يسري عبد الغنيلم تكن حضارة مصر القديمة مجرد حضارة بناء اقترن ذكرها بما خلفته من صروح معمارية شيدتها قبل آلاف السنين أو مقابر ملوك ونبلاء احتوت على فنون نحت ورسوم وإبداعات أدبية أو نصوص جنائزية، بل هي حياة صاغ تفاصيلها صانعوها، دون إغفال كل ما ساعدهم في تكوين هذا الكيان، حتى عادات الطعام والشراب التي احتلت مكانة بارزة في عقيدتهم وفكرهم.

ساعدت التربة الخصبة ووفرة المياه النهرية في أرض مصر سكانها على زراعة العديد من المحاصيل الغذائية، كما أسهما في توفير بيئة حياة لأسماك وطيور جاءت من كل حدب وصوب إلى هذه الأرض فخلقت تنوعا في مصادر الطعام استفاد منه المصري قديما.

احتل الطعام أهمية في حياة المصريين كما يتضح من إحدى وظائف الملك نفسه والاعتقاد بأن "كلماته هي التي تخلق الطعام". وعرف المصريون زراعة العديد من الخضراوات كالبازلاء والثوم والبصل والخس، كما توجد نقوش تشير إلى معرفتهم منذ عصور مبكرة زراعة أنواع من الفواكه كالتمر، الذي يعد فاكهة شعبية لعموم السكان، إلى جانب فواكه التين والعنب والرمان والبطيخ، وهو ما ظهر في نقوش أبنية تعود إلى فترة عصور الدولة الحديثة، بحسب تقسيم عصور تاريخ مصر القديم.

حرص المصري القديم على عدم الإفراط أو اشتهاء الطعام حفاظا على الصحة، كما تعمّد إظهار رشاقة قوام الجنسين في نقوشه ومنحوتاته الفنية وتعاليمه الأدبية، كما يتضح من نص اطلعت عليه بي بي سي مدون في تعاليم شخص يدعى "كاجمني" ترجمتها إلى الفرنسية كلير لالويت، أستاذة الأدب المصري القديم بجامعة باريس-سوربون، في دراسة خاصة ضمن سلسلة نماذج الفكر العالمي لمنظمة اليونسكو تحت عنوان "نصوص مقدسة ونصوص دنيوية" للنص المصري القديم:

"إذا جلست مع أناس كثيرين لتناول الطعام، فانظر إلى الطعام بلامبالاة، وإن كنت تشتهيه، فإن ضبط النفس لا يكلف الإنسان أكثر من لحظة، وعار أن يكون الإنسان شرها، فقدح من الماء يروي الغلة".

وأكد المصري على ثقافة الاعتدال في وصية شخص آخر، يعرف باسم "خيتي بن دواوف"، لابنه "بيبي"، حيث يقول:

"كن قنوعا بطعامك لو كان يكفيك ثلاثة أرغفة وقدحان من الجعة، فإن لم يكف بطنك فحاربها".

ولا تساعد ندرة المصادر التاريخية في تقديم وصف تفصيلي لطرق طهي المصري لطعامه منزليا، إلا أنه يمكن تقسيم الطعام إلى قسمين اعتمادا على بيئة استهلاكهما وهما: طعام الدنيا وطعام الآخرة.

وللدنيا طعام...!!!

لم يكن طعام المصري القديم في حياته اليومية مجرد إشباع لحالة من الجوع، بل كان يستعين ببعض هذه الأطعمة في صياغة وصفات طبية تساعده في التغلب على وعكات صحية وأمراض، وهو ما يتضح من توافر عدد من البرديات الطبية التي كُتبت لهذا الغرض تحديدا، أشهرها بردية "إيبرس"، نسبة إلى مكتشفها العالم الألماني إيبرس عام 1862 في مقابر طيبة، والتي تعود إلى عام 1550 قبل الميلاد في عهد الملك أمنحوتب الأول، الأسرة 18، وهي تضم مئات الوصفات الطبية الشعبية، من بينها وصفات استعانت بأعشاب طبية ونباتات عطرية وخضراوات كالبصل ونباتات أخرى كالصبار.

كما توجد برديتان على قدر كبير من الأهمية في هذا المجال، هما بردية "هيرست"، التي تعود إلى عهد الملك أمنحوتب الأول، وتحتوي على 260 وصفة طبية، وبردية "برلين" التي تعود إلى عصر الملك رمسيس الثاني، الأسرة 19، وتحتوي على 204 وصفات طبية، فضلا عن برديات أخرى مثل "إدوين سميث"، و"شستر بيتي".

استعان المصري قديما بخيرات جادت بها أرضه الزراعية، إلى جانب الغذاء، لتقديمها خلال الاحتفال بأعياد مختلفة قسمها علماء دراسات تاريخ مصر القديم إلى "أعياد رسمية"، مثل عيد الفيضان وبداية المواسم وعيد بداية السنة الجديدة، و"أعياد محلية"، وهي أعياد تقام في أقاليم مصرية محددة، و"أعياد دينية"، مثل عيد "أوبت" الكبير لموكب الإله آمون، و"أعياد زراعية"، مثل أعياد وفاء النيل وشم النسيم، الذي اشتهر منذ آلاف السنين حتى الآن بتناول أطعمة مثل البيض والسمك المملح والبصل، وعيد حرث الأرض وعيد الإلهة "رننوتت" ربة الحصاد، فضلا عن المناسبات الجنائزية.

اهتم المصري بعيد "أوبت" الديني الشعبي الكبير، على سبيل المثال، الذي كان ينتقل فيه الإله آمون، الإله الرسمي للدولة بحسب المعتقدات الدينية المصرية في عصور الدولة الحديثة، بحسب تقسيم عصور تاريخ مصر القديم، من معبده في الكرنك إلى معبد الأقصر، وكان الملك يقدم خلال هذه المناسبة الشعبية القرابين المكونة من اللحوم والطيور والفاكهة واللبن والخبز والجعة.

وقد تساعد محاولة تقسيم طبقات المجتمع في مصر القديمة في تسليط الضوء على العادات الغذائية التي تميزت بها كل طبقة من طبقات المجتمع.

كان طعام طبقة البسطاء من الشعب، كالفلاحين، وهم الطبقة الكادحة في أرض البلاد والأكثر فقرا، يعتمد على وجود الخبز والجعة وبعض الأطعمة البسيطة من الخضر، أما عن تناول لحوم الحيوانات فكان هؤلاء الفلاحون يؤثْرون الحقل ورعاية تلك الحيوانات، التي تساعدهم في أعمالهم الزراعية، على الاستمتاع بتناول لحومها، لذا عمدوا إلى ما يعرف بترشيد الاستهلاك لصالح مصدر رزقهم.

أما الطبقة الوسطى، التي تمثل عمال البناء وجماعة الحرفيين، فكانت أوفر حظا مقارنة بالفلاحين إلى حد ما، إذ اعتمدت أعمالهم على ما يعرف بنظام توزيع المؤن اليومية، التي تنوعت فيها الأطعمة بين لحوم وأسماك إلى جانب الخضر، ويشير إلى ذلك ما كشفت عنه أعمال التنقيب في مقابر عمال بناء الأهرام، في منطقة الجيزة، حيث عثرت على بقايا أطعمة، من بينها هياكل أسماك كانت توزع على العمال أثناء أداء مهام عملهم.

وعن الطبقة العليا وطبقة النبلاء، وهي الطبقة المترفة في المجتمع، تنوعت صنوف الطعام بين اللحوم والأسماك والطيور والخضراوات والفاكهة من أجود الأنواع، وكذا الخبز والفطائر والمشروبات وعلى رأسها النبيذ، كما يتضح من نقوش مقابر نبلاء الدولة على مر العصور، وأبرزها نقش في مقبرة الوزير بتاح حتب، في عهد الملك جد-كا-رع في الأسرة الخامسة، جالسا أمام مائدة قرابين عامرة بكل ما لذ وطاب، يشرب قدحا من "الماء الطاهر" وأمامه الخدم والكهنة يذبحون الماشية ويحملون الأطعمة الطازجة، بينما يوجد نقش علوي لخادمات يحملن الأطعمة.

طعام العالم الاخر ...!!!!

ربط المصري قديما بين عاداته الغذائية والدين، الذي اهتم به منذ أقدم عصوره، كظاهرة اجتماعية يحتاج إليها كل تجمع بشري بما يخدم ضبط سلوكه وقواعد تعامله مع الآخرين في بيئته اليومية، فكان إحساسه بوجود قوى خارقة وراء ظواهر اعتمدت عليها حياته وأثرت فيها سببا وراء تنوع الآلهة، لامتلاك كل إله قوة خفية تفوق قدرة الإنسان، فحرص على تقديم أطعمة خاصة لهذه الآلهة في شكل قرابين بغية استرضائها وطمعا في حمايتها له من شرور الحياة.

وتعددت مهام هذه الآلهة في النظام اللاهوتي المصري، كما ارتبط بعضها بأنواع مختلفة من الطعام، مثل الإله "نبري"، الذي اتخذه المصريون ربا للقمح، المحصول الرئيسي في البلاد، والإلهة "رننوتت" ربة الحصاد وسيدة الحقول، والإله "شسمو" رب النبيذ، والإلهة "حات-ام- حت" ربة الثروة السمكية، إلى جانب الإله "حعبي"، إله النيل والفيضان، رمز كل عطاء للخيرات في هذا البلد.

اعتاد المصريون تقديم قرابين الغذاء للآلهة في المعابد، وكانت بمثابة عبادة دورية شبه يومية، تتألف من الخبز والفواكه واللحوم، وهي أطعمة أساسية كان يعتمد عليها الكهنة والعاملون في المعبد، وكان يشترط التطهْر أثناء تقديم هذه القرابين من الأطعمة كما يشير نص يعود إلى عصر الدولة القديمة:

"كل من يدخل هنا يجب أن يكون نقيا، ويتطهر كما يتطهر عند دخوله معبد الإله الكبير".

آمن المصريون قديما بأن الآلهة مثل البشر تحتاج إلى طعام وشراب، لذا كان من بين شعائرهم الدينية تقديم قرابين في مواعيد شبه ثابتة أمام رمز هذا الإله، أو إقامة ولائم جنائزية لإرضائه خلال مراسم دفن متوفي وانتقاله إلى العالم الآخر، فهي ولائم تقام وقت الوفاة وأمام قبره، عامرة بالأطعمة وقدور الشراب وأنواع الأزهار.

وتشير تفاصيل سجلتها بعض النقوش التي تعود إلى عصر الدولة الحديثة، بحسب تقسيم عصور تاريخ مصر القديم، إلى تفاصيل هذا اليوم الذي كان يرتدي فيه أهل المتوفي أحسن الثياب ويحملون أوعية النبيذ أثناء مراسم دفن الميت من الطبقة الغنية، أما الطبقة الفقيرة فكانت تلجأ إلى تبسيط تلك المراسم قدر الإمكان بما يتناسب ومستواها الاجتماعي.

ويجسد نص من مقدمة الفصل 99 من فصول كتاب "الخروج إلى النهار"، المعروف مجازا بكتاب الموتى عند المصريين القدماء، صورة من الحياة في العالم الآخر ونعيمها الغذائي، اطلعنا عليها في الترجمة الفرنسية التي قدمها العالم بول بارجيه، أستاذ الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة ليون، للنص المصري القديم:

"إذا وعي المتوفى هذا الفصل أي التعويذة سيستطيع الخروج إلى حقول الغاب، وسوف يقدمون له الحلوى وجرة جعة وخبزا من على مذبح الإله العظيم، والحقول والضياع المليئة بالقمح والشعير، وسوف يحصدها له أتباع حورس، وسوف يأكل من هذا الشعير والقمح وسوف تتغذى أعضاؤه، وسوف تكون هذه الأعضاء مثل أعضاء الآلهة".

اعتقد المصري القديم أن الميت يُبعث في قبره بعد وفاته ويمارس نشاطه من جديد بنفس احتياجاته عندما كان حيا على وجه الأرض، وكان الطعام والشراب جزءا هاما من المتعلقات الجنائزية التي توضع إلى جانب الميت، لأنه بدونها لا يستعيد حياته بعد الموت في العالم الآخر، بحسب الفكر العقائدي المصري.

عاشت الحضارة المصرية القديمة، على امتداد زماني لأكثر من ثلاثة آلاف عام، ورغم كل ما اعتراها من تقلبات دينية وسياسية واجتماعية، فضلا عن التغيرات التي طرأت عليها تاريخيا، إلا أن هذه الحضارة عاشت في إطار هويتها الأساسية، وبنفس النزوع العام، بعد أن نجح المصري القديم في التعبير عن حياته اليومية والفكرية سعيا إلى الأبدية وقهر الموت، مستعينا بأرقى وسائل التعبير الفنية وأكثرها فاعلية.

ويقول العالم الفرنسي الكبير فرانسوا دوما عن حضارة مصر القديمة إن "الهدف الأسمى من كتابة تاريخ حضارة مصر هو العمل على تقريب روح من خلقوها، والوصول إلى البؤرة التي انطلقت منها إبداعات اجتماعية وأدبية وفنية، لعالم مازال يبهر بنجاحاته وروعته، وإن كان قد اختفى منذ أكثر من ألفي عام".

 

بقلم / د.يسري عبد الغني

 

 

يسري عبد الغنيكان رفاعة الطهطاوي، رائد حركة التنوير الفكري في مصر خلال القرن التاسع عشر، أول من اعترض على نقل المسلة بعد عودته من بعثته العلمية في باريس، ورأى الخطوة بمثابة إهدار للثروة القومية وسجل اعتراضه بوضوح كما ورد في كتابه "تخليص الأبريز إلى تلخيص باريز أو الديوان النفيس بإيوان باريس":

"إن مصر أخذت الآن في أسباب التمدن والتعلم على منوال بلاد أوروبا فهي أولى وأحق بما تركه لها سلفها من أنواع الزينة والصناعة، وسلبه عنها شيئا بعد شيء يعد عند أرباب العقول من اختلاس حلي الغير للتحلي به فهو أشبه بالغصب وإثبات هذا لا يحتاج إلى برهان".

كما اعترض الشاعر الفرنسي بيتروس بوريل عام 1833 وقال بعبارة شديدة اللهجة مخاطبا الحكومة الفرنسية، أوردها سوليه في دراسته:

"ألا يمكنكم ترك كل منطقة وكل مناخ محتفظا بمفاخره وبزخرفته؟ ليس لأي شيء قيمة إلا حينما يكون في موضعه الخاص ووسط أرضه ومسقط رأسه وتحت ظل سمائه. يوجد ارتباط متبادل وتآلف حميم بين الصروح والبلاد التي أقامتها. يجب أن تتجاور المسلات المصرية مع أعمدة المعابد".

جدل على موضع المسلة

أراد شامبليون وضعها في ساحة متحف اللوفر أو أمام كنيسة "مادلين"، لكن الملك لوي-فيليب الذي كان قد وصل إلى الحكم أراد أن تقام في ميدان الكونكورد، وأصر شامبليون على رأيه معتبرا ميدان الكونكورد يقلل من هيبة المسلة، وساءت العلاقات بينهما، وتوفي شامبليون دون تحقيق مطلبه.

اضطرت فرنسا إلى صنع قاعدة جديدة للمسلة من الجرانيت المستخرج من منطقة بريتاني شمال غربي فرنسا، نظرا لترك القاعدة الأصلية في الأقصر لسوء حالتها، واستعان المهندس "لوبا" بنحو 420 جنديا فرنسيا لرفع المسلة في الميدان، ووصف لوبا خطورة المهمة في مذكراته بعنوان "مسلة الأقصر" الصادر في باريس عام 1839 قائلا:

"إن عدم فهم أمر صادر، أو وجود رباط غير جيد، أو مسمار أعوج، كان يمكن أن يؤدي إلى كارثة رهيبة، ففي حالة سقوط الرافعة ستتحطم المسلة، وتضيع ملايين الفرنكات، وسوف يُسحق أكثر من مائة عامل بلا شك".

لقد وضعت المسلة وسط ميدان الكونكورد بالاستعانة بنحو 420 جنديا لرفعها في مكانها

وأخيرا تجمع جمهور قُدّر بنحو 200 ألف شخص في 25 أكتوبر/تشرين الأول 1836 في الميدان، ووقف أوركسترا من مائة عازف على ناصية شارع "سان-فلورانتين" يعزف مقطوعة موزار "أسرار إيزيس الخفية"، وكُتب على قاعدة المسلة السطور التالية:

"في حضور الملك لوي-فيليب الأول، نقلت هذه المسلة من الأقصر إلى فرنسا، ونُصبت فوق هذه القاعدة بإشراف المهندس لوبا وسط تصفيق جمهور كبير".

كما أهدى الملك المسلة إلى ذكرى نجاحات جيش الجمهورية ولكن في عبارة باللغة اللاتينية، وليست الفرنسية، خلت من ذكر صانع المسلة الأصلي، الملك رعمسيس الثاني، وصاحب اختيار المسلة، شامبليون، وعُهد بتحريرها إلى أكاديمية المخطوطات والآداب وترجمها إلى الفرنسية آلان باجاس، وورد النصان في دراسة جان فيدال بعنوان "الغائب عن المسلة":

"ملك الفرنسيين إذ يرغب في أن ينقل إلى الأجيال التالية إحدى قمم الفن المصري وكذلك الذكرى الرائعة لإحدى الأعمال المجيدة التي تحققت بالسلاح مؤخرا على ضفاف النيل. رُفعت هذه المسلة الممنوحة لفرنسا من مصر ذاتها، ورُفعت من مقابر طيبة في 25 أغسطس 1832 ونقلت إلى فرنسا على متن سفينة شيدت لهذه المناسبة خلال رحلة دامت 13 شهرا وأقيمت هنا في 25 أكتوبر 1836، سابع أعوام ولايته للحكم".

تأثيرها في الشعر الفرنسي

ظلت المسلة المصرية مصدر إلهام وولع بحضارة مصر، وسحرت شاعر الرومانسية الفرنسي "تيوفيل غوتييه" فنظم لها قصيدة طويلة بعنوان "حنين مسلات" في ديوانه "الخزفيات وأحجار الكاميو" عام 1851، مبتكرا حوارا بين المسلة في باريس وشقيقتها في الأقصر، تشكو كل منهما للأخرى آلام الوحدة كهذه المقتطفات :

"أشعر بالملل في وسط هذا الميدان، مسلة غير متجانسة مع المكان، الثلج وقطرات الضباب المتجمد والرذاذ والمطر يثلج جبيني... أنا من استطعت بقامتي العظيمة تحدي الزمن ووقف رعمسيس ذات يوم أمامي كالقشة، صرت أداة تسلية في باريس... نهر السين الذي تصب فيه بالوعات الشوارع، هذا النهر القذر المكون من جداول يلوث قدمي التي كان نهر النيل أبو الأنهار يقبّلها كل فيضان".

وتخاطبها شقيقتها من الأقصر شاكية أيضا:

"أسهر الليل، حارس وحيد لهذا القصر الكبير الخرب، في تلك الوحدة السرمدية أمام فضاء شاسع، في أفق لا يحده شيء تحت شمس غائمة، تبسط الصحراء العريضة الصامتة أمامي بلا نهاية كفنها الأصفر... الريح هنا لا تمسح أبدا دمعة العين الجافة، يتكيء الزمن المتعب على جدران القصور الساكنة، فلا يوجد ما يزعزع وجه الخلود، فمصر في هذا العالم المتغير تتربع على عرش السكون".

شاهدة على الأحداث

دأبت فرنسا على الاحتفال بمناسباتها الوطنية في ميدان الكونكورد، فقُدّر للمسلة أن تشهد على الأحداث الكبرى حتى وقتنا هذا من بينها:

ديسمبر/كانون الأول 1840، ينتظر الجمهور في ميدان الكونكورد رفات بونابرت، وتتوقف العربة الجنائزية أمام المسلة ثم تتجه إلى ساحة "إنفاليد" لدفن الرفات.

أبريل/نيسان 1846، زار إبراهيم باشا، ابن محمد علي، باريس للعلاج وتأمل المسلة، وبعد خمسة أشهر أهدت فرنسا مصر ساعة من الطراز الغربي تزين مسجد محمد علي بالقاهرة، كشكر من فرنسا للوالي على هبة المسلة.

فبراير/شباط 1848، تحدث صدامات بين الجماهير والفرسان الملكيين حول المسلة، ويتنازل لوي-فيليب عن العرش ويمُحى اسمه مؤقتا من فوق قاعدة المسلة.

نوفمبر/تشرين الثاني 1848، يحتفل الفرنسيون أمام المسلة بالدستور الذي وضعته الجمعية الوطنية (البرلمان).

14 يوليو/تموز من كل عام تحتفل الجمهورية الفرنسية بعيدها الوطني، "يوم الباستيل"، وتقام العروض العسكرية والجوية أمام المسلة.

قمة ذهبية

اقترحت عالمة دراسات تاريخ مصر القديم "كرستيان ديروش-بوبلكور"، في سبعينيات القرن الماضي كما ذكرت في دراستها "تحت أعين الآلهة"، وضع هُريم ذهبي فوق قمة المسلة، وحدث سجال بين مؤيد ومعارض لسنوات، حتى جددت نوبلكور مطلبها عام 1998 في عهد الرئيس الفرنسي جاك شيراك بمناسبة الاحتفال بمرور مائتي عام على حملة بونابرت في مصر، وقالت إن فكرتها "سوف تحافظ على المسلة وتعطيها شكلا جماليا ورمزيا".

واغتنمت نوبلكور، حسبما قالت في دراستها، فرصة زيارة الرئيس المصري الراحل حسني مبارك لباريس كمناسبة لوضع الهريم الذهبي، وقالت :"كنت واثقة أن الهريم إذا لم يوضع في هذه المناسبة، فلن يحدث ذلك أبدا، لذلك كتبت إلى الرئيس شيراك".

ووضعت لافتة مذهبة إلى جانب قاعدة المسلة تخلّد ذكرى الحدث وترد الاعتبار لجان-فرانسوا شامبليون الذي لم يذكر اسمه عليها منذ أن وضعت في الميدان.

وإن لم توجد إشارة واحدة في جميع النصوص الفرنسية واللاتينية على قاعدة المسلة تمجد صاحبها، الملك رعمسيس الثاني، فإنه يخلد ذكره إلى الأبد في نصوص "مقدسة" باللغة المصرية القديمة تردد له تراتيل النصر على أوجه المسلة الأربعة:

"ملك مصر العليا وملك مصر السفلى، حاكم وملك مصر، الذي أدب الشعوب، حورس الوضاء، حارس السنين، عظيم بانتصاراته، ملك الشعب المطيع، الشمس الحامية للحقيقة، حاكم الحكام، الذي أنجب شمو، لكي يمارس الأحكام الملكية على العالم عددا كبيرا من الأيام، ابن الشمس، عزيز آمون: رعمسيس: ليحيا".

 

د. يسري عبد الغني

 

كاظم شمهودان ظاهرة الاساليب الفنية الحديثة وبجميع مدارسها المختلفة اتاحت للفنان اليوم فرصة ذهبية ان ينفرد بعلوم خاصة به دون رقابة المنطق والالتزام باصول النقد الذي رسمه الاقدمون، هذه المناهج الحديثة هي بمثابة انطلاق الاشكال والالوان للعب الحر في فضاء اللوحة واتخاذ طابع كوني لا نهائي وغير محدود، يسميه البعض بعالم الروحانيات .

بعض المفكرين المعاصرين اكد على ادماج الفكرة بالعمل واعتبار الفكرة غير مجردة من الواقع بل كائنة فيه، فجاء الفيلسوف – هيسول –و اكد على وحدة الفعل والجوهر والمحسوس والمجرد، وهذا مانجده ساطعا في الاعمال التجريدية البصرية للفنان العراقي الصاعد هاني دله .

107  هاني دله 1ان ما يميز اعمال هاني هو الهدوء والرومانسية سواء كان في الاشكال او الالوان، فالتعبيرية عنده ليس تشويه وعنف بقدر ما هي تعبيرية تأمليه أخاذة، فكل شكل له شحنة تعبيرية تجعل المتلقي في محيط من الجمال الروحي .

ترتبط العناصر التشكيلية في اعمال هاني من انسانية وحيوانية واشكال رمزية في بناء محكم التكوين مع الحرص على استخدام الرمز التاريخي وتوظيفه بشكل ينسجم مع التجربة الفنية المعاصرة وهو بذلك يحاول مد الجسور بين الماضي والحاضر، فرمزية الثور الذي يبرز في فضاء اللوحة لا يخلو من البعد الفلسفي والاسطوري فالذي لا يعرف تاريخ حضارة وادي الرافدين ربما لا يعرف رمزية الثور المجنح في الاساطير الآشورية وملحمة كلكامش . واتذكر قول للفنان المفاهيمي الاسباني تابيس (ان اللوحة هي تاريخ).

107  هاني دله 2

النغم في اعمال هاني:

النغم هو مصطلح يستخدم عادة في الغناء والطرب ولكن النقاد الاوربيون منذ القرن السادس عشر استخدموه ايضا في الفنون التشكيلية فرسم الاشخاص في تأليفات وتكوينات لا ينتج عن خلق روابط مادية فقط وانما ينشأ نوع من النغم، ذلك الذي يبعث ذبذباته الصوتية الى المتلقي بطريقة جمالية رومانسية كما ان الانسجام في الالوان يثري العمل الفني وينتج نغم، وبالتالي نجد عملا فنيا طروبا يسر الناظر اليه . يقول الفيلسوف شوبنهاور (كل الفنون تطمح الى ما وصلت اليه الموسيقى) حيث ان الموسيقى تدخل مسامع الانسان دون واسطة مادية . اما الفنان فهو يطمح ان يخاطب المتلقي روحيا عن طريق اللون والخط والفكرة فيطربه .

و يظهر التوافق والانسجام في الوان لوحات هاني غزير النغم حيث تتدرج الالوان والخطوط وتسيح في فضاء اللوحة كالسراب او الغثاء الذي يطفوا على سطح الماء لكي يزيد من القوة التعبيرية للشكل الخيالي او للشبح الانساني الذي يظهر خلفها وبينها او ذلك الثور الذي يتكرر في لوحاته، وكأنه يعرض لنا مشهدا من ملحمة كلكامش وصراعه مع الثور السماوي خمبابا وانتصاره عليه .. وتروي لنا الاساطير السومرية بان الالهه عشتار قد احبت كلكامش وطلبت الزواج منه ولكنه رفض ذلك واهانها فطلبت من الاله- انو - ان يرسل عليه ثور السماء ليقتله ففشل وانتصر عليه كلكامش .. وبالتالي نرى في اعمال هاني تكرار الشبح الانساني والثور وقد نفذت باسلوب تجريدي رمزي اي باختزال وتبسيط الخطوط والاشكال لتكون قراءة المشهد تأملية وفكرية وفي نفس الوقت الغور في اعماق تاريخ بلاد الرافدين واساطيره.

107  هاني دله 3

و قد ذكر الكاتب الانكليزي راسكين في كتابه – مصورون محدثون – بان النغم هو الارتياح الكامل والعلاقة بين الاشياء في تضاادها وانسجامها ونسب الظلال والضوء وكثافتها وعتمتها، وبالتالي كل هذه العناصر تساهم في خلق الانغام الجميله التي يرتاح لها المشاهد .

في يوم من الايام كان الفنان الروسي كاندنسكي في حفل موسيقي لفاغنر وفي اثناء ذلك حدث له امرا غريبا حيث تمثلت النغمات امام عينية الوانا، وبعدها قال: (رايت كل الالوان في روحي قبل ان تراها عيني).. و من ذلك يتضح ان النغم الخاص بكل موضوع يبرز بواسطة اللون المنتشر فوق مساحته المخصصة له في الرسم ونسبة تنوعه في درجاته، اذن ان النغم مصطلح يستخدم في الموسيقى والتشكيل على حد سوى .

قلنا ان هاني قد عمد في معظم اعماله الى الاختزال والتبسيط في الاشكال والالوان وهي صفة تمتاز بها الفنون البدائية ومعظم الفنون الحديثة حيث رفع فنانوا الحداثة شعار (ان القليل يعني الكثير) وهو ما يطلق عليه ايضا بالفن المفاهيمي .. وحتى في مجال الاخلاق والادب والخطابه نجد ان التركيز على جوهر الموضوع يعد كلاما من ذهب .. وفي هذا المجال يقول ابو العتاهية:

و فرز النفوس كفرز الصخور     ففيها النفيس وفيها الحجر

و خير الكلام قليل الحروف        كثير القطوف بليغ الاثر

107  هاني دله 4

هاني دله علي من ابرز فناني الشباب العراقي المعاصر وتشير اليه اعماله قبل الكلام عنها ، وبهذا الصدد يقول احد علمائنا (فلتكن اعمالكم تسبق اقوالكم ) .. ولد هاني في عام 1969 في هيت – الرمادي -، وتخرج من معهد الفنون الجميله في بغداد عام 1990  كما حصل على منحة للدراسة في اكاديمية الفنون الجميلة في وارشو في بولندا .. اقام عدة معارض شخصية وجماعية داخل وخارج العراق وحاز على عدد من الجوائز الفنية التقديرية ..

 

د. كاظم شمهود

 

يسري عبد الغنيتعد مسلة الأقصر أقدم أثر على أرض باريس يشهد على "ولع فرنسي" بحضارة مصر القديمة، اجتُثت من جذور معبدها في مدينة الأقصر جنوبي مصر ونُصبت في ميدان الكونكورد خلال القرن التاسع عشر، فأصبحت شاهدة على كثير من الصراعات والأحداث السياسية والوطنية للجمهورية الفرنسية حتى الآن في بيئة مغايرة لبيئتها الأصلية.

تعود مسلة الأقصر إلى عهد الملك رعمسيس الثاني، أشهر ملوك الأسرة 19 بحسب تقسيم تاريخ مصر القديم، الذي أمر ببناء مسلتين أمام معبد الأقصر تخليدا لانتصاراته في حملات عسكرية حمت أرض مصر من اعتداءات أجنبية واستباحة ممتلكاتها.

واختلف علماء تاريخ مصر القديم في تحديد الدلالة الدينية لبناء هذه الكتل الحجرية ذات الأضلاع الأربعة والقمة الهرمية، "هُريم"، والتي تقام فوق قاعدة يُسجل عليها نص تذكاري للملك والإله الذي كرست من أجله.

واتفق البعض على أنها ترمز لهبوط أشعة الشمس من السماء ممثلة في شكل الهُريم، في حين يرى آخرون أن الهُريم يلعب نفس دور الهرم كرمز "للتل الأزلي" الذي بدأت عليه عملية خلق الكون، بحسب العقيدة الدينية في مصر القديمة.

أسهم كتاب "وصف مصر" الذي وضعه الفرنسيون بعد عودتهم من حملتهم العسكرية على مصر (1798-1801) في زيادة الولع الفرنسي بحضارة مصر القديمة، لاسيما بعد تسجيل آلاف الصور لصروح بالغة الضخامة رآها العالم لأول مرة مليئة بنصوص غير مفهومة حتى اكتشف العالم الفرنسي جان-فرانسوا شامبليون أسرار هذه النصوص المصرية القديمة.

اختيار شامبليون وتناقضه

ازداد الاهتمام بآثار مصر فاستخدمها محمد علي والي مصر (1805-1848) أداة سياسية تخدم مصالحه، مغتنما صراع الدولتين العظميين وقتها، إنجلترا وفرنسا، على مسلتي "كليوباترا" في الإسكندرية وأهدى المسلتين لهما مقابل مساندتهما وتقوية موقفه السياسي أمام السلطان العثماني.

وصل شامبليون إلى مصر في أغسطس/آب 1828 ووطأ أرض الإسكندرية على رأس بعثة علمية تهدف إلى مراجعة صحة منهجه في قراءة النصوص الهيروغليفية، علاوة على فحص مسلتي "كليوباترا"، وتبين أنهما لا تمتان بصلة للملكة، بل أقامهما الملك "تحوتمس الثالث" في القرن 15 قبل الميلاد لوضعهما في معبد الشمس في مدينة هليوبوليس القديمة، ثم نقلهما البطالمة إلى الإسكندرية بعد 13 قرنا، وأُطلق عليهما بالخطأ مسلتا "كليوباترا".

وعندما زار شامبليون معبد الأقصر في جنوبي مصر أعجب بمسلتيه كما يتضح من رسالة أرسلها لشقيقه جاك-جوزيف بتاريخ 24 نوفمبر/تشرين الثاني 1828، وردت ضمن "الرسائل واليوميات خلال رحلة مصر" التي جمعتها المؤرخة هرمين هارتلبن:

"رأيت قصر الأقصر العملاق، تنتصب أمامه مسلتان ارتفاع كل منهما 80 قدما (حوالي 24 مترا)، نحتتا بإتقان من كتلة واحدة من الجرانيت الوردي، فضلا عن أربعة تماثيل ضخمة لرعمسيس الأكبر من الجرانيت الوردي أيضا".

ويضيف شامبليون : "يعجز لساني عن وصف واحد من ألف مما يجب وصفه عند التعرض لمثل هذه الأشياء، فإما أن يظنني الناس مفعما بالحماس أو معتوها مجنونا إذا نجحت في إعطاء صورة ولو شاحبة هزيلة عنها... أعترف أننا في أوروبا لسنا سوى أقزام، وأنه لا يوجد شعب، قديما أو حديثا، بلغ فهم وتصور فن العمارة بمثل هذه الدرجة الرفيعة التي بلغها المصريون القدماء." 

وأمام هذا السحر والإعجاب تراجع شامبليون عن فكرة استلام مسلتي "كليوباترا"، هدية محمد علي، كما قال في رسالته لشقيقه بتاريخ 4 يوليو/تموز 1829:

"أشعر حيالهما بالشفقة والرثاء منذ أن رأيت مسلات طيبة (الأقصر). فإن كان محتما نقل مسلة مصرية إلى باريس فلتكن إحدى مسلتي معبد الأقصر، وستجد مدينة طيبة العريقة السلوى في الاحتفاظ بمسلة الكرنك، التي تعد أروع المسلات جميعا".

أثار موقف شامبليون جدلا بين المؤرخين، لاسيما وأنه دأب في أكثر من مناسبة على طلب الحفاظ على آثار مصر، من بينها مذكرة رفعها إلى محمد علي في هذا الشأن تحت عنوان "مذكرة سُلمت إلى الوالي بشأن حفظ وصيانة الآثار المصرية القديمة":

"ستدين أوروبا بأسرها بالعرفان لسمو الملك إذا تفضل باتخاذ تدابير فعّالة تهدف إلى صيانة المعابد والقصور والمقابر وجميع الآثار الأخرى التي لا تزال تشهد على عظمة وقوة مصر القديمة، والتي تعد في ذات الوقت أروع ما يزين مصر الحديثة".

ويضيف شامبليون في مذكرته : "يمكن لجلالة الملك، بغية تحقيق هذا الهدف، أن يأمر بعدم اقتلاع، بأي حال من الأحوال، أي أحجار أو قوالب طوب منقوشة أو غير منقوشة من الأبنية والآثار القديمة التي لا تزال قائمة في المواقع سواء في مصر أو النوبة".

ويقول المؤرخ الفرنسي روبير سوليه، في دراسته الخاصة "الرحلة الكبرى للمسلة"، إن شامبليون "لم يكن من بين الأجانب الذين كانوا ينهبون التراث المصري بهدف التربح، بل كان يهدف إلى وضع تلك القطع الأثرية في مكان آمن حتى يستطيع العلماء دراستها ويستمتع بها الجمهور الأوروبي".

أما شامبليون نفسه فقد أفصح في رسالته لشقيقه بتاريخ 4 يوليو/تموز 1829 قائلا:

"ستصبح فرصة عظيمة لعرض أثر مثل هذا القدر من الروعة في فرنسا بدلا من الأشياء التافهة والزينة الرخيصة التي نسميها نحن بكل زهو آثارا وطنية، والتي تصلح بالكاد لتزيين صالونات صغيرة ... إن كتلة كتلك المسلة المهيبة تكفي بمفردها للتأثير بشدة على العقول والأعين. كما أن عمودا واحدا من أعمدة الكرنك يعد أثرا بمفرده أكثر من الواجهات الأربعة لفناء متحف اللوفر".

مغامرة شاقة

كيف نُقلت كتلة حجرية تزن 230 طنا من الأقصر إلى باريس؟

استبعد شامبليون فكرة تقطيع المسلة ووصف ذلك بـ "تدنيس للمقدسات"، لاسيما وأن الرومان كانوا قد نجحوا في القرن الرابع الميلادي قبل فرنسا في نقل مسلة من معبد الكرنك، عبر البحر المتوسط، ونصبوها في ميدان القديس بطرس في روما.

شيدت فرنسا لهذا الغرض سفينة مستوية القاع تستطيع السفر في مياه البحار والأنهار، تفاديا لتعدد نقل المسلة من سفينة لأخرى وأطلقت عليها اسم "الأقصر"، غادرت ميناء تولون في 15 أبريل/نيسان عام 1831، وعلى متنها طاقم من 150 شخصا من حرف مختلفة، جميعهم تحت قيادة المهندس "أبوللينير لوبا".

وصل الطاقم إلى الأقصر يوم 14 أغسطس/آب، وبدأ العمل ثم توقف بسبب وباء الكوليرا الذي أصاب 15 فرنسيا، وتسبب في وفاة 128 مصريا، ووصف ريمون دي فرنيناك سان-مور، قائد بعثة نقل مسلة الأقصر إلى باريس، في مذكراته وملاحظاته بعنوان "رحلة السفينة الأقصر في مصر" التي نشرها في باريس عام 1835 مشهد هؤلاء المصريين:

"إن الفلاحين المساكين الذين أصابهم وباء الكوليرا لم يكن لديهم مشروب سوى ماء النيل ولا سرير سوى الأرض، ومع ذلك لم تصدر منهم أي صرخة أو شكوى، فمنهم يتعلم المرء أن احتقار الحياة يوجد في العراء أكثر مما يوجد في كتب الفلاسفة".

لم تُقطع المسلة عن قاعدتها قبل يوم 31 أكتوبر/تشرين الأول، وكتب فرنيناك رسالة إلى شامبليون :

"ابتهج معنا يا سيدي المواطن، لقد غادرتنا الكوليرا، وخضعت المسلة الغربية بالأقصر أمام أبسط الوسائل الميكانيكية الحديثة. أمسكنا بها أخيرا ومن المؤكد أننا سنحضر إلى فرنسا هذا الصرح الذي لابد وأنه سيزودكم بمادة لدروسكم الممتعة... ستشهد باريس ما صنعته حضارة قديمة من أجل صيانة التاريخ في ظل عدم وجود مطبعة. وسترى (باريس) أنه إذا كانت فنوننا مدهشة، فإن شعوبا أخرى صنعت فنونا قبلنا بأزمنة طويلة لا تزال نتائجها المدهشة تذهلنا حتى اليوم".

لزم الأمر التفاوض مع الأهالي لشراء بيوتهم وهدمها من أجل إفساح الطريق ونقل المسلة على قضبان من الخشب بمساعدة 400 عامل مستأجرين إلى أن وضعت المسلة على ظهر السفينة في نهاية ديسمبر/كانون الأول.

واجهت السفينة بعد إبحارها صعوبات واضطرت إلى الرسو من جديد في مدينة رشيد بسبب عدم قدرتها على اجتياز مياه النيل إلى البحر المتوسط، فاستعانت بواحدة من أوائل السفن البخارية الفرنسية في العصر واسمها "أبو الهول" وقطرت "الأقصر" وسط بحر مضطرب لمدة يومين هدد السفينة بالغرق وهلاك الطاقم والمسلة في قاع البحر، حسبما وصف فرنيناك في مذكراته.

وصلت السفينة إلى ميناء تولون يوم 10 مايو/أيار 1833، وعبرت مصب نهر السين ووصلت إلى باريس في 23 ديسمبر/كانون الأول بعد رحلة شاقة.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

يسري عبد الغني"أنا متفرغ تماما للغة القبطية، أود أن تكون درايتي بهذه اللغة كالفرنسية تماما، لأن عملي الضخم في البرديات المصرية سيقوم على أساسها"

هكذا أرسى العالم الفرنسي جان-فرانسوا شامبليون، كما أوضح في رسالته إلى شقيقه الأكبر جاك-جوزيف عام 1809، دعائم مشروعه العلمي لكشف لغز الكتابة المصرية القديمة "الهيروغليفية"، مستعينا باللغة القبطية، وفك ما استعصى على علماء اللغة لقرون، لتبوح أطلال مصر الصامتة بأسرار إحدى أقدم الحضارات التي عرفتها الإنسانية.

وتعتبر النصوص المصرية القديمة والنصوص القبطية نافذة على تاريخ مصر القديم وحضارتها، إذ تمدنا اللغة المصرية، بجميع مراحلها، بمعارف دقيقة عن الفكر المصري خلال عصوره المختلفة، والذي تميز بالتطور والاستمرارية على نحو جعل مصر خارج إطار عصور ما قبل التاريخ الحجرية، متقدمة على بقية الشعوب القديمة.

كُتبت اللغة المصرية القديمة على مدى تاريخها الطويل بأربعة خطوط، ثلاثة خطوط من أصل واحد: الهيروغليفي والهيراطيقي والديموطيقي، وتعبر عن الكتابة التصويرية، أما الخط الرابع فهو الخط القبطي، ويعبر عن الكتابة بأبجدية، ولا ينتمي إلى الأصل السابق، بل هو خليط من الحروف اليونانية القديمة، مع تطويع بعض علامات الخط الديموطيقي.

أهمية القبطية في تاريخ مصر

يعد الخط القبطي آخر مراحل تطور خطوط اللغة المصرية القديمة، وتشير دراسة بعنوان "تاريخ اللغة القبطية"، صدرت ضمن سلسلة "كراسات قبطية" عن مكتبة الإسكندرية، إلى أنه: "عند دخول العرب مصر، كانت اللغة اليونانية هي اللغة الرسمية والسائدة بين طوائف المتعلمين والمثقفين من المصريين والأجانب على حد سواء، بينما كانت القبطية وخطها سائدين بين عامة المصريين، بالإضافة إلى بعض الأجانب المقيمين في مصر الذين أجادوها كلغة للتعامل اليومي".

استطاعت القبطية أن تنقل اللغة المصرية القديمة من الكتابة التصويرية إلى الكتابة بأبجدية لغوية، وتبرز أهمية ذلك في إظهار النطق الكامل للكلمات، نظرا لأن هذا الخط يعد الشكل الوحيد من أشكال الكتابة الذي يتضمن حروفا متحركة، أسهمت في التعبير عن حركة الأصوات المكتوبة مقارنة بالخطوط المصرية الأخرى.

ويشير العالم الفرنسي جان-لوك فورنيه في دراسته "بيئة متعددة اللغات في مصر القديمة العصر المتأخر: التوثيق اليوناني واللاتيني والقبطي والفارسي" إلى أن المراحل المبكرة الأولى للقبطية "لم تستخدم أي نظام كتابي مصري سابق، هيروغليفي أو هيراطيقي أو ديموطيقي، لأن مصر في هذه الفترة من العصور المتأخرة كانت متعددة الثقافات".

ويضيف فورنيه: "لعبت اليونانية دورها الأساسي في الآداب والثقافة والإدارة، وقد استُعملت الأبجدية اليونانية القديمة مع بعض علامات الخط الديموطيقي لإضافة بعض الأصوات المصرية الصحيحة غير الموجودة في اليونانية لتكوين الأبجدية القبطية".

"شامبليون والقبطية"

وُلِد شامبليون في 23 ديسمبر/كانون الأول عام 1790 فى مقاطعة فيجاك الفرنسية، ونظرا لاضطراب الأوضاع في أعقاب الثورة الفرنسية، لم يستطع الالتحاق بمدارس التعليم النظامي، فتلقى دروسا خاصة فى اللغتين اللاتينية واليونانية. 

التحق شامبليون بالمدرسة الثانوية في مدينة جرونوبل، حيث كان شقيقه جاك-جوزيف يعمل باحثا فى معهد البحوث الفرنسى، وظهر اهتمام شامبليون المبكر باللغات القديمة، مثل القبطية والعربية والعبرية والكلدانية والسريانية.

أيقن شامبليون أن القبطية لا تزال حية فانصب اهتمامه على البحث في تراكيبها وأصواتها بدقة

ويقول المؤرخ الفرنسي روبير سوليه، في دراسته "مصر ولع فرنسي" إن شامبليون بفضل معرفته، من خلال شقيقه، بجوزيف فورييه، الذى شغل منصب سكرتير البعثة العلمية خلال حملة نابليون بونابرت على مصر (1798-1801)، شغف بدراسة تاريخ مصر بما وفره له من مساحة اطلاع على مجموعته الخاصة من مقتنيات أثرية أثارت فضول شامبليون وقادته نحو عشقه لكل ما ينتمي إلى مصر.

ويضيف سوليه: "أطلعه (فورييه) على أوراق بردي ومقتطفات من الكتابة الهيروغليفية المنقوشة فوق الحجر، كما قدّمه لبعض زواره مثل دوم رافائيل، الراهب القبطي، الذي يلقي دروسا في اللغة العربية في مدرسة اللغات الشرقية".

حجر وثلاثة نصوص

بدأ العد التنازلي لمجد شامبليون قبل سنوات من هذا اللقاء عندما شن نابليون بونابرت حملة عسكرية على مصر عام 1798، أثمرت بطريقة غير مباشرة عن مخزون علمي من وصف جغرافي وتاريخي وثقافي لمصر وشعبها، ضمن مشروع موسوعة "وصف مصر"، وكان من أبرز أعمال الحملة بالطبع اكتشاف "حجر رشيد" على يد الضابط بيير فرانسوا بوشار فى 19 يوليو/تموز عام 1799 أثناء إجراء تحصينات عسكرية.

يعود نقش حجر رشيد إلى عام 196 قبل الميلاد، وهو مرسوم ملكى صدر فى مدينة منف تخليدا للحاكم بطليموس الخامس، كتبه الكهنة ليقرأه العامة والخاصة من المصريين والطبقة الحاكمة، فجاء نصه بلغتين وثلاثة خطوط: "الهيروغليفي"، اللغة الرسمية فى مصر القديمة، و"الديموطيقي"، الكتابة الشعبية فى مصر القديمة، واليوناني القديم، لغة الطبقة الحاكمة في ذلك الوقت.

وعندما خرج الفرنسيون من مصر عام 1801 سلّموا حجر رشيد للقوات الإنجليزية من بين ما سلموه من آثار استولوا عليها في مصر، واشترطوا عمل نسخ من نقوشه مستخدمين الورق المقوى والأحبار لطبع الأشكال والحروف، سيستعين شامبليون بنسخة منها، وأصبح الحجر ضمن مقتنيات المتحف البريطاني منذ عام 1802.

مصري يحمل المشعل

التقط شامبليون طرف الخيط من دراسته للقبطية، التي لم تعد تستخدم إلا في صلوات وطقوس دينية مسيحية، وتُكتب بحروف يونانية، ولا توجد لها علاقة ظاهرية بالخط الهيروغليفي، فمنذ القرن الرابع الميلادي لم يُنقش شيء بالخط الهيروغليفي في مصر، وذهب سره مع آخر كهنة مصر القديمة.

كان شامبليون قد استمع لأول مرة فى حياته لقداس باللغة القبطية في كنيسة بإحدى ضواحى باريس، إنها كنيسة "سان روش"، التي تعرّف فيها - بفضل أستاذه دوم رافائيل - على كاهن مصري سيعطيه مفتاح حل اللغز.

استطاع شامبليون الإلمام الكامل بالقبطية على يد هذا الكاهن المصري "يوحنا شفتشي"، الذي جاء إلى فرنسا عام 1802، وكان يعرف اللغتين العربية والقبطية، ولا نعرف عن حياته الكثير.

يذكر شامبليون هذا الكاهن في رسالة كتبها إلى شقيقه جاك-جوزيف في 21 أبريل/نيسان عام 1809، يخبره فيها عن خطوات جادة يخطوها على درب اكتشاف أسرار الهيروغليفية، أورد الرسالة المؤرخ الفرنسي جان لاكوتور في دراسته "شامبليون حياة من نور": 

"لغتي القبطية تتقدم على نهجها السلس وأجد بالفعل ما يبهجني أعظم الابتهاج، ولك أن تتخيل سعادتي وأنا أتكلم لغة أعزائي أمينوفيس (أمنحوتب) الثالث وسيتي ورمسيس وتحتمس!... سأذهب لأقابل في كنيسة سان روش بشارع سان أونوريه كاهنا قبطيا يتلو فيها القداس يدعى شفتشي، سوف يعطيني معلومات عن الأسماء القبطية ونطق الحروف".

ويضيف شامبليون في رسالته: "أريد أن أعرف هذه اللغة المصرية كما أعرف لغتي الفرنسية، فعلى هذه اللغة أرسي دعائم عملي الكبير في أوراق البردي".

ويقول المؤرخ المصري أنور لوقا، في دراسة موجزة بعنوان "يوحنا شفتشي معلم شامبليون"، في موسوعة تراث الأقباط، إن هذا الكاهن "كان يقيم في شارع سان روش بباريس عندما قصده الطالب شامبليون ليأخذ درسا خصوصيا في نطق اللغة القبطية، وظل راعيا لكنيسة سان روش للأقباط المهاجرين الذين حطوا بباريس، حتى قرر في سنة 1825، أن يرحل إلى مرسيليا التماسا لمناخ أدفأ وأنسب لحالته الصحية، وعاش بين أهل الجالية المصرية التي خرجت مع المعلم يعقوب وبعده، واستقر معظمها في مرسيليا منذ عام 1801، ولا ندري متى وأين وافته المنية".

ويضيف المؤرخ البريطاني أندرو روبنسون، في دراسته "فك الشفرة المصرية: حياة جان فرانسوا شامبليون الفريدة" أن يوحنا شفتشي "كان مصاحبا للجيش الفرنسي في مصر، وقدم بعد ذلك مساعدات للجنة العلوم المعنية بنشر موسوعة وصف مصر".

استفاد شامبليون من أحاديثه المستمرة مع الكاهن شفتشي منذ نهاية عام 1807، ويقول لاكوتور: "كانت هذه العلاقة بالنسبه له كنزا لا يفنى، إلا أنه اكتشف أيضا في المكتبة الإمبراطورية مخطوطا باللغة القبطية ظهرت فيه أسماء المدن المصرية مكتوبة بطريقة تؤكد افتراضاته، وأيده في ذلك دوم رافائيل".

ويضيف: "كان شامبليون يعترف عام 1809 أنه لا يزال يبحث عن طريقه، وأنه يواجه صعوبات حتى في تحديد أسس بحثه، لذلك فهو يعمل بجد ليتمكن من اللغة القبطية، فهو على يقين أنه يقف على أرض صلبة يمكن أن يشيد فوقها وهو مطمئن".

مفتاح اللغز

تأكد شامبليون من أن المرحلة القبطية هي آخر مراحل الحديث بلغة مصر الأصلية، (وكلمة "قبط" تعريب لاسم مصر اليوناني "إيجيبتوس" الذي سقط مقطعاه الأول والأخير)، ونمت لديه قناعة بثبات أسماء الأعلام على مر العصور، وبفضل معرفته أيضا باللغة العربية، كان يستشف من أسماء المدن والأماكن في مصر، ما يكمن وراء الحروف العربية من أصوات أساسية تعيده إلى الأصل الصوتي للاسم في نطقه القبطي.

وتتبع شامبليون الخيط الصوتي مهتديا بفكرة إغفال استعارة اللغة القبطية للأحرف اليونانية في تسجيل أصواتها، وفطن إلى أن اليونانيين الذين احتلوا مصر أطلقوا على الأماكن أسماء مستمدة من أساطيرهم، في حين احتفظ المصريون بأسماء المدن الأصلية، حتى بعد دخول العرب مصر، واصلوا تسمية المدن بأسماء موروثة ولكن بأحرف عربية.

أيقن شامبليون أن القبطية لا تزال حية فانصب اهتمامه على البحث في تراكيبها وأصواتها بدقة، رغبة في أن يبرهن على أن الرسوم الهيروغليفية عبارة عن حروف لغة منطوقة ينبغي أن تحدد صوت كل حرف من حروفها بعيدا عن تأويل الصور المنقوشة على حجر أو بردية.

انغمس شامبليون في دقائق القبطية، وجمع قواعدها ووضع معجما لمختلف لهجاتها، بل راح يترجم إليها كل ما يخطر بباله من عبارات بل ويخاطب نفسه بها، وهو ما يؤكده في رسالة إلى شقيقه جاك-جوزيف عام 1809، أوردها لاكوتور في دراسته قائلا: "أما عن اللغة القبطية فأنا لا أفعل أي شيء آخر، فأنا لا أحلم إلا بالقبطي، ولا أفعل غير هذا، لا أحلم إلا بالقبطي، المصري".

ويشير سوليه، في دراسته، إلى مضمون رسالة كتبها شامبليون عام 1812 يؤكد فيها عثوره على مفتاح حل اللغز: "استسلمت تماما لدراسة القبطية، كنت منغمسا فيها لدرجة أنني كنت ألهو بترجمة كل ما يخطر ببالي إلى القبطية. كنت أتحدث مع نفسي بالقبطية... ولفرط ما تفحصت هذه اللغة كنت أشعر أنني قادر على تعليم أحدهم قواعدها في يوم واحد، ولا جدال أن هذه الدراسة الكاملة للغة المصرية تمنح مفتاح المنظومة الهيروغليفية، وقد عثرت عليه".

كانت القبطية تتردد في ذهن شامبليون وهو يعكف على دراسة الكتابة الهيروغليفية ويقارن بين حروف اسم "كليوباترا"، وحروف اسم "بطليموس"، ولاحظ اشتراك الاسمين في خمسة أصوات، وأن حرف "اللام" في الاسمين عبارة عن رسم أسد، والأسد في القبطية "لابو"، كما لاحظ غياب صورة النسر في اسم بطليموس على حين يتكرر النسر مرتين في اسم "كليوباترا" مكان حرف الألف، والنسر بالقبطية "أخوم"، أما صورة الفم، وهو بالقبطية "رو"، فتقوم مقام حرف الراء في كلمة كليوباترا، أي أن صوت الحرف الهيروغليفي المصور هو عبارة عن صوت الحرف الأول من الكلمة القبطية التي يرسم مدلولها.

 يقول شامبليون في نص "رسالة إلى مسيو داسييه" الشهيرة، التي نشرها فيرمان وديدو، صاحب مطبعة "الملك والإنستيتو"، في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 1822: "من أجل التعبير عن الأصوات والنطق، ولكي يشكلوا بذلك كتابة صوتية، أخذ المصريون هيروغليفيات تمثل أشياء مادية وتعبر عن أفكار تبدأ أسماؤها أو الكلمات الدالة عليها في لغة الكلام بالحرف المتحرك أو الساكن الذي يراد تصويره".

كان عمر شامبليون 31 عاما عندما ذهب فى 14 سبتمبر/أيلول عام 1822 إلى أكاديمية النقوش والآداب، محل عمل شقيقه جاك-جوزيف، معلنا: "المسألة الآن فى حوزتى وضعت يدي على الموضوع"، فقد تمكن للتو من كشف غموض الكتابة الهيروغليفية بعد أن قضى عقدين منكبا على دراسة اللغات القديمة، وعلى رأسها اللغة القبطية.

بداية ونهاية

كتب شامبليون نتائج بحثه فى رسالة شهيرة تُعرف باسم "رسالة إلى مسيو داسييه"، أمين أكاديمية العلوم والفنون، فى 27 سبتمبر/أيلول عام 1822، وبعد عامين كتب دراسة بعنوان "موجز منظومة اللغة الهيروغليفية عند المصريين القدماء"، وضح فيها تلك المنظومة بعبارة قال فيها: "إنها منظومة مركبة، يشمل كل نص بل وكل جملة على كتابة منقوشة تمثل رمزا ونطقا فى آن واحد".

حصل شامبليون على عضوية أكاديمية النقوش و الآداب فى مايو/أيار عام 1830، وعُين في منصب أستاذ فى "الكوليج دى فرانس" سنة 1831، فى تخصص أُنشيء خصيصا له، وهو الآثار المصرية، وجاء في نص الإعلان عن محاضراته الافتتاحية ما يلي:

"تحت عنوان ..علم الآثار.. سيعرض السيد شامبليون الصغير – عضو المجمع العلمي – مباديء المنظومات المختلفة للكتابة الخاصة بمصر القديمة – وهو بصدد تطويره لسلسلة قواعد اللغة المستخدمة في النصوص الهيروغليفية والهيراطيقية، وسوف يوضح التماثل بين اللغة القبطية ولغة المصريين القدماء، أيام الثلاثاء والخميس والسبت، الثامنة صباحا...".

ألقى شامبليون محاضرات معدودة، واضطرته ظروف مرضه وتدهور حالته الصحية إلى التوقف عن إلقاء محاضراته، في الوقت الذي كان يصارع فيه الزمن لنشر كتابين، "قواعد" و"معجم" للغة المصرية، حتى يجعل منهما التجميع البراق والنهائي لاكتشافه العلمي قبل أن يتوقف قلمه إلى الأبد.

رحل شامبليون فى فجر الرابع من مارس/آذار 1832 عن عمر ناهز 42 عاما، ولم يكن قد انتهى بعد من كتابيه، فأتمهما شقيقه جاك-جوزيف ونشرهما بعد ذلك في عام 1841.

في كنيسة "سان روش" أقيمت مراسم الجنازة في السادس من مارس/آذار، نفس الكنيسة التي كان لها أبرز دور في حياته، والتي فيها سمع لأول مرة اللغة القبطية من خلال صلواتها، وفيها تعلمها على يد الكاهن يوحنا شفتشي، ودُفن شامبليون فى مقابر "بيير لاشيز" في باريس، وأقيمت بجوار قبره مسلة من الصلصال الرملى.

لعبت القبطية دورا بارزا في تاريخ مصر القديم وفي حياة شامبليون القصيرة، استطاع من خلالها أن يسجل اسمه ضمن قائمة أهم علماء القرن التاسع عشر بإنجاز علمي ضخم، كاشفا بها أسرار كتابة مصر "المقدسة"، ليبقى اسمه حيا بها كما قال: "إن كياني كله لمصر، وهي لي كل شيء".

 

 بقلم/د.يسري عبد الغني

 

 

الكبير الداديسيالتشكيل العربي المعاصر(7)

شكلت المرأة منذ القديم تيمة أساسية في مختلف الفنون الأدبية والتشكيلية، وكان لها حضور خاصة في النحت والرسم عبر منحوتات، نقوش ولوحات في المعابد والكنائس والأديرة، ومادة تعكس قدرة الفنانين على إعادة تشكيل ما تراه العين في لمسات جمالية تجاوز ما تراه العين إلى إبراز ما تحسه إزاء مكامن الجمال في الجسد الأنثوي..

لكن لمسات الفنان العراقي صالح المالكي في تجربته التشكيلية تتجاوز النظرة النمطية للمرأة، والصورة المستهلكة عنها في الفن والتي تكاد تشيؤها من خلال التركيز على مفاتن الجسد بإظهار هذا الجسد عاريا في بعده الأيروسي، أو إبرازها في وظائف أنثوية الإغرائية في مجالس الأنس والرقص منحية، متغنجة أو متكئة في منبع مائي، منظر طبيعي أو على السرير.. ولفت أنظار المتلقي إلى ما استدار وتكور وتغور في الجسد الأنثوي..

1763  صالح المالكي 1إن المتأمل في المرأة بلوحات صالح المالكي يدرك أنها امرأة فاعلة ديناميكية رافضة للجمود تحضر بكل هالات ورمزية الحياة الطبيعة والخصوبة، بأناة وكبرياء الترفع عن التشييء وحصر المرأة في كونها مصدر إغراء، إغواء وإمتاع، فلا مجال في لوحاته للمرأة النائمة، وكأن اللوحات تعلن رفضها الانحصار في زوايا منغلقة وأن تكون وظيفتها التزيين والديكور والإمتاع فقط .. جاعلة من المرأة قضية، انتماء ووطن، فتنزل تلك اللوحات صورة المرأة من برج الأرستقراطيات الباذخات العاريات إلى بساطة المرأة الريفية حيث مواسم الحصاد والكد اليومي من أجل تأمين لقمة العيش والعمل في البيت وخارجه، فتراها في لوحة تجتهد لإيقاد النار، وفي أخرى تحمل فوق رأسها مؤونتها، أو قد شمت عن ساعدها تتأمل ما ينتظرها من أشغال، والمرأة في جميع اللوحات رمز للوقار والعفة حتى في حفلات الرقص والأعراس، قوتها في بساطتها، فرغم الخلفية الداكنة والثياب المحتشمة التي تكبح جموح الجمال المستور، 1763  صالح المالكي 2وتغطي جميع مفاتن الجسد الأنثوي، ورغم محدودية الألوان فقد استطاع الفنان إبراز الأنوثة من خلال الحشمة دون دلع ولمسات غير إيروسية، ومن خلال البساطة وتناسق الألوان وجعل وجه المرأة مصدر الضوء مما يخلق متعة بصرية تتجاوز الإثارة وتشعر المتلقي بحيايدة ومحايثة الفنان، وإن كان من المستتحيل الحديث عن فن أبيض، وفن محايد وخاصة في معالجة موضوع المرأة، ذلك لوحات صالح تبدو أكثر حيايدة فهي لا تتثير أية جنسية،سياسية، جنسية، طائفية، أو دينية وكأنما يقدم في لوحاته المرأة المكافحة في حياتها، الرافضة للتحنيط في إطار ضيق التي تملك المتلقي بجديتها ولا تترك له أي فرصة للتمييز على أساس جنسي، عرقي أو ديني، وترمي به في أتون صور منبثقة من الواقع وليس من الحلم والخيال، إنها تصوير لما هو كائن وليس لما ينبغي أن يكون، هكذا تستحيل كل لوحة تعبيرا، رمزا وعلامة دالة تختزل خصوصية الجغرافيا والتاريخ دون تعصب، ودون أن تكون صورة المرأة اختلاسا وتسللا لعوالم الحريم (الحرملك) ما دامت عدسة الفرشاة تلقط المرأة في الفضاءات العامة، فلا حضور للمرأة النائمة، ولا إشارة للملابس الداخلية، ولا إظهار لأي عضو إثارة بل حتى الخطوط والظلال والمنظور والخلفية والكتل.. وحتى إشراقة الشمس ومنبع الضوء.. تكاد تبدو في لوحات صالح محايدة في فن لا حياد فيه، ومن تم تبعد اللوحات المرأة عن الشهوة اللحظية، والغريزة الآنية لتكرس سرمديتها، ودورها التكاملي في العمل مع الرجل..

1763  صالح المالكي 4

صحيح أن اللوحات تركيز على المرأة العربية المحلية في زينتها، في لباسها و في عملها ووظيفتها الحياتية، لكن بتعال عن الفلكورية و استعراض الجوانب التي تستهوي الآخر فينا، وبتنزه عن تجنب السخرية من العادات، التقاليد والرموز الدينية والاجتماعية، فكانت اللوحات معرضا يعكس تفاصيل حياة النساء في الريف بطريقة تشعر المتلقي أن وراء كل لوحة حكاية..

1763  صالح المالكي 5

وتتوسع خيوط تلك الحكاية عندما تظهر المرأة وسط الجماعة في الأعراس والأعمال الجماعية عندما تغدو المرأة لمسة تضفي جمالا ضمن رؤية تشكيلية بانورامية متكاملة. سواء كانت كل شخصيات اللوحة نساء، أو خليطا من الرجال والنساء.. لتختلف التقنيات التشكيلية بين رسم المرأة منفردة، ورسمها ضمن الجماعة، فإذا كانت لوحات المرأة 1763  صالح المالكي 6المنفردة قد تميزت بخلفيات داكنة، محدودية الألوان، جعل وجه المرأة مصدر الإضاءة تبدد عتمة الخلفية الداكنة في لقطات متوسطة بؤرتها الأساس المرأة دون التزام بالمنظور.. فإن اللوحات الجماعية انفتحت على الأفق والخلفية المضاءة وانسيابية وشفافية الألوان في منظر بانورامي تتلاشى فيه الألوان نحو العمق وفق تقنيات المنظور بلمسات رومانسية تحمل الكثير من عبق النوستالجيا لصدى السنين المترسبة في أعماق النفس الشرقية، وحتى وإن ظهر الرجل في المستوى الأول من اللوحة، وتراجعت المرأة نحو العمق للمستوى الثاني فقد كانت المحتفل والمرحب بها، وما الرجال سوى عازفين أو راقصين مهللين لحضورها المحمولة وهي مصانة في الرقصة بوجود الرجل في طرفي صف الراقصين، أو وهي مهابة احمولة على الهودج و فوق الجمال، والرجال يقرعون الطبول وينفخون المزامير وقد اختار الفنان أن يضع على رؤوسهم كوفيات حمراء بألوانها الساخنة تعكس الحرارة الملتهبة التي أذكاها حضور المرأة في رؤوسهم، وإلا ما سر اقتصار البياض على كوفية الشيخين في يمين لوحة الراكبات على الجِمال ..

1763  صالح المالكي 7

وعندما تتحول ريشة الفنان صالح نحو عمل المرأة الريفية، صبرها وكدها تكتب كل لوحة أساطير يعجز القلم عن شرحها، وتكون اللوحة وحدها القادرة على نقل ذلك الكم الهائل من الدلالات والمعاني التي تئن اللوحة بحملها، إذ تقدم اللوحات المرأة رمزا للعمل، الصبر، المسؤولية، القيام بالواجب في البيت وخارجه، وإذا كان المرء يبحث عن جواب سؤال الحواريين لعيسى (يا روح الله، كيف لنا، ندرك جماع الصبر ومعرفته؟) فما عليه سوى التأمل في تفاصيل لوحات المالكي، ليدرك مدى صبر المرأة وقناعتها وتجلدها، وهو يراها تقف مرفوعة الهامة تمشى الهوينى بخطوات ثابتة غير متذمرة تحمل على رأسها أكواما ورزما من القش والكارتون في تحد وإصرار، أو وهي منهمكة دون كلل في الحصاد، تتضاءل خصوبة الأرض أما خصوبتها، أو وهي على ألة الخياطة ترتق ما قطعه الزمان، أو وهي تغمر كل ما ومن حولها بعطفها وحنانها.. لتكون رمزية المرأة في 1763  صالح المالكي8هذه اللوحات اختزال لعطاء بدون حدود، سير دون تعب مهما اتسع المدى، وقدرة على التحمل مها ثقل الحمل.. وما يوضح كل ذلك هو حرص الفنان على أن تظل المرأة محتفظة بابتسامتها، ونضارة وجهها، وطلاقة أساريرها، مجدة تعمل في همة ونشاط بدون انتظار أجرة أو ثناء أحد، تحب وتقبل على ما تقوم به دون تذمر، والصبر ضياء الوجوه، وتبديد لعتمة الكلل،

 بتقديم المرأة في صورة الخادمة غير المخدومة، العاملة غير الكسولة، النافرة من الهجوع والخلود للفراش.. تكون المرأة في لوحات المالكي معادلة للحياة، وحتى وإن أوحت ملامح النساء للبعض بالفقر والأمية، فإن ذلك لم ينقص من قيمة المرأة، كمحرك ومحور الحياة الريفية، فقد يعتل الرجل أو يغيب في اللوحة وتستمر الحياة، لكن لا تستقيم حياة في البادية دون امرأة، إنها نصف المجتمع والمسؤولة عن تربية وتنشئة وإسعاد النصف الآخر.

 

 ذ. الكبير الداديسي

         

         

105  علي العبدلي 4عرفته في (الفيس بوك) يُعلق على ما أكتبه من رؤى فلسفية، فكنت أظنه قد درسها دراسة أكاديمية، ولكنني بعد أن زادت معرفتي به، عرفت أنه درس في كلية الفنون الجميلة، ورسام من طراز خاص، لم تشغله تحولات المدارس المعاصرة مثل التكعيبية والتجريدية، لأنه منهم بما يُمكن تسميته بـ "أصل العمل الفني" بعبارة مستعارة من "هيدغر".

105  علي العبدلي 3

 يرى العبدلي أن في هذه المدارس إتقان للعبة الرسم لتحويل العمل الواقعي إلى تمثلاته في الذهن، فأ صل العمل الفني هو الواقع، ومهمة الفنان الأصلية رسم الواقع أو التعبير عنه بما يجعله عملاً تنطق الروح فيه، فضلاً عن محاولته الحفاظ على مكوناته الواقعية أو الطبيعية الأصلية، فلا تجده يرغب باللعب على تحولات الشكل وفق مخيلة الفنان إلا بما يُصيّر الفنان مُنتجاً لنصه الإبداعي في الرسم وفق محمولات الشكل في الواقع وممكنات وجوده في مخيلة الفنان (الرسام) ومشاعره.  يرسم لوحته وكأنه متلق لها، ليستلهم من المدرسة التعبيرية في المقام الأول، التعبير عن ما تُثيره فيه من مشاعره , يكشف فيها بما يُمكن أن أدعوه بـ "تلاقي الأرواح" في عالم الواقع لا في "عالم الذر" بعبارة مستقاة من الفلاسفة المسلمين.

105  علي العبدلي 1

لا أخوض بتاريخ نشوء المدرسة التعبيرية التي مثلها (فان كوخ) أو (سيزان) أو (كاندنسكي) خير تعبير، لكنني سأشير لما قدمته التعبيرية من إضافة للفن وتاريخه، فهي مدرسة تعتمد في التشكيل على الاعتقاد بإمكانية جعل العالم أجمل عبر مشاركة الفنان التشكيلي المدرك لقيمة الجمال في ترميم خراب العالم. 

105  علي العبدلي 9

ما يُميز أعمال علي العبدلي أنه يرسم بعفوية مع موهبة واعية ليترك لريشته حرية الحركة وإنتقاء الألوان، وكأن وجدانه هو الذي يُحرك ريشته، فهو رغم أنه مغرم برسم الواقع برؤية إنطباعية، وله رسومات كثيرة تدخل في فضاء رسم الواقع والطبيعة والبورتريه، لكنه حتى في رسوماته هذه، نجد حضوراً للتعبيرية ونزوعه (الوجداني) = (الذاتي) في رسم الشكل لا ووفق مقاسات وألوان يحكمه بها اختياره للعمل المجسم الذي يرغب برسمه، فهو لا يرسم المظهر الطبيعي والشخصية كما هي، ولا ينشغل بالموديل أو الطبيعة الشاخصة أمامه، بقدر ما يُحاول أن يخلق منها سطحاً تصويرياً لا يفقد صلته بالواق المشخص، ولكنه في الوقت ذاته لا يكون نسخة تصويرة منه.

105  علي العبدلي 5

يرسم العبدلي لوحاته ليمزج فيها ذاتية الفنان وشاعريته التي يختار بها أنموذجه الذي يروم رسمه، لتكتشف أن علي العبدلي ينفّذ لروح الواقع (الأنموذج)، فتكتشف أنه يرسم صورته التعبيرية المندكّة بروح العمل الفني أو أصله؟. 

105  علي العبدلي 2

رغم ما يؤكده النُقاد على أن الإنطباعية تُناقض التعبيرية، لأن الإنطباعية تعتمد على المشاهدة الحسية المباشرة، بينما التعبيرية تحاول الكشف "المسكوت عنه" أو "الضامر" خلف الظاهر من العمل الذي يروم الفنان رسمه لإظهاره، أو ما أسماه كانط "النومين" أو "الشيء في ذاته" الذي لا قدرة للحس ولا للتجربة على إدراكه بروحية فيها من "التجلي الجميل" بعبارة غادمير ما يجعلها تخترق "أصل العمل الفني" وتحضر بتجاوز لمعناه في تلقينا لواقعه الشاخص. أقول رغم أن العبدلي يرسم الظاهرة "الفينومين"، لكنه لا يرسمه بقصد مطابقة الشكل للواقع الشاخص، بقدر ما يُحرك أو تتحرك ريشته لترسم روح الطبيعة بانتماء يقصده أم لا لمقاصد المدرسة التعبيرية في الرسم.

105  علي العبدلي 6

 يرسم العبدلي لوحته وكأنه يُعيد لنا رغبات التعبيرين في جعل الفن رسالة للمحبة، فتجده حينما يرسم بورتريه , أو يرسم الطبيعة يُظهر لك جمال الألوان في إندماجها، ولن تجد في لوحاته لوناً يُثير حين تلقيك له ما يستفزك أو يُثيرك، فهو ينقلك من جمال الألوان في الطبيعة لبهجتها في جمعها في سطحه التشكيلي. إنه يُجيد قصد أم من دون قصد الإنتقال من الإنطباعية بنزوعها الحسي إلى التعبيرية بنزوعها الوجداني.

105  علي العبدلي 7

في فنون "ما بعد الحداثة" تبني لما سُميّ بـ "جماليات القُبح"، وعلى ما في هذا النتاج من فن أثبت حضوره العالمي، إلّا أن العبدلي يميل إلى ما يُمكن أن نسميه "المدرسة الكلاسيكية" في الرسم، هذه المدرسة التي تُميز بين حقلين (الجمال) و(القُبح)، وهما نهران لا يلتقيان، ولا يُمكن أن يكونا وجهين لعملة واحدة، فالجمال جمال والقُبح قُبح، لذا فهو دائم الميل في أن تكون مهمة الفنان تجميل العالم، لا جعل القبيح من معطيات التذوق الجمالي، فكان كل همه في لوحاته تقريب البعد الجمالي، وإبعاد كل تصوراتنا للقُبح في الرسم، لأن مهمة الفنان ـ كما ذكرت ـ رسم عالم أجمل، السعي نحو أن يكون العالم أجمل.

105  علي العبدلي 8

لم يرغب في أن تكون أعماله (محاكاة) أو استنساخ للواقع، رغم ميله لرسم الواقع، ولكن لا كما يظهر، بل كما يبدو أو يتجلى له في عمله التشكيلي. أجد في العبدلي أنه من فيض قراءته للفلسفة، حضور للألوان بطراوة مشهدية فيها من (الإبهار) ما يجعلك تتذوق الواقع وكأنك لم تره من قبل، فهو لا يدعوك لرؤية ما تراه عيناك في رسم لوحة واقعية، بقدر ما يجعل من لوحته بمثابة حكاية يكتبها قاص أو سارد تصور الواقع برؤية فنان يحلم بتكريس "نزعة الأنسنة" في الفن العراقي، فرغم ما تجد في لوحاته من تعبير عن تلقي حسي للمكان، لكنه يخلق أمكنته الخاصة به، أمكنته المُحملة بما أسميته "نزعة الأنسنة" الفياضة بالعاطفة وكأنه صوفي يسكن الطبيعة ليعتزل فيها، بل ويسك الوجوه التي يرسمها، لعله يجد فيها من يظن أنها وجوه "رحمانية"، لذا هو لا يرسم الصورة بقدر ما يرسم تشكّلها في مجسّاته الفنية وتلويناته التعبيرية التي تظهر في لوحاته عبر محاولات استخدام بعض الألوان بطريقة مكنته من إظهار ملامح الوجوه بتعابير نفسية تجعل المتلقي مشاركاً في فهم الشخصية وإن لم يعرفها.  وكذا الحال حينما يرسم مشهداً طبيعياً، فتجده يجعلك ترى إحساسه بالمشهد لا المشهد ذاته.

 

ا. د. علي المرهج

 

 

جمال العتابيما تزال الدولة العراقية فتية، مقتنعة بالقليل من الخبز والعيش، لكن لم يكن مستحيلاً على الوطن المتفائل أن يمنح مبدعيه بما يستحقون، وتستجيب الدولة لمتطلبات العصر وتحولاته، وحاجتها لتدريب أبنائها ومنحهم فرص التعلم، والإنفتاح على تجارب العالم في ميادين العلم والمعرفة والثقافة والفن .لذا إقترن تاريخ الحركة التشكيلية في العراق بإسم أول مبعوث لدراسة فن الرسم في إنكلترة عام 1930،هو الفتى أكرم شكري، هذه البداية، إشارة لأول إنعطاف نحو الفن بوصفه ظاهرة ثقافية ترتبط بموجبات وتقاليد الحياة الجديدة .

منذ ذلك التاريخ يبدأ الفنان التشكيلي أكرم شكري المولود في بغداد عام 1910 مشروعه الفني، الذي إبتدأ بلوحة لشارع في ضباب لندن، وتخطيطاَ جميلاً بالرصاص لرأس رجل، إلا ان رحلة البحث عن تجارب جديدة، وإرتياد المجاهيل بدأت في مطلع الأربعينات، لجيل من الفنانين الرواد، بدأوا الرحلة في الكشف عن الحلول التشكيلية لمعضلاتهم الفنية، وهكذا غدت تلك التجارب، إشارات لإقتحام جدار المسلمات التقليدية السائدة في الأوساط الفنية أنذاك .

عاد شكري من لندن عام 1932 متأثراً بالإنطباعية أسلوبه المفضل،لم يبتعد عن   الطبيعة، وأجواء بغداد  وأزقتها وشناشيلها وأهلها، وهو ما صار واضحاً في معظم أعماله (بائعة اللبن، أفراح غجرية، الحيدرخانة، مسجد الكوفة، سكلّة الخشب في الموصل، الغزال، دجلة في الليل)، إن المتابع لأعمال أكرم شكري في تلك الفترة الثرية، يستطيع أن يتوقف عند خصوصيتها، وطابع التجريب فيها، وهي تحمل لحظة إفتراقها عن مدرسة عبد القادر رسام، وإبتعاد شكري عن أيامها .

1640 اكرم شكري 2

إن مواجهة الزمن المتحرك، بما يحمله من توقعات حادة، تدفع بالفنان إلى المضي بالتجربة حتى النهاية، وجد أكرم نفسه انه في حاجة إلى معين متجدد للغته الفنية، يضيفها إلى وسائله التعبيرية الأخرى، ليمارس بجرأة ذاك التكنيك الدرامي (البولوكي)، متأثراً بالفنان الأمريكي جاكسون بولوك (1912- 1956)، بعد عودته من زمالة دراسية لليونسكو عام 1954، ورحلته إلى الولايات المتحدة والمكسيك، إلتقط خلالها تجربة بولوك، فعاد متأثراً بها، وقدّم بعضاً من أعماله في معارض فنية مشتركة، كما قدّم البعض الآخر في معرضه الشخصي الوحيد في جمعية الفنانين العراقيين، ضمن مهرجان الفن العراقي،على قاعة معهد الفنون الجميلة، في عام 1956 .

1640 اكرم شكري 1وما دمنا بصدد هذا التأثير، نقول أن (جاكسون بولوك) كان أحد الرسامين الذين تركوا أثراً واضحاً في الرسم الحديث، وفي الحركة التعبيرية التجريدية، إبتدع أسلوبه الخاص في تقطير الألوان على سطح اللوحة المفروشة أرضاً، لتشكيل أنماط إيقاعية تبدو وكأنها متقاطعة، يقول بولوك عن هذا الأسلوب : أشعر أنني أقرب إلى اللوحة، أو جزءاُ منها، يمكنني أن أمشي حول جهاتها الأربع، فنانو الإنطباعات العفوية تلك، تأثروا بالسريالية التي تعتمد التلقائية والحلم واللاوعي، دون مراعاة أي دافع أوهدف خفي، إنما البحث عن التأثير العاطفي للفن، ربما كان أكرم شكري ينظر إلى تلك المحاولات، نظرة من يجرّب أو يقارن أو يقلّد، فتباينت أعماله في الأسلوب، وفي متانة العمل الفني، ولجأ إلى إسلوب التنقيط في بعض أعماله، وإعتمده كأساس في التعبير، لكن مدة التأثر هذه لم تمتد طويلاً، على الرغم من أنه أنجز خلالها أجمل أعماله الفنية، مثل لوحة (حواء)، التي تميزت بغزارة نسيجها اللوني الدافيء، وتوازن كثافاتها وملامساتها، التي توحّد فضاء اللوحة وتحييها، هذا التباين في الإسلوب لايكشف عن صراع حاد في الأفكار إلا بمقدار محدود، لكنه يشير بوضوح إلى جانب تجريبي يرتبط بعملية صناعة العمل الفني .

أكرم شكري من جيل الفنانين الشغوفين بالطبيعة العراقية، إذ تطالعنا مشاهدها في أغلب أعماله، سعياً منه لخلق حالة من التوازن مع العالم المحيط به،وهو يحاول جاهداً أن يبقى على علاقة سليمة به، فإتجه صوب المشهد الحياتي العراقي، دون النفاذ إلى أعماق الأشياء، بقدر ما يريد أن يسجل لحظات يومية يشفق أن لاتضيع من مخيلته المسافرة، كان حريصاً أن ينقلها بحدود إمكاناته التقنية، ولعل أكرم شكري أغفل إغراءات اللون في الطبيعة العراقية، ولم يتهيأ كلياً للإحساس بالأشكال، وكان على الألوان الخافتة أن تشعّ، كما نحسّها نحن أبناء هذا الوطن، من ينابيع الضوء التي تتدفق أبداً من أعماق الظلال الشفيفة .

ما يشد روابط اكرم شكري في التعبير عن الحياة العراقية، والتاثر بأحداثها، مساهمته في تأسيس جماعة أصدقاء الفن عام 1940، ومشاركته معارض الجماعة لعامي 41،1942، ومساهمته في معرض أبن سينا عام 1952،ومن المؤسف ان لازمه المرض في سنوات عمره الأخيرة، ولم يمنحه فرصة الخلود لمرسمه ليواصل عمله الفني، وتوفي عام 1983 .

 

جمال العتّابي

 

 

توفيق الشيخ حسينالفن التشكيلي من أجمل الفنون وهو يؤخذ من أرض الواقع ويرتبط بشكل كبير بالوحي والإبداع والإلهام وترجمة الرؤى والأفكار الغير تقليدية بطريقة تعبيرية والتي تحمل بين طياتها كم كبير من الغموض الذي يزيد من درجات الصعوبة في فهمه بالنسبة للشخص العادي، ويعد من أبرز الفنون المعبرة عن القضايا الإجتماعية في المجتمع، ونتيجة للتغيرات والأحداث العديدة التي حدثت في مختلف دول العالم أدت الى ظهور مدارس مختلفة منها :

"المدرسة الكلاسيكية، المدرسة الواقعية، المدرسة التكعيبية، المدرسة التجريدية، المدرسة السيريالية، المدرسة المستقبلية، المدرسة الرومانسية، المدرسة الوحشية".

المتأمل في الفن التشكيلي يجده بإختلاف مدارسه وعلى مر العصور تعبيرا ً صامتا ً ولكنه مؤثر وموثق وربما أكثر من الكتابات .

يقول الدكتور علي الغول :

" الفن تعبير عميق عما هو مخزون داخل القلوب البشرية، من إنفعالات وأحاسيس ذات رسالة معينة موجهة من قبل الفنان الى الجماهير عبر العصور والأزمنة " .

الفن التشكيلي العراقي له تأريخ عميق جدا ً ويرتبط بالحضارات التي شهدها العراق سواء في سومر أو أكد أو بابل أو النمرود، وظهرت أسماء فنانين عراقيين عريقة " فائق حسن، جواد سليم، حافظ الدروبي، شاكر حسن آل سعيد، أسماعيل الشيخلي، أسماعيل الترك، محمود صبري، زيد صالح " وغيرهم من الذين تخطت أعمالهم المحلية والعربية الى العالمية .

يظل المشروع التشكيلي لدى الفنان "صالح كريم" يشكل مبحثا ً متصلا ً ينهل من ثقافات العراق ومن مدينته البصرة، تخرّج من كلية الفنون الجميلة / بغداد / قسم الفنون التشكيلية عام 1974 .

1636  كريم

يقول الفنان " صالح كريم " عن تجربته:

" أرسم النخلة والشناشيل والبصرة والتراث والثقافة التي تخص المشاعر والإحاسيس البصرية المعروفة التي ترفع من مستوى الفني الجديد والملائم للوضع الطبيعي المعتاد، أرسم كثيرا ً ولا أستطيع العيش في الرسم لإني أسجل يومي كله بخطوط مختلفة والوان واضحة تثبت كل لوحة فنية جميلة، إني مستمر في العطاء وسعة البال " .

يميل الى الواقعية الحديثة ويستفيد من الموروث الشعبي والفلكلور والتراث ويحاول الربط بين الماضي والحاضر، يعمل على تصوير حياة الفقراء والبسطاء والحياة الإجتماعية العامة فتراه يستمتع بالخطوط والألوان والأشكال وهو يفهمها ويدرسها لا سيما إن مواضيع لوحاته الفنية مستمدة من واقعه .. يقول عنه " عدنان حسين أحمد ":

" يستلهم الفنان صالح كريم بعض أفكاره من الفنون السومرية والأكدية والبابلية القديمة ويتعاطى معها كمنجز فني عراقي وعالمي، ولعل تقنيات الحفر البارزة والغائرة التي أستعملها الفنان العراقي القديم تنبثق من جديد في لوحات الفنان صالح كريم " .

يتمتع بالثقافة البصَرية المتعلقة بثقافة العين التي تمكنّه التحول الى الفنان قادر على التعبير عما يدور بداخله برسومات وتعابير تشكيلية تحمل بين طياتها عدد كبير من المعاني والأفكار .

تلعب العيون ونظراتها في الرسم عند الفنان " صالح كريم " دورا ً كبيرا ً ومهما ً، لإنها تشكل الثيمة الرئيسية والأساسية للأحياء الباصرة وغير الباصرة وكما عبر داود سلمان الشويلي بالعيون عند الفنان صالح كريم :

" تتخذ في شخوصه تشكيليا ً أشكالا ً متنوعة ومختلفة ومتعددة مثل عيون الأسماك، وعيون الطيور، وعيون بشرية، إلا إنها بلون واحد هو اللون الأسود، وذلك لإنه لا يريد أن ينقل لنا الحالة النفسية للشخص فحسب وإنما يريد أن يعبر عن التكوين البايلوجي لهذا الشخص، وأيضا ً لإنها تحمل المعاناة من قسوة الإضطهاد والعنف الذي يريد أن يوصله الفنان لمتلقيه " .

سُئل َ الفنان" صالح كريم " عن أحب الألوان اليه :

" لون الأرض، فهو يبهرني وهو لون الشط كوني قريب من شط العرب والصحراء قريبة مني، والطين يحيط بي فهو موجود في أغلب لوحاتي ".

رغم بساطة الموضوعات التي تتجلى ملامحها أو تستوحي من محيطه الجميل الذي أشبعه بالدراسة عبر لوحاته المميزة، فتراه متجذ ّربالأرض، يستخدم اللون الذي يميل الى الإخضرار وهو دليل التمسك بتربته ولونها الأخضر الذي يعني الربيع والخير العميم .

يقول الرسام العالمي "ليونارد دافنشي":

"اللوحة هي القصيدة الصامته والشعر هو اللوحة الناطقة".

من هذه المقولة يؤكد الفنان والباحث السوري " عبدالقادر الخليل " ومن خلال إطلاعه على منجزات الفنان صالح كريم الذي جاء بقصائد صامتة تستحق كل أهتمام، الذي جعل من اللوحة رسالة الأمل، والذي أستعار جمال الفن ليعطي فكرة واسعة عن أحلام لم تنام وجسد في كل لوحة رسالة جديدة مزجها بألوان تراب الوطن .

رسم الفنان " صالح كريم " المعاناة التي تعيشها المرأة العراقية، ولأن المرأة عطاء لا يُحد ّ ولا ينضب وكونها رمزا ً للخصب وللعطاء وللتضحية وللمحبة، وقد وثق مشاعره تجاهها بالألوان والخطوط ورسمها بالزي العراقي الأصيل .

يقول الدكتور ماضي حسن نعمة:

" الفنان التشكيلي صالح كريم تمتاز أعماله بصيغة تكنيكية ناجمة عن خزين مهاري عبر مخاض من التجارب الأكاديمية التي أهلته الى فرش الألوان بجرأة ودقة في مسار تفاصيل الجزئيات المصغرة من خطوط ناعمة كي تمنح التكوينات حيوية وعمق في التأمل البصري " .

لقد جسد الفنان صالح كريم في لوحاته فن "البورتريه" وكانت لوحاته تعبر عن إنفعال بين الحنان والدفء والصمت والتألق والحزن والشاعرية والجمال، وأهتم بإبراز العمق النفسي للشخصية، يجد نفسه منغمسا ً في هموم ذاتية وعامة، يتألم لها وبها، المعاناة النفسية هي الوقود الذي يدفعه لأن يقدم صورا ً غير مسبوقة من الإبداع الإنساني، إن ما يتعرض له الفنان صالح كريم من معاناة يومية لتفاعله مع الشأن العام تجعل منه معرّضا ً بإستمرار لحالات نفسية، فاللوحة كالإنسان مكونة من طبقات نفسية، من السطح وحتى الأعماق، كل طبقة تساعد في فهم ما هو أعمق منها، وتعتبر مهارته الإبداعية في عمله الفني أداة يوصل بها دواخله الفكرية والنفسية الى الآخرين كالمتلقين والمتذوقين فنيا ً .

هذا ما عبر عنه القاص "محمد خضير":

" إن إستغراق الفنان صالح كريم في إنشاء موضوعاته المتسلسلة يصدر عن أسلوب خاص بالفنان أكتيبه من مهارته في فن التخطيط  البورتريه والنتيجة فإن الفنان صالح كريم هو رسام وجوه بالدرجة الأولى، قبل تصنيفه رساما ً طبيعيا / فطريا ً، أو أنطباعيا ً / تعبيريا ً، إنه من طينة حرة لا أنشراخ لسبيكتها ولا إنفراط لمكوناتها " .

في نهاية المطاف نجد إن تجربة الفنان صالح كريم الفنية والمتفرّدة تستحق فعلا ً التأمل والدراسة والتقييم ..

 

بقلم : توفيق الشيخ حسين

 

صباح شاكر العكامهيرودوتس (484ق.م – 425ق.م) اشهر المؤرخين الاغريق ولقب (أبي التاريخ)، قام بالعديد من الرحلات الى بلدان العالم القديم، جمع كل المعلومات  التي حصل عليها من البلدان التي زارها في رحلاته، وتدوينه للأخبار والحوادث بسرد القصص والحكايات والاساطير خالطاً اياها في كثير من الأحايين بالأخبار التاريخية دون أن ينبه عن الحد الفاصل ما بين الاثنين، ودون ذلك كله في كتابه (تاريخ هيرودوتس) والذي يعد من أقدم الكتب التاريخية، المكون من تسعة كتب (اجزاء)(1) سميت بأسماء الآلهة أو الحوريات الخاصة بالموسيقى والغناء والشعر والتاريخ وعددهن تسع آلهات بحسب الاساطير اليونانية .

 دون هيرودوتس في كتابه (تاريخ هيرودوتس) عن مدينة بابل في الكتاب الاول المسمى (كليو)(2) . وكان هنالك شكوك في أن هيرودوتس قد زار بلاد بابل، بل أن الأخبار التي ذكرها عنها قد استقاها من آخرين، فقد ذكر تسمية بلاد بابل بآشور(3) . 

وصف مدينة بابل:

لقد وصف هيرودوتس مدينة بابل وبالغ في قياس اسوارها وبعض أبنيتها، وخاصة في العهد الفارسي الأخميني (539ق.م – 331ق.م) حيث كانت معابدها وبرجها الشهير وقصورها لا تزال قائمة، دون هيرودوتس في الكتاب الاول  ص114: " تقع بابل في سهل فسيح، وهي مدينة واسعة مربعة الأضلاع طولها أربعة عشر ميلاً، ومحيطها وأطرافها ستة وخمسون ميلاً، وفوق ما تتصف به من ترامي الرقعة تفوق في بهائها كل مدينة أخرى في العالم، ويحيط بها من كل جانب خندق عريض عميق مليء بالماء، يتوسطه سور ضخم يبلغ عرضه خمسين ذراعاً ملكياً(4)، وارتفاعه مئتي ذراع . على جانبي سور بابل تقوم أبنية متقابلة من غرفة واحدة، بينها مساحة تكفي لمرور عربة تجرها أربعة جياد، ويتخلل السور مائة باب تتوزع محيطها كلها، وجميعها من البرونز وكذلك الأعمدة والنوافذ".

وصف هيرودتس نهر الفرات من منبعه إلى مصبه واختراقه لمدينة بابل وملامسته لأسوارها وبعض الابنية، وكما ورد في الكتاب الاول (كليو) ص114: " أما الفرات فهو نهر واسع عميق سريع الجريان، منبعه في أرمينيا ومصبه في الخليج العربي، يخترق مدينة بابل في مسيره فيشطرها إلى شطرين، والسور يضرب اساساته في الماء على الجانبين، وهناك سور عازل ينتصب على زاوية قائمة من السور الأول مصنوع من الآجر المشوي، ويمتد على ضفتي النهر، وهناك عدد كبير من الأبنية تقوم على ثلاثة أو أربعة طوابق . وتتسم شوارع المدينة ودروبها بالاستقامة، وتؤدي جميعها إلى النهر، وينتهي كل درب إلى بوابة من البرونز في السور، ويمكن بواسطتها بلوغ الماء".

معبد بابل:

في وسط مدينة بابل يوجد قصر الملك ومعبد الاله بعل(5)، وقد ورد في تاريخ هيرودوتس الكتاب الأول عن المعبد ص115 -116: " المعبد بناء مربع أبوابه من البرونز، وله برج في وسطه، ويعلوه برج ثاني فثالث حتى يبلغ عدد تلك الأبراج الثمانية، ويمكن ارتقاء تلك الأبراج جميعها بدرج حلزوني يتحلق على جانبيه من الخارج، وعند منتصف الطريق على السلم يوجد سلسلة من المقاعد وملجأ يرتاح إليه الصاعدون، وفي أعلى البرج ينتصب معبد كبير فيه أريكة أنيقة واسعة غنية بتطريزاتها وبجانبها طاولة ذهبية . وأما الهيكل فلا يحتوي على أي صورة أو تمثال، ولا يقيم في هذا المعبد سوى امرأة واحدة، وإن الاله يدخل المعبد ويستريح على السرير".

كما يصف هيرودوتس الهيكل الثاني المشيد في الطابق السفلي للمعبد: " يضم معبد بابل هيكلاً ثانياً في الطابق السفلي يحتوي على تمثال الإله (بعل) في وضع الجلوس، وهو من الذهب، ويقوم على عرش من الذهب، وبجانبه طاولة ذهبية، وقد أخبرني الكلدان(6) إنهم استخدموا اثنين وعشرين طناً من الذهب في صنع الهيكل . وهناك مذبحان احدهما من الذهب مكرس للقرابين من النعاج وحدها، والآخر ضخم لم يكن من الذهب مكرس لقرابين الماشية الكبيرة . يبذل الكلدان ما يقارب الثمانية والعشرين طناً ونصف الطن من البخور على المذبح الأكبر في الاحتفالات التي تقام كل عام تكريماً للالة (بعل) . وكان في أيام الملك (كورش)(7) تمثال ذهبي لرجل يبلغ قرابة خمسة عشر قدماً طولاً، إلا أن عيني لم تقع عليه (اخبرني الكلدان بذلك) . وكان الملك (داريوس بن هيستابس)(8) أراد أن يضم التمثال إلى كنوزه، إلا أن شجاعته لم تسعفه في تنفيذ ذلك . ولكن التمثال انتهى إلى خزائن الملك (أحشويرش)(9)، بعد قتل الكاهن الذي حاول منعه من أخذه".

زحف كورش على بابل واحتلالها:

قام الملك الاخميني (كورش) بغزو مدينة بابل ذات الاسوار الحصينة واحتلالها، وقد دون هيرودوتس كيفية اختراقها في الكتاب الأول ص119: قسم كورش جيشه إلى قسمين، وجعل كل قسم على جانب من نهر الفرات، وأمر رجاله بتنفيذ حفر مائة وثمانين قناة في اتجاهات مختلفة، وتم ذلك بفضل العدد الغفير من الرجال، والذي استغرق فصل الصيف بكاملة، وعندما حل الربيع زحف بجيشه إلى بابل، وكان البابليون قد تهيؤوا للأمر، وعند وصول جيش كورش إلى مشارف مدينة بابل اعترضوه، ولكنه تمكن من دحرهم، فاضطروا للانسحاب وراء تحصيناتهم، وكانوا قد عملوا على توفير مؤن تكفي سكان بابل لسنوات عديدة، ولكن كورش تابع حصاره، حتى لاح له إن النصر بعيد، فأخذ الانتظار يثير فيه اليأس من نجاح قريب . وضع كورش جزءاً من جيشه عند مصب الفرات في المدينة، ووضع فرقة أخرى عند الطرف المقابل، أي عند مخرج الفرات من المدينة، وأمر تلك القوات باقتحام المدينة حالما يبدو أن مياه النهر غدت ضحلة، وفي غضون ذلك نزل جيش فارس الذي خلفه قائده عند أبواب بابل لهذه المهمة، فخاض الجند في المياه الضحلة للنهر التي لا تكاد تبلغ منتصف ساق الرجل ودخلوا المدينة، عندما كان أهل بابل في عيد وغناء ورقص ومتعة حين أطبق عليهم الفرس وأخذوهم على حين غرة .

الضرائب المفروضة على بابل:

ذكر هيرودوتس في الكتاب الاول ص 120: كانت البلاد الخاضعة للفرس موزعة في مناطق واسعة، تجتمع كلها في توفير الضريبة المعتادة والمفروضة عليها، وتزيد بأن تمد ملك الملوك وجيشه بالمؤن والغلال، ونصيب بابل منها طوال أربعة أشهر من أصل الأشهر الاثني عشر من السنة، بينما تتولى آسيا كلها أمر الشهور الثمانية المتبقية من السنة، وهذا ما يبين أن آشور(10) كانت تضم وحدها ثلث مصادر الثروة الطبيعية في آسيا .

صناعة القوارب في بابل:

أن لوجود النهرين العظيمين (دجلة والفرات) في بلاد الرافدين ولوقوع أغلب المن على ضفاف الانهار قد أدى إلى ازدهار النقل النهري في مراحل التاريخ المختلفة، وقد دون هيرودوتس في كتابه الأول ص121- 122: كانت القوارب تمخر الفرات الى مدينة بابل، وكانت مستديرة الشكل ومادتها من الجلد، وتصنع في أرمينيا، حيث يصنعون إطار القارب من خشب صفصاف السلال، ثم يشدون الجلود المجففة المانعة لتسرب الماء منها لتكون بطن القارب، وليس لهذه القوارب مقدمة أو مؤخرة، وإنما هي مستديرة الشكل كالترس، ويقوم الملاحون بملأ القارب بالقش، ويحملون ما يشاؤون نقله على ظهره، وهي في جلها براميل من النبيذ، ويطلقون القارب ليسير مع التيار، ويتولى قيادة القارب نوتيان، وكلاهما يحمل مجذافاً، أحدهما يقف في المقدمة ليحرك المجذاف نحوه، بينما يقف الثاني في المؤخرة ويدفع مجذافه إلى الامام، وهذه القوارب تختلف أحجامها عن بعضها، وأضخمها يتسع لحمل نحو مائة وثلاثين طناً، ويحمل كل قارب حماراً، وبعض القوارب الكبيرة يحمل عدة حمير . والقاعدة الجارية أنه متى بلغ القارب مدينة بابل وبيعت حمولته، عمد النوتية إلى تفكيكه فيباع الهيكل والقش، بينما تُحمَّل الجلود على ظهر الحمار ليعود براً إلى أرمينيا، ذلك أنه يستحيل على النوتي أن يعود بالقارب بعكس اتجاه التيار صعوداً، وقد أعتمد القوم على الجلود في صناعة القوارب بدلاً من الخشب ؛ بسبب قوة التيار الذي لا يقوون على مقاومته .

أزياء أهل بابل:

ذكر هيرودوتس في كتابه الأول ص122:  يتألف الزي الذي يرتديه البابليون من إزار من الكتان، طويل يبلغ القدمين، وفوقه إزار آخر من الصوف، وعليه عباءة بيضاء، ولهم في الأحذية طرازهم الخاص . وقد درج القوم على ترك الشعر وارتداء العمامة، وكان الرجل منهم يحمل خاتماً وعصا خاصة به، وقد حُفرت على قمتها صورة تفاحة أو وردة أو اقحوانة أو نسر، وقد جرى الناس على تزيين عصيهم بمثل هذه الزخرفات .

الزواج في بابل:

دون هيرودوتس في الكتاب الأول ص122: جرت العادة في كل قرية من بابل على جمع الفتيات عند بلوغهن سن الزواج في مكان معين، والرجال متحلقون حولهن، فينادي المنادي في المزاد الفتيات كل باسمها، ويبدأ عادة بالفتاة الأجمل فالأقل جمالاً وهكذا، فيتم بيع الأجمل بالثمن المرتفع، فيتنافس الأثرياء على الجميلات بدفع أعلى الأسعار . أما من كانوا متواضعي الحال ولا ينشدون الجمال في الزوجة فإنهم من يتقاضى المال ليقبل بالفتاة الدميمة، وقد تكون عرجاء أو لربما كانت كسيحة، فينادى باسمها ويسأل المنادي من يطلب المبلغ الأقل لتكون زوجاً له، فتكون من نصيب أكثرهم قناعة .

التطبيب في بابل:

دون هيرودوتس في كتابه الأول ص 123: " البابليون لا يعرفون الأطباء، فإذا مرض أحدهم حمله أهله إلى الشارع، فيتلقى النصيحة في العلاج من كل من كان له خبرة بأصل شكواه. والعرف عندهم ليس لإمرئ أن يمر بمريض ولا يقف على حاله، وإنما عليه أن يتوقف ويسأله عن شكواه" .

البغاء المقدس في بابل:

عرفت الحضارة العراقية القديمة البغاء المقدس الذي مارسته النساء في معابد بابل تحت عباءة أفكار دينية بعينها، وقد دون هيرودوتس في الكتاب الأول ص124: أن كل امرأة في بابل كانت مجبرة على الجلوس مرة في عمرها في فناء معبد ميليتا (11)، ينتظرن مرور الرجال لينتخبوا منهن اللواتي يطيب لهم معاشرتهن، ولا يجوز للمرأة الجالسة في الساحة العودة إلى بيتها قبل أن يرمي رجل غريب في حضنها قطعة نقد من أي فئة كانت، ثم يصحبها إلى خارج الفناء المقدس. ولا يمكنها رفض القطعة النقدية أبداً لأنها تصبح مقدسة لحظة إلقائها. كانت المرأة تذهب بصحبة أول رجل يرمي لها بقطعة النقود، فيقضي منها وطره، ولا يحق لها أن ترفض أحداً، واذا تم مضاجعها تكون بذلك قد أرضت الآلهة، فتعود بعد ذلك إلى بيتها . ومنذ تلك اللحظة، لا يمكن لأي أعطية مهما بلغت قيمتها أن تؤثر عليها أو تغويها.      

 

صباح شاكر العكام

..........................

الهوامش:

(1) سميت الكتب التسعة بأسماء الآلهة وهي: الاول (كليو)، والثاني (يوتيربي)، والثالث (ثاليا)، والرابع (ميلبوميني)، والخامس (تربسينوري)، والسادس (أراتو)، والسابع (بوليهيمنيا)، والثامن (اورانيا)، والتاسع (كالليوبي) .

(2) كليو: اله التاريخ (مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ص 125) .

(3) (المصدر نفسه ص125)

(4) الذراع الملكي أطول ثلاث بوصات من الذراع العادي .

(5) الاله بعل )جوبتر): كبير الآلهة عند الرومان ويعد إله السماء والبرق، والمقصود في رواية هيرودوتس هو الإله البابلي (مردوخ). (مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ص630)

(6) الكلدان: أقوام استوطنوا بلاد بابل وأقاموا عليها امبراطورية عظيمة أسسها نبوبلاصر سنة 627 ق.م، ومن أشهر ملوكها نبوخذ نصر الذي حكم بين سنة 605 ق.م إلى سنة 561 ق.م، والذي استباح مدينة اورشليم مرتين وسبى منها اليهود الى بابل، اسقط امبراطورية الكلدان كورش الأخميني سنة 539 ق.م (تاريخ حضارة العالم ص26) .

(7) كورش: ثالث الملوك الاخمينيين حكم بين (559ق.م – 530ق.م) والذي استولى على بابل سنة 539ق.م  في اثناء حكم أخر ملوكها (نبونيدس) . (حضارة بابل وآشور ص51)

(8) داريوس بن هيستابس: (521ق.م - 486 ق.م) ملك فارسي أخميني، أخمد التمرد الذي حصل في مدينة بابل سنة 521ق.م .(مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ص635)

(9) أحشويرش: (485ق.م - 465ق.م) ملك فارسي أخميني خلف والده الملك داريوس،اخمد الثورة التي نشبت في بابل سنة 482 ق.م (المصدر نفسه ص 637)

(10) المقصود هنا بلاد بابل .

(11) ميليتا: الاله عشتار أو عشتروت أو افروديت .

المصادر:

1- تاريخ هيرودوتس – ترجمة عبد الاله الملاح – المجمع الثقافي / ابو ظبي، 2001م .

2- مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة – طه باقر – دار الوراق للنشر، 2009م .

3- حضارة بابل وآشور – غوستاف لوبون – ترجمة محمود خيرت – دار الرافدين / بيروت، 2019م .

4- تاريخ حضارة العالم – شارل سنيوبوس- ترجمة محمد كرد علي – الدار العالمية للكتب والنشر / القاهرة، ط1، 2012م .

 

 

سامي عبد العال"ليست اللوحات الفنية جغرافيا للألوان، بل وطنٌ للجمال والحياة...."

الأثر، الجمال، الدلالة

في الأعمال الفنية المُبدعة هناك أثر جمالي ما. ليس هو الخطوط، وليس هو الألوان، ولا يعدُّ مظهراً للعلاقة بين مفردات اللوحة، وربما لا يمثل بنية صورية تحط على معالم الرسم. ولكنه طاقة إبداعية لها إمكانية الخلق، وإعادة صهر دلالة العلامات الفنية بصيغٍ كليةٍ. صيغ عليها أنْ تستمر، حتى تبلور نسقاً رمزياً دون تحديدٍ. وطالما لا يوجد مكان معين لها (أي لصيغ الدلالات) ، فلن تتوانى عن الانفجارِ في وجه الحقائق المألوفة. وتباعاً لن تخرُج من تجربتي الفنان والمتلقي إلاَّ آثار راسبة في قاع التشكيل، وضمن تفاصيل الصورة على وجه التقريب. ودوماً هناك تحريك منتج لها، هناك طفو وطفر متتابعان خلال مجمل المعاني الناتجة عن العملِ، حيث يبرِزان عالمَّاً له فرادته وتناسله وظلاله.

103  رمضان نصر 1

103  رمضان نصر 2هكذا تفيض لوحات الفنان الليبي "رمضان نصر" (*) بقدرتها الباذخة على إنتاج الخلفية الدلالية. ففي الوقت ذاته الذي تتسرب خلاله الألوان بين كائنات التشكيل الفني، يعبر الأثرُ الجمالي عن نفسه، يترامى ويترسب كفوران الرمال تحت التفاف الرياح. أثر جمالي لا يزول مطلقاً ولا يبقى مطلقاً، لكنه يشكل الارتباط المتداخل تواً ضمن لاوعي المتلقي واللوحة. وعندما يمثل أثرُ كهذا عُنصراً من عناصر التكوين، ينتشر مُوزّعاً ومُضافاً مع امتداد الأشكال والخطوط. إذ تنتهي هي (الأشكال) ، بينما لن ينقطع هو (الأثر) . إذ ينتاب الفضول الجامح متلقيها، يتداعى مع تذوق الفن لرسم صورة العالم والحياة.

لا يتوقف الأثرُ الجمالي حينئذ عن إبراز العلامات. فنظراً لكونه أثراً متخيلاً ومهموساً، فإنَّه يتركُ وجودَّه على صعيد الصور، يذهب لتأتينا أفعاله الدلالية بطرائق تشكيلية. إنه جوهر العلامة التشكيلية plastic sign مع تكوينها من دالٍ ومدلولٍ. الدال في الفن التشكيلي يحتاج إلى أثرٍ كهذا، يوجد مع الإغواء والتوحد بين الناظر والمنظور، بينما يتوارى المدلول مرشوقاً في حاشيته أو معلقاً على ناصيته أو مغروساً في خاصرته. وذلك على غرار ما يتخلق في التكوينات الهندسية غير المكتملة (الأشكال الفراغية) ، ويجري بالانتقال من مستوى لوني إلى آخر، وعلى غرار ما يلتمِّع بالقفز مع ظلال وأطياف الكائنات الهائمة في متن اللوحة. وهو الوضع الأكثر وضوحاً في لوحة "تراكم".

103  رمضان نصر 3

(لوحة تراكم)

وبفضل التكثيف الذي يحتشده نصر في لوحاته، يسري الأثر الجمالي ويتراكم، فتتحقق دلالات الأشياء، كما لو لم تتحقق من قبل. وهنا ينشب اللاوعي مخالبه عبر الهواجس والتعاطف والحنين المتولد عند المتلقي. إذ ذاك يتم الولوج إلى أجواء لوحة " تداخل" كأننا جزء منها. فمن هؤلاء الحاضرون فيها، واللذين يتحولون إلى أثيرٍ مُقطّر؟! لا يخفى علينا أن كلمةَ الأثرِ قريبة من الأثير. من جهة الشفافية الملونة، الانتشار، التماهي، التفتت، التداعي البصري. وهي أمور تظهر في نفس اللوحةِ المُشار إليها. مما يعني أن الدلالةَ ذاتها لا تنتج صورَّها إلا بأثرٍ غائرٍ، أثر غائب. يمثل في فن نصر البعد الرابع وراء الكائن، وينعكس في جوانب الطقس المكاني (مفردات البيئة اجتماعياً ونفسياً) ، وعبر العلاقة الحاضنة (النظر- الهمس- الكلام) بين الأشخاص. إذ يُتوقّع في أية لحظةٍ من اللحظات أن يتعرى فضاء اللوحة غائماً، متفجراً، منتثراً ضمن فاعلية الألوان.

ويأتي الأثرُ مرةً في الأفق البعيد مع قدوم تاريخ الوجُوه والمعالم (طوبغرافيا المكان- ملامح بشرية- تصاميم وهياكل خيالية) وأكثر من مرةٍ يقترب حتى يكاد يلامسنا عبر أشباح مشخصّة كأن المتلقي يشعر بها. صحيح أنها أشباح متماهية الأجساد، إلا أنها حادة في تفاصيل الوجُوه. وفي غير مرةٍ يتشكل هذا الأثر بين فسيفساء الأمكنة وسيولتها لتصبح زماناً. ففي لوحة"تداخل"، على سبيل التوضيح، ليس امتداد الخطوط المكانية أو الجسدية مكاناً أو جسداً، بل دلالات لونية، تترك للمتلقي فرصة أن يتتبع رمزية الصورة التي يتغياها. ولاسيما أن التعبير اللوني لغة تنشأ بين المتلقي وأشخاص اللوحة. ويحتمل أن يغدو كلَّ تعبير بهذا التوصيف كلمة دالة على عالمها. لكن ما هو هذا العالم؟! ستكون الإجابةُ نقطةَ انطلاقٍ وراء خلق الأثر لهذه الأشكال أو تلك القابلة للدلالة.

وفي مقابل حدة المعالم البيئية، تندفع لوحة "تداخل" إلى أن تخفيها في غبار هلامي ينفثه خيال كوني. ومع ذلك لا يتناثر كالدخان، لكنه يتوزع بواسطة بناءٍ هندسيٍ يبرز ويتصاعد حاملاً ترميزاته. فالفنان يعيد تشكيل الإحساس بالواقع، وينحتُ تضاريس لونية أثناء الانفعال به. وبدلاً من تضاريس الوعي الاجتماعي والإنساني المحددة بأطره الحياة الصارمة يترك إيقاعه المقلوب داخلنا كأننا نلامس تغييره.

لهذا، فالوجوه اللونية تمتزج- بفعل الأثر طبعاً- مع خلفيتها الدلالية والوجودية. وجوه تعبر عن نسقٍ من العلامات، تشارك بعضها البعض جدلياً وجهي القناع والفضاء، الخفاء والتجلي. في هذا التراكم قد نرصد وجوهاً مختلفةً بغير التفاصيل السابقة، وربما نعرف أن التراكم في مستواه السيميولوجي هو تراكم آخر. على المتلقي أن يكتشفه مع تحولات اللون وثقله ثم رهافته، ثم ثقله، ثم ذوبانه مع سريان الأثر، ليأخذ تخلقه بالتزامن الدلالي في أغلب اللوحات تقريباً.

103  رمضان نصر 4

(لوحة اشراقة)

التلقي والخلق الفني

ومع الأثر الجمالي، يحركُ المتلقي الارتباط بين الدال والمدلول تاركاً الدال حراً مع التشكيل الفني. بل لا يمكنه إلا أن يشتت العلاقةَ بينهما. هو حين يفعل إنما يلامسُ لذةَ الخلقِ، كما لامسها الفنانُ واحترق بها، يحي رمادَّها في خلق جديد، وينفخ الروحَ في رميمها. وربما من تضمينات اسم لوحة"تداخل"أن تكون ثمة دعوة لممارسة التلقي فنياً. لقد غدا المتلقي فناناً متداخلاً، وأخذ الفنانُ وضعية المتلقي في لحظة الخلق الفني بين السحر والرغبة والجمال. ذلك على قاعدة الكشف والفناء لدى الحلاج"... فإذا أبصرتني أبصرته، وإذا أبصرته أبصرتني". وهذا بمثابة المغزى العميق للفن، حين يتيح تشكيل الحقائق والعالم والإنسان من خلال تجربة الوسيط التقني.

103  رمضان نصر 5حتى مصطلح الفن نفسه هو لصيق الصلة بكلمة الفناء، حسبما يخرجُ التكوينُ اللوني كتلةً حيةً تحمل قدرات الفنان الذائبة (الفانية) في موضوعها لتعيد تشكيله. فلا تختلف المفردات الفنية-في لوحات نصر-عن مفردات الحياة العادية. هو يشتق الدلالة من أنماط التحديدات في الواقع، ويجعلها متجاورةً، متلاصقةً، محتشدةً، متراكبةً لتؤدي وظيفةً سيميولوجيةً، عبر عنها الفنان ببلاغة لونية في لوحة"تراكم وحشد".

أما إذا عُدنا إلى لوحة "تداخل"، فمرة أخرى يمسحُ هذا التجاور عيني المتلقي بستائر شفافة لحقيقة الدلالة تظهر نتيجة العيون الموزعة في أعماق اللوحة وطياتها. وتبقى في بعض منها عيوناً غائرةً، كأنها مازالت تحتفظ في أحداقها بكافة مشاهد الحياة التي نظرت إليها يوماً ما. فهي لا تسمح لنا بتفريغها مما شاهدته، بجانب ذلك لا تكف العيون عن النظر. وبذلك يندلع جو اللوحة فنياً مع الحقائق الإنسانية والمعيشة، حيث تعبر عن ضرورة ما يقبع فيها. وبالتأكيد تزداد الطيات اللونيةُ في تركيبها الدلالي، نظراً لعمق السواد وغموضه الذي يصبغ حدقة العين. فللعيون لغة، دلالة، وأكثر من هذا لدرجة أن توزيعها يحمل أبعاداً تأويلية أخرى.

بدليل أننا حين نترقب مداراةً أو روغاناً من شخصٍ نقول له: عيني في عينك. وتعبر العيون في تلك اللوحة عن إمكانية استعارة عيون المتلقي. دعوة مفتوحة للنظر إلى الداخل الذي قد يتماثل هنا أو هناك عن طريق الوقع الدلالي. هو الأثر الذي لا يُمحى، وفوق ذلك يقفُ خارج كون العلامة منقسمةً إلى دالٍ ومدلولٍ. فالنظرات المباشرة لا تنكسر، بل تمثل العيون جزءاً من لعبة"الاستبدال والاستدماج"، فالذي يوجد بين الرائي والمرئي هو الأثر لا المضمون، والأخيلة لا الأوصاف.

التشكيل الفني بهذا الأثر لا يتوقف عن توليد الدلالات. وتتم آثاره عبر الوعي المنقسم على نفسه مع لاوعيه (بكل ثقله المتواري) داخل فضاء الكائنات اللونية. فاللعبة تستغرق تجربة التلقي، وبذات الوضع تُفّعِل التجربة الفنية زخمها العميق. إذ ذاك تظل الكائناتُ متبدلةً، ومنتشية بقدر نشوة الألوان، وبقدر صرخات الخطوط والتواء المسافات، رغم الانضغاط في إطار اللوحة. إن التشكيل الفني في أعمال نصر هو عملية إنتاج متواصل لا ينقطع، حتى في حالة إتمام الفنان له. ذلك يُظهِر وجهاً آخر للأثر أنه ما إن ينتشر إلا و ينبثق من أي فضاء كان. لأن فضاءه الأصلي متناسل، ويتمتع بالفعل ماسحاً لفضاءات أخرى. فهو يحيل كل متعلقات وأصداء اللوحة بما فيها التداعيات الجمالية إلى نظامٍ دالٍ. وهنا تنعقد صلة الجمالي والفني والتعبيري داخل التجربة التشكيلية، وإن كانت بموادها الخاصة.

بلاغة الألوان

103  رمضان نصر 6من ثم تتواتر مع بلاغة الألوان كافة الصور الحياتية. ولعل هذا ناتج بالأساس عن تواتر الدلالات كما تتصورها تجربة الفنان- المتلقي. فبعد أنْ تنغمس الصور في الخيال، يكسُو الفنان بريشة التلوين المائي هيكل وعظام الكائنات، ليعطيها تجسيداً (قريباً ونائياً) مضفورين في لحُمة اللوحة، بفضل الطابع التاريخي الذي يتربص بالأشكال والرموز التكوينية. ويأخذنا التواتر أيضاً نحو نبض الحياة من جديد، و باتجاه صقل الذائقة الجمالية على خلفية متعة الخلق الفني. كل لوحة لدى نصر تطرح التاريخ كجزء منها، بموجب ما يلي:

1- أن التجربة الفنية مرهونة بالمعطى الدال المُشكِّل للشخوص والتكوينات. وهذا يقتضي وجود تاريخ، كي يتكشف أو ينغلق على أسراره. وكأنها نقوش وحفريات قديمة في ذاكرة الإنسان.

2- تستمد الوجوهُ والمعالم مضمونها من بيئة الفنان. أقرب فكرة أمام عمل كهذا أن المفردات الفنية لها تاريخ في الزمان والمكان والشخوص. بحكم أنها دوال تتقاطع مع أنساق ثقافية وتحيل إليها.

3- تحمل الألوانُ في وجود التشكيل الفني تراثاً جمالياً يقرر معايير الحركة اللونية، مع التقاء الأثر فيما بين الفن والواقع على صعيد الصور والمواد. بمعنى أن هناك ملائمة غير مشروطة بين الألوان المستخدمة ونمط الإدراك الجمالي المنعكس في الأشكال.

4- هناك قيم فنية وجمالية تشكل موقعها عبر نظام الذائقة. نظام كلي و دال في المجتمع الليبي. و ضمن حركة التاريخ يعطي هذا الموقع تضميناته وتراكمه الذي ينهل منه الفنان.

5- بحكم تقنية الألوان المائية تشكيلياً، لا تدع اللوحاتُ الفنيةُ متلقيها منفلتاً أو خارجاً عن إغوائها. فلا يستطيع إلاَّ أن يجوس داخلهاً، يدخل مع شخوصها وعالمها في سراب تتسربل به، ليظهر عندئذ تاريخُها. لا تاريخ شكلي (تصويري) بعيداً عن اللوحات، هي الآن مصدر من مصادره، إنها بالتحديد فنية التخييل التاريخي مثل لوحة جماليات أفريقية.

103  رمضان نصر 7

(لوحة جماليات أفريقية)

لذلك لم تخلُ لوحة "تداخُل" من تلك العيون الفاترة المكدودة أيضاً. كأنها - من فرط محمولاتها الدلالية تاريخياً- تعطينا انطباعاً بأنها في موقف استحياءٍ (تحشم) ، فهي تنظر إلى متلقيها بطرف خفي قائلةً: "آهٍ...آهٍ .. لو أنك ترى ما أرى!!". لتستحيل العيونُ إلى طاقاتٍ جوانية للفضفضة، تبثها اللوحة مع غلالة الألوان المائية حين نشعر باندلاقها الغامض والدافئ. وهناك عيون أخرى في نفس اللوحة تبصق نظراتها بصقاً، وتتحدى متأملِّيها بالتركيز على سريان المضمون، هي تعطينا هذا المضمون حين توصلّه بحدةٍ مع سبق الإصرار والترصد. وفي كل الأحوال عبر التنوع في العيون كحدقاتٍ ناظرةٍ، يتشكل التكوينُ على هيئة دوال ثريةٍ، لكونها تجتذب الرائي داخلاً معها في تخمين المعنى وتقطيعه وترجيحه.

إنه ذات التكوين الذي تحتفل كائناته اللونية بوجودها في صورة كرنفال دلالي وتصطخب خلاله المدلولات الهائمة. هنالك شخوص متشظية (لوحة تراكم) ، وهنالك أزمنة متداخلة مع شروق (سطوع) الألوان وغروبها، مانحةً متلقيها إحساساً قوياً بتحولات الدلالة من الحدة إلى اللين، ومن الإضمار إلى الافتضاح، ومن الاحتشاد إلى التناغم، ومن الوحدة إلى التعدد (لوحة إشراقة) . ولا يتم ذلك فراغياً إلا بقدر ما يتخطط عبر مفردات البيئة الحميمة، كما لو كنا نرى أيقونات كرنفالية تتلألأ رغم الغبار العالق بها. كائنات سابحة في أثيرٍ من الأشعة الضوئية.

103  رمضان نصر 8وهذا يذكرنا بالنظر إلى أشعةِ الشمسِ، حين تطارد أمامها الأشياء والأفكار على امتداد الأفق، وعندما تخترق الأجساد في البيئة الصحراوية. فتبدو لمن يشاهدها تكوينات أثيرية و متماوجة، وبالأحرى بحسب ما ذكرت تغدو التكوينات أثراً فنياً. فلا فرق بين مَشّاهد الشمس والواقع (اللوحة) ، ولا تكتمل حقيقة الشمس إلا بها، وكذلك يصعب تحديد ملامح الموجودات والأبنية والحركة إلا عن طريقها (أي داخل المَشّاهد) . حيث يجري انصهار الأشكال والوجوه تاركةً الفرصة لذات المتلقي. وفرصته أن يعطي فاعلية العلامات حركةً أوسع في توليد المشاعر والعواطف.

ذلك لسبب يبدو تشكيلياً أن الشخوص تدخل، ثم تنضغم بالفعل في تفاصيل المكان، وتذوب الأجساد، وتُختّرَق الوجُوه بفضل الفعل الخلقي للألوان. ولا بقاء من ثم إلا للأثر الطاغي بغيابه وكثافته معاً، لعله يستنطق التكوين في مجموعه. ففي أغلب لوحات رمضان نصر يتبلور الاستنطاق الفني تكويناته بلغة الجمع، الاختلاف والتنوع. فلا يُوجد تحديد بادٍ في اطلاقيته، بل في اضمحلاله حيث تنضح اللوحة بالانسجام والتناقض في نفس الوقت، إنهما يجريان بين الرموز المادية والأمكنة ذات الأبعاد والأحجام. وبفضل التنوع في الشخوص والحيوات التي تحملها اللوحة الواحدة يتجول المتلقي مع الألوان كما هو التشكيل في لوحة"تراكم".

يصل الأثر إلى أن يحمل كاملَ التجربةِ الفنية. لذلك ترتبطُ الحقيقةُ، المرجعيةُ في الفن بحركة التلاشي الناتج عن تحول الموضوعات إلى آثار جمالية، وهي الحد القائم - بفعل الألوان المائية- على ذبذبات السراب إلى درجة الذوبان غير المرئي. وربما هذا وراء الوهلة الأولى الأخذة في البعد والتمدد حين نتأمل مباشرة في لوحات نصر. إذ تضعنا على مبعدة من مشْهدِّها من خلال كثرة التكوينات وصغرها. والبعد دوماً قرب لإمكانية امتلاء المسافة بالخيال الفني الذي يلتقط نقوش الأثر على خلفية الألوان. حتى أن الصور لا تأتي في المجمل بذاتها، بل تشير إلى أطياف تطايرت إلى أن غدت أخيلةً. فلا يمكن لأية علامة تشكيلية إلا أن تجتمع مع علامات أخرى قد لا تكون من جنسها، ثم يعطيها التجاور تناسلاً دلالياً. لعلها تتفتت خلال نسيج اللوحة مع بعضها البعض وتمتزج وفق تداعي الظلال مثلما هو الحال في لوحتي "تراكم" و"تداخل".

كانت العلامةُ في الفنون التقليدية أيقونةً للشهود، للحضور، بينما في لوحة"تراكم وحشد"مادة لامتصاص الدلالات قبل إفرازها عبر وجوه مضغوطة تشعرنا بالتآلف أحياناً وبالتنافر أحياناً أخرى. إن الكُولاج اللوني يعمل في هذا التآلف مستنداً إلى كُولاج شعوري، تتلاقي لديه مفارقات العواطف وتناقضات الذاكرة. وهو عمل يوازي تقنية التشكيل، عمل يُبرِّز المنمنمات الدقيقة. وسنكتشف أنها منمنمات لذاكرة آتية من ماضٍ سحيقٍ، من صحارى وأجواء مليئة بالآفاق مع الإيماءات اللونية.

103  رمضان نصر 9

(لوحة تراكم وحشد)

بعبارة صمويل بكيت، ستكون أنت أيها المتلقي في انتظار ما لا يأتي. لعلك ستطرحُ سؤالاً: ولماذا لا يأتي هذا المنتظر؟! لأن الأثر عصي على الإتيان بنفسه، فهو تجربة الاندماج جمالياً بفضاء التكوين الفني. إن درجات التلاشي تشبه إمتاع الفناء الصوفي ومكابداته. حيث يسيطر الدال كرغبة عارمة للكثافة المترسبة مع مُناخ الكائنات والألوان، و يتحقق نسبياً مع توزيع الأضواء والظلال الدلالية، ذلك إذا ظهرت الأخيرةُ عبر شكل أو آخر بحسب تشكيل الوجوه والمفردات. في هذا الإطار يؤدي التظليل والتوضيح دوراً في ترك نتوءات غائرة معبرة عن مخاض الذاكرة باستمرار. إذ ذاك يمكن للمتذوق التقاط معاني الأثر الدال. إنه يتعدد في متن اللوحة ليظهر الأشياء والصور.

الأثر في لوحة "تداخل" هو أيضاً السر الباقي مع شفافية الألوان المائية. بل يكملُ في عمقهِ ما يصعب تحقيقه، ليحضر التكوين الفني بديلاً انطولوجياً عنه. وهذا التجلي المبدئي في لوحات نصر يظل في حدود الألوان كنجوم حية متطايرة بفعل عملية وجودية خالقة. ومن تشوهات الأثر أنه قد يتعين أحياناً. فيبدو الوضع مع ذلك غارقاً في أطيافٍ مائيةٍ، يختلطُ فيها الدال بالمدلول، حيث يسبق الأثرُ كونهما مجتمعين على شرف (نخب) علامة لا تمتلك بكارتها إطلاقاً. لقد تحولت العلامة إلى أثر. فقدت أغلى وأعز ما تملك، هذا الحضور العذري. لا حضور عذري بعد الآن في أعمال رمضان نصر. الألوان المائية تجعله طافياً وسط البقع الضوئية والأصباغ والأخيلة المتزاحمة. نتيجة أن الماء في الأصل هو رحم الحياة ودفقها المتواصل. ماء الخلق، وإكسير الوجود الذي يجرف الكائنات، لتبقى غارقة تحت سطح الذاكرة. وسرعان ما تأخذ الكائنات عند عمل الذاكرة فعل النقوش المائية، التي تمتلئ بالمشاهد والرؤى والأحلام.

103  رمضان نصر 10

(لوحة تسارع)

 

 سامي عبد العال

..........................

* رمضان نصر المبروك ابوراس:

فنان ليبي، مواليد 1956بمدينة صبراته. حصل على إجازة التدريس الخاصة شعبة التربية الفنية 1976م معهد ابن منظور المعلمين طرابلس. وحصل على ليسانس جغرافيا كلية الآداب جامعة قار يونس 1983بنغازي. أقام وشارك في العديد من المعارض الشخصية والجماعية (المحلية والدولية) . وصمم العديد من الملصقات والأعمال الفنية في الكثير من الجهات العامة والخاصة (جداريات لوزارة السياحة. كلية الهندسة صبراته. مجسم لمدخل الآثار بصبراتة مع مجموعة فنانين) . له العديد من الأعمال المقتناة بمعهد الأورام بصبراته ووزارة الثقافة وبكثير من الدول (سويسرا، ايطاليا، النمسا، مالطا، المغرب، تركيا، الأرجنتين، ألمانيا، بلجيكيا، فرنسا، فنزويلا) . وهو من المؤسسين لجمعية الفنون التشكيلية بالزاوية. وعضو بجماعة رؤى الدولية للفنون. نال جائزة الترتيب الأول في الرسم والتصوير بالمحفل الأول للفنون التشكيلية بمصراتة 2005.

أهم المعارض الخاصة

1995معرض على هامش مؤتمر الجراحين الليبين بمعهد الأورام بصبراته.2007 معرض بالدار الليبية للفنون بذات العماد طرابلس. 1997 معرض بقاعة الثقافة والفنون (دي فيلا) طرابلس. 1998معرض بقاعة الثقافة والفنون (دي فيلا) طرابلس. 2001 معرض بدار الفنون طرابلس. 2003معرض المركز الثقافي العربي الليبي التونسي. تونس.2003 معرض بالقلعة الصغرى سوسه، تونس.

المعارض الجماعية

1977معرض جماعي بنادي الشعب بصبراتة. 1982معرض جماعي بالمدينة الأثرية صبراته. 1982- 1983 معرض جماعي بمدينة الزاوية. 1989المسابقة الثقافية الكبرى ببيت الشباب صبراته. 1990 معرض أعراس التحدي بالقبة الفلكية طرابلس. 1990معرض أعراس الفن التشكيلي، قاعة الشعب صبراته. 1991معرض الوفاء بالمدينة الأثرية بصبراته. 1991معرض جماعي بصبراته، زواره، الجميل. 1992معرض جماعي بكلية الهندسة بصبراته. 1995، 1996،1997مهرجان مصراته للثقافة والفنون. 1996معرض جماعي بمعرض طرابلس الدولي. 1998معرض جماعي بقاعة الثقافة والفنون (دي فيلا) طرابلس. 1999معرض جماعي بمدينة سرت. 2000 معرض جماعي بمدينة الزاوية. 2002 معرض جنين في العين برج الفاتح طرابلس. 2002 اشرف وشارك في إعداد معرض فسيفساء تشكيل ليبي برعاية صحيفة العرب الدولية. 2004 تظاهرة هنيبال للفنون التشكيلية، طرابلس. 2005 المحفل الأول للفنون التشكيلية بمصراته. 2005 معرض جماعي بمعرض طرابلس الدولي. 2007معرض الفنون التشكيلية، معرض الكتاب طرابلس. 2007معرض الفنون التشكيلية، كلية الفنون، طرابلس.2007 معرض جماعي بافتتاح رواق السلفيوم بنغازي . 2007 معرض بمدينة سبها.

أهم المشاركات الدولية

1989 معرض أسبوع الثقافة المغاربية بمدينة القنيطرة المغرب. 1990معرض المركز الثقافي الليبي بقبرص. 1990 معرض مهرجان المدينة بمدينة القنيطرة المغرب.1991معرض بدار الثقافة المغاربية القنيطرة المغرب.1997معرض بقاعة (ماري لويس مولر) بناشاتيل سويسرا . 1997، 1999 مشاركة بينالي مالطا.2001 معرض برواق حمادي الشريف تونس .2005 الأسبوع الثقافي الليبي بالخرطوم (الخرطوم عاصمة الثقافة العربية) . 2005 مشاركة بمهرجان التراث رادس تونس. 2006 مشاركة بمهرجان المحرس الدولي للفنون التشكيلية الدورة (19) تونس. 2006ملتقى دوز الدولي للفنون التشكيلية والصورة الفوتوغرافية تونس.2007 ملتقى دوز الدولي للفنون التشكيلية والصورة الفتوتوغرافية تونس. 2007 ملتقى دولي حول الحرف الرواق البلدي صفاقص تونس.2007 المعرض الدولي للفنون التشكيلية بصنعاء باليمن (مجموعة رؤى الدولية) .2007 الأسبوع الثقافي الليبي بالجزائر (الجزائر عاصمة الثقافة العربية) .

 

 

الكبير الداديسيالتشكيل العربي المعاصر (6)

نواصل هذه السلسة حول الفن التشكيلي المعاصر، لنقف اليوم حول علامة فارقة في التشكيل العراقي والعربي المعاصر، لا يملك من يتأمل لوحاته إلا الوقوف احترام للأنامل التي تبدع هذا الإبهار سواء بالصباغة المائية أو الزيتية، نقصد الفنان التشكيلي العراقي عادل أصغر العبيدي ابن ديالى مولدا، وجلولاء تربية ونشأة، خريج معهد الفنون الجميلة في بغداد فكان لكل ذلك تأثيره في بزوغ فنان يمتح من واقعه يعكس تربيته ونشأته، وتكوينه الفني في لوحاته، ليقدم للعالم تحفا فنية لا تقل شأنا عما قدمته أنامل عباقرة الفن التشكيلي العالمي وإن سرم ما هو محلي...

عندما يرسم عادل أصغر البادية يرى كل من يعشق الريف نفسه في كل لوحة، لحسن اختيار المشهد  بعناصره الطبيعية الحية والجامدة، وزاوية الرؤية لتقدم  ريشته لوحات تقطر رومنسية  واقعية وحنينا لألوان المزارع ولباس المزارعين فيختار في الغالب الصباغة المائية التي تتناسب شفافيتها مع رهافة قلوب البدو حتى ليشم المشاهد عبق العراق، وتحمله النوستالجيا إلى رائحة البادية في عفوية بسيطة لا تبخس البدو نخوتهم وشهامتهم، وطيبة قلوبهم، ورضاهم عن ظروفهم رغم قسوتها... معتمدا في كل لمسة فنية على عناصر طبيعة  والشمس ومساقط الإضاءة في تناسق مع نقاء الألوان وتجانسها... ولس متاحا لكل فنان أن يجمع في رضربات ريشته داخل إطار اللوحة تناقضات البساطة والنخوة في شظف العيش.. وهو اختيار واع لخطٍ فني استحق به عادل صفة فنان الفقراء فقلما لجأت أنامه لتصوير حياة الرفاهية وحياة الطبقة المخملية في العراق، فحتى حينما يختار رسم المدينة تنحاز ريشه إلى رصد ذبذبات الأحياء وتفاصيل الأسواق الشعبية، والإنسان العراقي البسيط....

102  عادل اصغر 1وعلى الرغم من ارتباطه بالمحلي، وحرصه الشديد على رسم كل ما هو عراقي في العمارة واللباس، والمطبخ وسلوك الناس... فإن عادل أصغر قدم لوحات لا تقل قيمة عن لوحات عباقرة التشكيل العالمي ويمكن كتاب دراسة طويلة في مقارنة بعض أعماله بلوحات عالمية خالدة، ونكتفي في هذا المقال بإضاءات صغيرة حول لوحة الرجل والمجرفة للفنان التشكيلي الفرنسي جان فرانسوا ميليه، ولوحة الأحدب لعادل أصغر، ليكتشف مشاهد اللوحتين مدى  قوة اللون، وتعبيرية الصورة في لوحة "الرجل الأحدب" فنظرة أولى  إلى ملامح الشخصين، تبرز أن عادل أصغر وإن لم يكشف ملامح بطل لوحته فقد كانت طبيعة الشعر، وبروز أوردة العنق، وعروق اليدين وتدرج اللون بين العنق الرقبة والوجه وبين الشعر أكثر دلالة من وحدة اللون التي كست كل ما بدا عاريا من جسد صاحب المجرفة للرسام الفرنسي، أما الأطراف سواء العلوية أو السفلية فلامجال للمقارنة بين رجلي الأحدب ورجلي صاحب المجرفة، فبينما كانت الرِجلان في لوحة فرانسوا ميليه كثلة لونية واحدة، كانت رجلا الأحدب وحدها عالما دالا من الألوان والمعاني، تعكس رؤية للعالم سواء في نتوء عظام الرجلين وبروز العروق فيها، أو في تدرج الأولان من الغامق إلى الفاتح: فاليدين والرجلين في لوحة الأحدب لعادل أصغر أكثر تعبيرية، وعلى الرغم من لجوء فرانسوا ميليه إلى تأثيث عالم لوحته بمؤثرات طبيعية وخلفية رمادية تناسب وما يحترق في الخلف وفي عمق اللوحة، فإن عادل أصغر لعب على تفاصيل دقيقة وعلى إبراز الظل في اللوحة كرمز دال سواء ظل العصى، أو ظل الأحدب نفسه، الذي بدا كمن أرهقه ثقل جر ظله بحذائه المهترئ والمتآكل وقد  تغير لون الجزء الذي يلامس الأرض من قدم الأحدب، وساهمت الظلال في تحديد مصدر الضوء فيما ظلت لوحة فرانسوا ميليه دون ظلال وإن كان وقت التقاطها يحتم ذلك... أما إذا ما قارنا بين لوحة الطفلة صاحبة المجرفة بفستانها الأزرق لعادل أصغر وبشحناتها العاطفية التي تكتسبها من براءة الطفولة وقوة الإضاءة، وكثافة  الخلفية وعمق اللوحة فالقارئ وحده يحكم....

102  عادل اصغر 2

وعلى الرغم من كون كل النقاد يجمعون على أن الرسام أكثر حرية من باقي الفنانين التشكيليين كالنحاتين والمعماريين الذين تقيدهم المادة، فيما الألوان تبدو أكثر طواعية في ريشة الرسام وبين أنامله إذ يكفيه التنسيق بين الخطوط والألوان وحسن استعمال ضرباته للريشة  للتأثير في المُشاهد، كما أن تعدد المدارس وتنوع المذاهب في الرسم تفتح  للرسام آفاق لا تتاح له في باقي الفنون التشكيلية المعتمدة على الحجر والخشب وغيرها من المواد الصلبة... رغم كل ذلك وأكثر،  فإن عادل أصغر اختار الواقعية والانحياز مع سبق الإصرار والترصد إلى نقل معاناة الفئات الهشة من أهل الريف، وفي الأحياء والأسواق  الأسواق الشعبية  من الساعين لتأمين لقمة العيش متجاوزا نقل الصورة كما هي في الواقع إلى نقل مشاعر الشخوص في الأعمال القروية البسيطة والشاقة، وضنك العيش، وتقديم مُحيا وملامح تلك الشخوص تفوح منها قيم الرضى والقناعة، جاعلا من الإنسان بؤرة أعماله، لدرجة تجعل كل متأمل يرى جزءا منه في كل لوحة بل يرى نفسه وواقعه في اللوحة...

102  عادل اصغر 4

فجاءت لوحاته مشحونة بالمعاني والدلالات، مليئة بالأحاسيس والمشاعر وصخة متمردة على واقع مرفوض فرضه واقع ما بعد سقوط بغداد، ومناشدة واقع حالم  يهرب من ال "آن" وال"هنا"  ليحتمي بالنوستالجيا في الماضي حيث الطفولة البريئة، وريف العراق بصفائه ونقائه، مفضلا التعبير عن كل ذلك بواقعية رافضا كل الرفض الانسياق وراء الاتجاهات التشكيلية الحديثة من وسريالية وتجريبية، تكعيبية، تجريدية، رمزية وحشية... لأن الواقعية في نظره تبقى الاتجاه الأنسب لرسم ملامح عالم عربي متخلف ومتأخر يقول (نحن نعيش وسط شعب مازال متأخرا عن العالم كثيرا، والبعض منه لا يفهم الحداثة بالفن التشكيلي...  والواقعية هي أنسب شيء لطرح الواقع لأنها مباشرة في الطرح لا تقبل الرموز والايحاءات، وهي أيضا من المدارس الصعبة لدقة الطرح فيها، وتحتاج الى مهارة كبيرة في استخدام اللون والتخطيط والخبرة في اسقاطات الظل والضوء في اللوحة، بالإضافة الى النسب والمنظور...) مقتنعا في خياره حتى الثمالة أن الفن يجب أن يصور معاناة الشعوب، وآلامهم وآمالهم، وألا يحتمي وراء رموز لا يفهما أحد.

102  عادل اصغر 5

وحتى إذا ما حاول تجريب التنقيطية كأسلوب يُعتبر عادل أميره بامتياز، فالنقط عنده تبقى مجرد مساحات لونية نقية متجاورة تأثث اللوحة، والتنقيط لا يُخرج اللوحة عن واقعيتها، إذ يكتشف المتأمل أن النقط والتنقيط في لوحات عادل أصغر ليس سوى امتزاج وهمي ماتع لا وجود له إلا في عين المشاهد الذي يستمتع بالنقط، وبتلك لمسات سريعة الخاطفة والمتتابعة وهي تجسد أشكالا واقعية تسبح في التقليد سواء في رسم الأبعاد الأشخاص والأشياء أو في الخلفية والعمق بطريقة تبدو أقرب إلى الانطباعية في لمسات الفرشاة للقماش...

ومن المظاهر الواقعية في تجربة عادل أصغر رسم الشخصيات سواء من خلال البورتريه، إذ قدم أعمالا كثيرة تضم شخصيات من الواقع العربي من أصدقائه أو من الشخصيات العامة، بطريقة تدعو الفتوغرافيين إلى تكسير آلاتهم، مادامت لوحاته  تحاكي الواقع وتقدم لوحات ماتعة للعين بل وأكثر إمتاعا من الواقع، لقدرتها على الجمع في البورتريه  الواحد بين ملامح المرسوم وإبراز مشاعر الرسام، فيشعر المتأمل أن اللون قد استحال مادة حيوية أو كيميائية  تتفاعل وتنقل صدق الأحاسيس وكأن الرسام لا ينقل واقعا وإنما يخلق الواقع ويبعث فيه حياة تأسر بجمالها لبَّ المتلقي...

102  عادل اصغر 6

واقعية عادل أصغر جعلته تشكيلا جامعا ينقل كل تفاصيل الواقع وكل شرائحه الاجتماعية، فهو عندما يرسم الطفولة يُشعِر المتلقي بالبراءة مشخصة داخل إطار اللوحة، ولما يسم المرأة العراقية يقدم من خلاها حضارة وثقافة أمة بكاملها في الملابس والحلي، بعيدا عن تلك النظر النمطية للمرأة كمصدر إغواء بالتركيز على مفاتنها في بعدها الإيروسي، سواء المرأة التقليدية المكافحة في حقول العراق العميق، أو المرأة العصرية.

102  عادل اصغر 3وواقعية عادل اصغر حتمت عليه  أن يظل قريبا من قضايا الوطن الاجتماعية والسياسية يهتم بما يغلي داخل العراق، من طائفية وتهجير، وتفاعل مع الحراك الشعبي وثورات العراقيين على الفساد  ومناشد وطن حر في لوحات معبرة  تتجاوز للواقعية المفرطة l’hyperrealisme ، إلى واقعية انتقادية وأحيانا قواقعية يثور فيها الرسام والمرسوم إلى تغيير الواقع فينعكس ذلك الإحسان في رسم وتشخيص الملامح  وتحديد أبعاد الفضاء المكاني التي تتحرك فيه تلك الشخوص فيقدم لوحات معبرة أقرب للكارت بوستال يشعر المتلقي أن شخصياتها واقعية بالعزف على أيقونة العلم الوطني أو رسم الرسام نفسه كشاهد متذمر على ما تخريب العراق وتهجير أهله.

يستنتج إذن أن اللوحة التشكيلية في تجربة عادل أصغر عالم واقعي  بؤرته الإنسان، وهدفه تحرير الإنسان لذلك اختار الواقعية منهجا فنيا في الرسم متجاوزا نقل ومحاكاة الواقع إلى خلق واقع خاص يختزل الزمان والمكان بتخليد اللقطة الزائلة والمنفلتة وتقديما للمتلقي في تحفة خالدة رأسا دونما حاجة لجهد كي يفهم رسالتها الظاهرة والباطنة، واختيار الواقعية والتعبير المباشر ليس تقصيرا أو قصورا من المبدع  وإنما هو اختيار واع ومسؤول يعكس التزاما اختاره المبدع منهجا في الرسم في نزعة تشخيصية محورها حياة الإنسان وهو القادر على الإبحار في الرسم إلى تخومه القصوى....

 

الكبير الداديسي/ المغرب

 

 

محمد الشاوياتسمت التجربة التشكيلية للفنان عبد السلام نوار ببصمة خاصة، فهي تَنتحُ من التوجه الانطباعي الجديد الذي أرسى دعائمه على تاريخ الفن بطابع خاص. وهو توجه تميّز به هذا الفنان داخل مدرسة تطوان التشكيلية خاصة، وبالمغرب عامة. فغني عن البيان أن يقف كاتب هذه المقالة وقفة تأمل متسائلا:

لماذا لم يُجرِّب عبد السلام نوار أساليب أخرى؟

ولماذا ظل وفيا لأسلوبه الفني رغم التحولات التي عرفتها منظومة الفنون التشكيلية في صيغتها المعاصرة؟

يمكن تَبيُّن معالم التوجه الانطباعي الجديد لدَى الفنان عبد السلام نوار من خلال مبدإ الاختيار الذي أسعفه في جعل هذا التوجه الفني أسلوباً للتجربته داخل مدرسة تطوان. فقد ظل وفياً لهذا الاختيار، راسما لنفسه أنموذجا خاصا يستحق الدراسة والبحث من طرف النقاد والمهتمين. فانطباعيته هي فرع من الأصل، إذ تختلف عن الانطباعية الجديدة للرواد أمثال جورج سورا وكلود مونيي وبيسارو، لتعانق أعمال بول سيزان وبول غوغان، مُقتفية أثر تشارلز انغرند، وهنري روسو، لكن بأسلوب مغاير تماما يجد ضالته داخل مشاريع مجاوزة الانطباعية الكلاسيكية

Le dépassement de l'impressionnisme والبحث عن  ما بعدها، وما أعقب ذلك من توجهات أسلوبية تروم الابتداع والتجديد لعالم الطبيعة والناس

يقول تولتسوي: "إذا أراد الفن أن يكون أصيلا، فلا بد أن يكون مفهوما.. وخاصة لدى هؤلاء الذين يخاطبهم". ولهذا فإن فنان الانطباعية الجديدة يميل إلى إثارة مشاعر المتلقين بطريقة التمثل Représentation وباستخضار موضوعات ترتد إلى عالم الطبيعة بشساعته اللامتناهية وباتساع دائرة شخوصه، لكن دون كثرة الدقة والنقل على سبيل الايضاح.وكما يقول فيكتور هيجو: " كثرة الايضاح تُفسد رؤية الفن".

1594 عبد السلام نواروالجدير بالذكر أن مصطلح الانطباعية الجديدة من نحت الناقد الفني الفرنسي  فيليكس فينيون  سنة 1886، حيث ارتبط بالحركة الفنية التي أسسها جورج سورا،  بالنظر إلى لوحته الشهيرة سنة 1884 التي عالج فيها موضوع الطبيعة المتمثل في نهر السين المار على الجزيرة الكبيرة بباريس بالاضافة إلى الناس الذين يتنزهون والمتحلقون داخل مجموعات. وبنفس المدينة كان ميلاد حركة الانطباعية الجديدة في معرض صالون قصر المعلقات لتنتقل إلى بلدان أخرى كبلجيكا وهولاندا وإيطاليا والنامسا وأمريكا...

ذلك، أن عبد السلام نوار مارس هذا الأسلوب على مستوى التدريس الأكاديمي بالمعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان، باعتباره أسلوباً ينضاف إلى أساليب فنية أخرى داخل أرومة واحدة، قعَّد لها جيل الرواد بهذه المدرسة من الذين دَرَس عليهم، ومنهم:

محمد السرغيني، التهامي داد، المكي مغارة، علي نخشى، سعد بن سفاج...

ليأتي بعد ذلك تأثير المدرسة البلجيكية في تكوينه العلمي والفني، وهي محطة مهمة أغنتْ رصيده التشكيلي. كانت في سلك الدراسة العليا بالعاصمة بروكسيل حيث نال درجة الأستاذية لتدريس الرسم والصباغة من الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة والهندسة.

ومن أساتيذه بهذه الأكاديمية الذين تأثر  بتجربتهم وسار على منوالهم، حيث تنبأوا له بمستقبل مشرق في الفنون التشكيلية، أذكر على سبيل المثال لا الحصر: جون رَاوْسِي المتخصص في الرسم الواقعي والجذاري، والباحث في تاريخ الفن، وهو الذي أخذ عنه أصول الرسم والصباغة. وقد نشر راوسي دراسة نقدية للمنجزات الفنية عند الفنان السلام نوار، وهي دراسة تدل على التقدير والحب اللذين يحظى بهما من طرفه. وأستحضر أيضا تأثير أستاذه الفنان والأكاديمي دُومِيلْغْرْ ذي الأصول الفلامانية والمتخصص في الرسم الطبيعي، وهو الذي أخذ عنه أسس ومبادئ الرسم المنظوري وتقنيات التعامل مع اللوحات الخاصة بالطبيعة الحية والميتة.

أصر عبد السلام نوار على اتباع المدرسة الانطباعية الجديدة التي اختارها  عن حب أولا وعن تكوين أكاديمي متين ثانيا، فهو لم يترك اختياره عن قلى ولم يهجره عن ملالة. فقد ظلت انطباعيته تصحبه طوال رحلته الفنية التي راكم فيها منجزات وأعمال متميزة: معارض فردية وجماعية داخل المغرب وخارجه، تأطير أبحاث طلبة الفن، مشاركات في الندوات، معارض إستيعادية لتجربته أثناء تكريمه، تأطير أوراش الفن لفائدة الناشئة...

وعلى هذا الأساس فإن تعامله مع اللوحة يُجسد وبحق أصالة الفنان وتفرد المُتخصص. فنادرا ما نجد بعض الفنانين المعاصرين يتسمون بأسلوب محدّد، في ظل التحوُّل الذي عرفته منظومة الفن في صيغتها الراهنة.  فكانت ها هنا جمالية اللون وتعدد الموضوعات التعبيرية أهم خاصيتين رئيستين تندرجان ضمن نسقه الإبداعي. وهو نسق خبر فيه ديداكتيك الفن وطرائق تدريسه خلال مسيرته المهنية. ولعل تدرجه في أنواع الصباغة والخامات والأسندة، لم يمنعه من الاستقرار على أرض اللوحة، فجعل منها وعاءً يثوي داخله أجمل أحاسيسه الإنسانية. وهي أحاسيس تُعانق الوجود في أبهى تجلياته داخل قماشات تنبضُ بالحياة وتعانق أسمى تجليات التعبير الفني.

 

بقلم: الدكتور محمد الشاوي

فنان تشكيلي مغربي وباحث في الجماليات

 

 

الكبير الداديسيتعد الفنون التشكيلية والرسم خاصة من أقم الأشكال التعبيرية وأقدرها تعبيرا عن الجمال، وقد تعددت الأدوات والوسائل والمواد الأولية التي يعتمد عليها التشكيلي لإخراج أعماله الفنية عمارة كانت، نحتا، نقشا زخرفة أو رسما... وبما أن الإبداع لا حدود له، فإن التشكيليين لا زالوا إلى اليوم يجددون في ما يشتغلون به من أدوات وتقنيات، مما وسم تجاربهم بالحداثة والتجديد، وإن ظلوا يستعملون بعض الوسائل الموروثة كالريشة، الفرشاة، القلم، القماش، الصباغة والأسندة... فاستبدل بعظهم القماش بالزجاج، والفرشاة بالسكين، والقلم بالفحم، والصباغة بالشكولاتة أو القهوة لكن تبقى غاية الرسم واحدة هي تفجير الطاقات، التعبير عن المكنونات وإمتاع المشاهد...

ولعل من أهم صيحات في الرسم العربي المعاصر، الرسم بالقهوة، وتحويل لحظة الاستمتاع باحتساء فنجان قهوة من متعة آنية ذاتية يستفيد منها شاربها فقط، إلى لحظة إبداع خلاق تتغير فيها الوسائل والأهداف فيغدو الفنجان محبرة والمتعة الآنية متعةً سرمدية وخالدة يستمتع بها الفنان وكل من يتأمل حمال لوحة تتجاوز رسم الظاهر إلى رسم الأحاسيس وبواطن النفس... كما تجلى في تجربة الفنان العراقي "أبو علي العميري" الذي ركب مغامرة اعتماد ألوان جديدة مستخلصة من القهوة تارة وحرق الخشب تارات أخرى في رسمه لبورتريهات شخصيات معاصرة مشهورة أو مغمورة، مقتصرا على اللون الوحيد وتدرجاته لتقديم بورتريهات آسرة بذوق ورائحة البن أو الخشب المحروق، في ابتكار تغدو فيه القهوة والرماد أشبه بالصباغة المائية في تدرجاتها بين الكثافة والشفافية.... لتنبني هذه الفكرة الجنونية على إحالة فنجان القهوة إلى محبرة، والاقتصار على القهوة دون باقي الألوان والأصباغ الطبيعية والصناعية، مع اللعب على إبراز الملامح والتركيز على الضوء والظل

1566  الرسم بالقهوة 1

إن المتأمل في بورتريهات أبي علي العميري يدرك كيف أضاف اللون البني ونكهة القهوة لمسة جديدة لعالم التشكيل، من خلال الجمع بين بساطة الأداة وحداثية الفكرة، فكانت لوحاته لمسة تكسر قواعد الزمن فتعبُر باللحظي الآني إلى الخلود والسرمدية، وهذا ما يفرِّد الفنان عن الإنسان العادي، فإذا كان ملايين الأشخاص يحتسون فناجين القهوة كل يوم، ويظل فعلهم آنيا لحظيا منتهيا في الزمن، فإن الفنان لقادر على أن يبدع من ذات الفنجان تحفا تسخر من الزمن، وتصرخ بأن الإبداع الفني لا حدود له، وأن تلك المواد السريعة التلف، القابلة للتبخر يمكن أن تمسي معينا لا ينضب يرسم منها الفنان تحفا خالدة... هذه هي تجربة أبي علي العميري في اللعب باللون البني في تدرجاته...

1566  الرسم بالقهوة 2تنطلق تجربة كل لوحة بإعداد مسبق لخلفية مناسبة متمردة على القواعد المعتادة في رسم البورتيريهات: فإذا كانت البرورتريهات التقليدية تقوم عادة على خلفية داكنة، ويتدرج الضوء نحو واجهة اللوحة ليكون بياض بؤبؤ العيون والأسنان مصدر الضوء، فإننا ألفينا أبا علي في بورتريهات بالقهوة والحشب المحروق يقلب المعادلة، فجاءت جميع لوحاته بخلفيات مضاءة، وبألوان فاتحة هكذا كانت خلفية لوحة عمر المختار مثلا بيضاء، و كان البياض سيد الفضاء ليبرز من خلاله الوجه معتما ويتدرج التعتيم ليتركز في العينين بخلاف المألوف في رسم البورتريه... وكذلك الأزرق في خلفية لوحات كثيرة كلوحة: كوفي عنان، عبد المنعم مدبولي، الكبير الداديسي، والطفل الباكي الذي الذي حكم عليه رسامه الأصلي أن يظل باكيا إلى الأبد جاعلا من دمعتيه مصدر إضاءة، وحولهما أبو علي العميري دمعتان مترقرقتان من القهوة مصرا على الحفاظ على بؤرية بياض العينين كمصدر إضاءة وسط في هذه اللوحة لكن وسط تعتيم داكن تفوح منها رائحة القهوة لونا ورائحة، ويتضح هذا القلب للمعيارية أكثر في صورة أنطوني كوين عند مقارنة اللوحة بالصورة الأصلية ذات الخلفية السوداء التي جعلها الفنان عن قصد خلفية بيضاء خدمة لفلسفته التشكيلية....

 وبالقهوة وحدها والخلفية الفاتحة استطاع الفنان تمييز الشعر الأبيض عن الشعر الأسود في لحية عمر المحتار ورأس كوفي عنان، وبتدرجات اللون البني يستطيع المتلقي التمييز بين الضوء والظل في الوجوه، نظرا لصرامة الفنان الدقيقة، وموهبته التي مكنته من كشف تفاصيل الوجوه رغم محدودية اللون وتناسل الأبعاد في هندسة ومعمارية الوجه بتجاعيده وثناياه، على الرغم من صغر حجم الكتلة وقرب اللقطة المرسومة التي تتطلب إبراز تعبيرات الوجه، وصفاء العيون وما تعكسه الملامح من حالة نفسية مع السعي إلى إظهار الوجه أحسن مما هو عليه في الواقع دون تزلف أو مبالغة في محاولة لنيل لإعجاب المتلقي وإدراكه لمدى تعاطف الفنان مع الموديل المرسوم

إن رسم بورتريهات لشخصيات لها تأثيرها في المشهد الثقافي والساسي المعاصر اعتراف و تخليد للرسام وللمرسوم، وسير على نهج متوارث - من القدماء الذين رسموا ونحثوا الملوك والألهة - سلكه أبو علي في رسم عباقرة وعظماء زمانه... بحثا عن الخلود... فقد يموت المرسوم ويتحلل جسمه لكن يبقى بجسده وابتسامته في اللوحة، وقد يفنى الرسام ويخلد توقيعه وإبداعه... ليصبح الموت أمام الفن أصغر من شعرة، وتقف اللوحات ساخرة من عبثية القدر الذي يحب أن يضع حدا لكل شيء، إلا الفن فإنه لا يتأثر بالزمن، بل لا يزيده الزمان إلا قيمة وجمالا، وتبدو فلسفة الرسام واضحة أكثر عندما يختار رسم البورتريه بمواد سريعة التلف كالقهوة أو رماد الخشب المحروق، لتغوص التجربة بالرسم في جذور الإنسانية وتحرك في الأعماق حنينا، وهي تعود بالرسم إلى أصل الوجود، وفكرة الخلق والبداية: فكما كان الانفجار الكبير والاحتراق الأول سبب نشوء المادة، فإن أول عملية في تجربة أبي علي بعد الحرق هي خلط المحروق لتشكيل اللون بالتقاء مواد أصل الوجود (الماء،النار،الهواء والتراب) وفي عملية مقصودة يستبدل الفنان التراب بالرماد متعمدا خلق الحياة من الموت، ومقتصرا على تدرّج الأبيض والأسود الذي يسهّل التعامل مع اللوحة بصريا لما بين اللونين من تباين ويغدو من اليسر التمييز في لوحات أبي علي بين الضوء والظل وإن قامت لوحاته على لون وحيد فقط، هو البني في الرسم بالقهوة، و الأسود في الرسم بالحرق الخشب، ليتدفق هذا اللون على القماش الأبيض ويحول الوجوه إلى أيقونات تبحر بالمشاهد في رحلة بصرية عبر عدد لا متناهي من النقط والخطوط فيرى المشاهد في تلك الملامح الفيسيولوجية مرآةً روحيةً تجلو صفاء النفس، ونقاء الجوهر، وهو يرى كل تلك الوجوه سعيدة بقدرها بما فيها الطفل الباكي، لأن اللون المختار يكسو الوجوه وقاراً وأصالة لقربه من أصالة اللون الطبيعي للبشرة ولما فيه من تناسل قريبة من ألوان فطرية كالصمغ والحبر...

1566  الرسم بالقهوة 3

بهذه التقنيات البسيطة تتجاوز بورتريهات أبي علي العميري الصورة الفتوغرافية وحتى الصور الرقمية، لما تحويه لوحاته من حيوية بلمسات تعكس أسلوبا خاصا في التشكيل يجعل كل مهتم بالرسم قادرا على تمييز لوحات الفنان وأسلوبه، وتقنياته التشكيلية التي تمنحه هامشا يتيح له التبديل والتحوير في وجوه الشخصيات بفنيه تنقلها من وجوه مادية وأشكال مجسمة بأبعادها الواقعية إلى بورتريهات فنية ببعدين على مسطح، في تجسيد لعلاقة حرية الإبداع بالقدَر وتحويل الإنسان الفاني إلى كائن فني سرمدي داخل تحفة فنية تحافظ على هوية الشخص وإبداع الفنان وتمنحهما إكسير الخلود، خاصة إذا كان هذا الفنان مقتنعا بأن لا حياة دون حرق واحتراق، وبأن هاتين العمليتين ضروريتان في الحياة نجدهما في الحياة اليومية العادية كما في تشغيل السيارات، تحليق الطائرات، وتدفئة البيوت... أو في الصناعات الأساسية كإنتاج الكهرباء،صناعة الإسمنت الزجاج والمواد المعدنية. ولا حرج إن وضفتا في الرسم..

 لذلك أبى أبا علي العميري أن لا يلج عالم الفن إلا عبر بوابة الحرق والاحتساء... في برهنة منه على أن الفن لا حدود له، وفي تأكيد على أن الإبداع وإمتاع الآخرين يمكن أن يكون من أشياء لا حياة فيها، وأن الحياة برمتها يمكن اختزالها في لحظة احتساء فنجان قهوة... وفي ذلك إطفاء لظمأ ابدي في أعماق النفس للخلود حاولت أساطير وحكايات كثيرة التعبير عنه من خلال فكرة البعث من الرماد والحياة من الموت كما في (أسطورة الفينيق و أسطورة العنقاء) لما تحمله تلك الأساطير من دلالات على قدرة الإنسان على أن يكون صلبا أمام الضربات، وقادرا على النهوض بعد العثرات... فكانت لوحات أبي علي بعثا من الرماد، وهِبة من فنان يمنح اللون الرمادي رمزية وقيمة نغمية متدرجة بين الشدة والنسبية أبعدته عما التصق به من دلالات تحيل على الحياد والسلبية فجاء الرمادي والبني في لوحات العميري مشحونين بالدلالات والمعاني يختزل شدة ولمعان باقي الألوان الأخرى... فيبتعد الرمادي والبني عما التصق بهما من دلالات الحزن الإحباط والكآبة، وتمرد الرمادي عن سلبيته وتموقعه في الوسط بين الأسود والأبيض... لكن أبا علي باعتماده على اللون الرمادي والبني، واستغنائه بحرق الخشب والقهوة لونا بدل أقلام الرصاص، الفحم والصباغة المائية أو الزيتية المستعملة في رسم البورتريه والاكتفاء بلون واحد يتدرج بحسب قربه وبعده من الضوء يكون قد أعاد الاعتبار للرمادي، فرض نفسه أسلوبه الفني رائداً من رواد البورتيريه في التشكيل العربي المعاصر الذين جددوا شكلا ومادة على الرغم من قدم هذا الفن في التشكيل الإنساني، واستطاع تطويع البن رغم صعوبة الرسم بالقهوة لميوعة وسيلان القهوة وسرعة خروج الفنان المبتدئ عن الإطار المراد رسمه، وما يحويه النمقيط بالقهوة من صعوبة....

 

ذ. الكبير الداديسي

 

 

علاء اللاميفي هذه المقالة سأعرف جيلَ الشباب ببعض رموز الفن الفطري العراقي نحتا ورسما، ممن وجدت شيئا من المعلومات عنهم على النت ونسقتها بتصرف أسلوبي طفيف، ليكون هذا التعريف بهم صرخة احتجاج ضد سيطرة الرثاثة الفنية المحمية بحكم الطائفية السياسية المطابق لها في الرثاثة والفساد وانعدام الذوق لدى الزمر الحاكمة وحاشيتها: في ستينات وسبعينات القرن الماضي وما بعدهما نشأت وراجت ظاهرة الفن الفطري والفنانين الفطريين، وكانت موجودة وغير ملحوظة قبلا بزمن طويل، واشتهر بعض منهم في السبعينات خصوصا. وهؤلاء فنانون شعبيون لم يدرسوا الفن وليس لهم أي تحصيل علمي ودراسي فني وكانوا يرسمون وينحتون بتلقائية وطلاقة لا تخلوا أعمالهم من بعض الغموض والأخطاء الأكاديمية أحيانا لأنهم لم يدرسوا النسب والتشريح الفني وماهيات وعلاقات الألوان والكتل والتكوينات...إلخ. وفي السبعينات، تعرفت على والدة الصديقين الفنانين فلاح ويوسف غاطي وهي نحاتة فطرية لها أعمال جميلة شاهدت بعضها، ولا أتذكر جيدا إن كانت قد عرضتها في معرض فني شخصي آنذاك أم لا. ومن الفنانين الفطريين المعروفين في هذا الباب أعرف هنا بـ:

1- النحات العراقي الفطري منعم بربوت وادي الجنابي، الذي اتخذ له اسما فنيا هو "منعم فرات". ولد عام 1900 في محلة باب الشيخ ببغداد، وتعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم عن طريق الكتاتيب. كان فلاحا وبائعا للأغنام في شبابه، إلا انه ترك الفلاحة لينتقل للعمل كعامل في عدة مجالات ككاسب.

* شارك منعم فرات في مهرجان الفن الفطري العالمي بإيطاليا عام 1966 بعرضه لعشرة أعمال نحتية متنوعة بموضوعاتها وتقنيتها البسيطة ونالت إعجاب مَن حضر المعرض. وتضمنت تلك الأعمال النحتية أشكال طيور وحيوانات وكائنات خرافية وموضوعات أخرى ذات طابع انساني، ونال الفنان في هذا المهرجان عدة جوائز منها شهادة دبلوم وجوائز أخرى تثمينا لأعماله.

* كما تحصل منعم فرات على الجائزة الاولى بدرجة ممتازة في المهرجان الدولي الثالث للفنون الفطرية الذي أقيم بمدينة (براتسلافا) في تشيكوسلوفاكيا في شهر أيلول - سبتمبر سنة 1972 وشارك فيه خمسة وخمسون فناناً. وقد حظي هذا الفنان باهتمام ودعم كبيرين من الفنان نوري الراوي وتلقى منعم فرات دعوة في الخارج للمشاركة في المعرض الدولي للفن الفطري في أوربا، ولكن القدر حرمه من المشاركة، إذ توفي بحادث دهس بالسيارة، فقام الفنان نوري الراوي بإتمام إيصال أعماله للمشاركة قبل بدء المعرض بعد وفاته مباشرة، وحاز على الجائزة الأولى، ولكن للأسف فقد حصدته المنية قبل أن يحصد هو جائزته وفرحته بالفوز.

* كتب عنه الناقد الإيطالي البرتو جاتيني (منعم فرات اختار بمفرده طريقة الذي يقوده نحو غاياته الفنية، هذا الاختيار انبثق من أعماق نفسه الأصيلة، وأول عمل قام به هو رفضه لأي شكل ولأي تأثير أوروبي، سواء كان ذلك في التكنيك أو في الشكل الظاهري، ففضل في عمله الفني مستوحيا الماضي بكل ما فيه من جلال...)

* قال عنه النحات العراقي الراحل محمد غني حكمت (إن أعمال منعم فرات أصبحت وستصبح أمثولة لأكثر من فنان عراقي، ذلك لان أعماله الخاصة، وأسلوبه في تصوراته برمتها لا تتصل بمدرسة فنية معينة، ولا تشتبك بجذور من مؤثرات خارجية، أنها خلاصة ملاحظة عامة للمنظورات وتعبيرات مبهمة لأحاسيس وأخيلة عن الحيوان والإنسان في حبهما وفرحهما، في غضبهما ورضاهما، في أحلامهما وأمانيهما، إن شخوص منعم فرات، تتحدث عن قصص وأساطير تعيش في عالم لم نصل بعد إليه.. ولكم تمنيناه! فليس منا من رأى أنسانا برأس حيواني، نعم، فرات بعفويته وجرأته وانتصاره على الحجارة الصلدة استطاع أن يخرج بقامته ووضوحه إلى هذا العالم الذي يفتش عن كل ما هو جديد ويقول للجميع ها أنا ذا اطرح أسلوبي العراقي المتفرد والمتجذر والمنحدر من صلب المبدعين الأوائل، في سومر وأكد وآشور.

1539  محمد فرات

الصورة للفنان الراحل منعم فرات وبعض منحوتاته

* كتب عنه الناقد الفني محمد الجزائري: وقال الناقد الايطالي "البرتو تشاتيني" المختص بالفن الفطري، عن فن منعم فرات إن هذا الفن يمثل الاتجاهات الفنية في كل القارات، من الاسكيمو إلى الهند والمكسيك إلى جزر الأوقيانوس.. ويمثل الفنون البدائية والعراقية القديمة، كما يمثل الأصنام الجاهلية الأولى ويضيف الجزائري : أن أعمال فرات بمثابة استجابة للحالات كلها التي كان يعيشها، والذي يبدو كشفاً لعلائق إنسانية تتشكل عنده على نحو خاص، إنما هو نوع من الاطمئنان للحالات التي اكتسب عنده وجودها مرحلة اليقين، إن بالرفض أو القبول، فجسدها بمباشرة وفطرية وصلت حد الدهشة، فهو لم يكن يحطم الواقع ليعيد تشكيله، إنما كان يعريه من خلال قدراته التعبيرية، ومن هنا، يمكن اعتباره ممثلاً أصيلاً للفن الأصفى الذي لا يعاني نوعاً من أنواع الفصام، لكونه سيد الفن الفطري وسيد الفن الصافي.

2- الفنان النحات عباس جابر: ولد في محافظة ميسان سنة 1954 هو مثال حي على الفن الفطري. منذ طفولته كان يتابع حركة اليدين لوالدته وهي تعجن الطحين لعمل خبز التنور الطيني، وهي تخلط الطحين بالماء فتصنع عجيناً طيّعاً على شكل كرات، فانطبعت في ذاكرته تلك الصور الفنية البسيطة، فضلاً عن عوامل عدة أخرى بيئية وعائلية أثرت تأثيراً مباشراً في تكوين وتنمية هذه الموهبة التي زرعت في مخيلته الذكية فكرة الفن. لتكون منطلقاً في التعامل مع الأشياء. بدأ بالطين ثم الخشب والحجر وتمكن من النحت على نواة التمر والرز والعدس التي لا تستطيع الاطلاع على الأشكال المنجزة منها إلا بواسطة مكبّرة يدوية. كان يطلق ليديه العنان والخيال ويجعلهما تحاوران كل تلك الأشياء، معبراً عن حالات الخوف والحرمان التي تواجه الإنسان مجسداً الواقع العراقي بكل تفاصيله، أقام العشرات من المعارض الفنية عن أعماله بالتنسيق مع مديرية النشاط المدرسي ونقابة الفنانين ودار القصة العراقية.

3- عبد الكريم ناصر منصور الغريباوي: ولد سنة 1962 محافظة واسط. إنَّ الأقلام الخشبية وما تنتجه على الورق كانت هوايته المفضلة في طفولته، انتبهت عائلته لتلك الموهبة شجعته فضلاً عن معلمه في الدراسة الابتدائية الذي حفزه وشجعه أيضاً, الغرباوي لم يدرس الفن لكنه امتلك موهبة فطرية خاصة أثارت زملاءه الفنانين ما جعله يستفيد كثيراً من تجاربهم, في ثمانينات القرن الماضي رسم أولى لوحاته وهي الرحى التي تستخدم في طحن القمح ليستمر فيما بعد في تجسيد بيئته، فكانت لوحة (الدربونة) التي جسد فيها طفولته في قضاء الحي محافظة واسط ، اعتمد الغرباوي على نفسه دون أن يقدم له أي دعم رسمي. شارك في الكثير من المعارض داخل العراق وتلقى دعوات عدة في روما وباريس، إلا أن إمكانيته المادية المحدودة حالت دون إقامة معارضه في تلك العواصم. يجيد رسم الكاريكاتير، لكنه ميال إلى المدرسة الواقعية، ويحلم أن يمثل العراق في محافل عربية ودولية ليرسم للعالم صورة جميلة عن وطنه وشعبه.

4- محمد الخزرجي، مواليد 1972من بغداد، من عائلة متوسطة الدخل. أحب الرسم منذ الصغر منذ كان عمره 8 سنوات بدأ الرسم على الورق يوجه إحساسه وتدفعه الموهبة, تردد على نادي الثقافة والفنون في حي القاهرة ببغداد في حينها في الثمانينات، وبدأ تجربته الأولى مع الألوان، كان الأستاذ المسؤول في النادي فنان فطري أيضاً، صقل موهبته لينطلق فيما بعد في عالم اللون والظل والضوء والسماء ومفردات الحياة الواقعية. الاستمرارية في الرسم هي من ولدت لديه الخبرة والاحترافية. فانجذب إلى المدرسة الواقعية دون المدارس الأخرى ورسم الشناشيل البغدادية وذوي الحِرف العراقية الأصيلة ووجوه أهالي المحلة، فكان اكتسابه لكل هذه الاندفاعات الفنية بالفطرة، كان الإحساس يحركه ويعتقد أن الفطرة هي البديهية التي تحرك أنامله وعقله وإحساسه دون تدخل من جانب العلم المكتسب.

 

علاء اللامي

 

 

مِن الجنون ما يَقتل، ومِن الجنون ما يَجعلك تتسلى وتَلْهُو وتَلعب كما لم يَلعب طفل، لكن ليس الأطفال وحدهم يَلعبون، فهذا صاحبُنا سلفادور دالي SALVADOR DALI  أَقْسَمَ أَلاَّ يَسمح لنفسه بغير أن يَلعبَ، وأول ما قرر أن يَلعبَ به هُو شاربُه..

مثير حدّ السخرية أن يَكون للإسباني سلفادور ذلك الشارب الغريب الْمُعَلَّق أعلى الشفة بطريقة لافتة للانتباه حدّ التشكيك في سلامة ذوقه وفق ما يَقتضيه العرف ودِين العقل.. أليس من الباعث على الضحك أن يَتعلم أحدُهم فنونَ التخطيط على لَوحة مُحَيَّاه؟!

شاربُ صاحبِنا المسكون بحُبّ الجنون لَعِباً يجعل وجهَه بمنظر الشارب لوحةً تشكيلية سريالية.. ولا غرابة، فالرجُل سلفادور هذا ماذا نتوقع منه أن يَكون إن لم يَكُن حقيقةً قد رضعَ حليبَ السريالية والجنون..

1526 سلفادور دالي

لوحة إصرار الذاكرة للفنان سلفادور دالي

السريالية جعلت سلفادور دالي يُثير ذائقتك الفنية بما كان يَرسمه من لوحات تشكيلية قِمَّة في الغرابة، ومازالَتْ إلى الآن مَضرب المثل في رَسْم مَشاهد مِن الحياة بخطوط وألوان وأشكال وأحجام فوق واقعية على طريقة النموذج السريالي في الفَنّ..

لكن هل كان سلفادور يَكتفي بالإيغال في الحِسّ السريالي فَنّاً فقط؟! من المؤكد لا، والدليل القاطع الذي لا يَتوانى عن لَيِّ عُنُقِ الشك هو زَحْف الْمَدّ السريالي إلى الحياة الشخصية والواقعية لسلفادور..

سلفادور في حَدِّ ذاته يُمكنك أن تَقول عنه إنه لوحة سريالية متحركة، بدءاً من شاربه، مُروراً بملابسه التي كانت تَصدم بذوقها من يَتقاسم سلفادور معهم الزمنَ والمكانَ، وُصولاً إلى مواقفه وأحواله وتصرفاته..

تصرفات سلفادور الصبيانية دفعَتْه مراراً إلى مغادرة صفوف الدراسة بسبب الانطباعات السيئة التي كان يَتركها عند أساتذته نتيجة المشاكل التي كان يَتسبب فيها لزملائه أو تلك المقالب الباردة التي كان يُلَفِّقُها لهم..

أن تَستهويكَ الكتابة التشكيلية سريالياً، هذا أمر مفهوم ولا مَشَقَّة في قبوله، لكن أن تُجَسِّدَ اللوحةَ السريالية على شاكلة الكتابة الفنية بالجسد (جسدك) من باب التمادي في اللعِب، فهذا ما لا يَتفق معه عقل ولا منطق..

اَلْمَنْطِق هنا بَيت القصيد، لماذا؟! لأن سلفادور عُرِفَ بكسره لكل قاعدة ومنطق، فلا قانون يَضبط مزاجَه سِوى الجنون، ولا فلسفة تَكون لطريقه المصباحَ سِوى الخروج عن النص..

النص الغائب عن حياة سلفادور هو الحكمة، الحكمة بما تَفرضه من تخطيط سَوِي وما تَقتضيه مِن هندسة للحياة في مستوى التطلعات التي يَرسمها العاقلُ لنفسه..

نَفْسُ سلفادور كانت بأهوائها المتقلبة والخارجة عن نطاق سيطرة العقل السليم تَستدرجه إلى السقوط في مُسْتَنْقَع الألوان الغامضة للحياة، تِلك الحياة التي كان صاحِبُنا يُفَصِّلُها على مقاسات جُنونه الخَلاَّق..

عَظَمَةُ الجنون (وليس جنون العظمة) أَوْحَتْ لسلفادور بأن يَتَّخِذَ لشخصيته الخارجة عن التصنيف مَساراً يَتجاوز حدودَ الممكِن في الحالة الطبيعية، فالرجُل لم يَكُنْ يُخفي ولعَه بالمغامرة وصعود جَبَل الرغبة، وأيّ رغبة؟! إنها الرغبة المجنونة في الانقياد لسطوة الأفكار المجنونة..

الأفكار المجنونة التي كانت تَدور في فلك رأس سلفادور كانت تَرقص وتُغَنِّي، وتُرَفْرِف وهي تَرى رُؤيةَ اليقين كيف أن ذلك الربان المجنون الذي يَقود سفينتَها (الربان سلفادور) يُطيعها طاعةً عمياء، ويمتثل لأمرها مُسْتَسْلِماً بَاسِم الثغر والعينين، مهما رَمَاه الآخَرون بحجارة الجنون الذي لا يَغيب عن أبله أو سفيه..

هل كان سلفادور مُتَيَّماً بقراءة معنى الاستياء في وُجوه المحيطين به؟!

أم كان عقلُه يُصَوِّرُ له استياءَهم في صورة إعجاب؟!

أم كان يَشعر بنشوة التميز عن غيره بما يُحدثه في شكله من فوضى عابرة لحدود الجسد؟!

أم أنه لم يَكُنْ منبهراً بآيات الجمال في صورة التناسق أو التناغم الذي كان يُغَلِّف كل ما يُوجَد حوله؟!

لِنَقُلْ إنها لعنة الجنون وكفى، تلك اللعنة التي قد يَطيب لك يا صديقي أن تُسميها لعنة مقدسة، لماذا؟! لأن صاحبَنا سلفادور المسجون خلف قضبان سرياليته كان يَتَلَذَّذ بلعنة الجنون..

درس في الجنون يُعَلِّمُك إياه سلفادور مِن مدخل اللذة الفنية التي تُشبِعُها الممارسةُ السريالية، سواء في حدود الإطار التشكيلي للإبداع على الورق، أم على امتداد أرض الواقع التي لا تَنفي تأثر سلفادور بِـ «عَبْقَر» السريالية على مستوى تَجربة الحياة الشخصية..

هذا سلفادور، الفنان التشكيلي والمفتون بالصورة المجاوِرة عشقاً وممارسةً لصُنَّاع السينما، وأيّ صورة؟! لقد كان يُخطط لتجسيد صور تَتخلل مَشاهد سينمائية مُخْتَلَسَة من حقيبة الأحلام الْمُهَرَّبَة من بلاد اللامعقول..

في تجربة سلفادور يَتوقف الزمنُ، وتتعطل ساعاتُ الحياة، لكن هل تُصَدِّقُ يا صديقي أَنْ يَقوى سلفادور على تجسيد إحساسه هذا بذوبان الحياة؟! يَقوى يقيناً، ولهذا ظَلَّتْ إلى الآن لوحةُ «إصرار الذاكرة» التي رَسَمَها سلفادور وفق ما تَسمح به بنود المدرسة السريالية من أروع لوحاته وأكثرها جودة وشهرة..

إنه مَشهد قد لا يَتحقق إلا على سرير الحُلم، فهل تَصَوَّرْتَ يَوماً أن تَزورَك صورة كهذه في غير مدينة الأحلام؟! طبعاً لا، ولهذا يَشعر الرائي بعين التأمل بنشوة فنية قَلّ نظيرها وهو يُبْحِر في قراءة لوحة الساعات الذائبة تِلْكَ..

لَعَلّه من الحيف حقاً أن نَتَوَاطَأَ مع الباطل ضد حكمة الرجُل هذا، لماذا؟! لأن مَن يَغوص بريشته وأقلامه في بحر الإبداع التشكيلي بهذه الروعة وتلك الدقة لن يكون إلا سَيِّدَ الإبداع..

إنه جنون الإبداع الذي يَرفَع مًنْجَزَكَ في عيون مَن يُقَدِّرُ جمالَ الإبداع، جنون يَرتقي بك إلى معارج التميز مهما بَدَوْتَ للآخَرين غريبَ الأطوار فوضوي الشكل شارد الذهن تَحضر وتغيب كأنك الضوء الشارد الذي لا تُغريه محطة بين سماء الزمن وأرضِ المكان..

الفنان المبدع بحق والسابق بخطواتٍ ضوئية لزمنه لا يُقَدِّرُه إلا شبيه له أو مُتَذَوِّق لِفَنِّه بِعَينِ إحساسِ المجنون بإبداعه، لذلك كان من حُسْن حَظّ سلفادور أن يزفّ إليه القَدَرُ زوجةً متفهمة لمزاجه الإبداعي، ومن هنا كان من الطبيعي أن تُعينَه زوجتُه على جنونه..

زوجة سلفادور الروسية المعروفة بِـ «غالا» (مع أن اسمها الحقيقي إيلينا) قَدَّمَتْ له خدماتٍ جليلةً بسهرها على رعاية إبداعه وإدارة علاقات الترويج له، ولذلك كان من غير العدل ألا يَحزن سلفادور على موتها وقد تَرَكَتْه كالنخلة اليتيمة المشنوقة في صحراء قاحلة..

صحراء قاحلة هي الحياة التي مِن النادر أن تَجد فيها من يَشعر بشهوة رغبتك الإبداعية الجميلة ويَتعاطف مع خيوط إحساسك بما تُشَكِّلُه مِن فَنّ رقيق وعابر للقلوب الذَّوَّاقة للفَنّ الحقيقي..

بِرَحيل زوجته كان في انتظار سلفادور مَوْعِد مع الحُزن الذي جَعَلَه يَرى الحياةَ بألوان كئيبة تَقتل رغبتَه في الاستمرار بعيدا عن شمعة الأنثى التي كانت تُعَبِّدُ طَريقَه إلى النجاح..

زوجة مثالية تلك التي تَستجيب لرغباتك الدفينة وتُنَفِّذُ دون أن تَطلبَ منها، تُضيءُ غرفةَ حياتك وتُزَوِّدُها بما يَكفي من حرارة العاطفة التي تَتَّخِذُ منها أنتَ مَصْدَرَ طاقة، طاقة مُحَفِّزة على العَطاء ومُحَفِّزَة بالْمِثل على البَقاء..

ما جدوى البَقاء بعد رَحيل الغالية؟! هكذا نُقَدِّرُ السؤالَ الذي ربما كان يَسأله سلفادور لنفسه مراراً، لكن القَدَرَ كان رحيماً هذه المرة أكثر مما يُمكن لامرئ أن يَتصور، ببساطة لأن الحياةَ في قلبه غادَرَت حالفَةً ألاَّ تَعودَ..

كان سُكوتُ ساعةِ قلبِ سلفادور يؤذن بالرحيل إلى ما لا رجعة، وهكذا أَنْقَذَتْهُ أزمتُه القلبية من جحيم حياةٍ أَصْبَحَتْ قاسيةً بعد غياب نِصفه الثاني وتَوأم روحه..

بَيْنَ روح الإنسان وروح الفن مسافةُ صِفْر. لهذا لم يَطُلْ عذابُ سلفادور، وسرعان ما سكتَتْ ساعةُ حياته التي كانت تَذُوب شيئا فشيئا، إلى أن تَبَدَّدَتْ كُلِّيا فتَلاشَتْ معها صرخَةُ الحياة..

صحيح أن سلفادور قد رَحَلَ، لكن ساعاتِه الفنيةَ مازالَتْ حاضرةً بقوة، ساعاته تَشْهَد بها لوحاتُه الفنية التي طَفَقَتْ تَقول: مِنْ هُنا تَاريخُ عبقريةٍ مَرَّ، مِن هُنا مَضَتْ حِكاية..

 

بقلم الدكتورة سعاد درير

 

 

سامي عبد العالذات لوحةٍ قال الفنان الاسباني سلفادور دالي: "كلُّ ضربةٍ لفرشاة الفنان ناتجةٌ عن معايشةِ مأساةٍ يُعانيها ". كأنَّه يُذيب تجلط الآلام بالتقاط المستحيل باعثاً فينا روحاً جميلاً. ينطبق القولُّ على الفن المغموس في ظلام المآسي التي تكابدها الشعوب مع انكسار الأحلام الكبرى، كحال إحباط الشعوب العربية بعد جدب ربيعها العاصف. وأنْكي من الفشل أنْ يظل الفنان حبيساً لتفاصيله الموحشة أينما ذهبَ، لتخرج حواشي الخطوط والوجوه كطيَّات تشكيليةٍ في هوة اللوحة وتقلباتها. فدوماً خلال تحرر الشعوب، كانت الفنون التشكيلية هي الحاضرة في طليعة الحراك، هي الفاعلة ثورةً وأداةً ووصفاً ودموعاً وسخريةً وهذياناً.

اللوحة عندئذ وثيقةٌ مرسومةٌ بألوان سريةٍ. تحكي التفاصيل الدقيقة، ترسم الآفاق، توقظ الحواس الشغوفة، تحول الأشكال إلى طاقة متفجرةٍ وتثير آمال المتلقي كجزءٍ من أبداعها الحي. أي حين يتلقاها يجدها " عالماً فنياً " يجتذبه للإحساس المجنون بالحقيقة الأخرى دون الحقيقة، بالمعنى الآخر دون المعنى، بالإمكان الآخر دون الإمكان!!

ليس شيئاً عابراً - هذا اللجوء العاري الذي يعيشه السوريون - حتى يطويه الخيال، وليس شيئاً صلباً كي يجد موطأَ صوتٍ في صخب العالم. فهل وقفت بقايا المجتمعات العربية- إن وجدت- مثلاً أمام إنسانيهم الضائعة؟ هل اهتم أحدٌ بتضميد جراحهم ولملمة فوضاهم؟ إنَّ وضع اللاجئين الكئيب أشبه بالعدم في أوصال التاريخ الراهن للغسق السياسي. ولم يعدّ هنالك إلاَّ فضاء الفن الذي يجسد الأشياء على مسرح الدهشة. وكأنَّها أشياء لم تكن من قبل، تاركاً خطوطها الأثيرة على جسد اللوحات وراسماً مشاعرنا الدفينة التي لا يمكن إطلاق سراحها.

101  عبد الله العمري 1

ريشةُ الفنان السوري" عبد الله العُمري " بمثابة الخيال الغرائبي الذي صور واقعاً فاجعاً على نحو فذٍ. لقد أبرزَ الفنان المفارقة فيما يجري للاجئين السوريين: بأنْ رسم قادة العالم في نفس الحال المزري، في الوحل الذي أغرقوا داخله شعباً مشرداً. صَورَّهم الفنان العمري شخُوصاً رثة بتقنيات فنية وإنسانية وسياسية تبوح وتندد وتثور أكثر مما تُخفي. شخوص الرؤساء تقف هشة بريشة الفنان في طوابير الخبز انتظاراً للقيمات المجهول، حيث تعلوها الأتربة وتلتهما فوبيا المصير وينقشها غبار الأوطان وتتوزع نظراتها مع مظاهر الخوف.

101  عبد الله العمري 2الفن يدخل السياسة من الباب الخلفي لقلب منظومة القهر إلى موضوعٍ مفعولٍّ به على ذات الصعيد. أي أنَّه يُطَّهِر هذه البقع الآسنة من رواسبها حين يأخذ أدوار المقاومة الشرسة لقبح السياسات المفروضة على الإنسان. فتنشط دلالات الفن عند الحدود القصوى للعجز القسري عن الفعل. إنه لا عجز لدى الفن إلى نهاية المدى، لكونِّه عملاً يحمل المفاجأة الإبداعية باستمرار. الفن هو الخالق الآتي من أقاصي الحياة للثأر الناعم من قاتلي الإنسانية، من مشردي الأطفال، ومن مرملي النساء، ومن مدمري المجتمعات.

إنَّ اللوحات تبعث للمتلقي شعوراً بما قد يفعله الفن قصاصاً من الجناة. تعري هؤلاء الذين كانوا سبباً مباشراً في مأساته. هؤلاء الذين تآمروا ودمروا سوريا الوطن والحياة  باختلاف مشاربهم. قادة أمريكا (أوباما وترامب)، قادة روسيا (بوتين وسواه) قادة العالم العربي (بشار الأسد وأمراء النفط وسماسرة المؤامرات وتجار الكلام) قادة أوروبا (ميركل وساركوزي) قادة إيران (خامنئي وأحمدي نجاد وحسن روحاني وحسن نصر الله) قادة تركيا (أردوغان وغيره).

أكد عبدالله العمري - لشبكة " AJ " الإنكليزية- أنَّ ما دفعه لذلك كانت بمثابة ردة فعل شخصية على قصته كشخصٍ مهجر، وعندما تنامى الغضب داخله أراد أن ينتقم بشكل لطيف عبر الفن. ويقول إنَّه عبر لوحاته يمنح المتفرج الفرصة للتعرف على القوة الحقيقية للهشاشة. ويوضح أنه خلف "واجهة السلطة لا يتبقى لدى الديكتاتوريين شيء."

والفنان العمري من سكان العاصمة السورية دمشق، وقد درس الأدب في جامعتها. ثم ترك بلاده، في شهر سبتمبر ألفين واثنتي عشر، كي لا يجند بجيش النظام "بعد أنْ أصبح كل شيء فوضوياً "، متجهاً نحو أوروبا، حيث يعيش في بلجيكا. يقول العمري إنَّه كان يشعر في البداية بالغضب عندما يفكر بسياسي كبشار الأسد، ليلاحظ بعدها أنَّه من الأفضل قلب الغضب إلى قوة، التي من خلالها يجرد القوي من قدرته .وعُرضت أعماله في بريطانيا ولبنان وفي العاصمة الألمانية برلين وفي دبي1.

لكن هل تثير اللوحات الفنية فكرة العقاب أم أنَّه يترك الإبداع لاستدعاء الأصداء؟ هل يمكن اشهار الجمال أمام وجع القبح أم أن جماليات القبح تصبح جزءاً لا يتجزأ من طبيعة الفن؟ كيف يصل الفنان إلى أغراضه بأعمال فنية هي قيد التلقي؟ لماذا يكون الفن أبعد أثراً وخطورة إزاء واقع مأزوم؟ هذه أسئلة تشق الطريق نحو فهمٍ أعمق لخلفيات اللوحة الفنية.

أولاً: الأثر التعويضي بين الضحية والجلاد لون من الثأر الرمزي. فشخصيات الرؤساء مرسومة بحرفيَّة عالية الدلالة، حتى أنك تلمح مأساة اللجوء لدى القادة فعلاً، رغم حضور كيانِّهم المستقل عبر التفاصيل.

ثانياً: صحيح الشخصيات مختلفة إلاَّ أنَّ الفنان عبد الله العمري لا يغفل القضية الأساسية: كشف ويلات النازحين والتعبير عن معاناتهم.

ثالثاً: تداخل السياسي والفني غير مرئي، لكنه فاعل عن كثب في اللاوعي. اللوحة تحرر المتلقي من قيود الواقع، من القهر الذي يعيشه تاركاً العنان لتداعيات الملامح والأحوال. وهي ناشطة في فضاء اللوحات بشكلٍّ يكاد ينطق بالمسكوت عنه.

رابعاً: كشف القبح بواسطة المتورطين فيه هو فعل باقٍ طوال الوقت. وربما العمل الفني أشرس من الواقع ذاته. فهو قابل للتلقي بقدرات الفن الابداعية وطاقات التأويل دون حدود.

101  عبد الله العمري 3

خامساً: اكتفاء اللوحة بذاتها لا يتم إلاَّ بعدم اكتفاء الواقع بذاته. لأن الأخير قميء وتنتقل أشباحه إلى لوحات هي الصورة الفاضحة لشخصيات معروفة. أوضح العمري لموقع "بينتو" الألماني: أنه لا يريد تجريدهم من السلطة، كي يشعر على نحو أفضل، بل الأمر متعلق برغبته في "جعلهم بشراً مرةً أخرى"، كناية عن تجريدهم من الهالة المرسومة حولهم، في كونهم غير عاديين.

101  عبد الله العمري 4سادساً: دلالة اللوحات الفنية تمثل " لعنة " تحل بالقاتل. وهذا تصور انثروبولوجي قديم تعبر عنه ريشة الفنان. فروح الضحايا تلاحق الجاني طوال الوقت. لقد جسدَّها الفنان بهيئة كاملةٍ، القادة كيانات فنية تتحرك بشخوصها الأصلية. بل جعلهم الفنان عنصراً تراجيدياً لوضع مؤلم. وكأنَّ المتلقي سوف يتساءل ماذا لو كانت الدول التي أسهمت في أزمة سوريا تعيش الأحوال ذاتها؟ الإجابة سريعة بمجرد النظر إلى اللوحات!!

سابعاً: يشتغل فضاء اللوحة على الحكي الذي يسرد نوعاً من العدالة المضمرة. فلنتخيل لو تساءل إنسان ماذا حدث؟ وما مصير هؤلاء اللاجئين؟ فالقادة كلاجئين جدد هم النتيجة التي تحقق العدالة.

ثامناً: أسست اللوحات لقوة الهش والمهمش والمقهور، فالبطل لم يعد هو الرئيس الفاعل إنما  هو إنسان ضائع رغم أنه في حال اللجوء لا يملك حتى حياته الخاصة.

تاسعاً: هناك مغايرة لصورة القوة الدولية. فهل الرئيس هو اللاجئ أم هو الديكتاتور السابق.  إبقاء الشكل المبدئي للشخصية حتى النهاية حيلة فنية لخلط الحالين. بحيث يقنع صاحبها ماذا سيجد لو كان لاجئاً وكذلك يقنع الضحايا بالتطلع إلى حياة كريمة وتحرير وطنهم.

وفي هذا  أشار " عبدالله العمري"  إلى إنه يرغب من خلال لوحاته هذه في التمكن من تصوير كيف ستبدو " كبار الشخصيات " إن كانوا مكاننا نحن السوريين، كيف سيبدون لو كانوا في موضع الفقراء، واللاجئين والمهجرين!!

إحدى اللوحات تحتفظ بالملامح الأمريكية في شخص ترامب. وقد أشارت حالته إلى مأساة التشرد هرباً من الخراب. ومع رتوش الرسم يحس المتلقي كأن الخَطُب جلل وأن الموضوع ليس مصادفة، لأن الوجه (وجه ترامب) يعكس ما فعلته قواته بكل لاجئي العالم. حيثما توجد قوات أمريكية يوجد لاجئون، يدمرون منازلهم ويحصدون غنائم دولهم ثم يلقون لهم طعاماً وأغطية بالطائرات.

وها هو الموعد يأتي فنيَّاً لنرى ترامب يحمل حاجياته المهلهلة على ظهرة رافعاً ابنته فوق كتفه ولا يملك من حطام الوطن غير صورة العائلة. بينما تأخذ خلفية الصورة ألوان الصحراء الدالة على الموات الغائر بين إحساس المتلقي بالواقع وما ستؤول إليه الأمور. وأنَّه لا عودة إلى الحياة بعدما انطفأت الأشياء. فهل سيعود الفارُ من الموت إلى قحط الصحراء كمن يستجير بالرمضاء من النار؟

101  عبد الله العمري 5

المفارقة كون الرئيس الأمريكي اللاجئ يحمل كيساً هو كل طوق النجاة بعدما كان مهيمنا على الأحداث. الكيس رمز الاحتفاظ المخيف بأي نوع من الحياة في شكل طعامٍ أو كسرة أمل. أين ذهبت السلطة؟ أين القوة العسكرية المُرعبة؟ أين الثروات الضخمة العابرة للقارات؟ لا شيء من هذا على الإطلاق. ويقف الفنان كأنَّه يشكل أقدار العالم ويجرد الزعماء من أنيابهم القاتلة وليذيقهم بعضاً مما صنعت أيديهم.

تبدو الفكرة بارزة حين ننظر إلى لوحة باراك أوباماً، ملامحه لم تفلت من العوز والضعف الإنساني. جاء معجوناً بالخراب الذي لحق بالشعوب وذاق الافقار والإجهاد، وانحنى نتيجة الحمل الثقيل الذي يتلاعب بظهره كما تلاعب هو بظهور المعدمين. ثم كان انتصابه وقوفاً باللوحة اعترافاً وجهاً لوجه بمصير لهذا الحال. ولا يغيب عن المشهد هذا الامتثال في الصورة من قبل أوباماً كأنَّه يقر بحقيقة الحادث له. وتناولته الألوان بقسمات المستكين جراء المعاني الإنسانية التي تلهب إحساس المتلقي.

101  عبد الله العمري 6أما بشار الأسد، فقد جاء بصورته غارقاً وسط البحر، يقف بالكاد داخل المياه حاملاً فوق رأسه مركباً ورقياً.  مركب لا يجدي فتيلاً وسط أهوال الدمار الذي سببه لدولته ومع عمليات القتل وهدم القرى والمدن. والمعنى أن الرئيس نفسه قد غرق حتى أذنيه وعلاه الخراب وتمزقت ملابسه وضاعت هيئته.  إن الطوفان الحرب هو الذي شارك فيه ورعى قمع الثورة حتى نال منها.

المركب الذي يحمله الأسد فوق رأسه مجرد هوام ورقي لا يجدي نفعاً. ولأن نظامه القاتل غير مجدي. وقد يشير المركب إلى بقايا سوريا الدولة، أصبحت مجرد شراعٍ ورقيٍّ والنجاة التي تبشر بها لا تحتمل أيَّ فعل. وبإمكان أية مياه تمزيقها كما لا تقوى على حمل الوطن إلى بر الأمان. فضلاً عن أنَّ المركب قد يشير إلى الوطن الذي يتصور الأسد أنه يخرج به عالياً بينما هو وطن ممزق ومفتت ومتحارب حتى الموت.

ويأتي أردوغان في لوحة تعود به إلى كونه شيخاً يدفع بحاله الضعيف إلى الواجهة. و المعروف أنَّ غطاء الرأس يميز الإسلاميين غير أنَّه مفتوح الملابس لينال منه الإهمال كثيراً. وبوجود اللحية تقفل الدائرة التي تحيط بسورياً حين يراقب أردغان الأوضاع مسلحاً المعارضة الإسلامية ومؤَّمنا طريق الامداد والخروج والعودة لهم. وإذا جردنا اردوغان من سلطته لن يكون سوى شخص له رأس ولحية وصدر عار وانحناءة واهنة تستجدي المارَّة.

وفلاديمير بوتن العنيد ترسمه اللوحة طالباً المساعدة من العابرين. قد ظهر غائماً منهكاً يجتاحه العوز حتى وإنْ غرِب عن المشهد. فهو خال الوفاض من أية قوة وبات مهمشاً دون حول ولا إرادة. ولم يعد له إلا التسول على قارعة الحياة. والكتابة التي يحملها عبر لافتة إنما تدل على وهن وجوده لدرجة كونه لم يستطع رفع صوته. والملاحظ أنه جاء رجلاً طاعناً في السن ذا شعر أبيض وتجاعيد منهكة وعيون زائغة. وهذه دلالة أكبر من اللوحة والمشهد تجاه إشارة ذكية إلى كون روسيا دولة عجوز تقع تحت قائمة طويلة من العقوبات الأمريكية.

أما اللوحة الأعمق تعبيراً فهي لوحة يظهر فيها الفنان العمري وأمامه طابور من الدكتاتوريين الذين ينتظرون بقايا الطعام واشباع شأفة جوعهم. يظهر الفنان وهو منهمك في اتمام الرسم واضعاً الرؤساء ضمن قائمة طويلة من الواقفين. وتبدو القدرة الفنية على معالجة الأثر الفالت من قبضة الوعي المباشر، حيث يكون على الرؤساء ابداء الخضوع لما ينتظرهم كما خضعَ اللاجئون عنوةً لذلك. لقد حرص الفنان على وضع إنسان عادي في أول الصف لتأكيد إنسانية المشهد واتمام الدلالة إلى غايتها. ووجود الفنان بالمقدمة بمثابة المعالجة التي تتحكم في المشهد لخلق الأبعاد والرمي نحو مأساة السوريين المشردين.

كما أنَّ وجود الفنان في وجه اللوحة يطل على الواقفين. أخذ مكان مصدر تلبية احتياجات المنتظرين وإغاثة الجوعى. فالفن أصبح هو مصدر الغذاء الروحي لانتظار المصير المجهول وابداع الحياة مرة أخرى. وحين يمارس الفنان لمسات لونية فكأنما يعطي الرؤساء قبلة الحياة المفتقدة، أي يلامس ضعفهم الهش أمامه بدلاً من كونهم هم المستبدين الذين لم يسمعوا يوماً استغاثة الأطفال وصراخ الثكالى والشيوخ أثناء قصف المدن السورية.

وتبلغ قمة دراما الفن التشكيلي ذروتها حين ندرك وجود لوحتين في لوحة واحدة، مما يضاعف مستويات الحياة ويجعل الصراع فنياً سياسياً. فالفنان ممسك بقدر اللوحة والتصرف فيها بينما السياسيون لا قيمة فاعلة لهم. وقد نقل المشهد إجمالاً مساحة الهامش التي يحتلونها ليس أكثر. وكأن الفنان يختزل العالم إلى نوع من الاعتقال الفني للديكتاتورية تحت الشطب. وقد أصبح رموزها (الرؤساء) كائنات منزوعة السلطة. ولو أنَّهم قد رأوا أنفسهم في تلك الوضعية لكفوا عن تدمير الأوطان والتآمر عليها. لكن الثأر ههنا ليس عنيفاً، ليس انحرافاً خشناً، ليس دموياً. إنه ثأر إبداعي بدون ضحاياً، بدون ألمٍ. هو قوة " محو وشجب " لا ينتهيان، يظلان يمارسان دورهما حتى بعد غياب المشاهد.

 

سامي عبد العال

........................

1- لمزيد من التفصيل ولد الرسام والمخرج السوري عبد الله العمري في دمشق عام 1986. تخرَّج العمري عام 2009 من جامعة دمشق، وحصل على شهادة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي وعلى معهد أدهم إسماعيل للفنون البصرية. خلال دراسته عمل في العديد من أفلام الرسوم المتحركة وسلسلة افلام الفيديو " الوصية الحادية عشرة " وهو فيلم من إخراج المخرج السوري موفق بركات. وشارك في مهرجان دمشق الدولي للسينما 2010. وقد برز العمري في العديد من المعارض والمهرجانات في لبنان وسوريا بما في ذلك ثلاث سنوات متتالية في الصالون السنوي الشباب عام 2011 مهرجان الرسوم المتحركة الدولية في المركز الثقافي الفرنسي في دمشق حيث حصل على الجائزة الثالثة. وشارك في مهرجان دبي 2012 " محفوفة العاطفة"، ركز العمرى في لوحاته على تراكيب القماش ومعالجة حالات نفسية معقدة مع الحفاظ على عمق الجمال من خلال تطبيقه التصويري الواقعي وكفنان متفرغ في معرض كمال بدمشق قام العمرى بالاشتراك مع غسان السباعي وفؤاد دحدوح في ورشة عمل جديدة. عُرضت لوحاته عام 2012 لأول مرة في مزاد صغار مقتني اللوحات الفنية حيث حصلت لوحاته على الكثير من الاهتمام والتقدير.

راجع الرابط التالي لمنتديات ورد للفنون:

https://www.ward2u.com/showthread.php?t=18658

 

 

سمر محفوضأحمد الصوفي فنان سوري تشكيلي وإشكالي بامتياز، يدفعك للشغف والإرباك كمعادلة جديدة لاكتشافاته على مختلف الأصعدة يمتلك دفة الأفق والاتجاه، يحملك إلى مشارف الدهشة والترقب لتكون بمواجهة ما مع تجربته المتميزة، حيث استطاع أن يجد لنفسه مكانا خاصا في الوسط المليء بالمتاعب والألغاز والجماليات أيضا، منغمس بمشروعه الإبداعي عبر بحثه الدائم عن مفردات لونيه بالفن التشكيلي وخاصة التصوير الزيتي ..تنوعت أعماله فى التصوير من الواقعية إلى الواقعية الرمزية إلى التجريدية -يختار موضوعاته وينفذها بمنتهى الجدية، مشحونا دائما بالاحتجاج ورفض القهر الاجتماعي والشخصى،، ينبع أسلوبه الخاص من طبيعته ومن رؤيته الخاصة للموضوع الذي يعبر عنه، يتميز بشخصية فنية واضحة ترتكز على الجدية والإخلاص - دفاتره كل شيء الورق والتراب والمساحات البيضاء للغيم يهوي بك بضربة ضوء قاصمة إلى سواد كفيف، بباطن كفه او لوحته حيث لافرق بينه وبين مخيلته أو يده، وهو الذي أكد أن لا حافة للإبداع او قمة تستكمل بعدها التجربة فضولها للاكتشاف ..

100  احمد الصوفي 1بل تنتهي تجربة الفنان بانتهاء حياته والتجربة لا تكتمل بل هي في نضج متوالي، فالمنجز الإبداعي عنده عمل فردي يتطور باستمرار، يحملك عبر منعرجاته الى مناطق خطرة، ممسوسا بالتوهج على جغرافية اللوحة حيث يتلامح البعد الثالث المتعلق بالعمق كقيمة جمالية مبنية على المعاينة، فيما تُشكِّل هذه الأخيرة أساس فلسفة الفن الحديث والمعاصر -اغلب لوحاته المنفلتة من الإطارات على شكل رسالة مبطنة بان السيل الذي يسكنه لاتحده الحواجز يعتمد التجريب منهجا للابداع، واللوحة لديه تحمل مستويات عدة، وكأنها أنجزت على مراحل بالرغم من وحدة التشكيل واللون والفكرة، ينقل محتويات مخيلته على السطح الأملس للعمل فيعج الفراغ بالسكينة كما بالفكرة، على اعتبار أن الفن هو انعكاس لروح الفرد والمجتمع، ربما لهذا السبب بالتحديد كانت التعبيرية التصويرية-النزقة- هي الأقرب اليه منهجا ضمن تناغمها العميق.. واختزالاتها التي تمنح مساحة مناسبة للانفلات من قيود الوعي ليقدم لنا هذا الاستبصار الجمالي الاستثنائي.

‏ الأبيض \ الأسود - نضج المقولات الداخلية

100  احمد الصوفي 7

عكس الكثيرين ممن اشتغل على تناقض الأبيض \اسود كان الصوفي متفائلا بأسوده الدال على الطمأنينة، والسكينة، والدعة -تزامنا مع أسئلة عديدة تطرح عن تحولات العصر، يميل إلى تقطيع لوحته إلى مقاطع عرضية وطولية متوازية في اللون، وذات انسجام ممتع في تدرجاتها النغمية والتشكيلية...حيث يمكن ان نطلق عليها" نضج المقولات الداخلية"، والتأمل ..قد لايهتم الصوفي بمدى قدرتنا على فهم/ وعي، الارهاص الفني لان اللوحة عنده فضاء للتجلي ولا تخفى النزعة التجربية، إن على مستوى اللون، أو على مستوى الموضوع، وهو غير منشغل بالتبسيط والحياد أبدا بل فارس نور أدواته الضوء واللون، الأسود لديه بوابة زمنية لاجتياز التداخل بالعماء المطلق، والأبيض انعكاس لجميع الألوان، تشف تشكيلاته عن كتل أجساد متداخلة، متحدة بقلق وترقب، كأنما هي رؤية للعالم المتفتت، قوامها التشتت حول الفكرة الواحدة،.. هذا التوظيف الفني المتفرد لمساقط الضوء والظل الذي تجاوز التركيبة الأحادية لكليهما ليصبح أكثر تمثيلا، وأوسع أداء لمعنى التشكيل الجمالي – الدلالي، .. عن تجربته والحرب، (يقول لازال لدينا سنوات طويلة لنتمكن من رؤية الحرب بمنظور آخر وعقل أكثر كثافة وأقل تشنجاً.) تلك بعض آيات اللوحة عند الصوفي، لوحة تقرأ الحياة، لوحة ترسم الحياة.وانعكاسات الضوء والظل بما يحمله الواقع من هذه الحديّة، يفكك المشهد ويعيد صياغة الأشياء واقتناص الأثر الإنساني من خلال التكوين البصري كتكثيف الحياة ..

100  احمد الصوفي 2

الايقاع اللوني وتدرجاته

لم تتوقف ألوانه عن نقل الحدث او التهويم ليخط هرموني اللون الداخلي ومكنوناته، أسهم في هذا التأثير الحضور اللوني اللافت لدرجات الترابي المائل للأحمر في درجاته الأكثر مكرا وشفافية، ودفئا، مع تجاوره اللوني بالرمادي في لا مركزيته مما منح الأصفر مزيدا من الانتشار ممثلا بالبعد الاقصى للتكوين ومفسحا المجال لتناغم منتظم ببعد فلسفي فكري.، وبالبحث والاكتشاف الدائم على صعيد الأسلوب والتقنيات، .مستشرقا عبر اللوحة عوالما قيد الانجاز في عصر ينحدر بسرعة نحو التغول والتوحش.

100  احمد الصوفي 4

بطاقات الوجوه المحو والتجسيد

من الملاحظ عند الصوفي حين يرسم الوجوه المجردة وهي المرآة الحقيقية لما يحمله الإنسان من وعي وثقافة وحزن وفرح وأمل، الاهتمام بالتفاصيل والتقسيم لشرائح كل جزء يحكي تاريخا مرسوما بدقة عبر التقاطيع، ومن الملاحظ أيضا غياب الملامح حين يريد رسم الجسد كاملا وكأنما لا ضرورة للملامح فحركة الجسد هي الأصل وهي المعبر العميق لكافة التفاصيل، من أدق خطوط انكساراته حتى انضج تكوراته المغوية، يعرض وجوه، هي في الغالب لرجال ونساء، بدون ملامح في إسقاط عن مرحلة محددة، تضع ذواتنا بمواجهة محو معلن، في تحريض الدلالات وإثار الأسئلة، ليعيد طرحها وجوه أبطاله وكأنهم من قلق يغسله الدمع كل صباح.

100  احمد الصوفي 3

الزمكنة والتأمل كحامل جمالي

يحرر المشهد من أسر الظرف الزماني والمكاني.. في تجاوز للإرادة نحو التأمل.ولان أن الفنان هو أحد أهم عناصر الحالة الجمالية، لإعادة صياغة العناصر برؤية جديدة مبتكرة.. يبدأ من رغبته بإنكار اليقين، وبحثنا عبر المحتمل. ليقود اللحظات المنبثقة من هيكل الهيئة إلى حضور بصري، مستخدما تقنيات الاكرليك والألوان الزيتية والكولاج ناقلا أرواح شخوصه ضمن عوالمها الداخلية وتفصيلات انفعالاتها عبر الإيحاء وهو بذلك يشير أن لا تركنوا للمشهد ولا للشخوص فهي تتغير بسرعة مرعبة، . معلنا أن لا إيديولوجية لديه تسيطر على آلية الفن، عند تجليات وتعبيرات، التشكيل وما يعايشه والفنان، في وجوده، وتجاربه الانفعالية، كاختبار فردي نقوم على تبينه في إنتاجه بوصفه تجربة، نعتمدها وفق منطلق التلقي المستقى تحديدًا من فكرة التذوق، من جهة، ومن الجمالية الحديثة، بمفهوم التجربة في الفن من جهة تالية، لنؤكد أن الفنان - الصوفي ابتعد كثيرًا عن التشخيص، ولم تعد عنده اللوحة إظهارًا للمرئي، بل باتت مقطع رؤيوي يجمعه بما هو خارجه، كبيان تأملي هو وجهة نظره في وصف العالم، باعتباره واصف حيادي للعلاقة التي تنشأ بين الجزء والكل، . ما يجعل من التجربة والتجريب فعلًا جماليًّا وفرديًّا بمعنى ما بوصفه ممارسة وتعبيرًا ومنتهى وفق ما يصل إلينا، عبر تذوقنا، لا وفق شهادة صنعٍ مسبوقة.

100  احمد الصوفي 5

المراة \ جماليات التكوين والرمز

هي معادلا موضوعيا لتحقيق التوازن، والجسد الأنثوي يحتل حضورا فارقا في اللوحة، وفي حرارة الألوان وتجانسها المشبع بالرمزية الخالصة ليتدخل وعي الفنان بكسر الرتم وتبسيط الخطوط، التي حفلت بالخيال مع أنوثة طاغية مستلهمة من المرأة الخلق، والزمن الفقد، والتكوين بالفضاء التالي، حيث استمرار التوالد والتخليق وتوغله في الفنون البصرية منتقلا للتجريد كحامل لوني في مساحته المضاءة والمعتمة أيضا، وصولا إلى المناخات المستعصية في براعتها وسهلة القراءة في رسالتها التشكيلية. ليس سعيا للاختلاف، بل وصولاً إلى بلورة المعاني العميقة، في تشابك يزداد نضجاً مع تنامي التجربة.

استقلالية التحفيز والذاتية

بين الانشغال بالهمّ العام والشخصي والعمل على الخلاص منه، .كل ما لديه عبر اللوحة يشدك نحو غواية الغرق، اللوحة لا تدعوك بل تحفز المخيلة للنزول الى دوامات اللون، امعانا في التحريضٍ على المزيد من الايغال والافتتان. انكسارات، منحنيات تكعيبات تداخلات طولانية وعرضانية للون تماهي، وتصدع، تراكيب، تهاويم. كلها هوامش تالية لفكرته -الفنان إما أن يكون فنانا، أو لا شيئا على الإطلاق..وفى حالة كونه فنانا عليه أن يتحمل كل شيئ.. فتجربته ذاتيه ومستقله ولا يمكن لأحد أو لقوه التدخل فيها -والفن لديه رؤيا جمالية وبدائل لفساد الروح، معتبرا أن المواجهة مع سطح اللوحة هي البحث عن نقاط الإرتكاز لكى يتصادى الإيقاع وتنفسح محدودية المكان. فى ملامسة لافحة الضوء.. تتجاوز وتتصالح فى هدوء .. وتصطخب فى أطوارها كائناته فلا تحدها قيود ولا حدود.. الأداء المراوغ والمشاكس .. يرسم بحب وشوق وتوق وعنفوان وتمرد وصخب والحركة الكامنة .. تجمع بين الصمت والسكون لكثافة العناصر وثقلها .. والتي تؤكدها الحركة الدائرية للضوء .

فى تحديد الشكل والكتلة ..

استلهم الفنان مفرداته من الخيال مرة ومن الواقع مرة أخرى، حيث لا مثيل لتلك التهويمات اللونية إلا في عالم خاص، يعمل على تجريد المشهد ثم بعد ذلك نلاحظ ان الخطوط تتناغم بموسيقى الإيقاع الداخلي.. وكثيرا ما تحيلك الرموز إلى معان مجتمعة أو متفرقة في سيطرة، على مجريات تدفق اللون عبر السطوح البيضاء. حيث الخوض فى تفاصيلها الدقيقة المتواصلة. يحيلنا إلى الخلق الأول بألوانه التربية متماهية العمق لتأتي اللوحات خالية من أي صخب تشكيلي، وذات منحى تصميمي يعتمد التقشف الانفعالي، مقابل ثراء شديد على المستوى الإسقاطي.. محققا بذلك نتائج وتأثيرات مختلفة تضافرت فوق مساحاته العناصر بالعفوية الخاصة، من هنا يصبح العمل هو كل المساحة باعتبار الفراغ المحيط جزء آخر من العمل أو عامل مكمل للشكل، حيث لا يمكن الاكتفاء بالمساحة الملونة المحدودة ب ومحتواها بل المساحة الكلية.. إذ يعد الفراغ المحيط بلون السطح أحد عناصر التشكيل والتلقى على حد سواء.. هذا الاختبار الصعب، وإن يبدو بديهيًّا للغاية فهو شائكًا وجدا، حتى لا أقول إشكاليًّا’متعدد الشواغل والتجليات..لان عمق التجربة وتأصيلها مرتبط ارتباط كلي بحجم الجهد والإصرار وتكثيف الحوار الداخلي، وصولا إلى منطقة الصدع او الانجراف ومن بعدها التسامي والشغف، وهو باختصار التصالح مع موضوع اللوحة ليؤكد أن الفن بالإجمال هو سابق للحدث ويتقدمه بخطوة او خطوات، هذا اذا ما آخذنا بعين الاعتبار أن الفن يستشرف الواقع وينبئ بالمتغيرات.

100  احمد الصوفي 6

التجربة جماليّا من دون تبني مقولاتها، الإيقاع اللوني والشكل

الهرموني اللوني والشكل هو السمة الغالبة على أعمال احمد الصوفي في التشكيل الذي اعتاده وتألق به كحالة توهج تسكنه، وتلح عليه وسائط أخرى لإنتاجً بصري، مشغول بجزيئات اللون وتفاعله، يخلق أشكاله بتلقائية ويملك قرار تشظيه على سطح العمل ضمن تجسيد متعة النقل من الذاكرة، وتجلي كثافته وعمقه حسب رغبة تكوينات اللون بوصفها مولدًا حيويا، لتجربة داخلية، تتيح، جمالية لتشكلات مبنية على المعاينة، فيما تُشكِّل هذه الأخيرة أساس فلسفة الفن الحديث والمعاصر، بما فيها الفن العربي الجديد نفسه، وهي اكثر فاعلية في تحقيق ما يصبوا إليه من من منجز زيتي على سطوح الفنان أحمد الصوفي بحيث يعمل على أنسنة المنجز البصري في هذا الحقل الجمالي المهم، والذي يُسهم في صياغة الرأي الفني وبناء التفكير البصري. كموضوع على قدر كبير من الجمالية. وقد نالت أعمال أحمد الصوفي اهتمام دولي على هذا الصعيد ما دفع الخارجية الروسية إلى اقتناء إحدى لوحاته، كما تتربع لوحة أخرى للفنان في القصر الجمهوري اللبناني.

وجهة نظر تجاه الحياة والفن

الفن التشكيلي هو وحدة الفنون العضوية والمتابع لتجربة الصوفي سيلاحظ مدى التنامي بالعمل من بدايته التى تجردت من الصنعة والافتعال إلى اليوم حيث غدت عبر امتدادها أكثر تبسيطا وقوة ودلالة وفهما لآليات التكوين واللون فى محاولة جديدة منه لتحقيق خصوصيته ضمن عناصره التى اختارها، وتوظيفها بطرائق مختلفة، ويشدد الفنان التشكيلي أحمد الصوفي على حرية الفن قائلاً أنا مع الحرية في الفن، والتي من خلالها يطرح الفنان أفكاره المدنية العلمانية بعيداً عن الاصطفافات ذات الطابع الفئوي أو الحزبي أو السياسي ).والفنان بنظر الصوفي يعمل لأجل الإنسان بكل ألوانه واختلافاته الفكرية والبيئية ويعالجها بأسلوبه.

بطاقة تعريف

الفنان التشكيلي أحمد الصوفي مواليد 1969الجنسية: سوري \خريج كلية الفنون الجميلة بدمشق \1999\ قسم الرسم والتصوير الزيتي \عضو اتحاد الفنانين التشكيليين في سوريا

المعارض الفردية: المركز الثقافي العربي في إدلب 2010\ غاليري النهر الخالد في حمص 2010 \ في غاليري زمان في بيروت 2008 \ في صالة الفنون الجميلة بحمص أعوام 2003- 2004-2007 \في صالة نقابة الفنون الجميلة في اللاذ قيه عام 2004

المعارض الجماعية: معرض خريجي كلية الفنون الجميلة عام 1999 \ معرض خيري دير الآباء اليسوعيين في حمص 1999 - 2009 \معرض الخريف في نقابة الفنون ي حمص منذ عام 2000 حتى 2007 \ معرض في برج السباع الأثري في طرابلس لبنان 2000 \ معرض الفنانين التشكيليين في سوريا من عام 2001 حتى 2007 \معرض الشباب في سوريا أعوام 2002- 2003 \ معرض الربيع 2002 حتى 2007 \ معرض في غاليري زوايا أعوام 2003 - 2004 \معرض في وارسو مع مجموعة فنانين بولونيين عام 2019\ ملتقى أهدن في لبنان عام 2004 \ فناني من حمص النهر الخالد في حمص 2009 \اللوحة الصغيرة نقابة الفنون حمص 2009 \ملتقى الفن العالمي في اليونان (باترا) \ملتقى الواسطي الدولي للفنون في العراق

 

سمر محفوض – سورية

شاعرة وناقدة

 

 

علي حيدر الحساني الخطّ العربيّ نور أضاء في هذا الوجود وأشرق في هذا الكون فهو الممثّل لكل لوازم الإنسانية والمعبّر عن مشاعرها والممثّل لمعانيها والمسدّد لتعبيراتها والمؤكد لحقوقها والموضّح لمرادها أينما ظهر بهر وأينما زُرع أثمر، فكان زرعه في بلاد العرب التي تلقت الكتابة وهم على حالة من البداوة فالعرب أمة غير كاتبة ضاع تراثها ولولا الشّعر سهل الحفظ لم تبق لهم باقية، حتى شاعت عبارة (كل علم ليس في القرطاس ضاع).

ولم يكن لدى أمة العرب من أسباب الاستقرار ما يدعو إلى الابتكار في فنّ الخطّ الذي وصل إليهم، ولم يبلغ الخطّ عندهم مبلغ الفنّ إلاّ عندما أصبحت للعرب دولة تعدّدت فيها مراكز الثقافة، ونافست هذه المراكز بعضها بعضاً على نحو ما حدث في الكوفة والبصرة وبغداد والشام ومصر فاتجه الفنان نحو الخطّ يحسّنه ويجوّده ويبتكر أنواعاً جديدة منه، حتى أصبح فنّ الخطّ العربيّ فناً إبداعياً لم ينل عند أمةٍ من الأمم أو في حضارة من الحضارات ما ناله عند العرب والمسلمين .

 ماهي العوامل التي ساهمت في تطوُّر فنِّ الخط العربي وازدهاره وانتشاره؟

هذا سؤال طرحته في الفضاء الألكتروني (فيس بوك) لأصدقاء الصفحة وجلّهم من المتخصصين والمتذوقين والمهتمين بفنون الخطّ العربيّ فكانت الأجوبة التالية:

 يرى الخطاط المغربي والحروفي الأستاذ محمد نبيل الرقيبي أنّ "الحب والثقة" هما من ساهما في تطوّر فنّ الخطّ العربيّ .

في حين يرى الخطّاط والمهندس العراقي محمد الزكي :الإتقان اللامتناهي وتعدد المدارس هي من ساهمت في تطوّر فن الخطّ العربيّ .

وكان للناقد الفني الفنان التشكيلي الأديب محمد لقمان الخواجه رأي وإضافة متنوعة حيث كتب :

الاهتمام الزخرفي جاء بديل عن الاهتمام بذوات الأرواح في الفن الإسلامي وبما أنّ الزّخرفة واحدة من مزّوقات الخطّ العربيّ، فشمل التطوّر الخطّ ومذاهبه المدرسية التي ظهرت بعد الخط الكوفي غير المنقط فالحاجة بدأت مع النسخ والكتابة التي هي بمثابة الطباعة .

تطوّر فن صناعة الكتاب في القرن السابع الهجري مع مدرسة بغداد للتصوير على يد الواسطي الذي صوّر مقامات الحريري وهي مرحلة نضج للخطّ، وكانت حاجة كتابة الدّواوين الحكومية ليتناسب مثلاً معها الخطً الديواني .

ابن مقلة وضع مقاسات لخطّ الثلث مثلاً وتصرّف بضوابط خطوط أخرى وأدخل معها قواعد الخط الكوفي، ابن البواب الآخر دوّن ضوابط للأنواع من الخطّ العربيّ .

وتابع الخواجه: في الكتب تطوّر فنّ الخطّ منذ عصر التّدوين في القرن الثاني الهجري وتطوّرت معه المنمنمات وفن التجليد وصناعة الكتاب كما اقترن هذا التطوّر بظهور المذاهب منها المعتزلة، وتدوين كتب الجاحظ بنفس القرن وهو معتزلي، حتى ظهور الحركات وضبط النحو ظهرت كتب خاصّة بالخطّ العربيّ وأوزانه وكتّابه وماشقيه، كما دوّن القرآن الكريم كأول ضابط للحركات ودراسة القراءآت السبع، مشكلة جمع القرآن الكريم ظهرت بعد حروب الرّدة الحرب مع مسيلمة، حيث قتل الكثير من حفظة القرآن الكريم الّذي كان بالمشافهة فقرّر عثمان بن عفان الخليفة بجمعه وتدوينه وتوحيده بلهجة قريش خارج عنعنة وظئظئة وتاتئة القبائل وحفظ قراءآته الصحيحة التي رضا عنها النبي الكريم .

واستدرك الخواجه قائلاً : التطوّر الآخر في الاختلاط فمثلاً في بلاد فارس اكتسب الخطّ العربيّ ثلاثة خطوط والرابع حديث معاصر، التعليق أو الفارسي

النسخ تعليق وخط الشكسته، كما أخذ من الأتراك في الفترة العثمانية الطرّة أو الخطّ الطغرائي، أما الفارسي المعاصر فأقصد الخط المعلى.

ثمّ أخذت التّسميات المحليّة تتفرع في الخطّ الكوفيّ المنقوط، الكوفي المغربي، الغرناطي، الكوفي المظفور وووووو .

وكتب الخطاط مهند فاضل أستاذ الخط العربي في معهد الفنون الجميلة للبنين فرع النّجف الأشرف :

قد حظي الخطُّ العربيّ بعد نزول القرآن بعنايةٍ خاصَّةٍ جعلت فنَّاني الخطِّ العربي يتعاملون مع هذا الفنِّ معاملة الاحترام والتقديس، بل واعتبروا تدوين القرآن الكريم «ترتيلًا صامتًا» له، ممَّا ساهم في حرصهم على ظهور الخطِّ في أبهى صورةٍ وأجمل شكلٍ، وساهم في إخلاصهم للتطوير والابتكار والإبداع في شكل الحرف العربي كما ساهم توسُّع المسلمين في فتح البلدان خارج شبه الجزيرة العربية في انتشار الإسلام وبالتالي اللغة العربية بشِقَّيْها المنطوق والمكتوب، وكان لتمدُّد الحضارة الإسلامية من أقصى الشرق (الصين) مرورًا بالهند وبلاد جنوب شرق آسيا والعراق والشام وتركيا ومصر وشمال أفريقيا وبعض الدول الأفريقية والأوروبِّية وصولاً إلى أقصى الغرب (الأندلس) أثرٌ بالغٌ في تطوُّر فنِّ الخطِّ العربي وازدهاره، كما ساعد وجود حضاراتٍ قديمةٍ في تلك البقاع المفتوحة كحضارة بابل وآشور وسومر في العراق، والحضارة المصرية القديمة في مصر، وحضارة الهند القديمة؛ في وجود ذخيرةٍ ثقافيةٍ وبشريةٍ هائلةٍ ومُتنوِّعةٍ، ممَّا ساعد على ابتكار أشكالٍ جديدةٍ ومُتنوِّعةٍ للحرف العربي أدَّت إلى ظهور أنواعٍ جديدةٍ، منها ما هو بأسماء المدن والبلاد التي نشأت بها، كالخطِّ الفارسي (نسبةً إلى بلاد فارس)، والخطِّ الأندلسي (نسبةً إلى الأندلس)، أو سُمِّيت بأسماء البلاد التي انتشرت بها، كالخطِّ الكوفي (نسبةً إلى مدينة الكوفة بالعراق)،حتى اصبح الخط العربي ايقونة المسلمين .

في حين اكتفى الفنان التشكيلي الدكتور لبيد مالك بالسؤال:

الخطّ العربيّ ما يتطور، كيف يتطوّر مثلاً ؟

وكان للمفكّر الإسلامي المعروف الشيخ غالب الناصر رأي في ذلك حيث كتب : تطوّر الخطّ في العواصم الإسلامية مثل بغداد قديماً ثم اسطنبول اخيراً، في زمن ما قبل انتشار الطباعة الآلية أي بسبب غياب المطبعة، كانت جميع الكتب الرسمية للدّولة ورسائل الخلفاء والسّلاطين والسّجلات تحرّر بخطّ واضح وبشكل أنيق، ومن ثم كانت تصرف رواتب ضخمة للكتّاب بمعنى كان يوجد قطّاع اقتصادي للخطّ وصناعة الكتابة وهذه العناية أسّست للخطّ الأنيق وللفنون في مجال تجويد الحرف ورسم الكلمات، وكذلك تقدم فن الزخارف الرائعة المرتبطة بالخطّ، ازدهار هذه الصناعة هو من أسهم في تطوير الخط العربي .

فنان الكاريكاتير الشهير الأستاذ علي المندلاوي اكتفى بنشر تعليق عبارة عن لوحة كاريكاتيرية رسم فيها الخطّاط والحروفي العالمي الأستاذ حسن المسعودي كنموذج ساهم في نشر فن الخط عالمياً .

في حين كتب الأستاذ الباحث والفنّان حامد رويد:

حسب علمي المتواضع، لتحريم الرسم والنحت فجاء الخطّ والزّخرفة والعمارة عوضاً عنهما، والأمر الآخر أنّ الغالبية العظمى منه كانت ولا زالت تخطّ لغة القرآن، وأخيراً وليس آخراً طبيعة الحرف العربيّ جعله مطواع للخط .

ويرى الأستاذ هادي كاصوص الخطّاط والفنّان الحروفي السوري :

الخطّ العربيّ لم يتطوّر من ٢٠٠ سنة هناك خطاط وحيد عمل تطويرعلى الخطّ وهو منير الشعراني، والحروفية نقلت الخطّ العربيّ الى التشكيل الفني نقلة جميلة لكن هناك استياء كبير من الخطاطين الكلاسيكيين لعدم ضبط ميزان الحرف مع العلم في رواج واسع له في كل مناطق العالم .

ويشير الكاتب والفنان علي الدليمي مدير المتحف الوطني للفن الحديث في وزارة الثّقافة العراقية أنّ : الخطّ العربيّ قاعدة ثابتة منذ أيام ابن مقلة وحتى يومنا هذا، ولكنّه (تجوّد) وليس تطوّر على يد فطاحل الخطّ العربي كل على أسلوبه .. وأنواع الخطوط المعروفة ثابتة أيضاً .. أما ما ظهرت بعد هذه الخطوط المعروفة من تنوع وأشكال خطوط فيها اجتهادات لخطاطين ليس لها تأثير على الخطوط السابقة المعروفة، فلكل نوع من الخطوط له مكانته وأصوله وجماليته.

وكتب الخطّاط علاء مهدي أستاذ فنّ الخطّ العربيّ في معهد الفنون الجميلة للبنين فرع واسط :

لا يخفى على الخطاطين أنّ الاهتمام التركي بالخطّ العربيّ وخاصّة رعاية ودعم الدولة آنذاك ومنزلة ومكانة الخطاط حينها كانت أحد أسباب تطوّر الخطّ حيث لم يشهد الخطّ العربيّ على مدى تاريخه اهتماما جديا كما في هذا الوقت.. هذا اولا كان الجانب المادي والمعنوي.

الثاني الجانب الروحي ان الذوبان الروحي مع القران والقدسية ايضا كان له اثره المباشر في تحفيز الخطاط على الابداع والتجويد في كتاباته.

ثالثا في عصرنا الحديث للتكنولوجيا اثرها وخاصة النت بحيث صار الخطاط يطلع على الاف اللوحات للخطاطين المشهورين والتي لم يكن يستطيع الحصول عليها بسهولة. وافلام الفيديو للخطاطين في تعلم الخط ايضا اختصر الزمن والمكان على الخطاط في تحصيل المعلومة .

ويشير الأستاذ ماهر حميد المهندس المعمار والباحث الآثاري السوري: أعتقد انّ عوامل كتيرة منها، خروجه من جزيرة العرب الى منطقة بها خليط من الثقافات و الفنون، و منها تحريم الرسم الذي جعل الموهوبين يصبّون موهبتهم بالخطّ، ومنها انّه أصبح صنعة، والصنعة تجعل الصانع يعمل بجد للتفوق على منافسيه .

في حين يرى خبير التّراث المعمار الأستاذ الدكتور علي ثويني: ورائها السوق ونشاط الورّاقين المحموم لسد الحاجة لشعب تصاعد أداءه الفكري وأصبح إقتناء الكتب ديدن وتنافس، حتى أنّ بعض الورّاقين والخطّاطين ورسّامي المنمنمات أصبحوا دالّة معرفية مثل ياقوت الحموي وأبو حيان التوحيدي ويحيى الواسطي وغيرهم . قرأنا (نقلها هادي العلوي) بأنّ الكتاب الذي يخطّ بسوق الورّاقين ببغداد كان يباع بعد شهر في قرطبة بأعلى الأثمان، وهذه الحركة في الجدوى والمردود صاعدت نوع الأداء، فأمست حرفة وبعد الحرفة تأتي المهارة والدقة والضبط ووضع القواعد. هكذا هي سنن الإنسان في الارتقاء من الوظيفية المحضة للجمال الأدائي المتسامي .

وكتب الخطاط الباحث الأستاذ رسول الزركاني رئيس جمعية الخطّاطين العراقيين فرع بابل:

 ينبغي أن نميّز بين تطوّر الخط وتحوله ..الخلط بين المفردتين يقودنا الى انّ الخطّ جامد لا يتطوّر . وهذا خطأ، الخطّ لا يتحول لكن يتطوّر . التحول تغيير جذري قد لا يمت للأصل بصلة أما التطوّر فهو بخطوات متسلسلة مترابطة يعتمد اللاحق منها على ما سبق ويكون بطيء بالعادة . لقد ارتكز تطوّر الخطّ قديماً على ثلاثة عوامل رئيسية أولها الحاجة الوظيفية قبل اكتشاف الآلة الطابعة، والتي جعلت من الخطّ الوسيلة الوحيدة لنقل وتوثيق العلوم من خلال نسخ الكتب باليد ومنها كتاب القرآن الذي له من القدسية ما يجعله في مقدمة الكتب حيث دفعت قدسيته الخطاطين لتجويد فنون الخط والتذهيب والتجليد وكل ما يتعلق بها .العامل الثاني اهتمام الدّولة بشريحة الخطّاطين وإيلائهم المناصب المهمة والأدوار الرئيسة في المؤسسات الحكومية في بغداد واسطنبول .العامل الثالث الحرص على تقديم الفاضل على المفضول فمكانة الخطاط وصفته وما يتقاضاه مرهون بتجويده، ما دفع الخطاطين للتجويد والاعتكاف على تقديم الافضل، وهناك عوامل أخرى أقل أهميّة ساهمت بتطوّر الخطّ العربيّ .

ويرى الباحث اليمني وسفير التّراث الأستاذ عبدالغني الابارة:

بلا شك أنّ هناك عدة أسباب أدّت الى تطوّر وتنوع الخطّ العربيّ وازدهاره ومن أهم الأسباب نزول القرآن باللّغة العربيّة دفع الفنان المسلم بالاعتناء بالحرف والكتابة العربيّة قبل أن تصبح فنّ الكتابة أو الخطّ العربيّ بعد أن صار لها قواعد وأسس ولا تكتب بصورة دارجة أضف الى ذلك تطوّر الحياة في المجتمعات تطلب حدوث تدخل حس الفنّان المسلم الّذي أضاف بحسه الفنيّ العالي بعض الإضافات والتعديلات وأصبحت الكتابة العربية تتمتع بروح الجمال بعد أن كانت حروف يابسة خالية من الجمال والانسياب العذب وهناك سبب آخر يتعلق بتحريم الرسم مما دفع الهواة للرسم بتوظيف طاقاتهم الإبداعية لصقل الحرف العربيّ حتى خرجت الحروف العربيّة بحلّتها البهيّة تنافس كل كتابات العالم بل إنّ الحرف العربيّ أصبح ملهماً للفنانين التشكيليين في أوروبا وأمريكا وعنصر أساسي في لوحاتهم التي تعرض في أرقى المعارض الفنية التي تقام هناك .

ويشير الباحث الخطّاط الأستاذ حسين الحلو مدير شعبة الخطّ العربي في أمانة مسجد الكوفة:

نعم حدثت تطوّرات على فنّ الخطّ العربيّ في كثير من الأزمنة وعبر تواريخ بعيدة الحين والآخر، نعم تحدث تطوّرات ومن خلال تعديلات تجري تدريجياً في ظهور أساليب تختلف نوعاً ما عن سابقاتها يقوم بها الخطاطون وأكيد هنالك رؤى وأفكار منثرة لمعرفة الأسباب، ولاشك انّ من هذه الأسباب هو الحداثة التي تتجدد والتطوير المستمر وبقية الآراء أكيداً تندثر معهم وكما تم إعادة النظر فيها من خلال طرحها كنوع من انواع الخط العربي المطلوب في المسابقات الخطية التي أقيمت في السنوات القريبة الماضية كأن تكون في أرسيكا تركيا أو الإمارات والخليج بصورة عامّة وفي الكوفة مسابقة السفير لفنّ الخطّ العربيّ وغيرها وكلّها لها تأثير على تطوّر فنّ الخطّ العربيّ وهذا السياق يعتبر المفصل أو المحور الرئيسي الذي يتبعه الخطاطون في تناقلهم في التحديث الذي يطرأ علي أي نوع من أنواع الخطّ ليسهم في تطوّره ويقود الحراك الفني في أي زمن أو وقت وبقية المعلومات قد تطرق لها الاخوة الاساتذة مشكورين طبعاً أوافقهم الرأي في كثير ممّا طرح في التعليقات السابقة .

في حين يشير خبير المخطوطات العراقيّ الأستاذ صلاح الخاقانيّ:

الخط بدأ بالمدني ثم المكي والبصري والأنباري والكوفي ليأخذ الكوفي مجال واسع من الانتشار والتطوّر من المشرق إلى المغرب ليضع كل بلد سمته عليه فظهرت خطوط جديدة لها قواعدها حسب متطلبات الحياة السياسية والاجتماعية والثّقافية للدّولة فأصبح لكتابة المصاحف خطوط معينة ولتدوين العلوم خطوط ولكتابة الدّواوين وللمراسلات أيضاً، لتستقر خطوط وتندثر أخرى فالتي ثبتت جرت عليها تحسين وتهذيب ولهذا أصبحت فترتين فترة استحداث واندثار خطوط وفترة تحسين.

ويشير الخطاط والأديب الأستاذ ذوالفقار سبتي الى أنّ دعم السلاطين العثمانيين أدّى الى ازدهار الخطّ العربيّ .

ويرى الباحث في شؤون الخط العربي وجمالياته الأستاذ محمد كاظم : بصراحة سؤال عميق ومتشعب ولا يمكن إيجازه في سطور، كالواقف على بحر محاولاً رؤية امتداده وعمقه وإحصاءه. كذلك تطوّر الخطّ العربيّ له جذوره الموغلة في القدم تجلّت بمراحل لكل مرحلة سماتها وظروفها وعواملها، فهنالك عوامل ثقافيّة وعوامل مكانيّة وعوامل مجتمعيّة وعوامل إعتبارية وعوامل حضارية لكل منها شرحها وتوضيحها قد لاتسع سطورنا إحتواء موضوعاتها، لنا بحث مستقبلي عن ذلك بإذن الله . والأهم في هذه العوامل هو تطوّر ذائقة الخطّاط والجمهور المهتم بفن الخط العربيّ، حيث يسعى الخطّاط لكسر رتابة المألوف وينشد المتسامي المضاهي للكمال، مستعيناً بتجارب الأقدمين وما تمليه ملكته الفنيّة وذائقته الخلّاقة، ولا يمكن أن ننسى التحول الكبير في الخطً العربيّ على يد عمالقة الخطّاطين العثمانيين كـ حمد الله الأماسي والحافظ عثمان وراقم ومصطفى عزت ونظيف وسامي وحامد رحمهم الله، لا سيما وارتباط الحرف المخطوط بالمقدس من القرآن الكريم. إضافة الى عوامل الانفتاح وتداخل الفنون الأخرى وتزاوجها وتمازجها مع الخط العربي ليكون بانوراما بصرية مبهرة بنظمها وإخراجها.

 

عليّ حيدر الحسّاني

 

سامي عبد العالتعدُّ لوحة "موت سقراط" للرسام الفرنسي جاك لويس دافيد 1Jacques David  توثيقاً لهذه الحادثة بصيغة فلسفية فنيَّة متأخرة. تترك الألوان والشخوص تقول تشكيلياً ماذا جرى. ليس يجدي التذكر ولا اعادة القراءة حول تناول فيلسوف اليونان لجرعات السُم، لأن الكلام الصامت، جدل العلامات، الحوار الآسر بالألوان، هي أشياء تحكي(همساً وصراخاً) كما لو لم تحكِ لوحةٌ فنيةٌ من قبل.

ذلك أنَّ الفنَّ لا يَقُول شيئاً عن الواقعَ كما هو ولن يفعل. كذلك لن يترك أيَّ توقِيْع طارئ emergent signature بالألوان دون أساسٍ. لأنَّ أثر الفن( كتقنيةٍtechné  ) ليس وسيلةً لتمثيل معطى خارجيٍّ ولا عملاً مكرّراً، لكنه يبرز دلالة الوجود الإنساني كتجلٍّ لماهيةٍ تأخذ صورها باستثناءٍ خاصٍ، حيث يتَّوحد الفني- التقني بما هو جوهري في حيواتنا الإنسانية. ورغم تنوع الحياة إلا أن ثمة علاقة مشتركة ما كنوع من الأصالةِ، إذن الوحدة بالنسبة إليهما(الفني والتقني) ليست اتحاداً، بل" اختلافاً إبداعياً "creative difference عبر فضاءٍ أرحب اسمُه الحياة. وبالتالي فإنَّ تجربة الفن هي اختلافٌ" في in " وليست اختلافاً " على  on".

فلربما تُؤكد هويةُ الموت بالفن لونَّاً من الحياة، أي تكشف الحقيقةَ بأكثر أشكالها غرابةً وخفاءً. من زاويةٍ كهذه لا يَحْضُر الفنيartistic  عرَّضاً، لكنه يكَّثِف فائض الحياة عندما يجسدُها بأبسط المشاهد. حينئذ لم تعد ثمة قفزةٌ في فراغ، لأنَّ اللوحة الفنية مكتفيةٌ بذاتها الثرية حدَّ الثمالة. هي العالم، هي الإحساس كرغبة جامحة في صياغة الأشياء، هي الأسطورة المنحدرة كصخرةٍ تجاه ما يقابلها. إنَّ اللوحة تبرز احساساً بما يتفلت من قبضة لحظتها الحاضرة. كلُّ لوحةٍ في الأفق تتشكل بطريقة المفارقة: سابقةٌ على أوانها منذ أزمنة سحيقةٍ وبالوقت ذاته آتيةٌ متأخرةً عن موعدها لدرجة المستقبل!!

وحتى فعل التعبير، إذا نُسِبَ إلى الفن لا يجري بمقاييس اللغة، ولا بضروب التشابه اللفظي. فالفنَّ يستحضر أصالةً المعاني بإدماج الجانب الإنساني بالزمن. وإنْ أراد الفنان إخفاءَ مشاعره وراء لمساته اللونية، لن يستطيع مغافلة ريشته، مثلما لا تغفل اللوحةَ أبعاداً ممتدةً سلفاً في حركة التاريخ مع فضائها التعبيري.

1461 موت سقراط

نحن إذن أمام معضلةٍ فنيةٍ: ماذا تقول الصورة بكل مخزونها التشكيلي، رغم أنَّها لا تنطق؟ وكيف يكون الكلام مصورّاً كحفريات في أحد المعابد الفرعونية؟ هنا فإنَّ لوحة موت سقراط لدافيد أكثر من مجرد أطياف لونيةٍ على سطح مضيئ. هي " نص فلسفي" في كيفية رسم الحياة لا تجسيد لمشهد الموت فقط( موت سقراط). صحيح أنَّ تجرُع السم هو الجانب الرئيس فيها، لكن التفاصيل تصوغه بشكل مغايرٍ. المشهد لقطة متجددة لعلاقة عضوية بين الفيلسوف واختيار "نقطة نهايةٍ " لمسيرته إزاء المجتمع اليوناني. لقطة تطرح سؤالاً فلسفياً: كيف تكون جدِّة النهاية novelty of end داخل اللوحة وخارجها معاً؟ بأيَّة طريقةٍ ترسم جدل الحياة والموت إفرازاً لرؤى باقيةٍ لدينا حتى الآن( جدل المرئي واللامرئي بكلمات موريس ميرلوبونتي)2؟

المثيرُ للتأمل أنَّ ما لم يقُله سقراط سيقُوله جاك دافيد مضاعفاً، متنوعاً، بريشته الفنية، فصمت مشهد الموت كما يبدو من وجه اللوحة هو كلام. كلام فيما وراء الكلام، كلام يقول الكلام، أي كلام على كلام كانضغاط التاريخ في كبسولات من الزمن والرؤى والأحداث. لأولِّ وهلةٍ سيكون الحوار السقراطي صمتاً ناطقاً في زمن تالٍ(زمن اللوحة وزمن المتلقي) وبواسطة غير اليونانيين بحرفية الكلمةِ. لقد كانت فلسفةُ سقراط شفاهيةً كفيلسوفٍ جَوَّال بين الناس، لكنها جاءت كعلاماتٍ ورموز تشكيلية مُضمخةً بالهمْس الخارجي. نقوش لونية تقتضي فكَّ شفراتها لمن لم يشارك في قتله أو لمن سيشارك لا حقاً (باتخاذ موقف غير سقراطي). أي كيف يتمُّ إحياء سقراط مرة ثانيةً بهذا الوقت المتأخر من الراهن الفلسفي للبشرية؟

في قلب اللوحة المرئية لدافيد، يتجرَّع سقراط السُمَّ القاتل بالنسبة لنا الآن، بالنسبة لهؤلاء الأحياء. ذلك أننا نرى اللوحة حاملة لهذا المضمون ومازلنا نتلقاها من وقتٍ لآخر. فالموت السقراطي كأي موت لا يكتسب معانيه إلاّ داخل الكائن الحي مهما يكن زمنُه، بدءاً من تلامذة سقراط والمحيطين به وبالنسبة للشعب اليوناني وصولاً إلينا نحن. تاريخياً نحن الذين أعطيناه موتَّه وأصبح له كل الزخم وفقاً لرؤيتنا. ومن لحظاته الأخيرة بالحياة نحن الذين كتبنا سيرته بميتات قادمة وسردنا حكايته الفكرية لسنوات وجاء اسمها تاريخ الفلسفة (حوارات سقراط).

تفترض سرديات التفلسف اشتغالها على موت الفلاسفة وبقائهم، سيَّر نهايتهم وحياتهم. ومن ثمَّ سيكون لدينا المقدرة على إعطاء سقراط الحياة بالمثل. وسيكون له الزخم الفلسفي طالما يُشاهد عبر وسائط وبمرات لا تنتهي. لقد تجرَّع السمَّ ليعيش الآخرون في زمان آخر، في عصر آخر يقع الموت منهم موقعاً لتأويل الحياة. وهذا هو المعنى الكلاسيكي الجديد عبر تأكيده التاريخي داخل اللوحة الفنية.

وتبدو أصوات اللوحة مقفلةً تجاه من يشاهدها بطريقة قد لا تدرك أهمية المشهد. لكن تفاعل الأصوات والحوار وتداخل الإشارات والإيماءات يقولان أكثر مما نتوقع. وخاصة إذا ما اقتربنا أكثر مما يحدث بوصفنا مكان الشخوص بجوار سقراط، كأننا نرى المشهد بصيغة الجمع مع المشاركين فيه. كلُّ ما في الأمر أننا لا نسمع أصواتاً رغم شعورنا بها عن كثبٍ. بالطبع علينا أنْ ندخل اللوحة دخولنا لزمن مغاير، مراوغ، مخاتل إلاَّ أنه يمسنا في الصميم. ويحكي عنا ولا سيما لمن يشعر بقيمة الفكر حين يُحاصَّر ويُلاحَق وحين يكتب نهايته بنفسه باختلاف عصوره.

إنَّ التلقي جزءٌ لا يتجزأ من تكوين اللوحة، لأنَّها ابتداءً خيط من نسيج الحياة وحركتها التي تلامسنا. وسقراط لن يكون هو سقراط بمفرده منعزلاً، لكن بالطريقة ذاتها سيتعدد في مواقف تالية. ولن تجري دلالته هناك دون دلالته هنا، لأنَّه ترك ظلالاً في اللوحة والحياة والفكر. أصبح سقراط رمزاً لإمكانية القول والذهاب إلى حيث تريد الحياة دون ضجيج. ومن خلال المشهد، نرى الجوهر الإنساني مشبعاً بالتراجيديا الإنسانية إذا توافرت عناصرها ودلالتها. وربما تتحقق في أكثر من سياقٍ تاريخي حين نتابع ملاحقة المثقفين والكتَّاب وحرق كتبهم كما في الثقافة العربية والغربية على السواء. ليست حالتا حرق مؤلفات التوحيدي وابن رشد بأقل دلالة من حالتي حرق جسد جوردانو برونو وتمزيق جسد هيباتيا.

- اللوحة فعل حياة (شريحة حية) تعيش أمامنا.

- الأصوات تكاد تتناهى إلى أسماع من ينصت.

- ذاكرة المشهد أبعدُّ من لسان حاله.

- السياق الجديد للوحة يتكلَّم إلى من يتابع الحدث3.

- هناك تجاوز للحظة بوصفها في حكم النهاية المؤقتة إلى نهايات أخرى.

الحدث السقراطي حدثٌ استثنائيٌّ في تاريخ الإنسان المتفلسف، حين يمارس طقس الموت إزاء نفسه طائعاً بحسب اعتقاده. فهل الفلسفة تعلمنا اختياراً وجودياً نتحمل مسؤولياته طوال الوقت حتى لو مثل نهاية لنا؟ هل الفيلسوف يعطي مراناً على تقبل المصير ساعياً لجعله أفضل قبلما يحين موعده؟ وبخاصة أنَّ المصير قد يكون حياة إنسانية حرَّة وتطوراً إنسانياً مفتوحاً وليس تزلفاً لقوة تمسك زمام الأمور في المجتمع. بطريقة أخرى: كيف تلتقط الفلسفة الحياة طليقة من فم الموت المحدق بنا؟ هل التفلسف تأجيل خفي لنوع من الموت الهش إذا ما قُرن بانفتاح الحياة؟

سقراط في لوحة الموت يخاطب قدرات الحياة، يستنطقها عبر التفاصيل التي رسمها الفنان. الضوء والظلال والألوان والأشكال حروف حيَّة كتب بها جاك دافيد نصه التشكيلي.  حتى أن هناك سهراً تاريخياً ما ينقل المشهد من عصر إلى عصر. لقد كان الحوار والنقاش هما أبرز ما يميز فلسفة سقراط خلال محاورات أفلاطونية(على لسان أفلاطون) وما تناقله الآخرون كالسوفسطائيين. وها هو يحافظ على تيمة كهذه حتى أثناء مشهد موته4. يعلم أنَّ السُمَّ قريبٌ من فمه، ومع ذلك يأتي جسدُه المنتَّظر بمثابة مأدبة النقاش. مثل حركة الأصابع وعلامات الوجه وإيماءة الصدر وتوزيع الأعضاء والنظرات مع استقبال كل الواجهة .... جميعها تستعيد أجواء محاورات افلاطون خلال سياق مختلفٍ.

في غير موضع من مؤلفاته أبرز نيتشه كراهيته لسقراط واعتبره عدو الحياة الماكر بامتياز. لكن قال عنه أيضاً: إنَّه الذي لم يكتب حرفاً واحداً. وهذا صحيح، بينما الأصح أنَّ موتَّه يفتح عمل اللغة حتى بعد رحيله. لأنَّ حواراً حياً هو شكل من الكتابة الأثرية التي جاءت متأخرة. لقد فقدت حضورها الحي living presence بمصطلحات جاك دريداً. هي وثيقة فنية في كيان صور نصية باقية للقراءة. وجاءت لوحة موت سقراط لدافيد رسماً معبراً عن موت الحاضر الحي آنذاك، وتغدو حفرية تشكيلية تحت التنقيب البصري. دوماً عندما يأتي حال سكوت الفلسفة خلال عمل فني ما، تتجلى هناك الصورة التي تكتب أصداء ما تقول دون سيناريو فَاتَ أوانه.

إذن ضوء اللوحة الذي يمسح حوار سقراط وتلاميذته هو الأساس، ضوء الصورة المتخلل كحبر أثيري ينقش تفاعل الشخوص. حيث نقطة التماس مع النهار الذي يرسم الوجوه، ليبدو التباين كأنَّه كاميرا بالداخل توجِّه عيون المتابعين. فالضوء كوَّة تنفتِّح على مركز اللوحة، بينما سقراط قائم بمهابته رغم كونه في أضعف لحظات حياته الآفلة. والضوء يستدعي أثراً فرعونياً بكون الموت خروجاً إلى النهار. أي هو العتبة بين الظلام والنهار نحو الانعتاق، إنَّه الوسع الذي لا ضيق بعده.

والموت ليس ينقصه إلاَّ الضوء كي يتضح وضوح الحقيقة، إنْ لم يكُن نفسه هو ذروة الحقيقة. سقراط بمثابة التجسيد الحي والميت لها مع أنَّه في الحياة اتهم بالتجديف على الآلهة وإفساد عقول الشباب5. هل يكشف النهار زيف الآلهة؟ هل الآلهة تعيش في ظلام الحياة لدرجة أنَّها تبقى طي الكتمان؟ هل المطلوب ألاَّ يعِي الشباب بمصير الحياة و بالتالي فكل حوار هو تهديد بانكشافه؟

جسد اللوحة ينوِّه أنَّ الضوء ليس زائراً طارئاً، لكنه تشكيل فني مقصود. لأنَّ حادثة الإعدام تتم فيما يبدو داخل مكان مغلق، ربما هو السجن أو موقع مخفي عن الأنظار على الأقل. والطبيعي ألاَّ يصل الضوء إلى هذا السجن. فهناك الدهليز المؤدي إلى أعلى مع درجات سلمية تقود نحو السطح. وهو يشي بأن مكان الإعدام أقل من مستوى الأرض. والضوء هو اللغة الشفافة التي تستنطق الشخوص. وتعطيها مساحة الدلالة التي تستحقها. ويستقر الضوء كرداءٍ لجسد سقراط المنتظر فوق أريكه، بينما تتوارى الأضواء الجانبية معطية مساحة أقل من الاهتمام وتلفت الانتباه إلى الحوار بصيغة أو بأخرى.

ومع جوانب اللوحة، هناك يميناً بعضُ تلامذة سقراط المتداعين جسمياً من هول المشهد نتيجة ارتباطهم بمعلمهم. والواضح أنَّ كلام سقراط قد اسهم في هذا الحال، فإصراره على ما يؤمن به جعله يدفع بنقطة الأحداث نحو النهاية. وظهر بأقصى الصورة إلى الأعلى أحدهم مائلاً على الجدار وفاقداً لقواه. وهذا يعني أنَّ الأمل في خروج سقراط من هذا نفق الموت غير وارد. ووجود الدرَّج مؤداه أنَّ الطريق أقرب إلى حياة أخرى لها ضوئها الخاص. كما يوجد في يسار اللوحة أفلاطون وقد أدار ظهره إلى سقراط في ايماءة إلى مغادرته بؤرة الحدث تاركاً إياه خلف ظهره. هل معقول أنْ يهمل أفلاطون معلمه؟!

يظهر أفلاطون المواجه لسقراط واقعاً في المدخل وقد أدار ظهره. وهذا فحواه فتح طريق خلفي للنسيان إنْ لم يكن هو النسيان ذاته. لقد اعتبر افلاطون من خلال معرفته بسقراط وبالمجتمع اليوناني أنَّ موت سقراط ذكرى رغم حضوره القوي في المشهد. ففي العادة أنَّ للذكرى بعداً زمنياً لا يخطئه الفهم، لكن الحضور الافلاطوني يعني أنها ذكرى حية وستكون على هذا المنوال. وبخاصة أن أفلاطون جعل فعل الكتابة بالحروف فعل تذكر، استرجاعاً، استعادةً لما مضى. وكأنَّه سمح لنفسه بأنْ يكون حرفاً في الصيغة الفنية للصورة كي يغدو جزءاً من استعادة ذكرى أستاذه الأثير.

ثم يقول الضوء إنَّ كثرة تلاميذ سقراط باللوحة ليست أمراً اعتباطياً، فها هم يخْفُون وجوههم وهو مظهر الحضور القوى مكتفين فقط بدعم استاذهم لعلَّه يتراجع عما يعتقد6. وفي الاثناء يشير سقراط بحركة الأصابع إلى أنَّه لن يتراجع عما عقد العزوم عليه رافضاً فكرة الهروب كما اقترح البعض. هل يهرب الفيلسوف من فلسفته في الحياة؟ كيف لا يواجه إمكانية بلوغ ذروة الحياة بالموت؟

وتباعاً يلقي الضوءُ دلالةً على يده اليمنى متناولة سم الشوكران القاتل. وهي أصابع هادئة مطمئنة ليست مرتعشة ولكنها مقبلة على الموت بلا جزعٍ. أما المسافة بين الأصابع وقِدْر السُم، فلها كل المعنى في قراءة القرار، وهي مسافة التأمل فيما سيحدث لسقراط وأنَّ الحياة ستأخذ بالأفول تمهيداً للعيش بهيئةٍ أخرى. ودوماً المسافة التشكيلية فرصة لمعرفة حال سقراط وقوة عزيمته التي لا تلين. فالذي لا يهابُ الموت هو الفيلسوف على الأصالة. الفلسفة في الأفق اليوناني كانت مراناً على الموت، لأنَّ مصيراً كنهاية للجسد أضيق من براح الأفق الروحي، وهو القاعدة التي تجلب الاستثناء لا العكس. وذلك رداً على الظروف السياسية والاجتماعية التي كانت تحيط بالفلاسفة7.

كما أنَّ الموت فعل تحرر من عبودية الجسد نحو الانطلاق. وربما كان الفنان جاك دافيد حريصاً على وضع " آلة موسيقية " متوارية بجوار سقراط، تحديداً بجوار القيود الحديدية التي تكبله. كأنَّ الفنان يرسم كون الجسد أسيراً، موضوع تحت الإقامة الجبرية، وطالما أنَّ الإنسان مازال مرتدياً للجسد، فمن السهولة قمع حريته. وليس أقرب إلى ذلك من وضعه في الأغلال سواء أكان من قِبل السلطة الحاكمة أم سلطة الغوغاء أو سلطة المقدس.

والاشارة لطيفة بأن النَّيْل من الفكر بالأغلال قد يجدي مؤقتاً، لكنه لن يفيد كل الوقت حتى وإنْ أدى إلى الموت. والعكس إذا مات صاحبُ الفكر، فإنَّه سيتحرر روحياً من هذا القانون الطبيعي مثل نغم طليق عبر الآفاق. وبالتالي يصبح لكل إنسان آخر أنْ يلامس روح سقراط كنغم يندمج مع الكون بمعناه الفيثاغوري( العالم عدد ونغم).

إنَّ النغم مع الضوء والموت بمثابة الرجوع إلى الأصل الذي لن يكون أصلاً دون الفن. وضع سقراط أشبه بحلم لا يصدق وبخاصة شكل أفلاطون وبعض مريديه الأشبه بالنيام. فإذا كانت الذكرى مسيطرة على الحال رغبة بمرور الحدث من غير ألمٍ، فالحدث يماثل الحلم غير المباشر من خلال العناصر المتوافرة فيه. فبعض العيون المغلقة من هول الأثر بمثابة العلامات التي تفتتح حلماً للقاء مؤجل بعد تجاوز الموت. أي الخروج إلى نهار آخر هو الحلم كاستعارة هي شكل آخر من الحضور الروحي بين سقراط ومريديه. في مكان ما وفي تاريخ ما وفي حياة ما بحسب ما يتمنون داخل قرارة أنفسهم.

وربما وجود الأريكة وفراشها علامة ضمنيةٌ تؤدي الهدف وتلح عليه. والحلم والنوم علامتان تدلان على الحياة. ففي  الحلم هناك حياة تعيش على أنقاض الواقع وفي الحلم لن يكون الواقع كما هو، والنوم كذلك هو الوصول إلى حالة تعادل بين الوجود اللاوجود.

وبالعودة إلى حركة أصابع سقراط مع تناول السم، نجدها أصابع قرار ماضٍ إلى غايته مقارنةً بيدِ أحد تلامذته (كريتو) قابضاً على فخذه، لإشعار سقراط بضرورة الرفض تمسكاً ببصيص الأمل. لكن الأهم أنَّ ثقة الأصابع فوق السم نابعة من حرية الاختيار ارتباطاً بمكانته وبما كان يقول. الموت يكلل عبارة سقراط الشهيرة (اعرف نفسك بنفسك)، لأنَّ جسده ينادي مصيره الفاني بوصفه الحاجز الأخير. كما أنَّ بعض العُري لا يغفل وجود قماش حول جسده، ليس ستراً لمناطق خفية لا يود سقراط إظهارها، بل لأنَّ اللحم هو نبض الحياة في الكائنات. فهل سيموت الإنسان حقاً وإنْ عرف نهايته؟ وهل إذا مات ستعود الحياةُ إلى بعضها (حين يتغذى النبات والحيوان من جسده)؟ والدلالة بجوار الحلم تشكل عودة إلى الحياة كوعدٍ لا يستوفي الناظر زمانه ومكانه. والدليل أنَّه موجود داخل إطار لا نهائي من التشكيل الفني. وهذا ما جعله قيدَ التجدد الآن وبعد كل آنٍ8.

هنا تمثل لوحة جاك دافيد اسهاماً في تخليد الحدث السقراطي وابتكار حيوات جديدة له، فاللوحة مازالت تتجاوز عتبة الموت مع اختلاف الأزمنة. وبالتأكيد لم يرسمه الفنان دافيد من فراغ، لكن لتلبية الحاجة إلى تجديد رمزيته إزاء موتٍ هو أصلاً في حاجةٍ إلى معنى. فكم في الحياة من سقراط ومن ميتات أشبه باختيار فلسفي خلال معارك الإنسان ضد القهر والجهل والتخلف والمرض والديكتاتورية. ومع إنسانية النهاية أيا كانت، هناك ما يُشفي غليلَّ الموت، لكنه لن ينال من الرمز بحالٍّ. وهذا ما جعل جاك دافيد يترك توقيعه الفني حين نسج فضاء اللوحة بأكبر قدر من المعاني.

 

سامي عبد العال

........................

1- جاك لويس دافيدJacques Louis David (1748 ( 1825 - كان رساماً فرنسياً مبدعاً، وأحد أبرز فناني مدرسة الكلاسيكية الجديدة Neoclassicism. ولد لعائلة باريسية من الطبقة المتوسطة وبعد أن اغتيل والده، عاش مع أعمامه. حين بلغ من العمر ستة عشر عاماً، درس الفن بالأكاديمية الملكية Académie Royale في عام 1774 ربح جائزة روما. بعد ذلك سافر إلى إيطاليا حيث تأثر بالفن الكلاسيكي وبأعمال فنان القرن 17 نيكولا بوسان ومكث هناك لست أعوام. ابتكر دافيد أسلوباً كلاسيكياً جديداً وخاصاً به. وكان أحد الداعمين للثورة الفرنسية بشكل كبيرٍ. وكان أحد أقرباء الفنان بوشيه الذي ساعده في بداياته حين تتلمذ عليه. أشهر أعماله: " قسم القتال" (1784)، و "موت مارا" (1793)، و" نساء سابين " (1799). توفي عام 1825 في بروكسل.

راجع الرابط التالي:

https://www.marefa.org/%D8%AC%D8%A7%D9%83-%D9%84%D9%88%D9%8A_%D8%AF%D8%A7%DA%A4%D9%8A%D8%AF

2- يشير ميرلوبونتي إلى أن الحاضر والمرئي  لا يهمنا إلا بقدر ما يعكسان المضمون الهائل من الماضي والمستقبل... وفي اطار هذا الرأي  تجسد الأعمال الفنية هذا الجدل بشكل واسع كما في لوحة موت سقراط.... (موريس مرلوبونتي، المرئي واللامرئي، ترجمة وتقديم عبد العزيز العيادي، مراجعة ناجي العونلي، سلسلة المنظمة العربية للترجمة، بيروت لبنان، الطبعة الأولى 2008، ص 192).

3- وهذا جزء من مضامين العمل الفني عند جاك لويس دافيد، حيث تمثلت ثورته بالعودة الى الجذور والاصول الاغريقية والرومانية في الفن، أي العودة الى الكلاسيكية من جديد مبتعداً عن فن الروكوكو الزائف الذي ارتبط بالقصر الملكي. إنَّه أحد مبدعي التصوير الفرنسي وصاحب التعاليم الكلاسيكية الصارمة. كان دائب التفتيش في التراث الاغريقي والروماني القديم عن مواضيع مناسبة لأعماله خدمة لأغراض الثورة ورغبة في تصديرها الى شعوب أوربا. وكان مدعوماً من كبار رجالات الثورة، فقاد الفن والفنانين إلى اعتناق مذهبه في الفنون الكلاسيكية المحدثة.

راجع الرابط التالي:

https://www.marefa.org/%D8%AC%D8%A7%D9%83-%D9%84%D9%88%D9%8A_%D8%AF%D8%A7%DA%A4%D9%8A%D8%AF

4- لقد اعطت محاورات أفلاطون سقراط دور الاستاذ والمعلم والحكيم والفيلسوف. وهي الفكرة نفسها في المشهد. بالتالي ينضاف حدث الموت إلى حوار طويل يمارس فيه سقراط استاذية تعليم الآخرين: كيف يفكرون ويناقشون قضايا الحياة والوجود والحقيقة. واللوحة الفنية حافظت على هذه الخاصية في جميع التفاصيل، وهي إمكانية الكلام سواء أكان لغة أم تصويراً. لأنَّ ( الصورة والكلمة ) شيئان في جسد العلامة. أحداهما تغذي الأخرى وتفرط عقدها بالأخيلة والتداعيات.

5- Romano Guardini, The Essential Guardini: An Anthology, Edited by Heinz R. Kuehn. Liturgy Training Publications, 1997, P19.

6- Romano Guardini, The Death of Socrates, Kessinger Publishing, 2007, P 53. 7- Matthew Dillon and Lynda Garland, Ancient Greece: Social and Historical Documents from Archaic Times to the Death of Socrates (c.800 – 399 BC), Routledge London and New York, 2000, PP 395 - 400.

8- هناك من تتبع العلاقة بين سقراط والمسيح بناء على فكرة الموت والحياة الأخرى( قيامة الرمز). فسقراط مات نتيجة إيمانه بالخلاص من القهر واعتقاداً في بقاء أفكاره وعدالتها. والمسيح صُلب فداءً للبشر ولتخليصهم من الخطايا. لكن جوهر الشخصيتين هو التجدد في أشكال متشابهة الدلالة من واقع الحياة.

- Michael E. Hattersley, Socrates and Jesus: the argument that shaped western civilization, Alegora publishing, New York, 2009.

- Robert Mark Wenley, Socrates and Christ: A Study in the Philosophy of Religion, Cambridge Scholars Press, London, 2002.