 مقاربات فنية وحضارية

ظاهرة اللوحة الفارغة في الفن الحديث

khadom shamhod2افتتح المعرض العالمي Arco آركو يوم 21 /2/ 2018 في العاصمة الاسبانية مدريد بحضور 211 كالري من 29 دولة اجنبية غالبتها من امريكا الجنوبية .. يضاف الى ذلك حضور اعداد كبيرة من تجار اللوحات ومقتنيها والمؤسسات والمتاحف الفنية وقد افتتحه الملك الاسباني فيليب السادس ..

شئ من التاريخ:

الملاحظ والظاهر للعيان في هذا المهرجان العالمي الفني هو كثرة وجود اللوحات الفارغة بكل انواعها واحجامها وكأنها تعلن افلاسها الفكري والتقنوي؟ . واحب ان استعرض شئ من التاريخ والآراء حول هذه الظاهرة .. اعتقد ان الكثير من المثقفين قرأوا عن نظرية المفكر الانكليزي توينبي Toynbee 1882 – التحدي والاستجابة – وهو يشرح عن موت الحضارات ونشأتها من جديد ب 12 مجلد . ويقول ان الحضارات تقوم وتصعد استجابة لتحديات سواء كانت مادية او اجتماعية، فعندما تصل الى مرحلة تعجز فيها عن الاستجابة للتحديات التي تواجهها فانها تدخل في مرحلة الانهيار .. ابن خلدون ايضا تطرق الى انهيار الدولة وتفككها وعدد اسباب ذلك منها مرحلة الفراغ والدعة والبحث عن الثروة والمال ..؟؟؟؟؟

كما اشار الفيلسوف هيجل 1770 عن موت الفن بعدما انتشرت نظرية ديكارت العقلية والتي ادت الى نفي حضور العناصر الحسية لصالح التفكير المنطقي .. ولكن المفكر الايطالي- فيكو 1744– تصدى لنظرية ديكارت وانقذ الفن من الهجمة الديكارتية .

و هناك آراء كثيرة قديمة تعود للفلاسفة الاغريق على ان الفن وكل الاشياء الموجودة في الحياة ما هي الا صورة خيالية مستنسخة لاخرى حقيقية موجودة في عالم المثل . وكذلك نجد عند الفلاسفة المسلمين نفس المفهوم مثل ابن عربي والغزالي وغيرهم حيث يذكرون ان الصورة الظاهرة ما هي الا انعكاس لصورة اخرى باطنة اعمق واكثر حقيقة ... وهذا ما توجهت اليه بعض المدارس الفنية الحديثة حيث ركزت على المفاهيم المعنوية وجعلت الوسائل المادية للفن في خدمتها .

موت الفن:

ذكر المفكر ارثر دانتو ان الفن بوصفه فكرة مطلقة لم يمت او اشرف على نهايته انما الذي اشرف على نهايته هو تاريخ الفن الغربي يعني ان الاساليب والمدارس والنظريات الجمالية والفلسفية وغيرها هي التي تشرف على نهايتها في وقت من الاوقات وتموت، وان الفن يبقى يعيش بصيغ واشكال جديدة ... الفن هو مشروع حضاري مثله كمثل العلم، وخلال تاريخه الطويل مر بمراحل موت ثم احياء، ولهذا يسمى احيانا عصر النهضة في اوربا (بعصر الاحياء) اي احياء الفن الاغريقي والروماني والعودة الى التراث . الحضارة ليست امرا ماديا حتى يتعلق بارض او تراب بل هي خليط من الابداعات الفنية والثقافية .. فالامم تموت والاراضي تزداد جدبا، ولكن الحضارة تهاجر من اصحابها وتبحث لها عن وطن آخر جديد .. نحن اليوم نقرأ لشعراء وفلاسفة الاغريق والعرب وهي امم قد ماتت وانقرضت . وهذا البقاء للافكار والعقول المبدعة هو اكثر انواع الخلود حقيقة وخيرا ..

في نهاية القرن التاسع عشر اشرفت المدارس الكلاسيكية الفنية ونظريات علم الجمال على نهايتها بظهور المدرسة الانطباعية واختراع الكامرة والرسوم المتحركة ونظرية علم النفس لفرويد وغيرها، فاعطت نتائج مذهلة وابهرت العالم وغيرت اذواق الناس ... ولهذا كان على الفن التشكيلي ان يبحث عن طرق جديدة يواكب بها التطور . وقد بذلت جهود كبيرة وشجاعة- وتحدي واستجابة - من قبل عدد من طلائع الفنانين الشباب في بداية القرن العشرين لوضع تعريف جديد للفن ومعانيه وتفسير فلسفة علم الجمال من جديد ..

منذ عقد الستينات والسبعينات يعتقد الكثير من النقاد ان الفن الحديث اخذ له طريق فلسفي مفاهيمي وصوفي كما هو عند الفنان الاسباني تابيس 1923 والامريكي جوزيف كوزوت 1945 وكتابه – الفن وراء الفلسفة - فعندما اكتشف الفن انه وصل الى نهاية دراسته وتحقيقاته اخذ يكرر مفرداته ومفاهيمه وبالتالي وصل الى نهايته او اشرف على نهايته . نعم قد تغيرت الادوات والتقنيات ودخلت التكنوجيا في الفن ولكن لم يحدث تطور؟؟؟ . مثلا ان الانقلاب الذي حدث من المفاهيم الكلاسيكية ونظرياتها القديمة الى مفاهيم الفن الحديث ومدارسه ونظرياته الجديدة، هذا يعتبرنوع من التطور ..

ظاهرة اللوحة الفارغة:

ظهرت جماعة في فرنسا في نهاية القرن التاسع عشر اطلق عليها اسم جماعة - عدم التناسق – Incoherencia وكان من ابرز هذه الجماعة هو Alphonse Allais حيث اقامت اول معرض لها عام 1883 تحت عنوان –معرض رسم للذين لا يعرفون الرسم – وكانت عبارة عن لوحات فارغة على الاطلاق اتخذوها للسخرية والضحك والتهكم على الذوق الفني في ذلك الوقت .

وفي بداية القرن العشرين ظهر الفنان Malevich وانظم عام 1913 الى مدرسة ماتيس الوحشية . ففي عام 1918 عرض لوحة بيضاء فارغة تماما اطلق عليها اسم – مربع ابيض على خلفية بيضاء – ثم جاء من بعده الفنان الامريكي Robert Rauschenberg 1925 حيث رسم لوحات فارغة وعرضها حوالي عام 1953 وقد احدثت ضجة وسخرية في نيويورك، ثم غادر هذا الاسلوب وتحول الى البوب آرت . بعد ذلك ظهر في عقد السبعينات الفنان William Turnbull 1922 - ومارس رسم اللوحات الفارغة وكانت احد لوحاته البيضاء قد بيعت ب 3000 ليبراس ... وفي عقود ال 50 و60 كانت نيويورك تعج برسامي اللوحات الفارغة ...

اليوم ليس غريبا ان نجد لوحات فنية فارغة معروضة في متحف او كالري او مهرجانات عالمية . ولكن السؤال الذي يراود الكثير من الناس وخاصة الفنانين هو: ماهو الدافع الذي يحمل الفنان الى رسم هذا اللون من الاعمال الفارغة؟؟؟ وما هو المبرر ان يدفع بعض تجار الفن مبالغ طائلة لاعمال بيضاء فارغة لا تقول شيئا؟؟؟ .. هل ان عالم الفن مجنون؟؟ او ان المشاهد لا يحمل القدر الكافي من الاحساس والمشاعر لفهم وتذوق هذا النوع من الفن؟؟؟.   قرأت نقد لهذا الموضوع في احد الصحف الاسبانية لاحد الفنانين الاسبان يقول كلما ادخل متحف او كالري وارى لوحة فارغة، اضع يدي على وجهي وابدأ بالبكاء نتيجة لهذه الهلوسات والافكار الفارغة والسخرية والتهكم على الناس والفن وعدم احترامه؟؟؟...

 لكن ربما هناك مبررات وتفسيرات لهذه الظاهرة وهي اعتقد ان التجريد وصل الى اقصى ما يمكن، فبدلا من ان يرسم لوحة ذات سطوح والوان متعددة، يأخذ جزء و يرسم لوحة بسطح واحد و لون واحد ..؟؟ وايضا يمكن ان نفسر ذلك حسب نظرية – الكم – للفنان العراقي محمود صبري، و- ال كم - هي مختصر الكيمياء حيث ان كل الاشياء المادية الموجودة في الحياة من ناحية علمية تتكون من ذرات متحركة فالسطح والخط والنقطة واللون والقماش والخشب وغيرها هي عناصر حية متحركة . وقد سبق وان كتبنا عن هذا الموضوع بشكل واسع ونشر قبل عدة سنوات . .. ..... تحياتي

 

د. كاظم شمهود

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

انها مقالة شديدة الحساسية و الغنى المعرفي. انما انا لست ضد اللوحة الفارغة لذا عليها طلاء بظلال و سماكات متعددة. فالشرود سمة اساسية و لكن دائما تحت الصمت امواج مكبوتة و يصعب التحكم بها.
و اعتقد ان الفراغ شيء يدل على قيمة كما كان يقول الاغريق، و اية مجموعة حسابية بلا محتويات بعني انها ليست معدومة و لكنها فارغة او تضم القيمة صفر. و هذا شيء له وجود و منى و يبقى علينا تحديد موضعه من المجموعة لنعرف قيمته.
اعلم انه مجرد كلام و اكن تطبيقاته لديها اثر جمالي و تحاور عين المشاهد، و نحن بحاجة امن يحتوم الفراغ و يعرف كيف يعرضه و كيف يخاطب المشاهد، طبعا لا اقول ان نقود المشاهد لغرفة فارغة و نطلب منه ان يفترض وجود عمل فني، فهذا محض اغراق في اللاشيء. الا اذا كانت جلسة للتحليل النفسي،
و ليس من المفروضعلينا ان نفرغ محتويات دهننا و لا بد من وجود قيود تمنع الانسان من تسليم نفسه لأعدائه. فبداية الاستسلام تكون بكشف مخزونك كله.
و شكرا.

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزي صالح الرزوق تحية لك و شكرا على هذه المداخلة الجميلة .... نعم ان اللوحة هي عبارة عن اشارة او رمز من الفنان و الصمت هو تأمل حدسي عقلي قد يخفي وراءه اشياء لا يفهمها الا صاحبها اما المتلقي فيبقى في دوامة تأويلات , احيانا نغرق في جو صامت ابيض نتأمل فيه مطبات الحياة .. وفي تراثنا الثقافي مثل ( قل خيرا او اصمت ) فالصمت احيانا يفسر السلام و الهدوء . كما هناك مثل آخر ( اذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب ) .. السكوت هو مرتبط بالصمت و الصمت مرتبط باللوحة البيضاء ... ولكن المشكلة هي مشكلة المتلقي هل بهذا اللون من الفن يستطيع الفنان ان يوصل رسالته اليه ؟؟؟؟ تحياتي

د - كاظم شمهود
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4191 المصادف: 2018-02-25 00:39:19