 أقلام فكرية

سامي عبد العال: ماذا وراء الاستعارات الدينية؟

سامي عبد العالالاستعارةُ لها مكانة طاغية في الطقوس والنصوص الدينية، لدرجة أنَّها تمثل لغة رمزية تقارب الموضوعات التي لا يدركها العقلُّ بسهولةٍ. وربما أنَّ أغلب ما ينتمي إلى هذا المضمار لا يخرج إلاَّ من رحم الاستعارات وظلالها. فدلالة الله والملائكة والنبي والخير والشر والقيامة والجنة والنار لا تخلو من استعارات الأصل والنورانية والمثال والأحلام والعلو والعذاب والنعيم المقيم. بحيث يكون المعنى منقولاً من أصل ما (طبيعي أو تاريخي أو خيالي أو مفترض أو مثالي: النور على سبيل المثال) إلى أصلٍّ آخر يرسم صورته ويحقق مضاعفة الأصول وتراكم معانيها.

فالاستعارة metaphor لغوياً (في أصلها اليوناني والعربي) هي رفعُ الشيء (أو دلالته) وتحويله (أو تحويلها) من مكانٍ إلى آخر، فهي عند كُلٍّ من أرسطو وعبد القاهر الجرجاني والجاحظ تتضمن حركة النقل والفعل المزدوج هذا. كأنْ يُقال: استعرتُ من فلانٍ شيئاً ما، أي أنني قد حوَّلتُه من جانبه إلى جانبي، والمضمون نفسه بصدد استعارت الكلام أثناء الاستعمال والتداول. فالاستعارة عبارة عن استعمال كلمة أو معنى لغير ما وُضِعت به أو جاءت له لوجود شبه بين الكلمتين. وذلك بهدف التّوسُّع في الفكرة والمماثلة بينهما ضمن نطاق أكبر، أو أنّ الإستعارة هي تشبيه حُذِف أحدُ أركانه، فكان الركن الحاضر معبراً بقوة الغائب عما تعبر، كقول الشاعر: " وإذا المنيّة أنشبت أظفارها "، حيث أنّ كلمةَ المنيّةِ التي تعني الموت ليست لها أظافر فعلية كما تعنى الكلمة حرفياً، لكن الشاعر شبهها مجازاً بالوحش الذي يمتلك أظافر داميةً وشرسة، وقد حُذِف هنا المُشبَّه به (وهو الوحش الكاسر)، وطُبّق فنّ الاستعارة باستخدامه كلمة لغير ما نستخدمها عادةً.

أقرب الأمثلة دينياً على روح الاستعارة (وبقليل من التّصرُف والتأويل) هو ما ورد في نص القرآن: " اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ ..." (النور35)

 حيث تعبر دلالة" النور"عن استعارةِ معانٍ لا تتحدد عند الإنسان بالخلفيات الدينية المعهودة سلفاً. لكنها تكشف طبيعةَ هذه الخلفيات إلى درجة بعيدةٍ، أي تقول استعارة النور بالوقت نفسه: لا تنتظروا أيَّ معنى مادي بعينه على غرار الأديان القديمة. وتباعاً ترتبط الدلالة المنقولة (النور والضياء والتجلي) بالخلوص والطهرانية والبُعد عن التجسيم. هذا بالرغم من أنَّ الصورة الاستعارية العامة هنا بها نوعٌ من التشبيه البليغ (الله نور السموات والأرض) ونوعٌ من التشبيه التمثيلي (مثل نوره كمشكاةٍ) وقد أجاز الإمام القرطبي الوجهين معاً بهذا السياق. فالاستعارة في الآية القرآنية هي استعارة تمثيلية تستند إلى تشبيه تمثيلي حُذِفَ منه المشبّه وهو (الحالة والهيئة الحاضرة) وصرح بالمشبَّه به وهو (الحالة والهيئة السابقة) مع المحافظة على كلماتها وشكلها.

1- النور بمثابة الأصل كأحد عناصر الطبيعة، وهو الشفافية المطلقة الناتجة عن وجود الله المطلق.

2- جاء النور كتمثيل تلقائي بلا تجسد ولا توثين (من الوثن) ولا تصنيم (من الصنم).

3- النور يسمح بالتخييل، لكنه يسمح أيضاً بالتحرر لأنه يضيء. كل نور هو حرية قابلة للاتساع والانفلات من حدود المكان.

4- الإضاءة آتية من كيان النور ولا مباعدة بينهما، فالنور دون غيره يحمل الإضاءة في ذاته وخارجها.

5- النور نسبي بالنسبة إلى الله، لأن الآية لم تقل (نور الله مثل نور كذا)، لكنها قالت الله نور السماورات والأرض: أي أن الله هو أصل النور فضلاً عن التداعي الحر لدال النور.

6- مثلت الآية نور الله بالمشكاة التي تلتمس منها الموجودات الضياء. على أساس أن أصل النور يلتمس غيره منه الضياء والانكشاف.

7- النور لا جهات له ولا كيفية ولا كمية ولا زمان.

8- الإستعارة تضاعف المعنى، فلئن كان الله نوراً، فهو نور على نور وجاء المعنى عائداً بالنور إلى ذاته. كما يقول أبو الطيب المتنبي: (أرقٌ على أرقٍ ومثلي يأرق .. وجوى يزيدُ وعبرة تترقرقُ).

9- تفاعل المعاني في الآية يتم بناء على تفاعل الاستعارات والتشبيهات حول دلالة الله وصوره في الأديان والعقائد.

المهم ولأجل التوضيح فإنَّ هذه الاستعارة في سياق النص القرآني بارزة المضامين والدلالات بحسب الاعتقاد في فكرة الإله، غير أن اتساع الدائرة في توظيف تلك الاستعارة سياسياً لممارسة القوى المجازية أمر معقد وخطير على صعيدي اللغة والدين. لأنَّها (أي الاستعارة) إحدى قوى اللغة التي غالباً ما ننسى أصلها وكيفية تحركها بشكل لا واعٍ عبر المجتمعات. وفوق هذا وذاك ربما لا نلتفت إلى أنها تنتج معانيها داخل أتون المآرب والأهداف. لدرجة القول بأن الممارسات الدينية هي استعارات حيّة تمشي على الأرض وليست ثمة معان لا تختلط بتكوينها الإنساني وتقرب كيفية العيش والتفكير لدى المؤمنين والاتباع والحواريين.

وهناك مثال آخر وهو طقس (العشاء الرباني) في المسيحية، إذ يعد استعارة دينية متخيلة وحية بالمثل، فهو خبز ونبيذ وتراتيل وأخيلة بين الأتباع والحواريين القصد منها هو الحياة بالمسيح. إن العشاء الرباني هو خبز الحياة الذي احتفل به المسيح قبل صلبه مباشرة. ففيما كان المسيح جالساً مع تلاميذه قال: " اشْتَهَيْتُ بِشَوْقٍ أَنْ آكُلَ هَذَا الْفِصْحَ مَعَكُمْ قَبْلَ أَنْ أَتَأَلَّمَ…وَإِذْ أَخَذَ يَسُوع رَغِيفاً، شَكَرَ، وَكَسَّرَ، وَأَعْطَاهُمْ قَائِلاً: « هَذَا جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ لأَجْلِكُمْ. هَذَا افْعَلُوهُ لِذِكْرِي! » وَكَذلِكَ أَخَذَ الْكَأْسَ أَيْضاً بَعْدَ الْعَشَاءِ، وَقَالَ: «هَذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي الَّذِي يُسْفَكُ لأَجْلِكُمْ"  (لوقا 22: 15، 19-20)

 وتلك الاستعارة تشكّل صلب ما تتوافر من معانٍ في هذا الطقس، فهو صورة مادية شديدة الحساسية، غير أن المضمون رمزي حتى النخاع، لأن الخبز كمادة للعيش والطعام لن يكون حياةً إلا بتمثل الروح القدس داخله، بل إنه عشاء من لحم المسيح الحي. كأن الاتباع والحواريين سيأكلون جسد المسيح بالفعل وسيشربون دماءه، حتى يتجرعوا نسغ الحياة الأبدية في أرواحهم وأجسادهم. وربما ليست هنالك أية آلية أمام هذه الذهنية البسيطة خلال هذا الزمن سوى التمثيل الرمزي (استعارة العشاء الرباني) لما سيعيشون فيه وسيعيش فيهم بالتزامن. إنه طعام المسيح كخبز للأبد حيث أخذ العهد بشكل استعاريٍ فاعل.

 وبنظرة إجماليةٍ إذا كانت الاستعارة آليةً دينيةً (مسيحياً واسلامياً)، فهي بالأحرى ناقلةٌ لخلفيات الفكر فيما وراء المعتقدات والطقوس الأخرى. ولا سيما في مجال التفاعل البشري داخل الجماعة الإنسانية التي ترى انعكاسَ صور الايمان في أفعالها. كل استعارة تتم ممارستُها دينياً إنما تُحدّد: بأي معنى كانت سلطتَّها في المجال المنقولة (منه) ولماذا تكتسب المعنى ذاته في المجال (المنقولة إليه)؟ وأيُّ نوعٍ من التأسيس الآخر الذي قد يستند إليها إزاء الآخرين؟ إنَّها عملية ثقافية كاشفةٌ قبل كونِّها تحولاً ضاغطاً للمعنى المقصود. ولعلَّ الاستعارة الدينية بهذا التكوين هي عملية ذات طابع فردي جمعي، فالإعتقاد يخص الأفراد من حيث هو مرهون بايمانهم وكذلك فإن التعبير عن فحواه يتوقف على الرؤى التي تضمه كفرد إلى غيره حيث يعيش داخل (الصور المتاحة). فجماعة الإيمان استعارة ترتبط بدلالة اللحمة الاجتماعية المتماسكة في حدود أفعال الخير والشر والتعبير عن الجماعة العامة الراعية لأفرادها باسم الدين.

 حقا لم تُقرأ الاستعارات في النصوص والوثائق والتفسيرات الدينية إلاَّ كصيغ لغويةٍ فقط. لكن الأهم فيما أتصور هو قراءتها كعمل طقوسيٍّ في عتمة التفكير الديني المرتبط بالدجما العقلية أو الأيديولوجيا الجماعية. ذلك مثلما كانت الاستعارة (من قبله) فاعلةً في القصص الاسطوري والملحمي والشعبي والفلسفي إجمالاً. لذلك كلما كانت الاستعارات مشحونةً بمحددات العقائد كلما جاءت ذا طبيعة رمزية. وهنا التهديد القادم رأساً مع أبنية اللغة والفكر: أنها تتضمن إمكانية التفلُّت (عكس المُتوقع لها) من الهدف الجاري ورائها على المدى القريب. ولأنه بفضل مجازيتها المراوغة ستؤدي حتماً إلى انحراف المعاني.

 خطورة الاستعارة أنها تبدو سريةً تماماً حينما تتقلَّب باعتبارها مسكونةً بازدواج الدلالة (بين هذا وذاك – ازدواج المفارقة – ثنائية التبادل). لأنَّها تعاند نسق الأفكار المهيمن عليها داخل آفاق القراءة وحين يتم انتاج دلالات النص من جديدٍ. فالاستعارات لا تنسى انتماءها المرن والزلق إلى المجاز بحكم طبيعة اللغة. إذ أن عالم المجاز أوضح المناطق النصية انزلاقاً نحو ما لم يكن مرغُوباً وربما تبعاً لبنيته الخاصة حتى. يبدو أنَّ نصاً دينياً (مثل كتب السرد العقائدي والمذاهب والأيديولوجيات الدينية) يظهر كيقين أمام متلقيه بينما تعطيه الاستعارات اشباعاً فنياً (بمدلوله الخيالي) إلى حد الخلخلة. فهي قد لا تلتئم منطقياً مع تكوين النص على نحو عام، لكونها لا ترجِّح أحد معانيه دون الأخرى ولا تُفلح في حسم الإزدواج بصورة واضحة. على أدنى تقدير فإن هذا الازدواج يسرطن أبنية النصوص الدينية مستحضراً غير الديني بالضرورة. والحقيقة في هذا الشأن: أنَّ الاستعارة لا ترضى بديلاً عن تعددية النص و تحولاته الضمنية. فطالما تنقل مستوى دلاليّاً من حقول معرفية أو فكرية ما إلى حقل الدين، فلن ينتج عنا سوى كمٍّ من المعاني بنبرة التباين ... أي زيادة هذا التراكم وتناسل هذا التضاعف.

 من تلك الزاوية، فإنَّ خداع الاستعارات بلاغياً وفكرياً لا ينتهي في عالمنا الراهن. الجماعات الدينية على سبيل المثال تترسخ لديها (استعارة القبيلة metaphor of tribe) من حيث هي تنظيمات قائمة على (تراث علاقات القرابة) المماثل لبنية العلاقة العضوية بين الناس. ثمة تبديل دلالي متكَتِّم تتوسطّه الاستعارات بين الواقع وعالم المجاز جراء الرغبة الغُفْل في الإيجاد، في ترك الأثر، في التحقق. كل اعتقاد ذي طابع ديني يسهل تبديلاً كهذا لصالح ما يذهب إليه، لأن الايمان واليقين يقفان على هذا المفترق من الطرق والتنوع. وبفضل ضغط الاعتقاد المتواصل توحداً بمضمونه، كانت الاستعارة أرضيةً تحمله إلى هنالك حيث لا فرق لدى المؤمنين، وحيث تسييس العقائد في مجالات الممارسة.

ربما كان ذلك سبباً غير مباشر وراء تماسك الجماعات الدينية وتكتلهم في مواجهة المجتمع بوصفهم يعيشوا زخم التجارب الجمعية لا الفردية. لكنه فوق ذلك سنجده نوعاً من التكتل الزائف. فما إن يواجهوا واقعهم حتى يبدأ انفلاق الجماعة إلى أحزمةٍ من الآراء والأعضاء والأفراد نتيجة عنف الاستعارات. ولهذا كانت كلُّ جماعة دينية حاملةً لفيروس الانشقاق تبعاً لمسار تاريخها الاستعاري. كانت جماعة الإخوان نقطةَ تجمُع لأجيال الإسلاميين ثم ما لبثت حتى انفرط عقدها إلى جماعات فرعية. التكفير والهجرة، أنصار السنة، أنصار الشريعة، بذور تنظيم القاعدة، الجماعة الاسلامية المقاتلة. جميعهم نتيجة تحطم الاستعارة الأم: الجماعة المؤمنة التي تطبق شريعة الله خالصة ارتباطاً باستعارات الأصل والنقاء. وهي الجماعة التي ظلت مغلَّفة بعباءة الفرقة الناجية في التراث الاسلامي. حيث تحتم تمايزها عن الأغيار باتباع منهج تراه اسلامياً خالصاً دون شوائب. وحيث تلتقي مع أغيارها تحت انعطافة القيامة كموعد تحدده النجاة الأخروية في أفق الديانات الابراهيمية عموماً.

الاستعارة هنا ماضوية وتمثل طقساً جماعياً عاماً بين الأفراد. فلا تقل الاستعارة عن كيان يعْبُر بالجماعة المؤمنة من مرحلةٍ إلى أخرى. ولكونها ضرباً من الخلاص قيد الحقائق المتخيلَّة، فهناك اتصال خفي بينها وبين كل جماعة سواها. خلال أحداث الربيع العربي (تونس- مصر) رأينا استعارة النواة (جماعة الإخوان المسلمين) التي انفلقت تستعيد حضانة الجماعات الفرعية مرة تاليةً. حيث انضمت إلى مواقف الإخوان بعض السلفية وأنصار السنة وتكتلت معها تحت رايات الجهاد العلني. وما كان منها مثل بعض الأحزاب الاسلامية الليبرالية التي كانت تنادي بالحرية والعدالة والمساواة قد عادت سريعاً إلى الاقصاء. إذن تتأرجح (استعارة النواة الصلبة) بحسب التلاعب الذي يخدم المصالح لكل هذه التنظيمات. وهي وفقاً للسياق تعد ذات طابع براجماتي في تلوين المضامين الخشنة دونما مشكلةٍ.

ولئن كانت (استعارة الفرقة الناجية) ترتد تاريخياً ضامة هذه الفرق والجماعات، فإنَّ استعارة "القربان" تصعد بالدواعش إلي أعلى وتحدوهم إلى أفعال القتل والذبح والسلخ والتقطيع وإراقة الدماء في كل مناسبة. قل ما شئت فجميع المذابح مبررة سلفا. ألاَ يأمرهم اللهبخلافة على منهاج النبوة؟! الاستعارة هنا ليست تبديلاً فقط لكنها " استعارة قاتلة " لدرجة التضحية بأي مخالف لتوجهاتهم. لقد اصبح إله الدواعش مُشاركاً على طريقة طلب القرابين في المعارك والحروب وفي تطبيق الحدود. إنَّها استعارة تتجاوز كل الحدود الإنسانية الممكنة. فقد تصبح الاستعارة عملية قتل لا تنتهي. وربما تمثل (بزعم أصحابها) وعداً يقينياً بالجنة وسط الجحيم الأرضي الذي تعيش فيه داعش.

تُسمَّي الاستعارة بهذا المفهوم استعارة ارتدادية، تختزل الإله والقربان في صور دموية باعتبارهما كذلك داخل سردية عنيفة. في جميع مسارح داعش المفتوحة كما رأينا كانت ثمة استعارات دينية متشظية كقنابل تفتك بأجساد ورقاب العابرين. حتى الصور لديهم كانت لقطات استعارية غير مألوفة تنتهك كيان الإنسان. كان الهدف منها بث الرعب والتخويف عن بعد لمن لازالوا على قيد الحياة. فالدلالة قريبة من زاوية القتل الرمزي لمن يخالف توجهاتهم عاجلاً أم آجلاً. وهم لا يكفون عن توظيف النصوص الدينية لخدمة آغراضهم السياسية، فالنّص لدى الدواعش حاضر تعاقبياً وتزامنياً في الوقت عينه. فحين يعترض شخص على المَشاهد الدموية، يغدو الردُّ جاهزاً على لسان النبوة: " نُصرت بالرعب مسيرة شهرٍ" كما جاء بالحديث المتداول بين الجهاديين الاسلاميين.

جاء تنظيم داعش مسخاً لهذا النص، وأبانَ كيف تتخلَّق اللغة في هيئة كائنات مشوهة لا نعرف أقفيتَّها من وجوهها. لا يفوتنا هذا اللثام الشهير الذي يرتدونه الدواعش أثناء طقوس الذبح وتقديم القرابين البشرية. وكأنَّه قناع لكيفية ترجمة النصوص الدينية العنيفة في جمجمة إرهابية. جماجم الدواعش مخازن لبارود نصي استعاري ساعيةً إلى تفجير المجتمعات بشكلٍّ غارقٍ في تاريخ الدماء.

ومع ذلك كله، فقد لا تخلو الاستعارة الدينية من انكسار عملها من حيث انتشارها الخاص. تماماً كالأشعة التي تنكسر عندما تنفذ من خلال المياه. فرغم محاولة كل استعارة دينية تأكيد صورتها المتخيلَّة، بيد أنها مسكونه بإمكانية الأصل. حتى في غير موضعها تظل الاستعارة راميةً إلى حيث يكون الأصل. وهذه هي المشكلة بالتحديد: أنَّ الأصول لا تأتي ولن تأتي إطلاقاً لا على صعيد الاعتقاد أو الممارسة. وإلاَّ لتخيلنا على الطريقة نفسها إمكانية رؤية الله عياناً بياناً والإمساك بوجوده من أول وهلة. ولذلك ستظل الاستعارة (بفكرة مسرحية " في انتظار جدو" لصمويل بيكت) تنتظر مالا يأتي!!

 كل أصل مفترض هو (صخرة الاستحالة) لأية استعارة تؤسس حركتها عليه. لأنَّها مازالت من أساليب القوى التي تخلط بين الواقع والخيال دون جدوى. وكذلك هي بالمقابل تمثل تضخماً دلالياً في الخطابات المتداولة التي لا تلوي على شيء. إنها أشبه بكم كبير من النقود لا قيمة له إلاَّ أقل القليل في أسواق البيع والشراء. حينها سنشعر بتضخم الملكية النقدية دونما ثقلٍّ حقيقي. في اللغة يوجد الشيء نفس بطريقة أكثر سرية داخل التعبيرات والألفاظ المستعملة. فكل نزوعة أصولية دينية fundamentalism عبارة عن اقتصاد اعتقادي لا حقيقة ورائها سوى التّضخُم الاستعاري. ولهذا سترتبط هذه النزعة الأصولية أو تلك دوماً بالانفجار دون سابق انذارٍ.

من ثمَّ، فإنَّ الأصولية الدينية مبنيةٌ على استعارات لن تأتي بالمضامين الأولية لما تكون عليه. إنَّها مجرد وعود لغويةٍ فاقدة الأصول كالعملات النقدية المزيفة. حقاً هي عملية تزييف للأصول التي تتحدث عنها وتنقل دلالتها من مجال إلى مجال. ولكون الأصولية بهذا المعنى متشددة فليست إلاَّ تزييفاً متعالياً في واقع بائس. وبخاصة أنَّ جواتب الدين توجد بهذا المعطى المتعالي لأجل عدم نقل تجاربها الأصلية. فالطقوس والشعائر والعبادات هي تجارب بالأصل وليست أصيلة. وثمة فارق جوهري بين الاثنين (التجارب بالأصل والأصيلة). فالأولى تعني امكانية استعمال وتوظيف الدين، مجرد محاولة ستكون معرضه للإخفاق الدائم طالما لم تستطع أن تكون أصلاً. أمَّا الثانية فلم توجد إلاَّ كحالة واحدة خلال العصور الذهبية للأديان. كما يسمونَّها أزمنة النبوة الأولى حيث تجلي الأصل في وجوده الأولي دون شوائب إلى حد بعيد. وهذا الالحاح الأصولي في كل نزعة دينية متطرفةٍ هو فقدان للأصول على نحوٍ ما.

لدى جماعة الإخوان على سبيل التوضيح تمثل أساليب التربية استعارات عاملة على استعادة الأصول المفقودة في تاريخ الإسلام. أصول الفرد المسلم الخانع والمطيع وأصول الفكرة النقية خارج التاريخ وأصول السياسة الشرعية بكل هيكلها الحاكم والقيمة التابعة لها. فهناك نماذج تاريخية ثاوية في آفاق الجماعة تطبعها داخل غرائز الجموع وطقوسها. ذلك من خلال التنشئة والاصطفاف والتنظيم الفيزيائي للعقول والأدمغة في قالب واحدة. فجاءت وضعيتها التربوية استعارةً مادية لا محالة، مثلها مثل فكرة الجسد الواحد كما يقال. كان الرهان أنْ يصبح العقل الإخواني مؤصلاً بحكم نمط التربية السائد. وإذا كان الاخوان يعتقدون أنهم جماعة بلا عنفٍ، فما يفعلونه بالاستعارة سيمثل أصوليةً مقنَّعة تمارس عنفاً لا يهدأ ولا يمل. وليس هذا فقك، بل قد تزداد مساحته اتساعاً بزعمها المستمر حول الإسلام والحكم والسعي وراء رسالته. بالنتيجة الضمنية أنَّ أفراد الجماعة تركوا الاسلام وعاشوا في ظلال الاستعارات الخاصة التي تلقي بظلالها على كل شيء.

إنَّ مشكلة الإخوان الحالية والمستقبلية مع (غياب عرش) سلطتهم لا كيف سيُعدلّون المسار ولا كيف سيرمِمُون التنظيم، إنما كيف سيخرجون من الاستعارات التي عاشوا فيها منذ تكوينهم الأول وأكدتها الأدبيات والأفكار التنظيمية اللاحقة. هذا الأصل لديهم هو الغول الاستعاري الذي خرج من (قُمقُم الماضي) مُشكِّلاً جميع حاضرهم ومستقبلهم. إنَّ أكبر تحدي للجماعات الاسلامية إجمالاً هو: بأيةِ وسيلةٍ يحطمون استعاراتهم التي نسجتها سردياتهم وأخيلتهم لدى الاعضاء وغير الأعضاء. دوماً هم لا يستطيعون اتمام هذا الخروج دون عودة ... ذلك خوفاً من تحطيم رؤوسهم بالأساس. والدليل أنَّه حين أخرجهم الواقع من بعض استعارات السلطة (الحُكم)، كتبوا وعبرو عن خروجهم كأنه خروج بني إسرائيل من أرض الرب، أرض مصر، أرض اللبن والعسل والسلوى. فقد كان هذا الخروج اليهودي الأخير خروجاً بمثابة النكبة التاريخية لوجودهم. وعلى الغرار نفسه كان خروج الإخوان من السلطة في غير دولة عربية نكبة بالنسبة لأفكارهم السائدة حتى اللحظة. فهم يتشوفون إلى العودة حين يُلقون الحسرات والزفرات على ما فقدوا من مجدٍ وأصول لم تكن موجودة يوماً ما. وهو الأمر الذي سيشكل دوامَ المظلومية في لاوعي الجماعة، وسيبرر أعمال العنف مهما ارتكبوا من أفعال حمقاءٍ.

 

د. سامي عبد العال

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

دراسة فريدة من نوعها تتناول الاستعارة والمجاز والرمز في النصوص الدينية، يغوص فيها الكاتب المفكر الدكتور سامي عبد العال بمهارة في بحار اللغة وأسرارها، والفلسفة وتنظيراتها، ودهاليز التاريخ البعيدة الغور، ويحلّق في سماوات الأديان وأنوارها.

لم أطلع على بحث بهذا العمق وجرأة التحليل والتركيب. وثمة أقوال كثيرة لأئمة الأمة الأسلامية تؤيد ما ذهب إليه الكاتب الكريم. ويحضرني قول الإمام علي عن القرآن الكريم: " القرآن حمّال أوجه." لأنه يزخر بجليل الاستعارات والمجازات والرموز. وكلها تحتمل التفسيرات العديدة.

تمنياتي لآستاذنا الدكتور سامي بالصحة والخير والهناء، ومزيدٍ من الإبداع والكتابة والعطاء.
علي القاسمي

علي القاسمي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأديب والعالم والمترجم القدير د. على القاسمي
عظيم شكري لمروركم الكريم
لطيفةٌ اشارتكم - وانتم اللغوي والمعجمي العتيد - إلى مقولة الإمام على إنَّ ( القرآن حمّال أوجه )، لأن هناك من لا يري في النصوص الدينية ( الزاخرة بالمعاني والرموز ) سوى أوامر وزواجر فقط. والفكر الفلسفي المعاصر حول اللغة والتأويل والتفكيك ونظريات استجابة القارئ لم يقل غير هذه الفكرة. ولعل المجاز هو الوجه الرئيس الذي يفتح كامل النصوص سواء أكانت دينية أم غيرها. فهناك تفاعل وحوار عميق في القرآن وفي الكتاب المقدس بين الاستعارات والتشبيهات، وجميعها تقف على تراث ضخم من تأويل الحياة والتاريخ. ولم يكن معهوداً في الثقافة العربية - قبل القرآن- اشتغال الاستعارات على العقائد، ولا سيما من جهة تجسيد أكثر المعاني شفافية ودقة بعبارات مادية بسيطة. والعكس أن تكون المعاني الروحية البعيدة والواسعة حاضرة في العبارات ذاتها لتقريب الرؤية الكونية للإنسان الجديد المنتظر.
خالص امتناني وتقديري

سامي عبد العال
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5417 المصادف: 2021-07-05 04:56:52


Share on Myspace