بعض الجامعات تقوم حاليا بتدريس كورسات في فلسفة الموسيقى. انها تتناول اسئلة مثل: ماهو تعريف الموسيقى؟ ماالذي يجعلنا نقول ان مجموعة معينة من الاصوات هي موسيقية بينما اصوات اخرى ليست كذلك؟ ما علاقة الموسيقى بالذهن؟ كيف تؤثر الموسيقى على عواطفنا اولاً وعلى تفكيرنا ثانيا؟ كيف يمكننا تقييم اي قطعة موسيقية معينة؟ ما هي العلاقة بين المقطوعة الموسيقية وآدائها؟ ماذا نعني حينما نقول ان تلك المقطوعة الموسيقية حزينة؟ اين يقيم ذلك الحزن؟. هذه الاسئلة وغيرها جرى التعامل معها بطريقة تقنية عالية، على سبيل المثال،في مقالة "فلسفة الموسيقا" المنشورة على الاون لاين في موقع سترانفورد انسكلوبيديا اوف فيلوسوفي. في تلك المقالة نستطيع الوقوف على النقاشات المتعلقة بقضايا الموسيقى من جانب المؤسسات الاكاديمية الحالية.

ما ذُكر اعلاه ليس هو موضوع هذا المقال، لأن ذلك ليس اكثر من سرد تاريخي، يصف ما ذكرهُ بعض الفلاسفة كأفراد حول الموسيقى. من الصعب حاليا العثور على اي ويب سايت يعطي وصفا للكيفية التي تطورت بها الافكار الفلسفية الهامة المتعلقة بالموسيقى عبر الزمن. ذلك الزمن حسبما نراه ينتهي بفردريك نيتشة الذي توفي عام 1900. ومنذ ذلك الحين، لم نجد اي اسم عظيم في الفلسفة اعطى الموسيقى مكانا هاما في فلسفته – رغم وجود عدد من الاسماء القليلة الشهرة التي ظهرت في الانسكلوبيديا.

الشيء الآخر المثير للدهشة هو الفجوة الزمنية الهائلة بين اثنين من فلاسفة التاريخ القديم، فيثاغوروس وافلاطون من جهة، اللذين قالا شيئا ما عن فلسفة الموسيقى،وبين الموضوع الذي جرى تناوله مرة اخرى في القرن الثامن عشر من جانب (ليبنز). لذا فان الجزء الاكبر من هذا المقال يتعامل مع فترة قصيرة نسبيا، من حوالي سنة 1714 الى 1889،خلالها شغل الفلاسفة الكبار انفسهم بافكار الموسيقى وهم – ليبنز، كانط، شيلنك، شوبنهاور، نيتشة .

لنبدأ بالقدماء:

فيثاغوروس (570 الى 495 قبل الميلاد)

كان فيثاغوروس شخصية رئيسية في جماعة اُطلق عليها نفس الاسم القديم اورفيوس (Orpheus)(1)، وهو الشاعر والموسيقي الكبير الذي انطوت موسيقاه على سمات اسطورية دينية رائعة. فيثاغوروس اعتقد ان "كل الاشياء هي عدد": الاشياء تأتي للوجود عندما يُفرض نظام رياضي على البناء اللاشكلي للكون. يُعتقد ان فيثاغوروس وصل الى هذه الفكرة بعد اكتشاف اهمية الرياضيات في الموسيقى. القصة بدأت عندما مر فيثاغوروس بورشة لأحد الحدادين، فسمع انغاما صوتية مثيرة، هو وجد عند ضرب السندان بمطرقتين مختلفتي الوزن ستنشأ ثلاثة اشكال صوتية (النوتة، والخامس، والرابع) . فاذا كان وزن احد المطرقتين نصف وزن المطرقة الاخرى، فسوف نحصل على النوتة النغمية (octave)، واذا كان وزن احدهما ثلث وزن الاخرى، فسنستمع الى (الخامس)، واذا كان وزن احداهما ربع وزن الاخرى، فسنستمع (للرابع)، هنا يكون فيثاغوروس اكتشف النسب الرقمية التي تقرر الانسجام النغمي. لسوء الحظ اننا في هذه القصة الممتعة، نجد ان درجات الصوت الناجمة عن الضرب لا تتغير تناسبيا مع وزن الآلة المستعملة. لكن هذه النظرية في التناسب تعمل فعلا عندما تُسحب اوتارالكمان بعد ايقافها عند منتصف المسافة، وعند ثلثها ، او ربعها على امتداد الاوتار. ان الجمال والنظام الموسيقي هما ايضا وبنفس الطريقة نتيجة للنظام والانسجام المتولدين من الضوضاء العالية. فيثاغوروس اوجد ايضا فكرة "الموسيقى الكونية"(2) غير المسموعة لنا الناتجة عن حركة الكواكب حول الارض.

 

افلاطون (427 الى 346 قبل الميلاد)

ناقش افلاطون الموسيقى كجزء من تدريب عواطف طبقة حراس المجتمع في كتابه "الجمهورية سنة 380 قبل الميلاد". هو اعتقد بضرورة منع موسيقى الـ (Lydian and Ionian) لأن الاولى تعبّر عن الحزن والثانية عن الارتخاء. يجب السماح فقط بـموسيقى (Dorian and Phrygian) ، لانهما يعبّران عن الشجاعة والانضباط.

هناك اذاً فجوة هائلة في فلسفة الموسيقى حتى نصل الى:

 

ليبنز (1646 الى 1716)

في كتابه (monadology, 1714) يوضح ليبنز(Leibniz) استجابتنا للفن من خلال التصورات اللاواعية لـ "الحساب السري" للترددات والعلاقات الاخرى في الموسيقى والرسم.

 

كانط (1724 الى 1804)

بعد ذلك كتب عمانوئيل كانط كتابا في الجماليات بعنوان (نقد الحكم،1790) وصف فيه الانواع الجمالية بانها تلك التي تمنحنا"متعة موضوعية". انها تقوم بهذا من خلال جمالها المتجسد في انسجامها بالشكل، او من خلال سموها – بمعنى هيبة متخيلة او قوة لا تهددنا. كذلك، بالنسبة للنتاجات الجمالية المتجسدة بوساطة العبقريات الفردية، تعرض نفسها لنا ليتم تصورها ككل – على خلاف الحقائق العلمية التي يتم التوصل اليها بعملية متدرجة من التفكير. هذه الفكرة هي الجسر الى الرومانسية، والتي طور بها المثاليون المتجاوزون الفكرة الى مجالات ابعد.

 

شيلينغ (1775 الى 1854)

كان فردريك شيلينغ Schelling اول هؤلاء المثاليين المتجاوزين للمعرفة الانسانية، واول فيلسوف اعتقد بان القطعة الموسيقية (كشكل متميز عن الصوت) هي الأنقى واكثر الفنون تجريدا، ومكنتنا ليس فقط لنلمح المطلق – الكلمة التي صاغها شيلينغ، رغم ان كانط تحدث حول الحقيقة المطلقة او (الشيء في ذاته) – وانما من خلال تلك التجربة، لنرى انفسنا كجزء مكمل لها. هذه الفكرة طورت لاحقا الى مديات اخرى من جانب شوبنهاور.

 

شوبنهاور(1788 الى 1860)

ان الفكرة المسيطرة في فلسفة آرثر شوبنهاور هي انه من المستحيل تقريبا لنا ان نهرب من "الرغبة" the Will – وهي المحرك او كفاح الطبيعة الذي يسيطر على كل الخلق،وهي صارمة وشديدة القسوة، و لا تهتم بالفرد في بقاء الانواع. لكن هناك بعض الطرق نستطيع بها تحرير انفسنا من الرغبة لفترات قصيرة. الشفقة والزهد هما اثنان من تلك الطرق، لكن الفن هو طريقة اخرى، خاصة بشكله الاعلى المتمثل بالموسيقى. هناك وصف حسي بالنسبة للصوت او اشارات البصر التي نتلقاها عندما نسمع او نرى عملا فنيا، لكن الاكثر اهمية لشوبنهاور هو التجربة، التي تنقلنا الى عالم غير حسي، تعطينا شعورا بالتناغم التام مع شيء وراء ذاتنا، اي، مع الرغبة بذاتها (المستقلة عن انطباع الحواس تجاهها) . ومن الطرق الاخرى للتعبير عن هذا،حينما نقول نحن تجردنا من انفسنا الى تجربة نسميها "لا زمنية"، او عندما نتخيل بعض الحقيقة الشمولية – الكلي في الخاص. الفنانون الذي امتلكوا هذه التصورات يمكنهم نقلها الى الآخرين – من خلال الفن، ليس عبر التوضيح، ومن ثم فقط للناس الذين يستطيعون الاستجابة للفن بنفس الطريقة . لكن الفنانين الذين يقلدون فنانين اخرين، او الذين يستجيبون ببساطة للموضة الفنية، لا ينتجون فنا حقيقيا اصليا، ولا فنا اصليا في التعبير الذاتي: انه يجب ان يكون في اتصال مع شيء ما اكبر من الذات. هذا التأمل يجب ان لا تصاحبه الرغبة بالحيازة، ولا الشعور بالخوف المصاحب لحالة التأمل بسمو الظاهرة الطبيعية كالعواصف الرعدية .

شوبنهاور يعرّف العبقرية بمقدرة الفنان على تخيل ونقل الابدي. وكما في افلاطون، هذا التصور هو خيالي، وليس فكريا. لحظة الفن تصبح ملاحقة فكرية (على سبيل المثال الرسوم الرمزية او عند استنساخ وصفة كانت ناجحة لفنانين اخرين) لم تعد وسيلة للتوغل نحو الابدي. مثل هؤلاء الناس ليسوا اكثر من موهوبين: "الموهبة بلوغ هدف لا يستطيع الآخرون بلوغه، اما العبقرية فهي بلوغ هدف لا يستطيع الآخرون رؤيته".

المرء الذي يحرر نفسه من الرغبة سوف يفتقر عموما لما تمليه الرغبة في البقاء: كيف تعمل بفاعلية في هذا العالم. ومن هنا ندرك لماذا الفنانون عادة غير كفوئين في الحياة العملية، ومعزولين عن الناس الآخرين.

 

سلّم شوبنهاور التنظيمي للفنون

في أعلى العمارة الفنية يأتي الرسم وفن النحت وكلاهما يرتبطان بإحكام بالظاهرة التي يتعاملان معها بدلا من حقيقة الرغبة الكامنة وراء الظاهرة- ثم يأتي النثر، الذي يكون في اعلى مستواه عندما يصبح اقل ارتباطا بالرواية والفعل واكثر ارتباطا بالتأمل والشعر والدراما – واغلب ذلك في التراجيديات التي فيها يهرب البطل في نهاية الحياة للقبول او الاستقالة او التوقف عن الكفاح،التخلي عن الرغبة. ولكن بالنسبة لشوبنهاور، تعتبر الموسيقى اعلى الفنون كلها، لأنها الاكثر تجريداً، الاقل ارتباطا بالمفاهيم الظواهرية. في عام 1877 كتب والتر باتر Walter pater "كل الفن يطمح الى ظروف الموسيقى". هو يقصد ان كل الفن الحقيقي يجب ان يكافح ليكون اقرب ما يمكن لنقاء مفهوم شوبنهاور عن الموسيقى المطلقة. لاحقا، الرسامون التجريديون سيتحاشون التجسيدات المادية للعالم، وقسم منهم، مثل كاندنسكي، يعطون للوحاتهم عناوين بمضامين موسيقية. الموسيقى يمكنها،على سبيل المثال، التعبير عن العواطف (النكتة، الحزن وغيرها) بدون اي حافز او اشياء ملحقة.يجب ملاحظة ان البعد الاضافي"الغير معبّر عنه" الذي تستطيع الموسيقى منحه للاوبرا، عادة يتغلب على التفاهة التامة او السخافة في القصة او الاوبرا.

تلك الموسيقى التي تتحدث عن عالم آلهي،كانت مفهومة منذ بداية الوعي الانساني.(كما ذكرنا، ان فيثاغوروس اظهر العلاقة بين الموسيقى والرياضيات، وبالنسبة للاغريق القدماء اعتبروا الرياضيات الاتجاه الاقرب لمعنى العالم. بعض الناس اعتقدوا بان تلك المسألة نالت برهانا آخراً عندما نجح نيوتن في ربط الرياضيات مع علم الفلك).

ان فلسفة شوبنهاور في الموسيقى تكون في افضل صورها حين تقف بالضد من نظريات وغنر Wagner المبكرة ،ولكن حينما قرأ وغنر شوبنهاور عام 1854 ، هو اتفق معه نظريا واصبح تلميذه المناصر له. في التطبيق، استمر وغنر في المزج المتناغم بين النص والموسيقى بنفس القوة التي قام بها من قبل، ولكن في كتابه (Tristan and Isolde،عام 1856) ، هو اصبح اقرب لإعطاء الموسيقى دور شوبنهاور التام.

 

نيتشة (1844 الى 1900)  

رغم الاختلافات الكثيرة بين فلسفة شوبنهاور ونيتشة لكن الاخير تأثر بافكار الاول حول الموسيقى. في (مولد التراجيديا من روح الموسيقى عام 1871)، يتفق نيتشة بان المرء يمكنه الهروب من تعاسة الحياة الارضية من خلال الفن وخاصة الموسيقى وكذلك عبر اللمح الخاطف للمتجاوز.

نيتشة ايضا التقط افكار وغنر بوجود عنصرين للفن يوازن كل منهما الاخر: النظام العقلاني الخلاق Apollonian والثاني عنصر الطموح والعواطف Dionysian. نيتشة وجد هذا المزيج في موسيقى وغنر، واعتقد ان فن وغنر كان الى جانب غيره يمثل الخلاص لألمانيا. لكنه انقلب ضد وغنر عام 1876، وفي (نيتشة يواجه وغنر عام 1889)، هو اتهمه بالتخلي عن عنصر ابولو الضروري.

Philosophy Now, Issue 108, Music in philosophy, Jun/Jul 2015

 

حاتم حميد محسن

......................

الهوامش

(1) في الميثولوجيا الاغريقية كان اورفيوس شاعرا وموسيقيا شهيرا، ذهب الى عالم ما تحت الارض لإنقاذ زوجته المتوفاة (يوريديس). هو نجح في التأثير على (حادس) بقيثارته الساحرة، وسُمح له بسحب زوجته من عالم ما تحت الارض شريطة ان لا ينظر اليها نحو الخلف حتى يبلغ سطح الارض.

(2) الموسيقى الكونية هي مفهوم فلسفي قديم يؤكد على التناسب في حركة الاجرام السماوية كالشمس والقمر والكواكب – كشكل من الموسيقى. هذه الموسيقى لا يُعتقد ان تكون مسموعة كالمعتاد، لكنها مفهوم ديني او رياضي منسجم. استمرت الفكرة تثير إعجاب المفكرين بشأن الموسيقى حتى نهاية عصر النهضة.

 

ibrahim telbasilkhaترتبط فلسفة اللغة العادية بجورج إدوارد مور، ورسل وفتجنشتين و أوستن وغيرهم من فلاسفة ما بعد الحرب بجامعتي كامبردج وأكسفورد بوصفها اتجاها مميزا في إطار الجانب التصنيفي الذي يشار إليه بتعبير " الفلسفة التحليلية " .. فلقد رأى مور أن اللغة العادية ملائمة للعمل الفلسفي لكنها تحتاج إلى تهذيب وتوضيح . وأن التحليل الفلسفي للغة ليس هدفا في ذاته بقدر ما هو وسيلة لتوضيح تصوراتنا وقضايانا . وأن النظرية الفلسفية تقاس قيمتها بقدر اتساقها مع معتقدات الرجل العادي، فإذا جاءت النظرية متنافرة مع هذه المعتقدات حكمنا عليها بالإفلاس (1) وإذا كان مور لم يعبر في أي موضع عن أن فكرة اللغة العادية صحيحة في ذاتها ولم يجادل غيره من الفلاسفة الذين حاولوا استبعادها صراحة أو ضمنا فإنه قد دافع عن هذه اللغة معلنا أنها ملائمة لأغراضنا . مؤكدا إن الأساليب الاصطلاحية أو غير المألوفة في حديثنا غالبا ما يكون خطرها أكثر من نفعها .(2)

وأعلن مور أن عدم الاهتمام الجاد بالتحليل هو السبب المباشر فى وجود مشكلات فلسفية فقال : " يبدو لي في عالم الأخلاق كما في كافة الدراسات الفلسفية الأخرى أن الصعوبات والخلافات التى يكتظ بها تاريخها إنما ترجع أساسا إلى سبب بسيط جداً هو : أننا نحاول الإجابة عن أسئلة لم نتبين على وجه الدقة معناها أو بدون أن نتبين أي سؤال هو الذي نريد الإجابة عنه . وأنا لا أعرف المدى الذي قد يصل إليه الفلاسفة باستبعادهم مصدر هذا الخطأ error إذا ما حاولوا أن يكشفوا عن السؤال الذي يسألونه قبل أن يشرعوا فى الإجابة عنه، إذ أن القيام بالتحليل والتمييز عمل بالغ الصعوبة غير أنني أميل إلى الظن أن المحاولة الجادة القائمة على العزم والتصميم تكفي لتحقيق أو ضمان النجاح، وأن كثيرا من أصعب المشكلات وأشدها إثارة للخلاف disagreements فى الفلسفة سوف تزول لو أننا قمنا فعلا بمثل هذه المحاولات الجادة، ولكن يبدو أن الفلاسفة، بصفة عامة، لا يقومون في أغلب الأحوال بمثل هذه المحاولة الجادة، بل هم يحاولون دائما أن يبرهنوا على أن الإجابة " بنعم أو لا " هي الإجابة الصحيحة عنها، وذلك لأنهم لا يضعون أمام أذهانهم سؤالا واحدا بعينه بل عدة أسئلة تكون الإجابة عن بعضها بالنفي وعن بعضها بالإيجاب " . (3)

وأما فتجنشتين فقد رأى أن المشكلات الفلسفية نشأت نتيجة سوء استخدام الفلاسفة للغة العادية أو تجاهلها . فقد استخدموا الكلمات بمعان بعيدة كل البعد عن الاستخدام المألوف فخلقوا لأنفسهم مشكلات مثل التشكك فى وجود العالم أو كيف عرفت أن هنالك بشرا غيري لهم مثلى عقول ومشاعر وحالات نفسية وعمليات عقلية ونحو ذلك . وعلاج ذلك هو عودة الفلاسفة إلى اللغة العادية والاستخدام المألوف للكلمات . (4)

وانطلق أوستن كذلك في منهجه من اللغة العادية مؤكدا عمق المفاهيم التى تتضمنها . واهتم بالبحث في طرق استعمالاتها من خلال أربعة منطلقات رئيسية وذلك كما يلي :

1- أن الكلمات words هي أدواتنا ويجب، على الحد الأدنى، أن نستعمل أدوات نظيفة clean tools : فعلينا أن نعرف ما نعنيه وما لا نعنيه، ويجب أن نعد أنفسنا ضد الشراك أو المكائد التى تضعها لنا اللغة.

2- أن الكلمات ليست وقائع facts أو أشياء things : ولذلك فنحن في حاجة إلى أن نرفعها فوق العالم ونجعلها بعيدا عنه، وفى تقابل معه حتى نتمكن من إدراك عناصرها غير الملائمة والمستبدة ونستطيع إعادة النظر إلى العالم بدون غمامات .

3- وأكثر من ذلك فإن مخزوننا العام من الكلمات يجسد جميع الاختلافات التى وجد الناس أنها تستحق أن توضع، ويجسد الروابط التى وجدوا أنها تستحق التسجيل في حياة أجيال كثيرة : وهذه بالتأكيد أكثر تعددا وصحة وتهذيبا من جميع الموضوعات التى قد نفكر فيها، أو أفكر فيها، ونحن على مقاعدنا وقت الأصيل .

4- ويقينا فإن اللغة العادية ليست الكلمة الأخيرة : فمن حيث المبدأ يمكن تكملتها وتحسينها ولنتذكر فحسب أنها الكلمة الأولى first word .(5)

وجيدنز فى معالجته التفسيرية لفلسفة اللغة العادية استعرض أهم المنطلقات الفكرية لها عند مور، ورسل، وفتجنشتين و أوستن وستروسون وجرايس وسيرل وغيرهم . وقد رأى أن الأفكار التى عرضها فتجنشتين في كتاباته المتأخرة قد نجحت نحو التأكيد على التحليل الوصفي descriptive analysis المفصل لمعاني الكلمات في الكلام اليومي، وذلك بهدف توضيح أو حل بعض القضايا التقليدية للفلسفة . (6) وأن اللغة الإنجليزية العادية عندما تشير إلى الغرضية فإنها تتحدث عادة عما " يقصد الشخص أن يفعل " تماما مثلما هي الحال عند الحديث، فإننا نتحدث عما "يقصد الفاعل قوله". وهكذا نقترب كثيرا من الافتراض أو الادعاء القائل " أن نعني شيئا " بما نفعل لا يختلف عن أن " نعني شيئا " بما نقول . وهنا يشير جيدنز إلى أفكار اوستن حول الأفعال الغرضية illocutionary acts و القوى الغرضية ويري أن اوستن قد أذهله حقيقة أن قول شئ ما لا يعني دائما ببساطة أن تفصح عن شئ(7) .

فنطق عبارة " بهذا الخاتم أتزوجك " ليس وصفا لفعل معين وإنما هو لب فعل " الزواج " ذاته . فإذا كان من الطبيعي في مثل هذه الحالة أن يستوي ما نعنيه بما نقوله وما نعنيه مع ما نفعله، فقد يبدو كما لو أن هناك شكلاً واحداً مفرداً ومهيمناً للمعنى بحيث لا يتطلب الأمر أن نعقد أي تفرقة بين فعل شئ ما، وقول شئ ما. ولكن الأمر ليس كذلك من وجهة نظر جيدنز، إذ أن كل ما هو منطوق تقريبا فيما عدا صرخات الألم والفرح اللاإرادية يتسم بأنه ذو طابع تواصلي . كما أن بعض صور التواصل اللفظي بما في ذلك التعبيرات الاتفاقية أو المواضعية مثل عبارة " بهذا الخاتم أتزوجك " تتخذ شكلا علنيا . ولكن هذا لا تأثير له علي هذه القضية، ففي مثل هذه الحالات يكون التعبير المنطوق في حد ذاته " فعلا ذا معنى " كما يكون في ذات الوقت نمطا لتوصيل رسالة أو معنى للآخرين والمعنى في هذه الحالة هو " أن الوحدة الزواجية قد أصبحت رسمية وملزمة " حيث يفهم ذلك كل من الزوجين وبقية الحضور في الحفل .(8)

ويري جيدنز أن معنى المنطوقات utterances من حيث كونها " أفعالاً تواصلية " - إذا كان هناك ثمة فعل - يمكن دائما ومن حيث المبدأ التمييز بينه وبين معنى الفعل، أو توصيف الفعل باعتباره فعلا متميزا . فالفعل التواصلي هو ذلك الذي يكون فيه غرض الفاعل، أو أحد أغراضه مرتبطا بنقل المعلومات إلى فاعلين آخرين . وبالطبع فإن مثل هذه " المعلومات " لا يجب أن تكون مقتصرة على النمط الافتراضي، ولكن يمكن أن تتخذ شكلا توفيقياً في إطار محاولة إقناع الآخرين أو التأثير عليهم لكي يستجيبوا على نحو معين . والآن وحيث إن المنطوق يمكن أن يكون في نفس الوقت " فعلا " - أي شئ نقوم بفعله - و " فعلا تواصليا " فإن الشيء الذي نفعله قد ينطوي أيضا على قصد تواصلي .(9)

وأن فلاسفة اللغة الذين تبنوا وجهة النظر القائلة بأن " وحدة التواصل اللغوي linguistic communication ليست هي الرمز أو الكلمة أو الجملة كما يفترض بصفة عامة، ولكن هذه الوحدة هي عملية إنتاج أو إصدار الرمز أو الكلمة أو الجملة خلال أداء فعل الكلام، هؤلاء الفلاسفة ظلوا فيما يبدو يتعاملون مع المنطوقات اللفظية، إما على أنها من فعل أشخاص أصحاب تفكير مجرد، أو في ضوء علاقة هذه المنطوقات اللفظية بقواعد قد تكون بالغة الأهمية أو مواضعات لغوية مجردة وليس بوصفها محادثات توفيقية تدور بين الأفراد . ودلالة هذا الاختلاف في التعامل مع المنطوقات اللفظية قد تكون بالغة الأهمية، ذلك أن المعاني التى يحملها المنطوق تبرز إلى الوجود في ثنايا عملية التخاطب الفعلي بواسطة الأسلوب الذي يتم من خلاله إنجاز " العمل التخاطبي " في أطر قضية " إن أجزاء من التخاطب ما هي إلا طرائق لتجسيد وبلورة أو تحريف المحادثة نفسها، ومن ثم إضفاء معنى على مكونات المنطوق اللفظي " . (10)

   ويؤكد جيدنز على الدور الأساسي الذي تلعبه " اللغة العادية " في تأسيس التفاعل - الذي هو نتاج للمهارات المؤسسة للفاعلين الإنسانيين - بوصفها وسيطا لوصف ( تشخيص ) الأفعال، وكوسيط للتواصل بين الفاعلين في آن واحد، وهذه عادة ما تكون متداخلة مع بعضها البعض بشدة في الأنشطة العملية للحياة اليومية، ومن ثم فإن استعمال اللغة ذاتها يعد نشاطا عمليا . إن عملية توليد أوصاف لأفعال بمعرفة الفاعلين في نشاطهم اليومي ليست مسألة عرضية في الحياة الاجتماعية باعتبارها ممارسة مستمرة، ولكنها ذات أهمية مطلقة في عملية إنتاجها ولا يمكن فصلها عنها. ذلك أن توصيف ما يفعله الآخرون، وبقدر أكثر تحديدا نواياهم وأسباب ما يفعلونه، هو ما يخلق الصلة بين الذوات التى من خلالها يتم تحول المقاصد التواصلية إلى واقع .(11)

ولقد أسفرت محاولات القطيعة مع النظريات القديمة للمعنى التى تعكسها دراسات فتجنشتين المتأخرة، ودراسات أوستن التى تركز على الاستخدام الأداتي للكلمات، بدون شك عن نتائج جديرة بالاحتفاء بها . وهناك قدر واضح من الالتقاء بين الأعمال الحديثة في ميدان فلسفة اللغة والأفكار التى طورها تشومسكي وأتباعه حول القواعد اللغوية التحويلية . فكلاهما ينظر إلى اللغة واستخدامها بوصفها أداءًا إبداعيا . بيد أن رد الفعل في بعض الكتابات الفلسفية تجاه الادعاء القائل بأن كل ما هو منطوق له شكل ما من المحتوي الافتراضي، أفضت بذات القدر إلى تأكيد مبالغ فيه على " المعنى "بوصفه قد استغرق بواسطة المقاصد   التواصلية. (12)

كما أن كل من سترسون strawson وجرايس grice وسيرل searle وغيرهم قد تناولوا بعضا، وليس كل جوانب قصد التواصل في المنطوقات . فالتحليل الذي قدمه جرايس للمعنى بوصفه قصداً تواصلياً ( أي كمعنى غير طبيعي ) هو أكثر التحليلات في هذا المجال تأثيرا . وفي صياغته الأصلية يقدم جرايس وجهته التى فحواها أن العبارة القائلة بأن الفاعل " س " قد عنى بقوله ( كذا وكذا ) يمكن التعبير عنها بالصياغة التالية : إن س قد قصد من المنطوق ص أن يحدث تأثيرا على آخر أو آخرين من خلال إقرارهم بأن هذا هو ما كان يقصد إليه . وقد أشار فيما بعد إلى أن هذا لا يكفي بحالته الراهنة، لأنه قد ينطوي على حالات لا تعتبر أمثلة للمعاني ( غير الطبيعة ) . فقد يكتشف شخص ما أنه حيثما يثير تساؤلات عن موضوع معين، فإن شخصا آخر ينهار من الألم، وعند اكتشافه لهذا الأمر فإنه يكرر التساؤل كرة تلو الأخرى لينتج الأثر ذاته . إلا أنه بالرغم من أن الشخص الأول يثير التساؤل وينهار الثاني حال تعرفه على التساؤل، فينهار معه القصد فإننا لا ينبغي أن نقول إن التساؤل كان يعنى شيئا ما . وهكذا فإن جرايس يتوصل إلى استنتاج مؤداه أن التأثير الذي يقصد " س " إحداثه " يجب أن يكون شيئا خاضعا إلى حد ما لسيطرة المستمع، أو أنه بمعنى ما له مدلول " سببي " وأن التعرف على المقاصد الكامنة وراء " ص " يعد بالنسبة للمستمع بمثابة موضوع لعلاقات السببية وليس مجرد قضية عليه . (13)

وقد كشف نقاد جرايس عن وجود عدة التباسات وصعوبات في تحليله . أحد هذه الصعوبات أنه يبدو أن تحليله يقود إلى تراجع لا متناه، حيث إن ما يسعى " س-1 " إلى أن يحدثه من تأثير على " س-2 " يعتمد على القصد الذي يعمل " س –1 " على أن يتعرف عليه " س-2 " كقصد لـ " س-1 " وأن يتعرف " س-1 " على ما يقصده " س-2 " من كل من الموجه لـ " س-1 " وأن يتعرف " س-2 " على ما قصده " س-1 " وهكذا دواليك ... ويذهب جرايس في محاورة لاحقة مع نقاده وفي معرض رده عليهم إلى أن احتمال الانخراط في مثل هذا التراجع اللامنتاه لا يمثل مشاكل خاصة، حيث انه في أي موقف فعلي، فإن رفض أي فاعل أو عدم قدرته على الاستمرار في هذا المسار التراجعي لمعرفة مقاصد الطرف الأخر سوف يفرض حدودا عملية على التراجع . (14)

لكن هذا الإيضاح في رأى جيدنز ليس مرضيا تماما ذلك أن مشكلة التراجع تعد مشكلة منطقية . فهذا التراجع لا يمكن الفكاك منه، إلا من خلال إدخال مكون لا يظهر بصورة مباشرة في مناقشات جرايس . هذا المكون هو على وجه التحديد الحس المشترك الذي يتوفر لدى الفاعلين في إطار مناخ ثقافي مشترك، أو بتعبير أخر، ما أطلق عليه أحد الفلاسفة " المعرفة المتبادلة "   ( وهو يقول إنه لا يوجد في الواقع اتفاق على مسمى مقبول لهذه الظاهرة، ومن ثم فإن عليه أن يصك لها اسما) . فهناك العديد من الأشياء التى سوف يفترضها الفاعل أو يسلم بها ويعرف الطرف الآخر أنه يفترضها . ولا يفضي بنا هذا إلى تراجع لا متناه آخر من نوع " الفاعل يعرف أن الآخر يعرف وأن الآخرين يعرفون " إن التراجع اللامتناه من نوع " أن الآخر يعرف أن الفاعل يعرف أنه يعرف .. " لا يصبح مصدرا للتهديد إلا فى الحالات ذات الطبيعة الاستراتيجية فقط، مثل لعبة البوكر التى يحاول فيها كل من المشاركين في اللعب أن يكشف لنفسه خطط شركائه وأفكارهم في اللعب . هنا تكون المشكلة مشكلة عملية بالنسبة للفاعلين وليست مشكلة منطقية مما يحير الفيلسوف أو عالم الاجتماع . وينطوي   " الحس المشترك " أو " المعرفة المتبادلة " في علاقتها بنظرية المقاصد التواصلية على ما يلي :

أولا " ما يمكن أن يتوقع أن يعرفه أو ( يعتقد ) " أي فاعل كفء أنه يعرفه من خصائص الفاعلين الأكفاء بما في ذلك معرفته بنفسه وبالآخرين " .

ثانيا " إن الموقف المحدد الذي يجد الفاعل نفسه فيه في وقت ما ويوجد فيه الآخر أو الآخرون الذين يوجه إليهم منطوق القول يمثلون مجتمعين نماذج لنمط محدد من الظروف التى يكون من المقبول إسناد صور معينة من الكفاءة إليها .(15)

لقد لقيت وجهة النظر القائلة بأن المقاصد التواصلية تمثل الصورة الأساسية " للمعنى " بما يعني تطوير تفسير مقبول سوف يسمح لنا أن نفهم المعاني " المتفق عليها " لأنماط النطق تدعيما قويا من جرايس وآخرين . بعبارة أخرى، إن " ما يعنيه "س "   ( ما يعنيه الفاعل بما ينطقه ) هو مفتاح فهم ما يعنيه " ص "       ( معنى علاقة أو رمز معين ) وهذا الأمر يرفضه جيدنز لأن ما يقصده " ص " من معنى هو من الناجيتين السوسيولوجية والمنطقية سابق على المعنى الذي يقصده " س " وهو سابق سوسيولوجيا لأن الإطار المرجعي للقدرات الرمزية يعد ضروريا لوجود معظم الأغراض البشرية ذلك أن اتباع هذه الرموز بواسطة الأفراد يفترض الوجود المسبق لبناء لغوي يتوسط بين الأشكال الثقافية . وهو سابق منطقيا، لأن أي تفسير يبدأ من المعنى الذي يقصده     " س " لا يمكن أن يفسر أصل الحس المشترك أو المعرفة المتبادلة، وإنما لابد أن يفترض وجوده سلفا . ويمكن توضيح هذا بالرجوع إلى بعض الكتابات الفلسفية التى تتشابك بعمق وتعاني من نفس النقائص التى تعاني منها نظرية جرايس في المعنى . (16)

وعامة، فإن جيدنز يري أنه يمكن دراسة إنتاج اللغة وإعادة إنتاجها من ثلاثة جوانب على الأقل : يعد كل منها سمة مميزة لعملية إنتاج وإعادة إنتاج المجتمع بشكل أعم . فاللغة يتم " التمكن منها " و " الحديث بها " بواسطة فاعلين، وهي تستخدم كوسيط للاتصال بينهم، كما أن لها خصائص بنائية تعد بمعنى من المعاني نتاجا لخطاب " جماعة لغوية " أو " تجمع معين " . وفيما يخص جانب إنتاج اللغة بوصفها سلسلة من أفعال الكلام يقوم بها الفرد المتحدث، تعد اللغة :

1- مهارة أو مجموعة فائقة التعقيد من المهارات التى يمتلك ناصيتها كل من " يعرف اللغة " .

2- يعد استخدام هذه المهارة " الفهم " من قبل الذات الفاعلة نوعا من الفن الخلاق .

3- وهي شئ تم فعله أو إنجازه بواسطة المتحدث، غير أنه ليس واعيا تماما بما يفعله . وبعبارة أخرى فإن الفرد غالبا ما يكون قادراً على أن يقدم تفسيرا مبتسراً لتلك المهارات المستخدمة أو كيفية استخدامها .(17)

ويميز جيدنز بين الكلام ( ويمثل : الفعل والتفاعل ) واللغة   ( وتمثل : البينة ) كما يلي :

1- الكلام " مؤطر " أى أنه يوجد في زمان ومكان، بينما اللغة وكما يقول ريكور ricoeur   " واقعية وخارج الزمن " .

2- الكلام يفترض مسبقا وجود موضوع، ولكن اللغة تكون بلا موضوع حتى ولو لم يكن " موجودا " إلا بمقدار " معرفة " لغة المتحدثين به وإنتاجهم إياه .

3- الكلام يقوم على افتراض وجود الآخر، وتعتبر أهميته كميسر للمقاصد التواصلية أمرا أساسيا، ولكن - كما يوضح أوستن- يكون أيضا الوسيط المقصود لمجموعة كبيرة من " التأثيرات الغرضية غير الكلامية " . أما اللغة الطبيعية كبنية لا هي نتاج مقصود لأي موضوع بذاته ولا هي موجهة نحو موضوع آخر . (18)

وخلاصة القول : إن ما يميز " الفينومينولوجيا الوجودية " و " فلسفة اللغة العادية " و " التوجهات الفلسفية المتأخرة لفتجنشتين " في رأى جيدنز هو العودة للاهتمام بالفعل والمعنى والأعراف فى إطار الحياة الاجتماعية الإنسانية "

 

أ.د.ابراهيم طلبه سلكها

رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة طنطا

مصر

........................

الهوامش

[1] - warmock , g . : english philosophy since 1900 oxford university press , london , 1961, pp 22 -23          

2 - moore , E , g , principia ethica , cambridge university press 1962 , p - vii

4 - د / محمود فهمي زيدان : في فلسفة اللغة، بيروت، دار النهضة العربية للطباعة والنشر 1985، ص 53

5 - warnok ,g : j . L . austin , routledge , london and new york 1991 , pp - 4 - 5

6 - giddens , anthony , new rules of sociological method , p - 43

7 - Ibid , p - 93

8 - loc - cit

9 - Ibid , p- 43

10 - Ibid , pp- 43 - 44

11 - Ibid ,p- 98

12 - Ibid , pp -94 -95

13 - loc - cit

14 - ibid , pp- 95 - 96

15 - loc - cit

16 - Ibid , p-97

17 - Ibid , p- 109

18 - Ibid , pp 125 - 126

- See more at: http://www.philopress.net/2015/01/philosophie-de-langue.html#sthash.KBwjFDXp.dpuf

 

1mohamad bakoh- الوقت المناسب للتفلسف: لحظة البهجة والامتلاء الفردي والجماعي

بدءا، هل للتفلسف وقت وشرط معينين، في عمر الإنسان، وفي حياة المجتمع، دون وقت آخر، ودون أي شرط مغاير؟

نشير إلى أن معنى التفلسف في سياق تساؤلنا، يقع خارج إطار المفهوم المؤسساتي للفلسفة والتفكير الفلسفي . ومن تم بإمكاننا طرح سؤالنا بمعنى آخر : لماذا تزدهر الفلسفة، كفكر عقلاني نقدي في عصر، وتنحط في عصر آخر، إذا قبلنا تلقي وفهم وتحليل المعطى الفلسفي، وفق أطروحة منطق العصور؟ هل وضع الفلسفة المزدهر أو المنحط، يرتبط هنا بأحوال الأفراد، المادية والمعيشية والمعنوية في الحياة، وكذلك بطبيعة علاقاتهم بالأشياء ذاتها في ذاتها، الحاضرة، بشكل من الأشكال، في نسق وجودهم، ارتباطا بصيرورة المجتمع المتغيرة باستمرار، حيث يحيون ويعيشون ويوجدون؟ أم أن أمر الفلسفة والتفلسف أبعد وأعمق من كل ذلك :

حين ترى الفلسفة فرحة مرحة، تنمو وتزهر، تلهو وتقهقه وترقص، داخل حلبة صراع موج بحر الأشقاء الأعداء، الصراع الذي يعني هنا التنافس والتنازع، المؤدي فعليا وضرورة، إلى تحقيق حياة النصر والغلبة، ونيل تقدير الأهل واحترام الجار، كما هو واقع الحال عند فلاسفة الإغريق، فاعلم أن حالة الفلسفة الصّحية بخير، بل سليمة وقوية للغاية : إنّ وضعها هنا شروق حياة بهيجة أكثر من طبيعية، وفي قمة العطاء الانساني دون شك، كما يشهد على ما نقول، تاريخُها القوي وصيتها المجيد، في العصر اليوناني القديم، خاصة مع فلاسفته الحكماء العظام، الذين نعتهم نيتشه ب"جمهورية العباقرة " (من طاليس إلى سقراط) .

لكن، في المقابل، عندما تجد الفلسفة تشكي وتشتكي، بل تبكي وتنوح، تائهة وقلقة حينا، ومبتهلة مادحة أو مرثية حينا آخر، فاعلم أنها ساعة الحقيقة المرّة، قد دقت فيها وإليها الأفول يميل : غروب شمس الفلسفة وضعفها، ومرض الفيلسوف وعجزه .. بل سقوطها قد لاح في الأفق .. لا محالة .. إلا أن حرارة إشكالية سؤالنا ما تزال مستمرة، نقرّبها أكثر بالطريقة المسائلة التالية : ألا يحق لنا تفسير نهضة الفلسفة، في حالتها الطبيعية الصّحية، بتفوّق قوة قوى قيم فكر التنوير والتعليم المستنير، لدى الفيلسوف كفرد، وغلبة العقل النقدي المركب، في المجتمع المنفتح والمثقف، خاصة عند النخبة المفكرة العادلة، مهما كانت الطبيعة التاريخية لهذا المجتمع قديمة أو حديثة أو معاصرة؟

بمعنى، أننا نلاحظ أن انحطاط الفيلسوف وليس الفلسفة، ناتج لا محالة، عن سياسة وتدبير منهجي في نفس يعقوب . خطأ في التفكير تحوّل، بقوة ثقافة التكرار، إلى تدبير سياسي ناجح، أدى إلى إفشال المشروع الفكري والحياتي للفلسفة، المشروع الذي أسسه حكماء وفلاسفة الإغريق القدامى. هكذا يتحمل الفيلسوف، خاصة سقراط مع تلامذته الأخلاقيين، نصيبا مهما من مسؤوليته، في المصير المرضي المنحرف الذي اصطدمت به الفلسفة.

كما أن الإرادة السياسية، للنخبة المفكرة الضعيفة، كان لها دور كبير في إبقاء حال الفلسفة كما هو : مريضا وضعيفا وتابعا، بل أداة في خدمة ورهن إشارة الدين والسياسة ومجالات أخرى . نعرف ونسلّم بأن الطريقة المثلى لإضعاف الخصم، هي جعله أداة خاضعة لشؤونه وإشاراته المفروضة . إي استعباده وتدجينه . وهذا ما حصل فعليا مع الفيلسوف الميتافيزيقي، بعد اللحظة السقراطية، حيث تم تحويله مكرها، إلى أداة مستسلمة، في خدمة الفكر الديني حينا (أفلاطون، كانط)، وفي خدمة الدولة والسياسة المهيمنة حينا آخر (هيغل) . فيلسوف بعمق ديني أو سياسي، تتبرأ منه الفلسفة الحرة، بمعناها العقلاني النقدي، الذي يموقع نفسه دوما ضدّ التبعية والهيمنة والاستعباد والاستبداد والاستغلال، وبالمقابل، ينتصر العقل الفلسفي الفعلي، فكريا وعمليا، لقيم العدالة والتنوير والحرية والإنسان . يعني، أننا هنا بصدد مفهوم أولي وصافي وتأسيسي للفلسفة، ذلك الذي دشنه بدءا، وعمل به الفيلسوف الإغريقي القديم، قبل أن يعمل سقراط، ومدرسته الذاتية والأخلاقية، على مسخه وتحريفه ..

هكذا، نجد أنفسنا أمام مفارقة غريبة : الفلسفة والفيلسوف . هذا، هو الذي قاد، تلك، إلى جحيم، وليس جنة، الميتافيزيقا، حيث باتت، كذات .. إلى حد اليوم، تائهة غريبة عن وطنها .. موضوعها .

لهذا، واصلت القوى المحافظة التاريخية، بمساعدة الفلاسفة المهادنين أنفسهم، رحلتهم المطاردة والطويلة، لتضييق الخناق على الفلسفة والفكر الفلسفي، بالمعنى النقدي الحرّ والتحريري، والعلمي، لكلمة "فلسفة" . وكل محاولة للانفلات، من أجل التأصيل، والخروج، والتجاوز للطابع الديني المهيمن، والمؤسساتي الممجد، والميتافيزيقي السائد، للفعل الفلسفي والفكر الحر، يواجه ويقاوم صاحبه الفيلسوف المشاكس والمخترق، بالمال والاعلام والآلة، وبكل تجليات وأعوان السلطة الرمزية للمجتمع، للحد من يقظة الفلسفة، ونهضة الفكر الحرّ، وانطلاق الفيلسوف المفكر (سبينوزا، نيتشه)، وليس الفقيه أو قاضي المحكمة أو مُدرس السفسطة . لهذا فإذا كان " الفيلسوف يحمي ويدافع عن وطنه، في حين نرى منذ أفلاطون، أن الفيلسوف قد نفي وراح يتآمر ضد وطنه "1 . وبالتالي، فعصور التاريخ جميعها لم تعرف، حسب نيتشه، سوى ستّ فترات تاريخية هامة، حظيت فيها الفلسفة والفيلسوف معا، والمعرفة والعلوم، في بعدهما الفكري النقدي الخالص والعميق، بما يلزم من رعاية اجتماعية ومجتمعية، وحظوة سياسية واضحتين، عند النخبة الحاكمة، والمفكرة المدبرة للشأن العام، نذكرها على التوالي :

1 – العصر العبري الأول، 2 – عصر الإغريق، 3 – عصر الرومان، 4 – عصر الموريسكيين، 5 – عصر النهضة، 6 – عصر الأنوار (قرن 17 – 18 في فرنسا) .

هكذا، يبدو لنا واضحا أن لحظة الفلسفة الإغريقية، الما قبل السّقراطية، هي أهمّ اللحظات الذهبية في تاريخ الفلسفة القديمة، تلك التي تميز فيها القول الفلسفي بالكثير من الحرية النظرية، ونقد السائد، والصراع الفعّال، والقوي، والمتفوّق، ضدّ الأفكار المتعَبة والخاضعة والمدجّنة، وليس ضد من يفكر، يعني تقدير الفرد المفكر .  

فلماذا تفلسف الإغريق إذن، في الزمن التاريخي التراجيدي، باصطلاح نيتشه (القرون الستة الأولى قبل الميلاد)، ولم يتفلسفوا مثلا في زمن ما قبل هذا التاريخ، أو ما بعده، بنفس الكيفية النقدية والتراجيدية الجريئة ؟ لماذا تفلسف الحكماء "الأغارقة" في اليونان القديمة، في نفس الظرف التاريخي والاجتماعي والحضاري، الذي انشغل فيه العرب بحكي الأيام، وسرد الأنساب، وقول الشعر، وانشغل الرومان بالهندسة، والمصريين ببناء المعابد والأهرامات، والبحث المستمر عن قبلة مناسبة للآلهة ؟ لماذا اشتعل العقل الفلسفي في الإغريق .. هناك نورا ساطعا، واشتعل العقل الديني في الشرق .. هنا ابتهالات وصلوات مرفوعة للآلهة ؟ على اعتبار أن " وظيفة الدين لم تكن تساعد على ممارسة المغامرة العقلية "2، التي كانت من السمات الأساسية للحضارة اليونانية القديمة .

لعلنا، نجد أنفسنا من جديد نتحدث هنا، عن بداية محتملة لأصل التفلسف والفلسفة، وليس عن مؤشر التفكير الفلسفي المبكّر، الذي من المفروض أن يكون مرحلة تأسيسية، للتفكير البشري النوعي، وليس تفكيرا نمطيا، ولا كميا منفعلا ومريضا، كما أراده فكر السلطة الرمزي الحاكم، واختارته أنظمة العقل السياسي المهيمن !!

إن هذا واقع الأمر، الذي تحقق بالفعل عند حكماء الإغريق، لمّا أبدعوا في القول والتفكير الفلسفيين، ولم يتحقق عند باقي شعوب الأرض وحضاراتها . تلك التي انشغلت - ربما - بأشياء أخرى، وبأفكار وأوهام ومعتقدات، من نوع ذاتي مختلف، غير التفكير الفلسفي الخالص، الذي وجدناه ناضجا عند الإغريق، وبدأوا من خلاله بطرح سؤال وجودهم، كطبيعة .. وكنوع بشري، وأيضا سؤال وجود تلك الأشياء، والموجودات الهائلة، كمّا وكيفا، المحيطة بهم، ولماذا وجدت هذه الأفكار، وتلك الأسئلة الوجودية الطبيعية، في ذهن الفرد والجماعة، في أصل الأشياء، باعتبار الإنسان هنا، ككل الكائنات الحيّة، رهينٌ وجودُه بوجود كائنات طبيعيّة، تحيا في جواره، قبل أن يحوّل هذا السؤال الأم المستفز للفكر لاحقا، إلى أسئلة كبيرة ذات طبيعة علائقية، لا تقل أهمّية عن السؤال الوجودي البديهي المبكّر الأسبق، حرارة وعمقا واحتراقا ..! نعني به السؤال المعرفي، منطوقه : أريدُ أن أعرف، لماذا أنا موجود، هنا والآن، في هذه الحياة، وعلى هذه الأرض، وبمعية هذه الطبيعة الجميلة والمُدهشة، والمُرعبة، التي أنا جزء منها، باعتباري كائن طبيعي منها، وهي جزء مني، باعتبارها كائنة طبيعية فيّ .. وكلانا موجودات تحيا بالطبيعة، يتعلق الواحد منا بالآخر .. غير أنّني كإنسان يفكر، أسعى لمعرفة مَن أكون، ولماذا أنا هنا، الشيء الذي لا تقدر على معرفته، ولا حتى السعي إليه، هذه الطبيعة الصديقة والعدوة، في الوقت عينه ؟ إنه السؤال الكبير الذي فجّر، عند الفيلسوف الإغريقي القديم، ينبوع قضايا فلسفية، ذات طابع فكري تأملي وجودي عميق، أطرته إرادتُه المعرفية، والغرائزية، لاكتشاف ما وراء عالم الأشياء المحسوسة، والمجردة : كالفكر والمادة والأحاسيس، والانفعال والفعل والحروب، والجمال والقبح والجسد، وكذا الشعر والسحر والاندهاش، والموسيقى والمسرح والاحتفال، ... إلخ .

إنه الإكراه في الطبيعة، وهباتُها – كنوزها الخيّرة اللامحدودة، والمتناقضة، بمفارقاتها التي لا تحصى، ولا تقدر بثمن : الحُبّ والخوف . المتعة والألم . السلطة والعجز . الحياة، والموت المحدق بالأحياء . الطبيعة، وما وراء الطبيعة . وضع سيوّلد تراجيديا جدلية الإنسان والآلهة، ستليه إجابات الأسطورة، الباحثة عن الحقيقة .. حقيقة مخاوف هذا الانسان، الذي تمّ القذف به إلى حياة لم تكن موجودة قبل أن يراها .. وجد فيها دون استشارته، بعدها ستتوّج أسئلته المقلقة، في وضعه التراجيدي القائم، وفي أرض الانسان، سعيا لقمع وتحصين واحتواء شرارة تلك الأسئلة، وتدجين الطبيعة الغريزية للفرد البشري، في كون الطبيعة الهائل، بظهور الأديان والمعتقدات، الحسية والمجردة، تلك التي هدّأت مؤقتا من روع النوع البشري، وفتحت له بوّابة الأمل الكبير، في حياة المفارق في المستقبل . هكذا " أفسح السحر والخرافات والطقوس الدينية طريقا للعلم، وبدأت الفلسفة . لقد كانت هذه الفلسفة في البداية فلسفة طبيعية مادية "3، تعبر عن واقع مجتمع كله حيوي، ينمو ويتطور، ويتفاعل إيجابا مع كل ما هو طبيعي وقوي، اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وعسكريا وثقافيا وفنيا وجماليا . فلسفة حيّة طبيعية صحّية، متعايشة مع ما هو علمي وحسي، في مجتمع إغريقي قوي وطموح، يعيش نوعا من الاكتمال، ويحيا قوة الذات المبتكرة، في صلتها بالآخر المرتبك إلى حد ما .

غير أن الأفكار الفلسفية، في خضمّ كل هذه التحوّلات، والتفاعلات الجدلية، بين النوع البشري، ومحيطه الطبيعي، ثم الثقافي فيما بعد، كانت تزهر بأضوائها المشعّة، بين الفينة والأخرى، في ليل غابة الإنسان العنيفة والحائرة .

لعل الفلسفة الإغريقية، خاصة مع الفلاسفة الطبيعيين، والذريين، والفيتاغوريين (لحظة ما قبل السقراطية)، ستعرف نهضة مهمة وقفزة نوعية، على مستوى طرحها السؤال الفلسفي، موازاة مع ما هو نقدي وعلمي . أي تقديم الإجابة العقلية للسؤال الميتافيزيقي، حول مبحث مسألة الوجود، منطوقه : ليس المهمّ من أكون، ولا من أين جئت، ولا لماذا أنا موجود .. هنا، ولا إلى أين أصير .. في الهناك ؟، بل المهمّ، أن أحيا وجودي، كما أنا، كما لو كنت شجرة، أو طائرا يحلق، أنا الموجود بالضرورة، كجميع الكائنات الطبيعية مثلي، من حولي، فلأترك إذن، صُداع الأصل والبداية، والمصير والنهاية، للفلاسفة الميتافيزيقيين، ممن يسمّيهم نيتشه نفسه، ب "قاتلي" الفلسفة المحضة، في ميدان مهدها الصافي، الذي لم تتخطاه حروفها المزهرة الأولى، نتيجة تورّطها – أو توريطها، في عرس غير مشروع، مع سلطة الفلسفة الزائفة، فلسفة المحاكم بتعبير كانط، وفلسفة الفقهاء بتعبير ابن رشد، وعُمّال الفلسفة حسب نيتشه ؟

غير أن الوقت الذهبي للتفلسف الحق فعليا، كما يراه نيتشه، لم يبدأ إلا في لحظة مجتمع الامتلاء، واكتمال النضج الفكري الفردي، الذي يجب أن يتحقق ضرورة، كما يقول " حين نكون سعداء، في مكتمل العمر، مُسلّحين بالابتهاج الغامر، الذي يسببه النضجُ الرجولي المتين والمنتصر . إن كون هذه اللحظة بالذات، هي التي بدأ معها الإغريق بالتفلسف، يعلّمنا ما هي الفلسفة، وما يجب أن تكون، بقدر ما يعلمنا حول الاغريق أنفسهم "4 .

يمكننا مناقشة دواعي التفكير الفلسفي والتفلسف، كما طرحها، وصاغها نيتشه في النص أعلاه، باعتبارها دواعي ترتبط أساسا بالاستعداد الذاتي للفرد الفيلسوف، كشخص حرّ، يحب الحياة .. أولا وأساسا، وكمواطن بهيج وقوي، مولع بالسؤال الفكري حتى الثمالة .. ثانيا، على غرار وضع الإنسان الإغريقي هنا، المحتفى به بالطريقة الشعرية، في النص النيتشوي، سواء على مستوى علاقته بذاته الفردية، كطاقة فكرية وجسدية قوية، أو علاقته الوطيدة بمجتمعه الأم "اليونان"، أو علاقته بالمجتمعات البشرية الأخرى المحيطة به، وأيضا طريقة تعامله مع مسألة المعرفة، وكيفية تحصيلها، وتعلّمها، وتعليمها لآخرين المختلفين عنه .

 

2 - الفلسفة والحضارة الإغريقية، وحوار الحضارات

إن الفيلسوف اليوناني الحكيم، يشكل جزءا لا يتجزأ، من كلية حضارة الشعب الإغريقي، هذا الذي تشبّع جسديا بحياة المرح واللعب (الأولمب)، وامتلأ فكريا بقوة الأسطورة، وبحسن جمالها المفترض (المعتقد)، وبالانفتاح الشمولي على الحضارات المجاورة، إيجابا وسلبا، عطاءا وأخذا، احتفالا وحروبا . لهذا جاء تفكيرهم الفلسفي القديم مبتكرا وأصيلا، حرّا ومختلفا . لأنّهم شعب ذكي " هضموا الثقافة الحية لشعوب أخرى "5، بطريقة مكنتهم روافد هذه الثقافة الحضارية المتنوعة، من تنويع تجربتهم ومعارفهم، في الحياة الخاصة والعامة، في سياق المثاقفة والحوار الحضاري بين الشعوب .

هكذا، شكلت الحضارة الإغريقية، بطابعها الغني بالتجربة، والقوي بالبحث والإبداع، حافزا مهما لإكساب الفلسفة الإغريقية القدرة على نيل شرعيتها المشروعة والمستحقة6 .

بالإضافة إلى هذا التفاعل الحضاري والثقافي، وانفتاح الشعب الإغريقي على خصوصيات شعوب محيطه الحضاري، وحواره الفعّال، مع باقي الثقافات والحضارات المجاورة، تفوّق الأغارقة أيضا في جعل معرفتهم الفكرية والفلسفية، رهن إشارة كل أشكال ومظاهر الحياة الإنسانية . وبالتالي، كانت حفلاتهم واحتفالاتهم، وفنونهم، وحتى حروبهم بمثابة تجليات " آلهة اليونان الثلاثة – استقواء على النفس والغير، وتجميل للواقع تنبيل، وطلب للكمال والتحسين، فصارت بهذا بلاد اليونان، بلاد الاقتدار والجمال والكمال، كانت وسائل للاحتفاء بالذات واستزادة إرادة القوة "7 .

يقول نيتشه متحدثا عن فلاسفة الإغريق القدامى، معبرا عن إعجابه الشديد بتجربتهم الفلسفية الراقية، " إنهم لجديرون بالإعجاب من حيث فنهم في التعلم بشكل مفيد، وعلينا أن نحذو حذوهم في التعلم من جيراننا، واضعين المعرفة المكتسبة كدعامة في خدمة الحياة، وليس في خدمة المعرفة الموسوعية، التي ننطلق منها دائما لكي نتعالى عن الجار"8 .

بل ذهب نيتشه في أكثر من كتاباته، إلى حد اعتبار العبقرية الفلسفية الإغريقية مُبدعة أصيلة، بل سبّاقة إلى ابتكار النسق الفلسفي المكتمل، الذي لم يعمل الفلاسفة اللاحقون عليه، سوى على تكراره واجتراره، بالتأويل والتفصيل، والشرح، وإعادة طرحه في حلل جديدة، لا غير . يقول " لقد ابتكروا في الواقع الأنساق الكبرى للفكر الفلسفي، ولم يبق لمجمل الأجيال اللاحقة، أن تبتكر شيئا جوهريا يمكن أن يضاف إليها "9 . باعتبار أن الحضارة اليونانية، في أصلها وأساسها، كانت " تمجيدا للحياة "10 المتغيرة والمتحولة باستمرار، وليست تقديسا لما هو ثابت وجامد ومكرور .. هكذا جاءت فلسفتهم قوية، شبيهة لقوة حياتهم الاجتماعية العامة .

 

3 - الفلسفة والفن الإغريقي التراجيدي

لابد هنا من تقديم المفهوم الفلسفي، كما يتصوره نيتشه، لمسألة الفن، وهو في غاية الأهمية، من حيث أنه يجعلنا نكتشف هذه العلاقة القوية، بين ما هو فلسفي، وما هو فني جمالي، في فكر نيتشه الفلسفي . يقول في نص جميل وعميق : " لكي يكون هناك فن، لكي يكون هناك عمل جمالي ما، ونظرة جمالية، لابد من توفر شرط فيزيولوجي لا محيد عنه : النشوة . لابد أن تكون النشوة قد رفعت من استثارة الآلة بكليتها، من دون ذلك لا يمكن إنجاز أي فن "11. هكذا يحق لنا القول، مع نيتشه، أن معنى الفن وقيمته، مرهونان بتوفر الشرط النفسي، الذي يسميه نيتشه ب "النشوة ". هل الجمال الفني يتوقف على حضور النشوة لدى الفنان ؟ بمعنى أن العمل الفني الذي يفتقر صاحبه (الفنان) إلى عامل النشوة، حتما لن يكون جميلا، وبالتالي، لن يؤثر إيجابا على المتلقي . إن مفهوم الجمال هنا، يطرحه نيتشه بالمعنى الفلسفي، الذي يرتبط بدلالة استحواذ المنجز الفني، على كلية الاستعداد الذاتي والنفسي لمتلقيه، كما سبق أن استحوذ على صاحبه المنتج له . يضيف قائلا : "حين يستحوذ الفن بقوة على شخص ما، فإنه يعود به إلى تصورات العصر الذي كان فيه الفن يزدهر بحيوية كبيرة، إنه إذن يمارس عملية نكوصية"12.

هكذا يتضح، أن مفهوم النشوة هنا، هو مفهوم متعلق بمعنى المتعة، التي من خلالها، ينتج الفنان أو الفيلسوف أو الشاعر منجزه الابداعي، الذي يتحوّل بنفس المتعة (الاحساس) إلى قارئه ومتلقيه . لعلّ جوهر التفلسف النيتشوي هنا، ممزوج بعمق الممارسة الفنية، باعتبارها عملية شعورية فائقة الجمالية، كما يتصورها نيتشه نفسه .

فلنواصل الانصات لنص نيتشه : " وكل أنواع النشوة، مهما اختلفت أشكال المثيرات، تمتلك القدرة على ذلك، وبصفة أخص النشوة الناجمة عن الإثارة الجنسية، الشكل الأكثر قدما وبدائية من بينها جميعا . ولا تختلف عنها في ذلك أيضا النشوة المتأتية عن كل الرغبات الكبرى، وكل الأحاسيس القوية، نشوة الاحتفال، ونشوة المبارزة، والأعمال البطولية، والانتصار، وكل الأفعال القصووية، نشوة الشناعة، نشوة التدمير، النشوة التي تثيرها تبدلات الطقس، مثل نشوة الربيع، أو تلك الناجمة عن مفعول المخدرات، وأخيرا نشوة الإرادة، نشوة إرادة عرفت طول تراكم وتضخم .

إن الأمر الأساسي في النشوة هو ذلك الشعور بتفاقم الطاقة وزخم الامتلاء "13.

لعل نيتشه، في متم النص أعلاه، يجعل "نشوة الإرادة"، ضمن أنواع النشوة التي سردها (النشوة الجنسية، النشوة المتأتية، نشوة الاحتفال، نشوة المبارزة، نشوة الشناعة، نشوة التدمير، نشوة الربيع، نشوة التخدير، نشوة الإرادة) كتتويج هام لكل النشوات العديدة والمختلفة، كيفما كان نوعها . لأن "نشوة الإرادة"، يراهن على قدراتها الكبيرة، التي تفوق قوة كل ما عداها، من قدرات الفرد الفنان . بالإضافة إلى موقعته "النشوة الجنسية"، في درجة أسفل قاعدة كل النشوات البشرية المذكورة، بترتيبها ضمن صياغتها الفلسفية النصية أعلاه، باعتبارها نشوة جسدية وحيوانية مشتركة، لا تدل على فردانية الانسان ككائن طبيعي ويفكر ..  

غير أن حافز النشوة، في نهاية الأمر، هو طاقة وامتلاء نفس الفرد، وكذلك الجماعة التي ينتمي إليها، في حالة الاتفاق والتواصل الملتحم، كالإغريق مثلا، بالقوة وإرادة القوة، التي هي أساس كل عمل إبداعي خلاق وناجح، سواء كان فنا أو فلسفة .. بل أساس كل نجاح وانتصار في الحياة عامة .

لهذا، لم يكن الفنّ بالنسبة للشعب الإغريقي، كما كان عند " خلفهم الرومان في ما بعد، زينة وزخرفا وبدعة وصنعة، وإنما كان، إن جاز التعبير، "طبيعة" و"غريزة" تغيّت حمل الناس على تحقيق "الصحّة" و"العافية"، أي أنه كان علامة سلامة "14، وهو نفس الدور الهام والرئيسي، الذي لعبته الفلسفة في العصر الاغريقي التراجيدي المتحدث عنه، من منظور نيتشه الفلسفي النقدي . بمعنى أن الفلسفة هنا، تؤدي مهمّة علاجية طبية، سماها نيتشه نفسه بالمهمة "التطهيرية"، متسائلا عن معناها، والخلط الدلالي والتصنيفي المحتمل، الذي طرحته هذه التسمية، بالنسبة للمفكرين والباحثين المهتمين بالموضوع . هل يدخل مفهوم "التطهير" بتعبير أرسطو، أو "التنفيس" حسب نيتشه، في إطار ما يمكن تسميته بالظاهرة النفسية الطبية، أم هو مفهوم قيمي له علاقة بالمجال الأخلاقي ؟؟ مستندا في كل ذلك، إلى المرجعية الفلسفية الأرسطية المهيمنة، باعتبار أن أرسطو كان هو صاحب مفهوم التطهير . يقول " إن فكرة التنفيس كطريقة علاجية، أي التطهير بالمصطلح الأرسطي، هو التعبير الذي يحار علماء اللغة أين يصنفونه، - هل يصنفونه كظاهرة طبية أم كظاهرة أخلاقية "15 .

إن الفن القوي، هو الوجه الآخر للفلسفة القوية . كلاهما ينفرد بتلك اللمسة الطبية العلاجية، حسب نيتشه، في حالة ما وجودهما، في بيئة فنية أو فلسفية مريضة، كالبيئة الرومانية، التي تحوّل عندها الفن إلى طلاسم مزينة، أو البيئة الفلسفية الحديثة، في عصر نيتشه نفسه، لمّا أغرقت الميتافيزيقا بعض الفلاسفة (شوبنهاور) في يمّ التفكير الفلسفي العدمي .        

 

بقلم : محمد بقوح

..................

المراجع

1 – نيتشه، الفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي، ترجمة محمد الناجي، ص 44

2 برتراند رسل، حكمة الغرب، ترجمة فؤاد زكريا، سلسلة عالم المعرفة، عدد 364، ص 28

3 - ول ديورانت، قصة الفلسفة، ترجمة فتح الله محمد المشعشع، ص 8

4 – نيتشه، الفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي، ترجمة محمد الناجي، ص 39

5 – نيتشه، الفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي، ص 40

6 – نفسه، ص 43

7 – محمد الشيخ، نقد الحداثة في فكر نيتشه، ص 150

8 – نيتشه، الفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي، ص 40

9 – نيتشه، نفسه، ص 41

10 – محمد الشيخ، نقد الحداثة في فكر نيتشه، ص 153

11 – نيتشه، غسق الأوثان، ترجمة علي مصباح، ص 106 – 107  

12 – نيتشه، إنسان مفرط في إنسانيته، ترجمة محمد الناجي، ص 100

13 – نيتشه، غسق الأوثان، نفسه

14 – محمد الشيخ، نقد الحداثة في فكر نيتشه، ص 153

15 – نيتشه، مولد التراجيديا، ترجمة شاهر حسن عبيد، ص 245

 

mohamad bakohهل يمكننا الحديث عن العلاقة، من نوع ما، بين الفلسفة والدولة؟

كل من يبحث عن كتاب فلسفي في المكتبات المتواجدة في مدينته، على قلتها، حتما سيتأكد من واقع حقيقة علاقة الدولة والمجتمع، وكل ما هو مؤسساتي، بمعرفة علمية وإنسانية اسمها الفلسفة. هو واقع مر بلا شك. في الوقت الذي تشجع الدولة الفكر الهجين والمسالم، وتكرس المعارف ذات الطابع الإنشائي والوصفي السطحي، نراها تفرض نوعا من الحصار والتهميش المقصود على الفلسفة والفيلسوف، وتحارب الفكر الفلسفي والنقدي الجاد والجيد.

فمنذ نشأة الأشكال الأولى للدولة قديما، واكتشف الإنسان نفسه يتفلسف بضواحي المدن والقرى. بات هذا الإنسان يفكر بطريقة مختلفة، طارحا أسئلة تبدو للناس العاديين غريبة. لكنها أسئلة تخدش الحقيقة. تكشف عن المستور في واقع مجتمع غير منصف، لما هو إنساني في الإنسان. لقد أصبحت فكرة النظام عنده مطلبا أساسيا. لهذا كان الحفاظ عليه، وتكريسه بكل الطرق الممكنة أمرا ضروريا وملحا من منظوره الشخصي والاجتماعي.. بل يكاد يكون أمرا مقدسا إلى أبعد الحدود.. في مدن وقرى مجتمع القبيلة والعشيرة.. وأخيرا في ساحات الدولة المعنية.. هنا يطرح موضوع علاقة الفلسفة كفكر عقلاني بالسلطة. سواء كانت سلطة الدولة، كجهاز سياسي يعتبر الفلسفة فكرا غير مرغوب فيه. لأنه فكر مشاكس ومتمرد. يسبب لها، أي للدولة، الكثير من الإحراج والمتاعب، أمام انتظارات الرأي العام المحلي والدولي، بالمعنى العالمي الواسع والمنفتح على المحيط المكاني والزماني .

هكذا، يمكننا القول بأن علاقة التفكير الفلسفي بتفكير الدولة، كانا دوما على طرفي نقيض منذ بدايته وانطلاقته ونشأته الأولى. فالفلسفة تنتقد من أجل التغيير. والدولة، على العكس تماما، تكرس نظام الوضع القائم، وتحارب كل من يطالب بتغييره .

إذن، هي معادلة علاقة التضاد الفكري والأيديولوجي غير البريئة . تتخذ صبغة التوتر والتجاذب والصراع والجدل التاريخي والحضاري . فالعقل الفلسفي مصر دائما على الدفاع المستميت، عن قيمه الإنسانية، ورسالته المعرفية والأخلاقية كإنسان . متشبثا بموقفه الفكري النقدي، المضاد لموقف جميع أنواع مؤسسات السلطة، وعلى رأسها سلطة الدولة الكبرى . منتقدا حقائق الواقع والوجود والمعرفة والقيم، والإنسان الخضوع والطاغية في الوقت ذاته . وذلك بتعرية تناقضاتها الثابتة، وتفكيك مغالطاتها السائدة .. وأكاذيبها المهيمنة، والفاعلة داخل رؤوس عامة الناس .. والمسلم به عند الفيلسوف، هو مساءلة كل ما هو متحجّر ومغلق ومتشدد . وتحريك كل ما هو راكد وثابت ومكرر.. أو يتحرك بشكل مكرور داخل دائرة ما هو نصي جامد . في إطار مجتمع تقليدي محافظ، يقول: لا لكل تغيير وتفسير وتأويل علمي . نابع من تقدم الإنسان وعلومه الحقة. منتصرا في كل ذلك لمنطق جبروت العقل، الذي هو مقياس كل الأشياء .. كما قال أحد الفلاسفة الإغريق . في المقابل، تتمسك الدولة، كأعلى مؤسسة في البلاد، تمسك الأعمى، بموقفها السياسي التقليدي والأيديولوجي السلبي، تجاه الفلسفة، كفكر نقدي خلاق، والمتمثل في ادعاء حماية عقل المجتمع، من أفكار "الفيلسوف" الهدامة . يعني أن الدولة هنا تموقع نفسها في موقع " الدركي " الشرس والحارس الأمين، على ضيعة " العقل الاجتماعي " للمواطن .. تلك " الضيعة الفلاحية " التي يجب أن تبقى رهينة ريّ الدولة .. وبذورها الصالحة .. وليس رهينة أمطار وبذور الفيلسوف الطبيعية " الفاسدة " .. هل ما هو طبيعي يفسد حقا تربة فكر وعقل الناس والإنسان .. كما تزعم الدولة ؟ سؤالا نطرحه مع القارئ .. ونترك الإجابة عنه لنصين شاهدين، من تاريخ المغرب وأوروبا، خلال القرن الثامن عشر.. مركزين على المنظور السلطوي السياسي، الذي تعامل به الدولة الفلسفة والفيلسوف، الذي هو بمثابة فرد .. حرفته الأساسية هي التفكير .. ولا شيء غير التفكير الحر والمبدع .. في واقع جميع الأشياء، مهما كانت طبيعتها . فليس هناك مواضيع أو مباحث غير قابلة للبحث الفكري والفلسفي . هذا هو الفرق بين الفلسفة وبعض المعارف الأخرى، التي تضع الخطوط الحمراء، أثناء تفكيرها في بعض فروع الأشياء والمعرفة . لكن الفيلسوف يعتبر كل الموضوعات والمجالات العلمية والطبيعية والدينية والسياسية، قابلة للبحث والتفسير والتأويل المعرفي والعلمي .. وذلك بطريقة طبيعية وبحثية معقلنة، كمواطن مجتهد يبحث عن الحقيقة أو عن وجهها غير المعلن لا غير. هنا يلاحظ ضعف الفيلسوف، على مستوى التأثير المباشر الاقتصادي والاجتماعي، بالنسبة لمحيطه المجتمعي .. لكنه على المستوى الفكري والفلسفي، فهو جد قوي من حيث فعالية تأثيره السياسي غير المباشر. باعتبار أن التفكير الفلسفي يدل بطريقة أو بأخرى، على مدى اكتمال الوعي الاجتماعي للفرد، باعتباره مواطن أولا، وثنايا باعتباره إنسان عليه واجبات كما له حقوق . وردود فعل الدولة تجاه كتاباته تدل على مدى فعالية فلسفته، على مستوى رأسمالها الرمزي، وقوتها العلمية الجريئة .

إذن لندلي بالنصين الشاهدين التاريخيين أدناه .

نقرأ في نص ثقافي تاريخي شاهد، اقتبسه الباحث المغربي مصطفى محسن في كتابه (أسئلة التحديث في الخطاب التربوي بالمغرب)1 من نص آخر، في كتاب شيق للأديب والمفكر المغربي عبد الله كنون . جاء في النص: (نسوق بهذا الصدد واقعة تاريخية دالة يعبر عنها ذلك الظهير الرسمي، الذي أصدره السلطان سيدي محمد بن عبد الله (النصف الثاني من القرن الثالث عشر: 1757 ـ 1798 م) . ففي الفصل الثالث من الظهير المذكور، يوجه الأمر إلى المدرسين في مساجد فاس ـ وعلى رأسها القرويين ـ بألا " يدرسوا إلا كتاب الله تعالى وتفسيره، وكتاب دلائل الخيرات .. ومن كتب الحديث المسانيد والكتب المستخرجة منها، والبخاري ومسلما من الكتب الصحاح، ومن الفقه: المدونة والبيان والتحصيل .. " 2.

ثم يتدخل السلطان متوعدا من خالف أوامره قائلا: (كل من أراد أن يخوض في علم الكلام والمنطق وعلوم الفلاسفة وكتب غلاة الصوفية، وكتب القصص، فليتعاطى ذلك في داره، مع أصحابه الذين لا يدرون بأنهم لا يدرون . ومن تعاطى ما ذكرنا في المساجد، ونالته عقوبة فلا يلومن إلا نفسه) .2

ربما لا يحتاج منا النص أعلاه إلى تعليق . فالدولة، على لسان السلطان المغربي، تستعمل هنا المسألة الدينية كفزّاعة، لتكريس منظورها السلطوي العنيف، ضدّ كل أشكال المعارف العقلية والنقدية، التي تعتبر الفلسفة على رأس تلك المعارف المحرمة، وتعد التعاطي لها جريمة يعاقب عليها قانونها !!.

لننتقل الآن، إلى الشاهد الثاني المرتبط هذه المرة، بالحقل الفلسفي الخالص ـ ومن حسن الصدف، ينتمي النص السياسي هنا والموجّه أساسا على شكل رسالة تحذيرية وتهديدية، إلى الفيلسوف الألماني الكبير كانط، إثر تأليفه ونشره لكتاب في غاية الأهمية بعنوان " الدين في حدود مجرد العقل "، في نفس اللحظة التاريخية، التي كتب فيها نص السلطان المغربي محمد بن عبد الله (القرن 18 الميلادي) أعلاه . مع العلم أن هذا القرن، عرف بعهد التفتح والتنوير. وتحكم النخبة المثقفة المتنورة في قيادة التوجيه الفكري والفلسفي، خاصة في فرنسا حسب نيتشه ..

جاء في كتاب " كانط راهنا أو الإنسان في حدود مجرد العقل "، ل د. أم الزين بنشيخة – المسكيني، ما يلي .. حيث نقرأ (في تصدير نزاع الكليات (1798) الذي أورد فيه كانط حكايته مع الرقابة . حيث نقرأ نص رسالة تأنيب بعث بها وزير الملك فريديريك الثاني (woellner) مطالبا كانط، بتبرير ما ألحقه كتابه " الدين في حدود مجرد العقل " من تشويه واحتقار لثوابت الدين المسيحي، قائلا: " لقد لاحظ سمونا منذ زمن بمرارة وضجر الطريقة، التي وفقها أسرفتم في فلسفتكم في تشويه واحتقار الثوابت الأساسية والرسمية للكتب المقدمة وللمسيحية .. وذلك بخاصة في كتابكم " الدين في حدود مجرد العقل ".. فإننا نلزمكم ضرورة بتبرير فعلكم ذاك، وإن لم تفعلوا فينبغي أن تنتظروا منا ما لا يعجبكم . ")3.

إنها العلاقة غير البريئة التي يفرضها موقع الدولة، كمؤسسة سياسية حاكمة، على الفلسفة والفيلسوف، باعتبارهما معارف نقدية غير مرغوب فيها، لأن منبعها الوحيد هو البحث العلمي الموجه إلى تكوين القارئ الذكي، قد لا يكون في زمكان الفيلسوف .. لهذا فعلاقة السياسي والفلسفي عند الدولة، هي ضد العقل والعقل النقدي أساسا، رغم ما يبدو من خلال بلاغة سطح هذه العلاقة، من ملامح ضدية وصراعية، تحتكر الدولة عنفها، وتفرض سلطتها على الفلسفة، إلا أن واقع الحقيقة يقول أن الدولة، أينما كانت تراهن دائما على محاصرة الفكر الفلسفي، والتضييق على تحركاته ومحاولة تكبيل انطلاقه، على المستوى التاريخي والمستقبلي . أي مواصلة الدولة التفكير الدائم، في تأسيس استراتيجيات تقوية أساليب محاربة عقل الفلسفة، الذي هو جوهر الحرية والتحرر . تلك المحاربة المفروضة التي تضمن لها الانتصار المستقبلي الدائم . بمعنى، أن الدولة تتبني حتى أساليب معرفية وفلسفية وعلمية، من أجل ضرب وتحجيم الفكر الفلسفي الحر، والملتزم بقضايا الحق والوجود والإنسان كمواطن .

من هنا جاءت استراتيجية تأزيم وضعية الدرس الفلسفي، في مؤسساتنا التعليمية، لجعلها دون المستوى الفعلي المطلوب . أي ضعيفة لا ترقى للفكر العقلاني النقدي المأمول . بل، حتى تلامذتنا في التعليم الثانوي، وطلبتنا في التعليم الجامعي، ينفرون من الفلسفة، كمادة معرفية وتربوية . فهي بالنسبة إليهم فكر غير واقعي ولا نفعي . وغالبا ما يتهافتون على الدراسات الإسلامية الجاهزة والسهلة . ويتنافسون على اختيار العلوم بحثا عن المستقبل المهني . باعتبار ما لهذه الشعب الرسمية من " فردوس مهني حلمي مضمون " في عرف الشعب والدولة معا . لعبة كاذبة متفق عليها من كليهما . فالدولة إذن، هي التي تتحكم وتختار التوجيه الحقيقي للتلميذ والطالب .. وليس العكس، كما يعتقد التلميذ والطالب وأسرهما . إن الفلسفة معرفة غير قابلة للتسويق في مجتمع الحداثة . لنقل إذن، أن الدولة في شكلها السياسي القوي، ذات طابع مؤسساتي، جعلها ولا يزال تحتكر سوق الرموز والمعرفة، كما احتكرت سوق الأشياء والاقتصاد .

في المقابل، بدت الفلسفة غريبة على يد الفيلسوف المهمش، والمحارب بشكلها الضعيف، بكونها ذات طابع فردي، غير معترف بها، من لدن الدولة وكذا المجتمع .

لهذا، نلاحظ أنه إذا كان السلطان المغربي يخاطب مستعملي العقل النقدي والفلسفي بصفة عامة، مهددا إياهم، وواضعا لهم الخطوط الحمراء للتفكير، وتدبير أمر معارفهم، واجتهادهم القرائي والتعليمي.. فإن كانط يرد على وزير الملك الألماني فريديريك، مبرئا ذمته من التهمة الخطيرة التي لفقت له، مجيبا إياه بقوله: (.. إنني بوصفي مربيا للشباب أي ضمن دروسي الأكاديمية، لم أتعرض قط بأي نقد للكتب المقدسة ولا للمسيحية .. وإنني لم أشكك أبدا في الدين الرسمي للدولة .. وإن كتابي "الدين في حدود مجرد العقل" هو بالنسبة للعموم كتاب مستغلق وغير مفهوم .. وإنما هو مجرد نقاش بين علماء الكلية لا تعيره العامة أي اهتمام)4 . فلسفة كانط إذن بالنسبة إليه غامضة فقط . لهذا فهمت من طرف عقل الدولة فهما غير مقصود، من قبل الفيلسوف كانط . أي أولت لا غير .

هكذا يبدو واضحا، أن ما يفسر العلاقة الصراعية التاريخية القائمة، بين الدولة والفلسفة، هو أن كليهما يراهن بطرقه الخاصة، على إقناع الرأي العام والمجتمع، بخطابه المقرون بفعله ومواقفه . الفيلسوف بخطابه العقلاني الفلسفي والمنطقي . والسياسي، كلسان الدولة، بخطابه الأيديولوجي الديماغوجي و(الأخلاقي الديني أحيانا. كحالة الملك فريديريك الثاني أعلاه). خطاب الفلسفة، إنساني وتقدمي منفتح على المستقبل القريب أو البعيد . في حين، يبقى خطاب الدولة أساسه هو الفكر التقليدي المتحجر المحافظ، وغايته القصوى هي السعي (الممكن والمستحيل) لإبقاء سلطته هي الأقوى، ضمن باقي سلط قوى الحقل المجتمعي . ثم إعادة إنتاج العنف الرمزي والمادي والعنف المضاد .. بالنسبة للفيلسوف .

إلا أنه ما يلاحظ أن مسار تاريخ الفلسفة الطويل، كان يعرف دوما نوعا من التواطؤ الكبير غير المفهوم، بين الدولة، كجهاز مؤسساتي سياسي .. وكسلطة مادية حاكمة وطاغية، وبين المجتمع كحقل اجتماعي، يمارس هو أيضا نوعا من السلطة الرمزية العنيفة، ضد الفلسفة والفيلسوف . بل كثيرا ما قامت الدولة بتحريض المجتمع، كسلطة رمزية في شقها الديني، ضدّ الفلاسفة المنتقدين لمشروعها المنحط، باعتبارهم فاسدين، وملحدين، وزنادقة (سقراط. ابن رشد. سبينوزا. نيتشه.. إلخ) . غير أن واقع الحال يقول، أن هذا المجتمع كان يعبر، دون وعي منه، عن وجهة نظر الدولة (الضدية والعدائية) في كل ما هو فلسفي . وبالتالي، فموقف المجتمع من الفلسفة، ما هو من ناحية أولى، سوى حقيقة تعكس موقف ورغبة واختيار سلطة الدولة .. مع باقي أعوانها الرمزية المريدين لها، والسائرين في دربها وتحت ظلالها المريحة .. وهو من ناحية أخرى، حقيقة مشوهة لفعل حقيقة الفلسفة العملي، تلك التي لازمت مسار تاريخ الفلسفة، المرتبط أساسا بخدمة الإنسان المناضل والمتطور، والتصدي لأعدائه المستبدين والطاغين . خاصة أن علم الفلسفة، كان يشكل في بدايته الأولى، أبا العلوم الرياضية والفلكية والفيزيائية والطبيعية ..(طاليس. فيتاغورس. سقراط. أرسطو. ديكارت. سبينوزا. هيغل ..)، قبل طلاق هذه العلوم من طبيعته العلمية الصرفة .. ويعتقل مجبرا من قبل الفكر الميتافيزيقي، في شروط أكثر مريحة . بحيث واصلت تلك العلوم والمعارف جميعها رحلتها في مسارها الجديد، تكتشف من خلالها المزيد من ألوان الحقيقة، في المقابل، باتت الفلسفة راهنا تطرح السؤال الآني والأكثر فعالية، وستطرحه حتى مستقبلا، لماذا تم ومازال يتم إخفاء الحقيقة ؟؟

 

بقلم: محمد بقوح

.................

هوامش ومراجع

1- مصطفى محسن. أسئلة التحديث في الخطاب التربوي بالمغرب. المركز الثقافي العربي .ط 1. 2001. ص. 20-21

2- عبد الله كنون. النبوغ المغربي في الأدب العربي. دار الكتاب اللبناني. بيروت. 1961. ص 277

3- د. أم الزين بنشيخة ـ المسكيني . كانط راهنا أو الإنسان في حدود مجرد العقل. المركز الثقافي العربي .ط 1. 2006. ص. 51.

4- نفسه. ص 51

 

mohamad bakohلماذا الجمع أعلاه بين الفلسفة، والسياسة، والتكرار؟ (كلمات) تكاد تكون معروفة، وتبدو بديهية، على مستوى التداول المعجم اليومي، إلا أنها بالوضعية التركيبية التي اخترناها لها، تحتاج منا إلى تفسير أبعاد مفهومها الدلالي المقصود. فسطح (كلمات) عنوان هذه المقالة، يكاد لا يقول شيئا يذكر، بالنسبة للقارئ المتسرع العادي .. لأن الفلسفة كفكر نقدي، وكإجراء مفهومي، للنظر والقراءة والتحليل، تنتمي إلى حقل العلوم العقلية الخالصة، بصيغة الجمع، حسب التأسيس الفلسفي الكانطي، وأيضا حسب تصنيف عبد الرحمن بن خلدون في مقدمته . والسياسة علم خاص، يقصد به تدبير الشأن العام أو المحلي، وينتمي إلى العلوم الإنسانية. أما "التكرار"، فظاهرة في الطبيعة وفي المجتمع، وفي سلوك الكائنات الحيّة المتعددة والمتنوعة، ومنها الإنسان . وفعل "التكرار" ظاهرة يمكننا ملاحظتها، ودراستها دراسة مخبرية، وهي المهمّة التي تنهض بها خاصة العلوم الحقة، كالفيزياء والكيمياء، وعلوم الحياة والأرض . غير أننا لا بد من إبداء ملاحظة هامة، تخص الفرق بين ما سميناه ب" التكرار "، كسلوك طبيعي وضروري، في مسار حياة الكائنات الطبيعية، مفروض فرضا حتميا من قبل الطبيعة ذاته، وبين " التكرار "، كفعل سلوكي، يفرضه على الإنسان، كائن طبيعي من نوعه البشري ذاته . وبالتالي، ف" التكرار " الأول آلي بالضرورة، لا تحسّ به الحيوانات مثلا أو الحشرات . فالنحلة، تتصرف بشكل آلي ومكرور طبيعي، لا تشعر بسلوكها المتكرّر، وهي تعمل على إنتاج وإعادة إنتاج

مادة العسل . لأنها حشرة تملك الوعي (الإحساس) في الذات، ولا تملكه كذات واعية بذاتها، كما فكر هيغل في زمنه التاريخي . وبالتالي، فهذا هو الفرق الأساس بين " التكرار " الطبيعي، إذا صحّ التعبير، والذي هو إحدى المظاهر الأساسية للطبيعة، و" التكرار "

الاجتماعي في المجال البشري، الناتج عن قوة مهيمنة فاعلة، تفرض ذلك " التكرار " الممنهَج والمقصود، لغاية في نفس يعقوب، كما يقال . إلا أن الإنسان كذات تفكر، تعي

بذاتها، وهي تكرّر السلوك المفروض عليها، باسم بعض القواعد القانونية والدينية والثقافية والاجتماعية والعرفية ..

إذن، هذا بالنسبة للقراءة البسيطة، لمنطوق سطح عنوان مقالتنا : هي (كلمات)، كما لو كانت جزرا، اتخذت لها مواقع، لا توجد بينها أية علاقات جسور، من النوع التركيبي

المعتاد، الذي يتوقعه القارئ (الفلسفة، السياسة، التكرار) . وبالتالي، فكيف بإمكاننا تحقيق المبتغى الفكري، الذي هو إنتاج معنى (الكلمات)، الذي نطمح إلى استجلاء ملامحه وتفكيك غور أسئلته ؟ كيف يمكننا الانطلاق من ما يبدو مضطربا وغريبا وبسيطا وتائها، وأحيانا تافها ورتيبا للغاية، أو مهمّشا في التداول البشري اليومي، من أجل تأسيس رؤية فكرية عميقة، تحمل رسالة إنسانية، لها معنى متميز، وقوي، وبديع ومكتشف ؟ بل كيف يمكن مباشرة المعنى الجديد، انطلاقا من أساس الواقع البئيس للطبيعة والإنسان، في زمن راهني مكبّل بقيود الحداثة المزيّفة، يعجّ باللانهائي الملتبس، لمظاهر أصباغ الأقنعة المثيرة والفتاكة في نفس الوقت ؟ لعلنا نطرح هنا هذه الأسئلة المُحرقة، حتى نقترب أكثر من قولنا المباشر، بأن الجواب عنها ممكن عندنا بالإيجاب طبعا .. إنّ الأداة الفكرية والمنهجية الصارمة، التي نراهن عليها لتحقيق وتأسيس فعل المعنى المبحوث عنه، والمرغوب فيه، ارتباطا بالأسئلة السابقة أعلاه، تكمن في نظرنا:

في الاستعمال التأسيسي، وليس الوظيفي والمهني، للنظر الفلسفي، باعتبار الفلسفة هنا مفهوم إجرائي، وطريقة تفكير، ونمط حياة، وليست مضمون معرفي، أو مجرد معارف خاصة، تصلح للدرس والتلقين والتدريس داخل الفصول التابعة .

بهذا المعنى، فالفلسفة، في رأينا على الأقل، مؤهلة أكثر من أي علم آخر، لمساعدة الإنسان والتعاون معه جدّيا، لإخراجه من محنته الحضارية، التي تورّط فيها، خاصة محنة بؤس أنظمته التربوية والتعليمية، وأزمة ثقافته القيمية المزمنة، وانتشار التعصّب المختار، والتخلف المراد وغير المراد ..، وليس معاقبته، وذلك بإبقاء قوته العقلية يقظة بتحصينها، والوعي بخطورة فعل " التكرار "، الذي يعتبر عندنا كمنتوج تحكمي وسلطوي أساسي،

لفعل التفكير السياسي المركزي، المستبد بتعصّبه لتنفيذ أجندته، والتغييب المقصود الفعلي والرمزي، للتشارك والتشاور مع باقي الفرقاء الفاعلين في الحقل المجتمعي للبلد .

من هنا، جاء استخدامنا واختيارنا، في عنوان مقالنا، كمدخل لتركيبه اللغوي والدلالي، لفظة الفلسفة، كحاملة مشعل قيادة المعنى (بالتعريف)، والتأسيس المفهومي، لفكر ما بعد السطح، في سياق تعرية واكتشاف تجليات العمق العنيف، الذي يمارسه ما هو سياسي، وحليفه الاقتصادي، على الإنسان البسيط، والطبيعة المسالمة، والمجتمع المتسامح، خاصة

في بلدان العالم العربي والأمازيغي والاسلامي، بمختلف مظاهر هذه المكونات الحيّة على واقع أرضنا الحسّي . ومن طبيعة الحال، يراهن السياسي، كفكر وكنسق سلطة، لتحقيق أرباحه المادية والرمزية، بتعبير بورديو، اعتمادا على ما سميناه بفعل " التكرار "، كسلوك عملي، يتمّ به توجيه صناعة نمط الإنسان، الذي يخدم وظيفة أنظمة النسق السياسي المهيمِن..

لعلّ " التكرار " هنا بمثابة آلية "جهنمية"، للفرض الاعتباطي الميسّر للمبتغى المراد، وتدجين الكائن، وإخضاع ظلال الممكن، تمهيدا له ولإعداده، لفرض واقع الاحتكار، وشلّ حركته في حالة وجودها، أو إعادة إنتاج واقع العبيد، المشمول بإرادة الأسياد، و" شفقتهم ورحمتهم " . إن " التكرار " يعني هنا، يعني وصفة سحرية عنيفة، لتكريس سياسة التعتيم والتخدير، والإتعاب الكلي، والإضعاف القسري، خدمة لحاجيات ورغبة سلطان قوة القوى المهيمِنة، و"المنتِجة" النافعة.. حسب الواقع الطاغي للحال الآني . هنا لا بد أن يكون تدخل الفلسفة، حاسما وحتميا وضروريا، كفكر مُقاوِم لأنظمة العنف السائدة، ويدافِع، عن الحق في الحياة والوجود واقتسام القوة بين كافة أحياء البشر . وليس الخضوع الأعمى لقهر السلطة، والتآمر الذاتي ضد الذات الأصلية !!

هكذا تتحول الفلسفة، من دورها الأصيلي والميتافيزيقي، الذي ننظر إليه كأداة للحوار العقلي، بين كل أطياف القوى المُفكرة الفاعلة، في عين دائرة المجتمع المحلي أو الإنساني، إلى دورها النضالي الجسدي ..، والمحايث التغييري والتنويري المشاكس، كأداة للصّراع التاريخي والاجتماعي الجريئين والمقبولين، ضدّ أنساق السلطة السياسية الطاغية، والفكرية الموجّهة، والمتواطئة، والتكرارية الفجّة، من أجل مقاومة الظلم والفساد والطبقية والعنصرية، والميز الثقافي والديني واللغوي والعرقي ... إلخ . محاولة منها طبعا، والتزاما بخاصيتها الفلسفية الصراعية الجوهرية، التي هي أساس جوهر الحياة، على مدى تاريخها الفكري والفلسفي الطويل، ردّ أمور الشأن الوجودي والبشري والطبيعي، إلى بدء أصلها، وتفسير حقائق الحياة الحرة للإنسان وكرامته، كما هي في واقع الزمن

المعيشي، وليس كما يمكن أن تبدو، في سطح الأذهان المجرورة البسيط، من خلال ثنايا الخطاب والسلوك الرسميين والمؤسساتيين للعيان العادي .. في الأسواق والبيوت والمساجد والمدارس .. إلخ .

 

محمد بقوح

كاتب مغربي

 

1mohamad bakoh – علاقة مفهوم الحرية بالفلسفة الأخلاقية: إن الحرية كفعل طبيعي هو فهم الضرورة. وبالتالي، فالإله وحده هو الكائن الحرّ بهذا المعنى عند سبينوزا. أما باقي الكائنات الطبيعية الأخرى فيعتبرها فيلسوفنا موجودة وجودا مطبوعا، أي غير حر، وليس وجودا طابعا، كما هو الشأن بالنسبة للإله الحرّ .

من هنا، تعلقت واشتبكت فلسفة سبينوزا بالفلسفة الأخلاقية، بسبب عجز فلسفته إثبات قوة الطبيعة بتجلياتها المختلفة، ومنها قوة الانسان، أمام القوة المفترضة لما وراء الطبيعة، وبالتالي، تكون فلسفة سبينوزا هنا الابنة الشرعية للفلسفة الأفلاطونية، وقبله أستاذه شيخ الفلاسفة الأخلاقيين سقراط، الذي ضحى بالفلسفة من أجل الأخلاق، وبعدهما بكثير الفلسفة الديكارتية التي ألهت العقل، والكانطية، التي توجت الفيلسوف متحدثا بلسان المسيحية حسب نيتشه .

و انطلاقا من رؤيته الفلسفية الأخلاقية، يصل سبينوزا مضطرا إلى أن الإنسان بمثابة ظاهرة من الظواهر الطبيعية، التي بإمكاننا البحث فيها كباقي الظواهر العلمية والطبيعية المحيطة بهذا الإنسان . أي أننا يمكننا فهم الإنسان، كما يمكننا فهم الطبيعة، باعتبار الإنسان ما هو سوى جزء لا يتجزأ من قوانين الطبيعة . هكذا، تركز فلسفة سبينوزا على هذا التفاعل غير المشروط بين ما هو إنساني وما هو طبيعي، وفق نوعية النسق الذي يشملهما، من حيث التوازن، في حالة وضعية الإنسان الطبيعية القوية، أو من حيث حالته المختلّة (فقد التوازن) السلبية، التي يصبح خلالها طرف في هذا النسق، سواء كان الأمر يتعلق بالإنسان أو بعنصر من العناصر الأخرى للطبيعة، مختلّا وفاقدا للتوازن الطبيعي، فيختلّ تبعا لذلك التوازن الطبيعي العام الذي يشملهما، أي يختل النسق العام للحياة الطبيعية .

غير أن هذا الاختلال للتوازن الطبيعي، كما لاحظه ودرسه سبينوزا، يكون بدرجات مختلفة ومتدرجة، وبالتالي يصبح معه، مع مرور الوقت، أي اصلاح أو محاولة إعادته إلى وضعيته الطبيعية القوية والسليمة، أمرا يكاد يكون مستحيلا . لهذا يستعمل هنا سبينوزا مفهومه المعروف ب " الكوناتوس " الذي يعني الجهد الفكري الداخلي للفرد الإنساني، من أجل تحقيق الحفاظ والاستمرار الممكنين، في إحدى وضعيات حياة البقاء، وفق النظام الطبيعي القوي والسليم للأشياء الطبيعية .

 

2 – مفهوم الانسان عند سبينوزا  

إن المعنى الشائع للحرية، حسب سبينوزا، يرتبط بغياب واضح للموانع والضرورة، وبالتالي فالفعل الإنساني، يتوهّم البعض، يقوم على أساس إرادة إنسانية حرّة، أي أن يفعل الإنسان ما يشاء، ووقتما يشاء ويريد .

يؤسس هذا التصور الفلسفي الزائف بالنسبة لسبينوزا، على التسليم بفرضية الوجود الضروري لثنائية: الجسد والنفس، باعتبار القيمة الرمزية والسامية للنفس على حساب قيمة الجسد، المقصية هنا، واستقلالية الأولى على عالم المادة المحسوس الضروري ..

لعل هذا التصور الميتافيزيقي للإنسان، من منظور سبينوزا، يقوم على أساس تفكير خاطئ أو انحراف فكري، لهذا وجب تصحيحه، من أجل تجاوزه، ومن هنا جاء المفهوم المتداول للحرية وعلاقته بالإنسان مفهوما تشوبه أيضا الكثير من التناقضات، وسوء الفهم من الناحية الفلسفية . من هنا كان النقد السبينوزي لمفهوم الحرية مختلفا وقاسيا ومتجاوزا فيما بعد، لمفهومه الشائع والمستعمل في عصره، والمتوارث من فلاسفة قبله . لأن الفعل الإنساني الحرّ عند سبينوزا ليس ناتجا عن فعل الارادة (الفكر، النفس، الرغبة) كما يتوهم ديكارت مثلا، إنما هو ناتج عن نوازع الجسد والهوى وميولات الذات والنفس . الفعل الحرّ البشري، كما هو متداول وشائع، ينبني على أساس التفكير العقلاني الذي يقوم بإقصاء قيمة الجسد، وأيضا إقصاء فعل رغباته الطبيعية . في حين ينظر سبينوزا إلى نظام الأشياء، عكس ما هو سائد، كما لو كان هو نفسه نظام الأفكار. الفكرة هنا تعني الرغبة والهوى والميل . إن ماهية الإنسان هنا هي الرغبة . الإنسان هو كائن راغب، وليس كائن عارف . نظام الأفكار هو نظام النوازع الجسدية . وبالتالي، فالنفس عند سبينوزا ليست جوهرا مستقلا ومميزا، بل هي صوت الجسد ذاته، بتعبيراته الصارخة والعديدة .

هكذا، تخلص فلسفة سبينوزا الأخلاقية، إلى صياغة أطروحة فلسفية مبدعة وقوية، بخصوص مفهوم الإنسان، باعتبار أن " الفلسفة تفكر، لكن عبر المفاهيم "1 لهذا نظر فيلسوفنا إلى الإنسان، كمفهوم فلسفي متميز، من حيث هويته المركبة من مستويين متكاملين هما : المستوى الطبيعي (الجسد)، والمستوى السيكولوجي (النفس)، وبذلك فالإنسان هو كلّ هذين الجزأين : كل ما هو نفسي فهو جسدي، والعكس صحيح . وبالتالي، فالجسد والنفس كلاهما يعبران عن نفس الجوهر، ولعل الذي يتغير إنما هو أنواع وزوايا تصورنا لهذا الجوهر، فنتمثله حينا كفكر مركز، وحينا آخر كما لو كان امتدادا .

إن هذا التأكيد السبينوزي على طبيعة العلاقة "التماهية"، إلى درجة "الذوبانية" بين جسد الإنسان ونفسه، في كل واحد (المادة والروح في التقسيم الفلسفي الميتافيزيقي الافلاطوني)، من حيث أفعالهما، وامتداداتهما الأثرية، يجعلنا نقول عن الفلسفة، مع محمد الشيخ، كما لو هي " لاهوت مقنع " 2 . فالجسد هنا ينتج الأفكار، والنفس تنتج الرغبة . أما التذكر والتخيل والتفكير .. فهي أفعال جسدية أولا وأساسا، عكس التصور الفلسفي الديكارتي، الذي ركز على الفصل والتمييز بين كل هذه الملكات والقدرات البشرية، بوضعها جميعها داخل دائرة النفس ضدا للجسد .

هكذا، نستنتج أن فلسفة سبينوزا، التي رفعت من قيمة الجسد والنفس معا، في إطار كل مركب واحد، مع إعادة اعتبارها للجسد، رغم تجاوزها للمفهوم الفلسفي التقليدي الذي كان غارقا فيما هو ديني وميتافيزيقي سابقا، فيما يخص مسألة حرية الإنسان، إلا أنها – نعني فلسفة سبينوزا - تبدو مترددة متأرجحة بين فعل المهادنة، فيما يخص مقاربتها النقدية للمسألة الدينية والأخلاقية، وبين فعل الاختراق والهدم الجذري لأسس وأصول تلك المسألة، في لحظة تاريخية وحضارية حرجة، كانت فيها الهيمنة السياسية والوصاية الأخلاقية للعقل الكنيسي، ولتفكير رجال الدين المتواطئ مع التوجه المفروض للفلسفة الميتافيزيقية .

 

.............................

1 – جيل دولوز وتجديد الفلسفة، جمال نعيم، ص 366

2 – نقد الحداثة في فكر نيتشه، محمد الشيخ، ص 477

 

ibrahim telbasilkhaأنطوني جيدنز anthony giddens عالم اجتماع، بل وأبرز منظر اجتماعي بريطاني في الحقبة الأخيرة، وفيلسوف ذو رؤية عميقة، تولى منصب مدير جامعة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية ومستشار توني بلير رئيس وزراء بريطانيا السابق. وقد اهتم بدراسة الفعل الاجتماعي وبواعثه وأهدافه ومقاصده، والواقع الوجودي للحياة الحديثة وبخاصة طابعها الاقتلاعي، والمواقف الثاقبة الناتجة عن "التحول اللغوي" فى الفلسفة، ودور الفعل فى صياغة الواقع الاجتماعي بأبعاده المختلفة . وبذلك يشارك جيدنز العديد من علماء الاقتصاد، وعلماء السياسة، وعلماء الاجتماع وفلاسفة الحياة والأخلاق واللغة، يشاركهم اهتمامهم بالفعل ذلك أن الإنسان لا يوجد إلا بقدر ما يعمل وبالعمل يتحقق الإنتاج ويتقدم المجتمع ويتعدل الواقع الخارجي، وتصنع الذات، ويتفاعل البشر مع بعضهم البعض .

وبالنسبة للواقع العالمي المعاصر، فقد تحدث عنه كثير من المفكرين محاولين رصد أهم ظواهره والوقوف على التحولات الجذرية التى غيرته وأثر ذلك في النشاط الإنساني .. فمثلا ألان بلوم Allan Bloom يري في كتابه " أفول العقل الأمريكي " the closing of the american mind أن الناس اليوم عراة روحيا، غير مترابطين، ومنعزلين، مجردين من أي رابطة موروثة أو غير مشروطة تربطهم بأي شئ أو بأي إنسان . إن باستطاعتهم أن يكونوا أي شئ يريدونه، ولكن ليس لديهم أي سبب محدد ليكونوا أي شي محدد . ويقول دانييل بل Daniel Bell " إن الافتقار إلى منظومة إيمانية أخلاقية moral belief system عميقة الجذور هو النقيض الثقافي للمجتمع والتحدى الأعمق على طريق بقائه " .

وفي الاتجاه نفسه يري جيدنز أننا نحيا في عالم يترنح على حافة الكارثة، فقد انحرف عن مجراه الأصيل بطريقة يصعب معها إعادته إلى صوابه . فما يسميه ماركس " فوضي السوق " يبدو في عصرنا كظاهرة عالمية . إننا نحيا فى ما يسمي " الاقتصاد الرأسمالي العالمي " الذي فيه تشكل العلاقات الرأسمالية الاقتصادية كفة الميزان للعالم وحتى على الجانب الإيجابي أو الأكثر أهمية، نحن نحيا في نظام الدولة القومية العالمية وهو نظام لا نظير له فى التاريخ، ولكن فيه من الهشاشة الواضحة في تحطيم قواه العظمى التى تسلح بها على الفوضى السياسية في النظام العالمي . ([1]) كما أن عالمنا الذي نعيش فيه اليوم يسوده الاغتراب والاضطراب واللايقين " عالم منفلت " runaway world مما يشكل أساسا عميقا لحالة العجز عن التنبؤ بالمستقبل . وإننا ندفع دفعا للعيش في نظام كوني، ومع أننا لا نفهمه فهما كاملا إلا أننا نشعر جميعا بتأثيره فينا . ([2])

ويؤكد جيدنز أن ملامح المجتمع المعاصر تبدو مشوشة وتهز الأساليب القائمة لحياتنا أينما وجدنا . فهو ليس - على الأقل في هذه اللحظة – نظاما عالميا تدفعه الإرادة الإنسانية الجماعية . بل إنه يظهر إلى حيز الوجود بطريقة فوضوية اعتباطية تؤثر فيها عوامل مختلفة . وهو ليس مستقرا أو آمنا بل إنه يدعو إلى القلق كما أنه مقسم بشكل عميق . ويشعر العديد منا أنه قد سقط في قبضة قوى لا قبل لنا بالسيطرة عليها . ([3]) كما أصبح التناقض الظاهري روتينيا في المجتمعات المعاصرة، وليس هناك طريقة بسيطة للتعامل معه . فهناك الموجات الحارة وانحسار البرودة وأنماط غير معتادة من الجو . وفي هذه الظروف يسود مناخ أخلاقي جديد فى مجال السياسة يتسم بالشد والجذب ما بين الاتهام بإثارة الذعر بين الناس من ناحية، والتعمية على الحقائق من ناحية أخرى ... فنحن نعيش فى عالم نخلق فيه المضار بأنفسنا، ونتعرض فيه لمخاطر قادمة من الخارج مثل المخاطر الأيكولوجية العالمية وانتشار الأسلحة النووية واندماج الاقتصاد العالمي . ([4])

ويرجع جيدنز هذا الوضع المأسوي لعالمنا المعاصر إلى عوامل عديدة منها :

1- زيادة أمراض التغذية على صعيد الحياة اليومية ومن بينها مرض الخلفة anorexia أي مرض فقد الشهية للطعام ومرض البوليميا bulimia أو الضور والشره المرضي للطعام وتتجه جميعها إلى التمركز في بلدان العالم الأول، ولكنها بدأت الآن فى الظهور داخل بلدان العالم الثالث أيضا . والملاحظ أن الناس في كثير من أنحاء العالم يتضورون جوعا، ليس لأخطاء ارتكبوها بل لأنهم يعيشون في أوضاع يسودها فقر مدقع . وتشهد أجسادهم النحيلة على شدة المظالم على الصعيد الكوكبي . إن الجسم النحيل المريض الخلفة واحد بين الجميع، ولكنه يعكس ظروفا اجتماعية ومادية شديدة التباين . إن مريض الخلفة يتضور جوعا حتى الموت وهو فى بحر من الوفرة، وينتشر مرض الخلفة فى عالم يكتظ بسكانه ويحظى لأول مرة فى التاريخ بوفرة غزيرة من كميات الطعام التى تتجاوز كثيرا الحد اللازم للوفاء بالاحتياجات الغذائية الضرورية . ([5])

وتوجد علاقة وثيقة تربط هذا المرض بالعولمة، ذلك أن ابتكار النقل بالحاويات والوسائل الجديدة لتجميد الأطعمة – وهي ابتكارات ترجع إلى بضعة قرون فقط – تعني إمكان تخزين الأطعمة لفترات طويلة وشحنها إلى مختلف أنحاء العالم . ومنذ ذلك التاريخ شرع كل من يعيشون في بلدان ومناطق الوفرة الكبيرة في اتباع أسلوب الحمية أي النظام الغذائي . معنى هذا أن كل امرئ أخذ قرارا فاعلا بشأن كيف وماذا يأكل في ضوء الأطعمة المتاحة على مدى العالم تقريبا . وطبيعي أن اتخاذ قرار بشأن ما يأكله المرء هو أيضا قرار بشأن " الكيفية " التى يكون عليها بالنسبة إلى جسمه، وتتجلى نتيجة ذلك في مرض الخلفة وليد النظام الذاتي الصارم في التغذية الذي يتبعه الأفراد الذين يعانون من توترات اجتماعية محددة وبخاصة النساء في ريعان الشباب . ([6])

2- وجود مصادر متنوعة للمعلومات تؤثر في خيارنا بين البدائل alternatives منها : المعارف المحلية، والتقليد، والعلم والاتصالات الجماهيرية . وهذه المصادر أصبح لها تأثير كبير في مجال العلاقات الشخصية . إذ أصبح الأفراد اليوم هم الذين يقررون ليس فقط متى ومن يتزوجون، بل ما إذا كانوا يتزوجون أولا . ويواجه الرجال والنساء مهمة اتخاذ قرارات صعبة بشأن الحصول على أطفال في ظروف تبدو غير طبيعية وغير مألوفة . ويضطر المرء أحيانا إلى أن يحسم رأيه بشأن حياته الجنسية ونوع العلاقات وكيفية بنائها .

3- تفريغ جوانب كثيرة من حياتنا من المهارات المتطورة محليا ووجود تغيرات ثورية في زماننا حدثت نتيجة التفاعل بين التحولات المحلية والكوكبية، وواقع التحول التقني technological change في حياه البشر . وتفاقم الفقر على نطاق واسع وهو ما يصفه البعض بعبارة " محرقة الفقر "                   Holocaust of poverty ([7])

4- تحول علاقتنا بالبيئة إلى علاقة إشكالية في جوانب عديدة: فالموارد المادية اللازمة لاستدامة الحياة البشرية وبخاصة أسلوب الحياة في المناطق الصناعية في العالم أصبحت مهددة بالخطر على الأرجح خلال مستقبل متوسط المدى . وقائمة الأخطار التى تهدد البيئة التى نحيا فيها تشمل : احتمال تفاقم احترار كوكب الأرض نتيجة إنتاج ما يسمى " غازات الدفيئة greenhouse gases " ونفاد غشاء الأزون، وتدمير الغابات المطيرة والتصحر وتسمم المياه إلى درجة سوف توقف على الأرجح عمليات التجدد الحيوي فيها .

5- انتشار أسلحة الدمار الشامل مقترنا بحالات يلوح فيها إمكان استخدام العنف الجمعي. صحيح أن انتهاء الحرب الباردة حد من إمكان وقوع مواجهة نووية يمكن أن تدمر الحياة البشرية على الأرض بيد أن الخطر لم ينتف تماما . وتوجد الأن حوالي خمس عشرة دولة تملك أسلحة نووية، وتزايد العدد منذ نهاية الحرب الباردة بسبب ظهور عدد من الأمم النووية الجديدة عقب سقوط الاتحاد السوفيتي . وبات انتشار الأسلحة النووية أمرا مرجحاً نظرا إلى الأعداد الكبيرة من المفاعلات " السلمية " الموجودة الأن ولها قدرة على إنتاج البلوتونيوم، علاوة على التجارة العالمية ذات الصلة عمليا في هذا الشأن . ([8])

6- وجود قمع واسع النطاق للحقوق الديمقراطية، وعجز أعداد متزايدة من الناس عن تطوير ولو جانب ضئيل من إمكاناتهم البشرية . ويبدو أن نظام الحكم العسكري على طريق الأفول . ولكن كان هناك لا يزال حتى عام 1993 أكثر من خمسين نظام حكم عسكري في أنحاء مختلفة من العالم . وتفيد منظمة العفو الدولية أنه يوجد في أكثر من ثمانين بلدا في مختلف أنحاء المعمورة نزلاء أودعوا السجون بتهم تتعلق بقضايا الرأي، لا لشيء سوى الدين أو اللغة أو الأصل العرقي . ([9])

ومهما يكن من أمر، فقد رصد جيدنز في عرضه لمصادر أزمة الإنسان المعاصر عدة مخاطر تواجه البشرية في الوقت الراهن منها : العنف واسع النطاق، وانتشار الشك، وفقدان اليقين، وبناء محطات قوى نووية nuclear powers والحروب المدمرة، والعولمة التى امتد تأثيرها إلى العالم كله، والمخاطر الناجمة عن احترار كوكب الأرض وثقب الأزون، وفوضي الاقتصاد الكوكبي والتلوث بأشكاله المختلفة، والتحولات العميقة التى طرأت على حياتنا السياسية والأخلاقية ....... الخ .

 

ا.د. ابراهيم طلبه سلكها

رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة طنطا - مصر

....................

الهوامش

[1]- giddens , anthony : social theory and modern society , polity press , oxford ,1987 , p - 166

[2]-giddens , anthony : runaway world : how globalization is reshaping our lives , london , profile books , 1999 , p -3

انظر الترجمة العربية القيمة لنفس الكتاب للدكتور / محمد محيى الدين بعنوان " عالم منفلت، كيف تعيد العولمة صياغة حياتنا " ص ص 11 - 93

[3]-Ibid , p - 18

[4]-Ibid , pp -27 - 30

[5]-Ibid , p - 82

[6]-giddens , anthory : Beyond left and Right , the future of radical politics, polity press cambridge,1988 , p - 82 .

انظر الترجمة القيمة لنفس الكتاب لـ "شوقى جلال" بعنوان " بعيدًا عن اليسار واليمين، مستقبل الراديكالية" ص ص 115-133 .

[7]-Ibid , p - 95

[8] -Ibid , pp - 95 -96

[9] - Ibid , pp - 97 - 99

(دراسة مهداة الى صاحب القلب الكبير المفكر غالب الشابندر.. كتعبير عن مواساتي لفقد نجله الاكبر ومحبتي الدائمة بلا حدود)

 

معلوم ان هناك اتجاهين رئيسيين لتفسير علاقة السببية في الطبيعة، هما الاتجاه العقلي كما لدى المنطق الارسطي، والاتجاه الحسي التجريبي كما لدى جون لوك وديفيد هيوم والوضعيين والماركسيين وغيرهم. ويركز الاول على وجود عنصر ميتافيزيقي يتوسط بين السبب والمسبب، يطلق عليه (الضرورة) او الحتمية. أما الاخير فيميل الى اعتبار السببية مجرد تتابع اقتراني بين حادثتين تتصفان بثلاثة شروط، هي الاقتران المكاني والزماني والتتابع المضطرد، ويمكن تقليصها الى خاصتين حسيتين هما الاقتران المكاني والتعاقب الزماني المضطرد بين الحادثتين، وانه وفق هذا الاتجاه لا توجد علاقة اخرى تتخلل هذه الاقترانات، فالحس والتجربة لا يشيران الى عنصر اخر جديد في المعادلة، وبالتالي لا دليل على علاقة الضرورة او الحتمية، فهي مفترض ميتافيزيقي خارج نطاق الحس والتجربة. ويترتب على هذا الامر الزعم القائل ان من الممكن ان يحضر السبب من دون مسبب، او يحضر المسبب مع عدم وجود السبب، وبهذا المعنى تكون العلاقة بين ما يسمى (سبب) وما يسمى (مسبب) صدفوية رغم تتابعهما المضطرد.

فهذا هو المذهب الحسي التجريبي ويخالفه الاتجاه العقلي الذي يؤمن بان السببية تتضمن ضرورة موضوعية صارمة، وبالتالي فهو ينفي امكانية وجود مسبب من غير سبب، او العكس. وهو حينما يدعي ذلك لا يقدم دليلاً تجريبياً على دعواه، بل يشير فقط الى الجانب المضطرد للعلاقة، وبالتالي فالضرورة او الحتمية هي مفترض ميتافيزيقي يترتب عليه ان لا يتخلف المسبب عن سببه، ولا السبب عن مسببه، فعلاقتهما تتصف بالحتمية التي تقتضي المعاصرة او الآنية المطلقة.

ومع ان هناك من حاول اثبات الضرورة السببية عبر الدليل الاستقرائي، الا ان التحقيق يثبت ان هذه المحاولة خاطئة. ففي (الاسس المنطقية للاستقراء) سعى المفكر محمد باقر الصدر الى البرهنة على عنصر الضرورة من خلال الاختبارات الاستقرائية، لكن سعيه لم يصادف النجاح كما كشفنا عنه في (الاستقراء والمنطق الذاتي)، وقد تراجع الصدر ذاته عن هذه المحاولة في دراسة متأخرة؛ معترفاً بان الضرورة هي عنصر غيبي لا يخضع للاختبار التجريبي والاستقراء .

ان تحديدنا السابق للاتجاهين العقلي والحسي التجريبي لا يفرق بين السببية العامة والخاصة. فوفق الاتجاه العقلي انه مثلما تصدق الضرورة في حالة السببية العامة القائلة: لكل حادثة سبب ما، فانه تصدق ايضاً في حالة السببية الخاصة؛ مثل تخللها للعلاقة التي تربط تمدد الحديد بالحرارة. في حين يخالفه الاتجاه التجريبي بنفي الضرورة في كلا الحالتين (العامة والخاصة). وبالتالي فالمذهبان يفترقان حول ما سبق باتساق.

لكن توجد بعض الاتجاهات الوسطى التي تعالج السببيتين العامة والخاصة معالجة مختلفة، كالذي نجده لدى التفكير الكلامي الديني. فعموم هذا التفكير يعترف بالسببية العامة، وهو يعزو اساس الحوادث الى مبدأ الوجود الاول، فهو العلة الحقيقية التي تقف وراء جميع الحوادث وارتباطاتها. وبالتالي يعتمد هذا التفكير على السببية الغيبية في تفسير العلاقات الكونية، أما السببية الخاصة فنجد حولها شيئاً من الاختلاف مع الاعتراف بانها ليست ضرورية كما هي الحال لدى السببية العامة.

فهناك الاتجاه الذي يحدد علاقة السببية بالاقتران والتتابع من دون تضمّن الضرورة والتأثير، اذ يقتصر الاخير على السببية الغيبية او الارادة الالهية، وهي الفكرة التي تبناها الاشاعرة والكثير ممن ينتمي الى الاديان السماوية، فلديهم ان علاقات الطبيعة هي مجرد علامات، اي انها صدفوية تفسرها العادة النفسية من دون ان يتخلل التأثير فيما بينها. فالتأثير لدى الاشاعرة هو خلق متجدد باستمرار طبقاً لقاعدة (العرض لا يبقى زمانين)، فكل ما نراه من اتصال جسمي يعبّر في الحقيقة عن تفكك وانفصال دائم وإن أوهمنا باتصاله. فضآلة اللحظات او الآنات المتجددة بتجدد الخلق هي ما تجعل الاشكال الجسمية تبدو متصلة ومتناغمة؛ رغم انها مفككة على الدوام، والله هو من يعيد خلقها بعد افنائها في كل آن. وبالتالي لا تأثير للاشياء بعضها في البعض الاخر، بل الكل مفكك وخاضع للتأثير المباشر من قبل المبدأ الحق، وفقاً لقاعدة (لا فاعل في الوجود الا الله). فجميع الكائنات، سواء باشكالها الذاتية او بعلاقاتها الخاصة، تعبر عن أعراض تتجدد في كل آن وزمان، وان اقتراناتها تتصف بالمصحابة دون ان يكون لها ادنى تأثير، وما نعتبرها اسباباً انما هو بفعل الوهم والخداع نتيجة (العادة النفسية)، وهي المقولة التي رددها الفيلسوف الحسي ديفيد هيوم فيما بعد.

كما هناك الاتجاه الذي يقف وسطاً بين من يقول بالضرورة السببية ومن يرى انها تتابع مقترن، حيث الاعتراف بتأثير السبب على المسبب وان لم يصل الحد الى الضرورة، ويتمثل هذا الاتجاه بابن حزم الاندلسي صاحب نظرية الطبائع المخلوقة، وقبله الكثير من المعتزلة ممن يقولون بنظرية التوليد .

كذلك هناك الاتجاه الذي يستند الى السببية في بعدها المعرفي الذاتي لتحديد جانبها الموضوعي، كما يتمثل بمذهب فيلسوف القرن الثامن عشر الالماني عمانوئيل كانت. فهو يرى ان الاشياء بوصفها موضوعات للتجربة الممكنة، او القابلة للمعرفة، هي رهينة الافتراض القبلي للضرورة السببية وغيرها من المقولات، وبدونها تسقط هذه المعرفة. فمبدأ السببية هو مبدأ امكان التجربة التي تعمل على تنظيم الظواهر الطبيعية، وهو لا يمتد الى ما ورائها، اي الى (الشيء في ذاته). فمثلاً ان النفس البشرية كشيء في ذاته لها ارادة حرة لا تخضع لهذا المبدأ وقوانينه الحتمية. وكي لا يحصل تناقض بين القول بالضرورة السببية والارادة الحرة، كان لا بد من افتراض وجود عالمين مختلفين للشيء، ظاهر وباطن، وهما المطلق عليهما عالم الظواهر الخارجية (فينومينا) وعالم الشيء في ذاته (نومينا) . والاول هو عالم تنتظم موضوعاته وتتلون وفقاً لطريقة تصورنا عبر الحدس الحسي، فتصطبغ بهيئة (الشيء لذاتنا)، وبالتحديد انها تخضع لمبدأ السببية وسائر المقولات القبلية للذات البشرية، خلافاً للثاني الباطني (الشيء في ذاته) الذي يغيب عنده المبدأ المذكور مع غيره من المقولات القبلية بما فيها الرياضيات. ومع ذلك فان كانت يجعل الصلة بين العالمين رهينة السببية ذاتها، ويعبر عنها – هنا - بالعلية، وهي صلة الوصل بين الارادة الحرة للشيء في ذاته والضرورة السببية في عالم الظواهر الطبيعية . لكن يظل الشيء في ذاته غير خاضع للسببية الصارمة وغيرها من المقولات القبلية. فلكون هذا العالم يعبّر عن ارادة حرة فانه يكون خارج حدود امكان التجربة التي يؤسسها مبدأ السببية الحتمية وسائر المقولات.

ويظل الواقع الموضوعي لدى عمانوئيل كانت مزدوجاً بنوع من المفارقة، وهو يشابه ما يدعو اليه العرفاء من وجود عالمين متناقضين، احدهما ظاهر يمتثل لكل القضايا المنطقية والعقلية والضرورية، في حين ان باطن هذا العالم يتحرر كلياً من هذه القيود دون ان يمتثل لها أبداً. فحتى بخصوص مبدأ عدم اجتماع الاضداد فانه لا يتحكم بهذا العالم الخفي، فهو جامع الاضداد والتناقضات، وهو المتحرر من كل قيد وشرط ووصف، وهو الأحد بلا إسم ولا رسم ولا نعت . وهو بالتالي أشبه ما يكون (الشيء في ذاته) المجهول الهوية واللامشروط بحسب تعبير كانت.

وهذه الصورة هي ايضاً شبيهة بما دعت اليه النظريات الفيزيائية المعاصرة في التفرقة بين العالمين الكبير والصغير، او الجسمي المشهود والجسيمي الخفي المناقض للاول في علاقاته وقوانينه، ومنها تلك التي ركّز عليها كانت قبل اكثر من قرنين؛ كالسببية والزمان والمكان.

          ***   

وباستثناء نظرية عمانوئيل كانت، تتفق الاتجاهات التي عرضناها آنفاً على نقطة رئيسية واحدة؛ هي اتصاف السببية بحالة الاقتران المكاني والزماني المضطرد في الواقع، كما تدل عليها النظرة الحسية، لكنها تختلف فيما بينها حول قضيتين غير حسيتين، هما التأثير والضرورة، والرابط بينهما هو الاقتضاء، اذ الثانية تقتضي الاول من دون عكس. فلو اننا آمنا بالضرورة السببية لاقتضى الامر الاعتقاد بالتأثير، أما لو اقتصرنا على الاخير؛ لما دلّ ذلك على الضرورة، مما يعني ان احدهما لا يكافئ الاخر او يساويه.

وبالتالي يمكن تحديد مواقف الاتجاهات السابقة من قضيتي التأثير والضرورة كما يلي:

فالمذهب العقلي الارسطي يثبت الضرورة، وهو ما يعني التزامه بمنطق التأثير ايضاً. وعلى خلافه المذهب الحسي الذي يكتفي باثبات الصفة الحسية للاقتران واضطراد العلاقة السببية، وينكر غيرها من العناصر الميتافيزيقية المفترضة كالضرورة والتأثير، رغم انه من الممكن الاستدلال على عنصر التأثير – دون الضرورة – لدى العلاقة السببية الخاصة بالدليل الاستقرائي . فالفارق الوجودي بينهما هو ان التأثير ليس بشيء كينوني، بل هو فعل يحتاج الى فاعل مؤثر وفق مبدأ السببية العامة، ويمكن الاستدلال على خصوصية هذا المؤثر (غير المحسوس) عبر منطق الاحتمال والدليل الاستقرائي. في حين ان الضرورة ليست بكينونة ولا بفعل، بل هي أمر عدمي اعتباري، فكل ما تعنيه ان الشيء يظل على حاله من الوجود او العدم دون ان تكون له قابلية على التغير مطلقاً، وهي من هذه الناحية العدمية غير قابلة للاستدلال.

يبقى ان الكثير من المعتزلة وابن حزم الاندلسي يؤيدون فكرة تأثير السببية الخاصة دون الضرورة. أما عمانوئيل كانت فله موقف آخر ازدواجي، فرغم انه يعتبر مبدأ السببية من الضرورات القبلية التي تصدق على الظواهر الطبيعية، لكنه ينفيها عندما يتعلق الامر بالشيء في ذاته العصي عن العلم والمعرفة.

 

صياغة نظرية جديدة

بالاضافة الى ما سبق يمكن صياغة نظرية جديدة لفهم علاقة السببية وفقاً للتحليل الفيزيائي. لكن هذا التحليل لا يمس المفهوم العام لها، بل مفهومها الخاص. فالسببية العامة ثابتة وفق ما سبق ان صنفناها في بعض الدراسات ضمن (الضرورات الوجدانية). وليس هو الحال ذاته فيما يخص السببية الخاصة، فالعلاقة التي تتضمنها الاخيرة وان بدت للمراقب بانها دالة على المعاصرة والضرورة، لكن من الممكن تفكيكها وجعلها تتضمن حادثتين تتصفان بالسبق دون المعاصرة، ومن ثم دون الضرورة والحتمية، وفق الزمن الفيزيائي المايكروي.

والعملية ليست مجرد تتابع زمني مقترن، كالذي يصوره المذهب التجريبي، بل هناك نوع من التأثير الحقيقي يبدأ منذ اللحظة التي يؤثر فيها السبب على المسبب، او اللحظة التي يتولد فيها المسبب بفعل السبب، وهي لحظة فيزيائية غاية في الضآلة، فهي البداية الاولى للخلق والتأثير دون ان تسبقها بداية ما قبل. وبحسب القياس الفيزيائي المعاصر فان الزمن لا يبتدئ من لحظة متصلة، فوفقاً للتحليل الرياضي ان البدء من هذه اللحظة سيجعل الفترة الزمنية للتأثير تتخذ مدة غير متناهية. والسبب في ذلك هو ان الاتصال الزمني ينطوي على لحظات قابلة للتقسيم رياضياً، وهي إن لم تتوقف عند انقطاع اللحظة فانها تجر الى سلسلة لا متناهية، مما يجعل التأثير مستحيلاً، لذلك كان لا بد من وجود انقطاع في اللحظات خلاف ما نشهده في عالمنا الحسي المعاش. وبالتالي ان الاعتراف بوجود لحظات منفصلة يهيء مدة لبداية التأثير وسعته، فهي تشتمل على حدود ثابتة ونهائية غير قابلة للانقسام.

وينطبق الحال السابق على كل تغير، ومنه التحول المكاني. فلو بدأنا من نقطة الانطلاق ضمن المتصل المكاني فسنحتاج الى مسافة غير متناهية كي نصل الى نقطة اخرى مجاورة، وبالتالي إن لم نفترض كميات منفصلة ومتقطعة للمكان فاننا سنقع في محذور التسلسل المكاني اللامتناهي، ففي المتصل المكاني تنقسم المسافة بين نقطتين متجاورتين قسمة غير متناهية من الناحية الذهنية، وهي المسألة التي كانت تؤرق الفلاسفة القدماء ومن تأثر بهم من الكلاميين، وقد اعتمد عليها الفيلسوف الاغريقي زينون ليثبت وهمية الحركة والانتقال، وهو الامر الذي جعل المفكر المعتزلي ابراهيم النظّام يقول بالطفرة كسبيل لردم هذه الهوة والتخلص من شبهة المسافة غير المتناهية المحصورة بين النقطتين ضمن المتصل المكاني .

ان الاعتماد على مبدأ الطفرة والتواثب قد وجد مثيلاً له لدى الفيزياء المعاصرة. فقد كان هايزنبرغ يتصور ان تحول الالكترون من مدار الى اخر ضمن نظام نيلز بور الذري القديم – قبل التسليم بمثنوية الجسيم والموجة - يجري لدى مستويات الطاقة او المدارات المسموحة له دون المرور بالفراغات البينية؛ لعدم امكان رصد التواصل في مسارات الالكترون. وهي ذاتها تمثل الطفرة والتواثب، رغم ان هايزنبرغ قد خضع لامتثال النظرية الحسية الفجة.

تنطبق هذه المشكلة على كل حالة يجري فيها التغير والتأثير. فما لم يتم الانطلاق من وحدة قياسية نهائية التحديد، سواء على صعيد القياس الزمني، او المكاني، او التأثيري، فان مشكلة اللانهايات سوف ترافقنا حيثما اتجهنا. وبالتالي لا بد من اخضاع التحليل الى القياس الفيزيائي، ولو من حيث الاتساق النظري، فنقول لا غنى من ان يكون السبب سابقاً للمسبب بفترة قياسية لا يمكن تعديها، فهي غير قابلة للتقسيم، فعند هذه اللحظة المفترضة يبدأ التأثير ومن بعدها يتضاعف ويتراكم حتى يظهر الاثر جلياً. والحال ذاته ينطبق على كل تغير وانتقال.

وبعبارة ثانية ان كل تحول – إن كان مادياً - لا بد وإن يتأسس على فكرة الجزء الذي لا يتجزأ، فهو الجوهر الفرد الثابت وغير القابل للتجاوز والانقسام، كالذي كان يراه المتكلمون ومن قبلهم ديمقريطس خلافاً لأرسطو واتباعه.

وترد في هذا المجال اسئلة حول كيفية قياس الحد الادنى من التأثير السببي فيزيائياً، وكيف نقيس مضاعفاته؟ ومثل ذلك كيف نحدد زمن التأثير؟ وهو ذات السؤال الذي يتكرر على مستوى الفضاء الكوني ايضاً؟ وما هي مبررات مثل هذه التحديدات؟

بطبيعة الحال ليس لدينا ما يبرهن بشكل قاطع اعتبار هذه التحديدات ثوابت نهائية للحد الادنى لكل من التأثير السببي وزمانه او مكانه، لكن الاعتماد على النظريات الفيزيائية المعاصرة قد يجعلنا نستعير ما تم التسليم به لحد الان، حيث التعويل على الثوابت البلانكية – نسبة الى ماكس بلانك –، فهي اقصى ما يمكن الوصول اليه فيزيائياً.

فمن حيث الحد الادنى للتأثير ان المسلّم به هو ان هناك ما يعرف بثابت بلانك، وهو عبارة عن وحدة الطاقة الزمنية والتي سماها بلانك فعلاً، وقصد بها: معامل التناسب بين تردد الموجة وقطعة الحد الأدنى من الطاقة التي تملكها الموجة، أو هي نسبة طاقة الشعاع إلى تردده أو تواتره. وهي صغيرة جداً وتساوي: (6,6262 × 10-34 جول على الثانية، أو كيلو غرام متر مربع على الثانية)، والتي سميت فيما بعد بثابت بلانك. وتتصف هذه الوحدة من الطاقة بأنها لا تتجزأ، كما أنه ليس لها كسور عندما تتضاعف. وتضاعف هذه الطاقة التأثيرية يأتي من خلال قانون بلانك الذي ينص بضرب التردد في ثابت بلانك الانف الذكر، فهذا ما يحدد حجم التأثير السببي للعلاقات الجسيمية. وهو يساوي قانون اينشتاين في الطاقة، اي الكتلة في مربع سرعة الضوء.

واستناداً الى ثابت بلانك فهناك وحدات بلانكية أخرى ثابتة وغير قابلة للانقسام وتعتمد في اشتقاقها على هذا الثابت، اهمها فيما نحن بصدده: طول بلانك (10-33 سم) وزمن بلانك (10-43 ثانية)، فالاخير مشتق من قسمة طول بلانك على سرعة الضوء، وان طول بلانك مشتق من عدد من الثوابت هي ثابت بلانك وسرعة الضوء في الفراغ وثابت الجاذبية، واليها جميعاً يعود أصل كل طاقة وطول وزمن، فهي المقاييس المعتمدة، ولا يوجد مقياس آخر دونها. وكلها تنفع في تحديد العلاقات السببية.

إن الوحدات السابقة هي الوحدات الاساسية التي بنى عليها الفيزيائيون عدداً من قياساتهم، دون الرجوع الى ما هو اصغر منها، ومن ذلك زمن بلانك الذي هو فترة زمنية غاية في الضآلة والخيال، لكنه اكبر من الصفر، واهميته تنبع من عدم الارتداد اللانهائي، حيث انه وحدة اساسية لا تقبل الانقسام فيزيائياً، فجوهر الزمن هنا لا يعبر عن الاتصال، ولو كان متصلاً لوقعنا في مستنقع القسمة غير المتناهية. فحيث انه يعبر عن وحدات منفصلة مستقلة فانه لا يمكن تقسيمها كما لا يمكن الرجوع الى ما خلفها، فكل تقسيم او رجوع يفضي الى مشكلة التسلسل غير المتناهي.

على ذلك وبحسب نظرية الكوانتم فان الزمان والمكان لدى المسافات المجهرية يتصفان بمواصفات غير مألوفة لدى عالمنا الاعتيادي، فنحن نراهما يمتازان بالتواصل دون التقطع، لكنهما لدى المسافات المجهرية والصغيرة للغاية يتحول فيها هذان العاملان من الاتصال المألوف إلى الانشطار والتقطع والانفصال. فالمكان تتغير صورته الاتصالية إلى نوع من التقطع التي تنتابها ثقوب وتمزقات هي اشبه ما يحصل لدى الثقوب السوداء، كذلك عند اللحظات الزمنية الضئيلة للغاية يتغير حال الزمان من الاتصال والاستمرارية إلى التواثب والانقطاع. ويمكن عكس المسألة بصورة أدق وهي ان الجسيمات البسيطة بإعتبارها أساس المادة والاجسام الكبيرة، لذا فالإنطلاقة تبدأ بانقطاع المكان والزمان، ومن ثم عندما تزداد سعة المكان والزمان فسيتحول الحال من الانقطاع الزمكاني إلى تواصله، ومن ثم تبدأ الهندسة الزمكانية المتصلة كما تقترحها النسبية العامة لاينشتاين.

ان هذا التصور للمكان والزمان يخالف ما تم طرحه من قبل النسبية العامة التي ترى الفراغ الكوني متصلاً هندسياً ناعماً يخلو من الثقوب والقطائع المنفصلة، ومثله فيما يتعلق بالزمان، فهو منبسط ومتصل منذ بدأ الخلق دون ان تكون له قابلية على التقطع والتواثب والقفزات.

ويمكن تصوير حالة تحول الشيء مما هو متقطع الى ما هو متصل بالشعلة الجوالة، ومثلها المروحة الدوارة التي تبدو للناظر بانها متصلة دائرياً عند الحركات السريعة، فيما انها متقطعة الحقيقة، والوهم هو ما يظهرها بانها متصلة تماماً. ومثل ذلك ما نتوهمه من الحركات والتفاعلات الجارية في الفلم السينمائي، مع ان حقيقتها عبارة عن صور متقطعة غير متواصلة.

لكن ما زالت مسألة التقطع الزمكاني مفترضة دون اثبات تجريبي. فلحد الآن لم يلحظ أي أثر يشير إلى التقطع الزماني عند حدود (10-26 ثانية)، وكذا التشوه المكاني عند حدود (10-16 سم)، وهي المقاييس التي تم مشاهدتها في المختبر . مع ذلك يظل الافتراض وارداً وفقاً للحاظ ما يمكن ان يحدث عبر التوهمات المشار اليها.

عموماً لو عوّلنا على اعتبارات الانفصال كما تثبته قوانين بلانك، ومثلها بعض التصورات المنتمية الى ميكانيكا الكوانتم لاصبحت علاقة السببية الخاصة لا تتضمن الضرورة ولا المعاصرة، فبين السبب والمسبب فترة زمنية قياسية من المحال تعديها، هي زمن بلانك، وحيث ان السبب سابق للمسبب زماناً وفق القياس الفيزيائي، فانه يمكن كسر الاصرة بينهما، فيمكن ان يكون السبب موجوداً دون ان يتاح المجال لظهور المسبب الخاص. فالفترة الزمنية الفاصلة بينهما كفيلة بان تمنع وجود المسبب عند ورود حائل بينهما. لكن بطبيعة الحال فان المسبب لا يسعه ان يستغني عن مطلق السبب، وان كان من الممكن الاستغناء عن سببه الخاص عند إحداث الحائل بينهما. فالانفصال يفضي الى التجويز وعدم الحتمية. لذلك كان الفلاسفة القدماء يؤكدون على حالة الاتصال التام بين العلة والمعلول، فالعلاقة بينهما لا تقبل الانفصال باي شكل من الاشكال، ومن ثم اعتبرت هذه العلاقة ضمن المتضايفات، فحيث توجد علة فهناك معلول يتأخر عنها ذاتاً لا زماناً، وبالعكس، وهو ما يؤمّن لهم الضرورة او الحتمية المفترضة.

فمثلاً ان حركة المفتاح معلولة لحركة اليد، فلولا الاخيرة ما تحرك الاول. وتبدي الحركتان بانهما متعاصرتان رغم التقدم الذاتي للأخيرة على الاولى، وان هناك ضرورة وحتمية تتخلل الحركتين غير قابلة للانفصام والانفكاك، في حين ان دقة القياس الفيزيائي تجعل حركة اليد سابقة زماناً على حركة المفتاح، وانه لا تعاصر بينهما، ومن ثم فان امكانية تفكيكهما واردة على الصعيد النظري تماماً. ومثل ذلك لو طبقنا الحال على الشيء – كالشجرة - وظله بشرط وجود الضوء، فالظل - بحسب التصور العقلي الارسطي - معلول للشيء، وهما متعاصران تماماً رغم التقدم الذاتي للشيء على ظله، وبالتالي فالعلاقة السببية بينهما حتمية ضرورية غير قابلة للانفصام، في حين انه بحسب القياس الفيزيائي فان لظهور الظل مدة زمنية متأخرة عن وجود الشيء رغم ضآلتها للغاية. ويمكن تطبيق هذه النتيجة على الاجسام المتأثرة بالجاذبية، بما فيها الساكنة، فلو عوّلنا على الافتراض الفيزيائي الخاص بجسيمات الثقالة (الجرافيتون) فان تأثير الجاذبية على الجسم سوف لا يكون لحظياً، بل يتخذ مدة لا تتجاوز سرعة الضوء بحسب المقاييس النسبية لاينشتاين. أما التأثير اللحظي الذي تقره الكوانتم فما زال مجهول الهوية ويخضع لتأويلات كثيرة. فهي تتحدث - تحت ظل بعض الظروف - عن تأثيرٍ للجسيمات بعضها على البعض الآخر رغم بعد المسافة بينها، وهو ما أنكره اينشتاين وسمّاه بالتأثير الشبحي عن بعد. لكن أظهرت التجارب فيما بعد ان لهذا التأثير وجوداً فعلياً . ومع ذلك فمن الناحية المختبرية لا يمكننا التأكد من لحظية هذا التأثير، بل كل ما يمكن التأكد منه هو تجاوز حدود سرعة الضوء في الفراغ، وبالتالي فبين هذا التجاوز والتأثير اللحظي بون شاسع. فالتقنيات العلمية تعجز تماماً عن تخطي الكشف عن كل مفاصل الوحدات الزمنية الضئيلة، فهناك حدود لما يمكن الكشف عنه تجريبياً كالذي أشرنا اليه آنفاً.

على ان التحليل الفيزيائي للسببية الخاصة يجعل العلاقة بين السبب والمسبب تُردّ الى القوانين الاحتمالية دون القوانين الحتمية، فالانفصال بين السبب والمسبب يقتضي هذه الاحتمالية خلافاً للنسق الاتصالي كما يصورها اصحاب الاتجاه العقلي الارسطي.. لذلك قيل بان اغلب الفيزيائيين لا ينكرون السببية باطلاق، وانما ينكرون الحتمية التي تتضمنها.. فالصراع الفيزيائي هو صراع قائم بين التفكير الحتمي والاحتمالي، مثلما هو صراع بين النظريتين الانفصالية والاتصالية. الامر الذي سنناقشه في بحث مستقل..

 

الفيزياء ومشكلة السببية

يواجه مبدأ السببية وفق المنظور الفيزيائي المعاصر عدداً من المشكلات، سواء من خلال نظرية النسبية او الكوانتم.

وتتعلق المشكلة التي تطرحها نظرية النسبية بعلاقة الاتصال بين الزمان والمكان. فمن وجهة نظرها ان الزمان والمكان هما وجهان لحقيقة واحدة، وان الزمان يتخذ دور المكان، او ان حقيقته لا تختلف عن حقيقة البعد المكاني، لكن العكس لا يعيره الفيزيائيون اعتباراً، بمعنى انه لا معنى له، فالمكان مكان وليس زماناً، في حين ان الزمان مكان مثلما انه زمان، لهذا كان الزمان هو الحاضر فحسب من دون ماض ولا مستقبل، وهما بعدان وهميان او نسبيان. واذا كان الزمان مكاناً، فانه لا تزامن بين الأحداث الكونية ذات الإحداثيات المرجعية للأطر والنظم المختلفة، فالزمان يتمدد ويتقلص، وينطبق الحال على المكان ايضاً. فاللحظة التي تُقدر في المكان الفلاني هي غيرها في مكان اخر مختلف. وعليه يمكن تناول الزمان من منطلق المفاهيم المكانية، فكل ما نطلق عليه المستقبل والماضي يعبر عن مكان بعيد في قبال الحاضر والمكان القريب، فهما بعيدان بالنسبة لنا حيث لم يتيسر لدينا السفر اليهما لحد الان. وبالتالي كان من الممكن نظرياً السفر الى اللحظة الزمنية لدى الماضي والمستقبل هناك.

ومن الناحية النظرية يمكن البدء بالسفر اليوم بسرعة تفوق سرعة الضوء لنصل الى يوم امس. وتبرير ذلك وفق النسبية هو ان زيادة السرعة تبطئ الزمن، وان تباطأه يزداد باضطراد مع التسارع، وعند الوصول الى سرعة الضوء فان الزمن يصير صفراً، فهو يمثل لحظة دهر حاضرة، او ان الزمن يتوقف عندها، لذلك ليس لفوتون الضوء زمن خاص به، فالزمن لديه ساكن متوقف او صفر وكأنه حاضر فحسب. وبالتالي لو اننا تجاوزنا سرعة الضوء فيعني ذلك تجاوز الصفر بالتناقص فيكون الزمن سالباً او تحت الصفر، وهو ما يعني العودة الى الخلف او الماضي. ومع ان النسبية تحيل ذلك عملياً، باعتبار ان الامر يحتاج الى طاقة لا نهائية لبلوغ سرعة الضوء، وان الكتلة في التسريع تزداد شيئاً فشيئاً فتصل الى ما لا نهاية له عند هذه السرعة، وهو امر لا يسمح به الواقع الطبيعي، الا ان الافكار الفيزيائية تجاوزت ما تقره النسبية، واخذت تلتاف عليها باقتراح وجود سرعة تفوق سرعة الضوء كما في التاكيونات المفترضة (tachyons)، او بايجاد وسائل اخرى للسفر للماضي عبر الثقوب الدودية مثلاُ، وهي شبيهة بالثقوب السوداء.

ومنطقياً ان مقالة السفر للماضي عند تجاوز سرعة الضوء تفضي الى القول بالسفر المعكوس الى المستقبل عند تناقص السرعة، فكل تناقص للسرعة يعجل الزمن، ولو وصل الانخفاض الى الصفر او التوقف التام فذلك يعني المزيد من التقدم الزمني، او تسارع الزمن. فالطفل الذي تتوقف لديه الحركة يشيخ مبكراً، وانه يلاقي مستقبله عاجلاً.. خلافاً لذلك الذي يتسارع، اذ يتباطأ الزمن لديه، ومن ثم يتحول بعد سرعة كبيرة مما هو شيخ الى طفل. فالشيخ يصير طفلاً، والطفل يصير شيخاً، وفقاً للتسارع والتباطؤ.

ومن وجهة نظر اينشتاين انه لا مجال للاعتراف بحالة سكونية تامة ومطلقة، فالحركة دائمة وهي نسبية، فلا مجال للسكون التام ولا الحركة المطلقة، مثلما لا مجال لتجاوز سرعة الضوء الثابتة في الفراغ. واذا كان الفيزيائيون قد التفوا على النظرية النسبية وافترضوا امكانية تجاوز هذه السرعة ومن ثم السفر للماضي وفق ذات المبادئ الاينشتاينية، الا انهم لم يعالجوا في القبال ما يعاكس هذه الحالة، اي الاعتماد على المبادئ الاينشتاينية لتقبل السفر الى الامام والمستقبل عبر السكون التام او ما يقاربه. واحياناً رأى بعضهم انه لا يوجد سفر للماضي، بل كله سفر للمستقبل، سواء من خلال الثقوب الدودية او عبر تجاوز سرعة الضوء..

لقد ادرك الفيزيائيون بعد اينشتاين النتائج الوخيمة لمقالة السفر عبر الزمن. لكنهم لم يتخلوا عنها، بل افترضوا العديد من السيناريوهات التأويلية لتجنب نتائجها الصادمة، فبعض هذه النتائج يعبر عن مشاكل منطقية تصل الى حد التناقض، وبعضها الاخر يتصف باللامعقول حول علاقة السببية.

فمن حيث المشكلة الاخيرة ان الرجوع للماضي يبدي تتابعاً معاكساً لعلاقة السببية، حيث يتقدم الاثر على سببه، او ان النتيجة تظهر قبل مقدماتها، فهي كالفلم المعكوس، فالرجل الذي يعود للماضي ليلاقي طفولته يمر بمراحل معاكسة، اذ يبدأ رجلاً ثم يتحول الى شاب فمراهق فصبي فطفل رضيع ومن ثم يدخل الى رحم أمه حتى يفنى فلا يكون شيئاً مذكوراً. فكيف تنقلب علاقات السببية الى معاكساتها؟

وقد يتطور الحال الى معضلة عميقة تتعلق بالتناقض والمفارقة. فمثلاً لو امكن لشخص ان يسافر ويلتقي بأمه وهي صغيرة لم تتجاوز الرضاعة مثلاً، كيف يمكن ان يكون موجوداً وأمه مازالت رضيعة؟ ومثل ذلك لو انه سافر للماضي والتقى بجدته وقتلها فكيف تسنى له ان يولد فيما بعد؟.

على ذلك يلاحظ ان هناك مشكلتين في حالة السفر الى الماضي، فحين يلاقي الشخص جدته مثلاً ويقتلها فان الاحداث لا تبدو معكوسة فقط، حيث تنطلق من النتائج لتنتهي باسبابها، على عكس ما تفترضه السببية، بل انها تفضي الى التناقض ايضاً، فكيف يمكن ان يكون المسافر موجوداً وقد قتل جدته التي هي من الاسباب اللازمة لولادته؟

لقد اهتم الفيزيائيون كثيراً بعلاج هذه النتيجة البائسة، وذلك عبر عدد من التأويلات المفترضة، وهي سيناريوهات قائمة في الاساس على افتراضات غير مدعومة تجريبياً، بمعنى انها تشكل تأويلات مركبة للتتخلص من المفارقة المشار اليها. فالبعض مثلاً يرى ان المسافر سيتخذ دور المشاهدة من دون ادنى تأثير على الاحداث الماضية، فحاله كمن يرى شريط فلم سينمائي معكوس دون امكانية التأثير عليه. فيما يرى بعض اخر ان المسافر سيُكتب له تاريخ آخر غير التاريخ الذي اعتاده، او انه سيدخل في اطار كون اخر غير الكون المعتاد عليه، وفقاً لسيناريو الاكوان المتعددة المتوازية، وهو الحل الذي لجأ اليه ديفيد دويتس كمحاولة لانقاذ الموقف من التناقض، فاعتبر ان الأم او الجدة المقتولة هي غير تلك التي كانت سبباً في ولادة الشخص، فكلاهما يمثلان نسخاً متناظرة وفقاً للتعدد الكوني والعوالم المتوازية. فالتأثير وارد في مثل هذه الحالة، لكنه يقوم على النسخ المناظرة .

هذه ابرز السيناريوهات المطروحة لحل مشكلة المفارقة. ولو اعتمدنا على هذه الحلول سنجد انها لا تتعارض مع مبدأ السببية، اذ تتضمن الاخيرة التأثير في الاحداث المعنية، فيما تخلو منه السيناريوهات المطروحة.

***

كانت المشاكل السابقة حول السببية تختص بنظرية النسبية، أما فيما يخص نظرية الكوانتم فقد كانت المشاكل المطروحة مختلفة تبعاً لطبيعة الفيزياء الجسيمية. فاولى هذه المشاكل هي ان التأثير السببي قد لا يكون وارداً ضمن النطاق الجسيمي، او ان السببية لدى هذا العالم تتصف بالاحتمال الموضوعي خلافاً لعالمنا المحسوس. ومن ذلك ما جاء من خرق لقانون التناسب العقلي لدى السببية، وهو ان هناك تناسباً بين تماثل الشروط والنتائج، فلو كانت الشروط ذاتها فان النتائج المترتبة على العلاقة الطبيعية ستكون متماثلة، كالذي يبديه عالمنا الكبير. فمثلاً لو ان قطعة من الحديد تمددت بالحرارة، فان قطعة اخرى للحديد وضمن ذات الشروط الظرفية سوف تتمدد هي الاخرى بالحرارة. لهذا اعتبر بعض فلاسفة العلم ان السببية من المبادئ الميتافيزيقية التي يستعين بها العلم دوماً، كما هو الحال مع كارل بوبر، ومثله برتراند رسل الذي أشار الى ان السببية هي من الافتراضات القبلية للبحث العلمي. فالعلم قائم على اقرار التماثل في علاقة السبب بالمسبب، فعندما يختلف المسبب فذلك يعني اختلاف السبب، في حين لو تماثلت النتائج فذلك يعني تماثلاً في الاسباب. وتبعاً لهذه العلاقة الواضحة ان الفيزيائيين يقيمون علم الفلك وفق ما يلحظونه من اختلاف في اطياف الاشعة التي تصلنا من الاجرام السماوية ودرجات شدتها. ومثل ذلك فيما يخص العالم الجسيمي الصغير، فالنتائج المتباينة توحي لنا بوجود علل مختلفة وفق قانون التناسب بين السبب والمسبب. ومن ذلك يُستنتج تعدد الجسيمات واشكالها وكتلها وشحناتها المختلفة، والحال ذاته ينطبق على معرفة اشكال النجوم والمجرات وابعادها واحجامها وسرعاتها وعناصرها وما اليها. لهذا يقول رسل: إن فرضية وجود قوانين ثابتة للسببية تبدو غير قابلة للنقض .

لكن هذا الحال الذي يقره الحس المشترك (common sense) لا يعني شيئاً امام نظرية الكوانتم. فبحسب وجهة نظرها لو ان حركة الجسيم كانت باتجاه معين فان ذات الشروط المتوفرة سوف لا تجعلنا متأكدين بان الجسيم سوف يسلك نفس المسار او الاتجاه، فرغم تماثل الظروف والشروط فان النتائج يمكن ان تكون مختلفة او متعاكسة.

وتعتبر هذه النتيجة من مخلفات المعنى القوي لمبدأ عدم اليقين لهايزنبرغ، حيث انقسم الفيزيائيون اتجاهه الى نظريتين، احداهما تحمل المعنى القوي للمبدأ، وهو ما يعول عليه غالب الفيزيائيين وفق الصيغة التي لجأت اليها مدرسة كوبنهاكن، والاخرى تكتفي بالمعنى الضعيف له. فالمعنى القوي لا يعول على اثر الظروف والشروط الخارجية التي تحيط بالجسيم، خلافاً للمعنى الضعيف ، فطبيعة الجسيم بحسب المعنى القوي تبدي التذبذب والتأرجح موضوعياً، وهو قابل لاتخاذ اي اتجاه للتحرك دون ان يكون لذلك علاقة بالظروف الخارجية وتأثيراتها، ومنها تأثير الاشعة المسلطة على الجسيم. وكأن الجسيم يمتلك – في هذه الحالة – ارادة حرة خالصة لا يمتلكها حتى البشر انفسهم. الامر الذي يذكرنا بنظرية عمانوئيل كانت في (الشيء في ذاته).

ويمكن تأييد هذا المعنى بما يحصل من تحول لذرات اشعة العناصر الثقيلة غير المستقرة، كاليورانيوم، حيث تتحول نصف ذراته الى عناصر اخرى كل مدة زمنية محددة بحسب نظائره المختلفة، فرغم سريان هذا التحول وفق قانون احصائي ثابت، لكن هناك عدم يقين بنوع الذرات التي يمكن ان تتحول دون غيرها، اذ تجري العملية ذاتياً وتلقائياً من دون ان يكون لها علاقة باسباب ظرفية معينة. ومن الواضح ان هذه القضية تدعم المعنى الموضوعي للاحتمال. ويمكن ان يُستنتج منها أمران:

أحدهما نفي الحتمية، بل والتضحية بالسببية الخاصة وقانونها التناسبي، مع الحفاظ على مبدأ السببية العامة. أما الثاني فهو التضحية بمبدأ السببية العامة ذاتها، حيث التصور بان خاصية التذبذب، سواء للجسيم او لتحلل العناصر المشعة، لم يكن مناطاً بسبب ما كلياً، رغم ان هذه الخاصية لا تدل على المعنى الذي ينفي مطلق الاسباب، اذ يكفي ان يكون طبع الجسيم او العناصر المشعة سبباً للتذبذب، كسببية طبع النار للاحراق. فعلى الرغم من ان هذه الخاصية جاءت على حساب قانون التناسب الخاص، لكنها لا تتعارض مع صفة القانون العام، فهي ليست فوضوية، بل تخضع لحسابات ثابتة. وهي من هذه الجهة تخضع للتناسب بالمعنى الاحصائي، كما انها لا تتعارض مع مبدأ السببية العامة.

لا يُنكر ان هناك نظريات فيزيائية وظفت الدلالة السابقة للتذبذب الجسيمي والتحلل الاشعاعي باتجاه نفي السببية العامة. فقد اخذ الفيزيائيون مدة يعتقدون بان للفراغ طبيعة تأرجحية تجعله منتجاً لجسيمات تقديرية او وهمية وفقاً للمعنى القوي لمبدأ عدم اليقين، حيث يكون مسؤولاً عن خلق الجسيمات وافنائها تلقائياً من دون سبب، وذلك على شاكلة ما يحصل لدى العناصر الثقيلة من تحلل ذاتي. لكن ظهر فيما بعد ان الفراغ ليس بفارغ، بل هو مشحون بطاقة داكنة ومتفجرة رغم انها غير مرئية، وهي تشكل ما يقارب ثلاثة ارباع ما لدى الكون، ويُعزى اليها علة خلق تلك الجسيمات، الامر الذي يدعم فكرة السببية من دون معارضة.

ونشير الى ان من الخطأ قياس تأرجحات الفراغ على التحلل الذاتي للعناصر المشعة الثقيلة. فهذه الاخيرة ليست المصدر الاساسي للطاقة ليقاس عليها تلك التأرجحات المنتجة للطاقة والجسيمات ذاتياً، فهي تقع في اخر سلسلة التطور الكوني للعناصر، بل وحتى لو كانت الاولى في هذه القائمة، كالهايدروجين مثلاً، فانها تظل مسبوقة بالطاقة والجسيمات الحرة قبل ان تتجمع لتؤلف ما يعرف بالذرات والجزيئات والعناصر.

وبلا شك ان موضوع التحلل الذاتي للعناصر الثقيلة قد تم توظيفه ليس فقط فيما يخص دعم المعنى القوي للنشاط الجسيمي، بل كذلك للتأكيد على ان الكون يمتلك ميكانيزما مغلقة للتشغيل دون حاجة للاسباب الخارجية، فلهب النار يتصاعد بلا حاجة للنفخ. ويبقى الخلق والإحداث صفة ذاتية لهذا الكون المغلق، وان قانون الاحتمال وعدم اليقين هو ايضاً من صفاته الذاتية، وبالتالي لا شيء يبعث على افتراض ما هو خارج هذه الميكانيزما المغلقة.. وهو الموضوع الذي سنناقشه في بحث مستقل إن شاء الله..

 

مفكر وباحث عراقي

ibrahim telbasilkhaعندما نطالع مؤلفات زكى نجيب محمود لا نجد اختلافا كبيرا بين مواقفه الفكرية ومواقف فلاسفة التحليل اللغوى المعاصرين أمثال مور ورسل وفتجنشتين، وفلاسفة الوضعية المنطقية أمثال مورتس شليك وآير وكارناب وغيرهم . نجده يدور مدارهم جميعا من حيث إنه يتبنى منهجهم التحليلى، ويعالج القضايا التى يتعرض لها بنفس طريقتهم، وينزع منزعا متعصبا ضد الميتافيزيقا ومنحازا مع العلم، ويهاجم الفلسفة التقليدية، ويدعو إلى الفلسفة العلمية، ويدافع عن التحليل المنطقى فى مجال التفكير العلمى بالذات، ويطالب الفلاسفة بضرورة التزام الدقة البالغة فى استخدام الألفاظ والعبارات، التزاما يقربهم من العلماء فى دقة استخدامهم للمصطلحات العلمية، وأن يكون عملهم هو توضيح الأفكار توضيحا منطقيا .... الخ .

ولقد أعلن زكى نجيب محمود نفسه عن تأثره بفلسفة الوضعية المنطقية وذلك فى مستهل الفصل الرابع من كتابه "قصة عقل" حيث أعلن أنه تبنى اتجاها فلسفيا معاصرا هو "الوضعية المنطقية" فى سنة 1946 عندما قرأ كتاب آير الذى يلخص فيه "الوضعية المنطقية" وعنوانه "اللغة والصدق والمنطق " وما أن انتهى من قراءته حتى أحس بقوة أنه قد خلق لهذه الوجهة من النظر(1) .

وبالنسبة لموقفه من الميتافيزيقا نجده فى كتابه "موقف من الميتافيزيقا " يحدد الميتافيزيقا بأنها البحث فى أشياء لا تقع تحت الحس، لا فعلا ولا إمكانا، لأنها أشياء بحكم تعريفها لا يمكن أن تدرك بحاسة من الحواس ....(2) ويميز زكى نجيب محمود بين نوعين من الميتافيزيقا: ميتافيزيقا تأملية وميتافيزيقا نقدية، ويعلن رفضه للميتافيزيقا التأملية ويطالب بحذفها من دائرة الكلام المفهوم، ويعلن قبوله للميتافيزيقا النقدية لأنها نافعة ومفيدة فى دراسة قضايا العلوم .

 

أولا: الميتافيزيقا المرفوضة "التأملية":

يرى زكى نجيب محمود أن أتباع الميتافيزيقا التأملية يقولون إن الكون بكائناته الحية والجامدة بشموسه وأقماره ونجومه وهوائه ومائه ... الخ هو الذى يجب رده إلى أصله الأول البعيد، ويمثل لهذا الاتجاه بالفيلسوف الألمانى هيجل .

والفلسفة التقليدية فى جملتها "تأملا" أما الفلسفة المعاصرة فى جملتها "تحليل" وبين الفلسفة التأملية والفلسفة التحليلية اختلاف واضح:

أولا:- تدعى الفلسفة التقليدية أنها تكشف عن الحق فيما يتصل بالكون باعتباره كلا واحدا، وأما الفلسفة التحليلية المعاصرة فتبرأ من الإدعاء بأنها تكشف عن حقائق الكون صغر أو كبر، لأنها تعلم أن ذلك من شأن العلماء وحدهم بما لديهم من وسائل تعينهم على المشاهدة وإجراء التجارب، كل علم فيما يخصه من جوانب الكون وأجزائه . ولا يزعم الفيلسوف المعاصر لنفسه شيئا سوى أنه يتناول العبارات التى يقولها العلماء أو عامة الناس فيوضح غمضها ويبرز عناصرها .

ثانيا:- تحاول الفلسفة التأملية التقليدية أن تواجه عالم الأشياء وجها لوجه، وما ألفاظ اللغة وعباراتها إلا أدواتها الثانوية للتعبير عما قد تصل إليه من حقيقة، بل كثيرا ما تدعى أن ألفاظ اللغة وعباراتها قاصرة لا تنهض بالتعبير عن الحقيقة التى وصلت إليها "التأملات" الفلسفية تعبيرا كاملا شاملا . وأما الفلسفة التحليلية المعاصرة، فتدور كلها حول ألفاظ اللغة وعباراتها اعتبارا منها بأن مهمتها الوحيدة التى لا مهمة سواها، هى أن تطمئن إلى وضوح ما ينطق به الناس، علماؤهم وعامتهم على السواء، وأما الحقيقة الشيئية فموكولة إلى رجال العلوم على اختلافهم .(3)

ولذلك يوجه زكى نجيب محمود نقدا حادا إلى الفلسفة التأملية، فهى – فى رأيه - لا تستند فى تأملها على المشاهدة والتجربة بخلاف العلم الذى يردك إلى أشياء الطبيعة المحسوسة .. فالفيلسوف التأملى – مثل الشاعر وعلى خلاف العالم – يقول كلاما مرجع الصدق فيه إلى ما يدور فى نفس المتكلم، لا ما يحدث على مسرح الطبيعة الخارجية من حوادث . وهنا يضع زكى نجيب محمود أصابعه على فرق هام بين أقوال الفلاسفة وأقوال العلماء، فبينما الفلاسفة "فلاسفة التأمل" ينصرفون إلى بواطن نفوسهم ليقولوا ما يقولونه، يتجه العلماء إلى خارج نفوسهم إلى حيث الطبيعة وظواهرها ليقرروا عنها ما يقررون من قوانين .

والعلماء عندما يصفون العالم الواقع الحقيقى فإنهم يعتمدون فى ذلك على ما شاهدوه أو اجروا عليه التجارب، أما الفلاسفة فهم – على خلاف ذلك – يصفون العالم قياسا على ما رأوه فى أنفسهم. فلئن كان منهج العلماء استقراء يتقصى الأمثلة الجزئية ليخلص منها إلى قانون عام يصف ظاهرة بعينها، فمنهج الفلاسفة التأمليين "تمثيل " أى تشبيه العالم بالإنسان ثم الحكم على العالم بما نحكم به على الإنسان .(4)

ولهذا نجد أن الفلسفة التأملية أو الميتافيزيقية قد تعثرت الخطى .. فمشكلاتها الفلسفية المزعومة إنما نشأت من طريقة استعمال الفلاسفة " للألفاظ والعبارات " إذ تراهم يستخدمون الألفاظ والعبارات على نحو يختلف عن الطريقة التى اتفق الناس فيما بينهم – اتفاقا مفهوما بالعرف – على أن يستخدموا بها تلك الرموز اللغوية . وبذلك تنشأ عبارات ليست بذات معنى مفهوم، وقد لا يظهر فيها هذا الجانب إلا بعد تحليل، فتؤخذ عند فلاسفة الميتافيزيقا على أنها "مشكلات" تستدعى التفكير والتأمل، وتنتظر الحل والجواب، والحق أنها أخلاط من رموز لا تدل على شئ البته، فإذا استوجبت منا شيئا فهو حذفها حذفا من قائمة الكلام المقبول .(5)

فليس على الفيلسوف الميتافيزيقى من بأس فى أن يقول – مثلا – إن "الروح عنصر بسيط" كما يقول زميله العالم إن "الذهب عنصر بسيط"، لكن زميله العالم حين يقول ذلك عن الذهب فإنما يقوله وأنابيب المعامل تحت يديه، وهناك قطعة الذهب، فيظل يحاورها بتجاربه أمام المشاهدين، حتى لا يجد أحدا بدا من التسليم بأن قطعة الذهب ستظل ذهبا ولا تحلل إلى عناصر أخرى، وبهذا يكون الذهب عنصرا بسيطا . وبهذا أيضا يتحدد معنى كلمتى "عنصر بسيط" وهو ألا يكون الشىء قابلا للتحليل إلى أجزاء مختلفة الخصائص .

أما الفيلسوف حين يقول القول نفسه عن "الروح" فهو يستحل لنفسه ألا يتقيد بهذه الضوابط والمراجعات، فلا أنابيب هناك ولا معامل ولا "روح" بين أصابعه . إنه نطق بصوت زاعما أنه رمز يرمز إلى شئ بين الأشياء، ثم زعم أن ذلك الشىء المرموز له من صفاته أنه يتحلل إلى أجزاء مختلفة بل مهما حللته وجدت أجزاء متشابهة بعضها مع بعض . لكن ماذا حلل فيلسوفنا إذا فوجده متشابه الأشياء ؟ أين المسمى الذى أطلق عليه اسم "روح" ثم راح يزعم له الصفات وبهذا فإن عبارة "الروح عنصر بسيط" عبارة فارغة من المعنى لأن فيها رمزا لا يشير إلى مرموز له بين عالم الأشياء .(6)

المشكلات الميتافيزيقية إذن تنشأ من استخدام رموز ليس لها مدلولات فى عالم الواقع، وبالتالى لا يجوز فيها البحث واختلاف الرأى، فهى كلام فارغ لا يرسم صورة ولا يحمل معنى ولذا يجب طرحها بحيث لا يبقى بعد ذلك فى دائرة العلم إلا العلوم الطبيعية والرياضية .

ولتوضيح ذلك يفرق زكى نجيب محمود بين نوعين من الكلام: كلام يراد به وصف عالم الأشياء وما فيه من أحداث، وكلام آخر ينصرف به قائله إلى داخل نفسه لا إلى خارجها . فالكلام إما أن نستخدمه أداة لتصوير ما هو كائن فى عالم الأشياء "وهذه لغة العلوم وما يجرى مجراها " وإما أن نستخدمه أداة للتعبير عما تختلج به نفس الإنسان من الداخل "وهذه لغة الفنون وما يحرى مجراها ولا ثالث لهذين الطرفين " .(7)

لكن إلى أى ناحية يتجه الفيلسوف الميتافيزقى بعباراته ؟ هل يريد أن يصف بها ما هو خارج نفسه، أو يريد أن يعبر عما يدور داخل نفسه من مشاعر ؟ يرى زكى نجيب محمود أنه لا يمكن أن تكون الأولى لأن الفيلسوف الميتافيزيقى يتحدث عن أشياء ليست هى بين ما يقع عليه حواسنا من أشياء . يحدثنا – مثلا – عن "العدم" وكل ما فى الدنيا " موجودات " ليس فيها " عدم " ويحدثنا عن " المطلق " من قيود الزمان، ويحدثنا عن " الخير " وعن "الجمال " وكل ما فى الدنيا ليس بين عناصرها الكيماوية أو الفيزيقية عنصر يسمى " خيرًا أو جمالاً " . هكذا يحدثنا الفيلسوف الميتافيزيقى عما ليس فى الطبيعة أى لا يحدثنا عما هو خارج نفسه.

إذن فهل يحدثنا عما يدور داخل نفسه من مشاعر وأحاسيس، لو قال ذلك فله ما شاء لكن لا يجوز أن يصف أقواله بالصواب لأنه لا صواب فى التعبير الذاتى، وإنما يكون الصواب صفة تصف الكلام حين يصور شيئا خارجها . ويكون معناه عندئذ أن الصورة الكلامية تطابق الأصل الخارجى . غير أن الفيلسوف الميتافيزيقى لا يقنع بأن يكون كلامه تعبيرا عما يجيش به نفسه هو، بل أنه صورة وصفية للعالم الواقع خارج نفسه، ومع أنه يعترف لك فى الوقت نفسه أنه لا يسوق الكلام معتمدا على خبرته الحسية، ويقول بأنه يركن فى ذلك على عيانه العقلى، هكذا يتذبذب فيلسوف ما راء الطبيعة بين الخارج والداخل (8) .

وهنا يتبنى زكى نجيب محمود موقف المذهب التجريبى العلمى فى الفلسفة فيؤكد أن القائل إذا عجز عن أن يشير لنا إلى كائنات حسية هى التى تنصرف إليها عبارته التى نطق بها، كانت عبارته هذه ليست باطلة فحسب، بل خالية من المعنى، إذ أن المعنى " هو بعينه الخبرات الحسية التى يرمز إليها الكلام الذى نزعم له ذلك المعنى " (9) .

فلقد تبين لرواد التحليل فى الفلسفة الحديثة عندما تناولوا بالتحليل مشكلات الفلسفة التقليدية أنه لا إشكال على الإطلاق، وأن الأمر كله غموض فى لغة الفلاسفة، هو الذى خيل لهم أنهم إزاء مشكلات تريد الحل ولا حل هناك، فهل النفس خالدة أم فانية ؟ هل يكون هذا العالم المحسوس قائما وحده أم أن وراءه عالما عقليا آخر؟ هل الموجود الحقيقى هو الأفراد الجزئية أم الحقائق الكلية التى تعبر عن نفسها فى تلك الأفراد ؟، وهكذا من أمثال هذه الأسئلة التى لم يزل الفلاسفة التأمليون يلقونها ويحاولون الجواب ولا جواب، فيتناول فيلسوف التحليل هذه العبارات نفسها ليفض مغالقها اللفظية وإذا هى فارغة لا تنطوى على شئ، وإذا هذه المشكلات المزعومة الموهومة تذوب ثم تتبخر فى الهواء وتختفى.(10)

ولهذا يطالب زكى نجيب محمود بضرورة الكف عن النظر إلى ما وراء الحس لأن الكلام فى هذه الحالة سيخلو من المعنى . إذ يبين لنا التحليل المنطقى للعبارات التى نقولها عند النظر إلى ما وراء الحس أنها أشباه عبارات تخدع بتركيبها النحوى السليم، لكنها فى حقيقة أمرها لا تؤدى مهمة الكلام وهى الإخبار لأنها لا تحمل معنى على الإطلاق تخبر به .

ولهذا أيضا يفرق زكى نجيب محمود بين الجملة العلمية والجملة الميتافيزيقية: الجملة العلمية تكون ذات معنى ويمكن تحقيقها عن طريق ما تدل عليه من خبرات، أما الجملة الميتافيزيقية فهى بغير معنى . ويقول إنه لا يرفض العبارات الميتافيزيقية على أساس أنها تقيم مشكلات لا يمكن حلها مادامت خارجة عن حدود الخبرة، بل يرفضها لأنها عبارات بغير معنى، ذلك لأنه من التناقض أن يقال عن مشكلة أنها مستحيلة الحل بحكم طبيعتها، لأن ما هو مستحيل الحل على هذا النحو لا يكون مشكلة حقيقية . حقا قد تكون المشكلة القائمة مستحيلة الحل استحالة عملية، أى أنه قد لا يكون لدى الإنسان فى ظروفه الراهنة وسائل حلها، ولكن هذه الوسائل قد تتوافر له غدا أو بعد غد، فعندئذ تكون المشكلة حقيقية . أما تلك التى يقال عنها بحكم الفرض أنها مستحيلة الحل استحالة منطقية، فمشكلة زائفة أى ليست مشكلة على الإطلاق، والمشاكل الميتافيزيقية هى من هذا القبيل .(11)

رفض زكى نجيب محمود إذن للمشكلات الميتافيزيقة ليس لصعوبة حلها، بل لأنها مشكلات زائفة، فهى بمثابة أسئلة يستحيل منطقيا أن يكون لها جواب، وشرط السؤال بحكم منطق اللغة نفسها أن يكون جوابه ممكنا لو توافرت للإنسان الظروف التى تمكنه من الجواب أما أن تسأل السؤال وتفرض فى الوقت نفسه أن الإجابة عنه غير ممكنة، فلا يجوز عندئذ أن تعلل عدم الإجابة عنه بصعوبة أو بعدم قدرة الإنسان وقصور معرفته . بل حقيقة الموقف عندئذ هى أن السؤال لم يكن سؤالا حقيقيا وإن اتخذ الصياغة النحوية للسؤال .(12)

ولهذا فلا تجن ولا إسراف من رجال العلم، حين يهاجمون الفلسفة قائلين: إنها حين تبحث فى مشكلات مثل وجود الله وخلود الروح وحرية الإرادة، فإنما تنسج نظرياتها من رؤوس الفلاسفة نسجا لا تستند فيه إلى تجربة . ولذلك كانت الفلسفة راكدة لا تخطو كما تخطو العلوم، فلا تزال تناقش اليوم المشكلات نفسها التى ناقشها اليونان الأقدمون، أما العلم فغير ذلك إذا هو يبنى على ما قاله السابقون ثم يمضى .(13)

وخلاصة هذا القول: إن الميتافيزيقا المرفوضة عند زكى نجيب محمود هى الميتافيزيقا التأملية أو الفلسفة التقليدية بنزعتها التأملية، ورفضه لها يرجع إلى عدة أسباب من أهمها:-

1- أنها تجاوز مجرد إقامة البناء لتزعم أنها تصور الكون كما هو موجود بالفعل، وهنا يكون موضوع الخطأ، الذى يشبه الخطأ الذى تقع فيه الخرافة حين يعلل الناس حدثا بغير علته فيقولون – مثلا – إن مرض المريض علته حين سكن الجسد المرض، أو موت المسافر علته نعيق الغراب فوق سطح الدار ليلة السفر، وهذا الزعم من الميتافيزيقا التأملية هو وحده الذى يرفضه زكى نجيب محمود، ويصفه بالخرافة .

2- أن عبارات الميتافيزيقا التأملية – بحكم طبيعة الموضوع – تشتمل دائما على حدود لا يكون لها معنى إلا فى مجالها، فإذا قلنا عن أنواع الجملة إنها ثلاثة من ناحية كونها صادقة حتما أو باطلة حتما أو أنها مما يحتمل الصدق والكذب، وجدنا الجملة الميتافيزيقية لا تندرج تحت أى قسم من هذه الأقسام .

والجملة الصادقة حتما هى تكرار المفهوم الواحد مرتين فى صورتين مختلفين، إحداهما تحلل مضمون الأخرى كأن تقول 2+2=4 . والجملة الباطلة حتما هى التى ينقض شطرها الثانى شطرها الأول كأن تقول إن المثلث لا تحيط به ثلاثة أضلاع . والجملة التى تحتمل الصدق والكذب هى الجملة التجريبية . أما الجملة المتافيزيقية فهى لا تندرج تحت أى صنف من هذه الأصناف الثلاثة ومن ثم فهى جملة خالية من المعنى .(14)

 

ثانيا: الميتافيزيقا المقبولة " النقدية "

الميتافيزيقا المقبولة عند زكى نجيب محمود هى الميتافيزيقا النقدية، وهذا الضرب من الميتافيزيقا سديد ونافع ومقبول، لأن هذه الميتافيزيقا توجه جهودها التحليلية نحو العلوم ونتائجها لترى متى تعوج، ومتى تستقيم، وهل هى يقينية الصدق أو أنها لا تزيد فى صدقها على درجة من درجات الاحتمال .

أنصار هذه الميتافيزيقا يوجهون بحثهم نحو الأفكار لا نحو الأشياء، فيسألون عن الأفكار العلمية ما أصولها الأولى ؟ فكيف نشأ العلم الرياضى، وكيف نشأت العلوم الطبيعية وكيف نشأت النظم المختلفة؟. وليس السؤال هنا سؤال عن النشأة التاريخية متى كانت، بل هو سؤال عن النشأة المنطقية، كيف تأتى للعقل الإنسانى أن يفرز علما رياضيا وعلما طبيعيا وهكذا؟ ويمثل لهذا الاتجاه بالفيلسوف الألمانى كانط .(15)

الميتافيزيقا النقدية إذن عبارة عن محاولة لتحليل قضايا العلوم تحليلا منطقيا يردها إلى جذورها الأولى ردا يتبين منه مدى مشروعية التركيب اللفظى الذى صيغة فيه قضية علمية معينة: أهو متسق الأجزاء بعضها مع بعض، أم هو منطو على تناقض مستتر؟ أهو تركيب فى طبيعة ما يمكن الباحث من المقابلة بينه وبين ما يشير إليه من حقائق العالم الواقع، أم هو مشتمل على مفردات لغوية رابطة بين المفردات تجعل التحقق من الصواب أو الخطأ أمرا محالا؟.

ويرى زكى نجيب محمود أننا لو أخذنا بوجهة النظر التى تجعل الميتافيزيقا تحليلا منطقيا لقضايا العلوم انتهينا إلى فكرة رائعة بالنسبة إلى الفلسفة وطبيعة عملها، إذ يتضح لنا فى جلاء أن الفلسفة ليست مطالبة بأن يكون لها قضايا خاصة بها، ولا هى مستطيعة ذلك حتى إذا أرادته لنفسها لأن العلوم المختلفة – كل فى ميدانه – هى وحدها المؤهلة بمناهجها للوصول إلى حقائق الكون والإنسان . وحسب الفلسفة – إذن – أن تسير وراء العلوم تتعقب أقوالها لتصب عليها ضوء التحليل المنطقى فتكشف ما قد يكون فيها من خلل يستدعى من العلماء إعادة النظر.(16)

وهكذا انحاز زكى نجيب محمود للعلم على حساب الفلسفة، فهو يستبدل بالميتافيزيقا التأملية الميتافيزيقا النقدية أو العلمية، ويمكن إبراز هذا الموقف عنده من خلال تتبع آرائه حول الوظيفة التى يجب أن تلتزم بها الفلسفة .

يصرح زكى نجيب محمود بأن الفلسفة تحسن صنعا لو عرفت على وجه التحديد والدقة أن مجالها هو التحليل، والتحليل وحده فذلك يحقق لها الصفة العلمية . بل لابد من أن تكون الفلسفة تحليلا صرفا، تحليلا لقضايا العلم بصفة خاصة حتى تضمن لها أن تساير العلم فى قضاياه، وأن تفيد فى توضيح غوامض تلك القضايا .(17)

فإذا أرادت الفلسفة، أن تظل قائمة بين وجوه النشاط الإنسانى بحيث تؤدى عملا يساعد على تقديم الفكر فى شتى ميادينه، فلا مندوحة لها عن قصر نفسها على التحليل وحده – تحليل ما يقوله غير الفلاسفة من الناس – فالقول لسواهم، وعليهم التوضيح . ولذلك يقول زكى نجيب محمود مع فتجنشتين: إن "موضوع الفلسفة هو توضيح الأفكار توضيحا منطقيا " .(18)

فالمهمة الأساسية للفلسفة هى تحليل الألفاظ والقضايا التى يستخدمها العلماء والتى يقولها الناس فى حياتهم اليومية . فليس من شأن الفيلسوف أن يقول للناس خبرا جديدا عن العالم، ليس من مهمته أن يحكم على الأشياء لأن هذا الحكم يقوم به فريق آخر من العلماء، كل فى عمله الذى اختص به فعالم الطبيعة أولى منه بالتحدث عن قوانين الطبيعة، وعالم النفس أولى منه بالتحدث عن قوانين السلوك وهكذا . بل مهمة الفيلسوف هى أن يحلل المعانى ويوضحها .(19)

لا ضير عند زكى نجيب محمود إذن من الإبقاء على الفلسفة على شرط ألا تتجاوز دائرة التحليل لما يقوله الناس فى شتى نواحى التفكير ... " إذا أريد للفلسفة بقاء، وجب أن تحصر نفسها فى مهمتها الحقيقية الممكنة النافعة ألا وهى التحليل المنطقى للألفاظ والعبارات" (20)

وهكذا نلاحظ أن الفلسفة التى يتبناها زكى نجيب محمود ويدافع عنها فى معظم مؤلفاته هى الفلسفة التى تكون على غرار العلم، تكون شبيهة بالعلم، هى الفلسفة العلمية، .. وهو لا يريد بالفلسفة العلمية أن تشارك العلماء فى أبحاثهم، فتبحث فى الضوء والكهرباء كما يبحثون ولا يريد أن تبحث فى الحياة وفى الإنسان كما يبحثون . فلهم وحدهم أدوات البحث فى الأشياء والكائنات وليس لنا إلا ما يقولونه عن تلك الأشياء والكائنات من عبارات ومما يصوغونه عنها من قوانين . فإذا حصرنا اهتمامنا لا فى إضافة عبارات إلى عباراتهم، أو فى صياغة قوانين غير قوانينهم بل فى عباراتهم نفسها وقوانينهم نفسها، نحللها من حيث هى تركيبات من رموز لنرى إن كانت تنطوى أو لا تنطوى على فرض أو مبدأ فنخرجه لعل إخراجه من الكمون إلى العلن يزيد الأمر وضوحا، إذا حصرنا اهتمامنا فى ذلك كانت الفلسفة علمية بالمعنى الذى يريده زكى نجيب محمود .(21)

ليس المقصود بالفلسفة العلمية عنده إذن مشاركة العلماء فى أبحاثهم، بل هى علمية لأنها تعنى أول ما تعنى بتحليل قضايا العلوم، يقول: " إننا نريد للفلسفة أن تكون شبيهة بالعلم، لكننا لا نريد أن نقرن الفلسفة بالعلم بالمعنى الذى يجعل الفلاسفة يشاركون العلماء فى موضوعا بحثهم، فيبحثون فى الفلك، وفى الطبيعة مع علماء الطبيعة، وفى تطور الأحياء مع علماء البيولوجيا وهكذا . بل إننا – على نقيض ذلك – نحرم على الفيلسوف باعتباره فيلسوفا أن يتصدى للحديث عن العالم حديثا إخباريا بأى وجه من الوجوه لأنه لا يملك أدوات البحث التى تمكنه من ذلك . فليس هو منوطا بالملاحظة وإجراء التجارب حتى ينتهى بها إلى أحكام إخبارية عن العالم . ونأخذ على الفلاسفة التأمليين أن ورطوا أنفسهم فيما ليس من شأنهم، إذ كانوا يظنون أن الفكر الخالص وحده فى وسعه أن يصف الوجود الخارجى مع أن ذلك محال ..."(22)

لا ينبغى على الفلاسفة أن يورطوا أنفسهم فيما لا شأن لهم به من شئون العلم، بل يجب أن يلتزموا الدقة البالغة فى استخدامهم للمصطلحات العلمية . فإذا كان العالم يحدد على وجه الدقة ما يريده حين يقول " جاذبية " و" ضوء " و" صوت" ... الخ، فكذلك ينبغى للفيلسوف أن يكون بهذه الأمانة نفسها وبهذه الدقة نفسها فى استخدامه لألفاظه الأساسية الهامة، فلا يقول – مثلا – كلمة "نفس" أو كلمة " عقل " أو كلمة " خير " ... الخ إلا وهو على أتم العلم بحدود معناها .(23)

ومن أهم المبادئ التى ينبغى أن تقوم عليها الفلسفة العلمية: تحديد ألفاظها تحديدا لا يدع أمامها كلمة بغير مسمى مما يمكن تعقبه بالحواس، وأن تحصر بحثها فى مشكلات جزئية محددة . فبدلا من أن يحاول الفيلسوف مستحيلا ببحثه عن " مبدأ " يضم الكون كله بما فيه ومن فيه يقنع بالبحث فى مفهوم واحد من مفاهيم العلم كمفهوم " السببية " – مثلا – يتعاون فى تحليله مع زملائه الفلاسفة كما يتعاون العلماء فى المعمل على تحليل مادة من موادهم. وبهذا يستفيد بعضهم من بعض ويكمل بعضهم بعضا وتنمو المعرفة الفلسفية عن الموضوع الواحد نموا تدريجيا يجعل آخره أقرب إلى الصواب من أوله .(24)

والخلاصة: أن الفلسفة بالمعنى المحدد الذى يريده لها زكى نجيب محمود هو ألا تورط نفسها فى مجالات العلوم الخاصة، بل تجعل مهمتها تحليلا منطقيا للمدركات العلمية والقضايا العلمية . وبهذا تصبح الفلسفة فلسفة للعلم، أى تصبح منطقا للعلم أو تحليلا له، وهدفها هو التوضيح لا الإضافة الجديدة، فليس هناك عالم إلا عالم الواقع، وليس لأحد أن يتحدث عن العالم حديثا موضوعيا إلا رجال العلوم المختلفة . وللفلسفة أن تجئ بعد ذلك فتحلل وتوضح، للعلم أن يقرر وللفلسفة أن توضح له ما يقرره، والخير كل الخير أن يجئ التوضيح نفسه على أيدى العلماء أنفسهم، لأنهم مشربون بمواد علومهم، ولكنهم إذا ما فعلوا فلن يكونوا عندئذ علماء، بل يصبحون فلاسفة لعلومهم التى يتناولونها بالتوضيح والتحليل .(25)

وهكذا نلاحظ أن زكى نجيب محمود فى رفضه للميتافيزيقا التأملية وتبنيه للميتافيزيقا النقدية وكما هو واضح من دفاعه عن الفلسفة العلمية، يتفق مع تقسيم كانط للميتافيزيقا إلى نوعين: ميتافيزيقا العقل التأملى وميتافيزيقا العقل العملى وذلك فى بعض الجوانب وإن كانا يختلفان فى جوانب أخرى .

ولقد أشار زكى نجيب محمود نفسه إلى ذلك، حيث ذهب فى كتابه " موقف من الميتافيزيقا " إلى أن الميتافيزيقا عند كانط لها معنيان، وهى عنده مستحيلة بأحد هذين المعنيين، لكنها ممكنة بالمعنى الآخر، هى مستحيلة على العقل النظرى العلمى إذا أريد بها البحث فيما هو فوق تناول التجربة البشرية وهى ممكنة إذا أريد بها تحليل القضايا العلمية تحليلا ينتهى بنا إلى إبراز الفروض التى تستقر إليها تلك القضايا .

وقد بدأ كانط بالاعتراف بمعنى واحد وهو المعنى الأول إذ كانت لفظة " الميتافيزيقا " عنده بادئ ذى بدء تعنى " مجموعة الأحكام الفلسفية كلها فيما عدا الأحكام المنطقية " . وذلك بعبارة أخرى معناها كل الأحكام التى لا تبنى على الحدس التجريبى أو الحدس الرياضى . لكن كانط بعد خوضه فى تحليل الأحكام العلمية رياضية وطبيعية انتهى إلى المعنى الثانى، فأصبحت الميتافيزيقا بمعناها المجدى من الناحية العلمية هى مجرد تحليل القضايا العلمية.

غير أن موقف زكى نجيب محمود إزاء كانط هو رفضه للمعنى الأول على أساس أن الميتافيزيقا عندئذ تكون فوق مستطاع العقل الإنسانى، بل على أساس أن أقوالها تكون فارغة من المعنى وتأباها قواعد تكوين اللغة ذاتها، وقبوله للمعنى الثانى .(26)

إذن الميتافيزيقا التى يرفضها كانط يرفضها على أساس أن العقل النظرى له حدود لا يستطيع مجاوزتها فهو محكوم عليه بحكم طبيعته نفسها ألا يستطيع الإجابة عنها لأنها تجاوز حدود قدرته كلها . ولهذا فإن استحالة الميتافيزيقا هنا هى حقيقة نفسية بمعنى أنه لو كان الإنسان على غير ما هو عليه فى إدراكه للأشياء لأمكن ألا تكون المعرفة الميتافيزيقية مستحيلة . أما زكى نجيب محمود فهو يرفض الميتافيزيقا لأن أقوالها فارغة من المعنى فهى تستخدم ألفاظًا للغة فى غير مواضعها الصحيحة، ولهذا فإن استحالة الميتافيزيقا هنا هى استحالة منطقية بالدرجة الأولى، وهذا هو بعينه موقف الوضعية المنطقية .

وبهذا نكون قد أوجزنا الكلام فى موقف زكى نجيب محمود من الميتافيزيقا، لكن يجب علينا قبل أن نختم الحديث فى هذا الموضوع أن نذكر نقطة أخرى قد يكون لها أهميتها فى هذا الصدد، وهى أن موقف زكى نجيب محمود من الميتافيزيقا والذى عرضه لنا خاصة فى كتابه " خرافة الميتافيزيقا " فى طبعته الأولى، قد أحدث موجات هجوم وانتقادات لاذعة ضده .

ولعل أشد هذه الانتقادات تطرفا ذلك الانتقاد الذى اتهمه بأنه خارج على الدين، واتهامه كذلك بأنه قد تنكر للأخلاق نفسها . ولذلك أصدر زكى نجيب محمود بعد ما يقرب من عشر سنوات طبعة ثانية لنفس الكتاب بعنوان جديد هو " موقف من الميتافيزيقا". ويتضمن الكتاب فى طبعته الجديدة مقدمة جديدة يدافع فيها عن إيمانه وتمسكه بدينه، ويمكن توضيح ذلك على النحو التالى:

أولا: يذكر زكى نجيب محمود أن أبشع نقد تعرض له هو أن اختلط الأمر على الناقدين فخلطوا بين فلسفة ودين، حتى خيل له يومئذ أن بعض هؤلاء النقاد – على الأقل – لم يقرءوا من الكتاب شيئا، وهم إما أن يكونوا قد اكتفوا بقراءة عنوانه – فى طبعته الأولى " خرافة الميتافيزيقا " قائلين لأنفسهم الميتافيزيقا هى ما وراء الطبيعة، وما وراء الطبيعة هو الغيب وهو أيضا الله سبحانه وتعالى وإذن فهذه الجوانب الهامة من الإيمان خرافة عند مؤلف الكتاب .

ثانيا:- وإما أن يكون بعض هؤلاء النقاد أقل من ذلك درجة، وهم هؤلاء الذين طفقوا يرددون ما يسمعونه من غير وعى ولا دراية .

ثالثا:- وهؤلاء جميعا – فيما يرى زكى نجيب محمود – قد خلطوا بين فلسفة ودين . فالفيلسوف عندما يقيم بناءه الميتافيزيقى يضع فى بداية طريقه " مبدأ " معينا ينطلق منه معتقدا بالطبع – صواب ذلك المبدأ، وليس لديه من سند يرتكز عليه فى ذلك الاعتقاد إلا ظنه بأنه قد رأى ذلك المبدأ بحدسه رؤية مباشرة . لكن اعتقاده فى صواب مبدئه لا يمنع فيلسوفا آخر– يعتقد بدوره – أنه هو الصواب، والفيلسوف هنا مطالب بإقامة البرهان العقلى الذى يبين صواب مبدئه، وصواب النتائج التى استدلها من هذا المبدأ .

رابعا:- والذى يرفضه زكى نجيب محمود، فى ذلك ويطلق عليه صيغة " الخرافة " ليس هو أن يتخذ الفيلسوف الميتافيزيقى لنفسه ما شاء من مبدأ . ولا هو – بالطبع – النتائج التى استدلها مادام استدلاله جاء على منطق العقل، بل المرفوض هو أن يبنى الفيلسوف بناءه الفكرى فى ذهنه ثم يزعم أنه تصوير لحقيقة الكون كما هى قائمة فى الوجود الواقعى خارج الذهن .

خامسا:- يرى زكى نجيب محمود أن العقيدة الدينية أمرها مختلف كل الاختلاف لأن صاحب الرسالة الدينية لا يقول للناس: "إننى أقدم فكرة رأيتها ببصيرتى"، بل يقول لهم: "إننى أقدم رسالة أوحى بها إلى من عند ربى لأبلغها". وهنا لا يكون مدار التسليم بالرسالة برهانا عقليا على صدق الفكرة ونتائجها المستدلة منها، بل يكون مدار التسليم هو تصديق صاحب الرسالة فيما يرويه عن ربه أى أن مدار التسليم هو الإيمان .

فمن يعترض على الفيلسوف يجب عليه أن يقدم أدلته المنطقية التى تبرر اعتراضه، أما من يعترض على صاحب الرسالة الدينية فذلك ليس لأنه رأى خللا فى منطق التفكير، بل لأنه لم يصدق صاحب الرسالة وكفى . ولذا نلاحظ وجود فرق كبير جدا بين الموقف الفلسفى والموقف الدينى ولا يصح أبدا أن نقول لمن يعترض على الفيلسوف بأنك – باعتراضك هذا – بمثابة من يعترض على رسالة الدين .

سادسا:- كان من بين المواضع التى استثارت نفوس الذين وجهوا النقد إلى الطبعة الأولى من كتاب " موقف من الميتافيزيقا " ما ورد عن " القيم " من أنها معدودة بين المفاهيم الميتافيزيقية التى رفض زكى نجيب محمود أن يكون لها معنى خارج البنى الفكرية التى وردت فيها، فأخذت هؤلاء النقاد ظنون بأن فى مثل ذلك القول تنكرا للأخلاق نفسها .

ويرد زكى نجيب على هذا الاتهام فيصرح بأن حقيقة الموقف بعيد عن ظنون هؤلاء النقاد بعدا شاسعا، فليس هناك ضرب واحد من ضروب الفكر الفلسفى تنكر للقيم الأخلاقية والجمالية فى ذاتها، ولكن الأمر أمر تحليل يكشف عن طبيعتها . ويزعم أن دلالة أى لفظ يشير إلى قيمة أخلاقية أو جمالية ليست جزءا من الواقع الخارجى، ولكنها كائنة فى طوية الإنسان وتظهر عندما ينفعل ذلك الإنسان بما يراه فى مجرى الأحداث الخارجية . فالقيم الأخلاقية والجمالية هى ضرب من " الرؤية " التى توحى بها ثقافة الشخص الذى يطلق تلك القيم على المواقف، فليس الاختلاف على قيمة القيم الأخلاقية، بل الاختلاف على ماهية الموقف الذى يستحق أن تطلق عليه هذه القيمة .(27)

ومجمل القول: إن زكى نجيب محمود يرى أن مجالات: الشعر والنثر الأدبى وشتى صنوف التعبير الوجدانى على اختلافها، ومجال السحر والأساطير، كل مجال من هذه المجالات له معياره الخاص به . فللشعر الجيد معياره، ولكل جنس أدبى غير الشعر معياره وهى معايير تختلف كل الاختلاف عن معيار المنطق العقلى الذى تضبط به مناهج القول فى دنيا العلوم .

وإذا كان زكى نجيب محمود يشترط شروطا خاصة للعبارة العلمية كى تكون مقبولة على أسس منطقية تجعل لها معنى، فإنه لم يكن يريد أن يطبق تلك الشروط على قصيدة الشعر أو على قصة بناها الخيال .

 

أ.د. ابراهيم طلبه سلكها

رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة طنطا

مصر

...................

الهوامش

1- د. زكى نجيب محمود: قصة عقل، دار الشروق 1953 ص 115 .

2- د. زكى نجيب محمود: موقف من الميتافيزيقا، دار الشروق ط3 1987 ص 110 .

3- المرجع نفسه ص 141 .

4- د. زكى نجيب محمود: نحو فلسفة علمية، مكتبة الأنجلة المصرية ص ص 2 – 3 .

5- د. زكى نجيب محمود: موقف من الميتافيزيقا ص 3 .

6- المرجع نفسه، ص ص 6 – 7 .

7- د . زكى نجيب محمود: من زاوية فلسفية، دار الشروق ط3 1982 ص ص 112 – 114 .

8- المرجع نفسه: ص ص 114 – 115 .

9- الموضع نفسه .

10- د. زكى نجيب محمود: نحو فلسفة علمية ص 11 .

11- المرجع نفسه: ص ص 70 – 71 .

12- الموضع نفسه .

13- د . زكى نجيب محمود: موقف من الميتافيزيقا ص 15 .

14- المرجع نفسه: راجع المقدمة .

15- الموضع نفسه .

16- الموضع نفسه .

17- د . زكى نجيب محمود: نحو فلسفة علمية ص16 .

18- د . زكى نجيب محمود: موقف من الميتافيزيقا ص ص 16 – 17 .

19- المرجع نفسه: ص 19 .

20- المرجع نفسه: ص 36 .

21- د . زكى نجيب محمود: نحو فلسفة علمية، المقدمة .

22- المرجع نفسه: ص 7 .

23- المرجع نفسه: ص 8 .

24- المرجع نفسه: ص 10.

25- المرجع نفسه: ص 813 .

26- د . زكى نجيب محمود: موقف من الميتافيزيقا ص ص 51 – 52 .

27- المرجع نفسه: المقدمة .

 

ibrahim telbasilkhaفلسفة العلم النسويـــة تقع بين الاهتمامـــات النسوية في العلـــم والدراسات الفلسفية للعلم، وقد تطورت في العشرين عاماً الأخيرة. ظل النسويون لوقت طويل ينظرون للعلوم على أنها مصدر رئيسي لفهم الظروف التي تؤثر على حياة النساء، واستخدموا عدداً من البرامج البحثية عالية الإنتاجية، خاصــة في العلــوم الاجتماعيـــــة والحياتية، ومع ذلك، وفي الوقت ذاته، نظر النسويون للعلوم على أنها موضع مهم لتباين الجنوسة، ومصدر رئيسي لتشريع هذا التباين. وقام النسويون، من داخل العلوم وخارجها، بتحليلات نقدية مهمــة لموضوعــات جنوسية وجدوها متأصلة في قوانين العلم وممارساته ومحتواه . إن كل أنواع التدخلات النسوية في العلم – الاستنتاجي والنقدي – أدت لظهور أسئلة ابستمولوجية عن الأهداف الموضوعية، وإقامة البرهان ودور توجيه القيم السياقية (غير المعروفة غالباً) . (90)

و حيثما يكون العلم موضع اهتمام، فإنه من المحتمل أن يكون النسويون مشهورين بالتقييمات النقدية الحادة متعددة الطرق التي تنتج فيها القيم الجنسية والفروض في التكوينات التأسيسية، والممارسة، وبرامج البحث والمحتوى الخاص بالعلوم الدقيقة والأكثر منطقية . فغالباً ما تبدأ الانتقادات النسوية بالتدعيم بالوثائق لتباين الجنوسة في التدريب، والتمثل ومعارف النساء في العلوم، ونماذج التهميش التي لا تزال موجودة حالياً رغم استعداد عدد كبير من النساء للتدرب العملي، وكفاءتهن في تقديم إسهامات هائلة لكل مجالات البحث العلمي . وأوضحت Londa Chiebinger وهي مؤرخة نسوية للعلم، أن هذه الأنماط القديمة من الاستبعاد كانت بدون شك محتومة، فنخبة من النساء والبعض من الحرفيات في القرنيـــن السابع عشر والثامن عشر لعبن دوراً فعالاً في التأسيس الأولي للعلوم، ولكنهن كن مهمشات . ونادراً ما كانت تعتبر النساء مسئولات بالنسبة للأكاديميات والجامعات العلمية الكبرى عن علماء التدريب حتى الخمسين عاماً الأخيرة، أياً كانت مواهبهن أو إسهاماتهن، وبرغم ظهورهن المتزايد في برامج التخرج، فإنهن ظللن أقلية واضحة في أغلب المجالات . (91)

وعلى الجانب الآخر، فإن النسويين اهتموا بتوضيح التحريفات أو التشوهات المنهجية التي تظهر عندما تؤخذ الخلافات الجنوسية بجدية ولكن يتم تكوين فكرة عنها من خلال أراء شائعة تفرض بشدة مقولات استقطابية ثابتة عن ما هي النظم التي غالباً ما تكون معقدة لحد ما وشديدة التغير . والافتراضات من هذا النوع مستخدمة بشكل أكثر وضوحاً في التاريخ الطويل لدراسات الاختلاف الجنسي التي تم تخصيصها لتوضيح الاختلافات الجنوسية في الذكاء والقدرات المعرفية الأخرى، ولفصل أسسها الجينية أو الهرمونية أو البيوفيزيقية الأخرى . حتى إذا تم إدراك إمكانية الموضوعات الثقافية أو التاريخية بوضوح، فإن هناك مشاكل مماثلة تنشأ عندما يعرض الدراسون مقولات جنوسية ناتجة من خبرتهن بناء على الموضوعات الثقافية والتاريخية . إن الفروض الخاصة بسلبية النساء وخضوعهن، بعكس الأدوار الفعالة الشائعة عموماً للرجال، تســــود الأدبيات القديمــة، ونظريات مماثلة عن التطور البشري . ولقد كافح النسويون أنفسهن تأثير هذه الأفكار من الوقت الذي بدأوا فيه برامجهم البحثية . وظهر عدد من الانتقادات الذاتية في بداية الثمانينيات حيث عرض علماء الأجناس والمؤرخون أعمالهم القديمة، مستنتجين أنه، في إعادة تركيز الاهتمام على الأنشطة والخبرات المميزة للنساء، فإنهم يقبلون غالباً الفروض البارزة بخصوص الاختلافات في الجنوسة وطالبوا بضرورة إعادة تقييمها . (92)

و بوجه عام، يمكننا القول: إن العلم الغربي لم يأت أبداً عن ضربة واحدة أو كخامة متجانسة، إلا أنه كمؤسسة اجتماعية، أو طريقة لاكتساب المعرفة، اكتسى بعوائد وتوجهات معينة في استشرافه للأمور . وانعكس الوعي الذكوري في هذه المؤسسة، لأن الغالبية العظمى من العقول المسئولة عن تشييد العلم كانت ذكوراً .. لكن لا يعني ذلك عدم قدرة النساء على ممارسة العلم، فقد تركزت دوافع الكاتبات النسويات ومقاصدهن في:

1- تبيان أن النساء قادرات على ممارسة العلم .

2- إزاحة العقبات التي تعوق النساء عن الإسهامات في العلم .

3- تصحيح المعلومات الخاطئة عن بيولوجيا المرأة .

4- نقد قيم العلم وأهدافه . (93)

و تكشف نصوص النساء العالمات عن أنه لا شيئ في طبيعة المرأة الجسدية أو النفسية أو العقلية يمنعها من إسداء الصنع في العلم . وتبين أن نساء كثيرات، وليس فقط الاستثناءات كماري كوري، ساهمن في كل مستويات العلم، من المساعدات الفنيات إلى الباحثات المستقلات . ويمكننا الآن أن نرى عدداً مدهشاً من النساء العالمات على مدار تاريخ العلم، لم نكن نراهن فيما سبق، بدءاً من الفيلسوفة الطبيعيـــة فــــي القرن الخامس قبل الميلاد أريت القورينائية Arate of Cyrene، حتى عالمة الرياضيات في القرن الرابع هيباثيا السكندرية Hypatia of Alexandria، وصولاً إلى هيلدجارد من بنجن Hidegrad of Bingen فـــي القرن الثانــــي عشــر، وعالمة الكيمياء الفيزيائية في القرن العشرين روزالين فرانكلين Rosalind Franklin التي جرى التهوين من شأن إسهامها المحوري في بنية الشفرة الوراثية الـدنا (D.N.A) . والآن لدى الفتيات اللآتي يمتهن العلم مُثل عليا عديدة كي يهتدين بهن . (94)

 

2- فلسفة الأخلاق النسوية:

تطور علم الأخلاق، أو الفلسفة الأخلاقية، كمجال للبحث الفكري في الغرب لأكثر من ألفي عام بأدنى إسهام من النساء، فالأصوات النسائية كانت غائبة حقاً عن الأخلاق الغربية حتى هذا القرن، تماماً كما هو الحال في مجالات الفكر الغربي . ولقد عنى غياب الأصوات الأنثوية أن الاهتمامات الأخلاقية للرجال شغلت منذ القدم الأخلاق الغربية التقليدية، وشكلت وجهات النظر الأخلاقية للرجال مناهجها ومفاهيمها،و أصبح الانحياز الذكوري ضد النساء أمراً مالوفاً ولم يعترض عليه عبرها . والأخلاق النسوية تستكشف التأثير الهائــل لهـــذا النمــط من عدم التوازن على الفلسفة الأخلاقية وتسعى لتعديله .(95)

و تتضمن أي أخلاق نسوية التزاماً ذا شقين، أولهما نقد التحيز الذكوري حيثما وجد، والثاني تطوير أخلاق غير متحيزة ذكورياً . وهذا يتضمن أحياناً ترسيخ قيم (مثلاً قيم الرعاية، والثقة المناسبة، والقرابة والصداقة) مفقودة أو مهملة غالباً ضمن التيار الرئيسي للأخلاق .و يتضمن أحياناً الانخراط في بناء نظرية من خلال ارتياد توجهات جديدة أو تنقيح نظريات قديمة بأساليب حساسة جنسانيـــاً . والذي يجعل انتقادات لنظريات قديمـــة أو طــــرح مفاهيم جدية تتصف بـ " النسوية " هو أنها تنبثق عن تحليلات جنسية – جنسانية وتعكس كل ما تكشفه هذه التحليلات بخصوص التجربــة الجنسانية والواقع الجنساني الاجتماعي . (96)

وترى "كارين .ج . وارين " Karen . J . Warren أن " الأخلاق النسوية "تتصف بعدة خصائص منها:

أولاً: إلغاء التمييزات الجنسية والعنصرية والطبقية أو أي " نزعة تمييزية " أخرى من نزعات الهيمنة الاجتماعية .

ثانياً: الأخلاق النسوية سياقية . والأخلاق السياقية هي تلك التي ترى الخطاب والممارسة الأخلاقيين ناجمين عن أصوات الناس الموجودين في ظروف تاريخية مختلفة . وعندما تكون الأخلاق السياقية نسوية تولى مكانة محورية لأصوات النساء .

ثالثاً: بما أن الأخلاق النسوية تولي أهمية محورية لتنوع أصوات النساء، فينبغي عليها أن تكون تعددية بنيوياً وليس واحدية أو اختزالية . إنها ترفض الافتراض المسبق لوجود " صوت واحد " يمكن بواسطته تعيين القيم الأخلاقيــــة والاعتقــادات والمواقف والسلوك .

رابعاً: الأخــلاق النسوية سياقية وتعددية بنيوياً، " وقيد التشكل " وهي تتغير عبر الزمن .

خامساً: تنوع أصوات النساء مشروع في بناء النظرية الأخلاقية .

سادساً: لا تقــوم الأخــــلاق النسوية بــأي محاولة لتقديم وجهة نظر " موضوعية " ذلك لأنها تفترض أن في الثقافة المعاصرة ليس ثمة في الواقع مثل وجهة النظر هذه .وكذلك هى تدعى" عدم التحيز " بمعنى " الموضوعية "

أو " الحياد القيمي " لكنها تفترض أنها مهما احتوت من تحيز لكونها أخلاق تمركز أصوات أشخاص مضطهدين فهو تحيز أفضل من تلك التي تستبعد تلك الأصوات .

سابعاً: توفر الأخلاق النسوية مكانة محورية لقيم كانت نمطياً غير ملحوظة، أو مهملة أو محرفة في الأخلاق التقليدية، مثل ذلك قيم الرعاية والحب والصداقة والثقة الملائمة .

ثامناً: تتضمن الأخلاق النسوية إعادة فهم ماهية البشر والهدف الذي من أجله ينخرطون في اتخاذ القرار الأخلاقي . (97)

وعليه، فإن الأخلاق النسوية تنتقد التحيز الذكوري حيثما وجد في الأخلاق .. وهي، مثل المجالات الأخرى للفكر النسوي، مرسخة في الالتزام بإنهاء الظلم، والتبعية، وإساءة المعاملة والاستغلال للنساء أياً كانت النتائج . ففي نهاية الستينيات، عندما بدأت الأخلاق النسوية، فإنها تكونت أساساً من تطبيق مصادر الفلسفة الأخلاقية التقليدية على نظام المسائل الأخلاقية التي أعلنت بواسطة الحركات النسائية ثم الناشئة في كثير من المجتمعات الغربية . وهذه المسائل، مثــل التمييز الاقتصادي ضد النســاء، الأدوار الجنسيـــــة التقييدية (الحصرية)، العنف الأسري، الاغتصاب، الزواج غير المتكافئ ونماذج الأمومة المضحية بالذات كانوا ذوي إهمية خاصة بالنسبة للنســـاء، وأهملت بشكل كبير بواسطة الأخلاق الفلسفية التقليدية . وهكذا، فقد سعت الأخلاق النسوية، منذ البداية لتحويل الاهتمام الفلسفـــي للمواضيع التي تجاهلها الفلاسفة سابقاً، على الأغلب الذكور . (98)

واكتشفت " كارول جيليان " في دراستها لارتقاء المرأة الخلقي، أن النساء مجبولات على فحوى الاتصال . وفي مقابل تأكيد الرجل على الانفعالية والاستقلال الذاتي، تميل المرأة إلى تحديد ذاتها في سياق العلاقات . وبينما يميل الرجال إلى الإقصاء لأنهم يرفعون من قيمة الانفصال والاستقلال الذاتي، تميل النساء إلى الاحتواء لأنهن يرفعن من قيمة الاتصال والألفة . وبينما يعمل الرجال على حل الصراع عن طريق استحضار تراتب منطقي من المبادئ المجردة، تعمل النساء على حل الصراع من خلال محاولة تفهمه في سياق منظور كل شخص واحتياجاته وأهدافه ؛ إنها المسئولية المتجهة نحو الفضيلة، حيث تحاول النساء جلب أفضل ما يمكن لكل فرد من أصحاب الشأن، وإذ يفعلن هذا، ينصتن بروية، وغالباً يعلق الحكم الخـــاص بهن لكي يتفهمن الآخرين في حدودهــن، تعهداتهن وأفعالهن محكومة بإيناسهن بالعالم ومن فيه .الاستجابة الخلقية، بالنسبة لهن، هي الاستجابة الحانية الراعية . (99)

وقد ساهمت نساء كثيرات عبر القرون في اكتشاف طرق جديدة لفهم حيواتنا وفهم عالمنا عبر القيم المختلفة ... فمثلاً، إيزارا Aseara قدمت نظرية في القانون الطبيعي أوضحت خلالها أنه بإمكاننا اكتشاف الأسس الفلسفية الطبيعية للقانون البشري كله، بما في ذلك التكوين الفني للقانـــون الأخلاقـــي والقانــــون الوضعي .. واهتمت نظريتها في القانون الطبيعي بثلاثة تطبيقات للقانون الأخلاقي وهي: الأخلاق الفردية أو الخاصة، الأساس الأخلاقي للمؤسسات العائلية والأساس الأخلاقي للمؤسسات الاجتماعية . (100)

وقررت ثيانو الثانية أنه طالما يعجز الأطفال الصغار عن فهم كيفية تطبيق مبدأ التناغم، فيجب توجيههم وقيادتهم . ورأت أن هذا التوجيه يقع بالدرجة الأولى على عاتق الأم وذلك لأن فضيلة المرأة الخاصة تتمثل في قدرتها على خلق العدالة والتناغم في البيت .. كما تلزم فضيلة النساء الخاصة الزوجات بأن يتصرفن بنوع من العدالة مع أزواجهن حتى عندما يعاملن هؤلاء الأزواج معاملة غير عادلة ..فإعادة النظام والتناغم من جديد تتحقق بالتصرفات النبيلة العادلة وبهذا تستطيع المرأة أن تكسب ود زوجها وتثبت له تميزها الأخلاقي فتصبح قدوته . (101)

أما جوليا فيلتن فافري (1834 – 1896)، فيلسوفة أخلاق، وعالمة تربية فرنسية، أهتمت بدراسة تاريـــخ الفلسفة الخلقية .. وكثيراً من آرائها الليبرالية تركز على التربية الخلقية وعلم النفس الخلقي .. وقد اعترفت بأن الأدوار الاجتماعية للنســـاء كزوجات، وأمهات، ومعلمات منحتهن القدرة على إسعاد الآخرين أو جعل حياتهم أكثر قيمة، وإضفاء السمة الأخلاقية على المجتمع .. فالتربية الخلقية تلعب دوراً مركزياً في تطوير المجتمعات ؛ ومن ثم يجب على الناس التمسك بالمثل الأخلاقية، والحرص على حياة الفضيلة . (102)

كما أن " حنة أرندت " Hannah Arendt (1906 – 1975 )، حاولت العيش في حياة فكرية سامية من كل السلوكيات المنحرفة . فاختارت أن تجرب على الأقــل، " أن تفهــــــــــــم "، والحصول على أساس للأخلاق ملائم لفعل التفكير ذاته . والعيش في وضع تكون فيه الحياة الفكرية مؤهلة لنا لأن نعالج القضايا من دون السماح لنا بالتنازل عن الحرية ؛ فنحن عندما نمارس حرية التفكير، والعمل، واتخاذ القرارات بشكل جيد نظل أصدقاء مع أنفسنا ( نتصالح مع انفسنا )، ومع الآخرين الذين نفكر معهم من أجل الحقيقة، في العالم الذي نتقاسمه معهم . وتؤكد أن الحياة الفكريــة يجب أن تشكل في حد ذاتها سبباً للحرص على الحياة العملية . (103)

 

ا.د. ابراهيم طلبه سلكها

رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة طنطا

مصر

...............

الهوامش

(90) Simon swift: op- cit , p-3 .

(91) Maurizio passerin d'Entreves: op- cit , p- 75 .

(92) ليو شتراوس: تاريخ الفلسفة السياسية، من ثيوكيديديس حتى اسبينوزا، ترجمة   د. محمود سيد أحمد، مراجعة وتقديم د/ إمام عبد الفتاح إمام، المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومى للترجمة، 2005 ص 29 .

(93) Maurizio passerin d'Entreves: op-cit, p-76 .

(94) Dana R. villa , politics , philosophy, terror, p- 128 .

(95) Maurizio passerin d'Entreves: op-cit , pp- 76-77 .

(96) Hannah Arendt: The Human condition , pp- 198-199 .

(97) Anthony F. lany, Jr. John Williams: op-cit, pp- 182-183 .

(98) Ibid, pp- 204-205 .

(99) Margaret Betz Hull: op – cit , p- 60 .

(100) Maurizio passerin d'Entreves: op-cit , p-77 .

(101) Ibid, p- 78 .

(102) Hannah Arendt: On Violence, pp- 44-46 .

راجع أيضاً: الترجمة العربية لهذا الكتاب ص ص 39 – 40 .

(103) Ibid, pp- 40-42 .

 

1mohamad bakoh – بؤس الفلسفة: المرض يتفلسف، مُوقعا نفسه كصوت صارخ لفيلسوف عدو للحياة .

الفلسفة هنا أداة للدعوة إلى الفضيلة والتحلي بالأخلاق، بحثا عن السعادة، والمثل العليا، في الزمن المفارِق، وليس هنا والآن، في الزمن المحايِث، بتعبير دولوز . فلا شك إذن، أن نيتشه عندما وجّه مطرقته النقدية الهدامة للفلسفة الأخلاقية، كان يعني بالدرجة الأولى، المؤسس الأصلي لهذه الفلسفة، شيخ الفلاسفة سقراط، وأفلاطون، في العهد الإغريقي المتأخر، بالإضافة إلى "عامل الفلسفة" كانط الذي عمّق جرح الفلسفة، باعتبارها نظر فكري تأملي، مع الحياة وليس ضدها . لهذا، كان نيتشه يعتبر نفسه دائما الصوت الفلسفي الصحي المضاد للتفلسفين : السقراطي والكانطي التابعين والمريضين، اللذين انحرفا جذريا بالوظيفة النقدية الطبيعية التأملية، والعملية الحقيقية للفلسفة، ليلقى بهذه الأخيرة الأنيقة والواضحة، إلى غياهب بيداء غموض الفلسفة الميتافيزيقية البئيسة، والمريضة والمعقدة، التي غيّبت التفلسف الفعلي، بل وأدته إلى ما لا نهاية، فوجدت الفلسفة نفسها، مع الفلاسفة اللاحقين في العصور الفلسفية الموالية، وعلى رأسهم هيغل، متورطة داخل متاهة غريبة لا حدود لها، جعلت جدل ماركس، وفريقه الفلسفي يعلن، في لحظة من لحظات حياته الفلسفية، موت الفلسفة، نتيجة تحوّل وظيفتها إلى أداة أيديولوجية، في أيدي جهات أخرى، أساءت إلى الفلسفة، بقدر ما أساءت إلى جوهر فعل التفلسف، وإلى حياة وجود الإنسان، ككائن طبيعي وثقافي بصفة عامة .. !!

من هنا، تساءل نيتشه حول الأسباب، التي دفعت الفيلسوف الأخلاقي، يختار الموقع الفكري والفلسفي الضعيف، لمّا اتخذ الفلسفة كأداة، وليس كهدف، لتأسيس تصوره الفلسفي التراجيدي للحياة . يعني الفيلسوف هنا يكون مع ما وراء الحياة الدنيا، ضدّ هذه الحياة الأرضية . يقول نيتشه : " ألا تتحول فلسفتنا هكذا إلى مأساة ؟ ألا تصير الحقيقة عدوة للحياة، للأفضل ؟ يبدو أن سؤالا ما يلح على لساننا، لكنه مع ذلك لا يريد أن يطرح نفسه : هل يمكن أن يستمر في الكذب ونحن نعلم ؟ ولو تطلب الأمر ذلك قطعا، ألا يكون الموت أفضل .. ؟ " 1 . إنها الأخلاق الفاضلة سبيلا لتحدي الموت، بدل سبيل التفلسف الوجودي، الذي اعتبر عند الفيلسوف الأخلاقي، خاصة أفلاطون، مجرد هرطقة وثرثرة لا نفع من ورائها.

 

2 – الفيلسوف النظري وغياب الحسّ التاريخي والواقعي لديه:

هو ذا صوت المرض يتفلسف، لنقل بداية المرض يتفلسف، حين يعرف الفيلسوف، وليس يعلم، عمق الحقيقة الفلسفية للحياة في الواقع، ويعجز عن البوح بها، كلما أحسّ بهمومها، وأدرك بهجتها دون القدرة على عيشها، أو لمسها بعقله الناظر الباحث والمتأمل، ليجد نفسه ضرورة في واقع الألم الممزوج بمتعة التفكير الفلسفي . غير أنه، ليس من الهيّن أن يبوح هذا الفيلسوف "المتألم"، واقعا، حسب نيتشه، بالحقيقة الفلسفية الأصلية، والخالصة في قوتها القديمة، كما مارسها فلاسفة الإغريق الطبيعيين مثلا، في الفترة ما قبل السقراطية، إن لم يتسلّح قدر المستطاع، بما يكفي من الحسّ التاريخي العملي، وبالنظر الفلسفي النقدي "المتأمل"، افتراضا، بعيدا عن منطق الانحباس المنفعل، داخل شرنقة أسئلة الذات الأخلاقية، والخوف الغريزي من حتمية النهاية الطبيعية . وبالتالي، تم اعتبار الحياة هنا، على هذه الأرض، وضعا "مشبوها" ومذنبا، يحتاج إلى تعليله، بتبرئته . يقول نيتشه في هذا الصدد : " ستسألونني عن كل ما يتعلق لدى الفلاسفة بالمزاح؟ إنه، مثلا، غياب الحس التاريخي لديهم، حقدهم على فكرة الصيرورة نفسها " 2 . أليس مفهوم الصيرورة، كمفهوم فلسفي، هو الواقع الحقيقي الذي فجّر ينبوع إلهام حكمة عمالقة الفلاسفة اليونانيين، كطاليس، وانكسمدريس، وهيرقليطس، وبارمنيدس .. إلخ، وأكسبهم، فعليا وضرورة، القوة العقلية، والقدرة النفسية والبدنية على مواجهة الاكراهات الطبيعية والبشرية، لمّا اكتشفوا يقينا هذا المبدأ الفلسفي، في واقع تجليات الحياة من حولهم؟؟

في المقابل، قذف نفس الاكتشاف ( مفهوم الصيرورة ) بالفلاسفة الأخلاقيين الفضلاء، إلى هوة الميتافيزيقا التي لا عمق لها .. ؟

 

3 – الفيلسوف العدمي: البحث في الأسئلة المعلقة في سقيفة الماورائية البعيدة عن الحياة:

كل من يرى أو يعتقد أنه لا جدوى من هذه الحياة، فهو إنسان عدمي . نعني الحياة على هذه الأرض . نستحضر هنا فلسفة شوبنهاور، التي كانت موضوع النقد اللاذع والساخر للنص الفلسفي النيتشوي، باعتبارها فلسفة عبثية وعدمية إلى أقصى حد . لأنها فلسفة اختارت لنفسها موقعا، فرض عليها أن تكون ضد الحياة، وعدوة للإنسانية . وهو نفس التوجه الفلسفي الذي سار عليه الموسيقار فاغنر، والشاعر غوثه . لهذا، كان لهما نصيبهم الوفير من هجوم ضربات نيتشه بمطرقته الفلسفية .

بالإضافة إلى أن أهم الوجهات الأخرى التي نالت حظها الأكبر، من ضربات مطرقة نيتشه النقدية والهدامة، هي الوجهة الدينية المسيحية، باعتبارها، من منظور نيتشه دائما، تفكير عدمي متخلف ومتشدد، لأنه يضمر كل العداء، والكره، والحقد الشديد، للحياة البشرية الأرضية . وبالتالي، ولهذا السبب، نظر إليها فيلسوفنا، في جميع كتاباته الفلسفية، وبجرأته المعهودة المميزة، كما لو كانت الوريث الشرعي للفلسفة النظرية، والعدمية الميتافيزيقية السقراطية المريضة . من هنا اعتبر نيتشه الفلسفة في عصره الحديث فلسفة مريضة، تحتاج إلى اللمسات الإشفائية للفيلسوف الطبيب الذي يجب أن يحمل، ليس جهاز التنصت والكشف التقليدي حول عنقه، بل مطرقة صلبة بين يديه القويتين، من قبيل مطرقة نيتشه نفسه. وهنا لا بد أن نؤكد على اعتبار النظر إلى فعل التفلسف، باعتباره علاج وشفاء للمجتمع الحديث، الذي هو حسب نيتشه مجتمع غارق في أمراضه وأعطابه وأوهامه، وليس لأي مجتمع كيفما كان، بالمطلق3 . لأن المجتمع الإغريقي وكذا الروماني، في الفترة ما قبل السقراطية، كان مجتمعا قويا وكله حيوية، ولم يكن في حاجة إلى الفيلسوف الطبيب، الذي لا جدوى من وجوده آنذاك، بقدر ما كان هذا المجتمع في حاجة ماسة إلى الفيلسوف الجينيالوجي والثائر الجريء المتأمل . وبالتالي، فنيتشه هنا، عندما مارس فعل التفلسف، مركزا على وظيفتها الطبية والعلاجية، والعلاج هنا يبدأ بهدم وتقويض أصنام الإرث الفكري السائد، والعقدي التقليدي المتخلف بطغيانه، إنما مارسه بالمعنى الفلسفي العميق، المرتبط بالدولة الحديثة، والإنسان الحديث في المجتمع الحديث الفاسد، أينما وجد ..، هذا المجتمع العليل والمحشو بكل أصناف التناقضات، كانت أوجهها البارزة الآلة والمال والاعلام، على حساب تبخيس أهل الفكر والنخبة المثقفة . لهذا كان نيتشه ينظر دوما إلى هذا المجتمع الحداثي الفاسد، ليس كمجتمع متقدم وقوي، كما يشاع ويطبل له، بل، على العكس، ينظر إليه باعتباره مجتمع مريض ومنحط، بل بكونه نتاج الدولة الفاسدة والمستبدة، التي هي " عنف منظم " 4، و "حيوان خبيث "5، يجب على الفيلسوف تجنبه، كلما استطاع إلى ذلك سبيلا .

لكن، يبقى السؤال المطروح: لماذا ظهور هذه الفلسفة العدمية المنفعلة ..؟ ولماذا .. هذا الأفول السريع والمفاجئ للفلسفة الفاعلة والقوية، بصفتها فلسفة للتأمل الطبيعي في الوجود، وليست مرضا بشريا يتفلسف ؟ ومن يكون الفيلسوف العدمي في أصله ؟

يجيبنا نيتشه، موجزا هذا الأمر المفارق، بقوله، أنه هو الفيلسوف الموزّع بين زوايا بوصلة الوهم، والذي ضحى بالفلسفة والمعرفة الفلسفية، من أجل تحصيل الحياة الأخرى، أو أية فكرة لها علاقة بعدم هذه الحياة، التي يعيشها الإنسان كل يوم هنا والآن . إنه الفيلسوف النظري والعدمي المريض بالتفكير الاستغراقي " في التأمل، بصفته فيلسوفا ومتوحدا بالفطرة، فقد وجد مصلحته في الحياة بعيدا، على الهامش، وجدها في الصبر، وفي التأجيل، والتأخير، مثل مفكر جسور وجريء غالبا ما تراه في متاهات العقل، مثل طائر نبوئي ينظر إلى الوراء حين يحكي عن المستقبل، أول عدمي كامل في أوربا، ولكنه قد تجاوز العدمية "6 .

 

4 – الفيلسوف الثائر: التأسيس الفعلي لفلسفة المستقبل، فلسفة الحياة وإرادة القوة

لا مناص من تحقيق التفلسف الحقيقي، إلا بتجاوز الفلسفة التقليدية، بصفتها السقراطية، والكانطية، والهيغلية .. إلخ، أي باعتبارها فلسفة أخلاقية سلبية، حاكم بها الفيلسوف النظري " المتألم " حياة الانسان على هذه الأرض، بحثا عن متعة حياة موهومة : هي حياة السعادة في الزمن المطلق، بعيدا عن فعل الأحاسيس الطبيعية، والنظر التأملي في حياة واقع التاريخ، وبالتالي، فلا يمكن مواجهة هذا الفيلسوف النظري المنحط والمريض، الذي اغتال الفلسفة والتفلسف الفعليين، بتعمقه اللامحدود، والمتورّط في أسئلته الخاطئة المفارِقة، إلا " بالسخرية والازدراء، تلك الأهواء التي تنمو في اتجاه المستقبل، وفي اتجاه سعادة أخروية "7 .

من هنا، فنيتشه، وبعد استنفاذه التام لكل السبل التفكيرية والبحثية والحوارية، ضدّ أسس وأصول تلك الفلسفة المعادية للتفلسف الحي والانسان والحياة ذاتها، بتعريتها والكشف عن مستورها المتعفن، توصّل إلى حقيقة فلسفية راهن عليها، مفادها أو لنقل " ستكون خاتمتها النظرية هي فلسفة الهدم " 8 .

غير أننا، آخرا وليس أخيرا، نجد أنفسنا مجبرين لطرح السؤال المقلق، الذي سبق أن طرحه نيتشه نفسه، على غريمه المضاد : شيخ الفلاسفة سقراط، لكن نطرحه هنا بطريقة مقلوبة : إذا كان كل من سقراط، وكانط، وحتى هيغل وشوبنهاور، مثلا .. قد سقطوا جميعهم في فخ التفكير الفلسفي الميتافيزيقي، لانشغالهم الكلي والأساسي، بموضوع الفلسفة (الإنسان)، أكثر من انشغالهم بالفلسفة ذاتها، كمفاهيم فلسفية تخترق جسم كلية الحياة، بتعبير دولوز..، فهل نجح فيلسوف المستقبل وإرادة القوة، في الابتعاد من جانبه عن فخ الميتافيزيقا، كما أراد لمشروعه الفلسفي أن يكون، ونهجه في كتاباته الفلسفية الأولى ؟ طبعا، الجواب عن هذا السؤال لا بد أن يكون بالنفي . لأن نيتشه، بالفعل نجح في تقويض أسس الفلسفة الميتافيزيقا، التي يبقى روحها مشتركا بين جميع الفلاسفة الفضلاء والأخلاقيين، إلا أنه، بإبداعاته الفلسفية الكبرى الأخيرة، من خلال مفاهيم فلسفية خالدة، من قبيل : العود الأبدي، والإنسان الأعلى .. وهي المفاهيم التي دشّن بها تصوره الفكري الجديد لفلسفة المستقبل، يكون قد سقط بدوره، ربما دور أن يدري، في فخ جحيم الميتافيزيقا، الذي لا مفر منه، باعتبار الصوت الفكري والفلسفي العميق لزارادشت، الموجّه أساسا لعوالم طبيعية وبشرية مفارِقة، بحث من خلاله نيتشه عن ماهية جديدة للإنسان الحديث (المعاصر لنيتشه)، في علاقته الوجودية والفلسفية والعملية، بكل تجليات ومظاهر الحياة، بمعناها الظاهر والمتواري؟؟

 

.......................

1 – نيتشه، إنسان مفرط في إنسانيته، ص 37

2 – نيتشه، أفول الأصنام، ص 23

3 – لحسن تفروت، نيتشه: الفيلسوف طبيب المجتمع، الحوار المتمدن، عدد 4715، 2015

4 – محمد الشيخ، نقد الحداثة في فكر نيتشه، ص 39

5 – محمد الشيخ، نفسه، ص 40

6 - نيتشه، إرادة القوة، ص 7 – 8

7 – نيتشه، إنسان مفرط في إنسانيته، ص 37

8 – نيتشه، نفسه، ص 37

zouhair khouildi"أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالحَا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ"

القرآن الكريم، سورة سبأ،الآية 11.

لو طبقنا الآن المقاربة الفلسفية السردية على الاسلام بشكل عام وعلى القرآن بشكل خاص وجعلنا من التقاطع بين الحدث والسرد نبراسا هاديا لفهم الدائرة الروحية للمعتقد الديني فإننا نطرح الاشكال الهرمينوطيقي المستعصي التالي: هل القرآن هو مجرد سرد لوقائع كونية وأحداث تاريخية أم هو أحسن القصص والبيان الاعجازي؟

والحق أن لقاء الحدث بالسرد على أرضية اللسان العربي وضمن مسطح المحايثة الذي تحركت فوقه فلسفة القرآن أفقيا رسم خطوط التقاطع بين الواقع والقصص دفعا لمعنى اليافع وصغير السن وقليل التجربة التي تفيض بها العبارة العربية ومطالبة بالتخلي عن أساطير الأولين واعتماد الحكمة والمجادلة بالتي هي أحسن. علاوة على أن الوحي حدث ليس من جهة قوة الدليل وثبات الحجة ومتانة البرهان وصدق الرسالة والكلام اليقين وفصل الخطاب والإحكام في التنزيل بل من جهة ضرب الأمثال الى الناس وأحسن القصص ومطابقته مع الواقع1[1]. على هذا المنظور إن الحدث هو الواقع في القرآن وليس المثال ولقد ورد في اثنين وعشرين مرة وأفاد ثمانية معان تتراوح بين الحسي والمعنوي وبين الفعل والانفعال وبين المطابقة والتصديق وبين الاعتقاد والإقرار وبين التمنى والمتحقق وهي كالآتي : -" ان الدين لواقع"، "مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم"، "وظنوا أنه واقع بهم"، " انما توعدون لواقع"، "ان عذاب ربك لواقع"، "سأل سائل بعذاب واقع".

- المعنى الأول ورد في الصيغة الفعلية ويشير الى وقوع الحدث، "فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون".

- المعنى الثاني يفيد امتداد الزمان ويتوزع الى مقام الدنيا ومآل الآخرة ويشير الى الذي وقع في الماضي وماهو بصدد الوقوع في الحاضر والى ما قد يقع في المستقبل، " اذا وقعت الواقعة . ليس لوقعتها كاذبة".

- المعنى الثالث هو الجزاء بالكسب ثوابا أو عقابا، "ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم".

- المعنى الرابع هو وقوع الوعد والوفاء بالوعيد صدقا بلا تكذيب، " انما توعدون لواقع".

- المعنى الخامس يدل على مواقع في الطبيعة والكون ووقوع أفعال البشر في العالم، "فلا أقسم بمواقع النجوم وانه قسم لو تعلمون عظيم".

- المعنى السادس يشير الى الاحترام والتقديس والطاعة والتوافق مع نظام الكون، " فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين".

لكن كيف يمثل القرآن هدى للناس ورحمة للعالمين اذا كان تنزيلا من عند الله في كتاب مبين يعلمه المتقين؟ أليس القرآن كريم و حكيم وجيد وعظيم ومعجز وحق وفيه شفاء ومنافع للناس ومحفوظ؟

لقد جاء في الذكر الحكيم:" ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل"، "على أن يأتوا بمثل هذا القرآن". والمقصود هو الاعتقاد من أجل والفهم من أجل الاعتقاد وإلمام القرآن بالحقيقة الكونية وسلامته من التحريف وحيلة التاريخ ومكره وعدم فقدانه لحوافه الدلالية ومحافظته على طاقته الاعجازية.

غاية المراد أن القرآن ليس مجرد كتاب يقرأ تنفيذا لللأمر القطعي الالهي للكائن الآدمي: إقرأ مثلما تقرأ الكتب المقدسة في الأناشيد الدينية ولا يمثل كتاب في السرد التاريخي للأحداث الماضية الخاصة بالأمم الغابرة بالمعنى الحصري للكلمة بل هو أحسن القصص ولقد ورد لفظ القصص في ستة وعشرين مرة[2]2.

تبعا لذلك ينتقل القرآن بالذوق من المعرفة الى الوجود ومن العلم الى العرفان ومن السرد الى القصص ومن الفهم والتأويل الى الالتزام والتطبيق ومن الحياة الروحية الى الوجود العملي وبهذا الشكل يمكن استخلاص ثمانية معان وجودية ومعرفية وايتيقية وجمالية وتعقلية للقص هي كالآتي:

- الاخبار عن التجارب الماضية من أجل تربية الوعي التاريخي، " ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل"

- ذكر أنباء وقعت في الماضي وتوقع أنباء أخرى في المستقبل، " تلك القرى نقص عليك من أنبائها"،

- الاتيان بالحجج والبينات والقرائن والبراهين على الصدق، " ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي"

- أخذ العبر واستخلاص الدروس والتعلم من التجارب، " فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف"، " لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب".

- اكتساب الثقة والأهلية في العلم وقول الصدق، " وكلا نقص عليك من انباء الرسل ما نثبت به فؤادك".

- تحصيل الجمال والاعتدال والانسجام والتوسط دون مبالغة او تضخيم، " نحن نقص عليك أحس القصص"، " قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا".

- التأويل والحدس والافتراض والتشكيل والتعبير، " قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك".

- تشرع الاختلاف والقبول بالتعددية في الرأي ويسمح بالانفتاح على الغيرية، "ان هذا القرآن يقص على بني اسرائيل أكثر الذين هم فيه يختلفون"

- متابعة الواقع ورصد الأحداث والتقاطها واستيعابها وتحقيق اليقظة والبصيرة والوعي بالمتغيرات التي تطرأ على العالم، "وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون"، " فلنقصص عليهم بعلم وما كنا غائبين".

- مشاهدة الحق ومعرفة لحقيقة والحضور في الذات ومطابقة الواقع وتحصيل العلم بالكائن، " نحن نقص عليك نبأهم بالحق"، " ان هذا لهو القصص الحق وما من اله الا الله"، "فلنقصن عليهم بعلم وماكنا غائبين"

- ممارسة التفكر وتحصيل الدراية بمجاري الأمور والتعقل عند الاختيار، " فاقصص القصص لعلهم يتفكرون".

لقد استفاد علماء القرآن من العارفين ولشعراء والفقهاء وعلماء اللغة والحماء من التحدي الالهي ومن الاعجازي القرآني البياني وحولوا التحدي الى طريق للابداع تنفيذا للآية الكريمة: "ائت بقرآن غير هذا أو بدله".لكن في نهاية المطاف متى يتوقف الناس عن اسقاط هموم الدنيا على آمال الآخرة والتكذيب بما جاء في الفرقان؟ " أعلينا جمعه وقرآنه"؟، وبالتحديد" أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها"؟

 

المصادر:

المصحف الشريف

د حسن حنفي، الوحي والواقع، تحليل المضمون، مركز الناقد الثقافي، دمشق، طبعة أولى 2010،

 

كاتب فلسفي

..............

[1] د حسن حنفي، الوحي والواقع، تحليل المضمون، مركز الناقد الثقافي، دمشق، طبعة أولى 2010، ص23-24.

[2] د حسن حنفي، الوحي والواقع، تحليل المضمون، مرجع مذكور، صص209-211.

zouhair khouildi"الحدث يفقد طبيعته الانفجارية ويفعل فعله بوصفه بالأحرى عرضا أو بَيِّنة"[1]

يشير الحدث événement في اللغة العادية الى الأمر الذي يقطع نسيج وتلاحم الحياة اليومية ويسترعي الانتباه. ومن المعروف أن المؤرخين والصحفيين يستعملون المصطلح بهذا المعنى ويدعون بأن مقابلة معينة قد تثير الضجيج حولها وتلفت الأنظار وتهز الرأي العام لكونها خرقت النسق المعتاد للأخبار ولكن في الحقيقة لا يمكن أن تعتبرحدثا حقيقيا وتاما بما أنها فارغة من كل قيمة وخالية من كل معنى وبالتالي هي لاحدث أو حدث مضاد.

على هذا النحو تدعي العلوم التاريخية ضمن جدول زمني أنها مطالبة بمسك الحدث وتوليه عناية لازمة وتعطيه القيمة التي يستحقها وتنزله ضمن احداثية خاصة بنسق اجتماعي معين. على خلاف ذلك تأتي الفلسفة لتطبق مصطلح الحدث على كل ما يأتي ويحدث وتبرر ذلك بأن كل ما يصير يمتلك أهمية معينة بالنسبة الى مجرى الأشياء ومسار الأفكار وصيرورة التاريخ. ان الصيرورة قد تكون مشوهة وقد تسقط في التكرار وتفقد القيمة وتبعث على الملل اذا لم تشهد بروز أحداث جديدة وقدوم أشياء مختلفة ووقوع ظواهر غريبة وغير معهودة وظهور فاعلين غير معروفين على مسرح السياسة والمجتمع والتاريخ. من جهة أخرى يدرك الحدث في الفيزياء على أنه نقطة في الزمكان أي الذي يتم انتاجه هناك وفي لحظة ما ضمن البعد الرابع حيث يلتقي الزمان والمكان في نقطة معينة من التكثف.

لقد جعل وايتهايد من مصطلح الحدث ركيزة أساسية في فلسفة الطبيعة ولقد ربط في كتابه مفهوم الطبيعة الذي نشره سنة 1919 الحدث بالتجربة واعتبره العنصر المتعين والأولي في الطبيعة، وكذلك نظر اليه على أنه العامل الموحد الذي يمسك ما يمر من الطبيعة، وبالتالي تعامل مع الأحداث باعتبارها قطع طبيعية حية، ولكنه بعد ذلك طور هذا المفهوم في مغامرات الأفكار وأدرجه ضمن شامة المقولة والمناسبة الراهنة وعده أحد العناصر التامة والأساسية التي تتعارض مع المواضيع الأبدية وتسهم في بناء الوحدة العلائقية للفهم المشترك والنظرة الموضوعة المشتركة. بناء على ذلك يعرف الحدث بالمعنى الفيزيائي على أنه مجموعة من المناسبات الراهنة والتي تتصل فيما بينها بطريقة محددة ضمن كم ممتد [2].

علاوة ذلك يمكن أن يمثل حدث معين قيمة ثانوية بالمقارنة مع مجموع الأحداث وضن اطار النسيج الثقافي ، ولكنه يحمل معه الجديد ويقدم الاضافة وغالبا ما تكون طرافته مخفية وأصالته غير قابلة للإدراك منذ الوهلة الأولى بل تتطلب التركيز والوعي. بهذا المعنى يتميز الحدث عن الظاهرة العلمية التي تقبل التكرار اذا ما كانت خاضعة من حيث المبدأ الى المنهج التجريبي، وبالتالي تهتم الفلسفة المعاصرة بالحدث بنفس الكيفية والمقدار والأهمية التي تتناولها مسألة المتعين والملموس والمعيش. كما يسعى الفكر الى تأسيس مصطلحاته المجردة على قاعة ملموسة وأرضية متعينة ويتعامل مع الصيرورة على أنها سلاسل من الأحداث المتقاطعة التي تظهر بشكل متواتر في الزمان وتساهم في تنظيمه وتجعل امكانية قياسه أمرا متاحا للإنسان. لقد بينت الفنومينولوجيا أن الزمن يمكن ادراكه من خلال التجربة الواعية وتعاقب الأحداث الحاضرة وتزامنها وحضورها بالنسبة الى الملاحظ في نفس الوقت ونفس المكان بالنسبة الى الوعي الادراكي للذات وضمن تجربة مشتركة مع الآخر.

لقد خضع مفهوم الحدث في الفكر المعاصر الى مقاربات متنوعة وتم تناوله من قبل الفلسفة والعلم والمنطق والتاريخ والاقتصاد ولقد وصل الأمر الى حد التعارض والتنافر في المناهج والتصورات وفي النتائج والأهداف. وتبعا لذلك يمكن تمييز ثلاثة أنماط من التفكير في الحدث:

1- سوسيولوجيا الحدث وخاصة مع كيوروQuéré وفيليب زارافيانZarifian اللذان تحركا ضمن اطار فلسفات الحدث عند جيل دولوز وألان باديو وحاولا اخضاعها الى سلطة الفعلaction وماوراء الفعلTransaction وبالخصوص داخل المجتمع والتاريخ وقاما بإدماج الحدث بالوضعية والوضع.

2- فنومينولوجيا الحدث وخاصة عند عمونيال ليفيناس وجان لوك ماريون وكان الحدث عندهما يعنيان اقتحام وهجمة وغزو من المتعالي أو نداء ودعوة تأتي من المجال المفارق وتطالب الذاتية بالإصغاء اليها وتلبيتها والاستجابة وذلك بالنظر الى كونها مسؤولة عن الغير حسب ليفيناس أو مستسلمة ومعتكفة ولا تتأسس إلا بواسطة تفاعلها من النداء وتلبيته الدعوة عند ماريون.

3- طوبوغرافيا الحدث أو موضعية الحدث ضمن إطار جغرافي وذلك حينما قام دولوز بتنزيل الحدث في المفرد أو في الجمع في حضن الأنساق والترتيبات والتنظيمات وعلى طول خطوط الهرب والافلات من قبضة الأنساق وضمن مسارات المحايثة الطويلة التي تغمر كل تموضع وتفيض على كل ذاتية.

من جهة ثانية يجمع ألان باديو بين هذه الأنماط التفكيرية الثلاثة السوسيولوجيا والفنومينولوجيا والطوبوغرافيا من أجل ايجاد تناول فلسفي متعدد الأبعاد حول الحدث وينظر اليه في ذات الوقت من جهة التعالي والكمون ومن جهة المفارقة والمحايثة ويتجه نحو اعتباره خاصية فكرية من درجة ثانية وحركة مابعد حدسية شاردة وتائهة وضالة وهائمة على وجها يجدر بالفكر التقاطها وتمعينها وإلباسها المفهوم وقولها عن طريق الكلمة.

في هذا السياق يعتبر القلب عند زاريفيان هو المكان الاجتماعي الذي تنصب فيه جميع الأحداث والموضع الذي يتم فيه ترتيب الأحداث وتنزيلها والخروج عنها والابتعاد بها، كما تمثل الكفاءة امكانية مواجهة معها.على سبيل الذكر لا الحصر يقدم جون ديوي من الناحية الفلسفية مقاربة براغماتية تسجل الحدث ضمن ماوراء الفعل وتضعه بصورة فعلية وتنزله حيث يتشكل المعنى وتدرجه ضمن التجربة باعتباره واقعة تتطلب الرصد والسبر والتحديد والتفهم.

في هذا الاطار يؤكد جيل دولوز على أمر هام يتمثل في التعامل مع الحدث من زاوية جغرافية موضعية وليس من زاوية تاريخية زمنية ويدفع بالحدث الى تنظيم خطوط الهرب وتأطير مسارات الترحل ضمن تدفق الرغبات. لقد وقعت الأحداث في أماكن معينة وأثارت الأرض وغيرت وجه العالم وبدلت أشكال الوعي وزلزلت بديهيات المعرفة وحركت بنية العقل وجددت شباب المجتمع وأزالت الحجب وألقت بالنظام في يم الفوضى وارتبط حدوثها بتوديع التقليد والتكرار وكسر عادة الاتباع واستنبات ممارسة الابداع والخلق وتجريب عدة أشكال من الابتكار والتجديد والإنشاء والتصميم.

مقتضى القول أن الحدث هو الذي يميز التجديد والإبداع والرد المناسب والاشتباك مع الواقع والمواجهة ، ولذلك يتجنب الابداع العودة الى الارض القديمة والمكوث على الوضع الحالي ويفضل الترحال على حوافي الوجود والسفر الى تخوم العالم وينبغي تثمين حدث متعال ومفارق مثل نزول الوحي وهبوط كائنات فوق آدمية وإجلال العلو.غير أنه يجب استحسان أحداث محايثة ودنيوية تقع في التاريخ وتغير العالم مثل الثورات السياسية والاكتشافات العلمية والتقدم التقني. لكن كيف يجيب الفكر بصورة عامة على الحدث؟وهل يمكن الرد بطريقة فلسفية على الأحداث المداهمة والفجائية ؟

من المعلوم أن نمط الرد الفلسفي على الحدث يختلف بين عمونيال ليفيناس وجيل دولوز وألان باديو. -عمونيال ليفيناس

الرد على الحدث المتعالي يقتضي من الذات الكف عن الإنتشاء بالانفصال وتحمل مسؤوليتها تجاه الغير وأن تكون في مستوى علو الأحداث التي وقعت وجسامة الخسائر وأن تعترض على الفضيحة والعار وترفض القتل باسم الهوية وتكشف عن براءة الوجه وصرخته ضد التمييز وتقيم علاقة ايتيقية مع العالم والمجتمع[3]. لقد فكر ليفيناس في حدث 1968 من زاوية فلسفته الخاصة وثمن ثورة الشبيبة الطلابية وتوقف عند قدراتها الابداعية والامكانيات التي تختزنها وجرأتها على التجديد والإبداع.

 

- جيل دولوز

لقد بحث دولوز في كل كتاباته عن طبيعة الحدث وتبين له بعد طول نظر وتجريب أن المفهوم هو الذي يجب أن يقول الحدث وليس الماهية وآيته على ذلك أن صنع الحدث هو الشيء أكثر الأحداث رهافة وحساسية في العالم ، وأن فعل العكس من ذلك هو تشكيل دراما أو تشكيل تاريخا هزليا. كما لا ينبغي أن يريد الإنسان ما يحدث له وفق نية سيئة تكتفي بالشكوى والتذمر والدفاع وتسقط في المحاكاة بل يجب أن يتحمل المعاناة والعذاب الى النقطة التي تنقلب فيها على الأحداث وتشرع في حياكة الحدث الأبرز وتخرجه من الظلمة الى النور وتظهره على الملأ في المفهوم الحي والصورة البلورية.

في الواقع لا يكون للفلسفة هدفا آخر غير أن تكون في مستوى الحدث. بعد ذلك لا يعتقد دولوز في الميديا وفي قدرتها أن تكون المنبع والمصدر التي تأتي منها الأحداث وتقع ولكنه يرى في كونها كافية في اظهار بداية الحدث والوصول به الى هدفه بينما الحدث مهما كان جزئيا فإنه يستمر الى نهايته ويستقطب عددا كبيرا من المشاهدين .

هكذا يوجد الزمن الضائع قبل الحدث وبعده ولكن الحدث هو الذي يستوعب الزمن الضائع ويحاول استعادته وتذكره ونفض الغبار عنه وامتلاكه والاستحواذ عليه.ان الزمن الضائع لا يوجد بين حدثين بل هو في داخل الحدث نفسه وينبغي ايقاظه من غفوته وتحريكه نحو التدفق.كما أن الفن هو الذي يدرك الحدث وليس الميديا وبالخصوص السينما التي تقدر على استنهاض الأحداث الغابرة.

في نفس الاتجاه الحدث يتم انتاجه دائما من قبل أجساد متقاطعة ومتشابكة تخترق النظام وتطمح الى اتمام صيرورتها. ان الرد على الحدث يكون ببناء المفهوم في الحدث وإدراج الحدث في المفهوم، لكن ماذا تفيد هذه البنائية في الواقع؟ وفيم يتمثل الحدث؟ وأين يخوض المواجهة ومع من ولماذا وماذا يريد؟

كل حدث هو ضجيج يحدثه صوت مجموعة من القطرات المائية على مسطح المحايثة وذلك حينما تنخرط في صيرورات من السقوط الذي لا يكف ولا يقطع ولا يكتمل ولا يصل الى مبتغاه ولا يبتلعه النظام بل يستمر في النهل من السديم. ان المحبة والحركة والموت والضحك هي كلها أحداث مبنية للمجهول وتسقط على الذات من جميع الاتجاه وتستبد بأحوالها وتعكر مزاجها.

في الواقع الفلسفة ليست ردا على الأحداث فحسب وإنما هي في حد ذاتها خلق للحدث وجواب حدثي عن طريق ابداع للمفهوم وترتيب جماعي للمقاومة. من هذا المنطلق تتجه حركة الفكر الى اشعال مواجهة محايثة للأحداث وتجعله متأرضنة بصورة ذاتية ضمن لعبة الفعل ورد الفعل وعلى أرض محايثة للحدث الغير والغير الحدثي. ولا يتطلب الأمر مراقبة الفكر الفلسفي للأحداث على صورة فاعل مستبد من الخارج بل يقتضي الأمر أن يكون المرء على مقربة من الأحداث وأن يجاور مكان حدوثها وأن يعاصر زمن وقوعها ويعيش لحظة انبثاقها وولادتها وانهمارها وتفجرها واشتدادها وتوهجها وانخفاضها وسكونها وخمودها وذهابها واضمحلالها. ان المواجهة ليست حدثا بين بقية الأحداث بل انها الحدث الأكبر في ماهيته وذلك لأنها تشارك في صنع الأحداث وتعمل على تحقيقها على أحسن وجه وتدفعها في حركة دائمة ضمن حاضرها المتغير وبالتالي تنخرط الحقيقة الأبدية للحدث ضمن تحققها الزمني وداخل حلقتها الابداعية وتتقمص جسد الابداع. لكن هل الحدث حسب ألان باديو هو ابداع داخل السلطة وبمسايرتها أم بالخروج عنها والتضاد معها؟ هل يوسع الحدث من نظام السلطة أم يعيد انتاجها بصورة مختلفة ؟ الابداع هو انقلاب في الأحداث وتغيير في نسق حدوثها بل هو حدث مطلق ومغاير للمجرى العادي لايقاع الزمن ومسار التاريخ البشري وبالتالي: "الحدث هو شيء معين يسمح بانبثاق امكانية تنفلت من رقابة المكنات بواسطة السلطة المهيمنة"[4]. لكن كيف ساهمت المقاربة الوضعية في تلاشي موضوع الحدث وتقلص الاهتمام به في العملية التفسيرية وتم الانتصار للقانون واعتماد البنية في تحليل الوقائع وصياغة العلاقات بين الأشياء والأفعال؟

 

كاتب فلسفي

...............

الهوامش والإحالات:

Les notions philosophiques, événement, Editions PUF, Paris, 1990, p907

 

Emmanuel Levinas, Humanisme de l’autre homme, Edition le livre de poche, Paris,1990, pp112-113.

Alain Badiou, avec F.Tardy, la philosophie de l’événement, Meaux, Germina, 2010, p20.

بول ريكور، الزمان والسرد، القسم الأول، ترجمة سعيد الغانمي وفلاح رحيم، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، 2006.

ibrahim telbasilkhaالميتافيزيقا التى وقف الإمام الغزالى عندها وأراد أن يجتث الأساس الذى تقوم عليه هى تلك المحاولات المستمرة التى بدأت منذ العهد اليونانى القديم ولا تزال لبناء "ما وراء الطبيعة" على العقل . إنها هى المحاولات العقلية لاختراع ما وراء الطبيعة وابتداعه بحيث يأخذ العقل حريته فى الإثبات والنفى غير متأثر إلا بمقاييسه هو التى يفرضها . وإذا كان العقل قد اشتغل بالطبيعة والرياضيات وإذا كانت الطبيعيات والرياضيات قد أدخلت فى الفلسفة كأجزاء لها فإن الهدف الأول للإمام الغزالى هو جانب ما وراء الطبيعة .(1)

ومما لا شك فيه أن العقل قد أنتج ثمارا يانعة فى الطبيعيات والرياضيات: لقد أقام القواعد المحكمة ونظم المبادئ المتقنة وانتهى به الأمر إلى أن شيد الطبيعيات والرياضيات على أسس متينة . وكان الأمر كذلك فى هذين الميدانين لأن العقل يعمل فى دائرة اختصاصه ودائرة اختصاصه وإنما هى الماديات والمحسوسات أو ما يتمثل فيهما حينما يوجد خارج الذهن كالرياضيات . وغر هذا النجاح قوما فاعتقدوا أن فى استطاعة العقل أن يجول فى كل ميدان فى استطاعته أن يجول فى الطبيعة وفى ما وراء الطبيعة فى العالم وفى ما وراء العالم فى المادة وفى المجردات فى عالم الشهادة وفى عالم الغيب وكانت النتيجة أن أقحموا العقل فى عالم ما وراء الطبيعة فكانت الفلسفة الإلهية العقلية وكان الإخفاق التام للعقل فى هذا الميدان.(2)

ولقد حاول الغزالى أن يدلل على إخفاق العقل فى مجال الإلهيات فبذل جهدا كبيرا فى تفنيد أراء الميتافيزيقيين وإثبات زيف تعاليمهم . فأقبل فى البداية على دراسة الفلسفة وبلغ فيها مبلغا كبيرا وهذا من منطلق إيمانه " بأنه لا يقف على فساد نوع من العلوم من لا يقف على منتهى ذلك العلم حتى يساوى أعلمهم فى أصل ذلك العلم ثم يزيد عليه ويجاوز درجته فيطلع على ما لم يطلع عليه صاحب العلم من غور وغائلة "(3)

كما كان الغزالى يؤمن دائما بأن تفنيد أى مذهب قبل فهمه والاطلاع عليه رمى فى عماية . ولهذا نجده وقد شمر عن ساق الجد فى تحصيل الفلسفة من الكتب بالمطالعة من غير الاستعانة بأستاذ وكان يفعل ذلك فى أوقات فراغه لأنه كان مشغولا دائما بتصنيف العلوم الشرعية وتدريسها للطلبة ببغداد .

ويعد أن انتهى الغزالى من المطالعة وفهم كتب الفلاسفة وأفكارهم رآهم أصنافا إنهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: الدهريون، والطبيعيون والإلهيون .(4)

 

الصنف الأول: الدهريون

وهم طائفة من الأقدمين جحدوا الصانع المدبر العالم القادر، وزعموا أن العالم لم يزل موجودا كذلك بنفسه بلا صانع ولم يزل الحيوان من النطفة والنطفة من الحيوان كذلك كان وكذلك يكون أبدا . وهؤلاء هم الزنادقة .

 

الصنف الثانى: الطبيعيون

وهم قوم أكثروا بحثهم عن عالم الطبيعة وعن عجائب الحيوان والنبات وأكثروا الخوض فى علم تشريح أعضاء الحيوان فرأوا فيها من عجائب صنع الله تعالى وبدائع حكمته ما اضطروا معه إلى الاعتراف بفاطر حكيم مطلع على غايات الأمور ومقاصدها ... إلا أن هؤلاء لكثرة بحثهم عن الطبيعة ظنوا أن القوة العاقلة من الإنسان تابعة لمزاجه وأنها تبطل ببطلان مزاجه فتنعدم ثم إذا أعدمت فلا يعقل إعادة المعدوم كما زعموا . فذهبوا إلى أن النفس تموت ولا تعود فجحدوا الآخرة وأنكروا الجنة والنار والقيامة والحساب فلم يبق عندهم للطاعة ثواب ولا للمعصية عقاب فانحل عنهم اللجام وانهمكوا فى الشهوات انهماك الأنعام وهؤلاء أيضا زنادقة لأن أصل الإيمان: هو الإيمان بالله واليوم الآخر وهؤلاء جحدوا اليوم الآخر وإن آمنوا بالله وصفاته .

 

الصنف الثالث: الإلهيون

وهم المتأخرون منهم مثل: سقراط وأفلاطون وأرسطو وهؤلاء جملة قد ردوا على الصنفين الأولين من الدهرية والطبيعية وأوردوا فى الكشف عن فضائحهم ما أغنوا به غيرهم لقد رد أرسطاطاليس على أفلاطون وسقراط ومن كان قبلهم من الإلهيين ردا لم يقصر فيه حتى تبرأ من جميعهم إلا أنه استبقى أيضا من رذائل كفرهم وبدعتهم بقايا لم يوفق للنزوع عنها فوجب تكفيرهم وتكفير شيعتهم من المتفلسفة الإسلاميين كابن سينا والفارابى وغيرهما .

ورأى الغزالى أيضا أن علوم الفلاسفة بالنسبة إلى الغرض الذى تطلبه ستة أقسام: رياضية ومنطقية وإلهية وطبيعية وسياسية وخلقية .(5)

الرياضيات: تتعلق بالحساب والهندسة وعلم هيئة العالم وليس يتعلق شيئا منها بالأمور الدينية نفيا وإثباتا بل هى أمور برهانية لا سبيل إلى مجاحدتها بعد فهمها ومعرفتها . ولكن قد يتولد منها آفة إذا ظن المتعلم أن جميع علوم الفلاسفة هى فى الوضوح ووثاقه البرهان كالرياضيات . ثم يكون قد سمع من كفرهم وتعطيلهم وتهاونهم بالشرع ما تداولته الألسنة فيكفر بالتقليد المحض ويقول لو كان الدين حقا لما اختفى على هؤلاء مع تدقيقهم فى هذا العلم .

فهذه آفة عظيمة لأجلها يجب زجر كل من يخوض فى تلك العلوم فإنها وإن لم تتعلق بأمر الدين ولكن لما كانت من مبادئ علومهم سرى إليه شرهم وشؤمهم فقل من يخوض فيها إلا وينخلع من الدين وينحل عن رأسه لجام التقوى .

المنطقيات: لا يتعلق شئ منها بالدين نفيا وإثباتا بل هى النظر فى طرق الأدلة والمقاييس وشروط مقدمات البرهان وكيفية تركيبها وشروط الحد الصحيح وكيفية ترتيبه . إلا أن أهل المنطق عند الانتهاء إلى المقاصد الدينية لا يمكنهم الوفاء بشروط البرهان بل تساهلوا غاية التساهل .

الإلهيات: فيها أكثر أغاليط الفلاسفة فما قدروا على الوفاء بالبرهان على ما شرطوه فى المنطق ومجموع ما غلطوا فيه يرجع إلى عشرين مسألة يجب تكفيرهم فى ثلاث منها وتبديعهم فى سبع عشرة.(6)

الأولى: إبطال مذهبهم فى أزلية العالم .

الثانية: إبطال مذهبهم فى أبدية العالم .

الثالثة: بيان تلبيسهم فى قولهم:أن الله صانع العالم وأن العالم صنعه .

الرابعة: فى تعجيزهم عن إثبات الصانع .

الخامسة: فى تعجيزهم عن إقامة الدليل على استحالة إلهين .

السادسة: فى إبطال مذهبهم فى نفى الصفات .

السابعة: فى إبطال قولهم: أن ذات الأول لا تنقسم بالجنس والفصل .

الثامنة: فى إبطال قولهم: أن الأول موجود بسيط بلا ماهية .

التاسعة: فى تعجيزهم عن بيان أن الأول ليس بجسم .

العاشرة: فى بيان أن القول بالدهر ونفى الصانع لازم لهم

الحادية عشرة: فى تعجيزهم عن القول بأن الأول يعلم غيره .

الثانية عشرة: فى تعجيزهم عن القول بأنه يعلم ذاته .

الثالثة عشرة: فى إبطال قولهم: أن الأول لا يعلم الجزئيات .

الرابعة عشرة: فى قولهم أن السماء حيوان متحرك بالإرادة

الخامسة عشرة: فى إبطال ما ذكروه من الغرض المحرك للسماء .

السادسة عشرة: فى إبطال قولهم: أن نفوس السماوات تعلم جميع الجزئيات .

السابعة عشرة: فى إبطال قولهم باستحالة غرق العادات .

الثامنة عشرة: فى قولهم: أن نفس الإنسان جوهر قائم بنفسه ليس بجسم ولا بعرض .

التاسعة عشرة: فى قولهم باستحالة الفناء على النفوس البشرية .

العشرون: فى إبطال أفكارهم لبعث الأجساد مع التلذذ والتألم فى الجنة والنار باللذات والآلام الجسمانية .

والمسائل الثلاث التى خالفوا فيها كافة المسلمين ولذلك يكفرهم فيها الغزالى هى:

1- قولهم بقدم العالم وأزليته .

2- قولهم أن الله تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات .

3- إنكارهم حشر الأجساد .

ومن خلال موقف الغزالى من علوم الفلاسفة ومحاولته بيان تهافت آرائهم وتناقض كلمتهم فيما يتعلق بالإلهيات وكشفه لغوائل مذهبهم وعوراته يتضح لنا أن الغزالى لا ينكر الحقائق العلمية سواء أكانت رياضية أم طبيعية بل يقول إن الحساب والهندسة والفلك والطبيعيات علوم حقيقية لا شك فى صحة براهينها وفائدة استنتاجاتها . لكن العلم عنده محدد النطاق فكما أنه لا يجوز بناء العلوم على الاعتقاد كذلك لا يجوز حصر الدين فى أحكام العقل وبراهين المنطق فالعلم يستند إلى العقل والدين ينطلق من القلب .

فالرياضيات ليست فى حد ذاتها ممنوعة وإنما يمنع عنها الضعيف حتى لا يقوده وضوحها إلى الانزلاق والانسياق مع حسن الظن وراء الفلاسفة فيقلدهم فى أمور الدين كما يقلدهم فى الرياضيات . والمنطقيات أو ما يسميها الغزالى مدارك العقول هى كالرياضيات أمور عقلية مسلمة إلا أن الفلاسفة ما استطاعوا تحقيق شروط الدليل من المنطق فى الإلهيات كما استطاعوا تحقيقه فى الرياضيات .(7)

ويرى الغزالى أن الفلاسفة قد عجزوا عن الوفاء بشروط المنطق فى الإلهيات لأنهم استخدموا المنطق فى فهم ما لا يصلح لفهمه لقد دفعهم الغرور إلى وزن الأمور الربوبية بميزان العقول أو الظنون وزاغوا عن سبل الحق والهدى " وهكذا يفعل الله بالزائغين عن سبيله والناكبين لطريق الهدى المنكرين الظانين بالله ظن السوء المعتقدين أن الأمور الربوبية تستولى على كنهها القوى البشرية المغرورين بعقولهم زاعمين أن فيها مندوحة عن تقليد الرسل وأتباعهم ".(8)

لقد تصور الفلاسفة الأمور فى الإلهيات على قدر ما وجدوه وعقلوه وما لم يألفوه قدروا استحالته .. فهم يحكمون بظن وتخمين من غير تحقيق ويقين على صدق علومهم الإلهية بظهور العلوم الحسابية والمنطقية ويستدرجون به ضعفاء العقول . ولو كانت علومهم الإلهية متقنة البراهين نقية عن التخمين كعلومهم الحسابية لما اختلفوا فيها كما لم يختلفوا فى الحسابية .(9)

ولكل هذه الاعتبارات يهاجم الغزالى أنصار الميتافيزيقا لأنهم قد بالغوا فى إيمانهم بقدرة العقل على المعرفة حتى بسطوا سلطانه على الإلهيات نفسها لقد أخطئوا فى توسيعهم سلطان العقل أكثر ما يمكن أن يتسع له من معارف ولذلك قد انحرفوا عن الطريق المستقيم .... وإذا كان بعض المؤرخين يعتبرون أرسطو أكبر عقلية فلسفية ظهرت على وجه التاريخ فهو أيضا أشهر الذين انهار مذهبهم فى عالم ما وراء الطبيعة . ويعد إخفاق عقله هذا الكبير فيما يختص بمعرفة الغيب من أوضح الأدلة على أن عالم الغيب أسمى من أن يتناوله العقل البشرى الخطاء . ولقد كانت الاعتراضات على مذهبه قوية عامة شاملة حتى أن تلاميذه دب اليأس فى نفوسهم من إقامة عالم ما وراء الطبيعة على أساس العقل فلم يمكنهم أن يردوا على الاعتراضات ورأوا أنه إذا كان أستاذهم أخفق هذا الإخفاق فى عالم الغيب فأنهم سيخفقون من باب أولى لو حاولوا إقامة مذهب فى الإلهيات جديد. (10)

انصرف إذن تلاميذ أرسطو عن عالم ما وراء الطبيعة واتجهوا إلى عالم الطبيعة والأخلاق ... ولذلك رأى الإمام الغزالى أن طريق الميتافيزيقا طريق مسدود ولابد من محاربة هذا العبث الذى يسمونه "الفلسفة العقلية" لابد من محاربته لأسباب عدة: فهو إضاعة للوقت وهو تشكيك للبشرية وزعزعة للإيمان وليس له من نتيجة إلا التفرق والاختلاف وتوهين المقدسات على أنه إذا كان الغزالى يلتمس لليونان العذر فى معالجة هذا الموضوع لعدم وجود الوحى المعصوم الذى يهديهم الطريق وينير لهم الظلام فليس هناك من عذر للمسلمين وبين أيديهم رسالة السماء ممثلة فى "القرآن الكريم " (11)

ومن الواضح أن حملة الغزالى إنما كانت موجهة أولا وبالذات إلى العقل . والقضية المتنازع عليها هى قضية استطاعة العقل الوصول إلى المعرفة اليقينية فى عالم "ما وراء الطبيعة" الإمام الغزالى ينكر ويثبت إنكاره بالإخفاء المتتابع للفلسفة ويثبته أيضا بهدم العقل لكل ما بناه العقل نفسه فى هذا الميدان .(12)

فمجال العقل ضيق وخطاه قاصرة ولا يمكنه أن يتجاوز حدود هذا العالم إلى العالم الآخر فهو لا يعرف بالتجربة ما ينفع أو يضر فى الآخرة ولا يهتدى إلى ما بعد الموت إنه لا يصل إلى الإدراك إلا عن طريق التجربة ولا مجال للتجربة فى العالم الآخر . وعامة فإن شكوك الغزالى فى أحكام العقل لم تنشأ إلا فى سبيل الدفاع عن حقيقة الدين . ولذلك نجده لم يتردد أبدا فى التضحية بالعقل عندما يتعارض مع سلطان العقيدة فالعقيدة عنده فى المنزلة الأولى والعقل فى المنزلة الثانية وهو يقصر مهمة العقل من الدين على الشهادة بصدق النبوة إذ أن سلطانه لا يمتد إلى أبعد من ذلك .

وعامة كان الغزالى معنيا ببيان عجز العقل الإنسانى عن إدراك حقيقة الوجود وأن له حدا يجب الوقوف عنده ... يقول الأستاذ "بلاسيوس" بحق " إن الغزالى حينما سمى كتابه (تهافت الفلاسفة) كان يريد أن يمثل لنا أن العقل يبحث عن الحقيقة ويريد الوصول إليها كما يبحث البعوض عن ضوء النهار: فإذا أبصر شعاعا يشبه نور الحقيقة انخدع به فرمى بنفسه عليه وتهافت فيه ولكنه يخطئ مخدوعا بأقيسة منطقية خاطئة فيهلك كما يهلك البعوض ".(13)

وقصارى القول إن العقل – فيما يرى الغزالى – لا يمكن الاعتماد عليه فى إدراك ما وراء الطبيعة من أسرار وإنما يجب الاعتماد فى ذلك على الشرع وحده . ومن هنا أراد الغزالى أن يهدم مذاهب الفلاسفة لاختلاف آرائهم وتباين وجهات نظرهم لاسيما فيما يتعلق بما وراء الطبيعة ويبين لمن ظن أن مسالكهم نقية عن التناقض وجود تهافتهم ولبس مواقفهم . وأن العقل يمكنه أن يضع براهين وأدلة على إثبات قضية ما وعلى نفيها فى آن واحد كما هو الحال بالنسبة لتصوراته فيما وراء الطبيعة فهو لا قدرة له على طرق هذا المجال وارتياد آفاقه إذ لا يمكنه أن يظفر فيه بحقيقة ولا يمكن أن نزن به أية مسألة تتعلق بالأمور الماورائية.

 

ا.د.ابراهيم طلبه سلكها

رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة طنطا

.......................

الهوامش

1- أندريه كريسون: المشكلة الأخلاقية والفلاسفة ترجمة د . عبد الحليم محمود مطابع دار الشعب بالقاهرة 1979م ص 38 المقدمة – بقلم المترجم .

2- الموضع نفسه .

3- الغزالى " أبى حامد محمد ": المنقذ من الضلال والموصل إلى ذى العزة والجلال حققه وقدم له د . جميل صليبا د. كامل عياد بيروت دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع ص 94 .

4- المرجع نفسه: ص ص 96 – 98 .

5- المرجع نفسه: ص ص 100 – 106 .

6- الغزالى " أبى حامد محمد ": تهافت الفلاسفة تقديم وضبط وتعليق د. جيرار جهامى بيروت دار الفكر اللبنانى ص ص 37 – 38 .

7- فكتور سعيد باسيل: منهج البحث عن المعرفة عند الغزالى بيروت دار الكتاب اللبنانى ص 168 .

8- المرجع نفسه: ص ص 168 – 169 .

9- الغزالى " أبى حامد محمد ": تهافت الفلاسفة ص 31 .

10- أندريه كريسون: مرجع سابق ص 39 .

11- المرجع نفسه ص 42 .

12- الموضع نفسه .

13- الموضع نفسه .

 

akeel alabodهنالك قبة تختلف في مبناها وهيبتها تماماً عن قباب الأضرحة الشامخة، تلك التي تنتصب شاهقة امام أعيننا في عالم المادة، القبة التي رسمها وخطط لها صاحبي، لها من القدسية ما يجعلها اكثر تميزا وعظمة وبهاء عن غيرها من القباب، فهي عبارة عن فضاء مقدس، وروح لا يسكنها الضجيج، ولا الخواء هذا الذي يدب في دواخلنا، وتلك لغة تحتاج الى معركة وإرادة مريرتين، فالروح اي النفس بحركتها عبارة عن كيفية متغيرة، هذه الكيفية لها علاقة بطبيعة ما يجول في مشاعر الانسان وعقله وحسه وعلاقاته مع الموجودات.

جلس صاحبي بعيدا عن ضجيج الآخرين، راح يفكر بطريقة تمكنه ان يستكمل دائرة أفكاره؛ وهي عبارة عن مجموعة معادلات رياضية وفيزيائية لها علاقة بحركة المادة وعلاقتها مع الوجود. الوجود لم يكن دائرة مغلقة، كما هو ليس نقيضا للعدم؛ فالعدم وجود غير مدرك، وبهذا اللامدرك يستكمل الزمان حقيقته الوجودية، ليصبح على تماس مع المدركات تلك التي تحيط وجوداتنا المتحركة في عالم المكان.

هذه المدركات لها أنماط ومسارات وصور مختلفة وهذه الأنماط هي التي تجعل من الانسان كائن متصارع مع ذاته المتغيرة، كائن يحتاج لان يحقق وجوده المتغير بغية اعادة الارتباط مع الذوات "والماهيات" الاخرى بطريقة جديدة. لقد أدرك صاحبي ان عليه مسؤولية تفرض عليه لغة وعلاقات وحياة غير تلك التي ما زال يألف اليها . فبدلا من الاستمرار في مشروعه الاول؛ ذلك الذي ارتبط به منذ ان حطت أقدامه عالم الفلسفة، صار عليه ان يتحمل أعباء عمل يتطلب منه ان ينصرف عن عمله القديم ويتجه لعمل وعلم جديدين في اللغة والأصوات والمقاطع، وهذا يحتاج جهدا اكبر، ومسؤولية اصعب، كونه يفرض عليه ان يتعايش مع التلاميذ بطريقة معلم متمكن من اداء مهنته الشائقة هذه، لقد تغيرت معادلات الزمان والمكان بعد ان تغيرت لغة الموضوع الذي يحتاج منه لان يكرس كل وقته لأجله وهذا ليس بالأمر اليسير، سيما وان ما يجري في الواقع يفرض تقاطعات وحواجز من الصعوبة تجاوزها؛ فهي تشبه الى حد ما ساحة حرب تطوقها بنادق الطرف المعادي، سيما ونحن أزمة التعامل مع السرعة والتكنولوجيا والقيم والمعرفة وتلك قيود لها علاقة بمساحة الحركة الزمانية والمكانية للعقل المنتج.

هنا بحسب شروط قبته المقدسة، أيقن صاحبي ان الإبداع لم يأت عندما يكون الانسان متصالحا مع ذاته، اي على وتيرة واحدة معها، بل لا بد عليه ان يكابد عناء عدمه الوجودي، ليصل الى وجوده العدمي، هذا التجدد هو الجبروت، وهو الإبداع الذي نحتاج الى إدراكه .

emadadeen ibrahimهناك سؤال يدور في أذهان الكثيرين منذ زمن بعيد، ما طبيعة العلاقة بين الفلسفة والعلم؟ هل هي علاقة تكامل واتفاق أم علاقة صراع وصدام؟ الإجابة هي انه رغم اختلاف طبيعة الفلسفة عن العلم إلا أن العلاقة بينهما هي علاقة تكامل واتفاق، فكلاهما يمثلان مصدرين أساسيين من مصادر لمعرفة، ولاغني لإحداهما عن الأخر. ورغم ذلك غالبا ما يتم الخلط بين العلم والفلسفة وهذا خطا شائع. ويجب أن نوضح اختلاف طبيعة العلم عن الفلسفة لان التناول العلمي لقضية ما يختلف تماما عن التناول الفلسفي لها. ونشير إلي حقيقة تاريخية هامة وهي العلوم نشأت في أحضان الفلسفة وهذا وضح في مدرسة أيونيا عند الفلاسفة الطبيعيون الأوائل أمثال طاليس وغيرها هم كانوا يبحثون عن المصدر الأساسي والعنصر الجوهري الذي يقف وراء التغيرات التي تحدث في الكون. ورغم الاختلاف بين طبيعة العلم والفلسفة إلا انه يوجد بعض الفلاسفة حاول الخلط بينهما في محاولة لتغيير طبيعة الفلسفة لتتفق مع طبيعة العلم ومن هولاء (هيجل) الذي قال أن الأمر الذي عقدت عليه العزم هو المشاركة بجهدي في أن تقترب الفلسفة من هدفها وتتمكن من طرح الاسم الذي توصف به وهو حب العلم من اجل ان تصبح علما حقيقيا. ومما لاشك فيه أن من القواسم المشتركة بين العلم والفلسفة وصلات القربى هي أن تطور العلم هو تطور للفلسفة والعكس صحيح، فتطور الفكر الفلسفي ارتبط إلي حد كبير بتطور العلم. ولو رجعنا الي بعض محاورات أفلاطون لتحققنا من أن اكتشاف الفيثاغوريين لبعض الحقائق الرياضية قد كان أصلا من الأصول الهامة التي صدرت عنها نظرية أفلاطون في المثل. وكذلك فلسفة ديكارت مدينة بالكثير من أصولها لما وصل إليه العلم علي يد جاليليو. ورغم من هذه الصلات الوثيقة إلا أن هناك فروق واختلافات جوهرية بين الفلسفة والعلم لا نسطيع أن نغض الطرف عنها منها:

- يهدف العلم إلي وصف الظواهر وكيفية حدوثها، اما الفلسفة فهي تحاول تفسير ما وصل إليه العلم، إذ العلم وصفي والفلسفة تفسيرية.

- العلم موضوعي وتجريبي أما الفلسفة ذاتية شخصية.

- أيضا من أهم الفروق العلم امبريقي حدوده العالم المحسوس، أما الفلسفة فهي تتجاوز حدود العالم المحسوس إلي ماوراء العالم المحسوس.

- العلم جزئي أما الفلسفة فهي كلية تبحث عن العلل الأولي .

إذن العلاقة وثيقة والصلة حميمة بين الفلسفة والعلم والعلاقة توافقية وتكاملية رغم اختلاف طبيعة كل منهما عن الآخر، علينا أن نحترم هذا الاختلاف بين طبيعة العلم والفلسفة ولا نحاول أن نختزل أحداهما إلي الأخر، فهما بينهما اختلاف لكن لا يودي إلي التعارض والصدام، لان طبيعة العلاقة تكاملية يكمل كل منهما الأخر في النظر إلي الكون ولكن كل بمنظاره في الرؤية. فالفيلسوف صاحب رؤية شمولية كلية للكون، اما العالم فهو صاحب رؤية متخصصة جزئية، وليس أدل علي التكامل بينهما من فلسفة العلم التي تجمع بين العلم والفلسفة في إطار واحد .  

 

دكتور عماد الدين إبراهيم عبد الرازق

أستاذ الفلسفة المساعد بآداب بني سويف

نقصد بالقبليات المعرفية ما هو أعم من مفهوم (المعارف القبلية) الوارد ذكرها في المباحث الفلسفية. فعادة ما يُقصد بالمفهوم الأخير هو كل معرفة عقلية سابقة للحس والتجربة. أما المعنى الذي نريده من مصطلح القبليات فهو كل معرفة تسبق دراسة الموضوع المطروح. فمثلاً إذا كانت القضايا الحسية تعتبر من البعديات لدى التفكير الفلسفي أو العقلي بإطلاق؛ فإنها تعتبر في الوقت ذاته من القبليات المعرفية لدى قراءة النص الديني وفهمه. فمن حيث الحس - مثلاً - نعلم انه ليس للأشياء المادية إرادة، وهي قضية بعدية وليست قبلية بالنسبة إلى التفكير العقلي بإطلاق. لكنها تقع موقع القبليات المعرفية في فهم الكثير من النصوص الدينية، كقوله تعالى: (فوجدا فيها جداراً يريد ان ينقض فأقامه)[1]، إذ طبقاً لمعرفتنا القبلية المتمثلة بمعرفتنا الحسية؛ لا يمكن أن نفسر إرادة الجدار بالمعنى الحقيقي للإرادة.ويمكن حصول العكس، وهو ان البعديات في الفهم الديني وقراءة النص قد تصبح من القبليات في المعرفة المتعلقة بالأمور الخارجية، ومن ذلك ما يصرح به النص من وجود الملائكة أو الجن وما اليه، فهو من القبليات الدينية مقارنة بما عليه الواقع الموضوعي والوجود الخارجي، بإعتبار ان معرفته ليست مستمدة من التجربة والحس، كما انها ليست عقلية ولا وجدانية.

وبالتالي قد يكون النشاط الذهني متعاكساً في ممارسته للقبليات مقارنة بالبعديات. فمثلاً يمكن أن يكون الفهم الديني قائماً على القبليات العلمية أو الفلسفية أو غيرها، وقد يحصل العكس أيضاً، كما في حالة تفسير القضايا العلمية والفلسفية إستناداً إلى اسقاطات القبليات الدينية.

ومن حيث العموم إن لقبليات المعرفة أشكالاً من البنى النسبية المتنوعة، فقد تكون القبليات دينية بيانية، أو واقعية إخبارية، أو عقلية صرفة، أو حدسية كشفية. كما قد تكون القبليات اسطورية أو نفسية أو غيرها مما تفتقر للإعتبار عادة. فالبنى الأربع الأولى هي موضع التعويل المنضبط لدى ممارسة التفكير الذهني في القضايا المطروحة. ويقابلها البعديات، فلكل من القبليات السابقة بعدياتها، وكل منها يتصف بالنسبية، فالقبليات بالنسبة لقضايا معينة قد تكون بعديات بالنسبة لقضايا أخرى مختلفة، والعكس بالعكس.

فالمعارف المستمدة من ذات الموضوع المطروح للبحث والدراسة تتصف بالبعديات، فهي تنتمي إلى ذات الإطار المرجعي للموضوع المبحوث أو المقروء دون أن تستمد من أُطرٍ مرجعية أخرى، لكنها يمكن ان تتخذ دور القبليات بالنسبة إلى حقول معرفية خارجة عن الإطار المشار إليه.

فمثلاً تعتبر المعارف العقلية الصرفة التي يُستنتج بعضها من البعض الآخر – ضمن مرجعية العقل المجرد ذاته - من البعديات، وفي الوقت ذاته يمكن أن تكون من القبليات عندما تُتخذ كمرجع بالنسبة للحقول المعرفية الأخرى، كالدينية والواقعية والحدسية أو الكشفية. ومن ذلك إنه في الفلسفة التقليدية تتصف قواعد الإمكان الأشرف والصدور وتشاكل المراتب وغيرها بأنها من البعديات بالنسبة إلى الحقل الفلسفي المجرد ذاته، فهي مستنتجة من مبدأ السنخية الذي يمثل الأصل المولد لدى التفكير الفلسفي الوجودي، لكنها في الوقت ذاته تكون من القبليات عند اسقاطها على المعارف الدينية أو الواقعية أو الكشفية. ومثل ذلك إن المعارف الدينية البيانية هي من البعديات ضمن ذات الإطار الديني، لكنها قد تكون من القبليات المسلَّم بها لدى التفكير في تحليل الواقع او العقل أو الحدس الكشفي. وينطبق هذا الحال على معارف الأشكال الأخرى وفق النسبية المشار إليها. فالمعارف الواقعية أو الحدسية، قد تكون من البعديات عندما يتم التعامل معها ضمن ذات الحقل الذي يخصها، لكنها يمكن أن تكون من القبليات بالنسبة للتفكير في قضايا الحقول الأخرى.

إذاً.. فما هو بعدي هنا قبلي هناك، وكذا العكس. وإذا ما كان القبلي يؤثر في البعدي، فإن العكس صحيح أيضاً، حيث يمكن للبعدي أن يؤثر في القبلي ويعمل على تغييره طالما أنه غير مستقر أو ثابت بذاته.

ومبدئياً قد تكون القضية المطروحة على بساط البحث مصنفة ضمن القضايا الدينية، ومع هذا تساهم في فهمها قبليات عائدة إلى البنى الواقعية والعقلية والحدسية الكشفية، اجتماعاً وانفراداً. كما قد تكون القضية واقعية، ورغم ذلك تخضع لقبليات الفهم الديني أو التفكير العقلي أو الحدسي. وقد تكون القضية عقلية، لكنها تخضع لحكم القبليات الدينية أو الواقعية أو الحدسية الكشفية. ومثل ذلك قد تكون القضية المطروحة حدسية كشفية، لكن تفسيرها يخضع لقبليات البنى الثلاث الأخرى (الدينية أو الواقعية أو العقلية).

كما أن بعديات أي شكل من البنى الأربع الآنفة الذكر قد تؤثر على قبليات غيرها. فالبعديات الدينية، وهي المستنتجة بالفهم البياني من النص اللغوي الديني، قد تساهم في تغيير جملة من قبليات الأشكال الثلاثة الأخرى، وكذا هو الحال مع البعديات الواقعية والعقلية والحدسية الكشفية. فلكل منها بعدياتها الخاصة التي قد تعمل على تغيير بعض من قبليات البنى الأخرى غير المستقرة. مما يعني انه مثلما قد يتأثر الباحثون في القضايا الدينية بالقبليات الواقعية والعقلية والحدسية الكشفية عند ممارسة الفهم الديني، فانهم قد يسقطون - في الوقت ذاته - بعدياتهم الدينية إلى الدرجة التي يغيرون بها قبلياتهم المتعلقة بالبنى الثلاث الآنفة الذكر. وعلى نفس المنوال يتصف حال الباحثين في القضايا الأخرى (الواقعية أو العقلية أو الحدسية).

وما نخلص إليه هو أن القبليات لا تنحصر في القضايا العقلية الصرفة، خلاف الحال الذي أكد عليه الفلاسفة لدى أبحاثهم الإبستمولوجية إزاء فلسفة الوجود العام، كالذي يتحدث عنه عمانوئيل كانت ضمن منطقه الترانسدنتالي (transcendental). ولهم في ذلك ما يبرر فعلهم ضمن حقل التفكير الفلسفي أو الذهني بإطلاق. لكننا عندما نوسع من طبيعة القضايا ونأخذ بعين الإعتبار تداخلاتها المختلفة، إذ بعضها يتصف بالعقلية فيما يتصف البعض الآخر بمصادر لا تمت إلى العقل الصرف بصلة، فإنه في هذه الحالة لا يمكننا ان نعوّل على المنطق الترانسدنتالي الذي جاء به الفلاسفة في نعتهم للقبليات وما يقابلها من بعديات. فالنسبية في التفكير ظاهرة لا مراء فيها، وان واقع الذهن البشري يتخذ من العلاقة بين القبليات والبعديات مصادر بعضها يؤثر في البعض الآخر، لا أقلّ من أن نظريات الفيزياء المعاصرة قد أخذت على عاتقها هدم الجدار المحصن للقبليات - كما بناه الفلاسفة بمنطقهم المتعالي - ببعديات تجاربهم غير المألوفة للعقل والوجدان العام.

ومن الضروري أن نميز – هنا - بين الوصف والتقويم عند معالجة القبليات، فمن حيث الوصف ندرك ما عليه حال الباحثين ومواقفهم المختلفة إزاء القبليات المسلّم بها، وقد لا نوافقهم عليها من حيث التقويم. فالفيزيائيون مثلاً قد سلكوا درباً لنسف البداهة العقلية بما فيها تلك المناطة بمبدأ عدم الاتساق (التناقض) الوجودي، ومثله مبدأ السببية وقوانينها العامة، وبالتالي لم تكن بحوث عمالقة الفلاسفة المنظرين من أمثال أرسطو وعمانوئيل كانت تعني لهم شيئاً ذا بال، ومن ذلك ما ظهر من تفسيرات حول ما يُعرف بتناقض قطة شرودنجر، استناداً إلى بعض الشواهد التجريبية، كالتي عوّل عليها أغلب أتباع الكوانتم دون مناقشة، وكما يُقال فيزيائياً: إن ‹‹قطة شرودنجر تجلس في هذا الصندوق بطريقة ما حية وميتة إلى ان يكشف غطاء الصندوق››[2]. لكن هذه الحالة التقريرية لما آلت إليه الفيزياء المعاصرة - في قلبها للمنطق والبداهة الوجدانية رأساً على عقب - لا تثنينا عن التمسك بقضايا غير قابلة للرد، فكل رد لها مردود عليه، مثل التمسك بمبدأ عدم التناقض للقضايا المعرفية. وبالتالي لا مفر من الاعتراف بوجود قضايا متعالية ثابتة غير قابلة للتجاوز والتغيير.

مع ذلك فإن ما يهمنا عندما نعالج أنماط التفكير المعرفي هو الإقرار الوصفي بوجود حالات نسبية للقبليات، فما هو قبلي هنا بعدي هناك، وما هو بعدي هنا قبلي هناك، مع الإعتراف بوجود قبليات مطلقة لا تخضع لمثل هذه النسبية.

إن التأكيد على وجود قبليات نسبية في علاقتها التفاعلية مع البعديات يجعلنا نتخطى الحدود التي رسمها الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانت للتفكير الفلسفي. فمن جانب انه اعتمد على بعض البعديات وتوهم بأنها من القبليات، كما هو الحال في تصوراته للهندسة الكونية اعتماداً على المنظومة النيوتنية، ومثل ذلك تبنيه لقوانين نيوتن واعتبارها من القبليات الضرورية المحضة، مثل قانون تساوي الفعل ورد الفعل، ومبدأ العطالة أو القصور الذاتي[3]، مع أن لهذا المبدأ صيغاً مختلفة، أحدها يعود الى نيوتن، وأن هناك صيغة ثانية قد سبق إليها غاليلو، إضافة إلى صيغة ثالثة تعود إلى أرسطو[4]. بالإضافة إلى أنه جعل من ضمن القبليات العقلية المحضة احتواء المادة على كميات ثابتة لا تزيد ولا تنقص[5]، رغم أن علاقة المادة بالطاقة – كما تدل عليها فيزياء القرن العشرين - تبطل مثل هذا الحكم. كما من جانب آخر إنه لم يتوسع في بسط القبليات إلى ما يتعدى حدود المفاهيم والأحكام البديهية الصرفة التي أطّرها ضمن خاصتي (الضرورة والكلية)[6]، وهما موضع إشتراك الفاهمة البشرية أو الذهنية، رغم وجود قبليات لا تتصف بالضرورة والكلية، مثل ادراكنا للعالم الموضوعي المجمل، ومثل اقرارنا بوجودنا الحضوري، كما أن هناك قبليات نسبية خاصة هنا وهناك، وهي القبليات التي تراود البشر جميعاً في شتى أبحاثهم بما فيها الفلسفية الصرفة، وكان من غير الممكن أن يكون عقل الفلاسفة، بمن فيهم أرسطو وعمانوئيل كانت، خالياً منها.. فمصادر هذه القبليات كثيرة، ومن السهل أن تنسلّ إلى نفوس الفلاسفة والعلماء قبل عقولهم بوعي وبغير وعي.

 

يحيى محمد

مفكر وباحث

.........................

[1] الكهف/77.

[2] والتر إيزاكسون: أينشتاين حياته وعالمه، ترجمة هاشم أحمد محمد، نشر دار كلمة وكلمات عربية، الطبعة الأولى، 2010م، ص468.

[3] عمانوئيل كنط: نقد العقل المحض، ترجمة موسى وهبة، مركز الانماء القومي، بيروت، ص51 و53، عن مكتبة الموقع الإلكتروني: www.4shared.com.

[4] للتفصيل انظر كتابنا: منهج العلم والفهم الديني، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، الطبعة الاولى، 2014م.

[5] نقد العقل المحض، ص51.

[6] المصدر السابق، ص46.

ibrahim telbasilkhaتمتاز الفلسفة التحليلية بجملة من الخصائص تميزها عن المدارس الفلسفية الأخرى فى الفلسفة المعاصرة ومنها :

1- فكرة مركزية اللغة بالنسبة للفلسفة، إذ يعتقد الفلاسفة التحليليون أن قضايا الفلسفة يمكن فهمها جيداً عن طريق العناية باللغة . وهذا الاتجاه نحو الاهتمام باللغة أصبح يسمى فى العرف الفلسفى " التحول اللغوى "وهو أصدق ما توصف به الفلسفة التحليلية وتعرف فى كلمتين .

2- الاعتماد على المنهج التحليلى سواء اتخذ هذا المنهج صورة التحليل المنطقى أو التحليل اللغوى .

3- احترام نتائج العلم والحقائق التى يسلم بها الحس المشترك، وأخذها بعين الاعتبار عند معالجة المشكلات الفلسفية (1).

ولقد نسب الفيلسوف مايكل داميت Michael Dummett الصيغة الكلاسيكية   " التحول اللغوى "إلى فريجه، مؤسس المنطق الرياضى الحديث، حيث قال : "إن موضوع بحث الفلسفة لم يحدد بصفة نهائية إلا مع فريجه، بحيث تبين (1) أن هدف الفلسفة قائم فى تحليل بنية الفكر، (2) وأن دراسة الفكر ينبغى أن تتميز عن دراسة عمليات التفكير النفسية،(3) وأن المنهج الكفؤ لتحليل الفكر يستند إلى تحليل اللغة"(2).

وهذا ما أكده أنتونى كينى Anthony Kenny فى كتابه "فريجه "بقوله : " .. إذا كانت الفلسفة التحليلية قد ولدت عندما حدث التحول اللغوى، فإن ولادتها لابد من أن تؤرخ بنشر كتاب فريجه "أسس الحساب "عام 1984 عندما قرر أن الطريق إلى بحث طبيعة العدد هو تحليل الجمل التى تظهر فيها الأعداد " (3).

كما أكد داميت فى موضع آخر دور فتجنشتين المهم فى هذا الشأن فقال : ".. إذا جعلنا من التحول اللغوى نقطة إنطلاق الفلسفة التحليلية، فإننا، على الرغم من تقديرنا لأعمال فريجه، ومور ورسل التى هيأت الأجواء، لن نستطيع أن نشك فى أن الخطوة الرئيسية نحو هذا التحول خطاها فتجنشتين فى كتابه "رسالة فلسفية منطقية " (4). فقد رأى أن العمل الفلسفى هو فى جوهره توضيحات، حيث قال : "إن موضوع الفلسفة هو التوضيح المنطقى للأفكار، فالفلسفة ليست نظرية بل هى فاعلية . ولذلك يتكون العمل الفلسفى أساساً من توضيحات لا تكون نتيجة الفلسفة عدداً من القضايا الفلسفية إنما هى توضيح للقضايا . فالفلسفة يجب أن تعمل على توضيح الأفكار وتحديدها بكل دقة وإلا ظلت تلك الأفكار معتمة مبهمة إذا جاز لنا هذا الوصف " (5).

وقد يكون الفيلسوف إير هو أول من لفت الانتباه إلى "التحول اللغوى "، فهو يقول: " إن الفيلسوف من حيث إنه محلل ليس معنياً بالخصائص الفيزيائية التى تتميز بها الأشياء. هدف الفيلسوف هو أن ينظر فى الكيفية التى نتحدث بها عن الأشياء". أو بعبارة أخرى: "إن قضايا الفلسفة ليست قضايا واقعية، بل هى فى طبيعتها قضايا لغوية . فهى لا تصف سلوك الأشياء المادية، ولا حتى الأشياء العقلية، بل تقتصر على التعبير عن التعريفات أو النتائج الصورية التى تترتب على التعريفات . وكنتيجة لذلك تكون الفلسفة علامة بارزة من علامات البحث المنطقى الخالص" (6).

و" التحول اللغوى " Linguistic Turn هو التحول نحو اللغة واتخاذها موضوعاً للفلسفة ؛ وهذا التحول لم يأخذ صيغة واحدة، كما يصوره أنصار الفلسفة التحليلية، وإنما يأخذ فى الحقيقة صوراً متعددة . وأصبحت عبارة " التحول اللغوى " أكثر انتشاراً عندما استعملها رورتى عنواناً للكتاب الجماعى الذى أشرف عليه وكتب له مقدمة نشرت عام 1967 . وهذا الكتاب عبارة عن مجموعة من المقالات أغلبها لفلاسفة مناطقة وتحليليين، ومنها : "مستقبل الفلسفة " لـ (مورتس شليك)، " التجريبية، السيمانطيقا، والأنطولوجيا " لـ)رودلف كارناب)، " الوضعية المنطقية، اللغة، وإعادة بناء الميتافيزيقا " لـ (كوستاف برجمان)، "التعبيرات النسقية الخاطئة " لـ (جيلبرت رايل) و" معضلة فلسفية " لـ (جون وزدم) و" التقدم السيمانطيقى " لـ (ويلارد كواين) و" الاكتشافات الفلسفية " لـ (ر.م. هير) و" أرامسون ودارنوك " لـ (جون أوستن)، " مدخل إلى اللغة : الكلمات والمفاهيم " لـ (ستيوارت هامبشير)، " تاريخ التحليل الفلسفى " لـ (أرامسون) و" التحليل، العلم، والميتافيزيقا " لـ (بيتر ستروسون) .. الخ .

يقول رورتى فى مقدمة كتابه " التحول اللغوى": "إن الهدف الذى يصبو إليه هذا الكتاب يتصل بتقديم معطيات تمكن من التفكير فى الثورة الفلسفية التى حدثت فى السنوات القليلة الماضية، أى فى الفلسفة اللغوية. وأعنى " بالفلسفة اللغوية " هنا " تلك الرؤية التى تقضى بأن المشكلات الفلسفية يمكن حلها سواء بإصلاح اللغة، أو بالمزيد من الفهم الذى يمكن أن نصل إليه حول اللغة التى نحن بصدد استعمالها " (7). وهو يعرف "التحول اللغوى " بأنه ذلك " التحول الذى اتخذه الفلاسفة فى اللحظة التى هجروا فيها الخبرة بوصفها موضوعاً فلسفياً وتبنوا موضوع اللغة وبدأوا فى السير خلف خطى فريجه بدلاً من لوك " (8).

وأكد رورتى هذا المعنى فى موضع آخر فقال : " لقد اتخذت صورة الفلسفة القديمة والوسيطة " الأشياء " Things منطلقاً لها، واتخذت الفلسفة فى القرون من السابع عشر إلى التاسع عشر " الأفكار " Ideas منطلقاً لها، ويتم توضيح الساحة الفلسفية المعاصرة بواسطة " الكلمات " Words (9). وأضاف رورتى أن النظام المعرفى المسمى حالياً " فلسفة اللغة " له مصدران أساسيان :

المصدر الأول : جملة المشكلات التى عالجها فريجه وناقشها، على سبيل المثال، فتجنشتين فى "الرسالة"، وكارناب فى "المعنى والضرورة " . وهى مشكلات بخصوص معرفة كيفية تنظيم أفكارنا عن المعنى والإشارة بطريقة تمكننا من الإفادة من المنطق الكمى، والحفاظ على حدوسنا عن منطق الجهة، وبصفة عامة، تقديم صورة واضحة ومرضية حدسياً تتشكل من مفاهيم " الحقيقة "، و"المعنى"، و" الضرورة " و" الإسم " . ويسمى رورتى هذه الفئة من المشكلات " موضوع فلسفة اللغة الخالصة "، وهى نظام ليس له شكل معرفى ولا حتى أى علاقة مع معظم الاهتمامات التقليدية للفلسفة الحديثة .

المصدر الثانى : هو المصدر المعرفى، ويتمثل فى محاولة استعادة صورة الفلسفة الكانطية كإطار تاريخى دائم للبحث فى شكل "نظرية المعرفة " . فقد بدأ " التحول اللغوى " كمحاولة لتقديم نزعة تجريبية غير نفسية عن طريق إعادة صياغة الأسئلة الفلسفية بخصوص المنطق . ولقد جرى الاعتقاد بأنه من الممكن الأن، تقديم المذاهب التجريبية والفينومينولوجية ليس بوصفها تعميمات تجريبية – نفسية ولكن كنتائج " للتحليل المنطقى للغة " . وبوجه عام، إن الفعاليات الفلسفية حول طبيعة المعرفة الإنسانية ومجالها (على سبيل المثال ما قدمه كانط من مزاعم معرفية حول " الإله " و" الحرية " و" الأخلاق") يجب أن تقدم من جديد فى شكل ملاحظات أو تعليقات حول اللغة (10).

ويرى رورتى أن " الفلسفة التحليلية " بوصفها صورة من التجريبية قد انطلقت فى عصرنا من أعمال رسل وكارناب – الخ- وأن الفيلسوف إير هو الذى استوعب هذه الأعمال وقام بنشرها وتفسيرها خاصة فى كتابه " اللغة والصدق والمنطق " (1936) . حيث قدم من خلاله جملة من الأفكار التى تشكل ما يسمى فى عصرنا " الوضعية المنطقية " أو " التجريبية المنطقية " وهى الأفكار نفسها التى أعادت الابستمولوجيا التأسيسية للتجريبية البريطانية إلى مجراها اللغوى بدلاً من النفسى . وهذه الأفكار تختلف بشكل كبير عن الأفكار التى تشكل الأساس لما يسمى، أحياناً، " فلسفة تحليلية ما بعد الوضعية " – وهى فرع من الفلسفة يقال عنه أنه " أبعد من " أو " تجاوز " للتجريبية والعقلانية (11).

ويقول رورتى : " إن التحول الذى حدث داخل الفلسفة التحليلية منذ بداياتها فى حدود 1950 م، إلى غاية اكتمالها فى سنة 1970م، من الصعب رصده بيسر وتحديده بدقة، فهو يرجع إلى تفاعل معقد لقوى كثيرة صاحبت الفلسفة التحليلية . لكن مع هذه الصعوبة هناك ثلاثة أعمال رئيسية ساهمت فى مسار الفلسفة التحليلية وهى : "معتقدان للتجريبية " لـ (ويلارد فان أورمان كواين) و" بحوث فلسفية " لـ (لودفيج فتجنشتين) و" التجريبية وفلسفة العقل" لـ (وليفرد سيلرز) (12).

ومقال سيلرز، من بين تلك الأعمال الثلاثة، والذى يتصف بالتعقد والثراء، هو أقلها شهرة ومناقشة . فقد أكد مؤرخوا الفلسفة الأنجلوأمريكية أهمية مقال كواين فى إثارة الشكوك حول فكرة " الصدق التحليلى " وكذلك حول فكرة رسل وكارناب القائلة " بأن الموضوع الرئيسى للفلسفة يجب أن يكون " التحليل المنطقى للغة ". كما عملوا على إبراز قيمة مقال فتجنشتين ودوره فى هدم كثيراً من مشكلات الفلسفة التقليدية . ومع هذا، فإنهم لم يسلطوا الضوء بشكل كاف لتقدير دور سيلرز فى هذا المجال. وسيلرز (1912 -1982) بأعماله العديدة ورؤيته الموسوعية والعميقة بتاريخ الفلسفة قد تميز عن كثير من فلاسفة التحليل وعلى رأسهم كواين وفتجنشتين؛ فهو يقول : " إن الفلسفة من دون تاريخ الفلسفة، إن لم تكن عمياء، فإنها على الأقل تكون خرصاء "(13).

والحقيقة أن محاولة رورتى للجمع بين " التجريبية " و"العقلانية" تعتمد أساساً على أفكار سيلرز وخاصة فى كتابه "التجريبية وفلسفة العقل " . وهو الكتاب الذى أشاد به رورتى واعتبره من أكثر الأعمال جاذبية فى عصرنا، ولا يمكن التعرف على مشروع سيلرز الفلسفى من دونه . والفكرة الرئيسية فى هذا الكتاب هى قول كانط : " الحدوس من دون مفاهيم تكون عمياء " . فوجود انطباع حسى، هو فى حد ذاته ليس مثالاً للمعرفة ولا للخبرة الواعية . سيلرز، مثل فتجنشتين المتأخر، وعكس كانط، رأى أن وجود "مفهوم " يعنى " التمكن من استعمال كلمة " . ولذلك فهو يقول : " إن كل وعى بالأنواع، وبالتماثلات، وبالوقائع .. الخ، أى باختصار، كل وعى بالكيانات المجردة – بل حتى كل وعى بالجزئيات هو " عمل لغوى" . ومذهبه الذى سماه " النزعة الاسمية السيكولوجية" Psychological Nominalism يوضح – كما يرى رورتى – أن لوك، وباركلى، وهيوم كانوا مخطئين فى اعتقادهم أننا " ندرك أنواع محددة .. وذلك ببساطة بفضل وجود أحاسيس وصور(14).

و" النزعة الأسمية السيكولوجية " عند سيلرز مبنية على أسلوب فتجنشتين فى كتابه "بحوث فلسفية "، والذى أكد ارتباط المعرفة بالممارسة الاجتماعية .. وتؤدى إلى تضييق الخلاف، بل والجمع بين توجهات " العقلانيين " و" التجريبيين " (15). وذلك من خلال توسط اللغة ومعالجة المشكلات الفلسفية بالرجوع إليها .. يقول سيلرز : " إن التحكم فى اللغة هو الشرط الضرورى لكل خبرة واعية " (16).

ويقسم رورتى فلاسفة العقل واللغة إلى قسمين : فلاسفة ذريين Atomists وفلاسفة كليين Holists ؛ وهؤلاء جميعاً يرون أن أهم ما يميز الإنسان عن غيره من المخلوقات هو العقل واللغة . وقد زادت حدة الخلاف بين الفريقين منذ نشر كتاب " مفهوم العقل " لـ " رايل"، و" بحوث فلسفية " لـ " فتجنشتين "، و" التجريبية ومفهوم العقل "   و" معتقدان للتجريبية " لـ " كواين" . فقد شك فتجنشتين فى منطلق النظرية النسقية للمعنى، وسخر كواين من القول " بوجود كيانات تسمى (معانى) مرتبطة بالتعبيرات اللغوية"، وشك رايل فى تصورات علم النفس التجريبى، وسار سيلرز على نهج فتجنشتين بقوله إن ما يميز البشر هو قدرتهم على التخاطب مع بعضهم البعض، وليس امتلاكهم حالات عقلية داخلية متماثلة بشكل ما مع حالات بيئتهم (17).

وبعد أن تربى رورتى فى أحضان الفلسفة التحليلية، وتمرس على آلياتها سرعان ما تمرد عليها وانتقدها بعدما اكتشف إخفاقاتها المتنوعة .

 

أ.د. ابراهيم طلبه سلكها

رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة طنطا

مصر

...............

الهوامش

(1) د. صلاح إسماعيل : نظرية جون سيرل فى القصدية، دراسة فى فلسفة العقل، حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية – الحولية السابعة والعشرون، مجلس النشر العلمى، جامعة الكويت، 2007، ص34 .

(2) Timothy Williamson : Op – cit , pp- 11-12.

(3) Anthony Kenny : Frege : An Introduction to the   Founder of Modern

Analytical philosophy , oxford , Blackwell, 2000, p-211

(4) Michael Dummett : Origins of Analytical philosophy , Cambridge, Mass : Harvard university press, 1996 , p- 25 .

(5) لودفيج فتجنشتين : رسالة فلسفية منطقية، ترجمة د. عزمى إسلام، مراجعة د/ زكى نجيب محمود، مكتبة الأنجلو المصرية، 1968، ص ص 36، 37 .

(6) Alfred Jules Ayer : Language, Truth and logic, Penguin Books, 1936,p- 76.

(7) Richard Rorty : The Linguistic Turn , Essay in philosophical Method , The University of Chicago press, 1992, p- 3 .

(8) محمد جديدى : مرجع سابق، ص 256 .

(9) Richard Rorty : Philosophy and the Mirror of Nature , p-263.

(10) Ibid , pp- 257-258 .

قارن د.محمد جديدى : مرجع سابق ص 259

 

(11) Richard Rorty : " Introduction " In " Empiricism and the philosophy of Mind " edited by willforid Sellars, Cambridge, Mass, Harvard University press, 1997, p-1 .

(12) Ibid , pp- 1-2 .

(13) Ibid, pp- 2-3 .

(14) Ibid, pp- 3-4 .

(15) Ibid, pp- 4-5 .

(16) Ibid, p- 9 .

(17) Richard Rorty : Contingency, Irony and solidarity, Cambridge university press, 1995, pp—176 – 180 .

 

mohamad bakohننطلق في هذه الدفاتر الفلسفية لنيتشه، من تصور أوّلي أساسي، مفاده أن فكر نيتشه الفلسفي، يستحسن الإنصات إليه أكثر من قراءته . وإن قرئ، ينبغي أن يقرأ به وفيه، وليس بفكر استباقي خارجي، أو استنادا إلى منظور منهجي واضح الملامح والمعالم .

لهذا، ففكر نيتشه المعّقد فلسفيا، لا يمكن تمثل منجزه الفلسفي القصدي، إلا بالابتعاد أولا عن قراءته القراءة الاختزالية الصارمة، أو الأحادية الجانب، وثانيا، باتخاذ مسافة معينة مع الفكر الايديولوجي الإسقاطي الموجه، وثالثا، بالتبني الفعلي للقراءة الفلسفية المنفتحة، على لغة المعرفة الشمولية، باعتبار أن نيتشه نفسه اعترف، في أكثر من موضع، في كتاباته الفلسفية العميقة، بأنه يكتب فلسفته بلغة الدم، وليس بالقلم . يعني أن الفلسفة هنا، غير الفلسفة بالمفهوم الأكاديمي الشائع والمألوف. القول الفلسفي هنا بمثابة كتابة إبداعية، يعبر من خلالها الفيلسوف عن ذاته، وعن فكره، وعلاقاته المختلفة، والمتوترة أحيانا بالعالم من حوله، حتى وإن كانت تعبيراته الذاتية المبدعة، هنا بلغة المفاهيم الفلسفية، انسجاما كليا مع الشكل الشعري الشذري .

 

1 – الفيلسوف الموحد، واختياره لموقع الوحدة والتوحد، كموقف انفصالي ومقاوِم، لتحرير ابداعه الفكري والفلسفي .

يقول نيتشه في هذا الصدد: " لكي يعيش الانسان وحيدا، عليه أن يكون حيوانا، أو إلها، قال أرسطو . تبقى حالة ثالثة، عليه أن يكون الاثنين معا .. فيلسوفا " 1 .

يتجاوز نيتشه هنا أرسطو، في مسألة مفهوم الإنسان ككائن حي . فإذا كان أرسطو قد حدد معنى الانسان المتوحّد، بالتعبيرين الفلسفيين المتناقضين: الحيوان والإله، باعتبار التعبير الأول (الحيوان = الطبيعة) يحيل على الاختيار الوجودي المحايِث للفرد البشري، بتعبير دولوز (الحسّي والغرائزي والأرضي)، في حين يحيل التعبير الفلسفي الثاني (الإله = الدين) على الاختيار الوجودي المفارِق، دائما بلغة دولوز (التجريدي والسماوي) . في المقابل، يضيف نيتشه القيمة الفلسفية لمعنى وحدة الانسان، وهي القيمة التي تجعل مفهوم الفيلسوف، في نظر نيتشه، يتخذ شكلا مركبا من البعد الحسّي الجسدي، الذي يعتبر بعدا أساسيا لتوازن الفرد الإنساني عند نيتشه، والبعد المثالي المتعالي الخيالي والجمالي، ثم البعد الفكري والعقلاني والتحليلي . هكذا، يتحقق المركّب المفهومي لمعنى وقيمة الفيلسوف، في سياق اختياره الفكري والطوعي، لموقف الوحدة والتوحد، كوقف فلسفي ووجودي، من أجل التفكير والابداع الفلسفيين . وبسبب رمزية هذا الموقف الوجودي القلق، لموقع الفيلسوف في حياة المجتمع، نعته نيتشه في نص آخر، بالموقف التراجيدي العميق، الذي لا يختلف كثيرا عن وضع حمار كاد " أن يهلك تحت ثقل لا يمكن حمله ولا الالقاء به ؟ تلك حالة الفيلسوف "2 . مع الأخذ بعين الاعتبار أهمية الاستعمال الرمزي عند نيتشه للفظة " الحمار "، لأنه هنا يستعملها كإحالة على الأصل الطبيعي للكائن الحي، قبل طابعه الثقافي المتطور، الذي تلاه لاحقا. بالإضافة إلى قيمة التحمل القصوى، التي تعني في حالة الفيلسوف، وضعه التراجيدي، رفقة أسئلته القلقة الوجودية المستمرة في حياته الخاصة، التي غالبا ما يشعر بها قصيرة، مقارنة مع باقي الموجودات الحية، والكائنات الطبيعية المحيطة به .

كما أن مفهوم الوحدة، كحالة هوية وجودية، في المجال الفلسفي، هي غير حالة العزلة، باعتبار أن الفيلسوف المتوحّد، حسب هايدغر، غالبا ما يكون دوما، في حاجة أكيدة إلى أن يتوحّد بنفسه وذاته، بعيدا عن عالم التشويش، من أجل طرح أسئلته الفكرية والفلسفية، والتحاور الفعلي مع جوهر الأشياء . يقول هايدغر في هذا الشأن " غالبا ما يندهش أهل المدينة، من انعزالي الطويل الرتيب، في الجبال مع الفلاحين، إلا أن هذا ليس انعزالا، وإنما هي الوحدة . ففي المدن الكبيرة، يستطيع المرء بسهولة أن يكون منعزلا، أكثر من أي مكان آخر، لكنه لا يستطيع أبدا أن يكون فيها وحيدا . ذلك أن للوحدة القدرة الأصلية على عدم عزلنا، بل إنها، على العكس من ذلك، ترمي وجودنا بأكمله في الحوار الواسع مع جوهر الأشياء كلها "3 .

إن هايدغر هنا، يتفق بلا شك مع الرؤية الفلسفية لنيتشه، فيما يخص حاجة الفيلسوف الضرورية، لعامل الوحدة، الذي يعتبر بمثابة حافز على التفكير والابداع، وليس العزلة، وذلك لتحقيق القفزة النوعية والمطلوبة، في التفكير الفلسفي المثمر والخلاق .  

 

2 – الفيلسوف التراجيدي، ونهاية جوهر الفلسفة

لعل الفيلسوف، هو الرجل المؤهل لقيادة عربة الفلسفة، إما قوية إلى الأمام، أو يعيدها ضعيفة إلى الوراء . لهذا، فلما انتقد نيتشه فلاسفة العصر اليوناني المتأخرين، بدءا بالتجربة الفلسفية السّقراطية، التي كانت بمثابة السمّ القاتل لجوهر الفلسفة، بمعناها النيتشوي، كفلسفة عمل وحياة، لا فلسفة نظر وخيال ووهم جميل، عاتبهم بكون فلسفتهم المرتبكة، كانت تفتقر لحكمة الفلاسفة الطبيعيين المنفتحين، على كل مظاهر الحياة والوجود من حولهم . يقول نيتشه في هذا المعنى " أما أن يرى الفيلسوف مشكلة في قيمة الحياة، فإن ذلك لمما يعد مأخذا عليه، ونقطة استفهام حول حكمته، بل انعدام حكمته أصلا . ماذا ؟ وكل هؤلاء الحكماء العظام، تراهم لم يكونوا منحطين فحسب، بل وليسوا حتى بحكماء"4 .

لعل نيتشه هنا يطرح السؤال حول مدى صلاحية ومصداقية الفلسفة الأخلاقية، بل مشروعية الفيلسوف الميتافيزيقي الجديد، كفيلسوف مهادِن وغير حكيم، بل الخاضع طوعا لسلطة قوى التوجه الأخلاقي والفضائل، الذي أسّسه شيخ الفلاسفة آنذاك سقراط، خروجا على التوجه الفلسفي التراجيدي الطبيعي، باصطلاح نيتشه، وسار على مذهبه الفلسفي فيما بعد، تلميذه النجيب أفلاطون .. والفلاسفة الآخرون.

 

3 – الفيلسوف الجينيالوجي، والتأسيس الحقيقي المأمول لفعل التفلسف

إن معنى الفيلسوف مرتبط هنا بقيمته الفكرية، ودوره الرمزي في مجتمعه . أي أنه إنسان يفكر لصالح الناس والانسانية، في وطنه الصغير والكبير، بالبحث طبعا في أصل الأشياء، وليس بتكريس سلطة المشرّع (كانط) . يقول جيل دولوز في هذا الصدد " إن الفيلسوف هو رجل جينيالوجي، وليس قاضي المحكمة على طريقة كانط " 5 .

يبقى أنه، سواء كان الفيلسوف موحدا، أو تراجيديا، أو جينيالوجيا، فالفلسفة تتلون بلون هذا الفيلسوف (المهادِن أو الثائر)، الذي من المفترض أنه يحيا فلسفته، قبل أن يكتبها على شكل أفكار وقضايا ومفاهيم فلسفية إبداعية .

 

 

 

 

................

1 – نيتشه، أفول الأصنام، ترجمة حسان بورقية – محمد الناجي، إفريقيا الشرق، فقرة 3، ص 7

2 – نفسه، فقرة 11، ص 8

3 – عبد السلام بنعبد العالي، الفلسفة أداة للحوار، توبقال للنشر، ص 10

4 – نيتشه، غسق الأوثان، ترجمة علي مصباح، منشورات الجمل، ص 25

5 – GILLE DELEUZE . NIETZSCHE ET LA PHILSOPHIE . P 2  

 

 

zouhair khouildi"إن المرء يريد أن يفهم ما يُتاح للفهم فحسب...وان الوجود الجدير بالفهم هو اللُّغة"1[1]

لقد اتخذت مشكلة اللغة مكانة بارزة في المناقشات الفلسفية المعاصرة ومكنت الفكر من نقد تصوره الطبيعي للعالم وإعادة التفكير في تجربة الإنسان في العالم ومثلت السلطة الرمزية التي تتدخل في تشكيل مصير الحياة وعلاقة المجتمع بتاريخه وفي تحديد قدرات البشر على الربط بين المعرفة والممارسة.     لقد عبر هانز جورج غادامير عن الرجة التي أحدثها المنعطف اللغوي للفلسفة المعاصرة بقوله:" اللغة هي النمط الأساسي لاكتمال وجودنا في العالم والشكل الذي ينطوي على شمولية تأسيس وتشكيل العالم."2[2] على هذا النحو يجد الإنسان نفسه بفضل اللغة وجها لوجه مع وضعه المتناهي وتمثل اللغة أداة للتعبير عن الذات ووسيلة للفهم ما يحيط به بل الإمكانية العليا لوجوده والاستطاعة التي جعلته جديرا بسكن العالم ورعاية الكينونة. الأمر الهام عند غادامير هو تأكيده على تناهي الطبيعة البشرية وتاريخية المعرفة البشرية ولانهائية التأويل وحدثان الحقيقة وشغل الوعي بالتاريخ ودعوته إلى انصهار الآفاق وإنتاج المعنى بمنطق الأسئلة والأجوبة. لهذا السبب نجده يقول ههنا: " في الحقيقة، الطبيعة البشرية التي تخصنا بواسطة تناهينا هي متميزة الى حد ينبغي أن نعتبر ظاهرة اللغة والفكر الذي يجب أن يصلها تحت قانون التناهي الانساني"3.[3]

بناء على ذلك يربط غادامير بين حضور الإنسان في العالم وتجارب الكتابة والقراءة والفهم والترجمة ، ويعيد انتاج معنى جديد للكائن البشري من جهة نشاطه اللغوي ويقر بأنه حيوان مؤول وليس كائنا رامزا فقط بل تلعب اللغة والحوار والتحدث و دورا أساسيا في تعرفه على ذاته وتؤثر على علاقته بغيره ويرصد غادامير التحول الأنطولوجي للهرمينوطيقا الذي توجهه اللغة وينطلق من شلايرماخر القائل بأن كل شيء مفترض في الهرمينوطيقا ليس سوى لغة ويتعامل مع اللغة باعتبارها وسيطا للتجربة البشرية ومعبرة عن الوضع. من جهة أخرى تكمن مهمة الفلسفة عند غادامير في الكشف عن قيمة البعد الهرمينوطيقي والانتباه إلى وظيفته الأساسية في مجموع تجارب الفهم البشري للعالم في جميع أشكاله بداية بالوعي الثوري ومرورا بعلاقة الفرد بالمجتمع وانتهاء بحضور التقاليد الدينية والقانونية والفنية في التجربة المشتركة والطابع اللغوي للحظة المعاصرة.

والحق أن اللغة تتحكم في سلوك الإنسان وتحدد نمط تفكيره ومضمون وعيه وتنمي ملكة الفهم لديه وان الطابع اللغوي يغمر التجربة الإنسانية في العالم ويحول المشكل الفلسفي الهرمينوطيقي إلى ممارسة تأويلية كونية لمجمل الانتاج البشري الممتد عبر التاريخ والتقاليد والرموز والثقافات المتنوعة.

لهذا السبب يخوض هانز جورج غادامير سجالا طويلا مع يورغن هابرماس حول علاقة الهرمينوطيقا بنقد الإيديولوجيا ودور اللغة في إزالة أشكال سوء الفهم وتحقيق التواصل والتفاهم عبر وساطة المحادثة والحوار والترجمة وينقد الألسنية التي اختزلت دور اللغة في نسق من العلامات والرموز تحكمه بنية من العلاقات الثابتة ويؤكد على أولوية القرابة بين اللغة والوجود وعلى دور التجربة اللغوية في عملية الفهم وفي الانخراط في لعبة الوجود. غني عن البيان أن غادامير شكك في قدرة اللغة على تحقيق التواصل الذي يزعمه هابرماس لها بقوله إن " النقد الإيديولوجي الذي يزعم الابتعاد عن كل هم إيديولوجي ليس أقل دغمائية من علم الاجتماع الوضعي المفهوم بوصفه تقنية اجتماعية"4[4]، ولكنه في المقابل أكد على فن الفهم وايتيقا التفاهم وفي هذا السياق نراه يصرح : " لا تفيد المشكلة الهرمينوطيقية التمكن الصحيح من اللغة بل بلوغ فهم مناسب عن موضوع الكلام الذي يحدث عبر وسيط اللغة"5.[5]

من المعلوم أن غادامير نقد التصور المنهاجي والوضعاني الذي بدأ مع ديكارت وجعل من المنهج طريقا لبلوغ الحقيقة واقترح الفهم التأويلي بديلا ولكن تجربة الفهم لا تتنزل ضمن دائرة المعرفة ولا تمثل نموذجا منهجيا بل تتنزل ضمن دائرة الوجود وتمثل شكل الاستكمال الأصلي لدى الدازاين ونمط للوجود وقدرة على الوجود. من الواضح حسب غادامير أن" مفهوم الفهم ليس مفهوما منهجيا ...وإنما هو الطابع الأنطولوجي الأصلي للحياة البشرية في حد ذاتها"6[6] ، وهذا يدل أن نداء الوجود هو الذي يسمح للكائن البشري بالفهم، وبعبارة أخرى إن" بداية الفهم مرهونة بوجود شيء ينادينا ويدعونا إلى القهم إنها أولى الشروط الهرمينوطيقية"7[7].

تتأسس دعاوي الكونية بالنسبة إلى الهرمينوطيقا على امكانية تحولها إلى نظرية للزمن الحاضر تضع حدا للانقسام بين التحليل المعياري والتحليل الخبري وبين النشاط الشرطي الانعكاسي والنشاط القصدي وتصوغ نظرية في الفهم عبر تجديل العلاقة بين الفهم والتفسير وبين المقاربة الفنومينولوجية والمقاربة الألسنية التداولية. بناء على ذلك يتكسب فن الفهم التأويلي فعالية نقدية بفضل ظاهرة المسافة الزمنية بمعنى التمييز الأحكام المسبقة المضللة والخاطئة والأحكام المسبقة الموضحة والصحيحة وتجديد اللقاء مع تراث حي يدعونا اليه. وبطبيعة الحال يتجه فن الفهم التأويلي عند هانز جورج غادامير إلى إجراء وساطة بين الحاضر والماضي وتطوير في الذات كل المنظورات التي يحضر عبرها الماضي ويتوجه إلينا ويأخذ بزمام الوعي بانفتاحه على الإنتاجية التاريخية واستثمار التجربة اللغوية لبلوغ الحقيقة المطلوبة.

من رهانات الفلسفة الهرمينوطيقية عند غادامير هو جعل الفهم شرط إمكان التفاهم بين الذوات وملاقاة العالم والانتماء إلى الفضاء اللغوي المشترك عن طريق الحوار والمحادثة وتبادل الأسئلة والأجوبة ، لكن ما الذي يعطي للغة القدرة والضمانة على إتقانها لفن الفهم؟ أليس الكلام حمال أوجه واللغة محاطة بالرغبة والسلطة؟ ألا يدعونا عجز اللغة إلى ممارسة النقد الإيديولوجي على الكلام المتداول كما يرى هابرماس؟

 

د زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

............................

الاحالات والهوامش:

[1] Gadamer ( Hans Gorge), herméneutique et philosophie, édition Beauchesne, Paris, 1999, p.98.

[2] غادامير ( هانس جورج) ، فلسفة التأويل ، الأصول. المبادئ. الأهداف، ترجمة محمد شوقي الزين ، منشورات الاختلاف- الجزائر، الطبعة الثانية، 2006. صص.99-100.

[3] Gadamer ( Hans Gorge), herméneutique et philosophie, op.cit, p.78.

[4] غادامير ( هانس جورج) ، فلسفة التأويل ، الأصول. المبادئ. الأهداف، مصدر مذكور ، ص94.

[5] غادامير (هانز جورج)، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا للنشر، ليبيا، طبعة أولى 2007، ص.507.

[6] Gadamer ( Hans Gorge),Vérité et méthode, les grandes lignes dune herméneutique philosophique, édition du seuil, 1976 et avril 1996, p.280.

[7] غادامير ( هانس جورج) ، فلسفة التأويل ، الأصول. المبادئ. الأهداف، مصدر مذكور، ص.130.

 

المراجع والمصادر:

غادامير (هانز جورج)، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا للنشر ، ليبيا، طبعة أولى 2007،

غادامير ( هانس جورج) ، فلسفة التأويل ، الأصول. المبادئ. الأهداف، ترجمة محمد شوقي الزين ، منشورات الاختلاف- الجزائر، الطبعة الثانية، 2006.

Gadamer ( Hans Gorge),Vérité et méthode, les grandes lignes dune herméneutique philosophique, édition du seuil, 1976 et avril 1996,

Gadamer ( Hans Gorge), herméneutique et philosophie, édition Beauchesne, Paris, 1999, ( rhétorique, herméneutique et critique de l’idéologie. Commentaire métacritique de Wahrheit und Methode.pp.83.108.

 

 

 

 

 

 

________________________________________

[1] Gadamer ( Hans Gorge), herméneutique et philosophie, édition Beauchesne, Paris, 1999, p.98.

[2] غادامير ( هانس جورج) ، فلسفة التأويل ، الأصول. المبادئ. الأهداف، ترجمة محمد شوقي الزين ، منشورات الاختلاف- الجزائر، الطبعة الثانية، 2006. صص.99-100.

[3] Gadamer ( Hans Gorge), herméneutique et philosophie, op.cit, p.78.

[4] غادامير ( هانس جورج) ، فلسفة التأويل ، الأصول. المبادئ. الأهداف، مصدر مذكور ، ص94.

[5] غادامير (هانز جورج)، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا للنشر ، ليبيا، طبعة أولى 2007، ص.507.

[6] Gadamer ( Hans Gorge),Vérité et méthode, les grandes lignes dune herméneutique philosophique, édition du seuil, 1976 et avril 1996, p.280.

[7] غادامير ( هانس جورج) ، فلسفة التأويل ، الأصول. المبادئ. الأهداف، مصدر مذكور، ص.130.