 مقاربات فنية وحضارية

الفنان عبد السلام نوار رائدا للانطباعية الجديدة بمدرسة تطوان

محمد الشاوياتسمت التجربة التشكيلية للفنان عبد السلام نوار ببصمة خاصة، فهي تَنتحُ من التوجه الانطباعي الجديد الذي أرسى دعائمه على تاريخ الفن بطابع خاص. وهو توجه تميّز به هذا الفنان داخل مدرسة تطوان التشكيلية خاصة، وبالمغرب عامة. فغني عن البيان أن يقف كاتب هذه المقالة وقفة تأمل متسائلا:

لماذا لم يُجرِّب عبد السلام نوار أساليب أخرى؟

ولماذا ظل وفيا لأسلوبه الفني رغم التحولات التي عرفتها منظومة الفنون التشكيلية في صيغتها المعاصرة؟

يمكن تَبيُّن معالم التوجه الانطباعي الجديد لدَى الفنان عبد السلام نوار من خلال مبدإ الاختيار الذي أسعفه في جعل هذا التوجه الفني أسلوباً للتجربته داخل مدرسة تطوان. فقد ظل وفياً لهذا الاختيار، راسما لنفسه أنموذجا خاصا يستحق الدراسة والبحث من طرف النقاد والمهتمين. فانطباعيته هي فرع من الأصل، إذ تختلف عن الانطباعية الجديدة للرواد أمثال جورج سورا وكلود مونيي وبيسارو، لتعانق أعمال بول سيزان وبول غوغان، مُقتفية أثر تشارلز انغرند، وهنري روسو، لكن بأسلوب مغاير تماما يجد ضالته داخل مشاريع مجاوزة الانطباعية الكلاسيكية

Le dépassement de l'impressionnisme والبحث عن  ما بعدها، وما أعقب ذلك من توجهات أسلوبية تروم الابتداع والتجديد لعالم الطبيعة والناس

يقول تولتسوي: "إذا أراد الفن أن يكون أصيلا، فلا بد أن يكون مفهوما.. وخاصة لدى هؤلاء الذين يخاطبهم". ولهذا فإن فنان الانطباعية الجديدة يميل إلى إثارة مشاعر المتلقين بطريقة التمثل Représentation وباستخضار موضوعات ترتد إلى عالم الطبيعة بشساعته اللامتناهية وباتساع دائرة شخوصه، لكن دون كثرة الدقة والنقل على سبيل الايضاح.وكما يقول فيكتور هيجو: " كثرة الايضاح تُفسد رؤية الفن".

1594 عبد السلام نواروالجدير بالذكر أن مصطلح الانطباعية الجديدة من نحت الناقد الفني الفرنسي  فيليكس فينيون  سنة 1886، حيث ارتبط بالحركة الفنية التي أسسها جورج سورا،  بالنظر إلى لوحته الشهيرة سنة 1884 التي عالج فيها موضوع الطبيعة المتمثل في نهر السين المار على الجزيرة الكبيرة بباريس بالاضافة إلى الناس الذين يتنزهون والمتحلقون داخل مجموعات. وبنفس المدينة كان ميلاد حركة الانطباعية الجديدة في معرض صالون قصر المعلقات لتنتقل إلى بلدان أخرى كبلجيكا وهولاندا وإيطاليا والنامسا وأمريكا...

ذلك، أن عبد السلام نوار مارس هذا الأسلوب على مستوى التدريس الأكاديمي بالمعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان، باعتباره أسلوباً ينضاف إلى أساليب فنية أخرى داخل أرومة واحدة، قعَّد لها جيل الرواد بهذه المدرسة من الذين دَرَس عليهم، ومنهم:

محمد السرغيني، التهامي داد، المكي مغارة، علي نخشى، سعد بن سفاج...

ليأتي بعد ذلك تأثير المدرسة البلجيكية في تكوينه العلمي والفني، وهي محطة مهمة أغنتْ رصيده التشكيلي. كانت في سلك الدراسة العليا بالعاصمة بروكسيل حيث نال درجة الأستاذية لتدريس الرسم والصباغة من الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة والهندسة.

ومن أساتيذه بهذه الأكاديمية الذين تأثر  بتجربتهم وسار على منوالهم، حيث تنبأوا له بمستقبل مشرق في الفنون التشكيلية، أذكر على سبيل المثال لا الحصر: جون رَاوْسِي المتخصص في الرسم الواقعي والجذاري، والباحث في تاريخ الفن، وهو الذي أخذ عنه أصول الرسم والصباغة. وقد نشر راوسي دراسة نقدية للمنجزات الفنية عند الفنان السلام نوار، وهي دراسة تدل على التقدير والحب اللذين يحظى بهما من طرفه. وأستحضر أيضا تأثير أستاذه الفنان والأكاديمي دُومِيلْغْرْ ذي الأصول الفلامانية والمتخصص في الرسم الطبيعي، وهو الذي أخذ عنه أسس ومبادئ الرسم المنظوري وتقنيات التعامل مع اللوحات الخاصة بالطبيعة الحية والميتة.

أصر عبد السلام نوار على اتباع المدرسة الانطباعية الجديدة التي اختارها  عن حب أولا وعن تكوين أكاديمي متين ثانيا، فهو لم يترك اختياره عن قلى ولم يهجره عن ملالة. فقد ظلت انطباعيته تصحبه طوال رحلته الفنية التي راكم فيها منجزات وأعمال متميزة: معارض فردية وجماعية داخل المغرب وخارجه، تأطير أبحاث طلبة الفن، مشاركات في الندوات، معارض إستيعادية لتجربته أثناء تكريمه، تأطير أوراش الفن لفائدة الناشئة...

وعلى هذا الأساس فإن تعامله مع اللوحة يُجسد وبحق أصالة الفنان وتفرد المُتخصص. فنادرا ما نجد بعض الفنانين المعاصرين يتسمون بأسلوب محدّد، في ظل التحوُّل الذي عرفته منظومة الفن في صيغتها الراهنة.  فكانت ها هنا جمالية اللون وتعدد الموضوعات التعبيرية أهم خاصيتين رئيستين تندرجان ضمن نسقه الإبداعي. وهو نسق خبر فيه ديداكتيك الفن وطرائق تدريسه خلال مسيرته المهنية. ولعل تدرجه في أنواع الصباغة والخامات والأسندة، لم يمنعه من الاستقرار على أرض اللوحة، فجعل منها وعاءً يثوي داخله أجمل أحاسيسه الإنسانية. وهي أحاسيس تُعانق الوجود في أبهى تجلياته داخل قماشات تنبضُ بالحياة وتعانق أسمى تجليات التعبير الفني.

 

بقلم: الدكتور محمد الشاوي

فنان تشكيلي مغربي وباحث في الجماليات

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5046 المصادف: 2020-06-29 03:21:56