كريم المظفرأختار الكريملين لغة التحذير لأوكرانيا وحثها على تجنب التصعيد في منطقة الجنوب الشرقي في اوكرانيا، وبالتحديد في جبهة الدونباس، والعمل على التزامها الصارم بالاتفاقات المبرمة سابقا بهذا الخصوص، ودعا الى ضبط النفس وإطلاق حوار مباشر مع جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك لتحديد الوضع الخاص لمنطقة دونباس ضمن الدولة الأوكرانية، في وقت تلقت كييف اول صفعة "مدوية " من الغرب، الذي رفض حتى مناقشة إمكانية قبول أوكرانيا في الناتو.

رسائل عديدة وجهها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أولها في اتصاله الهاتفي مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل (التي طالبت موسكو بوقف تحشيداتها العسكرية على حدودها مع أوكرانيا) حذر من أن أوكرانيا تصعد الوضع في إقليم دونباس، لافتا اهتمام المستشارة الألمانية إلى "التصرفات الاستفزازية " من قبل كييف التي تزيد في الآونة الأخيرة بشكل منهجي من حدة التوتر عند خط التماس في جنوب شرقي أوكراني.

وأخرى في مكالمة هاتفية ثانية اجراها فلاديمير بوتين مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان، الذي يستعد للقاء الرئيس الاوكراني فلاديمير زيلينسكي، شرح فيها الرئيس الروسي رؤية بلاده لتسوية النزاع الأوكراني والتشديد خلالها على أهمية اتفاقات مينسك المبرمة عام 2015 أساسا لا بديل عنه لحل الأزمة في أوكرانيا، والاعراب عن قلق الجانب الروسي إزاء تهرب الحكومة الأوكرانية عن تنفيذ التزاماتها بموجب اتفاقات مينسك واستئناف كييف "الممارسات الاستفزازية الخطرة التي تهدف إلى تصعيد الوضع على خط التماس".

أختيار الرئيس بوتين للمستشارة الألمانية انجيلا ميركل، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان لإيصال تحذيراته من " الاستفزازات " الأوكرانية، والنتائج الكارثية التي ستصاب بها أوكرانيا إذا ما تطورت الاحداث  الى الحد الذي "ستفقد " كييف بحسب الشخصيات الأوكرانية العديد من المناطق الأخرى في البلاد، فألمانيا هي عضو بارز في مجموعة " رباعية نورماندي " حول القضية الأوكرانية، في حين اختيار الرئيس التركي، هو لأن الأخير يستعد للقاء الرئيس الاوكراني هذا الأسبوع.

والتحذير الروسي على لسان نائب رئيس الإدارة الرئاسية لروسيا ديمتري كوزاك، كان بمثابة " ضربة " على رأس الرئيس الاوكراني " لإيقاظه " من نوم " العسل" الذي يغط به منذ المكالمة الهاتفية التي جرت بينه وبين الرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي أطلق لنفسه كعادة الرؤساء الأمريكيين " العنان " بالاغداق على نظيره زيلينسكي " بالوعود الفارغة " بشأن دعم واشنطن لكييف في " نزاعها " مع روسيا، فقد أيد المسئول الروسي التقييمات الموجودة داخل أوكرانيا، بأن بداية الأعمال العدائية هي بداية نهاية أوكرانيا، معتبرا ان مثل هذه الاعمال " كالقوس والنشاب، او كالطلقة التي لا تصيب، ولكن في" الهواء "، والتحذير في الوقت نفسه من أن روسيا ستضطر للدفاع عن مواطنيها الذين يعيشون في دونباس إذا كان حجم الصراع مناسبًا، لأن موسكو لن تسمح بوقوع " سربرنيتسا " أخرى هناك .

موسكو التي عبرت عن تأييدها للانفتاح الكامل لمحادثات مينسك حول دونباس ونشر الوثائق ذات الصلة، فإن أوكرانيا تخشى الكشف عن مضمونها، وهو ذات النهج الذي تتبعه ألمانيا وفرنسا، حيث يخشى الجميع "التحدث عنها علنا"، ووفقا للمسئول الروسي فان موسكو عرضت الشفافية والانفتاح والبث (من المفاوضات) حتى يفهم الجميع ما كان يحدث، وعندها "ستكون المستندات المكتوبة مفتوحة ومتاحة للجميع "، وتشير موسكو الى ان هذه السرية خيالية ومشروطة، وانها حاولت الامتثال لها أيضًا، لكنها من وجهة نظرها أحادية الجانب، فهي ضرورية فقط لأوكرانيا لتهيمن على فضاء المعلومات وتتبع خطها الخاص، وهذا "هو الشيء الوحيد الذي يفعلونه - إنهم يضللون مواطنيهم " بحسب كوزاك، وتعرب روسيا عن قناعتها من أن جميع الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها كييف مرتبطة بانخفاض كارثي في تصنيف الرئيس الاوكراني فلاديمير زيلينسكي .

وعلى ما يبدو ان التحذيرات الروسية نجحت في احداث شرخ في الموقف الاوكراني وتشدده قبل أيام، بإعلان سكرتير مجلس الأمن القومي والدفاع الأوكراني، أليكسي دانيلوف، أن كييف لن تحاول استعادة منطقة دونباس شرق أوكرانيا بالقوة، معتبرا أن مسألة الحرب "بيد" رئيس روسيا فلاديمير بوتين، لكنها مستعدة للدفاع عن نفسها ضد أي عدوان آخر، وان أوكرانيا تعتقد أن حكومة بوتين تحشد قوات ومعدات عسكرية على الحدود معها في مسعى لاستنفار المواطنين الروس ضد عدو أجنبي وصرف الانتباه عن مشكلات داخلية.

كما يأتي التراجع الاوكراني بعد ان أعلنت برلين ان الوقت الحالي لا ترى فيه أي احتمالات لتقارب أوثق بين أوكرانيا وحلف شمال الأطلسي، رغم المحاولات التي تبذلها لاتفيا وليتوانيا مؤخرًا في مطالبة قيادة الناتو بشكل مقنع بمنح أوكرانيا خطة عمل لعضوية الناتو (MAP )، وتصريح السكرتير الصحفي للبيت الأبيض جين بساكي، بإن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن تناقش هذه القضية مع كييف، وفي الوقت نفسه، أشارت إلى أن القرار بشأن عضوية الناتو يتخذ من قبل جميع أعضاء حلف شمال الأطلسي، وليس واشنطن فقط، وبالتالي فان دعم المملكة المتحدة والولايات المتحدة أوكرانيا هو "شفهيًا "، وان المساعدة العسكرية لحلف الناتو لأوكرانيا في لندن وواشنطن لا تزال في مرحلة المحادثات ووراء الكواليس، وتأمل كييف بشدة أن تثير لندن وواشنطن قضية مساعدة الناتو لأوكرانيا في صد "المعتدي الروسي" في بروكسل.

سببا آخر اعتبره المختصون مهما، هو ان الناتو قد يفشل في تقديم المساعدة العسكرية لأوكرانيا في دونباس لسبب لوجستي، وهذا ما أكده أندريه شاراسكين، رئيس اللجنة الفرعية التابعة لمجلس النواب المعني بالسياسة البحرية والأمن،والقائد السابق لـ "سايبورغ" دونيتسك من "القطاع الصحيح" المحظور في روسيا، وقال إن عدم معرفة اللغة الإنجليزية يمثل مشكلة كبيرة لأفراد الجيش الأوكراني، بدءًا من القادة، في إطار التفاعل العسكري مع الناتو، حيث يتم إعطاء جميع الأوامر باللغة الإنجليزية" حصريًا "، وبالتالي فإن التنسيق العسكري للجيش الأوكراني وحلف شمال الأطلسي في هذه الحالة قد ينهار بسبب الجهل العام باللغة الإنجليزية في الجيش الأوكراني.

ومن أجل أن تفهم القوات المسلحة وتنفذ أوامر زملائها في الناتو بوضوح، تدرس كييف عدة خيارات، إحداها عودة الأقسام العسكرية إلى الجامعات الأوكرانية التي تدرب مدرسي اللغة الإنجليزية، وتأمل كييف في أن يساعد المتطوعون الحديثون للجيش على تعلم اللغة الإنجليزية، ومع ذلك، من الضروري تطوير برامج تعليمية لغوية فعالة للقوات المسلحة الأوكرانية، على غرار الدورات التدريبية السريعة للمترجمين العسكريين، ومثل هذه الخطة تحتاج لوقت طويل لتنفيذها.

تحذيرات الرئيس السابق لقسم التحقيق في جهاز الأمن الأوكراني (SBU) ) فاسيل فوفك، وانتقاده فكرة تدخل قوات الناتو في الصراع في دونباس، تنذر بأن تكون نتيجة مشاركة الحلف في الحرب، خسارة أوكرانيا للعديد من المناطق الجنوبية الشرقية في وقت واحد، والتشديد على ان الجميع يدرك أنه بدون الناتو لن تربح أوكرانيا أي حرب في أي مكان، ووفقا له، لن يتم قبول أوكرانيا في الناتو ولن يدافع الأعضاء الآخرون في الحلف عنها - خاصة في ظل غياب وحدة الأراضي وأزمة الدولة، وأن يترك الناتو القوات الأوكرانية لمصيرها، فان روسيا لن تحصل على منطقة دونيتسك بأكملها فحسب، بل ستحصل أيضًا على مناطق خاركوف وخيرسون ونيكولاييف.

كما ان التصعيد الغربي ودعمه لأوكرانيا في حالة تفاقم الصراع في دونباس، والتفاعل الأوكراني بشكل متزايد مع " الشركاء الغربيين "، بما في ذلك الترويج للرسائل حول "تعزيز القوات الروسية" بالقرب من حدودها، والوعود الامريكية بمساعدة كييف في حال ما يسمى بالعدوان الروسي، اعادت ذاكرة المهتمين الى تلك الأجواء التي شكلتها الدول الغربية وامريكا عام 2008 مع جورجيا ومعركتها مع روسيا، وفي نهاية المطاف خسرت جورجيا المعركة واراضي لها في (أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا)، دون ان يحرك الغرب او أمريكا ساكنا لاسترجاعها، والاكتفاء بفرض عقوبات على روسيا، فقدت فحواها مع مرور الزمن .

لذلك يرى الخبراء في هذا الدعم الذي تتلقاه كييف من الدول الغربية، وقيام الولايات المتحدة بتزويدها بنوع من الأسلحة، ربما، وإجراء تدريب للأفراد والضباط، وكذلك قيادة موجة العلاقات العامة ودعم الجانب الأوكراني في جميع وسائل الإعلام المتاحة، ومع ذلك، فإنها لن تصل الى الموافقة على دخول أوكرانيا إلى الناتو، على الرغم من طلبات كييف، ولن يطرحوا الأمر أو يحموها، لان هذه الدول تتبع هدفًا مختلفًا، وهو فقط استمرار سياسة "احتواء موسكو"، لكن هذا لا يضمن أمن أوكرانيا.

ويجمع المحللون على ان أوكرانيا ليست سوى مادة قابلة للاستهلاك بالنسبة لهم وستستمر على هذا النحو حتى يتغير الوضع، كما يؤكد خبير المعهد الدولي للأبحاث الإنسانية والسياسية فلاديمير بروتر، يعتمد ما إذا كان الصراع في دونباس سيدخل مرحلة مفتوحة على موقف الدول الغربية، فإن التفاقم بحد ذاته هو مجرد استفزاز، وهو بحد ذاته لا يحمل أي أهداف عالمية ومن غير المرجح أن يقود إلى "الحرب مع روسيا"، وبدوره، يوافق ديمتري سوسلوف، نائب مدير كلية الاقتصاد العالمي والسياسة العالمية في المدرسة العليا للاقتصاد، على أن أحد الأهداف الرئيسية لدعم الغرب لأوكرانيا هو احتواء روسيا.

وفي الواقع، لا تحتاج الدول الغربية إلى أوكرانيا لحل نزاعها الداخلي على أساس اللامركزية والإصلاح الدستوري ومنح الحكم الذاتي لدونباس - أي على أساس تغيير دولتها، فالغرب مهتم بأن يظل الجانب الأوكراني في توجهه المؤيد للغرب والمناهض لروسيا والعمل كأداة رئيسية لاحتواء روسيا في أوروبا، وإن الغرب، في الواقع، يخوض صراعًا من أجل التدمير مع روسيا بالمعنى الجيوسياسي، أي من أجل تدمير موسكو كمركز مستقل للقوة ذات الأهمية العالمية، وإن هذا الدعم مفيد بالطبع للنخبة السياسية الحالية في أوكرانيا، لكن الغرب لن يقدم أي ضمانات أمنية إلى كييف، خاصة أنه لن يقاتل من أجل أوكرانيا، لذلك تعمل أوكرانيا كواحدة من بيادق في هذا النضال، ولهذا السبب تتلقى مثل هذا الدعم السياسي والدبلوماسي، ووفقا لسوسلوف .

ان ما يقلق روسيا اليوم هو ذلك الانقسام في المجتمع الأوكراني العميق للغاية في مناطق الجنوب الشرقي، التي لا تريد حتى أن تسمع عن العودة إلى أوكرانيا الموحدة، والتي قد تتبعها مناطق أوديسا وخيرسون ونيكولاييف وزابوروجي، ويشدد الكريملين على انه إذا قررت كييف الانضمام إلى حلف الناتو، فلن يؤدي ذلك إلا إلى تفاقم علاقاتها مع جمهوريات دونباس المزعومة وتفاقم الأزمة الأوكرانية الداخلية، ويؤكد أن هذا سيزيد من تفاقم الوضع، لأنه عند الحديث عن الانضمام إلى حلف الناتو، لا ينبغي للمرء بأي حال من الأحوال الابتعاد عن رأي الشعب، وان من نجح بأمتياز في دور "المهرج" (حيث كان الرئيس الاوكراني مقدما لبرنامج نقدي فكاهي) وكسب شعبيته منها، ليس بالضرورة ان يكون سياسيا ناجحا !!!.

 

بقلم: الدكتور كريم المظفر – موسكو

 

قاسم حسين صالحكنّا، نحن العلماء والأكاديميين والمثقفين المحبين للوطن والناس، قد ابرأنا ذمتنا بأن نصحنا المحتل بعد شهرين ونصف من دخوله المنطقة الخضراء. ففي 24/6/2003 كتبنا خطابا موجها الى السيد بريمر بوصفه حاكم العراق موثق في صحف عراقية، نلتقط منه نص عبارة واحدة:

(.. وصحيح انكم غمرتم معظم العراقيين بالفرح لتخليصهم من نظام رهيب وكابوس مرعب لكنكم بدأتم تصادرون هذا الفرح منهم، وأن ما فعلتموه هو انكم اخرجتم حاكما من قصره لتدخلوا انتم فيه، وبضريبة باهضة.. فكان ان حصل لديهم انكسار نفسي من خيبة أمل نخشى عليكم ان تتحول الى قطيعة نفسية ، ويغير حتى المتفائلون بكم ما طبعوه عنكم في مخيلتهم: "ما اجمل الجديد" الى "ما اقبحه").. وهذ ما حصل!.. ذلك ان امريكا التي جاءت لتسقط نظاما.. قامت باسقاط دولة بكل مؤسساتها لاسيما الجيش والشرطة.

وما حصل في 9 / 4 / 2003 بقيام قوات التحالف بغزو العراق، وما نجم عن هذه الحرب التي اكملت سنتها الثامنة عشرة قدم لنا دروسا في مجالات العلوم والمعرفة المختلفة: السياسية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية والدينية والثقافية والاخلاقية، على صعيد الفرد والجماعات والمجتمع والسلطة.. والعلاقات التي تحكم هذه الأطراف، وكيف تنشأ الصراعات والى ماذا تفضي، والعنف والضغوط النفسية وقوة تحمّل الشخصية.. وما نحو ذلك من امور من قبيل ما يحصل للقيم والنسيج الاجتماعي من تخلخل او انهيار كالذي حصل لقيمة الحياة المقدسة للأنسان في المجتمع العراقي.

اننا، نحن السيكولوجيين، نعمد الى اجراء التجارب على الفئران في المختبر لمعرفة كيف تتصرف حين نعرضّها الى موقف معين لنستفيد من نتيجة التجربة فيما لو تعرض الانسان الى موقف مماثل. وقد نجري احيانا تجربة على انسان او مجموعة من افراد (ضمن حدود الاخلاق) لنعرف مدى قدرتهم على تحمل ضغط معين.

وما حصل في 9 نيسان 2003 أن العراق صار بكامل ارضه مختبرا لاجراء تجارب ميدانية فريدة من نوعها على ثلاثين مليون من البشر (من الأطفال الى الشيوخ ومن كلا الجنسين) لا يمكن اجراؤها في المختبر حتى على الفئران.وكان على علماء النفس والاجتماع – لاسيما المتخصصين منهم في علم النفس والاجتماع السياسي – دراسة ما يحصل للطبيعة البشرية والمجتمع، ليس فقط في ظروف حرب شاملة باسلحة تدميرية هائلة ليس في مفردات قاموسها "احترام قيمة الحياة"، انما ايضا ما ينجم عنها من ضحايا وهجرة وتهجير وفقر وبطالة وتفكك اسري وتعصب بانواعه وصراعات على المصالح والهويات، وعنف وقتل في مشاهد لا يستوعبها عقل ولا يهضمها منطق.

ما حصل يقدم دروسا تشكل وثيقة تؤرخ لواحدة من أصعب المراحل التي يمر بها العراق في تاريخه الذي ينفرد به ليس فقط بمنجزاته الحضارية انما في حروبه وفواجعه ايضا، وفي ذلك عبرة للقيادات السياسية وللعراقيين واميركا ايضا، وللباحثين في علم النفس والاجتماع على الصعيدين العربي والعالمي.

كان اول درس سيكولوجي-اجتماعي قدمه العراق للبشرية ميدانيا (مختبريا) نصوغه بما يشبه النظرية:

"اذا انهارت الدولة وتعطّل القانون وصارت الحياة فوضى.. شاع الخوف

بين الناس وتفرقوا الى مجاميع أو أفراد تتحكم بسلوكهم الحاجة الى

البقاء.. فيلجئون الى مصدر قوة أو جماعة تحميهم ، ويحصل بينهما ما

يشبه العقد ، يقوم على مبدأ الحماية المتبادلة ".

وكان هذا هو التحوّل السيكولوجي الأول الذي حصل للعراقيين بعيد مزاج الفرح الذي شاع

بين معظم العراقيين بالخلاص من الدكتاتورية. فلقد كان شيئا أشبه بالخيال ان يستيقظ العراقيون صباح التاسع من نيسان وقد وجدوا انفسهم انهم تخلصوا من كابوس رهيب جثم على صدورهم اكثر من ربع قرن وادخلهم في حروب كارثية وحصار اكلوا فيه خبز النخالة فيما كان يأكل هو لحم الغزلان . والكل يتذكر ذلك الرجل الذي مسك صورة صدام صباح ذلك اليوم وهو يضربها بالنعال ويخاطب العالم بانفعال :

ياناس ياعالم هذا مجرم دمّر العراق وقتل العراقيين ، وأوصل رسالة عفوية – للعرب بشكل خاص – أنهم لم يفهموا بشاعة ما جرى للعراقيين على يديه .

*

كان فرح العراقيين معجونا بدهشة أن ما حصل يصعب تصديقه .فللمرة الأولى في تاريخهم يفرح العراقيون بالقضاء على حاكم دمّر وطنهم وأذلّهم وقتل أبناءهم في حروب حمقاء وفي سجون مظلمة وفي الشوارع بوضح النهار. وكان هو الحاكم العراقي الوحيد في تاريخ العراق الذي سجل أعلى الأرقام في ترمّيل النساء وتيتيم ألأطفال وفي جعل المهندسين خريجي الجامعات يبيعون (اللبلبي) في الشتاء و(الموطه) في الصيف في صنعاء وعمان وهم أبناء أغنى بلد في العالم!.

غير أن مزاج الفرح هذا لم يدم سوى أيام .لم يعلم العراقيون حينها ان الذي سقط ليس نظام صدام حسين فقط انما الهوس الامريكي اسقط الدولة بكاملها.. والمفارقة أننا ما زلنا بحمايتها

ويعلمنا الدرس أن خيمة الدولة اذا سقطت (حتى اذا كان نظام الحكم فيها دكتاتوريا) ولا توجد خيمة اخرى تجمع أهل الوطن فان الناس يصابون بالذعر مدفوعين بـ " الحاجة الى البقاء " فيتفرّقون بين من يلجأ الى عشيرة أو مرجعية دينية، أو تجمع مديني أو سكني او مناطقي، أو تشكيلات سياسية أو كتل بأية صفة كانت.. تحميه.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

 

 

انها معاناة مضافة الى معاناة اكثر من ثلاثة عقود من القهر والظلم والاضطهاد والحروب العبثية والحصار الجائر ولاينبغي لاحد ان ينسى "انسانية" الامريكان التي انعكست في تصريح مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية في حينها بان موت اكثر من نصف مليون طفل عراقي بسبب الحصار هو ثمن يستحق ان ندفعه ، لتضاف لذلك في مرحلة لاحقة بعد غزو 2003 الجرائم البشعة على يد القوات الامريكية في سجن ابو غريب وهي جرائم لا ينبغي ان تغيب عن بالنا مهما تقادم الزمان وتكاثرت مآسينا .

ان ذكرى احتلال العراق في عام 2003 ذكرى اليمة ومحزنة حيث نشبت الحرب بحجج وذرائع كاذبة عن امتلاك العراق لاسلحة الدمار الشامل تلك الاسلحة التي دمرتها لجان تفتيش الامم المتحدة بداية التسعينات ، الا انها كانت حربا من اجل الهيمنة على منابع النفط وتدمير اية قدرة قتالية للجيش العراقي خدمة لاسرائيل كما ان الحرب ارتبطت بتدمير العراق كدولة وتحطيم مؤسساته ليصبح لقمة سائغة للصوص ومرتعا خصبا للنهب والسلب من قبل الجماعات التي دخلت مع الغزاة من الاسلاموين وغيرهم مدعين وواعدين يشتى الوعود الوهمية الكاذبة حول عهد "ديمقراطي جديد"

لقد تدهور حال العراق طيلة هذه السنوات من سيء الى اسوأ وبالرغم من تدخل دول الجوار ومرتزقتها والحكومات المتعاقبة وهم جميعا يقدمون مصلحة تلك الدول على مصلحة العراق الا ان المسئولية الاساساسية هي مسئولية الغزو الامريكي وها نحن نتابع الجولة الثالثة مما يسمى "الحوارالستراتجي الامريكي العراقي" والتصريحات الاعلامية الفارغة بشانها والتي لا تتضمن اي تعهد ملموس من الجانب الامريكي بالقيام باية مشاريع في اي قطاع من الصناعة او التعليم او الصحة او البنى التحتية لان الجانب العراقي الحكومي المفاوض عاجز وخنوع وبعيد عن تمثيل مصلحة العراق والعراقيين .

كان العام الماضي عاما صعبا ليس فقط بسبب جائحة الكورونا بل ايضا لتدهور الوضع الاقتصادي للبد بسبب انخفاض اسعار النفط والنهب والرواتب الخيالية التي تمنحها الطغمة الحاكمة لنفسها اضافة الى تخفيض سعرالدينار مقابل الدولار مما ادى الى غلاء فاحش خاضة بغياب اية رقابة على الاسعار مما اثقل كاهل الطبقات الفيرة واصبح عاجزة عن توفير قوت عوائلها اليومي اضافة لعجزهم عن توفير تكاليف العلاج الباهضة بغياب الخدمات الصحية الحكومية او ردائتها اضافة الى العجز عن توفير تكاليف تعليم اولادهم .

ان الحكومة الحالية هي وليد نفس نظام المحاصصة والطائفية البغيض مهما جرت من محاولات تسويقها كحكومة مختلفة اذ بعد المعاناة المريرة من الحكومات الاسلاموية الفاشلة السابقة وبسيب انتفاضة شباب اكتوبر 2019 الباسلة لجأت عصابات المافيا الحاكمة الى المجيء بشخص مختلف ظاهريا ويحاول خداع الناس بالاكاذيب والوعود دون ان يحيد عن نهج تنفيذ اوامر نفس الزمر المتنفذة التي تسيطر على البرلمان المزيف البعيد عن تمثيل ارادة الشعب العراقي وهناك عشرات الامثلة على الوعود الكاذبة    المعسولة للحكومة الحالية حيث لم تقدم مجرما واحدا من القتلة المسئولين عن اغتيال اكثر من سبعمائة شهيد في الانتفاضة وجرح وتعويق اكثر من ثلاثين الف من الشباب اضافة الى العشرات من المختطفين المغيبين بدأ من جلال الشحماني قبل سنين ومازن عبد اللطيف وتوفيق التميمي وسجاد العراقي الذي اغيل والده مؤخرا كما انها حومة ضعيفة وهزيلة وفشلت على كافة الاصعدة وزادت من خيبة واحباط العراقيين ، ويبدو ان من اولويات الكاظمي تسويق نفسه للمشاركة في الانتخابات القادمة عبر حزب شكله عكس الوعود التي اطلقها عند تكليفه بتشكيل الحكومة الموقتة كونه ليس لديه طموح سياسي ؟!

تحاول الحكومة الحالية بشتى الوسائل اضعاف زخم الانتفاضة والتي تتصاعد في فترات متفاوتة وخاضة علي ايدي شباب البنصرية البواسل وكذلك فب العديد من المحافظات الاخرى كالبصرة وبابل والديوانية والنجف ، ومن اساليب السلطة شراء بعض العناصر النشيطة بالامتيازات والمناصب ولكن هذه العناصر انكشفت وانعدم تاثيرها ، الا أن المهمة الانية لشباب الانتفاضة الذين قدموا التضحيات ان تقوم بتنظيم صفوفها في حركة او جبهة او تيار سياسيي بعبر عن مطالبهم التي هي مطالب الشعب العراقي وصياغتها ببرنامج واضح سواء قرروا المشاركة بالانتخابات او مقاطعتها خاصة لاتبدو لحد اية بوادر حقيقية لحصر السلاح بيد الدولولة او الحد من نفوذ المليشيات المنفلتة او توفير شروط ومستلزمات انتخابات حرة نزيهة ،  كما لا ينبغي تصديق الوعود الكاذبة للاحزاب المتنفذة الحاكمة التي تمتلك المال والسلطة والسلاح .

نشرت الصحف الفرنسية مؤخرا خبر تقّديم عائلات خمسة عراقيين بشكوى قضائية في باريس ضد رئيس الوزراء العراقي السابق عادل عبد المهدي تتّهمه فيها بـ"جرائم ضد الإنسانية وتعذيب وإخفاء قسري" خلال قمع تظاهرات "ثورة أكتوبر"، وفق ما أعلنته محامية تمثلهم أن عائلات هؤلاء العراقيين الخمسة (أحدهم تعرّض لإصابة حرجة والثاني مخفي قسرا والثلاثة الباقون قضوا) "تعوّل على المحاكم الفرنسية، بدءا بالاعتراف بصفتهم ضحايا.

وأوضحت المحامية أنه "على الرغم من أن الدستور العراقي يكفل حرية التعبير والتجمّع، قمعت هذه التظاهرات منذ البداية بوحشية هائلة، ثم أصبح الأمر مكررا وممنهجا: إطلاق الرصاص الحي، انتشار القناصة، استخدام قنابل الغاز المسيل للدموع و+تحطيم الجماجم+ من مسافة قريبة كما ان لائحة الاتهام المقدمة بلغت ثمانين صفحة توثق وتكشف تورط رئيس الوزراء السابق واجهزته الامنية ومسئوليتهم عن تلك الجرائم .

ان من المؤمل ان تبدأ المحاكمة في شهر سبتمبر القادم كما يحتمل ان يتم منع عادل عبد المهدي من مغادرة فرنسا ان كان يتواجد حاليا فيها ومن المؤمل ان تكون المحاكمة مناسبة لفضح جرائم النظام وانتهاكاته لحقوق الانسان ولغرض استفادة اوسع من هذه المحاكمة فان نقابة المحامين العراقيين ومنظمات المجتمع المدني المخلصة للعراق مطالبة بتبني قضايا المئات من عوائل الشهداء وتقديمها للقضاء الفرنسي .

يمر العراق بمرحلة عصيبة حيث تعاني الاصوات الحرة داخل الوطن من الاغتيال والاختطاف والتهديد والملاحقة لاسكاتها عن قول كلمة الحق مما يضع مسئولية كبيرة على الاصوات الحرة العراقية الوطنية خارج العراق في ان توحد صفوفها وتيذل جهودا اضافية في شرح معاناة ابناء الوطن للرأي العام العالمي والمطالبة بتحقيق ضمانات حقيقية لاجراء انتخابات نزيهة شفافة باشراف دولي من قبل المنظمات العالمية المستقلة. 

 

د. محمد الموسوي

8-4-2021

 

قاسم حسين صالح- بوصفي شاهد عيان، فأن مؤسسات الدولة تعرضت للنهب في 8/ نيسان / 2003 وليس التاسع منه. ففي صباح ذلك اليوم كنت أرى ، من شباك شقتي بشارع حيفا، أربع دبابات أمريكية تربض في الصالحية بجوار تمثال الملك فيصل الأول، وجرى نهب ممتلكات وزارة العدل التي لا يفصلها عن هذه الدبابات سوى رصيف الشارع.. على مرأى و" تشجيع" من الجنود الأمريكان. فيما بدأت الحرائق في بغداد في 12 نيسان 2003، إذ شهدت اشتعال النار في الطابق العلوي من بناية البنك المركزي العراقي، وفي الركن الأيسر الأرضي من مبنى وزارة العدل، وفي مبنى الإذاعة والتلفزيون ومبنى وزارة الإعلام. وكنت أرى من على سطح العمارة التي اسكنها في شارع حيفا، الحرائق حيثما أدرت وجهي في سماء بغداد.

- كان الفرح قد غمر وجوه معظم العراقيين بنهاية جمهورية الخوف في (9 نيسان /ابريل 2003) مستبشرين بجمهورية الديمقراطية والسلم الاجتماعي. ما كانوا يتوقعون انهم سيقتل بعضهم بعضا ويخسرون عشرات الآلاف في سنتين(2006-2008). وما جري كان حرب اقتتال طائفي سببه الرئيس هو السلطة عليها اللعنة..وكان عليهم ان يحتاطوا.فتاريخها في العراق هو تاريخ العنف والدم وقطع رؤوس الخصوم منذ أن تحولت السلطة العربية والإسلامية الى وراثية عام 61 هجرية. فمن يومها اعتمدت السيف لحلّ النزاعات واجبار من يخالفها على الطاعة والخضوع. وكانت (السلطة العربية والإسلامية) على مدى أكثر من ألف وثلاثمائة سنة لا تلجا الى التفاوض والحوار إلا بعد أن تقطف السيوف رؤوس افضل من في القوم. ولهذا فأن العراقيين معبئون سيكولوجيا في لاشعورهم الجمعي بالعنف لا بالحوار في حلّ صراعاتهم السياسية. ولك أن تستشهد بما حصل عام 1958 من تمثيل وحشي بالعائلة المالكة ورموز النظام. وعام 1963 بتمثيل أبشع بشخص أول رئيس جمهورية للعراق ورموز نظامه، وبآلاف الشيوعيين والوطنيين. وما حصل للبعثيين من حرقهم أحياء بعد هزيمة الجيش العراقي في حرب الكويت عام 1991. فضلا عن الابادات الجماعية للشيعة وحرب الأنفال ومجزرة حلبجة وإبادة الآلاف من الكورد .. الى المشهد اليومي الحاضر الذي لا تستوعب مفردات اللغة وصف بشاعته ولا عقلانيته..وذلك الموروث اللعين الذي يمتد الى داحس والغبراء، مرورا بواقعة دهاء أبن العاص وغباء الأشعري التي " أنجبت " فرق الموت والتكفير..الى نبش الأحداث المخجلة في تاريخنا المتخم بالعنف، وكأن عقولنا مبرمجة فقط على استحضار الأحقاد من ماضينا.

والمسألة السيكولوجية الثانية، أن السلطة في الدولة العراقية الحديثة (من عام 1921 الى عام 2003) كانت بيد السّنة العرب، وفجأة ومن دون تمهيد ديمقراطي أو سلاسة في انتقال السلطة، حدث تبادل انقلابي للأدوار.فالشيعة الذين كانوا لألف وثلاثمائة سنة في المعارضة، والذين حاربوا الانكليزي المحتل في ثورة العشرين، والذين رفضوا دعوة الملك فيصل الأول للاشتراك في الوزارة لأمور فقهية! أصبحوا (بعد 9/4/2003 ) في السلطة، واعتبروا قوات الغزو، التي حاربوها في البدء بضراوة في أم قصر والناصرية، اعتبروها قوات صديقة وتحالف ساستهم معها، فيما السّنة أزيحوا الى جبهة المعارضة سواء ضد السلطة او ضد المحتل الذي أعطاهم السلطة في بدء تشكيل الدولة العراقية الحديثة.

وتبادل الأدوار هذا يشبه في فعله النفسي تبادل الأدوار بين السيد والعبد، فأنّى لمن كان سيّدا أن يكون عبدا لمن كان عبدا بالأمس، لاسيما في سيكولوجية العراقي تحديدا؟!. وعلّة نفسية ثالثة، هي أن الشيعة في العراق (جماهيرها الشعبية تحديدا اعتقدوا أن مصدر ما أصابهم من ظلم وجور وعنف هو السلطة السنّية التي حكمت العراق أكثر من ألف وثلاثمائة سنة، فعمموا هذا الموقف الانفعالي على كل السنّة ولم يقصروه على رموز الحكم ممن استخدم السلطة وسيلة للظلم والقسوة في التعامل واذلال الآخرين بمن فيهم شخصيات وطنية سنيّة حاولوا الأطاحة بالطاغية. وحصل أن نشوة الانتصار ووسواس الخوف من ضياع ما يعدّونه الفرصة التاريخية الأخيرة لهم قد تمكنا من الجماهير الشيعية الشعبية، وعملا نفسيا على الاندفاع والانفعال والتطرف.ولقد عزز هذا وغذّاه زهو بعض قادتهم السياسيين والدينيين بحصولهم على ستة ملايين صوت في الانتخابات (حوالي نصف العراقيين) ناجمة في حقيقتها من موقف تعاطفي وردّ فعل انفعالي لما أصابهم من حيف، أكثر منه موقف من برامج سياسية..دفع معظمهم ثمنه بؤسا وعظوا اصابعهم البنفسجية ندما، بل ان كثيرا منهم خرجوا في الشوارع وساحات التحرير يهتفون (باسم الدين باكونه الحراميه)، و(الخير العدنه مكوم والأحزاب تفرهد بيه). 

بالمقابل، حصل للجماهير الشعبية من السنّة أن تمكن منها وسواس الخوف من أن الشيعة الذين استلموا السلطة سيفعلون بهم ما فعلت بهم السلطة السنية طوال حكمها للعراق. فضلا عن أن السّنة شعروا بالغبن السياسي والإحباط الذي يصل ذروته في ظروف الأزمات فيؤدي الى العدوان، وهذه حقيقة نفسية تحدث عند إعاقة جماعة عن تحقيق أهداف تراها مشروعة ولا تجد وسيلة أخرى لبلوغها غير العنف، وانها ظلت شغالة لعامها الرابع عشر لوجود من يغذيها على صعيد الحكومة وقيادات سياسية عملت على رمي الحطب وصب الزيت على نار كبرى كانت مشتعلة أصلا ليمتد لهبها الى مناطق أخرى من العراق، فكان ما كان مما حصل من خراب للوطن وفواجع للناس، اوجعها جريمة سبايكر ومآسي اهلنا في حرب تحرير نينوى.

- اننا اذ نوثق لهذه الأحداث ونحللها من منظور علم النفس والاجتماع السياسي، فان الهدف منها هو التقاط العبرة من قبل الحكّام تحديدا، ليأخذوا برأي من يقدم لهم النصيحة خالصة من علماء العراق ومفكريه.لكن المشكلة ان سيكولوجيا السلطة في العراق علّمت الحاكم ان يحيط نفسه بأشخاص يقولون له ما يحب ان يسمعه!

*

أ.د. قاسم حسين صالح

9 نيسان 2003

 

جاسم الصفارما الذي تغير في العلاقة بين الولايات المتحدة ألأمريكية من جهة وروسيا والصين من الجهة الأخرى؟ وهل أن ما يحصل هو تجليات سياسة خارجية جديدة تتميز بها إدارة بايدن عمن سبقها؟ وهل من الممكن أن يكون هنالك تغير جذري في هذه السياسة الخارجية، لها انعكاساتها على النظام العالمي، في دولة تتحكم في سياستها مؤسسات راسخة تشكل منظومة الدولة العميقة؟ هذا ما سأحاول أن ألقي عليه الضوء في مقالي المتواضع.

تم الإعلان عن الاجتماع الذي استمر يومين بين وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف ونظيره الصيني وانغ يي في نفس اليوم الذي بدأت فيه المحادثات بين الصين والولايات المتحدة في ألاسكا. وعلى الرغم من التكهنات بشأن التوقيت، تنفي بكين أن زيارة لافروف موجهة ضد أطراف ثالثة أو أن لها أي علاقة بالمفاوضات مع الولايات المتحدة في ألاسكا. هذا مع أن لافروف ووانغ في لقائهما آخر مرة في سبتمبر الماضي على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون في موسكو كانا قد أكدا حينها أن روسيا والصين تقدمان ردا فعالا على هجمات "القوى المتطرفة" في الولايات المتحدة.

وبالتوافق مع تعهدات الرئيس الأمريكي جو بايدن بتوحيد الحلفاء القريبين في توجهاتهم المناهضة لروسيا والصين، اجتمع الناتو الشهر الماضي لمناقشة أمن دول حلف شمال الأطلسي للفترة حتى عام 2030. وفي إطار هذا الاجتماع، جرى توصيف بكين وموسكو على أنهما يتصدران " أكبر تهديد للنظام العالمي القائم على سيادة القانون". وسبق أن وصفت الولايات المتحدة الصين، في شهر ديسمبر\كانون الأول الماضي، بأنها "أكبر تهديد للديمقراطية والحرية في جميع أنحاء العالم".

وتجدر الإشارة الى أن إدارة بايدن كانت قد شنت هجوما عنيفا على روسيا والصين بنشرها في مارس\اذار الماضي وثيقة منهجية تعرف، بالدليل الاستراتيجي للأمن القومي، الذي يعطي الأولوية لـ "مواجهة الصين وروسيا والدول الاستبدادية الأخرى". وقد صدرت هذه الوثيقة بعد يوم من فرض الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات على روسيا بسبب اتهامها للأخيرة بتسميم وسجن المعارض الروسي أليكسي نافالني. وفي 17 مارس\اذار، وسعت واشنطن العقوبات على روسيا، وشددت الضوابط على الصادرات. وفي نفس اليوم، وصف بايدن، في لقاء متلفز، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على أنه "قاتل".

كانت الصين أيضًا هدفًا لزيادة العقوبات الأمريكية عليها في شهر مارس\اذار الماضي، حيث وسعت الولايات المتحدة العقوبات التي فرضتها على المسؤولين الصينيين العام الماضي بشأن قانون الحكم الذاتي في هونغ كونغ وأضافت 24 شخصية رسمية صينية إلى القائمة. حدث هذا قبل يوم من المحادثات الامريكية الصينية في ألاسكا، التي جرت في 18-19 مارس\اذار، كأول اجتماع مباشر بين المسؤولين الأمريكيين والصينيين خلال رئاسة بايدن وكما تبين فيما بعد، كان للعقوبات أثر كبير في إضفاء أجواء متوترة على المحادثات.

كل هذا يشير الى أن المحاولات الأخيرة من قبل الصين وروسيا لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة بعد انتخاب جو بايدن رئيسا للولايات المتحدة ألأمريكية، قد ذهبت سدى. فبدلا عن التعامل الإيجابي مع تلك المحاولات، أرسل بايدن مسئولين أمريكيين كبار في رحلات دبلوماسية لإقناع اليابان وكوريا الجنوبية والهند بالانضمام إلى التحالف الأمريكي ضد "السياسة العدوانية" التي تمارسها الصين. وجرى توقيت تلك الزيارات لتأتي في أعقاب القمة الرسمية الأولى للحوار الأمني الرباعي، حيث ناقش قادة اليابان وأستراليا والهند والولايات المتحدة "السياسة العدوانية" للصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ وتعهدوا بالتعاون في دبلوماسية اللقاحات وتطوير شبكات 5G وغيرها من تقنيات لمقاومة تأثير الصين.

في المقابل، كانت زيارة لافروف للصين بعد انتهاء رحلته إلى الشرق الأوسط أكثر من مجرد حدث دبلوماسي عادي. فمنذ سبتمبر\ايلول من العام الماضي، كان الدبلوماسيون الروس والصينيون على تواصل شهري منتظم، أجروا خلاله خمس مكالمات هاتفية على الأقل، مما يشير إلى مستوى التنسيق في العلاقة بين الطرفين.

خلال المحادثات التي عقدت يومي 22 و23 مارس\اذار، شدد لافروف ووانغ على أن التعاون بين روسيا والصين لا يزال قويًا ونشطًا. وأن كلا البلدين "يعارضان الألعاب الجيوسياسية والعقوبات غير القانونية أحادية الجانب". ورفض وانغ خلال محادثاته مع لافروف "الأكاذيب" التي تروجها "حفنة من القوى الأوروبية" ضد روسيا والصين، وأدان أي محاولات للتدخل في الشؤون الداخلية للبلدين. بالإضافة إلى ذلك، حذر لافروف الدول الغربية، بأجنداتها الأيديولوجية، من أنهم "يقفون في الجانب الخطأ من التاريخ".

كما أكد لافروف ووانغ أن بلديهما يحافظان على نظام دولي قائم على القيم الإنسانية العالمية والديمقراطية والمساواة والحرية، وأبرزا أهمية دور الأمم المتحدة في النظام الدولي القائم. علاوة على ذلك، ناقش وانغ ولافروف، بناء على مستجدات الوضع الدولي، ضرورة الإعداد لمفاوضات على أعلى مستوى، ووافقوا أيضًا على تمديد معاهدة الصداقة الروسية الصينية الموقعة في عام 2001. بالإضافة إلى ذلك، قال لافروف، ردا على دعوة بايدن التي أشرت اليها أعلاه، إن على موسكو وبكين "حشد الدول ذات التفكير المماثل" لدعم مبادئ الأمم المتحدة.

خلال المحادثات في ألاسكا، كشفت الصين عن تهافت القيم الديمقراطية ألأمريكية في قضايا كالعنصرية وحق التعبير والاقتراع العام. فرداً على وصف واشنطن لكلا البلدين، روسيا والصين، بالسلطوية واتهامها بكين بارتكاب إبادة جماعية في شينجيانغ، وضعت موسكو وبكين الولايات المتحدة في دائرة الضوء في ملف حقوق الإنسان بسبب التاريخ العنصري للدولة ألأمريكية، الذي كان من تبعاته انطلاق حركة " حياة السود لها أهمية".

يتفق الخبراء الروس والصينيون على أن زيارة لافروف عملت على تعزيز التعاون الاستراتيجي بين البلدين إضافة الى أهميتها الدولية. فعلى سبيل المثال، أكد إيغور دينيسوف، كبير الباحثين في معهد الدراسات الدولية في MGIMO، أن الاجتماع "بشرى سارة للعلاقات الروسية الصينية والعالم بأسره، ويعكس محاولات لبعث الاستقرار في عالم غير مستقر".

وتجدر الإشارة الى أن نطاق التعاون الاستراتيجي بين الصين وروسيا شمل مشروع محطة الأبحاث القمرية، والتجارب السريرية للقاحات المضادة لفيروس الكورونا، والإجراءات التي يمكن اتخاذها لمواجهة أخطار اندلاع "الثورات الملونة" بتحريض وتنظيم غربيين، فضلاً عن التوسع في التجارة والسياحة الصينية في شبه جزيرة القرم. وكما قال وانغ يي، "بغض النظر عن طبيعة التغيرات العالمية، ستتوسع علاقتنا وتقوي في جميع الاتجاهات."

وليس من شك في أن لزيارة لافروف للصين أثرها الواضح في التخفيف من حدة التشنج الدبلوماسي الأمريكي بعد زوبعة التصريحات العدوانية التي أدلى بها مسؤولون رفيعو المستوى في إدارة البيت ألأبيض. وخاصة، ما صرح به الرئيس بايدن نفسه في أول لقاء صحيفي له بعد انتخابه رئيسا للولايات المتحدة ألأمريكية، محذرا فيه من أنه سيتعين على الرئيس الروسي فلاديمير بوتن دفع ثمن سياساته "العدوانية". وفي أول لقاء مع نظرائه الصينيين، قدم وزير الخارجية أنطوني بلينكين لهم مجموعة كاملة من الاتهامات العلنية، تركز على انتهاك حقوق الإنسان. وفي نفس السياق يأتي تحذير رئيس البنتاغون، لويد أوستن، أثناء زيارته للهند، دلهي من الحصول على صواريخ إس -400 الروسية، ملوحا بالعقوبات الامريكية. ومع أن هذه التصريحات أطلقت في ظروف مختلفة (بايدن - في محادثة مستفيضة، بلينكين - في مفاوضات رسمية، أوستن - ردًا على سؤال أحد الصحفيين)، الا أنها تكشف عن الاتجاه العام للسياسة ألأمريكية في زمن بايدن.

ومع أن بايدن وأقطاب ادارته يعرضون أنفسهم على أنهم مختلفون عن ترامب تماما، ومن هنا تكرر شعار أن أمريكا عادت. أي أنها غادرت لمدة أربع سنوات في اتجاه غير معلوم، ثم ها هي تعود كما كانت. على أن هذا العرض ليس دقيقا تماما. فليس هنالك ارتداد كلي عن سياسة ترامب كما يدعون، كما أن سياسة ترامب، بكل استعراضاته الشخصية وفوضاه، كانت امتداد، ولو بخط متعرج، للسياسة ألأمريكية التي سبقته. فمنذ نهاية الحرب الباردة بين الولايات المتحدة ألأمريكية والاتحاد السوفيتي اتجهت السياسة ألأمريكية نحو انشاء نظام عالمي تقود فيه أمريكا العالم بأسره بأقل خسائر ممكنة.

في الواقع، طوال القرن الحادي والعشرين، في ظل ثلاثة رؤساء، كانت الولايات المتحدة تبحث عن مجموعة من الأدوات لتحقيق تلك السياسة، من التدخل العسكري على نطاق واسع تحت شعارات أيديولوجية في عهد بوش الى سياسة التهديد دون الاحتكاك على الأرض بقوات دول عظمى غريمه، كما كان الأمر في عهد أوباما وصولا الى سياسة الضغط السياسي والايديولوجي التي اعتمدها ترامب. واليوم لدى بايدن وفريقه الفرصة للبناء على التجربة الغنية لأسلافهم من أجل اختيار اليات مناسبة لتحقيق نفس الأغراض السياسية.

حتى الآن، بناءً على أحداث شهر مارس\اذار الماضي، يبدو لي أن إدارة بايدن اختارت أن تضيف الى اليات تحقيقها للتوجهات الأساسية للسياسة الامريكية عنصرا أيديولوجيا وسياسيا جديدا قلما استخدمه رؤساء الولايات المتحدة الامريكية السابقين وهو خلق تحالف دولي قائم على تبني مبادئ "الديمقراطية"، أو تحالف الدول "الديمقراطية" في مواجهة الدول "الاستبدادية".

بعبارة أخرى، تعتزم إدارة بايدن تنفيذ توليفة من أكثر الأساليب فاعلية من سابقاتها، من وجهة نظرها، متخلية بذلك عن المظاهر الأكثر دراماتيكية، كالعمليات العسكرية الضخمة أو الافراط بالضغط على الشركاء والحلفاء باعتبارها وسائل غير عقلانية. ولكن ما مدى فعالية هذا الاختيار؟

الافتراض الرئيسي الذي ينطلق منه مهندسو السياسة الأمريكية هو أن الولايات المتحدة تظل دولة "لا يمكن الاستغناء عنها" للعالم بأسره. أي أن جميع الدول دون استثناء، بغض النظر عن علاقتها بالمسار الأمريكي، مجبرة على التعامل مع واشنطن. ومن هنا جاءت فكرة "المشاركة الانتقائية" التي بموجبها، كما يوضح مهندسو سياسة البيت ألأبيض "سنناقش ما نحتاجه مع الدول غير الصديقة، ونكبح جماحها ونمارس الضغط أينما يتطلب ذلك".

تجدر الإشارة هنا الى أنه بالرغم من المكانة الفريدة للولايات المتحدة في النظام العالمي، والتي تمنحها مجال واسع في ترتيب خياراتها لتصنيف علاقاتها بالدول الأخرى وأسلوب التعامل معها، الا ان إدارة الرئيس بايدن بأسلوبها الذي اتبعته أخيرا في تعاملها مع روسيا والصين تخطئ، حسب العديد من المحللين السياسيين، في تقديرها لحجم التغيرات التي حدثت وتحدث في النظام العالمي. وهي غير محقة باستخفافها بقدرة الدول الأخرى، خاصة روسيا والصين، على الرد إن فرضت عليها الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة ألأمريكية وحلفائها. ولنناقش هذا الموضوع بتأني.

أولا، بالنسبة لمسألة وضع روسيا والصين في خانة واحدة كجبهة معادية، يضعف من قدرة الولايات المتحدة ألأمريكية على المناورة في اختيار أساليب المواجهة. فالصين قوة اقتصادية عالمية عظمى لا يستهان بها، كما أن روسيا تملك قدرات عسكرية هائلة، تتجاوز في بعض المجالات المؤثرة قدرات الولايات المتحدة ألأمريكية. وقد أدرك الرئيس السابق دونالد ترامب هذا الأمر بصورة واضحة، وان لم يضعه قيد التنفيذ بسبب المعارضة الديمقراطية الشرسة له.

ثانيا، بالنسبة لجبهة حلفاء الولايات المتحدة ألأمريكية، فإنها تبقى قلقة وغير متماسكة بسبب الخبرة المتراكمة على مدى أكثر من ثلاثين عامًا بعد الحرب الباردة، تبددت فيها ثقة أصدقاء الولايات المتحدة، من خارج حلف الناتو، بالتعويل على مساعدتها في حالة حدوث أزمة خطيرة. علاوة على ذلك فان مصالح الدول الحليفة للولايات المتحدة الامريكية قد تشعبت كثيرا بعد نهاية الحرب الباردة مما دفعها لأن تتخلى عن فكرة الانسجام مع المصالح الجيوسياسية للولايات المتحدة حتى عند التلويح بالعقوبات.

ثالثا، كان العامل الأيديولوجي خلال الحرب الباردة أساسا في تمييز العدو عن الصديق أو غير العدو. أما بعد الحرب الباردة، فلم تعد للعامل الأيديولوجي أية أهمية في تمييز الأعداء عن الأصدقاء، وحتى "القيم" الليبرالية الغربية التي تعكزت عليها أمريكا فقدت بريقها تماما في الفترة الأخيرة، على خلفية ما جرى في الولايات المتحدة ألأمريكية في الانتخابات الرئاسية، يضاف اليها مشاريع الثورات الملونة وموضوع التطعيم ضد فيروس الكورونا وما الى ذلك من احداث كشفت عن وجود معايير مختلفة لتلك "القيم".

على أي حال، فان نتائج تنفيذ الاليات الجديدة للسياسة الامريكية التي اختارها الرئيس بايدن وادارته لا توحي بأنها ستكون ثابتة، بصيغتها التي استعرضتها أعلاه، طيلة الفترة التي سيقضيها بايدن في البيت الأبيض، ما دامت روسيا تتجاهل والصين ترفض بشدة وألمانيا تناور والهند غاضبة من الضغط.

 

د. جاسم الصفار

 

محمود محمد علييخطئ من يظن أن الحلول التفاوضية هي السبيل الأسرع لإيجاد تسوية سياسية تنهي أزمة "سد النهضة" الاثيوبي، فالخيار التفاوضي هو الخيار الأكثر تحضراً وتحقيقاً للأمن والسلم الدوليين، باعتباره أحد أفضل مخرجات العلاقات الدولية، ولكنه ليس الأسهل ولا الأسرع في كل الأحوال.

ومنذ إعلان إثيوبيا بدء عمليات تشييد سد النهضة، دخلت القاهرة والخرطوم من جهة، وأديس أبابا من جهة أخري في مفاوضات مارثونية علي أمل الوصول لإتفاق يساعد إثيوبيا علي إتمام مشروعه، ويجنب مصر والسودان أضرارا متوقعة .. لكن هذه المفاوضات وعلي مدار عقد كامل من الزمن لم تشهد سوي الخلافات والمماطلات من الجانب الإثيوبي .

سد النهضة يقع علي مجري النيل الأزرق علي مساحة تبلغ 1800 كم مربع ويبعد بـ 20 كيلو متر عن الحدود السودانية، ويعد سد النهضة السد الأضخم في إفريقيا، إذ يبلغ ارتفاعه 170 مترا، وتقدر تكلفته بنحو 4.7 مليار دولار .

أما السعة التخزينية للسد فتصل إلي 74 مليار م3، وهي كمية مياه تعادل حصة مصر والسودان معا من مياه النيل السنوية .

إثيوبيا أكدت أكثر من مرة أن هدفها من بناء السد هو توليد الطاقة الكهربائية، وهو ما لم تعترض عليه أبدا مصر، وفي مارس 2015 توقع الجميع انفراج الأزمة، والوصول إلي اتفاق ثلاثي بعدما وقعت كل من مصر والسودان مع إثيوبيا علي وثيقة إعلان مبادئ سد النهضة في الخرطوم، وهي الوثيقة التي تضمنت تعهدا إثيوبيا واضحا بعدم الإضرار بدولتي المصب .

إن البلدين مصر والسودان عندما وقعتا على اتفاق المبادئ مع إثيوبيا كان المقصود أن هناك نية مشتركة لاستفادة إثيوبيا من السد في توليد الكهرباء، شرط أن يكون هناك اتفاق قانوني ملزم بعمليات الملء والتشغيل لكن إثيوبيا واصلت تعنتها، وقامت بالملء الأول، ثم تخطط للملء الثاني، بعيدا عن موافقة البلدين أو التنسيق معهما، وما حدث العام الماضي في الملء الأول، لا يمكن مقارنته بما يمكن أن يحدث في الملء الثاني

لكن الخلافات عادت من جديد بعدما أعلنت أديس أبابا إكمال 70% من أعمال السد في مايو 2016م رغم استمرار أعمال المكاتب الاستشارية المكلفة بالدراسات الفنية والأضرار المحتملة من بناء وتشغيل السد .

وبعد عام وتحديدا مايو 2017م انتهت هذه المكاتب الاستشارية من تقريرها المبدئي حول السد، وهو التقرير الذي وافقت عليه مصر حينها، بينما رفضته إثيوبيا، ليستمر الخلاف وتتوالي جولات التفاوض برعاية أمريكية تارة، ورعاية إفريقية تارة أخري حتي وصلنا اليوم إلي الكونغو في أمل الوصول إلي حل لا يضر بدولتي المصب، فهل تتم مباحثات كينشاسا الحالية لكونها تمثل مباحثات الفرصة الأخيرة ؟

للأسف لقد فشلت مفاوضات كينشاسا وذلك لأن المطلب الإثيوبي هدفه النهائي تسعير المياه، وهي محاولة حاولتها إثيوبيا في عام 2007م، وأحبطتها مصر في إطار الأمم المتحدة .. ببساطة الإثيوبيين يرون أن المياه يجب أن تعامل معاملة النفط طالما العرب يملكون النفط ويبيعونه، فنحن نملك المياه ولا بد أن نبيعها، هذا هو الهدف الاستراتيجي الإثيوبي، فقد حاولوا عبر اتفاقية عانتيبي فلم توافق دولتي المصب والآن يحاولوا عبر الضغط بسد النهضة، وهذا توجه استراتيجي مضر للعالم كله .. في إطار الأمم المتحدة وقعت منذ الشهور الماضية 115 دولة علي أهمية الحياة للحياة البشرية .

إن التعامل مع المياه علي أنه سلعة مسألة في منتهي الخطورة علي الأمن الإنساني، وهو أداء غير مطروق عالميا، ويجب أن يواجه عالميا، ,أيضا في إطار العشر سنوات في العقد الماضي الذي تم فيه هذه المماطلة والمراوغة وشراء الوقت واللغب بالأهداف، لا يجعل هناك أي مصداقية للطرح الإثيوبي الان .

ما الذي أدرانا إذا واقفت إثيوبيا علي وضع إطار ملزم أن تلتزم إثيوبيا بتعهداتها، وهذا مستحيل، وبالتالي إثيوبيا لن تلتزم، وهذه واحدة، والأمر الثاني أن مسألة تقسيم مياه الأنهار الدولية يرتبط بمبدأ هو أن مجمل الموارد المائية في دولة ما، فإثيوبيا لديها 900 مليار متر مكعب من المياه، والضلالات الإثيوبية التي تقول أن دولتي المصب وراء الظلام الإثيوبي، فهذا غير صحيح .. إن ما وراء الظلام الإثيوبي هي الحروب المتوالية بين القوميات الإثيوبية، فنحن أمام دولة قومياتها لا تستطيع أن تتعايش علي مدي القرن الماضي، فالحرب الأخيرة في تيجراي تم ضرب محطة كهرباء من قبل أديس أبابا .

وهنا قد يتساءل البعض : إذا كان هذا الطرح من قبل إثيوبيا قد يقلل من مصداقيتها، فكيف يؤثر ذلك علي عدم تعاطف المجتمع الدولي الذي كان ينظر إلي إثيوبيا علي أنها تطالب بحقها في التنمية وتستغل مواردها من سد النهضة؟ .. الآن نحن نتحدث عن مبدأ آخر وهو تقاسم مياه نهر النيل؟

الحقيقة إن التعنت يضرب إثيوبيا في مقتل، فإثيوبيا قد ضربت هذه المصداقية مع السوادان، حيث نجد أن السودان قد تحول موقفه منذ فبراير 2020م حينما تخلت إثيوبيا عن التوقيع علي اتفاقية واشنطن، وأصبحت السودان تشعر أن الإثيوبيين يتلاعبون بها، فيضرب مصداقية إثيوبيا كدولة ويجعلها في تقديري دولة مارقة، غير خاضعة لا للقانون الدولي ولا تأخذ بعين الاعتبار اعتبارات الأمن الإنساني لملايين من البشر يمكن أن يعطشوا، وتتعامل بالمخالفة مع القانون الدولي في نهر مشترك .. كل هذه الأمور تجعل مصداقية إثيوبيا، ومن يقفون وراء إثيوبيا في هذا الموقف، محل تساءل وعلامة استفهام كبيرة فيما يتعلق بمدي قدرة الأطراف علي أن تحافظ علي المصالح المصرية – السودانية.

ولذلك أنصح أنه مطلوب الآن تحرك عربي في إطار الجامعة العربية، وأن يخاطب هذا التحرك مجلس الأمن، ويخاطب عواصم العالم، وخصوصا الإدارة الأمريكية والإدارات الأوربية، لأن عدم الاستقرار في منطقة حوض النيل، والبحر الأحمر، هو يضر بمصالح جمة، فكل طرف له مصلحة في الإقليم عليه ان يتحرك، فالمسألة ليست مسألة مياه .

إن الملء الثاني بلا معلومات للسودان علي وجه الدقة يوقف كل محطات المياه، يوقف كل محطات توليد الكهرباء .. لماذا يقبل الشعب السوداني وحكومته مثل هذا التحدي الكبير الذي تفرضه إثيوبيا ؟ .. هذا سؤال، وهذا سؤال أيضا للمجتمع الدولي الذي يمارس ضغوطا من أجل حقوق الإنسان  .. في هذه المرحلة الأمن المائي من أهم حقوق الإنسان في هذه المرحلة، وذلك ما قالت السيدة مريم الصداق وزيرة خارجية السودان لربع مليار من البشر .

وقناعتي أن الدبلوماسية المصرية- السودانية تحتاج خلال الفترة القصيرة المقبلة إلى تكثيف وجودها في الاعلام الدولي، لأن هناك شق مؤثر يتعلق بكسب معركة الرأي العام العالمي في هذه القضية الوجودية، فالإعلام المصري في معظمه يتحدث إلى الداخل المصري، وهو أمر حيوي وضروري لضمان بناء رأي عام داخلي واع يساند قيادته، ولكن من الضروري كذلك نقل أبعاد هذه القضية إلى العالم وشعوبه. كما اعيب أيضاً على الاعلام العربي في معظمه عدم وضع هذه القضية التي تخص نحو 150 مليون عربي في مصر والسودان على قائمة أولوياته، بل يتابعها كما يتابعها العالم الخارجي وكأنها لا تخص هذه الملايين المعرضة للهلاك والجوع في حال جفاف مياه النيل لا قدر الله وذلك حسب قول سالم الكتبي في مقاله بعنوان الحلول الدبلوماسية وأزمة سد النهضة.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

2362 فريدون خاوندترجمة: عادل حبه

لقد طغى الشبح الصيني على السياسات الداخلية والخارجية للجمهورية الإسلامية أكثر من أي وقت مضى. وتم سماع الهمسات الأولى حول ظهور تغيير نوعي غير مسبوق في العلاقات بين طهران وبكين في شباط عام 2015 عند زيارة رئيس جمهورية الصين الشعبية إلى إيران. وفي آذار عام 2021، وقّع وزيري خارجية البلدين على "برنامج التعاون الشامل بين إيران والصين"، وإنتقل الأمر من الهمسات إلى كون البلاد تتعرض إلى اجتياح من قبل دولة كبرى ناشئة تحت مسمى "الإمبراطورية المعتدلة".

فهل بدأ فصل جديد في العلاقات بين البلدين بالتوقيع على "برنامج التعاون الشامل بين إيران والصين"؟ وهل قررت الصين بتوقيعها على هذه الوثيقة وكما يشاع في الأوساط السياسية الإيرانية داخل وخارج البلاد، أن تجعل جمهورية إيران الإسلامية أهم قاعدة لها في الشرق الأوسط؟

أياً كانت هذه الوثيقة، فإن السؤال الذي يطرح نفسه أولاً هو لماذا تنخرط الصين وإيران، على الرغم من الاختلافات المهمة للغاية فيما يتعلق بالنظام السياسي والمكانة الدولية، في مثل هذه العلاقات الوثيقة والمعقدة.

الاختلافات والتشابه

للوهلة الأولى، ينتمي نظامي الحكم في إيران والصين إلى عالمين مختلفين تماماً:

1-الفلسفات التي تحكم الطبيعة والهياكل الحاكمة للبلدين، أو بعبارة أخرى، الأسس العقائدية حول مصدر السلطة، ومسار تطور المجتمع البشري، وكيفية إدارته. فالطرفان يقفان على  مواقف متناقضة ومتعاكسة.

إن المادة الثانية من دستور الجمهورية الإسلامية تنص على أن هذا النظام يقوم على "الإيمان بالله الواحد (لا إله إلا الله) وترجع إليه السيادة والتشريع وضرورة الانصياع لأمره". وعلى النقيض من ذلك، يعتبر الدستور الصيني في مقدمته أن الماركسية اللينينية وفكر ماو تسي تونغ مصدر الانتصارات الثورية والتي حولت الصين إلى دولة "اشتراكية غنية وقوية وديمقراطية ومتحضرة". في حيت تعتبر ثيوقراطية طهران أن الإرادة الإلهية هي المصدر الوحيد لسلطة الدولة،  في حين أن فلسفة النظام السياسي الصيني تقوم على عدم الإيمان بالله.

2- لقد أدرك النظام السياسي الصيني أهمية الاقتصاد باعتباره الدعامة الأساسية للسلطة في العالم المعاصر، وأصبح الرابح الرئيسي في عملية العولمة على مدار نصف القرن الماضي. فمن بين جميع الأنظمة الشيوعية التي استلمت السلطة في العالم بعد أكتوبر عام 1917، كانت جمهورية الصين الشعبية أول من وجد حلاً مستوحى من هزيمة نظرائها في "المعسكر الاشتراكي"، والحفاظ على الهيمنة بلا منازع للحزب الواحد. فقد انفتح الحزب أكثر على الإصلاحات الاقتصادية في العالم المعاصر وحقق أسرع نمو اقتصادي في تاريخ الحضارة الإنسانية.

ويرجع جزء كبير من هذه القفزة المذهلة إلى المشاركة الهائلة للشركات متعددة الجنسيات الأمريكية والأوروبية واليابانية في عملية التنمية في أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان. وانضم قادة بكين أيضاً بذكاء إلى هياكل الحوكمة الدولية، وخاصة المنظمات الاقتصادية الدولية، وأزالوا العقبات الواحدة تلو الأخرى من خلال تواجدهم الشامل في الأسواق العالمية.

ولكن سبح قادة الجمهورية الإسلامية، على عكس الإصلاحيين الصينيين، في الاتجاه المعاكس للتيار، وعلى قدر إستطاعتهم، وحرموا بلادهم من الروافع المادية التي ولدت القوة والثروة في عالم القرن الحادي والعشرين. وأدى العداء اللامتناهي للجمهورية الإسلامية لمظاهر الحداثة إلى تهميش جزء كبير من القوى الحية في البلاد، وإن حقدها اللامتناهي على الغرب، حرم الإيرانيين من رأس المال والتكنولوجيا والأسواق والسياح الأمريكيين والأوروبيين. إن الجمهورية الإسلامية متعطشة للقوة الإقليمية دون أن توفر الوسائل المادية والمستلزمات لتمويل قوة دبلوماسية وعسكرية مستقرة لإشباع هذا التعطش.

لكن إيران، شأنها شأن سائر بلدان العالم، لا يمكن أن تبقى على الهامش، فهي تبحث عن حلفاء أقوياء لها بسبب ضعفها الشديد في مختلف المجالات، وخاصة الاقتصادية.كن إيران، مثلها مثل سائر دول العالم، لا يمكن تبقى على ا

ومن بين جميع القوى القديمة والناشئة في العالم، يميل النظام الإسلامي في طهران إلى جمهورية الصين الشعبية (إلى جانب روسيا)، بسبب أوجه التشابه بين الأنظمة السياسية في البلدين:

ألف – إن النظام العقائدي للجمهورية الإسلامية والنظام الأيديولوجي لجمهورية الصين الشعبية، على الرغم من تناقضاتهما الأساسية، يشتركان في العداء المشترك للحريات العامة، وإن أولوياتهما الأهم هي الحفاظ على السلطة واحتكارها من خلال تهميش المطالبين الآخرين في المشاركة بإدارة دفة البلاد. فكلا النظامين لا يرون بديلاً لأنفسهم، وسيعارضان بشدة أي اتجاه أو شخصية تسعى لكسر هذا الاحتكار.

ومع ذلك، فإن النظام الشمولي في الصين أكثر استقراراً من نظام ولاية الفقيه بسبب إنجازاته الاقتصادية الكبرى. وفي الواقع، تجري الاحتجاجات على الاستبداد الديني الحاكم في إيران، والأهم من ذلك، وتعرضه للتحقير من قبل الشعب بسبب الكارثة الاقتصادية التي سببها. لهذا السبب، يأمل جزء من الهيئة الحاكمة الإيرانية إلى "صيننة" اقتصاد البلاد، ويعتبر ذلك ضرورة حتمية لبقاء النظام. كما بُذلت جهود في هذا الصدد لم تتحقق لعدم توافقها مع طبيعة نظام ولاية الفقيه.

ب) إن التشابه الآخر بين النظامين الإيراني والصيني هو الموقف السلبي تجاه الغرب. فكلا النظامين، وبسبب الإنحطاط الذي حل بالبدين في القرن التاسع عشر وفي العقود الأولى من القرن العشرين ودور الدول الغربية في هذا الإنحطاط، مما أدى إلى ظهور خطابات سداها ولحمتها الانتقام. ولكن على عكس الجمهورية الإسلامية، فإن الصينيين لا يسجنون أنفسهم في حصن ضيق من التشاؤم والانتقام، ولا يقفون عند الماضي، بل يسعون إلى تعاون اقتصادي مكثف مع القوى الغربية لمصالحهم الخاصة.

ج) النظام الشيوعي في بكين فاسد، مثله في ذلك مثل النظام الإسلامي في طهران، وإن كان على نطاق أضيق. ويستغل "الأمراء الحمر" الصينيون مثل "الأمراء الإسلاميين" موقع أسرهم في قمة هرم السلطة والثروة في ظل انعدام الحريات. لكن في الصين، لم تصبح المافيا التي نشأت من حضن السلطة، على عكس الجمهورية الإسلامية، إلى "دلالي محرمات"، بل ربطت مصالحها بصفقات وبالتعاون الوثيق مع الشركات الغربية.

"خارطة طريق"

خلال اثنين وأربعين عاماً بعد الثورة الإسلامية عام 1979، كان هناك عاملان رئيسيان جعلا جمهورية الصين الشعبية الشريك التجاري الأكثر أهمية بالنسبة لإيران. كان العامل الأول هو الصعود الذي لا يقاوم لاقتصاد الصين، مما حولها إلى "مصنع العالم" وإلى أول قوة تصدير على المستوى الدولي. العامل الثاني هو انهيار عدد كبير من الجسور الاقتصادية بين إيران والعالم الغربي، ولا سيما مع الولايات المتحدة، والتي وفرت بطبيعة الحال بيئة مواتية لـ "آسيوية" التجارة الخارجية الإيرانية.

في ظل هذه الظروف، بلغ حجم التبادل التجاري بين طهران وبكين ذروته منذ التسعينيات فصاعداً. وفي نهاية العقد الأول من القرن الحالي، لعبت الصين دوراً رائداً في التجارة الخارجية الإيرانية، والتي لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا، على الرغم من تراجع حجم هذه التبادلات خلال السنوات القليلة الماضية تحت ضغط العقوبات الاقتصادية ضد الجمهورية الإسلامية ووباء كورونا.

أثارت هيمنة الصين على جزء كبير من سوق السلع المستوردة الإيرانية احتجاجات من حين لآخر عند جزء من الرأي العام الإيراني (على سبيل المثال، لماذا يُجبر الإيرانيون على استهلاك سلع صينية "غير مرغوب فيها")، ولكن لم يتحول هذا الإحتجاج كثيراً لدرجة أنه أصبح مصدر استياء واسع.

وبدلاً من ذلك، تسبب توقيع وزيري خارجية البلدين على "برنامج التعاون الشامل بين إيران والصين" في 27 نيسان من هذا العام، في موجة واسعة من الانتقادات والاحتجاجات ليس فقط في الأوساط السياسية والمهنية، ولكن أيضاً بين الناس العاديين في البلاد وفي الشوارع والأسواق.

إن ما تم نشره من قبل وزارة الخارجية للجمهورية الإسلامية تحت عنوان "Leaf Statement" في هذا البرنامج لا يبدو مثيراً للغاية أوغير عادي بشكل عام، فهو إلى حد ما على غرار نفس الوثائق التي تم توقيعها بحسن نية في العلاقات بين الدول.

وجاء في بيان وزارة الخارجية المؤلف من خمس صفحات أن: "الوثيقة الحالية تحدد خطة شاملة على المدى البعيد (25 عاماً) لنهج قائم على الاحترام المتبادل والمصالح المتكافئة في العلاقات الثنائية والإقليمية والدولية".

إن الوثيقة، التي تنطوي على مجاملات وكليشيهات دبلوماسية، هي "برنامج سياسي واستراتيجي واقتصادي وثقافي يعالج مختلف مجالات التعاون بين إيران والصين".

يؤكد نفس "البيان المنشور" على أن هذه الوثيقة هي مجرد خارطة طريق، ولا تحتوي على أية اتفاقية، ولا تتضمن أية أرقام محددة، بما في ذلك في مجال الاستثمار أو الموارد المالية والنقدية، أو نقل أي منطقة أو أي احتكار متبادل أو أحادي الجانب.

غموض وأسئلة

يرفض عدد من معارضي ومنتقدي الجمهورية الإسلامية التقرير الرسمي لوزارة الخارجية حول "برنامج التعاون الإيراني الصيني الشامل"، ويعتقدون أن الجمهورية الإسلامية أخفت طبيعة هذه الوثيقة ومحتواها الحقيقي عن الإيرانيين. ويعلنون إن الوثيقة المعنية ليست مجرد مذكرة تفاهم على "خريطة الطريق"، بل أنها معاهدة دولية حقيقية.

ومن الملاحظ أن مذكرة التفاهم ليس لها أية آثار قانونية ملزمة، وتشير فقط إلى أن الموقعين قد اتفقوا على عدد من القضايا والأهداف العامة وأعدوا الأرضية لإبرام المعاهدات بما يتماشى مع المبادئ التي تم التوصل إليها. بدلاً من ذلك، فإن المعاهدة، أو بأي اسم يطلق عليها (معاهدة، ميثاق، اتفاقية، إعلان)، تعقد بين أطراف خاضعين للقانون الدولي (الدول والمنظمات الدولية)،وتؤدي إلى آثار ملزمة حقوقياً.

وبعيداً عن الجدل حول عنوان الوثيقة، التي تم التوقيع عليها في طهران في 27 آذار، يقيّم المعارضون والمنتقدون للجمهورية الإسلامية محتواها الحقيقي على أنها أكثر أهمية وحساسية وأكثر إثارة للجدل مما أشارت إليه المصادر الرسمية للجمهورية الإسلامية.

وحسب  رؤيتهم، فإن العقد مدته 25 عاماً مع توقع توظيف 400 مليار دولار من الاستثمارات الصينية المحتملة في المنشآت والبنية التحتية الإيرانية. وستدفع الجمهورية الإسلامية تكلفة هذا الاستثمار خلال فترة العقد عن طريق بيع النفط والغاز إلى الصين بسعر تفضيلي (بخصم مرتفع للغاية). ومن أجل تجنب العوائق التي تحول دون سيطرة الدولار، سيتم دفع كمية النفط والغاز المشتراة من إيران باليوان (العملة الوطنية الصينية). ومن أجل حماية الاستثمارات الصينية في إيران، سيتمركز 5000 جندي صيني في قواعد لها في إيران. وهناك مهمة أخرى للجيش الصيني هي توفير الأمن اللازم لنقل النفط من إيران إلى الصين.

هذا ملخص لما ورد في الملاحق السرية للاتفاقية الإيرانية الصينية، حسب ما أورده عدد من المعارضين والمنتقدين للجمهورية الإسلامية، وليس حسب ما ورد في المذكرة. ومن المناسب أن نتعرف على جزء مما يطرحه معارضو ومنتقدو الجمهورية الإسلامية حول المحتوى السري لـ "برنامج التعاون الشامل بين إيران والصين" الذي أثير في النصف الثاني من العام الماضي من قبل مختلف المسؤولين الحكوميين أو شبه الرسميين في النشرات التابعة لمختلف أجهزة الجمهورية الإسلامية. حيث نرى أن وثيقة 27 من آذار واجهت مصيراً غامضاً وأثرت بشدة على الرأي العام الإيراني.

وأخيراً، وبالنظر إلى ما قيل، سنتعامل مع بعض الغموض والأسئلة التي أثيرت حول هذه الوثيقة وهوامشها.

1- تجتاج إيران الأزمة التي تمزقها، وتعاني من القطيعة عن العالم الغربي ومحرومة من دعم المنظمات الدولية. وبطبيعة الحال تتجه إلى الصين، ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم. وبالنسبة للصين أيضاً، تعتبر موارد السوق والطاقة الإيرانية مهمة بالطبع، لكنها ليست على نفس القدر من الاستعداد لتعريض علاقاتها مع الغرب والدول المؤثرة في الشرق الأوسط للخطر.

2-تعتبر الصين الشريك التجاري الأكثر أهمية لإيران، ولكن حجم التجارة بين البلدين في أحسن الأحوال لم يتجاوز في عام 2014 نسبة 1.2٪ من إجمالي التجارة الخارجية للصين. فكيف يمكن للصينيين المخاطرة بعلاقاتهم التجارية مع الولايات المتحدة التي تتراوح حجمها بين 500 مليار دولار و 600 مليار دولار، والتي تمثل حوالي 13 في المائة من تجارة الصين الخارجية، مقابل هذه الحصة الصغيرة من تجارتها الخارجية مع إيران؟

في الشرق الأوسط، تعتبر إيران ثالث أكبر شريك تجاري للصين بعد المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. فلماذا ينبغي على الصينيين إقامة علاقات متميزة واستثنائية مع الجمهورية الإسلامية وتعريض علاقاتها مع السعودية والإمارات للخطر، ناهيك عن العلاقة مع إسرائيل؟

3- ولماذا يجب أن يلتزم الصينيون للجمهورية الإسلامية بشراء النفط والغاز الإيراني على مدى 25 عاماً في الوقت الذي يتغير وضع الوقود الأحفوري في سلة الطاقة بسرعة ولا أحد يعرف ما إذا كانت الصين ستكون محتاجة في 25 عاماً القادمة إلى النفط والغاز الايراني ام لا؟

4- إذا كانت الصين مهتمة جداً بإقامة علاقات مميزة استثنائية مع الجمهورية الإسلامية، فلماذا لا تعيد أصول إيران في البنوك الصينية، والتي تقدر بنحو 20 مليار دولار، إلى الجمهورية الإسلامية؟ ولماذا تمتثل بكين للعقوبات الأمريكية العديدة ضد إيران عبر السنوات القليلة الماضية؟ ولماذا غادرت الشركات الصينية إيران بعد وقت قصير من رحيل واشنطن عن الإتفاق النووي؟ ولماذا أغلقت البنوك الصينية الحسابات الإيرانية؟

5- وهل ستقوم بكين ببناء قاعدة في إيران للحفاظ على أمن استثماراتها ونشر 5000 جندي في دولة ساحلية في الخليج العربي؟ ألن تشكل حملة عسكرية في مناطق خارج نفوذ بكين في المحيط الهادئ، وهو أمر غير مسبوق في تاريخ "الإمبراطورية الوسطى"، أعباء على الصين؟. لماذا تدخل الصين في مواجهة مع القوى الغربية ودول الخليج العربي وإسرائيل؟ ولماذا تتورط الصين في هذه المغامرة وفي واحدة من أكثر المناطق الإستراتيجية حساسية في العالم؟ هل سيكون نشر القوات الصينية إلى جانب أهم مصادر النفط والغاز ذات الاهتمام في العالم أمراً مقبولاً بالنسبة لعمالقة آسيويين آخرين، بما في ذلك الهند واليابان؟

 

..........................

* فريدون خافند اقتصادي إيراني ومحلل اقتصادي وأستاذ الاقتصاد بجامعة باريس بفرنسا. وقد حظيت تحليلاته، خاصةً اقتصاد إيران والشرق الأوسط، بتقدير كبير من قبل وسائل الإعلام الناطقة باللغة الفارسية والإنجليزية. كما شارك في التحليل الاقتصادي والبرمجة في راديو فرنسا الدولي. وشارك خافاند كخبير في العديد من وسائل الإعلام الناطقة بالفارسية، بما في ذلك بي بي سي الفارسية  راديو زمانه  راديو فاردا وإيران الدولية.

 

 

عامر صالحلعله من نافلة القول أن دول العالم تولي اهتماما ورعاية بالتعليم من منطلق أن التعليم هو أساس تقدم الأمم ومعيار تفوقها في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، وعن طريق التعليم يكتسب الفرد المعرفة وتقنية العصر والقيم والاتجاهات التي تحيط بشخصه من جميع الجوانب وتجعله قادرا على التكيف والتفاعل الايجابي مع البيئة والمجتمع. وأن اتساع القاعدة الشعبية لقطاع التربية والتعليم وتحوله إلى اكبر القطاعات الاجتماعية تجمعا للعنصر البشري دفع العديد من الحكومات المتقدمة والنامية إلى تبني استراتيجيات شاملة تزيل الطلاق التقليدي بين المدرسة والعمل والحياة وإحكام ربط هذا القطاع بحاجات التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وقد عززت هذا التوجه الدراسات الكثيرة التي بينت أن التربية ليست " خدمة استهلاكية " تقدم للناس بل هي توظيف مثمر للموارد يؤتي ثماره مضاعفة ويؤدي إن أحسن استخدامه إلى عائدات اقتصادية تفوق العائدات الاقتصادية للمشروعات الصناعية والزراعية وسواها، وهي ذات اثر طويل الأمد. وقد أكدت دراسات دنيون الأمريكي وريداوي البريطاني وستروملين الروسي، أن الزيادة في الإنتاج لا تعود فقط لزيادة رأس المال واليد العاملة، بل يرجع إلى عوامل التقدم التقني وما وراءه من إعداد وتدريب وتعليم للموارد البشرية.

ولعل من المسلم به القول ايضا إن عملية التربية والتعليم تعد ركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وللتقدم والنهضة الحضارية ومجاراة للعصر،حيث أن المواطن المتعلم والمؤهل والمتربي هو ثروة حقيقية لأي مجتمع من المجتمعات،ومن هنا تعكف دول العالم على الاستثمار في العنصر البشري من خلال التعليم والتدريب والرعاية المختلفة، وذلك لقناعات مفادها إن الإنفاق المالي الكبير على قطاعي التربية والتعليم هو ليست من باب الاستهلاك بل هو من باب الاستثمار ذو العوائد طويلة الأمد،والذي تأتي فوائده أضعاف ما ينفق على هذه القطاعات ولسنين طوال ولأجيال متعاقبة.

فالتربية والتعليم تلعب دورا كبيرا في بناء الشخصية الوطنية وتكريس الهوية الحضارية من خلال دورهما في عملية التنشئة الاجتماعية والثقافية وتكريس قيم التسامح والمصالحة الوطنية،وهما يمثلان الركيزة الأساسية في خلق القوى العاملة المدربة في مختلف الاختصاصات لتلبية احتياجات التنمية الشاملة وسوق العمالة، ومن خلالهما أيضا يتم خلق أجيال قادرة على التواصل مع العالم والتعامل مع مستجدياته في ميادين التقدم الاقتصادي والاجتماعي والتقني لمواكبة ظروف العصر،حيث نحتاج فيه إلى إنسان يمتلك الخبرات والأفكار والأساليب والآليات الجديدة والمستجدة، أي نحتاج إلى إنسان يتصف بالقدرة على الإبداع والابتكار والبصيرة النافذة، ومن هنا تأتي أهمية دور نظام التربية والتعليم في تأهيل هذا الإنسان في ظل تأثر هذا النظام بالعديد من التحديات مثل ثورة المعلومات والاتصالات،وثورة العلم والتكنولوجيا،والتنمية الشاملة والمستديمة، والشركات المتعددة الجنسيات والعولمة، وهذه التحديات تؤثر في أساليب عمل المؤسسات التعليمية كما تؤثر في أهدافها ومناهجها وكادرها التدريسي وطبيعة إعداده وفي تحديد طرائق التدريس وطرائق عمل هذه المؤسسات وأدارتها بصورة عامة.

أن إصلاح حقيقي في مجال التربية والتعليم لا يمكن أن يحقق الأهداف المرجوة منه إلا إذا جاء كجزء من عملية إصلاح شاملة تشمل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية،وخاصة في ظل التداخل والتأثير المتبادل بين هذه المجالات، وحيث أنجز العراق الخطوة الأولى المتمثلة في التغير السياسي صوب "الديمقراطية السياسية" اللازمة لانتعاش الديمقراطية في قطاع التربية والتعليم " كما يفترض في سياقات صحية"، إلا أنه اخل في ترك أي اثر ايجابي في هذا القطاع في الحقبة ما بعد 2003 والى اليوم، حيث ترك هذا القطاع فريسة للمحاصصات السياسية والطائفية وفتح باب الاجتهاد السيئ على مصراعيه في هذا المجال مما حوله إلى ميدان مصدر للتخلف الفكري والتربوي ومكان امن للفساد والتزوير والاستحواذ، وهو استمرار لما حصل من تدهور في العملية التربوية والتعليمية في زمن النظام السابق،بل وفي بعض من وجهوها أشرس مما وقع آنذاك.

في الوقت الذي حقق فيه العراق تقدما ملموسا في عقد السبعينيات على مستوى استيعاب الأطفال، فحسب تقرير اليونسكو أمتلك العراق قبل حرب الخليج الأولى نظام تعليمي من أفضل أنظمة التعليم في المنطقة قدرت نسبة المسجلين فيه بالتعليم الابتدائي ما يقارب 100% مقارنة بأعداد الأطفال في سن التعليم الابتدائي،وحسب تقرير المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم عام 1973 فأن معدل التسرب في التعليم الابتدائي قد هبط في العراق إلى ما يقارب 5% بين الصف الأول والخامس الابتدائي،وكان هذا أوطأ معدلات تسرب في الدول النامية.ثم نال العراق في نهاية السبعينيات جائزة اليونسكو على حملة محو الأمية.وقد ساهمت في ذلك الطفرة المالية المتحققة من العوائد النفطية والتي وسعت من حجم الإنفاق على التعليم،وكذلك الدور الكبير والمتميز الذي لعبته الحركة الوطنية وفي مقدمتها قوى اليسار في التعبئة لنشر التعليم والثقافة في صفوف أبناء المجتمع وتعزيز الدور التعبوي عبر نشاطها وصحافتها العلنية، وخاصة في ميدان محو الأمية،ونقل تجارب الشعوب العالمية عبر صحافتها اليومية وخلق المزاج العام المواتي لتنفيذ ذلك. إلا إن الحروب الكارثية التي أقدم عليها النظام العراقي آنذاك وما سببته من استنزاف للموارد المالية والبشرية قد الحق أفدح الإضرار بقطاع التربية والتعليم، ويكفي إن نشير هنا إلى إن نسبة القادرين على القراءة والكتابة في البلاد عام 2003: الذكور 55%، الإناث 23%. وبلغت خسائر هذا القطاع أكثر من أربع مليارات دولار شملت كل عناصر وأبعاد العملية التربوية ومستلزماتها ومؤسساتها ومراحلها المختلفة.

أن مصير العملية التربوية كما هو معروف يرتبط وثيقا بالاستقرار السياسي الذي يبعث الأمل في مؤسسات الدولة وقيامها بأنشطتها على أسس موضوعية وحيادية، ومنها قطاع التربية والتعليم،فالنظام السياسي يلعب دورا مهما في إعادة توليد القيم الأخلاقية والاتجاهات الاجتماعية العامة، والنظام التربوي هو احد أدواته لتكريس هذه القيم ونشرها على نطاق واسع عبر الممارسات اليومية، من خلال المناهج والأنشطة المدرسية، وتشكل في هذا السياق ظاهرة التعصب الديني والطائفي والقومي احد القيم الأخلاقية والتربوية الضاغطة على وحدة نظام التعليم ونسيجه الاجتماعي، ويشكل هنا التسرب من التعليم والابتعاد عنه احد وسائل احتماء الأقليات في حالات الاحتقان الشديد وسببا في انقطاع الكثير من أبناء الأقليات والطوائف عن التعليم والعزوف عنه.

تعرض النظام التربوي جراء سياسات النظام السابق الهوجاء وما تلتها من سياسات عشوائية على أيدي الاحتلال وما تبعتها من تكريس للمحاصصة الطائفية، إلى انهيارات كبرى في مراحله المختلفة، فقد تم تدمير اغلب المؤسسات التربوية من أبنية ومستلزمات وأجهزة، وقد تحول الكثير من المدارس إلى مجرد أربعة جدران وأماكن شكلية لإقامة الدارسين،لا تشد الطالب إلى المجيء والمواظبة، بل إلى طرده من المدرسة، ناهيك عن اقتسام المدارس إلى مناطق نفوذ طائفي أو حزبي، فهي تعتبر في أذهان الكثير أماكن غير آمنه.

بعد مرور 18 عاما على سقوط النظام السابق ولا زال النظام التربوي والتعليمي في العراق يتعرض الى هزات بنيوية تهدد بأنهيار ما تبقى للقطاع من سمعة وطنية ودولية، وتلك الانهيارات تشمل عناصر العملية التربوية بأبعادها المختلفة: من كادر تربوي، ومناهج، مكان الدراسسة، الأدارة والطلاب وفي سياقتها الكمية والكيفية. وفي سياق حديثنا عن الكادر التدريسي والتربوي بصورة عامة حيث يتعرض الى المساوامات اللاانسانية من قبل السلطات التربوية المحصصاتية التي لا تفقه قيمة العيش الكريم للكادر التربوي وآثار ذلك على أدائه اليومي في سياق العملية التربوية، وتلك السلطات تمارس نفس حالات الاستلاب والأكراه التي مارسها النظام السابق لأذلال الناس من خلال سياسة التبعيث والشوفينية وفرض سياسة الرضوخ لشروط الحاكم الجائر لتجويع الكادر التربوي.

هناك عشرات الألوف بل تجاوز العدد 140 ألف كادر تدريسي يعمل في السخرة او على شكل مكافئات مقطوعة او مكرمة مالية كما تعطى للفقراء في الشوارع او المعوزين وذوي الأعانات الاجتماعية، ولا يمكن لعاقل ان يصدق ان هذا الأمر يحصل في العراق، في بلد نفطي بلغت عائداته منذ 2003 اكثر من 1400 مليار دولار ذهبت جميعها في جيوب الفاسدين والسراق من سياسي الصدفة مختلسي المال العام ورافعي شعارات المليشيات المسلحة اولا ولا لدولة المواطنةا، وما انفق على قطاع التربية والتعليم الى اليوم تجاوز 30 مليار دولار بحسب التقديرات، وهذه الاموال لا تستطيع تأمين فرص تعين بشروط انسانية للكادر التربوي، بل تلجأ الى حلول عرجاء وغير محسومة الى ما يسمى بالعقود، في ظل افتراضات اكيدة في توسع التعليم الهائل في العراق استنادا الى البنية السكانية الفتية او في اعمار الدراسة، وبالتالي فالحاجة قائمة الى الكادر التربوي في العراق الى يوم يبعثون، فلماذا هذا التحايل عليهم ومساومتهم بأبخس الشروط.

احتجاجات الكادر التربوي اليوم في مختلف المحافظات العراقية هي جزء لا يتجزأ من الحركة الأحتجاجية في عموم العراق ولمختلف الشرائح الاجتماعية لتحسين ظروف العيش ومحاربة الفساد وسرقة المال العام وتوفير الخدمات الانسانية الضرورية من صحة وتعليم وكهرباء وماء وضمانات للفئات المجتمعية المحرومة، مقرونا بمطالب مشروعة لأعادة بناء العملية السياسية من جديد عبر الأقصاء الديمقراطي للطبقة السياسية الفاسدة كمقدمات لأعادة بناء العراق على اسس دولة المواطنة، وبالتالي نرى ان الحلول الترقيعية والوعود للكادر التربوي عبر تحويلهم الى "مكرمة العقود" هي ذات الوعود التي تحدثت عنها السلطات المتعاقبة في حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية لعموم شعبنا ولم تحل، وقد بلغت ضحايا مطالبات شعبنات منذ انتفاضة اكتوبر اكثر من 700 شهيد و30 ألف جريح ومئات الأعاقات المنتهية غير القابلة للعلاج، ولا زال المجرم القاتل حرا طليقا، والوعود بألقاء القبض عليهم وتقديهم للعدالة كما هي الوعود في الاستجابة لمطالب الشعب.

 

د. عامر صالح

 

 

لطفي شفيق سعيدخلاصة هذه المداخلة التي تمحورت كتابتها حول (لماذا لم يستلم الحزب الشيوعي السلطة بعد أن توفرت له الفرصة بعد محاولة اغتيال الشهيد عبد الكريم قاسم وعندما كان الحزب في ذلك الوقت في أوج عظمته؟) وبما أن تلك الفرصة وفرص أخرى مشابهة قد مر عليها زمن طويل تعدى نصف قرن فإن من الضروري أن نبحث عن أمر آخر ونطرح السؤال التالي: بدلا من أن يقتصر على سبب عدم استلام السلطة وهو (لماذا لم يحافظ على السلطة وحماية التجربة الكبرى المتمثلة بإقامة الجمهورية العراقية ومن هو المؤول عن ضياعها بعد أن مضى على عمرها أقل امن أربعة سنوات؟)

وفي رأيي ومن خلال اطلاعي على سير الاحداث في تلك الفترة أن صراعا معلنا وخفيا كان يدور في تلك المرحلة بين الحزب الشيوعي العراقي الذي رفع شعار (تضامن كفاح تضامن) والمتمثل بمساندة النظام بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم والكفاح ضد مخططات الاستعمار التي تهدف إلى اسقاط السلطة واعادة العراق إلى حضيرته وبين الأحزاب المناوئة التي تهدف إلى اسقاط السلطة واستلام الحكم بعد القضاء على الزعيم عبد الكريم قاسم وأعوانه وقد مثل تلك الأحزاب والفئات المناوئة كل من حزب البعث والاحزاب القومية العربية والكردية والتركمانية إضافة لرجال دين شيعة ومنها الفتوة التي أصدرها المرجع الديني الشيعي المرحوم السيد محسن الحكيم على اعتبار أن الشيوعية كفر والحاد التي اذكت الصراع ضد الحكم وبالذات ضد الزعيم عبد الكريم قاسم باعتباره منحاز ومساند للشيوعيين حتى ان البعض بث دعاية بأنه شيوعي وله انتماء سابق للحزب الشيوعي العراقي واضافة لهذه القوى المناوئة فقد انظم اليها من تضررت مصالحهم من قرارات حكومة عبد الكريم قاسم كالإقطاعيين وكبار الملاك ، لقد قاد الصراع الخفي والمساند للقوى المناوئة كل من بريطانية واميركا وبعض دور الجوار متمثلة بالأردن وايران وتركيا والسعودية والكويت أضافة إلى موقف عبد الناصر الذي اعلن العداء السافر وحرض ومهد وسخر اعلامه من اجل إزاحة الزعيم عبد الكريم قاسم.

إن جميع تلك المجاميع تكاتفت وتآزرت لإسقاط النظام والقضاء عليه حتى لو تطلب الأمر وبقوة السلاح وبانقلاب عسكري يقوم به بعض الضباط والقادة الذين انظموا لصفوف الأحزاب المناوئة، وبالفعل فقد جرت عدة محاولات لإسقاط السلطة وفشل البعض منها مثل المحاولة الانقلابية التي قادها العقيد الركن عبد الوهاب الشواف في الموصل بتحريض واسناد وتجهيز أسلحة ومحطة إذاعة لإذاعة بيانات الانقلابيين من قبل جمهورية مصر وبأشراف مباشر من رئيسها المرحوم جمال عبد الناصر.

إن محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم كان الهدف منها هو التحضير لاستلام السلطة من قبل البعثيين والتي جرت في منطقة رأس القرية عام 1959 ولكنها فشلت كغيرها من المحاولات ، وبعد ذلك اخذت المحاولات تأخذ مسارا علنيا واصبح امر الإطاحة بالنظام والقضاء على عبد الكريم قاسم علنيا وواضحا عند قيادة الحزب الشيوعي العراقي وعند عبد الكريم بالذات وقد تأكد للحزب الشيوعي ذلك الأمر وبشكل لا يدعو للشك وذلك من خلال المعلومات التي كانت تصله من اطراف عديدة ومنها ما جاء بجريدة الاشتراكي السرية التي يصدرها حزب البعث وفي افتتاحيتها ليوم الجمعة الذي سبق جمعة الانقلاب في 8 شباط 63 حيث ورد فيها ان حزب البعث سيسقط السلطة عن قريب وأنهم سيعلقون أجساد الشيوعيين على أعمدة الكهرباء كما أن قسما كبيرا من أعضائه كانوا يتدربون على استعمال السلاح والرمي في منطقة جرف الصخر وتحت علم عبد الكريم ومن اعتراف أحد المتدربين والذي القي القبض عليه في تلك المنطقة واحيلت أوراق التحقيق الذي جرى في الفوج الثالث من اللواء الأول الى القائد العام للقوات المسلحة ولم يتخذ أي أجراء بحق المتهم ولم يرسل عليه للتعرف على ما كان يدور من مخططات تهدف لإسقاطه ,لقد كان الفرق كبيرا بين من كان يروم استلام السلطة بالقوة وبين المدافعين عنها والمتمثل بالحزب الشيوعي العراقي والذي كان يحرص على بقائها بالرغم من المخاطر والتسريبات التي تشير إلى انفضاح أمر الجهة التي تنوي القيام بالانقلاب فقد كان حزب البعث والقوميين ومن معهم قد اناطوا أمر تلك المهمة لقادة عسكريين معروفين ومشخصين من قبل السلطة إضافة إلى عدد آخر من الضباط بمختلف الرتب وإن جميع هؤلاء الضباط كانوا يشغلون مناصب مهمة في وزارة الدفاع واصبح مقر وحداتهم في بغداد بل أن البعض منهم كان مقره في وزارة الدفاع وبالقرب من عبد الكريم قاسم وكانت مهمتهم وضع الخطط العسكرية المطلوبة بحدود ما لديهم من خبرة وتدريب وكيفية استخدام السلاح المتوفر أصلا تحت امرتهم في جميع الوحدات العسكرية بعكس السياسة التي اتبعتها اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي فقد كانت ضد فكرة اناطة المسؤولية للعسكريين وعملت على ابعاد من كان يطالب باستلام السلطة أو التغيير في وقت كان يظم ألعديد من الضباط وضباط الصف والجنود الاكفاء ذوي قدرة وكفاءة عالية وكذلك لم يهتم أو يبادر لوضع خطط مسبقة للتصدي لأي محاولة انقلابية والتي اصبح أمرها معروفا لديهم وكذلك لا يمتلك اعضاءه المدنيين أية قطعة سلاح ولم يتدربوا على استخدامها كما تبين ذلك خلال الانقلاب وعند تجمهر عدد كبير من أبناء الشعب يطالبون عبد الكريم بالسلاح من أجل الدفاع عن الجمهورية ولكن دون خطة مسبقة وبما تعرف بخطة أمن بغداد والدفاع عن الجمهورية ، وللتاريخ فقد سألت أحد مسؤولي الحزب الشيوعي وممن كان يشرف على التنظيم العسكري وبعد أن اطلعته على افتتاحية صحيفة الاشتراكي الصادرة عن حزب البعث ماهي إجراءات الحزب وما هي خطة التصدي والدفاع عن الجمهورية وافشال المؤامرة والانقلاب الوشيك وكيف ستتصرف مجموعة العسكريين الذين يظمهم الحزب الشيوعي لصفوفه فكان رده محبطا إذ قال واعتقد أنه رأي الحزب وتوجيهاته وهو: (على كل عسكري ان يلتحق بوحدته حال سماعه بيان الانقلاب وينتظر هناك وصول المسؤول الحزبي عنه ليبلغه بالأوامر والتوجيهات التي سيصدرها الحزب !!) أي على هؤلاء العسكريين أن يبقوا في وحداتهم في (انتظاركودو) حتى يأمرهم ذلك الشخص بأداء واجبهم العسكري ومن المعروف لجميع العسكريين أن (كودو) هو واحد من المدنيين معلما كان أو عاملا بسيطا وبدرجة حزبية متقدمة ونتيجة لهذه السياسة العقيمة قد وقعت الطامة الكبرى ولم يحضر الكثير من مسؤولي الحزب الى المقرات العسكرية وخاصة التي تم السيطرة عليها من قبل الانقلابيين كما وأن عديد من الضباط المهمين والذين ابعدهم الزعيم عبد الكريم عن الوحدات المهمة في بغداد لم يتمكنوا من الحضور ليمارسوا دورهم الفعال بسبب مناطقهم النائية وبدورهم لم تصلهم أي أمر عدا بعض المبادرات التي قام فيها بعض الضباط من تلقاء أنفسهم كان ثمنها فقدان حياتهم كما حدث في معسكر سعد في بعقوبة والبصرة وبعد أن أخليت ساحة المعركة منهم وحل بدلهم قادة وضباط لم ينفذوا الأوامر التي أصدرها الزعيم أليهم و لم يتصدوا للانقلابين بل أن البعض منهم شارك بالانقلاب ومنهم من شتمه كالضابط الذي ايد الانقلاب وشتم الزعيم عند الاتصال به لتهيئة اللواء ساعة حدوث الانقلاب هو ضابط ركن اللواء المقدم الركن طه الشكرجي كما وأن آمر اللواء الزعيم الركن عبد الكريم محمد ذو التوجه الديني المتشدد والذي نصبه الزعيم بدلا عنه لأمرة ذلك اللواء لم يكن من الضباط الاحرار ولا علم له بخطة الثورة فلم ينصاع لأمر الزعيم ولم ينفذ أمره بالتصدي للانقلاب مما سهل للانقلابين مهمة السيطرة على معسكر الرشيد بكامله .

لم يكن لقيادة الحزب الشيوعي العراقي نية في استلام السلطة بل كان هدفه المرحلي هو الدفاع عنها المتمثلة في شخص عبد الكريم قاسم باعتباره حكما وطنيا تحرريا ضد الاستعمار و بالمقابل ذلك لم تكن لديه خطة واضحة عن كيفية الدفاع والاستفادة من كوادره العسكرية الهائلة وكذلك لم ينيط المسؤولية للضباط الحزبيين الكبار للعمل في المكتب السياسي لمعالجة الأمور التي تتعلق بالشأن العسكري حسب خبرتهم وذلك بسبب التخوف من قيام العسكريين بالتخطيط لاستلام السلطة الذي يعتبره مخالفا لتوجهات اللجنة المركزية للحزب الشيوعي وما يمليه عليها الحزب الشيوعي السوفياتي ضمن المرحلة آنذاك والتي تركزت على الصراع العقائدي بين السوفيات وبين الحزب الشيوعي الصيني والذي انسحب تأثيره على مواقف الحزب الشيوعي العراقي وأخذ الحزب يثقف اعضاءه بذلك الصراع منحازا لجانب السوفيات واهماله الجانب المهم وهو الخطر المداهم الذي يهدد الوطن والتلويح بالانقلاب واستلام السلطة من قبل البعثيين ومن معهم واستمر هذا التوجه خلال المعارك التي كانت تدور رحاها بين الجيش العراقي وبين فصائل كردية في شمال العراق عام 1961 كذلك استمر ذلك التوجه الخاطئ الذي سلكه الحزب الشيوعي حتى بعد حدوث الانقلاب في 8 شباط 63 وكان همه الأساس هو أيصال النشرات والكراريس المتعلقة بصراع الحزبين السوفياتي والصيني حتى خلال انشغال كوادره من العسكريين بالقتال على قمم الجبال وفي عمق الوديان ولم تنتهي تلك المهمة الغريبة التي اعتبرها الحزب من مهامه الرئيسة ما دام الحزب الشيوعي السوفياتي مستمرا بها وقد استمر الحزب الشيوعي العراقي يأخذ على عاتقه هذه المهمة بعد حدوث الكارثة وتدمير معظم تنظيماته المدنية والعسكرية بطريقة وحشية فقد انتقلت تلك المهمة إلى تثقيف السجناء الذين زج بهم الانقلابيون في السجون ومنها سجن نقرة السلمان الصحراوي الرهيب مما خلق لدى معظم السجناء حالة من الاستهجان والاستغراب من هذا التصرف وما يقوم به كوادر الحزب بنشر دعاية وتثقيف بأوامر بعيدة كل البعد عن المصيبة التي حلت بهم ، فهل هنالك أهمية تذكر وجدوى مفيدة خلال ما حصل في الحالتين حالة معارك الشمال وحالة السجناء التي أدت بالتالي إلى ضياع الوطن فلا ضير أن نعيد اطلاق  المثل الشعبي القائل (عرب وين وطنبوره وين) على سياسة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي سابقا ولاحقا!!.

أن عدم وجود خطة للدفاع عن الجمهورية لم يقتصر على الحزب الشيوعي العراقي فقط بل شملت القيادة العسكرية المتمثلة بالقائد العام للقوات المسلحة الزعيم عبد الكريم قاسم وإن هذا الأمر يشكل خطأ مريعا وفظيعا فإن ما حدت في انقلاب 8 شباط 63 وما جرى في تنفيذ صفحات الانقلاب من تلكأ تعكس احتمالية فشله خلال مواجهة عسكرية بسيطة وبخطة مسبقة وبما تسمى بخطة أمن بغداد تتضمن قطعات مهمة موالية للحكم بشكل كامل تمتك اسلحة متطورة خاصة تقوم ممارسات مستمرة لتنفيذ الخطة وكيفية التحرك السريع للسيطرة على الموقف واختيار القادة الشجعان والموالين حتى وإن كانوا من ضباط ذوي رتب صغيرة وأن يكون موقع قيادة المعركة في قلب الحدث وليس بعيدا عنه أو في مكان يسهل اختراقه وتدميره من قبل الانقلابين، إن تلك الأمور لم يعمل بها وإن ما قد اثبت عدم وجود خطة خاصة بأمن بغداد والدفاع عن الجمهورية إن أكثرية قادة الفرق والوحدات العسكرية والتي قربهم عبد الكريم قاسم و كان يضن بانهم سيلبون نداءه وينصاعون لأوامره جرى عكس ذلك فلم يحركوا اية قطعة من التي كانت تحت أمرتهم للتصدي للانقلابين بل أن قسما منهم اشترك أو أيد الانقلاب ببرقيات تأييد والأغرب من ذلك وأسوء هو اختيار القائد عبد الكريم قاسم اللجوء إلى ثكنة وزارة الدفاع وحشر نفسه ومن معه بين جدران تلك التكنة مما سهل مهمة تطويقها وصب نيران أسلحة دباباتهم ومدفعيتهم وصواريخ طائراتهم على من كان داخل تلك الثكنة ورب سائل يسأل كيف اختار الزعيم هذه الوسيلة وهي الدفاع ، وهي طريقة غير ناجحة ولا تنفع في مثل تلك المواقف حيث أن مبدأ الهجوم هو الأفضل في إدارة دفة المعركة ويؤخذ على الزعيم عبد الكريم قاسم أيضا اختياره هذا الأسلوب في معالجة الموقف وهو الضابط الشجاع الذي حصل على وسام شجاعة في حرب 48 في تصديه للعدو الصهيوني وخرقه جبهة قطعاتهم وصولا إلى مدينة كفر قاسم واحتلالها وكما أنه قائد ثورة 14 تموز وواضع خطتها المحكمة والدقيقة وقام بتنفيذها بوقت قياسي اذهلت الدوائر والمؤسسات الأجنبية والمعنين في الشأن العسكري لدرجة أن أحدهم ذكر: (أن ذلك الوقت الذي تم فيه انجاز المهمة لا يكفي للسطو على بنك صغير)، إذن ما هو السر الذي جعل ذلك القائد أن يبقى داخل ثكنة وزارة الدفاع ولم يغادرها ويقود من كان فيها من جنود وضباط من مراتب الفوج الثاني من لوائه التاسع عشر الذي قاده قبل الثورة اضافة لمراتب وضباط الانضباط العسكري الذي هم بأمرة صديقه المخلص الشهيد عبد الكريم الجده وكان عددهم بالآلاف مسلحون بأسلحة مختلفة بضمنها مدرعات وحاملات أشخاص ومدفعية وينطلق بهم نحو معسكر الرشيد ليلتقي بجنوده في الفوجين الأول والثالث من لوائه السابق ويدير المعركة المفتوحة من هناك فهل كانت خطة البقاء في ثكنة وزارة الدفاع هي من تدبير الزعيم نفسه أم أنه تأثر بآراء بعض الضباط المحيطين به ؟ لقد تواردت بعض المعلومات مفادها أن الزعيم حاول الخروج والتوجه الى معسكر الرشيد بعد أن وجه له المقدم الركن طه الشكري كلمات نابية خلال المكالمة التي جرت بينهما حيث رد الزعيم عليه: (إنتظرني فأنا أت اليك وسأريك من أنا) حسبما ذكره لي المرحوم مرافقه قاسم الجنابي ونصحه البعض بعدم الخروج وترك الدفاع لآن ذلك يشكل خطرا على حياته وإنه من هذا الموقع بإمكانه الاتصال بقادة الوحدات العسكرية ويتابع ما يجري من تطورات خلال تلك المعركة ,إن مجمل الأحداث أثبتت خطأ ذلك الموقف والذي من خلاله لم يتمكن الموجودون داخل الدفاع والمحاصرون من الصمود أكثر من يوم وليلة بالرغم من دفاع بطولي ابداه الجنود وبعض الضباط وكانت نتيجته استشهاد عدد كبير من أفراد الانضباط العسكري وبضمنهم قائدهم البطل الشهيد الزعيم عبد الكريم الجدة الذي قاتل قتال الابطال وكذلك استشهد مرافق الزعيم الأمين العقيد وصفي طاهر والذي قاتل بشرف ثم طلق رصاصته الأخيرة على رأسه بعد نفاذ عتاد رشاشته عدد كبير من مراتب الفوج الثاني من لواء الزعيم وكانت خاتمة هذه المأساة أن يتجه الزعيم عبد الكريم قاسم وبمعيته الشهيد فاضل عباس المهداوي والزعيم الركن طه الشيخ أحمد والملازم الأول كنعان حداد الى مركز قيادة المتآمرين في دار الإذاعة في الصالحية داخل مدرعتين بعد أن جردوا من أسلحتهم الشخصية ليلاقوا مصيرهم المحتوم وذلك بقتلهم دون محاكمة وبسرعة بعد أن وثق الزعيم بوعودهم الكاذبة والتي اكدت نيتهم منذ بداية المفاوضات التي جرت بينه وبينهم بقولهم أنهم يطلبون رأسه ولا غير ذلك ، فكيف وثق الزعيم بهم وسلم رأسه اليهم وقد كلف ذلك الاجراء الشعب العراقي ثمنا باهضا تحمل وزره طيلة عقود سوداء تلت تلك المجزرة الدموية وإن الضباط والمراتب الذين ابعدهم الزعيم عبد الكريم قاسم أماكن نائية وبعيدة عن مكان الكارثة كانوا بإمكانهم التصدي للمتآمرين والدفاع عن الوطن بطريقتهم الخاصة وبعمل عسكري متقن ومحكم بعيدا عن إملاءات وتوصيات الحزبيين التي أولدت لهم اليأس والإحباط وخاصة خلال ما كانوا يتعرضون له من مضايقات امن قبل الضباط لبعثيين والقومين واستفزازاتهم المستمرة خلال تواجدهم في الوحدات التي ابعدوا اليها في وقت كانت توجيهات الحزب لهم أن لا ينجروا لتلك الاستفزازات والتي وصلت أحيانا الى درجة التهديدات والوشاية وكتابة التقارير المغرضة ومنها التقرير الذي كتبه أحد هؤلاء ضدي ومفاده (شيوعي خطر له قابلية في تنظيم الجنود والضباط وضد القومية العربية) واصبح هذا التقرير ينتقل معي في كل مكان انتفل اليه وقد اضيف إلى اضبارتي الخاصة في وزارة الدفاع وقرأ علي لعدة مرات ومنها عندما رحلت الى أمرة الفرقة الأولى والى وحدة عسكرية في الناصرية حيث وردت برقية الى أمر الوحدة يطلب فيها حضوري لمقابلة الزعيم عبد الكريم قاسم وكان ذلك قبل صدور جدول الترفيعات الذي يشمل ترفيعي الى رتبة ملازم أول وحين حضرت إلى وزارة الدفاع وجدت أمامي عددا أخر من الضباط وبرتب مختلف يربو عددهم على مائتي ضابط وانتظرنا لقاء الزعيم إلا أنه لم يحضر وكلف نيابة عنه مدير إدارة الجيش واستدعى الضباط واحدا تلو آخر للمثول أمامه وعند حضوري أطلعني مدير الإدارة على التقرير الخاص المتضمن رأي قادة الفرق بأمر ترفيعي ويشمل ذلك جميع الضباط الذين حضروا أيضا وقد جاء بالتقرير كلمة لا يرفع إزاء اسمي مع بيان السبب بعبارة بخط اليد نفس القرير السابق (شيوعي خطر الى أخر التقرير) وحمل توقيع قادة الفرق جميعا وكانت هناك علامة (كروس) بالخط الأحمر على عبارة لا يرفع وكتب بدلا عنها عبارة (يرفع لإخلاصه) وبتوقيع عبد الكريم نفسه وهذا الأمر يؤكد حالة التناقض بين كلمة اخلاصه وابعاده ومدى اعتقاده بالتقرير المرفوع ضدي من أحد الحاقدين عليه والعاملين ضده ضمن المجموعة التي اسقطته ومن ثم الحكم علي بخمسة سنوات سجن بمحاكمة صورية لم ابلغ بموعدها ولم اعرف أنني ذاهب اليها ولم تجر بشكل أصولي ولم يسمح لي بالدفاع أو توكيل محامي ولا بحضور من يشهد لي أو ضدي واقتصرت مطالعة المدعي العام في تلك المحكمة المهزلة على قراءة التقرير المجحف والملفق ضديوهو (شيوعي خطر الى آخر التقرير) وقد انتهت تلك المحكمة التي لم تستغرق سوى دقائق معدودات وبصرخة اطلقها رئيس المجلس العرفي العسكري الثاني العقيد الملقب نافع الملقب بطة وكان نتيجة تلك المحكمة والتي اطلقت عليه اسرع واغرب محكمة في التاريخ ولتي كلفتني ضياع مستقبلي وارسالي الى السجن العسكري الأول ومن بعدها من سجن لآخر وسجان يسلمني لسجان وهناك في سجن نقرة السلمان وجدت ما يؤكد مدى الخطأ الذي وقع فيه الزعيم عبد الكريم قاسم في معالجته للمخاطر التي كانت تهدد الجمهورية وتستهدف حياته بالذات ـ إذ كان ذلك السجن يظم أضافة إلى الآلاف التي زج بهم الانقلابيون ومنهم قادة عسكريين كبار وضباط بمختلف الرتب وضباط صف وجنود أخذ أمرهم على حين غرة نتيجة سوء التقدير واضافة لهؤلاء وغيرهم فقد كان هناك مجموعة من الشباب ومن لم تتجاوز أعمارهم السادسة عشر هم طلاب في المرحلة المتوسطة محجوزين في هذه النقرة في زمن الزعيم بسبب قيامهم بتوزيع نشرات تدعوا إلى السلم في كردستان وبإيعاز من الحزب الشيوعي كما ظم السجن خلال تلك الفترة أي خلال حكم الزعيم مجموعة من المحكومين بالإعدام من أبناء الموصل الذين تصدوا لمؤامرة الشواف وأخرين من أبناء البصرة من عمال الموانئ وقد انتهى أمر الطلبة المحتجزين بعد الانقلاب بصدور الحكم عليم لمدة عشرة سنوات خلال مثولهم أمام المجلس العرفي الذي شكله الانقلابيون حيث طلب منهم رئيس المجلي العرفي سب الحزب الشيوعي العراقي فلم يوافقوا فحكم عليهم بالسجن بعشرة سنوات أما المحكومين بالإعدام فقد رحلوا إلى الموصل والبصرة وتم تنفيذ الإعدام فيهم هناك ، وقد عكس هذا الحدث جانبا من جوانب التصرفات الخاطئة التي اقدم عليها الزعيم عبد الكريم عن قصد أو عن غير قصد وحسب منظوره الخاص في معالجة الأمور وكذلك السياسة المتذبذبة والغير سليمة التي سلكها الحزب الشيوعي العراقي خلال تعامله خلال تلك المرحلة والتي وصفتها سابقا بالمثل الشعبي (لا حظت برجيلها ولا خذت سيد علي) .

إن ثمن الخطأ الجسيم الذي ارتكبه الطرفان كان جسيما مما أدى إلى ضياع الوطن ودخوله في ظلام دامس استمر عدة عقود لا زال مستمرا إلى الآن.

لقد انتهت هذه المداخلة والتي استمرت لأربعة أجزاء وباعتقادي أن ما ورد فيها لم يكن وافيا ولم أتمكن من ذكر التفاصيل الدقيقة بسبب ضيق المجال وضعف ذاكرة التي مرت عليها سنوات طويلة وباعتقادي إن زميلي الأستاذ الدكتور قاسم قد شاركني بعض ما ورد فيها من تفاصيل وذلك لأن ما ذكره في مقالته من أسماء سجون مثل سجن الحلة والسجن المركزي وسجن نقرة السلمان والموقف العام هي نفس السجون التي قضيت فيها من عمري ثلاثة سنوات وفي الفترة نفسها التي أشار أليها زميلي واعتقد بأن عمره مساويا لعمري أو أنني أكبر منه بسنوات قليلة ولو أنه لا يريد أن ينشر صورته الحديثة مع مقالاته على المثقف بعكس ما أفعله أنا في نشر صورتي الحديثة وهل ينفع ما أفسده الدهر، كما أنه يعلم لماذا انني ادعوه بالزميل والتي لها قصة أخرى فرضها على كلينا الزمن الثقيل.

 

لطفي شفيق سعيد

السابع من نيسان 2021

 

كاظم الموسويانتهت الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية، بفوز المرشح الديمقراطي، جو بايدن، وقبل تثبيت فوزه، كان المرشحان يعرضان وعودهما الانتخابية، ويرسمان سياستها الداخلية والخارجية، ومنها توجهات عامة بخصوص العلاقات مع البلدان العربية، أو بعضها وكذلك المواقف من القضايا العربية المعروفة أو التي كانت مطروحة  في البحث  مع البيت الأبيض والأجهزة والمؤسسات الاخرى. وحينها بدأت الهواجس تتصدر المشهد السياسي، من منطلق أن كل رئيس له رؤيته وسياسته الخارجية، وتقلبت المواقف العربية، حولها، بين الهمس أو التصريح،  انتظارا وتحسبا، حيث ان كل بلد وحاكم له قصته، حتى ولو كان بعيدا عن واشنطن آلاف الكيلومترات، خصوصاً صوّر اعلاميا اختلاف بين عهدي دونالد ترامب وجو بايدن، أو القول بين ادارة جمهورية جربت وانتهت مرحلتها، وإدارة ديمقراطية جديدة فازت ولديها مواقفها المختلفة، حتى ولو بالاسماء والوعود اللفظية، وعبر ذلك لابد من النظر الى ما تريده هذه الادارة الأمريكية عموما وما يريده العرب منها، وكل طرف لديه مشاريعه ومخططاته، رغم التباين بينهما، بين ماسك "العصا والجزرة"، ومخططاته وبين من يتلقى منه ويحاصر اذا اختلف معه أو اذا لم تتطابق المصالح أو التوجهات. ويظل في حالة تردد أو تموج مع ارتداداتها. ومنهم خصوصا من تعامل مع ترامب وجربه وتكيف مع إدارته وتغريداته، ونسق معه مصالحه وسياسته المحلية والإقليمية اساسا، وراهن عليه ودفع اثمانا لعلاقتهما، بينما سيواجه الان إدارة اخرى، مع أن أغلب الأسماء فيها، ليست جديدة كاملا، عملت سابقا بشكل أو باخر، في مناصب أخرى أيضا. وبعد فوز بايدن، وإدارة ديمقراطية فإن ما صدر منها في الأسابيع الأولى لها غير كاف للحكم عليها ولكنها تحت الاختبار، كما عبر بايدن نفسه.

ومؤشرات الأدارة الجديدة التي نقلت خلال مؤتمرات صحفية أو شهادات وزراء ومساعدين في إدارة بايدن أمام الكونغرس ولجانه، أعطت اشارات الى التفكير والعمل على أساس مقاربات ومراجعات وتعديل لبعض ما قامت به إدارة ترامب وتغريداته، ولكن ظلت كما هي عموما ليست بالوضوح  الكامل ولا بالتغيير الشامل.

ابرز ما عرف عن الإدارة الجديدة تركيزها على الحلول الدبلوماسية وحقوق الإنسان، وهذان الامران يواجهان تعقيدات كبيرة في منطقتنا العربية، وربما صداما بينها، ووقائع الأحوال العربية الرسمية. لما تتضمنه الدبلوماسية الكثير من الحوار الصعب، وحقوق الإنسان من انتهاكات صارخة.. الأمر الذي يقلق  المراقبين أو يتركهم في ترقب طويل، ليروا ما إذا كان الحوار سيترجم إلى أفعال، والضغوط تثمر وقائع جديدة.

قضايا الأمة العربية معروفة بتفاصيلها وتطوراتها، وأغلبها قديمة عمليا، وحتى المواقف الرسمية تتراوح فيها أو معها، تبدأ من القضية المركزية، فلسطين وحقوق شعبها في الحرية والاستقلال والعودة، ولا تنتهي بمكافحة الإرهاب وجائحة الكورونا.. وبينها التنمية والعدالة الاجتماعية وشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات الأساسية ومن ثم العلاقات الدولية الطبيعية واحترام اراردات الشعوب وخياراتها السياسية، وقبلها مصادر الطاقة، البترول والغاز وغيرها من الثروات الطبيعية الاخرى.

واذا دخلنا في الموضوع وبدانا بالقضية المركزية، فما صدر من إدارة بايدن منذ الانتخابات وحتى دخولها البيت الابيض، لم تات بما يميزها عن فترة سابقتها، في الإصرار على استمرار الوضع كما طرحه الرئيس السابق دونالد ترامب وصهره جيرارد كوشنر فيما سموه بصفقة القرن، وخطواتها التي نفذت منها، خاصة ما يتعلق بالقدس واعتبارها بما لا يتفق مع القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، وكذلك الجولان والحقوق الاخرى، بل واستمرت في تشجيع الممارسات الصهيونية في الاستيطان وعقد معاهدات وتحالفات تامرية واستمرار الضغط في الاتجاهات السابقة والانحياز ربما لا يقل أهمية عن سابقيه. وهذه خيبة أمل اولى ومبتكرة عن سياسات الإدارة الجديدة وصفعة أخرى. في هذا الشأن، ولكن اقرت إدارة بايدن باعادة التعامل مع السلطة الفلسطينية ماليا ودبلوماسيا فقط. اي ان القضية الفلسطينية بكل حمولتها لم تحظ بما يناسبها من الإدارة الجديدة، لحد الان.

رغم ما نقل عن وزير الخارجية الأمريكي توني بلينكن بإعادة النظر في قضايا مطروحة وبعض الالتزامات التي تنطوي عليها، وقائمة اهتمامات الإدارة الجديدة طويلة، وهي كما نقل "تتراوح من صفقات الأسلحة مع الإمارات العربية المتحدة إلى اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على المنطقة المتنازع عليها في الصحراء الغربية. وتحوي أيضا الأعمال غير المنتهية والأزمات التي لا تنتهي في العراق وسوريا ودول الخليج والتحديات الجديدة في لبنان، والتهديد الدائم للقاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية، فالقائمة طويلة بالنسبة لإدارة لديها ما يكفي من حرائق في الداخل". ولهذا تم تعين ممثل للإدارة لهذه الشؤون والمنطقة، بدرجة وكيل وزير، كما أن هناك العديد من الأولويات المشتركة، مثل إنهاء الحرب الكارثية في اليمن، وتعيين ممثل خاص بها. ومعلوم تعقيدها، وما يدور في ملفها، من ادوار دول أخرى واوضاع إنسانية تتباكى عليها تقارير الأمم المتحدة ومنظماتها التي تحمل صفة "انسانية"، وكذلك الوضع في ليبيا وامثالها.

أضاف تحليل لمحطة السي أن ان، أمام الإدارة الجديدة ضرورة النظر في أزمات متفاقمة اخرى بالمنطقة. فالناس فيها مُثقلون بضغوط الأزمات الاقتصادية وبطالة الشباب وزيادة عمق عدم الثقة في قياداتهم، وكلها تفاقمت بسبب جائحة فيروس كورونا. ووجد استطلاع رأي الشباب العربي أن غالبية منهم في الدول التي مزقتها الأزمات يؤيدون الاحتجاجات المناهضة للحكومة، وأن ما يقرب من نصف الشباب العربي يفكرون في مغادرة بلدانهم.

واكد التحليل الأمريكي: القيادة الفاسدة وسوء الإدارة الحكومية جزء رئيسي من المشكلة، وكذلك السياسة الخارجية للولايات المتحدة في شكل تدخلها العدواني في بلدان مثل العراق، ودعم الحكومات الفاسدة والقمعية. وخلاصة التحليل تضيف مهمات أخرى على الإدارة الجديدة بما يخص القضايا العربية، واذا عرفنا طبيعة المصالح والعلاقات الأمريكية العربية، فنصل الى تعقيدات وتراكمات تحتاج إلى وقت طويل وقدرات كافية لمعالجتها وحل عقدها وملفاتها المتراكمة.

من هنا يبدو أن الإدارة الجديدة هي الأخرى مثقلة بازمات تتطلب منها مواقف صعبة، واذا كانت بوادرها مقبولة فانه مع مرور الأيام هبطت تقديراتها وزاد القلق حولها. وقد تكون اصعب مع وضع الرئيس بايدن الصحي ومتغيرات قدراته القيادية. ومعلوم أن المؤسسات الحاكمة تستمر في تسير أعمال الإدارة الأمريكية اخذة بنظر الاعتبار المصالح الاستراتيجية  للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة أساسا، بغض النظر عن هذه التطورات. ولكن تبقى القضايا العربية وملحقاتها على الطاولة والقرار في مختلف الأجهزة والمؤسسات الأمريكية، للعلاقات والصلات والروابط والرهانات عليها. متوزعة بين الاستراتيجية والرئيسية، وبين الفرعية والهامشية التي لا تؤثر كثيرا على جدول أعمال الإدارة  والتزاماتها.

 

كاظم الموسوي

 

 

محمود محمد عليكلنا يعلم الدور  التنويري الهائل الذي لعبه الإعلام المصري سواء منه، المقروء، أو المسموع، أو  المرئي في فضح جماعة الإخوان الإرهابية في حكم مصر، وتنوير ملايين المصريين وتبصيرهم بأن تلك الجماعة لا تحكم بما فيه صالح المصريين جميعا وصالح الوطن برغم وصولهم إلي سدة الحكم، بل إن تلك الجماعة كانت لها "حسابات ضيقة"، يكاد أن يضيع معها الوطن، وعليه وبسبب حالة إعلامية مذهلة يتذكرها الجميع حتى اليوم، نزلت جموع الشعب المصري بالملايين للشوارع يطالبون بسقوط حكم المرشد وجماعة الإخوان، وانتصرت ثورة الثلاثين من يونيو 2013م  في النهاية بفضل تآزر الجيش المصري والشرطة المصرية،وتحققت المطالب في إزاحة حكم جماعة المسلمين..

وهنا نقول بأنه لا يستطيع أحد أن ينكر الدور الهائل للإعلام المصري في تبصير عشرات الملايين من المصريين في الداخل والخارج، ونتيجة هذا الدور أعلن في العاميين الماضيين الرئيس عبد الفتاح السيسي عن عودة وزارة الإعلام بعد أن ألغيت لفترة من الزمن بسبب حكم جماعة الإخوان، وتم تعيين، الدكتور " أسامة هيكل " وزيرا للإعلام .

بيد أن الكثير من رجال الإعلام والصحافة، وجدوا أن السيد الوزير لم يضف شيئا لمنصب وزير الإعلام، بل اتهمه بعضهم بأنه" أصبح وزير الكورونا، وأنه  "أثار مشاكل منذ وصوله لمقعده أكثر مما أنجز، وبدخوله فى مشاكل عديدة مع كبار الإعلاميين والصحفيين، وبدعمه العلنى والمستتر لمن أهان منظومة الإعلام ومؤسسات الدولة، وأبرزهم أستاذ إعلام القاهرة الذى استضافه الوزير ليعطى محاضرات للمتحدثين الرسميين بعد مقالاته غير العلمية (وذلك حسب ما قاله محمود مسلم في مقاله هيكل مشاكل في صحيفة الوطن)" .

علاوة علي أمور أخري منها مثلا أن أسامة هيكل وزير الدولة للإعلام لم يضف شيئا يأتى بالنفع للدولة وصورتها الإعلامية أو لعب دورا فى التنسيق بين الهيئات الإعلامية الموجودة، و أخطاء مالية وإدارية وكثير مما يطول شرحه.

إلي أن بلغ الأمر وطالب هؤلاء الإعلاميون باستجوابه أمام البرلمان المصري من خلال التقدم بطلب استجواب من بعض النواب بالبرلمان بسبب مخالفات عدة تجعل هناك تحفظ على أداؤه، وتم تحديد موعد بالمثول أمام مجلس النواب، وعندما تم استدعائه اعتذر، ثم أعطاه المجلس مهلة لفترة تصل لـ 45 يوما، ولم يأتى بحجة وجود ارتباط لديه؛ وهذا ما آثار حفيظة المجلس، بعدما أعلن رئيس مجلس النواب حنفي جبالي عدم امتثال وزير الإعلام أسامة هيكل للحضور لاستجوابه. وأوضح الجبالي في بيان لمجلس النواب، أن عدم حضور الوزير فيه مساس لهيبة مجلس النواب وكرامته. وأوضح جبالي أن هيئة المكتب ستحدد أقرب جلسة ممكنة لمناقشة الاستجواب وستخطر الحكومة بموعده، مؤكدا على رفض بيان وزير الدولة للإعلام الذي ألقاه أمام المجلس وتم إدراج تقريره لمناقشته بجلسة 13 فبراير الماضي. وأشار جبالي إلى أن الوزير طلب إرجاء نظر التقرير لمدة أسبوعين لإعداد رد بما ورد في التقرير، وقد تم منحه مهلة لمدة شهر، وليس أسبوعين فقط، كما تم إبلاغه بالحضور من خلال وزير شئون مجلس النواب، إلا أنه قد ورد اعتذار ثان من الوزير عن عدم حضور جلسة الأمس، الأمر الذي نستشعر معه أن هناك مناقضة ومضيعة للوقت وعدم احترام وتقدير للمجلس من خلال تعطيل عمل المجلس في ممارسة دوره الرقابي، الأمر الذي يرى أن عدم امتثال الوزير للحضور فيه مساس لهيبة مجلس النواب وكرامته. وأوضح جبالي، أن النائب نادر مصطفي عضو تنسيقية شباب الأحزاب، تقدم بأول استجواب خلال الفصل التشريعي الثاني موجه لوزير الدولة للإعلام أسامة هيكل بشأن التقصير والفشل في أداء مهام منصبه كوزير للدولة للإعلام، واستمرار ارتكابه لمخالفات مالية وإدارية بالشركة المصرية لمدينة الإنتاج الإعلامي بالمخالفة للدستور والقانون.

وكان المستشار حنفى جبالى، رئيس مجلس النواب، قد أكد أن المجلس أعطى مهلة لوزير الدولة للإعلام شهر ونصف وليس أسبوعين كما طلب الوزير لتجهيز الرد على تقرير لجنة الإعلام والثقافة والآثار، قائلا: "اعتذار وزير الدولة للإعلام أكثر من مرة عن حضور جلسات المجلس، استشعرت معه رئاسة المجلس بوجود تحجج من جانب الوزير ومماطلة ومضيعة لوقت المجلس، وتعطيل عن ممارسة دوره الرقابي الذي كفله الدستور".

إلي أن شاءت الأقدار وحضر الاستجواب أمام جلسة مجلس النواب، الثلاثاء الماضي، أي في الثلاثين من شهر مارس الماضي 2021م.

أنا لا أدفع عن أسامة هيكل، ولا أدعي أن هناك تربص تجاهه، فهذا أمر لا يخصني، ولكن يهمني ماذا قال أسامة هيكل في الاستجواب، قال أسامة هيكل في بيانه: " لقد تشرفتُ بتكليف رئيس الجمهورية بتولى منصب وزير الدولة للإعلام، وذلك في 22 ديسمبر 2019، وهى وزارة مُستحدثة بعد توقف استمر لمدة 6 سنوات تقريبًا. وكان ذلك انعكاسًا لرؤية الرئيس بضرورة وجود وزارة للإعلام تكون مهمتها وضع سياسةٍ إعلاميةٍ للدولة."...  وفور التكليف مباشرةً، بدأنا في العمل على محورين رئيسيين: الأول هو العمل على إنشاء كيان الوزارة بما يتضمنه ذلك من استعانةٍ بالعاملين المطلوبين للعملِ في ظل وقف التعيينات بالحكومة، وتحديد مقر للعمل، وتحديد ميزانية للعمل، وهذه قضية لم تكن سهلة على الإطلاق، وليست ضمن صميم العمل الإعلامى، ولا داعى لشغل وقت حضراتكم بها رغم أنها كانت عائقًا كبيرًا استغرق شهوراً طويلة. أما المحور الثانى وهو الأهم فهو رؤية الوزارة في العمل، ودمجها في خطة عمل الحكومة بشكل عام..

ثم يقول الوزير:" كما تم عرض الخطة المقترحة لعمل الوزارة على السيد رئيس الجمهورية بناءً على الأهداف التي حددها سيادته في هذا الاجتماع والتى تضمنت أهدافاً خمسة لسياسة الدولة الإعلامية" وهى:

1- الحفاظ على منظومة القيم المصرية، وتماسك الجبهة الداخلية.

2- تنمية الشخصية المصرية على أسس موضوعية والحفاظ على وسطية الدولة بما يكفل البعد عن التطرف والمغالاة.

3- ‏ إبراز جهود الدولة في المشروعات القومية وأثَرها في مُستقبل المواطنين.

‏4- تقوية الإعلام المصرى محليا وإقليميا ودوليا، وزيادة قدرتهِ على التعامل مع الأزمات المُختلفة.

‏5- ترسيخ وعى المواطنين بأحكام الدستور والقانون، ورفع حالة الوعى المجتمعى بالقضايا ذات التأثير.

ثم يستطرد  الوزير فيقول: لقد تأخرت مصر عن الاستثمار في صناعة الإعلام الجديد، ودخلت رؤوس أموال أجنبية في هذا المجال، واستقطبت كوادر من الإعلام المصرى، وأنشأت منصات أصبح لها دور في توجيه الرأى العام وإعطاء انطباعات ربما تكون خاطئة عن الدولة المصرية، وربما أيضًا تعبث بمنظومة القيم المصرية. وما زالت صناعة الإعلام في حاجة إلى مزيد من التطور المهنى والاستثمارى، وقد تجاوز حجم صناعة الإعلام والترفيه في المنطقة العربية خلال عام 2019 نحو 10 مليارات دولار أمريكى كان نصيب مصر منها أقل من 10%، بعد أن كانت تستحوذ على نحو 60% من حجم صناعة الإعلام قبل ذلك بعقد أو اثنين.

هذا المناخ كما يقول الوزير هو ما دفعنا إلى التفكير في مستقبل الإعلام بشكل مختلف، وخططت الوزارة لإحداث نقلة نوعية في الإعلام المصرى عن طريق مشروع ضخم لرقمنة الإعلام المصرى، وإطلاق منصة إعلامية قوية وفق أحدث النظُم العالمية، وهو مشروع "رقمنة الإعلام المصرى"، الذي تم عرضه على السيد الرئيس يوم 26 ديسمبر الماضى، وقد وافق سيادته عليه بشكل مبدئى، وجارٍ حاليا عمل الدراسات النهائية لهذا المشروع، الذي يستهدف استعادة مصر لمكانتها الإعلامية في المنطقة وبالشكل الذي يتناسب مع حجم السوق المصرى الذي يمثل 30% من السوق الإعلامي العربى. وهذا المشروع  كما يقول الوزير سوف يتم الإعلان عن كل تفاصيله خلال الفترة القادمة، تمهيدًا للبدء فيه مباشرةً خلال أسرع وقت ممكن، وأحسب أن هذا المشروع سوف يعيد مكانة مصر الإعلامية مرة أخرى.

وبعد هذا الاستطراد في عرض خطة الوزير أسامة هيكل منذ توليه، نود أن نسأله : إذا كانت الأمور بهذا الشكل فلماذا يتذمر الكثير من إعلامينا من سعادة الوزير ؟.. ولماذا الهجوم صباح - مساء عليكم سيدي من قبل كثير من إعلامينا الشرفاء؟.. ولماذا لا ترد علي منتقديك؟.. ولماذا لا تجلس معهم وتصارحهم بهذه الأمور؟.. أسئلة عديدة يجب أن يجيب عنها سعادة د. أسامة هيكل ليحافظ على سمعة وزارته، كما أنه مدين باعتذار واضح لمؤسسات الإعلام المصرى والعاملين فيه بعد تجاوزاته فى حقها، فعد إلي صوابك يا سيدي وما أنا إلا ناصح أمين أريد الاستقرار ولا أنسي أنك أول من كتب كتاباً يدعو الإعلاميون إلي ضرورة التنبه لمخاطر حروب الجيل الرابع، ولا أملك إلا أن أقول في نهاية مقالي وفقك الله يا سيدي وسدد خطاك.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

احمد عزت سليمفى هذا الإطار يقدم الجزء الأكبر من الأبحاث العالمية حول الأمن السيبراني استنتاجات هامة من خلال مراقبة كيفية حماية البلدان لمصالحها الوطنية وتعزيزها، حيث يطرح العلماء تعميمات واسعة، مثل كيفية تثقيف الدول والمواطنين لتجنب الاختراقات، واعتمدت الدول قدرا كبيرا من قوة المسئولية لجيوشها فى إدارة ومراقبة شئون الأمن السيبرانى كما أكد جوناثان زيترين أستاذ قانون الإنترنت في كلية الحقوق بجامعة هارفارد، وفى إطار التصاعد العالمى بالدفاع السيبرانى فى إطار ما يسود العالم من إضطراب وتخوف وتشائم من الحرب السيبرانية والمجال السيبرانى وكما أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس :ـ "عندما ينظر المرء إلى الفضاء الإلكتروني اليوم، من الواضح أننا نشهد، بطريقة مقنعة إلى حد ما، حروبًا إلكترونية بين الدول" (UNSG)  وأصبح الأمن السيبرانى يتطلب نهجا عالميا فى عالم لا حدود له مع تزايد إنتشار تقنيات المعلومات والإتصالات ونمو فرص تبادل المعلومات بطرق فورية وآنيا وسياسات سيبرانية دفاعية واسعة المدى والمجال فبحسب دراسة نورتون التي أٌعدت عام 2011، فإن تهديدات الفضاء الإلكتروني تزايدت بشكل كبير في العام الماضي 2010 حيث بلغ عدد الضحايا 431 مليون شخص بالغ من مختلف بقاع العالم، أي ما يعادل 14 ضحية كل ثانية أو مليون ضحية من ضحايا الجرائم الإلكترونية يوميا، وقد أصبحت الجرائم الإلكترونية حاليا تجارة تتجاوز قيمتها ترليون دولار سنويا وتتركز في عمليات الغش وإنتحال الشخصية وفقدان الملكية الفكرية، مما يؤثر على ملايين البشر في مختلف أنحاء العالم  فضلا عن عدد لا يحصى من الشركات والحكومات من مختلف بِقاع العالم الآن، وأكدت توصيات مؤتمر " أمن الفضاء الإلكتروني والتنمية " الذى عقده المجلس الإقتصادي والإجتماعي التابع للأمم المتحدة بالإشتراك مع مع إدارة الشئون الإقتصادية والإجتماعية والإتحاد الدولي للإتصالات ومشاركة منظمات المجتمع المدني الأخرى المهتمة بمجالات أمن الفضاء الإلكتروني والجريمة الإلكترونية، في التاسع من سبتمبر 2011 بمدينة نيويورك بأستهداف الأهداف التالية :ـ

(1) بناء وعي على مستوى السياسات الدولية عبر تزويد أعضاء المجلس الإقتصادي والإجتماعي بصورة عن الوضع الحالي والتحديات المتعلقة بأمن الفضاء الإلكتروني وإرتباطاته بالتنمية .

(2) تحديد مجموعة تمثل أفضل السياسات المتعلقة بالممارسة والمبادرات المطبقة في مختلف أنحاء العالم، لبناء ثقافة أمن الفضاء الإلكتروني .

(3) إستكشاف خيارات للإستجابة العالمية بشأن تزايد معدلات الجريمة الإلكترونية .

وقد أكد المشاركون على متطلبات الدفاع السيبرانى :ـ

ـ ضرورة تنسيق الدول الأعضاء والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني ووكالات إنفاذ القانون، مع بعضهم البعض لإدارة مخاطر الترابط البيني المتزايد بين الشبكات الإلكترونية .

ـ ضرورة الشراكة السيبرانية حيث أن إنعدام الشراكة بين البلدان النامية والصناعية قد يولّد "ملاذا آمنا" بحيث يتمكّن المجرمون الإلكترونيون من إستخدام الثغرات القانونية وإنعدام الترتيبات الأمنية القوية أحيانا في الدول النامية، لإرتكاب جرائم الكترونية:ـ

ـ ضرورة توافر القدرات الدفاعية السيبرانية حيث أن البلدان النامية ليس لديها قدرات كافية لمكافحة الهجمات والجريمة الإلكترونيتين وتهديداتها العالمية للسلام الإلكتروني.

ـ  ضرورة " أن نزوّد أطفالنا بالأدوات المناسبة عندما يخطون أولى خطواتهم نحو إستخدام العالم الإلكتروني… إن عملية الربط الشبكي بين الأقران أو ما يعرف بنظام الند للند والتعليم، هما أفضل أنواع الدعوة لحماية الأطفال، وضرورة قيام أولياء الأمور وقادة المجتمع والحكومات بالإطلاع على الإرشادات التوجيهية الإعلامية التي يوفرها الإتحاد الدولي للإتصالات في موقعه بشبكة الأنترنت " كما أكدت اديبورا تيلرتيت  المبعوثة الخاصة للإتحاد الدولي للإتصالات والحائزة على جائزة حماية الأطفال المستخدمين للأنترنت .

ـ ضرورة إبرام إتفاقية عالمية في المستقبل لتطوير إسترتيجيات، بما في ذلك إحتمال البناء على إتفاقية بودابست وهي معاهدة دولية تسعى لتنسيق القوانين الجنائية الوطنية للجرائم الحاسوبية مثل التعدّي على حق المؤلف والغش وإستغلال الأطفال في المواد الإباحية وجرائم الكراهية وإنتهاكات أمن الشبكات .

ـ الإتفاق على  " أن الأمن الإلكتروني هو قضية عالمية يمكن حلها فقط عبر شراكة عالمية، وهي مشكلة تؤثر على جميع منظماتنا… إن الأمم المتحدة في وضع يسمح لها بإستخدام قدراتها الاستراتيجية والتحليلية لمعالجة هذه القضايا ." كما أكد أكد رئيس المجلس الإقتصادي والإجتماعي لازاروس كابامبي .

 

أحمد عزت سليم

عضو إتحاد كتاب مصر

 

 

صادق السامرائيالسلوك الذي ربما لم يدرسه المؤرخون ان معاوية بن أبي سفيان طلب البيعة لإبنه يزيد وهو في سن الخامسة عشر، وبقي في صراع مع الرافضين للبيعة على مدى عشرة سنوات، حتى وفاته وكان يزيد عمره (24) سنة، ولم يتصرف بحكمة منذ أن عهد له أبوه بولاية العهد من بعده، فسلوكه كان بلا روادع أو ضوابط ومنفلتا، وتفاعل معه الذين كانوا مع أبيه على أنه الخليفة منذ عمر(15).

لماذا تصرف معاوية بهذا الأسلوب، وهو على معرفة بشخصية إبنه وسلوكه، ولديه قدرة عالية على الفراسة؟

لماذا أسس لمنهج الحكم بالوراثة أولا والمبايعة ثانيا؟

ولماذا نقض العهد الذي بينه وبين الحسن بن علي؟

وهل كان يفكر فعلا بإقامة دولة ذات قيمة ودور حضاري؟

فمعاوية بن أبي سفيان كأنه لم يؤسس دولة، وسلوكه يثير تساؤلات، فهو يتنافى مع أساليب مؤسسي الدول وبُناتها.

ما فعله أنه أصبح خليفة بعد أن كان واليا، وإستمر بمنهج الوالي ونقله إلى مفهوم الخليفة الذي أخذ يكتسب القدسية شيئا فشيئا، حتى تحول إلى موجود مقدس في السنوات العشرة الأخيرة من خلافته، ولهذا ما تساءل عن صوابية قراراته مَن كانوا معه في نظام الحكم.

معاوية أسس لآلية حكم مستوحاة من أنظمة أخرى سائدة في مجتمعات غير عربية، ومنحها صبغة دينية، فهي كالقضاء والقدر، ولا يمكن تصديق رواية أن (المغيرة بن شعبة) هو الذي أشار إليه بتوريث الحكم.

ويبدو أنه قد إجتهد في إبتكار صيغة حكم يكون فيها الدين بعيدا عن الكرسي، فوقع في متاهات أن يكون الدين مطية الكرسي، وقد أسهم الفقهاء بهذا التوجه الخطير لأنه يمنحهم القوة والجاه والغنائم، فهم أبواق الكراسي التي تملأ جيوبهم بالعطايا.

فانطلق الحكم بثلاثية الكرسي والخليفة والفقيه، مما ترتب عليه تداعيات مأساوية، لم تصلْ إلى موانئ الرشاد والعمل بحلول ذات قيمة تفاعلية ما بين الأجيال.

ومن الواضح أن المرض الذي كان يعانية (داء السكّري) قد إشتد عليه في السنوات الأخيرة من عمره، فما نجح بتقدير الأمور، ولا قاس بمنظار الدولة ومستقبلها، وهيمن عليه الإمعان بتأكيد خلافة مَن هو بلا أهلية سلوكية ليكون من بعده، ولهذا إضطربت الأمور وأرتكبت الخطايا.

فدولته في حقيقتها إنتهت بوفاته، ووجه إليها إبنه يزيد الضربة القاضية، وما جاء بعدها دولة بني مروان، التي أسسها عبد الملك بن مروان معتمدا على الحجاج بن يوسف الثقفي، الذي أظهر وحشية وقسوة غير مسبوقتين في توطيد أركان الحكم.

فدولة معاوية إستمرت (23) سنة، وبعدها جاءت الدولة المروانية التي تواصلت لسبعة عقود، وما بقي منها نظام الحكم الوراثي، الذي لا يزال ساريا في بعض المجتمعات.

فالدولة الأموية في أصلها دولة سفيانية ومروانية.

الدولة السفيانية تواصلت مع حكم معاوية وإبنه يزيد (41 - 64) هجرية، والمروانية إنطلقت من مروان إبن الحكم وإبنه عبدالملك (65 - 134) هجرية.

فهل كان معاوية بن أبي سفيان مؤسس دولة، أم والي أضفى على نفسه لقب الخليفة، وأمير المؤمنين؟

من المرجح أنه تصرف كوالي، وما خبر آليات تأسيس الدولة، لأنه وضع أسسا لنهايتها بعد أن أجبر الآخرين على القبول بولاية إبنه الفاقد لأهلية القيادة والحكم، وإصراره على ذلك رغم معرفته الوافية بشخصيته وما سيتسبب به من تداعيات، فهو بلا حكمة وروية وميال للعب واللهو، في وقت تحتاج الدولة  إلى قيادة ذات قدرة على فرض السيطرة والهيبة، وإتخاذ القرارات الستراتيجية المؤثرة في مسيرتها.

ومعاوية من دهاة العرب، والداهية يكون جيد الرأي بصيرا بالأمور، وما قام به لا يمثل دهاءً وحكمة في الإختيار والتصرف، وكأنه كان مضطرا لإتخاذ أمرٍ يتنافى مع رؤيته الثاقبة الحصيفة للأمور، أو أنه بسبب مرضه فقد الكثير من دهائه ونفاذ بصيرته.

ويرى البعص أنه أصر على قراره لدرء الفتنة بين المسلمين لأن المطالبين بالخلافة كثيرون، وحسب أنه بحسمها لإبنه مهما كان الأمر سيئدها، لكنه أطلق فتنة مزمنة متوارثة.

سيغضب الكثيرون على هذه القراءة، لكن من حقنا أن نقرأ الأحداث بمنظار نفسي سلوكي لنتعرف على خباياها، وما فيها من مؤشرات تسببت بتداعيات عصفت بالأجيال تلو الأجيال.

والذي يريد التفاعل مع المقال عليه أن يكون موضوعيا وعلميا بعيدا عن الإنفعال والتعسف والموقف الحكمي، فالمقال لا يمثل رأيا أو موقفا، وإنما يحاول فهم السلوك .

 

د. صادق السامرائي

 

كريم المظفراكثر ما ميز مؤتمر الشرق الأوسط العاشر، الذي اختتم في العاصمة موسكو، ونظمه نادي فالداي الدولي للحوار، بالتعاون مع معهد الدراسات الشرقية التابع للأكاديمية الروسية للعلوم، تحت عنوان "الشرق الأوسط يبحث عن نهضة ضائعة"، هي الطروحات التي قدمها 50 خبيرا من 19 دولة من بينها بريطانيا ومصر وإسرائيل وإيران ولبنان والإمارات وفلسطين وروسيا والسعودية وسوريا والولايات المتحدة وتركيا.

ومن بين كبار ضيوف المؤتمر، كان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ووزير الدولة السابق للشؤون الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة أنور محمد قرقاش؛ والأمير تركي بن فيصل آل سعود رئيس مؤسسة الملك فيصل ورئيس مركز البحوث والدراسات الإسلامية، وأمل أبو زيد، مستشارة الرئيس اللبناني، عضو مجلس النواب اللبناني عن التيار الوطني الحر (2016-2018)، ومستشار أول لوزير خارجية إيران، سفير إيران لدى روسيا (2013-2019) مهدي سانعي ؛ وعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أحمد مجدلاني.

وركز المؤتمر على مدى يومين قضية إحياء المنطقة، حيث يقاتل الشرق الأوسط من أجل تحقيق الذات الوطنية لأكثر من قرن، وحتى يومنا هذا، لا تزال القواعد العسكرية الأجنبية في المنطقة، والتدخلات مستمرة، والارتباط السياسي والاقتصادي والتكنولوجي لدول الشرق الأوسط بالجهات الفاعلة الخارجية تتزايد ولا تنقص، وظهور اتجاهات في المنطقة في القرن الحادي والعشرين، والتي تشير إلى بداية محتملة لإحياء جديد، والتركيز على تزايد دور روسيا في الشرق الأوسط، وتغيير طبيعة مشاركة الفاعلين الخارجيين في شؤون المنطقة، واحتمالات نهضة أيديولوجية، وتحول النظم السياسية ودور الفرد في سياسات المنطقة، والتغييرات في تنمية مجتمعات الشرق الأوسط.

وبالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط فالداي - 2021، تم إعداد تقرير للنادي بالشراكة مع معهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم الروسية، حدد هذا العمل الأكاديمي، المستند إلى استعراض تاريخي واسع النطاق، نغمة النقاش الفكري حول النهضة العربية يهدف إلى المساعدة في فهم أعمق للعمليات الجارية في الشرق الأوسط، وحلل الخبراء التغيرات في العلاقات بين الولايات المتحدة بعد وصول جو بايدن إلى السلطة والمملكة العربية السعودية، والتحولات في العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل، والتوترات المتزايدة بين أعضاء الناتو مثل فرنسا وتركيا، وأكثر من ذلك بكثير.

ولعل حديث رئيس الدبلوماسية الروسية سيرغي لافروف في اليوم الأخير، كانت النقطة المهمة التي حاول الدبلوماسي الروسي المخضرم أن يكشف خلاله الرؤيا الروسية لمشاكل الشرق الأوسط والخليج وبالأخص منها الملف الإيراني وتطوراته، وكذلك الوضع في سوريا وتداعياته، واليمن وليبيا، وأفغانستان، وتطور العلاقات مع الصين، والتي فسرها الكثيرون بانها موجهة ضد الولايات المتحدة، وكذلك العلاقة مع تركيا ونقاط الخلاف والتوافق فيها.

الدبلوماسية الروسية أكدت ان المنطقة اكتسبت أهمية جيوسياسية هائلة منذ عقود، عندما أصبحت المحروقات محرك التنمية العالمية،، وأصبحت ساحة لألعاب مختلفة تمليها محاولات الوصول إلى الموارد، واعرب الوزير لافروف عن اعتقاده أن أهمية المنطقة ستبقى حتى عندما تنتقل البشرية إلى اقتصاد خالٍ من الكربون، وانه من المؤكد أن أهمية الهيدروكربونات ستنخفض تدريجياً، ومع ذلك، نظرًا للأهمية الاستراتيجية للبحر الأبيض المتوسط والخليج، "فلا شك لدي في أن اللاعبين الكبار سيظلون مهتمين بالمنطقة" .

وتؤيد موسكو، ضرورة توقف الشرق الأوسط عن كونه ساحة صراع مصالح القوى الرئيسية، وانه من الضروري تحقيق التوازن بين هذه المصالح، والتوفيق بينها بين بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وبين الشركاء خارج الهيكل الإقليمي، وان اقتراح روسيا لتطوير مفهوم الأمن في منطقة الخليج أوسع (لا ينبغي نسيان هذا أيضًا - فهو لا يتعلق فقط بالخليج ) فهو يتعلق بحقيقة أن جميع البلدان الرئيسية في المنطقة - وبشكل أساسي الممالك العربية والدول العربية وإيران – والذين يجب أن يجتمعوا على طاولة واحدة، وإلى جانبهم هناك هياكل مثل جامعة الدول العربية (LAS) ومنظمة التعاون الإسلامي (OIC) والأعضاء "الخمسة" الدائمون في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وفي هذا التكوين، سيكون من الممكن جمع ممثلي جميع اللاعبين المهمين في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على طاولة واحدة، ويرى الوزير لافروف ان هناك أيضًا لحظات مشجعة عندما يتعلق الأمر بمنطقة الخليج نفسها، فقد استعادة وحدة مجلس التعاون لدول الخليج العربية مؤخرا في القمة التي عقدت في الخامس من يناير من هذا العام، وهذه خطوة في اتجاه مهم، معربا عن امله أن تتمكن في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من إبرام اتفاقيات أكثر قابلية للتطبيق من شأنها أن تسمح لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالتطور نحو توازن المصالح، وليس أن تصبح مرة أخرى منطقة مواجهة بين الدول الكبيرة.

وفي أزمة الملف الإيراني فإن روسيا لاحظت وجود الآن إشارة مشجعة من إدارة بايدن في اتجاه إيجاد نوع من التسوية من أجل كسر الجمود حول خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)  )، وبالتوازي مع ذلك، البدء في النظر في مخاوف إضافية، وان موسكو تدعم هذا بنشاط، لكن برأيه ان الغرب سيقول لاستعادة خطة العمل الشاملة المشتركة، ولكن ليس في شكلها السابق، ولكن "مع إضافة" - لفرض قيود إضافية على برنامج الصواريخ، في حين تصر إيران على استعادة خطة العمل الشاملة المشتركة في شكلها السابق، وعندها فقط ستكون مستعدة لمناقشة المطالبات المتبادلة، وهذا بحسب الوزير لافروف " هو نهج منطقي تماما " من خلال استعادة خطة العمل الشاملة المشتركة دون أي ملاحق، ويمكن البدء في وقت واحد في عملية الأمن والتعاون في المنطقة .

ويحدد الروس العديد من المشاكل التي تواجه حلحلة هذا الملف، أولها، من سيتخذ الخطوة الأولى للعودة إلى المسار الصحيح؟ حيث تطالب إيران الأمريكيين بالتخلي تمامًا عن العقوبات، وبعد ذلك ستعيد طهران جميع المعايير التي تتطلبها النسخة الأصلية من خطة العمل الشاملة المشتركة والامتثال لها في غضون أيام قليلة، والأمريكيون يريدون أولاً العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة بالكامل، وبعد ذلك سوف "يفكرون في العقوبات التي يجب إضعافها وما الذي يجب فعله"، والمشكلة الثانية كما أشار إليها الوزير لافروف، هي خطة العمل الشاملة المشتركة الإضافية، ويقولون إنه من الضروري ليس فقط إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة، ولكن إضافة أيضًا برنامج الصواريخ، وما يسمى "سلوك إيران في المنطقة"، معربا عن اعتقاده " أن هذا موقف مسدود ".

وترى روسيا إمكانية مناقشة موضوع الصواريخ، وليست مشكلة الصواريخ الإيرانية فقط، بل بشكل عام مشكلة الصواريخ، والطريقة التي تضع بها دول المنطقة نفسها في مواقف الأزمات المختلفة - هنا أيضًا، هناك مطالبات متبادلة، وليست من جانب واحد، وقال وزير الخارجية الروسي " أعتقد أن هذا اقتراح صادق "، فمن المهم من سيتخذ الخطوة الأولى، وإن روسيا إقترحت "خارطة طريق" غير رسمية تعود فيها كل من إيران والولايات المتحدة خطوة بخطوة إلى الوفاء بالتزاماتهما، وشدد لافروف على انه لن يخوض في التفاصيل ولا توجد اسرار هنا، وان العمل التفاوضي جاري الآن ومن الأفضل عدم الكشف عن التفاصيل للجمهور.

اما الملف الثاني الذي كان له الحظوة الكبيرة في المناقشات هو الوضع في سوريا التي تتعرض للهجوم والعقوبات الجديدة كل يوم بحسب الوزير الروسي، واُعلن صراحة من أن "قانون قيصر" يهدف إلى خنق الاقتصاد السوري وإجبار الشعب على التمرد على حكومته، وانه يبدو من السخرية أن الغرب يطلب من روسيا أن تجعل سلوك وفد دمشق أكثر إيجابية، ويرى ان هذا الموقف "الاستهلاكي" تجاه السياسة يتجلى في أي أزمة إقليمية ووظيفية تقريبًا " ويمكن ملاحظته في العلاقات الدولية، وقال "ها أنت اذا، افعلها، وسنقيم ما إذا كنت قد قمت بعمل جيد أم لا."

الجميع مهتمين بموافقة السوريين أنفسهم على مستقبلهم، لذلك فان روسيا ترى ضرورة إعطاء السوريين مثل هذه الفرصة والوقت، " فالخنادق" العميقة للغاية انتهى بها المطاف على الأراضي السورية بالمعنى السياسي المجازي، وشدد الوزير لافروف بالقول " نحن بحاجة للتغلب عليها، ومساعدة السوريين على أن يكونوا أصدقاء، والبدء في الحديث والاتفاق على كيفية العيش في دولة واحدة "، و الإشارة الى الاحتلال غير القانوني للولايات المتحدة للضفة الشرقية لنهر الفرات، وإنشاء منطقة التنف، علاوة على ذلك، فيما يتعلق بإيصال المساعدات الإنسانية إلى منطقة خفض التصعيد في إدلب، يوضح الوزير الروسي أن الغرب يطالب بشكل هستيري بالحفاظ على الآليات العابرة للحدود التي تستثني حتى أي مشاركة أو إبلاغ الحكومة، وإلا ستختنق إدلب، و التنف على الحدود مع العراق، ويطالب غربيون بأن تكون المساعدات الإنسانية من دمشق، وخاطب الوزير لافروف الغرب "إذا كنت تقيم هناك بشكل غير قانوني، فقم مباشرة من العراق بتزويد جنودك الذين يحتلون هذه المنطقة، فقم بتزويد اللاجئين الذين يعيشون هناك الآن في هذه المخيمات لذلك هناك الكثير من المعايير المزدوجة هنا" .

وبعد استعراضه للملف السوري بإسهاب، شدد سيرغي لافروف على ضرورة عدم نسيان أن داعش من صنع الولايات المتحدة، فعندما قامت بالعدوان على العراق وفعلت مثل هذه الأشياء هناك لدرجة أن عددًا كبيرًا من الدول والشعوب لا يزالون "يزيلون" العواقب، لذلك فانه من وجهة النظر الروسية، من الصعب جدًا توقع أن تعمل حكومة الجمهورية العربية السورية بأذرع مفتوحة عند كل دعوة للحضور إلى جنيف، وان ما حدث في مؤتمر بروكسل عبر الإنترنت حول اللاجئين في سوريا هو مشكلة خطيرة للغاية، بما في ذلك للأمم المتحدة، وعندما دعت الحكومة السورية الشركاء الأجانب، بما في ذلك الأمم المتحدة، إلى مؤتمر في تشرين الثاني (نوفمبر)، يهدف إلى تهيئة الظروف لعودة اللاجئين إلى ديارهم، فعل الأمريكيون كل ما في وسعهم للحد من عدد الدول التي ستقبل الدعوة بقدر أكبر قدر الإمكان، ومع ذلك، تم العثور على الدول، بما في ذلك، الإمارات والجزائر اللتان أرسلت وفودهما، وقدم أوضح مثال على خصخصة المنظمات الدولية - فقد أجبرت الولايات المتحدة الأمم المتحدة على تقييد مشاركتها في مؤتمر عودة اللاجئين إلى سوريا بصفة مراقب، أي أنه لم تكن هناك مشاركة كاملة.

وفيما يخص قضية السلام في الشرق الأوسط والدور الروسي فيها، فقد أوضح الوزير لافروف أن صيغة "4 + 4 + 2 + 1" هي فكرة روسية بالأصل، و لم يرفضها الغرب والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والفلسطينيون وهي تناقش الان، وان روسيا في إنتظار نتائج الانتخابات في إسرائيل واعرب عن اعتقاده أنه سيكون من الممكن إقامة نوع من الاتصالات في هذه المرحلة، وقال " يمكنني فهم أولئك الذين يقولون أنه الآن في إسرائيل، حتى يتم حل الوضع الداخلي، من الصعب جدًا أن نأمل أن يتمكنوا من اتخاذ أي موقف " –وان "صفقة القرن" هي حقًا شيء من الماضي، كما تتفهم إسرائيل خطورة سيناريو "صفقة القرن"، بما في ذلك الأحزاب الممثلة في الائتلاف، واعرب لافروف عن ترحيبه بالخطوات التي أعلنتها واشنطن في إدارة بايدن: حول عودة البعثة الفلسطينية في واشنطن وعودة وكالة اللاجئين في الشرق الأوسط. أتفق معك في أنه يجب علينا مواصلة العمل في هذا الاتجاه.

كما أشار الوزير لافروف ان مشكلة المياه لن تختفي في أي مكان، ومن الواضح أنه عندما يتم تطبيع العلاقات بين إسرائيل وفلسطين، سيكون هذا أيضًا موضوعًا للنقاش، مثل اللاجئين وقضايا الوضع النهائي الأخرى " ونحن مع المفاوضات المباشرة " وعلى استعداد لتقديم المشورة، علاوة على ذلك، قبل عدة سنوات، سألت روسيا رئيس وزراء إسرائيل ب. نتنياهو عن هذا - لدعوته ورئيس فلسطين محمد عباس للاجتماع في موسكو دون شروط مسبقة، وتم الاتفاق على مثل هذا الاجتماع، ثم طلب الإسرائيليون تأجيلها ثم تأجيلها مرة أخرى، وأكد لافروف " لا نريد أن نتطفل، لكننا حذرنا من أن استعدادنا ما زال قائماً، وعندما يكون الجانب الإسرائيلي جاهزاً فلن تكون القضية ملكنا، لقد قلت بالفعل إن اللحظة المشجعة الآن هي استئناف أنشطة المجموعة الرباعية للوسطاء الدوليين ".

أما الوضع في اليمن، فإنه كان القضية المهمة التي ناقشها الوزير لافروف والمبادرة السعودية خلال زيارته إلى الرياض وأبو ظبي، و كما قال ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد آل نهيان، فإن الإمارات العربية المتحدة تدخل الآن في مسار حيث لا تريد أن يكون لها عدو واحد، سواء في جميع أنحاء البلاد أو بشكل عام، وهو مبدأ عبر لافروف عنه " نحن نرحب بهذا النهج"، فإن روسيا تعمل بشكل وثيق للغاية بتنسيق تم إنشاؤه بمشاركة روسيا والغرب واللاعبين الآخرين، في مساعدة الأمم المتحدة في بحثها عن تسوية، واعرب عن امله أن تجعل التغييرات الأخيرة من الممكن العمل بشكل أكثر إنتاجية في هذا الاتجاه.

ووفقا للرؤيا الروسية فان الحوثيين استقبلوا المبادرة السعودية ببرود، وأعقبت ذلك محاولة من قبل الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في اليمن م. غريفيث، الذي حاول "دمج" التوجهات السعودية في أفكاره وفي نفس الوقت مراعاة رغبات الحوثيين، وأحد مكونات مبادرته، التي يبدو أنها مشتركة في المملكة العربية السعودية، هو الافتتاح المتزامن لمطار في صنعاء وميناء في الحديدة، " وأعرب الوزير لافروف عن اعتقادها أن هناك عمل يجب القيام به هنا، فروسيا على اتصال بجميع الأطراف وتحاول تشجيعهم على التوصل إلى اتفاق.

وعن الوضع في ليبيا فان الروس رحبوا (وبحذر شديد) اتفاقات مؤتمر برلين، حيث بدأت بعده العمليات التي أسفرت الآن عن اتفاقات، وتم الترحيب بها جميعًا، وترى (أي روسيا) انه على الرغم من حقيقة أن هناك مزالق، حيث لا يزال الكثيرون يعربون عن مخاوفهم من تحقيقها في شكل 75 مندوبًا في جنيف، وحتى في تلك المرحلة، لم تفهم ليبيا حقًا المعايير التي يتم من خلالها اختيار هؤلاء الـ 75 شخصًا، والأكثر إثارة للدهشة هو الإعلان عن أسماء محددة للمجلس الرئاسي ومنصب رئيس الحكومة، ولم يتوقع أحد نتائج هذه الانتخابات.

وبشأن الانتخابات الليبية المقترحة، فإن وجهة النظر الروسية تشدد على أن الانتخابات يجب أن تنظم بطريقة تناسب كل القوى السياسية الليبية و"أصحاب الثقل" (ف. سراج، وحفتر، وح. غويل وغيرهم من الزملاء الذين قدموا إلى موسكو أكثر من مرة)، ومن الضروري مراعاة مصالح قيادة الجيش الوطني الليبي وممثلي نظام القذافي، والجميع على علم بهذا الآن، ومن شأن هذا الشمول أن يساعد في الوصول إلى عملية تسوية مستدامة في أسرع وقت ممكن، وقال الوزير لافروف " سنبذل قصارى جهدنا للمساهمة في ذلك."

وعن المطالب بدور روسي في حل الازمة الليبية، فإن روسيا تعلن عن استعدادها للتعاون بشكل بناء، لكن وزير الخارجية الروسي أكد ان بلاده تطالب على الدوام عدم نسيان من أين جاءت هذه الأزمة وكيف حدثت في نهاية المطاف - عدوان الناتو في انتهاك لقرار مجلس الأمن الدول، و إن تدفقات اللاجئين التي تتدفق الآن إلى أوروبا هي نتيجة مباشرة لما تم القيام به، فضلا عن تدفقات الأسلحة والإرهابيين التي مرت بليبيا في اتجاه جنوبي إلى منطقة الصحراء والساحل، لذلك عند حل المشاكل العاجلة وكما ترغب روسيا، من المهم استخلاص النتائج للمستقبل، وتشير الى تدمير العراق، والآن يحاولون إعادة تجميعه بصعوبة بالغة، و إنه نفس الشيء يحصل في ليبيا، وقد حاولوا القيام بذلك في سوريا، وقال لافروف "نحن مدعوون لمناقشة مشكلة اللاجئين الليبيين (أو من دول أخرى، الذين تسبب العدوان الليبي في تدفقهم)، وقد عُرض علينا في وقت سابق التوقيع على وثيقة تتضمن التزامًا "بالمسؤولية المشتركة" لحل مشاكل اللاجئين، اعتذرنا وقلنا إننا لم نخلق هذه المشكلة ولن نتشارك اللوم على ما حدث".

وعن العلاقة مع الصين فان روسيا تنطلق من ان الصين قوة عالمية لها مصالح في جميع مناطق العالم، وتقوم بالترويج لمشاريعها الاقتصادية في إطار مفهوم "حزام واحد، طريق واحد"، مجتمع المصير المشترك للبشرية، وان للبلد مصالح عالمية، لكنها مدعومة بفرص عالمية حقيقية، وإنها لحقيقة أن مفهوم "حزام واحد، طريق واحد" له أساس اقتصادي خطير للغاية، ووفقا لما اعلنه الوزير الروسي فقد نوقش هذا الأمر مؤخرًا في الأحداث التي عقدها الاتحاد الأوروبي مع الأمريكيين في إطار الناتو، وطرحوا بشكل مباشر مهمة تشكيل بديل معين "للتوسع" الاقتصادي، وتشدد موسكو على انها ملتزمة بالمنافسة العادلة، في هذه الحالة، يتم استخدام أساليب غير عادلة ضد الصين، وكذلك ضد الاتحاد الروسي، ومحاولات الولايات المتحدة وأوروبا، اللتين أخذت منهما مثالا، مع أو بدون اللجوء إلى قيود، تقويض مواقف المنافسين، وإدخال قيود مصطنعة على الأسواق العالمية تتعارض مع قواعد منظمة التجارة العالمية (WTO)، كلها من نفس المنطقة.

ومن الطبيعي براي الوزير لافروف فأن للصين الحق في الدفاع عن مصالحها، وقد عرضت الصين مؤخرًا برنامجها لحوار مباشر محتمل بين إسرائيل وفلسطين، ولديهم مبادرة تسمى "منصة الحوار المتعدد الأطراف" في الخليج، وإنهم ليسوا الوحيدين الذين يروجون لمثل هذه الأفكار "معنا "وأطلق الإيرانيون مبادرة هرمز للسلام، ووفقًا للرؤية الإيرانية، يجب أن تغطي (على الأقل في البداية) الدول الساحلية للخليج العربي فقط، " في رؤيتنا "، يجب إشراك اللاعبين الخارجيين الذين يؤثرون بشكل خطير على الوضع في المنطقة منذ البداية.

واكد الوزير الروسي انه لا أحد يقول لا، لكن داخل مجلس التعاون لدول الخليج العربية برايه، لا يوجد إجماع حتى النهاية على الاستعداد لمثل هذا الحوار مع إيران، وهذه نقطة أساسية وكل شيء آخر - التكوينات، واللاعبين الخارجيين - سيتم تحديده بسرعة، واعرب عن اعتقاده أنه سيكون أسهل بكثير من الحصول على موافقة "الستة" العربية بأكملها على حوار مباشر مع إيران، و كما نأمل، دون شروط مسبقة"، وقد ناقش هذا الأمر في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر، وبدا له أنهم، بما في ذلك في الرياض، يفكرون في كيفية البدء في التحرك في هذا الاتجاه، وقال " لا أستطيع التخمين، لكنني شعرت بذلك".

اما فيما يخص الشأن الافغاني، يرى وزير الخارجية لافروف، ان الخط العام ليس "مغلقًا"، وان روسيا تروج له علنا، وبطبيعة الحال، فان هذه عملية أفغانية مشتركة تشمل جميع جيران أفغانستان ودول رئيسية أخرى في المنطقة، و ما يسمى "تنسيق موسكو"، الذي لا يشمل فقط الجيران المباشرين، بل يشمل آسيا الوسطى بأكملها، والصين، وباكستان، والهند، وإيران، وروسيا، والولايات المتحدة، وان هذا التكوين، في رأيه، تمثيلي بدرجة كافية لمناقشة أي قضايا بهذا الشكل ومحاولة إيجاد حل .

ومن ناحية أخرى، فهو مضغوط تمامًا مقارنة بالمؤتمرات التي تجمع 30-40 دولة، وكثير منها يعتبر ببساطة كمانحين محتملين في المستقبل، كتمويل اتفاقيات التسوية، وكأداة للترويج لـ "صيغة موسكو"، تم تشكيل "الترويكا"، وهذا ليس تنسيقًا منفصلاً، ولكنه أداة مساعدة لصيغة موسكو - الترويكا الروسية - الأمريكية - الصينية، التي تكون فيها العملية التجارية بناءة تمامًا، على الرغم من المشكلات الخطيرة في العلاقات بين جميع المشاركين الثلاثة، مشيرا الى انه في 18 مارس من هذا العام عقد اجتماع الترويكا في موسكو مع باكستان، ودعوة الأردن وقطر كضيفين، الأهم من ذلك، أن هذا الاجتماع حضره ممثلون عن جميع طبقات المجتمع الأفغاني تقريبًا: و لقد كان اجتماعا مفيدا جدا، وفي 30 مارس من هذا العام انعقد المؤتمر الوزاري لعملية اسطنبول حول أفغانستان في إسطنبول، " الآن نحن نحلل نتائجه، وسنكون مستعدين لمواصلة مساعدة كابول في بناء وتعزيز قواتها الأمنية".

وعن المد والجزر في العلاقات الروسية التركية، فان روسيا تصف هذه العلاقات بالغنية والثرية من حيث الاتصالات على أعلى مستوى ومن حيث الأجندة الموضوعية، ولديهما العديد من المشاريع المشتركة، وان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين علق على هذه العلاقات أكثر من مرة، مؤكدًا دائمًا أن لديهما العديد من القضايا التي لا يتشاركون فيها مواقف مشتركة، وكشف الوزير لافروف ان موسكو وانقرة تختلف أحيانًا اختلافًا خطيرًا، وقال " لكننا نقدر علاقتنا، لأنه مع زملائنا الأتراك يمكننا دائمًا إيجاد حل يناسبنا نحن وهم ". هذا هو الحال بالنسبة للاجتماعات الرئاسية.

ويرى وزير الخارجية الروسي في الحديث عن العلاقة مع تركيا، بانها ليست سهلة وصعبة، لكن من الأفضل دائمًا التفاوض مع شخص يؤثر على موقف معين وله وجهات نظر مختلفة عنك، والغربيون لديهم مصطلح "نظام عالمي قائم على القواعد"، وإنه يعكس اتجاهًا واضحًا عندما يتعين على الغرب تعزيز مقارباته في أشكال عالمية، ويواجه أحيانًا معارضة من روسيا والصين ودول أخرى، ومن الأنسب لهم إدخال مثل هذه المناقشات المعقدة إلى دائرتهم الخاصة من الأشخاص المتشابهين في التفكير والاتفاق على شيء ما هناك، ثم تقديم هذه الاتفاقات كقرار من المجتمع الدولي ومطالبة الجميع بالوفاء بها.

 

بقلم الدكتور كريم المظفر

 

 

عبد الحسين شعبان"فلتصمت الأسلحة وليكن الدين في خدمة السلام والأخوّة" هكذا بدأ قداسة البابا فرنسيس كلامه أمام رئيس جمهورية العراق د. برهم صالح. ودامت زيارته ثلاثة أيام (8-5 آذار/ مارس/ 2021) وكانت قد ابتدأت من بغداد إلى أور مسقط رأس النبي ابراهيم الخليل (أبو الأنبياء) ومنها الى النجف (مرقد الامام علي) للقاء السيد علي السيستاني وبعدها إلى الموصل التي شهدت دماراً وخراباً ووحشيةً لا تُصدّق على حدّ تعبيره اثر احتلال داعش في 10 حزيران (يونيو) العام 2014 والذي استمرّ لثلاثة اعوام ونصف، واختتم زيارته بصلاة مفتوحة في بارك سامي عبد الرحمن في إربيل.

تعتبر زيارة البابا إلى العراق تاريخية بامتياز لاعتبارات كثيرة:

- أوّلها:  أنها أول رحلة للبابا خارج الفاتيكان بعد تفشي وباء كورونا " كوفيد 19" في مطلع العام 2020، ولذلك فإن قراره بإختيار العراق جاء بعد دراسة وتمحيص لاعتبارات عراقية وإقليمية ودولية، مثلما هو لاعتبارات دينية لتأكيد علاقة الفاتيكان بالنجف.

- ثانيها: أنّها الزيارة الأولى للحبر الأعظم إلى العراق، فقد أخفق قبله اثنان من رؤساء الكنيسة الكاثوليكية في زيارة العراق، حيث ألغى البابا بنيدكتوس السادس عشر زيارته إلى أور لأسباب أمنية، في حين لم يرحّب النظام السابق بزيارة البابا يوحنّا بولس الثاني، وقد توقّع كثيرون أن يتمّ إلغاء الزيارة لأنها تأتي في ظرفٍ عصيب صحي ونفسي وسياسي واجتماعي وأمني في العراق، إضافةً إلى مداهمة الوباء، فضلاً عن استمرار الاحتجاجات الشعبية، كما وأنّ القصف من جانب المجموعات المسلّحة خارج القانون ما يزال هو الآخر  مستمراً على  السفارة الأميركية والمنطقة الخضراء، الأمر الذي قد يحدث ما لا يُحمد عقباه، يُضاف إلى ذلك أنّ تفجيرات حصلت في قلب بغداد (ساحة الطيران) عشيّة زيارته (يناير / كانون الثاني 2021) وكانت أوساط عراقية محدودة جداً قد وضعت علامات استفهام على الزيارة ذاتها معتبرة أنّ لها طابعاً دينياً وإعلامياً ظاهرياً وكانت باطنيّاً ذو أبعاد سياسية واقتصادية.

- ثالثها: ان اختيار البابا زيارة العراق وتوجيه رسائل عديدة منه يعني فيما يعنيه أنّ العراق يشغل مكاناً مهماً في الاستراتيجيات الكونية السياسية والروحية، وهي التي دفعت قداسته إلى الإصرار على زيارته في حين أنّ هناك دولاً مهمة لم يقم البابا في زيارتها مثل روسيا والصين.

- رابعها: إنّ الزيارة بحدّ ذاتها تعني رسالة تضامن مع العراق ككل، خصوصا بعد معاناته لسنواتٍ طويلة من حروب ومغامرات وحصار واحتلال وارهاب.

- خامسها: إنّها حملت رسالة تعاطف وتساند ودعم للمسيحيين في محنتهم المستمرّة، وهؤلاء شعروا بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة الظلام والفوضى والتهجير، وأنّ الفاتيكان يقف بكل ثقله معهم وبقوّة، كما حملت ذات الرسالة إلى الايزيديين الذين عانوا أشدّ المعاناة والتي ما تزال مستمرّة، وهي رسالة للأخوّة الانسانية وللتضامن الإنساني.

- سادسها: إنّ الزيارة هي ضدّ التعصب ووليده التطرف، وهذا الأخير إذا ما انتقل من التفكير إلى التنفيذ وصار سلوكاً سيؤدي إلى العنف، والعنف حين يضرب عشوائياً يصبح إرهاباً، وحين يستهدف خلق حالةٍ من الذعر والهلع لإضعاف ثقة الدولة بنفسها وإضعاف ثقة المواطن والمجتمع بالدولة يصير ارهاباً دولياً.

- سابعها: أنّها رسالة ضد الطائفية والتمذهب والدعوة للمساواة والتسامح والسلام، فالعراق كبلد يمتاز بالتنوّع الديني والقومي والسلالي واللغوي، مثلما يمتاز بالتعددية والهويات الفرعية، والتي كانت متعايشة ومنسجمة في التطور التاريخي وعلى مدى قرون من الزمان، الأمر الذي يحتاج إلى تعزيز المواطنة المتساوية والمتكافئة دون تمييز أو تهميش أو استعلاء.

- ثامنها: الرمزية الكبيرة التي تحملها الزيارة، حيث أراد البابا تأكيد أنّ وعد البابا يوحنا بولس الثاني لا يزال حاضراً وأنّه شخصيّاً يريد الايفاء به، ولا سيّما بتأكيد أنّ مسقط رأس النبي ابراهيم هو العراق وأنّه عراقي، وليس عبثاً أن يقول البابا مخاطباً العراقيين "جئتكم حاجّاً" في حين يحجّ إلى الفاتيكان ملايين المسيحيين الكاثوليكيين، ويُمثّل قداسته أكثر من مليار وثلاثمائة مليون مسيحي.

لقد أخطأ النظام السابق حين اعتذر عن زيارة البابا يوحنا بولس الثاني العام 2000، وكان جواب البابا أن رقّى بطرك الكلدان الكاثوليك إلى رتبة الكاردينالية بحيث أصبح لمسيحيّ العراق حقّ الإنتخاب والترشيح لمنصب البابوية عبر الكاردينال ساكو، علماً بأنّ البابا بولس الثاني في حينها استهجن إعلان الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن الحرب على العراق باعتبارها "حرباً صليبية"  واعتبرها حرباً غير مبررة أخلاقياً ودينياً، وهو الأمر الذي أدّى إلى فتور العلاقة بين واشنطن والفاتيكان.

- تاسعها: اللقاء التاريخي بين النجف والفاتيكان، حيث التقى البابا بالسيد علي السستاني أحد أبرز المراجع الشيعة، في تأكيد غير منظور أنّ مرجعية الشيعة هي في النجف تحديداً وليست في قم أو في مكان آخر، والزيارة استمرار ومواصلة للقاء التاريخي بين أهمّ مرجعين روحيين في العالم، يوم اجتمع في أبو ظبي البابا فرنسيس بالدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، وكنت آمل أن يزور البابا مرقد الإمام علي  لما له من اعتبارية رمزية وروحانية إنسانية للمسلمين بشكل خاص والمؤمنين بشكل عام، خصوصاً وهو الذي جسّد بُعداً انسانيّاً في رسالته يوم خاطب عامله في مصر مالك بن الأشتر النخعي بقوله: لا تكن عليهم (أي على الناس) سبعاً ضارياً لتأكلهم، فالناس صنفان: إمّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق.

- عاشرها: إنّ الزيارة وما تمخضّت عنه صبّت في مشروع التلاقي المسيحي - الاسلامي والعيش المشترك معاً في المجتمعات المتعددة الثقافات وعلى المستوى العالمي، فالإنسان أخ الإنسان وقد خلقهم الله جميعاً وفقاً للأديان الإبراهيمية والتوحيدية، ولذلك عليهم أن يأخذوا بعضهم بعضاً بالتسامح وعلى أساس المساواة والكرامة والأخوّة الانسانية، وهو ما جسّدته وثيقة أبو ظبي في 4 شباط (فبراير) 2019 والتي تبنّتها الأمم المتحدة في 22 كانون الأول (ديسمبر) 2020 حيث اعتبر يوم 4 شباط (فبراير) من كل عام يوماً عالمياً للأخوّة الانسانية، بتأكيد حريّة المعتقد والحق في الاعتقاد واحترام هوية كل ديانة لأن الجميع تحت سقف الأخوّة وذلك بتجسيد قيم السلام والتسامح، وهو ما تمنّاه البابا للعراقيين إثر زيارته التاريخية.

إذاً، فلتصمت الأسلحة حسب الحبر الأعظم، ولتكن رسالة الدين وفقهه لخدمة البشر عبر الاخوّة والتفاهم والعيش المشترك بغضّ النظر عن الدين والمذهب واللغة والقومية واللون والجنس، والأصل الإجتماعي وهو ما يُمثّل جوهر الفكرة الكونية للحقوق الانسانية.

لقد احتفى العراقيون بمختلف مشاربهم وإتجاهاتهم وأديانهم وقومياتهم وأفكارهم بالبابا واعتبروا الزيارة مناسبة للفرح والغبطة ولإظهار مشاعر المحبة، وليس الدين سوى الحب، وذلك تعويضاً عن الموت والدمار والتفجيرات والدماء والسبي والخطف، وقبل ذلك الحروب والحصار والاحتلال، هكذا استُقبِلَ البابا بالرقصات والملابس الشعبية والاندفاع لملاقاة الضيف الكبير الذي تشرّفت أرض العراق بحضوره.

وقد استعدت بهذه المناسبة احتفاء النجف بالمفكر المسيحي الأمريكي من أصل لبناني "أمين الريحاني" واستقباله الحار قبل 100 عام تقريباً (1922) من طرف المرجع الديني الكبير الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء والمراجع الآخرين من أمثال: الشيخ عبد الكريم الجزائري والشبيبيان الشيخ محمد رضا والشيخ جواد، وكان الجواهري الكبير قد أنشد حينها:

أرض العراق سعت لها لبنان     فتعانق الإنجيلُ والقرآن

وليس عبثاً أن يكتب البابا وبعد مغادرته العراق (8 آذار / مارس/ 2021): "العراق سيبقى في قلبي أطلب منكم جميعاً أيها الاخوة والأخوات الأعزاء، أن تعملوا معاً متحدّين من أجل مستقبل سلام وازدهار لا يهمل أحداً ولا يميّز أحداً" فعلى الرغم من جلبة الدمار والدماء فقد كان مشهد أشجار النخيل التعويض الرمزي للشموخ الذي رآه البابا وعبّر عن ذلك بأنه يمثّل رمزية الوطن في النمو وفي إتيان الأثمار، وهكذا أيضاً هو الأمر بالنسبة للأخوّة، لكي لا تُحدث ضوضاء لكنها تُثمر وتجعلنا ننمو، كما قال. وقد ترددّت الأجواء بعطر كلماته:

- الأخوة أقوى من القتل

- الرجاء أقوى من الموت

- السلام أقوى من الحرب

- المحبّة هي قوّتنا

إنّها قيم جديدة للأخوّة واللّاعنف: فالردّ على الحرب ليس حرباً أخرى، والردّ على السلاح ليست أسلحة أخرى، الجواب هو الأخوّة، وبالتالي المحبّة. لعلّ ذلك بمثابة برنامج عمل لكل من يتوق إلى تحقيق قيم السلام والتسامح والعدل، وينبغي أن يتحوّل إلى خطط ملموسة يتمّ الاعتماد عليها بالتربية والتعليم وإعادة النظر بالقوانين والأنظمة السائدة وإصلاح المجال الديني عبر مواطنة حقيقية وبعيداً عن أي إقصاء أو انتقاص للحقوق الإنسانية.

 

د. عبد الحسين شعبان

 

قاسم حسين صالحقلوب الناخبين معه واصواتهم لغيره!

من مفارقات ما حصل في الأنتخابات البرلمانية وانتخابات مجالس المحافظات، ان الحزب الذي تعرض في 1963 لأفجع تراجيديا ابادة سياسية في الشرق الأوسط،وضحى بعشرات الألاف بين قتيل وسجين ومهجّر من اجل (وطن حر وشعب سعيد).. ان الكثير من العراقيين أحبوا الشيوعيين لنزاهتهم وصدقهم في اقامة دولة مدنية.. لكنهم في الأنتخابات كانوا يعطون اصواتهم لغيرهم.. فالحزب الشيوعي لم يحصل في برلمان 2005 سوى على مقعدين فقط! وضمن قائمة العراقية!.. في مفارقة هي  أن القائمة العراقية كانت هي التي فكت ارتباط الحزب الشيوعي بها لأربعة أسباب أحدها ما نصه: (عدم التزام الحزب الشيوعي بمنهج القائمة ومشروعها الوطني واقترابهم من المشاريع الطائفية والعرقية! ).

لقد اوضحنا في حينه بأن العقل الانفعالي يتحكّم بجماهير الضحية حين يطاح فجأة بجلاّدها فتعطي أصواتها في الانتخابات لمن يتعاطف معها طائفيا وقوميا ومن يمثلّهم بالمظلومية.

ومع أنه تبين لتلك الجماهير أن الكثير من الذين انتخبوهم وظنّوا انهم سيخدمونهم.. خذلوهم وخانوا الثقة والأمانة، وأن الناخب لا يلدغ من انتخاب مرتين، وأن العراقيين يبحثون عن بديل منقذ، فاننا اعدنا التوكيد في مقال موثق بأن الشيوعيين سوف لن يحصلوا في الانتخابات المقبلة حتى على نصف المقاعد التي ستحصل عليها كتل ليس لها تاريخ سياسي كتاريخهم ولا تضحيات كتضحياتهم.. وقد حصل!

ويعزى ذلك لأسباب تتعلق بقانون الانتخابات الذي شرعته أحزاب السلطة،الذي حرم مرشحه( جاسم الحلفي) من الوصول الى البرلمان برغم حصوله على اكثر من (17) ألف صوتا، واخرى سيكولوجية في أغلبها، أولها: ان الشيوعيين توفرت لهم فرصة استلام السلطة عام 59 حين ضرب عبد الكريم قاسم.. وصارت اللقمة على بعد سنتمرات من الفم وما أخذوها!.. فتولد انطباع بأن الشيوعيين مصابون بـ(عقدة الخوف من السلطة).. وأنهم غير قادرين على ادارة بلد محاط بثلاث دول اسلامية قوية تجمعها،على اختلاف انظمتها ومذاهبها،كره الشيوعية.

وثانيها: ان الحزب ما كان قادرا،او مستوعبا في توعيته الثقافية لمجتمع شاعت فيه بعد السقوط ثلاث ظواهر من الانتماءات البدائية: العشيرة والطائفية والقومية، ناجمه عن سيكولوجيا الاحتماء، ولم يكن نشاطه فاعلا في صفوف الشباب الذين يشكلون اكثر من 60% لهم خصوصيات أنهم ولدّوا في حرب ونشأوا وعاشوا في حروب.

فضلا عن انه  لايمتلك  قناة فضائية ولا اذاعة ولا صحافة بمواصفات متطورة،وليس له نشاط ثقافي مؤثر عبر وسائل الاتصال المختلفة لاسيما القنوات الفضائية،وان المتحدثين باسمه  كانوا ينحصرون باثنين (حميد موسى ومفيد الجزائري) مما اثار لدى المواطن العادي تساؤلا مشروعا : ( يعني ماكو مثقفين بالحزب بس ابو داود ومفيد)!.. تلاهما اثنان ايضا (رائد فهمي وجاسم الحلفي)!.

افدح أخطائه

يعدّ تحالف الحزب مع التيار الصدري بقائمة (سائرون) أفدح أخطائه.لأنه ليس فقط نقيضه الأيديولوجي،بل انه في تحالفه مع تيار ديني يكون قد اضفى الشرعية على أحزاب دينية تمارس القتل .ولهذا فانه كان في نظر التقدميين (خيانة) للمباديء الماركسية، ووصولية وانتهازية في نظر محبيه وخصومه،ولقد ادرك ذلك فانسحب.وهذا يذكرنا بخطأ سابق حدث في السبعينيات.. يوم كشف الحزب اعضاءه أمام الأجهزة الأمنية باعلان الجبهة الوطنية والقومية التقدمية وما حل بهم من اغتيالات واعتقالات وتشريد وتهجير.. وانسحب منها ايضا!.. ويبدو أن العقدة المتحكمة فيه ان يبحث عن قوى نزيهة ليتحالف معها في زمن صار فيه النزيه، بالمواصفات الماركسية، اندر من الذهب الروسي!.

ويحسب للحزب انه شخّص بعمق خيبة العراقيين في تطلعهم الى اقامة بديل مدني ديمقراطي بعد التغيير الذي اطاح بأبشع نظام دكتاتوري شمولي استبدادي شهده العراق.ونبّه الى أن الأزمة السياسية التي اعتمدت المحاصصة الطائفية –الأثنية في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية،وتوظيف الدين من قبل أحزاب الأسلام السياسي ستبقي العراق وشعبه معرضا لأخطار وكوارث اخرى قادمة ما لم تتوحد القوى الوطنية والعلمانية بوجه هذا (الأستبداد الديمقراطي) الاسلامي.. وما حصل أنه لم يستطع تحقيق ذلك.. فعاد يعيش محنته السابقة في تحالفه مع (سائرون) ليفكر،ربما، في التحالف مع كتلة (النصر) لحيدر العبادي!.

الشعب يريد البديل

ان اهم دليل على فشل أحزاب الأسلام السياسي هو عزوف العراقيين عن المشاركة في انتخابات 2018،وأن الجماهير تبحث عن بديل منقذ،وان عليه ان يستثمر حالة التذمر الشعبي من توالي الخيبات وافقار (14) مليون عراقي في واحد من أغنى عشرة بلدان في العالم بتنفيذ ما اقره في مؤتمره العاشر بان يعمل على  اجتذاب وتعبئة الطبقات والفئات الاجتماعية وبالذات العمال والكادحين وصغار المنتجين والفلاحين والطلبة والشبيبة والنساء والمثقفين،والتحالف مع قوى وطنية وقومية تقدمية وشبابية  في الأنتخابات المبكرة.وعليه،والقوى الوطنية ايضا،ان يستعين بعلماء نفس متخصصين في سيكولوجيا الأفناع وتغيير الأتجاهات.فبين قياداته من يرى بأن (الوطني) معروف بتاريخه ولا يحتاج الى دعاية،وهذا ليس صحيحا.. ففي الدعايات الانتخابية تكون للحزب،أي حزب، ثلاث مهمات: التعريف بنفسه ومرشحيه،والتعريف ببرنامجه،واعتماد الأسلوب الذكي العلمي العارف بسيكولجيا الاقناع.

ختــامــا

لا يختلف اثنان على ان الحزب الشيوعي العراقي كان ايقونة العراق ليس فقط في النضال والتضحية بل وفي الثقافة والفنون،لاسيما المسرح،وفي الاخلاص بالعمل، والنزاهة التي جعلت حتى البسطاء على يقين من ان الحزب لو كان له من البدء تمثيل برلماني مؤثر وقيادات في مراكز الدولة.. لما وصل العراقيون والوطن الى هذا الحال البائس والمفجع.

وما كتبناه في مقالاتنا الثلاثة انطلق من مقولة خالدة للخليفة عمر بن الخطاب (رحم الله امرءا أهدى اليّ عيوبي) التي تعني بمصطلحاتنا الحديثة.. النقد البنّاء النابع من محبة صادقة والهادف الى تقويم العملية السياسية في العراق. ولم يكن هذا النقد خاصا  بالحزب الشيوعي وحده،بل كل القوى الوطنية والقومية التقدمية التي تسعى لفصل الدين عن السلطة وأقامة دولة مؤسسات مدنية  في وطن يمتلك كل المقومات لأن يعيش أهله برفاهية.

*

أ. د. قاسم حسين صالح

 

 

عامر صالحليست من السهل الحديث عن العدالة في توزيع الموارد المالية والمتمثلة في العائدات النفطية اولا واخيرا في ظل نظام ريعي سعى منذ سقوط الدكتاتورية في عام 2003 الى التعامل مع السلطة وأرث الدولة كغنائم يجري تقاسمها دوريا سواء عبر الانتخابات البرلمانية التي تعيد انتاج القوى المتغانمة للسلطة او عبر الميزانيات السنوية التي يعول عليها العراق وشعبه سنويا ولكنه يفاجئ كالعادة بصراع شرس مع كل اقرار للميزانية، حيث الصراع على اقتسام الموارد النفطية وتوزيع الحصص جغروا مذهبيا واثنيا في اطار من المساومات غير المبدئية للحصول على اكثر قدر ممكن من المغانم في ظل بلد غاب فيه الحرص على وحدة البلاد ومكوناته الأثنو دينية والمذهبية، حيث مبدأ الانتفاع في اللحظة الراهنة من الموارد واستنزاف قدرات الدولة والعبث في مستقبل القادم من الأيام، أو كما يقال: " أصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب".

نظام المحاصصة الأثنية والطائفية ومنذ عام 2003 لم يأتي بجديد أيجابي يسهم بتغير العراق من حال الى حال افضل كما لم يعمل على ازالة ارث الدكتاتورية البغيض بل وجدت فيه مناسبة وبيئة حاضنة لسياستها التي تعيد انتاج الدكتاتورية ولكن برؤوس متعددة لدكتاتوريات تتصارع حول اقتسام العراق وموارده وتفتقد الى المشروع الوطني الجامع والحافظ لسيادة العراق بأعتباره حاضنة ومظلة للجميع، ومن هنا يشتد الخلاف حول الصيرورة التي تجري بها ادارة موارد البلاد كجزء من الغنائم الواجبة التوزيع وفقا لموازين القوى السياسية وبعيدا عن مصلحة العراق، فالجميع يغني على ليلاه.

وما يعبر عن حجم الأزمة المستعصية في صراع المتحاصصين هو استمرار العراق لعدة اشهر بدون موازنة للعام 2021 وقد انتهى ربعه الأول، وحتى العالم الخارجي" وهي حالة نادرة" يتابع بعناية مسارات اقرار الميزانية العراقية، فعادة كل دول العالم تقر ميزانياتها بهدوء ولم يعلم بها أحد من الخارج سوى اخبار عابره، اما ان تهنئ امريكا العراق على اقرار الميزانية وغيرها من الدول الى جانب اهتمام الصحافة الاقليمية والعالمية فهو مؤشر لتفهم العالم الخارجي لعمق الأزمة السياسية لتي يعاني منها العراق والصراعات السياسية الاثنية والطائفية التي اعتاد عليها المشهد السياسي العراقي منذ سقوط نظام صدام حسين الدكتاتوري وانهيار الدولة العراقية ومؤسساتها على يد المحتل الامريكي الذي أسس لنظام اثني طائفي تتصارع فيه المكونات الأثنية السياسية والطائفية على الموارد المالية ولا تتصارع على ضرورات وحدة العراق بأعتباره أولوية وشرط مسبق للسلم والأمن والحفاظ على المال العام.

لا يمكن الحديث عن نظام يستند الى النفط كمورد اساسي ووحيد او على شاكلة" يبيع ليأكل فقط " ان يمتلك رؤيا للمستقبل، فكل قواه السياسية تتحدث عن صفقات للموارد وليست صفقات لاعادة البناء، تلك هي ضالة القوى السياسية الطائفية والاثنية المتشبثة بالهويات الفرعية، فالموازنات السابقة ومنذ 2003 لم ترى النور منها لا بمشاريع انتاجية واستثمارية ولا فرص عمل ولا اعادة بناء البنية التحتية التي دمرها الاحتلال والصراعات الطائفية الاثنية، بل كانت كانت ملغومة بالفساد واهدار المال العام والمشاريع الوهمية، حتى بلغ ما خسره العراق ما يقارب 1400 مليار دولار في مجمل وارداته النفطية لتلك الفترة، والقوى السياسية هي نفسها التي قادت المشهد بعد السقوط وتقوده الآن وتتصارع على الموارد والميزانية السنوية.

وحسب ما تم التصريح به وافق برلمان العراق الأربعاء، على ميزانية عام 2021 التي يبلغ حجمها 130 تريليون دينار عراقي (89.65 مليار دولار)، في وقت تعاني به البلاد أزمة اقتصادية ومالية بسبب تدني أسعار النفط. وقال مشرعون إنه من المتوقع أن يبلغ عجز الميزانية 28.7 تريليون دينار (19.79 مليار دولار). وتفيد وثائق ومشرعون أن الميزانية موضوعة على أساس سعر نفطي بلغ 45 دولارا للبرميل، وصادرات متوقعة قدرها 3.25 مليون برميل يوميا، منها 250 ألف برميل يوميا من إقليم كردستان العراق. ويعتمد العراق على النفط في تمويل 97 بالمئة من ميزانيته، وأدى التزامه باتفاق أوبك لخفض إنتاج النفط إلى تقليص الموارد المالية لحكومة تكافح من أجل معالجة تداعيات سنوات الحرب والفساد المستشري.

ورغم الفرح الشكلي والذي ابتهجت به القوى السياسية المتحاصصة حيث حصولها على ما تريد من صفقات مالية، والتي جرت المصادقة عليها على طريقة خذ ما تريد واعطني ما اريد، وكذلك ما افرزته عمليات التصويت على الموازنة من صفقات انتخابية مبطنة قادمة قد تبدو ملامحها واضحة لاحقا في شخص رئيس الوزراء القادم ورئيس الجمهورية المحصصاتي، لكن الشارع العراقي قد استوعب اللعبة بوضوح اكبر هذه المرة ولعله يبلور ذلك في صيرورة وعي قادم لأعادة اصطفاف القوى السياسية وتفويت الفرصة على قوى المحاصصة المتخاذلة امام مصلحة البلاد وامنه واستقراره.

الذين تاكتفوا لتمرير الميزانية بهدف الحصول على مكاسب آنية فرحوا لحالهم والذين غضبوا من القوى الاخرى او اضافوا تعديلات على فقرات الميزانية لدوافع مختلفة فقد عرفهم الشعب العراقي خلال 18 عشر عاما بفسادهم وبالتالي فأن الثقة الشعبية بجميع الاطراف المتحاصصة هي ثقة حذرة ان لم نقل معدومة، فالحديث عن الميزانية هو حديث عن صراع مستميت بين قوى السلطة المحاصصاتية وعلى كيفية اغتنام موارد البلاد، فلا تحسن قادم في الظروف العامة الخدمية وتحسين ظروف العيش حيث ان مستلزمات ذلك تكمن من خلال تجربة الحكم ما بعد 2003 في عدم محاربة الفساد ووضع حد له، وبالتالي استنزفت موارد البلاد وميزانياته وسرق قوت الشعب ومستقبله.

يفترض ان فرح السيد رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي ومباركته في المصادقة على الميزانية ان يكون مشروعا، فليست المباركة في ضخ الاموال المليارية لقوى المحاصصة مفرحا بل انه سيكون اشد حزنا عندما لا يقترن بمحاربة الفساد المالي والاداري ونهب المال العام الذي لم يستطيع السيد الكاظمي محاربته رغم وعوده ولجانه المختلفة لمحاربة الفساد لكنه لم يستطيع بل وخائف في محاربته، في دليل قاطع ان قوى الفساد اقوى من قوى الدولة، وبالتالي فأن المتحاصصين بعد اقرار الموازنة هم بأنتظار ضخ الاموال للأفساد فيها وسرقتها وحجب اي بارقة أمل في انتشال العراق من الوحل الذي يتمرغ فيه، والحديث عن الاستثمارات وفرص العمل وتحسين مستوى الحياة هو حديث مشكوك فيه لتصريف ازمة الحكم والنظام، وينتظر العراقيون مزيدا من شد الأحزم على البطون في ظل سياسات انخفاض سعر الدينار بغياب مظلة الدعم الاجتماعي للفئات الفقيرة والمحرومة وغياب فرص العمل وارتفاع الاسعار الجنوني الذي سيؤذي منخفضي الدخول ويعرضهم الى مختلف الانتهاكات.

خيارات شعبنا هي خيارات استنفار للمساهمة في اعادة اصطفاف القوى السياسية عبر المساهمة في الانتخابات القادمة على نطاق واسع لأستبدال منظومة الحكم الفاسدة بمنظومة اخرى بديلة، رغم ان الحديث عن ذلك ليست سهلا فمنظومة الفساد تمتلك امكانيات كبيرة للعبث في مسار الانتخابات وتزويرها او تهديد المواطن وتشويه خياراته الانتخابية، ولكن يفترض ان بصمات انتفاضة تشرين تكون حاضرة بوضوح في المعادلة السياسية عبر تسلحها بضرورات الوعي البديل بعيدا عن الصراعات الثانوية التي قد تعرقل بل وتشوه انجازات تشرين، وعلى الكاظمي ان يتحلى بشجاعة اكبر وجرئة في ان يحمي مسار التحولات نحو الأفضل وإلا سيلعنه التاريخ والعراقيين كما لعنوا سابقه، وعلى الأقل ان يكون امينا لما ادعى به وليست مناورا على حساب دماء الشعب.

لا توجد معطيات ان اسقاط النظام عبر انتفاضة مسلحة هي البديل حيث ان موازين القوى غير موجودة كبديل ديمقراطي، بل هو نذير بمزيد من الانقسامات والتشظيات والحروب الداخلية والمقابر الجماعية، ولكن العالم كله مع انتفاضة تشرين السلمية لأزاحة القوى الفاسدة والميليشياوية المدججة بالسلاح، وبالتالي فأن عنصر التنظيم لقوى تشرين سيلعب دورا كبيرا في التأسيس لمرحلة التغير الجذري لأزالة القوى الفاسدة عن المشهد السياسي، وهي مقدمات للحفاظ على موارد العراق المالية والبشرية وانطلاق التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومحاربة الفساد واعادة استنهاض العنصر البشري في العراق على اسس الحق والعدل وتكافؤ الفرص.

 

د. عامر صالح

 

 

مصطفى غلمان(التاريخ الذي درسناه في المدارس، جعلنا نحفظ الملوك وفتوحاتهم، دون أن نسأل عن مشاعر الشعوب المكبوتة بعد الفتح).. علي الوردي

القواسم المشتركة بين زمن الاستقلال وما بعده، ترتفع كلما تطورت أساليب تدويرنا للتاريخ، أو إعادة قراءته، على الأقل من منطلق معرفتنا بأهم تفاصيل منظومة الكولونيالية وشرائعها المقيتة.

في الثلاثين من شهر مارس 2011، والذي يصادف هذا العام مرور قرابة قرن ونيف على احتلال فرنسا لبلادنا، لا بد وأن تتحرك مشاعرنا الوطنية إزاء هذا الطوق المنغرز في صيرورة وجودنا، حيث يتوجب علينا محاولة وضع شريط لواحدة من أخطر ما تعرضت له الأمم المستضعفة على مر التاريخ البشري، من استغلال وعبودية وإبادة وتقتيل وتجريف للهوية الثقافية الوطنية واللغوية... الخ

لا حاجة للتذكير هنا بتفاصيل الأحداث التاريخية الجسام، التي سجلت أطوارها مشاهد درامية حزينة جدا، لكننا وفي فورة إعادة تشكيل مشاهد هذه الفجائع الغاصبة، يمكننا الوقوف بشكل خاص حول أهم محطاتها :

1906 انعقاد مؤتمر الجزيرة الخضراء لتقرير مصير المغرب كمستعمرة أوروبية. بمشاركة اثنا عشر دولة أوروبية وشارك الرئيس الأمريكي روزفلت كوسيط فيه.

1908 تمت مبايعة مولاي عبد الحفيظ سلطانا جديدا على المغرب خلفا لمولاي عبد العزيز .

1911 اتفق الفرنسيون مع الألمان بشأن المغرب، حيث تنازلت فرنسا بموجب هذا الاتفاق عن الأراضي المتفق عليها في الكونغو والكاميرون، في مقابل موافقة الألمان على فرض "الحماية" الفرنسية على المغرب .

1912 انتفاضة شعبية كبيرة بفاس، أوقد شرارتها جنود مغاربة ثاروا في وجه ضباطهم الفرنسيين، قبل أن تلتحق بهم ساكنة المدينة في ثورة أطلق عليها المستعمر الفرنسي اسم "أيام فاس الدامية".

12 غشت 1912 تنازل السلطان المولى عبد الحفيظ عن العرش

نونبر 1912 فرنسا وإسبانيا تتفقان على اقتسام المستعمرة (المغرب) بينهما

ما بين 1912 و 1934 فرنسا تحتل كامل المغرب، عدا شماله ، بقوة السلاح

هذه خريطة استيلاء المحتل الفرنسي، باختصار كبير جدا. أما التفصيل فيه، فيستحيل كتابته على محمل القلم الناشف، دون العروج لبناءات النصوص التاريخية ومضانها وتعدد الروايات والحكايا والسوالف الطويلة، التي ذهبت فيها أرواح ونزفت دماء وعذبت أجساد ودفنت تحت الثرى، دون أن يستدل عليها، حتى كتابة هذه الأحرف.

ما يعني صراحة، أن تاريخنا المروي حديثا، على مقربة من فارقة العصر الإمبريالي الاقطاعي، القادم من أوروبا تحديدا، لازال جزء عظيم منه، مقيدا بوثائق تذهل منها قلوب الإنسانية، وتخجل من ذكرها الأحافير والمكتشفات. ولو أن للقيامة أن تجري هاهنا، لفضحت أفاعيل يد المحتل الفرنسي، الذي أبدع في التعذيب والإبادة والذبح والقتل والتمثيل بالجثث، والتنكيل بالمقاومين. بل لطفقت من هولها الأساطير. وإن ما حكي عن طغاة الجاهلبة وعتاتها المستبدين لأقل بقليل مما وصل. مما يأنف العقل عن استيعابه ووصفه وكتابته.

التاريخ هنا لا يعيد نفسه، بذات الصفة التي لا يقبلها النظام الكوني المستحدث. لكن التقييم السوسيولوجي للأحداث التاريخية، يضعنا بإزاء قيمة البحث عن الهامشي، وعن المغيب بفعل فاعل متعطش للعداوة وإثارة الأحقاد.

يقول عبد الله العروي إن "التساؤل حول مفهوم التاريخ أمر جوهري وتافه في آن. هذا ما قاله ابن خلدون وهذا ما نؤكده اليوم.. جوهري لأنه قائم أينما اتجه الفكر، وتافه لأن منفعته غير واضحة لكل فرد متخصص، الخطاب موجه في ظاهره إلى المؤرخ، لكنه في العمق يستهدف كل مفكر..".

إن جوهر إماطة اللثام عن حقائق تاريخ الاستعمار الفرنسي للمغرب، هو سيرورة فكرية، تنحو الإبقاء على قيم المعرفة بالتاريخ الواقع، مستهدفا المرامي العامة للوفاء بالتزامات الآن الراهن، واستعادة وهج الآتي بتقاطعاته وانزياحاته.

كما هو مسؤولية تدريسه للأجيال اللاحقة، بعيون توازي النظر في المآلات، والاعتبارات المفارقة للتأمل والقراءة الموجهة.

فليس خفيا أن نتبرأ سياسيا، في مواجهة زخم كبير من التأويلات التاريخية التي تشكل مأزقا حقيقيا لقراءة التاريخ كما هو. وهو أمر يخرج تماما عن سياقات تحقيق حد أدنى لقيم المواجهة مهما كانت قاسية.

يجب أن نفكر مليا في مدى استعدادنا لتقبل انزلاقتنا التاريخية، وأخطائنا، وغرائبنا التي أفرزتها نذوب لا تزال غرقى بوسوم المظالم والمغاصب.

يتعذر معرفة التاريخ بالواجهات السياسية المحنطة والغافلة عن عمق الأعمال الممارسة ضد الشعوب المستضعفة.

ويتعذر على كل من لا يستطيع تحمل أعباء ما مضى، من الافتراء والكذب والدس والتغييب المفرط للحقائق، أن ينقلب اليوم إلى مشعوذ ارتكاسي، يباهي منظومة الترويع وإعادة تشكيل صور الحماية بمرائي أخرى، ممتدة عبر العصر، ومتجوهرة بأفاعيل تقتعدها صنوف المبارزة بأوضاع أكثر تعقيدا وتلاؤما بالزمن وتحولات الإنسان.

إن استقلالنا الحقيقي، هو مفهوم القيمة لدى الحاضر، وإيصال تلكم القيمة إلى روح العقل البشري، حيث تنعم بفكرة التفوق الأخلاقي والمعرفي، وتواكب بالتجرد من قيود العوز الفكري والعقلاني، مجمل التحولات التي تنتظم في وحدة سريعة من الانتقالات، غير بعيد عن قراءتنا الجديدة لمعنى أن نكون مستقلين ومستوحشين للتنمية وإقامة المدينة.

إن عبور التاريخ الزمني على أنقاض المفهوم الأخلاقي والإنساني، سيثير فينا فورة الامتداد وزخم الانتماء واقتدارية التعلم من أخطاء الماضي. بيد أن استقصاء التاريخ عبر طفرة الانتقال من أطواره، وإعادة تقديمه كفعل خارج المعنى، سينقض المفهوم الجديد للقراءات السوسيولوجية الجديدة، في علم نفس التاريخ، وعلم الاجتماع التاريخي، وعلم الاجتماع السياسي أيضا ..

فهل تعود أدوار التفتيش عن مهمات التاريخ، كوازع اعتباري لمقاربة برنامج مشاكل التحديث والتغيير الاجتماعي، وتحليل حالات الصراع وإمكانية التغلب عليها؟ أم أننا سنبقى معلبين بحقائق منقوصة، ومجافية للنظر السديد والأمل الموعود؟

إن الاستقلال بالمعنى الحتمي للكلمة، سيفرض بدل مزيد من الارتقاء بالتدبير السياسي المبدع، بالتوق إلى خلق المعنى، وتكسير النوازع المحبطة، والاستقدام الأخلاقي المجسد للعقلانية والنزاهة والتفوق.

 

د. مُصْطَفَى غَلْمَان

 

غالبا ما يحاول الغاضبون من انتشار الفساد في عراق مابعد عام 2003 الإشارة الى عراق ماقبل 2003 باعتباره كان خاليا من افة الفساد وان وجد فهو لايقارن بفساد الحاضر ولكن للأسف ان من يقولون ذلك يبدو انهم لم يطلعوا على التاريخ القريب للدولة العراقية منذ تاسيسها عام 1921 . وعندما نتكلم عن فساد ماقبل 2003 يكون الرد ان هذا تاريخ انتهى ومضى . ولكن للأسف ففساد الماضي هو الذي مهد لفساد الحاضر . وليطلع المتباكون على عهد النزاهة الغابر نقدم استعراض للفساد الذي صاحب ولادة دولة العراق الحديث من الوثائق والسجلات التاريخية .

ففي اول حكومة عراقية تم تشكيلها قبل ولادة المملكة العراقية تم تعيين (السعودي) عبد اللطيف المنديل وزيرا للتجارة بالرغم من انه كان وكيلا لملك الحجاز في حينها (عبد العزيز ال سعود) وقد وصفه (امين الريحاني) في كتابه (ملوك العرب) بقوله " يخلص الود لال سعود وخصوصا للسلطان عبد العزيز" . كما ضمت الحكومة (الكويتي) احمد عبد العزيز الصانع كوزير بلا وزارة وهو الذي قال لحاكم البصرة السياسي " انا لااريد سوى الحكم البريطاني البحت، وارجو ان لاتتركوا البلاد بل احكموها بيد قوية ولكن عادلة " [1]. وكان (عبد الله بن سعيد) وزير خارجية نجد (السعودية) قد وقع اتفاقية العقير الحدودية مع العراق، ثم اصبح بعدها وبقرار من نوري السعيد وزيرا لخارجية العراق، وصار اسمه (عبد الله الدملوجي) واصبح مسؤولا عن تنفيذ تلك الاتفاقية عن الجانب العراقي [2]. اما (ناجي الأصيل) وزير الخارجية عام 1937 فقد ذهب الى ايران، للتفاوض بشأن الحدود وشط العرب، وقيل انه تساهل في ذلك [3].

عمل الملك فيصل الأول منذ ان تولى عرش العراق على المحافظة على انشاء تحالف بين رجال السياسة والمال والدين حتى وان كان ذلك على حساب مصالح الشعب فنراه يكتب عام 1933 إلى مساعديه مذكرة يقول فيها: “يجب أن لا يحس الشيوخ والأغوات بأن قصد الحكومة محوهم، بل بقدر ما تسمح لنا الظروف يجب أن نطمئنهم على معيشتهم ورفاههم”.

انطلاقا من هذه النظرة فقد عمد الملك فيصل الى توجيه عنايته الى ثلاثة فئات الأولى فئة الضباط الشريفيين الذي جاؤا معه من سوريا بعد ان قاتلوا معه خلال الحرب العالمية الأولى وفئة التجار وفئة ملاك الأراضي والذين غالبا ماكانوا من الذين استفادوا من عملهم مع الدولة العثمانية للاستيلاء على الأراضي الاميرية مثل عائلة رئيس بلدية الكاظمية على العهد العثماني، والذي تملك من خلال منصبه مساحات شاسعة من الأراضي حول بغداد القديمة واصبح أولاده من أعيان العهد الملكي في العراق، وتسلّموا مناصب عدة .

من المعروف ان الملك فيصل الأول عندما وصل الى بغداد كان لايملك متر واحد في العراق وقد وصلت املاكه عند حصر ارثه بعد 12 عاما: (3987) دونم في منطقة الوزيرية، (16984) دونم، في منطقة الحارثية.(95919) دونم في خانقين، (9517) دونم في بنجوين، (78) دونم في سرسنك بالإضافة الى مزرعة البان تبلغ مساحتها 8000 هكتار من أملاك الدولة . اما الملك فيصل الثاني فكان يمتلك (27821)دونم في منطقة شاوي (5) قطع صغيرة داخل مدينة النعمانية التابعة لمحافظة الكوت وكان يمتلك في مدينة نيويورك فقط مبلغ 124 الف دولار مودعة في (فيرست ناشيونال سيتي ترست كومياني) وتملك الاسرة المالكة أسهماً في الشركات المساهمة وذات المسؤولية منها السمنت العراقية، الجص العراقية، الغزل والنسيج، مواد البناء العراقية، سمن الفرات، تجارة وحلج الاقطان، والدخان الاهلية والزيوت النباتية وشركة محمود التجارية وكان للعائلة المالكة استثمارات في شركة (المنصور لسباق الخيل) [4] .

بالنسبة للضباط الشريفيين الذين وصلوا الى العراق وهم لايملكون سوى رواتبهم التي يتقاضوها من الدولة فقد انفتحت شهيتهم لتملك الأراضي الاميرية مستغلين مواقعهم وتاثيرهم في الدولة الحديثة فنى على سبيل المثال ان احد الضباط الذين يضرب المثل في نزاهتهم وهو (جعفر العسكري) يستحوذ على مناطق واسعة من منطقة "العطيفية" أرقى مناطق بغداد من دون وجه قانوني.. حتى إن السفير البريطاني في العراق رفع مذكرة الى الملك فيصل الأول يشير فيها.. إن جعفر العسكري استحوذ على هذه الأراضي من دون سند قانوني.. وحتى لم يدفع الرسوم البسيطة لتسجيلها.. الملك فيصل الأول يعلم بالموضوع.. لكن لم يتخذ أي قرار ولا حتى يطلب من العسكري دفع الرسم على الأراضي الحكومية التي تباع وقد كان مايلملكه ورثة جعفر العسكري عام 1958 حوالي 7685 دونم[5] . كما ان (توفيق السويدي) احد رؤساء الوزراء في العهد الملكي في كتابه مذكراتي يقول " جعفر العسكري قد وضع يده على شواطيء واسعه في المجيدية وهي تعود للدولة فاخذها بلا بدل وبعد ان وزع منها ما وزع على أصدقائه احتفظ بقسم كبير منها " [6]. وقد قام جعفر العسكري مع بعض مقربيه منهم تحسين العسكري وعلى رضا العسكري والدكتور انور القيماقجي الذي اشترى احدى القطع العائدة لجعفر العسكري بدفع مبالغ رمزية مقدارها سبع آنات عن المتر الواحد والآنه هي جزء من ستة عشر جزءاً من الروبية الهندية بل انها تساوي أربعة فلوس .

اما (ياسين الهاشمي رئيس الوزراء الذي كان يحلوا لدعاة القومية العربية تسميته (بسمارك العرب) فيقول عنه ناجي شوكت " كان -ياسين – واحد من أربعة اشخاص يعتبرون مسؤولين عن بذر بذور الاقطاع في العراق اما الثلاثة الاخرون فكانوا حكمت سليمان ورشيد عالي ورستم حيدر . فكان لياسين شراكة مع (علي الكريم) احد رؤساء القبائل في سامراء في مقاطعة (مكيشيفة)، وكانت لحكمت سليمان أراض زراعية تمتد من ساحل دجلة الايسر في محلة الصليخ حتى نهر ديالى جنوبا تقرب من 17 الف دونما اما رشيد عالي فكان له أراضي مقاطعة شادي بناحية النعمانية في لواء الكوت يشاركه بالاتفاق عليها التاجر السوري المعروف جورج عابديني وجميع هذه الأراضي اميرية في الأصل " [7]. كانت أحد الانتهاكات المفضوحة لحكومة الهاشمي هو منح اللزمة وتوزيع الأراضي، هذا إضافة إلى أن رئيس الوزراء وحاشيته منحوا أنفسهم أفضل الأراضي السكنية. فياسين أصبح يملك عدة مزارع في مناطق تمتد من تكريت شمالاً وحتى الكوت جنوباً. وكل وزير، وكل صديق متنفذ لوزير، وأغلب رؤساء العشائر المتنفذة، أصبحوا أغنياء بسوء استخدام قانون الأراضي الذي شرع قبل استلام الهاشمي للسلطة . بالنسبة لرشيد عالي الكيلاني الذي قاد حركة 1941 فقد استغل وجود ثغرات في قانون العقارات والأراضي الأميرية ليستحوذ على مزارع وارضي زراعية شاسعة في عدة محافظات.. إضافة الى استحواذه على مناطق راقية في بغداد والأعظمية.. وقد ثبتها المؤرخ عبد الرزاق الحسني في كتابه "تاريخ الوزارات العراقية".. ولم يستطع نوري السعيد رئيس الوزراء من إعادتها الى الدولة.. بعد فشل حركة رشيد علي الكيلاني في العام 1941 لان الكيلاني استطاع تسجيلها بشكل أصولي مستغلا منصبه. وقد بلغت املاكه التي تم حصرها عام 1958 حوالي 2458 دونم في بغداد فقط [8]. وبذل الكيلاني عظيم الاهتـمام بتـحسين اوضاعـه المالية. وحاول الانتصاف لنفسه ولاسرته من (عبـدالرحمن النقيب) بشخص ورثته لحرمـانهم من نصيـبهم من الوقف. فـانتهـز فرصـة إسناد وكـالة وزارة العدليـة اليه في اوائـل العام 1936 لينتـزع بشكل ابتزازي وبالتهديد ايجارات وايرادات من مـسـتأجري مـسـقفات الاوقاف القادرية على مرقـد الامام ومساجده. وقد بات عمله هذا حديث المجالس البغدادية ودوائرها السيـاسية والدينية كما وصـفه الحسني في تاريخه. لم يقف بالأمر عند هذا الحـد فقد قام بإصدار قـرار تولية جديد لتلك الأوقاف يقضي بتجزئة التولية بينه وبين المتولي الأصيـل وهو عـمل مخالف للاصول سابقة له في تاريخ الوقف واستمر في استلام عائدات الوقف حتى سقطت وزارته وخرج من العراق. واسـتخدمت حكومة انقلاب (بكر صدقي) هذه الفضـيحة خير استـغلال وشـهـرت به واسرع (حكمت سليمان) بالغـاء قـرار التولية فور استلامه السلطة[9] . 

وكنت ملكية رؤوساء وزارات العراق عام 1958 بلغت، توفيق السويدي 8704 دونم في بغداد، وورثة حمدي الباججي 34337 دونم في بغداد و مزاحم الباججي 1941 دونم وعلي جودت الايوبي 6366 في بغداد بالإضافة الى امتلاكه 90000 مت في منطقة ام العظام في منطقة كراجدة مريم [10]، جميل المدفعي 3976 دونم في ديالى ومصطفى العمري 12732 دونم في الموصل وعبد الوهاب مرجان 9170 دونم في الحلة وورثت سراب ابنة احمد مختار بابان من ابيها 3958 دونم في كركوك وكان صباح ابن نوري السعيد يمتلك 9294 دونم [11]. اما المحسوبية فقد انتشرت بين العوائل الحاكمة فقد ارتبطت بعض العوائل فيما بينها بعلاقات مصاهرة وقرابة وتقاسمت المراكز الحساسة في الدولة.

بلغ الفساد خلال العهد الملكي درجة ان ناظم الزهاوي رئيس تحرير جريدة «السياسة» الصادرة يوم الاثنين الثاني من حزيران عام 1947 مقالا افتتاحيا بعنوان (فساد الجهاز الحكومي) " استهله بالقول (الخطير) ان الفساد في مفاصل الدولة آنذك «باعد الشقّة بين الشعب والحكومة كل البعد، وعمل على ازالة الثقة بينهما، هذه الثقة التي هي اشد الضرورات لاقامة مجتمع مدني» ولاحظ ايضا (انتباه- من الكاتب) «ان اعمال الناس لا تُقضى في كثير من دوائر الحكومة، ولا تُسهّل، إلا عن طريق الوساطات والشفاعات او عن طرق الرشوة وسوء الاستعمال، وقد اصبح، من الواضح ايضا، ان كثيراً من مطالب المتنفذين تُقضى بيسر وسهولة، وإن كانت بطرق شاذة مخالفة للقوانين " وجاء في المقال " لقد جرت العادة ان تطبق القوانين الانضباطية على صغار الموظفين ويُعفى منها كبارهم… فاذا قامت ضجة على دائرة من الدوائر، القيت مسؤولية التقصير او سوء الاستعمال على بضع كتبة او موظفين صغار يعاقبون بالفصل وغير الفصل من العقوبات الانضباطية، ولا يُسأل بعد ذلك عما ضاع من اموال الدولة واموال الناس" .

وقد وصل الفساد الى أجهزة الجيش والشرطة فيذكر عثمان كامل حداد سكرتير المفتي امين الحسيني الاب الروحي لحركة رشيد عالي الكيلاني وقائدها الحقيقي عن محمود سلمان قائد سلاح الجو وبحسب ما ورد في كتاب (حركة رشيد عالي) بان زملائه، أي زملاء محمود سلمان، اتهموه بانه قد جرد سلاح الجو العراقي من احسن الطيارين لأغراض شخصية وانه اعتمد المحسوبيه في تكوين سلاح الجو [12].  كذلك يذكر عثمان الحداد في كتابه ان العقيد كامل شبيب اختفى في اول أسبوع من القتال عام 1941 ولم يذهب الى ميدان القتال وانه لم يكتفي بانهيار اعصابه بل اثر على رئيس الأركان صلاح الدين الصباغ الذي انهارت اعصابه أيضا [13]. وكان علي حجازي مدير الشرطة العام يضع مراكز الشرطة بالمزايدة.. ويمنحها لأكثر الدافعين من المفوضين والمعاونين [14]. ـ عندما كان الجيش العراقي يقاتل إسرائيل العام ١٩٤٨.. كان عدد من المسؤولين العراقيين وأقاربهم يهربون البنزين الى إسرائيل [15].

ينقل عن حــديث لعــبـدالـرزاق الشـيــخلي سـكرتيـر وزارة الـعـدليــة والنائب فـيما بعـد: حدثني قـال «كنا نحن الشبـاب مغـرورين (برشيـد عالي) فـالتففـنا حوله وسرنا فـي ركابه حتى ظهـر لنا بعد ذلك بوجهـه الصحيح. اذ وجدناه رجـلاً انانياً طامعـاً يستسيغ كـل عمل في سبيل تحـقيق مرامـيه الشخـصية. وكـان استيلاؤه عـلى الاراضي الزراعية وقـبضه على توليـة الاوقاف القادرية من السـيد (عـاصـم) نقـيب الاشــراف. واشـتـراكــه مع (جـورج عــابدين) اللبنانـي في مـحـاولـتـه الســيطرة على التــجـارة العراقيـة مع اليابانõ من مقدمة اسبـاب معارضة [حكمت سليمان ومحمد جعفر ابو التمن] وحدوث انقلاب (بكر صدقي) ولم يتعـلم درساً من منفـاه خـارج العـراق بل عـاد الى مناوراته السياسية واتفق مع عقداء الجيش بعد اعلان الحرب العالمية الـثـانيـة ١٩٣٩ لكي يستأثر بالحكم. لكنـه اصـبح اسـيـراً في قبضتهم يسيّرونه بالوعيد والتهديد حسب اهوائهم ويفرضون عليه ارادة المفتي الحاج امين الحسيني [16].

اما بعد سقوط النظام الملكي عام 1958 ووصول الزعيم عبد الكريم قاسم الى سدة الحكم فهو بالرغم من اكتسابه سمعة الرجل النزيه والنظيف اليد وقصة راتبه وماوجد في جيبه من دريهمات لاتتناسب مع رئيس وزراء العراق والحاكم الفعلي للبلاد معروفة جدا . فانه يؤخذ عليه انه صرف وقته في اعتماد التعيينات من ضباط الجيش المحسوبين عليه وانشاء المحكمة المعروفة باسم محكمة المهداوي التي سلم زمامها لابن خالته فاضل عباس المهداوي الذي حولها الى عرض فكاهي وكذلك التفرقة بين طبقات الشعب فقد وزع على فقراء العراق مساحة (150 م) مربع لكل عائلة في المدينة التي سميت في حينها مدينة الثورة ووزع على ضباط الجيش مساحة (600 م) مربع لكل ضابط وكانت نهايته عام 1963 على من اعطاهم افضل القطع الأراضي ولم يدافع عنه سوى من اعطاهم اسوء الأراضي .

وقد بداء (عبد السلام عارف) حكمه بعد الانقلابا بأول ترفيع غير نظامي في الجيش العراقي فقد رفع نفسه من رتبة عقيد الى رتبة مشير أي خمسة ترقيات مرة واحدة رغم من انه خرج متقاعدا عام 1958 برتبة عقيد . كذلك قام بتعيين شقيقه عبد الرحمن عارف كرئيس اركان الجيش وهو لم يجتاز دورة اركان كما ان عهده شهد اول عملية بيع لحدود العراق مع الكويت مقابل رشوة قبضها اركان الانقلاب من حكام دولة الكويت والتي باعوا فيها قسم من الحدود العراقية الكويتية الممتد من المطلاع الى العبدلي وقسم من ابار النفط في الرميلة مقابل مبلغ 30 مليون دينار عراقي .

ومع تسلم احمد حسن البكر السلطة عام 1968 تم اُحتكارالسلطة ومفاصلها من قبل شريحه معينه ممثلة بأقارب وانساب وحواشي العائلة المرتبطة بالبكر ويكفي ان نذكر اسم (خير الله طلفاح) ابن عمة الرئيس احمد حسن البكر وخال صدام حسين ووالد عدنان خيرالله وساجدة زوجة صدام حسين وزوج ابنته الهام خير الله طلفاح الى ابن احمد حسن البكر وطلقها منه اثناء تنحية البكر ليزوجها الى وطبان الاخ غير الشقيق لصدام حسين والذي عين محافظ لبغداد عام 1968 وقد سماه العراقيون باسم (حرامي بغداد) . إشتهر خير الله وقتها بسلب البساتين العملاقة في منطقة الدورة في بغداد من اصحابها وكذلك قطع الأراضي والبيوت المتميزة حيث يأخذها منهم عنوة بالتهديد والترغيب وبالسعر الذي يريد او بالمجان منذ الايام الأولى لتسلمه المنصب امتهن الاستحواذ على البساتين والأراضي الزراعية والمزارع الخاصة والعامة والقطع العقارية التجارية والسكنية والبيوت والمزارع والقروض الزراعية والتجارية والصناعية وتحويلها الى منح واطفائها وتتكرر العملية. كان اي بستان او ارض زراعية او مزرعة او قطعة عقار تجارية او زراعية مميزة على اكتاف الانهار او الشوارع او الأحياء الفاخرة يقوم بشرائها وتحويل ملكيتها بالقوة وان رفض صاحبها يتم ابتزازة بالقاءه بالسجن حتى تتم عمليه البيع ونقل الملكية.

كان (خير الله طلفاح) هو من زرع فكرة حكم العائلة والأسرة برأس احمد حسن البكر وكان دائما يحذره من فقدانه للحكم كما حصل ب1963 وعرض عليه خطط تسلق ابناء الاخت وابنه بحجة حمايته وان الحكم الاسرة هو اكثر حكم مستقر بالعالم. وكان ذلك ما حدث كان منصبه كمحافظ بغداد يمنحه صلاحياته تمتد الى اقضيتها و نواحيها والتي كانت تشمل سامراء وتكريت اضافة الى اقضية بغداد اليوم. اسس جمعية خير الله طلفاح لبيع وشراء الأراضي واطلق اسمها على احدى احياء الدورة حي جمعية خير الله طلفاح التي امتلكها من الدولة وباعها كقطع سكنية . ولم يقتصر الامر على خيرالله طلفاح فقصة استيلاء هيفاء احمد حسن البكر على بستان في الكرادة برقم 354/37 معروفة جدا قبل ان تقوم مجبرة بالتنازل عنه لقصي صدام حسين بمبلغ 115 مليون دينار بعد إزاحة والدها عن الحكم .

وفي عام 1976 اصدر نظام (احمد حسن البكر) قرار يمثل اكبر سرقة تعرض لها العراق في تاريخه وهو قرار مجلس قيادة الثورة باستقطاع خمسة بالمائة من كامل إيرادات العراق ووضعها في حساب سري يتصرف به احمد حسن البكر وصدام حسين فقط وبعد اجبار البكر على التقاعد استفرد صدام بإدارة هذا الرصيد واشرك معه عدنان خيرالله وحسين كامل قبل ان يتخلص منهما قتلا قبل سقوط حكمه عام 2003 .

في عام 1979 بعد ان استفرد صدام بالحكم اطلق الحرية لاقاربه بالسيطرة على مقدرات البلاد حيث قدرت وزارة الزراعة ان اجمالي مساحات الاراضي التي استولت عليها عائلة صدام حسين واعضاء في نظامه بلغت 496 ألف دونم، أما عدد المتنفعين منها فهو 1934 شخصاً، وهو انتفاع غير قانوني، وتؤكد وزارة الزراعة ان هذه الاراضي هي افضل الا راضي الزراعية العراقية واحسنها موقعاً. والقصص في ذلك كثيرة . ومن المضحك ان يدعي البعض انه لايوجد في العراق أي عقار باسم صدام حسين وهذه كلمة حق اريد بها باطل فمن المعروف ان صدام حسين قد ربط كل الشيء في العراق بشخصه فلم يكن هناك حاجة للتسجيل أي شيء في السجل العقاري لانه يعتبر العراق بارضه وسكانه ملك له ولعائلته .

عندما نذكر تلك القصص عن فساد حكام العراق منذ عام 1921 لغاية اليوم فليس القصد تبرئة الفاسدين الذي تولوا زمام الأمور بعد عام 2003 ولكنه لبيان حقيقة ان أصول الفساد ضاربة في جذور الدولة العراقية منذ تاسيسها عام 1921 وان اصلاح الأمور يتطلب إعادة بناء أساسي من الجذور لاصلاح الاساسات وعدم الاكتفاء بمكافحة الفساد على الاعلام فقط .

 

زهير جمعة المالكي

...........................

[1] مير بصري، اعلام السياسة في العراق الحديث، الجزء الثاني، ص 26 .

[2] مير بصري، اعلام السياسة في العراق الحديث، الجزء الثاني، ص 64 .

[3] مير بصري، اعلام السياسة في العراق الحديث، الجزء الثاني، ص 86 .

[4] حنا بطاطو، العراق الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني الى العهد الجمهوري، الكتاب الأول، ترجمة عفيف الرزاز، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت 1995، ص 392.

[5] حنا بطاطو، العراق الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني الى العهد الجمهوري، الكتاب الأول، ترجمة عفيف الرزاز، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت 1995، ص 394 .

[6] توفيق السويدي، مذكراتي نصف قرن من تاريخ العراق والقضية العربية، ص 31 .

[7] ناجي شوكت، سيرة وذكريات: ثمانين عاما (مذكرات ناجي شوكت رئيس الوزراء العراقي الأسبق في العهد الملكي)، الجزء الأول، ص 274 -275 .

 [8] حنا بطاطو، العراق الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني الى العهد الجمهوري، الكتاب الأول، ترجمة عفيف الرزاز، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت 1995، ص 394 .

[9] سلمـان التكريتي [الوصي عـبـدالاله ابن علي يبـحث عن عـرش: ص 15 .

[10] حنا بطاطو، العراق الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني الى العهد الجمهوري، الكتاب الأول، ترجمة عفيف الرزاز، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت 1995، ص 393 .

[11] حنا بطاطو، العراق الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني الى العهد الجمهوري، الكتاب الأول، ترجمة عفيف الرزاز، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت 1995، ص 394 .

[12] عثمان كمال الحداد، حركة رشيد عالي الكيلاني سنة 1941، المكتبة العصرية، صيدا، ص 113 .

[13] عثمان كمال الحداد، حركة رشيد عالي الكيلاني سنة 1941، المكتبة العصرية، صيدا، ص 115 .

[14] عبد المجيد حسيب القيسي، التاريخ يكتب غدا، دار الحكمة، 1993، ص 535 .

[15] رفائيل بطي، ذاكرة عراقية، الجزء الثاني، دار المدى للطباعة والنشر والتوزيع، 2000، ص 140 .

[16] مـير بصـري: أعـلام الســيـاســة في العــراق الحــديث ص 186 .

 

 

محمود محمد عليتعد إشكالية مياه النيل واحدة من أهم وأبرز قضايا الأمن القومي التي تواجه مصر، وهي قصية متشابكة ذات أبعاد متعددة، ومنها البعد المادي، حيث إن الحصة المائية الثابتة المقررة لمصر والمحددة بـ 55.5 مليار م3 لم تعد تتوافق وحجم الزيادة السكانية المطردة بمصر ما أدي إلي انخفاض نصيب الفرد المصري سنويا لأقل من 700 م3 ؛ أي أقل من حد الفقر المائي المتعارف عليه عالمياً بألف م3، ولما كانت حل هذه القضية المركبة مرتبطاً إلي حد كبير بوعي الجمهور العام والقيادات السياسية لها ولأبعادها المتباينة، ولما للإعلام من دور حاسم في تشكيل هذا الوعي، ومن خلال معايشتي للواقع في هذه اللحظة فقد لاحظت تصاعد في أزمة مياه النيل .

ونظراً لما يتعرض له نهر النيل من قبل إثيوبيا في الآونة الأخيرة من مشكلات وصراعات بين دوله نتيجة لقيام بعض دول المنابع ببعض المشروعات التي من شأنها التأثير سلبا علي حصة مصر المائية، فقد أصبح هناك ضرورة لمواجهة هذا الخطر، ولا بد أن تتكاتف القوي السياسية الخارجية لتأمين وصول المياه إلي أراضيها، وعلي قوي الشعب الحفاظ علي كمية المياه الواردة  إليها، وفي ظل هذه الظروف والمعطيات، أصبح من الواضح أننا مقبلون علي صراع طويل سوف يستغرق وقتاً وجهداً، ويحتاج أيضا إلي حشد طاقات الدولة وراء أهداف محددة تنطلق من رؤية استراتيجية واضحة، بما في ذلك للأدوات والوسائل المناسبة لتنفيذ هذه الرؤية، ومن المعروف أن الخطوة الأولي تتمثل في أن نعرف أين نقف الآن؟ .. وما هي التهديدات المحتملة ؟..  وما هي البدائل المتوافرة لمواجهتها أو لتجاوزها أو حتي التعايش معها؟.

وهنا أقول بأنه في يوم الثلاثاء الماضي وصل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مؤتمر هيئة قناة السويس؛ لتفقد مركز التدريب البحري والمحاكاة التابع للهيئة بالإسماعيلية، بحضور الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، والفريق أول محمد زكي، القائد العام للقوات المسلحة، والفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس.

وخلال تواجده بقناة السويس، أجرى الرئيس السيسي مؤتمرًا صحفيًا أجاب فيه على تساؤلات الصحفيين كافة المتعلقة بعملية تعويم السفينة الجانحة والتأثير على قناة السويس ومشروعات الدولة القومية، إضافة إلى ملف سد النهضة.

واستهل الرئيس السيسي حديثه عن ملف المياه، قائلًا :" إن أحدا لا يستطيع المساس بحق مصر في مياه النيل، محذرا من أن المساس بها "خط أحمر" وسيكون له تأثير على استقرار المنطقة بكاملها؛ وقال السيسي: "نحن لا نهدد أحداً ولكن لا يستطيع أحد أخذ نقطة مياه من مصر (..) وإلا ستشهد المنطقة حالة عدم استقرار لا يتخيلها أحد"، مشيراً إلى أنه "لا يتصور أحد أنه بعيد عن قدرتنا (..) مياه مصر لا مساس بها والمساس بها خط أحمر وسيكون رد فعلنا حال المساس بها أمر سيؤثر على استقرار المنطقة بالكامل".

وأضاف السيسي في تصريحاته على هامش زيارته لقناة السويس: "لا أحد يستطيع أن يأخذ قطرة ماء من مياه مصر، ومن يريد أن يحاول فليحاول وستكون هناك حالة من عدم الاستقرار في المنطقة بكاملها ولا أحد بعيد عن قوتنا.. وأشار السيسي إلى أنه لا يهدد أحدا بتصريحاته، مؤكدا أن "العمل العدائي أمر قبيح وله تأثيرات طويلة لا تنساها الشعوب.

وأضاف السيسي: "أنا مبهددش حد (أنا لا أهدد أحداً) وعمرنا ما هددنا وحوارنا رشيد جدا ولكن لن يستطيع أحد سلب نقطة  مياه من مصر"، مشدداً على أن "التفاوض هو خيارنا الذي بدأنا به والعمل العدائي قبيح وله تأثيرات تمتد لسنوات طويلة لأن الشعوب لا تنسى ذلك"؛ وتصريحات السيسي جاءت خلال مؤتمر صحافي عقد بمركز تابع لهيئة قناة السويس بمحافظة الاسماعيلية غداة تعويم سفينة الحاويات الضخمة التي أغلقت المجرى المائي لستة أيام.

وفى التوقيت والمكان، تظل كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسى فى قناة السويس، أمام العالم والمصريين، هى الأقوى خلال الشهور الماضية.. الكلمة موجزة ومركزة وتحمل رسائل للداخل والخارج، تحمل السلام والتفاهم ولا تتجاهل حقوق مصر فى النهر والأرض.

وقبل أسبوع، أكد  السيسي، على ضرورة السعي للتوصل "في أقرب وقت ممكن"، إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم عملية ملء وتشغيل سد النهضة، "بعيدا عن أي منهج أحادي يسعى إلى فرض الأمر الواقع وتجاهل الحقوق الأساسية للشعوب.

وقد أتت تصريحات السيسي بعد أن قال المتحدث الرسمي باسم الخارجية الإثيوبية دينا مفتي إن بلاده أبلغت المبعوث الأميركي للسودان، دونالد بوث، بمضي إثيوبيا في عملية الملء الثاني لسد النهضة وإنها جزء من عملية بناء سد النهضة.

كما أن تصريحات السيسي بلا شك تعد هي الأقوي، والأكثر حدة، والأعلي نبرة منذ بدأت أزمة سد النهضة مع إثيوبيا، وهي تأتي بالتزامن مع إعلان أديس أبابا بالمضي قدماً في عملية الملء الثاني في كل الأحوال.

اللهجة الحادة والمبشرة والتي بدأت واضحة في تصريحات السيسي، كانت حاسمة في التحذير من المساس بمياه مصر .

الرئيس المصري ذهب في حديثه إلي أبعد نقطة، وهي ما حذر منه في حالة عدم استقرار لا يتخيلها أحد، وسيتردد صداها في المنطقة، مؤكدا علي أن ذراع مصر التي وصفها بالطويلة، فهل هي قطع لحبل الحوار والود مع أديس أبابا؟ .. أم أن السيسي يلوح بالعصي، وإن كان ذلك لا يعني عملاً عسكرياً بالضرورة ضد السد .

والسؤال الآن: ما هي الخيارات العسكرية إن كانت مطروحة أصلاً ؟ .. وما هي خيارات مصر الآن لا سيما وأن إثيوبيا حسمت قرارها، وأبلغت المبعوث الأمريكي للسودان بمضيها في عملية الملء الثاني لسد النهضة وإنهاء جزءً من عملية بنائه؟.

في الحقية طبعا فإن الفقرة الخاصة بأزمة السد الأثيوبي، لأن الفقرة الذي ذكرها السيسي أمس حملت معاني ودلالات وأبعاد كثيرة للداخل وللخارج .. في الداخل فإنه لا يخفي بأنه كان يوجد نوع من القلق والتوتر في الرأي العام، وهذا كان ناتجا عن أن اللهجة الإثيوبية حادة للغاية، وتتجاوز الأعراف الدبلوماسية، وتدخل في مراحل من الوقاحة والتجاوز، في مقابل لهجة مصرية هادئة تماما، تتحدث طوال الوقت عن التعامل والتفاوض والأمور السلمية والقانونية، فالبعض كان يستفز من هذا الوضع .

بالأمس في خطاب الرئيس كان واضحا بعد الإصرار الإثيوبي والمتعنت، والمتكرر، بأن الملء الثاني سيتم، وأنه لا دخل لمصر والسودان بهذا بغض النظر عن أي اتفاق، أو ليس هناك اتفاق، والملء الثاني كانت له معاني ودلالات كثيرة، لأنه لو تم الملء الثاني بشكل أحادي، معناه أنه لا توجد أي تسوية سياسية، ولا إلزام لأثيوبيا بأي شئ، وأنه هذه تمثل الخطوة الأولي الأساسية لفرض الهيمنة وتحويلها إلي أمر واقع .

ولذلك وجدنا السيسي في اليومين الماضيين رد علي هذا رسالة متعددة الاتجاهات، أولا ً : مصر لن تفرط في نقطة ماء واحدة، وأن هذا هو الخط الأحمر الثاني الذي وضعه السيسي بعد الخط الأحمر الذي وضعه في ليبيا، ورأينا نتائجه التي ترتبت عليه في الدولة الليبية، واعتدال المسار كلة وبدء الآن رحيل المرتزقة وبدء استقرار ليبيا، وصلات مصر الوثيقة مع دخول الأطراف ودفعها للعملية السلمية .

الآن يوجد خط أحمر ثاني فيما يتعلق بحقوق مصر المائية، وأرفق هذا الخط الأحمر، بتنبيه أي انتبهوا، لكنه في ذات الوقت وجه إنذار أنه لو تم تجاوز هذا الخط ستكون العواقب وخيمة، وقد ذكر سعادة الرئيس السيسي بالحرف ستكون هناك حالة عدم استقرار لن يستطيع أن يتخيلها أحد، وهذا الكلام عندما يصدر من السيد الرئيس السيسي والذي تعودنا أن يصدر كلامه بميزان الذهب، أن مصر ستلجأ للحل العسكري في حالة  الملء الثاني، وفي نفس الوقت أكد أننا لا نهدد، وأن مصر حريصة فقط علي حقوقنا، وأننا نقاتل ونحارب من أجل التفاوض، ونأمل وما زلنا لدينا أمل أن يتم التوصل إلي اتفاق ملزم قبل الملء الثاني، وإلا فعلي إثيوبيا ألا تلومن إلا نفسها .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط