ibrahim telbasilkhaفلسفة العلم النسويـــة تقع بين الاهتمامـــات النسوية في العلـــم والدراسات الفلسفية للعلم، وقد تطورت في العشرين عاماً الأخيرة. ظل النسويون لوقت طويل ينظرون للعلوم على أنها مصدر رئيسي لفهم الظروف التي تؤثر على حياة النساء، واستخدموا عدداً من البرامج البحثية عالية الإنتاجية، خاصــة في العلــوم الاجتماعيـــــة والحياتية، ومع ذلك، وفي الوقت ذاته، نظر النسويون للعلوم على أنها موضع مهم لتباين الجنوسة، ومصدر رئيسي لتشريع هذا التباين. وقام النسويون، من داخل العلوم وخارجها، بتحليلات نقدية مهمــة لموضوعــات جنوسية وجدوها متأصلة في قوانين العلم وممارساته ومحتواه . إن كل أنواع التدخلات النسوية في العلم – الاستنتاجي والنقدي – أدت لظهور أسئلة ابستمولوجية عن الأهداف الموضوعية، وإقامة البرهان ودور توجيه القيم السياقية (غير المعروفة غالباً) . (90)

و حيثما يكون العلم موضع اهتمام، فإنه من المحتمل أن يكون النسويون مشهورين بالتقييمات النقدية الحادة متعددة الطرق التي تنتج فيها القيم الجنسية والفروض في التكوينات التأسيسية، والممارسة، وبرامج البحث والمحتوى الخاص بالعلوم الدقيقة والأكثر منطقية . فغالباً ما تبدأ الانتقادات النسوية بالتدعيم بالوثائق لتباين الجنوسة في التدريب، والتمثل ومعارف النساء في العلوم، ونماذج التهميش التي لا تزال موجودة حالياً رغم استعداد عدد كبير من النساء للتدرب العملي، وكفاءتهن في تقديم إسهامات هائلة لكل مجالات البحث العلمي . وأوضحت Londa Chiebinger وهي مؤرخة نسوية للعلم، أن هذه الأنماط القديمة من الاستبعاد كانت بدون شك محتومة، فنخبة من النساء والبعض من الحرفيات في القرنيـــن السابع عشر والثامن عشر لعبن دوراً فعالاً في التأسيس الأولي للعلوم، ولكنهن كن مهمشات . ونادراً ما كانت تعتبر النساء مسئولات بالنسبة للأكاديميات والجامعات العلمية الكبرى عن علماء التدريب حتى الخمسين عاماً الأخيرة، أياً كانت مواهبهن أو إسهاماتهن، وبرغم ظهورهن المتزايد في برامج التخرج، فإنهن ظللن أقلية واضحة في أغلب المجالات . (91)

وعلى الجانب الآخر، فإن النسويين اهتموا بتوضيح التحريفات أو التشوهات المنهجية التي تظهر عندما تؤخذ الخلافات الجنوسية بجدية ولكن يتم تكوين فكرة عنها من خلال أراء شائعة تفرض بشدة مقولات استقطابية ثابتة عن ما هي النظم التي غالباً ما تكون معقدة لحد ما وشديدة التغير . والافتراضات من هذا النوع مستخدمة بشكل أكثر وضوحاً في التاريخ الطويل لدراسات الاختلاف الجنسي التي تم تخصيصها لتوضيح الاختلافات الجنوسية في الذكاء والقدرات المعرفية الأخرى، ولفصل أسسها الجينية أو الهرمونية أو البيوفيزيقية الأخرى . حتى إذا تم إدراك إمكانية الموضوعات الثقافية أو التاريخية بوضوح، فإن هناك مشاكل مماثلة تنشأ عندما يعرض الدراسون مقولات جنوسية ناتجة من خبرتهن بناء على الموضوعات الثقافية والتاريخية . إن الفروض الخاصة بسلبية النساء وخضوعهن، بعكس الأدوار الفعالة الشائعة عموماً للرجال، تســــود الأدبيات القديمــة، ونظريات مماثلة عن التطور البشري . ولقد كافح النسويون أنفسهن تأثير هذه الأفكار من الوقت الذي بدأوا فيه برامجهم البحثية . وظهر عدد من الانتقادات الذاتية في بداية الثمانينيات حيث عرض علماء الأجناس والمؤرخون أعمالهم القديمة، مستنتجين أنه، في إعادة تركيز الاهتمام على الأنشطة والخبرات المميزة للنساء، فإنهم يقبلون غالباً الفروض البارزة بخصوص الاختلافات في الجنوسة وطالبوا بضرورة إعادة تقييمها . (92)

و بوجه عام، يمكننا القول: إن العلم الغربي لم يأت أبداً عن ضربة واحدة أو كخامة متجانسة، إلا أنه كمؤسسة اجتماعية، أو طريقة لاكتساب المعرفة، اكتسى بعوائد وتوجهات معينة في استشرافه للأمور . وانعكس الوعي الذكوري في هذه المؤسسة، لأن الغالبية العظمى من العقول المسئولة عن تشييد العلم كانت ذكوراً .. لكن لا يعني ذلك عدم قدرة النساء على ممارسة العلم، فقد تركزت دوافع الكاتبات النسويات ومقاصدهن في:

1- تبيان أن النساء قادرات على ممارسة العلم .

2- إزاحة العقبات التي تعوق النساء عن الإسهامات في العلم .

3- تصحيح المعلومات الخاطئة عن بيولوجيا المرأة .

4- نقد قيم العلم وأهدافه . (93)

و تكشف نصوص النساء العالمات عن أنه لا شيئ في طبيعة المرأة الجسدية أو النفسية أو العقلية يمنعها من إسداء الصنع في العلم . وتبين أن نساء كثيرات، وليس فقط الاستثناءات كماري كوري، ساهمن في كل مستويات العلم، من المساعدات الفنيات إلى الباحثات المستقلات . ويمكننا الآن أن نرى عدداً مدهشاً من النساء العالمات على مدار تاريخ العلم، لم نكن نراهن فيما سبق، بدءاً من الفيلسوفة الطبيعيـــة فــــي القرن الخامس قبل الميلاد أريت القورينائية Arate of Cyrene، حتى عالمة الرياضيات في القرن الرابع هيباثيا السكندرية Hypatia of Alexandria، وصولاً إلى هيلدجارد من بنجن Hidegrad of Bingen فـــي القرن الثانــــي عشــر، وعالمة الكيمياء الفيزيائية في القرن العشرين روزالين فرانكلين Rosalind Franklin التي جرى التهوين من شأن إسهامها المحوري في بنية الشفرة الوراثية الـدنا (D.N.A) . والآن لدى الفتيات اللآتي يمتهن العلم مُثل عليا عديدة كي يهتدين بهن . (94)

 

2- فلسفة الأخلاق النسوية:

تطور علم الأخلاق، أو الفلسفة الأخلاقية، كمجال للبحث الفكري في الغرب لأكثر من ألفي عام بأدنى إسهام من النساء، فالأصوات النسائية كانت غائبة حقاً عن الأخلاق الغربية حتى هذا القرن، تماماً كما هو الحال في مجالات الفكر الغربي . ولقد عنى غياب الأصوات الأنثوية أن الاهتمامات الأخلاقية للرجال شغلت منذ القدم الأخلاق الغربية التقليدية، وشكلت وجهات النظر الأخلاقية للرجال مناهجها ومفاهيمها،و أصبح الانحياز الذكوري ضد النساء أمراً مالوفاً ولم يعترض عليه عبرها . والأخلاق النسوية تستكشف التأثير الهائــل لهـــذا النمــط من عدم التوازن على الفلسفة الأخلاقية وتسعى لتعديله .(95)

و تتضمن أي أخلاق نسوية التزاماً ذا شقين، أولهما نقد التحيز الذكوري حيثما وجد، والثاني تطوير أخلاق غير متحيزة ذكورياً . وهذا يتضمن أحياناً ترسيخ قيم (مثلاً قيم الرعاية، والثقة المناسبة، والقرابة والصداقة) مفقودة أو مهملة غالباً ضمن التيار الرئيسي للأخلاق .و يتضمن أحياناً الانخراط في بناء نظرية من خلال ارتياد توجهات جديدة أو تنقيح نظريات قديمة بأساليب حساسة جنسانيـــاً . والذي يجعل انتقادات لنظريات قديمـــة أو طــــرح مفاهيم جدية تتصف بـ " النسوية " هو أنها تنبثق عن تحليلات جنسية – جنسانية وتعكس كل ما تكشفه هذه التحليلات بخصوص التجربــة الجنسانية والواقع الجنساني الاجتماعي . (96)

وترى "كارين .ج . وارين " Karen . J . Warren أن " الأخلاق النسوية "تتصف بعدة خصائص منها:

أولاً: إلغاء التمييزات الجنسية والعنصرية والطبقية أو أي " نزعة تمييزية " أخرى من نزعات الهيمنة الاجتماعية .

ثانياً: الأخلاق النسوية سياقية . والأخلاق السياقية هي تلك التي ترى الخطاب والممارسة الأخلاقيين ناجمين عن أصوات الناس الموجودين في ظروف تاريخية مختلفة . وعندما تكون الأخلاق السياقية نسوية تولى مكانة محورية لأصوات النساء .

ثالثاً: بما أن الأخلاق النسوية تولي أهمية محورية لتنوع أصوات النساء، فينبغي عليها أن تكون تعددية بنيوياً وليس واحدية أو اختزالية . إنها ترفض الافتراض المسبق لوجود " صوت واحد " يمكن بواسطته تعيين القيم الأخلاقيــــة والاعتقــادات والمواقف والسلوك .

رابعاً: الأخــلاق النسوية سياقية وتعددية بنيوياً، " وقيد التشكل " وهي تتغير عبر الزمن .

خامساً: تنوع أصوات النساء مشروع في بناء النظرية الأخلاقية .

سادساً: لا تقــوم الأخــــلاق النسوية بــأي محاولة لتقديم وجهة نظر " موضوعية " ذلك لأنها تفترض أن في الثقافة المعاصرة ليس ثمة في الواقع مثل وجهة النظر هذه .وكذلك هى تدعى" عدم التحيز " بمعنى " الموضوعية "

أو " الحياد القيمي " لكنها تفترض أنها مهما احتوت من تحيز لكونها أخلاق تمركز أصوات أشخاص مضطهدين فهو تحيز أفضل من تلك التي تستبعد تلك الأصوات .

سابعاً: توفر الأخلاق النسوية مكانة محورية لقيم كانت نمطياً غير ملحوظة، أو مهملة أو محرفة في الأخلاق التقليدية، مثل ذلك قيم الرعاية والحب والصداقة والثقة الملائمة .

ثامناً: تتضمن الأخلاق النسوية إعادة فهم ماهية البشر والهدف الذي من أجله ينخرطون في اتخاذ القرار الأخلاقي . (97)

وعليه، فإن الأخلاق النسوية تنتقد التحيز الذكوري حيثما وجد في الأخلاق .. وهي، مثل المجالات الأخرى للفكر النسوي، مرسخة في الالتزام بإنهاء الظلم، والتبعية، وإساءة المعاملة والاستغلال للنساء أياً كانت النتائج . ففي نهاية الستينيات، عندما بدأت الأخلاق النسوية، فإنها تكونت أساساً من تطبيق مصادر الفلسفة الأخلاقية التقليدية على نظام المسائل الأخلاقية التي أعلنت بواسطة الحركات النسائية ثم الناشئة في كثير من المجتمعات الغربية . وهذه المسائل، مثــل التمييز الاقتصادي ضد النســاء، الأدوار الجنسيـــــة التقييدية (الحصرية)، العنف الأسري، الاغتصاب، الزواج غير المتكافئ ونماذج الأمومة المضحية بالذات كانوا ذوي إهمية خاصة بالنسبة للنســـاء، وأهملت بشكل كبير بواسطة الأخلاق الفلسفية التقليدية . وهكذا، فقد سعت الأخلاق النسوية، منذ البداية لتحويل الاهتمام الفلسفـــي للمواضيع التي تجاهلها الفلاسفة سابقاً، على الأغلب الذكور . (98)

واكتشفت " كارول جيليان " في دراستها لارتقاء المرأة الخلقي، أن النساء مجبولات على فحوى الاتصال . وفي مقابل تأكيد الرجل على الانفعالية والاستقلال الذاتي، تميل المرأة إلى تحديد ذاتها في سياق العلاقات . وبينما يميل الرجال إلى الإقصاء لأنهم يرفعون من قيمة الانفصال والاستقلال الذاتي، تميل النساء إلى الاحتواء لأنهن يرفعن من قيمة الاتصال والألفة . وبينما يعمل الرجال على حل الصراع عن طريق استحضار تراتب منطقي من المبادئ المجردة، تعمل النساء على حل الصراع من خلال محاولة تفهمه في سياق منظور كل شخص واحتياجاته وأهدافه ؛ إنها المسئولية المتجهة نحو الفضيلة، حيث تحاول النساء جلب أفضل ما يمكن لكل فرد من أصحاب الشأن، وإذ يفعلن هذا، ينصتن بروية، وغالباً يعلق الحكم الخـــاص بهن لكي يتفهمن الآخرين في حدودهــن، تعهداتهن وأفعالهن محكومة بإيناسهن بالعالم ومن فيه .الاستجابة الخلقية، بالنسبة لهن، هي الاستجابة الحانية الراعية . (99)

وقد ساهمت نساء كثيرات عبر القرون في اكتشاف طرق جديدة لفهم حيواتنا وفهم عالمنا عبر القيم المختلفة ... فمثلاً، إيزارا Aseara قدمت نظرية في القانون الطبيعي أوضحت خلالها أنه بإمكاننا اكتشاف الأسس الفلسفية الطبيعية للقانون البشري كله، بما في ذلك التكوين الفني للقانـــون الأخلاقـــي والقانــــون الوضعي .. واهتمت نظريتها في القانون الطبيعي بثلاثة تطبيقات للقانون الأخلاقي وهي: الأخلاق الفردية أو الخاصة، الأساس الأخلاقي للمؤسسات العائلية والأساس الأخلاقي للمؤسسات الاجتماعية . (100)

وقررت ثيانو الثانية أنه طالما يعجز الأطفال الصغار عن فهم كيفية تطبيق مبدأ التناغم، فيجب توجيههم وقيادتهم . ورأت أن هذا التوجيه يقع بالدرجة الأولى على عاتق الأم وذلك لأن فضيلة المرأة الخاصة تتمثل في قدرتها على خلق العدالة والتناغم في البيت .. كما تلزم فضيلة النساء الخاصة الزوجات بأن يتصرفن بنوع من العدالة مع أزواجهن حتى عندما يعاملن هؤلاء الأزواج معاملة غير عادلة ..فإعادة النظام والتناغم من جديد تتحقق بالتصرفات النبيلة العادلة وبهذا تستطيع المرأة أن تكسب ود زوجها وتثبت له تميزها الأخلاقي فتصبح قدوته . (101)

أما جوليا فيلتن فافري (1834 – 1896)، فيلسوفة أخلاق، وعالمة تربية فرنسية، أهتمت بدراسة تاريـــخ الفلسفة الخلقية .. وكثيراً من آرائها الليبرالية تركز على التربية الخلقية وعلم النفس الخلقي .. وقد اعترفت بأن الأدوار الاجتماعية للنســـاء كزوجات، وأمهات، ومعلمات منحتهن القدرة على إسعاد الآخرين أو جعل حياتهم أكثر قيمة، وإضفاء السمة الأخلاقية على المجتمع .. فالتربية الخلقية تلعب دوراً مركزياً في تطوير المجتمعات ؛ ومن ثم يجب على الناس التمسك بالمثل الأخلاقية، والحرص على حياة الفضيلة . (102)

كما أن " حنة أرندت " Hannah Arendt (1906 – 1975 )، حاولت العيش في حياة فكرية سامية من كل السلوكيات المنحرفة . فاختارت أن تجرب على الأقــل، " أن تفهــــــــــــم "، والحصول على أساس للأخلاق ملائم لفعل التفكير ذاته . والعيش في وضع تكون فيه الحياة الفكرية مؤهلة لنا لأن نعالج القضايا من دون السماح لنا بالتنازل عن الحرية ؛ فنحن عندما نمارس حرية التفكير، والعمل، واتخاذ القرارات بشكل جيد نظل أصدقاء مع أنفسنا ( نتصالح مع انفسنا )، ومع الآخرين الذين نفكر معهم من أجل الحقيقة، في العالم الذي نتقاسمه معهم . وتؤكد أن الحياة الفكريــة يجب أن تشكل في حد ذاتها سبباً للحرص على الحياة العملية . (103)

 

ا.د. ابراهيم طلبه سلكها

رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة طنطا

مصر

...............

الهوامش

(90) Simon swift: op- cit , p-3 .

(91) Maurizio passerin d'Entreves: op- cit , p- 75 .

(92) ليو شتراوس: تاريخ الفلسفة السياسية، من ثيوكيديديس حتى اسبينوزا، ترجمة   د. محمود سيد أحمد، مراجعة وتقديم د/ إمام عبد الفتاح إمام، المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومى للترجمة، 2005 ص 29 .

(93) Maurizio passerin d'Entreves: op-cit, p-76 .

(94) Dana R. villa , politics , philosophy, terror, p- 128 .

(95) Maurizio passerin d'Entreves: op-cit , pp- 76-77 .

(96) Hannah Arendt: The Human condition , pp- 198-199 .

(97) Anthony F. lany, Jr. John Williams: op-cit, pp- 182-183 .

(98) Ibid, pp- 204-205 .

(99) Margaret Betz Hull: op – cit , p- 60 .

(100) Maurizio passerin d'Entreves: op-cit , p-77 .

(101) Ibid, p- 78 .

(102) Hannah Arendt: On Violence, pp- 44-46 .

راجع أيضاً: الترجمة العربية لهذا الكتاب ص ص 39 – 40 .

(103) Ibid, pp- 40-42 .

 

1mohamad bakoh – بؤس الفلسفة: المرض يتفلسف، مُوقعا نفسه كصوت صارخ لفيلسوف عدو للحياة .

الفلسفة هنا أداة للدعوة إلى الفضيلة والتحلي بالأخلاق، بحثا عن السعادة، والمثل العليا، في الزمن المفارِق، وليس هنا والآن، في الزمن المحايِث، بتعبير دولوز . فلا شك إذن، أن نيتشه عندما وجّه مطرقته النقدية الهدامة للفلسفة الأخلاقية، كان يعني بالدرجة الأولى، المؤسس الأصلي لهذه الفلسفة، شيخ الفلاسفة سقراط، وأفلاطون، في العهد الإغريقي المتأخر، بالإضافة إلى "عامل الفلسفة" كانط الذي عمّق جرح الفلسفة، باعتبارها نظر فكري تأملي، مع الحياة وليس ضدها . لهذا، كان نيتشه يعتبر نفسه دائما الصوت الفلسفي الصحي المضاد للتفلسفين : السقراطي والكانطي التابعين والمريضين، اللذين انحرفا جذريا بالوظيفة النقدية الطبيعية التأملية، والعملية الحقيقية للفلسفة، ليلقى بهذه الأخيرة الأنيقة والواضحة، إلى غياهب بيداء غموض الفلسفة الميتافيزيقية البئيسة، والمريضة والمعقدة، التي غيّبت التفلسف الفعلي، بل وأدته إلى ما لا نهاية، فوجدت الفلسفة نفسها، مع الفلاسفة اللاحقين في العصور الفلسفية الموالية، وعلى رأسهم هيغل، متورطة داخل متاهة غريبة لا حدود لها، جعلت جدل ماركس، وفريقه الفلسفي يعلن، في لحظة من لحظات حياته الفلسفية، موت الفلسفة، نتيجة تحوّل وظيفتها إلى أداة أيديولوجية، في أيدي جهات أخرى، أساءت إلى الفلسفة، بقدر ما أساءت إلى جوهر فعل التفلسف، وإلى حياة وجود الإنسان، ككائن طبيعي وثقافي بصفة عامة .. !!

من هنا، تساءل نيتشه حول الأسباب، التي دفعت الفيلسوف الأخلاقي، يختار الموقع الفكري والفلسفي الضعيف، لمّا اتخذ الفلسفة كأداة، وليس كهدف، لتأسيس تصوره الفلسفي التراجيدي للحياة . يعني الفيلسوف هنا يكون مع ما وراء الحياة الدنيا، ضدّ هذه الحياة الأرضية . يقول نيتشه : " ألا تتحول فلسفتنا هكذا إلى مأساة ؟ ألا تصير الحقيقة عدوة للحياة، للأفضل ؟ يبدو أن سؤالا ما يلح على لساننا، لكنه مع ذلك لا يريد أن يطرح نفسه : هل يمكن أن يستمر في الكذب ونحن نعلم ؟ ولو تطلب الأمر ذلك قطعا، ألا يكون الموت أفضل .. ؟ " 1 . إنها الأخلاق الفاضلة سبيلا لتحدي الموت، بدل سبيل التفلسف الوجودي، الذي اعتبر عند الفيلسوف الأخلاقي، خاصة أفلاطون، مجرد هرطقة وثرثرة لا نفع من ورائها.

 

2 – الفيلسوف النظري وغياب الحسّ التاريخي والواقعي لديه:

هو ذا صوت المرض يتفلسف، لنقل بداية المرض يتفلسف، حين يعرف الفيلسوف، وليس يعلم، عمق الحقيقة الفلسفية للحياة في الواقع، ويعجز عن البوح بها، كلما أحسّ بهمومها، وأدرك بهجتها دون القدرة على عيشها، أو لمسها بعقله الناظر الباحث والمتأمل، ليجد نفسه ضرورة في واقع الألم الممزوج بمتعة التفكير الفلسفي . غير أنه، ليس من الهيّن أن يبوح هذا الفيلسوف "المتألم"، واقعا، حسب نيتشه، بالحقيقة الفلسفية الأصلية، والخالصة في قوتها القديمة، كما مارسها فلاسفة الإغريق الطبيعيين مثلا، في الفترة ما قبل السقراطية، إن لم يتسلّح قدر المستطاع، بما يكفي من الحسّ التاريخي العملي، وبالنظر الفلسفي النقدي "المتأمل"، افتراضا، بعيدا عن منطق الانحباس المنفعل، داخل شرنقة أسئلة الذات الأخلاقية، والخوف الغريزي من حتمية النهاية الطبيعية . وبالتالي، تم اعتبار الحياة هنا، على هذه الأرض، وضعا "مشبوها" ومذنبا، يحتاج إلى تعليله، بتبرئته . يقول نيتشه في هذا الصدد : " ستسألونني عن كل ما يتعلق لدى الفلاسفة بالمزاح؟ إنه، مثلا، غياب الحس التاريخي لديهم، حقدهم على فكرة الصيرورة نفسها " 2 . أليس مفهوم الصيرورة، كمفهوم فلسفي، هو الواقع الحقيقي الذي فجّر ينبوع إلهام حكمة عمالقة الفلاسفة اليونانيين، كطاليس، وانكسمدريس، وهيرقليطس، وبارمنيدس .. إلخ، وأكسبهم، فعليا وضرورة، القوة العقلية، والقدرة النفسية والبدنية على مواجهة الاكراهات الطبيعية والبشرية، لمّا اكتشفوا يقينا هذا المبدأ الفلسفي، في واقع تجليات الحياة من حولهم؟؟

في المقابل، قذف نفس الاكتشاف ( مفهوم الصيرورة ) بالفلاسفة الأخلاقيين الفضلاء، إلى هوة الميتافيزيقا التي لا عمق لها .. ؟

 

3 – الفيلسوف العدمي: البحث في الأسئلة المعلقة في سقيفة الماورائية البعيدة عن الحياة:

كل من يرى أو يعتقد أنه لا جدوى من هذه الحياة، فهو إنسان عدمي . نعني الحياة على هذه الأرض . نستحضر هنا فلسفة شوبنهاور، التي كانت موضوع النقد اللاذع والساخر للنص الفلسفي النيتشوي، باعتبارها فلسفة عبثية وعدمية إلى أقصى حد . لأنها فلسفة اختارت لنفسها موقعا، فرض عليها أن تكون ضد الحياة، وعدوة للإنسانية . وهو نفس التوجه الفلسفي الذي سار عليه الموسيقار فاغنر، والشاعر غوثه . لهذا، كان لهما نصيبهم الوفير من هجوم ضربات نيتشه بمطرقته الفلسفية .

بالإضافة إلى أن أهم الوجهات الأخرى التي نالت حظها الأكبر، من ضربات مطرقة نيتشه النقدية والهدامة، هي الوجهة الدينية المسيحية، باعتبارها، من منظور نيتشه دائما، تفكير عدمي متخلف ومتشدد، لأنه يضمر كل العداء، والكره، والحقد الشديد، للحياة البشرية الأرضية . وبالتالي، ولهذا السبب، نظر إليها فيلسوفنا، في جميع كتاباته الفلسفية، وبجرأته المعهودة المميزة، كما لو كانت الوريث الشرعي للفلسفة النظرية، والعدمية الميتافيزيقية السقراطية المريضة . من هنا اعتبر نيتشه الفلسفة في عصره الحديث فلسفة مريضة، تحتاج إلى اللمسات الإشفائية للفيلسوف الطبيب الذي يجب أن يحمل، ليس جهاز التنصت والكشف التقليدي حول عنقه، بل مطرقة صلبة بين يديه القويتين، من قبيل مطرقة نيتشه نفسه. وهنا لا بد أن نؤكد على اعتبار النظر إلى فعل التفلسف، باعتباره علاج وشفاء للمجتمع الحديث، الذي هو حسب نيتشه مجتمع غارق في أمراضه وأعطابه وأوهامه، وليس لأي مجتمع كيفما كان، بالمطلق3 . لأن المجتمع الإغريقي وكذا الروماني، في الفترة ما قبل السقراطية، كان مجتمعا قويا وكله حيوية، ولم يكن في حاجة إلى الفيلسوف الطبيب، الذي لا جدوى من وجوده آنذاك، بقدر ما كان هذا المجتمع في حاجة ماسة إلى الفيلسوف الجينيالوجي والثائر الجريء المتأمل . وبالتالي، فنيتشه هنا، عندما مارس فعل التفلسف، مركزا على وظيفتها الطبية والعلاجية، والعلاج هنا يبدأ بهدم وتقويض أصنام الإرث الفكري السائد، والعقدي التقليدي المتخلف بطغيانه، إنما مارسه بالمعنى الفلسفي العميق، المرتبط بالدولة الحديثة، والإنسان الحديث في المجتمع الحديث الفاسد، أينما وجد ..، هذا المجتمع العليل والمحشو بكل أصناف التناقضات، كانت أوجهها البارزة الآلة والمال والاعلام، على حساب تبخيس أهل الفكر والنخبة المثقفة . لهذا كان نيتشه ينظر دوما إلى هذا المجتمع الحداثي الفاسد، ليس كمجتمع متقدم وقوي، كما يشاع ويطبل له، بل، على العكس، ينظر إليه باعتباره مجتمع مريض ومنحط، بل بكونه نتاج الدولة الفاسدة والمستبدة، التي هي " عنف منظم " 4، و "حيوان خبيث "5، يجب على الفيلسوف تجنبه، كلما استطاع إلى ذلك سبيلا .

لكن، يبقى السؤال المطروح: لماذا ظهور هذه الفلسفة العدمية المنفعلة ..؟ ولماذا .. هذا الأفول السريع والمفاجئ للفلسفة الفاعلة والقوية، بصفتها فلسفة للتأمل الطبيعي في الوجود، وليست مرضا بشريا يتفلسف ؟ ومن يكون الفيلسوف العدمي في أصله ؟

يجيبنا نيتشه، موجزا هذا الأمر المفارق، بقوله، أنه هو الفيلسوف الموزّع بين زوايا بوصلة الوهم، والذي ضحى بالفلسفة والمعرفة الفلسفية، من أجل تحصيل الحياة الأخرى، أو أية فكرة لها علاقة بعدم هذه الحياة، التي يعيشها الإنسان كل يوم هنا والآن . إنه الفيلسوف النظري والعدمي المريض بالتفكير الاستغراقي " في التأمل، بصفته فيلسوفا ومتوحدا بالفطرة، فقد وجد مصلحته في الحياة بعيدا، على الهامش، وجدها في الصبر، وفي التأجيل، والتأخير، مثل مفكر جسور وجريء غالبا ما تراه في متاهات العقل، مثل طائر نبوئي ينظر إلى الوراء حين يحكي عن المستقبل، أول عدمي كامل في أوربا، ولكنه قد تجاوز العدمية "6 .

 

4 – الفيلسوف الثائر: التأسيس الفعلي لفلسفة المستقبل، فلسفة الحياة وإرادة القوة

لا مناص من تحقيق التفلسف الحقيقي، إلا بتجاوز الفلسفة التقليدية، بصفتها السقراطية، والكانطية، والهيغلية .. إلخ، أي باعتبارها فلسفة أخلاقية سلبية، حاكم بها الفيلسوف النظري " المتألم " حياة الانسان على هذه الأرض، بحثا عن متعة حياة موهومة : هي حياة السعادة في الزمن المطلق، بعيدا عن فعل الأحاسيس الطبيعية، والنظر التأملي في حياة واقع التاريخ، وبالتالي، فلا يمكن مواجهة هذا الفيلسوف النظري المنحط والمريض، الذي اغتال الفلسفة والتفلسف الفعليين، بتعمقه اللامحدود، والمتورّط في أسئلته الخاطئة المفارِقة، إلا " بالسخرية والازدراء، تلك الأهواء التي تنمو في اتجاه المستقبل، وفي اتجاه سعادة أخروية "7 .

من هنا، فنيتشه، وبعد استنفاذه التام لكل السبل التفكيرية والبحثية والحوارية، ضدّ أسس وأصول تلك الفلسفة المعادية للتفلسف الحي والانسان والحياة ذاتها، بتعريتها والكشف عن مستورها المتعفن، توصّل إلى حقيقة فلسفية راهن عليها، مفادها أو لنقل " ستكون خاتمتها النظرية هي فلسفة الهدم " 8 .

غير أننا، آخرا وليس أخيرا، نجد أنفسنا مجبرين لطرح السؤال المقلق، الذي سبق أن طرحه نيتشه نفسه، على غريمه المضاد : شيخ الفلاسفة سقراط، لكن نطرحه هنا بطريقة مقلوبة : إذا كان كل من سقراط، وكانط، وحتى هيغل وشوبنهاور، مثلا .. قد سقطوا جميعهم في فخ التفكير الفلسفي الميتافيزيقي، لانشغالهم الكلي والأساسي، بموضوع الفلسفة (الإنسان)، أكثر من انشغالهم بالفلسفة ذاتها، كمفاهيم فلسفية تخترق جسم كلية الحياة، بتعبير دولوز..، فهل نجح فيلسوف المستقبل وإرادة القوة، في الابتعاد من جانبه عن فخ الميتافيزيقا، كما أراد لمشروعه الفلسفي أن يكون، ونهجه في كتاباته الفلسفية الأولى ؟ طبعا، الجواب عن هذا السؤال لا بد أن يكون بالنفي . لأن نيتشه، بالفعل نجح في تقويض أسس الفلسفة الميتافيزيقا، التي يبقى روحها مشتركا بين جميع الفلاسفة الفضلاء والأخلاقيين، إلا أنه، بإبداعاته الفلسفية الكبرى الأخيرة، من خلال مفاهيم فلسفية خالدة، من قبيل : العود الأبدي، والإنسان الأعلى .. وهي المفاهيم التي دشّن بها تصوره الفكري الجديد لفلسفة المستقبل، يكون قد سقط بدوره، ربما دور أن يدري، في فخ جحيم الميتافيزيقا، الذي لا مفر منه، باعتبار الصوت الفكري والفلسفي العميق لزارادشت، الموجّه أساسا لعوالم طبيعية وبشرية مفارِقة، بحث من خلاله نيتشه عن ماهية جديدة للإنسان الحديث (المعاصر لنيتشه)، في علاقته الوجودية والفلسفية والعملية، بكل تجليات ومظاهر الحياة، بمعناها الظاهر والمتواري؟؟

 

.......................

1 – نيتشه، إنسان مفرط في إنسانيته، ص 37

2 – نيتشه، أفول الأصنام، ص 23

3 – لحسن تفروت، نيتشه: الفيلسوف طبيب المجتمع، الحوار المتمدن، عدد 4715، 2015

4 – محمد الشيخ، نقد الحداثة في فكر نيتشه، ص 39

5 – محمد الشيخ، نفسه، ص 40

6 - نيتشه، إرادة القوة، ص 7 – 8

7 – نيتشه، إنسان مفرط في إنسانيته، ص 37

8 – نيتشه، نفسه، ص 37

zouhair khouildi"أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالحَا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ"

القرآن الكريم، سورة سبأ،الآية 11.

لو طبقنا الآن المقاربة الفلسفية السردية على الاسلام بشكل عام وعلى القرآن بشكل خاص وجعلنا من التقاطع بين الحدث والسرد نبراسا هاديا لفهم الدائرة الروحية للمعتقد الديني فإننا نطرح الاشكال الهرمينوطيقي المستعصي التالي: هل القرآن هو مجرد سرد لوقائع كونية وأحداث تاريخية أم هو أحسن القصص والبيان الاعجازي؟

والحق أن لقاء الحدث بالسرد على أرضية اللسان العربي وضمن مسطح المحايثة الذي تحركت فوقه فلسفة القرآن أفقيا رسم خطوط التقاطع بين الواقع والقصص دفعا لمعنى اليافع وصغير السن وقليل التجربة التي تفيض بها العبارة العربية ومطالبة بالتخلي عن أساطير الأولين واعتماد الحكمة والمجادلة بالتي هي أحسن. علاوة على أن الوحي حدث ليس من جهة قوة الدليل وثبات الحجة ومتانة البرهان وصدق الرسالة والكلام اليقين وفصل الخطاب والإحكام في التنزيل بل من جهة ضرب الأمثال الى الناس وأحسن القصص ومطابقته مع الواقع1[1]. على هذا المنظور إن الحدث هو الواقع في القرآن وليس المثال ولقد ورد في اثنين وعشرين مرة وأفاد ثمانية معان تتراوح بين الحسي والمعنوي وبين الفعل والانفعال وبين المطابقة والتصديق وبين الاعتقاد والإقرار وبين التمنى والمتحقق وهي كالآتي : -" ان الدين لواقع"، "مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم"، "وظنوا أنه واقع بهم"، " انما توعدون لواقع"، "ان عذاب ربك لواقع"، "سأل سائل بعذاب واقع".

- المعنى الأول ورد في الصيغة الفعلية ويشير الى وقوع الحدث، "فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون".

- المعنى الثاني يفيد امتداد الزمان ويتوزع الى مقام الدنيا ومآل الآخرة ويشير الى الذي وقع في الماضي وماهو بصدد الوقوع في الحاضر والى ما قد يقع في المستقبل، " اذا وقعت الواقعة . ليس لوقعتها كاذبة".

- المعنى الثالث هو الجزاء بالكسب ثوابا أو عقابا، "ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم".

- المعنى الرابع هو وقوع الوعد والوفاء بالوعيد صدقا بلا تكذيب، " انما توعدون لواقع".

- المعنى الخامس يدل على مواقع في الطبيعة والكون ووقوع أفعال البشر في العالم، "فلا أقسم بمواقع النجوم وانه قسم لو تعلمون عظيم".

- المعنى السادس يشير الى الاحترام والتقديس والطاعة والتوافق مع نظام الكون، " فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين".

لكن كيف يمثل القرآن هدى للناس ورحمة للعالمين اذا كان تنزيلا من عند الله في كتاب مبين يعلمه المتقين؟ أليس القرآن كريم و حكيم وجيد وعظيم ومعجز وحق وفيه شفاء ومنافع للناس ومحفوظ؟

لقد جاء في الذكر الحكيم:" ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل"، "على أن يأتوا بمثل هذا القرآن". والمقصود هو الاعتقاد من أجل والفهم من أجل الاعتقاد وإلمام القرآن بالحقيقة الكونية وسلامته من التحريف وحيلة التاريخ ومكره وعدم فقدانه لحوافه الدلالية ومحافظته على طاقته الاعجازية.

غاية المراد أن القرآن ليس مجرد كتاب يقرأ تنفيذا لللأمر القطعي الالهي للكائن الآدمي: إقرأ مثلما تقرأ الكتب المقدسة في الأناشيد الدينية ولا يمثل كتاب في السرد التاريخي للأحداث الماضية الخاصة بالأمم الغابرة بالمعنى الحصري للكلمة بل هو أحسن القصص ولقد ورد لفظ القصص في ستة وعشرين مرة[2]2.

تبعا لذلك ينتقل القرآن بالذوق من المعرفة الى الوجود ومن العلم الى العرفان ومن السرد الى القصص ومن الفهم والتأويل الى الالتزام والتطبيق ومن الحياة الروحية الى الوجود العملي وبهذا الشكل يمكن استخلاص ثمانية معان وجودية ومعرفية وايتيقية وجمالية وتعقلية للقص هي كالآتي:

- الاخبار عن التجارب الماضية من أجل تربية الوعي التاريخي، " ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل"

- ذكر أنباء وقعت في الماضي وتوقع أنباء أخرى في المستقبل، " تلك القرى نقص عليك من أنبائها"،

- الاتيان بالحجج والبينات والقرائن والبراهين على الصدق، " ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي"

- أخذ العبر واستخلاص الدروس والتعلم من التجارب، " فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف"، " لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب".

- اكتساب الثقة والأهلية في العلم وقول الصدق، " وكلا نقص عليك من انباء الرسل ما نثبت به فؤادك".

- تحصيل الجمال والاعتدال والانسجام والتوسط دون مبالغة او تضخيم، " نحن نقص عليك أحس القصص"، " قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا".

- التأويل والحدس والافتراض والتشكيل والتعبير، " قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك".

- تشرع الاختلاف والقبول بالتعددية في الرأي ويسمح بالانفتاح على الغيرية، "ان هذا القرآن يقص على بني اسرائيل أكثر الذين هم فيه يختلفون"

- متابعة الواقع ورصد الأحداث والتقاطها واستيعابها وتحقيق اليقظة والبصيرة والوعي بالمتغيرات التي تطرأ على العالم، "وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون"، " فلنقصص عليهم بعلم وما كنا غائبين".

- مشاهدة الحق ومعرفة لحقيقة والحضور في الذات ومطابقة الواقع وتحصيل العلم بالكائن، " نحن نقص عليك نبأهم بالحق"، " ان هذا لهو القصص الحق وما من اله الا الله"، "فلنقصن عليهم بعلم وماكنا غائبين"

- ممارسة التفكر وتحصيل الدراية بمجاري الأمور والتعقل عند الاختيار، " فاقصص القصص لعلهم يتفكرون".

لقد استفاد علماء القرآن من العارفين ولشعراء والفقهاء وعلماء اللغة والحماء من التحدي الالهي ومن الاعجازي القرآني البياني وحولوا التحدي الى طريق للابداع تنفيذا للآية الكريمة: "ائت بقرآن غير هذا أو بدله".لكن في نهاية المطاف متى يتوقف الناس عن اسقاط هموم الدنيا على آمال الآخرة والتكذيب بما جاء في الفرقان؟ " أعلينا جمعه وقرآنه"؟، وبالتحديد" أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها"؟

 

المصادر:

المصحف الشريف

د حسن حنفي، الوحي والواقع، تحليل المضمون، مركز الناقد الثقافي، دمشق، طبعة أولى 2010،

 

كاتب فلسفي

..............

[1] د حسن حنفي، الوحي والواقع، تحليل المضمون، مركز الناقد الثقافي، دمشق، طبعة أولى 2010، ص23-24.

[2] د حسن حنفي، الوحي والواقع، تحليل المضمون، مرجع مذكور، صص209-211.

zouhair khouildi"الحدث يفقد طبيعته الانفجارية ويفعل فعله بوصفه بالأحرى عرضا أو بَيِّنة"[1]

يشير الحدث événement في اللغة العادية الى الأمر الذي يقطع نسيج وتلاحم الحياة اليومية ويسترعي الانتباه. ومن المعروف أن المؤرخين والصحفيين يستعملون المصطلح بهذا المعنى ويدعون بأن مقابلة معينة قد تثير الضجيج حولها وتلفت الأنظار وتهز الرأي العام لكونها خرقت النسق المعتاد للأخبار ولكن في الحقيقة لا يمكن أن تعتبرحدثا حقيقيا وتاما بما أنها فارغة من كل قيمة وخالية من كل معنى وبالتالي هي لاحدث أو حدث مضاد.

على هذا النحو تدعي العلوم التاريخية ضمن جدول زمني أنها مطالبة بمسك الحدث وتوليه عناية لازمة وتعطيه القيمة التي يستحقها وتنزله ضمن احداثية خاصة بنسق اجتماعي معين. على خلاف ذلك تأتي الفلسفة لتطبق مصطلح الحدث على كل ما يأتي ويحدث وتبرر ذلك بأن كل ما يصير يمتلك أهمية معينة بالنسبة الى مجرى الأشياء ومسار الأفكار وصيرورة التاريخ. ان الصيرورة قد تكون مشوهة وقد تسقط في التكرار وتفقد القيمة وتبعث على الملل اذا لم تشهد بروز أحداث جديدة وقدوم أشياء مختلفة ووقوع ظواهر غريبة وغير معهودة وظهور فاعلين غير معروفين على مسرح السياسة والمجتمع والتاريخ. من جهة أخرى يدرك الحدث في الفيزياء على أنه نقطة في الزمكان أي الذي يتم انتاجه هناك وفي لحظة ما ضمن البعد الرابع حيث يلتقي الزمان والمكان في نقطة معينة من التكثف.

لقد جعل وايتهايد من مصطلح الحدث ركيزة أساسية في فلسفة الطبيعة ولقد ربط في كتابه مفهوم الطبيعة الذي نشره سنة 1919 الحدث بالتجربة واعتبره العنصر المتعين والأولي في الطبيعة، وكذلك نظر اليه على أنه العامل الموحد الذي يمسك ما يمر من الطبيعة، وبالتالي تعامل مع الأحداث باعتبارها قطع طبيعية حية، ولكنه بعد ذلك طور هذا المفهوم في مغامرات الأفكار وأدرجه ضمن شامة المقولة والمناسبة الراهنة وعده أحد العناصر التامة والأساسية التي تتعارض مع المواضيع الأبدية وتسهم في بناء الوحدة العلائقية للفهم المشترك والنظرة الموضوعة المشتركة. بناء على ذلك يعرف الحدث بالمعنى الفيزيائي على أنه مجموعة من المناسبات الراهنة والتي تتصل فيما بينها بطريقة محددة ضمن كم ممتد [2].

علاوة ذلك يمكن أن يمثل حدث معين قيمة ثانوية بالمقارنة مع مجموع الأحداث وضن اطار النسيج الثقافي ، ولكنه يحمل معه الجديد ويقدم الاضافة وغالبا ما تكون طرافته مخفية وأصالته غير قابلة للإدراك منذ الوهلة الأولى بل تتطلب التركيز والوعي. بهذا المعنى يتميز الحدث عن الظاهرة العلمية التي تقبل التكرار اذا ما كانت خاضعة من حيث المبدأ الى المنهج التجريبي، وبالتالي تهتم الفلسفة المعاصرة بالحدث بنفس الكيفية والمقدار والأهمية التي تتناولها مسألة المتعين والملموس والمعيش. كما يسعى الفكر الى تأسيس مصطلحاته المجردة على قاعة ملموسة وأرضية متعينة ويتعامل مع الصيرورة على أنها سلاسل من الأحداث المتقاطعة التي تظهر بشكل متواتر في الزمان وتساهم في تنظيمه وتجعل امكانية قياسه أمرا متاحا للإنسان. لقد بينت الفنومينولوجيا أن الزمن يمكن ادراكه من خلال التجربة الواعية وتعاقب الأحداث الحاضرة وتزامنها وحضورها بالنسبة الى الملاحظ في نفس الوقت ونفس المكان بالنسبة الى الوعي الادراكي للذات وضمن تجربة مشتركة مع الآخر.

لقد خضع مفهوم الحدث في الفكر المعاصر الى مقاربات متنوعة وتم تناوله من قبل الفلسفة والعلم والمنطق والتاريخ والاقتصاد ولقد وصل الأمر الى حد التعارض والتنافر في المناهج والتصورات وفي النتائج والأهداف. وتبعا لذلك يمكن تمييز ثلاثة أنماط من التفكير في الحدث:

1- سوسيولوجيا الحدث وخاصة مع كيوروQuéré وفيليب زارافيانZarifian اللذان تحركا ضمن اطار فلسفات الحدث عند جيل دولوز وألان باديو وحاولا اخضاعها الى سلطة الفعلaction وماوراء الفعلTransaction وبالخصوص داخل المجتمع والتاريخ وقاما بإدماج الحدث بالوضعية والوضع.

2- فنومينولوجيا الحدث وخاصة عند عمونيال ليفيناس وجان لوك ماريون وكان الحدث عندهما يعنيان اقتحام وهجمة وغزو من المتعالي أو نداء ودعوة تأتي من المجال المفارق وتطالب الذاتية بالإصغاء اليها وتلبيتها والاستجابة وذلك بالنظر الى كونها مسؤولة عن الغير حسب ليفيناس أو مستسلمة ومعتكفة ولا تتأسس إلا بواسطة تفاعلها من النداء وتلبيته الدعوة عند ماريون.

3- طوبوغرافيا الحدث أو موضعية الحدث ضمن إطار جغرافي وذلك حينما قام دولوز بتنزيل الحدث في المفرد أو في الجمع في حضن الأنساق والترتيبات والتنظيمات وعلى طول خطوط الهرب والافلات من قبضة الأنساق وضمن مسارات المحايثة الطويلة التي تغمر كل تموضع وتفيض على كل ذاتية.

من جهة ثانية يجمع ألان باديو بين هذه الأنماط التفكيرية الثلاثة السوسيولوجيا والفنومينولوجيا والطوبوغرافيا من أجل ايجاد تناول فلسفي متعدد الأبعاد حول الحدث وينظر اليه في ذات الوقت من جهة التعالي والكمون ومن جهة المفارقة والمحايثة ويتجه نحو اعتباره خاصية فكرية من درجة ثانية وحركة مابعد حدسية شاردة وتائهة وضالة وهائمة على وجها يجدر بالفكر التقاطها وتمعينها وإلباسها المفهوم وقولها عن طريق الكلمة.

في هذا السياق يعتبر القلب عند زاريفيان هو المكان الاجتماعي الذي تنصب فيه جميع الأحداث والموضع الذي يتم فيه ترتيب الأحداث وتنزيلها والخروج عنها والابتعاد بها، كما تمثل الكفاءة امكانية مواجهة معها.على سبيل الذكر لا الحصر يقدم جون ديوي من الناحية الفلسفية مقاربة براغماتية تسجل الحدث ضمن ماوراء الفعل وتضعه بصورة فعلية وتنزله حيث يتشكل المعنى وتدرجه ضمن التجربة باعتباره واقعة تتطلب الرصد والسبر والتحديد والتفهم.

في هذا الاطار يؤكد جيل دولوز على أمر هام يتمثل في التعامل مع الحدث من زاوية جغرافية موضعية وليس من زاوية تاريخية زمنية ويدفع بالحدث الى تنظيم خطوط الهرب وتأطير مسارات الترحل ضمن تدفق الرغبات. لقد وقعت الأحداث في أماكن معينة وأثارت الأرض وغيرت وجه العالم وبدلت أشكال الوعي وزلزلت بديهيات المعرفة وحركت بنية العقل وجددت شباب المجتمع وأزالت الحجب وألقت بالنظام في يم الفوضى وارتبط حدوثها بتوديع التقليد والتكرار وكسر عادة الاتباع واستنبات ممارسة الابداع والخلق وتجريب عدة أشكال من الابتكار والتجديد والإنشاء والتصميم.

مقتضى القول أن الحدث هو الذي يميز التجديد والإبداع والرد المناسب والاشتباك مع الواقع والمواجهة ، ولذلك يتجنب الابداع العودة الى الارض القديمة والمكوث على الوضع الحالي ويفضل الترحال على حوافي الوجود والسفر الى تخوم العالم وينبغي تثمين حدث متعال ومفارق مثل نزول الوحي وهبوط كائنات فوق آدمية وإجلال العلو.غير أنه يجب استحسان أحداث محايثة ودنيوية تقع في التاريخ وتغير العالم مثل الثورات السياسية والاكتشافات العلمية والتقدم التقني. لكن كيف يجيب الفكر بصورة عامة على الحدث؟وهل يمكن الرد بطريقة فلسفية على الأحداث المداهمة والفجائية ؟

من المعلوم أن نمط الرد الفلسفي على الحدث يختلف بين عمونيال ليفيناس وجيل دولوز وألان باديو. -عمونيال ليفيناس

الرد على الحدث المتعالي يقتضي من الذات الكف عن الإنتشاء بالانفصال وتحمل مسؤوليتها تجاه الغير وأن تكون في مستوى علو الأحداث التي وقعت وجسامة الخسائر وأن تعترض على الفضيحة والعار وترفض القتل باسم الهوية وتكشف عن براءة الوجه وصرخته ضد التمييز وتقيم علاقة ايتيقية مع العالم والمجتمع[3]. لقد فكر ليفيناس في حدث 1968 من زاوية فلسفته الخاصة وثمن ثورة الشبيبة الطلابية وتوقف عند قدراتها الابداعية والامكانيات التي تختزنها وجرأتها على التجديد والإبداع.

 

- جيل دولوز

لقد بحث دولوز في كل كتاباته عن طبيعة الحدث وتبين له بعد طول نظر وتجريب أن المفهوم هو الذي يجب أن يقول الحدث وليس الماهية وآيته على ذلك أن صنع الحدث هو الشيء أكثر الأحداث رهافة وحساسية في العالم ، وأن فعل العكس من ذلك هو تشكيل دراما أو تشكيل تاريخا هزليا. كما لا ينبغي أن يريد الإنسان ما يحدث له وفق نية سيئة تكتفي بالشكوى والتذمر والدفاع وتسقط في المحاكاة بل يجب أن يتحمل المعاناة والعذاب الى النقطة التي تنقلب فيها على الأحداث وتشرع في حياكة الحدث الأبرز وتخرجه من الظلمة الى النور وتظهره على الملأ في المفهوم الحي والصورة البلورية.

في الواقع لا يكون للفلسفة هدفا آخر غير أن تكون في مستوى الحدث. بعد ذلك لا يعتقد دولوز في الميديا وفي قدرتها أن تكون المنبع والمصدر التي تأتي منها الأحداث وتقع ولكنه يرى في كونها كافية في اظهار بداية الحدث والوصول به الى هدفه بينما الحدث مهما كان جزئيا فإنه يستمر الى نهايته ويستقطب عددا كبيرا من المشاهدين .

هكذا يوجد الزمن الضائع قبل الحدث وبعده ولكن الحدث هو الذي يستوعب الزمن الضائع ويحاول استعادته وتذكره ونفض الغبار عنه وامتلاكه والاستحواذ عليه.ان الزمن الضائع لا يوجد بين حدثين بل هو في داخل الحدث نفسه وينبغي ايقاظه من غفوته وتحريكه نحو التدفق.كما أن الفن هو الذي يدرك الحدث وليس الميديا وبالخصوص السينما التي تقدر على استنهاض الأحداث الغابرة.

في نفس الاتجاه الحدث يتم انتاجه دائما من قبل أجساد متقاطعة ومتشابكة تخترق النظام وتطمح الى اتمام صيرورتها. ان الرد على الحدث يكون ببناء المفهوم في الحدث وإدراج الحدث في المفهوم، لكن ماذا تفيد هذه البنائية في الواقع؟ وفيم يتمثل الحدث؟ وأين يخوض المواجهة ومع من ولماذا وماذا يريد؟

كل حدث هو ضجيج يحدثه صوت مجموعة من القطرات المائية على مسطح المحايثة وذلك حينما تنخرط في صيرورات من السقوط الذي لا يكف ولا يقطع ولا يكتمل ولا يصل الى مبتغاه ولا يبتلعه النظام بل يستمر في النهل من السديم. ان المحبة والحركة والموت والضحك هي كلها أحداث مبنية للمجهول وتسقط على الذات من جميع الاتجاه وتستبد بأحوالها وتعكر مزاجها.

في الواقع الفلسفة ليست ردا على الأحداث فحسب وإنما هي في حد ذاتها خلق للحدث وجواب حدثي عن طريق ابداع للمفهوم وترتيب جماعي للمقاومة. من هذا المنطلق تتجه حركة الفكر الى اشعال مواجهة محايثة للأحداث وتجعله متأرضنة بصورة ذاتية ضمن لعبة الفعل ورد الفعل وعلى أرض محايثة للحدث الغير والغير الحدثي. ولا يتطلب الأمر مراقبة الفكر الفلسفي للأحداث على صورة فاعل مستبد من الخارج بل يقتضي الأمر أن يكون المرء على مقربة من الأحداث وأن يجاور مكان حدوثها وأن يعاصر زمن وقوعها ويعيش لحظة انبثاقها وولادتها وانهمارها وتفجرها واشتدادها وتوهجها وانخفاضها وسكونها وخمودها وذهابها واضمحلالها. ان المواجهة ليست حدثا بين بقية الأحداث بل انها الحدث الأكبر في ماهيته وذلك لأنها تشارك في صنع الأحداث وتعمل على تحقيقها على أحسن وجه وتدفعها في حركة دائمة ضمن حاضرها المتغير وبالتالي تنخرط الحقيقة الأبدية للحدث ضمن تحققها الزمني وداخل حلقتها الابداعية وتتقمص جسد الابداع. لكن هل الحدث حسب ألان باديو هو ابداع داخل السلطة وبمسايرتها أم بالخروج عنها والتضاد معها؟ هل يوسع الحدث من نظام السلطة أم يعيد انتاجها بصورة مختلفة ؟ الابداع هو انقلاب في الأحداث وتغيير في نسق حدوثها بل هو حدث مطلق ومغاير للمجرى العادي لايقاع الزمن ومسار التاريخ البشري وبالتالي: "الحدث هو شيء معين يسمح بانبثاق امكانية تنفلت من رقابة المكنات بواسطة السلطة المهيمنة"[4]. لكن كيف ساهمت المقاربة الوضعية في تلاشي موضوع الحدث وتقلص الاهتمام به في العملية التفسيرية وتم الانتصار للقانون واعتماد البنية في تحليل الوقائع وصياغة العلاقات بين الأشياء والأفعال؟

 

كاتب فلسفي

...............

الهوامش والإحالات:

Les notions philosophiques, événement, Editions PUF, Paris, 1990, p907

 

Emmanuel Levinas, Humanisme de l’autre homme, Edition le livre de poche, Paris,1990, pp112-113.

Alain Badiou, avec F.Tardy, la philosophie de l’événement, Meaux, Germina, 2010, p20.

بول ريكور، الزمان والسرد، القسم الأول، ترجمة سعيد الغانمي وفلاح رحيم، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، 2006.

ibrahim telbasilkhaالميتافيزيقا التى وقف الإمام الغزالى عندها وأراد أن يجتث الأساس الذى تقوم عليه هى تلك المحاولات المستمرة التى بدأت منذ العهد اليونانى القديم ولا تزال لبناء "ما وراء الطبيعة" على العقل . إنها هى المحاولات العقلية لاختراع ما وراء الطبيعة وابتداعه بحيث يأخذ العقل حريته فى الإثبات والنفى غير متأثر إلا بمقاييسه هو التى يفرضها . وإذا كان العقل قد اشتغل بالطبيعة والرياضيات وإذا كانت الطبيعيات والرياضيات قد أدخلت فى الفلسفة كأجزاء لها فإن الهدف الأول للإمام الغزالى هو جانب ما وراء الطبيعة .(1)

ومما لا شك فيه أن العقل قد أنتج ثمارا يانعة فى الطبيعيات والرياضيات: لقد أقام القواعد المحكمة ونظم المبادئ المتقنة وانتهى به الأمر إلى أن شيد الطبيعيات والرياضيات على أسس متينة . وكان الأمر كذلك فى هذين الميدانين لأن العقل يعمل فى دائرة اختصاصه ودائرة اختصاصه وإنما هى الماديات والمحسوسات أو ما يتمثل فيهما حينما يوجد خارج الذهن كالرياضيات . وغر هذا النجاح قوما فاعتقدوا أن فى استطاعة العقل أن يجول فى كل ميدان فى استطاعته أن يجول فى الطبيعة وفى ما وراء الطبيعة فى العالم وفى ما وراء العالم فى المادة وفى المجردات فى عالم الشهادة وفى عالم الغيب وكانت النتيجة أن أقحموا العقل فى عالم ما وراء الطبيعة فكانت الفلسفة الإلهية العقلية وكان الإخفاق التام للعقل فى هذا الميدان.(2)

ولقد حاول الغزالى أن يدلل على إخفاق العقل فى مجال الإلهيات فبذل جهدا كبيرا فى تفنيد أراء الميتافيزيقيين وإثبات زيف تعاليمهم . فأقبل فى البداية على دراسة الفلسفة وبلغ فيها مبلغا كبيرا وهذا من منطلق إيمانه " بأنه لا يقف على فساد نوع من العلوم من لا يقف على منتهى ذلك العلم حتى يساوى أعلمهم فى أصل ذلك العلم ثم يزيد عليه ويجاوز درجته فيطلع على ما لم يطلع عليه صاحب العلم من غور وغائلة "(3)

كما كان الغزالى يؤمن دائما بأن تفنيد أى مذهب قبل فهمه والاطلاع عليه رمى فى عماية . ولهذا نجده وقد شمر عن ساق الجد فى تحصيل الفلسفة من الكتب بالمطالعة من غير الاستعانة بأستاذ وكان يفعل ذلك فى أوقات فراغه لأنه كان مشغولا دائما بتصنيف العلوم الشرعية وتدريسها للطلبة ببغداد .

ويعد أن انتهى الغزالى من المطالعة وفهم كتب الفلاسفة وأفكارهم رآهم أصنافا إنهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: الدهريون، والطبيعيون والإلهيون .(4)

 

الصنف الأول: الدهريون

وهم طائفة من الأقدمين جحدوا الصانع المدبر العالم القادر، وزعموا أن العالم لم يزل موجودا كذلك بنفسه بلا صانع ولم يزل الحيوان من النطفة والنطفة من الحيوان كذلك كان وكذلك يكون أبدا . وهؤلاء هم الزنادقة .

 

الصنف الثانى: الطبيعيون

وهم قوم أكثروا بحثهم عن عالم الطبيعة وعن عجائب الحيوان والنبات وأكثروا الخوض فى علم تشريح أعضاء الحيوان فرأوا فيها من عجائب صنع الله تعالى وبدائع حكمته ما اضطروا معه إلى الاعتراف بفاطر حكيم مطلع على غايات الأمور ومقاصدها ... إلا أن هؤلاء لكثرة بحثهم عن الطبيعة ظنوا أن القوة العاقلة من الإنسان تابعة لمزاجه وأنها تبطل ببطلان مزاجه فتنعدم ثم إذا أعدمت فلا يعقل إعادة المعدوم كما زعموا . فذهبوا إلى أن النفس تموت ولا تعود فجحدوا الآخرة وأنكروا الجنة والنار والقيامة والحساب فلم يبق عندهم للطاعة ثواب ولا للمعصية عقاب فانحل عنهم اللجام وانهمكوا فى الشهوات انهماك الأنعام وهؤلاء أيضا زنادقة لأن أصل الإيمان: هو الإيمان بالله واليوم الآخر وهؤلاء جحدوا اليوم الآخر وإن آمنوا بالله وصفاته .

 

الصنف الثالث: الإلهيون

وهم المتأخرون منهم مثل: سقراط وأفلاطون وأرسطو وهؤلاء جملة قد ردوا على الصنفين الأولين من الدهرية والطبيعية وأوردوا فى الكشف عن فضائحهم ما أغنوا به غيرهم لقد رد أرسطاطاليس على أفلاطون وسقراط ومن كان قبلهم من الإلهيين ردا لم يقصر فيه حتى تبرأ من جميعهم إلا أنه استبقى أيضا من رذائل كفرهم وبدعتهم بقايا لم يوفق للنزوع عنها فوجب تكفيرهم وتكفير شيعتهم من المتفلسفة الإسلاميين كابن سينا والفارابى وغيرهما .

ورأى الغزالى أيضا أن علوم الفلاسفة بالنسبة إلى الغرض الذى تطلبه ستة أقسام: رياضية ومنطقية وإلهية وطبيعية وسياسية وخلقية .(5)

الرياضيات: تتعلق بالحساب والهندسة وعلم هيئة العالم وليس يتعلق شيئا منها بالأمور الدينية نفيا وإثباتا بل هى أمور برهانية لا سبيل إلى مجاحدتها بعد فهمها ومعرفتها . ولكن قد يتولد منها آفة إذا ظن المتعلم أن جميع علوم الفلاسفة هى فى الوضوح ووثاقه البرهان كالرياضيات . ثم يكون قد سمع من كفرهم وتعطيلهم وتهاونهم بالشرع ما تداولته الألسنة فيكفر بالتقليد المحض ويقول لو كان الدين حقا لما اختفى على هؤلاء مع تدقيقهم فى هذا العلم .

فهذه آفة عظيمة لأجلها يجب زجر كل من يخوض فى تلك العلوم فإنها وإن لم تتعلق بأمر الدين ولكن لما كانت من مبادئ علومهم سرى إليه شرهم وشؤمهم فقل من يخوض فيها إلا وينخلع من الدين وينحل عن رأسه لجام التقوى .

المنطقيات: لا يتعلق شئ منها بالدين نفيا وإثباتا بل هى النظر فى طرق الأدلة والمقاييس وشروط مقدمات البرهان وكيفية تركيبها وشروط الحد الصحيح وكيفية ترتيبه . إلا أن أهل المنطق عند الانتهاء إلى المقاصد الدينية لا يمكنهم الوفاء بشروط البرهان بل تساهلوا غاية التساهل .

الإلهيات: فيها أكثر أغاليط الفلاسفة فما قدروا على الوفاء بالبرهان على ما شرطوه فى المنطق ومجموع ما غلطوا فيه يرجع إلى عشرين مسألة يجب تكفيرهم فى ثلاث منها وتبديعهم فى سبع عشرة.(6)

الأولى: إبطال مذهبهم فى أزلية العالم .

الثانية: إبطال مذهبهم فى أبدية العالم .

الثالثة: بيان تلبيسهم فى قولهم:أن الله صانع العالم وأن العالم صنعه .

الرابعة: فى تعجيزهم عن إثبات الصانع .

الخامسة: فى تعجيزهم عن إقامة الدليل على استحالة إلهين .

السادسة: فى إبطال مذهبهم فى نفى الصفات .

السابعة: فى إبطال قولهم: أن ذات الأول لا تنقسم بالجنس والفصل .

الثامنة: فى إبطال قولهم: أن الأول موجود بسيط بلا ماهية .

التاسعة: فى تعجيزهم عن بيان أن الأول ليس بجسم .

العاشرة: فى بيان أن القول بالدهر ونفى الصانع لازم لهم

الحادية عشرة: فى تعجيزهم عن القول بأن الأول يعلم غيره .

الثانية عشرة: فى تعجيزهم عن القول بأنه يعلم ذاته .

الثالثة عشرة: فى إبطال قولهم: أن الأول لا يعلم الجزئيات .

الرابعة عشرة: فى قولهم أن السماء حيوان متحرك بالإرادة

الخامسة عشرة: فى إبطال ما ذكروه من الغرض المحرك للسماء .

السادسة عشرة: فى إبطال قولهم: أن نفوس السماوات تعلم جميع الجزئيات .

السابعة عشرة: فى إبطال قولهم باستحالة غرق العادات .

الثامنة عشرة: فى قولهم: أن نفس الإنسان جوهر قائم بنفسه ليس بجسم ولا بعرض .

التاسعة عشرة: فى قولهم باستحالة الفناء على النفوس البشرية .

العشرون: فى إبطال أفكارهم لبعث الأجساد مع التلذذ والتألم فى الجنة والنار باللذات والآلام الجسمانية .

والمسائل الثلاث التى خالفوا فيها كافة المسلمين ولذلك يكفرهم فيها الغزالى هى:

1- قولهم بقدم العالم وأزليته .

2- قولهم أن الله تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات .

3- إنكارهم حشر الأجساد .

ومن خلال موقف الغزالى من علوم الفلاسفة ومحاولته بيان تهافت آرائهم وتناقض كلمتهم فيما يتعلق بالإلهيات وكشفه لغوائل مذهبهم وعوراته يتضح لنا أن الغزالى لا ينكر الحقائق العلمية سواء أكانت رياضية أم طبيعية بل يقول إن الحساب والهندسة والفلك والطبيعيات علوم حقيقية لا شك فى صحة براهينها وفائدة استنتاجاتها . لكن العلم عنده محدد النطاق فكما أنه لا يجوز بناء العلوم على الاعتقاد كذلك لا يجوز حصر الدين فى أحكام العقل وبراهين المنطق فالعلم يستند إلى العقل والدين ينطلق من القلب .

فالرياضيات ليست فى حد ذاتها ممنوعة وإنما يمنع عنها الضعيف حتى لا يقوده وضوحها إلى الانزلاق والانسياق مع حسن الظن وراء الفلاسفة فيقلدهم فى أمور الدين كما يقلدهم فى الرياضيات . والمنطقيات أو ما يسميها الغزالى مدارك العقول هى كالرياضيات أمور عقلية مسلمة إلا أن الفلاسفة ما استطاعوا تحقيق شروط الدليل من المنطق فى الإلهيات كما استطاعوا تحقيقه فى الرياضيات .(7)

ويرى الغزالى أن الفلاسفة قد عجزوا عن الوفاء بشروط المنطق فى الإلهيات لأنهم استخدموا المنطق فى فهم ما لا يصلح لفهمه لقد دفعهم الغرور إلى وزن الأمور الربوبية بميزان العقول أو الظنون وزاغوا عن سبل الحق والهدى " وهكذا يفعل الله بالزائغين عن سبيله والناكبين لطريق الهدى المنكرين الظانين بالله ظن السوء المعتقدين أن الأمور الربوبية تستولى على كنهها القوى البشرية المغرورين بعقولهم زاعمين أن فيها مندوحة عن تقليد الرسل وأتباعهم ".(8)

لقد تصور الفلاسفة الأمور فى الإلهيات على قدر ما وجدوه وعقلوه وما لم يألفوه قدروا استحالته .. فهم يحكمون بظن وتخمين من غير تحقيق ويقين على صدق علومهم الإلهية بظهور العلوم الحسابية والمنطقية ويستدرجون به ضعفاء العقول . ولو كانت علومهم الإلهية متقنة البراهين نقية عن التخمين كعلومهم الحسابية لما اختلفوا فيها كما لم يختلفوا فى الحسابية .(9)

ولكل هذه الاعتبارات يهاجم الغزالى أنصار الميتافيزيقا لأنهم قد بالغوا فى إيمانهم بقدرة العقل على المعرفة حتى بسطوا سلطانه على الإلهيات نفسها لقد أخطئوا فى توسيعهم سلطان العقل أكثر ما يمكن أن يتسع له من معارف ولذلك قد انحرفوا عن الطريق المستقيم .... وإذا كان بعض المؤرخين يعتبرون أرسطو أكبر عقلية فلسفية ظهرت على وجه التاريخ فهو أيضا أشهر الذين انهار مذهبهم فى عالم ما وراء الطبيعة . ويعد إخفاق عقله هذا الكبير فيما يختص بمعرفة الغيب من أوضح الأدلة على أن عالم الغيب أسمى من أن يتناوله العقل البشرى الخطاء . ولقد كانت الاعتراضات على مذهبه قوية عامة شاملة حتى أن تلاميذه دب اليأس فى نفوسهم من إقامة عالم ما وراء الطبيعة على أساس العقل فلم يمكنهم أن يردوا على الاعتراضات ورأوا أنه إذا كان أستاذهم أخفق هذا الإخفاق فى عالم الغيب فأنهم سيخفقون من باب أولى لو حاولوا إقامة مذهب فى الإلهيات جديد. (10)

انصرف إذن تلاميذ أرسطو عن عالم ما وراء الطبيعة واتجهوا إلى عالم الطبيعة والأخلاق ... ولذلك رأى الإمام الغزالى أن طريق الميتافيزيقا طريق مسدود ولابد من محاربة هذا العبث الذى يسمونه "الفلسفة العقلية" لابد من محاربته لأسباب عدة: فهو إضاعة للوقت وهو تشكيك للبشرية وزعزعة للإيمان وليس له من نتيجة إلا التفرق والاختلاف وتوهين المقدسات على أنه إذا كان الغزالى يلتمس لليونان العذر فى معالجة هذا الموضوع لعدم وجود الوحى المعصوم الذى يهديهم الطريق وينير لهم الظلام فليس هناك من عذر للمسلمين وبين أيديهم رسالة السماء ممثلة فى "القرآن الكريم " (11)

ومن الواضح أن حملة الغزالى إنما كانت موجهة أولا وبالذات إلى العقل . والقضية المتنازع عليها هى قضية استطاعة العقل الوصول إلى المعرفة اليقينية فى عالم "ما وراء الطبيعة" الإمام الغزالى ينكر ويثبت إنكاره بالإخفاء المتتابع للفلسفة ويثبته أيضا بهدم العقل لكل ما بناه العقل نفسه فى هذا الميدان .(12)

فمجال العقل ضيق وخطاه قاصرة ولا يمكنه أن يتجاوز حدود هذا العالم إلى العالم الآخر فهو لا يعرف بالتجربة ما ينفع أو يضر فى الآخرة ولا يهتدى إلى ما بعد الموت إنه لا يصل إلى الإدراك إلا عن طريق التجربة ولا مجال للتجربة فى العالم الآخر . وعامة فإن شكوك الغزالى فى أحكام العقل لم تنشأ إلا فى سبيل الدفاع عن حقيقة الدين . ولذلك نجده لم يتردد أبدا فى التضحية بالعقل عندما يتعارض مع سلطان العقيدة فالعقيدة عنده فى المنزلة الأولى والعقل فى المنزلة الثانية وهو يقصر مهمة العقل من الدين على الشهادة بصدق النبوة إذ أن سلطانه لا يمتد إلى أبعد من ذلك .

وعامة كان الغزالى معنيا ببيان عجز العقل الإنسانى عن إدراك حقيقة الوجود وأن له حدا يجب الوقوف عنده ... يقول الأستاذ "بلاسيوس" بحق " إن الغزالى حينما سمى كتابه (تهافت الفلاسفة) كان يريد أن يمثل لنا أن العقل يبحث عن الحقيقة ويريد الوصول إليها كما يبحث البعوض عن ضوء النهار: فإذا أبصر شعاعا يشبه نور الحقيقة انخدع به فرمى بنفسه عليه وتهافت فيه ولكنه يخطئ مخدوعا بأقيسة منطقية خاطئة فيهلك كما يهلك البعوض ".(13)

وقصارى القول إن العقل – فيما يرى الغزالى – لا يمكن الاعتماد عليه فى إدراك ما وراء الطبيعة من أسرار وإنما يجب الاعتماد فى ذلك على الشرع وحده . ومن هنا أراد الغزالى أن يهدم مذاهب الفلاسفة لاختلاف آرائهم وتباين وجهات نظرهم لاسيما فيما يتعلق بما وراء الطبيعة ويبين لمن ظن أن مسالكهم نقية عن التناقض وجود تهافتهم ولبس مواقفهم . وأن العقل يمكنه أن يضع براهين وأدلة على إثبات قضية ما وعلى نفيها فى آن واحد كما هو الحال بالنسبة لتصوراته فيما وراء الطبيعة فهو لا قدرة له على طرق هذا المجال وارتياد آفاقه إذ لا يمكنه أن يظفر فيه بحقيقة ولا يمكن أن نزن به أية مسألة تتعلق بالأمور الماورائية.

 

ا.د.ابراهيم طلبه سلكها

رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة طنطا

.......................

الهوامش

1- أندريه كريسون: المشكلة الأخلاقية والفلاسفة ترجمة د . عبد الحليم محمود مطابع دار الشعب بالقاهرة 1979م ص 38 المقدمة – بقلم المترجم .

2- الموضع نفسه .

3- الغزالى " أبى حامد محمد ": المنقذ من الضلال والموصل إلى ذى العزة والجلال حققه وقدم له د . جميل صليبا د. كامل عياد بيروت دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع ص 94 .

4- المرجع نفسه: ص ص 96 – 98 .

5- المرجع نفسه: ص ص 100 – 106 .

6- الغزالى " أبى حامد محمد ": تهافت الفلاسفة تقديم وضبط وتعليق د. جيرار جهامى بيروت دار الفكر اللبنانى ص ص 37 – 38 .

7- فكتور سعيد باسيل: منهج البحث عن المعرفة عند الغزالى بيروت دار الكتاب اللبنانى ص 168 .

8- المرجع نفسه: ص ص 168 – 169 .

9- الغزالى " أبى حامد محمد ": تهافت الفلاسفة ص 31 .

10- أندريه كريسون: مرجع سابق ص 39 .

11- المرجع نفسه ص 42 .

12- الموضع نفسه .

13- الموضع نفسه .

 

akeel alabodهنالك قبة تختلف في مبناها وهيبتها تماماً عن قباب الأضرحة الشامخة، تلك التي تنتصب شاهقة امام أعيننا في عالم المادة، القبة التي رسمها وخطط لها صاحبي، لها من القدسية ما يجعلها اكثر تميزا وعظمة وبهاء عن غيرها من القباب، فهي عبارة عن فضاء مقدس، وروح لا يسكنها الضجيج، ولا الخواء هذا الذي يدب في دواخلنا، وتلك لغة تحتاج الى معركة وإرادة مريرتين، فالروح اي النفس بحركتها عبارة عن كيفية متغيرة، هذه الكيفية لها علاقة بطبيعة ما يجول في مشاعر الانسان وعقله وحسه وعلاقاته مع الموجودات.

جلس صاحبي بعيدا عن ضجيج الآخرين، راح يفكر بطريقة تمكنه ان يستكمل دائرة أفكاره؛ وهي عبارة عن مجموعة معادلات رياضية وفيزيائية لها علاقة بحركة المادة وعلاقتها مع الوجود. الوجود لم يكن دائرة مغلقة، كما هو ليس نقيضا للعدم؛ فالعدم وجود غير مدرك، وبهذا اللامدرك يستكمل الزمان حقيقته الوجودية، ليصبح على تماس مع المدركات تلك التي تحيط وجوداتنا المتحركة في عالم المكان.

هذه المدركات لها أنماط ومسارات وصور مختلفة وهذه الأنماط هي التي تجعل من الانسان كائن متصارع مع ذاته المتغيرة، كائن يحتاج لان يحقق وجوده المتغير بغية اعادة الارتباط مع الذوات "والماهيات" الاخرى بطريقة جديدة. لقد أدرك صاحبي ان عليه مسؤولية تفرض عليه لغة وعلاقات وحياة غير تلك التي ما زال يألف اليها . فبدلا من الاستمرار في مشروعه الاول؛ ذلك الذي ارتبط به منذ ان حطت أقدامه عالم الفلسفة، صار عليه ان يتحمل أعباء عمل يتطلب منه ان ينصرف عن عمله القديم ويتجه لعمل وعلم جديدين في اللغة والأصوات والمقاطع، وهذا يحتاج جهدا اكبر، ومسؤولية اصعب، كونه يفرض عليه ان يتعايش مع التلاميذ بطريقة معلم متمكن من اداء مهنته الشائقة هذه، لقد تغيرت معادلات الزمان والمكان بعد ان تغيرت لغة الموضوع الذي يحتاج منه لان يكرس كل وقته لأجله وهذا ليس بالأمر اليسير، سيما وان ما يجري في الواقع يفرض تقاطعات وحواجز من الصعوبة تجاوزها؛ فهي تشبه الى حد ما ساحة حرب تطوقها بنادق الطرف المعادي، سيما ونحن أزمة التعامل مع السرعة والتكنولوجيا والقيم والمعرفة وتلك قيود لها علاقة بمساحة الحركة الزمانية والمكانية للعقل المنتج.

هنا بحسب شروط قبته المقدسة، أيقن صاحبي ان الإبداع لم يأت عندما يكون الانسان متصالحا مع ذاته، اي على وتيرة واحدة معها، بل لا بد عليه ان يكابد عناء عدمه الوجودي، ليصل الى وجوده العدمي، هذا التجدد هو الجبروت، وهو الإبداع الذي نحتاج الى إدراكه .

emadadeen ibrahimهناك سؤال يدور في أذهان الكثيرين منذ زمن بعيد، ما طبيعة العلاقة بين الفلسفة والعلم؟ هل هي علاقة تكامل واتفاق أم علاقة صراع وصدام؟ الإجابة هي انه رغم اختلاف طبيعة الفلسفة عن العلم إلا أن العلاقة بينهما هي علاقة تكامل واتفاق، فكلاهما يمثلان مصدرين أساسيين من مصادر لمعرفة، ولاغني لإحداهما عن الأخر. ورغم ذلك غالبا ما يتم الخلط بين العلم والفلسفة وهذا خطا شائع. ويجب أن نوضح اختلاف طبيعة العلم عن الفلسفة لان التناول العلمي لقضية ما يختلف تماما عن التناول الفلسفي لها. ونشير إلي حقيقة تاريخية هامة وهي العلوم نشأت في أحضان الفلسفة وهذا وضح في مدرسة أيونيا عند الفلاسفة الطبيعيون الأوائل أمثال طاليس وغيرها هم كانوا يبحثون عن المصدر الأساسي والعنصر الجوهري الذي يقف وراء التغيرات التي تحدث في الكون. ورغم الاختلاف بين طبيعة العلم والفلسفة إلا انه يوجد بعض الفلاسفة حاول الخلط بينهما في محاولة لتغيير طبيعة الفلسفة لتتفق مع طبيعة العلم ومن هولاء (هيجل) الذي قال أن الأمر الذي عقدت عليه العزم هو المشاركة بجهدي في أن تقترب الفلسفة من هدفها وتتمكن من طرح الاسم الذي توصف به وهو حب العلم من اجل ان تصبح علما حقيقيا. ومما لاشك فيه أن من القواسم المشتركة بين العلم والفلسفة وصلات القربى هي أن تطور العلم هو تطور للفلسفة والعكس صحيح، فتطور الفكر الفلسفي ارتبط إلي حد كبير بتطور العلم. ولو رجعنا الي بعض محاورات أفلاطون لتحققنا من أن اكتشاف الفيثاغوريين لبعض الحقائق الرياضية قد كان أصلا من الأصول الهامة التي صدرت عنها نظرية أفلاطون في المثل. وكذلك فلسفة ديكارت مدينة بالكثير من أصولها لما وصل إليه العلم علي يد جاليليو. ورغم من هذه الصلات الوثيقة إلا أن هناك فروق واختلافات جوهرية بين الفلسفة والعلم لا نسطيع أن نغض الطرف عنها منها:

- يهدف العلم إلي وصف الظواهر وكيفية حدوثها، اما الفلسفة فهي تحاول تفسير ما وصل إليه العلم، إذ العلم وصفي والفلسفة تفسيرية.

- العلم موضوعي وتجريبي أما الفلسفة ذاتية شخصية.

- أيضا من أهم الفروق العلم امبريقي حدوده العالم المحسوس، أما الفلسفة فهي تتجاوز حدود العالم المحسوس إلي ماوراء العالم المحسوس.

- العلم جزئي أما الفلسفة فهي كلية تبحث عن العلل الأولي .

إذن العلاقة وثيقة والصلة حميمة بين الفلسفة والعلم والعلاقة توافقية وتكاملية رغم اختلاف طبيعة كل منهما عن الآخر، علينا أن نحترم هذا الاختلاف بين طبيعة العلم والفلسفة ولا نحاول أن نختزل أحداهما إلي الأخر، فهما بينهما اختلاف لكن لا يودي إلي التعارض والصدام، لان طبيعة العلاقة تكاملية يكمل كل منهما الأخر في النظر إلي الكون ولكن كل بمنظاره في الرؤية. فالفيلسوف صاحب رؤية شمولية كلية للكون، اما العالم فهو صاحب رؤية متخصصة جزئية، وليس أدل علي التكامل بينهما من فلسفة العلم التي تجمع بين العلم والفلسفة في إطار واحد .  

 

دكتور عماد الدين إبراهيم عبد الرازق

أستاذ الفلسفة المساعد بآداب بني سويف

نقصد بالقبليات المعرفية ما هو أعم من مفهوم (المعارف القبلية) الوارد ذكرها في المباحث الفلسفية. فعادة ما يُقصد بالمفهوم الأخير هو كل معرفة عقلية سابقة للحس والتجربة. أما المعنى الذي نريده من مصطلح القبليات فهو كل معرفة تسبق دراسة الموضوع المطروح. فمثلاً إذا كانت القضايا الحسية تعتبر من البعديات لدى التفكير الفلسفي أو العقلي بإطلاق؛ فإنها تعتبر في الوقت ذاته من القبليات المعرفية لدى قراءة النص الديني وفهمه. فمن حيث الحس - مثلاً - نعلم انه ليس للأشياء المادية إرادة، وهي قضية بعدية وليست قبلية بالنسبة إلى التفكير العقلي بإطلاق. لكنها تقع موقع القبليات المعرفية في فهم الكثير من النصوص الدينية، كقوله تعالى: (فوجدا فيها جداراً يريد ان ينقض فأقامه)[1]، إذ طبقاً لمعرفتنا القبلية المتمثلة بمعرفتنا الحسية؛ لا يمكن أن نفسر إرادة الجدار بالمعنى الحقيقي للإرادة.ويمكن حصول العكس، وهو ان البعديات في الفهم الديني وقراءة النص قد تصبح من القبليات في المعرفة المتعلقة بالأمور الخارجية، ومن ذلك ما يصرح به النص من وجود الملائكة أو الجن وما اليه، فهو من القبليات الدينية مقارنة بما عليه الواقع الموضوعي والوجود الخارجي، بإعتبار ان معرفته ليست مستمدة من التجربة والحس، كما انها ليست عقلية ولا وجدانية.

وبالتالي قد يكون النشاط الذهني متعاكساً في ممارسته للقبليات مقارنة بالبعديات. فمثلاً يمكن أن يكون الفهم الديني قائماً على القبليات العلمية أو الفلسفية أو غيرها، وقد يحصل العكس أيضاً، كما في حالة تفسير القضايا العلمية والفلسفية إستناداً إلى اسقاطات القبليات الدينية.

ومن حيث العموم إن لقبليات المعرفة أشكالاً من البنى النسبية المتنوعة، فقد تكون القبليات دينية بيانية، أو واقعية إخبارية، أو عقلية صرفة، أو حدسية كشفية. كما قد تكون القبليات اسطورية أو نفسية أو غيرها مما تفتقر للإعتبار عادة. فالبنى الأربع الأولى هي موضع التعويل المنضبط لدى ممارسة التفكير الذهني في القضايا المطروحة. ويقابلها البعديات، فلكل من القبليات السابقة بعدياتها، وكل منها يتصف بالنسبية، فالقبليات بالنسبة لقضايا معينة قد تكون بعديات بالنسبة لقضايا أخرى مختلفة، والعكس بالعكس.

فالمعارف المستمدة من ذات الموضوع المطروح للبحث والدراسة تتصف بالبعديات، فهي تنتمي إلى ذات الإطار المرجعي للموضوع المبحوث أو المقروء دون أن تستمد من أُطرٍ مرجعية أخرى، لكنها يمكن ان تتخذ دور القبليات بالنسبة إلى حقول معرفية خارجة عن الإطار المشار إليه.

فمثلاً تعتبر المعارف العقلية الصرفة التي يُستنتج بعضها من البعض الآخر – ضمن مرجعية العقل المجرد ذاته - من البعديات، وفي الوقت ذاته يمكن أن تكون من القبليات عندما تُتخذ كمرجع بالنسبة للحقول المعرفية الأخرى، كالدينية والواقعية والحدسية أو الكشفية. ومن ذلك إنه في الفلسفة التقليدية تتصف قواعد الإمكان الأشرف والصدور وتشاكل المراتب وغيرها بأنها من البعديات بالنسبة إلى الحقل الفلسفي المجرد ذاته، فهي مستنتجة من مبدأ السنخية الذي يمثل الأصل المولد لدى التفكير الفلسفي الوجودي، لكنها في الوقت ذاته تكون من القبليات عند اسقاطها على المعارف الدينية أو الواقعية أو الكشفية. ومثل ذلك إن المعارف الدينية البيانية هي من البعديات ضمن ذات الإطار الديني، لكنها قد تكون من القبليات المسلَّم بها لدى التفكير في تحليل الواقع او العقل أو الحدس الكشفي. وينطبق هذا الحال على معارف الأشكال الأخرى وفق النسبية المشار إليها. فالمعارف الواقعية أو الحدسية، قد تكون من البعديات عندما يتم التعامل معها ضمن ذات الحقل الذي يخصها، لكنها يمكن أن تكون من القبليات بالنسبة للتفكير في قضايا الحقول الأخرى.

إذاً.. فما هو بعدي هنا قبلي هناك، وكذا العكس. وإذا ما كان القبلي يؤثر في البعدي، فإن العكس صحيح أيضاً، حيث يمكن للبعدي أن يؤثر في القبلي ويعمل على تغييره طالما أنه غير مستقر أو ثابت بذاته.

ومبدئياً قد تكون القضية المطروحة على بساط البحث مصنفة ضمن القضايا الدينية، ومع هذا تساهم في فهمها قبليات عائدة إلى البنى الواقعية والعقلية والحدسية الكشفية، اجتماعاً وانفراداً. كما قد تكون القضية واقعية، ورغم ذلك تخضع لقبليات الفهم الديني أو التفكير العقلي أو الحدسي. وقد تكون القضية عقلية، لكنها تخضع لحكم القبليات الدينية أو الواقعية أو الحدسية الكشفية. ومثل ذلك قد تكون القضية المطروحة حدسية كشفية، لكن تفسيرها يخضع لقبليات البنى الثلاث الأخرى (الدينية أو الواقعية أو العقلية).

كما أن بعديات أي شكل من البنى الأربع الآنفة الذكر قد تؤثر على قبليات غيرها. فالبعديات الدينية، وهي المستنتجة بالفهم البياني من النص اللغوي الديني، قد تساهم في تغيير جملة من قبليات الأشكال الثلاثة الأخرى، وكذا هو الحال مع البعديات الواقعية والعقلية والحدسية الكشفية. فلكل منها بعدياتها الخاصة التي قد تعمل على تغيير بعض من قبليات البنى الأخرى غير المستقرة. مما يعني انه مثلما قد يتأثر الباحثون في القضايا الدينية بالقبليات الواقعية والعقلية والحدسية الكشفية عند ممارسة الفهم الديني، فانهم قد يسقطون - في الوقت ذاته - بعدياتهم الدينية إلى الدرجة التي يغيرون بها قبلياتهم المتعلقة بالبنى الثلاث الآنفة الذكر. وعلى نفس المنوال يتصف حال الباحثين في القضايا الأخرى (الواقعية أو العقلية أو الحدسية).

وما نخلص إليه هو أن القبليات لا تنحصر في القضايا العقلية الصرفة، خلاف الحال الذي أكد عليه الفلاسفة لدى أبحاثهم الإبستمولوجية إزاء فلسفة الوجود العام، كالذي يتحدث عنه عمانوئيل كانت ضمن منطقه الترانسدنتالي (transcendental). ولهم في ذلك ما يبرر فعلهم ضمن حقل التفكير الفلسفي أو الذهني بإطلاق. لكننا عندما نوسع من طبيعة القضايا ونأخذ بعين الإعتبار تداخلاتها المختلفة، إذ بعضها يتصف بالعقلية فيما يتصف البعض الآخر بمصادر لا تمت إلى العقل الصرف بصلة، فإنه في هذه الحالة لا يمكننا ان نعوّل على المنطق الترانسدنتالي الذي جاء به الفلاسفة في نعتهم للقبليات وما يقابلها من بعديات. فالنسبية في التفكير ظاهرة لا مراء فيها، وان واقع الذهن البشري يتخذ من العلاقة بين القبليات والبعديات مصادر بعضها يؤثر في البعض الآخر، لا أقلّ من أن نظريات الفيزياء المعاصرة قد أخذت على عاتقها هدم الجدار المحصن للقبليات - كما بناه الفلاسفة بمنطقهم المتعالي - ببعديات تجاربهم غير المألوفة للعقل والوجدان العام.

ومن الضروري أن نميز – هنا - بين الوصف والتقويم عند معالجة القبليات، فمن حيث الوصف ندرك ما عليه حال الباحثين ومواقفهم المختلفة إزاء القبليات المسلّم بها، وقد لا نوافقهم عليها من حيث التقويم. فالفيزيائيون مثلاً قد سلكوا درباً لنسف البداهة العقلية بما فيها تلك المناطة بمبدأ عدم الاتساق (التناقض) الوجودي، ومثله مبدأ السببية وقوانينها العامة، وبالتالي لم تكن بحوث عمالقة الفلاسفة المنظرين من أمثال أرسطو وعمانوئيل كانت تعني لهم شيئاً ذا بال، ومن ذلك ما ظهر من تفسيرات حول ما يُعرف بتناقض قطة شرودنجر، استناداً إلى بعض الشواهد التجريبية، كالتي عوّل عليها أغلب أتباع الكوانتم دون مناقشة، وكما يُقال فيزيائياً: إن ‹‹قطة شرودنجر تجلس في هذا الصندوق بطريقة ما حية وميتة إلى ان يكشف غطاء الصندوق››[2]. لكن هذه الحالة التقريرية لما آلت إليه الفيزياء المعاصرة - في قلبها للمنطق والبداهة الوجدانية رأساً على عقب - لا تثنينا عن التمسك بقضايا غير قابلة للرد، فكل رد لها مردود عليه، مثل التمسك بمبدأ عدم التناقض للقضايا المعرفية. وبالتالي لا مفر من الاعتراف بوجود قضايا متعالية ثابتة غير قابلة للتجاوز والتغيير.

مع ذلك فإن ما يهمنا عندما نعالج أنماط التفكير المعرفي هو الإقرار الوصفي بوجود حالات نسبية للقبليات، فما هو قبلي هنا بعدي هناك، وما هو بعدي هنا قبلي هناك، مع الإعتراف بوجود قبليات مطلقة لا تخضع لمثل هذه النسبية.

إن التأكيد على وجود قبليات نسبية في علاقتها التفاعلية مع البعديات يجعلنا نتخطى الحدود التي رسمها الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانت للتفكير الفلسفي. فمن جانب انه اعتمد على بعض البعديات وتوهم بأنها من القبليات، كما هو الحال في تصوراته للهندسة الكونية اعتماداً على المنظومة النيوتنية، ومثل ذلك تبنيه لقوانين نيوتن واعتبارها من القبليات الضرورية المحضة، مثل قانون تساوي الفعل ورد الفعل، ومبدأ العطالة أو القصور الذاتي[3]، مع أن لهذا المبدأ صيغاً مختلفة، أحدها يعود الى نيوتن، وأن هناك صيغة ثانية قد سبق إليها غاليلو، إضافة إلى صيغة ثالثة تعود إلى أرسطو[4]. بالإضافة إلى أنه جعل من ضمن القبليات العقلية المحضة احتواء المادة على كميات ثابتة لا تزيد ولا تنقص[5]، رغم أن علاقة المادة بالطاقة – كما تدل عليها فيزياء القرن العشرين - تبطل مثل هذا الحكم. كما من جانب آخر إنه لم يتوسع في بسط القبليات إلى ما يتعدى حدود المفاهيم والأحكام البديهية الصرفة التي أطّرها ضمن خاصتي (الضرورة والكلية)[6]، وهما موضع إشتراك الفاهمة البشرية أو الذهنية، رغم وجود قبليات لا تتصف بالضرورة والكلية، مثل ادراكنا للعالم الموضوعي المجمل، ومثل اقرارنا بوجودنا الحضوري، كما أن هناك قبليات نسبية خاصة هنا وهناك، وهي القبليات التي تراود البشر جميعاً في شتى أبحاثهم بما فيها الفلسفية الصرفة، وكان من غير الممكن أن يكون عقل الفلاسفة، بمن فيهم أرسطو وعمانوئيل كانت، خالياً منها.. فمصادر هذه القبليات كثيرة، ومن السهل أن تنسلّ إلى نفوس الفلاسفة والعلماء قبل عقولهم بوعي وبغير وعي.

 

يحيى محمد

مفكر وباحث

.........................

[1] الكهف/77.

[2] والتر إيزاكسون: أينشتاين حياته وعالمه، ترجمة هاشم أحمد محمد، نشر دار كلمة وكلمات عربية، الطبعة الأولى، 2010م، ص468.

[3] عمانوئيل كنط: نقد العقل المحض، ترجمة موسى وهبة، مركز الانماء القومي، بيروت، ص51 و53، عن مكتبة الموقع الإلكتروني: www.4shared.com.

[4] للتفصيل انظر كتابنا: منهج العلم والفهم الديني، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، الطبعة الاولى، 2014م.

[5] نقد العقل المحض، ص51.

[6] المصدر السابق، ص46.

ibrahim telbasilkhaتمتاز الفلسفة التحليلية بجملة من الخصائص تميزها عن المدارس الفلسفية الأخرى فى الفلسفة المعاصرة ومنها :

1- فكرة مركزية اللغة بالنسبة للفلسفة، إذ يعتقد الفلاسفة التحليليون أن قضايا الفلسفة يمكن فهمها جيداً عن طريق العناية باللغة . وهذا الاتجاه نحو الاهتمام باللغة أصبح يسمى فى العرف الفلسفى " التحول اللغوى "وهو أصدق ما توصف به الفلسفة التحليلية وتعرف فى كلمتين .

2- الاعتماد على المنهج التحليلى سواء اتخذ هذا المنهج صورة التحليل المنطقى أو التحليل اللغوى .

3- احترام نتائج العلم والحقائق التى يسلم بها الحس المشترك، وأخذها بعين الاعتبار عند معالجة المشكلات الفلسفية (1).

ولقد نسب الفيلسوف مايكل داميت Michael Dummett الصيغة الكلاسيكية   " التحول اللغوى "إلى فريجه، مؤسس المنطق الرياضى الحديث، حيث قال : "إن موضوع بحث الفلسفة لم يحدد بصفة نهائية إلا مع فريجه، بحيث تبين (1) أن هدف الفلسفة قائم فى تحليل بنية الفكر، (2) وأن دراسة الفكر ينبغى أن تتميز عن دراسة عمليات التفكير النفسية،(3) وأن المنهج الكفؤ لتحليل الفكر يستند إلى تحليل اللغة"(2).

وهذا ما أكده أنتونى كينى Anthony Kenny فى كتابه "فريجه "بقوله : " .. إذا كانت الفلسفة التحليلية قد ولدت عندما حدث التحول اللغوى، فإن ولادتها لابد من أن تؤرخ بنشر كتاب فريجه "أسس الحساب "عام 1984 عندما قرر أن الطريق إلى بحث طبيعة العدد هو تحليل الجمل التى تظهر فيها الأعداد " (3).

كما أكد داميت فى موضع آخر دور فتجنشتين المهم فى هذا الشأن فقال : ".. إذا جعلنا من التحول اللغوى نقطة إنطلاق الفلسفة التحليلية، فإننا، على الرغم من تقديرنا لأعمال فريجه، ومور ورسل التى هيأت الأجواء، لن نستطيع أن نشك فى أن الخطوة الرئيسية نحو هذا التحول خطاها فتجنشتين فى كتابه "رسالة فلسفية منطقية " (4). فقد رأى أن العمل الفلسفى هو فى جوهره توضيحات، حيث قال : "إن موضوع الفلسفة هو التوضيح المنطقى للأفكار، فالفلسفة ليست نظرية بل هى فاعلية . ولذلك يتكون العمل الفلسفى أساساً من توضيحات لا تكون نتيجة الفلسفة عدداً من القضايا الفلسفية إنما هى توضيح للقضايا . فالفلسفة يجب أن تعمل على توضيح الأفكار وتحديدها بكل دقة وإلا ظلت تلك الأفكار معتمة مبهمة إذا جاز لنا هذا الوصف " (5).

وقد يكون الفيلسوف إير هو أول من لفت الانتباه إلى "التحول اللغوى "، فهو يقول: " إن الفيلسوف من حيث إنه محلل ليس معنياً بالخصائص الفيزيائية التى تتميز بها الأشياء. هدف الفيلسوف هو أن ينظر فى الكيفية التى نتحدث بها عن الأشياء". أو بعبارة أخرى: "إن قضايا الفلسفة ليست قضايا واقعية، بل هى فى طبيعتها قضايا لغوية . فهى لا تصف سلوك الأشياء المادية، ولا حتى الأشياء العقلية، بل تقتصر على التعبير عن التعريفات أو النتائج الصورية التى تترتب على التعريفات . وكنتيجة لذلك تكون الفلسفة علامة بارزة من علامات البحث المنطقى الخالص" (6).

و" التحول اللغوى " Linguistic Turn هو التحول نحو اللغة واتخاذها موضوعاً للفلسفة ؛ وهذا التحول لم يأخذ صيغة واحدة، كما يصوره أنصار الفلسفة التحليلية، وإنما يأخذ فى الحقيقة صوراً متعددة . وأصبحت عبارة " التحول اللغوى " أكثر انتشاراً عندما استعملها رورتى عنواناً للكتاب الجماعى الذى أشرف عليه وكتب له مقدمة نشرت عام 1967 . وهذا الكتاب عبارة عن مجموعة من المقالات أغلبها لفلاسفة مناطقة وتحليليين، ومنها : "مستقبل الفلسفة " لـ (مورتس شليك)، " التجريبية، السيمانطيقا، والأنطولوجيا " لـ)رودلف كارناب)، " الوضعية المنطقية، اللغة، وإعادة بناء الميتافيزيقا " لـ (كوستاف برجمان)، "التعبيرات النسقية الخاطئة " لـ (جيلبرت رايل) و" معضلة فلسفية " لـ (جون وزدم) و" التقدم السيمانطيقى " لـ (ويلارد كواين) و" الاكتشافات الفلسفية " لـ (ر.م. هير) و" أرامسون ودارنوك " لـ (جون أوستن)، " مدخل إلى اللغة : الكلمات والمفاهيم " لـ (ستيوارت هامبشير)، " تاريخ التحليل الفلسفى " لـ (أرامسون) و" التحليل، العلم، والميتافيزيقا " لـ (بيتر ستروسون) .. الخ .

يقول رورتى فى مقدمة كتابه " التحول اللغوى": "إن الهدف الذى يصبو إليه هذا الكتاب يتصل بتقديم معطيات تمكن من التفكير فى الثورة الفلسفية التى حدثت فى السنوات القليلة الماضية، أى فى الفلسفة اللغوية. وأعنى " بالفلسفة اللغوية " هنا " تلك الرؤية التى تقضى بأن المشكلات الفلسفية يمكن حلها سواء بإصلاح اللغة، أو بالمزيد من الفهم الذى يمكن أن نصل إليه حول اللغة التى نحن بصدد استعمالها " (7). وهو يعرف "التحول اللغوى " بأنه ذلك " التحول الذى اتخذه الفلاسفة فى اللحظة التى هجروا فيها الخبرة بوصفها موضوعاً فلسفياً وتبنوا موضوع اللغة وبدأوا فى السير خلف خطى فريجه بدلاً من لوك " (8).

وأكد رورتى هذا المعنى فى موضع آخر فقال : " لقد اتخذت صورة الفلسفة القديمة والوسيطة " الأشياء " Things منطلقاً لها، واتخذت الفلسفة فى القرون من السابع عشر إلى التاسع عشر " الأفكار " Ideas منطلقاً لها، ويتم توضيح الساحة الفلسفية المعاصرة بواسطة " الكلمات " Words (9). وأضاف رورتى أن النظام المعرفى المسمى حالياً " فلسفة اللغة " له مصدران أساسيان :

المصدر الأول : جملة المشكلات التى عالجها فريجه وناقشها، على سبيل المثال، فتجنشتين فى "الرسالة"، وكارناب فى "المعنى والضرورة " . وهى مشكلات بخصوص معرفة كيفية تنظيم أفكارنا عن المعنى والإشارة بطريقة تمكننا من الإفادة من المنطق الكمى، والحفاظ على حدوسنا عن منطق الجهة، وبصفة عامة، تقديم صورة واضحة ومرضية حدسياً تتشكل من مفاهيم " الحقيقة "، و"المعنى"، و" الضرورة " و" الإسم " . ويسمى رورتى هذه الفئة من المشكلات " موضوع فلسفة اللغة الخالصة "، وهى نظام ليس له شكل معرفى ولا حتى أى علاقة مع معظم الاهتمامات التقليدية للفلسفة الحديثة .

المصدر الثانى : هو المصدر المعرفى، ويتمثل فى محاولة استعادة صورة الفلسفة الكانطية كإطار تاريخى دائم للبحث فى شكل "نظرية المعرفة " . فقد بدأ " التحول اللغوى " كمحاولة لتقديم نزعة تجريبية غير نفسية عن طريق إعادة صياغة الأسئلة الفلسفية بخصوص المنطق . ولقد جرى الاعتقاد بأنه من الممكن الأن، تقديم المذاهب التجريبية والفينومينولوجية ليس بوصفها تعميمات تجريبية – نفسية ولكن كنتائج " للتحليل المنطقى للغة " . وبوجه عام، إن الفعاليات الفلسفية حول طبيعة المعرفة الإنسانية ومجالها (على سبيل المثال ما قدمه كانط من مزاعم معرفية حول " الإله " و" الحرية " و" الأخلاق") يجب أن تقدم من جديد فى شكل ملاحظات أو تعليقات حول اللغة (10).

ويرى رورتى أن " الفلسفة التحليلية " بوصفها صورة من التجريبية قد انطلقت فى عصرنا من أعمال رسل وكارناب – الخ- وأن الفيلسوف إير هو الذى استوعب هذه الأعمال وقام بنشرها وتفسيرها خاصة فى كتابه " اللغة والصدق والمنطق " (1936) . حيث قدم من خلاله جملة من الأفكار التى تشكل ما يسمى فى عصرنا " الوضعية المنطقية " أو " التجريبية المنطقية " وهى الأفكار نفسها التى أعادت الابستمولوجيا التأسيسية للتجريبية البريطانية إلى مجراها اللغوى بدلاً من النفسى . وهذه الأفكار تختلف بشكل كبير عن الأفكار التى تشكل الأساس لما يسمى، أحياناً، " فلسفة تحليلية ما بعد الوضعية " – وهى فرع من الفلسفة يقال عنه أنه " أبعد من " أو " تجاوز " للتجريبية والعقلانية (11).

ويقول رورتى : " إن التحول الذى حدث داخل الفلسفة التحليلية منذ بداياتها فى حدود 1950 م، إلى غاية اكتمالها فى سنة 1970م، من الصعب رصده بيسر وتحديده بدقة، فهو يرجع إلى تفاعل معقد لقوى كثيرة صاحبت الفلسفة التحليلية . لكن مع هذه الصعوبة هناك ثلاثة أعمال رئيسية ساهمت فى مسار الفلسفة التحليلية وهى : "معتقدان للتجريبية " لـ (ويلارد فان أورمان كواين) و" بحوث فلسفية " لـ (لودفيج فتجنشتين) و" التجريبية وفلسفة العقل" لـ (وليفرد سيلرز) (12).

ومقال سيلرز، من بين تلك الأعمال الثلاثة، والذى يتصف بالتعقد والثراء، هو أقلها شهرة ومناقشة . فقد أكد مؤرخوا الفلسفة الأنجلوأمريكية أهمية مقال كواين فى إثارة الشكوك حول فكرة " الصدق التحليلى " وكذلك حول فكرة رسل وكارناب القائلة " بأن الموضوع الرئيسى للفلسفة يجب أن يكون " التحليل المنطقى للغة ". كما عملوا على إبراز قيمة مقال فتجنشتين ودوره فى هدم كثيراً من مشكلات الفلسفة التقليدية . ومع هذا، فإنهم لم يسلطوا الضوء بشكل كاف لتقدير دور سيلرز فى هذا المجال. وسيلرز (1912 -1982) بأعماله العديدة ورؤيته الموسوعية والعميقة بتاريخ الفلسفة قد تميز عن كثير من فلاسفة التحليل وعلى رأسهم كواين وفتجنشتين؛ فهو يقول : " إن الفلسفة من دون تاريخ الفلسفة، إن لم تكن عمياء، فإنها على الأقل تكون خرصاء "(13).

والحقيقة أن محاولة رورتى للجمع بين " التجريبية " و"العقلانية" تعتمد أساساً على أفكار سيلرز وخاصة فى كتابه "التجريبية وفلسفة العقل " . وهو الكتاب الذى أشاد به رورتى واعتبره من أكثر الأعمال جاذبية فى عصرنا، ولا يمكن التعرف على مشروع سيلرز الفلسفى من دونه . والفكرة الرئيسية فى هذا الكتاب هى قول كانط : " الحدوس من دون مفاهيم تكون عمياء " . فوجود انطباع حسى، هو فى حد ذاته ليس مثالاً للمعرفة ولا للخبرة الواعية . سيلرز، مثل فتجنشتين المتأخر، وعكس كانط، رأى أن وجود "مفهوم " يعنى " التمكن من استعمال كلمة " . ولذلك فهو يقول : " إن كل وعى بالأنواع، وبالتماثلات، وبالوقائع .. الخ، أى باختصار، كل وعى بالكيانات المجردة – بل حتى كل وعى بالجزئيات هو " عمل لغوى" . ومذهبه الذى سماه " النزعة الاسمية السيكولوجية" Psychological Nominalism يوضح – كما يرى رورتى – أن لوك، وباركلى، وهيوم كانوا مخطئين فى اعتقادهم أننا " ندرك أنواع محددة .. وذلك ببساطة بفضل وجود أحاسيس وصور(14).

و" النزعة الأسمية السيكولوجية " عند سيلرز مبنية على أسلوب فتجنشتين فى كتابه "بحوث فلسفية "، والذى أكد ارتباط المعرفة بالممارسة الاجتماعية .. وتؤدى إلى تضييق الخلاف، بل والجمع بين توجهات " العقلانيين " و" التجريبيين " (15). وذلك من خلال توسط اللغة ومعالجة المشكلات الفلسفية بالرجوع إليها .. يقول سيلرز : " إن التحكم فى اللغة هو الشرط الضرورى لكل خبرة واعية " (16).

ويقسم رورتى فلاسفة العقل واللغة إلى قسمين : فلاسفة ذريين Atomists وفلاسفة كليين Holists ؛ وهؤلاء جميعاً يرون أن أهم ما يميز الإنسان عن غيره من المخلوقات هو العقل واللغة . وقد زادت حدة الخلاف بين الفريقين منذ نشر كتاب " مفهوم العقل " لـ " رايل"، و" بحوث فلسفية " لـ " فتجنشتين "، و" التجريبية ومفهوم العقل "   و" معتقدان للتجريبية " لـ " كواين" . فقد شك فتجنشتين فى منطلق النظرية النسقية للمعنى، وسخر كواين من القول " بوجود كيانات تسمى (معانى) مرتبطة بالتعبيرات اللغوية"، وشك رايل فى تصورات علم النفس التجريبى، وسار سيلرز على نهج فتجنشتين بقوله إن ما يميز البشر هو قدرتهم على التخاطب مع بعضهم البعض، وليس امتلاكهم حالات عقلية داخلية متماثلة بشكل ما مع حالات بيئتهم (17).

وبعد أن تربى رورتى فى أحضان الفلسفة التحليلية، وتمرس على آلياتها سرعان ما تمرد عليها وانتقدها بعدما اكتشف إخفاقاتها المتنوعة .

 

أ.د. ابراهيم طلبه سلكها

رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة طنطا

مصر

...............

الهوامش

(1) د. صلاح إسماعيل : نظرية جون سيرل فى القصدية، دراسة فى فلسفة العقل، حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية – الحولية السابعة والعشرون، مجلس النشر العلمى، جامعة الكويت، 2007، ص34 .

(2) Timothy Williamson : Op – cit , pp- 11-12.

(3) Anthony Kenny : Frege : An Introduction to the   Founder of Modern

Analytical philosophy , oxford , Blackwell, 2000, p-211

(4) Michael Dummett : Origins of Analytical philosophy , Cambridge, Mass : Harvard university press, 1996 , p- 25 .

(5) لودفيج فتجنشتين : رسالة فلسفية منطقية، ترجمة د. عزمى إسلام، مراجعة د/ زكى نجيب محمود، مكتبة الأنجلو المصرية، 1968، ص ص 36، 37 .

(6) Alfred Jules Ayer : Language, Truth and logic, Penguin Books, 1936,p- 76.

(7) Richard Rorty : The Linguistic Turn , Essay in philosophical Method , The University of Chicago press, 1992, p- 3 .

(8) محمد جديدى : مرجع سابق، ص 256 .

(9) Richard Rorty : Philosophy and the Mirror of Nature , p-263.

(10) Ibid , pp- 257-258 .

قارن د.محمد جديدى : مرجع سابق ص 259

 

(11) Richard Rorty : " Introduction " In " Empiricism and the philosophy of Mind " edited by willforid Sellars, Cambridge, Mass, Harvard University press, 1997, p-1 .

(12) Ibid , pp- 1-2 .

(13) Ibid, pp- 2-3 .

(14) Ibid, pp- 3-4 .

(15) Ibid, pp- 4-5 .

(16) Ibid, p- 9 .

(17) Richard Rorty : Contingency, Irony and solidarity, Cambridge university press, 1995, pp—176 – 180 .

 

mohamad bakohننطلق في هذه الدفاتر الفلسفية لنيتشه، من تصور أوّلي أساسي، مفاده أن فكر نيتشه الفلسفي، يستحسن الإنصات إليه أكثر من قراءته . وإن قرئ، ينبغي أن يقرأ به وفيه، وليس بفكر استباقي خارجي، أو استنادا إلى منظور منهجي واضح الملامح والمعالم .

لهذا، ففكر نيتشه المعّقد فلسفيا، لا يمكن تمثل منجزه الفلسفي القصدي، إلا بالابتعاد أولا عن قراءته القراءة الاختزالية الصارمة، أو الأحادية الجانب، وثانيا، باتخاذ مسافة معينة مع الفكر الايديولوجي الإسقاطي الموجه، وثالثا، بالتبني الفعلي للقراءة الفلسفية المنفتحة، على لغة المعرفة الشمولية، باعتبار أن نيتشه نفسه اعترف، في أكثر من موضع، في كتاباته الفلسفية العميقة، بأنه يكتب فلسفته بلغة الدم، وليس بالقلم . يعني أن الفلسفة هنا، غير الفلسفة بالمفهوم الأكاديمي الشائع والمألوف. القول الفلسفي هنا بمثابة كتابة إبداعية، يعبر من خلالها الفيلسوف عن ذاته، وعن فكره، وعلاقاته المختلفة، والمتوترة أحيانا بالعالم من حوله، حتى وإن كانت تعبيراته الذاتية المبدعة، هنا بلغة المفاهيم الفلسفية، انسجاما كليا مع الشكل الشعري الشذري .

 

1 – الفيلسوف الموحد، واختياره لموقع الوحدة والتوحد، كموقف انفصالي ومقاوِم، لتحرير ابداعه الفكري والفلسفي .

يقول نيتشه في هذا الصدد: " لكي يعيش الانسان وحيدا، عليه أن يكون حيوانا، أو إلها، قال أرسطو . تبقى حالة ثالثة، عليه أن يكون الاثنين معا .. فيلسوفا " 1 .

يتجاوز نيتشه هنا أرسطو، في مسألة مفهوم الإنسان ككائن حي . فإذا كان أرسطو قد حدد معنى الانسان المتوحّد، بالتعبيرين الفلسفيين المتناقضين: الحيوان والإله، باعتبار التعبير الأول (الحيوان = الطبيعة) يحيل على الاختيار الوجودي المحايِث للفرد البشري، بتعبير دولوز (الحسّي والغرائزي والأرضي)، في حين يحيل التعبير الفلسفي الثاني (الإله = الدين) على الاختيار الوجودي المفارِق، دائما بلغة دولوز (التجريدي والسماوي) . في المقابل، يضيف نيتشه القيمة الفلسفية لمعنى وحدة الانسان، وهي القيمة التي تجعل مفهوم الفيلسوف، في نظر نيتشه، يتخذ شكلا مركبا من البعد الحسّي الجسدي، الذي يعتبر بعدا أساسيا لتوازن الفرد الإنساني عند نيتشه، والبعد المثالي المتعالي الخيالي والجمالي، ثم البعد الفكري والعقلاني والتحليلي . هكذا، يتحقق المركّب المفهومي لمعنى وقيمة الفيلسوف، في سياق اختياره الفكري والطوعي، لموقف الوحدة والتوحد، كوقف فلسفي ووجودي، من أجل التفكير والابداع الفلسفيين . وبسبب رمزية هذا الموقف الوجودي القلق، لموقع الفيلسوف في حياة المجتمع، نعته نيتشه في نص آخر، بالموقف التراجيدي العميق، الذي لا يختلف كثيرا عن وضع حمار كاد " أن يهلك تحت ثقل لا يمكن حمله ولا الالقاء به ؟ تلك حالة الفيلسوف "2 . مع الأخذ بعين الاعتبار أهمية الاستعمال الرمزي عند نيتشه للفظة " الحمار "، لأنه هنا يستعملها كإحالة على الأصل الطبيعي للكائن الحي، قبل طابعه الثقافي المتطور، الذي تلاه لاحقا. بالإضافة إلى قيمة التحمل القصوى، التي تعني في حالة الفيلسوف، وضعه التراجيدي، رفقة أسئلته القلقة الوجودية المستمرة في حياته الخاصة، التي غالبا ما يشعر بها قصيرة، مقارنة مع باقي الموجودات الحية، والكائنات الطبيعية المحيطة به .

كما أن مفهوم الوحدة، كحالة هوية وجودية، في المجال الفلسفي، هي غير حالة العزلة، باعتبار أن الفيلسوف المتوحّد، حسب هايدغر، غالبا ما يكون دوما، في حاجة أكيدة إلى أن يتوحّد بنفسه وذاته، بعيدا عن عالم التشويش، من أجل طرح أسئلته الفكرية والفلسفية، والتحاور الفعلي مع جوهر الأشياء . يقول هايدغر في هذا الشأن " غالبا ما يندهش أهل المدينة، من انعزالي الطويل الرتيب، في الجبال مع الفلاحين، إلا أن هذا ليس انعزالا، وإنما هي الوحدة . ففي المدن الكبيرة، يستطيع المرء بسهولة أن يكون منعزلا، أكثر من أي مكان آخر، لكنه لا يستطيع أبدا أن يكون فيها وحيدا . ذلك أن للوحدة القدرة الأصلية على عدم عزلنا، بل إنها، على العكس من ذلك، ترمي وجودنا بأكمله في الحوار الواسع مع جوهر الأشياء كلها "3 .

إن هايدغر هنا، يتفق بلا شك مع الرؤية الفلسفية لنيتشه، فيما يخص حاجة الفيلسوف الضرورية، لعامل الوحدة، الذي يعتبر بمثابة حافز على التفكير والابداع، وليس العزلة، وذلك لتحقيق القفزة النوعية والمطلوبة، في التفكير الفلسفي المثمر والخلاق .  

 

2 – الفيلسوف التراجيدي، ونهاية جوهر الفلسفة

لعل الفيلسوف، هو الرجل المؤهل لقيادة عربة الفلسفة، إما قوية إلى الأمام، أو يعيدها ضعيفة إلى الوراء . لهذا، فلما انتقد نيتشه فلاسفة العصر اليوناني المتأخرين، بدءا بالتجربة الفلسفية السّقراطية، التي كانت بمثابة السمّ القاتل لجوهر الفلسفة، بمعناها النيتشوي، كفلسفة عمل وحياة، لا فلسفة نظر وخيال ووهم جميل، عاتبهم بكون فلسفتهم المرتبكة، كانت تفتقر لحكمة الفلاسفة الطبيعيين المنفتحين، على كل مظاهر الحياة والوجود من حولهم . يقول نيتشه في هذا المعنى " أما أن يرى الفيلسوف مشكلة في قيمة الحياة، فإن ذلك لمما يعد مأخذا عليه، ونقطة استفهام حول حكمته، بل انعدام حكمته أصلا . ماذا ؟ وكل هؤلاء الحكماء العظام، تراهم لم يكونوا منحطين فحسب، بل وليسوا حتى بحكماء"4 .

لعل نيتشه هنا يطرح السؤال حول مدى صلاحية ومصداقية الفلسفة الأخلاقية، بل مشروعية الفيلسوف الميتافيزيقي الجديد، كفيلسوف مهادِن وغير حكيم، بل الخاضع طوعا لسلطة قوى التوجه الأخلاقي والفضائل، الذي أسّسه شيخ الفلاسفة آنذاك سقراط، خروجا على التوجه الفلسفي التراجيدي الطبيعي، باصطلاح نيتشه، وسار على مذهبه الفلسفي فيما بعد، تلميذه النجيب أفلاطون .. والفلاسفة الآخرون.

 

3 – الفيلسوف الجينيالوجي، والتأسيس الحقيقي المأمول لفعل التفلسف

إن معنى الفيلسوف مرتبط هنا بقيمته الفكرية، ودوره الرمزي في مجتمعه . أي أنه إنسان يفكر لصالح الناس والانسانية، في وطنه الصغير والكبير، بالبحث طبعا في أصل الأشياء، وليس بتكريس سلطة المشرّع (كانط) . يقول جيل دولوز في هذا الصدد " إن الفيلسوف هو رجل جينيالوجي، وليس قاضي المحكمة على طريقة كانط " 5 .

يبقى أنه، سواء كان الفيلسوف موحدا، أو تراجيديا، أو جينيالوجيا، فالفلسفة تتلون بلون هذا الفيلسوف (المهادِن أو الثائر)، الذي من المفترض أنه يحيا فلسفته، قبل أن يكتبها على شكل أفكار وقضايا ومفاهيم فلسفية إبداعية .

 

 

 

 

................

1 – نيتشه، أفول الأصنام، ترجمة حسان بورقية – محمد الناجي، إفريقيا الشرق، فقرة 3، ص 7

2 – نفسه، فقرة 11، ص 8

3 – عبد السلام بنعبد العالي، الفلسفة أداة للحوار، توبقال للنشر، ص 10

4 – نيتشه، غسق الأوثان، ترجمة علي مصباح، منشورات الجمل، ص 25

5 – GILLE DELEUZE . NIETZSCHE ET LA PHILSOPHIE . P 2  

 

 

zouhair khouildi"إن المرء يريد أن يفهم ما يُتاح للفهم فحسب...وان الوجود الجدير بالفهم هو اللُّغة"1[1]

لقد اتخذت مشكلة اللغة مكانة بارزة في المناقشات الفلسفية المعاصرة ومكنت الفكر من نقد تصوره الطبيعي للعالم وإعادة التفكير في تجربة الإنسان في العالم ومثلت السلطة الرمزية التي تتدخل في تشكيل مصير الحياة وعلاقة المجتمع بتاريخه وفي تحديد قدرات البشر على الربط بين المعرفة والممارسة.     لقد عبر هانز جورج غادامير عن الرجة التي أحدثها المنعطف اللغوي للفلسفة المعاصرة بقوله:" اللغة هي النمط الأساسي لاكتمال وجودنا في العالم والشكل الذي ينطوي على شمولية تأسيس وتشكيل العالم."2[2] على هذا النحو يجد الإنسان نفسه بفضل اللغة وجها لوجه مع وضعه المتناهي وتمثل اللغة أداة للتعبير عن الذات ووسيلة للفهم ما يحيط به بل الإمكانية العليا لوجوده والاستطاعة التي جعلته جديرا بسكن العالم ورعاية الكينونة. الأمر الهام عند غادامير هو تأكيده على تناهي الطبيعة البشرية وتاريخية المعرفة البشرية ولانهائية التأويل وحدثان الحقيقة وشغل الوعي بالتاريخ ودعوته إلى انصهار الآفاق وإنتاج المعنى بمنطق الأسئلة والأجوبة. لهذا السبب نجده يقول ههنا: " في الحقيقة، الطبيعة البشرية التي تخصنا بواسطة تناهينا هي متميزة الى حد ينبغي أن نعتبر ظاهرة اللغة والفكر الذي يجب أن يصلها تحت قانون التناهي الانساني"3.[3]

بناء على ذلك يربط غادامير بين حضور الإنسان في العالم وتجارب الكتابة والقراءة والفهم والترجمة ، ويعيد انتاج معنى جديد للكائن البشري من جهة نشاطه اللغوي ويقر بأنه حيوان مؤول وليس كائنا رامزا فقط بل تلعب اللغة والحوار والتحدث و دورا أساسيا في تعرفه على ذاته وتؤثر على علاقته بغيره ويرصد غادامير التحول الأنطولوجي للهرمينوطيقا الذي توجهه اللغة وينطلق من شلايرماخر القائل بأن كل شيء مفترض في الهرمينوطيقا ليس سوى لغة ويتعامل مع اللغة باعتبارها وسيطا للتجربة البشرية ومعبرة عن الوضع. من جهة أخرى تكمن مهمة الفلسفة عند غادامير في الكشف عن قيمة البعد الهرمينوطيقي والانتباه إلى وظيفته الأساسية في مجموع تجارب الفهم البشري للعالم في جميع أشكاله بداية بالوعي الثوري ومرورا بعلاقة الفرد بالمجتمع وانتهاء بحضور التقاليد الدينية والقانونية والفنية في التجربة المشتركة والطابع اللغوي للحظة المعاصرة.

والحق أن اللغة تتحكم في سلوك الإنسان وتحدد نمط تفكيره ومضمون وعيه وتنمي ملكة الفهم لديه وان الطابع اللغوي يغمر التجربة الإنسانية في العالم ويحول المشكل الفلسفي الهرمينوطيقي إلى ممارسة تأويلية كونية لمجمل الانتاج البشري الممتد عبر التاريخ والتقاليد والرموز والثقافات المتنوعة.

لهذا السبب يخوض هانز جورج غادامير سجالا طويلا مع يورغن هابرماس حول علاقة الهرمينوطيقا بنقد الإيديولوجيا ودور اللغة في إزالة أشكال سوء الفهم وتحقيق التواصل والتفاهم عبر وساطة المحادثة والحوار والترجمة وينقد الألسنية التي اختزلت دور اللغة في نسق من العلامات والرموز تحكمه بنية من العلاقات الثابتة ويؤكد على أولوية القرابة بين اللغة والوجود وعلى دور التجربة اللغوية في عملية الفهم وفي الانخراط في لعبة الوجود. غني عن البيان أن غادامير شكك في قدرة اللغة على تحقيق التواصل الذي يزعمه هابرماس لها بقوله إن " النقد الإيديولوجي الذي يزعم الابتعاد عن كل هم إيديولوجي ليس أقل دغمائية من علم الاجتماع الوضعي المفهوم بوصفه تقنية اجتماعية"4[4]، ولكنه في المقابل أكد على فن الفهم وايتيقا التفاهم وفي هذا السياق نراه يصرح : " لا تفيد المشكلة الهرمينوطيقية التمكن الصحيح من اللغة بل بلوغ فهم مناسب عن موضوع الكلام الذي يحدث عبر وسيط اللغة"5.[5]

من المعلوم أن غادامير نقد التصور المنهاجي والوضعاني الذي بدأ مع ديكارت وجعل من المنهج طريقا لبلوغ الحقيقة واقترح الفهم التأويلي بديلا ولكن تجربة الفهم لا تتنزل ضمن دائرة المعرفة ولا تمثل نموذجا منهجيا بل تتنزل ضمن دائرة الوجود وتمثل شكل الاستكمال الأصلي لدى الدازاين ونمط للوجود وقدرة على الوجود. من الواضح حسب غادامير أن" مفهوم الفهم ليس مفهوما منهجيا ...وإنما هو الطابع الأنطولوجي الأصلي للحياة البشرية في حد ذاتها"6[6] ، وهذا يدل أن نداء الوجود هو الذي يسمح للكائن البشري بالفهم، وبعبارة أخرى إن" بداية الفهم مرهونة بوجود شيء ينادينا ويدعونا إلى القهم إنها أولى الشروط الهرمينوطيقية"7[7].

تتأسس دعاوي الكونية بالنسبة إلى الهرمينوطيقا على امكانية تحولها إلى نظرية للزمن الحاضر تضع حدا للانقسام بين التحليل المعياري والتحليل الخبري وبين النشاط الشرطي الانعكاسي والنشاط القصدي وتصوغ نظرية في الفهم عبر تجديل العلاقة بين الفهم والتفسير وبين المقاربة الفنومينولوجية والمقاربة الألسنية التداولية. بناء على ذلك يتكسب فن الفهم التأويلي فعالية نقدية بفضل ظاهرة المسافة الزمنية بمعنى التمييز الأحكام المسبقة المضللة والخاطئة والأحكام المسبقة الموضحة والصحيحة وتجديد اللقاء مع تراث حي يدعونا اليه. وبطبيعة الحال يتجه فن الفهم التأويلي عند هانز جورج غادامير إلى إجراء وساطة بين الحاضر والماضي وتطوير في الذات كل المنظورات التي يحضر عبرها الماضي ويتوجه إلينا ويأخذ بزمام الوعي بانفتاحه على الإنتاجية التاريخية واستثمار التجربة اللغوية لبلوغ الحقيقة المطلوبة.

من رهانات الفلسفة الهرمينوطيقية عند غادامير هو جعل الفهم شرط إمكان التفاهم بين الذوات وملاقاة العالم والانتماء إلى الفضاء اللغوي المشترك عن طريق الحوار والمحادثة وتبادل الأسئلة والأجوبة ، لكن ما الذي يعطي للغة القدرة والضمانة على إتقانها لفن الفهم؟ أليس الكلام حمال أوجه واللغة محاطة بالرغبة والسلطة؟ ألا يدعونا عجز اللغة إلى ممارسة النقد الإيديولوجي على الكلام المتداول كما يرى هابرماس؟

 

د زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

............................

الاحالات والهوامش:

[1] Gadamer ( Hans Gorge), herméneutique et philosophie, édition Beauchesne, Paris, 1999, p.98.

[2] غادامير ( هانس جورج) ، فلسفة التأويل ، الأصول. المبادئ. الأهداف، ترجمة محمد شوقي الزين ، منشورات الاختلاف- الجزائر، الطبعة الثانية، 2006. صص.99-100.

[3] Gadamer ( Hans Gorge), herméneutique et philosophie, op.cit, p.78.

[4] غادامير ( هانس جورج) ، فلسفة التأويل ، الأصول. المبادئ. الأهداف، مصدر مذكور ، ص94.

[5] غادامير (هانز جورج)، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا للنشر، ليبيا، طبعة أولى 2007، ص.507.

[6] Gadamer ( Hans Gorge),Vérité et méthode, les grandes lignes dune herméneutique philosophique, édition du seuil, 1976 et avril 1996, p.280.

[7] غادامير ( هانس جورج) ، فلسفة التأويل ، الأصول. المبادئ. الأهداف، مصدر مذكور، ص.130.

 

المراجع والمصادر:

غادامير (هانز جورج)، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا للنشر ، ليبيا، طبعة أولى 2007،

غادامير ( هانس جورج) ، فلسفة التأويل ، الأصول. المبادئ. الأهداف، ترجمة محمد شوقي الزين ، منشورات الاختلاف- الجزائر، الطبعة الثانية، 2006.

Gadamer ( Hans Gorge),Vérité et méthode, les grandes lignes dune herméneutique philosophique, édition du seuil, 1976 et avril 1996,

Gadamer ( Hans Gorge), herméneutique et philosophie, édition Beauchesne, Paris, 1999, ( rhétorique, herméneutique et critique de l’idéologie. Commentaire métacritique de Wahrheit und Methode.pp.83.108.

 

 

 

 

 

 

________________________________________

[1] Gadamer ( Hans Gorge), herméneutique et philosophie, édition Beauchesne, Paris, 1999, p.98.

[2] غادامير ( هانس جورج) ، فلسفة التأويل ، الأصول. المبادئ. الأهداف، ترجمة محمد شوقي الزين ، منشورات الاختلاف- الجزائر، الطبعة الثانية، 2006. صص.99-100.

[3] Gadamer ( Hans Gorge), herméneutique et philosophie, op.cit, p.78.

[4] غادامير ( هانس جورج) ، فلسفة التأويل ، الأصول. المبادئ. الأهداف، مصدر مذكور ، ص94.

[5] غادامير (هانز جورج)، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا للنشر ، ليبيا، طبعة أولى 2007، ص.507.

[6] Gadamer ( Hans Gorge),Vérité et méthode, les grandes lignes dune herméneutique philosophique, édition du seuil, 1976 et avril 1996, p.280.

[7] غادامير ( هانس جورج) ، فلسفة التأويل ، الأصول. المبادئ. الأهداف، مصدر مذكور، ص.130.

ibrahim telbasilkhaلا شك فى أن الفلسفة تعد أكثر أبعاد الفكر الإنسانى تعرضا للطعن والهجوم والتهكم والسخرية فقد كانت دائمًا ضحية لتلك الهجمات الضارية التى وجهت إليها من قبل عامة الناس، ورجال الدين، ورجال العلم، ورجال السياسة .. الخ، وقد استشهد كثير من الفلاسفة فى سبيل ما صنعوا من فلسفات .

لذلك يرى برديائف أن الفلاسفة كانوا دائما جماعة ضئيلة من الأشخاص بين مجموعة البشر، ورغم ذلك فقد تحالف ضدهم رجال الدين واللاهوت والكنيسة، والمؤمنون، والعلماء، ورجال الدولة من محافظين وثوريين والمهندسون والفنيون والفنانون وأخيرا جمهرة البشر . وهكذا يبدو وكأن الفلاسفة هم أوفر أعضاء الدولة نصيبا من الإهمال، أى هؤلاء الذين لا يؤدون وظيفة هامة سواء فى الحياة السياسية أو الاقتصادية، وعلى الرغم من ذلك فإن الطبقات الحاكمة وهؤلاء الذين يقومون بدور هام فى حياة الدولة أو المجتمع يضمرون العداء للفلسفة لأنها لا تخدم أهدافهم فيؤكدون أن الفلسفة عمل لا مبرر له وعبث لا طائل من وراءه .(1)

والحق أن موجات الهجوم على الفلسفة قد وجهت إليها من منطلقات متعددة، ومعظمها تقلل من عدم جدوى الفلسفة، وتحط كثيرا من قدر عمل الفلاسفة وتقول : إن الفلسفة عبارة عن مجموعة من التأملات المجردة التى لا أهمية لها فى الحياة، وأنه ينبغى بالأحرى التوفر على دراسة العلوم التطبيقية لأنها هى التى تحدد طرائق عمل كل أوجه النشاط (من عمل المهندس إلى عمل المربى)، من مثل علم الاجتماع و علم الاقتصاد وعلم السياسة . والأساس الذى يقف وراء ذلك هو أنه :" فلنعش أولا، ولنتفلسف بعد ذلك" كما يقول المثل اللاتينى، والتفلسف لا يغنى من فقر، ولا يسمن من جوع .(2)

وإذا بدأنا برجل الشارع نجده ينقد الفلسفة وينكرها ويرفضها ويسخر منها قائلا : ما علاقتى بالفلسفة، دعونى وشأنى، إننى مستغرق فى همومى الخاصة التى ليس فى مقدور الفلسفة أن تقدم أى حل بشأنها، فلن تستطع الفلسفة أن تدبر أمور حياتى المعيشية أو علاقاتى الوظيفية وليس لدى وقت أضيعه فى التأمل، وليس فى مقدورى أن أتكسب بالفلسفة أو أتعلم مهنة مفيدة عن طريقها . إن الفلسفة لا يمكنها أن تضيف إلى شيئا له قيمة، فهى تبدو بعيدة عنى كل البعد، إنها تدور فى دائرة، وأنا أدور فى الأخرى، والدائرتان لا تقتربان أو تلتقيان . لقد قال الفلاسفة الكثير لكنهم رغم كل هذا لم يستطيعوا أن يقدموا لنا حلول نهائية لكل المشكلات التى عانت منها الإنسانية على مر العصور، وكيف كان بإمكانهم ذلك وهم قد اختلفوا وتنازعوا ولم يتفقوا حول كلمة واحدة تريحنا وتكشف لنا عن ذلك الطريق المحدد الواضح الذى تتحقق به سعادتنا . إن الفلاسفة قوم حالمون يعيشون بمعزل عنى وعن غيرى، وهم لا يفعلون شيئا سوى التفكير بعيدا عن أرض الواقع لكى ينتهوا إلى نظريات ومذاهب وأفكار يناقض بعضها بعضا.(3)

ورأى رجال الدين فى مختلف العصور أن الجهد الفلسفى لا طائل وراءه فضلا عن خطورته : فالفلسفة تزعم أن بإمكانها أن تتوصل بالعقل إلى حقائق معينة، فى حين أن مثل هذه الحقائق ينبغى ألا تنكشف أو تؤسس إلا على الإيمان والعقيدة . وتأتى خطورة الجهد الفلسفى فى توهم العقل أن بإمكانه التمرد على العقائد، بل إخضاعها له .(4)

ولقد دأب رجال الدين ورجال السياسة دائما على اضطهاد الفلاسفة وتعذيبهم، بل وإحراقهم فى بعض الأحيان ... والتاريخ الفلسفى نفسه ينبئنا ببعض ما حاق بكثير من الفلاسفة، فلقد حكم اليونانيون القدماء على "انكساجوراس " بالنفى المؤبد لأنه تجاسر فصرح بأن فوق آلهة اليونان روحا مستكفيا بذاته مدبرا لكل شئ . وحكمت محكمة الأيثينين على "سقراط" بأن يتجرع السم بدعوى تطاوله على العقائد وإفساده الشباب والعبث بقوانين البلاد لأنه أعلن الحرب على المتعاليين والمدعين والمهرجين . و"أفلاطون" ألقى به فى السجن وأوشك أن يقضى حياته فى الأسر و "أرسطو" أضطر إلى الهروب من أثينا لينجو بحياته من كيد حاسديه .(5)

ونكل "بابن رشد" فى الأندلس حيث وشى به الفقهاء باسم الدين فجرده أمير الموحدين من مناصبه وأقصاه منفيا إلى قرطبة وأحرق كتبه وأهدر دم "السهروردى" فى حلب و"الحلاج" فى بغداد وقتل كثير من المجددين الذين مهدوا لعصر النهضة فى أوربا أمثال "راموس" و"فانينى" و"جوردانو برونو" الذى أحرق حيا فى روما. وفى المرحلة الحديثة أرغم "ديكارت" على الالتجاء إلى هولندا، وطرد "سبينوزا" من المجمع اليهودى ... وحتى فى القرن العشرين نجد الفلاسفة وقد حفت حياتهم بالمكارة : فمن فلاسفة وضعت الكنيسة بعض مؤلفاتهم فى قائمة سوداء مثل "برجسون" إلى فلاسفة اضطرهم النظام السياسى القائم فى بلادهم إلى النزوح عنها حذر الاضطهاد مثل "برديائف" الذى ترك روسيا البلشفية وعاش لاجئا فى باريس، و"كارل ياسبرز" ترك ألمانيا وعاش لاجئا فى سويسرا.(6)

وهذه الشواهد وغيرها تنهض دليلا على ألوان التعذيب وصنوف الاضطهاد التى صبها الممثلون الرسميون للدين على رؤوس الفلاسفة، ويمكننا أن نشير هنا إلى موقف الفيلسوف الوجودى "كير كيجارد" الذى هاجم الفلسفة تحت ستار الدفاع عن الخبرة الدينية ... فهو يرفض كل محاولات الفلاسفة فى خلق أنساق ميتافيزيقية وصلت إلى حد الكمال مع بدايات القرن التاسع عشر، ويرفض على وجه خاص النسق الهيجلى، ذلك النسق الذى ادعى صاحبه أنه استطاع أن يفسر كل شئ عن الكون والإنسان تفسيرا كاملا عن طريق العقل . وأكد أن الفلسفة لا يجب أن تكون مجردة، بل على العكس من ذلك، يجب أن تركز على تجربة شخصية Personal Experience وعلى موقف تاريخى Historical Situationيجد فيه الإنسان نفسه، ولذلك كانت الفلسفة عند "كيركيجارد" نقطة ارتكاز لكل حياة فردية، وليست للتأمل التصورى المجرد . (7)

ومن منطلق دفاعه عن التجربة الدينية لم يقف : "كير كيجارد" عند حد رفض النزعة العقلية عند "هيجل" بل رفض كل مذهب فلسفى كائنا ما كان، فلقد كتب يقول : "إن المذهب يعد بكل شئ ولكنه لا يفى بأى شئ على الإطلاق" أضف إلى ذلك أن المذاهب تتطلب التسليم بمسلمات وبديهات ومصادرات لا تحتاج فى ظن أصحابها إلى البرهان العقلى، ومع ذلك فتلك المذاهب تتظاهر بأنها عقلية من البداية إلى النهاية، كما أن اجتهاد أصحاب المذاهب الذين يبذلونه فى سبيل نوع من الكمال المنطقى يقضى على الإدراك للواقع المعاش فعلا . لهذا كان "كير كيجارد" يعتقد دائما أن ما هو على صورة المذهب معارض للحياة معارضة الشىء المغلق للشىء المفتوح، وكان يرى أنه لا يمكن أن تصل إلى الإله بوسيلة طرائق الفكر، واعتبر أن كل محاولة من أجل إضفاء طابع عقلى على العقيدة المسيحية هى تجديف وكفر .(8)

وما كان هجوم "كير كيجارد" على الفلسفة إلا نتيجة لإصراره على القول بالمفارقة paradox فهو يقرر أن المفارقة لا يمكن أن يسيطر عليها الفكر لأن الإيمان يبدأ من حيث ينتهى الفكر . وفى ضوء هذه الفكرة يطالب "كير كيجارد" بضرورة أن نسقط العقل نهائيا إذا كنا نرغب فى أن نعايش بالخبرة أو التجربة الدينية عالم القيم والأخلاق والدين .(9) ومن ثم فهو يرفض كل المذاهب العقلية التى حاولت تعقل التجربة الدينية .

وإذا كانت الفلسفة قد وجدت فى الدين أول مصدر للهجوم وأكثره عنفا فإنها أيضا كانت ضحية لهجمات العلم .. فلقد ظلت الفلسفة ردحا طويلا من الزمان تحيا فى وفاق تام مع العلم، بل كان العلم يحيا فى ظلها، ويحتمى بها، ويستمد شرعيته منها لسبب بسيط واحد وهو أنه لم تكن ثمة تفرقة بين العلم والفلسفة، بل لم يكن هناك أى معنى لوضع حدود فاصلة بين النشاطين، فهما نشاط واحد، نطلق عليها تارة اسم الفلسفة وتارة اسم العلم، ومن هنا عرفت الفلسفة بأنها علم العلوم . ومع انفصال العلم عن الفلسفة بعد أن كان ممتزجا بها وداخلا معها فى كيان واحد، بدأت تثار الشكوك حول وظيفة الفلسفة فى ضوء علاقتها بالعلم، وبدأت بالتالى محاولات إخضاع الفلسفة للعلم . (10)

وهذا ما نجده بوضوح عند "أوجست كونت" فى مذهبه الوضعى الذى حاول خلاله أن يخضع الفلسفة مباشرة للعلم . فلقد أطلق على فلسفته اسم "الفلسفة الوضعية" أى العلمية، وكان يعتبر هذه الفلسفة هى المرحلة الفكرية الراهنة التى وصل إليها العقل البشرى فى تطوره، وفى ظل هذه المرحلة العلمية لم يعد للفلسفة وجود، بل أصبحت تابعة للعلم، عليها أن تسير فى ركاب العلم وتهتم بدراسة قوانينه ونتائجه التى تفسر ظواهر الطبيعة، وعليها أن ترتب هذه القوانين من الخاص إلى العام .

نجد ذلك أيضا فى عصرنا عند دعاة الوضعية المنطقية الذين يوجهون أعنف نقد إلى الفلسفة التقليدية باعتبارها مجموعة قضايا وعبارات عديمة المعنى، وأرادوا بذلك أن يقدموا لنا فلسفة تنهل من نبع العلم وتعاليم العلماء، وتهتم بالتحليل المنطقى لأقوالهم لتحقيق الوضوح فى التفكير وإزالة اللبث والغموض عن ألفاظ اللغة وعباراتها . لذلك يرى "زكى نجيب محمود " - أكبر أنصار الوضعية المنطقية فى عالمنا العربى – أنه لا يجوز للفيلسوف أن يقول جملة واحدة يحاول بها أن يصف هذا الكون أو أى جزء منه، وكل مهمته أن يحلل العبارات التى يقولها العلماء فى أبحاثهم العلمية والناس فى حياتهم اليومية، تحليلا يبين مكنون هذه العبارات حتى نطمئن إلى سلامة ما يقال، إذ هى مهزلة المهازل أن يجلس الفيلسوف على كرسيه فى عقر داره مسندا رأسه على راحتيه زاعما لنا ولنفسه أنه يفكر فى حقيقة العالم وكأنما العلماء أمام مخابيرهم وموازينهم ومقاييسهم يلهون ويعبثون ولا يبحثون عن حقيقة العالم بحثا هو أجدى على الناس من ألف ألف رسالة فلسفية فى هذا السبيل .(11)

ويصف لنا "البرت اشفيتر" حال الفلسفة فى كتابه "فلسفة الحضارة " فيقرر أن الفلسفة قد تراجعت وتخلفت اتجاهاتها فى عصرنا نتيجة انصرافها عن القيام بواجباتها، لقد كانت الفلسفة تقود الإنسانية وتتضمن فى داخلها تفلسفا أوليا عن الإنسان والمجتمع والجنس والإنسانية والحضارة مما جعل لها سمة شعبية واضحة، ومن ثم كانت تهيمن على التفكير العام وتحافظ على التحمس للتحضر، وكانت عاملا فعالا فى إنتاج معتقدات عامة عن الحضارة . أما الآن وبعد الانهيار الذى حدث فى منتصف القرن التاسع عشر أصبحت الفلسفة عمليا هى تاريخ الفلسفة، لقد غادرتها الروح المبدعة، وأصبحت خاوية من التفكير الحقيقى . كما راحت تتأمل فى النتائج التى وصلت إليها العلوم الجزئية ومن ثم فقدت القدرة على التفكير الأصيل .(12)

وفى ظل هذا الوضع لم يعد للفلسفة رسالة تؤديها للعالم، لقد أصبحت مجرد حذلقة فلسفية يقوم بها منحلون، أصبحت غريبة عن العالم ومشاكل الحياة الروحية العامة . إنها لم تتفلسف فى الحضارة إلا قليلا لأنها خدعت بثرواتها وأهملت غرس الأرض بمحاصيل مفيدة، وبالتالى أسلمت العصر لمصيره وتجاهلت ما فيه من مشكلات .

وعموما رغم كل اتجاهات الشك هذه فى جدول الفلسفة لا يمكننا أن نتجاهل أصالة الفكر الفلسفى وفاعليته فى بناء الحضارة الإنسانية . فالفلسفة لون أصيل من التفكير لا نستطيع التخلى عنه، فهى مرتبطة بوجودنا ووعينا وإنسانيتنا . والإنسان متفلسف بطبيعته طفلا وصبيا وشابا وكهلا على نحو ما يرى "كارل ياسبرز".. إن النزعة إلى التفلسف ظاهرة طبيعية فى الإنسان ومرتبطة به من حيث هو كذلك . وهذا ما أكده "كانط " نفسه برغم اعتقاده بأن الميتافيزيقيا مستحيلة المعرفة على عكس المعرفة العلمية الممكنة لنا . فهو يقول "لقد قدر للعقل الإنسانى فى نوع من أنواع معرفته – يقصد الميتافيزيقيا – أن يحمل بأسئلة أملتها عليه طبيعته فلا يستطيع أن يتجاهلها، ولكنها لتجاوزها حدود قدرته هو لا يستطيع أن يجيب عنها ".(13)

إن الإنسان لا يمكنه أن يتحرر كلية من الفلسفة حتى الأطفال لهم رؤى فلسفية تتكشف لنا من خلال تساؤلاتهم حول محتويات هذا الوجود ... فهؤلاء الذين يظنون أنهم لم يغمسوا أصابعهم فى أى فلسفة إنما هم متفلسفون هواه، وفى الوقت نفسه الذى يستخفون فيه بأعمال رجال ذوى قدرات عقلية تفوق قدراتهم أيما تفوق، فإنهم يبنون لأنفسهم فلسفاتهم الخاصة، وإن تكن معدومة الفائدة وردئية القيمة .(14)

وإذا كان من الحق أن الفلسفة معادية للغالبية العظمى من الناس فمن الحق أيضا أن كل إنسان فيلسوف بمعنى من المعانى دون أن يدرى ذلك . فكل إنسان شعر بذلك أو لم يشعر، يحاول أن يحل مشكلات ذات طبيعة ميتافيزيقيا، وهذه المشكلات أكثر مساسا بحياته من المشكلات الرياضية والطبيعية، والفلسفة الشائعة سمة مشتركة للطوائف والطبقات والمهن المتعددة كالسياسة سواء بسواء والإنسان الذى يشعر بنفور من الفلسفة أو الذى يحتقر الفلسفة له هو أيضا فلسفته الخاصة، ولو لم يكن ذلك حقا بالنسبة للسياسى والثورى والمتخصص والمهندس والرجل الغنى لما خطر لهم أن الفيلسوف رجل تدعو إليه الحاجة .(15)

ولهذا فإن التقليل من قدر عمل الفلاسفة هى مسألة باطلة وخاسرة ولا يمكن تبريرها ... فالفلسفة هى التى تحمى الإنسان من الهبوط إلى مستوى البربرية وتساعد على بقاء الإنسان إنسانا، وعلى أن يصير إنسانا على نحو أفضل، ومهما بدا فى الظاهر من عدم جدوى الفلسفة فإن الفلسفة فى الواقع قوة تاريخية مؤثرة وقادرة . فينبغى أن نوافق "وايتهد" حين يقارن ما أحرزه الاسكندر المقدونى أو قيصر الرومان من نجاح بالنتائج التى تبدو فى الظاهر غير مثمرة التى يحصل عليها الفيلسوف، فالواقع أن الذى يغير مسار الإنسانية إنما هو الفكر .(16)

ويؤكد "وايتهد" أهمية الفلسفة للحضارة من حيث إنها محاولة لتنظيم جميع المعلومات المتوفرة فى فكرة عامة . كما أنها أكثر تأثيرا من كل الدراسات الفكرية، فهى تبنى القصور الشامخة قبل أن يكون العمال قد حركوا حجرا واحدا، وتهدمها قبل أن توضع مواد البناء فى أماكنها . إنها مهندسة مبانى الروح وهى أيضا محطمتها، والفلسفة قد تعمل فى بطء، فقد ترقد الأفكار فى سباتها عدة قرون ثم على حين غرة يجد الجنس البشرى أنها أصبحت جزءا أصيلا فى كيانات النظم الاجتماعية . والفلسفة أولا وأخيرا جهد يهدف إلى الحصول على فهم منسق منطقى للأشياء الملاحظة.(17)

كما يؤكد المفكر المصرى (عثمان أمين) أن الفلاسفة هم الذين يحركون الحضارة بأفكارهم، فإذا كانت الأفكار الكبيرة المبتكرة تفعل فعلها بصورة بطيئة فإنها تكون هائلة شأنها فى ذلك شأن الذبابة التى تلدغ فتستشير الوعى، أو شأن منارة تشير إلى مكان أفضل . فالفلسفة صانعة التاريخ، والتاريخ الإنسانى بأثره هو تاريخ فلسفات وأيديولوجيات، فالأيديولوجية القديمة عند اليونان والرومان قد قسمت الناس إلى سادة وعبيد، ولهذا ظل الرق شائعا زمنا طويلا، وظلت نظريات الشعوبية والعنصرية صامدة مدى قرون، فلما جاء السيد المسيح نادى بالمساواة بين الناس فنشأت فلسفة تدعو إلى المحبة والوئام والسلام، ثم جاء الإسلام مصرحا بالدعوة إلى العدالة والزمالة والأخوة الإنسانية فكانت هذه الدعوة عمادا لفلسفة جديدة تبشر بالديمقراطية الحقيقية والاعتزاز بكرامة الإنسان .(18)

وفى الاتجاه نفسه يؤكد "جون ديوى" أن الحضارة ليست إلا وليدة الفلسفة وأن الفلسفة بدورها من نتاج الحضارة وليس ثمة فارق حاسم بين الفلسفة ودورها فى تاريخ الحضارة، فإذا عرفت مهمة الحضارة وحددت خصائصها التى تميزها أدركت تعريف الفلسفة نفسها . فوظيفة الفلسفة أن تنشأ نماذج يجرى على نمطها التفكير ويسير بمقتضاها السلوك، وبها تتقدم الحضارة، وبغير الفلسفة لا تكون حضارة . بل استخدم "ديوى" فى إيضاح وظيفة الفلسفة التعبير الذى قاله من قبل "كارل ماركس" أن مذاهب الفلسفة منذ الماضى السحيق قد اقتصرت على تفسير طبيعة العالم بطرق شتى (عقليا وتجريبيا) ولكن مهمة الفلسفة ينبغى أن تكون العمل على تغييره، وبتغيير العالم يغير الناس أنفسهم ويستحدثون قوانين جديدة تهيمن على مجرى التاريخ .(19)

ولما كانت الفلسفة هى مجمل الآراء والتصورات الإنسانية القائمة على ممارسة التأمل فى هذا العالم والبحث فى كافة القضايا المتعلقة بالوجود والمعرفة والمجتمع ومشكلة الحقيقة وأشكالها المختلفة كان من الطبيعى أن ترتبط بجوانب حياتنا بمستوياتها وأشكالها الحضارية المتغيرة . فهى تلعب دورا مؤثرا فى حياة الإنسان ودورا حضاريا كبيرا فى حياة الشعوب والمجتمعات عبر العصور والأزمان وفى جميع المجالات فمثلا فى مجال السياسة لعبت مؤلفات "جون لوك" دورا هاما فى تطوير الديمقراطية الأمريكية، كما قدمت نظريات "كارل ماركس" شكلا جديدا للحكومة . وأيضا أفكار "فولتير ودالمبير ورسو وديدرو" هى التى عجلت بظهور الثورة الفرنسية .

والفيلسوف الألمانى "هيجل" هو الذى فتح الطريق لتظهر حركات مختلفة مثل الفاشية والحركة الهتلرية والشيوعية . وهو بهذا يعد إحدى القوى التى قامت بتغيير وجه العالم فى القرن العشرين الميلادى . (20) كما كانت الثورة الروسية تطبيقا لأفكار ماركس ودراسة فلسفة "ديكارت" يمكن أن تمدنا برؤية واضحة عن حضارة القرن السابع عشر التى غلب عليها الطابع الهندسى والرياضى .. فلا شك إذن فى أن للفلسفة وظيفة اجتماعية قامت بها منذ نشأتها حتى اليوم فما من ثورة اجتماعية أو دينية أو سياسية أو غيرها إلا وكان ورائها فلسفة ولو لم يقصد إلى الثورة أصحاب هذه الفلسفة، بل ولو لم يكن القائمون بالثورة من المشتغلين بالفلسفة ومذاهبها .(21)

ولاغرو بعد هذا أن رأى عثمان أمين أن مكانة الفلاسفة فى التاريخ أعظم بكثير من مكانة الملوك والسياسيين والفاتحين، فالإسكندر المقدونى، ذلك البطل الفاتح الذى مات بعد أن قلب الدول وغزى الأمصار وضم الشعوب، لم تعرف له الدنيا نظريا فى العصر القديم، ولكن ماذا بقى اليوم من أعماله ومحاولاته، أما أرسطو مربى الإسكندر فقد ظل معلم الإنسانية أكثر من ألفى سنة . وما زلنا نجد إلى يومنا هذا من الشعراء والخطباء من يلتمسون عنده قواعد فنهم كما نجد من السياسيين والأخلاقيين من يطلبون عنده أصول الحكم ومبادئ الأخلاق .(22)

وأى سياسى فى التاريخ الحديث يمكن أن يقارن بالوزير الفرنسى "إيشلو" ذلك السياسى الموهوب الذى استطاع أن يقيم نفسه فى أوربا حاكما بأمره، يتصرف فى السلم والحرب كما يشاء، واستطاع أن يقضى على نظام الأرستقراطية الفرنسية، وأن يغلب المذهب البروتستانتى وأن يدل ملوك النمسا، وأن يرعى نهضة العلوم والآداب . لكن مع هذا لا يستطيع أن ننسب إليه أنه مهد للمستقبل مقدار ما مهد له ذلك الفرنسى الآخر "ديكارت" الذى استطاع – إبان حملة حربية من حملات الشتاء فى حجرة دافئة، وفى عزلة عن لجب المدن والمعسكرات – أن يكتب صفحات خالدة أعلن فيها أن ماهية النفس هى الفكر، وأنه لا ينبغى للمرء أن يقبل شئ قط على أنه حق ما لم يتبين له ببداهة العقل أنه كذلك، وأن العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس .. لقد أصبح المقال فى المنهج "دستورا للفكر الجرئ وأضحى ديكارت أبا للثورة الإنسانية الكبرى".(23)

إن الفيلسوف الذى تسخر منه العامة لأنه يعيش فى عالم أفكاره، هو فى الحقيقة قوة مهولة وفكره ذو تأثير لا يقل عن تأثير الديناميت . وهذا الفكر يسرى فى مجراه، ويلمس عقلا بعد الآخر، ليصل فى النهاية إلى الجماهير ثم تأتى اللحظة التى ينتصر فيها على كل العقبات وليوجه مسار حركة الإنسانية أو يحفر قبرا لحطامها . فمن يحب أن يعرف طريق المستقبل ينبغى أن يصغى، ليس إلى الساسة، بل إلى الفلاسفة، إن ما يعلنه الفيلسوف اليوم هو ما سيصير عقيدة الغد .(24)

فالفلسفة تقوم بالعديد من المهام التى تثرى خبراتنا اليومية فهى :

أولا :تساعدنا على صياغة سلوكنا، فنحن نطوق إلى معرفة كيف نميز بين الحق والباطل، والصواب والخطأ، والحسن والقبح، الأعمال الأخلاقية والأعمال غير الأخلاقية، وبين ما يجب عمله ومالا يجب عمله . وفى معظم لحظات حياتنا الخاصة نتساءل فى دهشة : كيف يمكن أن نعيش حياتنا على أفضل وجه، وكل ذلك يرتبط بمهمة علم الأخلاق Ethics .

ثانيا :الإنسان لا يمكنه أن يعيش فى عزلة داخل المجتمع، فنحن لا يمكننا أن نتجنب التعامل باستمرار مع الآخرين، ولذلك فإن طبيعة حياتنا تتأثر بسلوكهم . كما أننا فى حاجة إلى معرفة تلك القوانين العامة التى تنظم التعاون القائم بين أفراد المجتمع، والقواعد العامة التى ترسم الشكل الملائم للحكومة . وعملية صياغة هذه المبادئ، ووضع تلك القوانين، وتشكيل الحكومات هى مهمة الفلسفة السياسية Political Philosophy

ثالثا :كثيرا ما نمد تفكيرنا إلى ما وراء هذا العالم فنطرح كثيرا من التساؤلات عن الآخر، وعن مصير الإنسان ومركزه فى هذا لكون، والبحث فى مسائل وقضايا مصيرنا مهمة الأديان Religion .

رابعا :أحيانا نستطيع إثبات صدق إدراكنا ومعارفنا، وأحيانا لا نستطيع ذلك، وما يمكننا من فهم أسلوب عمل عقولنا وأنماط تفكيرنا، وطريقة تحصيل المعرفة هى نظرية المعرفة Theory of knowledge أو الابستمولوجيا . (25)

تؤثر الفلسفة إذن فى رؤية الإنسان لمشكلاته الخاصة، وفى رؤيته للقضايا العامة المرتبطة بهذا الكون الذى يعيش فيه، وفى أساليب تفكيره ومعظم جوانب حياته المعيشية سواء أكانت سياسية أم اجتماعية أم اقتصادية أم ثقافية، كما أن الفلسفة تعمل على تغيير الأوضاع القائمة فهى تثور دائما على كل ما هو سطحى ومبتذل عن طريق تجاوزه والتعالى عليه وتحديده وتقويمه، إنها لا تقف عند حد معرفة الواقع فحسب، بل تحاول كذلك أن تغيره ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، كما أنها تمكن الإنسان من استجلاء قوانين هذا الكون ومد سلطانه على الطبيعة واستخدام مواردها لصالحه، وبالتالى جعل حياة الإنسان أكثر رونقا وجمالا على ظهر الأرض . وتقدم لنا الفلسفة أيضا إمكانات عديدة توسع من آفاق فكرنا وتزيد من معرفتنا وتنعش إحساسنا بالعجب والدهشة وذلك بإظهارها الأمور المألوفة بمظهر غير مألوف .

وإلى جانب فائدة الفلسفة فى الكشف عن إمكانات غير مألوفة فإن لها قيمة – وربما كانت هذه هى قيمتها الرئيسية – مستمدة من عظمة الموضوعات التى تتأمل فيها، من الحرية فى الأغراض الضيقة والشخصية الناجمة عن هذا التأمل . إن حياة الرجل المقود بالغرائز حياة حبيسة داخل دائرة من الاهتمامات الخاصة وقد تشمل الأسرة والأصدقاء، لكن العالم الخارجى لا يلتفت إليه إلا من حيث أنه يمكن أن يساعد أو يعوق ما يدخل فى نطاق الرغبات الغريزية وفى مثل هذه الحياة لا سلام، بل كفاح مستمر بين إلحاح الرغبة وعجز الإرادة ولابد أن ننجو من هذا السجن ومن هذا الكفاح إذا شئنا لحياتنا أن تكون عظيمة وحرة على نحو أو آخر، وإحدى وسائل النجاة تكون بالتأمل الفلسفى .(26)  

فالفلسفة تقدم لنا التأمل والتفكر وثمرات قرائح السابقين والتحرر الشجاع من سيطرة المادة، إنها تستوحى منابع طاقتنا الروحية، وتستهدى كوامن ضميرنا الخلقى وتضع حريتنا أمام مسئوليتها الخطيرة فى أفعال الاختيار . بالفلسفة يتحد الإنسان بمنبع كيانه ووجوده وروحه ويتحرر من كل ما عداه فلا يقع تحت سيطرة الخوف من الآخرين أو العالم أو الموت أو النزعة الشيطانية لدى الإنسان التى تفسد بالكذب والخداع وتمويه الحقائق وبالدكتاتورية السياسية وبالمال وبالجاه وبالسلطان .(27) كما أن الفلسفة تجعل الإنسان يكتسب دقة فى التفكير ورقة فى الشعور، وسموا فى التعقل والعاطفة، فهى دليل العقل وأساس المثل والقيم الروحية .

وإذا كان خصوم الفلسفة كثيرا ما يستندون فى رفضهم لها على أنها أشبه بوجهات نظر مختلفة لا تضيف إلى ما يسبقها جديدا بقدر ما تقدم رأيا بديلا لرأى آخر، فكل مذهب فلسفى يحاول أن يفند المذاهب السابقة عليه، ويدعى لنفسه أنه وحده الصحيح ويملك الحقيقة المطلقة بمفرده، فهناك دائما اختلاف وعدم اتفاق فى الفلسفة .

نقول إذا كان بعض خصوم الفلسفة قد نظروا إليها من هذه الزاوية زاوية الاختلاف البادى فيها، فحقا لا يوجد اتفاق أبدا فى الفلسفة، لكن عدم الاتفاق وكثرة الخلافات هى من طبيعة التفكير الفلسفى ذاته، فكل مذهب فلسفى يحاول أن يبين مواطن الضعف فى المذاهب الأخرى، ويقدم لنا رؤية مختلفة خاصة به، وقد يتأثر فى كثير من الأحيان بآراء السابقين عليه، وإذا كانت آراء الفلاسفة تختلف مع بعضها البعض فهذا لا يقلل أبدا من قيمة الفلسفة، بل هو يرتبط بالحرية الفكرية التى يجب أن يتمتع بها الفلاسفة . فالفكر الفلسفى الأصيل بطبيعته فكر حر متفتح، فهو يرتبط بوعى الإنسان نفسه، إن اختلاف المذاهب ليس عيبا فى الفلسفة بل هو يرتبط بماهية الفلسفة ذاتها .

ومن يود لو لأنه كان هناك اتفاق على شئ فى الفلسفة حرصا منه على اليقين فيها فإنه يفكر بعقلية العالم لا الفيلسوف معتقدا أن الحقيقة واحدة بعينها فلا ينبغى أن يوجد فيها اختلاف . والأمر كذلك حقا لو كنا بصدد الفلسفة الواحدة الدائمة التى تحدث عنها "ليبنتز" وآخرون كثيرون اليوم، وقال إنها لم تتحقق فى وقت من الأوقات، وإن كانت الفلسفات العديدة كلها تعبيرات مختلفة عنها فهى أشبه ما يكون بالرؤى الصادقة والباطلة التى تتكامل فيما بينها ويصحح بعضها بعضا والتى يراها عن مدينة بعينها سائحون مختلفون آتون من أنحاء مختلفة من المعمورة وفى عصور متفاوتة. ولكن هذه الفلسفة الواحدة الدائمة التى يطوف حولها الفلاسفة جميعا ولم يظفر بها واحد منهم بعد، رغم أنها موجودة فى ماهية الفلسفات على اختلافها لا يمكن أن تأخذ بالطبع صورة بناء عقلى يصلح للجميع ويفصح عن الحقيقة الواحدة التى تلزم بالاتفاق بين الناس على طريقة العلم . فلم يبقى والحالة هذه إلا الاختلاف بين الفلسفات وإلا القول بأن هذا الاختلاف خير كله للفلسفة لأنه يتفق وطبيعتها أو واقعها باعتبارها اقترابا واحداقا بكل جانب من جوانب الحقيقة القصوى التى تنأى عن الإنسان لكونها مفارقة .(28)

ولذلك نجد الفيلسوف الأسبانى "أورتيجا إيجاست" يقدم لنا تفسيرا لضرورة التعدد فى المذاهب الفلسفية . فالاتجاه الصحيح عنده هو القول بوجهات نظر عديدة بقدر الذين ينظرون إلى الكون، وكل ينظر إليه من زاويته الخاصة . وكما لا يمكن اختراع الواقع كذلك لا يمكن اختراع وجهة النظر . ووجهات النظر كلها صادقة لأن كلا منها يمثل المنظور الذى منه ينظر الإنسان إلى الكون . إنها لا تستبعد بعضها بعضا، بل بالعكس، هى متكاملة، أى يكمل بعضها بعضا، وليست منها واحدة تستغرق أو تستنفذ الواقع كله، بل لا يمكن أن تنوب إحداها عن غيرها أو تحل محلها.(29)

ومن هنا أطلق "أورتيجا" على نظريته فى المعرفة اسم "نظرية المنظور النسبى" أو "المنظورية" perspectivism ومؤدى هذه النظرية أن العالم يمكن أن يدرك فقط من خلال وجهة النظر الفردية، وليس ثمة وجهة نظر غير وجهة النظر الفردية، وبالتالى لا يمكن تجاوز وجهة النظر الفردية أو التعالى عليها، وكينونة العالم Being of the world ليست عقلية ولا مادية ولا أى شئ محدد، وإنما هى منظور . وكل منظور يتصف بالوحدة والتفرد أى لا يمكن أن ينوب عنه غيره، كما أن كل المنظورات أو وجهات النظر متكاملة أى يكمل بعضها بعضا . إذن وجهات النظر كلها صادقة، والمنظور الوحيد الزائف Falce هو الذى يدعى أنه هو وحده الصادق ولقد ربط "أورتيجا" بين نظرية المنظور وفكرته عن الحياة على اعتبار أن الحياة تؤلف نسيجا من الذات والأشياء ويتضح لنا ذلك من عبارته : "كل حياة إنما هى وجهة نظر عن الكون" وأيضا فى عبارة أخرى"أن الحياة ليست روحا soul ولا جوهرا وإنما هى منظور" .(30)

ولما كانت وجهات النظر متعددة فهناك فلسفات متعددة كلها صواب، وعن طريق وجهات النظر هذه يمكن بلوغ الحقيقة، فقوام الحقيقة هى سلسلة من وجهات النظر المترابطة مع بعضها ... ومجمل القول أن نظرية المنظور عن أورتيجا هى محاولة للقضاء على الخلافات بين المذاهب الفلسفية المتنوعة، فالتعدد فى هذه المذاهب يرجع بالدرجة الأولى إلى وجود وجهات للنظر عديدة بقدر الذين ينظرون إلى الكون، وكل اتجاه فلسفى ينظر إليه من زاويته الخاصة .

كما أن محاولة طبع الفلسفة بالطابع العلمى هى محاولة ليست فى مركز يسمح لها بتقدير إمكانيات الإنسان العقلية، فهى تعالج كل شئ من حيث هو موضوع، ولا تعفى من ذلك الذات الإنسانية نفسها، إنها تقضى على إنسانية الإنسان، وعلى روح الإبداع الخلاقة فيه، لذلك يرى "برديائف" أن الفلسفة كانت وسوف تظل نفسها ولا شئ آخر غيرها، وهى لا يمكن أن تكون علما أو دينا ومن ثم فإنها لا يمكنها أن تعتمد على نتائج وتحققات العالم أو تجعل نفسها مرتبطة باكتشافاته، وكل إدعاء تدعيه الفيزياء الرياضية بقدرتها على أن تصبح أنطولوجية كاشفة الأشياء هو فى حقيقته إدعاء كاذب زائف أقرب إلى الدجل منه إلى الحقيقة .(31)

إن من يتجنون اليوم على الفلسفة باسم العلم، زاعمين أن وراء تجربة الحس ومقاييس الكم لا يوجد إلا الخيال والوهم هم أشباه علماء أو علماء زور بتعبير "الفارابى" فما عهدنا فى كبار العلماء فى كل عصر إلا تقديرا للفلسفة رفيعا غير محدود : "جينز" و "إدنجتون " و "بوانكاريه" و "لوى دوبروي" و "ألكسيس كارليل"من معاصرينا، و "ديكارت " و "ليبنتز" و "نيوتن" قبلهم بقرنين أو ثلاثة هم جميعا رجال أخذوا من حضارة أوربا وثقافة الغرب بأوفى نصيب، وأسهموا فى تقدم العلم بأصدق الجهود، وظفروا فى مضمار الفكر الفلسفى بالقدح المعلى .(32)

وإذا كان "أفلاطون " قد نادى قديما بأن الفلسفة يجب أن تكون حارسة المدينة و"ديكارت" قد نادى حديثا بأن الفلسفة هى وحدها التى تميزنا عن الأقوام المتوحشين، وأن ثقافة الأمة وحضارتها إنما تقاس بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها، فإننا نؤكد اليوم أهمية الفلسفة فى خلق مواقف جديدة للفرد من أجل تنمية قدراته لمواجهة الواقع الحتمى الذى يحتويه . فلما كانت حياة الإنسان المعاصر تكاد تشملها الآلية فى كل نواحيها فإن هذا الإنسان يعيش فى مستنقع من الاغتراب . وهنا تكون الفلسفة مطلبا هاما للإنسان المعاصر حتى يمكنه أن يتغلب على مشكلات الحياة الراهنة .. فالتفكير الفلسفى يعنى ممارسة عقلية أكثر عمقا بفضل ما يلتزم به من اتجاهات نقدية . والفلسفة هى الالتزام بالنظرة التى تتعدى الحدود وتتجاوز الملموس وتبحث فى الأعماق إذ يحلق الإنسان فى آفاق تنسيه الاغتراب وتشعره بحريته ولو للحظات، ولذلك فإن القدرة على التفلسف تعنى قدرة الذات على التحرر، كما تظهر الفلسفة على أنها كشف لجزيرة الحرية فى بحر الاغتراب . وباستطاعة هذه القدرة الفلسفية أن تضفى معقولية جديدة على الأشياء، فتخرج بها من مجرد عناصر تستجيب لآلية الطبيعة كما تخرج بالأنا من حلبة الحتمية وصراع الأضداد. فالتفلسف ليس شيئا آخر سوى الوعى بالاغتراب ومحاولة تصفيته ووضع خطة للعمل الخلاق تحل محل التتابع الآلى . وهذا معناه خلق مواقف جديدة وتنمية ما لدى الفرد من قدرات حرة على أرض الواقع الحتمى.(33)

إن الفلسفة باقية ما بقى للإنسان تاريخ، وأنها لا يمكن أن تنقطع عن الوجود ما عاش الناس، فلقد نهض الفلاسفة فى الشرق والغرب أمام بطش القوة، وسلطان المادة، ورفعوا لواء القيم الروحية، وأدوا للعقل ما ينبغى له من احترام، وأيدوا حقوق الضمير الأخلاقى ومطالبه . ولم يثنهم النفى والقتل والتنكيل عن المضى فى طريقهم، ولا عاقهم عن مواصلة بحوثهم وأداء رسالتهم فكانوا حقا شهداء على البطولة الرفيعة، وممثلين لوثبة الروح وثبة قوية دافعة نحو الحقيقة، ونحو الحرية ونحو الكرامة.(34)

ونلخص من هذا العرض الموجز حول علاقة الفلسفة بالمجتمع إلى أن الإنسان لا يستطيع أن يتخلى عن الفلسفة، ولا يمكن الاستعاضة عن الفلسفة بأى بديل آخر، ولا يحل محل الفلسفة إلا الفلسفة . فالهجوم على الفلسفة هو فى حد ذاته فلسفة، وبهذا تصبح الفلسفة هى قدرك سواء أردت أو لم ترد، حقا إن مثل هذا القدر لا يعنى بالضرورة أنك قد أصبحت فيلسوفا بالمعنى الدقيق الضيق لهذه الكلمة . إلا أنه من ناحية أخرى يعنى أن لك من الوعى ما يدفعك للتساؤل حول أحقية الفلسفة ومشروعيتها وليس هذا التساؤل إلا الخطوة الأولى من خطوات الموقف الفلسفى الصحيح .(35)

كما نلخص إلى أن الدور الذى قامت به الفلسفة فى مسيرة الحضارة الإنسانية لا ينبغى الاستهانة به أو التقليل من شأنه فالفلسفة فوق كونها تعبيرا عن روح العصر ومرآة صادقة لكل سلبياته وإيجابياته وتناقضاته، إلا أنها من ناحية أخرى قوة محركة ودافعة لمسيرة العصر ذاته. فالفيلسوف – سواء اتفقنا معه أو اختلفنا – هو أقدر من يعبر عن روح الحضارة . وصدق "هيجل" عندما قال أن أصدق وعى يمكن أن تكونه عن مرحلة تاريخية معينة هو وعى فلاسفة تلك المرحلة، إلا أن وعى الفيلسوف بعصره ليس مجرد وعى مستسلم خاضع خضوعا كليا لعصره، غير قادر على تجاوزه أو التعالى عليه، بل هو وعى ثورى يحتوى عصره داخله، ويفرزه شيئا جديدا يستشرف به أفقا من الإمكانيات الخلاقة التى لم تتحقق بعد .(36)

وعليه فإن من يشكون فى جدوى الفلسفة ويسخرون منها لا يسيئون إلى أنفسهم، وإلى أمتهم فحسب، بل يسيئون إلى الإنسانية كلها، فالفلسفة هى التى تصنع الأفكار، وبالأفكار تصنع الحضارات وتنهض الأمم . وإذا كان الفلاسفة كغيرهم من البشر معرضون للفناء والموت فإن فكرهم الفلسفى خالد لا يموت .

 

أ.د. ابراهيم طلبه سلكها

رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة طنطا

مصر

....................

الهوامش

1 - نيقولاى برديائف : العزلة والمجتمع، ترجمة فؤاد كامل عبد العزيز، مراجعة على أدهم الهيئة المصرية للكتاب ص 32 .

2- أ.م. بوشنسكى : الفلسفة المعاصرة فى أوربا، ترجمة د. عزت قرنى، عالم المعرفة، المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، الكويت ص 11

3- د. محمد مجدى الجزيرى : الفلسفة بنظرة حضارية، القاهرة، بروفيشنال للإعلام والنشر 1984، ص11 .

4- د. عبد الوهاب جعفر : رؤية معاصرة لطبيعة التفكير الفلسفى، الإسكندرية، دار المعرفة الجامعية 1981 ص 20.

5- د.عثمان أمين:محاولات فلسفية،القاهرة مكتبة الأنجلو المصريةط1 ط2 1967ص 12

6- د. محمد ثابت الفندى : مع الفيلسوف، بيروت، دار النهضة العربية للطباعة والنشر 1980 ص 21.

7- Roubiczek .b : Existentalism for and against cambridge . At the university press 1966 p-55

راجع أيضا : د. على عبد المعطى : سورين كير كيجارد، الإسكندرية، دار المعرفة الجامعية 1993 ص 100 .

8- بوشنسكى : مرجع سابق ص 265 .

9- Rou biczek. B . op –cit . p-61

راجع أيضا : د. إبراهيم طلبة سلكها : الإنسان والحضارة فى فلسفة أورتيجا، رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة طنطا كلية الآداب ص74 .

10- د. محمد مجدى الجزيرى : الفلسفة بين الأسطورة والتكنولوجيا، مطبعة العاصمة بالقاهرة 1985 ص 221 .

11- د. زكى نجيب محمود : موقف من الميتافيزيقيا، دار الشروق المقدمة (ف)

12- البيرت أشفيتسر:فلسفة الحضارة،ترجمة د.عبد الرحمن بدوى،مراجعة د. زكى نجيب محمود،المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشرص ص13-16

13 - د. محمد ثابت الفندى : مرجع سابق ص ص 2- 9 30 .

14- بوشنسكى : مرجع سابق ص ص ص11- 12 .

15- نيقولاى برديائف : مرجع سابق ص 33 .

16- بوشنسكى : مرجع سابق ص ص 12 – 13 .

17- ألفريد نورث وايتهد : مغامرات الأفكار . ترجمة أنيس زكى حسن، مراجعة د. محمود الأمين، تقديم د.عبد الرحمن خالد القيس، بيروت دار مكتبة الحياة ط2، ص13.

18- د. عثمان أمين : الجوانية، أصول عقيدة وفلسفة ثورة دار القلم 1964 ص ص 141 – 143 .

19- د. توفيق الطويل : أسس الفلسفة، دار النهضة العربية ط 7 1976 ص 275.

20- بوشنسكى : مرجع سابق ص 14 .

21- د. توفيق الطويل : أسس الفلسفة ص 129 .

22- د. عثمان أمين : محاولات فلسفية ص 11 .

23- المرجع نفسه ص ص 11 – 12 .

24- المرجع نفسه ص ص 13 – 14 .

25- Stumbf. Samuel: ELEMENTS OF PHILOSOPHY, New York, Macgraw – Hill. Book company 1987 . pp – 3-4 .

26- د. عبد الرحمن بدوى : مدخل جديد إلى الفلسفة، الكويت، وكالة المطبوعات ط : 1976 . ص ص 19 – 20 .

27- د. محمد ثابت الفندى : مرجع سابق ص 26 .

28- المرجع نفسه ص ص 19 – 20 .

29- د. عبد الرحمن بدوى : مدخل جديد إلى الفلسفة ص 117 .

30- Neil , Mcinnes : “Ortega y Gasset, Jose “ in “Encyclopedia of philosophy “ London .1967 . p – 3.

See Also : Ortega , y Gasset , Jose : Phenomenology and Art, Translated with an introduction by Philip silver , New York . M.M Norton and Company inc 1946 , p . 56 .

31- د. محمد مجدى الجزيرى : الفلسفة بنظرة حضارية ص 278 .

32- د. عثمان أمين الجوانية ص ص 140 – 141 .

33- د.عبد الوهاب جعفر:رؤية معاصرة لطبيعة التفكير الفلسفى ص ص 34-35 .

34- د. عثمان أمين : الجوانية ص ص ص 144 – 145 .

35- د. محمد مجدى الجزيرى : الفلسفة بنظرة حضارية ص 12.

36- المرجع نفسه 293 .

 

zouhair khouildi"ينشد علم الاجتماع الفهم من خلال التأويل للنشاط الاجتماعي ومن خلال ذلك التفسير السببي لحدوثه وآثاره" [1]

يبدو أن المعرفة التي ينتجها تطبيق القوانين الاجتماعية ليست معرفة للواقع الاجتماعي في حد ذاته وإنما أحد الوسائل التقريبية التي يستعملها الفكر في هذا السياق. وبالتالي لا يمكن معرفة الظواهر الاجتماعية إلا عبر الارتكاز على حقيقة الحياة وإدراك العلاقات الدقيقة التي تتحكم في الظواهر ودلالتها البنيوية.

لكن هل الظواهر الاجتماعية هي ظواهر بسيطة أم ظواهر معقدة ؟ وما الذي يقع تأويله في الظاهرة الاجتماعية؟ هل النشاط الفردي أم النشاط الاجتماعي؟ أليس البناء الاجتماعي على صلة وثيقة بموضوع الهيمنة – المشروعية؟ هل يتم الالتجاء إلى التهديد بالقوة وممارسة العنف من أجل تنظيم الأنشطة الفردية والجماعية لصالح استقرار المجتمع ونمائه أم يتطلب ذلك إقامة نظام رمزي قانوني عن طريق الاعتراف والطاعة والموافقة؟ هل يرتكز النشاط الاجتماعي على رابطة خارجية وعلاقة تعاقدية تبادلية أم على رابطة داخلية والإحساس بالانتماء ضمن إطار العيش المشترك؟ ألا تتم ممارسة السلطة الاجتماعية من خلال سيطرة المعقولية على اللاّمعقولية المتبقية والانتقال من التوحش والفوضى إلى النظام والتمدن؟ ألا يتوطد النظام الاجتماعي بالاعتراف بالتراتبية وشرعنة القيادة وعقلنة العنف المادي في شكل عنف رمزي؟ في أية شروط يخضع الأفراد نشاطهم لترتيب المجتمع؟ لماذا تتجه الأنشطة الفردية الى الاندماج مع الأنشطة الاجتماعية؟ وعلي أي تبريرات داخلية ووسائل خارجية تستند هذه السيطرة الاجتماعية؟

من وجهة المنهج يتجاوز فيبر في مقاربته للوضع الاجتماعي للكائن البشري أولا التصور الوضعي للمسألة الاجتماعية واعتماده على طريقة التفسير والملاحظة الخارجية والتنبؤ وينقد اعتبار دوركايم الظواهر الاجتماعية مجرد أشياء وتطبيقه لطرق كمية. من جهة ثانية يتخطى التعارض الذي يقيمه ديلتاي بين الفهم والتفسير بجعله حركة التأويل تتضمن العنصر السببي وقوله بجدلية الفهم والتفسير لأن علم الاجتماع تأويلي ويمكنه أن ينتج تفسيرا ويحرص على استيفاء العقلنة على نطاق واسع من المجتمع والتاريخ والاقتصاد والقانون والدين ضمن استراتيجية برهنة تقوم على الاقتران والمزاوجة بين التأويل التاريخي والتفسير السببي ويتحرك ضمن تصنيفية الأنماط المثالية والفردانية المنهجية.

ينبغي أن يكون عمل عالم الاجتماع متخصصا ومهنيا وبعيدا عن الهوى والصدق والموهبة والعمق والإلهام وقريبا من التجربة المعيشة والقدرة والكفاءة. كما يجب التوقف عن النظر إلى العلم بوصفه عملية حسابية باردة تقوم في المخابر ومكاتب الإحصاء والتعامل معه كمجهود بشري حي ومعيش.

" لا يمكن أن نفسر بالتدقيق مجموع الظواهر الاجتماعية بكيفية عامة إلا بالقيام بتحليلات سوسيولوجية خاصة" [2]. علاوة على ذلك " يشير علم الاجتماع إلى علم الواقع ويبحث عن فهم أصالة حقيقة الحياة التي تحيط بالناس ويعيشونها بكل جوارحهم ومن خلال أنشطتهم والعلاقات التي يقيمونها فيما بينهم" [3].

من وجهة الموضوع يتوجه البحث في الزوج المفهومي الهيمنة والشرعنة مع الأخذ بعين الاعتبار مصطلح الاعتقاد والاعتناء بمفهوم النشاط البشري أو الفعل في دوائر الفردية والجماعة والاجتماعية.

ليس النشاط مجرد سلوك أو تصرف يتكون من مجموعة من الحركات التي تحدث داخل الزمان والمكان بل يستوعب مفهوم المعنى بالنسبة إلى الفاعل الإنساني ويتحدد من خلال العلاقة مع فاعلين آخرين ويرتبط بنشاط الغير ويتم انجازه بالتعاون معه. هكذا يتشكل النشاط الاجتماعي من خلال هذه العلاقة بين الذاتي والبيذاتي ويتضمن أولا معنى ذاتيا ومن جهة ثانية يأخذ بعين الاعتبار دوافع الآخر.

ينطلق فيبر من فكرة النموذج المحفز على الفعل لكي يفسر تفهميا مفهوم النشاط الاجتماعي وظواهر الامتناع عن النشاط والانسحاب من دائرة الفعل والاعتناق السلبي والحركي وتوجه الفعل نحو المعاصرين ونحو السابقين ونحو اللاحقين ويقر بأننا " نكون دوما إزاء أفراد ينشطون بتفاعل مع أفراد آخرين" [4]. كما يتضمن النشاط الاجتماعي معنى البيذاتية على غرار دعوة هوسرل إلى تنزيل العلاقات البيذاتية في إطار اجتماعي في التأمل الخامس من تأملاته الديكارتية. تبعا لذلك يتحدد النشاط الاجتماعي:

- على نحو عقلاني من حيث غايته ومن خلال انتظارات تتعلق بمواضيع خارجية وأفراد آخرين

- على نحو عقلاني في قيمته ومن خلال الاعتقاد الواعي بقيمته الإتيقية والجمالية والدينية.

- على نحو تقليدي وبمقتضى العادات المتأصلة ووفق عواطف وانفعالات خاصة بالفاعلين.

على ذلك يتكون حقل البحث من أربع أبعاد: هي استهداف معنى والاتجاه صوب الآخر والانخراط في النشاط الاجتماعي ثم ممارسة الهيمنة وشرعنة القيادة وعقلنة النظام والاعتراف التراتبي. يترتب عن ذلك أن" ما يظل مهما هو إدخال مشكل الشرعية في مشكل النظام وبهذا المعنى لا نكون إزاء رؤية فوقية وإنما رؤية من الأسفل خاصة بالفاعلين الاجتماعيين الذين يستطيعون منح نظام ما صلاحية مشروعة" [5].

غاية المراد أن هناك ثلاثة أسس للشرعية:

- سلطة التقاليد المقدسة وعادة احترام ماهو عريق وكل ماهو متجذر في الإنسان ونفوذ الأمس الأبدي (السيد الإقطاعي وشيخ القبيلة).

- سلطة الكاريزم والنفوذ المبني على المميزات المثالية للقائد والسحر الشخصي والفائق للفرد وتفاني الزعيم في خدمة الناس والثقة الكبيرة التي وضعوها فيه.

والحق أن السلطة التي تفرض نفسها بواسطة الشرعية وصلاحية الوضع القانوني والكفاءة الايجابية التي تبنى جدارتها على قواعد عقلانية.[6]

ما يلفت النظر في هذا التمشي هو أن ماكس فيبر يميز بين سياق يتشكل فيه المجتمع ويتميز بالانفتاح وتمتلك فيه السلطة مصداقيتها من المساندة الطوعية والتكملة الشرعية، وسياق تتشكل فيه الجماعة المتحدة ويتميز بالانغلاق ويغلب على الوضع التهديد باللجوء إلى العنف لفرض الهيمنة وتأسيس دوام النظام. في هذا المقام يصرح غادامير أن " كل طاعة لنفوذ ما تقتضي الاعتراف بتفوقه وإذا توقف عن ذلك فإنه يرتد إلى العنف" [7].

إحقاق للحق يمكن الانتهاء إلى النقاط التالية:

1ـ لاشيء يمنع من إنشاء علوم اجتماعية تدرس النشاط الفردي والجماعي ذات قدر من الموضوعية مقارب لما في العلوم الصحيحة والطبيعية بالرغم من استقلاليتها واندراجها في نظام معنوي مغاير وانفتاحها على غير عادة الوضعيين على الرمز والتجربة المعيشة والمعنى والقصدية.

2ـ لكي يتم تناول الوضع الاجتماعي عبر منظور مزدوج من الفهم والتفسير يكون من اللازم الإبعاد الكلي لمفهوم الإنسان الذي ساد لفترة طويلة في التراث الميتافيزيقي ونتج عنه من حديث عن الجوهر والماهية والطبيعة والتعريف والاهتمام الحصري بدراسة أحوال الكائن البشري من جهة شروط وجوده وأوضاع حياته وسيرته الذاتية وأنماط حضوره في العالم وتجاربه المعيشة دون أحكام مسبقة معيارية.

3ـ صحيح أن المجتمعات البشرية غامضة ومعقدة وتتلاقى في العديد من العوامل والعناصر وتعرف تحولات وتقلبات ومأخوذة في الصيرورة ولكن هذا لا يجعلها خاضعة بشكل تام لأهواء الحرية ومعرضة للفوضى الى درجة أن العقل العلمي يعجز عن فهمها ويتعذر عليه تشكيل معرفة موضوعية وتأويل مقبول عنها.

لكن هل يمكن الاعتماد على هذه المفاهيم في مجتمعات يتداخل فيها العنف مع المقدس؟ هل تتضمن هذه المفاهيم قيمة وصفية تفسيرية أما أنها تمتلك قيمة مضافة في مجال التأويل والنقد؟

 

.............

الهوامش والإحالات:

[1] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ترجمة بيت الحكمة، قرطاج، تونس، 2003. فصل المقولات الأساسية لعلم الاجتماع عند ماكس فيبر، ص470،

[2] Weber (Max), économie et société, tome1, traduit par Julien Freund, édition Librairie Plon, Paris, 1971. chap les concepts fondamentaux de la sociologie,,p.48.

[3] Weber (Max), essai sur la théorie de la science, traduit par Julien Freund, édition Librairie Plon, Paris, 1965, pp.152.153 .

[4] المرجع نفسه

[5] بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ترجمة. فصل المقولات الأساسية لعلم الاجتماع عند ماكس فيبر، ص475.

[6] ماكس فيبر، العالم والسياسي، ترجمة نادر ذكرى،دار الحقيقة، بيروت، طبعة 1982، صص.47-48.

[7] المرجع نفسه، ص.482.

المصادر والمراجع:

Max Weber, essais sur la théorie de la science, traduit par Julien Freund, édition Librairie Plon, Paris, 1965.

Max Weber, économie et société, tome1, traduit par Julien Freund, édition Librairie Plon, Paris, 1971. chap les concepts fondamentaux de la sociologie, pp3.57.

ماكس فيبر، مفاهيم أساسية في علم الاجتماع – الفصل الأول من كتاب "الاقتصاد والمجتمع"، ترجمة صلاح هلال، المركز القومي للترجمة، القاهرة، طبعة أولى، 2011.

ماكس فيبر، العالم والسياسي، ترجمة نادر ذكرى،دار الحقيقة، بيروت، طبعة 1982،

بول ريكور، العادل، الجزء الثاني، ترجمة بيت الحكمة، قرطاج، تونس، 2003. فصل المقولات الأساسية لعلم الاجتماع عند ماكس فيبر ، صص469 و490، وفصل وعود العالم فلسفة ماكس فيبر لبيار بوراتز، صص491 و500.

 

كاتب فلسفي

 

 

ibrahim telbasilkhaنظرية الفعل Theory of action عند أرندت وإحياؤها لفكرة "الممارسة" القديمة تمثل أحد الإسهامات الرئيسية للفكر السياسى فى القرن العشرين . وبتمييز الفعل (الممارسة) من الابتكار أو الصنع (الإنشاء) وبربطه بالحرية والتعدد، وبتوضيح ارتباطه بالتحدث والتذكر، استطاعت أرندت أن توضح مفهوم السياسة الذى أمكن فيه تناول المسائل المتعلقة بالمعنى والهوية بطريقة حديثة متطورة . علاوة على ذلك، فإنه بالنظر إلى الفعل على أنه شكل للتجمع البشرى، أصبحت أرندت قادرة على تطوير مفهوم الديمقراطية الاشتراكية والتى تتناقض تماماً مع الأشكال السياسية البيروقراطية المميزة للحقبة الحديثة (1) .

فالفعل هو أساس نظرية أرندت السياسية، وقد درسته فى إطار فهمها للحرية، والمشاركة والحوار والخطاب . " فحيثما يكون الكلام ملائماً، فإن الأمور تصبح سياسية فى شكلها، فالكلام هو ما يجعل الإنسان كائناً سياسياً ". وقد اهتمت أرندت بشكل كبير بدراسة صور الفعل المختلفة وأعلنت عن عدم رضاها عن معظم التفسيرات التى قدمت لها . " إن عدم قدرة الفرد على تجميع أصول حياته فى كلمات حيث يعبر عن ماهيته من خلال الفعل والكلام تعتمد على مجال الشئون البشرية، فنحن نتواجد ككائنات تعمل وتتحدث .. " (2) .

وعليه، فإن المكونات الرئيسية لنظرية الفعل عند أرندت هى: الحرية والتعدد والإعلان أو الافشاء . وتتعلق تلك المكونات بالروابط بين الفعل والشكل الأدبى وأهمية التذكر أو ما تسميه أرندت " مجتمعات الذاكرة " . وكذلك العلاقة بين الفعل والسلطة وساحة العرض أو فضاء الظهور ؛ وركزت أرندت على "سلطة الوعد" و " سلطة الصفح " (3) . وهذا ما سوف نوضحه على النحو التالى:

 

1- العمل والحرفة والفعل:

تميز أرندت بين العمل والحرفة والفعل حيث تقول: " إننى اقترح مصطلح " الحياة العملية " لكى أشير إلى ثلاثة أنشطة بشرية جوهرية هى: العمل والحرفة، والفعل . إنها جوهرية لأن كل واحد منها يتطابق مع الأوضاع الرئيسية التى تعطى الحياة للإنسان على الأرض " (4).

العمل هو النشاط الذى يتطابق مع العملية البيولوجية للجسم البشرى، الذى نموه الذاتى، عملية الأيض، وتحلله الأخير مرتبطان بالضرورات الحيوية الناتجة والمدخلة فى عملية الحياة بواسطة العمل . إن الوضع البشرى للعمل هو الحياة فى حد ذاتها . أما الحرفة فهى النشاط الذى يتطابق مع اصطناع الوجود البشرى، والتى هى غير منزلة فى الفضاء حيث لا يعوض العود الأبدى الدورى للنوع فنائه . تقدم الحرفة عالم " مصطنع " من الأشياء المختلفة بشكل تام عن كل وسط طبيعى . حيث تقطن داخل حدوده حياة كل فرد، فى حين أن هذا العالم فى حد ذاته يعنى الاستمرار أو التجاوز على الكل . إن الوضع البشرى للحرفة هو الانتماء إلى العالم (5) .

وأما الفعل، النشاط الشائع بين الناس من دون توسط الأشياء ولا المادة، يطابق الوضع البشرى للتعدد ..وهذا التعدد هو تحديداً الشرط – الذى لاغنى عنه- لكل حياة سياسية ؛ وهى تقول فى هذا الصدد: " إن السياسة تقوم على واقعة التعدد البشرى " . وإذا كانت كل جوانب الوضع البشرى مرتبطة بشكل ما بالسياسة، فإن هذا التعدد بالخصوص هو شرط كل حياة سياسية . وإن المعيار الرئيسى للفعل هو التجلى الواضح للفاعل فى الكلام والممارسة . فالفعل مرتبط بالكلام ويكشف عن الإنسان وكأنه يحاول ويضرب فى الأرض وينقح فى الأفق من أجل أن يبدأ شيئاً جديداً فى العالم (6) .

وهذه الأنشطة الرئيسية الثلاثة الخاصة بوجودنا فى العالم: العمل والحرفة والفعل مستقلة عن بعضها البعض حيث إن لكل منها مبادئه ومنطلقاته المميزة ويحكم عليه بمعايير مختلفة . العمل يحكم عليه بواسطة قدرته على تحسين الحياة البشرية، تقديم احتياجاتنا البيولوجية المتعلقة بالاستهلاك والانتاج، والحرفة يحكم عليها بقدرتها على تكوين عالم ملائم للاستخدام البشرى والحفاظ عليه، والفعل يحكم عليه بقدرته على الافصاح عن هوية العامل، وإثبات حقيقة العالم، وتحقيق آهليتنا للحرية (7) .

وعلى الرغم من أن أرندت تعتبر الأنشطة الثلاثة (العمل، والحرفة والفعل) ضرورية على حد السواء لإكمال الحياة البشرية، حيث إن كلاً منها يسهم بطريقته المميزة فى تحقيق كفاءاتنا البشرية، فإنها تركز على الفعل المميز للبشر عن حياة الحيوانات (التى هى مماثلة لنا من حيث احتياجها للعمل للحفاظ على حياتها) وحياة الآلهة (التى نشاركها نشاط التأمل) . ومن هذه الناحية فإنه يجب اعتبار مقولتى العمل والحرفة مختلفتين عن مقولة الفعل، وإن كانتا تلعبان دوراً مهماً فى إلقاء الضوء على فضاء الفعل خلال نظام النشاط البشرى(8) .

ولذلك ترى أرندت أن الأنشطة الثلاثة جميعها، والأوضاع المتطابقة معها مرتبطة بشكل وثيق بأكثر الأوضاع شيوعاً للوجود البشرى: الميلاد والموت، الأبدية والخلود، البداية والفناء . العمل لا يؤكد الخلود البشرى فقط، ولكن أيضاً حياة الكائنات . فالعمل ومنتجاته، الصناعة البشرية، يمنحان مقياساً للبقاء والاستمرارية بناء على عبث الحياة وخاصية الزوال المميزة للذهن البشرى . وحيث إن الفعل يتدخل فى إيجاد الكائنات البشرية والحفاظ عليها، فإنه يخلق وضع التذكر، وهو المتعلق بالتاريخ . العمل والحرفة، وكذلك الفعل متأصلان أيضاً فى الميلاد، حيث إن لهم مهمة تقديم العالم والحفاظ عليه من أجل التدفق المستمر للقادمين الجدد المولودين فى العالم كغرباء . ومع ذلك، فمن بين الثلاثة، فإن الفعل ذو علاقة أوثق بالوضع البشرى الخاص بالميلاد، ويمكن للبداية الجديدة المتأصلة فى الميلاد أن تبرز نفسها فى العالم وذلك فقط لأن القادم الجديد يمتلك القدرة على بدء شئ ما من جديد، وهو الفعل . وبهذه الطريقة البديهية، فإن أحد عناصر الفعل، وبالتالى الميلاد، يعد متأصلاً فى جميع الأنشطة البشرية(9) .

 

2- الحرية والتعدد

والخاصيتان الرئيسيتان للفعل هما " الحرية " و " التعدد " .. أما الحرية عند أرندت فترتبط بالحياة اليومية وبالمجال السياسى العمومى ذلك أن اعتبار الحرية حقاً يشترك فيه جميع الناس، يفترض توفر نظام سياسى وقوانين ينظمان هذه الحرية، ويحددان مجال تعايش الحريات . أما الحديث عن حرية داخلية "ذاتية"، فهو حديث ملتبس وغير واضح . إن الحرية، وفقاً لأرندت، مجالها الحقيقى والوحيد هو المجال السياسى، لما يوفره من إمكانات الفعل والكلام، والحرية بطبعها لا تمارس بشكل فعلى وملموس إلا عندما يحتك الفرد بالآخرين، إن على مستوى التنقل أو التعبير أو غيرها (10) .

فالنظر إلى مفهوم الحرية على أنها مشكلة نظرية وقضية فلسفية ميتافيزيقية مثل قضية الوجود والعدم والخلود والزمان .. الخ هو أمر خاطئ .. ولذلك ترفض أرندت ربط الحرية بالمجال الداخلى للفرد وتقول: " إن الحقل الذى عرفت فيه الحرية، ليس باعتبارها مشكلة، بل باعتبارها جزءاً من الحياة اليومية، هو حقل السياسة " أى مجال الفعل الإنسانى العام وليس مجال الفكر: "لأن الفعل والسياسة يعتبران من بين القدرات والامكانات المتعلقة بالحياة الإنسانية، والتى لا يمكن التفكير فيها بمعزل عن وجود الحرية " . فالمجال الفعلى للحرية هو مجال السياسة باعتباره مجال الشأن العام والذى يهم الجميع . كما أنه خارج الحياة العامة يصعب إن لم نقل يستحيل قياس مدى حضور أو غياب الحرية باعتماد مؤشرات من قبيل الحق فى التعبير عن الرأى العام واحترام الرأى الآخر وضمان حقوق الإنسان والتداول السلمى للسلطة .. وغيرها من مظاهر الديمقراطية ودولة الحق والقانون والحريات العامة . " فالحرية ليست خاصية مميزة لأى شكل من أشكال العلاقات الإنسانية، ولا لأى نوع من أنواع الجماعات البشرية . فحيثما يعيش الناس فى مجموعة لا تشكل هيئة سياسية – مثل ما هو حاصل فى التجمعات القبلية أو الأسرية – فإن ما ينظم أفعالهم وتصرفاتهم ليس هو الحرية، بل هو ضرورات الحياة والحرص على البقاء " (12) .

وهكذا، " فإن الحرية هى مغزى العمل السياسى " (11) . وهى لا تعنى، عند أرندت، القدرة على الاختيار من بين البدائل المتاحة (حرية الخيار مهمة للغاية بالنسبة للإتجاه الليبرالى) أو قدرة طبيعية داخلية منحها الله للبشر . إنها تعنى " القدرة على بدء شئ جديد، لفعل ما هو غير متوقع، ممنوح لكل البشر بمجرد ولادتهم . فالفعل بكونه تحقيقاً للحرية متأصلاً فى الميلاد، فى الحقيقة القائلة بأن كل ميلاد يمثل بداية جديدة وظهور لشئ جديد فى العالم، فالولادة هى بلوغ عالم دائم بدل الانخراط فى تكرار للطبيعة، والوفاة هى الانسحاب من عالم دائم والذهاب إلى عالم الاستهلاك والاغتراب والضياع(13) .

ولقد أدركت أرندت أن كل الأنشطة مرتبطة بشكل ما بظاهرة الميلاد، فكل من العمل والحرفة ضرورىٌ لابتكار عالم يولد فيه بشر جدد بشكل مستمر . ومع ذلك، فإنه من بين الأنشطة الثلاثة، يعد الفعل أكثرها ارتباطاً بالميلاد، لأنه بواسطة الفعل يعيد الأفراد معجزة البدء الكامنة فى ميلادهم . فبالنسبة لأرندت، فإن البداية التى يمثلها كل منا بولادته تتحقق كل مرة نعمل فيها، وهى كل مرة نبدأ فيها شئ ما جديد . وكما أوضحت: " يمكن للبداية الجديدة الكامنة فى الميلاد أن تبرز نفسها فى العالم فقط لأن القادم الجديد يمتلك القدرة على بدء شئ جديد وهو الفعل " (14) .

وأرندت تفهم الفعل على أنه القدرة البشرية على بدء مجموعة جديدة من الأحداث .. والفعل نتيجة طبيعية " للميلاد ": فنحن ولدنا كأفراد من كائنات تقوم ببدايات غير متوقعة (15) . وحيث إن الفعل كبداية كامن فى الميلاد، وحيث إنه تحقيق للحرية، فهو، وفقاً لأرندت، يحمل معه القدرة على عمل المعجزات . "ففى طبيعة البداية يتم بدء شئ جديد لا يمكن توقعه أيا كان ما حدث سابقاً . وإن تلك الخاصية المتعلقة بعدم التوقع المرعب كامنة فى كل البدايات .. والحقيقة أن الإنسان قادر على فعل ما لا يمكن توقعه . فكل إنسان متفرد، ومع كل ميلاد يأتى شئ جديد فى العالم " (16) .

وهكذا فإن ميلاد كل فرد هو وعد ببداية جديدة: فالفعل يعنى القدرة على الافصاح عن النفس وانجاز ما هو غير متوقع ؛ وهو ما يتفق تماماً مع هذا التصور القائل بأن معظم الأمثلة الملموسة للفعل فى العصر الحديث والتى ناقشتها أرندت هى حالات الثورات والانتفاضات الشعبية . فادعاؤها بأن " الثورات هى الأحداث السياسية الوحيدة التى تواجهنا بشكل مباشر وهى حتماً لها مشكلة فى البداية " يعد محاولة لإيجاد مساحة سياسية جديدة، مساحة يمكن أن تظهر فيها الحرية كحقيقة مرتبطة بالانتماء .. إلى - العالم . والمثال المفضل لأرندت هو الثورة الأمريكية لأن فعل التأسيس فيها أخذ شكل تأسيس للحرية . ومن أمثلتها الأخرى نوادى الثورة الفرنسية، مؤتمر باريس لعام 1871، تأسيس السوفيت خلال الثورة الروسية، المقاومة الفرنسية لهتلر فى الحرب العالمية الثانية، والثورة المجرية عام 1956 . ففى كل تلك الحالات كان لدى الرجال والنساء الشجاعة لقطع أنشطتهم الروتينية، للتقدم عبر حياتهم الخاصة من أجل خلق فضاء عام يمكن أن تظهر فيه الحرية، والعمل بطريقة تجعل من ذكرى أعمالهم مصدراً للإلهام فى المستقبل . وتبعاً لأرندت، فإنهم للقيام بذلك قد أعادوا اكتشاف الحقيقة المعروفة لليونانيين والتى تقول بأن الفعل هو أسمى نعمة للحياة البشرية، وهو ما يعطى لحياة الأفراد قيمة (17) .

وأما التعددية فهى الخاصية الرئيسية الأخرى للفعل . فكل فعل هو مبادرة، ولا يمكن القيام به بمعزل عن الآخرين، وبعيداً عن تعددية المؤديين الذين يحكمون على الأداء. فالفعل يحتاج إلى التعدد بنفس قدر احتياج المؤديين للجماهير، بدون وجود الآخرين وتقديرهم، وسيتوقف الفعل عن أن يكون نشاطاً ذا قيمة . ويمكن للفعل أن يوجد فقط فى سياق يحدده التعدد، بقدر احتياجه للظهور بشكل عام، مبرزاً نفسه من خلال الكلمات والأعمال، وحائزاً على قبول الآخرين (18) .

لقد أقامت أرندت العلاقة بين الفعل والتعدد بواسطة موقف أنثروبولوجى . فهى ترى أن " الحياة " هى الوضع الذى يطابق نشاط العمل، و " الانتماء - إلى – العالم " هو الوضع الذى يطابق نشاط الحرفة، وهكذا فإن " التعدد " هو الوضع الذى يطابق الفعل . وهى تعرف " التعدد " فى ضوء الحقيقة القائلة: " بأن "الناس" وليس " الإنسان " هم الذين يعيشون على الأرض ويسكنون العالم " . وتقول إنه وضع الفعل البشرى " لأننا جميعاً متماثلون وإن كان لكل منا حياته ووجهة نظره عن العالم " . وبفضل التعدد يصبح كل فرد قادراً على العمل والتعامل مع الآخرين بطرق مميزة، وهذا هو ما يسهم فى صياغة شبكة الأفعال والعلاقات المختلفة والتى قد يصعب التنبؤ بها . وهذه الشبكة من الأفعال تشكل مجال الأعمال البشرية، تلك المساحة التى يرتبط فيها الأفراد مباشرة – ومن دون وساطة الأشياء – من خلال " اللغة " . فالعلاقة واضحة بين الفعل واللغة (19) .

ولهذا تقول أرندت: " .. سيكون الفعل زيادة غير ضرورية، تدخل نزوى (متقلب) فى القوانين العامة للسلوك، إذا كان الناس عبارة عن استنتساخات مستمرة ومتكررة من نفس النموذج، والذى يعد بطبيعته وأصله مثلاً للكل ويمكن التنبؤ به مثل طبيعة أو أصل أى شئ آخر . فالتعدد هو وضع الفعل البشرى لأننا جميعاً متماثلون (20) .

كما تؤكد أرندت مراراً فى كتابها " الوضع البشرى " أن الفعل مبدئياً، ذو خاصية رمزية، وأن شبكة العلاقات البشرية يدعمها التفاعل التواصلى . ويمكننا التعبير عن ذلك على النحو التالى: " الفعل يستلزم وجود كلام: فعن طريق اللغة نستطيع التعبير عن معنى أفعالنا وتنسيق أفعال تعددية العوامل . وعلى العكس، فإن الكلام يستلزم حدوث فعل، ليس بطريقة أن الكلام نفسه يعد شكلاً من الفعل، أو أن معظم الأفعال تؤدى فى شكل كلام، ولكن بطريقة أن الفعل غالباً ما يكون هو طريقة التحقق من صدق المتكلم . وهكذا فحيث إن الفعل بدون كلام يقود إلى خطورة كونه بلا بمعنى وسيكون من المستحيل التنسيق مع أفعال الآخرين، لذا فإن الكلام بدون فعل سيفتقد وجود إحدى الوسائل التى يمكننا أن نؤكد بها صدق المتكلم . كما أن هذا الرابط بين الفعل والكلام يلعب دوراً رئيسياً فى تصوير أرندت للسلطة، وهى تلك السلطة التى تظهر بين الناس عندما يعملون " بشكل متناسق " ويتحقق فقط حيثما لا يكون الكلام والفعل متشاركين مع بعضهما، حيثما لا تكون الكلمات خاوية ولا تكون الأفعال حادة، حيثما لا تستخدم الكلمات لحجب النوايا ولكن لإعلان الحقائق، ولا تستخدم الأفعال من أجل الانتهاك (المخالفة) والتدمير ولكن لتكوين علاقات وحقائق جديدة " (21) .

 

3- الإعلان أو الإظهار

إهتمت أرندت بدراسة القوة الإعلانية للفعل والكلام ؛ فقد ناقشت فى القسم الأول من فصل " عن الفعل " فى كتابها " الوضع البشرى " موضوع الإعلان عن هوية العامل . وقد ذكرت أن الأفراد يعلنون من خلال الفعل والكلام عن أنفسهم وتميزهم عن غيرهم، يعلنون للعالم عن شخصياتهم المتميزة . وبطريقة أرندت فى التمييز، فإنهم يوضحون أسباب تميزهم وفى أى شئ يتميزون – وهذا الأمر يتعلق بقدرات الأفراد ومواهبهم، وكذلك عيوبهم ونقائصهم، وجميعها خصائص يتقاسمها كل البشر . وليس العمل أو الحرفة هو ما يمكن الأفراد من الإعلان عن هويتهم، الإعلان عن ما يتميزون فيه عن غيرهم . ففى العمل تحجب فردية كل شخص من خلال ارتباطه بسلسلة من الضروريات الطبيعية، وفقاً للقيود المفروضة بواسطة العوامل البيولوجية . نحن عندما نشارك فى العمل فإننا نستطيع فقط أن نوضح مدى تماثلنا، حيث إن الحقيقة هى أننا جميعاً ننتمى للأنواع البشرية ويجب أن نهتم باحتياجات أجسامنا . وفى هذا السياق فإننا فى الحقيقة " نتصرف "، "نؤدى أدواراً " و " ننجز وظائف "، حيث إننا جميعنا لدينا نفس الالتزامات . وفى العمل يوجد مجال أكبر للفردية، فكل عمل أو منتج يحمل علامة لصانعه ... وهكذا، فى الكلام والفعل فقط، فى التفاعل مع الآخرين من خلال الكلمات والأفعال، يعلن الأفراد عن شخصياتهم (22) .

ولا يتوقف الأمر عن حد الإعلان عن الذات فقط، بل إن الإنسان بفضل هذا الإعلان يدرك أنه:

أولاً: لا يوجد إلا بقدر ما يعمل: لأن الفعل وحده هو الذى يجعله يوجد (بمعنى الكلمة) وأنه:

ثانياً: يفرض بعمله ضرباً من التغيير أو التبديل على العالم المادى، لأن الفعل الذى يقوم به لابد من أن يحدث آثاره فى العالم الخارجى وأنه:

ثالثاً: يخلق عن طريق فعله نوعاً من الاتصال بينه وبين الآخرين، لأنه يخلق بالتزامه أمام نفسه وأمام الآخرين " عالماً روحياً " يقوم على التأثير والتأثر وأنه:

رابعاً: يعمل على تدعيم عالم القيم البشرية: لأنه يحرر الذوات الأخرى ويوقظها من سباتها حين يجسم مثله العليا فى الوسط الاجتماعى فيعمل على تقريب شقة الخلاف بين الواقع والمثل الأعلى (23) .

ولذلك فإن الفعل الذى يقوم به الفرد ليس مجرد " عمل خاص " يهم صاحبه وحده دون سواه بل هو " عمل اجتماعى " يتسم بطابع كلى عام: لأنه يخرج إلى الوسط الجمعى الذى يتحقق فيه فيحدث تأثيره فى عقول الآخرين وأفئدتهم وشتى جوانب حياتهم . ولو أننا ضربنا صفحاً عن تلك الأعمال التى يقوم بها البشر بحكم الغريزة أو العادة أو " الروتين " لكان فى وسعنا أن نقول إن معظم الأفعال الإنسانية هى بمثابة نيات متحققة وقيم أخلاقية متجسدة ومثل عليا متجسمة: فهى ظواهر اجتماعية مهمة لها دلالتها الخاصة فى صميم الوسط الخارجى الذى يتحقق فيه . وإذن فإن العمل الذى يؤديه الفرد – وإن بدا له أحياناً عملاً فردياً يعنيه هو وحده – عمل اجتماعى يقوم بدور المحرك الفعال أو المؤثر القوى فى وسط خارجى يضم أفراداً آخرين هم على استعداد لتفهم دلالة ذلك العمل إن لم نقل بأنهم قد يقعون تحت تأثيره ويعملون – بدورهم – مترسمين خطاه (24) .

 

4- القصة ومصير البشرية

لقد أدركنا كيف يكون الأفراد قادرين، من خلال الفعل والكلام، على الإعلان عن هويتهم، عن تميزهم الخاص – عن أنفسهم – على أنهم مميزون فى قدراتهم ومواهبهم الشخصية – عن كينونتهم . ومع ذلك، فبينما يشارك الأفراد فى الكلام والفعل فإنهم لا يمكنهم أن يتأكدوا أبداً من الشخصية التى سيعلنون عنها . وهذا يحدث فقط بطريقة سرد الأحداث، أى أنه فقط من خلال القصص الناتجة من أعمالهم وسلوكهم ستبدو هويتهم واضحة تماماً . ولذلك فإن وظيفة راوى القصة مهمة للغاية ليس فقط من أجل حفظ أعمال المؤديين وأقوالهم، ولكن من أجل الإعلان الكامل عن هوية المؤدى . تقول أرندت: " إن قصص الراوى تخبرنا عن أشخاص " كل القصة، البطل " فى مركز كل قصة، أكثر مما يمكن لأى منتج بشرى أن يخبرنا عن الصانع الذى أنتجه " . فمن دون أفلاطون الذى أخبرنا عن شخصية سقراط وطبيعة مواقفه من الأثينيين، ومن دون ثيوكيديديس الذى اختتم الخطبة الجنائزية لـ " بيركليس " وأعاد صياغتها بطريقته القوية المؤثرة، لما عرفنا الأسباب التى جعلت سقراط وبيركليس من الشخصيات البارزة، ولما بدا سبب تميزهم واضحاً لنا . والحقيقة فإنه من التصريحات شديدة الأهمية لأرندت قولها: " إن معنى الفعل نفسه يعتمد على طريقة سرد الأحداث التى يقوم بها المؤرخون والرواه لوصفه " (25) .

ولذلك كانت أرندت تفضل رواية القصة على التفكير الفلسفى مؤكدة أن الرواية تهتم بالطبيعة الفردية للتجربة البشرية . ودائماً ما كانت تعارض فى أعمالها الأفكار الاستبدادية والمطلقة الخاصة " بالحقيقة " باقتراح طريقة جديدة لفهم العلاقة بين الذات البشرية الخاصة، المجتمع الذى توجد به الذات والعالم الأكبر، ولقد قدم الأدب لأرندت مصدراً مهماً للقيام بهذا التخلى عن التراث الفلسفى . فقد قالت فى هذا الصدد: " ليس هناك فلسفة يمكن مقارنتها فى كثافتها وثراء معانيها مع قصة تروى بشكل ملائم " () .

بل إن الفلسفة السياسية عند أرندت " أصبحت طريقة للرواية " لاستنباط العظة والعبرة من الماضى فى قلب الحاضر" (26) . فالفعل يكتشف بشكل أفضل ويعبر عن الكينونة من خلال الأسلوب الروائى . فمن خلال رواية القصص حول الأفعال التى يشارك فيها الأشخاص يمكن لتلك الأفعال أن تساهم فى كشف حقيقتهم. وقد قال بول ريكور: " إن المشروع السياسى لأرندت هو أكبر محاولة لتخليدنا " فمعنى الفعل يتحدد فقط عندما ينتهى الفعل نفسه ويصبح قصة يمكن روايتها .. إن الفعل لا يوجد فقط لحظة الأداء، بل يوجد بشكل أكبر فى رواية الحدث (27) .

اعتقدت أرندت أن القصص يمكنها أن تقدم اهتماماً ومعالجة خاصة للأحداث أكبر من الأنساق الفلسفية نفسها .. فالرواية تفتح إمكانية التفسيرات المختلفة " بناءاً على الرؤى العالمية المختلفة لهؤلاء الذين يستمعون للقصة، وأيضاً إمكانية النهاية المفتوحة، وقد تتضمن جدالاً ونقاشاً حول معنى الأحداث . وكما تقول أرندت: " إن رواية القصة تكشف عن معنى الأحداث بأفضل الطرق وأبسطها " ؛ وخاصة فى حالة الأحداث المروعة التى يصعب فهمها أو تخيلها، ولاسيما عند هؤلاء الذين يعاصرونها . فالرواية هى أداة مفيدة لفهم أحداث التاريخ المأسوية . وهنا تستشهد أرندت بقول إسحاق دنيسان: " يمكن تحمل كل الأحزان إذا وضعناها فى قصة أو روينا قصة عنها "، بمعنى آخر " كل الأحزان يمكن تحملها لو حكيناها " ؛ فالحكاية تعد أداة مهمة لمقاومة شرور العالم (28) .

والرواية لا تقدم مقياساً لصدق أفعال البشر وتحديد أهميتها فقط، بل تحتفظ أيضاً بذاكرة للأعمال على مر الزمان، وبهذا فإنها تجعل من تلك الأعمال مصدراً للإلهام فى المستقبل، حيث تشكل نماذج يمكن تقليدها والسير على هداها.. فالأعمال والكلمات لا تخلد السلوك إلا مع عملية التذكر . فالتذكر وحده، إعادة رواية الأعمال فى شكل قصص، يمكن أن ينقذ حياة المؤديين وأعمالهم من النسيان وبالتالى الحفاظ على جدواها . ولهذا السبب قدر اليونانيون الشعر والتاريخ بشكل كبير لأنهما يحفظان أعمال الماضى المجيدة (وكذلك الأقل مجداً) لصالح أجيال المستقبل . لقد كانت الوظيفة السياسية للشاعر والمؤرخ هى الاحتفاظ بذاكرة للأفعال القديمة وجعلها مصدراً لتوجيه المستقبل . لقد كان هوميروس معروفاً بأنه معلم هيلاس، فقد احتفظ لكل من أتوا بعده بأحداث حرب طروادة، وقد روى ثيوكيديديس فى كتابه " تاريخ حرب البيلوبونيز " قصة عن الطموح والحماقة البشريين، عن الشجاعة والجشع غير المحدود، للصراع الدامى والهزيمة المحتومة . لقد أصبح الماضى فى عملهم كمخزن للتعليم، للأعمال لمناقشتها، وكذلك لتجنب بعضها . وتم تجاوز ضعف الفعل البشرى وإمكانية موته وجعله تخليداً لحياة فاعليه (29) . ولذلك قال هوبز: " إن الرواية نفسها تهذب القارئ على نحو خفى، وبصورة أكثر فاعلية مما تستطيع أن تفعله المواعظ " (30) .

وقد كان من المهام الرئيسية " لدولة المدينة " تأسيس مجتمع يحفظ كلمات مواطنيها وأفعالهم من النسيان والتلاشى، وبهذا تترك ميثاقها للأجيال القادمة . كما كانت " دولة المدينة " الأغريقية تسعى إلى علاج ضعف الأحوال البشرية، بعيداً عن إتاحة المشاركة فى الكلمات والأفعال وزيادة المناسبات لنيل شهرة أبدية . وقد تحققت هذه الأهداف بواسطة إنشاء إطار عملى يساعد على تسجيل الفعل والكلام وتحويلهما إلى روايات، مما يمكن كل مواطن من أن يكون شاهداً، ومن ثم يصبح روائياً . وهكذا، فإن ما قدمته " دولة المدينة " هو فضاء يجد فيه الأفراد مكاناً "للتذكر المنظم "، وأدى ذلك إلى إمكانية تجاوز فناء المؤديين وضعف الأعمال البشرية جزئياً (31) . ويعبر فضاء Agora عن هذا الموقف، فقد شكل "ساحة للحوار " بين مواطنى أثينا .

 

5- السلطة وفضاء الظهور

لتوضيح ارتباط كل من الفعل والسلطة بفضاء الظهور عند أرندت نتساءل: ما هو دور الأداء المسرحى فى النظرية السياسية لأرندت ؟ لماذا تشير دائماً للفضاء العام على أنه نوع من " خشبة المسرح " يعلن عليها المؤدون السياسيون عن أنفسهم بالكلام والفعل ؟ لماذا تعتمد بشكل كبير على استعارات مثل " الأداء " و " البراعة الفنية " فى التعبير عن مفاهيم الفعل السياسى والحرية لديها ؟ وبالنسبة لتلك النقطة: هل لجوء أرندت إلى الاستعارات المسرحية يفيد طبيعة الفضاء العام ومشكلاته فى العصر الحديث، أو هل يساعد فقط على إضفاء ذلك بواسطة جعل " دولة المدينة " اليونانية نموذجاً معيارياً لكل مجال عام فعال ؟ (32) .

لقد تكررت الاستعارة " دولة المدينة " كثيراً فى كتابات أرندت، ونقول استعارة لأنها عندما استخدمت هذا " المصطلح " فإنها، ببساطة، لم تشر فقط إلى المؤسسات السياسية فى " دولة المدينة " اليونانية، المرتبطة بعصورها وظروفها، ولكنها تشر أيضاً إلى ارتباطها بكل تلك الحالات التى ظهرت فى التاريخ وأقيم فيها مجال عام للفعل والكلام عبر مجتمع من المواطنين الأحرار والمتساويين "، وبالأحرى فإن " دولة المدينة " اليونانية لم تكن " دولة المدينة " فى صورتها المادية ؛ بل هى مجموعة من الناس يعملون ويتحدثون معاً بشكل منظم، ومكانها الفعلى هو الذى يجمع بين الناس الذين يعيشون معاً من أجل هذا الغرض، بغض النظر عن موقع هذا المكان . وهكذا، فإن الشعار الشهير " أينما تذهب، ستكون داخل دولة المدينة " قد عبر عن الاعتقاد بين المستعمرين اليونانيين بأن نوع العلاقة السياسية المتكونة طبيعياً يمكن تكرارها فى مستعمراتهم الجديدة، حيث يمكن للمساحة الناتجة بواسطة "مشاركة الكلمات والأعمال" أن تجد موقعها الملائم فى أى مكان تقريباً (33) .

ولهذا تؤكد أرندت أن السياسية من شأن شعب هو اليونان، إنها صناعة يونانية مخصوصة .. " فدولة المدينة " تعبر عن " فضاء الظهور"، والفضاء "هو المكان الذى أظهر فيه للآخرين كما يظهر الآخرون لى، حيث يوجد الناس ليس فقط مثل الأشياء الأخرى الحية وغير الحية، ولكن لكى يظهروا بوضوح " . ويمكن خلق هذا الفضاء العام من جديد دائماً حيثما يجتمع الأفراد سياسياً معاً أو "حيثما يكون الأشخاص مجتمعين معاً فى ضوء أحاديثهم وأعمالهم " . وهكذا، فلما كان ذلك هو ابتكار لفعل، فإن ذلك الفضاء يبدو شديد الضعف ويتواجد فقط عندما يتحقق عبر أداء الأعمال أو نطق الكلمات . وكما تقول أرندت فإن ذلك " بعكس الفضاءات التى نصنعها بأنفسنا، لا تبقى على واقعية الحركة التى أوجدتها، ولكنها لا تختفى فقط بتفرق الناس – كما فى حالة المصائب الكبرى عندما يحطم الهيكل السياسى للناس – ولكن باختفاء الأنشطة نفسها أو توقفها (34) .

فالمجال العام عند أرندت هو الفضاء الذى يعبر فيه الأفراد عن أنفسهم، "المضمار الذى يجب على كل فرد أن يبرز نفسه فيه باستمرار، أن يعلن عن نفسه من خلال أعماله وانجازاته المميزة له عن غيره " . ولما كان الفعل السياسى هو عرض عام للذات، فلابد أن يكون هناك مجتمع ليعرض ذلك عليه . لقد لاحظت أرندت أن هذا الفعل يحدث من خلال " شبكة العلاقات البشرية "، فضاء يضم عدد من الأشخاص الآخرين يعملون ويتحدثون ومن " عالم مشترك " يحيط به ويشكل التفاعل البشرى . " معظم الكلمات والأفعال هى بخصوص الواقع الفعلى فضلاً عن كونها إعلاناً عن الذات الفاعلة والمتحدثة " . لهذا، فإن السياسة تتطلب مجالاً عاماً، فهى تنشأ حين ينشأ المجال المشترك بين البشر(35) .

والفضاء المشترك يتكون بواسطة نظرية سياسية ترى الأفراد فى ضوء ما تعتبره أرندت على أنه أعظم رؤيتين لأرسطو– الإنسان بطبيعته حيوان سياسى، أو كائن يعيش فى دولة المدينة ؛ والإنسان حيوان ناطق (متحدث) .. فهو ذلك الذى يشترك فى الفعل السياسى من خلال ميكانيكية الكلام . فالاجتماع معاً للتحدث- للحوار والمناقشة – مع مواطنين معروفين للفرد ومميزين فى المجتمع يكون حيث توجد سياسة وحيث يكون الناس أحراراً . وهذا هو الفضاء المشترك – اللحظة القصيرة للحوار بين الأشخاص المتحدثين الذين يعبرون عن أنفسهم بأدوارهم النشطة العامة وبالمشاركة مع غيرهم من المواطنين . تؤكد أرندت كيف أن السياسة من هذا النوع غير مقيدة بقيود مؤسسية، وبدلاً من ذلك، فإن قيودها تنتج من الحوار بين الأشخاص المتساويين فى هذا النوع من المواقف، إنها قيود الوعد والتسامح (36) .

وفى ضوء ما سبق يتضح أن الفلسفة السياسية عند أرندت متأصلة فى الفهم الظاهرى (الفينومينولوجى) لأهمية الظهور، والذى لا يحمل فقط دلالة سياسية ولكن أيضاً دلالة وجودية . ووجودياً، فإن الظهور يعنى أن كل الأشياء، سواء كانت طبيعية أو صناعية، حية أو ميتة، تشترك فى أنها تظهر ويمكن رؤيتها، سماعها، تذوقها، لمسها من قبل مخلوقات تمتلك أدوات الحس المؤهلة لذلك . والحقيقة أن أرندت تؤيد القول بأن " الوجود والظهور يتزامنان فى العالم ". وسياسياً فإن الظهور مكون رئيسى من مكونات نظرية أرندت، فلجعل شئ عام، فإنه يجب أن " يظهر " بمعنى أن يراه كل شخص ويسمعه . وبمتابعة مواقفها الفينومينولوجية نجد أن العام يمثل عندها فرصة الإعلان، عكس الخاص الذى يقوم على الإخفاء . فالسياسة عندها تحدد بالظواهر، أو بالإعلان الذاتى فى فضاء الظهور، فالأمور السياسية – حسب أرندت – تكون واضحة ظاهرياً (37) .

ويجب إعادة فضاء الظهور دائماً بواسطة الفعل ؛ إن وجوده مرهون باجتماع المؤدين معاً للمناقشة والحوار حول الأمور العامة كما أنه يختفى فى لحظة توقف هذه الأنشطة . إنه دائماً ما يكون محتملاً يتحقق فى أفعال وأحاديث الأفراد الذين يجتمعون معاً لأداء مشروع ما إنه يظهر فجأة، كما فى حالة الثورات، أو يمكن أن ينتج ببطء من خلال الجمهور لتغيير جزء معين من القانون أو السياسة . ولقد خلق هذا الفضاء قديماً عندما خلقت فضاءات عامة من الفعل والحوار، من اجتماعات فى ساحة المدينة إلى مجالس الأعمال، من مظاهرات واعتصامات إلى صراعات من أجل العدالة والحقوق المتساوية (38) .

وإن هذه القدرة على العمل بشكل منظم من أجل غرض سياسى – عام هو ما تسميه أرندت " السلطة " . ويجب تمييز كلمة " السلطة " عن كلمات " القدرة " و"القوة" و"العنف" . فالسلطة، على عكس القدرة، ليست خاصة فردية، ولكن للعديد من المؤدين المجتمعين معاً من أجل غرض سياسى مشترك . وعلى عكس القوة، فإنها ليست ظاهرة طبيعية ولكنها ابتكار بشرى، فهى نتيجة للمشاركة الجماعية . وعكس العنف، فإنها ليست مبنية على الإجبار ولكن على الرضا والاقناع العقلى (39) .

فالسلطة ترتكز دائماً على العدد، أما العنف يدبر أمره مستغنياً عن العدد لأنه يستند إلى الأدوات (أدوات القمع) .. والشكل الأكثر تطرفاً للعنف يقوم على شعار " الواحد ضد الجميع " . وهذا ما توضحه أرندت فى كتابها " عن العنف " على النحو التالى:

1- السلطة: هى قدرة الإنسان ليس فقط على الفعل، بل على الفعل المتناسق. السلطة ليست خاصة فردية، بل هى تعود إلى مجموعة، وتظل موجودة طالما ظلت المجموعة بعضها مع البعض . وعندما نقول عن شخص ما أنه " فى السلطة" فإننا بذلك نشير إلى أنه قد سلط من قبل عدد من الناس لكى يفعل باسمهم . وفى لحظة اختفاء الجماعة التى انطلقت السلطة عنها، ستختفى سلطة المتسلط . " فمن دون شعب أو جماعة لا تكون سلطة " .

2- القدرة: ترتبط بكينونة الفرد، هى الخاصية المرتبطة بشئ أو شخص ؛ وإن قدرة الفرد قد تنهزم أمام الكثرة .. فمن طبيعة الجماعة وسلطتها أن تقف ضد الاستقلال، الذى هو خاصية القدرة الفردية .

3- القوة: هذه الكلمة هى التى تستخدم فى الاستعمال اليومى بمعنى العنف، خاصة إذا استخدم العنف كوسيلة للأكراه ؛ ويتعين ربط هذه الكلمة فى اللغة الاصطلاحية بـ " قوى الطبيعة " أو " قوى الظروف "، أى بتعريف الطاقة الناتجة من الحركات الطبيعية أو الاجتماعية .

4- التسلط: قد تستخدم هذه الكلمة فى الحديث عن الأشخاص (تسلط الشخص) أو المؤسسات (تسلط الهيئات أو المجالس) . ويتميز التسلط بقبول المتسلط عليهم له من دون شروط أو أى إكراه أو إقناع . فالابقاء على حالة التسلط يتطلب احتراماً معيناً للشخص أو المؤسسة المعنيين . والعدو الأكبر للتسلط هو الاحتقار، والخطر الأكبر هو الضحك والسخرية .

5- العنف: يشبه القدرة من حيث أدواته التى تستخدم أساساً بهدف مضاعفة القدرة (40) .

إن السلطة تكمن حقاً فى كل حكومة، لكن العنف لا يكمن فى الحكومة . العنف، بطبيعته، أدواتى، وهو ككل وسيلة يظل دائماً فى حاجة إلى توجيه وتبرير يأتيانه من طرف آخر .. السلطة لا تحتاج إلى تبرير لأنها لا تنفصل أساساً عن وجود الجماعات السياسية . ما تحتاج إليه السلطة إنما هو المشروعية .. إن السلطة والعنف يتعارضان: فعندما يسود أحدهما يغيب الآخر . ويظهر العنف عندما تهدد السلطة ..وكل انحطاط يصيب السلطة إنما هو دعوة مفتوحة للعنف(41).

وترى أرندت أنه قد حدث انقلاب كامل فى العلاقات القائمة بين السلطة والعنف نتيجة عدة مستجدات غير مريحة منها: 1- أن عدداً قليلاً من الأسلحة قد يدمر فى ثوان قليلة كل مصادر القوة القومية . 2- وأنه قد صنعت أسلحة بيولوجية يستطيع بها مجموعات صغيرة من الأفراد أن يقلبوا التوازن الاستراتيجى، 3- وأن التفوق التقنى قد يكون ضاراً أكثر منه نافعاً فى الصراع ضد قوات حرب العصابات (42) .

كما ربطت أرندت العنف بالحركات الأمبريالية، فهى تقول: " إن غاية الامبريالية هو الاستيعاب لا الإدماج وفرض الخضوع لا تحقيق العدل " (43) . وهذا ما يتضح من خلال عدة خصائص وضعتها أرندت للمشروع الإمبريالى كما يلى:

1- تصدير أدوات السلطة السياسية أى مؤسسات الإكراه والاخضاع دون المؤسسات السياسية المدنية، وهذا يعنى إعطاء الأولوية القصوى لتصدير أدوات العنف وعلى رأسها جهاز الجيش والأمن على حساب المؤسسات المدنية والقوانين المنظمة والضابطة للاجتماع السياسى . وبذلك أضحى العنف المنظم فى أجواء التوسع الامبريالى حالة راسخة فى إدارة الشأن السياسى . فهناك إذن انفصال وتباعد متزايد بين ما أسمته أرندت بالأدوات السياسية والمؤسسات السياسية، فالأدوات السياسية التى كانت مترابطة مع المؤسسات السياسية (مثل البرلمان مؤسسات الرقابة الدستورية القضائية المستقلة) فى المراكز الإمبريالية انقطعت عنها لاحقاً فى مواطن التمدد الامبريالى ومن ثم أصبحت أدوات العنف طليقة اليد فى إدارة شئون المستعمرات دون أى وجه من وجوه الرقابة والضبط (44) .

 

2- تتأسس الامبريالية الألمانية على دعامتين أساسيتين:

الأولى: من طبيعة نظرية تمثلها الأيديولوجيا العنصرية التى أضفت المشروعية على سيطرة القلة الإمبريالية على الكثرة من شعوب المستعمرات .

الثانية: من طبيعة سلطوية إكراهية قوامها مثلث الجيش والشرطة ثم الجهاز البيروقراطى ؛ والبيروقراطية عند أرندت تعد واحدة من أهم أدوات إدارة لعبة التوسع الإمبريالى، فهى سلطة تعسفية خاضعة لرهانات وتوجيه إدارى العنف الذين يتوارون خلف الجهاز البيروقراطى بإصدار المراسم والأوامر السرية بغية السيطرة على الأهالى وإخضاعهم لا تنظيم شئونهم ومعاشهم، أى أن البيروقراطية عند أرندت سلطة تعسفية وليس مجال تجسد العقلانية مثلما ذهب إلى ذلك فيبر(45) .

وبوجه عام، فإن السلطة عند أرندت هى نتيجة للفعل وتعتمد تماماً على الإقناع . إنها نتيجة للفعل لأنها ناتجة من الأنشطة المنظمة للعديد من العوامل، وهى تعتمد على الإقناع لأنها تتكون من القدرة على نيل رضا الآخرين من خلال الحوار والجدل البناء . إن القيد الوحيد لها هو وجود أشخاص آخرين، وقد لاحظت أرندت أن ذلك القيد " ليس عرضياً، لأن السلطة البشرية تتوافق مع حالة التعدد " . إنها تتحقق فى كل تلك الحالات التى يؤدى فيها الفعل من أجل أغراض تواصلية (أكثر من كونها استراتيجية أو تعليمية) وحيث يستخدم الكلام للإعلان عن نوايانا أو للتعبير عن دوافعنا للآخرين (46) .

فشرعية السلطة مستمدة من التجمع البشرى القائم على الاتفاق والتشاور والتحاور لتشكيل مجتمع سياسى، وتتأكد عندما يتصرف الأفراد بنظام من خلال وسائل الحديث والاقناع .. " فالسلطة لا تحتاج لتبرير، طالما أنها متأصلة فى وجود المجتمعات السياسية، وإن ما تحتاجه هو الشرعية والتى لا تتأتى إلا من مبدأ يمكن الآخرين الاعتراف به، وجوهر السلطة هو الحكم والتحكم، ولا تدعم بوسائل اقتصادية، بيروقراطية أو استعمارية، ولكن بقوة المعتقدات العامة الناتجة من عملية التشاور العادل وغير المتقيد " (47) .

إن السلطة تكمن فى أساس كل مجتمع سياسى وهى تعبير عن الوجود بالقوة أو الإمكانية المتاحة دائماً للمؤديين . وهى مصدر شرعية المؤسسات السياسية والحكومية .. ودعم الناس هو الذى يمنح السلطة لمؤسسات الدولة، وهذا الدعم ليس إلا مواصلة للرضا الذى أدى لظهور القوانين منذ البداية .. إن كل المؤسسات السياسية هى مظاهر للسلطة وتجسيدات لها، إنها تتجمد وتتلاشى بمجرد أن تتوقف السلطة المعيشة للأشخاص عن تأييدها " . فشرعية المؤسسات السياسية تعتمد على السلطة، والتى هى الرضا الفعال للأشخاص ؛ وطالما أمكن اعتبار الحكومات كمحاولات لحفظ السلطة من أجل الأجيال المستقبلية، فإنها تحتاج لكى تكون فعالة الدعم المستمر والمشاركة الفعالة من كل المواطنين (48) .

ولذلك تؤكد أرندت أن كل حكومة أياً كانت طبيعتها، ديكتاتورية، ملكية، أوليجاركية أو ديمقراطية تعتمد فى كل الأحوال على دعم الخضوع الشعبى ومساندته لها . وكل المؤسسات السياسية، إظهار وتجسيد للسلطة والقوة، وكل المؤسسات تتجمد وتتآكل وتتعفن عندما تتوقف القوة الحيوية للشعب عن مساندتها ودعمها . الفرق بين السلطة (الحكم) والعنف حسب أرندت هو أن الحكم يحتاج دوماً إلى الأعداد (من الخاضعين)، ولكن العنف لا يحتاج إليها لأنه يعتمد على الوسائل والأدوات المادية . السلطة تنبع من الأعداد الكبيرة، أى من العالم، والقوة – وهى صفة الفرد والخاص – إنما هى وظيفة شخصية، وكاريزما نابعة من القوة المادية . والشخص الذى يتمتع بالقوة يظل كذلك بوجود الأعداد التى تسانده والذى هو فى حاجة إلى دعمها . فإذا تنكر له مساندوه وكفوا عن دعمه صار بلا سلطة وبلا قوة (49) .

 

6- مشكلة التنبؤ

للفعل عدة خصائص عند أرندت منها: قدرة الإعلان عن هوية العامل، تمكين الحرية من الظهور، وابتكار فضاء الظهور وإتاحة خلق السلطة . وكذلك عدم إمكانية التنبؤ أو الإدعاء، وسلطة الوعد وسلطة التسامح . فالفعل يحدث عبر شبكة العلاقات البشرية، من خلال سياق التعدد، وبذلك لا يستطيع أى مؤد التحكم فى النتيجة النهائية . فكل مؤد يقوم بعمليات ويدخل فى شبكة معقدة من الأفعال والأحداث التى يساهم فيها أيضاً كل المؤدين الآخرين، مما يؤدى إلى أنه لا يمكن التنبؤ أبداً بالنتيجة من خلال نوايا كل مؤد . إن النتيجة المفتوحة وغير المتنبأ بها للفعل هى نتيجة للحرية البشرية والتعدد . نحن نمتلك الحرية فى بدء عملياتنا بالفعل وإنجاز أعمال جديدة، ولكن لا يوجد مؤد يمتلك القوة للتحكم فى نتائج أعماله (50) .

وترى أرندت أن الفلسفة الغربية قد عالجت هذه المشكلة عن طريق التوقف عن الفعل، والانسحاب من مجال التفاعل مع الآخرين أملاً فى الحفاظ على حرية الفرد وسلامته . فلقد رفعت الأفلاطونية والرواقية والمسيحية مجال التأمل على مجال الفعل، لأن الفرد فى مجال التأمل يتحرر من توريطات الفعل واحباطاته . وتطالب أرندت بعكس ذلك، حيث ترى أن الفرد لا يجب أن يدير ظهره لمجال الشئون البشرية، وأن يعتمد على خاصيتين أساسيتين للفعل هما، ملكة السماح وملكة الوعد . فعن طريق السماح ينظر الفرد إلى الماضى إلى ما حدث ويبرئ المؤدى مما قام به بدون قصد، بينما ينظر بالوعد إلى المستقبل حيث يسعى لبناء جانب الأمان فى مستقبل مختلف غير مؤكد ولا يمكن التنبؤ به . فالسماح يمكننا من التأقلم مع الماضى، والوعد يتيح لنا مواجهة المستقبل، وكما تقول أرندت: "إننا بدون تسامحنا، متحررون من نتائج ما فعلناه، فإن قدرتنا على العمل ستكون مقصورة على عمل واحد فقط لا يمكننا الهروب منه أبداً، وسنظل ضحايا لنتائجه للأبد " . وعلى الجانب الآخر، فبدون التقيد بتنفيذ وعود، لن نستطيع أبداً الحفاظ على هويتنا، وسيحكم علينا أن نسير بلا أمل أو توجيه فى ظلمة قلوبنا . بهذه الطريقة فإن تلك الملكتين تعتمدان على التعدد، على وجود الآخرين، وتعبران عن الحرية (51) .

 

أ.د. ابراهيم طلبه سلكها

رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة طنطا،مصر

.............

الهوامش

(1) Maurizio passerin d Entreves: The political philosophy of Hannah Arendt, Routledge, London and New York, 1994 , p-9 .

(2) Anthony F. lany, Jr. John Williams: op – cit , p-4 .

(3) Maurizio passerin d Entreves: op-cit, p-9 .

(4) Hannah Arendt: The Human condition, p- 7 .

(5) Loc- cit .

(6) Ibid, p-8 .

(7) Maurizio passerin d Entreves: op- cit , p- 66 .

(8) Loc – cit .

(9) Hannah Arendt: The Human Condition , p-4 .

(10) Hannah Arendt: " What is Freedom ? " in " The portable Hannah Arendt " edited by with an Introduction by peter Baehr, penguin Books, 1000 , pp- 439-440 .

(11) Ibid, pp- 440 – 460 .

(12) Hannah Arendt: What is Freedom ? p- 445 .

(13) Maurizio passerin d Entreves: op- cit , p- 66 .

(14) Ibid, p- 67 .

(15) Peter Baehr: The portable Hannah Arendt, p- xxix .

(16) Hannah Arendt: The Human condition , pp- 177-178 .

(17) Maurizio passerin d Entreves: op- cit , p- 68 .

(18) Ibid, p- 70 .

(19) Ibid, p- 71 .

(20) Hannah Arendt: The Human condition, p- 8 .

(21) Maurizio passerin d Entreves: op- cit , p- 70 .

(22) Ibid, pp- 72-73 .

(23) د. زكريا إبراهيم: مشكلة الحياة، مكتبة مصر، ص ص 64 – 65 .

(24) Marice Blondel: Action , Essay on a critique of life and a science of practice , translated byoliva blanchelte, University of nator dame press, Indiana , pp- 232-236 .

(25) Hannah Arendt: The Human condition, p- 184 .

(26) Simon swift: op – cit , p- 3 .

(27) Ibid, p- 3.

(28) Anthony F. lany , Jr. John Williams: op-cit , pp-183-184 .

(29) Simon swift: op- cit , p-3 .

(30) Maurizio passerin d Entreves: op- cit , p- 75 .

(31) ليو شتراوس: تاريخ الفلسفة السياسية، من ثيوكيديديس حتى اسبينوزا، ترجمة د. محمود سيد أحمد، مراجعة وتقديم د/ إمام عبد الفتاح إمام، المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومى للترجمة، 2005 ص 29 .

(32) Maurizio passerin d Entreves: op-cit, p-76 .

(33) Dana R. villa , politics , philosophy, terror, p- 128 .

(34) Maurizio passerin d Entreves: op-cit , pp- 76-77 .

(35) Hannah Arendt: The Human condition , pp- 198-199 .

(36) Anthony F. lany, Jr. John Williams: op-cit, pp- 182-183 .

(37) Ibid, pp- 204-205 .

(38) Margaret Betz Hull: op – cit , p- 60 .

(39) Maurizio passerin d Entreves: op-cit , p-77 .

(40) Ibid, p- 78 .

(41) Hannah Arendt: On Violence, pp- 44-46 .

راجع أيضاً: الترجمة العربية لهذا الكتاب ص ص 39 – 40 .

(42) Ibid, pp- 40-42 .

(43) Ibid, pp- 2-4 .

قارن أيضاً: الترجمة العربية لهذا الكتاب ص ص 11 – 12 .

(44) Alexis de Tecqueville: Democracy in America, London: Everyman s University press, 1994, p- 125.

راجع أيضا:د.توفيق عبدالسلام:الاستبداد الحداثى العربى،مقال نشر بمجلة المعرفة فى 3/10/2004،شبكة المعلومات الدولية(النت)

(45) Ibid, p- 126 .

(46) Margaret Canovan: The political thought of Hannah Arendt , London: Everyman s university press, p- 39 .

راجع د.محمد عبدالسلام:مرجع سابق

(47) Maurizio passerin d Entreves: op – cit , p- 78 .

(48) Hannah Arendt: Crises of The Republic, New York: Harcourt Brace Jovanovich , 1972, p- 190 .

(49) Ibid, p- 140 . .

(50) Ibid, pp- 140-155 .

راجع أيضا:عزالدين بن عثمان:علاقات السلطة فى المجتمع ومعنى السلطة والعنف،مقال نشر بجريدة "دنيا الرأى"،شبكة المعلومات الدولية(النت).

(51) Maurizio passerin d Entreves: op – cit , p- 80 .

(52) Ibid, pp- 80-83 .

 

 

zouhair khouildi"إن الفرق بين الكينونة والتملك ليس بالضرورة الفرق القائم بين الشرق والغرب. بل إن الفرق يتعلق بمجتمع متمركز حول الأفراد، ومجتمع متمركز حول الأشياء"1[1].

لم يجد علماء الانسان تفسيرا لتحول بعض الكائنات الآدمية في حالة الوداعة والطيبة والنزعة السلمية الى حالة التوحش والعدوانية والنزعة الحربية . ولقد حاول البعض منهم تبرير ذلك بالفاقة والحرمان والظروف الصعبة التي يمر بها بعض المنبوذين ولكن المفارقة تكمن في تعطش بعض الحالات البشرية الى التدمير وإيذاء الغير وممارسة الارهاب بالرغم من انحدارها من شرائح اجتماعية ثرية و مرفهة وتمتعها برغد العيش وبحبوحة الحياة. فما السر الذي يكمن وراء انفلات النزعة التدميرية في الطبيعة البشرية حسب ايريك فروم؟ وهل الإنسان عدواني بطبعه كما يرى فرويد؟ هل العدوانية غريزة فطر عليها الإنسان أم هي رد فعل ثقافي مكتسب؟ هل الكائن البشري يخضع لحتمية بسيكولوجية أم يمكن أن يستعيد حريته؟ هل يهرب من الحرية أم يخاف من أن يصير حرا؟ ما معنى إعطاء الحرية للبشر في ظل تنامي النزعة التدميرية وتكاثر النظم الشمولية؟ وكيف ننقذ البشر من نزعة التملك ونسمح لهم بتحقيق الكينونة؟

ايريك فروم جاء بعد فرويد وأدلر ويونغ وتأثر بكارين هورني وهاري ستاك ساليفان الذين أعطيا التحليل النفسي طابعا اجتماعيا وقد أضاف إليهما اهتماما بمشكلات إنسانية كبري مثل الرمز والحرية والكينونة. كما لا يتفق فروم مع فرويد في تصدع الذات والإهانة البسيكولوجية التي سددها للإنسان والإقرار بالوضعية الفصامية للكوجيتو وقوله بسكونية العلاقة بين الفرد والمجتمع وفي ارتباط الفرد بالعالم المحيط به وتبعيته للماضي الطفولي وفي دور الغرائز، إذ لا تقتصر عنده على الحاجات البيولوجية للإنسان ويبرر ذلك بأن الدوافع لا تفسر لماذا يقوم الإنسان بأفعال معينة دون أخرى وكيف ومتى ينجز ذلك أو ينقطع عنها أو يضحي بنفسه في سبيل حاجات حضارية ومبادئ أخلاقية تماشيا مع معتقدات دينية أو توجهات وطنية.

في هذا السياق نجده يقول:" كل سلوك تدميري ليس نتاجا عمليا لغريزة تدميرية في بنية الطبع البشري بل محصلة دوافع ونزعات ليست طبيعية بالضرورة وإنما لها علاقة وثيقة بالممارسات والطقوس الثقافية". لقد فسر فروم السلوك العدواني بفقدان الفرد لقيمته وشعوره بأن حياته غير جديرة بأن تعاش وظهور نرجسية جماعية تعتقد في التفوق والعظمة وبالتالي غياب البعد الإنساني وخاصة انعدام الضمير والهروب من الحرية. حينما درس فروم الشخصية الإنسانية وجدها تركيب عجيب من العوامل النفسية الاجتماعية والتأثيرات السياسية الاقتصادية وانتهى إلى أن الانجازات الحضارية سببت العديد من المشاكل والمخاطر التي أصبحت تهدد الحياة وتمظهرت في طغيان النزعة الفردية وتأثير الحروب على الوضع النفسي للكائن البشري وفي ضياع الحرية والوقوع في الاغتراب. لهذا السبب نراه يتساءل: هل يريد الإنسان الحرية حقا أم أنه يخاف منها ؟ وهل الخوف من الحرية كامن في طبيعة البشر أم ناتج عن سيطرة النظم الشمولية؟ ولماذا يهرب الإنسان من الحرية ويفضل الحياة في الاغتراب والاستغلال؟

ليس الإنسان جوهرا واحدا ولا يتكون من بعدين وإنما هو ثلاثي الأبعاد حسب ايريك فروم هي الفردي والاجتماعي والإنساني تساهم إذا حضرت دون زيادة أو نقصان في نمائه ونضجه وفعاليته في الوجود. في البداية الهوية الفردية يكتسبها الشخص نتيجة نمو حرية داخلية وتفتحها داخل الوسط الذي تتفاعل معه. غير أن الفردية المنشودة لا ينبغي أن تتعارض مع المجتمع بل يتدخل العامل الاجتماعي في تكوين الفردية وبالتالي يرفض فروم أن يكون الإنسان عدوا بطبعه لغيره وأن يفضل الانعزال والانطواء لإشباع غرائزه بل هو محب للعدل ويفضل الصداقة والتعاون مع الغير ويعمل على بناء أشكال من الروابط المتينة والمفيدة مع المجتمع دون أن يسقط في إلغاء شخصيته ونكران ذاته ودون الوقوع في التضاد أو التماثل. غاية المراد أن فروم يؤسس تصورا جدليا للكائن البشري حينما يتخطي المراوحة بين الفردي والاجتماعي نحو الإنساني وينظر إليه بوصفه مستقلا واجتماعيا في ذات الوقت ويرى أنه لا يصل إلى حالة النضج الإنساني والنماء النفسي إلا إذا ساهم في العمل الجماعي الناجح واحتفظ بخصوصيته الفردية وحقق الاستقلال والتواصل معا بوصفهما حاجتين متأصلتين في كينونته وقاوم النزعات المضادة للإنسانية. على هذا النحو يتجلى البعد الإنساني في رفض الانعزال عن المجتمع والتماثل مع الأغلبية في ذات الوقت ويرتبط بالضمير الإنساني باعتباره ذلك الصوت الذي ينبعث من الأعماق مناديا بأهمية العودة إلى الذات. بناء على ذلك يختلف الضمير عند فروم عن الأنا الأعلى الفرويدي والضمير التسلطي ويهتدي بقيم التعاون والتعاطف والانتقال من وضعية المجتمع اللاّسوي إلى وضعية المجتمع السوي عن طريق إحداث تغيير جذري بالعلاج النفسي وتحليل الأوضاع المرضية التي يتصف بها البشر وهي: ميكانيزمات المازوشية الأخلاقية (حب الذات) والسادية (حب التعذيب) والنزعة التدميرية (حب التدمير) والمطابقة الآلية ( الإمتثالية العمياء للسلطة القائمة والانسياق التام) والخوف من الحرية (تفضيل الاستعباد). والحق أن العصر الصناعي لم يف بوعوده وتسبب للبشرية في صدمة نابعة من معاينة الفشل والتدهور ويظهر ذلك في النتائج الكارثية التالية:

- لقد تحول الاستهلاك بوصفه شكل من أشكال التملك في مجتمع الوفرة إلى فقدان نمطه الإشباعي وانضافت إليه أنشطة الترويح عن النفس وسلبيات التلهية وصرف الوقت والجهد .

- لا يسهم الإشباع التام لكل الرغبات في تحقيق السعادة ولا المتعة بل تحول إلى شعور بالتعاسة والألم.

- لقد أصبح الإنسان جزء من الآلة البيروقراطية وصارت أفكاره وعواطفه مراقبة من وسائل الإعلام ومخابر تصنيع الرأي التي تملكه الحكومة وانتهى حلم الاستقلالية والسيادة الذاتية.

- لقد ضاعف التقدم الاقتصادي في الهوة التي تفصل الأغنياء عن الفقراء والشمال عن الجنوب وخلق أخطار بيئية وتهديدات لمستقبل الحياة على الكوكب.

غير أن فروم يحذر من نسيان روعة الأمل العظيم وضخامة الانجازات المادية والفكرية التي حققها العصر الصناعي بقوله في "تملك وكينونة": " إن الأمل الكبير في تقدم غير محدود – وهو أمل السيطرة على الطبيعة والوفرة المادية وتحقيق قدر أقصى من السعادة لأكبر عدد ممكن من الناس، وتحقيق حرية فردية لانهائية- قد كان أساس الاستبشار والاعتقاد الذي ميز أجيالا بكاملها منذ العصر الصناعي".

إن الإنسان يتسلح بالأمل ضد التشاؤم ويحاول الخروج من الاغتراب نحو التحرر ومن الملكية إلى الكينونة ويبدي نوعا من التسامي يحول به الدوافع الغريزية والميولات إلى إبداعات حضارية مثل الفن والعلم والتقنية والأدب والفلسفة...كما ترتكز نظرة فروم المتفائلة على خاصيات الإنسان الأنطولوجية والنفسية وعنصر هام هو الأمل. لكن الأمل لا يرتبط بفعالية الإنسان ونشاطه الحيوي في ظروف المدينة البرجوازية المعاصرة بل هو ملازم لكل فرد ومرتبط بالحياة ويتوجه نحو المستقبل. ليس الأمل انتظارا سلبيا ووهما بل الاستعداد الداخلي للإنسان لأمر لم يأت بعد واستعداد للعمل. انه عنصر داخلي في بنية الحياة وديناميكية الروح وشرط أساس لتحقيق الكينونة الأصيلة. لا يمثل الأمل طموح الفرد إلى أن يملك شيئا بل سعيه إلى أن يكون نفسه أي أن يكون شخصا مميزا وفرد مستقلا ينتمي إلى مجتمع ويحمل قيما إنسانية نبيلة[2]2. من هذا المنطلق يبدو الإنسان كائنا متعلقا بالأمل ويمثل الأمل بالنسبة إليه خيرا وسعادة واستعدادا داخليا لإحداث تغييرات مهمة في الوجود الاجتماعي تتحقق في المستقبل في سياق برنامج ايجابي يقوم بأنسنة المجتمع والإنسان يسميه فروم "ثورة الأمل"[3]3.

في نهاية المطاف ينادي فروم بأن يعيش تجربة الحياة بتلقائية وبقلب مفتوح على الحب والصداقة والأمل ويحسن استثمار قوة الطاقة الحيوية ويقاوم جاذبية الخضوع للسلطة الخارجية ويستبدلها بالإنصات إلى نداء الحرية وصوت الضمير. لكن برنامج فروم يظل متأثر بالفلسفة البوذية الشرقية واقتصر على توجيه إرشادات روحية نفسية جديدة للإنسان وتحريضه على الانفصال عن وجوده القائم واكتسابه لنفسه وبقي مشروع تبديل الوضع النفسي وظروف الوجود الإنساني يعتمد بشكل كامل على مجرد التجديد الأخلاقي والانبعاث الروحي واليقظة النفسية ولا يمس جوهر الوجود والنشاط الاجتماعي. فكيف يرتبط الأنا الواقعي للإنسان بالانتماء إلى المجتمع؟

 

....................

الهوامش والإحالات:

[1] ايريك فروم ، تملك وكينونة، ترجمة محمد سبيلا،

الرابط http://www.aljabriabed.net/n03_10sabilai.htm

[2] فاليري ليبين، مذهب التحليل النفسي وفلسفة الفرويدية الجديدة، دار الفارابي، بيروت، طبعة أولى، 1981.ص193

[3] ايريك فروم ، ثورة الأمل، نحو تكنولوجيا مؤنسنة، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، مكتبة دار الكلمة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2010.

 

المصادر والمراجع:

ايريك فروم، الإنسان بين الجوهر والمظهر، ترجمة سعد زهران، سلسلة عالم المعرفة، عدد140.

ايريك فروم ، المجتمع السوي، الفصل الثالث الوضع الإنساني مفتاح التحليل النفسي الإنساني ص، ترجمة محمود منقذ الهاشمي، الطبعة الأولى، دمشق، 2009

ايريك فروم ، تشريح التدميرية البشرية، الجزء الأول، ترجمة محمود منقذ الهاشمي، الطبعة الأولى، دمشق، 2006.

ايريك فروم ، ثورة الأمل، نحو تكنولوجيا مؤنسنة، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، مكتبة دار الكلمة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2010.

ايريك فروم ، مفهوم الإنسان عند ماركس، ترجمة محمد سيد رصاص، دار الحصاد دمشق، الطبعة الأولى 1998.

فاليري ليبين، مذهب التحليل النفسي وفلسفة الفرويدية الجديدة، دار الفارابي، بيروت، طبعة أولى، 1981.

كاتب فلسفي

 

ibrahim telbasilkhaالطريق الثالث third way يقع بين طريق الاشتراكية socialism وطريق الرأسمالية capitalism ، بين اليسار left واليمين right .. ولقد تولد مصطلح "اليسار" ومصطلح "اليمين" عن الحياة البرلمانية الفرنسية في مستهل القرن التاسع عشر، عندما اعتاد الملكيون أو المحافظون أن يجلسوا جماعة إلي يمين رئيس الجلسة , وتجمع المصلحون الدستوريون والانقلابيون إلى يساره . وفي هذا إشارة رمزية لها دلالتها , لأن " اليسار " على وجه الإجمال يريد أن يدفع الأهداف الديمقراطية للثورة الأمريكية والثورة الفرنسية حتى تتحقق على أكملها , ويريد " اليمين " إجمالا مجتمعا أقل من ذلك ديمقراطية بدرجة كبيرة . وهذه الخطوط العريضة التى ترسم الفوارق بين هذين المصطلحين لا تكفي – بطبيعة الحال – لقياس ما في الآراء من تعقيد حتى في السياسة . وذلك لأمر واحد وهو أن الوسط الذي نقيس منه اليسار واليمين ليس نقطة محددة واضحة لأن الجذب الديمقراطي بين مثل الحرية والمساواة موجود دائما . كما أن المثل الأعلى للأمن يزيد الأمر تعقيدا .. غير أن التقسيم إلى اليسار واليمين – برغم هذا – كوسيلة للتمييز بين الجانبين قد ينفعنا وبخاصة إذا لاحظنا أن خط التقسيم منحن يمكن أن يكون دائرة كاملة فيلتقي الطرفان . ومما يلفت النظر في السنوات الأخيرة من الجمهورية الفرنسية الثالثة أن الملكيين والشيوعيين وهما في المصطلح السياسي يمين متطرف ويسار متطرف , كثيرا ما صوتوا في جانب واحد في مشكلة   معينة (1)

ومهما يكن من أمر فإن جيدنز يحاول عبر مؤلفاته أن يجسد التعارض القائم بين " اليسار " و " اليمين " ويدعو إلى الانصراف عن الجانبين التماسا لطريق ثالث وهو يري أن الطريق الثالث وسيلة لتحقيق التقارب بين الاشتراكية أو اليسار وبين الرأسمالية أو اليمين .

وبالنسبة للاشتراكية يري جيدنز أن أصولها ترتبط بالبدايات المبكرة لتطور المجتمع الصناعي منذ حوالي منتصف القرن الثامن عشر وحتى أواخره . وقد كانت الاشتراكية في بدايتها بمثابة بناء فكري يعارض النزعة الفردية individualism في حين ظهر اهتمامها بتطوير نقد للنظام الرأسمالي في فترة لاحقة . وقبل أن تدعي لنفسها معنى محددا شديد التخصيص بقيام الاتحاد السوفيتي اختلط مصطلح الشيوعيةcommunism بشدة مع مصطلح الاشتراكية حيث سعى كل منهما إلى تأكيد أولوية الاجتماعي أو المجتمعي . (2)

وكانت الاشتراكية تمثل في المقام الأول موقفا فلسفيا وأخلاقيا . ولكنها أخذت قبل ماركس بوقت طويل تصطبغ بصبغة المذهب الاقتصادي economic doctrine . بيد أن ماركس هو الذي زود الاشتراكية بنظرية اقتصادية محكمة . هذا فضلا عن أنه وضع الاشتراكية في إطار تفسير شامل للتاريخ . وقد شارك الاشتراكيون جميعا ماركس موقفه السياسي , بغض النظر عن مدى حدة خلافاتهم الأخرى معه . فالاشتراكية تسعى إلى مواجهة نواحي القصور في الرأسمالية بغرض إضفاء صبغة إنسانية عليها أو الإطاحة بها تماما . وتنهض النظرية الاقتصادية للاشتراكية في فكرة مؤداها أن الرأسمالية إذا ما تركت وفقا لآلياتها , فإنها – الرأسمالية – تتسم بعدم الكفاءة الاقتصادية بسبب ميلها إلى خلق تمايزات اجتماعية وعجزها عن إعادة إنتاج نفسها على المدى الطويل . (3)

ولقد كانت النظرية الاقتصادية للاشتراكية تتسم دائما بالقصور وعدم الكفاءة، من حيث تهوينها من قدرة الرأسمالية على التجديف والتكيف وزيادة الإنتاجية باضطراد . كما أخفقت الاشتراكية أيضا في فهم أهمية الأسواق باعتبارها آليات للمعلومات تزود الباعة والمشترين ببيانات أساسية . ولم تنكشف هذه النقائص إلا مع تعاظم عمليات العولمة والتغير التكنولوجي التى بدأت منذ السبعينات . فطوال الفترة من منتصف السبعينيات وقبل انهيار الاتحاد السوفيتي بزمن طويل، أخذت الديمقراطية الاجتماعية تواجه بصورة متزايدة تحدي فلسفات السوق الحر وعلى وجه الخصوص مع نشأة التاتشرية والريجانية التى يمكن وصفها بشكل أدق بتعبير الليبرالية الجديدة . ولقد كانت فكرة تحرير السوق تبدو في فترات سابقة، وكأنها تنتمي إلى الماضي، إلى عصر تم تجاوزه . وهكذا عادت أفكار كان ينظر إليها الكثيرون باعتبارها خارجة عن المألوف , مثل أفكار فريدريك فون هايك friendrich von hayek - الداعية البارز للسوق الحر – ونقاد آخرين للاشتراكية من دعاة السوق الحر، عادت فجأة لتصبح قوة يعتد بها. وقد مارست الليبرالية الجديدة قدرا ضئيلا من التأثير في أغلب دول القارة الأوربية بالقياس إلى التأثير الذي مارسته في المملكة المتحدة والولايات المتحدة واستراليا وأمريكا اللاتينية . وإن كانت فلسفات السوق الحر قد أصبحت مؤثرة في القارة الأوربية، شأنها شأن أماكن أخرى . (4)

وتتسم مقولات الديمقراطية الاجتماعية والليبرالية الجديدة باتساع نطاقها واشتمالها على جماعات وحركات وأحزاب ذات قناعات وتوجهات سياسية مختلفة . وتستند الليبرالية الجديدة إلى تيارين أساسيين، أكثرهما أهمية هو التيار المحافظ ( أصل المصطلح هو اليمين الجديد ) . وقد أصبحت الليبرالية الجديدة بمثابة الرؤية الفكرية للعديد من الأحزاب المحافظة في كافة أنحاء العالم . ومع ذلك فإن ثمة نمطا هاما من التفكير يرتبط بفلسفات السوق الحر التى تتبنى، على خلاف التوجه المحافظ، موقفا تحرريا فيما يتعلق بالقضايا الأخلاقية والاقتصادية في نفس الوقت. فعلى العكس من المحافظين التاتشريين يميل أنصار التحرر علي سبيل المثال إلى دعم الحرية الجنسية أو عدم تجريم المخدرات . (5)

ويقصد جيدنز بتعبير " الديمقراطية الاجتماعية " الإشارة إلى الأحزاب والجماعات الإصلاحية اليسارية الأخرى، بما في ذلك حزب العمال البريطاني british labour party . ويري أن النظم الديمقراطية الاجتماعية تتباين فيما بينها بدرجة كبيرة، ومع ذلك فإن الديمقراطية الاجتماعية الكلاسيكية والليبرالية الجديدة يمثلان فلسفتين سياسيتين متميزتين ويلخص جيدنز الاختلافات بينهما على النحو التالي :

أ- الديمقراطية الكلاسيكية " اليسار القديم "

تقوم على :

        التدخل الشامل للدولة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية .

        النزعة الجمعية .

        إدارة الطلب بالأسلوب الكينزي بالإضافة إلى النزعة المؤسسية.

        دور محدود للأسواق ,واقتصاد مختلط أو اشتراكي .

        نزوع قوي نحو المساواة .

        دولة رفاهية شاملة تحمي المواطنين " من المهد إلى اللحد " from cradle to grave

        مسار تحديثي تقدمي .

        وعي بيئي منخفض .

        النزعة الدولية internationalism   .

        الانتماء إلى عالم ثنائي القطبية .

ب – التاتشرية أو الليبرالية الجديدة ( اليمين الجديد )

يقوم على :

- دور محدود للدولة .

- مجتمع مدني مستقل ذاتيا .

- نزعة سوقية متطرفة .

- نزعة تسلطية أخلاقية بالإضافة إلى نزعة اقتصادية فردية.

- سوق عمل حر مثل أي سوق أخر .

- القبول بعدم المساواة .

- نزعة قومية nationalism تقليدية .

- دولة الرفاه كشبكة أمان .

- مسار تحديثي تقدمي .

- وعي بيئي منخفض .

- نظرية واقعية حول النظام الدولي .

- الانتماء إلى عالم ثنائي القطبية . (6)

وفي ضوء هذه الاختلافات لاحظ جيدنز حرص الديمقراطية الاجتماعية الكلاسيكية على ضرورة تدخل الدولة في نظام السوق (فالدولة ملزمة بأن تتيح السلع والخدمات العامة التي لا يمكن للسوق أن يقدمها , أو لا يمكنه أن يقدمها بصورة ملائمة ) وفي حياة الأسرة ( فالمزايا التي تقدمها الدولة ذات أهمية حيوية لمساعدة الأسر المحتاجة ) . وربما كان أعلى منظر في نشأة دولة الرفاه في المملكة المتحدة كعبا هو ت . هـ . مارشالmarshall والذي قدم عرضا مفحما لهذا النموذج . وفي رأيه أن دولة الرفاهية تمثل قمة عملية تطورية طويلة لحقوق المواطنة.(7)

ولقد وجدت الديمقراطية الاجتماعية الكلاسيكية من الصعب عليها أن تتوافق مع الاهتمامات الإيكولوجية ecological concerns .فتأكيدها على النزعة المؤسسية، وسعيها للتشغيل الكامل , وتأكيدها المتعاظم على دولة الرفاه جعلها غير قادرة على التعامل مع القضايا الايكولوجية بطريقة متسقة . فضلا عن أنها كانت تفتقر – من الناحية العملية – إلي نظرة كونية قوية .لقد كانت الديمقراطية الاجتماعية ذات توجه دولي , حيث كانت تسعى إلى خلق وحدة تضامنية بين الأحزاب السياسية ذات التوجهات المتشابكة , عوضا عن مجابهة مثل هذه المشكلات الكونية . ومع ذلك فقد ارتبطت بقوة نظام الثنائية القطبية حيث احتلت مركزا وسطا بين نزعة الحد الأدنى من الرفاهية الأمريكية والاقتصاد المختلط للشيوعية .(8)

أما وجهة نظر الليبرالية الجديدة ينبع من " الحكومة الكبيرة الحجم ". فلقد عبر الأب المؤسس للنزعة المحافظة في بريطانيا ادموند برك edmund burke عن كراهيته للدولة , والتي إذا ما توسعت إلى أبعد ما يلزم لابد أن تتحول إلى العداء للحرية والاعتماد على الذات . وقد كانت النزعة المحافظة الأمريكية تكن العداء منذ أمد بعيد للحكومة المركزية . واستندت التاتشرية على هذه الأفكار , فضلا عن الشكوك الليبرالية الكلاسيكية حول دور الدولة التى نهضت على مقولات اقتصادية حول الطبيعة الأعلى تفوقا للأسواق . وترتبط أطروحة الحد الأدنى من تدخل الدولة ارتباطا وثيقا برؤية مميزة للمجتمع المدني يجب أن تتاح لها فرصة النمو والازدهار، ولن يتحقق هذا إلا إذا امتنعت الدولة عن     تعويقها . (9)

ولهذا يري الليبراليون الجدد أن مصدر النظام في المجتمع لا نجده ماثلا أساسا في التفكير ولا في الحساب والتخطيط العقلانيين من جانب الدولة أو أي جهة أخرى . ذلك أن المجتمع له بمعنى خاص , كيفية عضوية . بيد أن هذه الصفة وليدة تأزر عفوي غير متعمد بين أفراد كثيرين يعملون وفاء لمتطلبات دوافعهم الخاصة . وإن الأسواق التي تعمل على نحو جيد هي المثال الأول والأساسي لذلك , وهي المرتكز الرئيسي للنظام الاجتماعي العفوي. ومثل هذا النظام الاجتماعي ليس مقصورا على الساحة الاقتصادية. وتمثل نظرية النظام العفوي المصدر المباشر المقيد المنوط بالحكومة في مذاهب اليمين الجديد . إذ تقرر أن الهدف الرئيسي للحكومة ليس ( إنتاج أي خدمات أو منتجات بذاتها ليستهلكها المواطنون ) وإنما أن تراعي أن آلية تنظيم السلع والخدمات تعمل وتدار على نحو صحيح . وهنا تكون رسالة الاقتصاد التنافسي إلى الحكومة ما يلي : ابتعدوا ذلك أن تدخل الحكومة حتى وإن جاء بحافز أنبل الدوافع قابل لأن يخلق على الأقل نفوذا بيروقراطيا إن لم نقل استبدادا وطغيانا . (10)

ويذهب أنصار الليبرالية الجديدة إلى القول بأن من فضائل المتجمع المدني إذا ما ترك يعمل وفقا لآلياته " خلق الشخصية الصالحة , والأمانة , والإحساس بالواجب , والتضحية بالذات , والشرف , والخدمة , والانضباط , والتسامح , والاحترام , والعدل, وتنمية الذات , والثقة , والكياسة , والجلد , والشجاعة, والنزاهة , والاجتهاد , والوطنية , واحترام الآخرين , والاقتصاد والتوفير . والدولة، وعلى الأخص دولة الرفاه، تعمل على تدمير النظام المدني .(11)

وإن حدود دولة الرفاه , في رأى الليبراليين الجدد , فاضحة وواضحة لكل ذي عينين . وتشوبها عيوب كثيرة من بينها أنها تفيد الأكثر ثراء دون الأقل، وتخلق مزيجا غير مقدس من الوحوش البيروقراطية وتواكلية الرفاهwalfare dependency . (12) فدولة الرفاه تعد مصدر كل الشرور بذات القدر الذي كانت تمثله الرأسمالية ذات يوم في أعين اليسار الثوري . وما ينهض بعبء تقديم الرفاهية إذا ما قمنا بتفكيك دولة الرفاه هو النموذج الاقتصادى الذى يقوده السوق . فالرفاهية لا ينبغي أن تفهم على أنها منحة تقدم من الدولة بل بأنها تعظيم للتقدم الاقتصادي، ومن ثم لمجمل الثروة من خلال السماح للأسواق بان تحقق   معجزاتها. (13)

وهكذا استعرض جيدنز منطلقات كل من الاشتراكية والرأسمالية او اليسار واليمين ثم نجده يقدم نظريته حول الطريق الثالث فما الذي يقصده " جيدنز " بالطريق الثالث؟

يري جيدنز أن مصطلح " الطريق الثالث " ليس خلقا جديدا في حد ذاته فقد استخدمه من قبل كثيرا عبر تاريخ الديمقراطية الاجتماعية social democracy كتاب وسياسيون ذوو مشارب سياسية مختلف كل الاختلاف . (14)

وأن عبارة " الطريق الثالث " فيما يبدو قد صيغت منذ بداية القرن، وشاع استخدامها في أواسط الجناح اليميني في العشرينات وإن كانت أكثر استخداما في الغالب من جانب الديمقراطيين الاجتماعيين والاشتراكيين في الفترة التى أعقبت الحرب العالمية مباشرة، قدر الديمقراطيون الاجتماعيون بوضوح تام أنهم قد اكتشفوا طريقا متميزا عن رأسمالية السوق الأمريكية، وعن الشيوعية السوفيتية . وعند إعادة تأسيسها في سنة 1951 تحدثت الدولية الاشتراكية بصراحة عن الطريق الثالث بهذا المعنى . وبعد نحو عشرين سنة من هذا التاريخ استخدم الاقتصادي التشيكي أوتاسيك ota sik وآخرون المصطلح للإشارة إلى اشتراكية السوق. وكان الاشتراكيون الديمقراطيون السويديون في العادة أكثر الجميع ميلا إلى استخدام مصطلح الطريق الثالث بأحدث معانيه في أواخر الثمانينات بوصفه برنامجا مهمًا للتجديد وأما الاستخدام الأحدث لتعبير " الطريق الثالث " فنجده عند بيل كلنتون وتوني بلير . (15)

ويستخدم جيدنز مصطلح " الطريق الثالث " بوصفه تجديدا للديمقراطية الاجتماعية أو دلالة على الرؤية المعاصرة للمراجعة وإعادة التفكير التى أنجزها الديمقراطيون الاجتماعيون في أكثر من مناسبة على امتداد القرن . (16) أو للإشارة إلى الإطار المرجعي للتفكير وصناعة السياسات التى تهدف إلى مواءمة الديمقراطية الاجتماعية مع عالم تعرض لتغيرات جذرية خلال العقدين أو الثلاثة عقود الماضية . هو إذن " طريق ثالث " بمعنى " أنه محاولة لتجاوز كل من الديمقراطية الاجتماعية الكلاسيكية والليبرالية الجديدة "(17)

ويري جيدنز أن ثمة قلقا يساور اليمين واليسار على حد سواء حول مجتمع " أنا أولاMe first society وما يترتب عليه من تحطيم القيم الاشتراكية والاهتمامات العامة أو تحطيم التضامن الاجتماعي، ولكنهما يرجعان هذا القلق إلى أسباب مختلفة . فالكتاب الذين ينتمون إلى الديمقراطية الاجتماعية يبحثون عن جذور هذه المشكلة في قوى السوق متضافرة مع التأثير الأيدلوجي للتاتشريه التى تؤكد على أن الأفراد يجب أن يوفروا احتياجاتهم بأنفسهم ولا يعتمدون على الدولة . أما الليبراليون المحدثون وغيرهم من المحافظين فإنهم يبحثون السبب في التسامح الذي ظهر خلال الستينات، والذي زرع البدايات الأولى لنوع من التحلل الأخلاقي moral decay   .(18)

ويطالب جيدنز بضرورة مراجعة هذا الجدل برمته , فإطلاق كلمة " جيل أنا أولا " لوصف النزعة الفردية الجديدة ليس سوى وصف مضلل , فالنزعة الفردية لا تشير إلى عملية تحلل أخلاقي . وبدلا من النظر إلى عصرنا على أنه عصر تحلل أخلاقي فإنه من الأفضل أن ننظر إليه على أنه عصر تحول أخلاقي moral transition . ويجب عليا أن ننظر إلى أساليب جديدة لخلق التضامن بيننا . ولا يمكن أن نضمن تحقق التماسك الاجتماعي عبر فعل يأتي من أعلى تقوم به الدولة أو اللجؤ إلى التراث . إن علينا أن نؤسس حياتنا بشكل أكثر نشاطا مما كان لدى الأجيال السابقة كما أننا بحاجة إلى أن نتحمل مسئولية تبعات أفعالنا وعادات أساليب الحياة التى نتبناها . وعلينا أن نفتش عن توازن جديد بين المسئولية الفردية والجمعية اليوم . (19)

لقد ظلت التفرقة بين "اليسار" و"اليمين" منذ أن ظهرت في نهاية القرن الثامن عشر غامضة ومستعصية على الفهم , ومع ذلك فإنها لم تختف وتشبثت باستمرار . ولقد لاحظ مؤرخ الفاشية الفرنسي زيف سيترنهل seev strenhell في تأريخ للأحزاب والجماعات السياسية التى تصف نفسها على أنها " لا يمين ولا يسار " لاحظ إلى أي مدى كان الخلاف دائما حول طبيعة الانقسام . فقد غير اليسار واليمين من معانيهما عبر الزمن . فنظرة على تطور الفكر السياسي توضح لنا أن نفس الأفكار كان ينظر إليها على أنها تنتمي إلى جناح اليسار في فترات وسياقات بعينها, كما كانت تعتبر منتمية إلى جناح اليمين في فترات وسياقات أخرى . وعلى سبيل المثال كان دعاة فلسفات السوق الحرة في القرن التاسع عشر يعتبرون في صف اليسار، على حين يوضعون اليوم على قائمة اليمين .(20)

ويعرض جيدنز دفاع المفكر السياسي الإيطالي نوربرتو بوبيو norberto bobbio عن استمرار التفرقة بين اليمين واليسار . فقد رأى بوبيو أن فئتا اليمين واليسار قد استمرتا في ممارسة تأثيرهما على الفكر السياسي لأن السياسة بطبيعتها خلافية. فجوهر السياسة هو الصراع بين وجهات نظر متعارضة وبين سياسات مختلفة . ويأتي اليمين واليسار من كلا الجانبين في الجسد السياسي . وبالرغم من أن معنى اليمين أو معنى اليسار يمكن أن يتغير إلا أنه لا يمكن أن يوجد شئ يظل على اليمين واليسار فى آن واحد . فالتمييز بينهما تمييز استقطابي بطبيعته . وعندما تتوازن الأحزاب أو الأيديولوجيات السياسية يشرع البعض في مناقشة جدوى التمييز بين اليسار واليمين . ولكن فى الأوقات التى يصبح فيها أحدهما من القوة بحيث يبدو وكأنه هو " اللاعب الوحيد في المدينة " فإن كلا الجانبين يكونان له مصالح في مناقشة هذه الجدوى . ويكون للطرف الأقوى مصلحة في أن يعلن – كما فعلت مارجريت تاتشر – أنه " لا يوجد بديل آخر " . ويحاول الطرف الآخر في الغالب , وطالما أن روحه العامة لم تعد شعبية، أن يتبنى بعض آراء أعدائه وينشرها باعتبارها آراءه الخاصة . وتكون الاستراتيجية المعهودة للطرف الخاسر هي محاولة التوصل إلى " صيغة توليفية من المواقف المتعارضة بهدف إنقاذه من موقفه الخاص عن طريق النسج على منوال الموقف المعارض , ومن ثم محاولة تحييده " ويصور كل طرف نفسه على أنه يتجاوز التمييز القديم بين اليمين واليسار أو يؤلف بين عناصر من هنا وهناك لخلق توجه جديد يتسم بالحيوية. (21)

ويري جيدنز أن العولمة قد غيرت، جنبا إلى جنب، مع تفكك الشيوعية , الملامح المميزة لكل من اليمين واليسار . فلم يعد هناك فى المجتمعات الصناعية يسار متطرف له صوت عال . بل هناك يمين متطرف له صوت عال ، وهو يعرف نفسه على أنه استجابة للعولمة . وهو اتجاه مشترك يجمع السياسيين من جناح اليمين من أمثال بات بيوكانن pat buchanan في الولايات المتحدة وجان ماري لوبان jean marie le pen في فرنسا وبولين هانسون pauline hanson في استراليا .. وينسحب نفس القول على شرائح اليمين الأكثر شراسة أو الأميل إلى العنف فى الولايات المتحدة التى ينظر أفرادها إلى الأمم المتحدة والحكومة الفيدرالية باعتبارهما من المؤامرات التى تحاك ضد الكيان الوطني الأمريكي . وتنحصر الموضوعات التى تستحوذ على تفكير اليمين المتطرف في موضوعات تتعلق بالحماية الاقتصادية والثقافية . (22)

ويتوصل جيدنز إلى نتيجة مهمة لا يمكن تجاهلها مفادها أن الغرب اليوم يمر بمرحلة تحول، وأن تغيرًا نوعيا قد حدث بالفعل. فمعظم المفكرين والنشطاء السياسيين في نطاق اليسار قد تبنوا نظرة تقدمية إلى التاريخ . فهم لم يتحالفوا فقط مع " المسيرة التقدمية للاشتراكية " وإنما تحالفوا كذلك مع تقدم العلم والتكنولوجيا. وعلى الناحية الأخرى نجد أن المحافظين قد ساورهم الشك في المخططات الفكرية الكبرى , وكانوا برجماتيين فيما يتصل بالتطور الاجتماعي وركزوا جل اهتمامهم على قضية الاستمرارية . ولكن هذه التعارضات أصبحت اليوم أقل حدة مما كانت عليه . فقد قبل كل من اليسار واليمين الطبيعة ذات الحدين للعلم والتكنولوجيا، والتي تولد منافع عظيمة في الوقت الذي يخلق فيه مخاطر جديدة ومظاهر جديدة من القلق وعدم اليقين.(23)

ومع اختفاء الاشتراكية كنظرية فى الإدارة الاقتصادية، اختفي واحد من أهم خطوط الانقسام بين اليسار واليمين .... وطفا على السطح عدد من المشكلات والاحتمالات التى لم تكن واردة في المشروع اليساري أو اليميني . من بين هذه المشكلات قضايا البيئة وقضايا أخرى تتعلق بالطبيعة المتغيرة للأسرة والعمل والهوية الشخصية والثقافية . ولهذه التغيرات الجديدة يطالب جيدنز الديمقراطيين الاجتماعيين بضرورة تبنى نظرة جديدة إلى الوسطية السياسية . فقد تحركت الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية نحو الوسط لأسباب انتهازية إلى حد بعيد . حقيقة أن الوسطية السياسية في سياق اليسار واليمين لا يمكن أن تعني إلا التوفيق أي اتخاذ موقف " وسط " بين بديلين واضحين . وإذا كان كل من اليسار واليمين قد أصبح أقل شمولا وإحاطة عن ذي قبل , فإن هذا التصور يصبح غير منطقي . ومن هنا يؤكد جيدنز أن فكرة "الوسط النشط" أو "الوسط الراديكالي" يجب أن تؤخذ مأخذ الجد.(24)

ويضع جيدنز عدة مهام على سياسة الطريق الثالث third way politics القيام بها وهي :

1- إن الهدف العام لسياسة الطريق الثالث يجب أن يكون مساعدة المواطنين على أن يشقوا طريقهم عبر الثورات الرئيسية في هذا العصر : العولمة، والتحول في الحياة الشخصية والعلاقة بالطبيعة .

2- يجب على سياسة الطريق الثالث أن تتبنى اتجاها إيجابيا نحو العولمة، ولكن بوصفها ظاهرة أكثر اتساعا وأبعد مدى من السوق العالمي .

3- يجب على سياسة الطريق الثالث أن تحافظ على اهتمامها المحوري بالعدالة الاجتماعية، مع الاعتراف بأن المسائل التى تجاوزت الانقسام بين اليسار واليمين قد أصبحت أكبر عددا من ذي قبل . ويمكن للمساواة أن تتصادم مع الحرية الفردية ولكن مزيدًا من معايير المساواة سوف يؤدي في الغالب إلى توسيع مدى الحريات المتاحة أمام الأفراد . وطالما أن سياسة الطريق الثالث تخلت عن النزعة الجمعية، فعليها أن تسعى إلى تأسيس علاقة جديدة بين الفرد والجماعة والى إعادة تعريف الحقوق والواجبات.(25)

ويضع جيدنز مبدأين أساسين لهذه السياسة الجديدة هما :

أ- " لا حقوق دون مسؤوليات " No rights without responsibilities . فالحكومة تتحمل مجموعة متكاملة من المسئوليات تجاه مواطنيها وتجاه غيرهم بما في ذلك حماية المعرضين للخطر . ولابد أن يعمل اتساع النزعة الفردية على اتساع الالتزامات الفردية . فتعويضات البطالة ( التى تدفعها الحكومة ) يجب على سبيل المثال أن يصاحبها التزامات بالبحث الدؤوب عن عمل، وعلى الحكومة أن تضمن أن نظم الرفاهية لا تشجع التكاسل عن البحث عن العمل . وكمبدأ أخلاقي، فإن شعار " لا حقوق دون مسؤوليات " لا يصح أن يطبق فقط على المستفيدين من برامج الرفاهية وإنما يجب أن يطبق على كل فرد.

ب- لا سلطة دون ديمقراطية "no authority without democracy “. ففي مجتمع تفقد فيه العادات والتقاليد أهميتها، تكون الديمقراطية الطريق الوحيد لإقامة السلطة . وإن النزعة الفردية الجديدة لا تؤدي حتما إلى تأكل السلطة , ولكنها تستلزم أن تتأسس السلطة على مبدأ الفاعلية أو المشاركة . (26)

ومن أهم القيم التي يجب على الطريق الثالث أن يلتزم بها:

1- المساواة .

2- حماية الجماعــات الهشـة .

3- الحـرية كاستقــلال ذاتـي .

4- لا حقــوق دون مسئوليـة .

5- لا سلطــة دون ديمقراطية .

6- التعددية العالمية ( الكونية ) .

7- النزعة الفلسفية المحافظـة . (27)

كما يحدد جيدنز برنامج programme الطريق الثالث على النحو التالى .

1- الوسط الراديكالي .

2- الدولة الديمقراطية الجديدة ( دولة بلا أعداد )

3- مجتمع مدنى نشط .

4- الأسرة الديمقراطية .

5- الاقتصاد المختلط الجديد .

6- المساواة كأداة للاستيعاب .

7- الرفاهية الإيجابية .

8- دولة الاستثمار الاجتماعي .

9- الأمة الكونية .

10- الديمقراطية الكونية .(28)

وفي شرحه لسياسة الطريق الثالث بأهدافه وقيمه وبرنامجه رأى جيدنز أن الليبراليين الجدد يريدون أن يتقلص دور الدولة . كما كان الديمقراطيون الاجتماعيون – تاريخيا – حريصين على توسيع هذا الدور . أما الطريق الثالث فيرى أن المطلوب بشكل ضروري هو أن نعيد بناء الدولة، فنتجاوز ما يقوله أهل اليمين بأن الحكومة هي العدو " ونتجاوز كذلك ما يقوله أهل اليسار من أن " الحكومة هي الحل " .(29)

ويضع جيدنز عدة أسس فعالة لإعادة بناء الدولة يجب الالتزام بها وهي :

1 - يجب على الدولة أن تستجيب بنائيًا للعولمة . فلكي تكون الديمقراطية أكثر ديمقراطية يجب أولا وقبل كل شئ التحول نحو اللامركزية، ولكن ليس بوصفها عملية ذات اتجاه واحد . فالعولمة تخلق منطقا ودوافع قوية لدفع القوة إلى أسفل، وكذلك دفعها إلى أعلى ومعنى ذلك أن هذه العملية لا تؤدي إلى إضعاف سلطة الدولة – الأمة، فهذه الحركة المزدوجة وهي حركة تحول ديمقراطي مزدوجة – تمثل ظرفا لإعادة تأكيد هذه السلطة، طالما أن هذه الحركة يمكن أن تجعل الدولة أكثر استجابة للتأثيرات التى يمكن أن تلتف حولها من كل حدب وصوب .

2- يجب على الدولة أن توسع دور المجال العام، والذي يعني إجراء إصلاح دستوري يتجه نحو مزيد من الشفافية والانفتاح بجانب توفير ضمانات جديدة ضد الفساد .

3- يجب على الدولة التى ليس لها أعداد أن ترفع كفاءتها الإدارية وذلك للمحافظة على الشرعية أو استعادتها . ذلك أن عدم الثقة في الحكومات على كل المستويات يرجع في جانب كبير إلى كونها عاجزة وغير فعالة .

4- ضرورة وجود صور أخرى من الديمقراطية غير عمليات الاقتراع التقليدية . فالحكومات يمكنها أن تقيم علاقات أكثر مباشرة مع المواطنين، ويمكن للمواطنين أن يقوموا بنفس الشيء وذلك من خلال " التجريب الديمقراطي " أو الديمقراطية المحلية المباشرة، الاستفتاءات الإلكترونية، وهيئات المحلفين من المواطنين وغير ذلك من الاحتمالات .

5- تعتمد شرعية الدولة التى ليس لها أعداد بشكل أكبر من ذي قبل على قدرتها على التعامل مع المخاطر .

6- كما أن توسيع نطاق الديمقراطية لا يمكن أن يكون محليا أو وطنيا فقط . فالدولة يجب أن تكون لها نظرة كونية . فنشر الديمقراطية إلى أعلى لا يجب أن يتوقف على المستوى الإقليمي، ونشر الديمقراطية إلى أسفل يعنى تجديد المجتمع المدني. (30)

فالدولة الديمقراطية الجديدة ( الدولة بدون أعداد ) تقوم على :

- تحريك الديمقراطية إلى اسفل .

- التحول الديمقراطي المزدوج .

- تجديد المجال العام " الشفافية ".

- الكفاءة الإدارية .

- آليات الديمقراطية المباشرة .

- الحكومة كمسئولة عن إدارة المخاطر . (31)

وتجديد المجتمع المدني – وهو أحد مكونات سياسة الطريق الثالث – يكون عن طريق :

- الشراكة بين الحكومة والمجتمع المدني .

- تجديد الجماعة من خلال تشجيع المبادرات المحلية .

- إشراك القطاع الثالث .

- حماية المجال العام المحلي .

- منع الجريمة على النطاق المحلي .

- الأسرة الديمقراطية . (32)

فيجب على الدولة والمجتمع المحلي أن يعملا كشريكين يسهل كل منهما للآخر شئونه ويعمل في نفس الوقت على مراقبته . فموضوع الجماعة موضوع جوهري بالنسبة للسياسة الجديدة، ولكن ليس كشعار فارغ مجرد , فنمو العولمة يجعل التركيز على دور الجماعة أمرا لازما وممكنا في نفس الوقت، وذلك بسبب الضغط الذي تمارسه من أعلى . ولا يعني التركيز على دور الجماعة محاولة لبعث الصور البالية من التضامن المحلي وإنما يعني الاهتمام بالوسائل العملية للتعجيل بالمساندة المادية والاجتماعية لجماعات الجيرة والمدن والمناطق المحلية الأوسع . وليست هناك حدود دائمة بين الحكومة والمجتمع المدني . فالحكومة تحتاج تبعا للظروف – إلى أن تتغلغل في نطاق المجتمع المدني وتحتاج فى أحيان أخرى إلى الابتعاد عنه . وعندما تنسحب الحكومة من الانخراط المباشر فإن مواردها تظل ضرورية لتدعيم الأنشطة التى تضطلع بها الجماعات المحلية، خاصة فى المناطق الأفقر . وفي المجتمعات المحلية الأشد فقرا يمكن أن تحقق المبادات والمشاركة أفضل النتائج الممكنة .(33)

وتدعو سياسات الطريق الثالث إلى اقتصاد مختلط من نوع جديد . ولذلك يري جيدنز أن هناك شكلان معروفان من الاقتصاد المختلط القديم . ينطوي أحدهما على الفصل بين الدولة والقطاع الخاص مع احتفاظ القطاع العام بنصيب كبير من الصناعة تحت سيطرته . أما الآخر فكان وما يزال يسمي بالسوق الاجتماعي . وفي كلا الشكلين تظل الأسواق خاضعة للسيطرة الحكومية إلى حد بعيد . ولكن الاقتصاد المختلط الجديد يسعى بدلا من ذلك إلى تحقيق التعاون بين القطاعين العام والخاص وذلك باستخدام آليات السوق مع وضع المصلحة العامة نصب عينيه . وينطوي ذلك على إيجاد توازن بين السيطرة واللاسيطرة على المستوى العابر للقوميات وعلى كل من المستوى القومي والمحلي وتوازن بين الجوانب الاقتصادية وللاقتصادية في حياة المجتمع . ويحظى ثاني هذين البعدين على الأقل بذلك القدر من الأهمية التى يتمتع بها الأول مع انه يتحقق جزئيا من خلال البعد الأول . (34)

وإذا كانت قضية دولة الرفاه قد استقطبت كلا من اليمين واليسار بصورة أكثر عمقا ووضوحا ما بين شجب اليمين لها ودعم اليسار إياها . فإن جيدنز يري أن الإقرار بالطابع الإشكالى لتاريخ دولة الرفاة يفرض على سياسات الطريق الثالث أن تتقبل بعض الانتقادات التى يوجهها اليمين للدولة . فالدولة غير ديمقراطية بالضرورة، حيث إنها تعتمد فعليا على نظام يتدرج من أعلى إلى اسفل لتوزيع المنافع . كما أن القوة الدافعة لها هي الحماية والرعاية ولكنها لا تتيح مساحة كافية للحرية الشخصية فضلا عن ذلك , فان بعض أشكال مؤسسة الرفاه تتسم بالبيروقراطية وعدم الكفاءة وتشعر المتعامل معها بالاغتراب , كما أن منافع الرفاهية يمكن أن تخلق نتائج معاكسة من شأنها أن تقوض الأهداف التى أنشئت لتحقيقها . ومع ذلك فإن سياسات الطريق الثالث ترى أن هذه المشكلة لا تعني التخلص من دولة الرفاه بل تعدها جانبا من الأسباب الداعية إلى إعادة بنائها . ويري جيدنز أن إعادة بناء دولة الرفاه يجب أن يسير جانبا إلى جنب مع برنامج التطوير الفعال للمجتمع المدني .(35)

 

أ.د. ابراهيم طبه سلكها

رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة طنطا

مصر

.............................

الهوامش

1 - كرين برنتن : مرجع سابق ص ص 565 - 566

2 - giddens , anthony : the third way , the renewal of social democacy , polity press , 1999 , p- 3

توجد ترجمة رائعة لهذا الكتاب تحت عنوان " الطريق الثالث، تجديد الديمقراطية الاجتماعية " قام بها د/ احمد زايد , د/ محمد محي الدين، مراجعة وتقديم د / محمد الجوهري صادرة عن المجلس الأعلى للثقافة المشروع القومي للترجمة وقد اعتمدنا عليها فى كتابه هذا الفصل ويمكن مراجعة هذه الترجمة               ص ص 33 - 122

3- Ibid , p - 3

4 - Ibid , pp - 4 -5

5 - Ibid , pp - 5-6

6- Ibid , pp - 6 -8

7- Ibid , pp - 8 -9

8- Ibid , pp - 10 -11

9- Ibid , pp - 11 -12

10 - giddens,anthony : beyond left and right ,         pp - 34 -35

11- giddens,anthony :the third way , p - 12

12 - giddens,anthony : beyond left and right ,         pp - 35 -36

13 - giddens,anthony :the third way , p - 13

14 - Ibid , p - vii

15 - Ibid , p - 25

16 - Ibid , p - vii

17 - Ibid , p - 26

18 - Ibid , p -35

19 - Ibid , pp - 35 - 36

20- Ibid , p 37 -38

21- Ibid , pp 38 - 39

22 - Ibid , p - 42

23- Ibid , p -43

24- Ibid , pp 43 -44

25- Ibid , pp 64 -65

26 - Ibid , pp 65 – 66

27- loc - cit

28 - Ibid , p-70

29 - Ibid , pp 70 -71

30- Ibid , pp 72 - 76

31 - Ibid , p- 77

32 - Ibid , p- 79

33 - Ibid , pp - 79 -80

34- Ibid , p-100

35 - Ibid , p p - 111 -118

 

 

zouhair khouildi"أن نقبل بمسلمة الموضوعية هو أن نعلن إذن القضية القاعدية لإيتيقا معينة هي إيتيقا المعرفة"1[1]

من المفارقة أن تعيد المجتمعات المعاصرة بناء رؤيتها للكون على ضوء الاكتشافات العلمية والاختراعات التقنية على مستوى النظر العقلاني وأن تستمر في الاعتماد على معايير أخلاقية ومفاهيم تقليدية وتواصل عادة تأسيس الثقافة على أعراف وشيم موروثة عن المجتمعات القديمة على الصعيد العملي والاجتماعي.

لقد شهدت العصور الحديث تشكل ما اصطلح على تسميته علوم التقنية ولكن استمر الصراع بين النظرة الغائية والنظرة الآلية في تفسير ظواهر الطبيعة والتغيرات التي تحدث داخل الكون وتم استبعاد كل دور للصدفة والفرضيات الاحتمالية الأخرى أو التقليل من قيمتها الإبستيمولوجية مثل النظريات التحولية والتطورية والكوارثية والانفجار العظيم والتقلص التدريجي والتمدد اللانهائي والنسبية الخاصة والعامة. وبالتالي تعاني المجتمعات في الحقبة الراهنة صعوبة التأليف بين الأنساق القيمية التقليدية والنظريات العلمية الجريئة وغير المعهودة والتي دفعت بالعقل البشري إلى ملازمة الصمت وتبني خيار تعليق الحكم. إذا كان المؤرخون رصدوا اضطرابا كبيرا أصاب قصور المعرفة البديهية وخلخلة في المعتقدات الراسخة نتيجة التقدم العلمي والثورة التقنية والتطور الصناعي فإن الفلاسفة الجدد أدركوا خطورة هذه التحولات ودعوا إلى إعادة تجذير انتماء الإنسان للطبيعة وتمتين روابطه بالكون والمحافظة على الحياة في الكوكب.

لقد حافظ الفكر البشري على الأساطير والمعتقدات والأديان والتصورات الكوسمولوجية والأفكار الفلسفية الكبرى إلى جانب المناهج العلمية والتطبيقات التقنية والمعالجات الرقمية وكان ذلك بسبب الشرخ الذي أحدثه التقدم في النواة الروحية لكل الأنساق القيمية والقلق المصيري الذي ولدته السيطرة على الطبيعة . لقد اعتقد البشر أن العلم قادر لوحده على تقديم الحل التام والنهائي لكل المعضلات العنيدة وأن التقنية هي الأداة الناجعة في ترجمة ذلك على أرض الواقع ولكن جهد العقلنة المبذول لم يكن كافيا قصد التعبير عن الحوافز العميقة للعقل بل لم يقدر على الإحاطة بكل المجموع المعقد والمتشابك الذي يتشكل منه الكون.

لعل الطريقة المتاحة أمام العلوم للارتباط بروح العصور الحديثة هو إعطاء أهمية مركزية للمسألة التقنية على مستوى التجريب والتصنيع بل وكذلك على مستوى حركات التنظير والافتراض والاستشراف والتنبؤ وبهذا المعنى ظهرت التقنية الصناعية وعلوم الإعلامية والعلوم التقنية وعلوم البرمجيات والنمذجة وعلوم الاتصال وحدث تفاعلات معقدة بين الخيال العلمي والمعرفة الفلسفية وبين الأدب القصصي وعلوم التقنية.

غني عن البيان أن المشروع العلمي الذي يتصف بهيمنة البعد النظري ويميل إلى التجريد يتضمن أيضا بعدا تقنيا ويميل من حيث الجوهر إلى التطبيق وكذلك يحتاج المشروع التقني لإعداد نظري وتأمل مجرد. لهذا السبب هيمنت التقنية على العلوم المعاصرة من ثلاثة منافذ حيث اعتبرت المصدر والأداة والهدف وصارت تتكلم لغة الترميز والعلامات والإجرائية والصورنة والأكسمة والمنظومة والنفعية والبنائية.

والحق أن علوم التقنية تتميز بالمرونة وعدم قابلية الانصهار والتحلل بين الجانب النظري البحثي والجانب الإجرائي الصناعي وبمنحها البعد التقني الهندسي الأولوية الإنشائية على البعد النظري والبلور المفهومي.

من المعلوم أن التقنية هي مجموعة أدوات تمثل امتدادا لمجموعة أعضاء الإنسان الطبيعية وقد تم توظيفها ووضعها في خدمة حاجياته الحياتية والاجتماعية ولكنها عرفت في الإبستيمولوجيا بكونها نظريات مطبقة.

لقد ضاعفت العلوم التقنية من قيمة الإنتاج المادي وجعلت الإنسان يراكم الثروة ويجني الكثير من الأرباح وحل الإنسان الصانع مكان الإنسان العارف وانتصرت الحياة النشطة على الحياة التأملية واشتهر المهندس والتقني والخبير والمحاسب على حساب الشاعر والكاتب والمثقف والمنظر ولكنها في المقابل ولدت حيرة أكسيولوجية وأحدثت فراغا قِيَميًّا وسببت الشعور بالقلق والضياع وصحّرت الوجود وجففت المعنى. لقد غيرت من الطبيعة الإنسانية وصنعت الذكاء وشرحت الانفعال ودفعت الرغبات الى اختراق جميع الموانع والحدود وتلاعب بالعقل وصارت تتحكم في وعيه وذوقه ونمط حياته وتحدد مستقبل تواجده على الكوكب.

بناء على ذلك تركز علوم التقنية على التشييد المادي والبناء المعماري والتنظيم الإداري وتحرص على التكوين والاختراع والاكتشاف والتصور ولكنها وصلت إلى نقطة من التطور بحيث لا يمكنها العودة إلى الوراء أو التوقف عن السير إلى الأمام فقد أجرت تغييرات عميقة وتحولات عنيفة في الطبيعة الإنسانية.

صحيح أن التقدم العلمي والتقني مصدره الإنسان وأن علوم التقنية بدأت بوصفها ظاهرة أنثربولوجية ولكن الإنسان لم يعد يتحكم في وجهة هذا التقدم ولم يعد قادرا على توقع مصيره ودوره في التقدم صار صغيرا.

من هذا المنطلق يجب تشديد الرقابة المنهجية والعقلانية على علوم التقنية ومضاعفة المساحة التي تغطيها الحكمة العملية وتوخي الحذر الفلسفي والفرونوزيس التعقلي وتدبير الاكتشافات والتصرف في التقنيات بروية وتبصر وحسن تمييز ولا يجب أن يفعل الإنسان كل ما تقدر علوم التقنية على فعله ولا ينبغي أن يستهلك كل ما تتمكن المخابر من إنتاجه فربما سيكون المستقبل للفن والإيتيقا وليس للعلم والتقنيات.

لقد انصبت علوم التقنية على وضع المعرفة النظرية في خدمة الحاجات الصناعية للبشرية وقلبت فعليا بنية العالم ونظام الطبيعة وأجرت معالجات معينة للقوى الطبيعية ضمن أفق قرارات سياسية واقتصادية. لقد مثلت علوم التقنية تكملة للماهية الثقافية واللغوية للكائن البشري وإتمام مشروع اللّوغوس في ترتيب تاريخ الكوكب وتنظيم الفوضي وعقلنة اللاّمعقول وضبط الطارىء وقراءة المفاجىء وحصر اللاّمتوقع.

لقد تصور العلماء أن القيمة العليا والخير الأسمى والأخلاق العلمية من تطبيق التقنية على الحياة هو إسعاد الإنسانية والتقليل من الأضرار وأشكال التعب وجلب المنافع والزيادة في أزمنة الراحة والترفيه ولكن الغرض الحقيقي من التقدم العلمي هو الإيمان بالقدرة الزمنية للمعرفة الموضوعية على تحرير الأذهان من الخرافة والجهل وتربية النوع البشري على التخطيط والتنظيم والبناء والتعمير في الكون.

لا يحتاج الإنسان اليوم إلى الوعي السياسي بأهمية المطالبة بالحرية فقط والى ممارسة الفعالية النقدية تجاه الازدراء والعنف المسلط عليه فحسب بل يبحث كذلك عن مصادر المعلومة ونجاعة المعرفة الموضوعية ويتسلح بكل ما توفر له من مناهج وتجارب من أجل اكتساب ابستيمولوجيا معيارية تساعده على الابتكار. يتخذ الإنسان من العلوم ملاذا للتوقي من الخلط ودرء الشبهات وتبين المسالك النيرة وتجويد ملكة الاختيار وتلعب المعرفة الموضوعية سلاحا فتاكا في مقاومة الأشكال الذكية من الاغتراب والتأديب والانضباط. يختار رجل العلم الصيرورة ويرفض العبث واليأس ويتمسك بالحياة ويبحث عن معنى الوجود ويبلور نسقا قيما يخص عمله الخاص ويصر على التحلي بروح الموضوعية والنزاهة والحياد في نظرته وحكمه.

كل الأنساق التقليدية وضعت الأخلاق والقيم بعيدا عن تناول الإنسان وجاءت علوم التقنية لكي تساعد الإنسان على إيقاف قوة التدمير والتحكم في مساحة التحطيم وجعل القيم والأخلاق والبناء في متناوله.

لا يمكن الحديث حينئذ عن معرفة موضوعية وعن قيمة للعلم دون التطرق إلى القيم والأخلاق والأصالة والإنسانية والفعل النافع والحقيقة والاختيار الحر والعناية بالأبعاد الروحية وأحكام القيمة ورعاية الحقوق.

عندئذ توفر علوم التقنية القدرة المادية لتأسيس المعرفة الموضوعية في حين" إن إيتيقا المعرفة المبدعة للعالم الحديث هي الوحيدة المتطابقة مع ذاتها والقادرة لوحدها لو تم فهمها وقبولها على قيادة تطورها"2[2]. أليست إيتيقية المعرفة هي في نهاية المطاف معرفة بالإيتيقا مرتبطة بالفعل ارتباط العقل بالتجربة ؟

 

الهوامش والإحالات:

[1] Monod Jacques, Le Hasard et la nécessité, essai sur la philosophie naturelle de la biologie moderne, édition Cérès, Tunisie,1993,p192.

[2] Monod Jacques, Le Hasard et la nécessité, essai sur la philosophie naturelle de la biologie moderne, op.cit,p192.

 

المصدر:

Monod Jacques, Le Hasard et la nécessité, essai sur la philosophie naturelle de la biologie moderne, édition Cérès, Tunisie,1993.

كاتب فلسفي

 

 

zouhair khouildi"لقد دعتنا كل الثورات المجيدة إلى نزع هالة القداسة عن الأشخاص مهما كان المصدر الذي يستمدون منه تعاليمهم لأن الزعماء التاريخيين لم ينتجوا الثورة بل إن الثورة هي التي تنجب من رحمها زعماء تاريخيين يحافظون على قيمها ويصونون مبادئها "1[1]

بلا ريب إن ما يحدث الآن في الساحة العربية من تحولات عنيفة وتغيرات سياسية جوهرية هو حراك اجتماعي صاعد وتوق غير مسبوق إلى التمتع بالحقوق ومطالبة مستمرة بممارسة فلسفية للحريات. لقد سمي هذا الحدث بالثورات العربية في زمن مابعد حديث وارتبط بإرادة الحياة والتعطش إلى الديمقراطية والحياة المدنية والتعددية. وكانت رغبة الثوار في البداية هو إحداث قطيعة مع الارتداد نحو الماضوية والكف عن تبرير الشمولية كنهج في الحكم والانعتاق من نير التبعية نحو الثقافة الغربية المهيمنة والسياسات الظالمة للعولمة المتوحشة. ولكن بعد ذلك اتجه نحو فك الارتباط وإلغاء المديونية والدفاع عن السيادة ومقاومة التبعية والاندراج ضمن جبهة شعبية عالمية واسعة من المجتمع المدني العالمي. والحق أن واقعة الثورة أو الثورة الواقعة هي حدث تاريخي استثنائي في التاريخ العربي المعاصر سيكون له ما قبله وما بعده وسيدفع إلى انتصار الأمل في الإدماج والتوحد على غريزة التفكك والانقسام وستكون ثمار هذا الفيض الديمقراطي الذي أفرزه إشعاع التحرر على كافة المنطقة العربية. في كل الأحوال إن المدهش في هذا الحراك هو تشابك العوامل والمحددات الواقعية والافتراضية وتضافر الآليات التقنية ووسائل الاتصال الحديثة مع الإيديولوجيات والأفكار الثورية وتفعيل الذاكرة النضالية للشعوب ومشاركة فعالة للشباب والنساء والطلاب والعاطلين والناشطين والحقوقيين وغياب زعامات تقليدية للتحركات .

من نافل القول بوجود تأثير واضح للفكر الفلسفي في المسار الثوري في البلدان العربية والآية على ذلك أن الاحتجاجات اندلعت في دول عربية تميزت عن غيرها بتقدم ملحوظ في الوعي ومستوى عال من التعليم والثقافة والتمدن وتشجع على تعليم الفلسفة وعرفت تجارب تحديثية وقامت بإصلاحات قانونية واجتهادات دينية ومحاولات لزرع الحداثة والتنوير لقرون خلت.

كما أن مصطلح الثورة كان حاضرا بكثافة في الأدبيات السياسية العربية والكراسات السياسية للأحزاب طوال القرن الماضي وبرز العديد من الأعلام الفكرية من جميع المرجعيات كثوار على السائد واتصفوا بالجرأة والتمرد والتجديد والتحرر ومحاولة تقديم البدائل ونحت المشاريع.

غير أن الزعم بالتأثير المباشر للفكر الفلسفي في الحراك الاحتجاجي هو أمر مبالغ فيه وذلك لسرعة اندلاع الأحداث وطابعها العفوي ومشاركة شرائح شعبية واسعة فيها وغياب نظرية ثورية متكاملة وفلسفة في الثورة واهتمام المشتغلين بالفلسفة بأمور شكلية ومنافع ذاتية. لقد أيقظت الثورة العربية الفكر العربي من سباته وجعلته يتفقد ذاته ويراجع مسلماته ويحاول أن يستوعب التحولات ويفهم الأمر الجلل والواقعة التي حصلت في الفضاء العمومي والزلزال الكبير الذي أصاب هرم السلطة والتصدع الذي ظهر على المنظومة القديمة التي كانت تزعم قدرتها على التحكم في ايقاع الحياة ونبض الوجود ومصير الشعوب ووجهة التاريخ. من هذا المنطلق صعدت أسهم الحديث عن الثورة والنضال والكفاح والتمرد والعصيان وصارت هذه المقولات لغة يومية في الصحافة والإعلام والأخبار والسياسة والثقافة والفكر وانفجر المكبوت وتضاعفت مساحات الحريات وشارك الناس بطريقة غير مسبوقة في النقاش العمومي وتم تنظيم انتخابات حرة ونزيهة وتم تداول هموم المعدومين والفئات الأقل حظا وتعرض منوال التنمية المتبع الى التهكم والسخرية ووقع استدعاء الخبراء والطاقات لتقيم البرامج والحلول. اللافت أن الثورة العربية قد قربت الثقافة العربية من القول الفلسفي الجديد الذي كان كل من أركون والجابري والعروي وحنفي وأبي زيد وتيزيني والعظم ومروة وشريعتي وغيرهم قد ساهموا في تشكله وصعوده. بيد أن الأهم هو الفرز الكبير الذي أحدثته بين ثقافة السلطة وثقافة المعارضة وبين مجال المصلحة وحراس النظام ومجال العدالة وحراس الحرية والحق. ربما ماهو مطلوب اليوم بعد هذا الحدث الجلل والفارق ليس تكديس المشاريع الفكرية والاكتفاء بالتنظير المعرفي وطبع المجلدات والكتب على أهميتها بل الانخراط في ثقافة جديدة منفتحة على الجمهور وملتزمة بقضايا الشباب والمعطلين وكل ضحايا الازدراء الاجتماعي.

في حقيقة الأمر كم نحتاج إلى تكرار الانتفاضات وإجراء عمليات عديدة في تثوير آليات إنتاج العقل العربي للحقيقة والذهاب بعيدا في مساءلة الواقع العربي وتجويد طرح مشاكله والتنقيب عن معضلاته وأمراضه والتفتيش عن علله وإعادة صياغة مقولات الثقافة العربية وتأسيس فلسفة الثورة العربية بكل اقتدار وعزم. لقد ساعدت هذه التحولات على طرح أسئلة مختلفة عن غيرها ونابعة من الأرض الناطقة بلغة الضاد وتتماشى مع خصوصية الهوية القصصية القرآنية وتهتم بالخصوص بقضايا الكرامة والإنسانية ودولة الرعاية الاجتماعية وتبحث عن الاعتراف المتبادل والإنصاف وتتحلى بقيم المدنية والسلمية والتعايش وترفع لواء الصفح والغفران وتعد بالأمل في حياة سياسية عصرية وحكم مدني غير شمولي وغير عنصري وغير تابع وتريد الحياة في مجتمع عادل ومتعدد. العلاقة المتينة بين الفلسفة والديمقراطية هي كالرابطة الوثيقة بين الثورة والدولة. فإذا كان مطلب الدولة القوية لا يتحقق الا بعد اتمام ثورة اجتماعية كبيرة فإن بلورة مشروع فلسفي ضخم يرتقي بالإنسان يتوقف على بناء حياة سياسية ديمقراطية تعطي لكل مواطن حقه الطبيعي في التفلسف. حقيق بنا أن نبين أن دور الفلسفة في الراهن العربي هو التصدي لكل أشكال الانقلاب على المسار الديمقراطي ولو كان تحت مسمى الإنقاذ ورعاية المصلحة الوطنية والآية على ذلك أن "الديمقراطية تحارب اللاتسامح الديني وتنبذ التعصب المذهبي والتشدد في القراءة وترفض توظيف العقائد الدينية في الصراع السياسي وتعترض على احتكار التكلم باسم المقدس وتدفع الناس إلى أنسنة الدين وتأويله بما يوافق روح العصر الذين يعيشون فيه وحسب مقتضى المدنية"2[2]. وبالتالي نحن في انتظار ميلاد فلسفة الثورة على نحو أصيل وفارقي تكون قادرة على نحو ملموس على التعبير عن الوعي بالمرحلة التاريخية الحرجة التي تمر بها الأمة والحاجة الجوهرية للتغيير الجذري في بنى الفكر والواقع واللغة والدين وتعكس رغبة الفاعلين في الالتزام والمشاركة والفعل.

لعل أهم سؤال انبثق بعد الحراك الاحتجاجي العربي : هو كيف نعود إلى التاريخ من جهة الإبداع وصناعة الكونية لا من جهة الاستهلاك والمحافظة على الخصوصية ؟ ما السبيل إلى بناء دولة لا شرقية ولا غربية تتعامل بندية مع الأجوار وتعمل على التخلص من التبعية الثقافية والاقصادية والسياسية وتحقق شروط الاستقلال والاستئناف الحضاري الثاني؟ ألا ينبغي أن نجعل من الحرية مقام راسخ للكينونة العربية وليس مجرد مطلب حقوقي عارض ومعرض للانتهاك ؟ متى يكف العربي عن الحلم اليوطوبي بالزعيم المخلص الذي يدحر الفساد والظلم وينشر العدل في الأرض ويسارع إلى تثبيت الفرد المواطن وغراسة شجرة الديمقراطية والتقدم والعناية بمسالك التحرر والعدالة الاجتماعية؟ أي دور للفلسفة في منع الحراك الاجتماعي إلى الانجراف نحو الحروب الأهلية المدمرة وتفاقم الاضطراب العضوي في جسد الأمة؟

 

...............................

الهوامش والإحالات:

[1] زهير الخويلدي، الثورة العربية وإرادة الحياة، مقاربة فلسفية، الدار التونسية للكتاب، تونس، طبعة أولى، 2011،ص52.

[2] زهير الخويلدي، الثورة العربية وإرادة الحياة، مقاربة فلسفية، ص 246.

 

المراجع:

زهير الخويلدي، الثورة العربية وإرادة الحياة، مقاربة فلسفية، الدار التونسية للكتاب، تونس، طبعة أولى، 2011،

 

كاتب فلسفي

 

raed jabarkhadom"ولمَّا كانت المشاعر مصدراً للأفكار فإنما يقع بين الأفكار من عراك هو بالحقيقة يقع بين المشاعر، والشعوب التي يظهر أنها تتقاتل من أجل بعض الأفكار هي تتقاتل في الواقع من أجل بعض المشاعر التي تشتق منها تلك الأفكار. " غوستاف لوبون. كتاب الآراء والمعتقدات. ص 87.

تاريخ العنف قديم قدم الوجود البشري، وتم ممارسته لأول مرة على يد هابيل تجاه اخيه قابيل، وبدأ بعد هذه القصة العنفية مشوار العنف البشري تجاه بعضهم البعض، باختلاف توجهاتهم الفكرية والدينية والقومية والثقافية والسياسية.

ونزعة العنف والشر متجذرة في الذات البشرية، فهي لا تخص مجتمعاً من المجتمعات ولا فئة دون فئة، ولا قومية دون قومية، ولذلك علينا الاعتراف بأن البشر يمارسون العنف ولكن بنسب متفاوتة، من فرد الى آخر ومن مجتمع الى مجتمع، بحسب طبيعة ومزاج وبيئة وسياسة وتربية وثقافة الافراد والمجتمعات .

ونحن هنا نريد الاشارة الى قضية نشوء ووجود جذور العنف وممارساته في الفكر الاسلامي من خلال حديث وفكر الفرقة الناجية، الذي انتج فلسفة سقيمة وعقيمة، واغرق البلاد والعباد في مشاهد عنفية ودموية وطائفية ومذهبية مقيتة طوال عصور تاريخية مضت، ودفع الفرد والمجتمع العربي والاسلامي ضريبة ذلك الحديث والفكر التكفيري التطرفي الخطير الى يومنا هذا وسيظل هذا الفكر والمنطق ساري المفعول فينا مالم يتم نقده ورفضه وازالته من خانة فكرنا المنحرف والمتطرف.

لقد اسس حديث الفرقة الناجية الذي يقول مضمونه ان رسول الله محمد (ص) قال: " ستفترق امتي الى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار الا واحدة " اسس الى علم فرقي تكفيري مبكر في الفكر والثقافة الاسلامية، والى فلسفة متطرفة في الحكم والاعتقاد، او العبادات والمعاملات والاعتقادات، فعليه بنى الكثير من الفقهاء والمتكلمين والمؤرخين اسسهم المعرفية والفكرية والكلامية والاجتماعية والسياسية، وبالتالي ادى الى تمزق وتفرق وتشظي الفكر الاسلامي والمسلمين فيما بينهم على مدى عصور مرت ولا تزال وسيظل هذا الحال الى المستقبل مالم يتم نقد تلك الاسس والمرجعيات والغائها بالكامل واستبدالها بأسس معرفية وفقهية وفكرية عقلانية انسانية قيمية جديدة تنسجم والعالم الجديد الذي نعيش فيه والذي كشف لنا بفضل العلوم والمناهج الفكرية والفلسفية الكثير من الاخطاء والزيف الممارس تاريخياً من قبل العلماء والقادة والحكام تجاه الناس والمجتمعات والتاريخ والحياة.

ان الامم والشعوب والمجتمعات الفاعلة الحية تسعى يومياً لتقديم الشيء المفيد والناجع لأفرادها كي ينعم الجميع بحياة هانئة ومتقدمة مبنية على اسس انسانية نبيلة نابعة من الشعور الحقيقي بقيمة الانسان وكرامته ومقامه الكبير في هذا الوجود.

الا اننا للأسف لا نجيد وعي الحياة ومعرفة قيمتها الحقيقية وأبعادها الجمالية والقيمية والانسانية التي تختلف عن كل المخلوقات والمجتمعات الاخرى، ولم نحسن ادارة وجودنا كما ينبغي ان يكون، واننا للأسف اعطينا للآخرين عن انفسنا انطباعاً وتصوراً سيئاً، من خلال الممارسة الخاطئة للفكر والوعي والفعل، ان الفكر الاسلامي اليوم يتحرك، ولكن بخطوات بطيئة، وان مجتمعاتنا العربية والاسلامية ساكنة راكدة في اماكنها، بسبب السلطة الدكتاتورية الممارسة من قبل الحكام والسياسين، وبسبب استخدام السلطة الدينية بصورة مشوهة، وجعلها خادمة للسياسة في احايين كثيرة.

لقد شهد تاريخنا العربي والاسلامي عنفاً كبيراً تم ممارسته لمدد طويلة من ذلك التاريخ ولا زلنا نعيشه الى اللحظة، عنف مذهبي وكلامي وسياسي واجتماعي وفكري وجسدي على اشده، بين اتباع الدين الواحد، الذين يشهدون ان لا اله الا الله وان محمداً رسول الله، وما ذلك الا بسبب الفتن والاحداث المذهبية والطائفية الضيقة والمقيتة التي تحصل بين المسلمين بين مدة واخرى، متناسين وحدة الدين، ومشتتين ومختلفين احزاباً وفرقاً وجماعات، وكل حزب بما لديهم فرحون، ويحسبون انهم الفرقة المنصورة في الدنيا والناجية في الاخرة.

ان هذا المنطق العنفي جثم على فكرنا سنين طوال، وفقدنا على اثره الكثير من الارواح والثروات والتضحيات الجسام وملايين القرابين قدمت لأرباب العنف والقسوة والكراهية والطغيان، وما كان ذلك ليكون لولا وجود الطبقة السياسية والدينية المستبدة والمتسلطة على رقاب الناس بحد السيف طوال التاريخ، ومستفيدين من بساطة النفوس وسذاجة عقول الناس، ولذلك سعوا بكل ما اوتوا من قوة وسلطة وقرار ان ينشروا الخوف والرعب والزيف والعنف بين العامة كي يجعلوا عاليها سافلها وتكون الامور من نصابهم فقط لا يشاركهم في السلطة والقرار والرأي احد.

لقد عاش الفرد والمجتمع العربي والاسلامي حياة دموية وتطرفية وتكفيرية مرعبة ولفترات طويلة ، حدثت خلالها كوارث واحداث كبرى ىسجلها التاريخ وشهد لها الكثير، وكان وراء ذلك فكر متطرف ومتزمت لا يعرف للتنوير والوعي والتغيير طريق، وقد وُظف لهذا الفكر العنفي التكفيري المتطرف رجال واموال ومنظمات وافكار عابرة للقارات، واصبح العنف والتطرف والارهاب الفقه والمنطق المتداول بين الدول والمجتمعات والشعوب بفضل اجندات سياسية ودينية خطيرة وسيئة مدفوعة الثمن.

صراحة ان قضايا وافكار ومصطلحات مثل التكفير والعنف والخروج عن الملة والشريعة والدين من الافكار والثقافة التي انتشرت في بنية الفكر العربي والاسلامي منذ زمن طويل، وروج لهذا الفكر كُتاب وفقهاء وحكام السوء والكراهية ممن ينتسبون زوراً للاسلام، ويشيعون الفوضى والاضطراب والجريمة والخراب بين ابناء الدين الواحد، وهدفهم الاساس هو تقويض هذا الدين وتشويهه ونقل صورة سلبية عنه للآخرين خارج الدين الاسلامي، واعطاء صورة سوداء ومقيتة عن ديننا لا تنسجم ومنطق الحياة والحب والخير والقيم النبيلة والسلام .

ان عدم الايمان بالآخر، الآخر من داخل الدين او خارجه، من الامور الراسخة في عقيدة وفكر الكثير من المذاهب الاسلامية وتراثهم، وهذا يتضح من خلال المؤلفات التي كُتبت من قبل مفكري كل فرقة وطائفة في الاسلام، وكل كاتب وفقيه ومتكلم يريد بيان فضل ومقام فرقته على الفرق والطوائف الاخرى، متخذاً من حديث الفرقة الناجية سنداً عقدياً وفكرياً لرجاحة فرقته وتطابقها مع القرآن الكريم والسنة النبوية.

وهذا الامر ادى الى احتراب المذاهب الفقهية والكلامية الاسلامية فيما بينها، وسعت كل جماعة اخراج خصمها من الدين وتكفيره، ولم يقف الامر الى هذا الحد بل تجاوزه الى مزيد من العنف والقتل والتشريد والى احداث شرخ كبير في بنية الفكر الاسلامي، ويتضح ذلك منذ وفاة النبي الاكرم محمد (ص) الى يومنا هذا.

كل شيء في هذا العالم يتقدم تقدماً كبيراً الا وجودنا الانساني فأنه يتراجع تراجعاً كبيراً الى الوراء والعودة الى الماضي المقيت، الماضي والتاريخ المزيف الذي لا نتشرف بالانتساب اليه ولا نعترف به، لانه ماضي يمحق وجودنا وينتقم منا ولا يعترف بكرامتنا، ويوظفه البعض منا على البعض الآخر الى اليوم لممارسة امراضه وغطرسته وتطرفه الشخصي والمذهبي والسياسي، ويحاول كسب الشرعية والمشروعية لهذه الممارسات العنفية الدموية الفاسدة.

لقد اسهمت الكتابات والقراءات والتفسيرات الكلامية للنص الديني بدور كبير في تقديم السند الفكري والعقدي للحكام والسياسيين المسلمين، مما سمح لهؤلاء لممارسة العنف والتطرف والارهاب مع خصومهم ومعارضيهم، وقد شهد تاريخ المسلمين الكثير من ضحايا العنف والتطرف الديني والكلامي والسياسي بأختلاف الفرق الكلامية والفقهية واختلاف سياسات الحكم في الاسلام.

وقد اكد الباحثون على ان تحقيق الموضوعية والعلمية في نقد التراث الاسلامي والاستبداد المذهبي امر مستحيل، لانه كل من ينتمي لمذهب لا يرى نصب عينيه الا الخصوم لينتقدهم، اما عقيدته فهي مثار نقد من قبل الآخر المختلف عنه في العقيدة والفكر، اما هو فيغض النظر عن تراثه الموروث، لانه ينظر من زاوية واحدة فقط، ولا يرى في مذهبه خللاً او عثرة تستحق التحليل او النقد، وهذا ما جعل الباحث في المذاهب والفرق الكلامية والفقهية ينحرف عن الصواب، وهذا بدوره جعل الناس يقعون ضحية التاريخ والتراث والتطرف والاستبداد الديني والسياسي.

لقد تلونت وتلوثت حياتنا ووجودنا بتلون واختلاف افكارنا وعقائدنا، بدلاً من ان يكون هذا الامر عاملاً ايجابياً يتم استثماره من اجل التعايش والحوار والمحبة بين الاطياف المختلفة اصبح اليوم وبالاً علينا لا نحتمل وجوده، بسبب فكر ومنطق الفرقة الناجية الذي يكفر الآخر مهما كانت صورته، هذا الفكر الذي يدعو لهيمنة وسيطرة وسطوة الفكر والمذهب الواحد على حياة ومسيرة وفكر وثقافة الآخرين، والذي يعمل على تنحيتهم من الوجود ويرفض تواجدهم في خارطة الحياة، لانهم يمثلون عقبة وعقدة كبيرة في نفوس ورؤوس اصحاب الفرق الناجية ومنهجم التكفيري.

ان منظوماتنا الفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية ذات بنية متهرئة وخطاب متشنج منذ زمن مبكر من تاريخ الفكر العربي الاسلامي، واننا اليوم نعيش ذلك التراث الاسود وورثنا تلك التركة الثقيلة من ذلك التاريخ والواقع المنحط الذي شهد انكسارات وتصدعات وانشقاقات على مستوى الفرد والمجتمع والدولة، بسبب سموم العنف والتطرف التي يبثها فقهاء السوء والكراهية وساسة الجور والطغيان.

اننا بأمس الحاجة اليوم الى تطهير تاريخنا وتنقيته مما علق به من تلك النفايات والافكار الكريهة التي تحسب على ثقافتنا وديننا، وان نعمل ونجتهد على تثبيت ما ينفع الناس وازالة كل زبد مضر ومؤذ بالآخرين، وان نعمل وفق انسانيتنا وان تكون هي العامل المشترك في قياس الاشياء، لانها الهوية الحقيقية الوحيدة التي توحدنا، ونبذ كل ثقافات وسياسات العنف الديني والطائفي والعنصري والسياسي والاجتماعي والتربوي في هذا العالم.

 

raed jabarkhadomيبرز المفكر العربي السوداني محمد ابو القاسم حاج حمد (1941ـ2004م)، من بين اهم المفكرين المعاصرين في الفكر العربي والاسلامي المعاصر، لما يمتاز به من حيوية وجدية وفاعلية وتجديد وتنوير، في طرحه ومنهجه وخطابه وتناوله للقضايا الفكرية والثقافية والاجتماعية والتاريخية، ومحاولته لتقديم قراءات ذات وعي كبير وفهم جديد واسلوب عصراني منسجم مع التحديات التي يواجهها العالم العربي والاسلامي ومتطلبات الحياة لكل ما هو مفيد ومعاصر.

ومصداق ذلك الحكم نجده واضحاً من خلال مؤلفات وكتابات هذا المفكر، التي اعطت الدليل على متانة وعمق فكره ومنهجه واسلوبه، ومن بين مؤلفاته المتميزة والجديدة والجادة كتاب (الحاكمية) الصادر بطبعته الاولى عام 2010 عن دار الساقي، بيروت ـ لندن ، الذي تناول فيه مفكرنا موضوع الحاكمية، ذلك الموضوع البارز في الادبيات الاسلامية المعاصرة في فكر وكتابات الكثير من المفكرين والباحثين، سواء مع ابي الاعلى المودودي او سيد قطب او فكر الاخوان المسلمين والحركات السلفية والصحوية وغيرها.

ومن المعروف ان قضية الحاكمية عند هؤلاء المفكرين والحركات السياسية تعني (الحاكمية الالهية) المطلقة لله تعالى في البشر، وفي الحياة والمجتمع والسياسة، كما هي في الطبيعة والكون، وان الله هو المشرع والحاكم للبشر من منطلق (ان الحكم الا لله)، وقد انجبت هذه الفلسفة الجبرية عقم فكري وثقافي واجتماعي وسياسي يعطل ويميت قدرة واردة وفاعلية الانسان ويحيله الى كائن جامد لا دور له في هذه الحياة.

يعتمد الحاج حمد على آلية جديدة وفهم مختلف تماماً عما تم طرحه من قبل المفكرين والدارسين لفكرة الحاكمية الالهية، اذ انه بصراحة اقام الفكرة واوقفها على قدميها بعد ان كانت واقفة على رأسها، من خلال جعلها (حاكمية للبشر) لا (حاكمية لله).

لقد اوضح الحاج حمد مسألة في غاية الاهمية وهي انه لم تسىء فكرة الى الاسلام والمسلمين وتشوه فكرهم وواقعهم، كما اساءت فكرة (الحاكمية)، هذه الفكرة التي انجبت مجموعة من المفكرين والزعماء والقادة والاتباع المتشددين والمتطرفين على الساحة العربية والاسلامية، والتي جعلت العالم اليوم اكثر عنفاً وتطرفاً وتشوهاً من السابق، هذه الفكرة التكفيرية التي تبنتها حركة الخوارج المتمردة في زمن مضى من التاريخ الاسلامي، وقت خلافة الامام علي بن ابي طالب، وتحديداً في معركة صفين حين تم رفع المصاحف على رؤوس الرماح، في دعواهم بالاحتكام الى كتاب الله من خلال شعارهم (لا حكم الا لله). وقد ادرك الامام علي مضمون فكرهم وخبث نواياهم ومخططهم الاجرامي فردهم بقوله ان عملهم وشعارهم وفكرهم انما هو : ( كلمة حق يراد بها باطل ).              

لقد تم استغلال فكرة الحاكمة من قبل الكثير من الكتاب والمفكرين والمستفيدين لتحقيق مصالحهم الشخصية وافكارهم السئية وتزييف الوعي الاسلامي وتدمير الافراد والمجتمعات، وكذلك قاموا بتحجيم وتحجير وحجب العقول وتعطيل الحرية والاختيار وتقديم الولاء والانتماء المطلق للمشيئة والارادة الالهية، ونحن نشهد اليوم تيار جبري معاصر ومتشدد يحيل الانسان الى كائن ضعيف لا دور له سوى تحقيق الطاعة العمياء للخالق، ويمارس اصحاب فكرة الحاكمية المطلقة لله تعالى، سلطتهم المطلقة وسطوتهم على الناس وكأنهم حماة الدين والناطقون الرسميون بأسم الشريعة الاسلامية.

ويرصد حاج حمد علة اتخاذ الكثيرين من القادة والحكام والتيارات الدينية لفكرة الحاكمية بصورتها السلبية السائدة حيث يقول: " ان فشل قادة الحركات الدينية في التعايش...قد شوَّه مفاهيم الدين وأوجد حالة الانفصام ما بين المسلم ودينه من جهة، حين لا يتقبل المسلم حالات التعصب والمغالاة والادعاء والفرقة وإسقاط حقوق الغير، كما أوجد حالة من الانفصام بين المسلم ومجتمعه من جهة أخرى، حين يقبل بهذه المقولات الزائفة على علَّاتها ظنًّا منه أنها من صلب دينه. ان هذه الخيارات الزائفة والمستندة الى فهم ديني خاطىء، والتي تأخذ بها حركات (الصحوة) الآن، تتعارض كلياً مع منهجية القرآن وخصائص عالمية الرسالة ومفهوم الاسلام للحاكمية البشرية، وتعدد انماط الخطاب الالهي للناس وللمؤمنين وللمسلمين ." (كتاب الحاكمية ص 142).

قدم حاج حمد قراءة جديدة لقضية الحاكمية، تنم عن وعي وتنوير كبيرين للمفكر من جهة ولاعطاء فاعلية اكثر للانسان وحرية ومساحة في الفكر والعمل، من جهة اخرى، والتأكيد على وجودية الانسان ووحدته في هذا العالم رغم تنوع اللغات والاجناس والاثنيات، من جهة ثالثة.

ويرى حاج حمد ان الحاكمية قضية موجودة حقاً في الدين والطبيعة والانسان، ولكنها مرت بمراحل، وتطورت وتغيرت خلال التاريخ والتقدم الحاصل على مستوى الافراد والمجتمعات، فنحن نشهد ثلاث حاكميات او مراحل في التاريخ البشري وهي :

1ـ الحاكمية الالهية.

2ـ الحاكمية الاستخلافية.

3ـ الحاكمية البشرية.

ـ الحاكمية الأولى، تعني "حكم الله المباشر للناس، دون استخلاف بشري، وهو حكم يتميز بـ " الهيمنة المباشرة" على البشر وعلى الطبيعة في آن واحد، مع التصرف الإلهي فيهما (البشر والطبيعة) تصرفاً محسوساً وملموساً من وراء حجاب." (ص 45).

وقد شهد التاريخ البشري الحاكمية الإلهية قديماً وكانت متمثلة في العلاقة بين الله والحالة التاريخية الإسرائيلية، وهي علاقة استوجبت قيام مملكة لله في الأرض ويدير شؤونها الله، بنفسه لا بمنطق الاستخلاف البشري عنه.

ـ والحاكمية الثانية " تعني أن يكون الخليفة موصولاً بالله عبر الإلهام والإيحاء، وأن تسخّر له الطبيعة والكائنات." (ص 64).

كما تعني أن الله يختار الخليفة تماماً كما اختار الله طالوت ثم داوود وسليمان، فالخلافة اختيار إلهي وتسخير إلهي، وليست مجرد سلطة دينية بموجب شرع الله وباختيار بشري.

ـ اما الحاكمية الثالثة وهي حاكمية تأتي "خارج منهج الهيمنة الإلهية المباشرة على البشر والطبيعة "الحاكمية الإلهية"، وكذلك خارج منطق الاختيار الإلهي والتسخير "حاكمية الاستخلاف". (ص70).

يؤكد الحاج حمد أن الله عز وجل قد تدرج بالبشرية لتحكم نفسها وتلك غايته من الخلق، من "الحاكمية الإلهية" إلى "حاكمية الاستخلاف" إلى "الحاكمية البشرية"، أي "حاكمية الإنسان".

إن الحاكمية البشرية قائمة على شرعة الرحمة والتخفيف، لا على شرعة الإصر والأغلال. حاكمية تتسع فيها " دائرة "التصرف البشري" بالقدر الذي تتسع به مداركنا ومفاهيمنا، وتتغير استنباطاتتنا بالقدر الذي تتغير به الأزمنة والأمكنة، وصولاً إلى تأصيل منهج الهدى ودين الحق". (ص 100).

" ان الحاكمية البشرية تتضمن –بحكم بشريتها- التفاعل الإنساني مع المجموع البشري دون ادِّعاءات التفضيل والوصايا على الآخرين، فمن طبيعتها أن تلجأ إلى أنواع متعددة من الحوارات مع المجموع الإنساني على ضوء منهجية القرآن الكلية ودون أن تطبق على هذا المجموع الإنساني "نموذج دولة" لم يِؤسسه خاتم النبيين أصلاً، ودون أن تدعي تمثلها ورجوعها إلى فهم قرآني تأسيسي معين... إنها حاكمية بشرية ليس من طبيعتها أن تستمد سلطانها إلَّا من البشر أنفسهم لا من "فئة" تختار نفسها باسم الله ـ سبحانه ـ او بأسم حاكميته، او استخلافيته، سواء كانت هذه الفئة حاكمة او معارضة ". (ص 131).

حقاً انها قراءة تنويرية وعقلانية تجديدية فاعلة قدمها مفكرنا ذات بعد وجودي انساني عميق تتيح للانسان مساحة واسعة لممارسة وجوده واطلاق طاقاته وادارة شؤون حياته وفق اختلاف منطق الزمان والمكان، ولكن لا يعني ذلك اطلاق العنان للانسان دون قيد او شرط او منهج ينظم حياته الدنيا، فـ " الانسان يستلهم "منهجية القرآن" في ممارسة "حاكمية البشر" " (ص 113)

ولكن لا يعني ذلك ايضاً هيمنة الانسان بصورة مطلقة على الانسان والعالم، كي لا نقع في نفس الخطأ الذي وقع فيه دعاة الحاكمية الالهية، حين جعلوا هذه الحاكمية هي المسيطرة والمهيمنة على العالم والبشر والطبيعة، وانما يعني حاكمية تعطي للانسان مساحة كبيرة في الادارة والحكم والحياة بالزام ورباط سماوي الهي ينير الطريق والفكر والوجود.

ان الحاج حمد انما يريد التقريب بين ماهو سماوي وما هو ارضي، وان يؤسس لفلسفة انسانية فاعلية تؤمن بما هو انساني وجودي من جهة، وبين ما هو الهي من جهة اخرى، لان وجودنا متكون من هذين الطرفين.

نحن اليوم بامس الحاجة الى تقديم قراءات ومناهج جديدة تنسجم ووجودنا المعاصر، كي نحقق النجاح في هذه الحياة على اتم وجه، وان نحسن ادارة وجودنا وحياتنا، واستبدال الفكر المتشدد والمتطرف والاحادي بفكر تعددي حواري يؤمن بوجود الآخر كوجود الذات، لاننا في هذا الوجود (نحن) كل لا يتجزأ مهما تعددت وتنوعت الواننا والسنتنا وادياننا وافكارنا.