محمود محمد علينعود ونستأنف قراءتنا النقدية في كتاب محمد رسول الإرادة لمؤلفه الدكتور ميثم الجنابي، وهنا في هذا المقال نجد الدكتور "ميثم الجنابي" أراد أن يطبع كتابه بخصائص جعلته يرقي إلي مستوي علمي رفيع، ومكنته من الوصول وبذلك يمكن قراءة أهداف المؤلف في هدفين أساسيين، أو جعلهما في دافعين:

الدافع الأول: نظري معرفي، يقوم علي ضم الفروع والجزئيات بعضها إلي بعض، والتماس الروابط بينها، وصياغتها في صيغة نظرية فلسفية، وهو ما لا يعلم "ميثم الجنابي" أن أحدا قام به من قبل، لا في شئ محرر، ولا في كتاب مصنف، بل لم ير أحداً حام حوله طائر فكره، أو جعله غاية بحثه ونظره، فرسخ في ذهنه أن هذا أمر مستحسن إظهاره، وإبراز تعم فائدته، وبيان خفيت معالمه، وهذا الدافع قد نصفه بالهدف الأول لتأليف الكتاب، أو الدافع الظاهري أيضا.

الدافع الثاني: واقعي دعوي، يقوم كما يقول "ميثم الجنابي":".. يمكن فهم المعنى الحقيقي الكامن فيما أسميته بمحمد رسول الإرادة، أي حياة وفناء الشخصية المحمدية في الصيرورة التاريخية والكينونة الثقافية للعرب (والمسلمين)، التي لا تشكل النبوة فيها سوى أسلوبها العملي ونموذجها التاريخي. وقد كان الجاحظ على حق عندما قال بأن حقيقة الإنسان إرادة. والنبي محمد هو أولا وقبل كل شيء إنسان، وبالتالي فإن حقيقته إرادة، لكنها إرادة البدائل الكبرى. ومن ثم ينبغي قراءة وفهم ما في الكتاب ضمن هذه الرؤية المنهجية وهذا السياق التاريخي والثقافي لصيرورته وكينونته وديمومته أيضا (9).

والسؤال الذي أود أن أسأله للدكتور" ميثم الجنابي": لماذا اختار محمد رسول الإرادة، ولم يختار مثلاً" محمد رسول الحرية"، مثل الكاتب المصري "عبد الرحمن الشرقاوي"، أو"الإنسان لكامل محمد صلى الله عليه وسلم"، مثل الشيخ "محمد متولي الشعراوي"، أو "إنسانيات محمد"، مثل "خالد محمد خالد"، أو "حياة محمد"، مثل محمد حسين هيكل، أو "محمد الرسول"، مثل "أنور الجندي" .. وهلم جرا ؟

وهنا يجيبنا " ميثم الجنابي" فيقول:" لأن رسول الإرادة يستند إلي فلسفتي التاريخية الثقافية ؛ وبالأخص ما له علاقة بفكرتي المنهجية عما أدعوه بالمسار التاريخي ومنطق الثقافة والاحتمال العقلاني للبدائل. والمقصود بالمسار التاريخي هنا هو مسار التاريخ الطبيعي الذي يمر ويتحقق بمراحل سبع أساسية، الثلاثة الأولى "طبيعية" صرف، والرابعة والخامسة بينية، بينما (السادسة والسابعة) "ما وراء طبيعية". وهي كما يلي: المرحلة الاثنية - الثقافية؛ المرحلة الثقافية - الدينية؛ المرحلة الدينية - السياسية؛ المرحلة السياسية - الاقتصادية؛ المرحلة الاقتصادية - الحقوقية؛ المرحلة الحقوقية – الأخلاقية؛ المرحلة الأخلاقية - العلمية.. إن جميع هذه المراحل انتقالية، بمعنى أن التاريخ عملية مستمرة تحتوي على احتمالات متنوعة من الصعود والهبوط، لكنها لا تنفي مضمون القانون الطبيعي للتاريخ، بل تؤكده بوصفه احتمالا عقليا وإرادة حرة (10).

ويستطرد المؤلف " ميثم الجنابي" فيقول: ومن ثم يمكن التوصل إلى استنتاج مفاده، إن الكينونة التاريخية للأمة هي كينونة إرادتها. والإرادة هي ليست فقط ما تريده، بل وما تعيه بمقاييس الواجب التاريخي للوجود والمثال. فاقتران كينونتها التاريخية بصيرورة إرادتها المثلى يكشف عن ضرورة جهادها واجتهادها بمعايير وعيها الذاتي، أي بمعايير الكلّ الثقافي المتراكم في مجرى تجاربه المتنوعة من أجل تذليل الحدود الذاتية في تجاربها التاريخية. وفي الحالة المعنية تذليل الكينونة العربية لصيرورتها التاريخية الثقافية في المرحلة الدينية السياسية عبر نقلها إلى المرحلة السياسية الاقتصادية من خلال تذليل فكرة وحالة الهيمنة الظاهرية والباطنية لفكرة الأصول الدينية (اللاهوتية) في كافة مجالات الحياة ومستوياتها النظرية والعملية (11).

ولعل من المفيد إلي أهم التوجهات الضابطة في مسيرة المؤلف الفكرية عبر قسميه؛ وأبرز هذه التوجهات وهو ما ظهر للمؤلف "ميثم الجنابي" بأن الشخصية الواقعية هي شخصية تاريخية؛ ومحمد واقعي فهو تاريخي. والصورة الأكثر صدقا هي القادرة على رؤية الصيرورة التاريخية والواقعية للشخصية، ومن ثم رؤية أفكارها ومواقفها وعقيدتها ضمن هذا السياق. فهو الأساس الضروري لبناء الصرح الفعلي لعالمها الذاتي. حينذاك فقط يمكن الكشف عما فيه من دهاليز وطرق قادرة على إيصال البحث فيها عما كان محمد نفسه يدعو إليه: الخروج من الظلمات إلى النور! بمعنى كيفية تراكم وتحديد مهمات وغاية التحدي للواقع التاريخي وشحذ الإرادة وعقلها الذاتي من اجل رسم ملامح وحدود البديل التاريخي (12).

بيد أن النبي محمد صلوات الله عليه في نظر " ميثم الجنابي" لم يفكر ولم يضع أمام ناظريه ما ندعوه الآن بمهمات الحاضر والمستقبل، وذلك لأن المرجعيات الممكنة والمحتملة بالنسبة لنقل الأقوام والأمم إلى المرحلة الدينية السياسية تظل دوما محكومة بفكرة الواحد المتسامي والوحدة الخالصة لروح الجماعة النقية والتقية. وهي مرجعية قادرة على إبداع مختلف النماذج العملية الضرورية لحل المشاكل والقضايا التي تواجه الأمة والدولة؛ بمعنى أنها تمتلك الصيغة النظرية المجردة للاجتهاد النظري والعملي. الأمر الذي يجعل من تحرير الرؤية العلمية من غشاء العقائد الدينية واللاهوتية أسلوبا لإرجاع محمد الحقيقي وحقيقة محمد إلى أصل وجذر واحد، ألا وهو كفاحه الذاتي وبناء شخصيته في مجراه. وضمن هذا السياق يمكن القول، بأن المصدر الأكثر دقة لإدراك شخصية محمد وحقيقتها هو القرآن. وبالتالي، فإن إعادة ترتيب آياته بما يتوافق مع زمن "نزولها"، أي بما يتوافق مع ما أطلقت عليه الثقافة الإسلامية عبارة "أسباب النزول" سوف يساهم في رؤية شخصيته التاريخية والواقعية كما هي، ومن خلالها تتبين ملامحها ومعالمها الفعلية. وذلك لأن الرؤية الواقعية والعلمية الدقيقة هي أكثر "قدسية" من تقديس اللاهوت الأجوف (13).

وثمة توجه آخر لميثم الجنابي يتمثل في أن النبي محمد صلوات عليه وسلامه، استطاع أن يجمع بين الإنسان والنبوة، أو أن النبوة امتداد للإنسان فيه واستكمال له وتحقيق ما فيه من خصال وتجارب. إذ لم يتحول محمد إلى نبي بل صار إياه. والنبوة، شأنها شأن كل حالة نوعية في الاحتراف الإنساني لها مقدماتها وخصوصيتها. فالأنبياء كالعلماء والشعراء والفلاسفة والأدباء وقادة الحروب وأهل السياسة والدولة، لكل منهم خصوصيته وموقعه فيما ينتمي إليه وصار جزءا منه، وأثره في تقاليد احترافه وخارجها (14)؛ علاوة علي أن النبي محمد حقق بذاته صيغة ما أسماها الكاتب "بلوغ مصاف المرجعية المطلقة لاتباعه (المسلمين) مما أدى الى أن تقتطف هذه الصيغة من كل الأنواع الأخرى ما يمكّنها من تعزيز قيمتها المرجعية الروحية والفكرية الدائمة. لاسيما وأنها تغلغلت جميعا في مسام المعركة التاريخية الكبرى التي قادها في نقل العرب من الطور الثقافي الديني إلى الطور الديني السياسي، أي إرساء أسس الانتقال الأكبر والأعقد في تاريخ العرب ولاحقا المسلمين بمختلف أقوامهم وشعوبهم وأممهم. وهي العملية الثقافية الكبرى التي أسست للطابع الثقافي للقومية العربية والأمة الإسلامية ككل (15).

أما التوجه الثالث فيتمثل في ربط المؤلف بين شخصية النبي محمد صلي الله عليه وسلم وبين حضوره في الثقافة النظرية الإسلامية (16)، وعلم الكلام (17)، والفلسفة الإسلامية (18)، والتصوف (19)، والتاريخ الإسلامي في القرن السابع والثامن الهجري (20)، والتأليف الحديث (21).

علي أن هذه التوجهات قد صاحبها ثلاث نزعات للمؤلف: إحداها نفسية والثانية أخلاقية، والثالثة عقلية. أما الأولي من هذه النزعات، فتتمثل في إفراط " ميثم الجنابي" في القول بأن: الشخصية المحمدية هي وجود جوهري في الوعي التاريخي (العربي والإسلامي). ومن ثم فهي غير قابلة للتكرار، لكنها قابلة للاستعادة المطلقة. وإذا كان الصوفية أكثر قربا في إدراك كليته، فإن قربهم ظل محصورا في ميدان الذوق. بينما تتبعوا في سلوكهم آلية التجزئة، بحيث جعلوا من شخصيته المتعددة الجوانب نموذجا أخلاقياً مطلقاً. بينما جعلت منه السلفية المتحجرة صنما. بمعنى قبوله للتمثل وفقدانه للحياة. وترتب على ذلك حصره في أحادية هشة، ومسخه الميتافيزيقي، وابتذاله المذهبي، بحيث أدى إلى إخلاء الصراع من الأرضية التاريخية القلقة التي بلورت شخصيته الفعلية (22).

وأما التوجه الثاني فتتبدي لنا بجلاء في مواضع عديدة من الكتاب يعزف فيها "ميثم الجنابي" لحن الوفاء للنبي محمد صلي الله عليه وسلم ؛ حيث يقول:" لقد كشف النبي "محمد" صلي الله عليه وسلم عن قدرة عملية هائلة في مختلف ميادين الحياة وعن مساع نقدية ظهرت في البداية برفض ما هو مخالف للحق. غير أن هذا الموقف النقدي والرافض لما هو سائد لم يتبلور بين ليلة وضحاها. انه نتاج أربعين عاما من العيش والتأمل العميق، اللذين استندا بدورهما إلى التقاليد العربية، والتي ظل أثرها بارزا في كلامه وفعله. ولم يجد حرجا في ذلك. على العكس فقد كان نشاطه بينها من أجل توحيدها يجري من خلال نفي التجزئة القبلية نفسها. وكان لا بد من أن تتلألأ هذه "القبلية" أحيانا في أفضل تجلياتها وأسماها. إلا أن ظهورها في سلوكه هو مجرد تمظهرها الخارجي، بوصفها البقايا الضرورية لإرث صيرورته الشخصية (23)... وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكتور / محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط .

.....................

(9) ميثم الجنابي: محمد رسول الإرادة، ص 23.

(10) نفس المصدر، ص 19.

(11) نفس المصدر، ص 19-20.

(12) نفس المصدر، ص 24.

(13) نفس المصدر، ص 24.

(14) نفس المصدر، ص 24.

(15) نفس المصدر، ص 26.

(16) نفس المصدر، ص 17.

(17) نفس المصدر، ص 38.

(18) نفس المصدر، ص 41.

(19) نفس المصدر، ص 42.

(20) نفس المصدر، ص 45.

(21) نفس المصدر، ص 48.

(22) نفس المصدر، ص 52.

(23) نفس المصدر، ص 62-63.

 

ضياء نافعنعود – وللمرّة الثالثة – للكتابة عن هذا المرجع الوثائقي المهم في تاريخ العلاقات العربية – الروسية الثقافية، وذلك كي نتوقف قليلا عند الفصل الثاني للكتاب فقط، والخاص بالاديب والفيلسوف الروسي دستويفسكي في العالم العربي، وكما أشرنا في مقالتنا الثانية عن هذا الكتاب، عندما تكلمنا عن الفصل الاول الخاص بتولستوي .

 دستويفسكي ظهر باللغة العربية متأخرا مقارنة مع الادباء الروس الكبار بشكل عام، رغم انه يقف في طليعة هؤلاء الادباء، وكان اول ظهور له (حسب كتاب المستشرقة الميرا علي زاده المذكور) عام 1911 – 1912 على صفحات المجلة الفلسطينية (النفائس)، التي كان يصدرها خليل بيدس، اذ جاء – ولأول مرة باللغة العربية - اسم دستويفسكي و بعض مقولات له ليس الا في مقالة مسلسلة تم نشرها طوال عام 1911 بعنوان – (رزنامة تولستوي)، وجاء اسمه وبعض مقولاته واشارة الى خطابه عن بوشكين عام 1912 في مقالة اخرى ظهرت في نفس المجلة ايضا . تولستوي وتشيخوف وغوركي مثلا ظهروا في العالم العربي اثناء حياتهم، اما دستويفسكي، فقد ظهر بعد ثلاثين سنة تقريبا من وفاته (توفي عام 1881)، وهذه نقطة مثيرة جدا، و تستحق التأمّل والدراسة والتحليل بعمق من قبلنا، نحن العرب، لانها حالة واضحة المعالم تعكس مستوى وطبيعة الثقافة فعلا في عالمنا العربي الحديث، هذا الواقع الثقافي الذي بدأ بالتبلور منذ نهاية القرن التاسع عشر فصاعدا ليس الا. ان الظهور المتأخر لهذا الكاتب الروسي هو أول شئ يلاحظه قارئ هذا الفصل عن دستويفسكي من كتاب – (الادب الروسي و العالم العربي)، اذ يبرز رأسا السؤال في ذهن هذا القارئ عن سبب تأخّر ظهور كاتب كبير ومتميّز مثل دستويفسكي بهذا الشكل، ولا مجال طبعا للتوقف التفصيلي في مقالتنا هذه عند هذا الموضوع غير الاعتيادي والجدير بالدراسة التحليلية من قبل باحثينا، اذ اننا نستعرض هنا – ليس الا - كتاب المستشرقة المرحومة الميرا علي زاده عن الادب الروسي والعالم العربي.

الفصل الثاني (والذي جاء في الكتاب المذكور بعنوان دقيق جدا وهو – حياة وابداع دستويفسكي بعيون العرب) يقع في 133 صفحة بأكملها، ومن الواضح تماما الجهود التي بذلتها الميرا علي زاده في البحث عن المصادر العربية، التي تناولت دستويفسكي في بداية القرن العشرين، وهي جهود فذّة فعلا، اذ ان هذه المصادر تكاد ان تكون شبه منسيّة في عالمنا العربي، ولا يتذكرها القارئ العربي المعاصر بتاتا، رغم انها مصادر مهمة في مسيرة الثقافة العربية وتاريخها، وكم حريّ بنا – نحن العرب – ان نتذكّر تلك المصادر وندرس بعمق دورها في مسيرة الثقافة العربية منذ نهاية القرن 19 وبداية القرن 20، مثل مجلة (المجلة الجديدة)، التي نشرت عام 1929 مقالة بعنوان – في ساعة الاعدام، وفيها رسالة دستويفسكي الشهيرة الى أخيه حول الغاء اعدامه في اللحظات الاخيرة قبل تنفيذ عملية الاعدام وتبديل الحكم الى النفيّ الى سيبيريا، ثم تنتقل المستشرقة للحديث تفصيلا عن ترجمة سلامة موسى لرواية دستويفسكي – (الجريمة والعقاب)، والتي قام بترجمها عن الانكليزية ونشرها على حسابه الخاص لانه لم يجد اي دار نشر لاصدارها، وذلك عام 1914، ويعدّ هذا الاصدار الكتاب العربي الاول لدستويفسكي، وقد طبع سلامة موسى الجزء الاول فقط ويقع في 120 صفحة ليس الا، وفشل فشلا ذريعا بتسويقه، لدرجة انه اضطر في النهاية ان يبيع النسخة الواحدة من الرواية بمليّم مصري واحد فقط كي يتخلص منه، ولم يستمر طبعا باكمال ترجمته للرواية بعد هذا الفشل الذريع . تنتقل المؤلفة بعدئذ – وبالتدريج – للحديث عن المصادر العربية الاخرى التي تناولت دستويفسكي، ومنها مقالة شاملة كتبها الباحث الفلسطيني اديب سعد خوري عنه ونشرها في مجلة (الاخاء) الفلسطينية عام 1931، وتترجم الى الروسية مقاطع كبيرة منها، وتثبت تلك المقاطع – وبلا شك - المعرفة العميقة والدقيقة لهذا الباحث لابداع دستويفسكي، ثم تشير المؤلفة الى مصدر عربي مهم حول ذلك، وهو كتاب حسن محمود، الذي صدر عام 1943 في القاهرة ضمن سلسلة (اقرأ) الشهيرة عن دستويفسكي .

لا يمكن لنا التحدّث عن كل هذه التفاصيل الطريفة والمهمة، التي توقفت عندها الميرا علي زاده في هذا الفصل الخاص بدستويفسكي في الجزء الثاني من كتاب (الادب الروسي والعالم العربي)، اذ ترد هنا اسماء كثيرة لباحثين وادباء عرب كبار، منهم على سبيل المثال وليس الحصر، محمد حسين هيكل ويحيى حقي وميخائيل نعيمه وسامي الدروبي و..و..و، ولكني أود ان أختتم هذه المقالة بالتوقف قليلا عند اسم الدكتور عماد حاتم، صديقي و زميلي في كليّة الفيلولوجيا بجامعة موسكو في ستينيات القرن العشرين، والذي كان نموذجا للطالب الملتزم والمجدّ، واريد رأسا ان أذكر، انه الوحيد بيننا (نحن الطلبة العرب آنذاك في تلك الكليّة من سوريا والعراق ومصر)، الذي تخصص بادب دستويفسكي . لقد تحدّثت المستشرقة الميرا علي زاده عن كتابات عماد حاتم من ص 261 والى ص 273 باكملها، واستشهدت ببحوثه عن دستويفسكي، وترجمت مقاطع مهمة منها، وجاء اسمه (31) مرة في تلك الصفحات، وكم شعرت بالفخر وأنا أقرأ تلك الصفحات، وكلمات الثناء، التي كتبتها مؤلفة الكتاب عن الباحث السوري الكبير الدكتور عماد حاتم، والذي لا اعرف عنه الان – مع الاسف - اي شئ ولا أدري اين هو الان، ولكني أود هنا ان ابعث له بتحياتي وتمنياتي ومحبتي واعتزازي اينما يكون، يا ابن جامعة موسكو البار ورافع رايتها العلمية المجيدة، ويا (رفعة راسنا) ...

كتاب المرحومة المستشرقة الميرا علي زاده الموسوم – (الادب الروسي والعالم العربي) يعدّ مصدرا علميّا مهمّا جدا في تاريخ العلاقات العربية – الروسية الثقافية، ويجب علينا – نحن العرب – ان نأخذه بنظر الاعتبار ونوليه الاهتمام العلمي الجدير به، ونقدمه للقراء العرب، وان نكمل مسيرته الفذّة .....

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

محمود محمد عليهناك نمطان من الكُتاب الأكاديميين، نمط تقليدي تتوقف مهارته عند تقليد الآخرين والنقل عنهم وضبط الهوامش، والحرص علي أن يكون النقل أميناً، وكلما كان من مصادر ومراجع أجنبية كان أفضل، وكلما قل فيما يقولون، فإن ذلك هو الصواب عينه؛ ونمط مبدع يسخر قراءته لإبداء الرأي أو للتدليل علي صواب الاجتهاد العقلي الشخصي، وبالطبع فإن النمط الثاني هو الأقرب إلي النمط الفلسفي الحق، فالتفلسف ينتج الإبداع ولا يتوقف عند النقل وإثراء الهوامش .

ولا شك في أن الأستاذ الدكتور" ميثم محمد طه الجنابي (أستاذ العلوم الفلسفية في الجامعة الروسية وجامعة موسكو الحكومية، من هؤلاء الذين ينتمون إلي النمط الثاني، فهو صاحب موقف فلسفي ونقدي واضح من كل ما يقرأ ولا يكتب إلا في حول، أو في قضايا معاصرة بغرض بلورة موقف مبدع ومستقل عن كل المواقف ومختلف عن كل الآراء المطروحة حول نفس الموضوع سواء قيل من قبل .

واعتقد أنه في نظر الدكتور "ميثم الجنابي" فإن البحث الفلسفي، هو تعبير خالص عن الموقف الفكري المستقل الخالص بالباحث، وليس مجرد مجموعة من النقول والشروح والتعليقات المفتعلة. وعلاوة علي ذلك فإن جدية "ميثم الجنابي" وأصالته تتكشف عندما يطرح القضايا الفكرية والسياسية، حيث نجد الغاية من هذا الطرح ليست مجرد تكرار للأفكار، وإنما يسلط الضوء علي أفكار وقصايا بعينها، من أجل أن يكشف عن المجتمعات العربية عموماً، والمجتمع المصري خصوصاً، وكذلك من أجل أن يستقي القارئ العربي منها مصادر خلاصة من مشكلاته التي تؤرقه؛ وخاصة مشكلة وجوده كإنسان له كرامته الأصلية.

ويعد ميثم الجنابي واحداً من أبرز الوجوه الثقافية من أساتذتنا المعاصرين، وهو يمثل قيمة كبيرة وشعلة من التنوير الفكري التي بدأها منذ ربع قرن، باحثا، ومنقباً عن الحقيقة والحكمة . إنه الباحث عن سبيل يحفظ للإنسان حريته وكرامته، فهو ينقب في ثنايا الفكر العربي القديم والحديث والمعاصر، لكنه لا يسلم بما يكتبه عنه من قبل زملائه الباحثين في الشرق والغرب، بل لديه قدرة عظيمة علي أن يلقي بنفسه في خضم المشكلات المطروحة، ويشق لنفسه طريقه الخاص غير عابئ بما يقوله "أشباه الباحثين" .

وإذا ما أكتب اليوم عنه هذه الورقة، فما ذلك إلا نقطة في بحر فكره، وقد آثرت أن تكون ورقتي منصبة حول أحد إسهاماته في تراثنا العربي الإسلامي، وقد اخترت كتابه (هذا الذي بين يدي) وهو بعنوان: (محمد رسول الإرادة)؛ وقد صدر هذا الكتاب عن (دار العارف)، بيروت، 2018، وعدد صفحاته 238، وينقسم هذا الكتاب إلي قسمين، الأول وتحت عنوان (أرادة الروح)، والثاني (روح الإرادة)؛ ويتضمن القسم الأول ستة محاور؛ وهي على التوالي: الصيرورة الروحية للإسلام، الإسلام - مجاز الحكمة الخالدة، الصيرورة الروحية للنبي محمد، النبوة- إرادة الحق، الجهاد والاجتهاد النبوي، القرآن- قراءة الأبعاد المتجددة للوجود الإنساني.. أما القسم الثاني فيحتوي على أربعة محاور وهي على التوالي: الإسلام وفكرة التحدي التاريخي، إرادة البديل الشامل، النفي والبدائل، العقل الإسلامي الجديد).

وقبل أن أتحول لقراءة هذا الكتاب أقول: لقد علمتني التجارب البحثية أن هناك أكثر من طريق لقراءة الأعمال الفلسفية قراءة نقدية، وأكثرها عفوية وسذاجة أن نلخص العمل الفلسفي أبواباً وفصولاً ثم لا شئ، وأعمقها أن نحاول تحديد مقولات العمل أولاً حتي نضع المتلقي معنا علي أرضية واحدة مشتركة، ثم نخلص من ذلك إلي تجسيد رؤيتنا النقدية لهذه المقولات وإحالة هذه الرؤية النقدية في النهاية إلي قضايا وظاهرات.

وقد اخترت في قراءتي النقدية لكتاب الأستاذ الدكتور ميثم الجنابي (محمد رسول الإرادة)، تلك الطريقة الأخيرة التي ترفض الهشاشة وتكابد في طريقها إلي محاولة التنظير والتأصيل .. أولاً: لأن هذا الكتاب عمل علمي جاد يستحق بالفعل أن يعاني الناقد في قراءته وتقويمه، وأزعم أن هذا الكتاب سوف يضيفه التاريخ إلي أمهات الكتب الخوالد، لأن هذا المضاف يفتح السبُل أمام النظر، وإعمال العقل، وأمام البحث ومناهج العلم .. وثانياً الميزة التي يتميز بها الكاتب "ميثم الجنابي" في هذا الكتاب، وهي هذه الجدية في النظر، وهذه الصرامة في المنطق، وهذا العكوف في العمل، وهذا الاحترام للنفس كاتباً وللغير قارئاً هو ما في نظري ما تعودت عليه أنا شخصياً مع ميثم الجنابي (في هذا الكتاب)، يحتشد للموضوع الذي يبحثه من جوانبه التي تخصص فيها، ويتقدم للقارئ لا بالموضوع الذي يبحثه فقط، ولكن بالأدوات المنهجية التي يتعامل مع موضوعه بها، فيعرضها واضحة بما تستدعيه من منطق، ومن أسلوب تدليل ومن ترتيب سياق.

ويمثل كتاب (محمد رسول الإرادة) معلماً بارزاً من معالم خطاب الدكتور ميثم الجنابي الداعي إلي قراءة تراثنا العربي الإسلامي قراءة علمية وموضوعية، بقصد التعرف علي الثقافة التي أنتجها هذا التراث، وإدراكها في إطار سياقها التاريخي والاجتماعي سعياً لمزيد من الفهم لواقعنا الثقافي المعاصر عن طريق استخلاص مغزي الدلالات المختلفة لهذا السياق، ولما كان التراث في رأيه هو مجموع النصوص التي أنتجت عبر العصور المختلفة من تاريخ أمتنا؛ فإن فهم هذه النصوص يصبح السبيل الوحيد لخلق وعي علمي بهذا التراث وبآليات إنتاجه .

والواقع أنه إذا كان صحيحاً القول بأن للفيلسوف حدثاً واحداً يتكرر كل عدة سنوات كما قال الفيلسوف الفرنسي المعاصر " هنري برجسون"؛ فإنه صحيح أيضاً القول بأن للمفكر المتميز خطاياً واحداً يتكرر دائماً عبر مستويات عديدة تعكس كلها رؤية واضحة ومتفردة، كتلك التي نجدها متضمنة في جميع أعمال الدكتور "ميثم الجنابي": كتاباً كانت .. أم مقالات، أو حتي حوارات صحفية ..!

ومن هنا يقع كتاب (محمد رسول الإرادة) الذي نحن بصدده الآن ضمن الدوال الرئيسية علي معالم هذا الخطاب الذي يمثل بحق اتجاهاً معرفياً جديداً في حقل الثقافة العربية المعاصرة .. اتجاها احتل مكانته في قلب هذه الثقافة عن جدارة واستحقاق بصرف النظر عن مدي الاتفاق أو الاختلاف مع ما يمثله من قيمة معرفية ومنهجية في دراسة علوم التراث ونصوصه، وهي قيمة ولا ريب عظيمة ولو كره الشائنون..!

ومن عادتي عند قراءة كتاب لا أعرف محتواه، أن أخمِّن موضوعه من عنوانه، وغالباً ما يكون تخميني صحيحاً؛ فحسب علمي لم يكتب قبله كتاب في موضوع "محمد رسول الإرادة"، وشرح أفكاره بطريقة نقديَّة، وهذا واضح من خلال التوجّه التي سار عليه الدكتور" ميثم الجنابي" عندما أعلن بأن:" الفكرة الرئيسية لهذا الكتاب تقوم في تبيان أثر الشخصية المحمدية في وضع أسس اللحظة التأسيسية للمراجعات الثقافية المتسامية التي أدت إلي نقل العرب من المرحلة الثقافية الدينية إلي المرحلة الدينية السياسية، وما استتبعها من تأسيس لاحق للثقافة الإسلامية وحضارتها . وبالتالي الكشف عن أنه كلما جري الغوص في حقيقتها التاريخية كلما تعمق الباحث في حقيقتها الما فوق التاريخية . ومن ثم البرهنة علي أثرها الجوهري في تحدي الوجود التاريخي بإرادة البدائل الكبرى . من هنا بقاءها الحي وقدرتها علي الإلهام العقلي والروحي بوصفها شخصية تاريخية وما فوق تاريخية، أي كل ما جري وضعه في مفهوم النبي محمد والنبوة المحمدية، والرسول والإرادة الإسلامية (1).

ومعني هذا أن الكتاب يقوم علي فقه المراجعة، وهذا الفقه يعد فلسفة أصيلة في فكرنا الإسلامي، ولهذا ظلت العلوم الإسلامية طيلة تاريخها تخضع للمراجعة من قبل المتخصصين فيها من العلماء، وهي تلك المراجعة التي ينظر فيها كما يقول الدكتور "عبد المجيد النجار":" اللاحق فيما أنتجه السابق فيتناوله بالتمحيص؛ يلائم بينه وبين مقتضيات ما استجد من أوضاع المسلمين لتنتهي إلي تعديل ما ينبغي تعديله، وإضافة ما ينبغي إضافته، وربما إسقاط ما ينبغي إسقاطه، وبسبب ذلك نري هذه العلوم تتطور باطراد في كمها وكيفها، ومهما يأتي عليها من زمن تخلد فيه غلي الركود، فإنها لا تلبث أن تنبعث فيها الحياة من جديد، وذلك بفعل هذه الفلسفة التي انبتت عليها الثقافة الإسلامية في تطور العلوم، وهي فلسفة المراجعة المستمرة من أجل التطوير والتنمية لمجابهة ابتلاءات الواقع" (2).

في هذا السياق يأتي كتاب (محمد رسول الإرادة) لمؤلفه الدكتور ميثم الجنابي لينخرط في مسلسل المراجعات الاجتهادية التي تتوخي تحريك ديناميكية الفكر الإسلامي، ويجيب عن أسئلته الإشكالية التي يفرضها منطق الواقع ومنطق التاريخ.

وبالتالي فإن هذا الكتاب ليس رواية من نسيج الخيال، ولا سرد لأحداث تاريخية، وإنما هو عبارة عن مراجعة لمئات المصادر والمراجع، وكذلك البحث بصورة نقدية لكل من كتب عن النبي الخاتم " محمد صلي الله عليه وسلم"، وقد جاء الكتاب علي قسمين كما قلنا: الأول ويحمل عنوان (إرادة الروح )، بينما الثاني يحمل عنوان (روح الإرادة)، وبمجموعهما كل واحد . مهمة الأول تتبع فعل الإرادة النبوية لمحمد في تحقيق المبادئ الإسلامية في نواحي الحياة بمستوي الطبيعي والما وراء طبيعي من أجل نقل العرب (ولاحقا المسلمين) إلي المرحلة التاريخية الثقافية الجديدة ( الدينية السياسية) . وكلاهما كل واحد بمعايير التاريخ والحقيقة (3).

وهذا يعني أن " محمد رسول الإرادة" يختلف اختلافا عما سائد في أصناف الكتابة المتنوعة عن " السيرة النبوية"؛ إذ ليس للكتاب علاقة، كما يقول الدكتور " ميثم الجنابي" بهذا الصنف من التأليف؛ بمعني أنه ليس كتاباً عن " السيرة النبوية" و " حياة النبي محمد" بالمعني المنتشر والسائد من الكتب التأريخية والعقائدية والوظيفية ( التعليمية والتربوية والأدبية والسياسية وما شابه ذلك ) (4).

إنه كتاب فلسفي صرف يستند من حيث الأسس النظرية لفهم حقيقة الشخصية النبوية والرسالة لمحمد صلوات الله وسلامه عليه، وأثرها التاريخي العربي والإسلامي والعالمي إلي فلسفة الدكتور "ميثم الجنابي" التاريخية والثقافية . وبالتالي فهو كتاب تفتقده المكتبة العربية والإسلامية، إذ فكلاهما كما يذكر المؤلف لم يتمرسا بعد في فهم حقيقة الشخصية المحمدية بمعايير الفكرة النظرية بشكل عام والفلسفية بشكل خاص؛ لاسيما وأنه الأسلوب الأدق من أجل إرساء أسس النظرية المجردة والمتسامية والواقعية في الوقت نفسه عن الشخصية المحمدية والنبي محمد نفسه؛ ومن ثم إزالة الصيغ المبتذلة والظاهرية عن " توظيف " المعلومات عنها وعنه، أو " توظيفهما" هو من أجل " البرهنة " عن رؤيتها العقائدية والمحلية (5).

إن حقيقة الشخصية المحمدية في نظر "ميثم الجنابي" تتطابق كما يقول مع المعني القائم في عبارة " عين الحقيقة"، وهذه بدورها لا تحاج إلي توظيف جزئي أو متجزأ، لأن الحقيقة لا تتقبل التوظيف . إنها كافية بذاتها من أجل تنوير العقل والضمير الفردي والاجتماعي والإنساني (6)؛ إذ ليس هناك من شخصية في تاريخ الإسلام جري تصوير ورسم وتتبع كل دقائق حياتها، وأفعالها، وأقوالها، بل وحتي خلجات نفسها، إضافة إلي أصلها ونسبها وحيثيات وجودها من المهد إلي اللحد أكثر من محمد (7).

وهنا نجد "ميثم الجنابي" يعلن أنه يرغم أن كتابه يجمع بين ينتمي إلي وحدة الرؤية النقدية والمنهج الفلسفي، إلا أنه يجمع بين الرؤية التاريخية الواقعية، والنقدية العقلية، والنظرية الفلسفية؛ وبالتالي، فهو الكتاب الأول في الثقافة العربية والإسلامية في كيفية تناوله لشخصية محمد، والشخصية المحمدية، والنبي محمد والنبوة المحمدية، والرسول والرسالة الإسلامية (8).

 

الأستاذ الدكتور / محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط .

.....................

(1) ميثم الجنابي: محمد رسول الإرادة، دار العارف، بيروت، 2018، ص 9.

(2) أنظر عبد المجيد النجار: مراجعات في الفكر الإسلامي، الطبعة الأولي، دار الغرب الإسلامي، 2008، ص351.

(3) ميثم الجنابي: نفس المصدر، ص9.

(4) نفس المصدر، ص 10.

(5) نفس المصدر، ص 10.

(6) نفس المصدر، ص 10.

(7) نفس المصدر، ص 11.

(8) نفس المصدر، ص 19.

 

 

عبد الرضا علي صدر عن دار العارف للمطبوعات ببيروت قبل أيّام كتابي: (صور من ذاكرة الخوف في زمن الطغيان). وهو الكتاب الحادي والعشرون تسلسلاً في مشروعي الثقافي: متضمِّـناً أربعَ عشرَةَ صورةً كشفت ما كان خافياً على شباب هذا الجيل من جرائم جمهوريَّة الخوف، وأزلام منظمتها السريّة الذين كانوا كالوحوش التي تنهش لحوم البشر، وتلعق دماءَهم.

 وجاء في توطئته ما يأتي:

(1)

 تذكيراً بما فعلتْهُ المنظّمةُ السريّة من خرابٍ في المؤسّسات العلميّة والثقافيّة إبّان الحكم الدكتاتوريّ الشمولي وطاغيته المقبور، أنشرُ في هذا الكتاب بعضاً من صورِ الخوفِ التي عايشتُها، أو كنتُ واحداً ممَّن شملَه خوفها، كي يطّلعَ الجيلُ الجديدُ على ما كان يحدثُ من إجرام في حقِّ الأساتذةِ والمبدعين، وحملةِ الأقلامِ الشريفة الذين رفضوا إغراءات الجَزَرَة بإباء، فصانوا أقلامهم عن التلوُّثِ،ونأوا بها بعيداً عن السلطانِ، وشعرائه، والمطبِّلين له من الصحفيين الذين تدرّبوا بأحضان تلك المنظّةِ السريَّة القميئةِ، وحاولوا تبييضَ وجهَ جمهوريّةِ الخوفِ بدون حياء، فضلاً عمَّا كان من صورٍ أخرى كنتُ فيها شاهد تاريخ .

(2)

 وكنتُ قد نشرتُ في الجريدة الأسبوعيّة (العراق الحرّ) التي كان يصدرها المجلس العراقي الحر برئاسة المرحوم سعد صالح جبر بلندن بعضاً من صور الخوف تلك باسمٍ مستعار أيّام الطغيان تجنّباً من ملاحقة عائلتي في العراق،ودرءاً لما قد يلحقني من أذى المنظّمة المخابراتيّة في الخارج، وكان الأستاذ قاسم غالي (نائب رئيس التحرير) قد تكلّف بطبعها على البورد مشكوراً لكوني لم أكنْ قد تعلّمتُ الكتابةَ بعدُ، ثمَّ توقفتُ عن نشر بقيّة الصور حين تعلّمتُ الكتابة بإصبعٍ واحدة، كي أستكمل مشروعي الثقافي النقدي المؤجّل، لكنَّني عاودتُ نشر صورٍ أخرى من ذاكرة الخوف في بعض الدوريّات العراقيّة بعد سقوط الصنم سنة 2003م.

 أُحبُّ أنَّ أُكرَّرَ القول في أنّ أغلب هذه الصور قد عايشتُها، أو كنتُ شاهداً على حدوثِها، لكنَّ بعضها الآخر قد رواها لي أصدقاءَ موثوقون، أو ممَّن حدثت لهم، ونجوا من الموت، أو الملاحقة على نحوٍ ما، ولعلَّ القارىءَ الذكي سيعرف ما كان منها لصيقاً بذاكرتي،وما كان من المرويّات التي وثقتُ برواتِها .

  وجميعُ هذه الصور هي لكشف ما كان خافياً على شباب هذا الجيل من جرائم جمهوريّة الخوف، وأزلام منظّمتها السريّة الذين كانوا كالوحوش التي تنهش في لحوم البشر، وتلعق دماءَهم.

2358 ذاكرة الخوف عبد الرضا علي

(3)

أول من استخدم مصطلح (المنظّمة السريّة) هوالمفكّر الأستاذ حسن العلوي،أمَّا أول من استخدم مصطلح (جمهوريّة الخوف) فقد كان صاحب الذاكرة العراقيّة الكاتب الشهير كنعان مكيَّة، الذي اتخذ له اسماً مستعاراً هو (سمير الخليل) حين نشر كتابه المشهور (جمهوريَّة الخوف) باللغة الإنجليزيَّة، فوجدتُ هذا المصطلح قميـناً بتوصيفي لجمهوريّة صدّام المخيفة،أمّا مصطلح (الطاغية) فمعروف للقاصي والداني، لكنّني حين قرأتُ كتاب المفكّر الكبير الأستاذ الدكتور إمام عبد الفتاح إمام (الطاغية) هالني ما كانت تفعله عوائل الطغيان بشعوبها عبر التاريخ ، لاسيّما طغاة الفرس، وكي لا أطيل سأوردُ الفقرة التي أرَّقتني ليلةَ قراءتي لها في الصفحة 71، من ذلك الكتاب، حين ذكر الدكتور إمام عبد الفتاح  الآتي: (كان الفرسُ يطلقون على الإمبراطور لقب [ملك الملوك] . وهو صاحب السلطة المطلقة في طول البلاد وعرضها، فكانت الكلمة التي تصدر من فيه كافية لإعدام من يشاءُ من غير محاكمة ولا بيان للأسبابِ تماماً كما يحدثُ عند الطغاة اليوم! وكان في بعض الأحيان يمنحُ أُمَّهُ، أو كبيرةَ زوجاتهِ حقَّ القتلِ القائمِ على النزوات والأهواء، وقلَّما كان أحد الأهالي ـ ومنهم كبار وأعيان ـ يجرؤ على انتقاد الملك،أو لومه.كما كان الرأي العام ضعيفاً عاجزاً عجزاً مصدره الحيطة والحذر.لدرجة أنْ كان كل ما يفعله مَنْ يرى الملكَ يقتلُ ابنَه البريءَ أمامَ عينيهِ رمياً بالسِّهامِ أنْ يثني على مهارةِ الملكِ العظيمة في الرماية. وكان المذنبون الذين تُلهِبُ السياطُ أجسادَهم بأمرِ الملكِ يشكرونَ له تفضُّـلَهُ بأنَّهُ لم يغفلْ ذكرَهم).

 ونحنُ نظنُّ كلَّ الظنِّ أنَّ نظامَ طاغية العراق لو استمرَّ في الحكم، لوصلَ إلى حيثُ وصل إليه طغاة الفرسِ من جبروت، فليسَ غريباً على صاحب المقابر الجماعيَّة،وقاطع ألسنة الناس،وأيديهم، وآذانهم، ومستخدم السلاح الكيمياوي ضدَّ أبناء شعبهِ الكورد، ومشعل نار الحرب على جيرانه،وغازي الشقيقة الكويت، ودافنِ معارضيه وهم أحياء، وزارع فرق الاغتيال في بلدان العالم،وجزّار رفاقه القياديين البعثيينَ، والجاعل من أزلامه عيوناً تحصي أنفاسَ الناس وتكتب تقارير الموت عنهم، و..و.. و.. ألاّ يكون طاغيةَ العصرِ الأوحد، والمستبد المبيد كما كانَ القائد الضرورة الذي شبهه الكمالي (أستغفرُ الله) دون مراعاةٍ لقيم السماء بوجهِ الله حين قال:

(كوجهِ اللهِ يرفلُ بالجلالِ)

أمّا تقديم الكتاب، فقد تفضّل بكتابته الأستاذ أحمد الزكي، وممَّا جاء في فيه: (في هذا الكتاب الذي بين أيدينا أبدعَ الكاتبُ والأديبُ الأريبُ الكبير الدكتور عبد الرضا عليّ - وهو المبدع دائماً- في التقاطِ صورٍ مهمّةٍ لهذا الاستهداف للعقلِ، والإنسان تجاه من يملك القدرة على تحريكِ عقولِ الناسِ، وتحرير إرادتهم بالحكمةِ، والعلم، والمنطقِ، والحجة القاطعة..

 إنَّ ما يرويه الكاتبُ هنا هو جزءٌ مما شاهده وعايشه من صورٍ مرعبةٍ حفرتْ في ذاكرتهِ أخدوداً أكبر من أنْ تدملَ جراحَهُ تلك السنوات العجافُ، فهي ذكريات مرة لما مرَّ به خلال حياتهِ المليئة بالنشاط والحيوية والعطاء..).

 علماً أنَّ كلمة غلاف الظهر قد تفضَّلَ بها عليَّ مشكوراً صديقي الشاعرُ الكبير الدكتور عليّ الشلاه، وجاء فيها: (يقدم كتاب صور من ذاكرة الخوف للناقد والكاتب العراقي الكبير الدكتور عبد الرضا علي صورة موضوعية لما عاناه المثقفون والأكاديميون العراقيون سنوات الدكتاتورية الساقطة، ويري القارئ التشوهات، والانكسارات الكبيرة في الشخصية العراقية . تلك التشوهات التي تركتها سنوات الخوف والملاحقة لدولة بُنيت على هدم الإنسان وتمزيقه.

ولعلَّ أهمية هذه الشهادة المضافة تكمن في إشارتها إلى ملاحقة النظام لكل التفاصيل في حياة الناس حتى ما يعده الآخرون صغيراً، وهامشياً، ووضعه للمثقفين تحت مجهر التخوين في كلِّ حركاتهم وسكناتهم والمبادرة إلى تصفيتهم على الظن والشبهة والحسد والخلاف على أبسط جزئيّة داخل العمل، أو في الندوات والمؤتمرات.

ولعلَّ في هذا الكتاب شجاعة مميزة تبدو في إشارته للأسماء التي باعت ضميرها، وارتضت لنفسها دور المخبر الوضيع، والجلاد لزملائها من أبناء مهنة الحرف، والكتابة، وذلك يعكس الخراب الذي وصلته الثقافة العراقية بعد ثلاثة عقود من دولة الرعب البعثية.

وأجد لزاماً عليَّ التنويه بأهمية هذه الشهادة المتواشجة مع أهمية كاتبها كونه من الأسماء الرصينة، والفاعلة والمؤثرة في المشهدين الثقافي، والأكاديمي وليس شهادة عابرة لشخص عابر يضخم دوره بالادعاء.

آملاً أنْ يقدم هذا الكتاب محفزات أخلاقية لمثقفين آخرين لتقديم شهادتهم عن زمن الخوف أسوةً بكاتبنا الكبير).

***

لكلِّ ذلك كان هذا الكتاب الذي كشفتُ فيه بعضاً من صور الخوف في عهد الطغيان الصدَّامي، والحمد للهِ أولاً، وأخيراً.

 

أ. د. عبد الرضا عليّ

 

 

 

عامر هشام الصفارصدر قبل أيام عن دار ماشكي للطباعة وللنشر في مدينة الموصل في العراق كتاب الزميل الطبيب د. محمود الحاج قاسم والمعنون ب-الأطباء الموصليون المهاجرون- . وقد جاء الكتاب ضمن أصدارات رابطة التدريسيين الجامعيين في نينوى بتقديم د. أحمد الدليمي الأستاذ المساعد في جامعة الموصل.  ويشتمل الكتاب على ثلاثة فصول وعلى أمتداد قرابة المائتين من الصفحات. حيث أهتم الفصل الأول بهجرة الأطباء من الموصل قبل وبعد أحتلال العراق عام 2003، فناقش في محاوره الثلاثة الأسباب الأساسية لهجرة الأطباء، وأقترح مجتهدا ما يمكن أن يساهم في الحد من هذه الهجرة. ثم أن الكتاب قد أهتم بمادته الأصل التي عنى بها، وهي أسماء وسير حياة عدد من أطباء مدينة الموصل، من الذين هاجروا الى بلاد الغربة والمهجر. فذكر ما يقرب من 75 أسما من الأطباء الأعلام المعروفين والذين ولدوا في الموصل، وترعرعوا ودرسوا وعملوا فيها. ولم يرفق المؤلف سيرة الطبيب أو الطبيبة بصورة شخصية، مما تعذّر عليه في الطبعة الأولى هذه من الكتاب، ولعلنا نحظى بالصور في طبعة أخرى.

وقد جاء في مقدمة المؤلف الدكتور الحاج  قاسم ذكره لسبب أهتمامه بموضوع الأطباء المهاجرين، حيث يقول أن الكتاب وثائقي تاريخي يضاف الى أرث مدينة الموصل في علاقته ونصاعته. فضّم الكتاب على ذلك اسماء أطباء لا يعرفهم الأطباء الشباب الجدد وقد لا يذكرهم الآخرون، لأنهم تاهوا في المهاجر أو ماتوا بصمت ودون ضجيج.

ثم أن المؤلف حرص على التوثيق في كتاب ليدعو الى الحفاظ على شريحة الأطباء المهمة ضمن شرائح المجتمع..وهي ثروة من العقول والتي لا تعوّض. ولم يألوا المؤلف جهدا في التطرق الى أسباب هجرة الكفاءات العلمية العربية والعراقية من الموطن الأصل، كما حاول أن يأتي بالحلول، مع الأقرار انه-أي المؤلف- قد أهتم سابقا بالموضوع كل الأهتمام، وأصدر الدراسات، وحاضر بمحاضرات في أروقة الجامعة بالموصل حيث يعمل، وفي قاعات الدرس والمناقشات مع أهل الفكر والعلوم، ولكن المشكلة أستمرت دون حلول، بل وتفاقمت بتفاقم حال الوطن سوءا على الصعيد السياسي والأقتصادي والأجتماعي. وفي أحصائية مهمة يشير د. محمود الحاج قاسم الى أن 50% من الأطباء العرب يهاجرون متوجهين الى أوروبا وأميركا وكندا بوجه خاص، وهي نسبة كبيرة خطيرة بكل المقاييس. كما يذكر أن الأطباء العرب في بريطانيا انما يشكلّون حوالي 34% من مجموع الأطباء العاملين فيها.. كما جاء به مصدر يتحدث عن هجرة الأدمغة العربية وأورده الكتاب.

وحول أسباب هجرة الأطباء حاليا من العراق يذكر الكتاب عدة أسباب، لعل من أهمها:  تكرار تعرّض الأطباء للحوادث والأتهامات من قبل أقرباء المرضى، أضافة الى التهديدات والملاحقات العشائرية التي يتعرض لها الأطباء في العراق، وحالات الخطف والقتل، والذي أصبح أحد أهم العوامل الدافعة للهجرة.

ويشير الدكتور الحاج قاسم الى ما جاء في توصيات نقابة الأطباء في العراق في مؤتمرها الحادي عشر والمنعقد عام ،1973 ضمن مقترحات عشرة للحد من هجرة الكفاءات العراقية، فيدعو الى توفير المحيط العلمي بشكل عادل في المؤسسات الصحية، والعمل على تأمينه، وتوفير أمكانياته، وخاصة خارج بغداد ومراكز المحافظات. كما يدعو المؤلف ويكرّر ما دعت أليه نقابة الأطباء من ضرورة وضع دراسة وافية عن الفرص الوظيفية والمادية التي تعرض لأغراء الأطباء للبقاء في الدول التي يختصون أو يدرسون فيها، ومحاولة معادلتها بعروض وظيفية ومادية وعلمية مساوية لها على الأقل.

كما دعى كتاب الأطباء الموصليون المهاجرون الى الأسراع في أعادة بناء وتأهيل المستشفيات في الموصل، وتأمين العيش الآمن للطبيب في عمله في المستشفى، وفي عمله في العيادة الخاصة. كما دعى الى أحترام الطبيب وحسن التعامل معه وعدم أهانته والأعتداء عليه، أضافة الى تحسين الظروف المعيشية للأطباء.

لقد أحسن المؤلف د. محمود الحاج قاسم جهدا في أصدار كتابه القيّم، والذي يثير فيه ومن خلال مادته العلمية، موضوعا علميا مهما كموضوع هجرة العقول العربية، والذي لابد لأجله من أن تعقد الندوات، والمؤتمرات، وتصدر الدراسات، وتوضع الحلول، والاّ فلن يستعاد مجد، ولن تقوم حضارة من جديد.

 

د. عامر هشام الصفار.

 

 

السعيد بوشلالقللمفكر الحضاري مالك بن نبي رحمه الله

إنّ الكتاب الذي لا يُغيِّرنا لا يربينا لأننا ننتهي مِن قرأته ونحن على حالنا التي بدأناها به. وإنّا نتغير بالكتاب لأنه جاءنا بجديد فأقنعنا بصلاح المبدأ الذي يدعونا إليه، ووضح لنا السيئ من عاداتنا ووجهات نظرنا لذلك نحن نجد في الكتاب الذي يُغيِّرنا اتجاهاً جديداً في نفوسنا..

هذا الكتاب (حديث في البناء الجديد) رغم أنه كتاب من الحجم المتوسط بـ 160 صفحة. إلّا أن الفكر الحضاري الذي حواه يجعله كتاباً تغيِّرياً قيِّماً..

(حديث في البناء الجديد) يتضمن خمس محاضرات ألقاها الأستاذ مالك بن نبي في لبنان وسوريا عام 1959 وجمعها وترجمها إلى العربية الأستاذ عمر كامل مسقاوي .

المحاضرات هي:

1- الفعالية. وهي تعالج مشكلة الفرد وفعاليته في التّاريخ.

2- الثقافة. وهي تتمم معنى الفعالية التي هي من نتائج الثقافة.

3- كيف نبني مجتمعاً أفضل؟ هي تثبت أن انفصال الفرد عن مجتمعه لا يحقق له الضَّمانات الأساسية لحياته.

4- خواطر في نهضتنا العربية. وهي توضح الأخطاء التي نرتكبها في بناء الحضارة وتضع الوسائل الصحيحة لها.

5- رسالتنا في العالم. تبرز مشكلة اتجاه الحضارة في العالم.

تأتي هذه المحاضرات ضمن سلسلة مشكلات الحضارة، إذ يرى الكاتب أن المشكلة في العالم الإسلامي هي مشكلة أفكار فبعض الأفكار المميتة شكلت نوعاً من الجراثيم أسلمت العالم الإسلامي إلى مرضه وتخلفه .

ويدعو إلى تفعيل مبدأ (غَيِّر نفسك تُغيِّر التاريخ) فإذا تم لنا تغيير نفوسنا فقد واجهنا المشكلات بروح جديدة، روح تجعلنا نتجه نحو فكرة واحدة هي فكرة الحضارة.

وتاريخ الإنسانية اليوم يتجه نحو الحضارة المسيطرة في العالم. إنه يؤرخ لها، لأحداثها جميعاً ...

ومن الأفكار التي يناقشها الكتاب فكرة القابلية للاستعمار، وفكرة الثَّقافة فهو يرى أن الثَّقافة تتركب من المبدأ الأخلاقي والذوق الجمالي والمنطق العملي والعلم.

1 - المحاضرة الأولى: الفعالية.. فعالية الإنسان في التاريخ:

يبدأ الأستاذ مالك بن نبي محاضرته الأولى هذه بالحديث عن ظاهرة المشكلة في النّهضة العربية بالقول بأنه (في كل خطوةٍ من خطواتنا في طريق الحياة نرى أنه تواجهنا مشكلات، وتعلق على رؤوسنا عدداً من نقاط الاستفهام تحثنا للجواب عليها. وأحياناً نجد أنفسنا مضطرين إلى الاعتراف بأننا لا نجيد صياغتها الفكرية ولا نجيد التّصرف بها أو توجيه إمكانياتنا التوجيه المناسب لها. فالمشكلة بالنسبة لكل فرد عربي يعيش هذه المرحلة الخطيرة أن يُحاول فهم الصُّعوبات التي تواجهنا في صورة مشكلات متنوعة سواء في الاقتصاد أو الثقافة. وبعبارة أخرى أن يصوغ حياته صياغة جديدة تُطابق حاجاته وما يحس به.) ص 45. ويذهب إلى اعتبار أن المشكلة حالة نفسية يمكن أن نسميها قلق، فإذا أصبحت نفوسنا تشعر بهذا القلق فذلك هو العلامة الأولى للحياة، وهو علامة الولادة الجديدة. فإن الطِّفل يستبشر أهله بولادته ولادة سليمة حينما يبكي. فنحن إذ يعترينا القلق في حياتنا فإننا نشعر بأننا قد ولدنا ولادة جديدة. إن القلق من المشكلة يؤدي إلى حلها. وهو يُرتب المشكلات في فصلين (المشكلات ترتب في فصلين: مشكلة تهمني كمواطن عربي. ومشكلات أخرى تواجهني كإنسان يعيش في المجتمع الإنساني.. مشكلة المواطن ومشكلة الإنسان. غير أن الحياة لا تخطئ في صياغة المشاكل، لأنها تأتي بالنتائج طبقاً للمسببات.) ص 47.

وهو يرى أن المجتمع العربي واجه مشكلات النّهضة بحلول ضعيفة، ودليل ضعفها (أننا لم نضع المشكلات في وضعها الصّحيح. ولم نتأملها في جوهرها. فإن جوهر المشكلات ليس في حوادث خارجية. فإذا تصورنا المشكلات في إطار اجتماعي فقلنا هي الجهل، أو في إطار اقتصادي فقلنا هي الفقر، أو في إطار سياسي فقلنا هي الاستعمار، فإننا في هذا كله نبحث نتائج لأسباب سابقة أصولها في أنفسنا. ومن هنا كان الضعف في ثمرات أعمالنا.. إذ هي ثمرات ل تقنعنا في النِّهاية.) ص 48.

إنّ ما بِأيدينا ثروة مُعطلة لأن تفكيرنا لم يتصل بجوهر القضية. فالقضية ليست قضية إمكانيات، ليست قضية فقر أو غنى. فما هي القضية إذن؟ (إن القضية سواء كانت في إطار اقتصادي أو إطار اجتماعي أو إطار سياسي تتصل بموقفنا نحن كأفراد، تتصل بموقفي كمواطن أمام المشكلات. فإنني عاجز عن صياغتها فكرياً، وإذا صحت فكرياً بصورة ما فإنني عاجز عن التّصرف في الإمكانيات لحلها فعجزي إذن مزدوج وليس عجزاً بسيطاً.) ص 49. ويأتي الأستاذ مالك بن نبي بمثال واقعي عن ذلك العجز فيقول: (حينما نُعالج مشكلة النَّظافة في الشَّوارع مثلاً فإننا نُرجعها إلى إهمال لمواطنين وتهاونهم. وهذا صحيح ومِن ثمَّ فإنني أشعر بِنصيبي مِن التفريط... أني حينما أعالج هذه المشكلة بزيادة عدد سِلال المُهملات في الشَّوارع فقط، فإنني أشعر بخطئي في حل المشكلة حلاً صحيحاً. فإنّ السِّلال الزَّائدة إذا كانت تصلح لمجتمع معين فإنَّها في مجتمع كالمجتمع العربي مثلاً أرى بعد خبرة دامت ثلاثين عاماً أن هذا الحلّ هو نظري. فهو تكديس لعددٍ آخر مِن سِلال المُهملات. ودليلي على ذلك أني شاهدت في كثير من شوارعنا عدداً كبيراً مِن سِلال المُهملات، ولكنها شبه فارغة ومِن حولها الأرض ملأى بِالمُهملات.) ص 50. فالقضية إذن ليست قضية أدوات ولا إمكانيات. بل إن القضية في أنفسنا نحن. القضية في جوهرها في الإنسان في حد ذاته. ولهذا علينا أن ندرس أولاً وقبل كلِّ شيء الجهاز الاجتماعي الأول في البناء الحضاري وهو الإنسان، وليست السِّلال وغيرها. (فإذا تحرك الإنسان تحرك المجتمع والتَّاريخ، وإذا سكن الإنسان سكن المجتمع والتَّاريخ.) ص 50. أن هذه الحركية للإنسان والتَّاريخ هي التي نسميها (الفعالية). فعالية الإنسان في التَّاريخ. إن فعالية الإنسان في التّاريخ تعني النّظرة الإيجابية التفاعلية للإنسان في صنع التّاريخ كون الإنسان هو المُحرك والصانع للتّاريخ وليس مجرد كائن مستسلم له دون تأثير. يحلل الأستاذ مالك بن نبي الفعالية متسائلاً ومجيباً: (الفعالية. فعالية الإنسان في التَّاريخ. فما هي شروط هذه الفعالية؟ للجواب على هذا السُّؤال لابد أن نوضح ما نعني بالتَّاريخ والإنسان؟. إن نظرتنا إلى التَّاريخ لا تؤدي إلى نتائج نظرية فحسب. بل إلى نتائج تطبيقية تتصل بسلوكنا في الحياة فهي تُحدد مواقفنا أمام الأحداث، وبالتالي أمام المشكلات التي تنجم عنها، ذلك أننا إذا نظرنا إلى التَّاريخ باعتباره مُجرد حوادث تتعاقب دون ما ربط جدلي بينها فإن هذه النّظرة تؤدي إلى نتائج معينة ليست هي التي تنتج عن نظرنا إليه حينما نعتبره سيراً مُطرداً تترتب فيه الحوادث ترتيباً منطقياً كما تترتب عن الأسباب مُسبباتها. فإن النّظرة الأولى تؤدي إلى تسجيل ما يطرأ من حوادث في أنفسنا، وفي مذكراتنا على أنه من حكم القضاء والقدر أي من حكمٍ لا يد للإنسان فيه ولا يسعه أمامه سوى الإذعان ومسايرة الظُّروف أو كما يعبر البعض الاستسلام للواقع. فهذه النّظرة تجعلنا نُطأطئ الرُّؤوس أمام الأحداث لأن جهلنا بأسبابها ونتائجها يُؤدي بنا إلى أن نُحني لِثقلها ظُهورنا فإذا ما وضعتها عن ظُهورنا يدُ الموت ألقتها على كاهل الأجيال من بعدنا) ص 51.

إنّ هذه النّظرة الأولى للتّاريخ هي نظرة سلبية استسلامية يكون فيها الإنسان مستسلماً للتّاريخ باعتباره قدراً لا يُمكنه تغييره.

أما النّظرة التالية وهي النّظرة الثانية للتّاريخ فهي نظرة فعالية إيجابية يُعتبر فيها الإنسان هو الصّانع والمُحرك للتّاريخ. يحلل الأستاذ مالك بن نبي ذلك قائلا: (أما نظرتنا الثانية إليه فإنها بدلاً من أن تُلقي على أكتافنا ثقل الأحداث تجعلنا نُحدد إزاءها مسؤولياتنا. فبقدر ما ندرك من أسبابها ونقيسها بالمقياس الصَّحيح، نرى فيها مُنبِهات لإرادتنا ومُوَجِهات لِنشاطنا. وبقدر ما نكتشف عن أسرارها نُسيطر عليها بدلاً مِن أن تُسيطر علينا. فنوجهها نحن ولا توجهنا لأننا حينئذ نعلم أن الأسباب التّاريخية كلها تصدر من سلوكنا وتنبع من أنفسنا، من مواقفنا حيال الأشياء أعني مِن إرادتنا في تغيير الأشياء تغييراً يُحدد بالضبط وظيفتنا الاجتماعية كما رسمها القرآن في قوله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ..). والمعروف في أعم صوره والمنكر في أشمل معانيه يُكونان جوهر الأحداث التي تواجهنا يومياً كما يُكونان لُبّ التّاريخ. هذا هو المعنى العام للفعالية. وشرطها الأول: هو الذي يُحدد موقف الإنسان إزاءها كصانع للتّاريخ ومُحرك له. غير أننا إذا راجعنا الفترة الطّويلة التي قضيناها في معركتنا مع الاستعمار منذ قرن مثلاً لوجدنا أننا قد أضعنا وقتاً طويلاً. إذ لم نضع مشكلاتنا خلال هذه الفترة بمنطق الفعالية... إن الشُّعوب العربية الإسلامية قد تصارعت مع الاستعمار صراع الأبطال لتتخلص منه، لكنها كانت في الواقع تتصارع مع ظِلّ وليس مع واقع بالمعنى الصّحيح.) ص 51 و 52. ويضيف مالك بن نبي أنه (في تاريخنا القريب لم نتبع التّحليل المنطقي في مُعالجة مشكلة الاستعمار وإنما صرفنا وقتنا في التعبير بِكُلِّ وسيلة وبِكُلِّ صيغة عن استيائنا من سلوك الاستعمار كأننا نُطالب إبليس أن يُعدل مِن تصرفاته، ويُصبح مَلَكاً كريماً. أما المريض الحقيقي أعني الإنسان المستعمر، الإنسان الذي أصابه داء القابلية للاستعمار، فقد تركناه يستفحل فيه المرض من غير أن نُحاول مُحاولة جدية في فهم حالته المرضية حتى نُعالجه منها. وما ذلك إلّا لأننا خلال صِراعنا مع الاستعمار لم نعبر عن الأشياء بلغة الفعالية ولكن بلغة العاطفة التي أدت بِنا أحياناً إلى تصرفات ومواقف هزلية تتفق تماماً مع الخُطط الاستعمارية في بلادنا. وهذا ناتج على أننا لا نُقدر حوادث التّاريخ كما ينبغي لنا تقديرها. أعني أن نُقدرها كأفعال وردود أفعال بين عوامل اجتماعية ونفسية..) ص 55. ويركز الأستاذ مالك بن نبي على الإنسان كأهم قيمة ومعادلة في البناء الحضاري، قيمته ككائن حي مكرم، وقيمته ككائن اجتماعي فعَّال (إن الملاحظة تُجبرنا على أن نُقدر للإنسان قيمتين. قيمته كإنسان، وقيمته ككائن حيّ. قيمة توهب له في طينته الأولى بما وضع الله فيها مِن تكريم. وقيمة أخرى تُعطى له بعمليات اجتماعية معينة. وبعبارةٍ أخرى إن الإنسان يُمثل معادلتين. معادلة تُمثل جوهره كإنسان صنعه مَن أتقن كلّ شيء صُنعه. ومعادلة ثانية تُمثله ككائن اجتماعي يَصنعه المجتمع. ومن الواضح أن هذه المعادلة الأخيرة هي التي تُحدد فعالية الإنسان. إنسان في جميع أطوار التّاريخ لا يتغير فيه شيء وفقط تتغير فعاليته من طور إلى طور. وهذا يعني أن شخصيته ليس بالبسيطة، وإنما هي مُركبة تشتمل على عُنصر ثابت يُحدد كيانه كإنسان وعُنصر مُتغير يُحدد قيمته ككائن اجتماعي. وهذا يجعلنا نصُوغ مشكلته صِياغةً جديدة  وأن نتساءل: ما هي الظُّروف التي تجعل المجتمع يخلق في الفرد القيمة التي تبعث فيه الفعالية؟. إننا حينما ندرس مجتمعاً ما في حقبة مِن الزَّمن كافية لتُعطينا خبرة بشؤون المجتمعات في مختلف أطوارها. نرى أن المجتمع نفسه يكون أحياناً في حالة ركود وكساد. ولو أننا قد حللنا في مثل هذه الحالة الوضع النّفسي الذي يكون عليه الفرد فإننا نراه يتمتع بصورة واضحة بشعور الاستقرار. فلا يحتويه أي قلق وبالتَّالي  فإنه لا يبذل أي محاولة لتغيير الوضع مِن حوله. إذ تسير الأشياء والحوادث دونما تدخل مِن إرادته. وهنا يُصبح التّاريخ سيلاً يجرفه إلى حيث لا يدري مُستسلماً له الاستسلام المطلق. فإذا ما حدثت في المجتمع حالة جديدة غيرت هذه الأوضاع كُلّها، فإن موقف الإنسان هنا يتغير أمام الحوادث والأشياء وبالتالي يتغير مجرى التّاريخ... وهكذا يسود المجتمع وضع جديد نستطيع تسميته بحالة إنقاذ. وأول ما يكون من أثر هذه الحالة في نفس الفرد أنها تحرمه الشُّعور بالاستقرار بما يعتريه ويُسيطر على مشاعره مِن قلق لا يُمكن دفعه إلّا بتغيير الوضع. بتغيير الأشياء.) ص 57 و 58. ويختم مالك بن نبي محاضرته الأولى (الفعالية) هذه بالقول أنه إن (الشُّروط النَّفسية الاجتماعية التي تُحرك المجتمعات وتفرض على الأفراد الانسجام مع قانون تلك الحركة بِما لديهم منِ المُؤهلات المكتسبة التي تُكَوِّن المعادلة الاجتماعية أي المعادلة التي تُحدد فعاليتهم أمام المُشكلات وتُعطيهم قيمتهم في المجتمع وفي التّاريخ. وهكذا ينطلق الفرد الذي كان مِن قبل مكبلاً بِكساده ينطلق لأنه يشعر فجأةً بانفجار ذاتي في نفسه. انفجار يُطلق طاقاته المكبلة فتغير وجه التّاريخ...) ص 61.

2 - المحاضرة الثّانية: الثَّقافة:

2354 مالك بن نبيجاءت هذه المحاضرة في سياق المحاضرة الأولى (الفعالية) حديث عن العلم والثقافة والفعالية. وفيها يستعرض المفكر مالك بن نبي مفهومه للثقافة ومبادئها:

يبدأ الأستاذ مالك بن نبي محاضرته الثانية (الثَّقافة) بالإشارة إلى أن الحياة الثّقافية في البلاد العربية والإسلامية تفتقر إلى الشُّروط الأولية وهي شبكة العلاقات الثَّقافية التي تحيا فيها الأفكار. كما لا يوجد الدفء الإنساني الذي يشعر فيه الكاتب بالتَّشجيع على المثابرة. وهو يرى أن شبكة العلاقات الثَّقافية لم تتكون بعد في المجتمع الإسلامي، وذلك قياساً بتجربته في الحضارة الغربية.

يتساءل الأستاذ مالك بن نبي عن ماهية الثقافة التي تنشئ الصِّلات الثَّقافية في المجتمع وتخلق الفرد الفعال؟. ويعرض مفهومه للثقافة التي هي ليست مجرد علم يتعلمه الإنسان في المدارس ويُطالعه في الكتب. ويضيف محللاً: (إن الثَّقافة هي الجو المشتمل على أشياء ظاهرة، مثل الأوزان والألحان والحركات. وعلى أشياء باطنة كالأذواق والعادات والتَّقاليد. بمعنى أنها الجو العام الذي يطبع أسلوب الحياة في مجتمع معين وسلوك الفرد فيه بطابع خاص يختلف عن الطَّابع الذي نجده في حياة مجتمع آخر. هذا هو معنى الثَّقافة. غير أن تحديدنا لها على هذه الصُّورة يجعلها في صورة غير مركبة. أعني في صورة لا تُعطي أي فكرة عن تطبيقها في حين أن الغرض من الجهد الذي نبذله في موضوع كهذا ليس هو مجرد المعرفة لمفهوم من المفاهيم ولكن من أجل تحقيقه في مجتمعنا. وإذن فلا بد لنا من أن نُصنف عناصر الثَّقافة التي ذكرناها من عادات، وتقاليد، وأذواق إلخ... تصنيفاً ينتهي إلى تطبيقه، كما يجب أن تنتهي كلّ عملية تحليلية لازمة لفهم الأشياء، إلى عملية تركيبية لازمة لتحقيق هذه الأشياء.)

يحدد الأستاذ مالك بن نبي المبادئ التي تقوم عليها الثَّقافة في أربعة شورط هي: المبدأ الأخلاقي، والذوق الجمالي، ومبدأ المنطق العملي، والعلم.

عن المبدأ الأول يقول: (أن الثَّقافة لا تستطيع أن تكون أسلوب الحياة في مجتمع معين إلّا إذا اشتملت على عنصر يجعل كُلّ فرد مرتبطاً بهذا الأسلوب، فلا يُحدث فيه نشوزاً بسلوكه الخاص. وإذا دققنا النَّظر في هذا العنصر فإننا نرى أن لا بد أن يكون خُلُقِياً. فإذا قررنا وجود هذا العنصر كضرورة منطقية اجتماعية، فإننا نكون بهذا قد حققنا شرطاً أساسياً من شروطها وهو: المبدأ الأخلاقي.) ص 71. (إن شبكة الصِّلات الثَّقافية تختل حتماً في بلد ما، إذا اختل فيه المبدأ الأخلاقي. وإن فعالية المجتمعات تزيد أو تنقص بقدر ما يزيد فيها تأثير المبدأ الأخلاقي أو ينقص.. فالمبدأ الأخلاقي يقوم بالضبط ببناء عالم الأشخاص، الذي لا يُتصور بِدونه عالم الأشياء، ولا عالم المفاهيم.) ص 72.

المبدأ الثاني للثَّقافة هو الذوق الجمالي هو (الأساس الثاني الذي تقوم عليه الثقافة: ذوق الجمال. الذي يطبع الصِّلات الاجتماعية بطابع خاص. فهو يُضفي على الأشياء الصورة التي تتفق مع الحساسية والذوق العام من حيث الألوان والأشكال. فإذا كان المبدأ الأخلاقي يقرر الاتجاه العام للمجتمع بتحديد الدوافع والغايات، فإن ذوق الجمال هو الذي يصوغ صورته.. ومن هذه الناحية يعتبر ذوق الجمال من من أهم العناصر الديناميكية في الثَّقافة لأنه يُحرك الهِمم إلى ما هو أبعد من مجرد مصلحة. وهو في الوقت نفسه يحقق شرطاً مِن أهم شروط الفعالية، حيث يُضيف إلى الواقع الأخلاقي عند الفرد دوافع ايجابية أخرى مِن شأنها أحياناً أن تعدل مِن بعض الدَّوافع السَّلبية التي ربما يخلقها المبدأ الأخلاقي الجاف في سلوك الفرد حينما يصطدم هذا السُّلوك الصَّادر عن مبدأ أخلاقي مجرد من الحساسية الإنسانية والذوق العام.) ص 74.

أما المبدأ الثالث في مفهوم الثَّقافة هو (مبدأ يخص الانتاج الاجتماعي وهو مبدأ المنطق العملي. شرطاً هاماً من شروط الفعالية في الفرد والمجتمع. تطبيقه يتضمن فكرة الوقت والوسائل البيداغوجية لبث هذه الفكرة في سلوك الفرد وفي أسلوب الحياة وفي المجتمع.) ص 75.

المبدأ الرابع هو العلم (فالمبدأ الأخلاقي وذوق الجمال والمنطق العلمي لا تكون وحدها شيئاً من الأشياء إن لم تكن في أيدينا وسائل معينة لتكوينه. وهو الذي يُعطينا تلك الوسائل. فالعلم يكون عنصراً هاماً في الثَّقافة لا يتم بِدونه تركيبها ومعناها. فهو عنصرها الرابع.) ص 76.

ويختم مالك بن نبي محاضرته عن (الثَّقافة) بأن: (المبادئ الأربعة كفيلة بجمع شروط الفعالية التي هي الشيء الذي نريده من وراء كلمة (ثقافة) ذلك أننا لو حللنا عملاً ما على أنه كائن مركب ومشتمل على دوافع نفسية فإننا نرى أن هذه الدوافع يبعثها المبدأ الأخلاقي في النَّفس حيث لا يُمكن أن يُتصور هذا العمل بدونها كعمل إرادي. وهذا العمل يأتي بصورة معينة يُحددها ذوق الجمال. وبهذا يتم جزء مِن فعاليته. كما أن هذا العمل سنجده يؤدي للمصلحة الاجتماعية بقدر ما فيه من المنطق العملي الذي يُحدد سرعة انجازه، وبه تمام جزء فعاليته الآخر. وهو أخيراً يطلب تطبيق أصول نظرية ووسائل مادية يُقدمها العلم.. فيجب علينا إذن أن نقول إن الثَّقافة تشتمل على أربعة فصول: فصل أخلاق، وفصل جمال، وفصل منطق عملي، وفصل علم.) ص 77.

3 - المحاضرة الثّالثة: كيف نبني مُجتمعاً أفضل؟.

يعتمد الأستاذ مالك بن نبي في مُحاضراته هذه على التساؤل الذي يعقبه الجواب لشد انتباه القارئ ومتابعته واستيعاب الأفكار التي أوردها في هذا الموضوع الهامّ جداً.. فيبدأ المحاضرة بالتساؤل عن حظ العالم من المستقبل؟ وعن مصير وحظ العرب في هذا المستقبل؟.. ويعقب بالقول أن: (الذي ينبغي علينا أن نعلمه ونفكر فيه هو الواجبات التي يُلقيها على كاهلنا بناء النهضة. نهضة مجتمعنا. ذلك المجتمع الذي أصبحنا نشعر بوجوب بنائه وتحريك طاقاته التي عطلها التّاريخ منذ قرون. قرون التّدهور والانحطاط التي كان حظ العالم الإسلامي منها كبيراً بعد ازدهار حضارته. فليس من التّرف الفكري أن يُختار موضوعاً كهذا الموضوع عنوانه: كيف نبني مُجتمعاً أفضل؟) ص 81.

ويضيف (علينا أن نتعلم معنى الحياة الاجتماعية حتى من الحشرات، لأن في حياتها دروساً لنا قيِّمة... والإنسان شأنه في هذا شأن النَّحلة. إنه لا يستطيع أن ينعزل عن المجتمع ويُحاول العيش بجهده الخاص إذ مصيره من غير شك الموت. وإذا سلمنا بهذه البديهة فإن علينا أن نتساءل: هل الفرد يعيش ويحقق قسطه من الحياة ومصلحته فيها بمجرد اتصاله بشيء نسميه المجتمع أي بعدد من الأفراد؟.) ص 82. ويرى مالك بن نبي أن المجتمع ليس تكديساً لمجموعة من الأفراد، بل هو يُركز على وظيفته البنائية. إذ يرى أن (المجتمع الذي يقوم بوظيفته التّاريخية، المجتمع الذي يقوم بوظيفته نحو الفرد ويُحقق راحة الفرد فإنه بنيان وليس تكديس من الأفراد... فقبل أن تتجمع الأفراد تكون هناك فكرة عامة هي التي تؤلف بين أفراد المجتمع. فإذا فُقِدت هذه الفكرة فقد فُقِدت الصِّلات بين الأفراد، وتفكك المجتمع وضاعت المصلحة التي كانت تتمثل فيه... فالقضية إذن ليست قضية تكديس الأفراد. فنسمي كُلّ تكديس مجتمعاً.) ص 83. ويحلل الأستاذ مالك بن نبي معنى التكديس والفرق بينه وبين البناء في المجتمع، قائلاً: (ولسائل أن يسأل: تُرى ما معنى التكديس وما الفرق بينه وبين البناء؟. هناك فروق كبيرة، الفرق بين البناء الذي يحقق النتائج عاجلاً والتكديس الذي ربما يأتي بنتيجة. فلعله يُصادف يوم يخرج من الكدس شيئاً. والتكديس في الحقيقة ظاهرة اجتماعية. فإنه يحصل أن تكدس المجتمعات في مرحلة من مراحلها، ولكنها ليست في مراحل نهضتها، وإنما في عصور انحطاطها، لأنها في هذه المرحلة لا تفكر ولا تنظم أعمالها طبق أفكار وقوانين. وإنما تكديس الأشياء.) ص 94. (وقد يقتضينا هذا أن نفكر في المجتمع تفكير بناء وليس تفكير تكديس، لأن التَّكديس في المجتمع ظاهرة مُضرة، وهي تظهر حتى في الأفكار.) ص 95. ويضيف أن (المجتمع الإنساني يُقرر فكرته في مستوى آخر ليس مستوى البقاء، ولكن مستوى تطور النوع ورُقيِّه. هذه هي حقيقة المجتمع التي ينبني عليها كيانه.) ص 84.

ويتساءل الأستاذ مالك بن نبي عن الأهداف التي من أجلها يتكون المجتمع؟. ويجيب (هنا سأجيب بكل بساطة فأقول: أن الغاية من ذلك كُلّه تحقيق سعادته. فالفرد إذ يتصل بالمجتمع فإنما لتحقيق سعادته، وما أتت الأديان والفلسفات إلّا لتحقيق السّعادة وما خططت السياسات إلّا لهذا الغرض.) ص 85. ويواصل تساؤله الهادف لخدمة الموضوع وتبسيطه (ولكن ما هي هذه السّعادة التي نتطلع إليها؟ وما هو الشيء الذي يُحققها؟ لو أردنا أن نستخدم لغة العصر، هي لغة الاقتصاد الذي يُسيطر اليوم على عقولنا وعلى سير التّاريخ. لو أردنا أن نقبس من هذا المنطق لندخل في موضوعنا فإننا نقول إنه متوسط الدّخل السّنوي للفرد.) ص 85. فهو يركز على المستوى الاقتصادي كزيادة الدخل الفردي وتوفر الضمانات الاجتماعية كتجنيد الطّاقات وحل مشكلة البطالة، وحل مشكلة الأمية.. إن كُلّ هذه المؤشرات تضمن مجتمعاً أفضل ينسجم فيه الفرد كعنصر ذا قيمة بنائية كيفاً وليس كماً. ونستنتج من هذا التحليل أن (الإنسان الذي لا يكون مجتمعه مجتمع حضارة فهو معرض للحرمان من الضمانات الاجتماعية. فأنا حينما أُحاول تحديد مجتمع أفضل فكأنني أُحاول تحديد أسلوب حضارة إذ أنني حينما أُحقق الحضارة، أُحقق جميع شُروط الحضارة، والأسباب التي تأتي بمتوسط الدّخل المرتفع، بمعنى أنني أُحقق الخريطة الاقتصادية ونتائجها الاجتماعية والثقافية.) ص 91. (فإذا أردنا أن نبني مجتمعاً أفضل فهذا يعني أننا نبني مجتمعاً متحضراً.) ص 92. و(إن علينا أن نكون حضارة. أي أن نبني لا أن نكدس. فالبناء وحده هو الذي يأتي بالحضارة لا التكديس ولنا في أمم معاصرة أسوة حسنة.) ص 98. و(إن علينا أن ندرك بأن تكديس منتجات الحضارة الغربية لا يأتي بالحضارة. والاستحالة هنا اقتصادية واجتماعية.) ص 99.

(ثُم إن هناك مُغالطة منطقية. فالحضارة هي التي تُكون مُنتجاتها وليست المنتجات هي التي تُكون حضارة. إذ من البديهي أن الأسباب هي التي تكون النتائج وليس العكس. فالغلط منطقي ثُم هو تاريخي لأننا لو حاولنا هذه المحاولة، فإننا سنبقى ألف سنة ونحن نُكدس ثُم لا نَخرُج بشيء.) ص 99.

ثم (يجب أن نتساءل: مِن أي شيء يبتدئ بناء الحضارة؟ وهذا السؤال يفرضه المنطق. فأنا إذا فكرت في بناءٍ فإن عليّ أن أعلم بأي شيء ابتدئ. إن أول ما يجب علينا أ نفكر فيه حينما نريد أن نبني حضارة، أن نفكر في عناصرها... فإننا نجدها تتكون من عناصر ثلاثة: - فالعنصر الأول هو الإنسان، فهو الذي ولدها وصنعها. أما العنصر الثاني فهو التُّراب. إذ من التُّراب كُلّ شيء على الأرض وفي باطنها. وأما العنصر الثالث فهو الزمن (الوقت).) ص 100. وهكذا يصل بنا المفكر الحضاري مالك بن نبي إلى المعادلة الحضارية التالية لبناء أسي حضارة وهي: (الحضارة = الإنسان + التُّراب + الوقت) ص 102.

وفي الأخير يختم محاضرته بالقول: (فأنا إذن حينما أُحاول التّخطيط لحضارة فليس عليّ أن أُفكر في مُنتجاتها، وإنما في أشياء ثلاثة. في الإنسان والتُّراب والوقت. فحينما أُحلُّ هذه المشاكل الثلاثة حلاً علمياً. بأن أبني الإنسان بناءً مُتكاملاً، واعتني بالتُّراب، والزَّمن، فحينئذٍ قد كونتُ المجتمع الأفضل. كونتُ الحضارة التي هي الإطار الذي فيه تتم للفرد سعادته، لأنه يُقدم له الضَّمانات الكافية الاجتماعية.) ص 102.

4 - المحاضرة الرَّابِعة: خواطر عن نهضتنا العربية.

حول تجربة الوحدة العربية بين مصر وسوريا في إطار (الجمهورية العربية المُتحدة). ألقاها الأستاذ مالك بن نبي في جامعة دمشق عام 1959م.

بدأها بالقول (لا شك أن التّجربة التي تقوم بها الأمة العربية اليوم تأخذ معناها أولاً من الاعتبارات الخاصّة النّاتجة من صميم حياة العرب المتّصلة باطراد تاريخهم ثم أنها تأخذ أيضاً معناها من اعتبارات أخرى تتّصل بالاطّراد العام الذي يُكوِّن الإنسانية ويربط أطوارها بعضها ببعض. لأن هذا الاطّراد وذاك يلتقيان اليوم في نُقطةٍ أصبحت تُمثل قُطب التّاريخ.) ص 106. ويُضيف (أن التّجربة العربية تأخذ أيضاً معناها من الوسائل الفنية الضّخمة التي أصبحت اليوم في تصرف الإنسانية تفتح أمامها عهداً جديداً وتعلق في وقتٍ واحد على مصيرها كُلّ التّوقعات.) ص 106. (فالعالم اليوم يختصر الطّريق ويختزل التّاريخ ويعيش تحت قانون اجتماعي وتاريخي جديد هو قانون السُّرعة في جميع وجوه النّشاط، ولا يظهر أثره في عالم الأشياء والاعتبارات العسكرية فقط بل يظهر أثره في عالم النُّفوس التي بدأت تشعر به شُعوراً واضحاً.) ص 107.

ويرى مالك بن نبي بأن هذا الاتجاه التّاريخي السريع في تطور العالم ليس إلّا ضرورة تُعبر عن وحدة المصير التي يتجه إليه التّاريخ. لأن (التّاريخ يعزل مَن لا يسير في اتجاهه، وكُلّ مَن عزله التّاريخ فإنه يدخل حتماً في حظيرة الشُّعوب البدائية أو في حظيرة العدم.) ص 109.

وهكذا (يجب علينا حينما نضع قضية النّهضة العربية نصب أعيننا أن نعتبر مُقتضياتها من جانبين. بنظرةٍ إلى الخارج لِنُحدد واجباتها نحو العالم أي لِنُحدد شروط انسجامها مع ضرورات السّير العام. ثُم بنظرةٍ إلى الدّاخِل لِنُحدد الطّاقات التي يُمكن توظيفها مِن أجل المُحافظة على البقاء في الدّاخل والمُحافظة على الاتجاه الصّحيح في الخارج.) ص 109. و(إنه يجب أن لا ننسى أن الإنسان لا يدخل العمليات الاجتماعية كمادة خام بل يدخل في صورة معادلة شخصية صاغها التَّاريخ وأودع فيها خُلاصة تجارب سابقة وعادات ثابتة تُحدِّد موقف الفرد أمام المشكلات بما يكون هذا الموقف من القوة أو الوهن، من الاهتمام أو التّهاون، من الضَّبط أو عدم الضَّبط إلخ...) ص 113. و(يجب أن يكون - هذا الإنسان - من النوع الديناميكي ، ويجب أن نختبره في حركاته وفي سكناته، وإذا اعتبرنا أن التّاريخ إنما هو تسجيل لحركات مجتمعٍ مُعين فأي قطعةٍ منه نُحللها نجد في نهاية التّحليل إمَّا الصُّورة الحقيقية لِحالةِ الفرد بالنسبة إلى ضرورات المجتمع. وإمَّا على الأقل بعض المعلومات عن معادلته الشّخصية أي عن مدى صلاحيته في العمليات الاجتماعية، كما يُمكننا في نِهاية التّحليل أن نُقرر ما يجب تعديله في تلك المعادلة حتى تُصبح منسجمة مع ضرورات الخارج وحاجات الدّاخل.) ص 114.

وفي مقاربته الّتحليلية للنّهضة العربية يتساءل الأستاذ مالك بن نبي عن مواطن الضّعف في مجتمعاتنا العربية؟. ويذهب إلى أن التّاريخ العربي قد تحرك من جديد بين سنوات (1868 - 1905) ليسجل بدايات النّهضة العربية. ويقارن بينها وبين النّهضة في اليابان (عهد الميجي) في نفس الفترة ليتساءل أيضاً لماذا حققتْ النَّهضة اليابانية في نفس الفترة ما لم تحققه النّهضة العربية؟. ليجيب (أن اليابان وقف من الحضارة الغربية موقف التّلميذ ووقفنا منها موقف الزّبون. انه استورد منها الأفكار بوجه خاص ونحن استوردنا منها الأشياء بوجه خاص. إنه كان خلال سنوات (1868 - 1905) يُنشئ حضارة، وكنا نشتري بضاعة حضارة، فكان البون بيننا شاسعاً والخلاف جوهرياً، يؤدي حتماً إلى ترجيح كفة اليابان.) ص 119. ويردف (أن هذه النّظرة إلى الماضي أفادتنا شيئين: أن حركة النّهضة العربية كانت تسير على بطء ثُم أنها لم تكن تتجه نحو إنشاء حضارة. أو على الأقل أنها لم تنظم اتجاهها نحو الحضارة. ومن الطّبيعي إذن أن نفترض فيها أولاً وجود عوامل تعطيل نفسية أثّرَتْ في سيرها خلال الحقبة التي جعلناها موضوع البحث. وثانياً وجود عوامل أخرى فكرية أثّرت في اتجاهها تأثيراً سلبياً.) ص 119. ويتساءل مالك بن نبي إن كانت العوامل المعوقة للنهضة قد زال مفعولها أم لا؟ ويرى أن لا جواب على هذا السؤال لأنه لا يملك شيئاً يتيح له الجواب عليه جواباً يُقنع لأن ذلك يتطلب دراسة موضوعية لم يقم بها أحد على حد علمه. حيث أنه لم يقم في العالم الإسلامي والعربي ما يسميه علماء النّفس عملية تصفية الرواسب. وهو (يعتقد أن العلاج يتصل بالثّقافة والتّوجيهات الثقافية في البلاد العربية على شرط أن نُعطي لكلمة ثقافة معناها الصّحيح لتقوم بالدور الخلاق للإنسان العربي الجديد الذي يتواءم مع ضروريات النّهضة في الخارج وفي الدّاخل. هذا من جانب الاعتبارات التي تمس ضعف النّهضة من حيث النّفس. وأما الاعتبارات التي تمس ضعفها من حيث الفكر، فإننا نقدر جملة من الضّعف الذي نشاهده في اتجاه النّهضة العربية من الجانب الفكري خلال الفترة التّاريخية التي اخترناها للمقارنة أي فترة (1868 - 1905) إنما يرجع إلى أسباب منطقية معينة. ويمكن أن نرتب هذه الأسباب كما يأتي:

1 – عدم تشخيص غاية النّهضة بصورة واضحة.

2 – عدم تشخيص المشكلات الاجتماعية تشخيصاً صحيحاً.

3 – عدم تحديد الوسائل تحديداً يُناسب الغاية المنشودة والإمكانيات.) ص 121.

ويحلل الأستاذ مالك بن نبي هذه الأسباب تحليلاً منطقياً:

1 - (فأما عن السَّبب الأول فالضّعف يتصل بقانون الحركة بصفة عامة. أن كلّ حركة تفقد غايتها، ولم تحدد غايتها بوضوح، فإنّ شأنها التّيه في السّبيل والتّبذير في الوسائل والخطأ في الهدف، وبالتالي فإنها حركة تخضع لقانون الصّدفة أي أنها لا تأتي بنتيجة في اتجاه معين وفي وقت معين.) ص 122. إن النّهضة هي حركة من نوع خاص تُحدد غايتها طبقاً لنوعيتها. فهل الحضارة هي تلك الغاية لكل سير في التّاريخ؟. إن الجواب على هذا السؤال يستوجب أولاً اعتبار التّاريخ عملية اجتماعية محددة الأسباب والنتائج ومرتبطة بالإنسان تقدر حظه أو تلقيه في الحضيض. وليس مجرد تسلسل حوادث على شاشة الزمن. (أن النّهضة العربية من الضّروري أن تُحدد غاية سيرها كمحركة في التّاريخ. وأن تتخذ كعملية اجتماعية الحضارة غاية لها. وبقدر ما يصح هذا التّشخيص في ضوء الاعتبارات الاجتماعية والتّاريخية نكون قد تداركنا جانباً من عوامل التّعطيل الذي كشفته المقارنة مع نهضة اليابان.) ص 124.

2 - (وأما بالنسبة للسبب الثاني أي تشخيص المشكلات فإن الضّعف يتسرب في تقدير مشكلات النّهضة من حيث ضرورات الدّاخل وضرورات الخارج تقديراً سليماً. حسب طبيعة الأشياء لا حسب عادات فكرية توجه فكرنا في اتجاه معين، سواء أكان هذا الاتجاه صالحاً يُناسب ما تقتضي المشكلات من حلولٍ أم لا يُناسب. هذه العادات الفكرية تعمل مفعولها أحياناً في صورة البديهيات التي تُطبق دون أي تحفظ، والبديهيات في التّاريخ كثيراً ما قامت بدور سلبي كعوامل تعطيل.) ص 125.

(إن حاجتنا الأولى هي الإنسان الجديد. الإنسان المتحضر. الذي يعود إلى التّاريخ الذي خرجت منه حضارتنا منذ عهد بعيد. وصياغة هذا الإنسان لا تتم بمجرد إضافة معلومات جديدة إلى معلوماته القديمة لأنه سيبقى هو قديماً في عاداته الفكرية وفي مواقفه أمام المشكلات الاجتماعية وفي فعاليته إزاءها.) ص 127. (فيجب إذن أن نحترز قدر الإمكان في معالجة المشكلات الاجتماعية، من الطّريقة التي تضع أمام كلّ داء نقيضه كدواء، فنضع مثلاً العلم أمام الجهل دون قيدٍ أو شرط، ونجد أنفسنا أحياناً وبالتالي أمام عالم نفعي غير نافع، يعيش على جسم المجتمع مثل النّبات الطُّفيلي على الأشجار. فقضية الجهل لا تعالج بمجرد وضع البرامج التعليمية. والتّعليم لا ينفع كمجرد إضافة معلومات. بل يجب أن يكون أولاً عملية تصفية نفسية. وتعديل معادلة شخصية زيفتها عهود الكساد. وبكلمة واحدة أن يكون التّعليم بناء الشّخصية الجديدة في الإنسان العربي المتجدد طبقاً لضرورات النّهضة في الدّاخل والخارج. وهذا يعني أن لا توضع برامج التّعليم لما يُسمى (العلم) ولكن طبقاً لشيء أعم بكثير هو: الثّقافة. أي أن توضع برامج تتصل بعالم النّفس والدّوافع الأساسية ثُم بعالم العقل والمفهومات، وبعالم الأشياء والحاجات.) ص 129.

3 – وأما بالنّسبة لمشكلة تحديد الوسائل تحديداً يُناسب الغاية المنشودة والإمكانيات. (فإن النّهضة العربية كانت تحاول تحقيق غايتها بالأشياء التي تستوردها من الحضارة الغربية. فالخطأ يتصل هذه المرة بقضية الوسائل، والسؤال: هل يصح أن تكون الأشياء التي نستوردها من الخارج وسائل لتشييد حضارة دون قيد أو شرط؟. إن الشيء الذي نستورده يكون منتوجاً من منتوجات حضارة معينة، أو منتوجاً حضارياً بصفة مطلقة. فأما من حيث أنه منتوج حضارة معينة فإنه يتفق مع مصلحة البلاد التي استوردته أو لا يتفق معها أحياناً من الجانب الاقتصادي وأحياناً من الجانب النفساني أيضاً.) ص 130. فلا بأس أن نستورد من الشيء ما نسدُّ به حاجاتنا الأساسية مؤقتاً (لأنه لا يمكن لحضارة أن تنشأ في أنبوبةٍ مغلقة لا يأتيها شيءٌ مِن الخارج.) ص 135.

(إن مشكلة الحضارة لا تُحل باستيراد منتوجات حضارية موجودة. لكنها تستوجب حلّ ثلاث مشكلات جزئية:

1- مشكلة الإنسان وتحديد الشُّروط لانسجامه مع سير التّاريخ.

2- مشكلة التُّراب وشروط استغلاله في العملية الاجتماعية.

3- مشكلة الوقت وبث معناه في روح المجتمع ونفسية الفرد.) ص 140.

ويختم الأستاذ المفكر الحضاري مالك بن نبي محاضرته هذه بترتيب منطقي هام ليضع (الإنسان) في أعلى عناصر بناء الحضارة، بقوله (إنني أرى أن توضع (مشكلة الإنسان) في المرتبة الأولى لأنه هو الذي يوجه الأشياء ويصنع الحضارة.) ص 141.

5 - المحاضرة الخامسة: رسالتنا في العالم.

وتضمنت حديث حول الدِّيمقراطية والاشتراكية والسّلام، والدّعوة إلى خيرية الأمة العربية والإسلامية.

(النصيحة لا تنفع إن لم تكن مستمدة من صميم الواقع. فما هو الواقع الذي يواجهنا؟.) ص 144. بهذه العبارة وهذا التساؤل يبدأ الأستاذ مالك بن نبي محاضرته الخامسة والأخيرة في هذا الكتاب. إن هذا الواقع يُشير إلى أننا (نعيش اليوم في عالم أصبح وكأنه عمارة واحدة تسكنها الشُّعوب. ترى كيف توزّع السُّكنى في هذا المبنى على الشُّعوب؟.) ص 145. ويذكر أن الخريطة الإيديولوجية للعالم تتوزع إلى دول دِيمقراطية ودول اشتراكية ودول السِّلام. وأن هذه الحاجات الإنسانية قد قُننت في دساتيرها إذ أن (الإنسانية أصبحت تشعر بحاجات تعبر عنها في الدّساتير المختلفة التي تبني عليها حياتها السِّياسية.) ص 147. وأن (الدِّيمقراطية أصبحت وكأنها قطب يتجه إليه تاريخ الإنسانية على مختلف أصنافها بما فيها من تنوع من حيث التّقدم والتّخلف.) ص 148. (وليست الدِّيمقراطية غير تطبيق للحريات في النُّظُم الاجتماعية وفي المنظمات السِّياسية وفي دستور الحكم.) ص 149. أما الاشتراكية فهي تعبر عن حاجة إنسانية في القرن العشرين. فشعور الإنسانية بهذه الحاجة لا يقلّ عن شعورها بالدِّيمقراطية. ويضيف (ثم نرى من ناحية أخرى أن فكرة ثالثة بدأت تلعب دوراً كبيراً لا تنقُص أهميتها عن دور الدِّيمقراطية والاشتراكية في العالم. فنحن نرى فكرة السّلام قد دخلت في المجال القومي والدّولي. وأصبحت في كُلّ مكان شعاراً للسياسة ومُنبِهاً للأفكار في مختلف البلدان.. وقد باتت اليوم كُلّ سياسة ترفع لواء السِّلم مهما كانت النّوايا وراء الكلمات والمواقف الظّاهرة.. ولا يقوم من يُهدد السّلم بتصرفاته إلّا باسم السّلم في أقواله. هذا هو واقع العالم اليوم. الواقع الجبّار الذي يجذب إليه طاقات الإنسانية وقوى التّاريخ إلى مستقر لا يعلمه إلّا الله.) ص 151.

وبأسلوبه المعهود يتساءل الأستاذ مالك بن نبي عن موقف العالم العربي والإسلامي من هذا الواقع، ليعلم مركزه وما سوف يكون عليه في هذا العالم. وفي هذا الشأن هو يرى أن عالمنا العربي والإسلامي لا يُمثل حاجةً مِن حاجات الإنسانية الكبرى في القرن العشرين. (فنحن في حالة تغيّب عن العالم الجديد لأننا لا نرى لوناً على الخريطة يدل على وجودنا فيها.. لأننا لا نُمثل مصلحة ذات أهمية عالمية.) ص 153. ويتساءل هل كان هناك مخرج من هذا المأزق؟ أم أنه لا بُد من أن نستسلم لليأس فنُطأطئ الرأس أمام هذا الواقع؟ ويجيب (أنه من اللائق أن نُفكر في الأسباب التي أدخلتنا إلى هذا المأزق قبل أن نُفكر التي يُمكننا بها الخروج منه. إن دوافع الحياة هي التي ورطتنا في الأزمة التي نُحاول لخروج منها. منذ أكثر من نصف قرن حينما استيقظت الشُّعوب العربية الإسلامية على خطر الاستعمار، كانت يقظتنا الفجائية دافعاً من دوافع الحياة وفي الوقت نفسه دافعاً من دوافع الخطأ.. فنحن قد ألقينا بأنفسنا من حيث لا نُريد في هُوة التّقليد حتى ننجو من الاستعمار. إننا لم نُفكر في الخلاص تفكيراً مُعقداً. وإنما دفعتنا دوافع لا شعورية لتقليد حضارة الاستعمار حتى نعصم أنفسنا منه. وقد دعانا هذا إلى السّير في الطّريق التي شقته الشُّعوب الغربية أمامنا على أنه يوصلنا إلى ما وصلوا إليه. ولا شك أن هذا مُمكناً لو أننا نسير جميعاً دون دخل للوقت والتّطور في حياتنا. ولكننا نتطور نحن وَمَنْ نُقلِّده. وعليه فإذا سِرنا على مبدأ تقليده فسوف نُقلِّده إلى ما لا نهاية. وهكذا كان الدّافع الذي دفعنا في مطلع هذا القرن إلى الحياة قد دفعنا في نفس الوقت إلى الخطأ. فبِتنا نسير في هذا الطّريق إلى أهداف لم نُقررها لأنفسنا وإنَّما يُقررها لنا ضِمناً الاستعمار. فنحن نسير بالضّبط إلى أهداف حضارة مادية. ولذلك فإنه لم يعد في وسعنا أن نُحقق مِن وراء هذا حاجة من حاجات الإنسانية تكفل لنا مكاناً لائقاً بنا في المجمع العالمي. فما دُمنا نسير هكذا فإن المنطق البسيط يُشير إلى أن من نُقلده هو أولى بهذه الحاجة التي يُمكن أن تكون في النِّهاية هدف هذا الطّريق. لأن السّابق إلى الشيء دائماً أولى به. ومِن المُسَلم به أن مَن نُقلده أسبق مِنا  في هذا المضمار.) ص 155. (وعلى ضوء هذه الاعتبارات، علينا أن نُراجع أنفسنا ونتساءل: ما هو المخرج؟ إنّه في أن يكون في نشاطنا الرُّوحي ما تعترف به الإنسانية كحاجة مثل الدِّيمقراطية والاشتراكية والسِّلم. حاجة لا بُد مِن إشباعها... يجب أن يكون في نشاطنا شيء تعترف به الإنسانية كحاجة من حاجاتها . شيء يضمن لنا مركزاً كريماً في المجمع العالمي... إن الإنسانية في حاجة إلى صوت يُناديها إلى الخير وإلى الكف عن جميع الشُّرور وإنها لحاجة أكثر إلحاحاً مِن سواها لأن الإنسان تَوَّاق إلى الخيٍر بِفِطرته. وإنّما تحرمه معوقات مختلفة تكونها الظُّروف الاجتماعية والسِّياسية والاقتصادية.) ص 157. (إن الإنسان لا يفقد من نفسه معنى الخير كلّه مهما أحاطت به دوافع الشّر. لأن الأصل في قلبه الخير. والشّر عارض.) ص 159.

ويضيف في الختام (أن الدّوافع النّفسية التي تُعبر عنها فكرة الدِّيمقراطية أو فكرة الاشتراكية أو فكرة السّلام، إنّما هو في الواقع دوافع واحدة في صور مختلفة: إنّها دوافع الخير في نُفوس مختلفة. وأن هذا يعني أن في النّفس مجالاً لِفِكرة الخير. وأن مَن يرفع راية الخير قد يسد حاجة تشعر بها الإنسانية في أعماقها. ويُحقق لنفسه مكاناً كريماً في المجمع العالمي. وهذا المجال يُمكن أن يكون مجالنا إذا حققنا في سلوكنا معنى الآية الكريمة: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) آل عمران: 104. فإذا ما تحققت هذه الآية في سلوكنا العام، كتخصص لمجتمعنا بالنِّسبة لحاجة الإنسانية، فسوف نكون قد لقينا على الخريطة الإيديولوجية لوناً يجعلنا مِن أكرم سُكان المجمع العالمي.) ص 159. وهذا ما يجعل الأمة الإسلامية تتميز بميزة الخيرية التي ذكرها القرآن الكريم في قول الله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) آل عمران: 110.

 

- نقاط على هامش كتاب: حديث في البناء الجديد للمفكر الحضاري مالك بن نبي

- لاستيعاب ما طرحه المفكر مالك بن نبي في هذا الكتاب ينبغي قراءة هذه المحاضرات في سياقها التاريخي الزَّمني الذي قدمت فيه عام 1959 وعدم فصلها عنه.

- المحاضرات الخمس جاءت في وحدة موضوعية واحدة تتعلق بمشكلات الحضارة التي اشتغل بها المفكر الحضاري مالك بن نبي رحمه الله.

- بدا لي مِن خلال قراءة هذه المحاضرات أن الأستاذ مالك بن نبي كان مؤمناً أشد الإيمان بمشروع الوحدة العربية من خلال الجمهورية العربية المتحدة التي قامت بين مصر وسوريا في عهد جمال عبد النّاصر وقد ظهر ذلك جلياً في المحاضرة الرّابعة (خواطر عن نهضتنا العربية). وأذكر أن الجمهورية العربية المتحدة تتكون من الإقليم الجنوبي مصر والإقليم الشَّمالي سوريا، هو الاسم الرَّسمي للكيان السِّياسي المتشكل إثر الوحدة بين مصر وسوريا، أعلنت الوحدة في 22 فبراير 1958م. بتوقيع ميثاق الجمهورية العربية المتحدة من قبل الرَّئيسين المصري جمال عبد النّاصر والسُّوري شكري القوتلي واختير عبد النَّاصر رئيسًا لها. غير أن الوحدة أنهيت بانقلاب عسكري في دمشق في 28 سبتمبر 1961م وإعلان قيام الجمهورية العربية السُّورية.

- اقتباسات في كتاب: حديث في البناء الجديد للمفكر الحضاري مالك بن نبي

- (إن مشكلة كل شعب هي في جوهرها هي مشكلة حضارته، ولا يمكن لشعب أن يفهم مشكلته ما لم يرتفع بفكره إلى مستوى الأحداث الإنسانية، وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها) ص 14

- (غيِّر نفسك تغيِّر التّاريخ) ص 15

- (إن الحضارة ليست في أجزاءٍ مبعثرة ملفقة، ولا مظاهر خلابة، وليست الشيء الوحيد، بل هي جوهر ينتظم جميع أشيائها وأفكارها وروحها ومظاهرها، وقطب يتجه نحو تاريخ الإنسانية) ص 15

- (إن الثقافة تتركب من المبدأ الأخلاقي والذوق الجمالي والمنطق العملي) ص 25

- (إذا تحرك الإنسان تحرك المجتمع والتَّاريخ، وإذا سكن الإنسان سكن المجتمع والتَّاريخ.) ص 50

- (إن الثَّقافة لا تستطيع أن تكون أسلوب الحياة في مجتمع معين إلّا إذا اشتملت على عنصر يجعل كُلّ فرد مرتبطاً بهذا الأسلوب، فلا يحدث فيه نشوزاً بسلوكه الخاص. وإذا دققنا النَّظر في هذا العنصر فإننا نرى أن لا بد أن يكون خُلُقِياً. فإذا قررنا وجود هذا العنصر كضرورة منطقية اجتماعية، فإننا نكون بهذا قد حققنا شرطاً أساسياً من شروطها وهو: المبدأ الأخلاقي.) ص 71.

(إن شبكة الصِّلات الثَّقافية تختل حتماً في بلد ما، إذا اختل فيه المبدأ الأخلاقي. وإن فعالية المجتمعات تزيد أو تنقص بقدر ما يزيد فيها تأثير المبدأ الأخلاقي أو ينقص.. فالمبدأ الأخلاقي يقوم بالضّبط بِبناء عالم الأشخاص، الذي لا يُتصور بِدونه عالم الأشياء، ولا عالم المفاهيم.) ص 72.

- (إن ارتباط الفرد بالمجتمع هو الذي يُحقق السَّعادة.) ص 88.

- (إن بناء المجتمع يتطلب تنمية اقتصادية وطاقات روحية.) ص 91.

- (أن نُكوِّن حضارة أي أن نبني لا أن نُكدس فالبناء وحده هو الذي يأتي بالحضارة لا التكديس.) ص 98.

- (إن علينا أن ندرك بأن تكديس منتجات الحضارة الغربية لا يأتي بالحضارة. والاستحالة هنا اقتصادية واجتماعية.) ص 99.

- (الحضارة هي التي تُكوِّن مُنتجاتها وليست المنتجات هي التي تُكوِّن حضارة. إذ من البديهي أن الأسباب هي التي تكوِّن النتائج وليس العكس.) ص 99.

- (التّاريخ يعزل مَن لا يسير في اتجاهه، وكُلّ مَن عزله التّاريخ فإنه يدخل حتماً في حظيرة الشُّعوب البدائية أو في حظيرة العدم.) ص 109.

- (موقف الضّعيف المُتكبر أمام القوي المُتجبر) ص 117.

- (أن كلّ حركة تفقد غايتها، أولم تحددها بوضوح، فإنّ شأنها التّيه في السّبيل والتّبذير في الوسائل والخطأ في الهدف، وبالتالي فإنها حركة تخضع لقانون الصّدفة أي أنها لا تأتي بنتيجة في اتجاه معين وفي وقت معين.) ص 122.

- (إن حاجتنا الأولى هي الإنسان الجديد. الإنسان المتحضر. الذي يعود إلى التّاريخ الذي خرجت منه حضارتنا منذ عهد بعيد. وصياغة هذا الإنسان لا تتم بمجرد إضافة معلومات جديدة إلى معلوماته القديمة لأنه سيبقى هو قديماً في عاداته الفكرية وفي مواقفه أمام المشكلات الاجتماعية وفي فعاليته إزاءها.) ص 127.

- (قضية الجهل لا تعالج بمجرد وضع البرامج التعليمية. والتّعليم لا ينفع كمجرد إضافة معلومات. بل يجب أن يكون عملية تصفية نفسية. وأن يكون التّعليم بناء الشّخصية الجديدة في الإنسان المتجدد. وهذا يعني أن لا توضع برامج التّعليم لما يُسمى (العلم) ولكن طبقاً لشيء أعم بكثير هو: الثّقافة. أي أن توضع برامج تتصل بعالم النّفس والدّوافع الأساسية ثُم بعالم العقل والمفهومات، وبعالم الأشياء والحاجات.) ص 129.

 

قراءة: أ. السعيد بوشلالق

 

 

حاتم حميد محسنفي كتابه "صعود وانتصار الذات الحديثة" يفحص كارل ترومان التحول السريع في تصورنا الثقافي للجنس، النوع، الهوية. الكاتب ترومان الباحث في تاريخ الكنيسة، يعتقد ان المسيحيين والمحافظين الاجتماعيين الآخرين يميلون لإساءة فهم هذه التغيرات عبر إلقاء اللوم على الثورة الجنسية والفردية المعبرة(1). بدلا من ذلك، هو يرى الثورة الجنسية كنمو طبيعي لتغير اكبر في فهمنا للذات الانسانية. كل الامريكيين هم افراد معبّرين، سواء المحافظون اوالتقدميون (كما يذكر). لكي نفهم لماذا بعض الخيارات الفردية تنال الاحترام بينما اخرى يتم استبعادها، يتعقب ترومان تطور الهوية الفردية والمجتمع خلال القرون الثلاثة الماضية. دراساته التاريخية هي أقوى من العديد من التفسيرات الاخرى، لكنه ربما سيجد أجوبة اوضح لبعض اسئلته لو ان تحليلاته تضمنت جون ستيوارت مل ومبدأه المؤذي.

يتبنّى ترومان في تحقيقاته التاريخية مفاهيم من ثلاثة فلاسفة معاصرين: السدار ماكنتري، فيليب رايف، شارلس تايلور.

في كتابه "بعد الفضيلة" يوضح السدار عبث النقاش الأخلاقي المعاصر، الذي يستلزم انظمة اخلاقية لا تقبل المقارنة، وفي عدة حالات، تتحول الى عاطفة، وهي الرؤية بان العقائد الاخلاقية هي في الحقيقة تعبيرات لأفضليات عاطفية.

فيليب رايف يجادل في كتابه (انتصار العلاجات)، ان الثقافات التقليدية وجّهت الافراد نحو الخارج لإيجاد معنى في الجالية. في عصرنا السايكولوجي، الذات تخلق ذاتها من الداخل والذي هو اكثر أهمية من مؤسسات المجتمع. في العالم القديم وعالم القرون الوسطى، وُجد الافراد لخدمة الدولة او الكنيسة واكتسبوا هويتهم منهما، اما اليوم فان الدولة والكنيسة وجدتا لخدمة الفرد واحساسه بالرفاهية الباطنية.

اخيرا، من كتاب شارلس تايلور(مصادر الذات)، يأخذ ترومان مفهوم الخيال الاجتماعي، "حيث الفهم المشترك الذي يجعل الممارسات المشتركة ممكنة، وإحساس مشترك وواسع بالشرعية". تايلور ايضا يرى في ذلك الخيال فرقا بين الرؤيتين التقليدية والشعرية للعالم. الـ Mimesis (2) ترى ان العالم كما لو انه يمتلك نظاما يجب ان نكتشفه ونمتثل له. اما الـ Poesis (3) فهي ترى العالم كمواد خام يمكن ان يستخدمها الافراد لخلق معنى وهدف. التكنلوجيا تساعدنا للتفكير في انفسنا في ضوء نيتشوي شعري وتجعل خلق الذات "جزءاً روتينيا من حياتنا الخيالية الاجتماعية الحديثة".

2351 صعود وانتصار الذات الحديثةيستعمل ترومان هذه المفاهيم الفلسفية ليتعقب ببراعة اصول الداخل والعاطفة والذات الشعرية في الخيال الاجتماعي الغربي الحديث. هو يبدأ تاريخه بروسو ويقارن بين اعترافاته واعترافات اوغستين. اوغستين يرى عيوبه الأخلاقية باطنية لذاته، الآثام التي هو ذاته مسؤول عنها. روسو، بالمقابل، يرى عيوبه خارجية، تزييف لإنسانيته الخيرة طبيعيا نتيجة الضغوط المشوهة التي يضعها المجتمع عليه. اوغستين الشاب يسرق كمثري لأنه شرير، اما روسو الشاب يسرق نبات الهليون لأن شخص آخر حثّه على ذلك. بالنسبة لروسو، الهوية الحقيقية للفرد توجد في سايكولوجيته الداخلية، والفرد الأصيل هو شخص يتطابق سلوكه الخارجي مع طبيعته الباطنية (الخيّرة فطريا). هذا التعبير يستمر على شكل صراع دائم، لأن المجتمع وأعرافه تمنع الذات الأصيلة من التعبير عن جوهرها. هذه الديناميكية التأسيسية لزماننا كانت موجودة سلفا في أواخر القرن الثامن عشر.

الشعراء الرومانسيون الانجليز مثل وليم وردسورث و بيرسي فيس شيلي أيدوا روسو في اعترافاته حول الفرد والمجتمع. هم فهموا كتاباتهم والعواطف القوية التي انتجتها كطريقة لوضع القرّاء في تماس مع الطبيعة الاصلية للانسان الكامنة تحت هياكل وفساد المجتمع. هم ايضا ربطوا شعرهم بالسياسة والثورة. شيلي خصيصا رأى الشعر كطريقة لكشف الاضطهاد وتشكيل خيال القارئ بما يشبه التحرر السياسي. قبل اكثر من قرن كتب غرامشي واليسار الجديد حول الثقافة والثورة.

يرسم شيلي ارتباطا واضحا بين الدين، القمع السياسي، والقيود على النشاط الجنسي، خاصة العفة قبل الزواج والزواج بواحدة. وكما يشير ترومان، طالما الحب يكمن في جوهر ما نعنيه بالانسان، "فان القيود غير الطبيعية على الحب تمنع بشكل فعال الكائن البشري من ان يكون انسانا حقا. انها سبب رئيسي لعدم الأصالة الشخصية". اذا كان الامر هكذا، عندئذ فان الاخلاق المسيحية ليست فقط خاطئة وانما شريرة في منع الناس من عيش حياتهم بسعادة. قبل 150 سنة من الثورة الجنسية، جادل شيلي ومعاصروه بان الزواج يجب ان يكون اتحاد من المشاعر، وليس سرا ملزما، وان تحرير الحب يجب ان يكون ضرورة سياسية.

بعد ذلك جاء اساتذة الشك. نيتشة يرفض تماما كون الطبيعة الانسانية كمتعالية وكمبدأ حاكم، الى جانب الادّعاءات بالحقيقة المطلقة. العوائق لخلق الذات غير المحدودة بحاجة للتحقق، لا لكي تُطاع. الاخلاق ليست مسألة تأسيس ضرورات مطلقة (كما في كانط)، وانما كشف الحوافز وديناميكيات القوة المؤطرة للادّعاءات الاخلاقية. ماركس ايضا، يرفض الطبيعة الانسانية العابرة للتاريخ، مدّعيا ان تغيير الظروف الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية للسلطة هو الذي يقرر منْ هو الكائن الانساني. اخيرا، نظرية دارون في التطور توفر تفسيرا للطبيعة الانسانية يزيل منها كل مصير خاص او أهمية . في نهاية القرن التاسع عشر، هؤلاء المفكرون الثلاثة أضروا كثيرا بالإحساس ان الطبيعة الانسانية كمبدأ مؤسس لفهم الهدف الانساني. حسب وجهة نظرهم، العالم ليس له معنى عدى ذلك الذي اُعطي له بواسطة الكائن البشري.

ان صعود الذات السايكولوجية ازداد سرعة مع فرويد. ترومان لاحظ ان أغلب نظريات فرويد جرى دحضها، لكن الاسطورة التي أورثها لنا هي ان الجنس "هو العامل الواقعي للوجود الانساني، معنى ان تكون انسانا ... الهدف من الحياة ومحتوى الحياة الجيدة، هو إرضاء جنسي ذاتي". الجنس كان دائما حافزا انسانيا مهما وفعالية، بعد فرويد اصبح هو الفعالية الأعظم أهمية لهويتنا السايكولوجية. رأى فرويد ان الحياة كلها جنسية بما فيها الطفولة. ترومان يكتب: "لا توجد هناك مرحلة في الحياة لم تكن فيها الرغبة الجنسية وإشباعها اساسيا للسلوك الانساني. كل تلك التغيرات هي وسائل بواسطتها يجد الافراد هذه القناعة". لاحقا في عمله المهني، اصبح فرويد اكثر تشاؤما بإمكانية تحقيق مثل هذه القناعة. هو يجادل ان الأخلاق التقليدية هي مدمرة للافراد، لكنها توفر فوائد واضحة للمجتمع. الحضارة تتطلب كبحا واحباطا للرغبات الجنسية وهكذا، مع كل منافعها فهي تجعل مستقبل السعادة الانسانية والقناعة مستحيلان.

ان الارتباط بين ماركس وفرويد وبتأثير قوي من شيلي، جاء مع صعود النظرية النقدية ومدرسة فرانكفورت. وبعد عقود من وفاة ماركس عام 1883، لم يتحقق انهيار الرأسمالية الذي تنبأ به . الأزمات الاقتصادية الدورية حدثت باستمرار، لكنها فشلت في خلق الوعي الطبقي الضروري الذي تحتاجه ثورة البروليتاريا. مدرسة فرانكفورت طوّرت نقدا للثقافة الرأسمالية التي تساعد في خلق ذلك الوعي الطبقي تدريجيا بمرور الزمن. جزء من ذلك النقد تضمّن مجموعة من تحليلات ماركس وفرويد، تربط القمع الجنسي بالاضطهاد السياسي. كان ترومان صائبا، نحن كلنا جزء من ثورة الذات ولا توجد هناك طريقة لتجنبها.

في عام 1936 نشر ولهيلم رايخ Wilhelm Reich (زميل فرويد وعضو غير رسمي في مدرسة فرانكفورت) كتاب الثورة الجنسية. وفي عمل سابق له وصف رايخ العائلة البطرياركية كوحدة أساسية للقمع، "المصنع الذي صُب فيه بناء الدولة والايديولوجية". الآن يجادل رايخ ان الدولة يجب ان تجبر وتعاقب العوائل التي تعارض التحرر الجنسي لأنها تصبح المعارض الرئيسي للتحرر السياسي. التحرر السياسي والتحرر الجنسي يسيران جنبا الى جنب. كلاهما ضروريان لخلق مجتمع اكثر سعادة وعدالة. تلك الاشياء التي تقف في طريقهما مثل العائلة التقليدية، يجب تحطيمها.

بعد رايخ بعشرين سنة، قدّم هربرت ماركوس رؤية اكثر اتقانا عن التحرر الجنسي. جادل ماركوس ان بعض مستويات القمع الجنسي كانت ضرورية للمجتمع لكي يعمل في الماضي. لكن الأعراف الجنسية الرأسمالية، التي ركزت على الزواج الاحادي والعائلة، كانت لها علاقة كبيرة بالسيطرة على البروليتارية اكثر من علاقتها بتنظيم المجتمع. السلوك الذي يعتبره المجتمع البرجوازي منحرفا يجب احتضانه كجزء من الكفاح ضد القمع. مع فرويد، اصبح الجنس مستبطنا وسايكولوجيا، ومع ريخ وماركوس اصبح مسيسا.

لاحقا جادل ماركوس ان السياسة يجب ان تصبح داخلية وسايكولوجية كما هو الجنس. في مقال له بعنوان "التسامح القمعي، 1965"، كتب اذا كان تشويه النفس بالوعي الزائف هو أصل الاضطهاد، عندئذ فان الاضطهاد يصبح مفهوما سايكولوجيا. الكلمات والافكار التي تعمق الاضطهاد بحاجة للمراقبة بسبب تاثيراتها السايكولوجية السيئة. هذا بدوره، يعني ان الكلام الحر والمنافع الاجتماعية الاخرى لا يجب منحها للجميع، وانما فقط لاولئك الذين هم على صواب وليسوا دعاة للأذى. كانت هذه رؤية السوفيتي الشاب الذي اخبر مرة بروفيسور الادب الروسي غاري سول مورسن، " بالطبع نحن لدينا حرية الكلام، لكننا فقط لا نسمح للناس بالكذب".

الخطوة الاخيرة في دراسة ترومان التاريخية هي كتاب سيمون ديبوفوري "الجنس الثاني" الذي يفصل بشكل واضح بين الجنس والنوع، البايولوجي، وعلم النفس. كما يوضح ديبوفيرو: "الطبيعة لا تعرّف المرأة : هي التي تعرّف نفسها عبر استعادة الطبيعة لنفسها في عاطفتها". انه بالإمكان الادّعاء ان العاطفة يمكن استعادتها رغم الطبيعة، واستعادة علم النفس رغم البايولوجي، واستعادة النوع (ذكر ام انثى) رغم الجنس.

المؤرخون المفكرون اصبحوا مصنعا محليا في السنوات الخمس الماضية، عندما كافح الاكاديميون والصحفيون في كيفية تفسير التحولات الهائلة في المجتمع، خاصة المتعلقة بالجنس والنوع. العديد من هذه التفسيرات التي جرت بسرعة كبيرة في التاريخ، تعطي تفسيرا لصعود وسقوط العصر الذهبي . هذه التفسيرات تميل للقول ان الحضارة الغربية بلغت ذروتها مع توما الاكويني، وان جميع مشاكلنا منذ ذلك الوقت يمكن القاء اللوم فيها على وليم اوكهام، او تعقّبها رجوعا الى جون لوك وفهمه للحرية والعقد الاجتماعي.

تفسير ترومان هو الأقوى وهو التفسير التاريخي الأكثر اقناعا حتى اليوم لأنه مسؤول تاريخيا ويتجنب التعميم المفرط. لا توجد إدانات تاريخية لجون لوك، او المؤسسون الامريكيون او الليبرالية بمختلف تعريفاتها. وانما، ترومان يفحص مصادره بعناية، محققا في اصول الأفكار الحديثة التي كتب بها المفكرون السابقون بوضوح. هذا العمق التاريخي يسمح لترومان ليوضح وبشكل مقنع جذور العديد من الظواهر الثقافية المحيرة، بدءاً من شيوع الاباحية الى التحولات السريعة في فهمنا للزواج، الى حرية الكلام في الجامعة، الى التحولات الجنسية.

وعلى طول الطريق، يستفسر ترومان دائما حيثما يضع الناس القيود على تحقيق الذات والاسس التي يضعونها لعمل كهذا. أوضح الامثلة على هذا هي الاعتداءات الجنسية على الاطفال وتعدد الزوجات : لماذا يمكن لرجل بايولوجي ان يحقق ذاته من خلال الاعتراف به كأمرأة بينما آخر يُمنع من الزواج بثلاث نساء؟ ترومان يدّعي ان مثل هذه القيود هي " حتما عشوائية ويتم تحفيزها سياسيا" ضمن أخلاق ما بعد فرويد الجنسية. لكنه لو أضاف جون ستيوارت مل لسرده التاريخي، فان المنطق سيصبح اكثر وضوحا. نقاشاتنا الأخلاقية العامة تركز على الضحايا والمضطهدين، انتشار تلك النقاشات هو عمل مؤذي. طبقا لمبدأ الأذى لمل، نحن حذرون في ادانة السلوكيات الى النقطة التي تكون فيها مؤذية بوضوح للاخرين. وعندما يصبح اذى مختلف الافعال اكثر وضوحا، هذه الافعال تصبح اكثر التباسا من الناحية الاخلاقية وحتى اكثر ازدراءً. هذا يوضح لماذا يفضل الامريكيون القيود على الاجهاض، لماذا اصبحت الكليات اكثر قلقا حول الجنس في الجامعات حينما اصبحت كلفة ثقافة الجنس العرضي اكثر وضوحا.

مبدأ الأذى ليس شيئا اعتباطيا ولا هو يتحفز سياسيا، انه يوضح لماذا الوقوف ضد الاعتداءات على الاطفال وتشجيع زواج المثليين يُحتمل ان يبقى قويا. انه سوف يقرر ما اذا كان تعدد الزوجات يُنظر اليه كالتزام مسيحي مورموني او قمع اسلامي اصولي او حب متحرر لتعدد زوجات . انه يوضح لماذا النقاش عن التحول الجنسي لم ينتهي بعد – كما يلاحظ ترومان – خاصة بشأن الناس الشباب الذين ربما لاحقا سينظرون الى تأثير هورموناتهم الثقيلة او الجراحة كأذى كبير، او الذين يُهزمون في المنافسات الرياضية المؤلمة من جانب رياضيين من جنس بايولوجي مضاد.

ترومان ربما كان صائبا، المشكلة ليست في الفردية ذاتها، التي تحتوي على تأكيد هام على كرامة الفرد بصرف النظر عن دوره في المجتمع. المشكلة هي ان الفردية المعبرة تفصل كرامة الفرد عن أي خلفية بنظام موضوعي متعالي. نحن يجب ان نكون مدينين لكارل ترومان لمساعدتنا على فهم كيفية حدوث ذلك الفصل وكيف يمكننا البدء بالتفكير في إصلاحه.

 

حاتم حميد محسن

....................

* كتاب (صعود وانتصار الذات الحديثة) لكارل ترومان، صدر عن دار crossway في 10 نوفمبر 2020 في 432 صفحة. المؤلف ترومان بروفيسور في الدراسات الانجيلية والدينية بكلية Grove city.

الهوامش

(1) الفردية المعبّرة Expressive individualism هي شكل من الفردية برزت في تضاد مع الفردية النفعية Utilitarian individualism. الفردية المعبّرة تؤمن ان كل فرد يمتلك شعورا اساسيا متفردا وبديهة يكشفان ويجب ان يُعبّر عنهما اذا اريد بلوغ الفردية. في ظل ظروف معينة، قد يجد الفرد المعبّر بالإمكان من خلال الشعور الحدسي ان "يندمج" مع الافراد الآخرين او مع الطبيعة او مع الكون ككل. اما الفردية النفعية، فهي شكل من الفردية تأخذ الرغبات الانسانية والمخاوف كمعطى، وترى حياة الانسان كجهد يقوم به الافراد لتعظيم المصلحة الذاتية. الفردية النفعية تنظر للمجتمع كبروز من العقد الذي يدخل به الافراد فقط من أجل تطوير مصالحهم الشخصية. انها تتصل عن قرب بالفهم الاقتصادي الاساسي للوجود.

(2) هي مبدأ نظري اساسي في خلق الفن. الكلمة لها اصل يوناني وتعني "تقليد" (بمعنى التمثيل وليس الاستنساخ). افلاطون وارسطو تحدثا عن الـ mimesis كتمثيل او تصوير للطبيعة.

(3) هي النشاط او الفعالية التي بها يجلب الفرد شيئا ما الى الوجود والذي لم يكن موجودا من قبل. الكلمة poiesis مشتقة من كلمة يونانية تعني "يصنع".

 

 

2349 geoffrey pnashترجمة: صالح الرزوق

إذا كان خالد في هذه المرحلة من حياته المهنية في أمريكا يجسد خصائص المتمردين العلمانيين الذين أسسوا للحداثة العربية ورفضوا الثقافة العربية الكلاسيكية (21)، فهو لم يكن أقل تشككاً بكل ما يتعلق بالثقافتين الغربية والعربية على حد سواء. وبدلا من أن يسمح لشخصيته "الشرقية" أن تكون منتهية تماما، وتحت رحمة الشخصية "الغربية"، فإن عقليته خرجت "من معطف تلك الفوضى التي نجمت عن الأرواح المتنافسة دون أن تصاب بخدش... فهو لم يقرر أن ينحاز لأي طرف". وفي إنكاره لآراء جرميا وباسكال المتشائمة حول مصير البشرية  يرفض التقليد المسيحي، ويجد فيه دليلاً على الداروينية؛ لكنه أيضاً يحول توم باين إلى رماد مع جرميا. "بالنسبة له كان التعليم رياضة، وتبعه  بروح حرة مستجيبا لنزواته، دون أي منهج أو طريقة" (22).

هذه الحرية الفكرية، بدلاً من سجنها  في أشكال التقاليد المحلية و التي هاجمها ريحاني في تدويناته المبكرة في بدايات القرن العشرين (23) لم تدفع خالد لاعتناق المادية الإلحادية.  إن انتقاد خالد للمعاصرين الذين دافعوا عن الإلحاد  واتهامهم “بالفشل” و“الزيف” و“مطاردة الدولار”، قدم لبعض النقاد دليلا على محدودية الحرية الفكرية عند ريحاني. إلى جانب تحديد خالد للشرور الاجتماعية التي تهدد إنجيل "النجاح" (الذي أعاد انتاجه باللغة العربية في الريحانيات) يمكن النظر له كدليل على انتماء الريحاني لصفوف العرب والشرقيين الذين يطلقون خطابات وعظية ضد الغرب الكافر (24).

ولكن يمكن أيضاً أن يُؤخذ على أنه مؤشر على يقين رؤية خالد الروحية: فهو يتجنب الفخ الذي انتبه إليه كوكس ورأى أنه يدفع العلمانيين إلى التطرف وتبني العلمانية. ومع ذلك، فإن الرسائل الاجتماعية والروحية التي يقدمها خالد تهتدي برؤية علمانية. وقد علمته تجاربه في نيويورك قيمة الابتعاد عن جميع أنواع السلطات: وبالأخص الدينية والأكاديمية والسياسية، فالمرء

يعيش حياته الخاصة؛ ويفكر بأفكاره الخاصة؛ ويستمر بالتطور والتبدل حتى يصل إلى الحقيقة. وأوقية حقيقة تجدها بنفسك  أفضل من قنطار يعطى لك منة من قبل إنسان من شأنه أن يستعبدك. اذهب بطريقك، يا أخي. وإذا كانت كلماتي تقودك إلى (جهنم) لماذا ستكون هناك مفاجأة بانتظاري.  سوف تشاهد خالقناجالسا على عرش من نهر جليدي شبت به النار في انتظار أمثالك. وسوف يأخذك بين ذراعيه ويلكزك في الأضلاع، وستضحكان معا وتضحكان، حتى يصبح ذلك النهر الجليدي حديقة وتنبت زهرة فيها (25).

إن أمكننا ملاحظة خصلة من خصال إيمرسون في تفكير خالد المتحرر، فهذا يتوازى مع رغبته بـ “الحوريات” (26)، ومع أنه قد لا يحمله قارئ من القرن الواحد والعشرين محمل الجد،  إن سلوكه يؤكد على السهولة التي يمكن له أن يلعب  بها بأوراقه الاستشراقية للتهرب من عري وفقر ”قبو” المهاجر. وفي الوقت الحاضر سيُقرأ كشكل من أشكال الميول الذاتية للاستشراق والتي تحط في نهاية المطاف من شأن الموضوع العربي أكثر مما تفعل العشيقات الغربيات (مع أن الموضوع ظل مغرياً للروائيين العرب من الجنسين).

وتعكس رحلة خالد نحو "جذوع الديمقراطية" (وهي عبارة لكارلايل و استعارها ريحاني منه) رغبته الخطرة باللعب مع النار: "هل يمكن تحقيق حلم المتكلم بالشباب، يا آلهة، في فضاء عربة الجر هذه، مع شعلة الكيروسين و الطبل، حيث تفوح روائح و أصوات جهنم؟.  

 ثم يكتشف خالد (وهو في السجن بتهمة كاذبة هي الاختلاس من أموال الحزب) أن الديمقراطية الأميركية هي في الواقع نوع من العبودية لدين وطني يقوده "مامون <المال>، إلههم العظيم، إلههم الواحد والوحيد"، وهذه إعادة تدوير و استعادة  لاتهام وجهه قبله كارليل للمادية في إنجلترا الفيكتورية (27). عند هذه النقطة بودي أن ألخص ردة فعل ريحاني، كما جسدتها شخصية خالد، أمام انهيار قيم المدينة والتحديات التي تفرضها المدينة العلمانية.

يحدد كوكس معنى العلمانية كما يلي:”تحرير الإنسان من الدين والميتافيزيقا، وإبعاد اهتماماته عن العوالم الأخرى وباتجاه عالمنا هذا” (28).

وكما ذكرت يتبنى خالد العلمانية لأنها توفر فضاء يمكنه من رفض الثقافة الكلاسيكية العربية  واللاهوت الكاثوليكي والذي ترتكز عليه عقيدة أسلافه المارونيين. أضف لذلك تدفع المدينة العلمانية خالد لمواجهة ونفي مركزية ميوله “الشرقية” كي “يتغذى” ويتورط بأحلام غير عملية. ويمكن رؤية  أدنى مستوى من خبراته في نيويورك على أنها اختبار لإبداعه الأخلاقي، بمعنى أنها تظهر لأنها، كما يقول كوكس:”بمصطلحاتنا، تضع مشيئة الله اليوم الإنسان، فيما يتعلق بالعلمنة والتمدن، بأزمة لا يمكن تجنبها. فهو يحمل مسؤولياته من أجل مدينة الإنسان، أو يتحول مجددا إلى عبد رقيق لقوى غير إنسانية” (29). والفترة القصيرة التي أمضاها خالد في السجن والعام الذي أنفقه بجر العربة اليدوية في برونكس لبيع البرتقال قد تركت في داخله رغبة قوية للعودة إلى الوطن. وقد شعر أنه مدفوع لتلبية قدر سماوي. وعاش وسط توتر خلقته الحاجة ليكون أقرب من الطبيعة وفي نفس الوقت في مركز المدينة، وعليه إن حياته في برونكس “بين المدينة والريف، أقرب للطبيعة، وليس بعيدا عن زحام الحياة، <حيث> كان يمتلك بشكل أفضل الصحة والنقود”.  إن رغبة خالد بالريف وتخيلاته عن وطنه قد واجهها الواقع المادي للميتروبول. فأمريكا أصبحت “أم الرفاه والبؤس الروحي”، ومصدرا للإغواء الدائم الذي “يجهزك” لتكون بحالة مادية أفضل، ولكن دون أن يغيب “خطر البؤس والذل”. وباختصار كان “خائفا من أن يتخطاه النجاح”. وفي المدينة تعلم إن ربح ما يكفي من النقود سينعم بالأمان الاقتصادي. ورغم  شكواه من سلطة الدولار ستاح له أن يعيش وفق ما يشاء (“جزداني، مثل معدتي، ملكي وحدي”). وهو يعلم أنه يستطيع ربح ما يكفي من النقود لتجهيز نفسه للعودة إلى بعلبك التي يرغب بها، أو أن يذهب إلى أي مكان يريد (30). ومهما كانت مواعظ خالد (وهذه محاكاة لكارلايل أيضا) عن الفساد المستشري من “آلة النقود” (ويذكرنا المحرر هنا أنه يحمل مورث البحث عن الربح الذي انتقل له من أسلافه السوررين - الفينيقيين)، فقد منحته المدينة فرصة ليكون بين أول “من تمرد على سيادة روح شعبه والميول القوية لعصره، في كل من بلده الأصلي وبلده البديل” (31). وبوجيز العبارة: إن المدينة العلمانية قد ساعدت في تشكيل خالد ليكون واحدا من أوائل العرب المحدثين (32).

ويساوي كوكس بين اللحظة العلمانية و“عصر غياب الدين تماما. فهو لا يحتكم  لأخلاق ومعاني الشرائع والطقوس الدينية” (33). وينظر خالد لذلك بكثير من التفهم والمحبة. وحيث كنا نتوقع منه أن يدين الميتروبول الغربي الملحد، نلاحظ أنه لم يفعل. في الواقع هو يجرب الإلحاد قبل أن يتأكد أنه لا يناسب تفصيلة شخصيته العربية. كذلك إن خالد حين يتقبل العواقب الكاملة لموت الإله في القرن العشرين، لا يفقد توازنه بالطريقة التي ظهرت علاماتها على الأوروبي اللاديني في القرن التاسع عشر. وهو لا ينوح مثل كارلايل ورينان على ضياع الدين الميتافيزيقي في المدينة الافتراضية. وبهذا الخصوص إن خالد، ورغم اقتباسه الليبرالي من كارلايل، يبدو لنا وهو يحيا في العالم الجديد  بجوار ويتمان و إيمرسون، كأنه أقرب لموطنه من الأوربي الفكتوري غير المؤمن. ولكن حينما يعتنق العقيدة الصوفية ويتحالف مع إصلاحات البهائيين المسلمين (34)، لا يحاول أن يحتضن بديلا عن المسيحية التي يئس منها وتخلى عنها.   

وفي وقت لاحق سيوجه طاقاته نحو عقيدة القومية العربية العلمانية، وهي إحدى الأفكار الجديدة والتي يبلورها لنا “كتاب خالد”. وعند هذه التحويلة يمكننا القول، أنه في الوقت الذي كتب به ريحاني عمله، قد استوعب وابتهج بالحرية الذهنية التي وفرتها له الظروف العلمانية. وكان يبدو قبل كوكس بفترة طويلة أن خالد أدرك أن غياب موقف لاهوتي صلب هو الثمن المتوجب تسديده من أجل توحيد البشرية، وهي المرحلة التي قربتها لمتناولنا المدينة التكنولوجية. والطريقة الخاصة التي زكى بها خالد الحداثة العلمانية كانت طريقة عربية تحديدا - لأنها جزئيا تعتمد عل حساب  فجوتها الروحية - وقد تردد صداها في الشرق الأوسط في الجزئين الثاني والثالث من “كتاب خالد”. وقدمت العودة للوطن لريحاني الفرصة ليهاجم تقاليد الكنيسة الشرقية التي تحصن نفسها بهوية قروسطية، والتي حركتها آلية جيزويتية غير وطنية، افترست كبد الدولة العثمانية الفاسدة. وبعد العودة إلى بعلبك كتب خالد مدونته عن المذهب الجزويتي، وتحديدا بهدف التحرر من التبعية للسلطة الكهنوتية. ورفضه دفع ثمن التهرب من الزواج بابنة عمه يستدعي للذهن ازدراء الكنيسة بشكل ثور“تتكلم معه وتتعامل معه وتتلو عليه عبارات تعود لأيام الكنيسة في القرون الوسطى، مثل “فليكن القربان هو” أو “ليكن المحظور هو” وهكذا” (35). وجدل ريحاني مع غموض الشرق الأوسط في بواكير القرن العشرين، الذي اخترقته كما يرى الرأسمالية البورجوازية الدولية الجديدة وصعودها، والقادمة من العالم الجديد، يمكن التعبير عنه بمصطلحات كوكس أنه عودة المهاجر من المدينة التكنولوجية والثورة على القيم الروحية الآفلة للمدينة الصغيرة. وفي كل حال: إن بعلبك خالد، كما بينت سابقا، مجرد نغمة أخرى نضيفها لكوكس: فهي مدينة شرقية قوامها أطلال قديمة، وتحكمها عائلة كلوستروفوبية، ومسحورة ومخيفة، وحداثة بحالتها المتوحشة. إن البعد غير الغربي، وربما ليس في ذلك ما يدهش، غائب تقريبا من تفكير كوكس في عصر المدينة العلمانية (36). وهذا يعقد نظريته. ولكنه الجزء الذي نود أن نتعرف عليه، في أزمنة ما بعد الكولونيالية، وهو سبب هام آخر يفسر لماذا تلفت أعمال ريحاني انتباهنا. جدلا إن الفترة السورية كلها، وضمنا السياسة التي تورط بها خالد في دمشق، هي بامتياز في الكلمة التي ألقاها في المسجد الأموي خلال أيام  الهدنة التي تخللت الثورة التركية الشابة، وتعبر عن أجندا عربي محدث مرتبط من وراء الستار بالمدينة العلمانية (وهي القاهرة، فقد زارها ريحاني عام 1905 ليساهم بالدوائر الوطنية المصرية، ونيويورك أيضا لو وضعنا بعين الاعتبار قراءاته لكتابات أدب الرحلات الاستشراقية البريطانية في مكتبة مدينة نيو يورك).

عموما يتصرف خالد بطريقة أكثر راديكالية من إنسان كوكس المتحضر الذي توجب عليه أن يقفز إلى المرحلة الجديدة من الحداثة الغربية، والحضارة اليهو - مسيحية التي نفترض أنها تطورت بشكل مستقيم وبلا منعطفات ولاتعرجات. وحينما يعود خالد إلى الشرق الأوسط، يطور فلسفته عن اتحاد الدرويش مع المقاول، وأيضا  يؤجل ويتصرف بشكل موجز انطلاقا من دور تبشيري لتقريب نفسه من اليقظة العرب / شرقية” (37).

قد نتفق على أن الفلسفة الصوفية / المتعالية التي قدمها الريحاني من خلال (ما طوره لاحقا في كتابه “طريق للرؤية”) كانت مصطنعة جدًا وتزامنية ومشتقة من كل من الأساليب الواحدية والربانية الغربية والشرقية التي تثير اهتمام القراء المعاصرين. إن رؤية خالد لاحتمالات المستقبل تميل باتجاه السطحية وتفتقر إلى المركز (وبهذا الخصوص كانت سباقة على رسالة جبران في كتابه “النبي”).  في الوقت نفسه، ومع ذلك، يتآزر خالد أيضا مع تشخيصات كوكس للدوامات التي عصفت بالعالم الحضري الحديث من عدة نواح.  ويقر أن "للثقافات المختلفة طرقها لتشجيع بعض أنواع العصاب ومعارضة وكبح جماح أنواع غيرها" (38).  وهو يشارك في رؤية "عمل طارد الأرواح الاجتماعي" الذي أحدث ثورة في الكنيسة لتخليص الرجال والمجتمع "من التقلبات المهدئة التي يستوعبون بها بشكل خاطئ الحقائق الاجتماعية المحيطة بهم،  ومن أشكال العمل والتقاعس المعتادة النابعة من هذه الأوهام". إن المعاناة التي يعانيها خالد في مسقط رأسه تقنعه بضرورة عدم "تحمل أعباء الاختناقات الناجمة عن التراث الأحفوري القديم”.

وأخيراً فإن خبراته مع النشاط الاقتصادي الأمريكي المحموم تقنعه بالخطر الروحي الموجود في "أنماط السلوك القهرية القائمة على تصورات خاطئة للعالم"(39). وهذه الأفكار، كما يؤكد كل من الريحاني وكوكس، وقد وصلا لها كل على حدة أول الأمر ثم اعتنقاها معا، يمكن أن تكون حافزا على "ظهور مجتمع إنساني جديد وشامل" (40). السمة المميزة لفلسفة خالد، كما هي، تتلخص في الواقع بكلمة لكوكس قال فيها: "العلمنة تعني تحرير الإنسان أولاً من الدين ثم من سيطرة الميتافيزيقا"؛ كما أنها تسمح للمسيحيين (وغيرهم) أن يكونوا "أحرارا في النضال جنبا إلى جنب مع جماهير العديد من الاتجاهات لابتكار طريقة للحياة معا مما يسمح للإنسان أن يكون إنسانا" (41).

 

ترجمة: صالح الرزوق

...........................

* عن كتاب: دليل إدنبرة للأدب العربي المكتوب باللغة الإنكليزية: سياسة الأنجلو عرب والأدب والثقافة العرب أمريكية. تحرير نوري جنا Nouri Gana. 2013.

* جيفري ناش: باحث بريطاني. متقاعد. عمل سابقا في كلية الدراسات الشرقية والإفريقية/ جامعة لندن.

هوامش:

21- عن تمرد المسيحيين العرب بشكل خاص انظر هشام شرابي، المثقفون العرب والغرب. 1875 - 1914 (بلتيمور، م د: مطبوعات جامعة  جون هوبكنز، 1970). 15 - 18. عن تحويل تمرد الريحاني إلى القومية العربية انظر إيلي قدوري “الدين والسياسة”. بنسخة شانتام هاوس و دراسات شرق أوسطية أخرى (لندن: ويدنفيلد ونيكولسون 1970). 321 - 5. وكيف تغذي هذه الدراسة كتاب خالد انظر: ناش، الكتاب العرب باللغة الإنكليزية. الفصل 1.

22- ريحاني. كتاب خالد. 55 - 6، 58.

23- انظر: هنري م ملكي “موضع وتأثير أمين ف. الريحاني في الصحافة العرب أمريكية”. في: خليل جبران وأمين الريحاني: أنبياء الأدب العرب أمريكي. إعداد ناجي عويجان (لويزة، لبنان: منشورات جامعة نوتردام، 1999).

24- عن موقف العرب من الغرب في القرن التاسع عشر وبواكير العشرين  انظر: ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر الليبرالية 1798 - 1939 (كامبريديج: منشورات جامعة كامبريدج، 1983).

25- الريحاني: كتاب خالد. 71.

26 - انظر جيفري ناش “التوسط والتصوف والتبشير: أمين الريحاني، خليل جبران، والبيئة الطقوسية لشرق - غرب” في: خليل جبران وأمين الريحاني: أنبياء الأدب العرب أمريكي، إعداد: ناجي عويجان (لويزة، لبنان، منشورات جامعة نوتردام، 1999).

27- ريحاني، كتاب خالد، 102 - 112. توماس كارلايل، كراسات الأيام الأخيرة (لندن: شابمان وهول، 1899). انظر ناش: كتاب خالد لأمين الريحاني.

28- كوكس، المدينة العلمانية، 17.

29- مرجع سابق. 132.

30- الريحاني، كتاب خالد، 121، 128، 125، 120، 124.

31- مرجع سابق. 131.

32- حسب س. ب. بشروئي في “العلاقات الثقافية العرب أمريكية في القرن العشرين”، كان خالد “أقرب من يمثل، ربما، العربي المتحرر الحديث بشكل كامل”.

33- كوكس، المدينة العلمانية، 3.

34- عن الريحاني والبهائية انظر ناش “الوسطاء والتصوف والتبشير”.

35- الريحاني، كتاب خالد، 174.

36- عموما في الثمانينات ساهم كوكس جزئيا في اهتمام البروتستانتيين التحررين بالأديان العالمية والحوار معها. انظر: هارفي كوكس، فنادق كثيرة: لقاء المسيحيين مع العقائد الأخرى. (بوسطن، م. أ.: منشورات بيكون، 1988).

37- انظر ناش جيفري. الكتاب العرب بالإنكليزية. 69.

38- كوكس. المدينة العلمانية. 152.

39- مرجع سابق. 154 - 5.

40- مرجع سابق. 145.

41- مرجع سابق، 182 - 161. عن مستقبل “مجمع الأموات”، بوادر الثيولوجيا البروتستانتية الراديكالية لتريش وبونهوفير وبولتمان، تحافظ على مركزية المسيح بالمقارنة مع يوتوبيا الريحاني بمعنى أن خالد ينتمي لمشهد روحاني أعرض من المسيحية الغربية. وينتهي كوكس محقا بهذا الخصوص إلى أن:”الكنيسة المسيحية لديها فرصة المساعدة بتشكيل نسيج روحاني جديد... وسيكون إنسانيا وحضريا حقا، ولكن العقيدة المسيحية، عوضا عن دعم الإيثوس المسيطر، سوف يقدم أحد الخيارات الحية للثقافة التعددية والأصيلة” (مرجع سابق. 92). 

 

 

جمال العتابيالناصرية المدينة في جنوب العراق، ولد فيها صلاح نيازي، مثل ترنيمة عذبة، ورنين قافية، وشوق وإبتهال، في سيرة نيازي (غصن مطّعم في شجرة غريبة)، الصادرة في بغداد عام 2013، عن دار ميزوبوتاميا.

مدينة الناصرية، هي أربع مدن في اليوم الواحد، تستيقظ صباحاً إستيقاظ مريض، لا تقوى غسل وجهها، وفي الظهيرة تبيض فيها الشمس السمتية، فتنام وهي تنزّ عرقاً، لدرجة الموت، وعند العصر يدبّ في أوصالها الغزل، فتندفع إلى النهر الذي هو سلال من طيور ونهود، وفيه يمشّط النخيل سعفه المضفور، وفي الليل تغني غناءً حزيناً، ممتلئاً بالقلوب الجريحة، والتأوه والنجوم، والقمر وخذلان الزمان.

نيازي يكتب سيرته كأنما فيها يودع مدينته الأثيرة، الناصرية، وهو يبتعد عنها، متشبثاً بعروق النخل الممتدة إلى عمق الفرات، يغور في مسالكها، يتوجه إلى السماء أن لا تطفىء رياح اليأس أحلامه.

شجرة الرازقي وورودها الصغيرة البيضاء كاللؤلؤ الرطب، لم يشمّ عطراً كعطرها، وهو الجوّاب والمسافر نحو  الأصقاع، ثمة شعور بالذنب، وتأنيب الضمير، لِم فارق الشجرة؟، يقول: لكني أُقتلعت عنها مجبراً، لو كانت تقرأ أو تكتب لبعثت لها رسائل الآن، بالتأكيد انها أنثى مسحورة، أحسّها للآن تعرش فوق صدري، فراقها عليّ أمضى فراق، كان يجب أن تُسجل كأحد أفراد العائلة في دائرة الأحوال المدنية.

صلاح نيازي يلوذ بالشجرة من طوفان وشيك، هو يفزع نحو بلاد الضباب، بحثاً  عن أيما مكان لايبعد عن تاريخ نسجته العصور حول وجه الناصرية السومري، وشعرها الليلي الأثيث، وفرعها الفائق الإكتمال.

تشكّلت معلومات نيازي مما كان يسمعه من خرافات ومن أغان، وما أكثرالمغنين بمدينة الناصرية، ومن تهاويد ونواح، وفي المدرسة حفظ الأناشيد والقصائد، وظهرت الحاجة إلى النثر في درس الإنشاء، في الدراسة الأولية قرأ البيان والتبيين للجاحظ، كانت تجربة مريرة، لم يكملها، لكنه تعلم منها، ان إتقان الأدب يحتاج إلى عناء وجدّ ومثابرة.

الكتاب الذي قرأته بلهاث حقيقي، يقول نيازي: وعلى ضوء القمر هو (سيرانو دي برجراك)، ترجمة المنفلوطي، رشّ هذا الكتاب في جسده لذة حزينة، لم يجد له مثيلاً فيما بعد، إلا حين تعرف على دستوفسكي.

إنكبّ على حفظ الشعر القديم منذ صباه، محاولاً كتابة الشعر بعسر شديد كما يقول: الكتابة وحدها تدلّك على فقرك الأدبي، ونقاط ضعفك، نشر أول قصيدة له في جريدة (الفيلسوف) التي كانت تصدر في العمارة.

إستحوذت ثيمتان على معظم أشعار صلاح، هما الوداع واللقاء، في أهم ما كتب من قصائد.

أكمل نيازي الدراسة الإعدادية في بغداد، عندما بدأت في الخمسينات تجترح معجزات صغيرة في الفن المعماري، والتشكيل والشعر الحديث، بغداد بالمقارنة إلى الناصرية، أسرع إيقاعاً،، وأكثر حيوية، تستيقظ بغداد متعبة تعب عروس بإكتمال لذتها، وفي الضحى ينشط نحلها، عند الظهر تنام بحماقة وعصبية، في الليل تنفلت وتغرق في الحب، شارع أبي نواس أكبر معرض للرجال المحبطين، وللنساء من ذوات العيون الجارحة.

كلية التربية كرنفال آخر، لأصوات الطالبات فيها رقة الرذاذ مهما كانت اللهجة، كانت فترة الدراسة أهم خميرة في حياة نيازي الأدبية.

الهروب بالجلد، أقصى ما يمكن من طموح، واللعنة على مسقط الرأس، قطع صلاح التذكرة من بغداد إلى لندن عن طريق القطار، بلا لغة ولا فلوس، الهروب، النجاة، الإبتعاد عن الكابوس الذي بدأ يخيم على العراق أوائل الستينات، في لندن بدأ يكتشف عيوبه حينما يعيد صياغة ما ترجَمه من اللغة العربية، أصعب الأيام على الغريب هو يوم الأحد، المدينة تموت جزئياً، تزداد الغربة أضعافاً، وجد طريقه للعمل في إذاعة BBC، فيها تعرف على الأديب السوداني الروائي الطيب صالح، كان يتحاشاه أدباً، يقول نيازي: في الواقع ليس أدباً مائة في المائة، ولكن كنت أخشى أن يفتضح لديه جهلي، علوم الطيب عافية، كعافية الغذاء تنتشر في كل الجسد، الجلسة معه مهدئة للأعصاب، لم أسمعه مرة يتحدث عن نفسه ليتميز عن غيره، يخالفك الرأي بألفاظ مسالمة، وإبتسامة متواددة، كثيراً ما يروي قصائد  طويلة بكاملها عن ظهر قلب، لشعراء إنگليز.

في لندن تحققت له رغبتان، الأولى، انه دائماً ما يحذر من عيوبه، ويتمنى لو أنك عجزت عن إكتشافها، وذلك دفاع جيد من عدة دفاعات يلجأ اليها المرء ليتخفى، والثانية تخوفه من الريادة والقيادة، يتطير من كل تكتل أو تحزب من أي نوع، لم تكن له رغبة في النشر، وفي نفس الوقت تهالك على النشر، لا يعرف كيف يعبّر عن هذا الإحساس الغامص المتناقض.

يختتم نيازي سيرته بتساؤل مثخن باليأس، مالفائدة من كل هذا؟ الشيء اليقين في حياتي الآن هو الحيرة! الحيرة التي رافقتني مع أول كتاب مدرسي، هي ميراثي الأول والأخير، بحثَ گلگامش عن الخلود فأصابنا بعدواه، وأنا أفتش عما ينسيني حيرتي.

نيازي.. هي ذي غربة روح الجنوبي الحزين، أواه ما أقسى الحيرة على وجوه المنشدين!

 

جمال العتّابي

 

 

جمال العتابييسرد سلفادور دالي(1904_1989) سيرة حياته، في أكثر من خمسمائة صفحة، في الكتاب الصادر عن دار الحوار السورية 2016،. بترجمة متيم الضايع، لقد منح دالي إمتياز إثبات حياته قبل أن يموت، وهو إمتياز لم يحظ به غير قلة من الفنانين، واعتراف العالم بعبقريته أثناء حياته، وكانت تصريحاته، في معظمها، مطبوعة بطابع رجل قادر على أن يقف بمفرده في وجه العالم، ومع ان وضعه كرسام كان منسجماً مع المدارس المعاصرة لحياته، كالسريالية، التي يتمثل دائماً في معارضها، ويحتل مكان الصدارة فيها، فان من الصعب تصنيفه في أي المدارس يقف؟ ويبقي معزولاً في العالم الذي خلقه بنفسه، يميل دالي دائماً ان لا يقدم تفسيراً لمعنى لوحاته، كتب ذات مرة :حقيقة كوني أنا نفسي في لحظة الرسم لا أفهم صوري، لا تعني ان هذه الصور بلامعنى، على العكس، فمعناها يبلغ في العمق، التعقيد، التماسك واللا ارادية، بحيث تفلت من أكثر التحاليل بساطة للحدس المنطقي.

سلفادور دالي أحد أشهر الرسامين العالميين في القرن العشرين، ولد لأسرة أسبانية ثرية حققت له كل ما يتمناه، ربما يكون هذا أحد الأسباب التي دفعت دالي إلى سلوك قريب من الجنون، اتسم بالطيش واللاعقلانية، ان حياته السرية التي دونها في هذا الكتاب تعد أحد الأثار المهمة التي تركها دالي، وهي بهذا العدد من الصفحات، يصعب على المتتبع ان يختزل التفاصيل والاحداث والوقائع، وهي تتخطى الحدود المألوفة في الكتابة.

بدأ دالي حيات السرية، بذاكرة داخل الرحم، ثم الولادة، وذاكرة الطفولة الزائفة والحقيقية، وفي القسم الثاني، تحدث عن مراهقته، ومراحل دراسته، وموت الام، والرحلة الى باريس، وفي القسم الأخير، تحدث عن دوره الريادي في الحركة السريالية، وعن مدن أحبها، أو كرهها، وتحدث عن بشاعة الحرب، ونشأة الكون، والتحول، الموت والبعث.

إلى جانب هذا يسجل دالي بعضاً من حماقاته في مذكراته، فكتب أنه كاد أن يقتل صديقه عندما دفعه عن حافة الهاوية، وركل رأس شقيقته الصغيرة برأسه، كما أنه عذّب هرة حتى الموت، بل كان يعذب نفسه، عندما يرتمي على السلالم، أو يتدحرج عليها أمام أنظار الجمهور.

يقول دالي: أنا التجسيد الأكثر تمثيلاً لأوربا ما بعد الحرب، لقد عشت كل مغامراتها، وكل تجاربها، وكل أحداثها الدرامية، كشخصية رئيسة في الثورة السريالية، عرفت أبسط الأحداث الفكرية اليومية، وانعكاساتها في التطور العلمي للمادية الجدلية، والعقائد الفلسفية المزيفة، درست مطولاً علم اللاهوت، لم أكن مستعداً للإنتماء إلى أي حزب سياسي أياً كان، يتساءل سلفادور دالي، ماهي السماء؟ أين توجد؟ فيجيب، السماء لاتوجد في الأعلى، ولا في الأسفل، توجد السماء بالضبط في مركز صدر إنسان لديه إيمان!

فرادة دالي وان ظلت بمعنى ما، مرتبطة بعصره، وهي في أعمق معانيها، نموذج حياة صاخبة لا يمكن تقليدها، سلفادرو دالي عالم قائم بذاته، من النوادر والأقوال والصور الخيالية الغامصة المعالم، كانت حياته سلسلة من الافعال الدراماتيكية، القريبة في روحها، إن لم تكن في حرفيتها، من الدوافع الثورية للسريالية، فهو في رسمه المستمر لنفسه يمسك بالمتنوع، وبما لا يتكهن به، في حياته إنعطافات فجائية، وإكتشافات عديدة تؤلف حياة دائمة التجدد والإنتعاش، وصار كيان دالي بخلاف أغلب الرسامين شيئاً لاينفصل عن كيان العالم، إن مبدأ حياته كفنان يكمن في حاجته الدائمة إلى التجدد الذاتي الدائم، هذه الحاجة إلى الإكتشاف المتجددة، جعلت منه رساماً يخترق حدود الرسم بإستمرار، إنه ساحر، وعرّاف.

يقول عن نفسه: مثلي كانت تبدو على محياه ملامح عبقرية لا لبس فيها، منذ الطفولة، كنت قاسياً، وطرياً، وجباناً، أراد أن يكون طباخاً، في السادسة من عمره، وفي السابعة أراد ان يكون نابليون.

يتحدث عن أشياء طريفة في حياتة، كان لايتناول السبانغ، يمقته بسبب شكله غير المرتب اطلاقاَ، ليس هناك شيء فيه سوى الرمل، وأثناء ما حاول الطبيب ثقب شحمة أذني أخته، هجم على الطبيب بحزام جلدي وكسر نظارته، أطلق الطبيب العجوز صرخة تنم عن ألم شديد، وسقط على الارض، راهن في احدى المسابقات في مدرسة الفنون الجميلة على نيل الجائزة برسم لوحة دون أن تلمس فرشاته لوح الرسم، وقف على مسافة متر واحد منها، وبدأ بنثر الألوان، ونجح في جعل الصورة(المنقطة)، دقيقة جداً في تصميمها وألوانها ونال الجائزة.

ان الفردانية الساخطة المبالغ فيها، التي أظهرها دالي كطفل، تبلورت في مراهقته على شكل ميول معارضة للمجتمع بشكل عنيف، يقول: تركت شعري ينسدل كشعر الفتيات، وبدأت أتقمص ملامح الكآبة التي سحرتني في صور روفائيل، كنت متأخراً في ممارسة (العادة السرية)، لم أكن قادراً على فهم ماهي.

يتحدث سلفادور بإعجاب عن لقائه الأول المثير بالفنان بيكاسو، في منزله، يقول: كنت أسير وأنا أفيض إحتراماً كما لو أني ذاهب لأقابل البابا، قلت له: جئت لزيارتك قبل زيارة متحف اللوفر، فأجاب، أنت محق تماماً.

كان دالي حريصاً ان يطلع بيكاسو على لوحة صغيرة جلبها معه هي (فتاة صغيرة)، ظل بيكاسو يدقق فيها مدة خمس عشرة دقيقة دون أي تعليق، وظل لمدة ساعتين يعرض العشرات من أعماله، وفي كل لوحة كان يصب عليّ نظرته المليئة بالحيوية والذكاء بطريقة عنيفة، جعلتني أرتعش، وانتهى لقائي معه دون تعليق من أي نوع.

ان المتعة التي وفرها سلفادور دالي للقارىء، تتمثل بغنى التجربة والرؤية والموقف، ولعل احدى المعلومات الجديدة التي أفصح عنها في كتابه هذا، هي إعلانه عن نسبه العربي المؤكد، الموجود في شجرة عائلته، التي تعود إلى زمن (سيرفانتس).

ويمكننا القول في ضوء تلك التجربة الطويلة الغنية، وما قدمه دالي من معلومات تفصيلية، ان عالمه قوامه السحر والخوارق، وهو يحتفظ بالمعنى البدائي الساحر، أي الإنسان الذي يكتشف المجهول.

 

الحياة السرية لسلفادور دالي

 

 

ابراهيم أبراشصدر قبل أيام عن دار الكلمة للنشر والتوزيع في مدينة غزة كتاب تحت عنوان (الصراع في إسرائيل) للروائي والكاتب السياسي المختص بالشأن الإسرائيلي توفيق أبو شومر، وفي هذا الكِتَاب جال المؤلِف في جوانية وفسيفساء المجتمع الإسرائيلي وما يعتريه من صراعات وخصوصاً بين العلمانيين والجماعات الدينية المتطرفة وحتى داخل هذه الجماعات حيث قام بتفكيك هذه الاخيرة موضحاً أصول كل جماعة ومعتقداتها وما يميزها عن غيرها من الجماعات الدينية الأخرى، كما أبرز دورها في قيام الحركة الصهيونية ثم الدولة الصهيونية منذ المؤتمر الصهيوني الأول في بازل في سويسرا 1897 إلى اللحظة الراهنة حيث دورها ملموساً في تشكيل الحكومات ولعبها دور (بيضة القبان) مما يؤهلها لابتزاز القوى السياسية الأكبر في النظام السياسي الصهيوني.

رصد الكاتب توفيق أبو شومر عديد الصراعات في المجتمع الإسرائيلي وكثيراً منها غير معروفة خارج إسرائيل وحتى عند العرب والفلسطينيين أنفسهم. في مقدمة كتابه لخص أشكال الصراع داخل إسرائيل كما يلي: "الصراع في المجتمع الإسرائيلي متعدد ومتجدد، وهو يدور بين الأقطاب الكثيرة فهو: بين المتدينين وغير المتدينين وبين المتدينين أنفسهم وبين اليسار المتطرف والمعتدل وبين جيل الصابرا والمهاجرين الجدد وبين المهاجرين من الشرق وبين المهاجرين من الغرب، بالإضافة إلى صراع طويل بين الفلسطينيين الصامدين في أرضهم منذ عام 1948 وبين إسرائيل، مضافاً إلى كل ما سبق الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال، وبينها وبين العرب، إن كل أشكال الصراع السابقة صاغت من إسرائيل الدولة المجهولة الهوية فلم تفلح في بلورة صيغة واضحة لها، فلا دستور، ولا هوية، ولا تعريف محدد لمواطنيها، فهي تستحق أن تلقب بجدارة: دولة الصراع" .

لأن الفكرة الناظمة للكتاب تدور حول أهمية معرفة إسرائيل من الداخل باعتبارها خصماً وعدواً وحتى باعتبارها جاراً مفروضاً، فإن الكتاب يأتي في سياق التحولات والتطورات التي طرأت على الاستراتيجيات المتعلقة بالحروب والصراعات وظهور الجيل الرابع من الحرب وما يسمى الحرب الناعمة حيث يتم استعمال ادوات ووسائل غير المتعارف عليها في الحروب القتالية الكلاسيكية، ومن هذه الوسائل اختراق الجبهة الداخلية للخصم وهذا لا يتم إلا من خلال معرفة دقيقة وحقيقية عن العدو ليس فقط في المجالات العسكرية بل أيضاً في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والنفسية وما يعتري مجتمع الخصم من صراعات، وذلك لمعرفة نقاط الضعف الداخلية و توظيفها في وضع استراتيجية وطنية لمواجهته.

وبالنسبة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي والذي كان يُسمى الصراع العربي الإسرائيلي والممتد طوال عقود، وبالرغم من الشعارات الكبيرة المدججة بعبارات التهديد والوعيد بالقضاء على إسرائيل، وبالرغم من خوض حروب متعددة مع دولة الكيان الصهيوني، إلا أن حكمة (اعرف عدوك) لم تجد طريقاً لها عند القادة وصناع القرار حيث قليلاً ما كان يتم الاهتمام بمعرفة إسرائيل من الداخل وخصوصاً من طرف القادة العسكريين والباحثين ومراكز الأبحاث العربية والفلسطينية، بالرغم من القاعدة أو الحكمة الصينية القديمة التي تقول (اعرف عدوك)، ومعرفة العدو لا يعني بالضرورة الاعتراف به.

بعد قراءتي لهذا الكتاب المهم تبادر إلى ذهني كثير من التساؤلات لها علاقة بكيفية إدارة العرب والفلسطينيين للصراع مع إسرائيل وجهل العرب لوقت طويل حقيقة العدو الذي يحاربونه وهو جهل كان أحد أسباب هزيمتهم في كل الحروب التي خاضوها معه.

لا شك أنه في السنوات الأخيرة وخصوصاً ما بعد مؤتمري مدريد 1991 واوسلو 1993 زاد الاهتمام بدراسة ومعرفة المجتمع الإسرائيلي حيث كانت مراهنة على السلام والتعايش مع إسرائيل كجار، وفي هذا السياق تم الاهتمام بالترجمة من العبرية إلى العربية كما تخصصت مراكز أبحاث فلسطينية بدراسة المجتمع الإسرائيلي أو تغطية ما يجري فيه ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) ومؤسسة الدراسات الفلسطينية ومركز اطلس للدراسات الإسرائيلية، كما أسست بعض الجامعات في الضفة الغربية المحتلة مساقات دراسية متخصصة بالشأن الإسرائيلي.

 في اعتقادنا أن الجهل بجوانية المجتمع الصهيوني كان يعود لعدة أسباب منها:

1- طغيان البعد الصراعي العسكري والسياسي، حيث انشغل العرب والعالم بالأبعاد العسكرية والجيوسياسية للصراع دون كثير اهتمام بما يجري داخل إسرائيل.

2- قوة الدعاية الصهيونية حيث نجحت الحركة الصهيونية ودولتها بترويج صورة رومانسية طهرية عن المجتمع الصهيوني والصهيونية كحركة ودولة اشتراكية وديمقراطية.

3- نأي العرب والفلسطينيون عن دراسة المجتمع الإسرائيلي من الداخل ولم يتم الالتفات لهذا الأمر إلا في وقت متأخر وبتحفظ، حيث كان أي حديث عن المجتمع الإسرائيلي من المحرمات وكشكل من أشكال الترويج لإسرائيل أو التطبيع الخفي معها، وكان يُمنع دخول كتب تتحدث عن إسرائيل إن كانت تتعارض مع الصورة النمطية التاريخية غير الحقيقية لإسرائيل ولليهودي كما يصوره الإعلام العربي وخصوصاً المسلسلات والأفلام كشخص بخيل ودميم مهلهل الثياب وأشعث الرأس الخ، بينما في إسرائيل مراكز أبحاث وتخصصات وعلماء متخصصون بدراسة المجتمع الفلسطيني و العربي عموماً.

أما السؤال الأكثر اهمية الذي تبادر إلى ذهني بعد قراءة الكتاب فهو: إذا كان في المجتمع الإسرائيلي الصهيوني كل هذه الجماعات الدينية المتطرفة وكل هذه الصراعات فلماذا إسرائيل الدولة الأكثر تطوراً واستقراراً في الشرق الأوسط؟!!!!.

هذا ما سنحاول الإجابة عليه في مقالنا القادم .

 

إبراهيم أبراش

 

2205 جمال العتابيتنفتح ذاكرة الدكتور جمال العتابي المفعمة بالوعي، على آفاق الماضي القريب، فتنثال صور المدن أو القصبات التي عاش فيها أو ألفها في طفولته وصباه وشرخ شبابه الأول، قبل ان ينتقل إلى عالم بغداد الرحب، تنثال في أكثر من أربعين فصلاً قصيراً (مقالاً)، تغطي 232 صفحة من كتابه " داخل المكمان ــ المدن روح ومعنى " الذي صدر مؤخراً.

يقول الدكتور أحمد الزبيدي في تقديمه للكتاب: "حين تكون الذاكرة،المرتبطة بالمكان، معتملة في خوالج المثقف، تلجأ إلى الكتابة، فهي عنده ليست أمراً ثانوياً، بل جزء ضروري للكلام والمعنى.. لا يوجد معنى خالٍ من الكتابة. لا شيء خارج الكتابة. " يتوزع الكتاب على ثلاثة أقسام يكرّس الأول منها للحديث عن المدن الأولى التي عرفها العتابي، وللمدن الأولى سحرها الخاص على الرغم من مرارة العيش فيها بسبب طبيعة الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي كانت سائدة آنذاك. لقد تركت هذه المدن الصغيرة أو القصيات، بصماتها على وعي الكاتب وذاكرته معاً مثلما خلّفت سحرها في روحه أيضاً. يستهل هذا القسم بـ " الغازية تتكلم روسي "، والغازية هي واحدة من مدن الغراف الصغيرة شأنها في ذلك شأن المدن أو القصبات الصغيرة الأخرى التي ألفها الكاتب وقدّم من خلالها صوراً للواقع الاجتماعي الذي كان سائداً في ريف الجنوب آنذاك، بأسمائها الأولى التي غيرتها ثورة 14 تموزفيما بعد: "الغازية "االتي أصبح اسمها " النصر "، و"سويج شجر" التي أصبح اسمها " الفجر " ويشير الكتاب إلى أسماء أماكن كانت سائدة آنذاك: "أم التبن " و"محيرجة "و"الكرادي" و"سويج شكبان " وغيرها. ويتحدث العتابي عن " الشطرة " وكأنها كانت العاصمة بين تلك المدن والقصبات فيقول: " لا الذكريات خبت ولا النسيان أدركني، والشطرة تعيد تأثيث ذاكرتي من جديد، فعند عتباتها تتوقف الخطى " (ص 31)، فالشطرة، على حد قول الكاتب،و بـ " مكتبة الغراف " فيها، فتحت نافذة وعيه الثقافي ويعترف بفضلها عليه وعلى غيره من الذين أصبحوا على تماس مع الثقافة آنذاك.

ويكرّس العتابي القسم الثاني من كتابه للحديث عن " مدينة الحرية " المجاورة للكاظمية شمال غربي بغداد، بأحيائها المختلفة فيمر بتسميتها الأولى " مدينة الهادي " نسبة ً إلى " السيد عبد الهادي الجلبي " الذي كان يملك مساحات واسعة من الأرض فيها بالاضافة إلى بستانه. ويشير إلى دَور " الحرية " في بلورة عملية تكوينه الثقافي. يقول عنها: " ما زلت أحمل وشم مدينتي (مدينة الحرية) متشحاً بثوبها، وكأن زمناً سيأتي بالحقول، ويجيء بالغيث يمحي عن بلادي جراح السنين، وتعود تواريخنا الحافلة بالحلم " (ص 77)، وكأنه وجد فيها امتداداً مكانياً للمدن والقصبات الجنوبية التي عاش فيها أو الفها في زمن مضى به في مرابع الماضي. انه يرسم خارطة للمكان بتفاصيله التي أتى عليها الزمن الآن: بأحيائها ومقاهيها التى كانت ملاذاً لعدد من أبرز مثقفي العراق من سكنة المدينة وضيوفهم. ويورد أسماء عدد من هؤلاء المثقفين فإذا بنا نعرف ان "الحرية " كانت موطن كاتبة بارزة مثل فاطمة المحسن ومبدعين مرموقين مثل أحمد خلف وحاتم الصكر وحميد الخاقاني وعبد المنعم الأعسم وحسين الهنداوي وجهاد مجيد وزهير الجزائري و موفق الشديدي وفرات المحسن، والراحلين: نعمان مجيد وعبد الأمير الحبيب وزهير الدجيلي ونصر محمد راغب , وفضلاً على ذلك برزت في "الحرية " نخبة من رواد الغناء الحديث في العراق.

يتوقف الكتاب في قسمه الثالث عند تشكيلة متنوعة من الموضوعات تستهل بالحديث عن دار المعلمين الريفية التي كانت قائمة في الرستمية منذ ثلاثينات القرن الماضي فيقول عتها: " كانت مشروعاً للعمل والأمل وتجاريب التربية الرصينة " (ص 131)، ليقدم عبرها صورة من صور التعليم في الماضي من خلال تجربة أبيه المعلم والمبدع حسن العتابي، وهي تجربة تلقي الضوء على ايجابية نظام التعليم في العراق آنذاك. إلى جانب المرور بسيَر عدد من معارف الكاتب من الأدباء  وفي المقدمة منهم الشاعر مظفر النواب مدرّسه في المرحلة المتوسطة، هووسعدي الحديثى. وفي وصلات مفعمة بالود تتنقل ذاكرته بين ناظم رمزي وغانم الدباغ واسعد العاقولي وجيان ورضا الأعرجي وبسام فرج دون أن يغفل التوقف عند شارع المتنبي. ومستفيداً من سفراته إلى خارج العراق، يشير إلى بعض مشاهداته معلناً عن أمنيته في أن يشاهد في وطنه ولو بعضاً مما كان قد شاهده هناك كأن يتحول شارع الرشيد مثلاً إلى (ممشى المشاهير)، وهي امنية تقع في باب المستحيلات.

ان جمال العتابي فنان حتى في ما يكتب فهو يكتب بلغة موحية يتداخل فيها الشعر بروح السرد، و" داخل المكان " شاهد على ذلك !

 

ناطق خلوصي

 

محمود محمد عليلقد استطاع المؤلف الوصول إلي نتائج ترفع من مستوي القارئ، وتجعله يقترب بسهولة من الكتاب إلي درجة الألفة والاستئناس، ويمكن إيجاز هذه الجوانب الإيجابية من المؤلف ما يلي:

أولا: الجانب المعرفي: لقد جاء الكتاب مفعماً بالجانب المعرفي من حيث أن المؤلف وقف في الوصول إلي المعارف الضرورية لإنجاز هذا الكتاب، فقد تتبع المسار التطوري للفهم الصحيح للإسلام وحديث المؤلف عن الفهم هو حديث عن المعرفة، وعن نظرية المعرفة؛ لأن المعرفة والبناء المعرفي لا يمكن أن يتحققا إلا بقاعدة ثابتة من الفهم . ويمثل الفهم الفكر الإسلامي القائم على الربط المتوازن بين النقل (الوحي)، والعقل (التفكير)؛ فللعقل مكانة فريدة في الإسلام؛ فهو مناط التكليف، فلا تكليف، ولا حساب إلا على عاقل يستطيع الاختيار والتمييز؛ لذلك لا يجوز الحط من مكانة النقل، ولا التنقيص من قدر العقل، فلكل دوره ومكانته وحدوده (11) .

ثانياً: التتبع الدقيق للحقائق الفقهية، فقد وفق المؤلف في الوصول إلي الحقائق الفقهية وتقديمها في صورة لا يجد القارئ صعوبة في إدراكها والإلمام بها، فقد اختار الوسائل المساعدة لذلك، من عرض نظري لإسهامات الفقهاء، إلي مجال تطبيقي معتمدا في ذلك علي جملة من النصوص الفقهية التراثية، والتي المؤلف من خلالها إلي حقيقة مهمة وهي أن احتمال الخطأ وارد في كل ما نقرؤه إلا ما كان قرآناً، أو سنة ثابتة، واحتمال الخطأ في الفهم عن الله وعن رسوله وارد؛ وعلى ذلك فإن كل ما جاء عن السلف قابل للنقد والمراجعة، شريطة أن يكون ذلك النقد مبنيًا على منهج علمي صحيح، يسير فى ركاب الوحيين، وينطلق منهما، ولا يعطى سلطة للعقل على حساب النقل، ويحرص على تحري الحق ويتغيّاه (12) .

ثالثا: الإحاطة الجيدة لحدود الموضوع المدروس، لقد أبان المؤلف عن حسن تبصر، وعن رؤية واضحة للموضوع المدروس، مما جعله متمكناً من المعلومات التي يعرضها، حتي استطاع أن يوجهها لخدمة الغرض الديني الذي وُضع من أجله الكتاب، كما أستطاع التقرب للنص الديني في انسجام وتوافق تأمين، مما جعل المؤلف يميز بين النص المحكم، والنص المحتمل، فالنص المحكم في نظر الكاتب ينتج عنه فهم واحد فقط، هذا الفهم هو حكم شرعي ثابت وقطعي، ومصدر هذا الفهم كما يعلن الكاتب هو الله، أو رسوله، أو إجماع الأمة، فينبغي معه التسليم والإذعان، أما النص المحتمل فينتج عنه أكثر من فهم، وهذا يضاف إلى الفقه الإسلامي، ومن فضل الله على هذه الأمة أن يدور تعبُّدها لربها بين الشريعة والفقه (13).

وفي ظني أن القيمة الكبرى لهذا الكتاب تنبع من المنهجية المحكمة التي قام عليها وفحواها : ضرورة ربط المنتج الإبداعي بالأرضية الفكرية والمنطلقات الفلسفية التي انطلق منها؛ لأن خيوط هذه المرجعية سوف تظل – مهما كثرت المدارة والتقية – تتحكم في رؤية النص الديني ومستوياته المضمونية والشكلية علي حد سواء.

والسؤال الان هو: هل نجح المؤلف في تحقيق هذا الهدف الذي نذر كتابه له؟

في ظني أن المؤلف تمكن – إلي حد كبير – من تحقيق هذا الهدف، إذ يلحظ القارئ – المنصف- أن المؤلف ظل يطرح الأسئلة الكبرى، ثم يقدم الإجابة عنها بطريقة المحاججة العقلية البعيدة عن التعسف والاتهام، كما ظل يتكئ علي أكثر من شاهد وأكثر من دليل حتي يجلو الفكرة ويؤكدها، دون الاعتماد علي الشوارد من الشواهد أو المفرد من الأدلة، كما أن معظم المصادر والمراجع التي اتكأ المؤلف عليها هي من الكتب والدراسات الحديثة لأولئك الذين يحاورهم المؤلف، إذ يثبت بطلان مقولاتهم من مصادرهم هم، ومما حطت أيديهم، مما يجعل عبارة " إن الإسلام لا يضيق بالأفكار طالما أنها في جانب البناء،ولا يضيِّق على الاجتهاد طالما أنه يسعى لخير الناس، ويرحب دوما بالاختلاف الذي يثري ويضيف، ومن ثم فلا مانع من تعدد الجماعات العاملة للإسلام؛ شريطة أن تتلاقى في الهدف، وإن اختلفت في الرؤية والوسيلة، فالاختلاف هنا اختلاف تنوع وتخصص، لا اختلاف تنافر وتعارض، بما تحمله من دليل لا يحتمل الشك (14).

كما أن حرص المؤلف علي الموضوعية والحياد، لم يصل إلي درجة التجرد من الحرص علي منطلقات الأمة وثوابتها، بل راح يعلق بين الفينة والأخرى، ويحاور القارئ ويشركه في الحوار، ويبدي غضبه أحياناً ممن يمس عقيدته أو ثوابته،حتي ليجعل بعض العبارات القرآنية لازمة تتكرر عنده كعبارة "وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴿43﴾ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" (سورة النحل، من الآية 44 ).. التي يورد من خلالها أقوال من يرد عليهم ليقيم عليهم الحجة.

إن اتكاء المؤلف علي 193 مصدر ومرجع واكثرها كان لمؤلفين ومنظرين من الغرب من أمثال جوستاف لوبون، عدا المجلات والدوريات ليدل دلالة حية علي سعة ثقافة المؤلف، واطلاعه علي التيارات الفكرية والنقدية، وهو ما مكنه من إدارة الحوار مع هؤلاء بكفاءة وفاعلية، ولنا أن نتفهم استطرادات المؤلف الكثيرة، وخروجاته العديدة عن فكرته الرئيسية، إذ يبحث في المرجعيات والمنطلقات، ويأبي عزل النص عن سياقه كما يفعل البنيويون، فهو يفرد الصفحات الطوال للحديث عن مفهوم التنوير بين الثقافتين الغربية والإسلامية، ونقد التيارات الإسلامية وبالأخص السلفية النصوصية التي تحتكر الدعوة الإسلامية الصافية، ولا أنسي روعة المؤلف حين يقول بأن :" فكرة احتكار الدعوة، أو حتى فكرة احتكار العمل السياسي الإسلامي غير مقبولة فضلا عن أن تكون غير واقعية، لاختلاف التحديات، والبيئات والأحوال، والمرجعيات، واختلاف الرؤى والمناهج، ويحسب لكلٍ فضله بحسب إصابته وحسن فهمه، وسلوكه" (15). كذلك يحسب للمؤلف قوله :" إن الحركات الإسلامية الواعية تهتم بإيقاظ الوعي الإسلامي في نفوس المسلمين ابتداء، ثم بعد ذلك عليها قيادة الأمة مع الشركاء نحو التغيير الذي يرجع على الفرد والمجتمع بكل خير ، وهي في حركتها تعي طبيعة المرحلة، فتتحرك وفق قانون الوسع والطاقة والمقدور والمتاح (16).

وفي خاتمة الكتاب نجد المؤلف يجمل آراءه باختصار شديد وهدوء لافت، مدافعاً عن منهجه، مبرزاً حقه في الجدل والنقاش ليس بغرض التجريح الشخصي، بل بحثاً عن الحقيقة العلمية، وفي إشارة من إشاراته الدالة النادرة يكبر المؤلف في صاحب المشروع اعتداده برأيه والجهر فيه بلا مواراة أو تمويه، مؤشراً إلي ضرورة أن علماءنا المعاصرين عن بنية معرفية تبني ولا تهدم مؤكدا أن : إن تفسير النص ليس أمرًا قاطعًا ولا نهائيًا إلا إذا كان يعبر عن العقل الجمعي للأمة، وكان منطلقًا من أصول الإسلام الثابتة، وهو ما يعرف بالإجماع، وما عدا ذلك فيمثل فهما من فهوم وجدت في القديم، وموجودة في الوقت الحاضر، وسيضاف إليها فهوم مستقبلية، وفهم النص مصدره البشر، وهو نسبي، وليس مطلقا؛ بمعنى أنه ليس في الاجتهاد قول نهائي (17). ثم يختم قوله بعدد من التوصيات التي ينبغي الالتفات إليها، وبخاصة ما تعلق منها بالتمسك بالمرجعية الإسلامية التي تكتنز ذخرا ما احوج الأمة إليه، وبهذا يُتم المؤلف كتابه – الذي مهما قيل فيه – سيظل يشكل إضافة معرفية ومرجعية ضافية من مراجع تجديد الخطاب الديني (18).

ويسرني في نهاية هذه القراءة أن أبارك للأستاذ الدكتور معتمد علي أحمد سليمان تأسيسه لموضوع جديد يهم الكاتب والمؤلف؛ خاصة وأنه يعد واحداً من البحاثة الذين تميزوا بنزعة دينية أخلاقية نابعة من تبنيه الاتجاه العقلي في تمحيص الحديث النبوي المرتبط بتصور شامل للعلوم الإسلامية الشرعية إلي جانب البحث الدقيق العميق، تجلت هذه النزعة في نفسه الراضية المطمئنة، وسلوكه الإسلامي الذي ألتزم به في الحياة العامة، وكان تجسيد لعلوم الحديث بجانبيه النظري والعلمي، وعند المتخصصين في الدراسات الإسلامية وعلومها هناك علاقة قوية بين الجانبين، فقد كان باحثاً فاحصاً محققاً، مثالاً، ونموذجاً وواقعياً حياً للخلق الإسلامي .

لا شك في أن الدكتور "معتمد علي أحمد"، كان عالماً مبدعاً، وكان له أثر فعال في مجال عرض الفقه وأصوله، في ثوب جديد أعاد الفقه رونقه وبريقه؛ ففي مجال أصول الفقه اعتمد مصادر التشريع الإسلامي، والأصلية والتبعية، مع التركيز علي بعض المصادر التبعية، مثل الاستحسان والاستصلاح، والعرف، وذلك لأهميتها في الاجتهاد في العصر الحاضر، فعليها يكون، فعليها يكون -غالباً – تجديد الأحكام وتطويرها بما يتلاءم مع كل مكان وزمان، لكن من غير تعد علي الأصول العامة، والأدلة القاطعة في التشريع الإسلامي.

أما في مجال الفقه، فتبين أن للدكتور معتمد علي أحمد آراء بناءة تظهر من خلالها معالم شخصية مبدعة، ومخلصة أثرت في مسيرة الفقه الإسلامي في هذا العصر، فرأيه في المذاهب الفقهية رأي معتدل، ليس كمن رفضها نهائيا، ولا كمن تعصب لأحدها، وغنما يجب أن يستفاد منها جميعا بأن تُجعل كالآراء في المذهب الواحد، ويجب أن يختار العلماء أيسرها بما يتناسب مع متطلبات الزمان والمكان، من خلال ضوابط معينة، وليس بالهوي والتشهي؛ خاصة وأن علم الفقه كما يراها معتمد علي أحمد بأنه من أشرف العلوم، وهو المعين الذي حفظ للأمة الإسلامية وجودها بين الأمم علي اختلاف العصور، وهو مفخرة من مفاخرها العظيمة، ولا حياة للأمة بدونه، كيف لا وهو علم الحلال والحرام، وهو جامع لمصالح الدين والدنيا، ولبي مطالب الأمة في جميع ما عرض لها من أحكما ومستجدات فساير حاجاتها وواكب متطلباتها فكان بحق هو فقه الحياة.. اهتم معتمد علي أحمد بتطوير عرض الفقه الإسلامي وتبسيطه ليكون في متناول طلية كلية الآداب – قسم الدراسات الإسلامية، مع حفاظه علي التأصيل الفقهي والمستوي الجامعي، وكانت له عناية شديدة بكل من طريقة العرض الميسر للمادة، والتحقيق والتنقيح لكثير من المسائل الفقهي، من خلال المناهج والتدريس.

وحتى لا يطول بنا الحديث أقول في نهاية حديثي تحيَّة طيبة لأخي الدكتور ” معتمد علي أحمد ”، الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج، هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهيَّة الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وأخيراُ وعلي كل حال لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شاملة ومستوعبة لكل مقدمات شخصية الدكتور” معتمد علي أحمد ”، بأبعادها الثرية، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة علي الجانبين الإنساني والعلمي لمفكر مبدع في أعمال كثيرة ومتنوعة، ونموذج متفرد لأستاذ جامعي نذر حياته بطوله وعرضه لخدمة الثقافة العربية، وأثري حياتنا الفكرية بكل ما قدمه من جهود.

تحيةً لمعتمد علي أحمد، الذي لم تستهويه السلطة، ولم يجذبه النفوذ، ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع، وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

بارك الله لنا في معتمد علي أحمد قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه "أشباه المفكرين" (كما قال أستاذي عاطف العراقي)، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليها ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

............................

11- أ. د. معتمد علي أحمد : الإسلام بين عصمة النص وضوابط نقد الفهم، ص329.

12- نفس المصدر، ص 329.

13- نفس المصدر، ص 330.

14- نفس المصدر، ص 337.

15- نفس المصدر، ص 337.

16- نفس المصدر، ص 337.

17- نفس المصدر، ص335.

18- نفس المصدر، ص335.

19- نفس المصدر، ص335.

20- نفس المصدر، ص335.

17- نفس المصدر، ص335.

17- نفس المصدر، ص335.

17- نفس المصدر، ص335.

17- نفس المصدر، ص335.

 

محمود محمد عليتحتل مقاصد الشريعة منزلة هامة في الفكر الشرعي؛ ولذلك فقد أصبحت علمأ أساسياً من العلوم الفقهية، أُلفت فيها المؤلفات، وفُصلت فيها الأقوال، وتوسعت فيها الآراء، وأصبح الدارس للعلوم الفقهية والطامح فيها إلي مراتب الفهم السديد، والنظر البعيد، بله مراتب التفقه والاجتهاد لا مناص له من أن يدرس علم المقاصد ويتفقه فيه، ومن شأنها أن تعين علي ولوجه، وأن تكسبه القدرة علي تحصيل كلياته وفهم دقائقه وجزئياته.

ويعد كتاب "الإسلام بين عصمة النص وضوابط نقد الفهم" من الكتب المهمة التي صدرت عن مكتبة الآداب بجمهورية مصر العربية عام 2011م، وتأتي أهميته بسبب تناوله لقضية منهجية معرفية، ذات أثر كبير في تطور الاجتهاد الإسلامي المعاصر.

أما المؤلف فهو الدكتور الأستاذ الدكتور "معتمد علي أحمد سليمان"- أستاذ ورئيس قسم الدراسات الإسلامية وعميد كلية الآداب السابق- جامعة أسيوط، وهو يعد واحداً من كبار المتخصصين في الدراسات الإسلامية، الذين حددوا مجالها، ورتبوا موضوعاتها، وكشفوا النقاب عن شخصياتها، وصاغوا الأطر النظرية لها، وأبان عن تاريخها وأبعادها النظرية والعملية، وعرف الخطاب الديني وخصائصه، وأوضح المنهج العلمي لدراسته. أما تلامذته فقد صرف المؤلف حياته المباركة في بذل العلم وإفادة الطلاب، ولذلك كثر طلابه والآخذون عنه بفضل تميزه بفكر نيّر، متفتح، ناقد، بعيد عن التقليد أو التعصب .

ومن عادتي عند قراءة كتاب لا أعرف محتواه، أن أخمِّن موضوعه من عنوانه، وغالباً ما يكون تخميني صحيحاً؛ فحسب علمي لم يكتب قبله كتاب في موضوع "تجديد الخطاب الديني"، وشرح أفكاره بطريقة نقديَّة، وهذا واضح من خلال التوجّه التي سار عليه الدكتور" معتمد علي سليمان" عندما استشهد بكلام غوستاف لوبون:" .. وتُشتق سهولة الإسلام العظيمة من التوحيد المحض، وفي هذه السهولة سر قوة الإسلام، والإسلام إدراكه سهل خال مما نراه في الأديان الأخرى، ويأباه الذوق السليم.. وإنك إذا ما اجتمعت بأي مسلم من أية طبقة، رأيته يعرف ما يجب عليه أن يعتقد ويسرد لك أصول الإسلام في بضع كلمات بسهولة" (1)، وهذا يعني في نظر المؤلف أن الإسلام دين سمح وسهل وفطري، وجموع المؤمنين به الذين عرفوه حق المعرفة يتعبدون بأحكامه في انقياد وإذعان .

وكتاب "الإسلام بين عصمة النص وضوابط نقد الفهم"، هو دراسة في مقاصد الشريعة الإسلامية، وقد جمع فيه المؤلف الأستاذ الدكتور "معتمد علي سليمان" بين الأصالة والمعاصرة، وقرن فيه بين المصادر القديمة والمصادر الحديثة، وهي دراسة جديدة في الدراسات الإسلامية ؛ ذلك أن المكتبة الإسلامية اليوم غنية بالكتب الفقهية، ولكنها مفتقرة إلي دراسات تجمع بين النصوص الشرعية ومقاصد تلك النصوص حتي يتسني للقارئ أن يجمع بين فهم النص وبين الحكمة من ذلك النص الشرعي.

ولقد جاء الكتاب في مقدمة وسبعة فصول وخاتمة، فكانت المقدمة عرضاً منهجياً لرؤية المؤلف في الفهم الصحيح الواعي المنضبط للإسلام، باعتباره دينا وتشريعا، ولفقهه باعتباره نتاجا إنسانيا، ولفكره وتراثه باعتبارهما معارف بشرية، هو الخطوة الأهم في بناء ذلك النسق الفكري الذي يسعى إليه المصلحون، كما أن تحديد طرائق ومعايير النقد للنصوص يساعد في بناء النظام المعرفي للإسلام ؛ لذا لا بد أن يتم الفهم الصحيح فى صورة كلية، وأنْ يكون فهما وسطيَّا يراعي المخاطب والزمان والمكان، وأسباب النزول للآية، أو أسباب الورود للحديث، أما الفهم المعجمي للنص، أو الفهم الجزئي، وكذا والفهم المتعجل، فهي فهومٌ بعيدة عن النظر والدراية، وليست من أعمال العلماء، أو الحذَّاق (2) .

وكان الفصل الأول خاصاً بالنص الديني: مفهومه وأهم خصائصه، وهذا الفصل يقع في أربعة مباحث: حيث ناقش في المبحث الأول: مفهوم النص الديني، و الثاني: اتجاهات فهم النصوص، والثالث:عصمة النص الديني، والرابع: خصائص النص الديني.. في حين جاء الفصل الثاني ليدرس علاقة النص بالفهم، ويقع في ثلاثة مباحث، الأول: المتوازن للنقل والعقل، والثاني:العصمة للنص وليس لفهمه، والثالث: النص المحكم، والنص المحتمل (فهم واحد وفهومٌ متعددة)، والسنة والحديث وعلاقتهما بالنصوص وفهمها، ومسئولية الفهم والتأصيل.. أما الفصل الثالث فيتناول فيه المؤلف معوقات الفهم الصحيح، وهذه المعوقات تقع في سبعة مباحث: الأول: الجهل بالعربية، والثاني: انحراف التأويل، والثالث: الجهل بالسياق، والرابع: التعصب المذهبي، والخامس: قصور وظيفة الوعظ والإرشاد، والسادس: اتباع الهوي، والسابع: الأحكام المسبقة علي الآراء والأشخاص والأفكار. ثم انتقل المؤلف إلي الفصل الرابع، وفيه تناول لضوابط نقد الفهم (ضوابط الفهم الصحيح)، ويقع هذا الفصل في مبحثين، المبحث الأول، وفيه بين لنا المؤلف، أن هناك ضوابط متعلقة بفهم النص وتفسيره، مثل كل ما جاء عن السلف قابل للنقد والمراجعة، ومراجعة فهم القرآن والسنة والتراث الفقهي، مع ضبط مضامين المصطلح مشكلة المصطلح؛ أما المبحث الثاني، فيتناول ضوابط متعلقة بنقد النص وتفسيره، وتستمل علي: ضوابط متعلقة بنقد النص وتفسيره، والتفرقة بين نقد المنهج، ونقد الممارسة، ونقد الحركات الإسلامية غير نقد الإسلام، وحدود الإنكار والتخطئة (لا إنكار في مسائل الخلاف؛ وأما المبحث الثالث من ذات الفصل، فيدرس ضوابط متعلقة بالناقد، مثل: دقة الفهم، ولكل علمٍ أهلُه ورجالُه من أهل النظر والاعتبار، والاعتدال والوسطية في المراجعة والنقد، العلم بالدليل ومعرفة القصد، والتجرد والإخلاص والتواضع.. أما الفصل الخامس فيتناول فيه المؤلف، مفهوم التنوير بين الإسلام والعلمانية، ويقع في ثلاث مباحث: الأول مفهوم التنوير بين الإسلام والعلمانية، والثاني التنوير في الثقافة العربية الحديثة، والقراءة العلمانية للنص الديني.. أما الفصل السادس: فيدرس المؤلف فيه، العمل للإسلام بين التعددية والاحتكار، ويقع في ثلاثة مباحث: الأول: التعددية في الفكر الإسلامي، وجماعات للإسلام وليست جماعة، والحركات الإسلامية والآخر.. أما الفصل السابع والأخير فيتناول فيه المؤلف نقد التيارات الإسلامية، ويقع في أربع مباحث، الأول: نقد الخطاب الإسلامي، والثاني الاجتهاد بين حرفية النص وتعليل الأحكام، والثالث السلفية منهج لا حركة، وسمات السلفية النصوصية.

لقد أراد المؤلف لمشروعه أن يكون مشروعاً نقدياً مضمونياً، أشبه ما يكون بمحاكمة فكرية لكل التيارات الإسلامية، التي جنحت عن الاجتهاد والفهم الصحيح، وأحسب أن المؤلف وبتوفيق الله عز وجل، استطاع أن يضع بين يدي القارئ، تأصيلاً شرعياً لفقه الأولويات في ظلال مقاصد الشريعة الإسلامية، والتي حين غابت عن واقع المسلمين، تسببت في خلل كبير في ميزان أولوياتهم، حتي صغروا الكبير، وكبروا الصغير، وحقروا الخطير واهتموا بالحقير، وتجادلوا في السنن والهيئات وتركوا الفرائض والواجبات، واهتموا بالجزئيات علي حساب التقصير في الكليات، وتعلموا المتغيرات علي حساب إهمال الثوابت.

وكان ذلك كما يقول الكاتب:" بسبب الانسلاخ عن قيم السماء، وتوقف العقل المسلم عن الابتكار والتجديد والاجتهاد، حيث نُحِّيَ الإسلام بشموليته العلمية، والمنهجية والفكرية، وأضحت أمتنا تعاني مشاكل معقدة مركبة من الاستبداد السياسي، والتبعية والاستلاب والتغريب، والفساد الإداري والظلم الاجتماعي، والتخلف العلمي والتقني، مما سبب حالة من الشلل الحضاري، والقصور في العطاء؛ بل في الفهم والاستيعاب لطبيعة الأزمة " (3).

ويستطرد المؤلف فيقول: وانشغل العقل المسلم بمعرفة العلل وتشخيصها، وتتابع المصلحون، والنابهون من الدعاة والعلماء، على مشروع النهوض والعودة إلى المنابع، في إطار واقع الأمة، وفى ضوء الفهم الصحيح لأصول الإسلام، مستخدمين المنهج الصحيح في التفكير، والنظر، والتحمل، والتلقي، والنقد والمراجعة، والجميع متفقون على ضرورة إعادة بناء النسق الفكري والمعرفي للأمة ؛ كي يستعيد العقل الإسلامي عافيته فيشارك في المشروع الحضاري للأمة الوسط التي تتصف بالخيرية، والشهود الحضاري، وتستعيد المعرفة الإسلامية الواعية بكافة أنساقها بناءها، ويتبوأ الاجتهاد دوره في واقع الأمة التي تحاول النهوض (4).

ومن هذا المنطلق ينصحنا المؤلف في هذا الكتاب بأنه يجب أن تُوجه الدراسات الحديثية والتفسيرية، إلى الفهم الصحيح الواعي المنضبط للإسلام كدين وتشريع، ولفقهه كنتاج إنساني، ولفكره وتراثه كمعارف بشرية، هو الخطوة الأهم في بناء ذلك النسق الفكري الذي يسعى إليه المصلحون، كما أن تحديد طرائق ومعايير النقد للنصوص يساعد في بناء النظام المعرفي للإسلام .

هذا الفهم الصحيح في نظر المؤلف يحتل المساحة الأولى في قضايا العلم، ووزن الرجال، ولذلك خير الناس من رزق الفهم.. لأن الفهم الصحيح من أهم مراحل العلم ودواعي تحمله، فالعلم لا بد فيه من نية، ثم استماع، ثم يكون الفهم والاستيعاب، وبعد ذلك يكون الحفظ فالعمل، وأخيرا النشر ص ستة

وثمة نقطة مهمة نود الإشارة ‘ليها هنا ألا وهي إيمان المؤلف القوي بأن:" أحكام الشرع ثابتة بالنص القرآني، أو بالحديث الثابت التي لا يتحمل إلا فهما واحدا، أما الأحكام الفقهية، أو أقوال الفقهاء واجتهاداتهم فهي كل ما أضيف إلى الفقه الإسلامي على مر العصور من أقوال مبنية على الاختلاف في فهم النصوص المحتملة، وعلى الاجتهاد المذهبي، أو الاجتهاد المطلق (5) .

فالمسلمون مدعوون للنظر العقلي فيما لديهم من نصوص محتملة في القرآن والسنة، والتي تستنبط منها الأحكام الفقهية، أما النصوص القطعية في القرآن والسنة كما يري المؤلف فهي مصدر للأحكام الشرعية (الفهم الواحد)، التي لا يجوز إعمال العقل فيها؛ وهذا يعني في نظر المؤلف أن احتمال الخطأ وارد في كل ما نقرأه إلا ما كان قرآناً، أو سنة ثابتة، واحتمال الخطأ في الفهم عن الله  وعن رسوله وارد ؛ ولذلك ينبغي للناظر في النص الديني أن يعيش محققا مدققا؛ لأن أقواله، وفهمه، واجتهاده، وتأويله – كل ذلك يبنى على الأدلة الشرعية المختلف فيها، وهي الأدلة التبعية، وليست كل هذه الأقوال على درجة واحدة من الصحة، فبينها الراجح والمرجوح، وربما كان من بينها ما هو خطأ، وبعضها أنتجته عقلية المتعصب المتحامل (6).

وهنا يصل المؤلف لحقيقة مهمة وهي أن التفسير كفهم للنص القرآني من أكثر العلوم الإسلامية التي أصابها الخلل، فهو يحتاج إلى جهد مضن، وعمل منظم حتى يقوم بدوره في بناء الفكر الإسلامي المعاصر الذي ينبغي تصحيح كل مساراته، فالحاجة أضحت ملحة لتبني فكرة موسوعة صحيحة للتفسير القرآني، تبتعد عن المذهبية أو المرحلية، تناسب الواقع الحضاري للأمة، وتكون قابلة لاستيعاب الفهوم المتجددة لكل ناظر في كتاب الله تعالى(7).

علاوة علي أن الإسلام دين سمح وسهل وفطري، وجموع المؤمنين به الذين عرفوه حق المعرفة يتعبدون بأحكامه في انقياد وإذعان، وهؤلاء يحتاجون إلى من يعينهم على الفهم الصحيح الخالي من التعقيد، وقضايا الخلاف التي لاتسمن، ولا تغني من جوع . إن سهولة هذا الدين هى من أهم أسباب انتشاره، وهنا نجد المؤلف يعترف بأن دراسته في هذا الكتاب تعول علي الإسلام الفطري الوسطي، انطلاقا من النص الشرعي بنوعيه: القرآن والسنة، وهما الوحي المتلو، وغير المتلو وهما مصدر الأحكام، وأساس التشريع، إنه الإسلام الذي لا تشوبه شائبة "(8).

وهنا المؤلف أراد أن يطبع كتابه بخصائص جعلته يرقي إلي مستوي علمي رفيع، ومكنته من الوصول وبذلك يمكن قراءة أهداف المؤلف في هدفين أساسيين، أو جعلهما في دافعين:

الدافع الأول: نظري معرفي، يقوم علي ضم الفروع والجزئيات بعضها إلي بعض، والتماس الروابط بينها، وصياغتها في صفة نظرية، وهو ما لا يعلم المؤلف أن أحدا قام به من قبل، لا في شئ محرر، ولا في كتاب مصنف، بل لم ير أحدا حام حوله طائر فكره، أو جعله غاية بحثه ونظره، فرسخ في ذهنه أن هذا أمر مستحسن إظهاره، وإبراز تعم فائدته، وبيان خفيت معالمه، وهذا الدافع قد نصفه بالهدف الأول لتأليف الكتاب، أو الدافع الظاهري أيضا.

الدافع الثاني: واقعي دعوي، يقوم كما يقول المؤلف:" علي تقديم حرية العقل في صفائه وتجرده وموضوعيته، وبحثه الدائب عن الصواب والحق؛ فإن شريعة الإسلام جاءت لتزكية النفس والتسامي بها، ولتنوير العقل وتوسيع سلطته ودائرته . إنَّ عقل الإنسان لا بد أن يكون حاضرًا وهو يمرُّ على السُّطور، وينبغي أن يكون على وعي أن هناك المقدس (الإلهي والنبوي)، وهناك البشري الإنساني (ومنه ما هو نبوي)، وينبغي أن يدرك أن الأفكار غير الأشخاص، وأن الرجال يُعرفون بالحق، ولا يُعرف الحق بالرجال (9)، ومن ثم فإن أمر التجديد الفقهي يحتاج إلى الوعي التام بالنص فقها وتنزيلا وتطبيقا، وليس الأمر أمر حفظ للنص، ثم استدعاء له في وقت ما، إن الأمر يحتاج إلى حسن الفقه والتلقي عن المصدرين الأصيلين (القرآن والسنة)، مع ضرورة التفرقة بين نص الدين، وفهم المفسر أو الشارح،والأخير محكوم عليه بالخطأ والصواب والاستدراك (10) ... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.................

الهوامش

1- أ. د. معتمد علي أحمد: الإسلام بين عصمة النص وضوابط نقد الفهم، مكتبة الآداب، القاهرة، 2011م، ص.11.

2- نفس المصدر، ص 329.

3- نفس المصدر، ص 5.

4- نفس المصدر، ص5.

5- نفس المصدر، ص8.

6- نفس المصدر، ص9.

7- نفس المصدر، ص 10.

8- نفس المصدر، ص 12.

9- نفس المصدر، ص 333.

10- نفس المصدر، ص 334.

 

نضير الخزرجيربما يجد البعض أنَّ في طرق أبواب التاريخ القريب والبعيد هروبا من الواقع وتداعياته، فيرتمي بنفسيته المتعبة على أريكة الماضي ليس استذكارا واستعباراً وهو يحملق بعيني الإستطلاع في سقف الحوادث والسوانح، وإنما خلوداً برزخيا بين طيات وسادة الوقائع عن عالم لا يريد تذكراه ويأمل نسيانه.

ولكن أنى له ذلك وأوتاد التاريخ ضاربة بجرانها على أرضية واقعه لا تحول عنه فكاكا قابضة على رقبته كعاقلة البعير، ما له من الأمر إلا أن يقبل التاريخ والواقع معا بحلوه ومرِّه، قبول ناظر فطين، يستعبر من التاريخ حتى يكون على عبور الواقع بمرارته أقدر، على أن التاريخ في سجله صفحات بيض وأخرى سود وما بينهما ألوان قوس قزح، فالتاريخ لوحة تشكيلية متعددة الألوان شكلت خطوطها الدقيقة والعريضة أنامل الزمن بخيار الرعية وأشرارها وأشرار الرعاة وخيارهم.

مع إطلالة العام الميلادي الجديد 2021م صدر في بيروت عن بيت العلم للنابهين في 112 صفحة كتيب (الإسلام في أميركا) للفقيه المحقق آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي، أعده للطبع الأديب العراقي الشيخ محمد فلاح العطار المقيم في لوس أنجلوس منذ ثلاثة عقود بعد أن استقطع الصفحات (377- 420) من الجزء الثاني من كتاب "معجم المشاريع الحسينية" للكرباسي الصادر في لندن عن المركز الحسيني للدراسات سنة 2015م في 638 صفحة من القطع الوزيري

صدور هذا الكتاب ساقنى إلى تحرير هذه المقدمة القصيرة عن التاريخ، لأن ما حرره المؤلف يقود القارئ إلى سبر التاريخ والإرهاصات الأولى إلى تكوين ما يعرف اليوم بالقوة العظمى (الولايات المتحدة الأميركية)، إرهاصات فيها من الصور المظلمة ما تجعل النفس غير قادرة على هضم ما أقدمت عليه ماكنة الحروب الأولى من إبادة جماعية لسكان أميركا الأصليين، وما جاءت بها سفن العبيد من ملايين البشر من أفريقيا إلى هذه القارة البعيدة الواقعة بين المحيط الأطلسي شرقا والهادي غربا.

ولأني كقارئ أولده الزمان في الشرق الأوسط وتحديداً في رئته (العراق)، تراني وبعفوية انتقل ذهني من كتاب (الإسلام في أميركا) للكرباسي المولود في كربلاء المقدسة سنة 1947م إلى كتاب (المثل العليا في الإسلام لا في بحمدون) للمرجع الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء المولود في النجف الأشرف والمتوفى سنة 1954م، وما بين صدور الكتابين ستة عقود هي كل سني حياتي في هذه العاجلة حتى الآن.

عندما انتهيت من الصفحة الأخيرة مما جاد به قلم الكرباسي آلمني ما ناله سكان أميركا من أذى وما حفَّ تاريخ اكتشاف القارة من تزوير وتحريف، وكلما تناهى إلى المسمع إسم أميركا أدرك حجم معاناة الشعب العربي والمسلم من جراء السياسات الأميركية في الشرق الأوسط منذ النصف الأول من القرن العشرين الماضي وحتى اليوم كما وضع إصبعه على جرحها الشيخ كاشف الغطاء في كتابه الذي حرره ردًا على جمعية أصدقاء الشرق الأوسط الأميركية (American Friends of the Middle East) التي تأسست في  نيويورك سنة 1951م بخطاب الدعوة الموجه إليه في 15/3/1954م من نائب رئيس الجمعية غارلند إيفانز هوبكنز (Garland Evans Hopkins) المتوفى سنة 1965م لحضور مؤتمر حوار الأديان في بلدة بحمدون بلبنان.

وفي خطاب الرد القاصم أطلق الشيخ كاشف الغطاء على قادة الحروب في واشنطن وصف "شياطين الأبالسة" قبل أن يطلق مؤسس الجمهورية الإسلامية في إيراني السيد روح الله الخميني على أميركا الشيطان الكبير "شيطان بزرگ" منتقدا بشدة ساسة البيت الأبيض دون الشعب الأميركي.

أميركا .. النشأة

2324 الاسلام في امريكايعود تاريخ القارة الأميركية إلى سنة 1492م، وهو العام الذي نزل فيه تحت العلم الإسباني المبشِّر والرحالة الإيطالي كريستوفر كولومبوس (Christopher Columbus) المتوفى سنة 1506م شواطئ سان سلفادور، وفي العام 1507م أُطلق على القارة إسم أميركا نسبة للمبشر والرحالة الإيطالي أميركو فسبوبتشي (Amerigo Vespucci) المتوفى سنة 1512م.

هذا التاريخ الذي عليه الخرائط والمصنفات الأوروبية لا يلغي تاريخا أقدم من هذا بمئات أو آلاف السنين لشعب عاش بين كنف هذه القارة ووديانها وأنهارها، يلاحق الكرباسي في مصنفه تاريخ وجوده ونشأته وما جرى عليه من ويلات منذ أن مدّ الأوروبيون منذ القرن الخامس عشر الميلادي أذرعهم إلى هذه القارة.

ويغوص الكتاب في التفاصيل لينتهي إلى أن الولايات المتحدة الأميركية في الوقت الحاضر التي يبلغ نفوسها نحو 330 مليون نسمة تتشكل من خمس مجموعات بشرية أميركية أصالة ومتأمركة، وهم على النحو التالي:

الجنس الأحمر: وهم سكان أميركا الأصليون الذين لم يبق منهم إلاّ مليونا إنسان، وهم متوزعون على الولايات.

الجنس الأسود: وهم المهاجرون الزنوج الذي رُحِّلوا من بلادهم في القارة الأفريقية بغرض الإستعباد وتعزيز إقتصاد الإقطاعيين والسماسرة والشركات الكبرى.

الجنس الأصفر: وهم من أصول صينة والأسكيمو الذين نزح آباؤهم إلى هذه القارة طلبا للعمل.

الجنس الأدَمي: وهم الذين هاجروا إليها من الشرق الأوسط وما جاورها لطلب العمل والتعليم وهروبا من الإضطهاد والحروب الداخلية في بلدانهم.

الجنس الأبيض: وهم الأوروبيون الذين انتشروا في البلاد وسيطروا عليها منذ القرن الخامس عشر الميلادي.

وحيث كان السكان البيض يشكلون نهاية القرن الثامن عشر الميلادي نحو 83 في المائة من سكان أميركا و13 في المائة للسود و4 في المائة من الآسيويين، فإن النسبة في بداية الألفية الثالثة انحدرت بشكل كبير إلى 70 في المائة للبيض و20.16 في المائة للسود والبقية للمجموعات البشرية الآسيوية، ويؤكد المعد الشيخ العطار بأن الجنس الأبيض في الوقت الحاضر يشكلون 60 في المائة من سكان أميركا.

وهذا التحول الكبير في التركيبة السكانية يمكن قراءته بوضوح من خلال إنتخاب المجتمع الأميركي لأول مرة رئيس أسود هو باراك حسين أوباما (Barack Hussein Obama) الذي حكم أميركا لدورتين في الفترة (20/1/2009- 20/1/2017م).

رسوا بسفنهم هناك

يميل المؤلف إلى أن المسلمين عرفوا القارة الأميركية قبل أن يتعرف عليها كولومبوس أو فسبوتشي بنحو قرنين من الزمان، وأنهم كانوا هناك، كما وأن كولومبوس كان مع قافلته البحرية عدد من المسلمين والغرض من ذلك كما يفيد أن: (بعض المصادر الأخرى تشير أن الهنود الحمر كانوا يتكلمون العربية بالإضافة إلى لغتهم فجلب كولومبوس في سفرته الثانية إلى القارة الأميركية بعض المسلمين الإسبان ممن يتكلمون العربية والإسبانية بغرض التفاهم معهم)، كما أن كولومبوس: (عندما وصل بسفينته إلى كوبا في محرم 898هـ - تشرين الثاني 1492م- شاهد أثراً لمسجد على قمة أحد الجبال وله مآذن ونقوش ومكتوب على جدرانه بعض الكتابات العربية).

ويشير المؤلف واستناداً إلى ما ورد في مجلة المقتطف المصرية في عددي آب أغسطس 1926م وشباط فبراير 1945م عن مجلة العالم اليوم (The World Today magazine) إلى وجود كلمات عربية في لغة الهنود الحمر تعود إلى العام 1290م أي قبل اكتشاف كولومبوس لكوبا والأميركتين بمائتي عام.

 بل وبعض المصادر ترجع معرفة سكان شمال أفريقيا بالقارة الأميركية إلى ما قبل الميلاد بثلاثة قرون، وفي أحسن الفروض أن مستكشفين مسلمين من المغرب وآخرين من مالي سبقوا إسبانيا في اكتشاف القارة الأميركية بنحو 180 عاماً، فيما ترى بعض المصادر أن سقوط الدولة الإسلامية في قرطبة سنة 1236م وإشبيلية سنة 1248هـ وغرناطة سنة 1492م وإضطهاد الكنيسة للمسلمين وتخييرهم بين الموت صبراً أو الدخول في دين المسيحية أجبرت البعض منهم على الإمخار في ظلمات المحيط والوصول الى شواطئ القارة الأميركية.

ومن المفارقات أنَّ الإضطهاد الذي مورس بالضد من مسلمي إسبانيا في القرن الخامس عشر الميلادي وما قبله ودفعهم إلى اللجوء نحو القارة الأميركية، يتكرر في القرنين العشرين والواحد والعشرين، كما يشير إلى ذلك المحقق الكرباسي وهو في معرض الحديث عن تزايد هجرات العرب والمسلمين من آسيا وأفريقيا بسبب: (إرتفاع نسبة الإضطهاد الأمني والسياسي والفكري والإقتصادي من مجمل الأقطار الإسلامية) وهي بلدان أنظمتها في أكثرها من صنائع السياسة الغربية والأميركية.

نمو صاعد

تزايد الهجرات بين فترة وأخرى في صفوف المسلمين جعل الإسلام أكثر نموا في أميركا يصاحبه في ذلك زيادة الأميركيين الداخلين في الإسلام من كل الأجناس، وحسب تعبير الشيخ العطار في تعليقه: "إنَّ الذين يتحولون إلى الإسلام في الغالب لأسباب عدة هي: إنهم لا يعتقدون بالمسيحية، أو التزاوج من الجنسين، أو بسبب قراءتهم للقرآن والتمعن فيه، وعدد اليهود المتحولين قلة جداً، هذا فإن عدد المتحولين في الأعم الأغلب نصفهم من البشرة البيضاء والنصف الآخر من البشرة السمراء وفي الغالب سببه الإضطهاد"، والمعد بهذا يؤكد ما ذهب إليه المؤلف بأن: (من أسباب تنامي عدد المسلمين وتضاعف نفوسهم في الولايات المتحدة الأميركية هو الإضطهاد الذي مورس بحق الجنس البشري الأسود، وسحق حقوقهم، وقد وجدوا في الإسلام روح التساوي ونبذ العنصرية واحترام حقوق جميع شرائح الشعب فتوجهوا نحو الإسلام واعتبروه مصدر قوة لهم).

في الواقع لا توجد أرقام معتد بها عن عدد المسلمين في أميركا الا ما تورده بعض المؤسسات المسيحية او المسلمة، ففي العام 2010م ذكروا أن نسبة المسلمين هي 0.9% من السكان إلى جانب 70.% للمسيحية و 1.9% لليهودية، و22.8% لا دين، و0.7% للبوذية ومثلها للهنودسية، أي أن المسلمين يأتون في المرتبة الثالثة، في حين أن المؤلف ذكر أن نسبة المسلمين في عام 1993م هو 5.48% من مجموع 274 مليون أميركي، ومع ارتفاع عدد السكان فإن نسبة المسلمين ازدادت بشكل مضطرد بسبب الهجرة والتحول والتوالد، ويعتقد المؤلف بوجود دوائر أميركية تعمل بشكل حثيث على تقليل عدد المسلمين والوقوف أمام تناميهم في المجتمع الأميركي، ويؤيده في ذلك الشيخ العطار الذي هو على احتكاك مباشر مع المجتمع بحكم مركزه الإجتماعي والديني إماما للجمعة والجماعة في المركز الحسيني في لوس أنجلوس حيث يؤكد: "إن النسب التي تعلن رسمية ليست بصحيحة لأنها مسيسة لصالح جهات هي على تضاد مع المسلمين، ولذلك لابد من الإنتباه إلى أن عدد المسلمين هو أكثر بكثير مما يعلن، إن الإسلام هو ثاني أكبر دين بعد المسيحية، وعلى سبيل المثال فإن الجالية اليهودية لا يتجاوز عددهم خمسة ملايين ولكن الإعلام يذكر بأن نفوسهم يتجاوز اثني عشر مليونا وربما ذكر أكثر من خمسة عشر مليونا".

هذه النمو في عدد مسلمي أميركا توثقها الزيادة الملحوظة في عدد المساجد والجوامع والمراكز والمؤسسات الدينية، ففي العام 2002م بلغ عدد دور العبادة (1209) مساجد و(173) مدرسة إسلامية، ومع نهاية العام 2020م فإن عدد المؤسسات الإسلامية في عموم أميركا المعترف بها بين مسجد وحسينية ومركز بلغ (4000) أربعة آلاف كما يؤكد المعد مضيفا: أما غير المعترف بها فحدث ولا حرج وأكثر من 450 مركزاً خاصاً بالمسلمين الشيعة، وفي ولاية كاليفورنيا وحدها يوجد (40) مركزاً يحيي ذكرى عاشوراء إلى جانب 150 مسجداً مما يشكل المسلمون في عموم كاليفورنيا الأكثر نفوسا تأتي بعدها نيويورك.

ومن مظاهر هذا النمو فوز المحامية الفلسطينية الأصل السيدة رشيدة حربي طليب بمقعد في مجلس النواب عن الحزب الديمقراطي الأميركي لولاية ميشيغن لتصبح أول مسلمة في تاريخ المجالس التشريعية في أميركا، ومثلها السيد ألحان عبد الله عمر الصومالية الأصل التي نالت مقعدا في مجلس النواب عن ولاية مينيسوتا.

وهذا الواقع المتغير في التركيبة الإجتماعية الأميركية هو الذي جعل الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلنتون يقرر الإحتفال في البيت الأبيض بذكرى حلول شهر رمضان الفضيل باقامة وليمة إفطار كل عام وتبعه بوش الثاني ثم أوباما وألغاه الرئيس السابق دونالد ترامب عام 2017م.

لاشكَّ أن الكثرة العددية أمر حسن، ولكن الفعل هو الأكثر تأثيراً حتى وإن جاءت من أقلية، وعندما يأخذ قادة أميركا مصالح المسلمين في الداخل والخارج بنظر الإعتبار عند ذاك نستبشر خيراً، وإلا فإن حديث الشيخ كاشف الغطاء في (المثل العليا) يبقى قائما وهو يخاطب ساسة البيت الأبيض: (ما أدري هل تنخدع الدول العربية بوعودكم الخلابة الكاذبة، وبالاسلحة الرمزية المزيفة، وبالمساعدات الدولارية المبهرجة التي برهنت التجارب انها كالسراب إذا جاءه العطشان لم يجده شيئاً، تدفع أمريكا دولاراً واحداً لتأخذ عوضه عشرة بل مائة ... وكيف نعتمد على الدول الاستعمارية لتسليحنا، وهل حقا يريدون تسليحنا وهم أعداؤنا ونحن أعداؤهم. فهل يطمئن الشخص ويعطي سلاحه الى عدوه، نحن أعداء الحكومات الاستعمارية بالطبع ولسنا أعداء شعوبها ... أما نحن فلا تربطنا بأمريكا والدول الاستعمارية أية مصلحة هم يريدون لنا الفقر والجهل والتأخر في شتى النواحي، في التسلح والعمران والزراعة والصناعة لنبقى خاضعين لهم وراضين بنهب ثروات بلادنا الطبيعية، ونحن نريد العلم والسعادة والتقدم... هم يريدون لنا التفرق والتفكك والتخاصم، ونحن نريد الاتحاد والاخاء، وهم يريدون الحروب والفتن والثروات، ونحن نريد السلم والأمن)، نعم كما يؤكد الشيخ كاشف الغطاء: (يمكن ان نتعاون مع الدول الغربية عندما تأتي حكومات تحسن النية معنا ويظهر لنا بوضوح تغيير سياستها)، وتنامي قوة المسلمين في الداخل الأميركي له أن يقرب زمن هذا التعاون البناء القائم على قاعدة الإحترام المتبادل.

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

 

عبد الحسين شعبانمقدمّة كتاب: بيني وبين نفسي.. لمحمد السعدي

حين طلب منّي الرفيق محمد السعدي "أبو بيدر" كتابة مقدّمة لكتابه الجديد "بيني وبين نفسي - حكايات من الأرشيف الشخصي للحركة الشيوعيّة العراقية"؛ عدت إلى قراءة كتابه السابق "سجين الشعبة الخامسة"، لارتباط الكتابين بتجربة شخصيّة لمناضل في صفوف الحركة الشيوعية، سواء في حركة الأنصار أم في ظروف العمل السرّي، في فترة من أخطر المراحل السياسيّة في تاريخ العراق؛ ولعلّ تجربته الغنيّة هي جزء من تجارب شخصية لمناضلين شيوعيين في مستويات مختلفة، ومن مواقع عمل عديدة، تبقى بحاجة إلى دراسة ومراجعة وتمحيص وتدقيق ونقد لأخذ العِبرة منها بما لها وما عليها.

ويروي محمد السعدي كيف وقع في فخّ الاستخبارات العسكرية في العام 1987 بخديعة أو تواطؤ أو قُصر نظرٍ على أقلّ تقدير، لا فرْقَ في ذلك فقد كان لُقمة سائغة بيدِ الخصم، ليجد نفسه "نزيلًا" في الشعبة الخامسة لمدة 87 يومًا تعرّض فيها لأنواعٍ شتّى من التعذيب، وضغوط جسدية ونفسية اضطر فيها الاعتراف بمهمّته والكشف عنها، حيث اقتيد إلى "محكمة الثورة" مع 7 أو 8 أشخاص من حزب الدعوة، ومن حُسن الصُدف كما يقول أن تأجّل البتّ في قضاياهم، فأعيدوا من حيث أتوا لتتمّ مساومته بإطلاق سراحه مقابل التعهد بالعمل لصالح الاستخبارات العسكرية، وهي طريقة اتّبعت في الكثير من الأحيان مع من يلقى القبض عليهم، خصوصًا ممّن كانوا يتوجّهون إلى داخل العراق لإعادة بناء التنظيم، وفي الكثير من الأحيان كان هؤلاء تحت عين الأجهزة الأمنية بأنواعها واختصاصاتها التي غالبًا ما كانت تخترق خطوطًا حزبيّة وتتغلغل فيها وتسهّل مهمّاتها لتكون في حدود السيطرة باللحظة المعنيّة، وقد استدرجت إدارات حزبية متقدمة وهيّأت لها أماكن إقامة و"بيوت حزبية" راصدة جميع تحرّكاتها واتصالاتها متعقّبة أثرها، في أكبر عمليّة اختراق في مطلع التسعينات.

كتابَا الرفيق أبو بيدر جعلاني أتوقّف عندهما، في مراجعة محطات مهمّة من تجربته الشخصية، خصوصًا وأنّهما يكمّلان بعضهما البعض ويتداخلان أحيانًا في بعض التفاصيل، بل أنّ تكرار المشاهد يجعلك تتصوّر أنّك تقرأ في كتاب واحد، وإن جاء كتابه الذي أتحدّث عنه ليستعيد فيه طفولته ونشأته وحياته في قرية "الهويدر"، حيث بساتين البرتقال والأشجار الباسقة، والمقاهي الشعبية والأصدقاء وحركة الناس، لينتقل إلى بدايات وعيه السياسي واندفاعاته وحماساته وتطلّعاته ومدارسه في إطار تأمّلات سوسيولوجيّة ولفتات ذكيّة ومواقف لا تخلو من أخطاء ومراجعات ونقد، ومن ثمّ تناول بدايات نشاطاته الطلّابية والنواتات الحزبية والمواجهات المباشرة وغير المباشرة في إطار الاصطفافات السياسية في القرية مع البعثيّين ومنظّماتهم أيام الجبهة الوطنية التي انفرط عقدها في أواخر العام 1978 والثلث الأول من العام 1979.

ولعلّ المرحلة الثانية من نشاطاته وحركّيته جاءت حين انتقل إلى بغداد للالتحاق بالجامعة في العام 1980 والتي تداخلت مع الحرب العراقية - الإيرانية، حيث انتظم في نواةٍ شيوعية أطلق عليها "منظمة الصدى" ليلتحق بقوات الأنصار في العام 1983، وهنا يستعيد أسماء الشهداء ويُعدّد المواقع والقرى الكردية وخطوط التواصل وحياة الأنصار والصعوبات التي يمرّون بها والبطولات التي يجترحونها والتضحيات التي يقدّمونها، ثمّ يخبرنا عن تكليفه بالتسلّل إلى بغداد في مهمّات خاصّة يستغرب هو الآن تنفيذها بكل رحابة صدرٍ وكأنّه يتوجّه إلى نزهة، في حين أن الموت كان ينتظره عند أيّ منعطف أو محطة ولأيّ خطأ يقوم بارتكابه أو سهو يقع فيه، ويذكر الحِرمانات التي عاشها دون أن ينسى تلك الرومانسية الحزينة التي لم تتركه، ودون أن يهمل الأخطاء والعيوب والإخفاقات والبيروقراطية وإسقاط الرغبات على الواقع.

ويتوقف السعدي بذهول أحيانًا عند بعض المحطات المهمّة في تجربته الفتيّة، حين التقى بعض قادة الحزب الذين كان يسمع عنهم، ومنهم أمين عام الحزب الأسبق بهاء الدين نوري (من العام 1949 وحتى العام 1953) الذي تمّ عزله ومقاطعته اجتماعيًّا والتشهير به، وكيف كان "يخاطر" بالذهاب إليه والإلتقاء به، ويستعرض بشكل متفرّق حيثيّات ما حصل في بشتاشان حين شنّ الاتحاد الوطني الكردستاني "أوك" هجومًا غادرًا ضدّ أنصار الحزب الشيوعي راحَ ضحيّته عشرات الرفاق ويتناول الحساسيات التي حصلت جرّاء مواقف البعض الضعيفة.

أمّا بخصوص المؤتمر الرابع للحزب فيتناول تعقيداته وملابساته وما أثاره من انقسامات، خصوصًا في التحضير له حين ألقى عزيز محمد (الأمين العام للحزب حينها) كلمة قال فيها "اجتمعنا ليُلغي نصفنا النصف الآخر"، واتّضح أنّها خطّة للتضحية والتفريط بقيادات تاريخية وكوادر متقدّمة ومجرّبة بسبب وُجهات نظرها الفكرية والسياسية، لا سيّما بصدد الموقف من الحرب العراقية - الإيرانية، كما يسلّط الضوء على الاختراقات العديدة لأجهزة المخابرات والأمن العراقية التي تمّ اكتشاف بعضها والتحقيق مع عدد من المتّهمين بعد إخضاعهم للتعذيب، حيث اعترفوا بتعاونهم مع الأجهزة العراقية، وصدر قرار بإعدامهم دون أن يذكر مصدر هذا القرار ومَن قام بتنفيذه لكنّه يلمّح له، علمًا بأن ثمّة أسماء تردّدت على هذا الصعيد من خلال روايات عديدة لم يتمّ الإفصاح عنها أو كشفها على الرغم من مرور ثلاثة عقود ونيّف من الزمان.

وبعد إطلاق سراحه بالمساومة المذكورة وجدها فرصة مناسبة للهرب في اليوم التالي والوصول إلى مدينة كفري في كركوك حيث حلّ ضيفًا على عطاالله الطالباني مدير بلديّتها الذي كانت تربطه به علاقة سابقة عبر نجله آشتي رفيقه الذي كان يلتقيه في المعهد البريطاني في بغداد، وهناك التقى مكرّم الطالباني (القيادي الشيوعي السابق) وقصّ عليه ما حصل له، فشجّعه على ذلك ونصحه بالابتعاد عن كل ما له علاقة بتلك الأجواء، وهكذا إلتحق بالجبل مرّة أخرى ليروي ما جرى له لقيادة الحزب وللرفيق طه صفوك (أبو ناصر) الذي اعتُبر من العشرة "المبشّرين بالجنّة" الذين اختارهم عزيز محمد ليصبحوا أعضاء في اللجنة المركزية دون أن يعلن عنهم بحجّة العمل السرّي، لكن الدنيا ضاقت بالسعدي بعد أشهر وأخذ يفكّر بترك موقعه والتوجه إلى الخارج فعسى أن يجد في حياته الجديدة ما يعوّضه عمّا تعرّض له وما خسره وما عاناه خلال اعتقاله، إلّا أنّه فوجئ بعدم تقديم أيّ مساعدة له، فاتّخذ قراره بعبور الحدود إلى إيران معتمدًا على نفسه وعلى بعض الأنصار من أصدقائه ومن بيشمركة الأحزاب الكردية، ومن هناك رتّب أموره ووصل إلى سوريا واستقرّ فيها لبضعة أشهر وحصل على جواز سفر يمنيّ بواسطة عامر عبدالله ومنها توجّه إلى براغ ومن الأخيرة إلى السويد طالبًا اللجوء السياسي ليستقرّ في مدينة مالمو منذ العام 1989 وحتى الآن، وهي رحلة شاقة ومضنية قطعها مئات الرفاق الذين وجدوا أنفسهم في المنافي البعيدة بعد تبدّد أحلامهم وتشتّت شملهم.

- I I -

 أربع ملاحظات أساسية أتوقف عندها خارج الآراء السياسية أو الحزبية التي وردت في الكتابين، سواء بالاتفّاق أو بالاختلاف أو بالتناول والتقويم.

أوّلها - الكتابان عرّفاني بالرفيق محمد السعدي أكثر ممّا أعرفه، وكنت أوّل مرّة قد تعرّفت عليه بواسطة الرفيق عامر عبدالله الذي استقبله في الشام ليستمع إلى تجربته المؤلمة، فضلًا عن كون الشهيد الجنرال خزعل السعدي خاله، إضافةً إلى معرفة لاحقة بواسطة الرفيق طه صفوك "أبو ناصر"، واكتشفت أنّ لديه رغبة في التعلّم وحبّ المعرفة، والمعرفة حسب كارل ماركس تعني "الذهاب للقاء بالواقع". وقد حاول السعدي في الكتابين أن يعرض تجربته بأسلوب قصصي لا يخلو من حبكة دراميّة واستخدم الحكاية بطريقة موحية، وقد جاء الكتابان بصيغة مجموعة حكايات أو قصص أو حتّى أقصوصات منفصلة ومتّصلة أحيانًا في إطار هارموني متآلف ومتخالف أيضًا، وهو أسلوب استخدمه للتخفيف من عبء الكتابة بمعناها الحرفي والمهني دون أيّ ادّعاءات أو تضخيم للذات.

وثانيهما - امتاز محمد السعدي بجرأة وشجاعة نادرتَين بكتابه الأول والثاني، حين اعترف بالكثير من أخطائه ومثالبه وعيوبه، ومنها تعاونه مع أجهزة الاستخبارات العسكرية حين تمّ اعتقاله وذلك إنقاذًا لنفسه بعد أن لم يتمكن من الصمود في التعذيب إلى النهاية، حيث قرّر قبول عرض الاستخبارات بعد أن رفضه في السابق بإصرار، ولكنّه في الوقت نفسه قرّر تضليلها ثمّ الهروب في أوّل فرصة سُنحت له إلى الجبل مرّة ثانية وإخبار الحزب بجميع التفاصيل التي جرت له، خصوصًا وأنه يمتلك خزينًا هائلًا من المعلومات عن بعض من أُلقي القبض عليهم وتعاونوا مع الأجهزة الأمنية، ويعتقد أنّ قسمًا منهم أخفى المعلومات عن الحزب وهو ما يزال يعمل في مواقع متقدّمة دون أن يبلّغ عن ذلك، علمًا بأنّ من يُلقى القبض عليه وتتم مساومته ويوافق على ذلك يُطلق سراحه بسرعة ليعود إلى وضعه الطبيعي وكأنّ شيئًا لم يكن، حيث يكون نقطة استقطاب لكشف المزيد من الذين يكلّفون بمهمات داخل العراق فيكون تحت علم وبصر الأجهزة الأمنية.

وكما يقول أبا بيدر فإن الغالبية الساحقة من الذين توجّهوا إلى الداخل وقعوا في شرك الأجهزة الأمنية، قسم منهم استشهد والقسم الآخر أُطلق سراحه باتفاقات معها، وعلى هذا الصعيد يذكر العديد من الأسماء وبعض مهمّاتها واستدراجاتها، وتحفظُ ذاكرته أسماء عشرات الشهيدات والشهداء الذين ذهبوا ضحيّة الغدر والخيانة وضعف اليقظة، ويتناول أخطاء بعض إداريّي الحزب وصراعاتهم ومنافساتهم غير المبدئية التي سهّلت على هؤلاء الذين عملوا لمصلحة الأجهزة الأمنية التحرّك بحرّية، بل إن البعض كان يُبدي إعجابًا بشجاعتهم، ولولا بعض المصادفات لكان هؤلاء قد استمرّوا وألحقوا أضرارًا لا يعلم بها إلّا الله مُستدرجين عشرات آخرين من الرفاق.

وثالثها - أنّه ينتقد تجربته، لا سيّما مشاركته في التحقيق "الحراسة" ضدّ آخرين أو قبوله بفكرة تعذيب آخرين لانتزاع اعترافات منهم، سواءً كانوا يعملون لمصلحة الأجهزة الأمنية أم رفاق اتّهموا بالتكتل أو الاحتجاج ضدّ ممارسات بيروقراطية وسياسات خاطئة، كما حصل للضحيّة المغدور مشتاق جابر عبدالله "من مدينة الثورة" واسمه الحركيّ "منتصر" الذي استشهد تحت التعذيب على أيدي رفاقه، وستّار غانم "سامي حركات" الذي استشهد خلال تسلّله إلى الداخل على يد المخابرات العراقية، وأحمد الناصري "أمين" الذي هو أحد الشهود الأحياء على ما حصل له ولرفاقه من سوء معاملة وتعذيب، وسبق له أن روى قصته ومفارقات تعذيبه على أيدي البعثيّين وعلى أيدي رفاقه الشيوعيّين. ويذكر محمد السعدي عددًا من الأسماء التي شاركت بالتعذيب أو التحقيق وفي اتخاذ القرارات صراحةً أو تلميحًا، وكان الرفيق قاسم سلمان "أبو الجاسم" قد عرض أدوات التعذيب والوسائل التي استُخدمت لانتزاع اعترافات من الرفاق المعارضين أمام الرفيق عزيز محمد (الأمين العام الأسبق) في اجتماع أمام جمع من الرفاق الأنصار، وهو ما تمّ تداوله في حينها ونشرته بعض المطبوعات الحزبية.

ورابعها - إنّه يشخّص عددًا من المسؤولين عن النواقص والعيوب والثغرات بما فيها الأمنية إمّا لعدم خبرتهم أو قلّة معرفتهم أو حتى جهلهم، ناهيك عن أنّ بعضهم يريد تحقيق مكاسب أو منجزات ليُدرج ذلك في سجلّه الشخصي. ويعرض السعدي حكايات وقصصًا عن الاختراقات وبدائيّة التعامل معها، حيث يتناول سذاجة بعض المسؤولين وانفصالهم عن الواقع، ناهيك عن "المغامرة" بالرفاق تحت عنوان إعادة التنظيم، وحسب بعض التقديرات، فإنّ بضع عشرات من هؤلاء غيّبوا في السجون ولم يُعرف مصيرهم حتى الآن، بمن فيهم رفيقات بطلات، دون أن تكون النتائج مُجزية، وكان يمكن ادّخارهم لليوم المناسب. وهكذا لم تكن حسابات الحقل منسجمة أو حتى متوازية مع حسابات البيدر، ولكن الغريب هو الإصرار بعد كل هذه الخسائر على إرسال الرفاق إلى الداخل كما يقول.

- I I I -

في الكتابين دعوة للنقد الذاتي لكشف الحقيقة ومصارحة الرفاق والاعتذار لمن تمّت الإساءة إليهم أو لعوائلهم في حالة استشهادهم، والكفّ عن مثل هذه الأساليب التي لا تخدم إلّا أعداء الحزب والشيوعيّة، وقد عبّر السعدي عن انتقاده الشديد لمن أنكر أو سكت معتبرًا ذلك تواطؤًا لا بدّ من كشفه وقد بدأ بانتقاد نفسه على ذلك، ويأمل أن يتحلّى آخرون بالشجاعة ليقولوا الحقيقة وهو ما استوضحتُهُ منه، وحسب شكسبير "فالحقيقة تُخجل حتى الشيطان"، وقد وجدت في اعترافه بأخطائه وندمه على القيام بذلك فضيلةً، وكما يقال "فالاعتراف بالخطأ فضيلة" وهو أوّل الطريق للمصارحة والمكاشفة بممارسة رياضة روحية مع النفس للتطهّر وعدم تكرار ما حصل.

ومهما كانت المبادئ سامية إلّا أنها تتعرّض للتشويه حينما تتحوّل إلى أيديولوجيا "صمّاء" وهي ما تستخدمه إدارات الأحزاب لتبرير انتهاكاتها، سواء كانت في السلطة أم خارجها، ولفرض هيمنتها، فحتى الأحلام الوردية واليوتوبيا ليست معصومة من ارتكاب الآثام والجرائم، ولعلّها ذاتها تصبح أداةً للجريمة طالما تضع الفكرة بمقام أسمى من الإنسان، وهذا الأخير حسب كارل ماركس "أعظم رأسمال"؛ ووفقًا للفيلسوف الإغريقي بروتوغراس "الإنسان مقياس كل شيء". ولعلّ التبرير بامتلاك الحقيقة وادّعاء الأفضليات يُعطي المسوّغ لبعض المتأدلجين باستخدام جميع الوسائل للوصول إلى غاياتهم عن طريق العنف أو الخداع والكذب والتدليس، إضافة إلى استغلال "إيمانيّة" و"براءة" البعض الذين يعتبرون ما يرِدهم "حقائق مطلقة" حتى دون أن تستفزّهم طوابير الضحايا، فالأمر ليس مهمًّا بقدر المستقبل المنشود.

وباختلاف الفعل عن الفكرة السامية أو القصد الأصلي تتّسع دائرة الافتراق بين الغاية والوسيلة، فلا غايات شريفة وعادلة دون وسائل شريفة وعادلة، فالوسيلة من شرف الغاية، علمًا بأنّ الوسيلة ملموسة وعملية في حين أنّ الغاية بعيدة ونظريّة وحسب المهاتما غاندي رائد المقاومة المدنية اللّاعنفية "الوسيلة إلى الغاية مثل البذرة إلى الشجرة" أي أنّهما مرتبطان عضويًا ولا يمكن فصلهما. 

بتقديري إنّ الممارسة هي مصدر كل حقيقة ومعيارها وفقًا لماركس، لأن النظرية لا تنفصل عن الفعل وهي حسب وصفه "توصل المجتمع إلى الوعي بذات المجتمع"، والممارسة تمثّل "حياة الفكرة" مثلما الأخيرة "دليل الممارسة" ومفتاحًا لكل الأقفال.

- IV -

إذا كان الرفيق أبي بيدر قد عانى أشد المعاناة وتركت تجربته تلك ندوبًا نفسيّة وجسديّة على حياته اللاحقة، إلّا أنها فتحت عينه على آفاق جديدة، وهو ما يتّضح من بعض استنتاجاته، سواء التي توصّل إليها أم تلك التي تترشّح من بين السطور، ومنها ما جدوى مثل تلك المغامرات؟، حيث تبقى تعتصر قلبه على فقدانه مقاعد الدراسة في كلية الآداب "قسم اللغة الروسية"، ويتذكّر عدد من أساتذته بمن فيهم حياة شرارة التي ودّعها حين قرّر الصعود إلى الجبل فعلّقت "إنت همْ راح تهرب مثل جماعتك؟" وهي الأخرى كانت عانت من مرارة علاقتها الشيوعية مع البيروقراطية الحزبية عند دراستها في موسكو، وضياء نافع وجليل كمال الدين ومحمد يونس الساعدي.

 لكنّ التعويض الأهم لكل تلك العذابات والمظالم بما فيها من ذوي القُربى "رفاق الدرب" جاءه من الحبيبة والزوجة التي مسحت دموعه ونوّرت حياته وأزهرت مستقبله، وكانت بمثابة البلسم الذي داوى جروحه، حيث ظلّ لسنوات، بل لحدّ اليوم يستيقظ مرعوبًا وفزِعًا حين يشاهد كوابيسًا مخيفة في أحلامه، ليجد زوجته (جنان) إلى جانبه، فتهدّئ من روعه وتناوله قدح ماء ليلتقط أنفاسه ويستعيد توازنه، خصوصًا بلمسة دافئة وكلمة حلوة.

- V -

تجربة محمد السعدي تُقرأ دون إسقاطات مُسبقة بالـ"مع" أو "ضد"، وحتى خارج نطاق السياسة لأنّها تجربة إنسانية وهي تصلح أن تكون فيلمًا دراميًّا بغضّ النظر عن سوداويّتها، فثمّة كوّة ضوء ويقظةٍ لأملٍ جديد وروح جديدة. إنها تجربة حيّة لنصيرٍ وشيوعيّ رواها بصدقيّة كما أعتقد، وسيكون مفيدًا لمن عايشه في تلك الفترة أن يدلي بدلوه بما تناوله من حكايات وسرديات، إن كان إضافة أو حذفًا أو تصحيحًا أو تدقيقًا أو حتى تخطئةً، لأنّني أعتقد أنّها تجربة تستحق القراءة والنقد هي ومثيلاتها، فقد حاول عرضها بطريقة لا تخلو من عفويّة وخارج دائرة القيود والتستّر.

لم يُهمل السعدي نقاط ضعفه ولم ينشغل بتلميع شخصه، ولم يدّعِ بطولة، بل عرضَ بعض مغامراته تلك بتلقائيّة لا تخلو من براءة وطفوليّة لاعتقاده أنه كان يقوم بعملٍ مهمّ يؤدّيه بإخلاص كواجبٍ محبّب، ولو استعدنا الزمن فإنّ ما فعله في تلك الأيام باعتباره عملًا اعتياديًّا سيتوقّف عنده كثيرًا، بل سيتردّد أكثر وربّما سوف لا يُقدم عليه لأنّه قد لا يجده ضروريًّا، بل إنّه انجراف غير محسوب النتائج، وتلك واحدة من دروس الحياة.

بتقديري، ليس المهم الحركة، بل لا بدّ معرفة ما الهدف من الحركة؟ وماذا يمكن أن تنتج؟ وكيف يمكن تحقيق الهدف؟ وهل الأساليب المُستخدمة تنسجم مع الواقع والتطوّر؟ فقد كانت الخسائر تكبر دون نتائج ملموسة تُذكر، وأستعيد هنا قولًا أثيرًا كان عزيز شريف (أبو عصام) غالبًا ما يردّده بعقلانيّته المعروفة: "نحن الشيوعيّين مثل واحد راكب درّاجة لا يريد أن يتوقف خوفًا من الوقوع ويبقى يتحرك بكل الاتجاهات، ولكن دون هدىً خشية من التوقّف"، أقول ذلك لأن على القائد السياسي أن يراجع نفسه باستمرار وخطط عمله وأساليبه وتكتيكاته كل يوم، بما لها وما عليها، خصوصًا وأن متغيّرات عديدة وسريعة تحصل وظروفًا وأوضاعًا كثيرة تتبدّل، وعليه التفكير والتحرك بطرق واقعيّة ورسم سياساته في ضوء المتغيّرات.

"أيّها السائر ليس ثمّة طريق.. السّير يصنع الطريق... كلّ شيء يمضي... كلّ شيء يبقى" حسب الشاعر الإسباني أنطونيو ماتشادو الذي توفّي في فرنسا هاربًا من حصار قوات فرانكو إلى مدريد بعد نشوب الحرب الأهلية الإسبانية؛ ولذلك على قيادات الأحزاب أن تبتدع طُرقها الخاصة بما في ذلك اختلاف مرحلة عن أخرى، فما كان يصلح لزمن الرفيق فهد ربّما لم يعد يصلح في زمن الرفيق سلام عادل، وما هو صالح في العهد الملكي ليس صالحًا في العهد الجمهوري على سبيل المثال، كما أنّ ما هو صالح للعهد الجمهوري الأول لم يعد مناسبًا لعهديّ البعث، سواء بالستراتيجيّة أم بالتكتيكات، وما يصلح في مواجهة أنظمة وطنية بما فيها فرديّة أم ديكتاتورية، ليس هو ما يصلح لمواجهة الاحتلال، فتغيّر الأحكام بتغيّر الأزمان.

في كتاب محمد السعدي ثمّة دهشة مستمرّة لكلّ ما حصل، وهي دهشة كبيرة ما تزال تتوالد أحيانًا، فقد كان يقيس حياته بما يحصل في قرية "الهويدر" وإلى حدٍّ ما في محافظة ديالى "بعقوبة" وحتى بغداد التي تردّد عليها طالبًا أو متسلّلًا ليعيد بناء التنظيم الجديد لم يعرفها كثيرًا، لكنّ قنديل الطفولة الذي بداخله يريد أن يبقى مضيئًا، وإذا به "لا يضيئ زنزانة خالية، بل يضيء كتابًا" حسب باشلار، فتلك الباقة من الحكايات والمرويّات أراد لها أن ترى النور، في منولوج داخلي بينه وبين نفسه ولمن يرغب في قراءتها؛ أو أنه كان يقيس حياته بملعقة القهوة وفقًا للشاعر ت.س.إليوت، وإذا بالحياة أكثر إدهاشًا وأشدّ تعقيدًا من كلِّ ذلك في مواجهة الجمال للقُبح والخير للشرّ والعدالة للظُلم والحقّ للباطل والعمران للخراب، لكن الخطأ والخطيئة ومحاولات إذلال الإنسان وجدت طريقها إلى تلك الدروب الوعرة والألغام الكثيرة والمرايا المحطّمة والمصائر المُحزنة، وهو ما يكشف عنه في أرشيفه الشخصي.

 

د. عبد الحسين شعبان

أكاديمي ومفكّر

 

 

 

عز الدين عنايةيفتتح الخبير الإيطالي في الشأن الفاتيكاني ماركو بوليتي كتابه المعنون بـ"البابا فرنسيس في عزلته" بفصل يتمحور حول مفهوم الألوهية عند البابا فرنسيس (برغوليو)، بعيدا عن الصياغات اللاهوتيّة الجامدة، بشأن الألوهية. مستعرضا الكاتب محاولات فرنسيس بناء معتقد حيوي منفتح، يرفض الانغلاق السائد والمزمِن في تصوّرات الكنيسة الكاثوليكية. ثمة تشاركية عَقَديّة يودّ فرنسيس ترسيخها في أوساط الكاثوليك خصوصا. إذ يدرك الرجل أنّ أتباع الكنيسة الكاثوليكية ممّن تربّوا داخل الكاتكيزم (أي التلقين الديني) قد تشبّعوا بما فيه الكفاية بأنّ معنى "أبناء الربّ" في المدلول الكاثوليكي الصرف، يعني المعمَّدين على الطريقة الكاثوليكية لا غير، وأن ما دونهم من أتباع المسيحيات الأخرى على ضلال، دون أن نتطرّق إلى أتباع الأديان الأخرى من مسلمين وهندوس وبوذيين وكنفشيوسيين بوصفهم أكثر من ضالين، وممن ينبغي جلبهم إلى المسيحية بكافة الطرق. هذا المفهوم العقدي الضيق السائد في التصورات الكاثوليكية، والمتمركِز حول مفهوم كريستولوجي للاعتقاد، يقلق البابا الحالي. ففي عصر الانفتاح والتواصل والتجاور الذي يعيشه عالمنا ما عاد الاعتقاد على ذلك النّحو الكاثوليكي الجامد مواكبا لتطورات التاريخ. يحاول فرنسيس إعادة بناء مفهوم الاعتقاد في الضمير المسيحي لاستيعاب التقاليد الأخرى بعيدا عن الهيمنة المتجذرة في التصورات الغربية، بأنّ الغرب على صواب وما دونه من حضارات أخرى على خطأ. ثمة رفض للسّكنى في العمارات اللاهوتية الجاهزة لدى البابا فرنسيس، كما يقول ماركو بوليتي. وتحوير زاوية النّظر العَقَدية للآخر من قِبل البابا ليست شيئا بسيطا أو هيّنا، وهو ما يخلق عزلة عَقَدية لفرنسيس في بيته وداخل كنيسته.

بهذا المدخل للحديث عن توجهات الباب على مستوى الاعتقاد، يحاول ماركو بوليتي رسم معالم العزلة التي يعيش فيها فرنسيس داخل الكنيسة وخارجها. فقد اختار الرجل الانفتاح العقدي على الأديان الأخرى دون مواربة أو لفّ أو دوارن، منذ إصدار إرشاده الرسوليّ الأوّل "فرح الإنجيل" (Evangelii Gaudium) (في 24 نوفمبر 2013)، حيث أكّد في مضامينه في ما يتعلّق بالمسلمين على "أنّ العلاقات مع أتباع الإسلام، في هذا العصر، تكتسي أهمية كبرى لحضورهم في سلسلة من البلدان ذات تقليد مسيحيّ، ومن حقّهم إقامة شعائرهم بحرية والعيش في كنف تلك المجتمعات بأمان. وأنّ هؤلاء المسلمين على إيمان إبراهيم، ويعبدون معنا الله الواحد، الرّحمن الرّحيم، الذي يدين النّاس في اليوم الآخر. وأن مرجعيات الإسلام المطهَّرة تتضمّن جوانب من تعاليم المسيحية؛ فالمسيح ومريم موقّران جليلان". لقد تضمّن الإرشاد الرسولي من جملة ما تضمّن دعوةً صريحة للمراجَعة، والتنبّه لما رسّخته المشاحنات الدينية في الأذهان أنّ المسلمين بمثابة عُبّاد إله آخر مغاير لإله المسيحيّين. حاول فرنسيس أن يشطب تلك الدعاية المضلِّلة وأن يعيد للتخاطب مع المسلمين نقاءه وصفاءه، مبرِزا أن اللّفظة المستخدَمة من قِبل المسيحيين العرب ومن قِبل المسلمين على حدّ سواء، في مجال الاعتقاد، هي ذاتها. وبشكل عام يحاول فرنسيس، أكان مع المسلمين أو مع غيرهم من التقاليد الدينية الأخرى، التطرّقَ إلى إله كونيّ لا إلى إله خصوصي، فتلك اللغة العَقَديّة هي القادرة على إنشاء وحدة جامعة بين البشرية جمعاء. لكنّ فرنسيس كما يبيّن ماركو بوليتي يجابه إرثًا عقديًّا ثقيلا استمرّ فاعلا وحاضرا إلى سلفه الراحل البابا راتسينغر الذي رسّخ في عقول الناس أنّ ما عدا الكاثوليكية من عقائد هي أدنى مقاما وأبعد ما يكون عن الصواب. تلك الرؤية المجدِّدة في الاعتقاد التي يحاول فرنسيس بناءَها خلقت معارضين لا زال عددهم كبيرا، وهو ما يحرج البابا ويضعه في عزلة عقدية.

2317 الباب في عزلتهوكما يذكر ماركو بوليتي أبدى البابا فرنسيس تعاطفًا مع قضايا المهاجرين المقيمين في إيطاليا، والقادمين إليها، منذ اعتلائه السدة البطرسيّة. بدا ذلك جليا في زيارته التاريخية إلى جزيرة لمبيدوزا ترحّما على أرواح الغرقى من المهاجرين، التي باتت رمزَ المحطة الأولى في رحلة القادمين إلى إيطاليا. لم تلق تلك المواقف ترحيبا من وزير الداخلية اليميني ماتيّو سالفيني. واتخذت الحكومة المشكّلة من الحزب اليميني، ممثّل رابطة الشمال ذات النزعة المعادية للمهاجرين، موقفا من البابا فرنسيس واعتبرته يسير في خط مناقض للسياسة الحكومية. منذ ذلك التاريخ بدأت الهوة تتّسع بين الحكومة ذات التوجه اليميني وفرنسيس. لم يرق للحكومة ذات التوجه الشعبويّ التقارب الذي يسير فيه البابا مع العالم الإسلامي ومع المهاجرين المسلمين. بلغ الأمر مستوى من التوتر أن أعلن وزير الداخلية ماتيو سالفيني –فيما يعني القطيعة مع رأس حاضرة الفاتيكان- في تجمع لأنصار حزبه في شهر سبتمبر من العام 2016 "انّ البابا الذي يجلّه ويقدّره هو راتسينغر لا فرنسيس" نظرا لمواقف البابا السابق المتشدّدة من الإسلام والمسلمين، وأنّه لا يعترف بالبابا الذي يشرّع أبواب الكنيسة إلى الأئمة المسلمين. مواقف سياسية متشدّدة تقف على نقيض ما يسعى إليه فرنسيس من تطبيع للعلاقات مع العالم الإسلامي ومن تقارب ندّي بين العالمين على أساس الاحترام. ساهمت تلك التوترات السياسية مع حاضرة الفاتيكان في تضييق الخناق على فرنسيس وكبح اندفاعه لتسوية العديد من الملفّات مع الأديان الأخرى. والواقع أن السياسات الشعبويّة التي شاعت في أوروبا خلال السنوات الأخيرة قد أضحت خطيرة على المستوى البعيد، لِما تخلّفه من توترات بين المكونات الحضارية العالمية.

ما يحدّده الكاتب ماركو بوليتي من عناصر مكوّنة لعزلة البابا فرنسيس في الواقع الإيطالي، يضيف إليها عناصر أخرى يعتبرها داعمة لتلك العزلة. إذ وقف البابا على نقيض جملة من خيارات السياسة الأمريكية للرئيس الأسبق ترامب، سواء في إفغانستان أو فلسطين أو مع إيران. فالخيارات العسكرية الأمريكية في إفغانستان، والقول بأنّ القدس عاصمة أبدية لإسرائيل، والميل إلى الحلول الحربيّة مع إيران، كلها عناصر مقلقة لحاضرة الفاتيكان. إذ يدعو الفاتيكان إلى تجنّب الخيار العسكري كحلّ مصيري لإفغانسان ويميل إلى انتهاج الحلّ الدبلوماسي والتفاوضي لحقن الدماء من الجانبين الإفغاني والأمريكي، وقد تبيّن فشل الخيار العسكري كسبيل لتسوية الأمور؛ وأما ما تعلّق بالشأن الفلسطيني فلا زال الفاتيكان مصرّا على حلّ الدولتين واعتبار تسوية الخلاف حول مدينة القدس في تحويلها إلى مدينة مشترَكة للأديان الثلاثة خارج الهيمنة الإسرائيلية؛ وأمّا ما يخصّ الملفّ الإيراني فالفاتيكان على غرار موقف المجموعة الأوروبية يسعى جاهدا إلى ضمّ الجمهورية الإسلامية إلى حضيرة المجتمع الدولي، دون العمل على شيطنتها وعزلها كما سعت سياسة ترامب في ذلك. كلّ تلك العناصر الخلافية في السياسة الخارجية بالنسبة إلى الفاتيكان من شأنها أن تجعل فرنسيس خارج التأثير الفاعل الذي يُفتَرض أن يتمتّع به كزعيم ديني عالمي بوصفه بابا الكنيسة الكاثوليكية. إذ يزداد صوت فرنسيس خفوتا بسبب الحلف الذي صنعه ترامب مع بعض الحلفاء في السياسة الدولية والذي يناقض خيارات حاضرة الفاتيكان.

من جانب آخر ودائما في نطاق رصد عناصر تلك العزلة التي تُطوِّق فرنسيس، يذكر ماركو بوليتي أنّ مع نهاية شهر أغسطس من العام الماضي 2019 مرّ البابا بفترة حرجة، انطلقت من داخل الكنيسة هذه المرّة وامتدّت تداعياتها إلى الخارج. تمثّلت في دعوة صريحة من مجموعة من رجال الدين بقيادة الأسقف كارلو ماريا فيغانو بتنحّي فرنسيس، بموجب اتهامه بالتستّر على انتهاكات وفضائح جنسية للكردينال تيودور ماكريك. والواقع أنّ فرنسيس بمجرّد علمه بخبر تورط تيودور ماكريك في فضائح جنسية عمل على طرده من مجلس الكرادلة وفتح تحقيقا في الشأن. مَثّل ذلك الاتهام الثقيل بالتستّر قمّةَ جبل الجليد العائم، فقد صاغ كارلو ماريا فيغانو تقريرا مفصّلا أورد فيه جردا بانحرافات فرنسيس عن خطّ الكنيسة التقليدي والمحافظ. الواضح أنّ الامتعاض من فرنسيس موجود داخل الكنيسة وخارجها، فالانتهاكات الجنسية سواء ضدّ القاصرين، أو السلوكات الجنسية غير المشروعة لبعض رجال الدين، هي من الحوادث التي تؤرق الفاتيكان ولا زال حدّ الساعة يعجز عن غلقها أو تسويتها لكثرتها وتشعّبها. وأمّا ما تعلّق بشأن اتهام فرنسيس بالانحراف عن خطّ الكنيسة التقليدي فهو خاضع لرؤى وتأويلات، فهناك من يذهب إلى أنّ التوجهات التصحيحية والإصلاحية التي انتهجها فرنسيس منذ مقدمه إلى روما، قد مسّت العديد من المصالح داخل الفاتيكان، وهو ما جعل شقّا من المتضرّرين يبحث بشتّى السّبل للحدّ من اندفاع فرنسيس، بالتماس التبريرات الصائبة والزائفة لإيقاف الرجل عن مساره ودفعه للتريّث وعدم المغامرة. يُصنَّف كارلو ماريا فيغانو ضمن خصوم فرنسيس الذين ما زالوا على حنين للخطّ اللاهوتي المتشدّد للبابا بندكتوس السادس عشر (راتسينغر). ولذلك يفسّر ماركو بوليتي الحدث بالطبيعي والمعتاد، أن يجد البابا فرنسيس معارضة من داخل الجهاز المتحكم بحاضرة الفاتيكان. فمختلف الأساقفة والكرادلة الذين يتحكّمون بمصير المؤسسة الدينية قد نشأوا وتربّوا في ظلّ عقلية لاهوتية دغمائية محافظة، وذلك على مدى فترة البابوين يوحنّا بولس الثاني (ووجتيلا) وخلفه راتسينغر، ولذا ليس من المستبعَد معارضة التوجهات الإصلاحية للبابا فرنسيس. معتبرا ماركو بوليتي انتفاضة فيغانو هي عملٌ سياسيٌّ داخل الكنيسة ولا تمتّ للعمل الدينيّ.

صحيح جاء البابا فرنسيس بأحلام إصلاحية كبرى، تمثّلت في إدخال تحويرات على "الكوريا الرومانية" (الجهاز الرئيس المتحكم بسياسة الفاتيكان الدينيّة)، وإجراء تحويرات هيكلية على مؤسسة "الإيور" (أي إصلاح الجهاز المالي الكنسي بعد تبيّن ما يعتريه من خور وفساد)، ومراجعة المهام الوظيفية الكنسيّة (لا سيما ما تعلّق منها بالتكوين والأدوار بقصد الخروج من البيروقراطية الدينية التي باتت ترهق كاهل الكنيسة وتعوق تقدّمها). تلك المحاور أساسية في نظام سيْر حاضرة الفاتيكان، تتطلّب جرأة وقدرة ودربة وكذلك سرعة في التنفيذ حتى يُتبيَّن جدواها. فعلى سبيل المثال مرّت عشر سنوات منذ تناول راتسينغر قضايا الفساد الجنسي في الكنيسة، لم تُطرَح المسألة بشكل جاد سوى أثناء انعقاد قمة رؤساء الأساقفة في روما (21 فبراير 2019) شارك فيها ما يربو عن 190 شخصية دينية، تناولت قضايا النزيف الخُلقي الذي يعصف بالكنيسة. ثمة تباطؤ داخل الفاتيكان في فتح الملفات الجادة وتسويتها وهو ما يزيد من تفاقم الأوضاع.

بعد ستّ سنوات من تنصيبه في الثالث عشر من مارس 2013 لم يتقدّم البابا فرنسيس كثيرا في تسوية تلك الملفات، وربما فَقَدَ الحماس الذي جاء به، أو بدأ يتلاشى، على إثر تنحّي البابا المستقيل. في هذه الأوضاع ثمة من يطرح ضرورة عقد "مجمع فاتيكانيّ ثالث" على غرار "مجمع الفاتيكان الثاني" 1962/1965، تُطرَح فيه القضايا الجوهرية للكنيسة اليوم. ولكن في ظلّ هذا المطلب الملحّ هناك من يشكّك في قدرة جهاز الأساقفة والكرادلة، في الوقت الحالي، على خوض تلك المغامرة، والتريّث بشأن ذلك الطرح والانتظار حتى يحصل نضجٌ تاريخيٌّ لاهوتيٌّ داخل الكنيسة. لعلّ ذلك ما حدا بالبابا فرنسيس للتصريح، أمام مجلس "الكوريا الرومانية" عشية أعياد الميلاد 2017، بأنّ القيام بإصلاحات داخل حاضرة الفاتيكان يشبه تنظيف تمثال أبو الهول المصري بفرشاة أسنان، وذلك لصعوبة العملية وتشعّبها، فتفكيك الأجهزة المتحكمة بالكنيسة وإعادة بنائها مجدّدا ليس بالأمر الهين أو السّهل كما قد يُتصوَّر.

لذلك تبدو عزلة فرنسيس متنوعة الأبعاد، ثمة من يطرح للخروج من هذا المأزق، اختصار طرق الإصلاح والتخلي عن العملية الإصلاحية الكبرى والسعي الجاد للتركيز على دَمَقْرطة الحياة الدينية داخل الكنيسة. بإعطاء كنائس الأطراف، أي مختلف المجالس الأسقفية المنتشرة حول العالم، نوعا من السلطة المحليّة في تقرير مصيرها الدينيّ، وعدم الرجوع في أيّ صغيرة وكبيرة إلى حاضرة الفاتيكان. إذ تبدو مرَكَزة السلطة الدينية التي سعى البابوات السابقون في ترسيخها قد أمست وبالًا على الكنيسة اليوم. البابا فرنسيس يدرك أهمية ذلك الطرح في تجديد الكنيسة، ولعلّه السبيل الأيسر والأقصر لفكّ العزلة التي يعانيها.

 

الكتاب: البابا فرنسيس في عزلته.

تأليف: ماركو بوليتي.

الناشر: منشورات لاتيرسا (باري-إيطاليا) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2021.

عدد الصفحات: 248 ص.

***

عزالدين عناية

أكاديمي تونسي مقيم بإيطاليا

 

 

ظريف حسينتشرفت بمراجعة المسودة النهائية لكتاب الباحثة المغربية/عائشة بحَّان المقيمة بإيطاليا، وعنوان الكتاب هو"التعددية الدينية في الإسلام والدعوة إلى الحوار"، المنشور في بغداد، وبغض النظر عن موقفي الإجمالي من التوجهات الخاصة بالكاتبة، فإنني أكبرت فيها حرصها علي تأكيد قيم التعددية الدينية والثقافية والتسامح الديني في مجتمعاتنا، وخاصة في العراق ولبنان، تأسيسا علي أن" الدين أخلاق"، وتظهر في الكتاب روح الحماسة والإخلاص للغاية من تأليفه، وهي دفع عملية التوافق والتضامن بين مختلف الديانات والنِّحل، والجماعات الدينية في منطقتنا إلي أبعد مدي. ولقد رأيت أن أختار احدي فقرات كتابها للتعريف بها.

بعنوان:

أعداء الحوار والتعايش

الفكر المتحجر الأناني الذي لا يرى أمامه سوى الفوز والجنة، أعمى بصيرتهم عن الحق والرحمة والتعايش السليم بمجتمعاتهم ومع الدول ذات الديانات الأخرى، منعوا أي طريق للتواصل، بل يسكتون عن أي دليل يخص التعامل مع الآخر، فنراهم قد ركزوا فقط على الدلائل التي تخص الرفض والنفور، وهي بالتأكيد أكاذيب مُختلقة على الإسلام، وهدفها تشويهه، وهي بعيدة كل البعد عن القيمة الأخلاقية التي يقصدها الإسلام، فهم خصصوا وقتًا كبيرًا للنقاشات حول مَن سيفوز في الآخرة...ومن سيستحق العقاب والنار، كأنهم يتحدثون باسم الخالق، ويعلمون الغيبيات،  وأصبحوا يكفرون ويحللون ويحرمون، وبكل تعصب يعتقدون أو يظنون أن الحق معهم، ويريدون فرض رؤيتهم وأيديولوجياتهم على الكل، بدون أي معارضة من الآخرين.

من يَعتبِر أن دينه هو الحق وأنه هو الفئة الناجية، وكل الفرق والأديان الأخرى ليست ناجية وهالكة، نقول له إن الإقصاء ليس حلًّا؛لأن الآخر من الممكن أن يرى في معتقده مثل ما ترى في معتقدك، ويظن أن الحق معه،  وهو الناجي، أو قد يؤمن أن الله للكل، أو قد يكون لا يؤمن أساسًا بوجود الآخرة،  ولا المحاسبة، فلا بد أن نقبل بكل الآراء، ونقبل بالتعايش معها، إن إقصاء الآخر يخلق مجتمعًا كله خلل، يغيب عنه التوازن النفسي، فيؤثر في عطائه وإنتاجه تأثيرًا عامًّا، إن الإحساس بالأمان والراحة داخل المجتمع كيفما اختلفت عقائده، يعطي للأفراد طاقة إيجابية تنعكس إيجابًا على المردودية والعطاء والتطور.

 

د. ظريف حسين

أستاذ ورئيس قسم الفلسفة بجامعة الزقازيق - مصر

ياسمين العوامبين عبق الشرق وسحر المغرب محطات ومحطات أُخر وسفَرٌ ماتعٌ.. ومسافات من جمال الانسانية

"كأن لا أحد..!"، عنوان مدوّ صاخب، يأخذك في عالم الخيال، التناقض، الحلم والواقع المرغوب وغير المرغوب، ضجيج داخلي يوهم صاحبه بشيء ما هناك.. أو أحد ما بقربه.. والواقع يقول لا.. لا أحد .

كالبحر.. تنظر إليه، تراه واسعا كبيرا؛ وكلّما تعمّقت فيه، وجدته أكبر وأوسع.. حكاياته أكثر من رمال شواطئه، ومع ذلك لا أحد فيه يحسّ بوجودك.. وحدك وصراخ الذكريات، وصمت قاتل وسكون وسط الزحام، فأيّ بحر غاص فيه كاتبنا؟، وأيّة حكايات لفظتها سطوره؟، ومن هو هذا "الأحد" الذي نام بين الفواصل والنقاط؟، ولم يخرج إلى السطح لنراه؟، بقي هناك يجول في عالم بلا حدود، حرفاً أثقل كاهله تمرد المعنى وبدايات ضاعت فيها كل النهايات...

نفتح باب الكتاب " كأن لا أحد..!"، لنتجول بين صفحاته المئة واثنتي عشر (١١٢ صفحة)، والصادرعن مؤسسة آفاق للدراسات والنشر والإتصال في مراكش / المغرب..

والذي قدم له المرحوم الكاتب والأديب عبده بن خالي فتحدث عن "نصوص منفلتة بمسافاتها الخاصة، عن عمق الذات الإنسانية وبحثها عن كل أشكال النجاة والخلاص، عن حقيقة انفجاراتك الداخلية وكل التناقضات التي تجعل العالم يضيق أمام عينيك، حتى يصبح في حجم علبة الثقاب ."

* ثم تأتي مقدمة الكاتب:

"لقد كان قومي مرة مثل رمال الشواطئ.. والآن أناديهم فلاتجيبني سوى الرياح"

" جبا أن يكون للمسافة كل هذا السحر والجمال، فهي تجعل حظ الأرض من الشمس الدفء والنور والحياة.. ذلك أن الاقتراب احتراق، وحتى مع الإنسان، فإن المسافة تجعل العلاقات بينهم تتوطد وتدوم أكثر....

والحب يصير عشقا وولهاً بل ويزدان ويزهر..!".

☆☆ هذا الكتاب " كأن لاأحد..! " والذي كتب عليه نصوص أدبية، ليس إلا انفلاتاً عبر المدى في مسافات لاحدود لها وطلاسم تنزف في رحم الزمن، رسائل الأرض تحملها غيوم السماء، أحلام تمتد نحو الشمس، مسافات تغوص بين النبضة والنبضة تشهقها الحياة في أقصر سفر سرمديٍّ إلى عالم اللازمان وخارج جدران المكان، إلى عالم اللاشيء واللا أحد .

2308 محمد أيت علو

* عشرون مسافة تخطّاها كاتبنا، وفي كل مرة يأخذنا معه ويتركنا عند النهاية حائرين تائهين نبحث عن مسافة للعودة إلى فلسفة الكينونة وعمق ذواتنا، نبحث عن باب للإنفلات من حياة لا تحمل أيّ معنىً للحياة، نبحث عن ذاك المنسيّ خارج الوجود، عن ضوء في عتمة الفراق يكشف عن روح بلا جسد و جسد بلا روح..

وتطول المسافات..، ولاشيء غير رائحة الأشياء الراحلة عبرها ونوافذ صدئة لايطرق زجاجها غير عويل الريح...

* عشرون مسافة حملت هذه العناوين:

- وجوه وأفواه، - إلى حين تمطر، - إصبع صغير، - زنزانة لاتضيء، - كذلك بعد اليوم، - صور رجال جبال، - حائل الاشتهاء، - احتضار حياة، - طيف ابتسامة، - اختراق محموم، حالة تردد، - ذو الوجه النحاسي، - الطفل الكهل، - كوّة في الغياب، - آلة صماء وإنسان، - نظرة بنظرة، - الإجتماع الأخير،- قناع ممثل، - أيقونات الغفلة، - أخيرا وحدك .

* مسافات تحتاج زمناً أقصر من عمر الألم وأطول من حياة البشر، لتصحيح عالم مشوّه يقبع داخلنا .

حكايات أخرستها الغربة، أوجاع القهر والظلم، الفراق واللوعة، ظلام السجن ووحشة الوحدة وزحمة محطات الذاكرة .

حكايات أوهنها عتب المسافات. أوصدها القدر ونزفها قلم كاتبنا كتلة آلام.

- ويمضي قطار المسافات..عشرون محطة، أولها في عيادة للأمراض النفسية. "وجوه وأفواه تثرثر، وآخرون سيعودون يوماً ولايرون مايثير.." .

وعجوز حاول اكتشاف نفسه في شارع طويل راح ينسحب من تحت قدميه، وأيامه كلها مازالت شتاء ينتظر إلى أن تمطر..

وفي محطة، تنفتح الزوايا المظلمة في شخصٍ، فيدرك جنوح العالم نحو اللاعبثية، وقلبه يخفق مبتسماً لأصبع ذاك الطفل التي لا ترتفع عن جرس الباب..وذاك السجين القابع في زنزانة لاتضيء، يحاول ترميم داخله المهجور والخروج نحو النور...

ونمضي مع كاتبنا، نعبر المسافات، نتوقف في كل محطة لأخذ العبرة وتعلم الحكمة، إلى أن نصل المحطة العشرين " وأخيرا وحدك "، حيث لا أحد.. وكأن لا أحد !

*هو عالم الإنسان، إذن، وأبعاد تعاطيه مع وجوده والذي عبر عنه الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر بقوله:" للإنسان في تعاطيه مع وجوده أبعاد ثلاثة، ينفعل معها، محاولا فهمها وإدراكها وهي:

١ (الذات: وهي علاقة المرء بنفسه، من هو؟ ولم أتى إلى هذا العالم؟ وكيف كان مأتاه؟ وهل تراني أقدر على معرفة ذاتي أم لا؟ وإن أمكن ذلك، فبأي وسيلة يكون..؟ وهل نعرف ذواتنا معرفة مباشرة؟ أم أننا لانعرفها إلا بالاستدلال عليها..؟

٢ (الغير: وهو أفق علاقة الإنسان مع نظرائه في الخلق، كيف يراهم..؟، وماهي حدود علاقته معهم..؟ هل هم جحيم كما ادّعى سارتر في مقولته الأثيرة:" الآخرون هم الجحيم "؟ أم أنّهم " نعيم " كما راهن على ذلك ليفي شتراوس؟ .

٣ (العالم: وهو قضية وجود الإنسان بين الأشياء، ماصنعه بيده، وما وجده مصنوعا له !

وكيف ينظر إلى هذا العالم؟ وهل لنا رؤية للعالم؟ وإن كانت فما هي..؟ .

* بالنهاية: كل هذه الأبعاد وهذه العلاقات المتداخلة والخارجة، محكومة بمفهوم المسافة والتي تشير إلى مدى وعي الإنسان وقدرته على تحديد علاقاته وضبطها والتحكم بها، فكم من أشخاص يقيمون بيننا والمسافة المعنوية بيننا وبينهم هائلة، وموحشة، وآخرون بعيدون، يؤنسون وحدتنا ويشغلون تفكيرنا... وكما قال (أونوريه دي بلزاك) عن طبيعة الإنسان المترددة بين الوحشة والأنس، وبين العزلة والألفة:" العزلة أمر جيد ولكنك تحتاج لشخص ما لتخبره بأن العزلة جيدة ".

كذلك وصف (محمد إقبال) رفقة الآخرين أو بعضهم بقوله:"

مثل شمع الحفل.. في الحفل وحيد ورفيق ".

* مسافات زمكانية لها سحرها ودهشتها، لابد من الحفاظ على أبعادها حتى لاتنفلت منا وتنسحب من تحت أقدامنا، ولتعزز ذاك الحب المقدس فينا وتقودنا دوما نحو عالم ناضج تاركين في كل خطوة أثراً لايُنسى .

* هي مسافات جعلنا الكاتب المغربي محمد أيت علو رفاق دربه في عبورها .

حروف رسم بها لوحته المدهشة وترك لنا تلوينها .

نصوص تركها مفتوحة وجعل لنا الشراع لنبحر في مكنوناتها، ونتنقل عبر محطاتها، حكم وعبارات أنهى بها تلك النصوص، وتركنا نمعن ونتفكر ونتوقف طويلا في محطاتها ونتساءل..

بينما يُنهي كاتبنا مسافاته بقوله:

" كم هي مليئة بالأسرار والآيات هذه المسافة كما بين العين والقلب، فسبحان المبدع الخلاق...".

وبين المقدمة والخاتمة كأن لاأحد...!!!!!!!!

 

باسمة العوام - سورية

 

 

حاتم حميد محسنان جوهر الحياة الروحية لا يمكن العثور عليه في النيرفانا او في العالم الآخر وانما في الاعتراف المتبادل بان هذه الحياة هي هدفنا النهائي. من بين جميع الأديان، تتمتع البوذية بالاحترام الأكبر والشعبية العالية بين اولئك الباحثين عن انموذج "للحياة الروحية" يتجاوز الدين التقليدي. حتى الملحد البارز سام هاريس لجأ الى التمارين التأملية للبوذية في كتابه الذائع الشهرة "إستيقظ: مرشد للروحانية بدون دين". هذا يمكن فهمه، عندما يصبح بالإمكان استخدام التأملات البوذية وبتأثير أكبر لغايات علمانية. وعلى نحو خاص، كانت هناك نجاحات في تبنّي مختلف أشكال التقنيات التأملية للعلاج بالمعرفة بالاضافة الى الأشكال العملية للتدريب الرقيق. اذا كنت تتعلم أساليب التأملات البوذية لمثل هذه الأغراض العلاجية – او ببساطة لأجل امتلاك المزيد من القوة والطاقة – عندئذ انت تتبنّى تلك الأساليب لمشروع علماني.

حينذاك ستكون منخرطا في ممارسات تأملية كوسيلة للوصول الى الهدف في تعميق القدرات للاهتمام بالآخرين وتحسين نوعية الحياة الخاصة. ان الهدف من الخلاص في البوذية، هو لكي نتحرر من الحياة المحدودة ذاتها. فكرة الخلاص هذه تتكرر في الأديان العالمية، لكن في العديد من التيارات البوذية هناك مصداقية عالية بشأن مضامين الخلاص. بدلا من الوعد بان حياتك سوف تستمر، او انك سوف ترى من تُحب مرة اخرى، فان خلاص النيرفانا ينطوي على الانقراض. الهدف ليس لكي تقود حياة حرة، مصحوبة بألم ومعاناة، وانما لكي تصل الى "فهم" بأن المسؤولية الذاتية هي وهم سيذوب في أبدية النيرفانا. ما يهم في النهاية هو تحقيق حالة من الوعي لم يعد فيها يهم أي شيء، وبذلك يمكن للمرء الرقود في سلام.

إستنتاج البوذي ربما يبدو متطرفا عندما يُعلن عنه بمثل هذه الطريقة، ولكن في الحقيقة هو يجعل ما هو ضمني صريحا في جميع افكار الخلاص الأبدي. وبعيدا عن جعل حياتنا هادفة، فان الخلود سيجعلها بلا معنى، طالما لن يكون لأفعالنا أي هدف. هذه المشكلة يمكن تعقّبها حتى ضمن الاديان التقليدية التي تعتنق الايمان في الحياة الخالدة. في مقالة صدرت عن مجلة الكنيسة الكاثوليكية الامريكية كتبها احد المتدينين: تسأل: هل "النعيم الأبدي: سيكون مزعجا؟ المقال يجيب كلا، لأن الأرواح تُستعاد في السماء "ليس لراحة أبدية وانما لفعالية أبدية – إهتمام اجتماعي أبدي". غير ان هذا الجواب فقط يؤكد المشكلة لأنه لا شيء هناك في عالم النعيم يستحوذ على الاهتمام .

2315 الموت كوسيلة للتحررالاهتمام يفترض سلفا ان شيئا ما قد يذهب خطأ او يُفتقد، والاّ سوف لن نهتم. الفعالية الأبدية – تماما بنفس مقدار الراحة الأبدية – هي ليست من اهتمام اي احد، طالما لايمكن ايقافها ولا تتطلب المحافظة عليها من جانب اي كان. المشكلة هي ليست ان الفعالية الأبدية ستكون "مزعجة" وانما هي سوف لن تكون مفهومة كفعالية . اي فعالية (بما في ذلك الفعالية المزعجة) تتطلب المحافظة عليها. في الفعالية الأبدية، لا وجود لفرد منزعج لأن الفعالية الأبدية لا تعتمد على منْ يحافظ عليها .

لذلك فان الخلاص الأبدي ليس فقط لايمكن الحصول عليه وانما ايضا غير مرغوب لأنه يلغي الرعاية والعاطفة التي تنعش حياتنا. ما نعمل وما نحب يهمنا فقط لأننا نفهم انفسنا كاناس لنا حياة فانية. ذلك الفهم الذاتي كامن في كل أفضلياتنا والتزاماتنا العملية. السؤال حول ما يجب فعله في وقتنا – وهو السؤال الذي يشكل قضية في كل ما نعمله من اشياء – يفترض سلفا اننا نفهم زماننا باعتباره متناهيا.

ولهذا، فان الموت هو شرط المسؤولية والحرية. لكي تكون حرا لايعني ان تكون ذو سيادة او متحررا من كل القيود. وانما، نحن احرار لأننا قادرين على ان نسأل انفسنا ما ينبغي القيام به تجاه زماننا. كل اشكال الحرية – حرية التصرف، الكلام، الحب – هي مفهومة كحرية فقط بمقدار ما نكون متحررين في الانخراط بالسؤال حول ما يجب فعله في وقتنا. لو نحن اُعطينا ما يجب ان نفعل، وما يجب ان نقول، ومنْ نحب – باختصار، لو اُعطينا ما يجب فعله في وقتنا – سوف لن نكون متحررين.

ان المقدرة على طرح سؤال حول ما يجب فعله في وقتنا هو الشرط الاساسي لما نسميه الحرية الروحية. لكي أقود حياة روحية حرة (بدلا من حياة مقررة فقط بالغرائز الطبيعية)، يجب ان أكون مسؤولا عما أعمل. هذا لا يعني القول انا متحرر من القيود الطبيعية والاجتماعية. انا لم اختر الولادة مع المحدوديات والقدرات التي معي. كذلك، انا ليست لدي السيطرة على من يقدّم الرعاية لي، ماذا فعلوا لي ولأجلي. عائلتي – والسياق التاريخي الأكبر الذي وُلدت فيه – هما اللذان صاغا حياتي قبل ان أتمكن من فعل أي شيء تجاهها.

وكذلك بالنسبة للأعراف الاجتماعية تستمر في الإبلاغ عن منْ تكون شخصيتي وما يجب عليّ فعله تجاه حياتي. تلك الاعراف الاجتماعية لم اخترعها انا وهي التي تحدد شكل العالم الذي أجد فيه نفسي، بدونها سوف لن يكون لدي فهم حول منْ أكون وماذا أفعل.

مع ذلك، انا مسؤول عن التمسك او التحدي او نقل هذه الأعراف. انا لست مقررا بالصدفة من جانب الطبيعة او الاعراف وانما أتصرف في ضوء الاعراف التي استطيع تحدّيها ونقلها. وحتى لو كان ذلك على حساب بقائي البايولوجي، او رفاهيتي المادية او موقفي الاجتماعي، انا استطيع ان اعطي حياتي لأجل مبدأ اعتنقه بنفسي او لأجل سبب انا اعتقد به. هذا المعنى هو الذي يقود الحياة الروحية. يجب دائما ان نعيش في علاقة مع فنائنا الحتمي – والاّ لن تكون هناك أية خسارة في تكريس حياتنا لأي شيء.

لذلك، فان أي شكل من الحياة الروحية يجب ان يتحفز بالقلق من الفناء، حتى في أعمق انجازات طموحاتنا. قلقنا قبل الموت لا يُختزل لظرف سايكولوجي يمكن او يجب التغلب عليه. بل، القلق هو ظرف للوضوح او الفهم لأجل قيادة حياة حرة وكوننا ملتزمين بحماس. بما ان حياتنا تهمنا، نحن يجب ان نتحفز بالقلق من ان زماننا متناهي، لأن البديل سيكون عدم وجود إلحاح للقيام بأي شيء او ان نكون أي كان.

حتى لو كانت الخطة ان نقود حياتنا بدون قلق سايكولوجي قبل الموت – على سبيل المثال عبر التأمل البوذي – تلك الخطة تكون واضحة فقط في اكتمال الخلود، لا سؤال هناك حول مايجب علينا فعله في حياتنا. نحن سنكون غارقين في النعيم الى الابد ولهذا سنكون محرومين من أية مسؤولية ممكنة. بدلا من امتلاك علاقة حرة مع ما نعمل وما نحب، سنكون مضطرين بالضرورة للتمتع بذلك.

بالمقابل، نحن يجب ان نعترف اننا يجب ان نكون عرضة للتأثر – يجب ان يطبعنا طابع المعاناة من الألم، الحزن على الخسارة، القلق قبل الموت – لكي نقود حياتنا ونهتم بالاخرين. بهذه الطريقة يمكننا الاعتراف بان حياتنا هي هدفنا النهائي. ما نفتقده ليس النعيم الابدي وانما الاشكال الاجتماعية والمؤسسية التي تمكّننا من ممارسة حياة مزدهرة. هذا يفسر لماذا يجب ان يرافق نقد الدين نقدا للاشكال القائمة لحياتنا كلها. لو انتقدنا فقط الافكار الدينية بشأن الخلاص – بدون السعي للتغلب على أشكال اللاعدالة الاجتماعية التي يستجيب لها الدين – سيكون النقد فارغا ومسيئا للآخر. المهمة هي تحويل ظروفنا الاجتماعية بطريقة يمكننا فيها التخلي عن الوعد بالخلاص ونعترف ان كل شيء يعتمد على تعاملنا مع زماننا المحدود. جوهر الحياة الروحية هو ليس الطمأنينة والهدوء الفارغ للسلام الأبدي وانما الاعتراف المتبادل بضعفنا وحريتنا.

 

حاتم حميد محسن

.........................

المصدر: صحيفة نيويورك تايمز عدد مارس 11، 2019(opinion, why mortality makes us free). مارتن هوغلاند اكاديمي سويدي وبروفيسور في الادب المقارن والانسانيات في جامعة يال في الولايات المتحدة. كتابه (هذه الحياة: الايمان العلماني والحرية الروحية) صدر عن دار panthon في 5 مارس 2019 في 464 صفحة.