي أكثر خطورة من عدم الدفع المتساوي للاجور وظروف العمل القاسية لأن عمال المصانع في عام 1860، كانوا بنفس الخطورة من الـ لاعدالة.

عقيدة الحقوق الطبيعية ربما فُسّرت كحل عبقري لكلا المهمتين في وقت واحد . انظر الإعلان في بيان الاستقلال: "كل الناس خُلقوا متساويين ووُهبوا من خالقهم بحقوق معينة لا يمكن التصرف بها والتي من بينها الحياة، الحرية، متابعة السعادة. لكي تُصان هذه الحقوق، جرى مأسسة الحكومات بين الناس، وحيث تشتق سلطتها العادلة من رضا المحكومين". المهمة المادية حُلّت تماما ونهائيا بعبارة، " كل الناس"، والتي هي كل الكائنات البشرية. انها تختار نوع طبيعي، ويجب ان تختار نوعا طبيعيا، لتساعد في حل المهمة كليا ونهائيا. المهمة الرسمية حُلّت بمقدار خلق شيء كُتب لأجل عدالة القوانين: الميل العام يجب ان يكون ضمان وتعزيز حقوق الحياة، الحرية والملكية، وعدم مخالفتها بأي اجراء لا تبرره "اجراءات قانونية واجبة"، والتي "يتمتع بها كل الناس كافراد طبيعيين بعيدا عن المجتمع السياسي.

في الحقيقة، يمكن للمرء تفسير عقيدة الحقوق الطبيعية بالايمان انه من غير الممكن حل احد المهمتين دون الاخرى. ما لم تُحدد موضوعات مبادئ العدالة بوضوح، كما كانت قبل القرار التشريعي وتثبّت عبر الاشارة الى نوع طبيعي – والذي لا يمكن اعادة تعريفه بالإقناع، عندئذ اي ضمانات ظاهرة في القانون المضمون من المشرع، هي في الحقيقة غير آمنة، لأن ادّعاءات اللاعدالة يمكن إبطالها ببساطة عبر تقرير ان شخص ما ينتمي لطبقة لا تصل اليها مبادئ العدالة. عقيدة الحقوق الطبيعية تصر على ان مثل هذا الفرد سيحتفظ بالحق في الشكوى ضد العدالة بمقتضى مكانته ككائن بشري.

جون رولز في نظرية العدالة وافق بأن الفلسفة السياسية يجب ان تنخرط في كلتا هاتين المهمتين. لكنه، في (الليبرالية السياسية ) رفض المهمة الثانية. وهذا يفسر لماذا فلسفته السياسية ليست فقط غير متواصلة مع الفلسفة العامة للمؤسسين مثلما يجادل ديفد شافير David Schaeffer بقوة، وانما هي في الحقيقة مدمرة للمشروع الامريكي، وبما هو مخالف لاقتراحات ديفد كوري David Corey.

يتابع رولز المهمة الثانية ضمن قسم في نظرية العدالة حول "اساس المساواة". لكي يؤكد مبدأ المساواة، يقول رولز، بدون القول لمنْ يجب ان تعود المساواة، "لا ضمان لموضوعية التعامل المتساوي، طالما العبد ونظام الطبقة ربما ينسجمان مع هذا التصور" – معسكرات الاحتجاز هي ايضا كذلك. لذلك، هو يقول، "ان مبدأ المساواة ينطبق على مخلوقات تنتمي لبعض الطبقات، ولكن أي طبقة؟ لا نزال نحتاج لتحديد اساس طبيعي للمساواة لكي يمكن تحديد هذه الطبقة". من الأفضل التعبير عن شرط كافي بدلا من التفكير في شروط ضرورية، كما يذكر. ولذلك، هو يستنتج ان مبدأ المساواة يجب ان يطبق على أي كائن لديه القدرة على "المسؤولية الاخلاقية"، والذي سيعني كل الكائنات البشرية.

في مبادئ العدالة يعطي رولز جوابا الى المهمة الاولى، اما "كل الناس" هو جوابه للمهمة الثانية للفلسفة السياسية.

صحيح، ان علاجه للمهمة الثانية للفلسفة السياسية في نظرية العدالة هو نوعا ما كان في أضيق الحدود وعلى مضض. وانه جرى فقط في مستوى الآراء والأعراف – وهو ما نرغب قوله حول الحيوانات. اذاً أي نتيجة سنحصل عليها لو آمنا بهذه او تلك. ولكن على الأقل رولز يرى انه يجب مباشرة المهمة. مع ذلك في خطابه للمؤسسة الفلسفية الامريكية عام 1975، "استقلالية النظرية الاخلاقية"، هو سلفا انحرف بعيدا عن الحد الادنى لتلك الالتزامات . في ذلك الخطاب، هو كان قلقا حين نشر ديريك بارفت مقالا (1973) حول الافراد يتجاهل كانتية نظرية العدالة. لنتذكر ان جدال رولز الرئيسي ضد النفعية في نظرية العدالة كان انها تجاهلت التميّز في الافراد. ولكن ماذا لو ان الافراد لم يكونوا حقا متميزين، كما كان بارفيت يجادل بقوة؟ سوف لن يكون مقبولا للنظرية الاخلاقية والسياسية ان تكون رهينة لأسئلة حول حقيقة او لا حقيقة الافراد او حقيقة أي شيء. لأجل هدف التماسك الاجتماعي المستمر عبر الزمن، يجب ان تكون النظرية مستقلة في ادّعاءات الحقيقة.

هذه الرؤية حول الاستقلالية تصل كامل نضجها وتصبح نظرية حول التبرير في الفلسفة السياسية اثناء محاضرات ديوي عن "البنيوية الكانتية في النظرية الاخلاقية"(1980)، الفكرة الاساسية فيها هي ان اي فكرة للمطابقة مع الحقيقة القبلية يجب ان تُرفض: "الاتفاق الاساسي في أحكام العدالة يبرز ليس من الاعتراف بنظام اخلاقي قبلي ومستقل "، يصر رولز، "وانما من تأكيد كل شخص على نفس المنظور الاجتماعي الرسمي". في نظامه، مثلا، منْ يُحسب كفرد (او موضوع للعدالة)، "لا يُعتبر تقريبا عمليا للحقائق الاخلاقية: لا وجود لحقائق اخلاقية يمكن تقريب المبادئ المتبناة اليها".

نرى انه ليست فقط جدالات ديريك بارفت وانما ايضا رو ويد الذي اخمد المخاوف حول "اساس المساواة" وحوّل "رولز المبكر" الى "رولز الاخير". الناس على صواب عندما يقولون ان "رولز الاخير" اعتقد ان نظرية العدالة ارتبطت خطأ بالمذاهب الفلسفية، وان الليبرالية السياسية تحاول الانخراط في الفلسفة السياسية بدون اتّباع اي "تصور شمولي". لكنهم يتخذون رؤية محدودة جدا عن المذاهب الفلسفية التي رفضها رولز لاحقا. هذه لم تكن فقط كانتية متبقية، او مشروع اشتقاق نتائج في النظرية السياسية من الاقتصاد النظري وانما ايضا نظرية المطابقة للحقيقة ذاتها، مفهوم الاستحقاق والجدارة، والقناعة بان هناك حقيقة قبلية سُمح للمرء اللجوء اليها عند التفكير بالعدالة. رولز كان شهيرا بفكرته العالية عن المحكمة العليا، مسميا اياها حتى في عام 2005 "النموذج" لما سمي بـ "العقل العام". ولكن ألم تكن الافتراضات المسبقة للمحكمة العليا في رو، بان القضية يجب ان تُقرر بدون محاولة تقرير متى بدأت الحياة، هي رفض صريح لمشروع البحث عن "اساس للمساواة"؟. حسب وجهة نظر رولز، بالتأكيد، ان نموذجا عظيما للعقل العام بدا يعلّم، عبر مثاله في رو، ان البحث عن اساس للمساواة الانسانية، في حقائق حولنا او في الطبيعة، لم يكن فقط غير ضروري وانما في الحقيقة مثارا للخلاف ومضللا. وفي ضوء كل هذا، ماذا يجب ان نقول حول ميراث جون رولز؟

هو لا يمكن اعتباره فيلسوفا سياسيا لتفسير امريكا المتميز للمجتمع الحر، لأنه لم يتجاهل ببساطة وانما عمدا وبإزدراء مباشر لأي شيء مثل اللجوء للحقوق الطبيعية. ولذلك، ليس بالإمكان دعم او تعديل موقف رولز الفلسفي عبر محاولة تعبئته ببعض العقائد عن الحقوق الطبيعية. سيكون خطأ كبيرا القول انه كان "يحاول التعبير عن مثل هذه الرؤية ولكن بلغة سهلة للمجتمع المعاصر".

وكذلك يرى البعض في رولز الوعي الزائف حول الالتزامات الميتافيزيقية الذي كثيرا ما يكون مرئيا في "الليبراليات" المعاصرة. الموقف الرولزي هو : لكي نزعم ان الانسان غير المولود بعد يتمتع بنفس حقوق المساواة كالانسان المولود يجب ان نعتمد على "تصور شمولي"، ولكن لكي نزعم ان الطفل غير المولود لا يتمتع بنفس حقوق المساواة لا يعتمد على أي "تصور شمولي". غير ان هذا الذي لا يمكن ان يكون "تصورا شموليا" يُحتمل ان يؤدي عملا فقط عندما تُنكر بعض المساواة الواضحة، او بعض الاختلافات الواضحة، ولكن من الواضح ان الطفل غير المولود يتمتع مباشرة قبل الولادة بكل الحقوق تماما مثلما يتمتع به مباشرة بعد الولادة. بالطبع اذا كانت "التصورات الشمولية" قيد العمل في كلا الموقفين، عندئذ فان الحكم الصحيح يتطلب اننا نلتقط الموقف الحقيقي.

رولز يتحول من الحقيقة في النظرية السياسية والاخلاقية، كما رأينا، الى السعي الى استقرار النظام السياسي، او كما هو ظن: ولكن كيف يكون المجتمع مستقرا حين يُمنع فيه، اللجوء لمعيار الحقوق الطبيعية كحوافز غير ليبرالية وغير عادلة، او رفض حتى بيان التعاطف مع تقاليدنا، والتي تؤكد بوضوح على الحقوق الطبيعية وتعطيها هذا الدور؟

فلسفة رولز السياسية لا تعمل اي مناشدة للحقيقة: "في العقل العام، افكار الحقيقة المرتكزة على مذاهب شمولية تُستبدل بافكار معقولة سياسيا politically reasonable". "البحث عن ارضية معقولة للاتفاق المتجذر في تصورنا عن انفسنا يحل محل البحث عن حقيقة اخلاقية تُفسر كحقيقة ثابتة من جانب النظام القبلي والمستقل للاشياء والعلاقات، سواء كانت طبيعية او دينية". رولز يكرر هذا مرارا، ولكن يبدو من الصعب على اي شخص استيعاب المسألة. ماهو ميراث رولز؟ ما هي ظروف المجتمع الذي يرفض الحقيقة كمعيار؟

ربما، المجتمع يُقسم الى جماعات متخاصمة، لأننا لا نستطيع ايجاد اساس للوحدة في طبيعة الانسان، او في المجتمع حيث، باستمرار، تختفي الحقيقة عمدا ويُسيطر عليها من جانب النخب التي تجد ان نتائج معينة هي اكثر قبولا وانصافا، مجتمع يكون فيه القول بان الذكور هم ذكور والاناث هن اناث اعتُبر وبشكل حاد غير عادل، مجتمع تبدو فيه حقوق الحريات الدينية باستمرار غامضة، مجتمع يبدو مستعدا لمصادرة الحقوق الطبيعية للحرية ويقبل بدلا من ذلك انه اكثر "معقولية" لو يحصل المواطنون اولا على اذن من حاكمهم للتحرك، مجتمع فيه كل شخص يعمل ما يعرف انه زائف لكنه يعمله هكذا بأي طريقة لأنه يرغب ان يُعتبر كـ "معقول"، مجتمع يزدهر فيه الجبن تحت غطاء "المعقولية".

ماذا لو كان الموقف اننا اما نسعى مجتمعين لنجد الحقيقة الكلية ونعبّر عنها بأحسن ما يمكن في الحياة العامة، او اننا نفقد تماما أي أساس للتعاون الحر كمتساوين؟

المصدر: Rawls & the Rejection of Truth، للبروفيسور مايكل باكالوك، موقع القانون والحرية Law &Liberty في 23 ابريل 2021. مايكل باكالوك استاذ الاخلاق والفلسفة الاجتماعية في مدرسة Busch للاعمال- الجامعة الكاثوليكية الامريكية.

 

حاتم حميد محسن

................

الهوامش

(1) هذا المفهوم طوره رولز في نظرية العدالة من أجل الوصول الى مبادئ تحكم مجتمعا من الافراد الاحرار والمتساوين اخلاقيا. عادة يُشار للوضع الاصلي بـ "حجاب الجهل". حيث يُسئل الناس لإختيار المبادئ لبناء المجتمع. يجب على الناس الاختيار كما لو ليست لديهم أي معرفة بما سينتهي به الامر في ذلك المجتمع. هذا الاختيار يتم من وراء حجاب من الجهل يمنعك من معرفة قوميتك او منزلتك الاجتماعية او جنسك او حتى فكرتك عن الحياة الجيدة. وهذا سيجبر المشاركين على اختيار مبادئ عقلانية نزيهة. الوضع الأصلي في نظرية رولز يلعب نفس الدور الذي تلعبه دولة الطبيعة في العقد الاجتماعي لهوبز او روسو او جون لوك.

 

محمود محمد علينعود وننهي حديثنا عن نظرية الحتمية المنطقية في مدرسة وارسو البولندية" لوكاشفيتش نموذجاً"، وفي هذا يمكن القول:.. وانطلاقاً من تسليم أرسطو  بفكرة الاحتمال على الأحداث المستقبلة، وضع لوكاشِيفتشِ هذه الفرضية لتأسيس منطقه الثلاثي القيم، فيقول: "سوف أحضر إلي وارسو بعد  الظهر في21 ديسمبر العام القادم"، ثم يتساءل هل هذه الفرضية صادقة أم كاذبة، فإذا كانت صادقة، فلابد أن حضوري في الميعاد المحدد سوف يكون ضرورياً. وهذا يصعب التكهن به، وإذا كانت كاذبة بأنني سوف لا أحضر في الميعاد المحدد، فمن الصعب أيضاً التكهن به، ولذلك فإنني أقول " من الممكن أن أكون في وارسو يوم 21 ديسمبر"، وتلك القضايا ليست ضرورية ولا صادقة أو كاذبة في اللحظة التي تم فيها تقريرها كقضايا المستقبلات الممكنة عند أرسطو(21).

وهنا نجد لوكاشِيفتشِ يقدم قيمة ثالثة لمثل هذه القضايا، وهى القيمة "ممكن"،  ويرمز لها بالحرف "لا". و لما كان المناطقة  رمزوا في الماضي للكذب بالرمز "0"، وللصدق بالرمز "1"، فإن لوكاشِيفتشِ يرمز للممكن بالرمز"Y" (22).

ولنتناول حساب دوال الصدق في المنطق الثلاثي القيم الذي وضعه لوكاشِيفتشِ سنة 1920، وهو يختص بمعالجة قضايا المستقبل بمنهج المصفوفات، مع الأخذ بالمبدأ القائل: إن كل قضية تثبت أو تنفى مستقبلاً لها قيمة مختلفة عن الواحد والصفر، هي قيمة متوسطة، وعلى مسافة واحدة على كل منهما، وإن معالجة مثل هذه القضايا بالحساب الثنائي القيم يوصلنا إلى نتائج متعارضة وغير مقبولة، مما يجعلنا نحكم عليه بأنه غير ملائم .

ولكي نقيم دوال الصدق في المنطق الثلاثي القيم عند لوكاشِيفتشِ يجب علينا أن نبدأ كما هو معروف في المنطق الثنائي القيم، بتحديد مصفوفات العوامل الأساسية، وأعنى النفي والواصل والفصل واللزوم والتكافؤ . وترانا هنا نحافظ على المصفوفات القديمة بشرط أن نطولها بإدخال القيمة Y بين القيمتين (1، 0 ) بحيث تقتسم هذه القيم الثلاث سطور المصفوفة  (23).

هذا هو باختصار المنهج الذى صاغه لوكاشِيفتشِ لبناء المنطق ثلاثي القيم، وقد شيده لضرب مذهب الحتمية الفلسفي، وهذا المذهب كما وصفه لوكاشِيفتشِ يؤكد على أنه إذا وقع حادث ما وليكن " ح " في اللحظة " ل " فيصدق في أي لحظة سابقة على  " ل " أن " ح " يحدث في اللحظة " ل " (24) .

ويسوق لوكاشِيفتشِ مثالاً لتوضيح ذلك فيقول " جون John    قابل بول Poul  في ميدان البلدة القديم في وارسو ظهر أمس "، ويعلق على هذا المثال قائلاً:- من الواضح أن لقاء الأمس لم يعد موجوداً اليوم، إلا أن حقيقة الأمس لم تعد مجرد وهم اليوم . ولكن جزءً مـن الحقيقة أن " جون " و " بول " أخذا ذلك في اعتباراهما .كلاهما يتذكر لقاء الأمس، وبالتالي، فإن آثار وبقايا لقاء الأمس لا تزال موجودة إلى حد ما لديهما اليوم . فكل منهما يستطيع أن يقسم  أو يحلف في محكمة بأنه رأى الآخر في ميدان البلدة القديم في وارسو ظهر أمس . وعلى أساس هذه المعلومة أقول "حقيقي فى كل لحظة اليوم أن جون قابل بول في ميدان البلدة القديم في وارسوا ظهر أمس ولا أقصد بهذه الجملة " جون " قابل بول في ميدان البلدة في وارسو ظهر أمس " أنها صادقة في كل لحظة من لحظات اليوم ما لم ينطق بها أو يفكر فيها شخص ما . إن هذه الجملة إن لم ينطق أو يفكر فيها أحد، فهي بالتالي غير حقيقية، لأنها ليس لها وجود على الإطلاق . وسوف استخدام التعبير " أنها حقيقية في كل لحظة T that P ، حيث أن " لحظة " تعنى نقطه نحن نعتقد بأن الشئ الذي حدث لا يمكن الرجوع عند حدوثه بمعنى ما قد حدث قد حدث بالفعل، وبذلك لا يمكن  أن نبطل حدوثه . وما كان صادقا أو حقيقياً سيبقى كذلك إلى الأبد . فالحقيقة كلها خالدة وباقية . وهذه تبدو حدسياًً مؤكدة . لذلك نحن نصدق إذا قلنا أن (أ ) هو( ب) في اللحظة (س)، وعليه فإن (أ) هو (ب) صادقاً في أي لحظة تلى اللحظة (س) . ولذلك عندما نقول أن جون قابل بول في ميدان البلدة القديم في وارسو ظهر أمس، فإن هذا القول صادق في لحظة تلى لحظة مساء أمس " (25).

ثم يعقب لوكاسيفتش على هذا بأن يتساءل فيقول: " ولكن المشكلة هنا هل يصدق القول بأن جون قابل بول فى ميدان البلدة القديم في أي لحظة تسبق ظهر أمس ؟ وهل من الصدق أن اليوم الذى يسبق الأمس أو عام مضى وفى لحظة ميعاد جون وأي لحظة تلى ميعاده يكون صادقا ؟ وهل أى شئ سوف يحدث في المستقبل سيكون صادقاً أو حقيقياً في المستقبل هو صادق أو حقيقي اليوم ؟ وهل هو صادق إلى الأبد ؟ وهل كل الحقيقة أبدية.

ويعلق لوكاشيفتش على هذه التساؤلات بأنها ستكون مثار جدل عنيف، فالحتميون ستكون إجابتهم بالإثبات، بينما اللاحتميون ستكون إجابتهم بالنفي . فالحتميون   يرون أنه طالما   ( أ) هو ( ب) فى اللحظة س صادق، فإن ( أ) هو( ب) في أي لحظة تسبق اللحظة (س) كاذب.

وهنا يؤكد لوكاشِيفتشِ بأن النظرة التي ينظرها الحتميون لا تجعلهم يفرقون  بين المستقبل والماضي . يقول لوكاشيفش:" فمن يتبنى مثل هذا المنهج، فإنه لا يستطيع أن يفرق بين المستقبل والماضي . فإذا كان الشئ الذى سيحدث فى المستقبل حقيقياً وصادقاً، إذا ما حدث اليوم وهو صادق وحقيقي بشكل أبدى، فالمستقبل يعامل كالماضي، ولا يختلف عنه سوى في كون المستقبل لم يمر أو لم ينقضي بعد (26).

ثم يوضح لوكاشِيفتشِ السبب الذى جعل الحتميون لا يفرقون بين المستقبل والحاضر فيقول  " أن الشخص الذى يتمسك بمبدأ الحتمـية ينظـر إلى الأحـداث الكـونية على أنها شريط أو فيلم درامي تتابع حلقاته فى استديو سينمائي كوني، حيث إننا نعيش هذا العرض ولا نعرف نهايته بالرغم من أن كل شخص ليس فقط مشاهد، بل ممثل في هذه الدراما . ولكن النهاية موجودة، حيث إنها موجودة منذ بداية العرض، وبالنظر بشكل كلى للأحداث، نجد أن الصورة مكتملة إلى الأبد، وعليه فإن حياتنا بكل ما فيها من أفعال ومغامرات وأحداث وكل أفعالنا وكل ما نأخذه من قرارات إيجابية أو سلبية، إنما هو مثبت سلفاً من الأزل، حتى لحظة الموت سواء كانت لحظة موتك أو موتى، إنما هي مقررة وحادثه سلفاً . وما نحن إلا دمى أو عرائس تحركها الخيوط فى الدراما الكونية . وعليه فنحن لا نملك سوى الانتظار ومشاهدة ما يقع من أحداث متحلين بالصبر حتى نصل إلى النهاية "(27).

غير أن لوكاشيفتش يرى أن هذه النظرة التي يأخذ بها دعاة الحتمية الفلسفية تقوم على قانون العلية، القائل بأن كل حادث له عله قائمة في حادث سابق، وإذا صح ذلك، فيبدو من البّين أن الحوادث المستقبلة كلها لها علل موجودة من الأزل، وجميعها إذن محتوم قبلاً، ومن الحق بالطبع أن الفلكيين باعتمادهم على بعض القوانين التى تحكم العالم، يستطيعون التنبؤ مقدماً بمواقع وحركات الأجرام السماوية بشئ كثير من الدقة . وعند لحظة انتهائي من الجملة الأخيرة، أود أن أتسأل هل ينبغى لى أن اعتقد أن هذا الحادث محتوم أيضاً من الأزل، وأن الذى تحتمه قوانين مجهولة تحكم العالم ؟ لو قبلنا ذلك لكنا نريد الاسترسال في تظنن لا ضابط له، منه إلى الاعتماد على مقررات التحقيق العلمى .

ثم يؤكد لوكاشتفتش بأنه حتى لو قبلنا قانون العلية، باعتباره قانونا صادقاً على وجه العموم، فإن الحجة التي ذكرناها الآن قاطعة . فلنا أن نفترض أن تكون لكل حادث حادثة، وأن شيئاً لا يحدث بالصدفة . غير أن سلسلة العلل المنتجة فى المستقبل، وإن كانت لا متناهية، فإنها لا تصل إلى اللحظة الراهنة (28) .

ويوضح لوكاشِيفتشِ ذلك بمثال رياضي فيقول:" فلندلل على اللحظة الراهنة بالعدد "0" وعلى لحظة المستقبل بالعدد "1" وعلى لحظات علله بكسور" Y " فلأنه لا يوجد حد أدني للكسور الزائدة علي Y فلكل حادثة قائمة في حادث سابق، ولكن سلسلة العلل والمعلولات بأسرها تتحدد عن اللحظة Y،وهذه اللحظة لاحقة على  اللحظة "0"(29)

وينتهي لوكاشِيفتشِ إلى هذه النتيجة،  فيقول:" لنا أن نفترض أن معركة الغد البحرية التي يتكلم عنها أرسطو رغم أنها سوف يكون لها علة، وهذه العلة سوف يكون لها علة أخرى وهكذا، فإن هذه المعركة ليس لها اليوم علة . وبالمثل لنا أن نفترض أنه لا يوجد اليوم شئ من شأنه أن يمنع وقوع معركة بحرية في الغد . فإذا كان الصدق قائماً في مطابقة الفكر للواقع، فلنا أن نقول أن القضايا الصادقة اليوم هي التي تطابق واقع اليوم أو التي تطابق واقع الغد، من حيث أنها تعينه علل موجودة اليوم . ولأن معركة الغد  البحرية ليست متحققة اليوم، فالقضية القائلة بأنه " سوف توجد معركة بحرية في الغد "، ليست اليوم صادقة ولا كاذبة، وإنما يجوز لنا فقط أن نقول: ربما توجد في الغد معركة بحرية، وربما لا توجد في الغد معركة بحرية . فمعركة الغد البحرية حادث ممكن، وإذا وجد هذا النوع من الحوادث، كذب المذهب الحتمي (30) .

مما سبق يتضح لنا أن لوكاشيفتش،  حين وضع المنطق ثلاثي القيم كان يهدف من وراء ذلك تقويض المذهب الحتمي وحل مشكلة الحرية، فلقد  اعتقد أن القول بالحتمية، إنما يرجع إلى تطبيق مبدأ الثالث المرفوع على القضايا المتعلقة بالمستقبل، فإذا ما خلعنا على تلك القضايا قيمة صدق ثالثة تتوسط بين الصدق والكذب، أمكننا نزع شوكة الحتمية  المنطقية التي يؤكدها المبدأ .

 

ثانياً:- تطور منهجية لوكاشِيفتشِ في الحتمية  المنطقية من خلال انتقاله من المنطق رباعي القيم إلى المنطق متعدد القيم

إذا كان لوكاشِيفتش ِقد شيد النسق المنطقي الثلاثي القيم، للتغلب على الحتمية المنطقية، فذلك لاعتقاده بأنه مرتبط بعدم التسليم بمبدأ ثنائية القيم، غير أنه عدل فيما بعد عن هذا الاعتقاد، وذلك يعد أن أدرك أنه ليس هناك تعارض بين انتفاء الحتمية والمنطق الثنائي القيم . وبعد إنشاء النسق المنطقي الثلاثي القيم، صار من الممكن إنشاء نسق رباعي القيم، وذلك بإضافة قيمة رابعة ؛ فإذا كان النسق الثلاثي القيم يؤكد على أن القيمة الثالثة هي القيمة " ممكن " أي محتملة الصدق أو الكذب، فإن القيمة الرابعة تكون ليست محتملة الصدق أو الكـذب ؛ أي لا صـادقة ولا كـاذبة .

والنسق المنطقي الرباعي القيم، كما يذكر بعض الباحثين، توصل إليه لوكاشِيفتش سنه 1951، وذلك بعد التعديلات التي أجراها على المنطق الموجه حين رأى في النهاية أن يفسر منطق الجهات الأرسطي في ضوء نسق رباعي القيم (31) .

وفى هذا التفسير وضحت فكرة المنطق رباعي القيم من خلال إعادة النظر فى قضية الممكنات المستقبلة عند أرسطو، حيث يقول لوكاشِيفتشِ" فنأخذ مثال المعركة البحرية، ولنفرض أن شيئا لم يتعين بعد اليوم بخصوص هذه المعركة، وأعنى بذلك أنه لا يوجد اليوم شئ محقق من شأنه أن يكون علة في حدوث معركة بحرية في الغد، كما لا يوجد شئ من شأنه أن يكون علة في عدم حدوثها، ومن ثم فإذا كان الصدق ( الحق ) قائماً في تطابق الفكر والواقع، فالقضية ستحدث معركة بحرية غدا ليست اليوم صادقة ولا كاذبة " (32) .

وفى فقرة أخرى يقول " إذا كان أرسطو " يرى أن القضية يحتمل أن توجد معركة بحرية غدا، والقضية يحتمل أن لا توجد معركة بحرية غداً، قد تصدقان معاً اليوم،  و ذلك يتفق مع تصوره للإمكان أنه قد توجد  قضايا ممكنه . هناك طريقان لتجنب هذا التناقص بين رأي أرسطو ونسقنا في المنطق الموجه(ذو الرباعي القيم)، فيجب إما أن ننكر أن تكون أية قضية  ممكنه وصادقة معاً، وإما أن نعدل تعريف أرسطو للإمكان، وقد اخترت الطريق الثاني (33).

ثم يعلن لوكاشِيفتشِ أن الطريق الثاني للإمكان يتمثل في أن حدوث معركة بحرية غداً لا صادقة ولا كاذبة اليوم، يقول لوكاشِيفتشِ:" إذا قلنا مع أرسطو أن بعض الحوادث المستقبلة كأن تقع اليوم معركة بحرية – متصفة بالإمكان، فالقضية التي ننطق بها اليوم عن مثل هذه الحوادث لا تكون صادقة ولا كاذبة، ومن ثم يجب أن تكون لها قيمة غير القيمتين [0،1] (34).

وانطلاقاً من هذا شرع  لوكاشِيفتشِ يشيد المنطق رباعي القيم من خلال طريقة الجداول التي أخذها من" بيرس" و"شرودر" كما يقول، وهذه الطريقة تختلف عن طريق الجدول في المنطق الثلاثي القيم، حيث تتراجع قيم [1،Y،0 ] ويأخذ بدلاً من ذلك طريقة أخري.

وينتهي لوكاشِيفتشِ من المنطق المتعدد إلي حقيقة هامة، وهي أن القوانين المنطقية ليست قوانين يقينية، وإنما قوانين احتمالية شأنها شأن قوانين العلوم الطبيعية، وفي هذا يقول " تشسلاف نقلاً عن أستاذه لوكاشِيفتشِ: " لقد مضي زمان طويل احتلت فيه القوانين المنطقية منزلة تميزها علي غيرها من قوانين العلوم الطبيعية . وقيل أحيانا في وصف القوانين المنطقية إنها قبلية ( أولية )، وقيل أحياناً أخري أنها تحليلية، وكان الغرض  هذين الوصفين، هو الإشارة إلى أن قوانين المنطق لا تتصل بالواقع على نحو ما تتصل به قوانين  العلوم الطبيعة، ولكن المنطق المتعدد القيم بّين أن الاحتمالات عديدة أما منا، حتى ولو بلغنا  أعلى درجات العموم، كما هو الحال في منطق القضايا . ذلك أننا إذا أخذنا بمبدأ ثنائية القيم أو أي مبدأ آخر في عدد القيم، فنحن عرضة لأن يكذبنا الواقع، وإذا كان الأمر كذلك، أمكن اعتبار المنطق أعم العلوم الطبيعية، بحيث يفترضه كل علم طبيعي أخر علي نحو من الأنحاء " (35).

وثمة نقطة أخيرة نود الإشارة إليها، وهى أن الحتمية المنطقية عند "لوكاشيفتش"  لا تخلو من أصالة تعبر عن جذوره، وفى الوقت نفسه ليس شاغرا من الطرافة المتمثلة في مواكبته للثقافة التي طرح فيها.

الخاتمة:

بعد هذه الإطلالة التي قمنا فيها بمعالجة نظرية الحتمية المنطقية عند "لوكاشيفيتش" يمكن أن نستخلص النتائج التالية:

1- إن الحتمية المنطقية عند "لوكاشيفيتش" لم تكن سوى استجابة للواقع الثقافي والعلمي المعاصر الذي رفض الحتمية بكل صورها، ليفسح الطريق أمام الممكن والجائز والمحتمل، وغير ذلك من صيغ قد عبرت عنها النظريات المعاصرة في شتى المعارف الإنسانية، الأمر الذي يؤكد أن ما جاء به "لوكاشيفتش" يعد نسقاً منطقياً متطوراً للمنطق الرياضي الكلاسيكي.

2- إنه من الخطأ الاعتقاد بأن الحتمية المنطقية التي تبناها "لوكاشيفتش" قد قضت على المنطق ثنائي القيم، بل على العكس من ذلك تماماً،فقد بين "لوكاشيفتش" أن العلاقة بين المنطق الثلاثي القيم والمنطق الثنائي القيم علاقة تحاور وليست علاقة تصادم أو تزاحم. وذلك لأن المنطق متعدد القيم قد أسهم بفاعلية في تعديل قوائم الصدق ثنائية القيمة، علاوة على أن جميع قوانين المنطق الثلاثي القيم هى قوانين في المنطق الثنائي القيم الذي هو أساس الحتمية المنطقية.

3- إن "لوكاشيفتش" قد أراد، من خلال تبنيه للحتمية المنطقية، وضع حد للأحكام القطعية التي طالما تبناها معظم المفكرين والميتافيزيقيين علي مر العصور، الذين وضعوا أسساً حتمية مسبقة للوجود دون أدنى تدخل للإنسان فيها، فهي كلها من صنع القدر. فإذا كان مكتوب على (ص) أن تصبح صادقة،أو أن (أ) سوف يبعث في أخر الزمان، وغير ذلك من الأمور القطعية،فإن "لوكاشيفتش" يرى أن نسبة الصدق فيها يجب أن تخضع لنسبية الحكم بقدر تحققها في الحدث، وتبيت بذلك العلاقة بين العلة والمعلول ليست ضرورية، بل ممكنة، من الصفر إلى الواحد.

4- إن الحتمية المنطقية عند "لوكاشيفتش" كانت بمثابة المكاشفة التي جعلته يتوصل إلي وضع تعريفات جديدة لدوال الصدق تعتمد على فكرة درجات الصدق العادية المتصلة دون قطوع أو فجوات في فاصل مغلق من الأعداد الحقيقية اللامتناهية يبدأ من الصفر وينتهي بالواحد، كشف لنا أنه من الصعب أن نقيم مصفوفات لتلك الدوال .وهذه الصعوبة تزداد بزيادة عدد القيم،إلي أن يصبح الأمر مستحيلاً بالنسبة لحساب له عدد لامتناهي من القيم تناظر لانهائية درجات الممكن أو الاحتمالات غير المتناهية التي تنحصر بين الصفر والواحد، والتي تحتاج لوجود قواعد متناسقة تناظر على نحو ما قواعد حساب الاحتمالات.

5- إن الحتمية المنطقية التي تبناها "لوكاشيفتش" امتاز بتوسيع الإطارات التقليدية بالنسبة للقضايا بعامة، والموجهة بخاصة، فقد أفضى هذا المنطق قيمة على القضية: ~ ق   ق، حيث جعلها تعريفاً للإمكان، وأمكن البرهنة على جميع مبادئ المنطق الموجه، التي أدى البرهنة عليها بالحساب الثنائي القيم إلى نتائج غير مقبولة.

6- إن الحتمية المنطقية الذى تبناها "لوكاشيفتش" كشفت لنا عن قضايا لا يمكن أن توصف، وبالأخص الآن بأنها صادقة أو كاذبة، فتكون محل إشكال،أو احتمال .وقد تتحدد قيمة صدقها،أو كذبها في المستقبل القريب أو البعيد، وقد لا نستطيع أن نحكم على القضية بأنها صادقة أو كاذبة بسبب جهلنا. وعندئذ قد ندخل قيمة ثالثة أو رابعة متوسطات بين القيمتين صفر وواحد وعلى مسافة واجدة من كل منهما.

7- إن تبنى "لوكاشيفتش" لمنطق الحتمية لا يخلو من أثر على بعض فلسفات اللغة المعاصرة التي جعلت للألفاظ والعبارات والتراكيب اللغوية معان ودلالات يمكن الخلاف حولها تبعاً لرؤية القارئ دون التقيد بقيمة ثنائية يمكن القطع فيها صدقاً أو كذباً. وبمعنى أخر تعدد الدلالات.

8- على الرغم من عدم وجود الحتمية المنطقية عند المدرسة المشائية العربية التي عولت في مباحثها على المنطق الأرسطى،إلا أننا لا نستطيع القطع بعدم معرفة العرب لهذا المنحى،إذ نجد له إرهاصات فى المنطق الأصولي،وذلك في أقيسة الفقهاء المتضمن فى الجائز والمكروه والحسن،وغير ذلك من الأحكام التي تعد وسطاً قيمياً بين الحرام بالقطع والحلال بالقطع.

 

الأستاذ الدكتور / محمود محمد على

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

..................

21- لييفسكي ( تشسلاف): يان لوكاشِيفتشِ ومدرسة وارسو   المنطقية، ص 177.

22- نفس الرجع، ص 178.

23- نفس الرجع، ص 189.

24- نفس الرجع، ص 232.

25- نفس الرجع، ص 234.

26- نفس الرجع، ص 238.

27- نفس الرجع، ص 244.

28- نفس الرجع، ص 245.

29- نفس الرجع، ص 247.

30- نفس الرجع، ص 249.

31- نفس الرجع، ص 248.

32- نفس الرجع، ص 250.

33- نفس الرجع، ص 333.

34- نفس الرجع، ص 345.

 

 

 

محمود محمد عليالمقدمة: حين صاغ أرسطو (384-322ق م) ما يعرف بقانون الثالث المرفوع أو الوسط الممتنع Law of excluded Middle في كتابه "العبارة "، أكد على أن: " كل القضايا سواء كانت موجبة أو سالبة إما أن تكون صادقة أو كاذبة، وكل محمول إما ينتمي إلي موضوع أو لا ينتمي . فكل محمول لابد من أن يثُبت لموضوع أو أن ينفي عنه، فتكون لدينا قضايا إما موجبة وإما سالبة، أو تكون إما صادقة وإما كاذبة " (1).

ونلاحظ مع بعض الباحثين، أن هذا القانون يقوم علي حصر كل ما في الكون في فئة، أوفي نقيضها، الذي يصدق علي مالا تصدق عليه الفئة ؛ بحيث لا يبقي أي شيء في الكون، لا يندرج تحت الفئة أو تحت نقيضها، فليس هناك أي وسط بين الفئة ونقيضها، وليس هناك أي احتمال آخر، يمكن أن يكونه الشئ، فيندرج تحت ثالث ليس هو الفئة، وليس هو نقيضها، أو أن يتصف بصفة ثالثة، ليست هي الصفة أو نقيضها . فهو يقرر مثلاً، أنه ليس هناك ثالث ممكن بين الوجود والعدم، فالشيء إما موجود وإما غير موجود، أو بين الصدق والكذب، فالقضية إما صادقة وإما كاذبة (2).

وقد دافع الرواقيون عن قانون الثالث المرفوع، وذلك لارتباطه بمبدأ الحتمية Determinism التي كانوا من أنصارها في موقفهم الفلسفي القائم علي أن الكون محكوم بقانون القدر الصارم الذي لا يسمح بأي استثناء. إذ لابد وأن تكون اختيارات الإنسان في الحياة اختيارا لما هو ضروري (3).

ولذلك نراهم يعلقون أهمية كبيرة علي قانون الثالث المرفوع في الصورة الاستدلالية: إما الأول أو ليس الأول، واستخدموه في البرهنة علي قانون النفي المزدوج أو تكافؤ القضية مع نفي نفيها، بالاستعانة باللامبرهنتين الرابعة (إما أن يكون الأول أو الثاني، ولكن الأول، إذن ليس الثاني) والخامسة (إما أن يكون الأول أو الثاني، ولكن ليس الثاني، إذن الأول). ففي المبرهنة " إما الأول وإما ليـــس الأول، ولكـن الأول، إذن لي ليس الأول "، وصلوا إلي البرهنة علي إدخال النفي المزدوج بالاستعانة باللامبرهنة الرابعة، أو بضرب النفي بالإثبات، وفي المبرهنة:" إما الأول وإما ليس الأول، ولكن ليس ليس الأول، إذن الأول " وصلوا إلي البرهنة علي حذف النفي المزدوج بالاستعانة باللامبرهنة الخامسة أو بضرب الإثبات بالنفي وبذلك برهنوا علي قاعدتي النفي المزدوج (4) .

أما في تراثنا العربي – الإسلامي، فقد تمسك المناطقة العرب بقانون الثالث المرفوع، فنجدهم يأخذون به حين يعرفون القضية بأنها قول يمكن أن يقال لقائله، إما أن يكون صادقاً فيه أو كاذباً، وبعبارة ابسط هي جملة خبرية تحتمل الصدق أو الكذب . ولذلك أطلقوا علي القضية اسم " القول الجازم " ذلك لأن القول الجازم يقال لجميع ما هو صادق أو كاذب، أما الأقاويل الأخرى، فلا يقال لشيء منها أنه جازم، كما لا يقال أنه صادق أو كاذب (5) .

وأما في العصور الوسطي المسيحية، فنجد القديس أبيلارد Abelard (1079 م– 1142م)، يأخذ بقانون الثالث المرفوع، حيث يستند إليه في قاعدتيه، اللتين تكون ما يسمي الآن بجدول صدق عامل النفي، وأعنى القاعدتين "إذا كان الإثبات صادقاً، فإن النفي يكون كاذباً، وإذا كان النفي صادقاً، فإن الإثبات يكون كاذبا "، كما برهن "أبيلارد" علي تكافؤ القاعدتين المعروفتين تحت اسم "الإثبات بالإثبات " واسم "النفي بالنفي"، وعلي إمكانية اشتقاق كل منهما من الأخرى بواسطة الرد إلي المحال أو برهان الخلف الذي يستند إلي التسليم بقانون الثالث المرفوع، وبثنائية القيم، وبقانون عدم التناقض (6).

وإذا انتقلنا إلي العصور الحديثة، فنجد أن معظم المناطقة الرياضيين برغم أنهم عمدوا إلي تنقية المنطق التقليدي من رواسب اللغة العادية، ليكتسب مزيداً من الصورية برموز خالصة ذات معان ثابتة وبعلاقات رياضية تتسم كما كان الظن الشائع باليقين المطلق، فإنما كان منطلقهم وهدفهم في الوقت ذاته، هو تلك الثنائية الراسخة أو بعبارة أخري هو التمييز بين ما هو صادق وكاذب (7).

ورغم ما أسهم به المناطقة الرياضيون من تأكيد وتطوير للمعايير المنطقية للصدق، إلا أنهم بتمسكهم بمبدأ الوسط المستبعد؛ حيث إن أي قضية إما أن تكون صادقة أو كاذبة ولا ثالث بينهما لم يتجاوزا المنطق ثنائي القيم، حيث أنهم يستخدمون فقط قيمتين لقضاياهم علي الرغم من أنهم يؤكدون علي أن بعض القضايا في الرياضيات، وفي مجالات أخري لا يمكن أن يقال عنها أنها صادقة أو كاذبة، حيث يرجعون ذلك إما لأنها غير ممكن البرهنة علي صدقها أو كذبها، أو لأنها تؤدى إلي تناقضات فى حالة إذا ما نسبنا إليها آياً من هاتين القيمتين (8) .

وتعد نظرية "فيرما" مثالاً جيداً علي هذا النوع، حيث ذهب هذا الرياضي الفرنسي الشهير إلي أنه لا يمكن حل المعادلة التالية:

n n  n

X + Y = Z

في حالة ما إذا كانت n >2

وعلي الرغم من الجهود التي بذلها الكثيرون من الرياضيين العظماء، إلا أنه لم يستطيع أحدهم إثبات ما إذا كانت قضية فيرما صادقة أو كاذبة. وهذا يعني أنها تتجاوز نطاق مبدأ الوسط المستبعد(9).

ولقد أجبر هذا المناطقة علي إيجاد قيم أخري أيضاً لبعض القضايا غير الصدق والكذب . ولقد اتجه المناطقة إلي المفاهيم الموجهة مثل الممكن والمستحيل والمحتمل والضروري، حيث أن مثل هذه القيم يمكن أن تنسب للقضايا التي ليست صادقة ولا كاذبة، كما تم التوسع أيضاً في فكرة الجهة نفسها عن طريق إضافة مفاهيم أخري مثل مفهوم " لا معني له "Senseless ومفهوم العبثAbsurd (10).

وقد جرت عادة الباحثين علي أن يسموا المنطق الذى يعول علي قانون الثالث المرفوع باسم "المنطق الثنائي "، نظراً لاعتماده من وجهه النظر المنطقية الرياضية علي نسق ثنائي القيم، مهما يكن المعني المنسوب لهاتين القيمتين . وبالمثل أيضاً، فإن المنطق الذى يسمح بوجود ثلاث قيم سوف يسمي بالمنطق ثلاثي القيم،Three-Valued Logic، بينما المنطق الذي يسمى بأربع قيم فيسمي بالمنطق رباعي القيم Four Valued Logic..الخ، ومثل هذا يقال أيضاً عن المنطق الذى يسلم بوجود عدد لا متناهي من القيم يسمي بالمنطق متعدد القيم Many-Valued logic (11).

ولقد خطا المنطق متعدد القيم أولي خطواته التصويرية علي يد" تشارلز بيرس "Perce C.S..(1839-1914)، حيث قام بيرس بجهود منفردة ومستقلة عن أعلام المنطق الحديث أمثال فريجة Frege (1848 – 1925) و"راسل"Russell (1872 – 1970)،" ووايتهد" Whithead(1861-1947م)، لتطوير الجهاز الرمزي المنطقي وسد ثغرات المنطق القديم، فساهم مثلاً في إقامة أولى نظريات المنطق الرمزي، وهى نظرية حساب القضايا Calculus of Propositions ووضع بعض قوانينها . وإليه يرجع الفضل في إقامة نظرية حساب العلاقات، بادئاً من تلك الإشارات والتوجيهات التي قدمها "دى مورجان " De Morgan (1806-1887). وفضلاً عن ذلك استخدام بيرس قوائم الصدق ثنائية القيمة، وقد قادته هذه القوائم إلى تصور إمكانية بناء قوائم أخرى تتسع لقيمة صدق ثالثة، هادفاً بذلك إلى تعميم المنطق ثنائي القيم بمجاله المحدود،ليصبح أكثر فعالية إزاء قضايا لا نستطيع الحكم عليها بالصدق أو بالكذب. غير أن بيرس لم يعمد إلى استكمال هذا البناء المنطقي الجديد، ولم يكن يتوقع لهذا البناء أن يصبح في يوم من الأيام حقيقة واقعة لها كل هذا الذيوع التكنولوجي (12).

ومن هذا المنطلق تأتي هذه الورقة عن نظرية الحتمية المنطقية عند رائد مدرسة وارسو وهو لوكاشِيفتشِ" Jan Luckasiewicz (1878م-1956م)، وذلك حين وضع عام 1920 نسقاً منطقياً للقضايا ذا ثلاث قيم، وقد استوحي تصوره لهذا النسق من معالجة أرسطو للحوادث الممكنة المستقبلةFuture Contingencies في كتابه " "العبارة" وكان لوكاشِيفتشِ يرمى من إنشاء نسق منطقي ثلاثي القيم إلى صياغة نظرية تحتوى على القوانين التقليدية في المنطق الموجه . وقد حاول أيضاً إنشاء ذلك النسق من أجل أن يتغلب على مذهب الحتمية الفلسفي القائم على مبدأ ثنائية القيم، ولكنه عدُِل فيما بعد عن اعتقاده ذلك، فلم يـَر تعارضاً بين انتفاء الحتمية والمنطق الثنائي القيم. وبعد إنشاء النسق المنطقي الثلاثي القيم صار من الواضح انه يمكن إنشاء نسق رباعي القيم أو خماسي القيم، أو نسق عدد القيم فيه أي عدد نشاء، بل نسق يحتوى ما لا نهاية له من القيم.

وكان لوكاشِيفتش ِيعتقد أول الأمر أن النسق الثلاثي القيم والنسق اللامتناهي القيم هما أكثر الأنساق الكثيرة القيم أهمية من الوجهة الفلسفية، فقد كانا يبدوان أقل هذه الأنساق احتياجا إلى التبرير، ولكنه رأى فى النهاية أن يفسر منطق الجهات الأرسطي فى ضوء نسق رباعي القيم، ولا يزال الخلاف قائماً حول مسألة إمكان وضع المنطق الموجه فى إطار نسق كثير القيم، ولكن الأهمية الفلسفية لاكتشاف لوكاشييفتش لا يبدو أنها متوقفة على هذه المسألة. لقد مضى زمن طويل احتلت فيه القــوانين المنطقية منزلة تميزها على غيرها من العلوم الطبيعية . وقيل أحياناً في وصف القوانين المنطقية أنها قبلية (أولية) A priori . وقيل أحياناً أخرى أنها تحليلية Analytic، وكان الغرض من هذين الوصفين هو الإشارة إلى أن قوانين المنطق لا تتصل بالواقع على نحو ما تتصل به قوانين العلوم الطبيعية، ولكن لوكاشِيفتشِ قد بيَن باكتشافه الأنساق المنطقية الكثيرة القيم أن الاحتمالات عديدة أمامنا، حتى لو بلغنا أعلى درجات العموم، كما هو الحال في منطق القضايا. ذلك أننا إذا أخذنا بمبدأ ثنائية القيم، أو أي مبدأ أخر في عدد القيم، فنحن عرضة لأن يكذبنا الواقع . وإذا كان الأمر كذلك، أمكن اعتبار المنطق أعم العلوم الطبيعية، بحيث يفترضه كل علم طبيعي أخر علي نحو من الأنحاء (13).

وقد قسمت هذا الورقة إلي محورين: المحور الأول عرضت فيه لمنهجية لوكاشِيفتشِ في الحتمية المنطقية من خلال بناءه للمنطق الثلاثي القيم، المحور الثاني عرضت فيه لتطور منهجية لوكاشِيفتشِ في الحتمية المنطقية من خلال انتقاله المنطق الرباعي القيم إلي المنطق متعدد القيم، وسوف نعالج هذين المحورين بشيء من التفصيل، وذلك فيما يلي:-

أولاً: منهجية لوكاشِيفتشِ في الحتمية المنطقية وذلك من خلال بناء المنطق ثلاثي القيم

يري لوكاشيفتش أن المنطق ثلاثي القيم، اكتشاف قد تبلورت فكرته سنة 1918 ووضحت فكرته سنة 1920، حيث شرحها في الخامس من يونيه من نفس العام، أمام الجمعية الفلسفية في Lawow (14)، وفكرة هذا المنطق تقوم علي تعديل قوائم الصدق ثنائية القيمة فـي المنطق الكلاسيكي بإضافة قيمة ثالثة، لتصبح القيم المستـخدمة للحـكم علي أية قضـية هي " الصدق " و"الكذب" و"المحتمل الصدق و الكذب"، ويرمز لوكاشِيفتشِ للصدق بـ"1"، والي الكذب بـ "0" وإلي المحتمل بـY (15).

ثم يؤكد لوكاشِيفتشِ علي أنه توصل إلي فكرة هذا المنطق من خلال دراسة للقضايا الموجهة Model Propositions عند أرسطو، وبالذات جهة الممكن عندما نوه أرسطو إلي أن قانون الثالث المرفوع لا يصح علي الأحداث الفردية المستقبلة، وذلك حين ناقش إمكان حدوث معركة بحرية في المستقبل، واقترب كثيراً من تصور منطق كثير القيم، ولكنه لم يعمل علي توكيد هذه الفكرة العظيمة، فبقيت قروناً لا تثمر شيئاً، وبفضل أرسطو استطعت أن اكتشف هذه الفكرة سنة1920 (16).

والسؤال الآن، ما هي قصة الأحداث الفردية المستقبلة عند أرسطو، والتى جعلت لوكاشِيفتشِ يكتشف منطقه ثلاثي القيم؟

والإجابة تتمثل في أن أرسطو حين صاغ قانون الثالث المرفوع أكد أن القضيتين المتناقضتين، تكون إحداهما صادقة والأخرى بالضرورة كاذبة، وتشترك القضيتان الشخصيتان الموجبة والسالبة في هذا الحكم . غير أن أرسطو رأى أنه إذا كان موضوع القضية فردياً، وكان ما ينتمي إليه يتعلق بالمستقبل، فإن الأمر يتغير (17).

وهذه الجملة الأخيرة كانت مما دعا كثير من الباحثين إلى القول بأن أرسطو قد شكك في مبدأ ثنائية القيم المرتبطة به أو رفضه، وهذا بالفعل هو ما حدث من أرسطو، ففي الفصل التاسع من كتابه" العبارة"(18)، حيث أكد على أن قانون عدم التناقضNon-Contradiction لا يسرى علي أحداث الماضي والحاضر فحسب، ولا يسري على أحداث المستقبل الفردية التي لم تتعين بعد، ولا يمكن اختبار صدقه من عدمه، إلا بعد حدوثها و تحولها إلى أحداث حاضرة. أما وهي لا تزال في طي المستقبل، فمن الممكن أن يحدث الشيء أو نقيضه أو يحدث الاثنان معاً أو لا يحدث الاثنان معاً. فعندما توجد قضايا فردية حول المستقبل لا يكون الوضع الفعلي أن من الضروري أن واحدة سوف تكون صادقة منها، والأخرى سوف تكون كاذبة، فنحن لم نصل بعد إلي طريقة لمعرفة ذلك . إننا لو قلنا أن قانون عدم التناقض يسري على المستقبل وقضاياه الفردية، مثل سوف تكون هناك معركة بحرية غداً، لأدي هذا إلى نزعة حتمية يرفضها أرسطو بشدة، لأنها تؤدي إلي نتيجة تقول بأن كل شئ سوف يحدث بالضرورة ولا شئ بالمصادفة، وهذا متعارض مع الواقع المشاهد (19).

وبالتالي، فلا تكون أحداث المستقبل منغلقة وكاملة كأحداث الماضي والحاضر، بل قابلة للاحتمال، كما أنه لو كان صحيحاً أنها حتمية لما كانت هناك حاجة إلي التروي العقلي وإلى التقدير والحساب، فما هو آت سوف يأتي سواء رضيت أم لا، وعلى هذا فإن ازدواج القضايا الذي يقول: سوف تكون هناك معركة بحرية غداً، وسوف لا تكون هناك معركة بحرية غداً، ازدوجاً ليس متناقضاً بالضرورة، فكلتا القضيتان محتملتان الصدق إلي أن يأتي غداً، ومن ثم فلا تسرى الحتمية المنطقية على المستقبل (20). ... وللحديث بقية.

 

الأستاذ الدكتور / محمود محمد على

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

..................

1- السرياقوسي (محمد): أهمية قانون الوسط الممتنع والنتائج المترتبة علي التخلي عنه، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، 1993، ص 21.

2- نفس المرجع، ص 33.

3- مراد (محمود): الحرية في الفلسفة اليونانية، دار الوفاء لدينا الطباعة والنشر، الإسكندرية، 2000 م، ص 36.

4- السرياقوسي (محمد): الرمجع السابق، ص 78.

5- ابن سينا، الشيخ الرئيس: الشفاء – للمنطق (العبارة)، تحقيق د . محمود الخضيري، تصدير ومراجعة د. إبراهيم مدكور، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، 1903 هـ - 1970م، ص 11.

6- غيتمانوف (الكسندر): علم المنطق، لم يرد اسم المترجم، دار التقدم، موسكو، 1989، ص 133.

7- ديمتريو: تاريخ المنطق، جـ 4، قراءات حول التطور المعاصر للمنطق الرياضي،و ترجمة ودراسة وتعليق د . إسماعيل عبد العزيز، دار الثقافة للنشر والتوزيع 1997، ص89.

8- عثمان (د. صلاح محمود): المنطق متعدد القيم بين درجات الصدق وحدود المعرفة، منشأه المعارف، الإسكندرية، 2002، ص 34.

9-نفس المرجع، ص36.

10- نفس المرجع، ص37.

11- نفس المرجع، ص 39.

12- نفس المرجع، ص 56.

13- نفس المرجع، ص67.

14-Rescher ,Nicolas: The Degree of Completeness of The m-Valued Luckasiewicz: Propos ional Calculus, The journal of the London Mathematical Soci-ty,27,1952,P.43.

15-Ibid.

16- لييفسكي (تشسلاف): يان لوكاشِيفتشِ ومدرسة وارسو المنطقية، ترجمة عبد الحميد صبرة، ضمن كتاب لوكاشِيفتشِ (نظرية القياس الأرسطية)، منشاة المعارف، الإسكندرية، 1961 .

15- نفس الرجع، ص 77.

17- نفس الرجع، ص112.

18- نفس الرجع، ص123.

19- نفس الرجع، ص 155.

20- نفس الرجع، ص 165.

 

تُمثِّل البُنى الاجتماعيةُ فلسفةَ التحولات الإنسانية على الصعيدَيْن الفردي والجَمَاعي . وكُل تحوُّل في شُعور الإنسان سينعكس على طبيعة العلاقات الماديَّة التي تربط بين المَعنى والوَعْي في المجتمع، لأن الشعور سابق على المادَّة، وصناعة الإنسان هي الخُطوة الأُولى في طريق صناعة المجتمع . وفي ظِل هذه التشابكات المعرفية، تَظهر أهميةُ اللغة باعتبارها منظومةً وجوديةً رمزيةً تَجْمَع بين المَعنى والوَعْي، وتُعيد صِياغةَ الإدراكِ الحِسِّي والتَّصَوُّرِ الذهني وماهِيَّةِ الروابط الاجتماعية. وإعادةُ الصِّياغة تعني تكوينَ تاريخ اجتماعي يُولَد باستمرار، ولا يتوقَّف عن الحركة، فالتَّوَقُّف قتلٌ للمواهب الإبداعية، والجُمود تَحطيمٌ للأنظمة الفكرية في المجتمع . والحركةُ المُستمرة هي الضَّمانة الأساسية لعدم سُقوط الظواهر الثقافية والأنظمة الفكرية في الفراغ والعَدَم . وكُل حركة في المنظومة الاجتماعية، سواءٌ كانت أُفقيةً (تتعلَّق بالهُوِيَّات المُكْتَسَبَة إراديًّا) أَمْ عموديةً (تتعلَّق بالهُوِيَّات المُتَوَارَثَة لاإراديًّا)، تعني تَوليدًا مُتواصلًا للطاقة الرمزية في المجتمع واللغة معًا . والمجتمعُ هو لُغة واقعية، واللغةُ هي مُجتمع حَالِم . واللغةُ وَحْدَها هي القادرةُ على حَمْلِ الرموز المُنبعثة من شُعور الإنسان بذاته ومُحيطه، وبناءِ التفسيرات الحقيقية والتأويلات المَجَازية للأنا والآخَر، وصناعةِ التجارب الروحية والمادية في جسد الإنسان وجسد المجتمع، وتكوينِ الظواهر المعرفية المُتجانسة، ودَمْجِها معَ العناصر الفكرية المُتمركزة في جَوهر البناء الاجتماعي .

وأهميةُ الطاقة الرمزية في اللغة تتجلَّى في قُدرتها على قراءة ما بين السُّطور . والإشكاليةُ المركزية في الوجود الاجتماعي هي أنَّ الإنسان يَقْضِي حياته لاهثًا وراء الأشياء الاستهلاكية، ويَنسَى أن يَعيش . ومعَ مُرور الوقت، يُصبح الإنسانُ شيئًا مِن الأشياء، وتُصبح مشاعرُه تكريسًا لضياعِ ذاته الوجودية، وغيابِ صَوته الاجتماعي الفاعل، وانكسارِ هُويته المُميَّزة بين الثوابت والمُتغيِّرات .

والحياةُ الرمزيةُ للإنسان لَيست الفترةَ الزمنية المُمتدة مِن ولادته إلى وفاته، وإنما هي الفترةَ الوِجدانية المُمتدة مِن حُلْمه إلى جَوهره. والطبيعةُ الإشراقيةُ للمعنى الإنساني وجَدوى وُجوده، لَيست التفاصيلَ التي يَحْياها الإنسانُ في داخل المجتمع، وإنما هي التفاصيل التي يَحْياها في داخل نَفْسِه . وكُلَّما تَعَمَّقَ الإنسانُ في فَهْم نَفْسِه، وإدراكِ أبعادها الداخلية، استطاعَ إعادة تركيب نظام المشاعر الكامن في أعماقه، وتَوظيفه من أجل فَهْم أسرار ذاته المُتوارية وراء الأقنعة والاستعارات والتشبيهات والتأويلات، أي إنَّ الإنسان مُطَالَب بإيجاد صَوته الخاص خارج سُلطة الصَّدى، والعُثورِ على وَجْهه الحقيقي خارج نُفُوذ مَرايا المجتمع المُتعاكسة .

وهذه العمليةُ المُهِمَّة تُتيح للإنسان فُرصة الانتقال مِن أسرار ذاته إلى أسرار العلاقات الاجتماعية، وتحليل طبيعتها غَير المَرئية، والانتقال مِن جسد اللغة إلى تجسيدها على أرض الواقع، وُجودًا ونظامًا وخِطَابًا ومَفهومًا ومَنطوقًا وإلهامًا وإشراقًا ولَفْظًا ومَعْنى . لذلك، تَخرج اللغةُ _ في كثير من الأحيان _ مِن حَيِّز الوسيلة (وسيلة الخِطَاب والتواصل) إلى فضاء الغاية، وتُصبح اللغةُ غايةً مُكتملةً، وهدفًا قائمًا بذاته، وسُلطةً مُكتفية بكِيانها، وزمانًا عابرًا للتناقضات الاجتماعية، ومكانًا حاضنًا للأحلام الإنسانية .

والمُجتمعُ المالكُ لِصَوْته، والمُتحرِّرُ مِن الصَّدى، والحاضنُ لرموز اللغة، قادرٌ على تحويلِ الوسيلة إلى غاية، وتَقَمُّصِ الأشكال المعرفية المُختلفة، لأن الرمز كالماء يأخذ شكلَ الإناء الذي يُوضَع فيه . وكُلَّما سافرَ الإنسانُ إلى اللغة وَجَدَ نَفْسَه فِيها، وَوَجَدَ كِيانَه في كَينونة المُجتمع، مِمَّا يُشير إلى أنَّ اللغة هي هُوِيَّة الإنسان الوجودية، وشَرعيته الوِجدانية، وسِلاحه الرمزي .

والجديرُ بالذِّكْر أنَّ منطق اللغة الرمزي لا يتحدَّد وَفْقَ الكلام الذي يَقُوله الإنسانُ، وإنما يتحدَّد وَفْقَ الكلام الذي يَخاف أن يَقُوله الإنسانُ. وهذا يَكشف المسؤوليةَ الجسيمة المُلقاة على عَاتِق اللغة، حيث إنَّها مُطَالَبَة بتفكيك العُقَد النَّفْسية في الإنسان، وتحريره مِن الخَوف، لأن الخائف عاجز عن الإبداع، وفَكِّ شِيفرة التحولات الاجتماعية، ورَبْطِها بالرموز الحاملة لتاريخ الإنسان وأفكاره وذِكرياته وعواطفه وأحلامه وطُموحاته، مِن أجل التفريق بين الخيال والحقيقة . وإذا نجحت اللغةُ في تحمُّل هذه المسؤولية، وأدَّت وظيفتها على أكمل وجه، فإنَّها سَتَحْمي الإنسانَ مِن نَفْسِه، وتَمنع عمليةَ هُروبه مِن الواقع إلى الخيال، لأن الخيال موجود لتغيير الواقع، ولَيس الهُروب مِنه .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

علي رسول الربيعيتضع مسؤولية تحقيق العدالة عبئًا هائلاً على اللاهوت الإسلامي التقليدي (علم الكلام)، لأن رفضه للقدرة الطبيعية الفطرية الأخلاقية في الإنسانية قد أدى إلى إهمال ضار بالافتراضات الأخلاقية للتقاليد القانونية المعيارية. لا تأتي خيرية الفعل بالنسبة لمثل هذا اللاهوت، لأنه يرتبط بالطبيعة الأساسية للبشر، ولكن لأن الله هكذا شاء. ماذا لو شاء الله وأمر عكس ذلك الخير بالضبط؟ هل لا يزال له القوة الملزمة نفسها التي هي الآن خير لأن إرادة الله المطلقة تحدد ذلك؟ كان يميل اللاهوتيون المسلمون إلى منح الشرعية فقط لتلك الأفعال التي تتمتع بإقرار الإرادة الإلهية في شكل وحي. استبعدوا أي قيود أخلاقية - في الواقع أي قيود على الإطلاق - على سيادة الله والسلطة التقديرية المطلقة لإدارة الشؤون البشرية. ونتيجة لذلك، تم تجاهل الأهمية الأخلاقية العالمية للأسلوب القرآني وآثاره على تطوير نظرية القانون الطبيعي الإسلامي.

أدت أسبقية الإرادة على العقل في الإسلام إلى إنكار أن يمكن أن يكون للخير والشر أي أساس آخر غير إرادة الله، التي عبرت عن نفسها في توفير مخطط للنشاط البشري في الشريعة. لم تكن مقاييس العدالة التي كان من المقرر تطبيقها في النظام العام الإسلامي متاحة للعقل البشري، إلا من خلال وساطة الوحي الخارق للطبيعة بمعنى آخر، الشريعة هي تجسيد لإرادة الله للإنسانية دون أي أساس في الواقع، وبدون أساس في الطبيعة الجوهرية للأشياء - الأبدية وبالتالي غير القابلة للتغيير. كانت إرادة الله النقية هي محور اللاهوت والأخلاق في الإسلام بطريقة أثرت بشكل حاسم على تطور التقليد القانوني المعياري..

يسعى التقليد القانوني المعياري إلى معالجة واستيعاب والتوفيق بين مطالب العدالة والصالح العام. يعتمد الفقهاء المسلمون في التعامل مع الأسئلة الفورية على المذاهب والقواعد القانونية بالإضافة إلى التفكير القياسي القائم على الحالات النموذجية في التقليد الكلاسيكي. فتعكس الاحكام العملية لهذه المذاهب والقواعد القانونية رؤى الفقهاء التي تمكنهم ربط الوضع المعاصر بمجموعة مناسبة من المبادئ اللغوية والعقلانية، وهي مبادئ يمكن أن توفر أساسًا لاستنتاج صحيح في قضية معينة. تظهر المعالجة السريعة للمادة المشمولة في هذه القرارات العملية أنها تتعامل مع نظام مفصل للواجبات. إن مفاهيم العدالة أو الخير العام في هذه الأحكام العملية، حتى عندما يبدو أنها ذات تطبيق عالمي، خلقت مؤسسات وممارسات تحدد الواجبات، وليس الحقوق. إن المفهوم القرآني للكرامة الإنسانية (كرامة الإنسان) قد أُثير في كثير من الأحيان دون أي تأكيد على الحقوق المتساوية وغير القابلة للتصرف التي يتمتع بها جميع البشر بسبب الطريقة التي كرم بها الله البشرية جمعاء. حدد التقليد الحقوق القانونية الكاملة للمسلمين البالغين فقط. لقد فشلت في تطوير فكرة القيمة الأخلاقية لجميع البشر من خلال التفكير البديهي والكرامة الإلهي اللذين كانا سيقوده إلى تأكيد المساواة بين البشر كبشر. وبالتالي، فإن الأخلاق العالمية التي تأسست على الطبيعة الجوهرية للبشر وقيمتهم الأخلاقية الإنسانية ظلت غير مستكشفة بين الفقهاء حتى وقت قريب. لا يزال التحدي المتمثل في إعادة التفكير في الأخلاقيات اللاهوتية الإسلامية لتطوير المبادئ القانونية في ضوء المفاهيم الجديدة مثل المواطنة المتساوية والحكم الديمقراطي دون إجابة حتى يومنا هذا.

المشكلة المعرفية التي تواجه الفقهاء المسلمين الآن هي إعادة تأسيس العلاقة المقطوعة تاريخياً بين الأخلاق اللاهوتية القائمة على القيمة الأخلاقية لكل إنسان والفقه الإسلامي السائد. فكيف يسمح حكم شرعي للرجل المسلم أن يطلق زوجته طيلة حياته لأنها تقدمت في السن دون مراعاة أخلاقية مثل هذا القرار الشرعي؟ حتى لو كان الحكم صحيحا فكيف يمكن تبريره أخلاقيا؟ لا يزال على الفقه الإسلامي أن يعيد تأكيد فكرة الطبيعة الأخلاقية الأساسية للبشر ويؤكد أن القانون الأخلاقي هو تعبير عن الإرادة الإلهية. ما لم يتم التحقيق في الافتراضات العقائدية والأخلاقية للتقاليد الفقهية المبكرة وشرحها من جديد، ستستمر هذه المشكلة في إنتاج دراسات إسلامية فقيرة فكريا وغير حساسة أخلاقيا.

 إن إعلان المبادئ والقواعد الأخلاقية الأساسية التي تحكم القرارات الأخلاقية العملية أمر بالغ الأهمية لجعل أي منظور ديني محترمًا فكريا في النقاش المعاصر حول تفسير لحقوق الإنسان عبر الثقافات يمكن الدفاع عنه أخلاقيًا. تشترك جميع المجتمعات في مبادئ أخلاقية معينة (الرحمة، والصدق، والعدالة، وما إلى ذلك)؛ تتطلب جميعها قواعد مثل الإنصاف ورد الحقوق العادلة كعناصر أساسية لتنظيم العلاقات الشخصية المسؤولة؛ ومع ذلك، لا تزال الخلافات العالمية الرئيسية قائمة حول قضايا مثل النسبية الثقافية التي تعيق تنفيذ حقوق الإنسان العالمية عبر الثقافات. ما نوع المصادر الأخلاقية التي تمتلكها التقاليد المختلفة والتي قد تؤدي إلى خطاب أخلاقي مشترك حول، وربما حتى حل، الخلافات العالمية المتعلقة بتنفيذ النظام الدولي لحقوق الإنسان؟ إن الحديث عن مثل هذا الاحتمال في "اللاهوت" المسيّس للعلاقات الدولية لا يخلو من المشاكل. مثل لغة التنمية التي يقدم المجتمع الغربي الحديث عنه النموذج الذي يجب على جميع شعوب العالم اتباعه، فإن أي اقتراح لإنشاء لغة ما وراء الثقافة لأخلاقيات علم الأحياء ينطوي على خطر الاشتباه في أنه حيلة أخرى للهيمنة من قبل الدول الغربية. ومع ذلك، هناك اختلاف جوهري في طريقة استخدام لغة التنمية للإشارة إلى التقدم العلمي والتكنولوجي والاجتماعي الغربي، والمفردات الطبية الحيوية التي تجسد بشكل أساسي الغايات العالمية للطب من حيث صلتها بالظروف البشرية والسعادة البشرية والإنجاز عبر الدول. ليس من الصعب إضفاء الشرعية على اللغة الأخلاقية الحيوية عبر الثقافات إذا أخذنا في الاعتبار الافتراضات الثقافية لمنطقة معينة في تقييم قابلية تعميم المبادئ والقواعد الأخلاقية.

غالبًا ما تتجنب الدراسات الإسلامية التقليدية التقييم النقدي للمصادر المعيارية التي قد تسهم في حل المشكلات القانونية الأخلاقية المعاصرة، ومعاملة المرتدين نموذجية هنا، فأكثر الأحكام المثيرة للجدل والتي تواجه فقهاء الشريعة من قبل إعلان الأمم المتحدة لحقوق الانسان عقوبة المرتد.

إن النهج غير النقدي للمصادر المعيارية له جذور عميقة في لاهوت الوحي في الإسلام. هناك اتجاهان رئيسيان يتعلقان بمعنى وملاءمة الوحي بالنسبة للمسلمين. وفقا لأحدهم، فإن الوحي الإسلامي في شكله الحالي "خلق" في الزمان والمكان، وهو يعكس على هذا النحو الظروف التاريخية لتلك الأوامر الإلهية الأصلية. ووفقًا للآخر، فإن الوحي "غير مخلوق" وبالتالي فإن شكله الحالي غير مشروط بالمكان والزمان. يرفض معظم الفقهاء والمفسرين التقليديين أي تلميحات إلى أن تفسير الوحي متغير ثقافي أو تاريخي. أثارت التغيرات الكمية والنوعية في العالم الإسلامي الحديث تساؤلات حول علاقة القراءات التقليدية للوحي بالمقتضيات الأخلاقية والاجتماعية المعاصرة.

إلى جانب مشكلة الروح المحافظة التي هيمنت على النهج الخاطئ للمصادر المعيارية، لم تستطع المصادر الكتابية نفسها أن تغطي بسهولة كل موقف جديد، خاصةً عندما امتد الحكم السياسي الإسلامي إلى ما وراء شبه الجزيرة العربية وكان مضطرًا للتعامل مع الحكم، الحياة الحضرية والتجارة والحكومة في الدول المتقدمة. ولكن كيف بالضبط كان المسعى العقلاني موجهًا لاكتشاف الفلسفة والغرض من أحكام نموذجية معينة مقدمة في المصادر الدينية، من أجل الاستفادة منها في صياغة ردود جديدة على الآفاق السياسية الآخذة في التوسع والعلاقات الوطنية والدولية المتغيرة المجتمع الإسلامي العالمي؟

كان هناك خوف من الاعتراف بالعقل كمصدر موضوعي وحتى مستقل لاشتقاق تفاصيل القرارات الأخلاقية - القانونية. كان هذا الخوف قائمًا على افتراض أنه إذا كان العقل البشري المستقل قادرًا على الحكم على ما هو صواب وما هو خطأ، فيمكن أن يجعل وحي الله مجرد تكملة للإدراك الأخلاقي. لكن يرى الفقهاء اللاهوتيون بأنه على الرغم من أن العقل يمكن أن يساعد الوحي في تنمية الحياة الأخلاقية، إلا أنه لا يكفي لاكتشاف تبرير ومعنى الأوامر والأحكام الأهلية. كما أكد هؤلاء الفقهاء اللاهوتيين على أن الوصايا الإلهية التي يجب على المرء الالتزام بها ليست متاحة بشكل موضوعي للبشر من خلال العقل.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

حاتم حميد محسنكان سقراط منهمكا في إستجواب قاس مع  زملائه  المواطنين الأثنيين، حتى عوقب بالموت عام 399 ق.م بتهمة إفساد الشباب والترويج لألهة جديدة. دفاع سقراط عن هذه التهم وكما ورد عن افلاطون يتمثل بـ : 1- سقراط لم يكن ابداً معلّما لأي أحد، و 2- لم تكن لدى سقراط أي معرفة يمكن تعلّمها . وبدلا من ذلك، هو انشغل في سعي مميز يسمى الفلسفة، او "حب الحكمة"، والذي شكّل "حياة مختبرة". بدون هذه الحياة المختبرة، لم تكن الحياة تستحق العيش .

ولكن كيف تم هذا؟ لطالما اشتهر سقراط  بإتقانه للجهل، وكما تمثّل في حوارات افلاطون التي سميت "سقراطية" معبراً عن فشله في العثور على الحقيقة حول الأسئلة التي أثارها في اختباراته، وهذا يقود المرء للتساؤل : ما فائدة الاختبارات اذا كانت بلا نتيجة تذكر؟ وكيف يمكنها ان تحسّن حياة أي شخص؟

في حوارات افلاطون، دائما ما يُعرض سقراط باحثا عن تعريف لمفردات أخلاقية مثيرة للخلاف، مثل العدالة، الشجاعة، التقوى. افلاطون يدمج تلك النقاشات ضمن سياقات دراماتيكية تعطينا فكرة عما هو غير مؤكد . يوثيفرو، الذي حضر للمحكمة لمعاقبة والده، يلتقي بسقراط  عند مدخل المحكمة وحيث كان سقراط على وشك ان يواجه تهمة العصيان. كلتا هاتين الحالتين مثيرتان للإشكال وكلاهما تتطلبان، من المرء  فهما لطبيعة التقوى. هل اختبر الأثنيون أنفسهم بما يكفي ليعرفوا ما اذا كانوا يعملون الشيء الصحيح في إتهام سقراط؟ هل يوثيفرو اختبر نفسه بما يكفي ليعرف انه كان يعمل الشيء الصحيح في معاقبة والده؟

يوثيفرو كان عرضة للاستجواب من قبل سقراط حول طبيعة التقوى، وان  جميع  أجوبته بدت تقود الى تناقضات. النقاش يستمر الى ان أصبح يوثيفرو غاضبا، مدركا انه ليست لديه فكرة واضحة يقدمها عن التقوى. هذه الصيغة ذاتها تكررت في العديد من حوارات سقراط.

الآن، وبعيدا عن الادراك بان الشخصيات في الحوار تجهل ما تظن معرفته، كيف يمكن لهذا النوع من التحقيق ان يحسّن حال المشاركين فيه؟ ربما يقود الى التواضع والى التردد  في أفعال غير عادلة (مثل محاكمة سقراط، او أبو يوثيفرو). يمكن ايضا للمرء ان يتوقع ان مثل هذا التحقيق يمكن ان يقدم أجوبة للمعضلات الأخلاقية. لكن هذه الرؤية تخالف حقيقة انه حتى لو ان سقراط اعتقد ان الفلسفة يمكنها إعطاء الحقيقة حول المسائل الأخلاقية (كما كان يأمل)، لكننا لانراه يصل الى الهدف الذي سعى اليه. افلاطون يترك العديد من حواراته مفتوحة لتعطي إحساسا بالالتباس لدى المتناقشين، الذين تلقّوا سلسلة من الأسئلة المحيرة. هذا هو الذي قاد العديد من القرّاء – القدماء والجدد – للتساؤل عن الهدف منه. يجب ملاحظة ان الادّعاء الرئيسي بان "الحياة غير المختبرة لا تستحق الحياة" لاتعني ان الحياة بدون مجموعة واضحة من الحقائق لا تستحق العيش، وانما ان الحياة بدون اختبار لاتستحق العيش. السؤال اذاً اصبح كيف اعتقد سقراط ان الاختبار من النوع الذي مارسه قد يجعلنا أفضل حالا؟

بالنسبة الى سقراط هذا الاختبار له شكل مميز – او نوع محدد من المحادثة. عند قراءة الحوارات الافلاطونية، يلاحظ المرء مرة بعد اخرى كيف ان الانتباه يُوجّه الى الشكل المميز لهذه الممارسة من المحادثة، خاصة في حوار افلاطون حول ممارسات الكلام (جورجياس). هذا النص يوفر فكرة عن القدرة التغييرية المحتملة للمحادثة. الحوار بالنسبة لافلاطون، يتم تصوره كـ "طرح اسئلة والاجابة عليها"، واحيانا تُوضّح كـ "تفنيد او قبولها التفنيد"، لأنها اساسا تجري عبر إستكشاف نتائج المقدمات المُعلنة، او التي أقر بها المحاور. الحوار وفق هذه الخصائص هو سعي مشترك، مؤلف من طرفين او اكثر يتبادلون الرؤى، ليقرروا ما اذا كانت الرؤى هذه منسجمة. سقراط يبدو حازما طوال الحوار الذي هو جهد جماعي مع المشاركين الساعين "باهتمام مشترك"، نحو الصالح العام.

الانخراط في السعي الى هدف مشترك يوفر اتجاها مقبولا بشكل متبادل، لكي لا تكون الأسئلة بلاغية خالصة، كما لو ان طرفا ما يبدأ الكلام، ولا هي  يتم توظيفها لضمان الخير الخاص، كانتصار جدلي . هي يتم توظيفها لأجل مهمة إلقاء اللوم على كل منْ ثبت ان ما قاله "ليس حقيقيا".

هذه الطريقة من الاشتراك في الاختبار كمشروع جماعي تتطلب التقاسم، لأن كل واحد يأخذ دوره "سائلا ومجيبا على الأسئلة". هذا يتطلب مساواة في توزيع "حصص نقاشية": لا أحد يجب ان يأخذ اكثر من حصته في النقاش، وبالتالي يُوجّه الانتباه باستمرار الى حب الـ  "الكلام المختصر".

ان تقاسم حصصا متساوية لا يُحكم بمساواة رياضية صارمة، احيانا يكون  مسموحا  وربما مطلوبا  التوسع في الكلام او الحجة. اذا كان أحد الأطراف لا يفهم او لا يستطيع الاستفادة من الجواب ، فان حصة اخرى ربما تؤخذ للتوضيح. هذا يساعد في التعامل مع الاعتراضات التي يستخدمها سقراط ذاته في مختلف المسائل. الأجوبة يجب ان تُعطى استحقاقها النقاشي، والذي يتقرر بمقدار الاستعمال لها، وهذا يُعد تجسيدا لمساواة تناسبية.

ان أهمية التقاسم، المساواة، والمقابلة بالمثل، في خلف السؤال وأمامه وفي الجواب  وفي أخذ الدور كمستجوب وكمجيب، يوضح لماذا تُعتبر الصداقة هامة جدا لحوار سقراط – لأن هذه هي بصماته المميزة.

يعترف سقراط بالصداقة مع كل المحاورين الثلاثة في جورجياس، هو باستمرار يتعامل معهم كأصدقاء. العلاقات الحوارية هي علاقات بدون هيمنة، والصداقة هي الإعتراف الذي يعطيه كل واحد للآخر كمساوي يشترك في تقاسم متبادل. العلاقات الحوارية تجسد خصائص المساواة في الصداقة، بمقدار ما يأخذ كل واحد دوره في الأسئلة والأجوبة، كل واحد يُستمع له بشكل متساوي، ولا احد أقل أهمية من الآخر، حيث ان قيمة كل مشارك وكل مقترحات تنال التقدير. الإعتراف بالآخر كمساوي هو مطلوب لكي يُنظر له كمستحق للتعامل بالمثل في المحادثة. مثل هذه المقابلة تبيّن العناية والخصائص المساعدة للصداقة، التي يربطها سقراط بما يقوله كل طرف للاخر من حقيقة، وعمل الإحسان لصديق هو ايضا مرتبط بإثبات ان الآخر خاطئ وانه يتم تخليصه من بعض الهراء. طيبة المتناقشين تجعلهم يتوصلون الى نتائج مرضية.

الآن، هذه الظروف الحوارية هي مثالية، لاشك، ان المتحاورين بمن فيهم سقراط نفسه – ربما يفشلون في بلوغها في مختلف المسائل، لكنهم مع ذلك، ينظّمون الممارسة النقاشية،وفقا للخصائص التالية:

1- الحوار يجب ان يجري بطريقة منظمة، وملائمة مع توضيح للمفردات الأساسية قبل ان يطرح أي شخص ادّعاءً حول  موضوع النقاش، او خصائصه.

2- المشاركون يجب ايضا ان يجيبوا لبعضهم البعض بعدالة، والذي يتمثل في ملاحظة الفرق بين المناقشة والمحادثة. هذا يعني ان احدا لا يجب ان يدفع الخصم لإرتكاب الخطأ ،وانما يجب مساعدة  الطرف الآخر وجعله واع في الزلات والمغالطات التي هو مسؤول عنها. اذا اُتبعت هذه القاعدة، فان المتناقشين سوف يضعون اللوم في التباسهم على أنفسهم وليس على الطرف الآخر.

3- النقاش يجب ان يجري باعتدال، والذي يعني عدم التسبب في فقدان أعصاب أحد وإمكانية عمل تنازلات عندما تكون مطلوبة . الانتباه الى شكل النقاش السقراطي يبيّن ان الكيفية التي يتحدث بها  المتناقشون مع بعضهم هي بنفس أهمية ما يقوله كل واحد منهم للآخر. يجب الاعتراف ان المتناقش مساوي، يتقاسم النقاش، لا يأخذ اكثر من حصته، ويقابل الآخر بالمثل  في روح السؤال والجواب، ويتقدم بإعتدال وبإنصاف. هذه المعتقدات الحوارية تعزز الفضائل. تلك الفضائل  ليست "نتائج" مرغوبة،او تُكتسب من "شيء" محدد، وانما هي تُغرس في فعالية المحادثة، كما مارسها سقراط. هناك أخلاق للمحادثة بُنيت في الممارسة السقراطية. وبناءً على هذا، فان محتوى النقاش (مثل تعريف الفضيلة) يُستوحى ضمناً ويُفهم من جانب المتناقشين في آداء شكله. وهذا يقترح جوابا لسؤالنا: كيف يمكن للحياة المختبرة تجعلنا أفضل حالا، حتى عندما لا تقود دائما لنتائج؟ لو نحن جعلنا المحادثة فنا، وممارسة مستمرة، كما فعل سقراط، عندئذ هذا ربما يكفي لتعويد المرء على الفضائل التي تنطوي عليها عمليات المحادثة. لذا يجب ان نجعل فن المحادثة مستمرا، فهو الذي يجعلنا أفضل.

 

حاتم حميد محسن

.............................

Socrates and the Ethics of conversation, by Frisbee Sheffield, philosophy, The classical Tradition.

 

علي رسول الربيعييعود مصطلح التأويل الى الكلمة اليونانية (Hermeneia) وهو مشتق  من اسم "هرمس" بوصفه أحد الأنبياء أو الرسل، و جاءت هذه الفكرة من إحاطة هرمز بهالة قدسية باعتباره الواسطة بين الإله والناس، حيث تكمن وظيفته فى نشر وإظهار الأفكار الإلهية فهو يترجم اللانهائية إلى صيغة محدودة متناهية تارة وتارة يجعل الروح الإلهية المتعالية حالة محسوسة، وهكذا فإنه يحلل ويقيس تارة، ويخصص تارة أخرى، فيعزى إليه فهم كل شئ.  وقد أستعملها أرسطو كعنوان لأحد مؤلفاته (peri Hermeneias  (وعبر الرومان عن كنه كلمة (هرمينيا) بكلمة أخرى  (Elocutio) أى بمعنى عرض الأفكار ثم أصبحت هذه الكلمة قريبة المعنى من كلمة أخرى هي (Exegesis) أي تفسير، واعتبرتا مترادفتين والحقيقة أن هاتين الكلمتين معنيتان أصلاً بالفهم والمعنى الحاصل.(1)

تذهب عملية التأويل بوصفها مصطلحاً تقنيا إلى ما هو وراء المنتج الفكري حيث تعتمد التفسير والفهم في إطاره الشامل إنها تبحث عن أولية الشيء وأساسه وأصله لتعيد بذلك تأسيس سؤال الفهم فى الأنبياء للمجهول وربط الصلة بين الحاضر والماضي مفضل مفهوم التراث الذي يعنى استحضار الأثر وإقامة حوار السؤال معه، (2)  إن التأويل حالة لا تتوقف فهو في حركة مستمرة، ويحاكى بصورة أساسية فن الفهم. (3)

يسبر التأويل بعداً مجهولاً فى النص ويكتشف دلالات جديدة لتوليد المعنى وتجديد الرؤية (4)، إنه يوسع نطاق استعمال صيغة ما إلى منطقة أوسع، بالكشف عن شبكة علاقات الواقع الموجودة (5). ويستدعى التأويل للتوفيق وتسوية الخلاف بين الصور التراثية القديمة والحاجات الحديثة (6) أنه يعيد مساءلة التراث عما يعيه ويقوم باستحضاره داخل زمانية المشروع الثقافي للأمة (7).

ونلاحظ هنا أن مشروعنا الثقافي يتمثل في طروحات الفكر العربي الإسلامي من خلال البحث عن السبل التي تؤول إلى تحديد مناهجه ومفاهيمه للوصول إلى نوع من إعادة التقييم للتاريخ والتراث، ومسألة تجديد الفكر العربي الإسلامي ترتبط بمسألة العلاقة المقامة مع ماضيه، فالتجديد يقتضي دوماً إعادة النظر بالأسس والأصول التي يقوم عليها التراث حتى يبرر ميله الإصلاحي ونزوعه التجديدي (8). إن الثقافة تنمو وتتحدد من خلال التأويل المستمر لأساسها وأصولها، وهكذا هي الثقافة العربية الإسلامية إذ كان التأويل ميزة هذه الثقافة وطريقها الذى يخرج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية كما عرفها ابن رشد (9).

إن التأويل بمفهومه الاصطلاحي من العوامل التي تسهم في نفى واحدية المعنى واحتكار الحقيقة إنها تحرير للفكر من سلطة الواحدية (10) ، إنها تعلمنا التخلي عن الإطلاقة في عملية الفصل بين التراث الحي وعملية امتلاكه الواعية وتجبرنا على الاعتراف بالنسبية وأننا محكومين بالصيرورة التاريخية (11) من خلال ما تسمح به تقنيات التأويل للإشارات بأن نتكلم وأن نكشف عن معانيها (12).

وهناك من يرى رغم كل محاسن التأويل المذكورة بوصفها سبيل انفتاح العقل وشموله أن هناك في واقعنا الفكري من يأبى إلا أن يتعامل مع التراث من موقف حصري، يصفه بمفاهيم أرثوذوكسية، أنه يروم العبور إلى التراث على جسور الأيديولوجيا، وهذا لا يؤدى إلا إلى إسقاطات لفظية مفتعلة تساهم فى تشويه ملامح التراث، وهذه التأويلات رغم ادعائها الدخول إلى ساحة الموضوع لكنها لم تكن أكثر من التحرك بتأثير أوهام الذات المعاصرة الباحثة عن دعامات من اعماق الماضي (13)  .

أما "مفهوم التراث" فيشمل مجالاً تداولياً واسعاً في النشاط الثقافي والفكري ومنذ ما يسمى ﺑ "عصر النهضة " وإلى الان، لقد أخذ هذا المفهوم دلالات جديدة ومتراكمة نتيجة الاستعمال المستمر والمتكرر عند تتناول الفكر العربى الإسلامى وتاريخه ومحاولات إحيائه وتجديده فتم تغليفه بمضامين أخلاقية أطلاقية أو بطانة أيديولوجية سميكة.

تعود كلمة "التراث " فى أصولها اللغوية إلى مادة (ورث) و(ميراث) وهى تدل على ما يحوزه الشخص من ممتلكات مادية عائدة إليه من سالف، وردت إشارة  اليها فى القرآن  (وتأكلون التراث أكلاً لما) (14) وأخرى فى آية (ولله ميراث السموات والأرض) (15) إذ لم يكن لهذا اللفظ فى استخدامه القديم أكثر من المعنى المادي، ولم يكن يعنى فى مجاله التداولى آنذاك التراث الفكري العام، وما أصبح يعنيه لفظ التراث الآن يعود إلى الفكر العربي الحديث والمعاصر  وتحت تأثير الفكر الغربى كترجمة غير مباشرة لكلمات مثل   Heritage   و legacy مما يدل على نهاية مرحلة وبداية مرحلة أخرى. (16)

لقد حدثت زحزحة (17) دلالية بين معنى اللفظ آنذاك و معاناها الحالي، لقد غير الزمن ومشروطتيه من مدلولها . وجرى التوسع وأخرجاها من الضيق الذي كان في طريق النظر إليها الى زاوية جديدة، فقد حدث تحول كبير في مفهوم اللفظة نقلها من دلالتها العادية إلى دلالة ثقافية واسعة ومحتوى أكبر، وأصبحت تعبر فى معناها الحالي عن التركة فى الجانب الفكري لحضارة الأسلاف.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

........................

(1),  :Boechk, Philip Augus  , Philological Hermeneutics ,p 134 -135:  in:Kurt  Mueller – Vollmer: The Hermeneutics Reader , continuum , New York, 2985                   t:

(2) صفدى: استراتيجية التسمية فى نظام الأنظمة المغرفية، مركز الإنماء القومى، ط 1، بيروت 1986م، ص 223 ـ 230 .

(3) Schleiermacher, Friedrich D: Foundations: General Theory and the Art of Interpretation: in Vollmer (ibd) p 73 -74

(4) حرب، علي: التأويل والحقيقة، ص5

(5) ذى مان، بول: الشكل والقصد فى النقد الجديد ترجمة سعيد:    الثقافية الأجنبية، دار الشئون الثقافية، بغداد العدد 3، 1992م، ص 39.

(6) سونتاغ، سوزان: ضد التأويل، ترجمة باقر جاسم محمد الثقافة الأجنبية ص 16 .

(7) صفدى: استراتيجية التسمية، مركز الإنماء القومى، ط 1 بيروت 1986م، ص 240 .

(8) حرب، على: التأويل والحقيقة، ص 221 .

(9) كذلك: ص 224 .

(10) وهبة مراد: محاكمة العقل العربى، مجلة المنار، العدد 45، 1988، ص

(11) غادامير، هانز جورج: فن الخطابة وتأويل النص ونقد الأيديولوجيا، ترجمة نخلة فريفر،مجلة العرب والفكر العالمى، مركز الإنماء القومى، بيروت العدد 3/1988، ص 11 .

(12) صفدى: كلام الكتابة بين الميراث والتراث،مجلة الفكر العربى المعاصر، العدد 2، 1984م، هامش (9)، ص 19.

(13) صفدى: كلام الكتابة بين الميراث والتراث،مجلة الفكر العربى المعاصر، العدد 32، 1984م، هامش 19، ص 19 .

(14) القرآن، 89 الفجر 20 .

(15) القرآن، 3 آل عمران 10 .

(16) د/ حنفى، حسن: الفلسفة والتراث، ضمن كتاب الفلسفة العربية المعاصرة، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 1،بيروت، 1988م ص 370 .

(17) المقصود بالزحزحة هنا هو تغير يطرأ على المعنى القديم والتقليدى للفظ أو مقاربة جديدة لمعناه تحل محل مقاربات، المعنى القديم وتعليقها أو تزحزح عن مكانها .