جوهرُ السلوك الاجتماعي ليس أداةً وظيفيةً محصورة في التعليمات المُسْبَقَة أو الأفعال الارتجالية، وإنما هو سُلطة مركزية تتحكَّم بالظواهر الثقافية والمفاهيم السياسية والبناء الاقتصادي،وعملية التحكُّم تَؤُول - بفِعل إفرازات العقل الجَمْعي - إلى تفاعلات رمزية في عُمق الشعور والوَعْي اللغوي، تُساهم في توظيف الأفكار الإبداعية لفهم أنساق الهَيمنة في المجتمع، وتحويل تفاصيل الحياة اليومية إلى تجارب عقلانية، يُمكن تعميمها في كُل زمان ومكان . والمُمارَسة الحياتية لا تتحوَّل إلى مُمارَسة عقلانية، إلا إذا تَمَّ تشييد الواقع المُعاش على قاعدة (الشعور / اللغة)، فالشعورُ هو النسق الداخلي الذي يضمن لقاءَ الإنسان بإنسانيته، واللغة هي النسق الخارجي الذي يضمن تحويلَ الرموز الذهنية إلى أفعال واقعية . وبين الشعور واللغة تُولَد عوالم روحية وتركيبات مادية، مِن شأنها حِفظ توازن الإنسان، وصناعة السلام في أعماقه، وتحقيق المصالحة بين الإنسان وذاته، وبين الإنسان ومُجتمعه .

2

القيودُ التي تَفرضها الضغوطُ الاجتماعية على أنساق الشعور الإنساني، يُمكن تفكيكها عبر تحويل المسارات التاريخية إلى ظواهر ثقافية، وذلك بأخذ الدروس والعِبَر مِن الماضي، وإحالتها إلى فلسفة إنسانية قائمة على الأسباب والنتائج، ومُندمجة في طبيعة البُنى الاجتماعية، وقادرة على اقتحام بمستقبل بثقة وجُرأة . وإذا نجح المجتمعُ في تحويل الأحداث التاريخية المحصورة في الزمان والمُحَاصَرَة بالمكان، إلى أفكار ومبادئ وقِيَم عابرة للحدود، وصالحة لكل زمان ومكان،فإنَّ أنظمة اجتماعية جديدة ستنشأ، تمتاز بالاستمرارية، وتمتلك قُوَّةَ الدفع الذاتية لتكريس مفهوم الصَّيرورة (انتقال الحالة التاريخية إلى ظاهرة ثقافية) في المجتمع، لأن الأفكار خالدة لا تموت، والثقافة باقية، لا يُمكن دفنها في اللحظة الآنِيَّة، أو نسيانها في المواقف العابرة التي انتهت صلاحيتها . إن الثقافة قائمة على الرموز والإشارات والطموحات والتفاعلات العقلانية والإفرازات الواقعية، وهذا سِر قُوَّتها وارتباطها الوثيق بوجود الإنسان ظاهرًا وباطنًا . والإنسانُ لا يَستطيع إيجادَ صَوته الخاص في ضجيج الحياة، ولا يَقْدِر على حَجز مَقعد في قطار التاريخ، إلا إذا استطاعَ تحويل التاريخ إلى ثقافة ووَعْي بالثقافة، وبذلك يُعيد ترتيبَ الفَوضى في الأنساق الحياتية، ويُسيطر على الشكل والمضمون في اختلاط الأزمنة وزَحمة الأمكنة .

3

إحساسُ الإنسان بطبيعة ذاته وخصائص مُجتمعه، وإحساسُ المجتمع بدَوره المركزي في عملية صناعة الفِعل الاجتماعي، يُجسِّدان المعنى الحضاريَّ بكُل أبعاده . والمعنى لا يتكرَّس كمفهوم وجودي في الذهنِ والواقعِ، إلا إذا جَمَعَ الإنسانُ الجُزءَ والكُلَّ ضِمن صِيغة منطقية، ومَنَعَ التناقضَ، وأزالَ عوامل التَّضاد، واجتثَّ جُذورَ الصراع. والمجتمعُ لا يُبنَى على التناقضات، لأنَّها تُحطِّم جَوْهَرَه، وتُزيل شرعيةَ وُجوده . ولا يُعقَل أن يكون الصراعُ بين التناقضات قُوَّةً دافعة للمجتمع، وسببًا في نهضته، لأن النار لا يُمكن أن تكون مصدرًا للماء . كما أن التاريخ والثقافة لا يُحكَمان بقوانين جاهزة ومُعلَّبة، وإنما يبتكران قوانينهما الخاصة، ويَشُقُّان طريقَهما أثناء السَّير، وكُل رحلة وجودية تشتمل على طريق جديد، يُعاد اكتشافه باستمرار، وهذه الصَّيرورةُ الحتمية ناتجة عن هَيمنة الفِكر على المادة، وسَيطرة الثقافة على التاريخ، وأسبقية الصُّوَر الذهنية على التطبيقات الواقعية. والنهرُ يبدو كِيانًا واحدًا ذا مسارٍ واحد، ولكنه - في حقيقة الأمر - كِيانات مُتنوِّعة بسبب جَرَيَان المياه باستمرار، وتغيُّر ماهيتها، وكأن النهر يُغيِّر جِلْدَه باستمرار، ويَبدأ مِن نهايته، ويُولَد مِن نَفْسِه، ويصير كائنًا جديدًا، كما أنَّ النَّهر يشتمل على روافد مُتعدِّدة، وهذا يعني وجود عِدَّة مسارات . وكما أن النهر لا يُمكن السيطرة عليه إلا ببناء السدود، كذلك التاريخ،لا يُمكن السيطرة عليه إلا ببناء الأفكار. وكما أن النهر المُتدفِّق يُمكن تحويله إلى بُحَيرة تحت السيطرة باستخدام السدود، كذلك التاريخ المُندفع يُمكن تحويله إلى ظاهرة ثقافية تحت السيطرة باستخدام الأفكار .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

محمد بنيعيشأولا: مصادرة الأمور العلمية وإسنادها إلى غير مختصيها

قد يقف الكثير من الإسقاطيين أو ذوي الرؤية القاصرة والمحصورة عند قول النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: "إذا وسّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة"1

فلا يرون معنى لهذا التوسيد سوى في باب السياسة أو الحكم والمسؤولية الظاهرية والمدركة عموما، لكن في نظرنا أن الأخطر ما في هذا التوسيد هو من باب العلم والتعليم لأنه من خلاله تترتب جميع المسؤوليات، ومن حقله يتخرج الحاكم والمحكوم، وبحسبه يتحدد مستوى العلاقات العامة ومدى مطابقتها والتزامها بالحق أو عدم التزامها، إذ لا يوجد في العالم من نصّب على شعب أو أمة كحاكم جاهل جهلا مطبقا، بمعنى أنه لا يملك من العلوم أيها كانت شيئا يذكر، إذ لا بد وأن يكون له إلمام أو اطلاع على معلومات معينة يستطيع من خلالها أن يبرز ما يشبه الكفاءة أو توقّعها لتحمل مسؤولية ما، أما جاهل جهلا مطبقا إضافة إلى الأمية اللغوية أو المعرفية، فهذا ما لا يمكن تصوره في أية أمة أو دولة أو حتى لدى مسؤول محلي، اللهم إلا ما أخذت تفرزه وتنتجه لنا الأنظمة المدعية للديمقراطية مما يصطلح عليه بدول العالم الثالث من نماذج جاهلة جهلا مطبقا علميا وأخلاقيا، لمع نجمها بالاقتراع الأكثر جاهلية من جهلاء مثلها، فأنتج الجهل جهلا مركبا، ووسدت حينئذ المسؤولية إلى أهلها من الجهلاء، لأنهم جنسهم الذين انتخبوهم حتى أوصلوهم إلى درجة من درجات المسؤولية العامة بحسب طموح هؤلاء الجهلاء المنتخبين وبحسب غباوة منتخبيهم، فتحقق فيهم قول الشاعر:

قــال حمــار الحكــيم يوما        لو أنصف الدهر كنت أركــــب

لأني جــاهـــل بـسـيــط           وصــاحـبـي جهــلــه مركــــب

جهلت وما تدري بأنك جاهل    ومن لي بأن تدري بأنك لا تدري

وحينما نقول بأن المسؤولية في هذه الحالة قد وسدت إلى أهلها بحسب المقياس الديموقراطي فذلك لمقتضى المناسبة بين الجهلاء، سواء الناخب أو المنتخب، المسؤول أو المسؤول عنه.أما المسؤولية الموسدة إلى غير أهلها فتكون حينئذ أن يرشّح العالم جاهلا يتحمل المسؤولية عنه، إذ هنا سيكون الصراع حادا ومحتدما بين الطرفين. لأن صحوة العلم وجذوته لا تتحمل ظلمة الجهل وظلمه، وبالتالي تقوم القيامة ويكثر الاصطدام بين أهل العلم المستنير وبين أهل الجهل المظلم المبير!

وهذا المشكل ناتج عن التأسيس العلمي الأولي للأمة، لأنه حينما ينقطع السند العلمي كما عبر عنه ابن خلدون سيغلف الجهل برداء العلم، وستوسد صفة العالمية إلى غير أهلها بعدما قبض أهل العلم كما في الحديث الشريف، ومن مظاهر هذا الانقباض هو أن يقلد أساتذة وخاصة في الجامعات ميدان التخصص بالدرجة الأولى تدريس مواد ليست من اختصاصهم ولا ميولاتهم ولا حتى من طبيعة تكوينهم اللغوي والفكري والوجداني، كما يحدث مثلا في كثير من الجامعات العربية.

ومن هنا فقد يلقن هؤلاء طلبة العلم على منهج ناقص ومحرف، وفي بعض الأحيان ساقط وسافل ومتحامل، فيكون بذلك تحريف الطلبة وغشهم في تحصيلهم وقتل طموحهم في مهدهم، وبالتالي فقد يتخرج الكثير منهم على شكل ناقص وفضيع ومعوق إعاقات متفاوتة غالبا ما تكون مزمنة لا ينفع معها العلاج مستقبلا، ولا يفضل منها إلا المتردية والنطيحة وما أكل السبع، مع العلم أن أولئك الأساتذة لا علاقة لهم بالتحصيل العلمي المتناسب مع الجامعة وتخصصاتها، وإنما هم دخلاء عينوا إما بالوساطات أو بالعصبيات والاعتبارات الذاتية والعرقية وما إلى ذلك مما لا علاقة له بالعلم وغايته الشريفة.

وبهذا فقد أصبح هيكل الجامعة في كثير من أروقتها، بعدما كانت امتدادا للجامع العتيق والتاريخي الحضاري، يميل إلى التهدم والتحول إلى مرآب للسيارات المعطلة والقاصرة عن اللحاق في السباق الجدي، إن لم نقل إلى مجمع للأشباح الفارغة من محتوياتها، وباحة للكن والاستراحة على حساب البحث العلمي والتحقيق والتفعيل في الساحة العامة والخاصة كدور جوهري لأهل العلم والتعليم!

وهذا التجمع المظلم والبطالي قد يؤدي في كثير من الأحيان إلى التكاثف ضدا على أهل التنوير والتطوير، لأن هذا النوع وما يحمله من مناهج يخيف أهل الكن والبطالة، ويزعج أصحاب الرسوم في باب الأسجاع وتكلف الفصاحة، ولهذا نجد كثيرا منهم يعترضون إذا اقترح عليهم إضافة أستاذ إلى شعبتهم، وذلك لاعتبارات لا تمت إلى العلم بصلة كما سبق وقلنا، ولا إلى الأخلاق والاعتبارات الشرعية أو المنطقية المقبولة، إذ الرفض يكون ابتداء وبغير حجة، وبدون تحري أو تمهل أو حتى استفسار عن مستوى الشخص المقترح للالتحاق بهذه الشعبة أو تلك، سواء تعلق الأمر بشعب ذات طابع ديني وتاريخي أوذات صفة أدبية وكذلك قانونية و علمية بحتة، وهذا ما كثر شيوعه وترتب عنه مشاكل وصراعات لا تليق بالعلم ورجاله . إذ المشكلة الرئيسية ليست علمية بالدرجة الأولى وإنما هي أخلاقية وسلوكية وإن كان الأصل يعود إلى النقص المبدئي في التكوين العلمي العام.

ثانيا: الجامعة العلمية بين الذاتية الانتخابية والتكتلات الحزبية والمذهبية

ومن هنا فقد لوحظ أن هذه المؤسسات يغلب على أصحابها طابع التكتلات الحزبية أو المذهبية، أو لنقل التجمعات النفعية التي لا علاقة لها بمقتضيات الجامعة وغاياتها العلمية الموضوعية التي لا تتأثر بأهواء زيد أو عمرو، لكن هذه التكتلات قد تضيق ساحتها وتتلاشى بنفسها عند الاضطلاع بالزعامات النقابية مما يترتب عنه فشل رجال العلم والتعليم حينما لا يكادون أن يتفقوا على ما يصطلح عليه بالأرضية التوافقية عند المطالبة بحقوقهم المادية والمهنية، مما يترتب عنه اختلال في التكتلات والوقوع في مصيدة مماطلة وتسويف الحكومات المتعاقبة دون تحقيق نتيجة مرضية لحل مشاكلهم. وذلك كله راجع إلى التبعية الحزبية والسياسية من هذه الفئة أو تلك لهذا الحزب أو ذاك. وعندما تختلط السياسة الظرفية بالجهاز التعليمي حينئذ تضيع الحقوق والمصالح وتبرز الصراعات والطموحات الشخصية مما هو معلوم وما خفي كان أدهى !.

ومن هذه العقليات والبطاليات فقد يرفض تعيين أستاذ مبرز في شعبة ما رغم إلحاحه في الالتحاق بها ولأسبابه الموضوعية والشخصية المبررة لذلك، فيكون هذا الرفض لا مبرر له سوى أن فئة من الأساتذة المتكتلين هنا أو هناك قد لا يوافق مذهبيتهم مذهبيته، سواء كانت ذات صفة دينية محضة أو ذات خلفية سياسية وحزبية، مع العلم أنه ربما يكون الأستاذ المقترح أمكن علما وأغزر إنتاجا وأدق تخصصا قد يستفيد منه الطلبة والأساتذة وسمعة الكلية والجامعة بوجه ما.

وهذا الوضع الذي تردت فيه الجامعات العربية، ولربما حتى الغربية، ليس من نسج الخيال أو من دافع التحامل على فئة معينة، وإنما هو واقع معيش يعرفه الكثير من الأساتذة المقترحين ويعانون منه، حتى إن الجامعة قد أصبحت في بعض مرافقها عبارة عن حزب وملكية خاصة تتخذ فيها القرارات بحسب الأمزجة وترفض أو تقبل دون مراعاة للفئات المعطلة من المنتجة.

وهذا الوضع وما تحته من مناورات ودسائس ربما قد يصل إلى وضع سيء لا يليق بواقع العامة من الناس بله علمائهم، مما أدى إلى حصول بطالة حقيقية في كثير من الكليات والجامعات واندثرت نزاهة العلم وقدسيته، وأصبح أهل التعليم عبارة عن مجموعة أفراد تتحكم فيهم الخطابات الحزبية من خارج أسوار مؤسساتهم ويغلب عليهم الطابع الغوغائي في النقاشات والارتجال عند الاقتراحات، لأن الأمور كما سبق وقلنا قد وسدت إلى غير أهلها فأصبح الوضع كما يقول الشاعر:

يا معشر العلماء يا ملح البلد     ما يصلح الملح إذا الملح فســد

خاصة وأن علم الأخلاق يكاد يندثر أو لا يوجد له أثر، والتصوف الذي يمثل لبّ العلوم الإسلامية وروحها يحارب ويهدر معناه بإسناد تدريسه إلى من لا يفهمه ولا يستحق تناوله، ومن ثم فقد تكون الخسارة مزدوجة في بعض الجامعات لا يخفى حالها على أحد.

وهذه الخسارة قد تتمثل في ضياع العلم وتضييع الأخلاق والسلوك إضافة إلى ضياع منهج التحصيل والتوصيل، وبالتالي تخرج أفواج من الطلبة على أسوأ صورة من البطالة المركبة، وهي البطالة الفكرية والأخلاقية وأيضا البطالة المهنية وتحصيل المعاش. لأنه كما يقال "إذا قسا القلب لم تنفعه موعظة كالأرض إن سبخت لم ينفع المطر" وعند هذا يستطرد ابن عباد النفزي في شرح حكمة مناسبة لابن عطاء الله السكندري قائلا: "تنتقش نفوسهم وتتقوى صفاتها وتظهر آثار ذلك على ظواهرهم من التكالب على الدنيا والركون إلى من هي عنده من أبنائها المترفين وليس لهم ما يتوسلون به إليهم سوى علمهم فيحتالون على تحصيل إقبالهم عليهم وصرف وجوههم إليهم بالتفنن عندهم بأنواع من الحيل ولا يسلمون في ذلك من الرياء والتصنع والنفاق والدهان، ويجرهم ذلك إلى أنواع من المحظورات وضروب من العصيان مع ما يحل بهم في ذلك من الذل والهوان، فإذا قالوا ذلك أو بعضه حصل لهم مقصود نفوسهم وتمكنوا من جميع حظوظهم، فخرجوا من الحرية إلى استعباد الأغيار، واستبدلوا بالجهل النافع العلم الضار، وقد قال الفضيل بن عياض رضي الله عنه: لو أن أهل العلم أكرموا أنفسهم وشحوا على دينهم وأعزوا العلم وصانوه وأنزلوه حيث أنزله الله لخضعت لهم رقاب الجبابرة وانقاد لهم الناس وكانوا لهم تبعا وعز الإسلام وأهله، ولكنهم أذلوا أنفسهم ولم يبالوا بما نقص من دينهم إذا سلمت لهم دنياهم فبذلوا علمهم لأبناء الدنيا ليصيبوا بذلك ما في أيدي الناس، فذلوا وهانوا على الناس، ولله در الشاعر رحمه الله حيث يقول:

يقولون لي فيك انقباض وإنـما      رأوا رجلا عن موقف الذل أحجـما

إذا قـيل هذا مورد قلت قـد أرى    ولكن نفس الحر تحتمل الظمـا

ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي   لأخـدم من لاقـــيت إلا لأُخدمــــا

أأغرســه عــزا وأجنــيه ذلــــة     إذا فاتبـاع الجهل قد كـــان أحزمـا

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم    ولو عظموه في النــفـوس لعظما

ولكن أهانـوه فهانوا ودنسـوا    محيـاه بالأطمـاع حتـى تجـهمــــا.2

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

...........................

1- جزء من حديث رواه البخاري في كتاب العلم حول تضييع الأمانة.

2- ابن عباد النفزي: شرح الحكم – مكتبة أحمد بن نبهان وأولاده ج 2 ص 53-54.

 

 

صادق السامرائيالأصولية تبدو وكأنها حاجة نفسية فاعلة في الأعماق البشرية، ولهذا ينجذب إليها خلق كثير، ويعبرون عن أسسها ومنطلقاتها بإندفاعية مروعة.

فلا يمكن تفسير السلوك الأصولي على أنه بسبب الخطاب الأصولي وحسب، فليس كل خطاب له أتباعه، فهناك إستعدادات كامنة في النفس تؤهل المتلقي للإنتماء والتعبير عمّا يراه ويسمعه.

فالإنتماء الأصولي نفسي عاطفي إنفعالي إندفاعي آني وشديد التمكن والإمتلاك، مما يعني أن الأصولي سيكون صلبا ومندفعا  نحو هدفه كالإطلاقة، فلا يرى ولا يسمع ولا يلتفت لأية جهة، ومتوجها بقوة نحو الهدف أيا كان، ما دام يترجم أصوليته وتمسكه بما تأجج في وعيه النفسي.

فليس كل مَن يستمع للخطاب الأصولي يتخذه دليلا للقيام بما يدعو إليه، بل الذي تعتمل فيه مفردات وعناصر الأصولية، ووجد في الخطاب ما ينظمها ويوجهها ويعطيها معنى آخر، يؤهله للإنطلاق به نحو غايته المرجوة.

ولا يصح القول أن شخصا ما - مهما بلغ من قدرات الإقناع والحجة -  هو الذي أقنع الآلاف والملايين على إتباع ما يراه، لكنه تكلم بمفردات وأبجديات ما في النفوس من الكوامن والخفايا، وإمتلك الجرأة على إطلاقها والتعبير عنها، ووضع الأسس والضوابط لتحقيقها، فتلقفها الذين يعتمل فيهم ما يتوافق والخطاب الذي يسمعونه أو يقرؤونه.

وكلما إنجذب الناس إلى ذلك الخطاب، إكتسب قوة جذب إضافية، ومالوا نحوه عاطفيا لتلبية غريزة الإنتماء، خصوصا عندما تضعف مشاعر الإنتمائية عندهم.

وهذا واضح في بعض الدول، لفقدان قيم الإنتماء للوطن والمواطنة، وضعف الوطنية ومجهولية الهوية، فالغياب الإنتمائي يدفع الناس لتعويضه بإنتماءات أخرى قائمة، وذات تأثير ظاهر وفعل واضح في المجتمع.

فعندما يضعف الإنتماء الوطني يتنامى الإنتماء الأصولي، وعندما لا يجد المواطن  ما يعزّه ويحافظ على كرامته وحقوقه ورغد عيشه، فسيكون في حالة بحث عن البديل.

والأصوليات بأنواعها هي البديل في مجتمعات غيّبت الإنتماء الوطني، وألغت مفهوم الهوية الوطنية من وعي المواطن.

وهذا ما يتطابق مع الأصوليات الدينية التي لا تعترف بوطن، وتنتمي لحالة وهمية تسعى لتحقيقها وتؤمن بأنها ستسود العالم بها!!

 

د. صادق السامرائي

 

محمد عرفات حجازيأضحى العالم أجمع في حالة استعداد قُصوى لمُتابعة الحدث الأضخم: نقل المُومياوات الملكيّة من المتحف المصريّ بالتّحرير إلى المتحف القوميّ للحضارة المصريّة بالفسطاط، وذلك يوم السبت الماضي المُوافق 3/ 4/ 2021م، بما يُمثّله من إضافة فريدة للسّياحة والوعي الأثري، على المستويين: المحليّ والعالميّ.

وأمام تضارب الآراء حول الحدث: إذ يرى البعض أنّه من تداعيات سايكس بيكو: سنُخرج لهم قوميّاتهم قبل إسلامهم (الفرعونيّة؛ البابليّة؛ الآشوريّة... إلخ)؛ وتهكّم آخرون: نقل المومياوات يُثبت أنّ الإنسان في مصر غير مرتاح، حتى الموتى. بينما رأى آخرون أنّ السيسي يُكرم الأموات كما فعل مع الأحياء، وآواهم مدنًا جديدة. ووصفه البعض بالفرعون القادم من أعماق التاريخ ليتحدى أعداء مصر ويعلو بها فوق الرؤوس. فقد تساءل آخرون: ما الذي ورثناه ـ كشعب ودولة ـ من ماضينا الثقافي والحضاري الذي نحتفي به الآن؟، وما هو وزن ومكانة مصر الآن مقارنة بوزن ومكانة مصر القديمة التي نفتخر بها؟ وعلى هذا الأساس نقترح مُناقشة الموضوع من زاوية فلسفيّة. والطرح الفلسفيّ هنا لا يسعى إلى التّعقيد أو إرباك المُتلقِّي، بقدر ما يهدف الدخول لقلب الحدث؛ لأجل فهمه، ومحاولة الإجابة عن بعض التساؤلات الهامّة والملحّة من قبيل: لماذا النقل، وفي هذا التوقيت تحديدًا؟ وهل هناك رسائل كليّة للشّعب المصريّ وللعالم؟ ثمّ ما هي دلالات الإضاءة والكلمات والألوان والموسيقى وغيرها؟

لو بدأنا بتاريخ الحدث (3/ 4/ 2021م)، وبتحليله فلكيًّا، لتوصّلنا إلى الرقم (3) ـ الذي يُعدّ ذبذبة موجات طاقة الكون وسطوع نجم الشعري اليمانية، وهو رمز الميلاد الجديد في علم الفلك المصريّ، والطّاقة النُّورانيّة القُصوى في الميثولوجيا المصريّة، وبالتّالي تكون الرّسالة الفلكيّة: هناك ميلاد جديد لمصر، ميلاد روحيّ وعمليّ.

وعلى مستوى الصورة، فإنّ إضافة مشهد الأطفال المُشاركين في وداع الملوك بالتّحرير، كأحد عناصر جمال الحدث، هو مشهدٌ يمزج بين السّعادة والشجن والأمل؛ سعادةٌ بتلك الوجوه الفرحة المُتطلِّعة لمُستقبلِ أفضل، والتي تُضاعف إيماننا العميق بحقّها في حياة كريمة. وشجنٌ من عجزنا عن رسم تلك الفرحة على وجوه أطفالها. وأملٌ في أن نتكاتف جميعًا، دولةً وشعبًا، عبر مشروعِ تربويّ ثقافيّ نُعيد من خلاله توحيد شعبنا على قيمِ مشتركة، نُؤكِّد من خلالها على ضرورة العدالة الاجتماعية والاعتزاز بالقيم وبالماضي العريق، والعمل لمستقبلِ أفضل.

أيضًا، فالأطباق المُضيئة التي ظهرت في الموكب، ترمز إلى قرص الشّمس (رع) الذي يُشعّ نوره لينير الظلام. وهي ذات الرسالة التي حملها المشهد الذي ظهرت فيه الفنانة منى زكي.

ومن خلال ملابس المُمثّلات والفرق الاستعراضيّة والأوركسترا، وألوان تلك الملابس التي تأرجحت بين الأبيض والأسود، وما يحمله اللونين من دلالات؛ فقد وضع مُصمّمو الأزياء المصريّون معيارًا جديدًا لتصميم الأزياء في كافة أرجاء المعمورة.

وقد اعتمدت الإضاءة على اللونين الأبيض والأزرق. الأبيض رمز النقاء والطهارة؛ والأزرق رمز الطاقة الإيجابيّة القُصوى.

إنّ الموسيقى أعماق العالم، ومُنقذةٌ له، وهي المادة الخام للإرادة بحسب الفيلسوف شوبنهاور. هي ليست أصوات فقط، بل أيضًا لغة الألم والمُعاناة، ووميض الحقيقة الخافت عن العالم الظاهر. وقد قال الفيلسوف الألمانيّ نيتشه: إنّ الموسيقى ألغت الكلمات التي كانت تقول إنّ الوجود كان خطئًا، وأنّها أعطت أجمل المعاني لمعنى الوجود والحياة.

وقامت موسيقى الحفل على النّاي والطبل والقيثارة، فجاءت المعزوفات مُتوافقة مع تردُّدات طاقة الإنسان، ورفعت المعنويّات، وولّدت شعورًا بالسلام الداخلي والفخر. ونقلت مشاعر الجلال والرّهبة والتّقديس لنفوس المُتابعين عبر العالم.

ولو عرجنا على الكلمات، نجد بدايةً أغنية: أنا المصري اللي من غيري ميزان الدنيا يختلّ، لمحمد منير، هي رسالة واضحة بأنّ مصر هي قوى الخير المنوط بها مُواجهة قوى الشرّ. وتتوالى كلماته وتدور حول محور العلم والإيمان الذي استطاع بهما المصريّ القديم كتابة التاريخ المُعجز حتى اللحظة الراهنة.. وهي ذات الرسالة التي تمّ تأكيدها من خلال حديث العديد من الفنّانين.

لقد تمّ اختيار أنشودة المهابة لإيزيس، أم حورس ـ سيد النور، الذي واجه ست (الشيطان) وهزمه وأنهى سيطرته على الأرض، وبالتالي فهي بمثابة رسالة من الأحفاد لمواجهة قوى الظلام. ناهيك عن مشهد زيارة الفنان خالد النبوي للمعبد اليهودي، وهو يُردّد فقرات الوصايا العشر، بمثابة رسالة أخرى للعالم أجمع.

لقد تمّ نقل المومياوات إلى مقرّهم الأخير؛ ليتمّ عرضهم للزّوار بالشّكل الذي يليق بمكانتهم العظيمة، وقيمتهم، وبالطريقة العلميّة المُتطوِّرة التي تضمن سلامة الحفاظ على حالتهم الأثريّة. ليُفصح لنا الحدث عن جهود جبّارة قامت بها الدولة المصريّة خلال السنوات الماضية، من استكشاف وإنشاء وترميم العديد من المعابد والمتاحف والكنائس وغيرها، في واقعة تصنع التاريخ والمستقبل، لتضع مصر، بذلك، الحضارة والآثار على رأس أولويّاتها، مُؤكّدةً إدراكها التام لقيمة إرثها الحضاريّ الفريد والحفاظ عليه، وتعطي العالم درسًا في احترام التاريخ والحضارة.

وقد جاء الحضور النسائيّ، في الحفل، بمثابة رسالة مُباشرة، قويّة واضحة وحازمة، للعالم أجمع، تحمل الاعتزاز بالمرأة المصرية ومكانتها.

إنّ هذا المهرجان الحضاريّ رسالةٌ من قاهرة المُعِزّ إلى العالم أجمع: الدولة المصريّة مُستقرّة ولا يتحكّم فيها إلا أبناؤها، بعد أن استيقظت مصر من سُباتها العميق وتطهّرت بالفنّ الجميل في صحوة حضاريّة غير مسبوقة. وبذلك، فقد قرّرت مصر أن تأخذ مكانتها في الحداثة بأصالتها، وصنعت تاريخًا مُوازيًا لتاريخنا استخرجت منه الحكم والعبر.. إنّها مصر التي لم تحتقر المرأة، بل كانت نساؤها ملكات؛ هي مصر التي عرفت الله الواحد الأحد قبل الأديان الإبراهيمية بمئات السنين؛ هي مصر التي ينطق كل حجر فيها: هنا كان مهندس عظيم، وهنا طبيب عظيم، وهنا كان بنّاء ماهر؛ هي مصر المصريّة التي لم يعرف أهلها حياة الجاهليّة ولم يعبدوا في أيّة فترة آلهة من العجوة.. هي مصر شاء من شاء وأبى من أبى..

وأمام هذا التّنظيم المُبدع، والتّناغم الرّائع، والإطلالة البهيّة، والتّصوير المُبهر بدون إرهاق للمشاهد، والاختيار الرائع للموسيقى والأوركسترا والمطربين، وإخراج الحدث بمستوى عالمي، نقول: أمام هذا النجاح المُبهر في إخراج الموكب الذهبيّ للملوك العظام، وإعطائه طابع ملحميّ ودينيّ وفنيّ وحضاريّ يليق بعظمة وتاريخ مصر، يمكننا التأكيد على وجود دولة ذات طابع حضاريّ من الطراز الرفيع، تحمل هويّة مُميّزة، تملك مُؤسّسات قويّة راسخة، ولديها من القدرة على إثارة سعادة الأشقاء، وإثارة مخاوف، بل وبثّ الرُّعب في نفوس الأعداء..

وأخيرًا، لا يسعنا إلا اقتباس تلك الكلمات..

إنّ مصــــــر لم تنمْ.. ما انهار شعبها العظيم ما انهدم؛

ولن يـــــــــــــــزل.. مُزوّدًا بأعرق القيم مُتوّج الأمل؛

في الأرض كالهرم.. وفي السمـــــــاء للذرى وللقمم..

وباللهجة المصريّة نقول:

دي حكاية شعب وأرض وناس.. ووطن دايمًا مرفــــــوع الراس..

وهيفضل كده لما شــــــاء الله؛

دي حكاية قديــــمة بقالها سنين.. وهتفضل عايشة ليــــــــوم الدين..

اللي يقول غير كده أتحــــــداه؛

وما بين الليل والنور فيه فرق..

وفي يوم طلعت شمس من الشرق نورت الدنيا أمل وحياة..

ده تــــاريخ الناس كلها عارفاه؛

***

محمد عرفات حجازي

باحث في الفلسفة والأخلاق التطبيقية، ومؤسس اتحاد الفلاسفة العرب ـ مصر

 

عصمت نصارلم يأت الجابري بالأمر الغريب أو بالمنحى الجديد عندما زعم أن هدفه من إعادة قراءة التراث هو إعادة تشكيل العقل العربي وتخليصه من أوهام القداسة التي سق بها آليات المعرفة في الثقافة العربية الإسلامية، وكذا النظرة إلى الغرب المجافية للواقع. فقد رغب عن الكتابات التي تمجد التراث العربي، وتؤكد أن عقلية السلف قد اهتدت إلى فصل الخطاب في القضايا التي تناولتها، وأن نهجها البرهاني قد أجهز على كل مواطن الشك والارتياب في أمور الدين والدنيا، أما الوهن والضعف والتخلف فلم يصب عقل وقلب الحضارة الإسلامية إلا عقب تخليهما عن القيم والمبادئ التليدة التي كانت تقودهما صوب العلم والإيمان معاً، وتحميهما في الوقت نفسه من محاكات الأغيار والأقدام على النِحل الوافدة من الأمم التي كان يسودها ذلك الصرح الموروث الأعظم بقوته وعلمه وقيمه الروحية.

وقد أوضح الجابري مراراً وتكراراً أن الدواء الشافي من هذا الوهم هو شراب الوعي وحبوب النقد، ومن ثم ينبغي على من يرجو تقدم هذه الأمة الحرص على تعاطي هذا الدواء عوضاً عن مغيبات العقل التي لن تقوده إلا إلى المجهول وظلمة التخلف الذي آلت إليه الأمم الغابرة. أجل! إن هذه التوطئة أو ذلك المدخل الذي استهل الجابري به حديثه عن مشروعه المزعوم نجده عند قادة الاتجاه التغريبي -في الربع الأخير من القرن التاسع عشر- الذين اعتقدوا أن قراءتهم المتعجلة للكتب الصفراء قد مكنتهم من الإحاطة الكاملة بالتراث العربي وغفلوا أو تغافلوا عن أمور عدة منها أن أعينهم قد قرأت الفكر العربي الموروث من وراء نظارات غربية مضللة وأن أحكامهم جاءت وليدة مشارب ومطاعم - أعدها غلاة المستشرقين - مزورة طامسة للحقائق ومهوّنة من قيمة النفيس من التراث ومهولة من مواضع الإخفاقات والمخاذي والأخطاء التي لحقت بكراسي الحكم وحاقت بساسة المجتمعات الإسلامية في عهد أفولها وانكساره.

فصرح الجابري بأن مشروعه عقلاني برهاني قد اتخذ من النقد آلية حداثية لتنقية الركام الثقافي واستبعاد كل ما لا يصلح لإدخاله بين تروس ألته النقدية العملاقة التي صممها بنفسه وهي بطبيعة الحال محاكيه لمثيلتها من أليات النقد (الما بعد حداثية) التفكيكية المعاصرة.

وقد عاب على السابقين من المفكرين العلمانيين العرب نظرتهم للتراث على اعتباره مخلفات حضارية لثقافات غابرة وجيف وعظام لأقوام بائدة، ومن ثم يجب مقاطعته، وبيّن أن قطيعتهم المعرفية للفكر الموروث لن تحول بينه وبين التدخل في البنية الثقافة المعاصرة والأجدى من ذلك تهيئة الدين واللغة العربية لإخضاعهما لتروس تلك الألة النقدية. وذلك في كتابه "تكوين العقل العربي".

فذهب إلى أن المنتج الجديد - في مشروعه - يقضي بأن يستبعد الدين بصورته الموروثة ويستخلص منه قيم روحية فردية خاصة لا يحكمها سوى القناعات الذاتية. أمّا دون ذلك من أمور المجتمع والعلم والأخلاق والتربية والسياسة وغير ذلك من الأمور التي كان يحملها الدين التقليدي على كتفيه فقد حملها عنه العلم والتجربة الواقعية (دين علماني عقلاني عدو للشيفونية والعنف والعصبية والتعصب والراديكالية والأيديولوجية ومؤمن بالديمقراطية والعولمة والمصالح الواقعية) ويحمل على ذلك كل المعارف المتعلقة بصورة الدين التقليدي بدايةً من كتب العقيدة والفقه والتفسير، ومروراً بكتب الحديث، والسيرة وأخبار الأولياء ونهاية بكتب الشرعية وفقه الحدود والمآلات والمقاصد.

ومن أقواله في ذلك: (من مهام الفكر العربي اليوم العمل على تحويل العقيدة إلى مجرد رأي) غير أنه في مواضع أخرى من كتاباته المتأخرة (التراث والحداثة العقل السياسي العربي) نجده يعترف على استحياء أن القيم والمبادئ الإسلامية دون غيرها من التعاليم الدينية تصلح للتواجد في بنية العقل المعاصر لتكون أطاراً يحتكم إليه في أمور الحياة الدنيا بما في ذلك قضايا السياسة وذلك لأنها لا تعارض العلم ولا تحجر على حرية العقل ولا تتحكم في الإرادة الإنسانية مع التأكيد على أن جوهر العقيدة الإسلامية غنياً بذاته عن الشيوخ والمفسرين والكهنة والرقباء.

وأعتقد أن علة هذا الاضطراب أو التراجع يرجع إلى أكثر من سبب أولها: عدم تمكنه من الإحاطة بالعلوم الشرعية الشاغرة من دس وأهواء المؤرخين من جهة وأحكام المتعصبين من المستشرقين من جهة أخرى. وذلك أثناء كتابته مقدمات مشروعه.  وثانيها: تأثره بكتابات ابن خلدون التي أشارت إلى أن صحيح الدين الذي يمثله القرآن وصحيح السنة قد حاق به الكثير من الأهواء والتحقت به الكثير من المتغيرات الاجتماعية والسياسية واختلطت بمعارفه مئات العوائد والمعتقدات الفاسدة وبمرور الزمن وتقلبات الدهور ظنها الناس بأنها من صلب الدين ومن صورة الإسلام وشريعته التي أخبر عنها الرسول ونطق بها الوحي.

وثالثها: كثرة الطعون والنقود التي وجهت لمشروعه الأمر الذي دفعه إلى مراجعة بعض آرائه ونقداته تجاه التراث ولا سيما الآراء ذات الصلة منها بالدين، وهو ليس بالأمر الغريب ولا هو بالجديد - كما قلنا - فقد انتهى إليه إسماعيل مظهر (1891م -1962م) وذكي نجيب محمود (1905م-1993م) وعبدالرحمن بدوي (1917م-2002م) ومن قبلهم جميعاً شبلي شميل (1850م-1917م) وسلامة موسى (1887م-1958م) فقد استثنى كلاهما الدين الإسلامي من معوقات المدنية وأسباب تخلف الأمة العربية، وبينا أن المبادئ والقيم الإسلامية صالحة للإدراج في المشروع العلماني المعاصر وذلك لعدم التعارض بين مقاصد الإسلام وغاية العلمانية. 

واذا ما انتقلنا من الأسباب المحتملة الظاهرة إلى العلل المتوقعة الباطنة؛ فإنني أظن أنها كامنه في صرير قلمه الذي باح بالشكوك التي كان يعانيها مفكرنا المتفلسف..! فمنذ عام 1976م إلى منتصف الثمانينات قد ادرك "الجابري" أن فصل الخطاب والحقيقة البرهانية والنظريات العلمية والقواعد المنطقية وكتابات أكابر المستشرقين ومعلوماته عن التراث العربي وتصوره المثالي للكوكبة أو العولمة والديمقراطية الغربية وغير ذلك من المعارف والأفكار تحتاج هي الأخرى إلى الإدخال في ماكينة النقد والعرض على مرأة العقل.

ويعني ذلك أن مفكرنا كان يعيش في هذه الحقبة (قلق التجربة الغزالية) أو (عذابات الشك الديكارتي)، فراح يراجع كتب تاريخ العلم وفلسفة الحضارة والموسوعات التاريخية - التي تتسم بالحيادية وتنتهج المنهج الوصفي المقارن في التحرير- ثم استهوته كتابات جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وأحمد أمين وعثمان أمين والشيخ حسن الباقوري وغير ذلك من المؤلفات التي جعلته يدرك أن الفلسفات الوضعية والنظريات الدوجماطيقية وأكاذيب المؤرخين لا ينبغي الاعتماد عليها في طريق البحث عن الموضوعية العقلية والتجارب الحضارية والحكم على الثقافات التليدة والتعرف على مشخصات الهوية والمقومات التي يجب تدعيمها لبعث القومية العربية والدفاع عن وجودها وذلك لأن العالم المعاصر والعولمة الغربية لا تعترف إلا بالإحياء الإيقاظ الذين لا يقلعون بفتات موائد السادة بل يجتهدون في تعلم كيفية صناعة الخبز. 

كما أن الراجل الذي ينشر التقدم إلى الأمام لن يستطيع اللحاق بأقوام يركبون سفن الفضاء. كما أن الشاغل بتأمل الماضي للتعرف على الوافد من الخلف كالأعمى الذي أنكر وجود كل ما لا يراه ولم تلمسه يداه ولم تسمعه أذناه. ولعلّ ثمرة هذه التحول أو إن شئت قلت التطور يبدو بوضوح في كتابه (نقد العقل العربي) الذي صدر بأجزائه الأربعة بداية من1982م إلى 2001م.

(وللحديث بقية)

 

بقلم: د. عصمت نصار

 

نعيش هذهِ الايّامَ المُتَبَقِيَّةَ من شهرِ شعبانَ المُشّرَّفِ، ونحنُ على مشارفِ شهرِ رمضانَ المبارك،  الذي كَرَّمَنا اللهُ تعالى فيه وجَعلَنا ضُيوفاً عندَهُ، فهل نحنُ بمستوى هذه الضيافةِ الآلهيّةِ ؟ وهل هيأنا الاستعداداتِ التي تؤهلُنا لاستقبالِ هذا الشهرِ استقبالاً يليقُ بشرفهِ وعظمته؟ الناسُ تختلفُ في استعداداتها في استقبالِ هذا الشهر كُلٌّ حسبَ معرفتهِ.

 هل نحتاج الى استعداداتٍ مَعْرِفِيَّةٍ لنكونَ مؤهلين للضيافَةِ الآلهِيَّةِ ؟ وهل مواسمُ العبادةِ ومنها شهر رمضان تحتاج الى معرفة؟

الشيء الملفتُ للنظر في العبادة، هي انَّها تؤكِدُ على ارتباطِ الانسانِ بخالقهِ. الانسانُ العابدُ موصولٌ بخالقِهِ، والانسانُ المتمردُ على خالقه هو ذَرَّةٌ تائهة تسبح في الكون بلا بوصلة ولاوجهة تحدد السير. الانسانُ العابدُ انسانٌ عارفٌ انَّ لهُ خالقاً، وأَنَّ للوجودِ بدايةً.

 هذهِ الحاجَةُ (حاجةُ الارتباط) سمّاها المفكر الشهيد محمد باقر الصَّدر (حاجةُ الارتباط بالمطلق). هذا الحضورُ القَوِيُّ للخالقِ في حياة الانسان العابد يشكل اساسايات المعرفة، كما قال امير المؤمين عليٌّ عليه السلام: (أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ). هذا الارتباطُ الذي يتجلّى في العبادة ويتجلى في عبادة الصوم بصورة جليّةٍ واضحةٍ في وقتٍ يعيشُ الانسانُ في هذا العصرِ تحت ظلِّ فلسفاتٍ تدعوهُ الى فك الارتباط بالخالق.

نظرية (Big Bang) (الانفجار العظيم) من النظريات التي تؤكد على فك الارتباط بالخالق. نظرية الانفجار العظيم تفترض ان الكون كان في حالة حرارة شديدة الكثافة فتمدد بعد ان كان جزء واحداً عند نشأته. وحدثت لحظة الانفجار العظيم قبل 13.8 مليار سنة. هي نظريةٌ تفسر نشأة الكون بعوامل ماديّة، وحرارة شديدة وكثافة عالية وتمدد وانفصال بعد ان كان الكون جزء واحداً، دون ربط هذه الاحداث بخالقها؛ لان العلم ليس من شأنهِ ذلك. العلمُ مجاله وحقلهُ التجربة والمختبر والحسابات والمسافات والمعادلات ؛ وليس من شأنِهِ التحدث عن ماوراء ذلك

صحيح ان نظرية الانفجار العظيم تعزز من حجة المؤمنين بالله لانها تفترض بأنَّ للكون بدايةً.

وكذلك نظرية دارون في تفسير نشأة الحياة. النظرية تتحدث عن بدايات بسيطة للحياة بدأت بخلية حية ثم حدث تطور، وتطورت الانواع عن انواع سابقة وفق قانون تنازع البقاء وبقاء الاصلح. النظرية تفك الارتباط بين عملية الخلق والخالق، لانها ليس من شأنها ان تتحدث عن عوالم ماوراء المادة، والاخرج العلم عن اختصاصه وحقله.

في الصوم تأكيد لارتباط المخلوق بخالقه. وهذا بعدٌ معرفيٌّ من ابعاد الصوم، التي ينبغي للصائم معرفتها وهو يستقبل شهر رمضان المبارك.

مستويات الصوم

الناس لايصومون صوماً واحداً ؛ فهناك مستوياتٌ للصوم، قسموها الى ثلاثة مستوياتٍ:

1- صوم العوام (الصوم الفقهي): وهذا المستوى من الصوم يمارسه اغلبُ المسلمينَ، فهُم يصومونَ عن مفظراتٍ محدودةٍ ذكرها الفقهاءُ في كتبهم الفقهيّة من طلوعِ الفجرِ الى غروبِ الشمسِ. وهذا ادنى مراتبِ الصوم.

2- صوم الخواص (الصوم الاخلاقي): وهو اعلى مستوىً من الصوم الاول، وهو صومُ الجوارح، وهو: ان تصوم كل جوارح الانسان. تصوم عينُه عن الحرامِ وأُذُنُهُ عن الحرام وكلُّ جوارحه.

3-صوم خواص الخواص (الصومُ العِرفانيُّ): وهو اعلى مستوىً من الصومين السابقين، فهو ليس صوماً عن المفطرات الفقهية فحسب، وليس صوم الجوارح فقط، وانما هو صوم عن اية فكرة محرمة اوسيئة تخطر ببال الانسان.صومٌ يبتعدُ فيه الصائِمُ عن كل الخواطر الشيطانيّةِ التي تُشَوِّهُ داخلَ الانسان ونفسه.

 هذه المستوياتُ من الصوم يحددها المستوى المعرفي للصائم فبقدر المعرفة يتحدد مستوى الصوم ومستوى من يصوم.

المعرفةُ المَقاصِدِيَّةُ للصوم

هناك معرفةٌ مَقاصِدِيَّةٌ للصوم لابُدَّ منها ونحن نستقبل هذا الشهر الكريم، وأقصُدُ بالمَعْرِفَةِ المقاصديّة ان نعرفَ ماذا أراد الله منّا بايجابه الصيام علينا ؟ ماهي الحِكَم ُ؟ ماهي المقاصد؟

الله تعالى حين فرضَ علينا الصيام لابد ان تكون هناك حكم واهداف ومقاصد. معرفةُ هذهِ المقاصدِ مهمةٌ جداً في استقبالِ الشَّهرِ الكَريمِ.

 اغلبُ المسلمين يستقبلونَ الشهرَ بالاسرافِ في الاطعمةِ والاشربةِ، وتتفشى لديهم في هذا الشهر النزعةُ الاستهلاكيَّةُ مما يقضي على فلسفة الصوم ومقاصده ؛ لانَّ اللهَ تعالى أرادنا أن نصوم لحكم عالية ومقاصد سامية، ونحن جردنا الصوم من هذه الغايات والحكم والمقاصد. نحن نعوض ماصُمناه في النهار بانواع الاطعمة والاشربة. وهذا خللٌ ونقصٌ في معرفتنا المقاصدية للصوم وشهر الصيام.

المعرفة الحضورية للصوم

هناكَ مَعْرِفَةٌ حُضورِيَّةٌ في الصَّومِ لابُدَّ من الاهتمام بها ونحن نستقبل شهر الله تعالى. المعرفةُ الحصوليّةُ: هي المعرفة التي تنشأ عبر وسائط وصور، امّا المعرفة الحضورية فهي معرفة لم تنشأ عبر صورة ؛ وانما هي معرفة وجدانيّة شهودية سببها حضور نفس المعلوم لاصورته.

لاضرب لكم مثلاً لتتضح الصورة. عندنا مريضٌ يتأَلَمُ من آلامٍ شديدةٍ في معدته يذهب الى الطبيب ويشرح له حالته. المريضُ عنده نفس الالم حاضرٌ في نفسه لاصورة الالم، امّا الطبيب الذي شرح له المريضُ حالتَهُ فهو عنده صورة عن الالمِ لانفسَ الالم.

الله تعالى لم يُرِد ان يتحدث للمسلم عن الجوع عبر الوصايا والكلمات؛ لان المعرفةَ عبر الكلمات معرفةٌ صوريّةٌ. المفكرون الاشتراكيون كتبوا وتحدثوا كثيراً عن جوع الفقراء ولكن هذه المعرفة التي يتلقاها الناسُ هي معرفةٌ صُوريَّةٌ. الله سبحانه وتعالى اراد ان يدخل المسلم من خلال الصيام في شهر رمضان في معرفةٍ حضوريّةٍ شهوديّةٍ وجدانيّةٍ يعيش تجربة الجوع ليعرف حضوريّاً معنى الجوع.

هناك تفاصيل أكثر في الحديث عن الابعاد المعرفيّةِ للصيام. اكتفي بهذا القدر؛ لان هذا مايتسع له الكلام في هذا المقال المتواضع.

 

زعيم الخيرالله

 

 

عبد العزيز قريشأمام بعض الظواهر التربوية القائمة في المجتمع بما فيه المجتمع المدرسي؛ يقف العقل حائرا في مقاربتها من حيث تعقدها وتشابكها، وصعوبة تأطيرها تحت نظرية معينة سواء تربوية كانت أو نفسية أو اجتماعية أو سياسية أو إيديولوجية! فهي تنفلت عن الإمساك الإشكالي لتشييد معمارها الموضوعي لكي يسهل تحليلها ومساءلة مفرداتها علميا وعمليا. ويزيد درجة تعقيدها شدة التغيير الحاصل في المجتمع والمجتمع المدرسي على مختلف المستويات الحياتية الذي يلاحقها في الزمن المكان والأثر والتأثير! ومتطلبات هذه التغيرات من عمق في التفكير وتطور في الرؤية والمعرفة في ظل تسارع الواردات الجديدة الكثيفة من عالم التقنيات والمعلوميات والعولميات التي تغزونا بشكل تتاري ونحن منزوعو السلاح الفكري أمامها؛ قلما نفطن لشراكها وفخاخها التي تسلبنا هويتنا باسم التفاعل الحضاري أو التصادم الحضاري. تلك الواردات التي لم تعد تلائم طبيعة المؤسسة والمجتمع المحافظة افتراضا المتجهة في كثير من المسارات نحو السكون والرقود بحكم الاستقرار في الأوضاع المعروفة والمعلومة بدل الدخول في المجهول والمجازفة بالعادة المألوفة، التي اعتادها المجتمع والمجتمع المدرسي؛ علما بأن العلاقة التبادلية بينهما حاصلة رياضياتيا تأثيرا وتأثرا. لذا؛ تتولد من فكر الباحث مجموعة من الأسئلة الجوهرية التي تسائل المجتمعين معا بكثير من علامات الاستفهام حول ظروف حاضنات تلك الظواهر ومربياتها ومشغلاتها، وكيفيات مقارباتها إن قاربناها في أحسن الحالات! وأطروحاتها النظرية والعملية في تدبير تفاصيلها ومفاصلها، والخلاصات والاستنتاجات والاقتراحات فضلا عن ترصيدها وتركيمها وتوثيقها والاستفادة منها في الوضعيات المتكافئة ... أسئلة؛ الأجوبة عنها قمينة بفتح باب البحث على مصراعيه في المجتمع المدرسي والمجتمع العام مؤسسة وأفرادا، ما يوطن الفكر البحثي في المجتمعين معا من جهة أولى، ومن جهة ثانية حل إشكاليات ومشاكل تلك الظواهر، فتتطور منظومتنا التربوية من جهة ثالثة؛ ومنه يجد العلم والمعرفة الأصيلين طريقهما إلى المجتمع. فبلا مساءلة وبحث لا يكون طرح الإصلاحات التربوية أصيلا وواقعيا، ونابعا من معطى واقعي معيش. وإنما يكون واردا ورود الريح من الشمال إلى الجنوب أو صعوده من الجنوب إلى الشمال؛ فيكون مبتور الجذور والأصول، مختل السيرورة والفعل، مضطرب النتائج، خاصة في مجتمع لا يدري الوارد عليه طبيعته الاجتماعية والفكرية والثقافية والإيديولوجية والسيكولوجية ... ولا يعرف كيف تدار فيه الأمور وتدبر الملفات والقضايا، كما لا يعلم طبيعة الصراع القائمة فيه بين المؤسسات والطبقات الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية والإيديولوجية والعقائدية. وما يتضمن من حراك وصراع وتنازع خلا مسألة خبزية تحرق الأخضر واليابس في دوامة الوجود المعيشي البيولوجي؛ فيفقد الكثير من المعطيات والمعلومات والمعارف في تعاطيه مع قضاياه فضلا عن جهله بميكانيزمات دواليب الحراك الاجتماعي. وما تجارب المجتمع العام والمجتمع المدرسي عنا ببعيد. فكم من المشاريع فشلت حين أسندت ملفاتها للأجانب الذين تم استيرادهم من الخارج استيراد السلع والبضائع اعتقاد من السياسي أو التقني بنجاعة طرحه في معالجة مشاكل المجتمع المدرسي أو المجتمع العام.

مع طرح الاستيراد أو إسناد الأمور لغير الكفاءة والوعي الإنساني أو تسلط الطفيليات على المجال التربوي أو العام؛ تنزع روح الفكر والعقل والجسم والفعل والإرادة، وتقتل الأطروحات الجادة والمسؤولة، وتنتعش الأطروحات الترقيعية والتلفيقية والرؤى الراهنة غير الاستراتيجية، التي تنظر في أبعد مدى حد قدميها، وتراه مدى بعيدا! غير واعية بما تفعله بالأجيال القادمة التي توأد في المهد. وهو ما يحصل؛ حيث فقد المجتمع الثقة في مؤسسة التربية ولم يعد يعول عليها في إحداث التغيير المطلوب علميا وتقنيا وإنسانيا وحضاريا وثقافيا وسياسيا، ودخلت في أفول حضورها الفكري والعلمي والاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي والإنساني بعد عصرها الذهبي، يوم كانت تصنع العقول والإرادات والقيم، والشجاعة التي فدت خلفها بروحها ودمها ومالها، فشربت من ماء المنفى والاعتقال والتعذيب والتشريد والتهجير ما عبدت به طريق حرية التعبير والاستقلال واستقلالية الذات وعزتها وكرامتها، وضمنت به أدنى الحقوق الإنسانية في زمن الجمر والقهر والطغيان. طغيان الإنسان على الإنسان من أجل التسيد! فكانت مؤسسة التربية حينها القناة الطبيعية التي تصنع المفكرين والقادة والفلاسفة وقوادر المجتمع الذين يبنونه ويغيرونه؛ لكن حين صارت إرادة التسيد أقوى من إرادة مؤسسة التربية، وانحدرت في السلم الاجتماعي والمعرفي والثقافي والاقتصادي والفكري، وحتى في الإيديولوجيا، غدت مجرد قناة لمحو الأمية الأبجدية أو التقنية في أحسن أحوالها فضلا عن تحصيل المعيش اليومي ككل المؤسسات الإنتاجية أو التجارية أو خدمية، لا إبداع ولا خلق يرقى إلى ترقية المجتمع إلى مصاف الدول المتقدمة المبدعة التي تصنع التقدم الإنساني والحضاري والتاريخ.

مؤسسة التربية دخلت في تكرار نفسها، وفي الروتين اليومي والعادة القاتلة للخلق والإبداع والتجدد، فما كانت نجحت فيه البارحة فشلت فيه اليوم: التدريس؟! والفشل لا يمكن التستر عليه أو إنكاره إلا من جاحد أو متستر على الخطإ؛ لأنه قتل أجيالا كثيرة ما عادت تستطيع كتابة رسالة بطريقة سليمة فضلا عن إجراء بحث رصين، وما عادت عصامية التكوين تستكمل تعلمها من خارج مؤسسة التربية وتغنيه بقيم إضافية نوعية كثيرة! حتى ترقى بذاتها وبمجتمعها وبأجيالها الحاضرة والقادمة، فلم يعد واردا ذلك في الحسبان لتعلق المخلوقات بالماديات والمكتسبات المالية وتركيمها وترصيدها في البنوك والعقارات والضيعات والمشاريع التجارية ... فكل الوجود مرتهن للماديات والماليات فقط! وغيره من القيم الإنسانية والفكر التنويري والاستقلالية البشرية والكرامة ورديفاتها الأخلاقية عملة كاسدة في المجتمع، بل هي عنوان التخلف والتأخر والبلادة والحمق والإعاقة النفسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية، وإن شئت هي عدم في عالم الأشياء، ما عادت تستهوي إلا المتخلفين عقليا ونفسيا مثلي!؟ وأما ما يصنع للإنسان والمجتمع القوة والسطوة في عالم الأقوياء فمؤسسة التربية بعيدة عنه كل البعد؛ فهي مازالت تروج للأساطير والخزعبلات والهمروجات والتخيلات المضرة بالعقل والفكر والمستقبل، القاتلة للكفايات والإرادة والإبداع والابتكار. ومازالت تسكن العقل بمسكنات الماضي وإنجازاته العظيمة، وتغرق في الماضوية إلى أذنيها معتقدة أن ذلك هو المدخل الحقيقي إلى عالم التقدم والقوة والحضارة أو تردد ما قاله ويقوله الآخر كالببغاء. وتجنت على الماضي والحاضر والمستقبل، وعلى ما احتوى من إنجازات وعطاءات فكرية، ما كانت لتكون لدينا تراثا يستشهد به في العطاء فقط وإنما تكون مصدرا ومرجعا لحاضرنا الحضاري نبني عليه تقدمنا إزاء الاستفادة من الفكر الإنساني العالمي في ذلك، لكن حنطونا فيه وبه في أحسن أحوالنا دون أن نفقه منه شيئا! وادعوا البدعة على الخروج عنه، وبالمروق منه على كل نقد له، وما برحوا يشهرون بكل منتقد فاحص لأخطائه المعرفية والتاريخية أو يعدمون من لم يقل بقولهم فيه! مؤسسة تربية في هذا الزمن عاجزة عن تغيير ذاتها فبالأحرى تغيير المجتمع وهي تئن تحت وطأة واردات المجتمع إليها، تلك التي تغيرت لغتها من لغة عربية إلى دارجة هجينة، استقطبت لغة الشارع الموبوءة بمعجم ناب الألفاظ، قمته سب الدين، وقاعدته ما استهجنه السمع من ألفاظ المياه العادمة وقنوات الصرف الصحي. لغة؛ احتارت في نسبها وكينونتها وانتمائها! هي السائدة في السوق اللسني المجتمعي الرائج في الشارع والأسواق والمركبات التجارية الضخمة والمقاهي والملاهي ... يستحي السمع السليم في موسيقاه سماع ذلك المعجم على لسان بشر لا يشبه البشر إلا في الهيئة، أما المضمون فهو خارج عن إطار الإنسانية بمفهومه الروحي والأخلاقي والقيمي والوجودي! كائن مؤذ جارح ...

في ظل هذا الواقع المر الذي تعيشه مؤسسة التربية تحت سقف السياسوية التي انقلبت عن السياسي بفعل الذئاب السياسوية في مبادئه وقيمه إلى نقيضه، وتحولت من الثورة إلى الثروة، وما برحت تنقل البندقية من كتف إلى أخرى، وترتدي من الألبسة ما خيط لها، ومن الألوان ما أختير لها ... حتى انبرت خطيبا في محافلها الفرجوية تبرر ما استنكرته البارحة وعارضته بشدة، وتزيده من مسحوقات التجميل اللغوي والأدبي والمشاعري والإيديولوجي والإثنوي والعقائدي ما يسهل هضمه من السذج، وما يفتن عقول وقلوب طرر الدنيويين، ويذكي الحماس، ويثير الإحساس، ويفرز الأدرينالين في التابعين الطامحين إلى الوصول لحواشي الموائد والفوائد مع أسف من فقدوا ثقتهم بوعود أولئك السياسويين الذين أوهموا الأوطان بالآمال والأحلام وأداروا ظهورهم لحكيهم مهما كان جميلا ومنمقا ومدغدغا للأحاسيس. قلت؛ في ظل هذا الواقع المؤلم والحزين والكئيب تنبعت أسئلة جوهرية لابد من طرحا مهما كانت درجة حرارتها وحرقتها لأنها تمس الحقيقة التي لامحالة ستنجلي يوما ما في واقعنا المعيش، ونكون حينئذ مضطرين للإجابة عنها، فالتاريخ لا يرحم الأمم ولا الشعوب ولا الأفراد، فهي أسئلة قائمة في مؤسستنا التربوية بأسبابها، من قبيل:

ـ هل مؤسسة التربية مازالت قائما في مجتمعنا شكلا ومضمونا؟

ـ  إلى أي مدى تلعب دورها الحقيقي الواجب عليها في المجتمع؟

- إلى أي حد مازالت تحمل مشعل التغيير الفكري والاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي والحضاري للمجتمع والأفراد؟

ـ إلى أي حد يثق فيها المجتمع ويسلم لها سدة الريادة في التغيير؟

- إلى أي مدى مازالت تصنع المفكرين والفلاسفة والعباقرة والمثقفين المتنورين إزاء صناعة الإرادة الصلبة والقوية التي تجر قاطرة التقدم؟

ـ ألا تصنع الجهل في وقنا الحاضر؟

ـ ألا تستحق مؤسسة تربيتنا إحداث رجة في قلبها وعقلها وفعلها؟

- ألا تستحق إحداث قطيعة مع كل ما يشدها إلى الخلف ويخلق فيها التخلف والتأخر والبؤس الفكري والعملي والروحي؟

ـ ألا تستحق مؤسستنا التربوية الأفضل في كل شيء؟

- ألا يمكن نزع صب النفايات السياسوية والنقابوية عنها حتى تسلم من عللها؟

أسئلة يجب طرحها بكل جرأة أدبية دون خلفيات أو أفكار أو مواقف أو ظنون أو شكوك استباقية، والتصدي للإجابة عنها بكل جرأة وإرادة ومصداقية دون مجاملات أو نفاق اجتماعي أو وظيفي. فللإجابة شروطها ومتطلباتها وظروفها وأساسياتها حتى تؤدي دورها الإيجابي في حل المشاكل والإشكاليات التي تعيشها مؤسسة التربية، ولكي تجد الحلول الحقيقية والواقعية التي تناسب تلك المشكلات والإشكاليات والقضايا المرضية التي تؤخر مؤسسة التربية في المجتمع، التي يجب أن تكون في وضع أفضل من جميع المناحي! فهل نبقي مؤسسة تربيتنا في الإنعاش الوجودي نلقي عليها نظرات الحسرة والألم بين الحين والآخر، ونجلب لها قوارير الأكسجين لنفلتها من السكتة القلبية، ونخلصها من الموت المحتوم أم نذهب بمشرط الجراحة إلى أورامها لبترها كليا عن جسمها حتى تسلم وتغنم؟! فهذه المؤسسة معني بها الجميع لأنها شأن عام؛ الجميع أمامها سواسية في الاهتمام، وهم في المسؤوليات اختلاف درجة ونوعية ودور. لا يمكن تركها لوحدها تعاني من التشنجات السياسوية والنقابوية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والإيديولوجية والفكرية والسجالات الفارغة المبيدة للفكر والعقل والروح، وعائدها السلبي القاتل لها! والله وبصدق النية والقلب والقول كفانا مضيعة للوقت، فأجيالنا تضيع بين أيدينا ونحن السبب والوسيلة، وسيحاسبنا التاريخ وتلعننا الأجيال القادمة؟!

 

عبد العزيز قريش

 

 

سامي عبد العال"المرأةُ لو أرادت هزيمةَ الأقدارِ لفعلّتْ".. عبارة خطيرة فلسفياً لنيتشه. ولكن ليس هناك شيءٌ أقل من دفع معناها إلى أقصى مدى، في اشارةٍ إلى روح الأسطورة داخل كيانها الأنثوي. والمعنى يمثل التواري الخلاّب لما هو خبْيء في إنسانيتها الثرية: هذا اللا متوقع، المستحيل، العجائبي، المذهل، الخُرافي.. إلى أخر التداعيات الحرة للخيال والرغبة والفعل. فلن تكون المرأة نظريةً في الفكر ولا حقيقة مادية قابلة للمعرفة. يبدو إنَّها استعارات مراوغة، صور مخاتلة فوق كل التحديدات، أي تمثل نزوعاً نحو الانطلاق والانعتاق والتحرر. وذلك بحكم طبيعتها لا بمجرد مساحيق خارجية. وربما تأتي من زاويتها عواصف لا يتخيلها "عاقل" بالتقنيات الفلسفية أو الاجتماعية. وقد تسقط تحت أقدامها جميعُ التصورات المسبقة رغم أنَّها كانت أول ضحاياها.

أبرز ما وقعت في حبائله المرأةُ هو نظريات النسوية ذات البعد الأيديولوجي. لأنَّها لم تحررها، بل وضعتها تحت الوصاية المقلوبة. أي بدلاً من هيمنة الذكورة الخشنة والعارية على كيانها، جاءت النظريات النسوية (بإبداع الذكور الإناث) لتضع المرأة في إطار وثير الجانب. واسمت نفسها توجُهات نسوية تحت موافقة النساء... وكأنَّ هناك توجهات أخرى ذكورية تترصدها عن كثب. وبالتالي تغذي النظرية أو الأخرى بعضاً من غرورهن المراق، فالنظرية النسوية باختلاف أشكالها لا تقف إلاَّ على ثنائيات: الذكر/ الأنثى، المرأة / الرجل، الحب/ الكراهية. وبناء على ذلك أخذت في تعريتها وجعلتها نهباً لسلطة الأديان والمجتمعات، كما أنّ صيغ النظريات عنف مغلَّظ بحماية معرفية غير قابلة للكسر.

حيث تُوْضع الأنثى في أغلفة نظرية مجازية كنوع من التكفين والدفن العلمي. لكن يأتي ذلك باسم التحليلات والآراء والانتقادات المتظاهرة بالحياد تلك المرة. فالمعرفة الفلسفية تحدد ماهية النساء كموضوع يفتقر لأية مفاجأة، لأي تمرد، لأي خروج من الأطر الموضوعة. تسلبهن ثراءً متنوعاً لا حدود له. ثم تستبدله بمعايير ومطالب تفقد بريقها عند الحد الأدنى من وجودهن. إنَّ المفاهيم المجردة تربط المرأة بالأنوثة الأقل من الذكورة. وهذا لا يعود إلى الطبيعة، بل إلى الثقافة.

والنظريات تقول أيضاً: ها أنْتِ سيدتي (كما أنْتِ)... بعبارة واضحة: إليك أيتها المرأة ماهيتكِ التي لا تتغير. أنت الجانب الضعيف حرفياً لا شيء سواكِ. لتعبر لها عما يكمن في أعماقها من أشياءٍ مفترضةٍ. بينما وجوه المرأة ليست كذلك بالضرورة. كما ترى الفرنسية سيمون دي بوفوار أنَّه: " لا تولد المرأة امرأةً بذاتها، إنما تصير إلى ذلك من خلال المجتمع".

وفوق ذلك تجمد بعض النظريات وجود المرأة كأنَّها مومياء في هيكل تاريخي واحد. فجاءت الأفكار السابقة عنها هي البديل غير العضوي لإمكانية فهم النساء كما يُراد لهن. وتدريجياً تختفي المرأة كعلامة وانكشاف لصالح المرأة المرغوبة أو المكروهة اجتماعياً. حتى أنَّ أغلب النساء قد لا يتعرفن على صورهن في مرآة الآخرين. أمام الناس يجب عليهن أن يرتدين أزياء ثقافية واخلاقية فُصلَّت إليهن من قبل. لم يتدخلن في شيء: أجسادهن، حياتهن، زواجهن، مصيرهن، رغباتهن، علاقاتهن، مستقبلهن، أحلامهن، أخيلتهن. أشياء لها إطار تمَّ انتاجه وتسويقه وترويجه كما يريد نظام المجتمع. إنها الصورة البرّاقة للمرأة من الخارج والكئيبة إلى حد الغسق في داخلها!!

يرى اوسكار وايلد: النساء وجدن لنحبهن فقط لا لنفهمهن إذ يستحيل فهم المرأة كموضوع للتفكير". ومع سلبية بعض هذه الآراء إلاَّ أنَّ أحد أسباب مشكلة المرأة فعلاً هو محاولة عقلنتها. أي وضعها في اطار عقلاني rational framework يتماشى مع القالب المفهوم والمدّجن في الحياة الاجتماعية. عندئذ تقابل المرأة أشباح الذكورة أينما ذهبت في جوف العقلانية. لأن تاريخ العقلانية هو تاريخ الذكورة منحازةً إلى ذاتها على الأصالة. سقراط قديماً قال: " لا تخفْ من كراهية الرجل.. ولكن تجنب حب المرأة". وهي فكرة ترمى أبعد مما تعبر لأول وهلة. فكراهية الرجل يمكن التغلب عليها ويمكن مقارعة الرجال بالقوة. أمّا الحب الأنثوي، فقد يأتي إلى عقلك بما يناقضه من الأساس. كما أنه ينتهي إلى أسر روحي وعاطفي لا تجد فكاكاً منه. وحب المرأة قد ينقلب إلى كراهية لا تبقي ولا تذر. هذا هو الغالب على صورة النساء في الخيال الشعبي.

كما أن الغرائز والرغبات والأهواء كانت دوماً في تراث المذاهب الفلسفية والنظريات والأيديولوجيات ضد العقلانية. لقد ربط ديكارت الأهواء- مثلا- بحيل الشيطان الذي يتلاعب بالإنسان، جاعلاً إياها مرحلة عابرةً وصولاً إلى الحقيقة. حيث يجب إظهار وضوح العقل وصرامته وتنصله من كافة المنغصات الأخرى. وهذا الرأي يعبر عن اقصاء لما هو غامض. وكأنه يطرد الهوى والحب- وهذان يرتبطان بالأنوثة- من مملكة العقل، وأنهما غير ضروريين مهما حاولا التسلل إلى ساحة الفكر.

وذلك كان وراء وضع المرأة نقيضاً للرجل: هذا بحكم أن الأهواء عكس التعقل. فهي ليست طرفاً في صراع حتى يناصبها الرجال العداء. لكنها دوماً حضور وغياب، تناقض ومفارقة وهذا بكامل كيانها. المرأة لا تتجزأ، ولا تتفصل عن بعضها البعض. أي هي كائن إنساني ضد التبعيض والتقسيم. وإذا كانت لتأتٍ هنا أو هناك، فهي كاملة تماماً. إن الوجود الحر لها ينشر مساحات الفراغ في حضورها. يرى جان جاك روسو أن المرأة لا تفصل تفكيرها عن رغبتها، أو هي رغبة مفكرة حتى الثمالة، لأنها " تعتقد بناء على ما تُحب". فالعالم لديها غني وطافح بتفاصيله وتكوينه وآثاره أيضاً. ولذا تشكل المرة عادةً ذاكرة حية ضد النسيان. هي الاستثناء الوحيد تقريباً: ذاكرة لا تُنسى ولا تُقصى بالوقت عينه. ولهذا كانت هي التهديد- المخيف عن قصدٍ أو غير قصدٍ- لكل الأنظمة الاجتماعية المتخلفة. فأينما حلَّت المرأة، تفتح مجالاً للغة، للمعنى. ونحن نعرف أن سلطة الخطاب في المجتمعات الإنسانية لا ترضى عن المركزية بدلاً. من هنا كانت الأنثى خيطاً في هذا الخطاب، مساراً هامشياً، لكنه يفتتح عمل كل شيء سواه.

ذلك بفضل أنها كأنثى تحمل زمناً في حالة كثافة سرديةٍ. وبالتالي كم ارتبطت النساء بفكرة الحكي وصياغة القصص والاحاجي والألغاز وسرديات الخيانة والإغواء. في الثقافة العربية كانت شهرزاد.. هذا النموذج للمرأة التي تُعطل المصير وتطيل الزمن وتقرر نهايات الأشياء. وتجاوزاً ليست شهرزاد هي الكيان المغلوب على أمرة. بل هي القص الغرائبي ذاته. حبكته الدرامية رغم أنها تنتظر في سكون اللغة. لأنها حملت الأعماق النائية لتأجيل الرغبة إلى مالا نهاية. وهي أيضاً مقدار التشويق الفائض نحو المزيد. وكل أدب لا ينقل هذا الطفر بمضامين المرأة ليس أدباً. لأنَّه لم يلامس قاع الرغبة الصامتة ضمن السرد. وتبدو المعرفة (حتى عاجزة) عن نقل إيقاع المرأة العصي على التجلي. مثلما هي دلالة التخييل بجميع ألوانه المجنونة. فالأخيرة هي الحياة، أي الاغواء المتوالي للمجهول وخلق الاشياء من غموضه.

ومن هنا لم يعد ليعرف المجتمع ناهيك عن الرجال كيف يسيطرون عليها. وذلك بتزامن مقولتي (الحضور والغياب) دون انفصالٍّ بينهما. فعلى من يتصور النيل من المرأة أن يكف فوراً عن مطاردة أشباحه قبل سواه. لأنه في الحقيقة يطارد وجوده. كما أنها ليست آخرَ بالمعنى التقليدي. بما يشيء كونها خارج الذات. فيتصور أنها ضحية ومفعول بها على الوجه الأقرب. إذن من يستطيع معرفة النساء؟ ومن بإمكانه تحديد موقعهن كأنَّه جهاز حداثي لاقط؟

ليست الفكرة هنا سخرية ولا تضخيماً لما هي المرأة. لكن الاشارة محتملة إلى تشيؤ الأنثى كما في المجتمعات الشرقية. فهي (متاع الحياة الدنيا ) بمنطوق التراث الديني. وبالتالي منذ اللحظة الأولى هي سقط المتاع. وإذا كانت الحياة دنيا (في وضع مُحقَّر بالأساس) فكيف بمن هي متاع المُحقَّر؟ بالتأكيد ستكون أقل من الشيء المحقر كما هو شائع. حيث تخضع اجتماعياً إلى مراقبة جمعية لا تترك في هيئتها صغيرة ولا كبيرة إلا أحصتها.

والتراث الديني المشار إليه يكرر معطى ثقافياً واجتماعياً. كأنه يؤكد ا =أ (أ هو أ) على طريقة قانون الهوية لدى أرسطو. لتسوِّق الثقافة قولاً كهذا بتراكم للأفعال والتصورات العنيفة حول النساء. مع أنهن قادرات على اتاحة زوايا مختلفة في الحياة الانسانية. فهن كائنات غير قابلة للتصنيف بسهولة كما قلت. المرأة خارج التوقعات: إرادتها، صورتها، أساليب تواصلها. جميع ذلك يجدد سؤالاً: من هو الرجل؟ كيف سيتصرف إزاء نفسه؟

كان نيتشه محقاً عندما قال: "المرأة لا تريد الحقيقة، الحقيقة أخر همها.. لا شيء تمقته المرأة وتعافه أكثر من الحقيقة". لديه كل الحق وإن كان يقصد التقليل منها. فالمرأة أبعد من الحقيقة. لأن الأخيرة هي الشكل العيني لمفاهيم العقل والمعارف التقليدية.. كيف ستكون موضعاً لعناية المرأة؟ لا تتطابق المرأة مع نفسها على نحو ثري وخارج السيطرة، فلماذا سيكون مطلوباً تطابقها مع شيء خارجي؟! بالتأكيد سيكون التطابق دخيلاً عليها بينما جوهرها هو الاختلاف. ولهذا أشار نيتشه أيضاً أن:" الحقيقة أنثى وعلى المرء ألاَّ يغصبها". أي الحقيقة غير ما نتصور عنها، أي غير ما تزعم. هي حالة خاصة تحت علامات الخطر. يجب وضعها بين قوسين (الأبوخية على طريقة هوسيرل).

والنظرة البعيدة أنَّ المرأة هي زخم الحياة. فهي الوجه الثري لما نحن عليه. رغم الحروب الاجتماعية والثقافية الطاحنة حولها. بدءاً من التقاليد وانتهاءً بتدجينها تحت مظلة الديانات بلافتات عديدة.

 

سامي عبد العال

 

"ليس صحيحا مايشاع بأن الاطفال ينسون بسهولة.. فكثير من الناس يعيشون حياتهم وهم رهائن لافكار انطبعت في اعماقهم منذ سنوات" اجاثا كريستي

تطلق كلمة الترهل على الزيادة بوزن الجسم، تلك الزيادة التي تؤثر سلبا على صحة الانسان ونشاطه باداء عمله بل وتسبب له الكثير من الامراض، وكما ان الجسم يصاب بالترهل فالعقل والتفكير ايضا يصاب بالترهل نتيجة لركوده، فشانه شان البحيرة الراكدة التي تعشعش فيها الطحالب وتنعدم بها رؤية الاعماق، فالعقل الراكد تصاب به الشخصية الاحادية العقلية ذات الاتجاه الواحد الذي يتخذ نمطا واحد من التفكير ويقفل عليه كل حواسه حتى يصاب بالجمود.

ان القدرة على التفكير من خصائص الانسان الذي كرمه الله بها ودعاه الى التفكر والتدبر، فاذا احسن الانسان استخدام هذه الخصيصة ارتقى في سلم النجاح، واذا عطل الفكر وجمد وركد كان ذلك من اسباب الفشل في الحياة، فالتفكير هو عملية معالجة المعلومات وتصنيفها وتقييمها وفق استراتيجية معينة ينتج عنها نمط سلوكي يترجم الى افعال واقوال تساهم في تطور الحياة.

ان اتساع مفهوم الفكر يشمل الموروث الفكري للانسان ويكون ذلك في كافة المراحل المعرفية، ويضم النشاط الانساني بالعموم كالثقافة والحضارة.

وان تطور الفكرللفرد يؤدي بالتاكيد الى تطور المجتمع ، لان صلاح المجتمع بصلاح الفرد، والتطور الفكري ينشا من تطور المنطق الاساسي لتكريس قيم الاصالة والتواصل بين الماضي والحاضر والمستقبل والتفاعل مع المعطيات الخاصة بكل زمان ومكان.

لذا فالتدهور الفكري او ما يطلق عليه بالترهل الفكري هو نتيجة الركود والتوقف عن العطاء، والدوران في حلقة مفرغة وبقاء العقل في مساحة مغلقة تمنعه عن تقبل الجديد وتغلق امامه ابواب الاختلاط مع الاخر والتقوقع داخل الذات وضعف التقدم بل ان اتخاذ خطوة ما تعتبر من اصعب الامور والاستغناء عن ذلك يتيح للعقل الشعور بالامان وعدم المجازفة لاتخاذ اي خطوة مهما كانت بسيطة، هذا التفكير يكون عاجزا عن ادراك العلاقات بين الاشياء وحجمها ويعجز عن التعبير عما يدور في نفسه ، وكل العقد وكل داء يرجع بصورة مباشرة اوغير مباشرة الى السنين الاولى في حياة الطفل وطريقة تربيته وطبيعة شخصيته في تقبلها اور فضها لكل موروث او مكتسب، واذا تتبعنا المراحل العمرية لشخص يتصف بالترهل الفكري فلابد اننا سنصل الى حقيقة وصوله الى هذه المرحلة من التفكير المرضي، والترهل الفكري يتسم بالاتي:

- خمول الفكر ودورانه في حلقة مفرغة ترفض التغيير او التجديد.

- النمطية والقولبة في قالب واحد ورفض الاعتراف بالخطا.

- تقليص مساحة الفكر لصالح اي موضوع كان تكون المادة مثلا.

- ضعف البصيرة وعدم الالمام بعجلة الحياة التي تتطلب حراكا فكريا مستمرا.

- التفكير المبالغ:وهو تهويل الامور واعطاءها حجما مضاعفا ، في حين ان الامر عاد جدا بل وابسط من ذلك بكثير.

- الحكم على ظواهر الامور دون الولوج الى بواطنها .

- الاعتداد بالراي والتطرف باصدار القرارات دون مشورة احد.

- التظاهر بالبطولة واختراع الروايات الفارغة التي تدل على فراغ فكري كمن يكذب الكذبة ويصدقها.

- السلبية بالتعامل وهو توقع الاسوء دائما والبحث عن مسببات واسباب ونتائج ومقاصد كل عمل.

-العيش في الاوهام والخيالات الفارغة والاحلام البعيدة المنال التي يعيش صاحبها على التمني فقط.

- الكساد الفكري والاستسلام والعجز وعدم القدرة على فعل اي شئ ، فيصيب العقل عوق فكري نتيجة لكساد الافكار وتراكمها دون استثمارها لفعل الخير.

- التردد والاضطراب والاحتجاج عند معارضة اي فكرة جديدة لافكاره ومحاربتها لتفويت الفرصة على اي خيار جديد يتعارض مع افكاره.

- ضيق الافق والكسل والخمول والخوف الشديد من التجديد وتعويد النفس على القبول بكل ماهو قديم، لان التعويد بحد ذاته مرض يصعب التخلص منه.

- الابتعاد عن الناس الايجابيين والمبدعين خوفا من اصابته بالعدوى الفكرية.

- عدم السماح للعقل باضافة افكار جديدة وبذلك يضمن الحفاظ على ديمومة جموده الفكري.

- البلادة الحسية، فان نوافذ الفكر هي الحواس الخمسة والفراسة هي السادسة، فاذا عود الانسان حواسه على الخمول والكسل تعطلت عن اداء وظائفها فلا يكون هناك تمييز بين الاشياء ولاادنى اعتبار لاي لون او رائحة او منظر جميل وكما قال الله تعالى"لهم قلوب لايفقهون بها ولهم اعين لايبصرون بها ولهم اذان لايسمعون بها اولئك كالانعام بل هم اضل اولئك هم الغافلون"

- الانشغال بتوافه الامور واثارة البغضاء والشحناء بدلا من اشاعة ثقافة التسامح والالفة وكل الامور السيئة هي نظام تشويش لايقاف الفكر وتعطيله عن الابداع والتقدم.

- التمرد والثورة على كل من يحاول ان يمرر فكرة ما تتعارض مع افكاره.

- اصراره على انه افكاره صحيحة وكل المحيطين على خطا.

 وعليه فان الترهل الفكري هو افة تشل العقل البشري وتمنعه من التقدم وتتخذ من الامور البالية والافكار الرجعية ورفض كل ماهو جديد واقصاء اي فكرة تدعو الى التحرر الفكري من دوامة الجمود والركود وتنتج عن حالة من التشرذم والتشظي الفكري والنفسي والاجتماعي والاغتراب الثقافي والتزمت الفكري الذي يدعو الى الاتجاه الاحادي الرافض لفكرة التطور، ولابد من الوقوف عند اصحاب هذه العقلية ومحاولة ايجاد فضاءات تستوعب تغيير مجريات افكارهم ، فالانسان لم يخلق لياكل ويشرب ويتكاثر والا لبقي يعيش حالة البدائية وانتهى الامر ، لكن الموضوع فيه ابعاد حياتية قائمة على التفكر والتدبر وهو مادعانا اليه الله جل وعلا .

ولعلاج الترهل والجمود الفكري علينا ان نفتح بوابات الفكر ونسمح للافكار النيرة ان تحتل فضاءاءاتها بدلا من سيطرة الافكار الظلامية التي تدعو الى تقوقع الانسان وتقزم اراءاه وتكسيحها عن القيام بدور فاعل عن طريق التطور والتجدد الذي ينعش عصب الحياة من خلال تجديد الطاقات الفكرية والسماح بمرور التيارات الايجابية التي تسعى الى تشذيب الفكر والتخلص من الزوائد العالقة به التي تجعل منه كسيحا كمن تمكنت منه البدانة فاصبح مقعدا وعبئا ثقيلا على نفسه والاخرين.

واخيرا اقول: دع النسمات النقية تأخذ طريقها لتنعش وتجدد ماركد في عقلك من افكار..

 

مريم لطفي

 

ظريف حسينإن تكون ليبراليا يعني أن تدَع الآخرين يعتقدون بما يريدون، وأن الإنسان كائن "محترم لذاته" وليس لسبب آخر مهما كان.

فالليبرالية إذن تدعم "الكرامة الإنسانية"مجسدة في الأفراد قبل الجماعات،و تدعم بصفة خاصة "حرية الاعتقاد"، فما بالنا بما هو أقل أهمية من الاعتقادات؟

ولكن هذه الحرية المطلوبة ليست مطلقة، بل هي مشروطة بالقانون والأخلاق معا،و هما منتجان اجتماعيان يطبقان علي من أنتجهما أفرادا ومجتمعات. كما لا تعني أبدا مخاصمة الأديان من حيث المبدأ،التي هي أهم مكونات الثقافة وأكثرها ثباتا ودواما، بل تخاصم كل محاولات الفقهاء لاستغلال الإنسان واستعباده لأغراض غير إنسانية، أي ضد الإنسانية.

و بذلك كانت الأديان جميعا إنسانيَّة المنشأ والغاية- لأنها أُنزِلت من أجل إصلاح البشر وإسعادهم -و هي أيضا إنسانية المظهر لأنها تختلط بثقافات معتنقيها بما لديهم من" شعور" و"عقل"واحد مشترك،مهما بدا لنا منها من تنويعات وتفريعات وتمظهرات تحمل الخصائص الشخصية الفردية للمتدينين.

 

ا. د. ظريف حسين

عبد الجبار نوريونظريته الأقتصادية "التطور اللامتكافيء"

الدكتورسمير أمين مفكر وعالم مصري 1931-2018 ماركسي منذ أيام الشباب والصبا، وهو عالم مبدع في أستيعاب الماركسية فهما عميقاً، مبشراً دوماً بأن الرأسمالية متهالكة تسير نحو التهالك والتفكك وتفرض الأشتراكية نفسها على عالمنا الشرق أوسطي، وأيدهُ الكثير من عمالقة الأقتصاد في آراءه الأقتصادية المنتجة وقد أطلق سمير مشروعهُ المعرفي الواعد بدراسة مبكرة لموضوع: (التراكم على الصعيد العالمي) والذي وضّح فيه: أن الرأسمالية تنتج مراكز متطورة وأطرافاً متخلفة، وإن العلاقة بين المراكز والأطراف علاقة تناحرية، ويبيّن المفكر سمير: أن الأنتقال صوب الأشتراكية يبدأ من أطراف النظام الرأسمالي، لذا نجح في عرض مشروعه التطور اللامتكافئ أو ما يسميه بالتبادل اللامتكافئ ولآنه:

- يؤمن بالديمقراطية والثورة .

- وهو ينتمي إلى المسار الرئيسي في بحور الماركسية وهو مسار نقد الأقتصاد السياسي الذي جربهُ ماركس بدراسة واسعة في كتابه (بؤس الفلسفة، وكتاب الرأسمال، ولابد أن تنتصر الأشتراكية على الرأسمالية، العمل المأجور، وكتاب الرأسمال بمجلداته الثلاثة، وكتاب نظريات فائض القيمة) .

 - وقد نوّه سمير أمين بأن الرأسمالية تنتج مراكز متطورة وأطرافاً متخلفة.

- وأن العلاقة بين الأطراف والمركز علاقة تنافسية تناحرية بغيضة .

- وقد نوّه سمير بأن الرأسمالية بدأت تتأزم بنيوياً في نهاية القرن 19 وكان ردة الفعل عليها الحرب العالمية اللأولى والحرب الثانية والثورة البلشفية والثورة الصينية وحركات التحرر الوطني في بلدان عدم الأنحياز (بادونغ) .

- ويرى أن أحتكارات الكارتلات الرأسمالية قد تغوّلتْ تماماً على الأقتصاد العالمي لسيطرتها الواسعة على الجميع بأمتصاصها فائض القيمة طفيلياً لصالح البورجوازية الكبيرة أو ما سماها ب (آلأوليغارشية) والتي زادت من هوة الفوارق الطبقية .

- ويرى أن الطبقة الرأسمالية المركز متمركزة حول الذات المصلحية تشغل علاقاتها الخارجية لخدمة مصالحها وبلدانها .

وفي رؤى سمير أمين حسب نظريته (التطور اللامتكافئ) لابد من الأشتراكية أن تنتصر على الرأسمالية، لآن التوسع الرأسمالي سيؤدي إلى فتيت الدول بأثارة النعرات الهوياتية التحتية للشعوب وتفجيرها عرقيا وطائفيا بفعل الضغط الثقافي الغربي في دفع الشعوب إلى الأنغلاق والتعصب لحماية ذاتها وهويتها، وذهب مفكرون أبعد في نظرية اللامتكافئ في المجال الثقافي في أبراز المشتركات الحضارية بين الشعوب .

سمير أمين مفكك الرأسمالية وصاحب نظرية (التطور اللامتكافيء) التي صاغها في سبعينات القرن الماضي محاولاً تفسير تخلف المنطقة العربية ومنها مصر ويهدف للخروج من مأزق الجمود والتخلف بتطبيق وبناء الأشتراكية، ويستنتج المفكر الفذ: أن النظام الأشتراكي هو الذي سيسود العالم بعد أنهيار الرأسمالية وستتم عملية الأنتقال أنطلاقاً من العالم الثالث أي أطراف المركز الرأسمالي العالمي، هكذا كان الأعلام المصري والعربي والدولي يتغنى بهذا المفكر العبقري اللامع، من مواليد 1931 الأسكندرية، وحاصل على شهادة الدكتورا عام 1956 من جامعة السوربون وهو أحد المفكرين الكبار الذي أثرى مجالهُ بأنجازاتهِ التي تزيد على 30 منجز، ستظل علامات مضيئة في ذاكرة التأريخ، ترك سمير أمين العديد من الدراسات والكتب العلمية والفكرية التي تعد كمراجع أقتصادية وعلمية للباحثين في الشؤون الأقتصادية والعربية منها على سبيل المثال لا الحصر: ما بعد الرأسمالية المتهالكة، الأقتصاد السياسي للتنمية  في نقد الخطاب العربي الراهن، ثورة مصر، مذكراتي القومية وصراع الطبقات، أزمة الأمبريالية أزمة بنيوية، المادية والتحريفية، حول الدين والدولة، ويمكن أستخلاص جهودهُ وعطاءاتهُ في منجز تحريك جمود النظريات الأقتصادية التقليدية ووضع حلول في تفكيكها وترويضها لخدمة الفقراء والكادحين في مصر والعالم، هو مفكر يستحق بجدارة لقب الماركسي النقدي المجدد والتجديدي،لأنهُ يدعو في كتابهِ هذا إلى التخلص من تعريف الرأسمالية بأنّها نيولبرالية معولمة، وأن القطاعات المسيطرة على رأس المال ليست تمثل أقتصاد السوق بل تمثل رأسمالية تجمعات أحتكارات مالية، وكان أميناً ووفياً للمادية الجدلية بيد أنّهُ  (تحامل) على التجربة السوفيتية وبشكل عرضٍ فلسفي بأنّها مجرد (رأسمالية دولة) أي أداةٍ دولتيةٍ للمجتمع. 

وقد أختلف شخصياً معهُ والكثيرين من الماركسيين معي ولكن لا مجال في تفنيد هذا المعتقد لأن كل مرحلة تأريخية لها خصوصيتها وتفرز تناقضاتها وصراعاتها وتحوّلْ قواها، سمير أمين تنبأ فشل ما يسمى بالربيع العربي مباشرة بعد بداية أحداثهِ مستنداً إلى قراءاته العميقة للحركات الأسلامية ودورها السلبي في المنطقة، فهو أشتراكي يرى أستحالة تحقيق النمو الأقتصادي في بلدان العرب بأتباع النموذج الرأسمالي الغربي الآن أي أندماج في هذا النظام الرأسمالي يؤدي إلى تعميق تخلف المنطقة .

والذي دفعني أن أكتب عن هذه القامة الشامخة هو خبر رحيله المفاجيء أندهشتُ وأنا أقرأ مقالتهُ المنشورة على صفحات الحوار المتمدن والموسومة ب: مرور مئة عام على رحيل ماركس فأخذتُ كتابهُ المشهور " ما بعد الرأسمالية المتهالكة " لأقرأهُ للمرّة الثانية، ولكن هذه المرّة بحماس وأهتمام شديدين ربما لشعوري بالأسى على فقدان أحد أساطين الأقتصاد السياسي .

كتاب " ما بعد الرأسمالية المتهالكة " تأليف الدكتور سمير أمين هو من أهم مؤلفات الكاتب وأكثرها رواجاً، وضح فيه نظريته وقانونهُ في موضوع  (اللامتكافيء) هو أن النظام الأشتراكي هو الذي سيسود العالم بعد أنهيار الرأسمالية وللتوضيح أكثر يقول: ستتم عملية الأنتقال أنطلاقاً من العالم الثالث بصفتهِ يشكل أطراف النظام الرأسمالي العالمي التي يزداد فيه الفقر والبطالة والبؤس ستقع فيها حتماً ثورة أشتراكية لأن بلدانها غير صناعية وهنا يناقض ماركس الذي يؤكد: كلما توسعت فيها الرأسمالية أكثر فأكثر يكون حتما متطور صناعياً . 

ووظف سمير في كتابه هذا أستثمار آرائه في المجال الأقتصادي إلى المجال الثقافي حين يجعل ثقافتنا مرنة غير منغلقة يمكنها أن تخرجنا من عنق الزجاجة التي نعيشها اليوم في صراعات ترقى للحروب الأهلية الهوياتية الطائفية فهو يثيرفي الكتاب موضوعا حساسا قابلاً للجدل والتصادم الذي هو: (فك أرتباط الثقافة العربية المشرقية المرتبطة بالدين الأسلامي والتي تعتبر بنظر الناس مقدسة التي ترفض كل جديد وتنظر إلى الثقافات الأخرى بأستهجان ربما أحيانا تتهم أصحاب هذا الرأي بالكفر والألحاد  بأعتقادي أنها ثورة أصلاحية للأميين تذكرني بآراء المصلح الديني السوداني (محمود محمد طه) الذي أتهم بالكفر وأعدم على يد النميري بتأييد من الأزهر الشريف، وهذه هي ظواهر التآكل:

-أنهيار السلام العالمي بعد حرب الخليج1993 وأحداث أيلول 2001 .

- أحتكار الثروة في يد فئة قليلة مقابل أنتشار الفقر على المستوى العالمي أن 20% من سكان العالم يحتكرون 80 % من ثرواتهِ، وأن العالم الأسلامي كان يسودهُ رأسمالية تجارية مزدهرة لكن هذه الرأسمالية لم تستطع الأنتقال إلى رأسمالية صناعية .

- تراجع الديمقراطية في معظم الدول، والكتاب يكذب وعود اللبرالية ومزاعمها وذلك لأن منظري الرأسمالية يدعون بأنها ظواهر عابرة، والصحيح أن القطاعات المسيطرة على رأ س الما ل هي الأمبريالية الرأسمالية  .

- وتعرض العالم لأزمات مالية متكررة تعكس أزمة حقيقية في الأقتصاد العالمي وهو فعلا أنحراف مالي أدى إلى شلل النمو والبنية الأنتاجية وركود نسبي في الأنتاج .

- تراجع مداخيل العمال وأرتفاع نسبة البطالة والمزيد من الهشاشة الأجتماعية وتعميق الفقر في دول جنوب الكرة الأرضية، وأضمحلال ثروات الكوكب بشكلٍ تدريجي واضح فالد ول الغنية يسكنها 15% من سكان العالم تستحوذ على 85% منن ثروات الأرض . 

- ويشير المؤلف أن خلال العقدين من القرن العشرين بدأ الخطاب النيولبرالي بالتعثر فخلال بضع سنوات تأكل أكثريات التجمعات الرأسمالية وتضخمت بأنهيار الأسطورة السوفيتية .

-  ويقول المؤلف في الفصل السادس من الكتاب: {ما نشهدهُ اليوم من علامات مؤشرة على تهالك الرأسمالية وضرورة أنتهاج الأشتراكية كضرورة موضوعية للأنسانية برمتها أن أنتهاج الطريق هو أنتقال طويل لا مجرد بناء منجزللأشتراكية هنا وهناك، وأولى ظواهر التهالك: هي تلك الآثارالبعيدة المدى للثورة العلمية والتقنية الجارية، وثاني ظواهر التهالك: أنهُ لم تعد الأمبريالية الجماعية الفاعلة على مجمل النظام العالمي تسمح بمتابعة التطور الرأسمالي والتابع لعدة أطراف} .

ويضع المؤلف بعض الحلول الموضوعية للوضع الراهن:

أعادة أيجاد تنظيمات مناسبة وكافية من العمال، ممارسة ديمقراطية لها علاقة وطيدة ومؤثرة بالتقدم الأجتماعي وسيادة الشعوب، التحررمن فايروس أسطورة  تمجيد الفرد بل المطلوب البديل الجماعي المشارك الفعلي في العملية السياسية، رفض أنماط الحياة المرتبطة بالرأسمالية البطريركية الذكورية والنزعة الأستهلاكية المتجهة نحو تدمير الكرة الأرضية، التحرر من ملف شمال الأطلسي ذات النزعة العسكرية الملازمة لهُ التي ترغم الشعوب بقبول (الأبرتهايد) للتمييز العنصري على الصعيد العالمي، السيادة الوطنية على الأسواق المالية والنقدية والأشراف المباشر على التكنلوجيا الحديثة، تغيير مسار أحتكار (منظمة التجارة العالمية) التي هي تحت السيطرة العسكرية للولايات المتحدة الأمريكية، أممية العمال والشعوب تمثل الضمانات الوحيدة لأعادة بناء عالم آخر أفضل متعدد الأقطاب ديمقراطي الذي يقدم بديلا وحيدا لبربرية الرأسمالية المتهالكة من أجل أشتراكية القرن الواحد والعشرين هو المطلب الرئيسي الضروري للشعوب في هذه الظروف المعقدة والآيلة إلى التهالك وحسب رأي المؤلف: يجب أن يصبح الهدف الرئيسي هو النضال من أجل تأسيس جبهة أممية من العمال والشعوب لمواجهة زحف الرأسمالية الأمبريالية .

لك المجد يا مفكرنا المبدع والمتألق المرحوم الدكتور سمير أمين ،  وندعو الأهتمام بنتاجاته الفكرية الغزيرة وبالتالي إلى فهم وضعنا الأقتصادي المتردي في العراق والبحث عن حلول ناجعة لمشاكلنا الأقتصادية المتفاقمة. 

 

عبد الجبار نوري

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

...........................

المصادر وبعض الهوامش

كتاب ما بعد الرأسمالية المتهالكة- الدكتور سمير أمين

كتاب مذكراتي القومية وصراع الطبقات-الدكتور سمير أمين

كتاب رأس المال – المجلد الأول –كارل ماركس

 

 

 

اياد الزهيريتدل الدراسات الأنثربولوجية أن الأنسان ومنذ فجر الخليقة قد أرقته مسألتين هما؛ مصيره بعد هذه المسيرة الطويلة في الحياة، وكيفية أتقاء ما يتعرض له من مخاطر خلال وجوده على هذه الأرض، حيث السؤال من أين جاء؟ ومن كان السبب في وجوده ؟ ووجود ما يحيط به من مظاهر طبيعية من نجوم وكواكب وجبال وبحار وبراكين، حيث خلبت لبه، كما في نفس الوقت أثارت فيه المخاوف والرهبة، والقلق، حيث البراكين والزلازل وعواصف ووحوش، كلها تشكل خطر على وجوده والتفكير بكيفية دفع الخطر عنه وأتقاءه منها.

عندما نقول المجتمعات البدائية فأعني بها المجتمعات التي سبقت الكتابة، والمجتمعات التي لازالت تعيش حياة فطريه بدائية لم تدخل في أي طور حضاري . كما أني أشمل في هذا البحث عصور ما قبل التاريخ، وهو عصر ما قبل الكتابة، والذي ينقسم الى ثلاث عصور، وهي (العصر الباليوليتي) وهو العصري الحجري القديم، و(العصر الميزوليتي) وهو العصر الحجري الوسيط، و(العصر النيوليتي) وهو العصر الحجري الحديث، ولكي تُغطى دراسة نشوء الأديان،  لذى يجب أن يمتد الزمن الى ما قبل تلك العصور، لأن الترتيب الزمني للعصور الحجريه يبدأ من 10000 ق م الى 2700 ق م، وكما ذكرنا أعلاه أن هناك أقوام لا زالت لحد الآن تعيش عصر ما قبل الكتابه في جزر نائيه في المحيط الهادي وفي مجاهل أفريقيا وأستراليا وهنا يمكننا أن نحصر هذه الأقوام بأنها أقوام تعيش ما قبل الحضارة بغض النظر عن المدى الزمني، وأنما تتحدد صفة البدائية بما يعيشون من نمط عيش، ومستوى تفكير غاية في البساطة، وغايه في البدائية. كما لا أحد يمكنه الأدعاء أن الأنسان يمتلك معلومات مفصلة وكافية عن حياة الأنسان بكل تفاصيلها وخاصة لفترة ما قبل 10000 ق م، وذلك بسبب عدم أكتشاف الكتابة من قبل الأنسان، وكذلك لندرة اللقى والآثار التي تسجل أسلوب حياة الأنسان وعقائده، لذى أن ما قدمته الأثار المكتشفة من أثار مادية ومنها الكتابة قد دونت الكثير من المعلومات سواء كانت حياتية أو عقائدية للأنسان الذي سبق تاريخ الكتابة، ولكنها تبقى معلومات منقوصة ولا تصل بنا الى درجة الأطمئنان الكامل والأكيد، كما أن المعلومات التي تنقل شفاهةً يعتريها الكثير من التحوير والتبديل والضياع . وبما أن موضوعنا يتناول الدين وكيف نشأ مع الأنسان لذى سيكون الأله هو مركز بحثنا، ومدار دراستنا. أن البحوث الأنثربولوجية والأركيولوجيه أثبتت أن الدين حاله ملازمة للأنسان، ولم تنفك عنه يوماً من الأيام، بل يعتبر عنصراً مهماً من عناصر حياته، كما أنه يأخذ مكان الصداره وموقع القداسة والجلال في نفسه، ولا نبالغ أذا قلنا أنه يمثل محور حياته لأنه يعبر عن تأملاته وهواجسه العقلية والروحية والنفسيه، ففيه يتعلق التسائل عن سر الوجود، وعن المصير، وما يعتقدوه من توفير الحماية من المخاطر التي تحملها الطبيعة المحيطة به، ويمكننا القول أنه يمثل الملاذ الأمين له، فمن خلاله يؤمن غذاءه، ويهدأ روعه، ويحميه من مظاهر الطبيعة التي تتسم بالمخاوف وما تحمله من المجهول وذلك عن طريق الألهة التي هي السبب في كل ما يحدث، فهي الخالقة وهي الفاعلة في كل الكون . أن جهل الأنسان في معرفة ما يحدث، هو واحد من أهم دوافع التأمل للبحث عن السبب الأول لما يراه وما يدهشه من آثار، كما يثير فيه الكثير من الفضول لمعرفة القوى التي تقف وراء ما يحدث، وبما أن الأنسان قليل التجربة والمعرفة، وبحكم بدائيته فهو لا يمتلك وسائل معرفية متطورة مما جعلته ينصرف الى الأسلوب التأملي والمتخيل في تفسير ما يراه ويحسه من مظاهر، كما هناك عاملاً في غاية الأهمية الا وهو حالة الخوف والفزع الشديد الذي أستبطن في نفوس هذه الأقوام، والذي شكل هاجساً قوياً أستقر في عقلهم الباطن، والذي شكل سبباً قوياً في مجيء الأحلام في منامهم والذي أطلق العنان لمخيلتهم في تصور قوى ما ورائية تقف ما وراء مظاهر الطبيعة، فمثلاً كان الأنسان لا يمكنه الا أن يتصور أن وراء الشمس والقمر والنجوم والبراكين والعواصف والمطر الا قوى كبيره هي المحرك لها، وهذا هو عين البحث عن السببية، وهو من أبسط المُسَلمات المنطقية في عقل الأنسان، لأن الأنسان في أحد تعاريفه أنه حيوان مفكر، والمسلمات المنطقية هي من أدوات التفكير، ولا تفكير بدون منطق، فمن خلال هذه التسائلات، وهذا التفكير المنطقي البسيط خرج بأستنتاج أن هناك قوى ماورائية لا يمكن أدراكها،  وخفية، هي المسؤولة والسبب فيما يجري في كل ما يشاهده من أحداث وما يلمسه من مظاهر، ولكن بما أن الأنسان البسيط يكون حسي أكثر مما يكون تجريدي،  لذى عمل على ترميز هذه القوى لتكون أشبع لأحساسه وأكثر أملاءً لروحه في أتخاذ رموز لها متمثلة بحيوانات أو نباتات، وهناك حالة أكثر تطور وهو أن الظواهر الطبيعية مثل الشمس والقمر هي كائنات تحمل في داخلها قوى ماورائية، أو بعبارة أخرى أن هذه القوى تتكثف في هذه المظاهر الطبيعية، ومع الزمن وبحكم تعلق الأنسان بهذه القوى، ولحاجته الملحه لها حاول ولأجل السهوله له رَمَزَ لهذه القوى الخفية بالأشكال والرموز الطوطمية، وذلك لسهولة حملها عند تنقله، وهناك من يريد أن يجعلها في بيته وقريته وفي متناول قبيلته لأنهم يعتقدون أن هذه القوى الخفية هي سبب الخصب والنماء والعطاء، والدافعة للضرر، والناصره على الأعداء والدافعة للشر والبلاء، لذلك جعلوا منها رسماً طوطمياً يسهل نقله أينما حلوا وأرتحلوا . فهم بالحقيقة لم يعبدوا الشمس والقمر والأرض والحيوان والنبات والطوطم، بل يعبدوا القوى الخفية التي يَرمز لها بهذه الترميزات المستمده من واقعهم والقريبة من تصوراتهم، وحتى عرب الجاهلية كان لهم نفس الأعتقاد، وهو أن أصنامهم لم تكن الا وسائط تقربهم الى الله، وقد  أكد القرآن الكريم تصورهم هذا حيث يقول الله في كتابه الكريم (ما نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفى) لأنهم أدركوا بحسهم وتأملاتهم أنه من العسير الأحاطة بهذه القوى المجهولة الكنهة، والتي هي ذات طبيعة لا تمت لطبيعتهم، وقد سموها (بالأله الأعلى)، والبعض يسميها ب(الروح العظيمه)، وهناك من يسميها بالروح الأحيائية كما عند شعوب البانتو، والتي يطلق عليها ال (النياما) أي القوة، ومن الجدير بالذكر أن نشير كلك للأديان السورية البدائية والتي أتخذت من الأله بعل بأنه و وجود أزلي، والخالق الأول، والقوة الكامنة في العالم والمفعلة لظواهره،  وحتى الألهة المتعددة التي يعبدونها، ما هي الا تجليات لهذه القدرة العظيمة والروح الكبيرة. هناك نكتة يجب الأنتباه أليها، الا وهي ظاهرة التعدد في الألهة، حيث ترى هناك المئات، بل الآلوف من الألهة، حيث ترى لكل قبيلة أله، ولكل قرية أله، وحتى لكل عائلة أله، وهناك من يقول أن البعض يتخذ له أله خاص به، يتعبد له، ويحمله معه لحمايته . هذه التعددية ناتجة من تصور لا يتحمل أن تكون كل هذا الكون وبما يحمل مخلوقات كثيرة ترجع لخالق واحد،  فهي معقدة ومن غير المعقول والمقبول أن ترجع الى مصدر واحد، فهي فوق قدرة هذا الواحد مهما أُتي من قوة، ومهما تمتع من قدرة، فتصوروا أن للنبات أله وللحيوان أله وللشمس أله وللقمر أله، وللسماء أله، وللأرض أله، وللمطر والخصب والأنتاج الزراعي أله ، وحتى المياه وما تحويه من كائنات أله، وهكذا. ولكن يعتقد الأنسان البدائي أن هناك ألهه ثانوية تساعد الأله الأكبر، وهو الأله الكوني والبعض يسميه بالسيد الكلي كما في الديانات الفولتية الأفريقية، وهو يعتبر الأله الأول والأزلي . من ناحية أخرى فالأنسان من ضمن ما تحيط به من مخاوف ومن عدم القدره على تأمين العيش، والخوف من المرض والموت، وأن كل ما يحدث من قلة وكثرة، وجدب وخصب ناتج عن قدرة عليا، هي من تقرر كل ذلك، لذى يسعى الأنسان الى التوسل أليها والدعاء لها، والتقرب منها بالقرابين والنذور، وأن رضاه وتجنب غضبه هو الوسيلة في حصول النعمة ودفع كل مكروه.

من المهم الأشاره الى بُعد ثالث غير بعد الخوف والرجاء، الا وهو تأمل الأنسان لما يُحيط به من مظاهر كونية، وتسائله عن البداية والمصير، والهدف من هذا الوجود الذي هو جزء منه، هذه التأملات والتسائلات جعلته يتطلع لما وراء هذه المظاهر، فالأنسان البددائي لم يعرف عنها شيئاً ولم يخبرها، ولم يعرف عن قوانينها، أنسان يعيش طفولته العقلية التي تتميز بالعفوية والسذاجة، ولكنها لا تخلو من مسلمات منطقية بفعل ما يتمتع به تفكيره كأنسان مختلف عن الكائنات الأخرى، فهو الأكثر نضجاً والأعلى تفكيراً، والأكثر قابلية على التعامل مع التجارب والمعلومات التي يحصل عليها . من خلال ذلك تبادر الى ذهنه بأن هناك قوة وراء هذه الظواهر خالقة ومحركة وفاعلة، فمرةً أعتقد أن هذه القوة تكمن بالماء كما في الأله أنكي عند السومريين، ومنهم من أعتقد أن الأله يكمن كقوه في القمر وسَموه الأله سن وأحياناً ننار، وهناك من أعتقد أن الأله في السماء وسموه السومريون آنو وهناك من جعله بالشمس وسماه المصريون القدامى رع وهناك من جعله بالعاصفه وسماه حدد وهناك المئات بل الآلاف من أسماء الألهه في ميثولوجيات الشعوب البدائية، فمثلاً اله الشمس يكون له عدة أسماء وكذلك أله القمر وغيره من المظاهر الكونية ولكن أختلاف اللغة والأعتقادات تعطيها أسماء مختلفة ولكن الدلالة واحده. بما أن الأنسان البدائي هو لصيق بيئته ومحسوساته لذى يميل بتمثيل هذه القوه الما ورائيه فيما هو محسوس ومادي، فيجعل مما هو مادي تجلي لماهو لا مادي، وذلك بسبب محكومية الأنسان بحواسه وصعوبة الأحاطة بما هو غير محدود، ولذلك يشير عالم الأجتماع دوركهايم حيث يقول (فالعبادة الطوطمية الفعلية لا تتوجة الى نوع حيواني أو نباتي محدد ومعين، بل الى قدرة مبهمة تتخلل هذه الأشياء وتنتشر فيها). أن الذي نستشفه من ذلك هو أن الأنسان القديم رغم بدائيته توصل بتأملاتة وأخيلته الى أن هناك قوه كامنة مودعه في هذا العالم محجوبة عن الرؤيا، الا أنها تهيمن على الكون، وأنه مسؤول، ومهندس كل شيء في ها الوجود العظيم، وأن هه القوة الكونية لا تشبه الأنسان، وليس من طبيعته، وأنه يفوقة قدرة وقوة، ... يتبع

 

أياد الزهيري

 

 

عبد الجبار الرفاعيالإنسانُ البسيطُ لا يستطيعُ أن يكتشفَ الإبهامَ والغموضَ في شخصية الكائن البشري، ويعجزُ عن التوغلِ في اكتشاف شيءٍ من الطبقات البعيدة الغور في داخلة. يرى مثلُ هذا الإنسان الواقعَ رؤيةً مسطّحة، ويفهمُ الحياةَ فهمًا ساذجًا، يحسبُ الحياةَ شديدةَ الوضوح وكلَّ ما فيها مكشوفًا، وهو لا يدري أن الحياةَ تجربةٌ عمليةٌ لا تتكشّف للإنسان إلا بالعيشِ فيها والصبر على اختباراتها القاسية، وخوضِ مساراتها الوعرة، والوقوفِ على محطاتها المختلفة، والتغلّبِ على منعطفاتها الشاقة، والنجاةِ من مباغتاتها المريعة. الحياةُ توجد بالتجارب والاختبارات والممارسات والأفعال والمواقف، ولیس بالتساؤلات الساذجة والإجابات المبسّطة والتوصيات الجاهزة، ولا بالتمنيات المعلّبة، والرغبات والأحلام، والكلمات الرخوة. لا يمکن اختزالُ الإنسان وتعقیدات عيشه في الحياة بإجابات ونتائج سريعة واضحة. الإنسانُ خليطٌ من عناصر وصفات وخصائص وحالات متناقضة.

التعرفُ علميًا على الطبيعة الإنسانية بمنطقٍ واقعي هو البدايةُ الصحيحة لكلِّ ما يرمي إليه الإنسانُ من: التربيةِ، واكتشافِ كيفيةِ بناء علاقات إنسانية سلمية في إطار التنوع والاختلاف، وكيفيةِ العمل من أجل صناعة عالَم أجمل، وكيفيةِ فهم الدين وتفسيرِ نصوصه بالشكل الذي يصير فيه الدينُ مُلهِما للعيش في أفق المعنى. مَنْ يجهل الطبيعةَ الإنسانيةَ يجهل الطريقةَ المريحة للعيش في الأرض، ويجهل كيف يمكنه التغلبُ على متاعبِ وآلامِ حياته.

الفهمُ الواقعي للطبيعة الإنسانية يكشفُ للإنسان عن شيء من أسرار ذاته المجهولة لديه، مضافًا إلى أنه يصوّب أحكامَه على الغير، ويجعل مواقفَه من مفارقات مواقفهم منصفة، ورأيه في ثغرات سلوكهم أكثر للموضوعية. ولا يمكن تحقّق هذا الفهم إلا بالتمسّك ِبالعقلانية النقدية، واعتمادِ مناهج التفكير العلمي ومعطياته الفائقة الأهمية، لأن العقلانيةَ تتميز بنقدِها لطرائق تفكيرها، وتمحيصِها المتواصل لما تعتمده من المناهج، وما تنتهي إليه من النتائج، وغربلتِها كلّ مرة، واختبارِها المتكرر لصلاحية أدواتها. تفضح العقلانيةُ النقدية أخطاءَ التفكير العلمي، وتكشف عن هناته وثغراته على الدوام، وذلك ما يدعو كلَّ عاقل للوثوقِ بإمكاناتها، واعتمادِ فهمها في تفسيرِ طبيعة الكائن البشري، وفهمِ حقائق الحياة.

الإنسانُ بطبيعته يعيشُ: القلقَ والطمأنينةَ، الاضطربَ والسكينةَ، الخوفَ والأمانَ، التعبَ والراحةَ، الضجرَ والتسليةَ، السأمَ والابتهاجَ، الاكتئابَ والانشراحَ، البكاءَ والضحكَ، الانقباضَ والانبساطَ، الحزنَ والفرحَ. افتراضُ إنسان يفرحُ ولا يحزنُ، يبتهجُ ولا يسأمُ، يضحكُ ولا يبكي، افتراضٌ غير واقعي لا يشبه الإنسانَ في الأرض. كما أن افتراضَ إنسان يعيش في كل حالاته "اللحظة الآنية"، وينفصل بشكلٍ تام عن ماضيه ومستقبله، افتراضٌ غيرُ واقعي أيضًا. الماضي مكوِّن وجودي لحاضر الإنسان، مضافًا إلى أنه مكوِّنٌ سيكولوجي، اللاشعورُ مكوِّنٌ عميقٌ لشخصية كلِّ إنسان لن يختفي مادام حيًّا. يتعذر على الإنسانِ أن يغيّب المستقبلَ نهائيًّا من شعوره، أحيانًا يفرضُ التفكيرُ بالمستقبل حضورَه بقوة كأفقٍ مظلم أو مضيء في لحظة الإنسان الآنية.

أقرأ كتاباتٍ، تدعو للعيش في "الآن" فقط، وتشدد على أن مَنْ يريد أن يعيش سعيدًا ما عليه إلا أن يتخذ قرارًا بذلك. ويتكرر فيها القول: مَنْ يريد أن يعيش سعيدًا ما عليه إلا مغادرة الماضي والشطب عليه تمامًا، وغلق التفكير بالأمس، والخلاص من كوابيسه بشكل نهائي، وحذفِه من الشعور واللاشعور. مَنْ يريد أن يعيش سعيدًا عليه الكفّ عن النظر للمستقبل، وصرف النظر عن أي شيء مقلق يتصل به بشكل كلي، وغلقِ التفكير بالغد، والتحرر من الانهمام بالمصير. هذه الكتاباتُ بليدةٌ تجهل أبسط الحقائق العلمية عن طبيعة الإنسان، حين تنظر إليه وكأنه كائنٌ ميكانيكي مادي، ليس عليه إلا أن يلتزم بلائحة توصيات جاهزة ويطبقها بحذافيرها إن أراد أن يمتلك السعادة.

ثغراتُ وأخطاءُ التربية وعقدُها وجروحُها وآثارُها المؤلمة يعود كثيرٌ منها إلى الجهل بطبيعة الإنسان. الإنسانُ ليس بوسعه أن يفعلَ إلا ما بوسعه أن يفعلَه، الإنسانُ لا يستجيب إلا إلى ما يمكنه الاستجابة له. طبيعةُ الإنسان لا تخضع لقرارات يفرضها على نفسه بهذه الكيفية الساذجة. القراراتُ والمواقفُ التي تفوق قدرةَ الإنسان لا يطيقها، ولا يمكنه أن ينفذها إلا أن تُفرَض عليه بالإكراه والعنف والتعذيب. الإنسانُ لا يطيق إلا ما تستجيب له بنيتُه النفسية، وطاقتُه العصبية، ونمطُ تربيته، ومستوى وعيه للحياة، وقدراتُه المتنوعة، وأهمها قدرته على التحكم بإرادته، وقدرته على تحمل ما يتنكر له استعدادُه الشخصي.

أكثرُ كتابات ما يسمى بـ : "التنمية البشرية"، أو "تطوير الذات"، أو "علم الطاقة" 1، مفاهيمٌ غير علمية، وعباراتٌ متعجّلة مبسّطة، وشعاراتٌ سطحية مكرّرة، تتلاعب بمشاعر الناس. أضحى ركامُ  هذه الكتابات مبتذلًا، يأكلُ وقتَ القراءِ غيرِ الخبراء، وتستنزفُ توصياتُها الواهنة تفكيرَهم، ولغتُها الرثة بيانَهم. تفشّت هذه الكتاباتُ التي تجهل الطبيعةَ الإنسانيةَ كالوباء بين القراء في السنوات الأخيرة، وأوهمت عددًا منهم بأنها تعالج كلَّ متاعبهم النفسية. أكثرُ هذه الكتابات هزيلٌ، لا يقع في فتنتها إلا الناسُ المغفلون، الذين لا يفكّرون بتأملٍ ورويةٍ وتدقيق، ولا يمكن أبدًا أن تغوي العقولَ الحكيمة اليقظة.

هذه الكتابات والتوصيات تجهل التناقضات الذاتية في الإنسان، وتتعاطى معه كأنه كائنٌ ميكانيكي. يشبه هذه الكتاباتِ في الجهل بحقيقة الطبيعة الإنسانية أكثرُ التوصياتِ الجاهزة والعبارات  المتداوَلة بين الناس. لا يكترث علمُ النفس الحديث كثيرًا بهذه التوصيات الغائمة لكتابات تشدّد على نصائح وإرشادات، من قبيل: "لا تحزن"، "لا تكتئب"، "لا تقلق"، "لا تتشائم"، "لا تتألم"، "لا تنزعج"، "لا تغتم"، "لا تتأرق في نومك"، "كن حازمًا وجادًا"، "تأقلم مع الظروف بدلًا من تضييع الوقت بالتفكيرِ الزائد"، "استمتع باللحظة الحالية"، وأمثالِها من توصياتٍ ومواعظ غيرِ علمية. أحيانًا يكرّرون مثل هذه التوصيات لأشخاصٍ يعانون من اضطراباتٍ نفسية، وحالاتِ إصابةٍ بـأمراض، مثل: "الاضطرابات الوجدانية"، أو "اضطرابات الشخصية"، أو "اضطرابات القلق"، أو "الكآبة الحادة"، أو "الوسواس القهري"، أو "الهستيريا"، أو "البارانويا"، وغير ذلك من أمراض تحتاج عياداتٍ يديرها أطباءُ نفسانيون متمرّسون ومعالجون حاذقون.

مادام الناسُ في مجتمعنا يستهجنون مراجعةَ الطبيب والمعالج النفساني، يتكاثرُ كلَّ يوم دعاةُ ما يسمى بـ "علم الطاقة"، ويتفشى حضورُ المشعوذين والأفاكين والمحتالين والمُخادِعين والنَصَّابين، كمعالجين للأمراض النفسية، والوهن الروحي، والقلق الوجودي الذي يكابده الناس. أخطرُ هؤلاء وأشدُّهم سطوةً على مشاعر الناس، وأبرُعهم في إغوائهم وخداعهم، مَنْ يزعمون أن لهم صلة مباشرة بالغيب، وأن علاجَهم الذي يقدمونه يعتمد على المقدّس ويستعين بأسباب ميتافيزيقية في شفاء هذه الأمراض.

الغريبُ أن الناسَ في مجتمعنا لا يستهجنون مراجعةَ هؤلاء المشعوذين وأمثالِهم، في حين يستهجنون مراجعةَ الأطباء النفسانيين والمعالجين المختصين، ويحذرون من ذلك إلى الحدِّ الذي يمنع أكثر المصابين بهذه الأمراض من زيارة العيادات النفسية، على الرغم من حاجتهم الماسة لذلك، لئلا يفتضحون وينعتون بالجنون في المحيط الذي يعيشون فيه. تؤشر الاستطلاعاتُ الجادّةُ للصحة النفسية إلى أن مجتمعَنا من أكثر المجتمعات المتوطنة فيها الأمراضُ النفسية، والمفارقة أنه من أفقر المجتمعات بعدد الأطباء النفسانيين والمعالجين والعيادات المختصة 2.

كثيرون يتحدثون ويكتبون جهلًا، لكن المشكلةَ في جاهلٍ يفرضُ نفسَه مُعلِّمًا للناس، بصدق وحُسنِ نية. حُسنُ النيةِ والصدقُ وحدَهما لا يبرّران ترويجَ الجهل، وأن يكونَ الجاهلُ مُعلِّمًا للعالِم. مشكلةُ بعض من يكتبون عن الإنسان والدين جهلُهم بالفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة، وعدمُ معرفتهم بعلم الأديان.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

.........................

1- راجع مقالة د. محمد قاسم، بعنوان: "علم الطاقة الزائف"، المنشورة في موقع الجزيرة بتاريخ: 19/6/2016.

2-  راجع بعض الإحصائيات في مجتمعاتنا عن الأمراض النفسية المذكورة في الفصل الخامس من هذا الكتاب.

 

 

علي رسول الربيعيتمت الإجابة على السؤال المطروح في الحلقتين المتقدميتن، من قبل: الدكتور أستاذ محمد مسلم جمعة، نور الدين علوش، والدكتور محمد عبده أبو العلا، والدكتور علي رسول الربيعي، وأدناه جواب ا. د. أيمنة بن عودة:

أما السؤال: هل يمكنكم تقديم تسويغًا لأيً من هذه النماذج كنظام دستوري يمكن أن يكون حلًا حيًاديًا أفضل أو معالجة دستورية تجدونها مناسبة للعلاقة بين الدولة والدين أو حتى نقدًا لكافة هذه الدساتير؟

https://www.almothaqaf.com/a/qadaya/954253

جواب أ.د. أيمنة بن عودة

كان الدين قبل أن تكون الدولة، وأكثر الشعوب قدما وتوحشا كانت تعتقد بأديان ومعتقدات مختلفة نظرا للحاجة الضرورية لفهم حقيقة الظواهر الكونية، فكان اللاهوت هو المجال الخصب الذي نسج من خلاله الإنسان تفاسير تجيب عن الحاجة البيولوجية وتوفرها، أو ترتبط بالغايات التيولوجية وتتجسد أكثر في صور ميتولوجية. وكذلك كان أمر العلاقة بين أشكال الدول وأنظمة الحكم وبين الدين، فأما الرغبة في الفصل بينهما إنما هي في الحقيقة تمويه وتعتيم عن الاستعمال والاستثمار في الدين لخدمة أغراض الدولة ومقاصدها ومصالحها. وحتى في أبرز أنظمة الحكم المعاصرة التي اتخذت من الليبرالية قاعدة ومنطلقا لها، استعملت رموز الدين لتمرير أيديولوجياتها خدمة لمصالحها. لم يكن الدين خطرا على الدولة بقدر ما كانت هذه الأخيرة هادمة ومحورة للحقيقة الإيمانية لا خادمة لها. فالعلمانية تبدو من هذا المنطلق والمنطق أكبر أكذوبة سياسية تمارسها الأنظمة وتصدق بها كحقيقة تحمل شعارها تضليلا وتذليلا وتعتيما لممارساتها المشروعة. لم ينفصل الدين يوما عن تحولات روح العصور مرورا بثقافات الشعوب منذ تشكلها..

لا شك ان اختزال النقاش في الفوارق والخلافات والقاسم الانعزالي إضعاف للتنمية الثقافية لدى أي أمة، دون التركيز على الأسس المشتركة والركائز الأساسية في تجديد الفاعلية الثقافية لدى إنسانها والأجيال الصاعدة، كون أن النخب لدى هذه الأمة في الكثير من الحالات، تبقى بعيدة عن الجواب على المشاغل الحقيقية لدى أبنائها . مما يخلق أزمات تزداد استفحالا يوما بعد يوم، لأن النخب تغرد بعيدا عن الواقع، وعليه يضعف النقاش الثقافي العام، وتتعمق الهوة بين المثقف والفقيه من جهة وجماهير الأمة وشبابها خصوصا من جهة أخرى!!

المشهد الثقافي وأزمة الوعي:

مع كل تحدي ثقافي يواجهه الاجتماع العربي العام، يحتدم الجدل بين النخب، والذي يعكس أزمة الوعي الموجودة والقائمة منذ عقود، وليست وليدة اليوم، إلا أنها تفاقمت في العقدين الأخيرين، بشكل لا يضر فقط بالمشهد الثقافي، ولكن كذلك بمناهج النقاش ومسارات التجديد في بناء هذا المشهد. وأعتقد انه أبرز صورة لذلك هي الحركات الإجتماعية والاحتجاجية كظاهرة سوسيوثقافية جديدة، لم تحسن النخب بكل توجهاتها قراءتها ومقاربتها، بل إنها في كثير من الأحيان، تجاهلتها أو عجزت عن صياغة فهم لخلفياتها وآفاقها ووانعكاساتها على المستقبل العربي، هذه التوترات لدى النخب زادت من المفارقات في اللغة والتحليل والمقاربة والنقد والتطلعات، ناهيك عن تغليب البوليتيك على الثقافي مما أوجد أزمة وعي أنتجت عدم الثقة في الخطاب الثقافي والرؤى النخبوية.

النخب وأزمة وعي التجديد:

 النخب في أي اجتماع تعتبر المرجعية الثقافية الاساسية والبنيوية لكل المشاريع الهادفة للنهوض بالتنمية الشاملة والتي تنعكس آليا في الفعل الثقافي العام للإنسان وعلى جميع صعد الحياة، ما يعني أنها مسؤولة في جانب كبير عن إدارة الأزمات..

أعتقد أن الطبقة المثقفة في العالم العربي بلا استثناء، كثيرا ما تبقى بعيدة عن موضوع الجواب على الأزمات الحقيقية للإنسان العربي، والتي يمكن تلخيصها في أزمات التعليم والعمل والسكن والصحة والإدارة، مما زاد المأزق الحضاري العربي تعقيدا، نظرا لغياب علاج سليم لأزمة الوعي المتكامل، ويكفي هنا الوقوف عند التناقضات المسجلة في مواقف النخب، ومن ضمنها النخب الدينية، التي انشغلت بالتجاذبات والصراعات الطائفية، بمواقف متناقضة ومتضاربة، هاربة من الجواب عن الأسئلة الملحة في تجديد الوعي الديني المناسب للوعي الحضاري المنشود... وهناك عنصر آخر أعتبره مدمرا للوعي الثقافي، إلى جانب التداخل بين الدين والتدين من جهة، والاستراتيجية الثقافية وإدارة أزمة الوعي من جهة ثانية، وهو ما أسميه النخب المتعددة الأبعاد، اعني التداخل بين الفعل الثقافي والمال والبوليتيك والإستشارات، والذي اعتبره الفيروس المحرف لدور النخب الثقافية في بناء الوعي السليم والمتكامل للقواعد الشعبية، إذ يصبح مع هذا الفيروس الفعل الثقافي للنخب شكليا لا غير، ورد الفعل المقاولاتي في ورش المال والمناصب والإستثمارات هي الحقيقة .

هذه الأزمة في الوعي الثقافي العربي، تجعلنا نستنتج أن المثقف والفقيه يحتاج إلى مراجعات معمقة لماهية المسؤولية والدور والفعل في حقل الثقافة، لأن المناعة الثقافية لأي نظام اجتماعي يريد أن ينهض حضاريا، هي تجاوز أزمة الوعي وإدارتها لبناء الرأي العام الناضج الذي يحمي الخيارات الاستراتيجية ويحتضن التطلعات الجامعة ويشكل صرح قيم الثقافة الحضارية لهذا النظام الإجتماعي.

بين تنمية الوعي ووعي التنمية:

 من أوجه المعضلة الثقافية العربية أو مثلما يسميها المفكر المرحوم مالك بن نبي مشكلة الثقافة، الخوض في جوانب التنمية عوض التداول في قضايا الوعي الثقافي الجوهرية. وللتذكير لقد ناقش كل من مالك بن نبي ومهدي منجرة وماجد الغرباوي وغازي القصيبي مفتاح بناء الوعي المتمثل في تفكيك مشكل الثقافة، مؤكدين أن التنمية قبل أن تكون تقنيات وأدوات هي وعي ثقافي ذاتي ومغاير يضم الأبعاد الإنسانية في الدين والسياسة والاقتصاد والاجتماع واستشراف المستقبل.

و الأكيد في المستوى الإستراتيجي، لا يوجد نظام تنموي قوي ومستدام، بدون وعي قوي، يتمتع بالحرية المسؤولة والمعرفة المتكاملة والفاعلية الهادفة للصالح العام والاختلاف المغني للتعاون، والقادر على إدارة الأزمات.

محنة المثقف والفقيه مع التجديد:

مع الأسف، توجه العديد من أهل التجديد من النخب الثقافية في العالم بالدعوة إلى التجديد المؤسس على الوعي وبدون خجل أو توجس من الصخب وصيحات حراس المعابد الوهمية، إلا أن الغالبية قاطعها آنذاك وإلى اليوم، دعوات من طنجة والجزائر وتونس والقاهرة وبيروت وبغداد ودمشق والخرطوم والقطيف والرياض ومسقط، حيث شارك كل من المثقفين الأكاديميين وعلماء الدين من جل المذاهب الإسلامية في مناقشة معضلة ثقافة الوعي بخيار التجديد، وانعقدت مؤتمرات ولقاءات طرحت رؤى وخطط ومقاربات توفرت على كل شروط الموضوعية والواقعية، بل حرص الجميع في اهتماماتهم وانشغالاتهم على أن يكون الوعي لحظة مكاشفة ومصارحة من زاوية الحرص المشترك على مستقبل الأمة.

 تنمية الوعي الذي نرجو

تعريف المثقف أو الفقيه يتحدد ويتبلور بالوعي الذي ينتجه، لأن المثقف أو الفقيه الذي لا يرسم معالم وابعاد صياغة وعي متجدد ويعتبر نفسه فيلسوف الوعي، للأسف ماهو سوى سمسار لمشكلة الثقافة ونواة أزمة بناء الوعي وللأسف هذا حال الكثير من النخب، عوض أن ينفتح على الواقع ويناقش في إطار شراكة التجديد، ينطلق من الاستغراق في الشكليات والهوامش دون خدش جوهر أزمة الوعي الحقيقي؟! الوعي المرتجى، يختزل في قيم ومبادئ ومناهج وآليات تضبط الخيارات ومساراتها، من أجل إبطال القابليات للتضليل والتوظيف ضد التنمية الحقيقية التي محورها كرامة الإنسان ومسؤوليته وتكامله النفسي والعلمي والعملي.

 تنمية الوعي كوظيفة مركزية في الفعل الثقافي للنخب تعني تيسير الفهم ورفع الغموض عن الأشياء والوقائع والتحديات التي غالبا لا تكون واضحة بما يكفي، لدى قمة الهرم وقواعده. وهذا لا يعني التخندق ولا الوساطة، وإنما تعبيد الطريق أمام التعاون الإبداعي، هنا تقع مسؤولية المثقف والفقيه، مسؤولية حضارية ونابعة من روح ثقافية متألقة بالقيم والمبادئ، تساهم في رسم مناهج التدبير والتجديد والاصلاح، وهذا هو الدور الذي يمنح النخب الاستقلالية في الموقع والفعل الثقافيين، لتبسيط وتيسير التفاهم والحوار الجاد حول قضايا التجديد والتنمية، إذا غاب عنها النقاش الموضوعي، إنه طبيب الوعي كل من المثقف أو الفقيه!!

 النخب بين التزاحم والتفهم:

أعتقد أن أساس مأزق الوعي لدى العديد من النخب والذي يشكل عنصر كبح للتحول التجديدي، هو الاشتغال والمناقشة والردود بمنطق المزاحمة، وهذا يظهر في الانتقادات الانفعالية الهادفة ليس لمناقشة الرأي بالرأي وإنما المزاحمة في الفضاء الاجتماعي، دون محاولة التفهم من أجل تجديد الوعي، وهذا ما يبرهن على رهانات التجديد الجامد او الموهوم لدى رواد التزاحم..

 وهذا الخلط سواء كان عن قصد او لا، لاريب أنه عن لاوعي وإلا المسمى وعي لكنه وعي تزاحم وتشنج وضوضاء على حساب مصلحة الأمة من تعثر تجديد الوعي التنموي والنهضوي. إنني أعتبر أن مسألة الوعي جوهريا هي مسألة تفهم، عكس ما يمكن أن يروج له من أن الوعي هي فقط مزاحمة الضد.

هذا هو المأزق التكويني الذي حدث في صناعة وعي الإسلاميين والعلمانيين على حد سواء في العالم العربي، حيث كان هناك كبح إيديولوجي للتصور العام عن التجديد يستمد فاعليته من زيوت التزاحم بدلا عن مرطبات التفهم،

أعتبر أن المسؤولية الكبرى في كبح نمو الوعي التجديدي في ربوع الأمة، تتحمله نخب التزاحم، من جراء انسدادات منهجية تعطل خيارات التفهم لديها،، وهذا الواقع يمكن أن يتجاوز عبر تنمية الوعي بأهمية التفهم في بناء التعاون التجديدي الإبداعي لدى النخب، فعوض التفكير بمنطق التزاحم ووضع العصا في عجلة التجديد، يتم اعتماد مقاربة التفهم التي تضع في المقام الأول مصلحة الأمة التي تتأسس على تجاوز أزمة وعي التجديد، وليس من زاوية مصالح النخب الثقافية المتزاحمة والمتصارعة بلا أدنى وعي للأزمات المحققة بإسم المصالح الوهمية...

 

غريبي مراد - كاتب وباحث في الفكر

 

تعبيرُ المجتمع عن هُويته الوجودية وشخصيته المركزية وسُلطته الاعتبارية وخصائصه الروحية والمادية، يُمثِّل تجسيدًا واقعيًا لشرعية وجود المجتمع باعتباره كِيانًا مُتجانسًا، وكُتلةً مُتماسكة، وتاريخًا مُتجذِّرًا في الزمان، وجُغرافيا راسخةً في المكان . وإذا تكرَّست الشَّرعيةُ الاجتماعية في أنساق الحياة اليومية، تكرَّست مشروعيةُ الأحلام الفردية والجماعية، لأن الأحلام لا تقوم إلا على قاعدة اجتماعية صُلبة، وكُل بِنية اجتماعية بدون شرعيةٍ ومشروعيةٍ هي مُجرَّد ورقة في مَهَب الريح، ولَيست شجرةً ذات جذور ضاربة في الأعماق . وهذا يُفَسِّر سبب قُدرة بعض المجتمعات على الصمود في مواجهة الأزمات وعلاجها، وانهيار مجتمعات أُخرى أمام الأزمات، وعدم القُدرة على التعامل معها .

وإذا سعى الإنسانُ إلى تحقيق أحلامه الجامعة بين المنفعة الخاصَّة والمصلحة العامَّة، فإنَّ تحوَّلات جذرية ستطرأ على علاقة الإنسان بنَفْسِه، وعلاقته بمُجتمعه، وهذه التحولات تتمثَّل في تحوُّل شرعية الوجود الاجتماعي إلى مشروعية النهضة والتنمية، وتحوُّل المشاعر الإنسانية الهُلامية إلى أفكار إبداعية منضبطة بقواعد المنهج العِلمي .

ولا يُوجد مستقبل للمجتمع الإنساني إلا إذا ابتكرَ منظومته الفكرية المُشتملة على القُوَّة الناعمة (الروحية)، ووظَّفها ضِمن الإمكانيات المُتاحة لإحداث نهضة حقيقية لا شعاراتية . وفلسفةُ القُوَّة الناعمة هي تحويل الأنساق الاجتماعية والتصوُّرات الذهنية إلى ظواهر ثقافية وإشارات معرفية ومفاهيم رمزية وتفاعلات لغوية، تستطيع السيطرةَ على الذكريات (الماضي) والتحكُّمَ بالأوقات (الحاضر) والهيمنةَ على الأُمْنِيَّات (المُستقبل )، بدون استخدام العُنف والإكراه . وهذا يعني أن القُوَّة الناعمة هي السُّلطة المعنوية المُتجسِّدة في الثقافة والأخلاق والمبادئ . وإذا صارت القُوَّةُ الناعمة ذات حُضور راسخ في المجتمع (الداخل)، فإنها ستُصبح عُنْصَرَ جَذب ومَحَل إعجاب ومَثَلًا يُحْتَذَى لباقي المجتمعات (الخارج). وهكذا يتحقَّق مفهوم الاختراق بدون استخدام القُوَّة العسكرية، وتتجذَّر القناعات بدون اللجوء إلى القُوَّة المادية . وهذا دليلٌ واضح على أنَّ السيطرةَ على القلوب باستخدام الأفكار أعمقُ أثرًا مِن السَّيطرة على الأجساد باستخدام الأسلحة . وهذا هو الفرقُ الجوهري بين القُوَّة الناعمة التي تخترق النَّفْسَ البشرية بلا إكراه، وبين القُوَّة الخشنة التي تحتل الجسدَ البشري بالإكراه . والسُّلطة الحقيقيةُ هي القُدرةُ على احتلال القُلوب، والسَّيطرةُ على الأرواح، وتغييرُ القناعات الداخلية باستخدام الأدلة والبراهين، وإنشاءُ منظومات اجتماعية جَذَّابة تُؤَدِّي إلى الرضا عن النَّفْس، والتَّطَلُّع إلى مُستقبل مُشرق. وكُل سُلطة حقيقية تَقُود بالضرورة إلى سياسة منطقية تَعتبر السَّيطرةَ تنقيبًا مُتواصلًا في النَّفْس البشرية للوُصول إلى الطهارة القلبية، ولَيس احتلالًا للجسد البشري وإذلالًا له، مِن أجل بناء العروش على عِظَام الضَّحايا . وكُل مجتمع قائم على أحاسيس الضحايا، ومشاعر المظلومين، ستنتشر فيه مفاهيم الثأر والانتقام والتَّرَبُّص وانتظار اللحظة من أجل الانقضاض، لأن الدَّم لا يَنام، والماضي لا يَمْضي . ومِن أجل الخروج مِن هذا المأزق الوجودي والمُعضلة الاجتماعية، ينبغي الاستثمار في قلوب الناس، والسَّيطرة عليها بالحُجَج المنطقية والأدلة العقلانية،بعيدًا عن أساليب القهر والقَسوة والإكراه والضغط النَّفْسي. وهذا هو الطريقُ الوحيد للسيطرة على الناس، ودَفْعهم إلى تَبَنِّي القِيَم الإنسانية ونشرها.والقلوبُ هي الحاضنةُ للأنظمة السياسية والمنظومات الاجتماعية، والقادرةُ على الدفاع عنها . وما استقرَّ في القلوب، ثَبَتَ على أرض الواقع، وما رَفَضَته القلوب، سَقَطَ على أرض الواقع .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

عاد الحديث عن السيكسيزم والميجوسينية إلى الواجهة في الوسط السياسي الهولندي. فيا ترى ماذا يتضمن هذان المفهومان وما تأثيرهما على صيرورة حياة المرأة السياسية؟  نلاحظ ، في الآونة الأخيرة، مانشيتات الصحف ومقالات تعبر عن قلق السياسيات الهولنديات من تزايد العنف ضدهن على منصات التواصل الاجتماعي وبالأخص على تويتر. فهل يُعقل هذا في دولة تتمتع النساء فيها بحقوقهن السياسية

لكن الحدث الأهم وربما السبب في هذه الحملة العدوانية ضد السياسيات هو أن عشرَ نساء تقدّمن ولأول مرة في تاريخ هولندا السياسي، قائمةَ انتخابات شهر آذار / مارس 2021 لكي يَقُدْن أحزابَهن. فمن هذه الأحزاب الكبيرة / المتوسطة والقائدات السياسيات، سيكريد كاخ من حزب D66 (ديمقراطيو66، حزب ليبرالي يمين وسط)، ليليان مراينسن  الحزب الاشتراكي، ليليان بلومن  حزب العمال وإستر أوهاند من حزب الحيوانات.

كانت المفاجأة مع صعود سيكريد كاخ الجديدة على الساحة السياسية والتي كانت قد تبوأت مناصب عديدة في الأمم المتحدة وفي وزارة الخارجية الهولندية وهي حاليا وزيرة التجارة الخارجية والتعاون من أجل التنمية في حكومة تسيير أعمال. سيكريد كاغ  أثبتت حضورا مميزا خلال حملتها الانتخابية، الأكثر تقدمية حسب قولها، فكان لها النصيب الأكبر من التغريدات السلبية والرسائل التي انهالت عليها كلها كراهية وعدوان، وذلك لكونها امرأة صاحبة كاريزما، بالإضافة إلى أنها متزوجة من فلسطيني مسلم، أنيس القاق، طبيب أسنان وسفير فلسطين سابق في سويسرا. وهي أيضا أم لثلاثة أبناء وابنة. ولنعُد إلى هذه الحملة ضد السياسيات، ونتساءل  عن دور مفهومي الميسوجينية  والسيكسيزم  في حياة المرأة السياسية.

إن مفهوم السيكسيزم حديث العهد. لقد لوحظ استعماله في بداية الموجة الثانية لتيار النسَوية، خلال ستينيات القرن الماضي، في الولايات المتحدة. وغالبا ما يُشار، بالأخص، إلى كُتَيب لشلدوم فناوكر حول "السيكسيزم" عام 1968. وهذا المفهوم هو التمييز على أساس الجنس ويقع غالبا على المرأة أكثر من الرجل. أما الميسوجينية فهي بكل بساطة الكراهية التي تُقذف بها المرأة عندما تدخل، بالأخص، ميدان السياسة؛ كره المرأة بشكل عام، الغير مبرر بالنسبة لها. فالنسَويات تحاربن أيضا السيكسيزم. وهذا الأخير يؤثر على المرأة والفتيات. لكن يمكن أن يؤثر أيضا على الرجال والفتيان في حالة أنهم لا يمتَثِلون لأدوار النوع الاجتماعي وما يَنتظر المجتمع منهم.

السيكسيزم سلاح خفي وخطر ويولّد عند المرء إحساس بالنقص واللجوء إلى الرقابة الذاتية ومحاولة تجنب المجابهة وتغيير السلوك. وقد يؤدي هذا كله إلى تدهور نفسي و صحي. ولا يقوم السيكسيزم على العدل والمساواة بين الجنسين كما أنه يتواجد في كل الميادين.

الأفعال الفردية لسيكسيزم تبدو لأول وهلة عادية وقد تبدأ بنكتة. لكنها تخلق مناخ التخويف والخوف وعدم الأمان. وهذا يؤدي إلى التغاضي عن العنف، بالأخص من طرف النساء والفتيات. وبما أن هذا المفهوم له تبعات معقدة لذلك تبنى الاتحاد الأوروبي توصية بشأن منع ومكافحة التمييز على أساس الجنس. وإلى جانب هذا، شكّلت الأمم المتحدة للمرأة، عام 2010، أربع هيئات دولية لتحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، من ضمنها مكتب المستشارة الخاصة للقضايا الجنسانية.

لقد كشف بحث "دليل السلطة"(1) machtswijzer  لعام 2001 وهو عبارة عن دليل طوّره مجلس النساء الناطقات باللغة الهولندية، عواقب ميكانزمات النوع الاجتماعي خلال الاجتماعات، في الهيئات الإدارية، في مجال اللوبي وما شابه ذلك. وكيف يمكن التعامل معها بمجرد اكتشافها. وينصب الاهتمام على خمس ميكانزمات  التي تعمل على تقويض مهارات عمل المرأة من قبل زملائها.

أولا، جعلها غير مرئية؛ يتجاهلونها.

ثانيا، يَسخرون منها

ثالثا، لا يُعلِمونها بكل شيء

رابعا، يُعرقلون نجاحها

خامسا، يُثقلونها بالإحساس بالذنب.

علاوة على ذلك، فالتمييز على أساس الجنس يشمل كل تعبير، سواء فعلا، كلمة، صورة، أو حركة أساسها فكرة التقليل من قدر الآخر وتهميشه.

في المجال السياسي، تواجه المرأة عراقيل من نوع آخر؛ من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. وهذا ما أكّدته The Gardien وThe New York Times   وAmnesty International ومنضمات دولية أخرى مرارا وتكرارا، خلال السنوات الماضية: أن السياسيين يعانون من الكراهية عبر النت، لكن الكراهية تقع، بالأخص، على شخص السياسيات بشكل فاق كل المقاييس. فنتيجة ذلك لم ترشح ثمان عشرة برلمانية نفسها للانتخابات البرلمانية السابقة في المملكة المتحدة بسبب معاناتهن من هذه الكراهية.

ولدراسة هذه الظاهرة، قامت  سَهْرا محمد ويُورس فربيك، من جامعة أوترخت بالتعاون مع صحيفة خرون أمستردمر العريقة منذ 1877،  ببحث(2) لتحليل 932 339  تغريدة ما بين الأول من تشرين الأول / كتوبر 2020 و26 شباط / فبراير 2021 مُرسلة إلى كل النساء الموجودات على قائمة الانتخابات آذار / مارس 2021. وقد استعمل برنامجا اُستلهم من البرنامج الذي تستخدمه منظمة العفو الدولية لحصر كراهية المرأة؛ يعتمد النوع الاجتماعي والادوار النمطية للمرأة في المجتمع، بالإضافة إلى توزيع التغريدات حسب العمر / الجسم، العرق والديانة.

نرى من خلال هذا البحث، أن نسبة  10 في المائة من مجموع التغريدات (932 339) الموجهة – تويتر- إلى السياسيات الهولنديات فحواها الكراهية والعدوان وأحيانا التهديدات. فأغلب هذه اللعنات / التغريدات تندرج تحت ملصق النوع الاجتماعي والتمييز على أساس الجنس. وفي حال تنتمي السياسيات  إلى أقليات دينية أو عرقية، أو سمراء اللون، فإنهن يتعرضن أكثر للكراهية. ولوحظ أيضا أن النساء اللواتي يدخلن ميدان السياسة يمكن أن يتوقعن تعليقات حول المظهر الخارجي، كالملابس، اللون، نبرة الصوت، تسريحة الشعر، حول أجسامهن وكذلك ديانتهن. ولا ننسى الحملة الأنثوية التي شُنّت ضد هيلاري كلينتون خلال الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016. ويستنتج من هذا، أن المرأة تتعرض أكثر للكراهية في المجال السياسي. لذلك تخشى السياسيات من تخوف الشابات وعزوفهن دخول المجال السياسي.

والملاحظ، أن نسبة  22 في المائة من  كل التغريدات (932 339 )، أرسلت للسيدة سيكريد كاغ، القائدة السياسية لحزب ديمقراطيو 66؛ بمعنى  ثلاث عشرة ألف تغريدة سيئة جدا في أقل من خمسة أشهر؛ أي تغريدة كل ربع ساعة. لكن كوثر بوشاليخت رقم 9 على لائحة الانتخابات لحزب اليسار الأخضر، فقد حصدت نسبة 30 في المائة من التغريدات السيئة وذلك لكونها امرأة، محجبة ومن أصول مغربية . ولقد فقدت مصداقيتها لفترة، لأنها كانت نائب رئيس منظمة فيميسو FEMYSO؛  وهي منظمة جامعة لمختلف حركات الشباب الإسلامي في أوروبا، يدعمها الاتحاد الأوروبي. وتضم في عضويتها مؤسسات في ثمانِ وعشرين دولة. وحسب الخبراء، فإن منظمة فيميسو على صلات بجماعة الإخوان المسلمين المتشددة. لكن بوشاليخت نفت عنها، في برنامج تلفزيوني M""، كل الشبهات. بالإضافة إلى ذلك، أكد رئيس حزب اليسار الأخضر يس  كلافر دعمه لشخصها وللمبادئ التي تحملها، حسب قوله. إلى جانب سيكريد كاغ  وكوثر بوشاليخت، هناك سيلفانا  سيمونيس، من أصول سورينامية، سمراء اللون، مذيعة الراديو ومقدمة برامج تلفزيونية  ورئيسة حزب Bij1""؛ هي أيضا حصدت نسبة 20  في المائة من كل التغريدات السلبية. وتعاني منذ 2015 من هذه الكراهية في حقها.

فإلى أين تتجه كراهية السياسيات؟ والجواب أن نسبة تغريدات الكراهية توزع كالتالي: 40 في المائة  بسبب الجندر،  30 في المائة الديانة، 25 في المائة أسباب أخرى، 20 في المائة العِرق، و9  في المائة العمر / الجسم. كما لوحظ أن المغردين ينادون البرلمانيات بألقابهن، كلغة احترام،  بنسبة 27 في المائة  فقط مقابل  75 في المائة للبرلمانيين. وهذا أيضا يعني أن البرلمانيات لا يؤخذن، من البعض، بمحمل الجد. ويوجه أصبع الاتهام في هذه الميسوجينية  والسيكسيزم إلى اليمين المتطرف والهولنديين من أصول الأتراك- القوميين.

لقد شمل البحث أيضا 245 مقابلة في صحف وجرائد يومية مع سياسيين، مرشحين في الانتخابات، برلمانيين، أعضاء حكومة ورؤساء بلديات، رجالا ونساءً، ما بين كانون الأول / يناير 2019  وشباط / فبراير 2020. وقد اتضح اختلاف في وصف واستجواب السياسيات عن السياسيين من خلال المواضيع والكلمات المختارة.  فمن بين الكلمات المتكررة التي تداولها الصحفيون مع السياسيين، ملايين، مالية، ضرائب، خطط ودولة القانون. أما المواضيع التي سُئِلت عنها السياسيات كانت أغلبها عن المرأة، الابنة، الأم والحياة وأيضا عن الزوج.

فمن البرلمانيات اللواتي تجرأن كسر هذا الحاجز، البرلمانية الهولندية، من أصول تركية، سادات كبولوت من الحزب الاشتراكي، التي تقول أن السيكسيزم  وأنواع أخرى من الكراهية يمكن أن تكون سلاحا، يستعمل ضد السياسيات الحاليات كما ضد السياسيات الجدد.  وتضيف أن عددا كبيرا من زميلاتها يفضلن الرقابة الذاتية والسكوت تفاديا التهميش.

أما سيكريد كاغ  فتقول، إن الأمر لا يتعلق بي، أنا لست مثيرة للشفقة. لدي أحسن عمل في هولندا. وتضيف أن الكراهية فاقت كل المقاييس وهي موجهة بالأخص للسيدات والفتيات لكي لا يتجرأن فتح أفواههن والتعبير عن رأيهن وإذا فعلن ذلك فهم يعرفون مكانَهن. لكنها لا تستسلم بعد ثلاثين سنة خبرة. فما يهمّها،  بشكل رئيسي، هو طموح الفتيات ونظرتهن للمستقبل.

ولحسن الحظ، فهؤلاء السياسيات الجدد كما السياسيات الناشطات لم يكترثن لهذه الكراهية وكسرن تابو السيكسيزم ونجحن في جعله قيدَ التداولِ. كما أنهن فُزْن بمقاعد في البرلمان لكي يتابعن مسيرتهن السياسية من أجل العدالة الاجتماعية والمساواة بين الجنسين. حسب تغريدة  بوشاليخت؛ "الأمل فوق الكراهية".

 

نجاة تميم

..................

(1) Definiëring van het concept "seksisme", Magda Michielsens Onderzoekshuis, 2009

(2) نشر يوم 3 آذار\مارس 2021، صحيفة خرون أمستردمر، رقم 9

 

 

يقول برايان تريسي"جوهر الشخصية هو تقدير الذات وخير تعريف لتقدير الذات هو مقدار حب المرء لنفسه، ان تقديرك لذاتك هو المجموع الاجمالي لمقدار ماتشعر به من أهمية وقيمة تجاه نفسك في أي لحظة".

يعبر تقدير الذات عن الراي الخاص بالنفس، وهذا الراي يعتمد عليه نجاح الشخصية اوفشلها، فان كانت نظرتك ايجابية لقدراتك ومهاراتك الشخصية متقبل لكل صغيرة وكبيرة فيها فانت تمتلك تقديرا صحيا لذاتك ثم للاخرين ونظرتك عن الحياة ايجابية ومشرقة.

اما اذا كانت نظرتك سلبية وتعاني من تقدير متدن لذاتك يتسم بالكثير من المشكلات والعقد والمشاعر السلبية التي تؤثر بشكل كبير على حياتك هذا التاثير الذي يؤدي الى احتقار الذات والشعور الدائم بالنقص والدونية وعدم القدرة على مواجهة ابسط الامور الحياتية، فلابد انك تعاني من ضعف التقدير الذاتي.

جميعنا نمر بلحظات او لنقل محطات عصيبة في حياتنا تجعلنا نخسر او نصارع او نكافح او نظطر الى استبدال المكان او المهنة او الاصدقاء، نتعرض للخسارة والغبن والظلم والهزيمة وتلك كلها امور واردة في معترك الحياة لاننا وببساطة لانعيش في المدينة الفاضلة، وان وجودنا في الحياة يحتم علينا ان نكافح لاثبات وجودنا، وهذا امر طبيعي وعليه يعتمد وجود الانسان في الحياة، لكن ان يصل الامر بالانسان الى احتقار ذاته ومعاقبتها وجلدها وكرههها الى حد انه يكره النظر الى نفسه في المرآة بل ويكره حتى اسمه! فذلك مرض يجب الوقوف عنده ومعرفة اسبابه التي اثمرت عن المشاعر السلبية التي تراكمت في نفسه مسببة له عقدا نفسية لاحصر لها كالقلق والوسواس والانطواء والانعزال عن الاخرين، والتجهم وكره النفس ثم الاخرين، وحب الانتقام، وقد تؤدي هذه الاسباب مجتمعة الى الانتحار!

فلطالما نسمع وبصورة مستمرة اخبارا عن اناس انهوا حياتهم لسبب او لاخر من الجنسين بعد ان تعذرت طاقتهم الذاتية عن دعمهم وامدادهم للتشبث بالحياة!

ان ضعف التقدير الذاتي يعود بالدرجة الاساس الى التربية الخاطئة للطفل في مراحله العمرية وما رسخ في ذهنه من معتقدات وافكار انتقلت اليه من الاهل بصورة مباشرة ثم المحيط، وما ان خرج للحياة حتى واجه انتقادات جعلته عاجزا عن مواجهتها فاضطر الى التراجع او التقهقر ثم الانطواء والانعزال، وهناك امور تتسبب بضعف التقدير الذاتي للنفس نذكر منها على سبيل المثال:

- القسوة المفرطة التي يتربى عليها الطفل من تعنيف جسدي ونفسي، كضربه ومناداته بالقاب دونية تحط من قدره، ومقارنته المستمرة باخوته او اقرانه تلك المقارنة التي تصبح كالكابوس الذي يلاحقه ويذكره بانه فاشل وانه اقل قيمة من غيره.

- الدلال المفرط، وهذا يلغي شخصية الطفل من الاساس لانه يعتمد اعتمادا مباشرا على والديه اللذان يقدمان له كل شئ على طبق من فشل يدفع ثمنه باول مواجهة في الحياة، فما ان يغيب عن ناظريهما لسبب او لاخر حتى يشعر بالانكسار وضعف المواجهةوصعوبة اتخاذ القرار وكانه سياج ايل مستند على دعامة ما ان ترفع الدعامة حتى يسقط السياج برمته!

- المثالية الكاملة او هوس الكمال وهذا احد اهم الامور المدمرة التي تساهم في تدني تقدير الذات، ذلك لان الانسان هنا قد تعلم ومنذ طفولته الاولى ان عليه القيام بالعمل على اتم وجه والا فانه يشعر بالفشل مهما كان اداؤه ناجحا ومميزا فمثلا انه اخذ تسعة من عشرة في درس ما فجوبه بالتوبيخ او العقاب، مع ان الدرجة الواحدة ليست معيارا للتفوق، وهذا كفيل بان يولد في نفسه ردة فعل تجاه الفشل، فهوسه بالكمال يشعره بالفشل الدائم، فهو مهووس بكل صغيرة وكبيرة، بل انه لايهمل اي شئ مهما كان صغيرا وهذا الهوس يجعله يتخبط بدوامة الفشل.

- استعداد الشخصية نفسها وتقبلها لهذا النوع الدوني من الاداء التقديري وعدم رفضها او التمرد على ذلك لسبب او لاخر.

ان لكل انسان شخصية تختلف عن الاخر، فلايوجد شخص يشبه اخر مئة بالمئة ولاحتى بين التوائم لان الشخصية الانسانية تتميز بقدرتها او بضعفها عن الاستقبال او التعلم كسمة موجودة اصلا بالشخصية تصقل بالتربية والتثقيف الاسري، ومايتقبله فلان يرفضه اخاه الذي يعيش في نفس البيت و بنفس الظروف، لذا فالتربية عامل اساسي ومهم في تكوين شخصية الطفل –الانسان- الذي سيصبح غدا جيلا واعدا او فاشلا!

ومن الاخطاء الشائعة التي يقع فيها المربين- الاهل- بالغالب هو التمييز بين الابناء، فعملية انتزاع اللعبة من الطفل الهادئ من اجل اسكات اخيه المشاكس هي الخطوة الاولى واول مسمار يدق في نعش الذات الضعيفة التي ستتعود على الاستغناء عن حقها بكل سهولة من اجل ارضاء الاخرين، اوالرفض الكبتي الذي يبث سمومه و يحول الشخصية الى اتون مستعر من مشاعر الحقد والانتقام، فليس من العدل والانصاف ان ناخذ مقتنيات الطفل الهادئ لنرضي بها الطفل المشاكس، وبدلا من مكافأة الهادئ على هدوءه فاننا نكسره نفسيا ونمكن المشاكس ليتمادى اكثر..

واذا نظرنا نظرة عامة الى سمات ضعف التقدير الذاتي سنجد الاتي:

- مشاعر الغضب التي تتولد نتيجة لاحتقار النفس والاحساس بالدونية، وذلك بسبب التربية الخاطئة للطفل او المعاملة السيئة من قبل الشريك او الاخوة او الاصدقاء حيث يترسخ هذا الشعور في النفس ويسيطر على الاداء النفسي والسلوكي للانسان.

- عدم قدرة الشخص على الرفض وتكون كلمة"لا" ثقيلة عليه جدا، لانه اعتاد على ارضاء الاخرين باي طريقة فهو دائم المجاملة والاعجاب بالاخرين.

- الحرص المفرط على مشاعر الاخرين والخوف من البوح باي شئ يؤدي الى زعلهم.

- الاعتماد على الدعم الخارجي من الاخرين بالتقدير والثناء وعدم استمداد ذلك الدعم من الذات الداخلية، وفي حال غياب ذلك الدعم فذلك يؤدي الى الشعور بالتوتر والنقص.

- الشعور الدائم بالذنب في اي عمل او فعل او قول، بل ان الاخرين اعتادوا على توجيه اصبع الاتهام اليه بسبب او دونما سبب .

- الاذعان الدائم لرغبات الاخرين وتفضيلهم على النفس، فلو طلب احدهم منه شيئا فهو على استعداد ان يترك كل شئ في سبيل تحقيق ماطلب منه ولو على حساب نفسه.

- التزام الصمت كخط دفاعي لعدم الاعتراض وجعل الاخرين يزعلون من صراحته مثلا، فهو مستعد ان يتخلى عن مبادئه في سبيل ارضاء الاخر.

- الحساسية المفرطة تجاه اي قول او فعل او حتى اشارة او ايماءة و هي احد الامور الاكثر وجعا وايلاما، فتاثير الانتقاد مهما يكن ينزل كالصاعقة على النفس وكأن العالم قد انتهى .

- الشعور الدائم بان الاخرين يتآمرون عليه ويحاولون النيل منه باي شكل من الاشكال.

- ضعف او انعدام الثقة بالنفس الذي يقود للشعور بضعف القيمة الذاتية وتدنيها مقابل الاخرين.

هذه الامور وغيرها كفيلة بان تجعل الانسان يشعر بعجزه وفشله ثم ضعف او انعدام تقديره لذاته الذي سينعكس حتما على تقدير الاخرين له، ولعلاج ضعف تقدير الذات على الانسان ان يلجأ للاتي:

- اتخاذ القرار بالتغيير هو الخطوة الاولى للتغلب على ضعف التقدير الذاتي، عن طريق تغيير الحوار الداخلي من خلال ترديد جملة ايجابية كرد مناسب لكل نقد سلبي توجهه لذاتك.

- سامح نفسك عن الاخطاء التي حدثت معك راغبا اوراهبا فكلنا بشر وقد جبل الانسان على الخطا والصواب مادام هناك باب فتحها الله اسمها التوبة والمغفرة فكن مطمئنا.

- تحدي الافكار والمعتقدات السلبية التي وصلت اليك عن طريق التربية الخاطئة او الايحاء ، وراقب افعالك واقوالك واعمل مقارنة لكن هذه المرة بين منجزاتك واخفاقات الاخرين.

- لاتدع للفشل طريقا وتذكر ان الفشل بامر ما لايعني انك فاشلا فلاتخلط الاوراق لان كل امر بالحياة قابل للفشل والنجاح وتذكر ان الفشل اساس النجاح والتجربة اساس الانجاز.

- فكر بواقعية واستثمر ظروفك وتذكر ان الكمال صفة الهية ولايوجد انسان كامل، بل اقتنع بماموجود لديك واسع الى تطويره.

- اجعل لنفسك عالما خاصا وان كان افتراضيا تلجا اليه عند شعورك باي مشاعرسلبية كممارسة هواية معينة اوالقيام بعمل يجعلك فخورا بذاتك.

- ردد عبارات ايجابية مثل، انا متفاءل، غدا يوم جديد، الشمس مشرقة، الصباح اليوم رائع، انا احب الصباح، الحياة جميلة، وهكذا هذه العبارات هي بالحقيقة المفتاح الذي سيغير شيفرة عقلك الباطن ليبدأبالتغيير.

- استمع الى اراء الاخرين من باب حب الاستطلاع ولاتاخذ الا بالذي تراه مناسبا والا فهو مجرد راي لا اكثر.

- نوّع مصادر ثقافتك واختلط بالاصدقاء الجيدين ولاتجعل نفسك حكرا لمصدر واحد يوجهك كيفما يشاء.

- الاهتمام بالمظهر الخارجي، يجعل الانسان يشعر بالرضا عن نفسه، فهناك امور صغيرة لكن وقعها بالنفس كبير.

- احرص على التواصل البصري، فعندما تتحدث كن واثقا من حديثك بان تنظر بعيون الشخص المقابل فهذا يعزز اداؤك وثقتك بنفسك، وتحدث بضمير المتكلم"انا" للتدريب على التعبير عن المشاعر بكل حرية.

- احرص على ادارة مشاعرك بطريقة ايجابية تجلب لك السعادة وتحبب الاخرين بك.

- لاتبرر لاحد اي عمل قمت به وانت مقتنع تماما بوجهة نظرك، لانك لست مضطرا للتبرير مادامت سلوكياتك صحيحة.

- تغاضى عن الامور الصغيرة والاقاويل التافهة ولاتعر لها اهمية لانك لو فعلت ستجعلها مهمة، بل فكر بالاهم ثم المهم واحرص على ان تكون نظرتك للامور شمولية.

ونخلص الى القول بان احترام وتقدير الذات يشير الى نظرتنا الداخلية لانفسنا التي تترجم افعالنا وسلوكياتنا وتجاربنا الحياتية وهو ماينعكس على الاداء الاجتماعي والمهني، لذا على الانسان ان يقدر ذاته ومايملك من قدرات ومواهب وميزات مهما كانت، فلا احد يقدم لك التقدير والاحترام مالم تقدمه انت لنفسك"رحم الله امرئ عرف قدر نفسه".

واخيرا اقول: كن راضيا عن نفسك وتقبلها بقبول حسن فلكل زهرة لون وعطر ولكل طير شكل وصوت والحياة مواسم كما الفصول، وعلى هذا جعلنا الله مختلفين.

 

مريم لطفي

 

 

محمد بنيعيش

أولا: لا ازدهار للبحث العلمي بغير دعم وحث رسمي

إذا كان وزن العلم في الماضي واحترامه قد تم  منذ البداية داخل المساجد والجوامع والزوايا والتكايا فإن تطور المدينة والحضارة العمرانية للإنسان قد دفعت به إلى تأسيس الجامعات والمعاهد الرسمية عبر عنها في قرون متقدمة من تاريخ الأمة الإسلامية بالمدارس، كالمدرسة النظامية ببغداد وغيرها.

إذ أصبح العلماء حينئذ لهم خاصية رسمية مدعمة من طرف السلطة وطرق ممنهجة ومبرمجة للتدريس وتخويل الشهادات العلمية تحددت من خلالها التخصصات الدقيقة والتفريع الموضوعي للعلوم والفنون، وذلك بإشراف من الدولة نفسها على سلامة ومذهبية تلك المدارس، بحيث أن المدرسة النظامية كأشهرها كانت تمثل دعامة علمية للمذهبية الرسمية للدولة وحماية للاستقرار السياسي والنفسي والاجتماعي، وبالتالي كانت تمثل مفخرة لأولئك الخلفاء وحتى الوزراء الذين سهروا على إنشائها كما اشتهرت بإسمهم، شأن المدرسة النظامية في نسبتها إلى الوزير نظام الملك، وشأن المستظهري نسبة إلى الخليفة المستظهر بالله  وهو كتاب للغزالي في فضائح الباطنية الذي أوعز إليه أن يؤلف كتابا موضوعيا يحمي به معتقدات المجتمع ويردع تمويهات وزئبقيات الزنادقة في عصره، كان من نتيجة انتشارهم اغتيال الوزير نظام الملك على يد القرامطة الباطنية، ومن ثم دعت الضرورة إلى حماية علمية للأمة، وفي اللية الظلماء يفتقد البدر!

إذ يقول الغزالي عن هذه الظروف "وكان قد نبغت نابغة التعليمية وشاع بين الخلق تحدثهم بمعرفة معنى الأمور من جهة الإمام المعصوم القائم بالحق، عن لي أن أبحث عن مقالاتهم لأطلع على ما في كتبهم، ثم اتفق أن ورد علي أمر جازم من حضرة الخلافة بتصنيف كتاب يكشف عن حقيقة مذهبهم فلم يسعني مدافعته وصار ذلك مستحثا من خارج ضميمة للباعث الاصلي من الباطن، فابتدأت بطلب كتبهم وجمع مقالاتهم"[1]

ومن هنا فقد أصبحت المدرسة النظامية ذات فعالية وإنتاج إيجابي له دور مهم ورئيسي سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي والنفسي، وبالدرجة الأولى على المستوى العقدي الذي هو أهم ركائز الأمة وأساسها الذي تنبني عليها مدنيتها وحضارتها ووعيها.

وهذا النموذج المدرسي قد وجدت له نظائر كثيرة في العالم الإسلامي، تتفاوت فيما بينها مستوياتها وإشعاعاتها العلمية والأدبية والصناعية... كجامع قرطبة بالأندلس والقرويين بفاس والزيتونة بالأندلس والأزهر بمصر إلى غير ذلك من المدارس أو الجوامع العلمية (بمعنى المجمعات) التي ازدهرت بازدهار الاقتصاد والسياسة وطبيعة الأنظمة القائمة آنذاك، مما كان تشريفا للعلم والعلماء وإدراكا لدوره الرئيسي في الحياة الإنسانية عموما، وعلى مستوى الحكم والتشريع خصوصا‍‍‍‍‍!

وفي هذا المجال يذكر ابن خلدون عن الواقع العلمي والتعليمي بالمغرب والأندلس أن "سند تعليم العلم لهذا العهد قد كاد ينقطع عن أهل المغرب باختلال عمرانه وتناقص الدول فيه وما يحدث عن ذلك من نقص الصنائع وفقدانها كما مر، وذلك أن القيروان وقرطبة كانتا حاضرتي المغرب والأندلس، واستبحر عمرانهما وكان فيهما للعلوم والصنائع أسواق نافقة وبحور زاخرة، ورسخ فيهما التعليم لامتداد عصورهما وما كان فيهما من الحضارة، فلما خربتا انقطع التعليم من المغرب إلا قليلا ..."[2]

ثم يمضي واصفا أوجه البطالة الفكرية عند المغاربة في زمانه بسبب هذا الخلل العمراني وانقطاع السند المعرفي: "وبقيت فاس وسائر أقطار المغرب خلوا من حسن التعليم من لدن انقراض تعليم قرطبة والقيروان، ولم يتصل سند التعليم، فعسر عليهم حصول الملكة والحذق في العلوم، وأيسر طرق هذه الملكة فتق اللسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلمية، فهو الذي يقرب شأنها ويحصل مرامها، فتجد طالب العلم منهم بعد ذهاب الكثير من أعمارهم في ملازمة المجالس العلمية سكوتا لا ينطقون ولا يفاوضون، وعنايتهم بالحفظ أكثر من الحاجة. فلا يحصلون على طائل من ملكة في التصرف في العلم والتعليم، ثم بعد تحصيل من يرى منهم أنه قد حصل تجد ملكته قاصرة في علمه إن فاوض أو ناظر أو علم، وما أتاهم القصور إلا من قبل التعليم وانقطاع سنده وإلا فحفظهم أبلغ من حفظ سواهم لشدة عنايتهم به وظنهم أنه المقصود من الملكة العلمية وليس كذلك"[3]

وابن خلدون في هذا النص كأنه يسدل الستار على المد التقدمي للعلوم في المغرب والنواحي، والذي بقي مسدولا إلى يومنا هذا رغم بعض المحاولات الشكلية والرسمية غير الجادة في التجديد، بحيث إن جامعة القرويين ومعها حتى دار الحديث الحسنية وكذلك شعب أخرى مرتبطة بها شكلا أو مضمونا ،من الداخل أو الخارج حتى الخليج، لم تستطع أن تطور مناهجها رغم إعادة الترميم لهذه المؤسسات وتقسيمها إلى فروع شكلية، مع إعطائها هالة أكثر مما هي إليه مؤهلة، بحيث الملاحظ على كثير من خريجيها وكذا أساتذتها ،ولا أستثن نفسي منهم في كثير من الوجوه ، هو ما ذكره ابن خلدون في النص السابق، وذلك لانقطاع السند فيها سواء على المستوى العلمي  أو الروحي كذلك، ولهذا فقد لا نجد لهم حضورا فعالا على مستوى الكتابة أو التأليف من العيار الثقيل والاجتهاد العلمي ولا على مستوى الندوات والمناظرات كمواكبة للتطورات، وأيضا لحل الإشكالات والإجابة عن التساؤلات بالدفاع العقدي عن الدين وقضاياه، بل كما وصفهم ابن خلدون "تجدهم سكوتا لا ينطقون ولا يفاوضون".

ومن ثم أصبحت العلوم المدرسة بكثير من مؤسساتنا المعصرنة شكلا ومصطلحا توصف من طرف طلبتها والمتربصين للإساءة إليها بأنها: "هذه بضاعتنا ردت إلينا" أي أن أغلب التدريس فيها عبارة عن تلقين إملائي وحفظ واستنساخ ثم إهمال وانسلاخ، فحصل عندئذ خلط وخبط في هذه المؤسسات التابعة للتعليم العالي والبحث العلمي حول دورها ووظيفتها والغاية المتوخاة من التدريس والتكوين بها. بحيث لم يعد يميز مثلا بين مفهوم جامع القرويين وجامعة القرويين،ونفس الأمر في الجامعات العربية الأخرى ذات الشهرة التاريخية والعلمية، إذ الأول يعني تدريس العلوم الشرعية التلقينية بالحفظ والسماع والإجازات والوعظ والإرشاد وتخريج أفواج القراء وأئمة المساجد والقيمين على الأوقاف والأحباس، وذلك على مذهب المالكية لا غير، وخاصة في مجال الفقهيات، على رأسها كما كان قبل حفظ منظومة: عبد الواحد بن عاشر، المرشد المعين على الضروري من علوم الدين، ومختصر خليل، والرسالة لأبي زيد القيرواني ومتن العاصمية: تحفة الحكام، إضافة إلى متون النحو كألفية ابن مالك والآجرومية وغيرهما، كما قد يدرس التفسير ومصطلح الحديث... إلخ.

ومن هنا فالغالب على هذا النوع من التدريس هو التلقين الحرفي والاستظهار، وحتى إن وجد من يريد التوسع فيها فلا يكون سوى شارح ومستفيض في التدقيق اللغوي على أغلب تقدير.

ثانيا: الواقع العلمي وتأثير الدعم الرسمي والمجتمعي في تطوره

ومع هذا فقد كان جامع القرويين فيما قبل أكثر ازدهارا وعلما وتفتحا، وكان رجاله لهم حضور قوي سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي بصفة عامة، بل إن جل الزعماء السياسيين سواء قبل الحماية أو عندها قد تتلمذوا في هذا الجامع وتخرجوا منه، أو لنقل تأسسوا فيه تحصيلا وتفكيرا. وذلك لما كان يمتاز به جامع القرويين من احترام وتقدير على مر العصور والأدوار وبحسب الأزمنة والأطوار، وبالتالي فقد كان له تفاعل مع الواقع السياسي والوحدة الوطنية والحالة الاقتصادية للبلاد ووعي العباد. كما كان له حظه من المد والجزر بحسب تواصله مع المراكز العلمية المرموقة عبر الأزمنة، وذلك لما لتلك المراكز من أثر على جامع القرويين في باب اتصال السند العلمي ودعمه من خلال الحركة الدؤوبة والترحال في نقل البرامج التعليمية واستدعاء الأساتذة الأكفاء لتطوير المناهج ومسايرة الركب العلمي العالمي، وعن مظاهر التعثر وأسبابه التي كانت في الماضي وهي نفسها تتكرر في الحاضر، يقول ابن خلدون "وبقيت فاس وسائر أقطار المغرب خلوا من حسن التعليم من لدن انقراض تعليم قرطبة والقيروان ولم يتصل سند التعليم، فعسر عليهم حصول الملكة والحذق في العلوم، وأيسر طرق هذه الملكة فتق اللسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلمية فهو الذي يقرب شأنها ويحصل مرامها"[4]

وفي المقابل نجده يسبر خلفيات تقدم المراكز الأخرى التي لها نفس التخصصات على أهل المغرب، رافضا فكرة أو لنقل وهم التفوق الذاتي والعقلي بالاستعداد خصوصا، والذي كان يفسر به التفوق العلمي في تلك المراكز لأهل المشرق على أهل المغرب، فنراه يقول: "ونحن لهذا العهد نرى أن العلم والتعليم إنما هو بالقاهرة من بلاد مصر لما أن عمرانها مستبحر وحضارتها مستحكمة منذ الآلاف من السنين، فاستحكمت فيها الصنائع وتفننت ومن جملتها تعليم العلم، وأكد ذلك فيها وحفظه ما وقع لهذه العصور بها منذ مائتين من السنين في دولة الترك من أيام صلاح الدين بن أيوب وهلم جرا، وذلك أن أمراء الترك في دولتهم يخشون عادية سلطانهم، على من يتخلفونه من ذريتهم لما له عليهم من الرق أو الولاء ولما يخشى من معاطب الملك ونكباته، فاستكثروا من بناء المدارس والزوايا والربط ووقفوا عليها الأوقاف المغلة يجعلون فيها شركا لولدهم ينظر عليها أو يصيب منها مع ما فيهم غالبا من الجنوح إلى الخير والتماس الأجور في المقاصد والأفعال، فكثرت الأوقاف لذلك وعظمت الغلات والفوائد وكثر طالب العلم ومعلمه بكثرة جرايتهم منها وارتحل إليها الناس في طلب العلم من العراق والمغرب ونفقت بها أسواق العلوم وزخرت بحارها، والله يخلق ما يشاء"[5].

وهذا النص التاريخي يصف لنا واقعا ملموسا كان عليه حال العلم والتعليم بالعالم الإسلامي وهو ذو ارتباط وثيق بالمجال السياسي والاقتصادي والعمراني عموما، كما يصور لنا مستوى الوعي والمسؤولية التي كان يشعر بها أهل ذلك الزمان تجاه الجانب التعليمي حتى أنه كانت ترصد الأوقاف لصالح طلبة العلم من أجل توفير الحاجيات والضروريات اللازمة والضامنة لسلامة التحصيل العلمي، بحيث كانت تمثل منحا مادية تقيم أود المتعلمين وترفع هممهم عن الحاجة والمذلة بسبب الاحتباس الذي رصدوا أنفسهم في سبيله وهو في الحقيقة احتباس من أجل مصلحة الأمة وتنوير عقولها وإفادتها بالوعي والتثقيف والتشريع والتصنيع، والعمل والإتقان، فيكون العائد مفيدا للعموم وبذلك يستقيم العمران ويواكب الركب على قدم وساق كما يستهان حينئذ بالمصاعب والمشاق!

لكن حينما ينقطع السند وينضب المدد يجف المداد ويضيع المراد، إذ في عصرنا لم نجد أوقافا ترصد لصالح طلبة العلم بالمعنى اللازم والمغني عن السؤال والاشتغال، ولم نجد تواصلا بين أهل المشرق والمغرب من باب نقل وتبادل المناهج والمعارف، لأن التواصل كما سبق وقلنا غير قائم بين الأقارب من الأساتذة والعلماء في نفس مؤسساتهم فكيف سيتحقق بين الأباعد، إذ فاقد الشيء لا يعطيه كما يقال!

كما أننا لم نجد في الغالب أساتذة أكفاء يجمعون بين تحصيل المنقول وتحليل المعقول، وإنما هي مظاهر محتشمة ومراهنة على البقاء والاستمرار الشكلي للعلم والعلماء، وفصل متعمد بين النص والواقع وبين العقل والنقل، والتقليد والاجتهاد وبين النظر والتطبيق، حتى أصبحت العلوم غير ذات باعث والتخصصات لا مجال فيها لتوسع باحث، لأن الأمور قد وسدت إلى غير أهلها، واستهلكت جردا واجترارا ، فقامت القيامة قبل أن تقوم حسا، وتبعثرت عندها قيمة العلوم واستهجنت مكانة العلم والعلماء ولم يعد يوظف في حقلهم سوى الألفاظ والأسماء، على سبيل التكرار والاستنساخ والمهاترات والمناقرات، لا يجدون إلى المعنى سبيلا ولا لما أشكل من الألفاظ تحليلا أو تأويلا، وكيف يحلل ويؤول من بني أوله على قوالب جامدة وكنزت ذخائره في دهاليز بائدة، ولم يعد يجد لنفسه مدا ولا مددا.

 

الدكتور محمد بنيعيش

............................

[1]  الغزالي: المنقذ من الضلال– مكتبة الجندي، ص  34

[2]  ابن خلدون: المقدمة ص 431 .

[3]  ابن خلدون: المقدمة ص 432.

[4]  ابن خلدون: المقدمة ص 431.

[5]  ابن خلدون: المقدمة، ص 435.

 

 

عبد الحسين شعبانلم تترسّخ، فكرة المواطنة في الدولة العربية الحديثة بعد، سواءً على الصعيدين النظري أم العملي، فهي تحتاج إلى جهدٍ كبيرٍ على صعيد الدولة والحكم (السلطة والمعارضة)، إضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني على حدٍ سواء، نظراً لغياب ثقافة المواطنة وضعف الهياكل والتراكيب والمؤسّسات الناظمة للاجتماع السياسي الحكومي وغير الحكومي. [1]

وإذا كان بالإمكان اعتبار فكرة الدولة كمنجز بشري كبير الأهمية، خصوصاً لجهة حماية أرواح وممتلكات المواطنين، وحفظ النظام والأمن العام، فإن فكرة المواطنة بمعناها الحديث ارتبطت بتطوّر الدولة، ولا سيّما خلال القرون الثلاثة الماضية، والأمر يتعلّق بالأبعاد الفكرية والحقوقية والقانونية ووظائفها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الراهنة.

ومنذ القرن الثامن عشر اعتمدت فكرة المواطنة بالدرجة الأساس على بناء الدولة، بأفقها الليبرالي الذي بشّر بإعلاء قيمة الفرد وقيمة الحرّية، بما فيها حرّية السوق في إطار سيادة القانون، وشهد القرن التاسع عشر تطوّراً في فكرة المواطنة بتعزيز الحقوق السياسية بعد إقرار الحد الأدنى من الحقوق المدنية، وبشكل خاص عند تطوّر مفهوم الديمقراطية الناشئ وقبول مبدأ الاقتراع العام.

أما في القرن العشرين فقد توسّعت فكرة المواطنة لتشمل مبادئ حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إضافة إلى حقوقه المدنية والسياسية التي جرى التوسّع فيها تدريجياً. وقد وجدت هذه الحقوق تأطيراً وتقنيناً دولياً بعد التطوّر الذي حصل على الصعيد العالمي بإقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان العام 1948، وقد حظيت فكرة المواطنة باهتمام أكبر، لا سيّما بانتقالها من فكرة تأسيس دولة الحماية إلى تعزيز دولة الرعاية، وهو ما شهدته المجتمعات الغربية التي تبلورت فيها الفكرة بعد صراع طويل وتراكم كبير.

1- معاصرة وحقوق:

وقد خطت بعض البلدان خطواتٍ مهمّةٍ في طريق تأمين الحقوق والحريّات المدنية والسياسية، وسارت شوطاً بعيداً في تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتأكيد حيوية وديناميكية فكرة المواطنة بمزاوجة الحقوق والحرّيات بالعدالة، وهو الأمر الذي نطلق عليه عنوان "المواطنة العضوية"، أي المواطنة التي تقوم على:

أولاً: قاعدة المساواة في الحقوق والواجبات، وأمام القانون ودون تمييز بسبب الدين أو اللون أو اللغة أو الجنس أو العرق أو المنشأ الاجتماعي أو لأي سبب آخر.

وثانياً: قاعدة الحرّية كقيمة عليا لا يمكن تحقيق الحقوق الإنسانية الأخرى بدونها، فهي المدخل والبوابة الضرورية لجميع الحقوق، بما فيها حق التعبير وحق تأسيس الجمعيات والأحزاب وحق الاعتقاد وحق المشاركة السياسية في إدارة الشؤون العامة وتولّي المناصب العليا، وإجراء انتخابات دورية، إلى حق التملّك والتنقل وعدم التعرّض إلى التعذيب... إلخ .

وثالثا- قاعدة العدالة بجميع صنوفها وأشكالها، وفي جوانبها القانونية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فمع الفقر لا تستقيم العدالة، ومع هضم حقوق المرأة ستبقى العدالة ناقصة ومبتورة، ومع التجاوز على حقوق المجاميع الثقافية الإثنية والدينية وغيرها، ستكون العدالة مشوّهة، ولعلّ مقاربة فكرة العدالة يمكن أن يتحقّق من خلال التنمية، وهو ما نقصده "التنمية المستدامة": السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية والتربوية والصحية والبيئية إلخ، المستندة إلى قاعدة الحرّيات والحقوق المدنية والسياسية، تلك التي تغتني بالمعرفة وتنمية القدرات، لا سيّما التعليمية وتأمين حقوق المرأة و"المجاميع الثقافية" وتقليص الفوارق الطبقية وتحقيق العدالة الاجتماعية.

رابعاً- قاعدة المشاركة دون تمييز بسبب الدين أو العرق أو الجنس أو اللغة أو اللون أو المنشأ الاجتماعي، إذ لا مواطنة حقيقية دون الحق في المشاركة والحق في تولّي المناصب العليا دون تمييز لأي اعتبار كان.

وعلى أساس هذه الحقوق يمكن أن تتعايش هويّات مصغرة (فرعية) مع الهويّة العامة في إطار من المساواة والحرية واحترام حقوق "الأغلبية" من جهة، وتأمين حقوق "الأقلية" من جهة أخرى، على أساس التكامل والتكافؤ والتكافل والمساواة، أي التنوع في إطار الوحدة، وليس التنافر والاحتراب. لقد ظلّ الاتجاه السائد في الثقافة المهيّمنة يميل إلى عدم احترام الخصوصيات أو التقليل من شأنها ومن حقوق "الأقليات"، سواءً كانت قومية أو دينية أو لغوية أو غير ذلك[2].

وإذا كانت الحرّية قاعدة أساسية للجيل الأوّل لحقوق الإنسان، لا سيّما فكرة المساواة في الكرامة والحقوق، وبخاصة الحق في الحياة وعدم التعرّض للتعذيب وحق اللّجوء وحق التمتّع بجنسية ما وعدم نزعها تعسفاً، وحق الملكية، إضافة إلى الحقوق والحريات الأساسية، فإن الجيل الثاني لحقوق الإنسان، ارتبط بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص لحقوق الإنسان الصادر عام 1966 والتي تشمل حقوق العمل والضمان الاجتماعي والتعليم وحقوق المرأة والطفل والمشاركة في الحياة الثقافية والاستفادة من منجزاتها وغيرها.

أما الجيل الثالث لحقوق الإنسان فهو يستند إلى الحق في التنمية والحق في السلام والحق في بيئة نظيفة والحق في الاستفادة من الثورة العلمية – التقنية. ويمكن اعتبار الجيل الرابع ممثلاً بالحق في الديمقراطية، خصوصاً بإجراء الانتخابات والحق في التنوّع والتعدّدية واحترام الهويّات الخاصة، لا سيّما بعد انتهاء عهد الحرب الباردة وتحوّل الصراع الآيديولوجي من شكل إلى شكل آخر بانهيار الكتلة الاشتراكية وتفكيك دولها وبخاصة الاتحاد السوفيتي.

وكان مؤتمر باريس المنعقد في تشرين الثاني (نوفمبر) 1990، قد وضع أساساً جديداً لشكل العلاقات الدولية ورسّخ هذا الاتجاه مؤتمر برلين (حزيران – يونيو) 1991 بعد حرب الخليج الثانية، بتأكيد: التعدّدية والتداولية وتشكيل مركز دائم لمراقبة الانتخابات وحرّية السوق، رغم أن القوى المتنفّذة حاولت توظيف هذا التوجه العالمي الإيجابي لمصالحها الأنانية الضيقة[3].

ولعلّ انكسار رياح التغيير التي هبّت على أوروبا في أواخر الثمانينات عند شواطئ البحر المتوسط، كان بسبب سعي القوى الدولية المتسيّدة في توجيه الأحداث طبقاً لمآربها السياسية ومصالحها الاقتصادية دون مراعاة لحقوق شعوب ودول المنطقة، الأمر الذي عطّل عملية التغيير، تلك التي جرت محاولات لفرضها من الخارج، ولكن على نحو مشوّه خصوصاً بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية التي نجم عنها احتلال أفغانستان العام 2001 والعراق العام 2003.

ومثل هذا الأمر يطرح فكرة العلاقة الجدلية بين المواطنة والدولة، وبقدر تحقيق هذه المقاربة، تكون فكرة المواطنة ببعدها الكوني وأساسها الحقوقي الإنساني قد اقتربت من المشترك الإنساني، مع مراعاة الخصوصيات الدينية والإثنية واللغوية، أي بتفاعل وتداخل الحضارات والثقافات، لا سيّما باحتفاظها بكينونتها الخاصة في إطار علاقتها العضوية بالأبعاد الكونية الإنسانية .

المواطنة تقوم وتستند إلى قاعدة المواطن – الفرد الذي ينبغي مراعاة فردانيته من جهة، ومن جهة أخرى حرّيته، الأساس في مساواته مع الآخر تساوقاً في البحث عن العدالة، وتعّزيز مبادئ المساواة والحرّية في إطار المنتظم الاجتماعي الوطني والائتلاف والانسجام من جهة، وتغتنيان بالتنوّع والتعدّدية من جهة أخرى، وذلك من خلال الوحدة والاشتراك الإنساني في الحقوق والواجبات، وليس بالانقسام أو التشظي أو التمييز.

وإذا كانت فكرة المواطنة تتعزّز من خلال الدولة، فإنها تغتني وتتعمّق بوجود مجتمع مدني حيوي وناشط، بحيث يكون قوّة رصد من جهة للانتهاكات المتعلّقة بالحريّة والمساواة والحقوق، ومن جهة أخرى قوة اقتراح وليس قوة احتجاج فحسب، الأمر الذي يجعله شريكاً فعّالاً للدولة في توسيع وتعزيز دائرة المواطنة العضوية وتأمين شروط استمرارها، لا سيّما إذا تحولّت الدولة من حامية إلى راعية[4]، مرتقية السلم المجتمعي والأمن الإنساني، خصوصاً بوجود مؤسسات ترعى المواطنة كإطار، والمواطن كإنسان في ظلّ الحق والعدل.

ومثلما هي فكرة الدولة حديثة جداً في المنطقة العربية، فإن فكرة المواطنة تعتبر أكثر حداثة منها وجاءت انبثاقاً عنها. ورغم وجود تجارب "دولتية" أو ما يشابهها في الحضارات القديمة لدول المنطقة، وخصوصاً حضارة وادي الرافدين، وحضارة وادي النيل، وصولاً إلى العهد الراشدي الأوّل وما بعده، أو عند تأسيس الدولة الأموية بدواوينها ومراتبيتها التي توسّعت وتطوّرت في ظلّ الدولة العباسية، وفيما بعد في إطار الدولة العثمانية في الفترة الأخيرة من تاريخها، حيث تأثّرت بمفهوم الدولة المعاصرة في أوروبا وبالأفكار الدستورية والقانونية الحديثة، لا سيّما بفكرة المواطنة التي اغتنت في القرن العشرين، باعتبارها "حقاً" من الحقوق الأساسية للإنسان.

وإذا كان مفهوم المواطنة جنينياً في الدولة العربية – الإسلامية، فإن هذا المفهوم وتساوقاً مع التطوّر الفقهي على المستوى الدولي، اكتسب بعداً جديداً في الدولة العصرية ومنها الدولة العربية، على الرغم من النواقص والثغرات التي ما تزال تعاني منها قياساً بالتطوّر الدولي. وقد تكرّس مبدأ الحق في المواطنة في أواسط القرن العشرين، خصوصاً بصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 والعهدين الدوليين، الأول: الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والثاني: الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الصادران في العام 1966 والداخلان حيّز التنفيذ العام 1976، إضافة إلى العديد من الوثائق الدولية، التي أكّدت: أنّ لكل فرد في أي مكان من العالم الحق في أن تكون له صلة قانونية بدولة من الدول.

ويستخدم مصطلح المواطنة في القانون الدولي، الذي يوازيه مصطلح الجنسية بالتبادل فيما بينهما، حين يتم الحديث عن منح الأشخاص الحق في حماية دولةٍ ما إلى جانب حقوقٍ سياسيةٍ ومدنية، تلك التي تشكل ركناً أساسياً في هويّة الفرد – الإنسان، ويمكن تعريف المواطنة الحيوية أو العضوية بأنها " الحصول على الحقوق والتمتع بها بصورةٍ عادلة".

وإذا كان الحق في المواطنة قد ضمنه القانون الدولي، الذي حظر حرمان أي شخصٍ من مواطنته أو جنسيته التي أكّدتها المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي نصّت على أن: لكل إنسان الحق في الحصول على جنسية ولا يجوز حرمان إنسان بصورةٍ تعسفيةٍ من جنسيته ولا من حقه في تغييرها، إلاّ أن ذلك لم يمنع من بقاء ملايين البشر في جميع أنحاء العالم بدون جنسية، الأمر الذي ينتقص من مبدأ الحق في المواطنة، بغض النظر عن أن حالات انعدام الجنسية قد تنشأ من التعارض في القوانين ونقل تبعية الإقليم أو حالات الزواج أو وجود تمييز أو عدم تسجيل المواليد أو إسقاط الجنسية [5].

ولعلّ المثل الأكثر سفوراً في العالم العربي، هو تهجير الفلسطينيين منذ العام 1948 وإسقاط حقّهم في وطنهم، وبالتالي جعلهم عرضةً لحالات انعدام الجنسية. ولا شكّ أن انتشار حالات اللاجئين وسوء أوضاعهم هي التي دفعت الأمم المتحدة إلى إنشاء مكتب للمفوضية السامية للاجئين كإحدى وكالات الأمم المتحدة المسؤولة عنهم وللحد من ظاهرة انعدام الجنسية.

وقد عرف الوطن العربي حالات كثيرة من المواطنة المنقوصة، تلك التي تشمل أفراداً أو مجموعات بشرية، وذلك بهضم حقوقها أو استلاب إرادتها أو حرمانها من الحصول على "الحق في الجنسية"، كما حصل للمهجرين العراقيين، لا سيّما عشيّة وخلال الحرب العراقية – الإيرانية وقسم كبير منهم من الأكراد الفيليين، إذْ انتزعت منهم جنسيتهم وصودرت أملاكهم في العراق بحجة التبعية الإيرانية، ولم يُعترف بهم في إيران أيضاً، فعاشوا دون جنسية ودون وطن ومواطنة، وهناك حالات أخرى في سوريا، تلك التي يطلق عليها اسم "المكتومين" وغالبيتهم الساحقة من الأكراد السوريين الذين لم يحصلوا على الجنسية، وبالتالي على حقوق المواطنة، وأما حالات "البدون" فهي معروفة في الكويت وبعض دول الخليج التي حرمت عشرات الآلاف من حقوق المواطنة.

إن الكثير من حالات وإشكالات الحرمان من الجنسية في العالم العربي، شملت رجالاً أو نساءً، ولا سيّما الأبناء بسبب الزواج من أجانب، أو من فلسطينيين أو أشخاص بلا جنسية أو في حالات الطلاق، الأمر الذي جعل الأبناء بلا جنسية، إذْ أن الغالبية الساحقة من قوانين البلدان العربية لا تسمح بالحصول على الجنسية عن طريق الأم، الأمر الذي خلق مشاكل لا تتعلّق بالحقوق المدنية والسياسية حسب، بل بالحق في التعليم والتطبيب والعمل والإقامة، وغير ذلك.

وقد أدركت العديد من الحكومات أنه لم يعد بإمكانها اليوم التملّص من حالات المساءلة بموجب القانون الدولي بإلغاء أو سحب أو حجب حق المواطنة عن الأفراد والجماعات الذين يمكنها إثبات وجود علاقة حقيقية وفعّالة بينهم وبين بلدهم، سواءً عن طريق رابطة الدم "البنوّة" للآباء، على الرغم من أن العديد من البلدان العربية ما زالت تحجب هذا الحق عن الانتساب إلى جنسية الأم، في حين أن القانون الدولي لحقوق الإنسان يعطي مثل هذا الحق، إضافة إلى إمكان الحصول عليه عن طريق ما يسمّى بـ"الأرض"، أي "الولادة" في الإقليم، أو حتى الحصول على جنسيته ومواطنته لاحقاً أو اكتساب الجنسية، نظراً للإقامة الطّويلة والمستمرّة والتقدّم بطلب إلى السلطات المسؤولة عن ذلك[6].

وإذا كان انشغال النخب العربية بفكرة "الأمّة الإسلامية" أو "الجامعة الإسلامية" في القرن التاسع عشر وربما في بدايات القرن العشرين، فإن الانبعاث القومي العربي بدأ يتعزّز لاحقاً، حيث بدأت النخبة الثقافية والتنويرية الإسلامية والعلمانية، الاهتمام بالفكرة الحديثة عن الدولة التي تعتبر المواطنة أحد مظاهرها الأساسية، فالشعب والحكومة والأرض والسيادة أركان الدولة وعناصر وجودها، التي تستقيم وتتعزّز في ظلّ احترام الحقوق والحريّات وتكريس مبدأ المساواة الكاملة والمواطنة التامّة في إطار سيادة القانون.

وبالإمكان القول إن الموقف الذي حكم الدولة العربية الحديثة ومجتمعها الأبوي التقليدي كان قاصراً واستعلائياً في نظرته إلى المواطنة و"الأقليّة"، وهذه النّظرة أعاقت ترسيخ سلطة الدولة، فـ"الأقلية" قومية أو دينية حسب وجهة النظر هذه، قد تكون "متآمرة" أو "انفصالية" أو تاريخها غير "مشرّف" أو "مسؤولة عن كوارث الأمة" أو غير ذلك من الأفكار السائدة التي تأخذ الأمور بالجملة وعلى نحو سطحي، دون الحديث عن جوهرها لا سيّما: الحقوق والمساواة والحرّية وتكافؤ الفرص والمواطنة العضوية القائمة على قاعدة العدل. وقد أضعفت هذه النظرة من مفهوم المواطنة، خصوصاً في ظل ضغوط اجتماعية لتشكيلات ما قبل الدولة، وهي في الغالب مسنودة بالمؤسسة التقليدية العشائرية والدينية في الكثير من الأحيان.

واستندت الدولة العربية الحديثة حتى في إطار ما يسمّى بـ"الأغلبية" على بعض النخب "الأقلويّة" على حساب الأغلبية الساحقة من الشعب، ولذلك أصبحت دولاً "سلطوية" أو "تسلّطية"، لا سيّما بغياب مبادئ المساواة وتهميش "المجاميع الثقافية" وحجبها عن حق المشاركة، والهيمنة على "الأغلبية" وإبعادها عن الحكم، والاستعاضة عن ذلك بأقلوية ضئيلة، على حساب مبدأ المواطنة.

وظلّ المجتمع العربي يعاني من الموروث السلبي بما فيه الديني الذي جرت محاولات لتوظيفه سياسياً بالضدّ من تطوّر فكرة المساواة والحرّية والعدالة، وصولاً للمواطنة الكاملة والتامّة باتجاه المواطنة العضوية أو الديناميكية، خصوصاً في النظرة الدونية إلى المرأة، وعدم الإقرار بالتعدّدية السياسية والفكرية والاجتماعية والقومية والدينية، الأمر الذي ينتقص من مبدأ المواطنة .

2- المواطنة والدولة: التاريخ القانوني

يعود جذر كلمة المواطنة إلى الوطن، وهذا الأخير يكاد يكون ملتبساً أو متماهياً مع مفهوم الدولة، فالدولة هي الإطار التنفيذي والمؤسساتي للوطن، وبالطبع فهي تختلف عن نظام الحكم أو الحكومة بمعنى السلطة.

الوطن هو "المتّحد" الجغرافي الذي تعيش فيه مجموعات بشرية، قومية ودينية وسلالية ولغوية متنوعة ومختلفة. أي هناك (شعباً) يسكن في أرض (الإقليم) ولديه سلطة أي (حكومة) ويتمتع بالسيادة، أي بحقه في حكم نفسه بنفسه. وهذا المفهوم أقرب إلى فكرة الدولة العصرية.

والوطن بهذا المعنى ليس علاقة عابرة أو ظرفية أو مؤقتة، وإنما هو مجموعة العلاقات الإنسانية والعاطفية والثقافية والمادية المحدّدة في إطار هويّة معيّنة عمودياً وأفقياً، فكل إنسان لا بدّ أن يولد في وطن أو أن يكون موجوداً فيه أو منتمياً إليه، ولكن الإنسان لا يولد مواطناً، بل يكتسب هذه الصفة داخل مجتمعه وفي إطار حدود ما نطلق عليه الدولة بالمفهوم الحديث من خلال مشاركته واعتماداً على مبادئ الحرّية والمساواة والعدالة.

والمواطنة في نهاية المطاف هي مجموع القيم الإنسانية والمعايير الحقوقية والقانونية المدنية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والدينية، التي تمكّن الفرد من الانخراط في مجتمع والتفاعل معه إيجاباً والمشاركة في إدارة شؤونه، وهو ما نطلق عليه مصطلح المواطنة العضوية[7].

أما مفهوم الجنسية الذي يرتبط بالمواطنة بوصفها رابطة قانونية وسياسية وأداة للتمييز بين الوطني والأجنبي، فلم يظهر إلاّ في وقت متأخر ويرجعه البعض إلى بداية القرن التاسع عشر[8]، وقد تعاظم الاهتمام بذلك بتوفير الحماية الفعالة للأفراد.

وإذا كانت الرابطة بين الفرد والجماعة سابقاً تقوم على اعتبارات دينية أو تاريخية "انحدار من أصول معينة" أو الإقامة في رقعة جغرافية بصورة استقرار دائم، فإن العلاقة اتخذت شكلاً آخر في الدولة الحديثة، لا سيّما في إطار فكرة المواطنة.

ففي العهود القديمة كانت الأسرة هي التي تمثل الخلية أو الوحدة التي يجتمع في نطاقها الأفراد، وعن طريق تجمع الأسر تنشأ العشيرة أو القبيلة التي تجمع الأصول العائلية والديانة والاستقرار.

أما مفهوم الأجنبي سابقاً فهو يختلف عن مفهوم الأجنبي حالياً، ففي تلك العهود كان مفهوم الأجنبي هو كل من لا يرتبط مع أفراد القبيلة أو العشيرة بالعوامل المذكورة، مما كان يمكن اعتباره عدواً يستحق القتل أو خصماً يستوجب إبعاده، وظلّت العوامل والأسس العرقية سائدة حتى بعد اجتماع العشائر أو القبائل في مدينة واحدة يحكمها شخص أو مجموعة أشخاص كما هو شأن أثينا وسبارطة، وإذا ما أردنا العودة إلى أبعد من ذلك، فيمكن البحث في الحضارات القديمة، سواء في بلاد الرافدين أو في بلاد النيل أو الحضارة الصينية القديمة والحضارة الهندية القديمة، أو غيرها.

في كتاب "القوانين" يخضع أفلاطون القانون لصالح المجتمع أكثر مما يخضعه للأخلاق السامية المجرّدة. أما أرسطو ففي كتابه "السياسة"، فإنه يؤكد على ضرورة أن تكون القوانين رشيدة وتلائم "مجتمع الدولة"[9].

كان المواطنون في بعض المدن اليونانية يتمتعون بحقوق المساواة أمام القانون Isnomia واحترام متعادل للجميع Isotimia وحقوق متساوية في التغيير Isogoria، وتلكم هي الحقوق الأساسية التي أصبحت معروفة في عالمنا المعاصر[10].

لكن ذلك لم يمنع التمييز بين السادة (النبلاء) وهم المواطنون والعبيد وفئة ثالثة هي المحاربون أو الجند. وقد اعتقد اليونانيون بتفوقهم على سائر الشعوب لذلك كانت الحروب والفتوحات هي أساس العلاقة مع الغير، الآخر، الأجنبي.

أما الرواقيون وهم الذين اهتموا بالكون والأخوة العالمية فقد حاولوا أن يربطوا هذه "الحقوق" بعقل الكائن البشري، في محاولة لتحجيم التمييز.

وفي العهد الروماني فقد كان التمييز بين ثلاثة طوائف:

1- المواطنون، وهم الرومان من سكان عاصمة الإمبراطورية.

2- الرومان خارج مدينة روما، ويطلق عليهم اللاتينيون، وإن كان لهم حق التمتع بالحقوق المدنية والسياسية، إلاّ أن الأمر يتوقف على تجنيسهم.

3- البرابرة أو طائفة الأجانب، وهم سكان المناطق المحتلة الذين يخضعون للإمبراطورية الرومانية، فهؤلاء يتبعون لقانون خاص بهم يسمى قانون الشعوب Jus Gentium وهو يعتبر استمراراً لفكرة القانون الطبيعي اليونانية التي اقتبسها شيشرون من الفلسفة الرواقية، بالتأكيد على مبدأ العدالة وإعطاء كل ذي حق حقه[11] وفي الواقع فلم يكن رعايا الشعوب يتمتعون بأية حماية قانونية.

وفي القرون الوسطى وبعد تفتّت المجتمع اليوناني – الروماني، لعبت الكنيسة بإمكانياتها وتنظيمها دوراً كبيراً في تنظيم المجتمع، حيث قال القديس أوغسطين الذي عاش في القرن الخامس، وأنتج أعمالاً متميزة أن "العدالة الحقة" لا توجد في دولة ملحدة، مميزاً بين Concordia و Justicia أي بين "العدالة والحق".

وخلال فترة هيمنة الإقطاع ازداد ارتباط الفرد بالأرض بحيث أصبح الشخص تابعاً للإقطاعية التي يحكمها أمير أو سيد إقطاعي يملك الأرض ومن عليها. ففي هذه الحالة اختفى التمييز الذي كان سائداً بين المواطن أو الوطني والأجنبي، حيث كانت سلطة الإقطاعي تنسحب على سكان المقاطعة بكاملها، وكان حكم كل أجنبي أن يغادرها خلال فترة محددة بموجب أمر من الإقطاعي، لكن الأمر اتخذ منحىً آخر بصعود الأنظمة الملكية التي ألغت النظام الإقطاعي، وأصبح الأشخاص يرتبطون بالملك الذي يعتبر حاميهم والمدافع عنهم، في حين كانوا يدفعون له الضرائب ويؤدون الفروض العامة، مرتبطين بشخصه على نحو دائم وأبدي لا انفصام فيه. وقد اتسم عصر النهضة وبخاصة القرنين السادس عشر والسابع عشر باتساع ساحة الفكر السياسي والقانوني لمفكرين كبار مثل جان بودان في فرنسا وهوغو غروشيوس في هولندا وهوبز ولوك في انكلترا وغيرهم.

فقد اهتم بودان بفكرة السيادة في حين أعار غروشيوس اهتمامه للقانون الدولي ولفكرة الدولة والقانون، مؤكداً أن القانون الوضعي يخضع للقانون الطبيعي، وذهب هوبز إلى تأكيده على تلازم الحرّية والضرورة وينبغي على الحاكم أن يسدّ احتياجات الرعية.[12]

أما جان جاك روسو الذي هيأت أفكاره للثورة الفرنسية وبخاصة كتابه "العقد الاجتماعي" ومونتسكيو وكتابه "روح القوانين"، فقد اتخذ اتجاهاً آخر، فحسب روسو في نظرية العقد الاجتماعي، أن للأفراد حقوق قبل أن يكونوا في مجتمع منظم، وأن بعض هذه الحقوق غير قابلة للتصرف وعلى الدولة مراعاتها ليس بسبب شروط العقد حسب، بل بسبب طبيعة الإنسان، في حين دعا مونتيسكيو إلى فصل السلطات باعتباره حجر الزاوية في تحقيق الحرية مشدداً موضوع الرقابة على السلطات، بينما أكّد روسو على مفهوم سيادة الشعب، وإذا كان الناس يولدون غير متساوين، فإنه بموجب العقد الاجتماعي يصبحون متساوين. وقد ذهب الفيلسوف الألماني كانط إلى تأكيد مفهوم الحرية الأخلاقية للإنسان ودور العقل مشيراً إلى إلزام الفرد ببعض التقييدات على حريته تأميناً لحرية الغير[13].

3 – الإسلام: جنينية الدولة والمواطنة

إذا كانت هذه المقدّمات ضرورية للتفريق بين حقوق المواطن وحقوق الأجنبي في موضوع الجنسية والمواطنة، فلا بدّ من وقفة سريعة عند تطوّر مفهوم المواطنة في الإسلام، خصوصاً في إطار الدولة العربية – الإسلامية، فالدولة في عهد النبي محمد  بلورت وبخاصة عبر القرآن الكريم قواعد جنينية سياسية ودينية وقضائية لتنظيم المجتمع، كما ساهمت السنّة النبوية أي أحاديث الرسول  في الإجابة على الكثير من الأسئلة التي كان يطرحها المجتمع الإسلامي.

وتطوّر الأمر في عهد الخلافة الراشدية وبخاصة في عهد الخليفة أبو بكر التي دامت نحو سنتين. وترسخت في عهد الخليفة عمر بن الخطاب سواءً ما يتعلق بقضية العطاء في الغنائم أم بامتيازات المواطنة وبخاصة المحاربين، حيث اعتمد الخليفة الأول مبدأ المساواة دون اعتبار للقدم والدخول في الإسلام أو القرابة من النبي  أو البلاء في الحرب من أجل الإسلام، الأمر الذي خلق إحساساً اسمياً بالمساواة، شجع العديد من غير العرب على الالتحاق بالجيش الإسلامي [14].

أما أمور القضاء فقد جرى تقاسمها بين الخليفة عمر بن الخطاب  وقضاة متخصصون عيّنهم لهذا الغرض، كما استحدث منصب مسؤول بيت المال، وسنّ عمر عدّة قرارات، منها مراتبية للإعطيات، كما أوجد ديواناً خاصاً بالجند، مشدّداً على مبدأ القِدَم في الإسلام، والبلاء في خدمته، والانتماء العربي كمعيار للمواطنة أو لمفهوم الجنسية المعاصر.

واتّخذ الخليفة الثالث عثمان بن عفان  التصنيف الذي اتبعه عمر بن الخطاب  دليلاً للانتماء والمواطنة، بل زاد في تضييقه خصوصاً بشأن تفضيل دور قريش التي نالت حصة الأسد في إعادة التعيينات السياسية والعسكرية، وهو النهج الذي حاول الإمام علي  التوقّف عنده، إلاّ أن اندلاع الحرب الأهلية بينه وبين معاوية، أثّر في عناصر الاستقطاب والولاء، وقد شعر بعض الموالين بالغبن الشديد، بالرغم مما قدّموه للإسلام، فقد جرى "التمييز" بحقهم، في حين دعا الإسلام ويدعو إلى المساواة وفقاً لقول الرسول "لا فرق بين عربي وأعجمي إلاّ بالتقوى" و"الناس سواسية كأسنان المشط". وهؤلاء رغم "إسلامهم وإسهامهم في دفع الديات والمشاركة في القتال وفي الأمور العامة، فقد أُغلقت دونهم في القرن الأول للإسلام على الأقل الوظائف التي تعني الولاية لا غير، كالإمارة والقيادة والقضاء، وأن تولي بعضهم القضاء فقد ندر من تولى مناصب إدارية وعسكرية هامة"[15].

وإذا كان الإسلام ديناً عالمياً يسعى لبسط نفوذه على العالم أجمع، إلاّ أنه رغم نزعته الإنسانية فقد كان ينظر إلى العالم في علاقاته الدولية انه منقسم إلى قسمين:الأول دار الإسلام والثاني دار الحرب، فالدار الأولى تعني الأقاليم التي يبسط المسلمون عليها ولايتهم، وتضم إلى جانب المسلمين أشخاصاً من غير المسلمين، وهم الذميون والمستأمنون. الذميون هم أهل الكتاب، فضلوا الاحتفاظ بديانتهم الأصلية مقابل دفع الجزية، ولذلك فهم مواطنون يتمتعون بالحماية والعيش بأمان، ولكن بشروط في كنف الدولة الإسلامية.

أما المستأمنون، فهم القادمون من دار الحرب إلى دار الإسلام أي إنهم "أجانب" دخلوا إلى دار الإسلام بإذن من الدولة الإسلامية سواءً كان لغرض التجارة أم غيرها [16]. أي أن هناك فرقاً بين الذمي والمستأمن، فالذمي من رعايا الدولة الإسلامية، احتفظ بدينه مقابل الجزية والأمان، أما المستأمن فهو الذي جاء من دار الحرب لظرف خاص أو طارئ أو مؤقت، والمستأمنون ليسوا مواطنين أو من رعايا الدولة الإسلامية.

ودار الحرب هي التي لا تمتد إليها الولاية الإسلامية، ولا تُطبق فيها الشريعة الإسلامية، بل إن لها نظامها الخاص، وقد انعقدت بين دار الإسلام ودار الحرب معاهدات سلام أو هدنات وأطلق عليها (متعاهدة) أو أنها تكون في حالة حرب مع الدولة الإسلامية.

وإذا كانت هذه المقاربة لمفهوم وتطوّر الجنسية كوجهة نظر معاصرة لفكرة المواطنة أو الرعوية أو غيرها، فإن المفهوم الحديث للجنسية في العالم العربي، لم يظهر إلاّ في سنوات متأخرة بفعل الاحتكاك مع أوروبا وبقصد التمييز بين مواطني الدولة الإسلامية وغيرهم من الأجانب.

وإذا كان مصطلح "المواطنة" و" المواطن" citizen (أي الفرد المشارك في الشؤون المدنية والسياسية بحرية) غريباً تماماً في الإسلام على حد تعبير برنارد لويس فلم تعرفه اللغات العربية والفارسية والتركية، حيث يرجع ذلك إلى غياب فكرة المشاركة للمواطنة، وفكرة المشارك للمواطن، لكنّ هناك من يعتبر وجود المسلم رديفاً لكلمة المواطن الحديث، وهو المصطلح الإسلامي الذي يعني انتماء الفرد في بدايات المجتمع الإسلامي والتمتّع بعضوية كاملة وفورية في المجتمع السياسي بالمعنى الإيجابي للمواطنة النشطة على كونه مسلماً [17].

وكان الإسلام الأول وبخاصة في عهد النبي يولي اهتماماً كبيراً لرأي المسلمين، الذين كانوا يعبّرون في لقاءاتهم اليومية لخمس مرات (أوقات الصلاة) في مقر الحكومة أو البرلمان في الجامع (بمشاركة نسوية ملحوظة) عن تبادل الرأي والاستماع إلى رأي المسلمين والردّ على تساؤلاتهم، حيث كان بمقدور أي فرد إثارة أية قضية يرغب فيها، لكن توسّع وانتشار الدولة الإسلامية وامتداد سلطانها إلى أقاليم بعيدة وبخاصة العراق ومصر، اضطرّ هؤلاء إلى تصريف أمورهم بأيديهم بعيداً عن الرأي اليومي والحوار المستمر بين مركز الدولة وقيادتها العليا وبين المواطن، وتدريجياً بدأت البيروقراطية والمؤامرات السياسية تبعد المواطن (المسلم) عن المشاركة في تصريف أمور الدولة[18].

وظلت فكرة التمييز بين حقوق "المسلم" و"الغريب" أو "المقيم" من غير المسلمين مستمرة حتى العصر الحديث، حيث تداخلت ايجابيا لصالح الأخير بفعل ضغوط غربية للحصول على ما يسمى بنظام الامتيازات Capitulation من الدولة العثمانية للأجانب وبخاصة للمسيحيين، حيث كان الغرب يعلن الرغبة في توفير حماية خاصة لهم ورعاية مصالحهم الدينية والسياسية، وهو ما أعطى انطباعاً أحياناً بأن غير المسلمين الذين حظوا بدعم الغرب تجاوزوا خط الدفاع عن مبدأ المواطنة الكاملة أو المتساوية مع غير المسلمين، إلى الحصول على امتيازات تحت حماية القوى الأجنبية، علماً بأن حلف الفضول، الذي نعتبره مع الدكتور جورج جبور أول رابطة لحقوق الإنسان (590 – 595 ميلادية) أكّد على التزامات لفضلاء مكة المجتمعين في دار عبدالله بن جدعان، فحواها: أن لا يدعوا مظلوماً من أهل مكة (أي مواطن) أو من دخلها من سائر الناس (أجنبي) إلا ونصروه على ظالمه وأعادوا الحق إليه، وقد تأسّس الحلف إثر ظلامة لحقت بتاجر يمني في مكّة، فاجتمع الفضلاء لنصرته.

ويعتبر حلف الفضول الحلف الوحيد الذي أبقاه الرسول  بعد قيام الدولة الإسلامية من بين أحلاف الجاهلية، وقد جاء على لسان النبي يقول: شهدت مع أعمامي في دار عبد الله بن جدعان حلفاً، لو أنني دُعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت[19].

ربّما يعود جزء من ذلك إلى أن بعض المواقف الإسلامية لم تكن "توافق" أو تؤيّد فكرة إقرار مبدأ المواطنة الكاملة صراحة لغير المسلمين، وهو الموقف الذي انعكس لدى البعض من موضوع القوميات والأقليات الدينية والإثنية واللغوية والمذهبية أحياناً، ولعلّ موقف بعض القوى التقليدية المتشددة كان الأقرب إلى هذه المواقف، ونعني بها الموقف الملتبس والذي لا يقر مبدأ المساواة التامة والاعتراف بحقوق الغير في المواطنة الكاملة ضمن القواعد المعترف بها في القانون الدولي ولوائح ومواثيق حقوق الإنسان[20].

يمكن القول إن تطوراً بطيئاً حدث باتجاه إقرار حق المواطنة الكاملة لدى بعض المفكرين الإسلاميين، على الرغم من أن المسألة لا ترتقي إلى الحق الدولي المنصوص عليه في لوائح حقوق الإنسان، وهنا يمكن الإشارة إلى عدد من المفكرين الإسلاميين مثل فهمي هويدي وطارق البشري وسليم العوّا وأحمد كمال أبو المجد وراشد الغنوشي ومحمد مهدي شمس الدين ومحمد حسين فضل الله[21] وغيرهم.

ورغم محاولات التجديد فإن الاتجاه الإسلامي السائد ما زال ينتقص من مبدأ المواطنة الكاملة التي يقصرها على الانتساب الديني والإقامة، فالمسلمون غير المقيمين في الدولة الإسلامية وغير المسلمين المقيمين فيها لا يحق لهم التمتع بحقوق المواطنة الكاملة، وربما يصبحون مواطنين في حالة قبولهم بشرعية الدولة الإسلامية، لكنهم لا يصبحون مواطنين بالكامل ولا يحق لهم تسلم مناصب رئيسية في الدولة مثل رئاسة الدولة ورئاسة القضاء ورئاسة البرلمان وقيادة الجيش وغيرها[22].

أما التجربة الإسلامية، فيمكن التوقف عند الثورة الإسلامية الإيرانية التي أحدثت في العام 1979 انعطافاً جديداً  استلام الإسلام السياسي للسلطة، حيث أنشأت مؤسسات متساوقة مع الموجة "الديمقراطية": برلمان وانتخابات رئاسة ومنذ انتهاء الحرب العراقية – الإيرانية خرجت من مرحلة الثورة، لتدخل مرحلة الدولة، ولم يكن ذلك بمعزل عن صراع سياسي وفكري حاد داخل أوساط التيار الديني، وقوفاً ضد التيار الإصلاحي الذي قاده السيد محمد خاتمي، في ظل تصاعد موجة شديدة للتيار المحافظ الذي يحاول إحباط خطط التغيير والإصلاح... إلخ، لكن شرط الدستور الذي نصّ على التحدّر الفارسي واجه انتقاداً شديداً لاستثنائه المسلمين غير الفرس في الترشّح لرئاسة الجمهورية، ناهيكم عن الشروط الخاصة بولاية الفقيه أو مجلس صياغة الدستور أو تشخيص مصلحة النظام، وهو ما ينتقص من مبدأ المواطنة والمساواة.

أما التجربة الثانية فهي التجربة السودانية التي جاءت إلى الحكم عام 1989 وقد سارت نحو تقليص التعددية السياسية والفكرية والدينية واللغوية عملياً، لكن الدستور أقرّ في العام 1998 حاول الانفتاح باتجاه إقرار مبدأ المواطنة، بغض النظر عن الدين، لكنه ظل محافظاً من حيث الجوهر على الخصائص العامة لتوجهات الحكم الإسلامي، وهو على غرار دستور إيران يحتوي على بعض الشروط الإسلامية التي تقر بصيغة للمساواة النظرية دون أن ترتقي إليها فعلياً أو تقاربها[23].

ولعلّ تطوراً خطيراً  حصل في مصر بعد ثورة 25 يناير العام 2011 والإطاحة بنظام الرئيس حسني مبارك، حيث نجح "الأخوان المسلمون" في الانتخابات وحاولوا "أخونة" الدولة و"أسلمة" الدستور، الأمر الذي أثار ردود فعل شديدة ضد هذا التوجه، فقد سعوا إلى قيام دولة دينية محكومة بالشريعة وإن كان بالتقسيط، ولأنهم كانوا أغلبية في لجنة صياغة الدستور، فقد حاولوا فرض توجههم ، وبالفعل  فقد تم الاستفتاء على الدستور العام 2012  في ظلّ هيمنة شديدة على المشهد السياسي التي كرّست نهج الإقصاء والانعزال الذي اتسم بالغرور وعدم الواقعية.

وهو ما دفع الشعب المصري لتصحيح مسار الثورة في 30 حزيران (يونيو) والتي توجت بعملية التغيير التي قادها الجيش في 3 تموز (يوليو) 2013. وهكذا تم إلغاء دستور الأخوان بعد استفتاء جديد على دستور آخر أعدّته لجنة دستورية متنوّعة ضمّت 50 عضواً، حيث تم عرضه على الاستفتاء في العام 2014 فحاز على الأغلبية الساحقة (98% من المصوتين الذين بلغت نسبتهم 38%)[24] .

أما في تونس ، فعلى الرغم من أن حزب النهضة كان قد فاز بالانتخابات إلا أنه كان يخشى أن يتكرر معه المشهد الأخواني المصري، ولهذا السبب حاور وداور وناور لإبعاد شبح تنحيته ، علماً بأن الدستور التونسي الذي تم إقراره في 26 كانون الثاني (يناير) 2014 يعتبر متقدماً على جميع الدساتير العربية ، خصوصاً بإقراره صيغة الدولة المدنية، وكان ثمرة من ثمرات دينامية المجتمع المدني التونسي التي ضمّت بشكل أساسي اتحاد الشغل ونقابة المحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان .

وفي العراق  فقد تحوّلت الدولة العراقية بعد العام 2003 من دولة بسيطة إلى دولة مركّبة ومن دولة مركزية إلى دولة اتحادية " فيدرالية"، وذلك وفقاً لـ قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية والدستور الدائم فيما بعد، الذي تم الاستفتاء عليه في 15 تشرين الأول (أكتوبر) 2005 . وعلى الرغم من أنه اشتمل على إيجابيات تتعلق بالحقوق والحريات ومبادئ المواطنة واستقلالية القضاء وتداولية السلطة وإقرار التعددية، لكن الألغام التي احتواها والقنابل الموقوتة التي في داخله يمكن أن تنفجر في أية لحظة، خصوصاً في ظلّ فشل العملية السياسية التي تأسست منذ الاحتلال إلى لحظة كتابة هذه الدراسة .

فحتى الآن ثمة عقبات جدّية داخلية وخارجية وقفت في طريق تحقيق المواطنة المتكافئة من أبرزها صيغة المحاصصة الطائفية والإثنية التي كرّسها الحاكم المدني الأمريكي للعراق بول بريمر في مجلس الحكم الانتقالي، والتي تم تثبيتها في الدستور الدائم تحت عنوان "المكوّنات" وهي التي وردت في الديباجة (مرتان) والمواد 9 و12 و49 و125 و142، وليس ذلك سوى وجها آخر للصيغة الأولى.

وقد أكّدت حركة الاحتجاج الواسعة في العديد من البلدان العربية منها اليمن وليبيا وسوريا وآخرها في العراق ولبنان أن المواطنة لا تستوي مع المحاصصة، مثلما لا تستقيم الهويّة العامة الجامعة بالمحاصصة أيضاً، فالمواطنة والهويّة موجودتان أساساً في المجال العام المشترك للحياة اليومية في الأحياء والشوارع والجامعات وأماكن العمل والمرافق العامة والخدمات في الصحة والتعليم والإدارة والبيئة والبلدية وكل ما يشكّل مشتركاً للجميع، ففي تلك المجلات المدخل الحيوي الجامع للمواطنين وللهوّيات المختلفة المؤتلفة والمندرجة في إطار مواطنة متكافئة، وهو ليس شأن الدولة فحسب، بل شأن المجتمع أيضاً وقواه المحرّكة، ويمكن أن يسهم به المجتمع المدني، فالشأن العام بحاجة إلى تربية أيضاً، أي الشعور بالمسؤولية والمشاركة في كل ما حولنا، من احترام القواعد الناظمة للعلاقات إلى معالجة المشكلات بالحوار والسلم، إلى وضع  الخطط والبرامج لحياة نوعية أفضل.

وفي الختام فإن أي مواطن معني بثلاث قضايا: علاقته بالدولة كيف تؤطر، ثم مشاركته في اتخاذ القرار، أي وفق أي صيغة دستورية، وأخيراً مسؤوليته كعضو فاعل في المجتمع ودوره في المشاركة الحيوية، باعتبار أن كل ما يدور في الدولة والمجتمع أمور تعنيه. وتتكوّن هويّة المواطنين من السمات المشتركة والجامعة خارج دائرة الأيديولوجيات والأديان والطوائف، وهي هويّة غير استناسبية وغير دوغمائية أو أيديولوجية، بل عفوية تلقائية صميمية ، من خلال المشتركات والقيم التي يجتمع المواطنون عليها، وبالطبع فاللغة ركن أساس من أركانها والذاكرة المشتركة والتاريخ المشترك والدين والعادات والتقاليد والآداب والفنون التي نشأوا عليها.

أما صفة المواطنة فهي تلتصق بالمدنية وهو ما جاء في لسان العرب، فالوطن هو المشترك ومكان الإقامة ، سواء ولد فيه الإنسان أم لم يولد، والمواطنة أساسها المعايشة والمشاركة في هذا الوطن، أي المشاركة في العيش معاً، والتي يترتب عليها مسؤوليات اجتماعية وثقافية تتجاوز مسألة الأرض، لأنها تشمل العلاقات ونمط العيش والتفكير والحقوق، ناهيك عن شكل من أشكال الارتباط في إدارة الشؤون العامة ، وتحتاج هذه إلى برامج عمل ثقافية وتربوية وتعليمية لتحديد مكوّناتها وأسسها مثل: العلاقة بالمكان، العلاقة بالأشخاص الذين يسكنون هذا المكان ، العلاقة بمن يحكم هذا المكان ويدير الشؤون العامة أي علاقة المواطن بالدولة وذلك جزء من ثقافة المواطنة التي ينبغي أن تنمّا من خلال تنمية فكرة الدولة وتعزيز مشروعيتها بسيادة القانون وشرعيتها من خلال رضا الناس ومنجزها التنموي .

 

عبد الحسين شعبان

......................

[1] – انظر:  عبد الحسين شعبان - استحقاقات المواطنة العضوية، صحيفة العرب القطرية، العدد 7239، 7 نيسان (أبريل) 2008.

[2] - أستخدم مصطلح "الأقلّيات" بصورة مجازية كما وردت الإشارة إليه، وأقصد به المجاميع الثقافية، سواء كانت دينية أم إثنية أم لغوية أم سلالية أو غير ذلك، لأن المفهوم يستبطن معنى التسيّد والهيّمنة المسبقة من جانب ما ندعوه بالأغلبية، والاستتباع والخضوع من جانب ما يسمّى بالأقلّية.

[3] – انظر: كتاب – ثقافة حقوق الإنسان، إصدار البرنامج العربي لنشطاء حقوق الإنسان، القاهرة، 2001، إعداد وتقديم د. عبد الحسين شعبان.

[4] – انظر: السيد حسين، عدنان – المواطنة في الوطن العربي، منتدى الفكر العربي،الرباط، 20 – 23 نيسان (ابريل) 2008 . (ورقة عمل – محاضرة مقدمة إلى منتدى الفكر العربي).

[5] – قارن: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، المادة 15، جامعة منيسوتا - حقوق الإنسان: مجموعة صكوك دولية، المجلد الأول، الأمم المتحدة، نيويورك، 1993.

[6] – قارن: شعبان، عبد الحسين – من هو العراقي؟ دار الكنوز الأدبية، بيروت، 2002، ص 37 وما بعدها.

[7]– للاستزادة في موضوع الهويّة والمواطنة، يمكن مراجعة المصادر التالية: الجابري، محمد عابد – الهوية... العولمة... المصالح القومية "سلسلة أوراق عربية 1" مركز دراسات الوحدة العربية، ط 1، بيروت، 2011، والجابري، محمد عابد – مسألة الهويّة والإسلام... والغرب، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 5، بيروت، 2015. وعبد اللطيف، كمال – المواطنة والتربية على قيمها "سلسلة أوراق عربية 27"، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 1، بيروت، 2012. ومجموعة مؤلفين (تحرير علي خليفة الكواري) – المواطنة والديمقراطية في البلدان العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 2، بيروت، 2004. وتايلر، تشارلز – منابع الذات تكون الهويّة الحديثة، المنظمة العربية للترجمة، ط 1، بيروت، 2014. ومجموعة باحثين – الهويّة وقضاياها في الوعي العربي المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 1، بيروت 2013. وعبد الحسين شعبان - جدل الهويات في العراق ، الدار العربية للعلوم ، بيروت ، 2009  و Engin F. Isin & Patricia K. Wood, - Citizenship & Identity, Sage Publiblication, London, Thousand Oaks, New Delhi, First published 1999.

[8] – زوكاغي، أحمد، (الدكتور) الجنسية، دار توبقال للنشر،ط2، الرباط، 1996، حيث يعتبر بداية تحديد المفهوم الحديث للجنسية هو العام 1804، حين تم تنظيم ذلك بموجب نص تشريعي في القانون المدني الفرنسي.

[9] – Morris C- Western Political Thought, Vol(1), 111. 112, Place to Augestine, Newyork 1967, (Basic Books), p.p.29.

[10] – انظر: دايس، ايركا– إيرين. أ– حقوق الإنسان، سلسلة رقم (3)، جنيف 1996 الأمم المتحدة، ص 235.

[11] – المصدر السابق، ص 236.

انظر: كذلك روكاغي، أحمد– الجنسية، مصدر سابق، ص 31.

[12] - انظر: عبد الحسين شعبان - الهوّية والمواطنة : البدائل الملتبسة والحداثة المتعثّرة، مركز دراسات الوحدة العربية، ط2 ، 2020 ص 37 وما بعدها.

[13] – انظر: مونتسكيو – روح الشرائع، جزءان، اللجنة الوطنية اللبنانية لترجمة الروائع، ترجمة عادل زعيتر وأنطوان نخلة قازان، بيروت، 2005، وللاطلاع على موضوع المواطنة في الدولة العصرية وآراء عدد من المفكرين والفلاسفة يمكن مراجعة كتابنا: من هو العراقي، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 2002، ص 39 وما بعدها.

[14] – انظر مناع، هيثم (الدكتور) المواطنة في التاريخ العربي الإسلامي، سلسلة مبادرات فكرية (10)، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، 1997، ص 30.

[15] – ظل كتّاب الدواوين وكتّاب الخراج من الموالي حتى تم تعريبها، الأمر الذي يشير إلى انصراف هؤلاء إلى المهن والتخصص بدلاً من أمور الإدارة والقيادة وهو ما يشابه انصراف بعض النخب من التبعية (غير العثمانية) وهو الاصطلاح الذي أخذ به قانون الجنسية العراقية لعام 1924 إلى التجارة والأعمال الحرة بعد أن سُدّت بوجههم الدوائر الرسمية، وبخاصة الوظائف العليا لعدم حصولهم على شهادة الجنسية العراقية. وهم المجموعة الأولى الذين شملتهم حملات التهجير في الثمانينات.

قارن: الدوري، عبد العزيز ( الدكتور) – مقدمة في التاريخ الاقتصادي العربي، دار الطليعة، بيروت، ط2، 1978، ص 41 و42. انظر: مناع، هيثم (الدكتور) – المواطنة مصدر سابق، ص 36، قارن كذلك: شعبان، عبد الحسين – عاصفة على بلاد الشمس، مصدر سابق، ص 223–235. انظر كذلك: الحاج، عزيز– بغداد ذلك الزمان، المؤسسة العربية للدراسات والنشر،ط1، بيروت، 1999، ص 111 وما بعدها.

[16] – قارن: شكري، محمد عزيز (الدكتور) المدخل إلى القانون الدولي العام وقت السلم، دار الفكر، ط4، دمشق 1973، ص 22–23 .

انظر كذلك: السيد حسين، عدنان– العلاقات الدولية في الإسلام، دار مجد، بيروت، 2006، ص 133.

[17] – Lewis, Bernard, Islam and liberal, Democracy: A Historical Overview, Journal of Democracy, Vol. 7, No:2, 1996.

ويذهب البروفسور سمير أمين إلى القول "إن المساواة القانونية لم تكن سمة من سمات الأنظمة التقليدية العربية أو الشرقية". قارن: أمين، سمير– ملاحظات حول منهج تحليل أزمة الديمقراطية في الوطن العربي، ورقة عمل مقدمة إلى ندوة "أزمة الديمقراطية في الوطن العربي" مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1984، ص 310 – 311.

قارن: – إضافة إلى ما تقدم المناقشات القيّمة التي نقلها الدكتور عبد الوهاب الأفندي في بحثه القيم الموسوم "إعادة النظر في المفهوم التقليدي للجماعة السياسية في الإسلام: مسلم أم مواطن" مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت العدد 264–2/2001.

[18] – قارن: هويدي، فهمي – مواطنون لا ذميّون، موقع غير المسلمين في مجتمع المسلمين، دار الشروق، القاهرة، 1990.

[19] – انظر: جبّور، جورج – حلف الفضول، إصدار الجمعية العراقية لحقوق الإنسان في سوريا، دمشق، 1998، وط2 إصدار وزارة الثقافة السورية، دمشق 2008.

[20] – يقول د. خالد الحروب في دراسته القيّمة الموسومة بـ "مبدأ المواطنة في الفكر القومي العربي" من "الفرد القومي" إلى "الفرد المواطن": إن مبدأ المواطنة لم يحظ بمعناه الحديث القانوني والديمقراطي بتأصيل عميق في الفكر القومي العربي التقليدي في القرن العشرين. ويذهب إلى مناقشة بعض المؤسسين الأوائل في الفكر القومي ليؤكد أنه لم يجد معالجة مباشرة لمبدأ لمواطنة تعريفاً وتأصيلاً وإقراراً، ويعود ذلك إلى انصراف المفكرين الأوائل ببعث يقظة عربية مشتركة دفاعاً عن الهويّة وصياغة العلاقة بين العروبة والإسلام وفصلها عن العلاقة بين العرب والعثمانيين، ويعرض أفكار ساطع الحصري "حول القومية العربية" وتركيزه على الهويّة: من أنا ومن أنت؟ ومن نحن؟ تلك التي ركّزت على الهوية، للتمايز عن غيرها. ولم تنشغل أفكار ميشيل عفلق انشغالاً جدياً بفكرة المواطنة أو الديمقراطية أو أهمية حقوق الفرد.

قارن: الكواري، علي خليفة (الدكتور) – الحركات الإسلامية والديمقراطية، المواقف والمخاوف المتبادلة، مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية، دار قرطاس للنشر، الكويت، 2000.

كذلك: الحصري، ساطع – حول القومية العربية – سلسلة التراث القومي 14، مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، بيروت، 1987. انظر: الحروب، خالد – ملف المواطنة والديمقراطية في الوطن العربي، مجلة المستقبل العربي، مصدر سابق.

[21] – انظر: الأفندي، عبد الوهاب – ملف المواطنة والديمقراطية في الوطن العربي، المصدر السابق.

[22] – انظر: الغنوشي، راشد – الحريات العامة في الدولة الإسلامية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1993، ص 290 – 291. كذلك – حقوق المواطنة، حقوق غير المسلم في المجتمع الإسلامي، قضايا الفكر الإسلامي 9، ط2، هيرندن، فيرجينيا، 1993 ص 77–88، نقلاً عن عبد الوهاب الأفندي،المصدر السابق.

[23] – انظر: الأفندي، عبد الوهاب، المصدر السابق.

[24] - انظر : عبد الحسين شعبان - الانتخابات والتغيير، مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية، بغداد -بيروت، 2014 ، ص 97 وما بعدها.