صالح الرزوقحوار أدبي مع ماغراس ماريا فنوك ودافيد بول فنوك

إعداد وترجمة: صالح الرزوق

س 5: هل تعتقد أن الأدب السوفياتي ترك ندوبا عميقة في جسم الأدب الروماني؟. هل تعتقد أن الروس أخذوا مكان السوفييت بأي معنى؟. وبرأيك هل مدرسة الواقع الاجتماعي لا تزال تعمل في الأدب الروماني؟.

جواب: كان تجريف الأدب الروماني واحدا من أكثر الأمور المحزنة في تاريخ رومانيا. في ذلك الوقت ترجم دستور الاتحاد السوفياتي إلى اللغة الرومانية، وقدم مجانا بآلاف النسخ من أجل الاطلاع والدراسة. وكما ذكرت أعلاه كان هناك الكثير من الكتاب الذين استغلوا هذا الوضع السياسي. منهم ميخائيل سادوفيانو (1880-1961) وهو كاتب نثر بارز برع في كتابة الروايات التاريخية. وبعد عام 1945 أصبح رجل دولة عظيم وتأثر عمله الأدبي بقوة بالاتجاه السياسي الجديد. وكان مدافعاً قوياً عن "ثقافة البروليتاريا". في روايته "ميتريا كوكور" تحول لدعم الواقعية الاشتراكية ومنحها "هيبة وعمقا". ثم أصبح عضوا في الجمعية الرومانية للصداقة مع الاتحاد السوفياتي، وبعد ذلك ترأسها، وأيد نشاط دار نشر الكتب الروسية في بوخارست. واحتشد مع الستالينية في روايته (الضوء يبزغ في الشرق)، وهو شعار مؤيد للسوفيات، وقد وضع تعارضا بين الضوء والظلام، الأول للسياسات السوفيتية والأخير للرأسمالية. وهكذا تحدث سادوفيانو عن "تنين شكوكي" هزمته "شمس الشرق".

ومثله زاهاريا ستانكو (1902-1974) كاتب نثر، شاعر، مدير عام للمسرح الوطني في بوخارست، صحفي، رئيس اتحاد الكتاب في رومانيا، عضو في أكاديمية جمهورية رومانيا الاشتراكية، عضو في الحزب الشيوعي الروماني وفي لجنته المركزية، وعضو مجلس الدولة لجمهورية رومانيا الاشتراكية. في عام 1971 حصل على وسام بطل العمل في جمهورية رومانيا الاشتراكية. بعد عام 1945 أصبح مناضلا نشطا لصالح اليسار. وعكست كتاباته الحركات الأدبية الواقعية والطبيعية. ترجمت روايته الأولى الهامة “حافي القدمين”  إلى ما يقرب من 30 لغة. وقد تم الترويج لها بشكل مكثف عام 1948 (عندما تم نشرها)، وطوال فترة الشيوعية (حتى نهاية كانون الأول / ديسمبر 1989). وخلال الحربين العالميتين التزم بالاشتراكية. وبسبب قناعاته السياسية وكونه مناهضا للنازية، سُجن في معسكر الاعتقال في ترغو جيو (رومانيا). ولمدة عشرة أيام أضرب عن الطعام. وقد دفعته هذه التجربة من حياته لكتابة “أيامي في معسكر اعتقال”. وفي عام 1951  نشر “رحلة إلى الاتحاد السوفياتي - ملاحظات وانطباعات”. وكتب عن المباني الهامة في "الحركة الشيوعية الدولية"، وسار على جدران الكرملين، وزار متحف وضريح لينين، ومعرض تريتياكوف، ومكتبة  ف.إ. لينين، النصب التذكاري لثورة أكتوبر العظيمة، شارع غوركي، الساحة الحمراء. مع احترام كبير وفي مناسبات عديدة أكد حبه العميق تجاه "القوة السوفيتية العظمى" و"جوزيف فيساريونوفيتش ستالين، الأب العظيم والعبقري للشعوب". وطغى عليه الانفعال خلال وقفته لبضع لحظات أمام نعش لينين، الزعيم الذي ينام بعمق بعد حياة من الاضطرابات المستمرة والنضال، والعمل الجاد والانتصارات" بتعبيره.

س 6: من كان أكثر تأثيرا، الكاتب الوطني الملتزم أم المنشق؟ أمثلة مع ذكر الأسباب من فضلك.

جواب: كلاهما. والفرق الوحيد هو أن بعض الكتاب المنشقين الذين يعيشون في رومانيا اعتادوا على كتابة أدب "مخفي وسري"، في حين أن أولئك الذين يعيشون في الغرب كانوا من "المدفعية الثقيلة".

س 7: أين  يوضع أدب رومانيا المعاصرة على خريطة العالم؟.

جواب: هذا سؤال صعب ويتضمن العديد من الأجوبة المعقدة والمتشابكة. في الواقع الأدب الروماني المعاصر موجود في كل مكان وربما هو غائب أيضا عنه. وهو أول وآخر كهف من كهوف اللغة الرومانية (باعتبار أنها ليست لغة محادثة على نطاق عالمي). لكن قيمته المعاصرة لا يمكن إنكارها. إنما من دواعي الخجل والعار أن الأسباب المالية تمنع وصول هؤلاء الكتاب وأعمالهم للساحة الدولية أو لمؤسسات الترجمة التي لها حضور وسمعة. وفقط بعد تحقيق هذه المهمة يمكن تقدير مكانة الأدب الروماني فعليا. الحقيقة المؤسفة أن أدبنا في الوقت الراهن غير ممثل بقوة، وربما يحتل المرتبة الأخيرة بهذا الخصوص. وفي معظم الحالات، ستظل الجهود الشاقة التي يبذلها الكتاب الرومانيون ليكونوا منشورين ومعروفين محدودة بحدود بلدهم وواقعهم المحلي. أما النشر في الخارج والجوائز الدولية فهي عشوائية ودون أي صدى. حتى الأسماء الهامة تفشل بعبور هذه العوائق. وبرأيي لا تفيد قيمة المشاهير الحقيقية والأصيلة إذا اختنقت في الداخل، ولا بد من إشادة دولية. وبالتالي، وعلى الرغم من الوجود الهادئ، فإن سعي الأدب الروماني لفرض نفسه على خريطة العالم لن يكون ناجحا، إذا استمر في السير على نفس الطريق القديم.

أما لماذا ذكرت أن الأدب الروماني ليس في أي مكان أو أنه في آخر القائمة؟. سأقتبس هنا عبارة من فاسيلي ألساندري (1821-1890) يقول فيها: "الرومانيون كانوا شعراء بالفطرة".

في الواقع هو كان يتحدث عن الجيل الذهبي من الكتاب الكلاسيكيين الرومانيين. ولكن هذه العبارة المنصفة التي تناسب تلك الأوقات، يفصلها مسافة واسعة عن واقع الأدب الروماني في المهجر والمنفى. إن الصورة من ناحية القيمة الأدبية غير واضحة ومشكوك بها.  من وجهة النظر هذه يمكن أن تفهم أن أي شيء مكتوب على ورقة له قيمة أدبية. وقد بلغ التكبر من جراء تصنيفك بين الأدباء “الجيدين” مستويات خيالية. ففي بعض الحالات يتجلى في الكتابة جهل لا يغتفر، مع عجز في فهم معرفة اللغة الرومانية والنحو والإملاء (حتى دور النشر ترفض تحمل مسؤولية التدقيق اللغوي لأنها لا تفكر إلا بتحقيق أعلى ربح ممكن ولا تكلف مصححين بغاية التدقيق)، وعدم احترام اللغة الرومانية التي يدعون لحمايتها يأتي من عدم وجود قراءة واسعة لما سوف يكتب، وعدم وجود مفاهيم مستقرة للنظرية الأدبية، وفقر بمخزون الكلمات بشكل غير لائق ومؤسف، مع أساليب سيئة وغير دقيقة وتفاصيل زائدة عن الحاجة إلخ. وعلى الرغم من كل هذا ووفقا لمصالح مختلفة، من الجماعات وبقية الزمر، يمكن توفير مبالغ معتبرة من النقود لشراء “مفتاح السعادة”.  حتى هنا الفساد يحكم. وبصفة عامة إن السياسيين وممثلي النظام المالي الإداري لا يهتمون كثيرا بالأدب، وهكذا، هنا أيضا، وكذلك في أي مجال عمل آخر، تسود المصالح الشخصية والعشائرية. ومن الناحية الإحصائية، تشير التقارير إلى أن الخطط الثقافية قد أنجزت (تماماً كما حدث في العصور القديمة الطيبة للشيوعية). القيمة لا تقودنا لأي مكان. ومصير الكتب هو أن يتم توزيعها أساسا في رومانيا أو على حلقات مغلقة في الخارج. لكن نشر كتاب أو مقالة عابرة في مجلة لا يكفي لشطب بند من قائمة المهام المؤجلة. والآن أخبرني كيف يمكن للأدب الروماني المعاصر أن يفرض قيمته الحقيقية على أساس فضاء دولي مفتوح ومتصل؟... 

2260 romania

س 7: هل تعتقد أن سقوط سياسة الستار الحديدي ساعد الأدب الروماني بأي شكل من الأشكال؟. وبعبارة أخرى هل تعتقد أن الغرب والعولمة ساعدا الحياة الفكرية لرومانيا المعاصرة بأي شكل من الأشكال؟

جواب: لا، لا أعتقد ذلك. برأيي تلك الأحداث لم تغير، ولم تساعد، الأدب الروماني الذي ظهر بعد عام 1989. وأفضّل أن أقول كان هناك تضامن قوي من الكتاب المنشقين الموجودين في البلدان الأوروبية قبل سقوط الشيوعية. أما الأدبيات التي ظهرت بعد عام 1989 فقد سجلت انقطاعا معرفيا أساء لخلفيات مشتركة كانت موجودة في جذور الأدب الروماني.

س 8: أخيرا. أنتما مترجمان. ما هي طبيعة الإضافة التي تقدمتما بها وباختصار. كيف تكون الترجمة؟ من؟ على أي أساس يكون اختيار المادة / النص؟ وكيف تكون آلية العمل؟ كلمة بكلمة أم أن الالتزام يكون بالمضمون والمعاني؟.

جواب (من دافيد بول فنوك): إذا كانت ترجمة عمل مهمة سهلة هذا يعني أنه يمكن لأي شخص أن يفعل ذلك باستخدام جهاز كمبيوتر. لقد رأيت مثل هذه المحاولات من قبل "المترجمين"، وهذا شيء يسبب الخزي خاصة عندما يكون الكاتب غير معتاد على اللغة الجديدة. الكاتب يدفع دون أن يعرف ما هو المردود. وهذا يمكن أن يدمر المؤلف في الخارج. عند ترجمة الشعر يجب أن تبقى القافية والإيقاع قريبين قدر الإمكان من النص الأصلي. وهذا يتطلب في كثير من الأحيان الاتصال بالشاعر، ومناقشة الموضوع العام لعمله، وكيفية ارتباط كل سطر بالهدف منه (مضمونه). وهو تحد حقيقي للمترجم. وعندما يتم كتابة قصيدة، يوجد الكثير من المعاني في بضع كلمات. ويجب على المترجم دراسة كل سطر لاكتشاف معناه ووضع ذلك في الترجمة. ولاحقا يجب أن تحتوي الترجمة على كل ذلك. وضمنا نفهم أنه يجب البحث عن الكلمة المناسبة لتنسجم مع اللغة المضيفة. وهنا يأتي دور الخبرة والموهبة. لقد أمضيت أنا وماريا أسابيع في ترجمة قصيدة لتكون بشكل مثالي، ولا سيما أن الشاعر لا يعرف اللغة التي ستستضيفه.

جواب (من ماغراس ماريا فنوك): سأبدأ بالقول إنه بالإضافة إلى الموسيقى أو أي فنون أخرى، كان الأدب دائماً وسيظل على مستوى لغة كونية. وفي معرض الحديث عن الثقافات الأخرى، قد نقول إن الناس قد رغبوا دائماً في قراءة واكتشاف أشياء جديدة وغير معروفة. لهذا السبب، زوجي ديفيد وأنا، اعتبرنا أن التعامل مع الترجمات الأدبية مهمة متميزة. والكتب التي قمنا بترجمتها من الرومانية إلى الإنجليزية أو الفرنسية أو العكس قد تجاوزت منذ فترة طويلة حدود بلدان الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، فرنسا، الهند، تركيا، جمهورية تشيك، ورومانيا.

أما كيف نترجم؟. غني عن القول إنه فيما يتعلق بالترجمات لا توجد قاعدة ذهبية. وفقا للتقارب الروحي، كل مترجم يختار الكتاب أو المؤلف الذي يناسبه. ولن أتمكن أبدا من ترجمة نص لا يروق لي أو لقلبي. وكان علينا مرات عديدة أن نتقن النصوص، للقضاء على الكلمات اللغوية الغريبة، التكرار، عدم الصراحة إلخ. وميزة عملنا المشترك هي أنني وديفيد متحدثان أصليان باللغتين الإنكليزية والرومانية. في مناسبات عديدة نناقش بعض التعبيرات التي هي محددة للنص الأصلي، وبالطبع، نحن نحاول إيجاد أفضل حل لغوي للغة المضيفة. لا يمكن ترجمة بعض السونيتات كلمة بكلمة (ومن المدهش أن المؤلفين يرفضون في كثير من الأحيان أن يفهموا أن بعض التعابير ليس لها مرادف باللغة المضيفة، كما أنه ليس لتراكيبهم معنى بها). وهم يعتقدون أن كل شيء يمكن ترجمته. لكن الأمور لا تسير هكذا. هناك الكثير من الكلمات والتعابير التي لا يمكن ترجمتها. وسيكون على المترجم دائمًا البحث عن الحل الذي يجعل، من خلال احترام النص الأصلي، الصيغة المترجمة مناسبة للقارئ الأجنبي. وفيما يتعلق بالنص المترجم، فإن موقف المترجم يجب أن يكون دائماً على مسافة محايدة. على الرغم من أنه يقع في بعض الأحيان في موقف أسميه „حالة سندريلا“، فالمترجم ليس قاموساً، أو أنه شخص يعرف الكثير من الكلمات بلغة أجنبية. بل إن براعته وفنه بالترجمة يوضحه التعبير الشهير „استلمه، هو لك“  traduttore ، traditore!. الترجمات هي مثل عمل الصائغ، إنه انصهار مثالي مع النص. يجب على المترجم دائمًا أن يقرأ الكثير ويواكب النصوص الفلسفية والتاريخية والفنية والدينية وغيرها من أنواع النصوص. وبذلك فقط سيتمكن من معرفة ما يدور في ذهن صاحب النص على وجه الدقة، حتى عندما يستخدم كلمة واحدة أو تعبيراً في نصه. بالنسبة لي الاتصال المباشر مع المؤلف مهم جدا. وقد تكون مناقشاتنا لا نهاية لها، ومتنوعة، ويبدو أنها قد لا تكون لها صلة بما يفترض أن أترجمه. ولكن بالتالي أستطيع أن أكتشف بعض أسرار المؤلف، وطريقة تفكيره، وبعض نبضات ومكنونات قلبه.

وفي كثير من الأحيان أقرأ الآراء التي أعرب عنها أشخاص بلا ثقافة، ويدعون أنهم على إلمام بالترجمة، مع أنهم دون أي علاقة بهذا العمل. أو أنهم يشتكون من تكلفة الترجمة. وهنا سأدافع عن المترجمين المحترفين وسأقول إن جميع الذين أدلوا بمثل هذه البيانات لم يكن لديهم أي فكرة عما كانوا يتحدثون عنه. لماذا تدفع لمترجم مزيف لا يعرف عمله، وتتسبب بضرر فادح للمؤلف المعني أو للأدب الذي ينتمي إليه، في حين يمكنك إجراء نفس الصفقة مع المترجمين المؤهلين والموهوبين للغاية؟. ربما أولئك الذين يرغبون في أن يترجموا إلى اللغات الأجنبية ويتجاوزون حدود أدب وطنهم، عليهم تقدير العمل الشاق للمترجم، وبدلا من دفع المال لقاء خدمات لا قيمة لها، من الأفضل التعامل مباشرة مع مترجم محترف. أحيانا قد تبدو الترجمات في بعض الأحيان أفضل من نصوصها الأصلية لدرجة لا يمكن تصديقها.  معظم النصوص التي ترجمناها كانت مصحوبة بتعليقاتنا ومقالاتنا النقدية التي عبرت عما شعرنا به عندما عملنا عليها. وقد نُشرت تفسيراتنا وآراؤنا إما في تلك الكتب أو في المجلات الأدبية الدولية، وفي عدد لا يحصى من الكتب، أو المؤتمرات التي عقدت في جامعات مرموقة أو في معارض دولية حيث كانت الفنون البصرية والموسيقى والأدب متطابقة لحسن الحظ مع بعضها بعضا.

 

 

صالح الرزوقجولة سريعة في حاضر وماضي الأدب الروماني

إعداد وترجمة صالح الرزوق

س 4:  ومن هو أهم كاتب روماني اليوم؟ لماذا؟ وما هي أهم إنجازاته؟..

جواب:  من الصعب للغاية، إن لم يكن من المستحيل، أن تسمّي كاتباً واحداً فقط، وأن تقول إنه الأفضل في تاريخ أدب أمة عظيمة مثل رومانيا. كان هناك دائماً "أفضل ممثل" في حركة أدبية أو حقبة معينة. من بين الأفضل في الأدب الروماني المعاصر أذكر نيشيتا ستانيسكو، شتيفان أوغستين دوينش، إيون باربو، مارين سورسكو، بولا رومانيسكو، أدريان بونسكو، ترايان ت. كوفي، غابرييل ستانيسكو، يوجين إيفو، جورج الخامس. أنا آسفة حقا لأنني لا أستطيع التحدث عن كل منهم. لا شك في أن ميهاي أمينيسكو بالنسبة للأدب الروماني أبرز شخصية أدبية في جميع الأوقات. قد يقول المرء بحق إنه كان ممثلاً للرومانسية، ولكن دقة وسلامة أفكاره وأعماله لا تشوبها شائبة حتى الآن. وجدير بالذكر أنه خريج جامعتي فيينا وبرلين. بمعنى أنه يمثل ظل الثقافة الجرمانية الثقيلة وعقلها المتمرد والإبداعي والثائر على مر العصور. 

وسأذكر بعض الشعراء الرومانيين المعاصرين الذين تركوا بصمة على جدار التاريخ، وجمعتني بهم صداقة أعتز بها. وقد ترجمت نماذج من أشعارهم إلى اللغة الإنكليزية الحديثة. ومن هؤلاء الشاعر والكاتب المسرحي، والصحفي، والناشر سيزار إيفانيسكو (1941-2008). وقد برز في منتصف الستينات في بوخارست، في لحظة مواتية للأدب الروماني، وكان بعمر 25 عاما. وتميز بشخصية بوهيمية فريدة مع خصال أرستقراطية موروثة من نبلاء روسيا، مع نغمة تشبه نغمات التروبادور (الشعراء الجوالون). فقد كان يحمل الغيتار بيد والكتاب بيد (وليس المطرقة والمنجل كما جرت العادة في زمن الرعب). وأنتج لنا سيلا جارفا من قصائد مشاغبة غريبة لا يوجد مثلها في عصره. ويعتبر هذا الشاب حتى الوقت الحالي من الشعراء الأكثر تميزا في الأدب الروماني. وقد كان معاديا للشيوعية، وتعرض للضرب على أيدي عمال المناجم في 14 حزيران / يونيو عام 1990. ودخل بعدة دورات إضراب عن الطعام حتى الموت تقريبا. وبعيداً عن ما يتميز به من إحساس دائم بالخطر، يبدو كل شيء في شعره متماسكا ومتجانسا، ويمكن أن تقول إن لديه تدرجا من البسيط وحتى التصور المقدر autarchical. وأخيراً، قد نقول إن نثره مونولوجي، غنائي، وشاعري. وفيه تعتمد الأشكال التقليدية على بعضها بعضا. فهي لا تقدم أفكارا بسيطة بل شعرا "أصليا" يحتفظ بمسافة عن الأشياء القريبة والتي هي بمتناول اليد. أضف لذلك التناسق العميق المتجانس في إبداعه بأكمله والذي أعده نتيجة أحلامه الرؤيوية. فهو شاعر لا يطوّر أحاسيس غيره، ولا يصور الحالات الطبيعية، ولكن الأحاسيس الميتافيزيقية. كما أنه يصف الأحلام المرعبة، ومجازات العصر الوسيط وجاذبية الباروك الرهيبة التي لا يمكن تحليلها بأساليب عقلانية وميكانيكية. هنا لا شيء يمكن تعريضه للقياس. وكل شيء متجاور. ونواته الغنائية ليست "واقعية" بل أسطورية. ومع ذلك، وراء أشكاله المختلفة، يهدر دم  متميز وضمن نظام دورة دموية خاصةبه.  ويحدد الشاعر رؤيته برمزية غامضة أولية، مما يعطيها وحدة لا تنم عنها. والتأثير الغنائي لديه دائمًا استثنائي، ومنابعه من مصدر يصعب تفسيره. وكما هو الحال في رمزية الباروك، التي كتب بها جيوفاني بيليني، كل شيء يتكون من أجزاء صغيرة، ومع ذلك إن شعره واضح لكن بخلفيات مبهمة من وجهة نظر عامة. وغالبا ينتصر العقل عنده مع أنه يذهب لما هو أبعد من الاعتراف بالمنطق الذي يؤمن بالمسائل الحيوية والكبيرة. ومن أجل فك ألغاز مثل هذا الشعر، على المرء أن يدرس رمزه المجازي. كما أن عالمه العاطفي شديد الإفراط وهادئ وله مسحة كلاسيكية لا تخطئها العين.  كما أن الوعي الغريزي موجود في كل مكان. مغرق بالغيبيات وكل شيء ملوث وقلق. ويبدو العالم كله تحت وطأة رعب باروكي محرض. وتنخفض الروح إلى عتبة الميتافيزيقيا، وتهددنا كما أنها تغرينا دون توقف. والعبارة الأخيرة لآرثر سيلفيستري في مقدمة كتبها للشاعر عام 1985. وجميع كتب سيزار ايفانيسكو من الروائع. وقد نجح في تجاوز حدود بلاده.

2257 رومانيا

ولا بد من أن أذكر جورج ستانكا (1947-2019) الذي ظهر لأول مرة في عام 1978. وتخصص بكتابة قصائد الحب، وكان مولعاً بتاريخ الصحافة الرومانية. وانتقد وأدان في كتبه كل ما هو سيء في المجتمع المحلي. وكان توبيخه قاسياً ولكنه بناء وأبوي. وبدأ مباشرة من هذه النقطة، وأحيانا اعتمد على العناصر الفولكلورية الرومانية المفرحة. وأفضل مجموعة تمثله برأيي هي “كان الملاك”، وقد ترجمتها للفرنسية والإنكليزية. وكان يكتب مثل سابقه على غرار التروبادور،  وقد ضاعف التجوال من كلماته ومنحه حساسية خاصة مع مسحة ساخرة ومتوازنة تضع معانيه على ”أقصى درجة من درجات الحنان”. وأستطيع أن أؤكد أن أسلوبه واضح وموجز ومنبه وديناميكي. ويعبر عن أفكاره بإيجاز  وحب وببالغ الدفء النابع من قلبه.  وتشعر كأنه شاعر موجود أينما كان ويهتم بالجميع وبكل شيء. ودعمته السخرية  بمزيج من الكلمات التي أضافت له معنى جديدا يكشف عن الجانب اللعوب من قلبه. وساعده ذلك على التأرجح بسهولة بين الواقع والشعر، وبسعادة غامرة وخجولة في نفس الوقت. ولذك ترى أنه يلقي نفسه  بلعبة خطيرة في عالم يخلقه لنفسه ويتوق إليه. وهو ما يعطي الانطباع بأنه قادر على امتلاك عالمه دون أن يمتلكه فعليا. وكما ذكرت في مقدمة ترجمتي له: إن عالم جورج ستانكا هناك، ولكن لا يوجد منه شيء غير حلم منظور بعيد.

وأخيرا وليس آخرا أود أن أذكر شاعرة رومانية هي باسيوناريا ستويسيكو  Passionaria Stoicescu، التي ترجمتها أنا وزوجي ديفيد بول فونك. تختار بويسيكو أن تلف نفسها بالغموض والسخرية إلى حد ما - مما يجعل المرء يفكر في الكون الذي تنتمي له. وتبدو كأنها تجري لمسافات بعيدة أو أنها تفتقد للإضاءة. وهي تسيطر على كتاباتها مثل "أن تكون أو لا تكون". وفي السيدة بونساي تبدو اللغة حقيقية من لحم و دم. وترى الأخيلة نفسها مسقطة في الحقيقة ويعاد إسقاطها في القصائد.  وعند قراءتها تتساءل:  كم تستعير بوسيوناريا من السيدة بونساي المتخيلة؟. ويأتي الجواب مع كل قصيدة بطريقة مختلفة وبسيطة جدا وتدريجية. ومن المفارقات أنه يتجسد في رجل (عريس، ولكن ليس الشخص الذي خلق كما يقول الكتاب المقدس "من غبار الأرض"، إنما من الوهم والرماد). جواب القصائد هو الحب والعاطفة والمصير.

ولكن الأدب الروماني لا يننتهي عند هؤلاء وتوجد أسماء متعددة ممن هرب من الجحيم. ومعظمهم من المنشقين. وبرأيي إن ثيودور داميان هو الكاتب الأكثر تمثيلا للشتات الروماني. وهو شاعر روماني أمريكي رائد وشخصية دولية معتبرة. ويعيش في نيويورك منذ أكثر من 30 عاماً. وهو كاهن أرثوذكسي وأستاذ فخري يدرّس الفلسفة والأخلاق في كلية متروبوليتان نيويورك. وهو المدير المؤسس لـ Lumină Lină / الضوء المقدس، ورئيس المعهد الروماني للاهوت والروحانية الأرثوذكسية، ورئيس الأكاديمية الأمريكية الرومانية. وبمجرد وصوله إلى نيويورك، أسس داميان نادي الكتاب "ميهاي أمينيسكو" الذي قام مع Lumină Lină / الضوء المقدس ببناء جسر دائم وناجح بين المجتمع الروماني وأبناء الولايات المتحدة الأمريكية وبقية الجاليات.  إن ثيودور داميان ليس المبشر بالأدب الروماني فحسب، بل هو أيضاً حركة ثقافية ليس لها حدود. لقد كان دائماً فاتحة لآفاق جديدة في ثقافتنا العالمية. وقد نشر كتبا لا تحصى في الشعر والمقالات. وحصل على العديد من الجوائز بما في ذلك لقب الدكتور الفخري. و هو يؤمن أن الشعر "مفتاح عالمي" يمكنه فتح أبواب جميع النفوس مثل الموسيقى. ولطالما عبر عن إيمانه الشعري بصيغ مكثفة جداً. وأسلوبه الأدبي فريد من نوعه. إنه موجز ومفاجئ وساحر لأنه يرسل القلب والعقل من الفراغ إلى الله ومن ثم، من أجل إغلاق الثالوث، يعود ليلتهب ويحترق من خلال الشعر. وشعره مليء بالعناصر الفلسفية المطرزة بالمكونات الدينية والمفارقات والعناصر الغنائية. وهو يعتبر أن الـ "ما وراء" يمكن أن يكون هنا، وكذلك على الجانب الآخر من السماء. ويمكن الوصول إليه بسهولة. قصائده رحلة طويلة وصعبة من الظلام إلى النور. و"في عالم عادي مسكون بشكل دائم ومعذب من قبل جميع أنواع المتاعب، والتي تكثر بشكل ساخر يتأرجح بين التناقضات والشكوك". يقول:

لأنني طوال حياتي كنت أمشي / إلى الوراء / إلى الوراء أفهم الأشياء / ولكن إذا كان هذا الوراء هو الأمام / ستنبثق فكرة غريبة في ذهني. وفي عالم نستنتج منه أنك منذ أول لحظة ضائع / ولا تعرف شيئا، من الأفضل أن تختار طريقك للاختفاء والرحيل مع عقيدتك "بنسختها الأكثر مصداقية" لأنه إذا كنت لا تريد المضي قدما إن "ترددك سوف يسمرك بمكانك“.

وفي عالم عليك أن تؤمن فيه بالمضي قدما "إذا كنت ستموت على أي حال / يجب أن لا تتوقف أبدا / والموت سوف لا يصلك إلا بصعوبة / وعندما تتابع لشوط أبعد /  متشبثا بالإصرار والعقيدة / في بعض الأحيان سيحل الإرهاق بالموت“.

 وفي عالم نتعلم فيه طوال حياتنا كيفية الاستمرار واكتشاف أشياء جديدة داخل الكون، سنصل لاستنتاج مفاده "الشفاء يأتيك وأنت مستلق على ظهرك / وتنظر لما وراء الأفق".

 وفي عالم "تكون فيه القيامة مضمونة بهيئات وصور"، يمكنك أن تفهم شعر تيودور داميان.  فهو مقتنع أنه من أجل أن تكتب "قصيدة ملهمة فعلا/ عليك أن تحترق عدة مرات / متمسكا بواجبات هذا الصمت / وأنت تحمل قطعا متوهجة من الفحم / ثم تجلس مجللا بالتوقعات المقدسة والإيمان / بالكلمة / وتعلم كيفية الانتظار / سوف تتلقى صوتا ضعيفا وخافتا وهامسا / من الرياح / ولكي تحيا / لأنه إذا لم يكن هناك رياح ليس هناك فحم / وعندما يصلك الصوت / ليس عليك أن تنام / ولكن اخلع صندلك / من قدميك / وكن متواضعا وحانيا / عندئذ فقط تكون جاهزا للاستماع / فقط بحلول ذلك الوقت تكون مستعدا/ لتنفذ ما تؤمر به / هكذا تكتب القصيدة / كلمة بعد كلمة / وتصبح صلاة خاشعة".

ويمكن أن أنوه أيضا بالشاعر جورج فيليب وهو الشاعر الكندي “الأكثر اغترابا" بأصوله الرومانية والذي واتاه الحظ ليعبر الجسر الذي يصل بين الألفية الثانية والثالثة. وبصرف النظر عن عمله الأدبي لا بد من التطرق لروحه التي أعرف تفاصيل دقيقة عنها من ماضيه. لقد عقد العزم وأقسم أن لا يتعاون مع الشيوعيين، وأن يتحدى القوانين الماركسية الحمراء، وأن يضرب قلعتهم بما أوتي من قوة. كان الشاعرواحدا من ستة أبناء لوالده بانديلي وأمه فلوريا. ولكنه التزم بعزلة موحشة تسكنها الأسرار والأحلام. ورفض أن يبكي عند وفاة ستالين “والد الأمم” كما كان يقال. وفي شعره نوع من التحدي للمصاعب. حتى أنه يقول:" ببساطة متناهية أنا غير قادر على الاستنتاج من سيكون قادرا على الاستمرار في كتابة الشعر بطريقتي؟".

جورج فيليب هو واحد من الشعراء الأكثر إثارة للقلق لمجرد أنه لا يكتب بطريقة تقليدية، لكنه يستفيد من الوجوه المجهولة التي تظهر من عالم غريب وتختفي في عالم غير محدد، وهو يتلاعب بها كما لو كانت بعض الدمى البشعة، التي كانت فيما مضى جميلة. والسؤال الآن: هل هذا الجمال لا يزال موجودا؟. وإذا حدث ذلك، فمن يضع المعايير وعلى أي أساس، وعندما يكون كل شيء ليس سوى قناع في كرنفال نعبر عنه شعريا، فإن وجهه الحقيقي يتخفى متنكرا.

ويبدو من السهل أن تقرأ فيليب.  ولكن في معظم الحالات يكون فهمه مهمة مستحيلة،  هذا غير مواكبته بتفاصيل لعبته الشعرية، بما فيها من ألحان غنائية وراقصة وعابثة.  فهي جزء لا يتجزأ من بين ألعابه اللغوية الصعبة والمسلية.  وهذا كله تدعمه حقائق يعبر عنها بأسلوب يرفضها. رفض جورج فيليب الكتابة والعمل لصالح النظام الشيوعي. وقد أطلق عليه زملاؤه الصحفيون لقب "ريشة المرتزق". عمل لمدة عامين تقريبا كمحرر في فلوتا باتري (البحرية في البلاد). ثم تعرضت شقته للمصادرة، فهاجر إلى بوخارست وصادق فانوش ناغو، وميرسيا مفو، وروساليم موريانو، وبوكا، وغيرهم من “الأدباء المخمورين” كما يقال. ثم عمل في اللجنة المركزية لاتحاد الشباب الروماني. وفتح له موقعه الباب على مصراعيه إلى إذاعة رومانيا الرسمية. ثم لاتحاد نساء بوخارست. وطوال الوقت كان تحت المراقبة. ثم بدأ بكتابة عمود يومي بعنوان „الرجل الخفي“ في جريدة فيتورول (المستقبل). وقد أسر عموده انتباه القراء، حتى كتب زاوية بعنوان „مصنع الموت في توبلي“ وتناول فيها الأسباب الحقيقية لوفاة 13-14 عاملا.  ودافع عن حقوقهم بالحياة استنادا لمقولة لينين „الإنسان هو أغلى رأس مال موجود“. وبالنتيجة فتح النار على أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في المنطقة، وعلى رأسهم أمين الحزب (الذي كان آنذاك صهر نيكولاي تشاوشيسكو). في الواقع هذا ما فعله قسطنطين فيرجيل جورجيو في روايته ذائعة الصيت „الساعة الخامسة والعشرون“. ولم يكن من المقدر للهجة فيليب أن تمر مرور الكرام، في وقت كان فيه شاوشيسكو يتقرب من الصين وفيتنام وكوريا الشمالية ويفرض الواقعية الاشتراكية الصارمة، على أساس من شمولية ستالينية تركز على عبادة شخصية القائد المزعوم. ثم أضاف في وقت لاحق سلطات غير محدودة لزوجته، وأد بها الحريات المحدودة لعقد الستينات، وأسدل بها الستار على فهمه الدكتاتوري للحياة في فترة السبعينات والثمانينات.  وهكذا صدر قرار باعتقال فيليب، ويقول عن ذلك:“ قادوني مغلولا بالأصفاد كالوحوش / ولم أكن قد بلغت أربعين عاما / مع ذلك شتمت قصرهم الأحمر / وزرعت الرعب في رأس الضابط / هناك صمت عميق في أرجاء سيفرين / وفي زنزانتي الرمادية رقم 7 / كان لي حق برؤية سماء زرقاء وصافية ومشمسة / فاستلقيت مريضا بالسلاسل والأصفاد الثقيلة / داخل جحيم مظلم من تورنو سيفرين / أما جسمي الشاب والقوي المعتاد على الحرية / لم يسمح للتعذيب أن ينال مني / جورج فيليب - التروبادور / لم يتعلم في حياته كيف يموت “ (من شذرات).

السؤال هو: متى يتحدث جورج فيليب بجدية ومتى يبتسم؟ دومًا الحوار مع الشاعر هو تحد دائم، مثل قراءة كتبه. عقله، حاد، متحفظ، مرح ولكن في بعض الأحيان حزين، وبروح كئيبة ومريرة. وبعض الأوقات يبدو متعبا. وكلما قرأته أكثر، كلما أدركت أنه على حق في طريقته في التعبير عن نفسه كرجل قوي يعرض أفكاره بشكل تيارات محورية تقريباً. هناك أوقات تشعر نحوه بالكراهية، وتود أن تحاربه، ولكن في النهاية عليك أن تعترف بأنه على حق. أما ما يسمى اللامبالاة والإحساس الذي ينقله لك أنه مستعد دائما لتجاهل الجميع وكل شيء، ليس سوى انطباع مضلل. وفي الواقع، هو يفتح للجميع باب العالم بل الكون. ومن المستحيل ألا تجد نفسك معه. إذا نجحت في أول مرة تكون قد ربحت الرهان، وإن فشلت كرر المحاولة حتى تصل. وتجد أين يختبئ صديقك فيليب من نفسه.

يقول دافيد فنوك عن المتمرد جورج فيليب: في “قصائد راقصة” يضع فيليب نفسه سيدا للكلمة والاستعارة. وعواطفه مصنوعة بالمنجل والمطرقة ومن نار ماضي رومانيا، التي تعرضت للغزو السوفييتي. وتسيدتها حكومة هزيلة مارست القمع الذي لا يمكن تصوره. ومن لم يمر عمليا بهذه الظروف يمكن أن يشعر بها من قصائد فيليب ويعايش العجز والرعب والخسارة، ونعم، قدرته على اختراع حلم أفضل سواء في الحياة أو الممات.  أسلوب جورج فيليب الحر يتدفق بسلاسة دون أن يكون بالضرورة ملحنا. وترسم كلماته في عقل قارئه صورا حية، وتدعونا للاحتراس عندما يتعلق الأمر بالجو السياسي سواء داخل حدودنا أو خارجها.

 

 

2250 interviewجولة سريعة في حاضر وماضي الأدب الروماني

إعداد وترجمة: صالح الرزوق


تعيش السيدة الرومانية ماريا فنوك  MuguraȘ Maria Vnuck مع زوجها الأمريكي دافيد فنوك Dvid Paul Vnuck في الولايات المتحدة التي وصلت إليها قبل أربع سنوات فقط. وهما الآن يعملان بشكل فريق من اثنين على مشروع مشترك هو تعريف أمريكا بواقع الأدب الروماني في حاضره وماضيه. ولحينه لديهما رصيد جيد بهذا الخصوص، وهو عبارة عن حوالي ثلاثين كتابا. ويضاف له أخيرا إصدار مجلة وليدة رأت النور في مطلع عام 2020 وهي “مجلة الأدباء الدولية” التي تنشر النصوص من مختلف أرجاء العالم لأدباء شباب ومعروفين على حد سواء، مع زاوية فنية تهتم بالتشكيل البصري.

لتكوين فكرة عامة عن المشهد الأدبي الروماني وذاكرة رومانيا الثقافية توجهت للسيدة ماريا بمجموعة من الأسئلة الخاصة والعامة.

س1: هل يمكن أن تقدمي لنا فكرة عامة عن المشهد الأدبي والثقافي في رومانيا. على سبيل التمهيد؟..

جواب: من المعروف أنه في تاريخ كل بلد هناك كتّاب يكتبون عن أنظمتهم السياسية. ولا يمكن أن تكون رومانيا استثناء من القاعدة. وكان هذا الاتجاه سائدا خلال 45 عاماً من الشيوعية التي تحملها شعب هذا البلد الفقير. خلال الحقبة الشيوعية كان هناك ثلاث فئات مختلفة من الأدباء:

الموالون للجمهورية الشعبية (ويمثلها العمال والفلاحون فقط) ويعملون دون تعويضات مالية وبالمجان وبحجة بناء مجتمع جديد. وتتلخص وظيفتهم في التأثير بعقول فئات الشعب وغسلها وتجهيزها لتكون من روافد ومصادر السلطة فقط. وقد احتلوا الواجهة وكل المناهج والكتب التدريسية ورابطة الكتاب الرومان. وقد أشبعونا بمعزوفاتهم عن الوطن والشيوعية الفاضلة وذلك بأقل ما يمكن من الموهبة والكفاءة رغم توفير كافة الإمكانيات لهم، ابتداء من ما يسمى “فيلا الإبداع”، وهي مساكن من الدرجة الأولى ومنتجعات في الجبال وعلى شواطئ البحار، ومخصصة لمنح التفرغ التي تتحكم بها الدولة حصرا، ويديرها حزب الشعب الروماني (تحول لاحقا للحزب الشيوعي الروماني). 

الفئة الثانية ضمت أدباء معتدلين أخذوا دور الكاتب المحايد الذي يميل للمداهنة والنفاق. وكان ديدنهم تمرير بعض الأفكار بين السطور للتهرب من أداة الرقابة الرهيبة.

الفئة الثالثة والأخيرة هي من المنشقين والأصوات الناقدة المكروهة من كل الأنظمة الشيوعية السابقة. وكانوا يعانون من شتى أنواع التهديد الدائم مثل نقص فرص العمل والاعتقال والسجن، تشويه السمعة، وفقدان أبسط الحقوق المدنية، تبديل مضمون كتاباتهم بالإكراه أو إيداعها مخطوطة في أدراج مغلقة. حتى أنها شكلت ظاهرة عرفت باسم “أدب الأدراج السرية”. ولم تنشر مثل هذه الأعمال إلا بعد كانون الأول / ديسمبر 1998.

بالعودة إلى الأسماء اللامعة يلفت الانتباه حالة قسطنطين جورجيو وروايته “الساعة الخامسة والعشرون”. فقد كانت ضربة مؤلمة ضد الشموليات العسكرية من كل نوع ومنها الشيوعية. ولذلك باعت أكثر من 10 ملايين نسخة في غضون ما يقارب 50 عاما. وترجمت لأكثر من 40 لغة. ولم يكن ممكنا نشرها في رومانيا. وبذلت مونيكا لوفينيسكو جهدا جبارا لترجمتها إلى الفرنسية ونشرها أولا في باريس عام 1949.  والقائمة المماثلة تطول. وللأسف لن نتمكن من ذكرهم جميعا. ويمكن للمرء أن يكتب أطروحة كاملة حول هذا الموضوع. لكن باختصار إن فرانز كافكا (1883 - 1924)، وميلان كونديرا (1929) وجيسلاف ميوش (1911 - 2004)، وفيسوافا شيمبورسكا (1923 - 2012)، وألكسندر إساييفيش سولجينتسين (1918 2088) قد ولدوا جميعا في الكتلة الشرقية. وكان لأعمالهم الأدبية تأثير قوي على العقلية الإنسانية. واضطر معظمهم للفرار إلى بلدان غربية بسبب قناعاتهم السياسية وهربا من تبني الواقعية الصارمة أو البيروقراطيات المعقدة أو لاعتبارات مفروضة من أعلى دون أي مجال للاختيار لا بالفلسفة ولا الإيديولوجيا.  ناهيك عن القلق والهواجس والخوف، وانعدام الأمن ومعسكرات العمل القسري، وتدهور كرامة الإنسان الخ. 

س2: أرى أنك تختارين أمثلة من خارج رومانيا. ما سبب الاهتمام بأدباء تشيكيين وبولونيين على حساب أدباء رومانيا؟. ما هي المشكلة برأيك؟..

جواب: أولا وقبل كل شيء، أود أن أفرق بوضوح بين الفكرة العامة للأدب الروماني والممثلين البارزين للأدب الروماني. بطريقة أو بأخرى قد تكون على حق حول الأدب الروماني، ولكن العديد من الكتاب الرومان المشهورين الذين عاشوا أساسا في الخارج نجحوا في إحداث الفرق. هناك جانب مهم جدا هنا: الأدب الروماني قدم دائما أعمالا أدبية هامة، ويمكن بسهولة أن توضع في نفس المستوى مع أعظم الروائع العالمية. ومع ذلك كان هناك دائما شيء يجره إلى أسفل. وفي الذهن ثلاثة أسباب رئيسية: سوء إدارة تمثيل الأدب الروماني في الخارج، والترجمات السيئة إلى اللغات الأجنبية، وسوء إدارة الأموال. من أجل إلقاء المزيد من الضوء على سؤالك أود أن أذكر فقط عددا قليلا من الأسماء البارزة: ديمتري كانتمير (1673-1723)، وهو قائد عسكري مشهور من مولدافيا، وكان فيلسوفا، ومؤرخا، وملحنا، وكاتبا غزير الإنتاج، وعالما موسيقيا، ولغويا، وإثنوغرافيا، وجغرافيا. وكانت كتاباته مشهورة في جميع أنحاء أوروبا. هناك أيضا ميهاي أمينيسكو (1850-1889) وهو أعظم شاعر روماني. كما كان روائيًا وصحفيًا، ولا يزال يعتبر أحد أعظم ممثلي الرومانسية الأوروبية. ولوسيان بلاغا (1895-1961) الذي أعتبره من أعظم الشخصيات الرومانية: فهو فيلسوف، وأستاذ، ودبلوماسي، وشاعر، وكاتب مسرحي، ومترجم أدبي. وتم ترشيحه لجائزة نوبل للآداب. ثم إميل سيوران (1911-1995)، وهو فيلسوف وكاتب مقالات شهير هرب إلى فرنسا وكتب باللغة الفرنسية معظم نتاجاته. ويوجين أيونيسكو (1909-1994) الكاتب المسرحي ثنائي الجنسية (روماني وفرنسي) والذي كتب أساساً باللغة الفرنسية. كان شخصية دولية بارزة في المسرح الطليعي الفرنسي. وميرسيا إلياد (1907-1986) الصحفي المشهور وكاتب المقالات والسير الذاتية. أما أعظم إنجاز له على الإطلاق فهو احتلال كرسي أستاذ في جامعة شيكاغو باختصاص مؤرخ للأديان (تاريخ الأفكار الدينية). وقد أرسى نماذج في الدراسات الدينية التي لا تزال قائمة حتى يومنا هذا. وله نطرية تؤكد أن الهيروفان تشكل أساس الدين، وعمل على تقسيم التجربة الإنسانية في الواقع إلى مقدس ومدنس، ومكان وزمان. وهذه واحدة من أكثر مساهماته المؤثرة في الدراسات الدينية. ولا يمكن أن ننسى نظريته عن العودة الأبدية، والتي ترى أن الأساطير والطقوس لا تحتفل ببساطة بالهيروفانات، ولكن على الأقل تشارك بعقول المتدينين الذين يتحثون فعليا" كما ورد في المقدمة التي كتبتها ويندي دونيغر لكتاب إلياد عن السحر والشعوذة.

ومن الأسباب التي أساءت للأدب الروماني أذكر بعض المواقع الأجنبية، والطريقة المهينة التي تناولت بها الكتب المترجمة. فهي لا تفرد بندا خاصا بالأدب الروماني،  أو أنها ببساطة تكتب تحته "0". ومن الغريب أن نفس هذه الإحصاءات تشير إلى الأعمال الأدبية المترجمة من وإلى اللغات الميتة أو إلى أندر اللغات، وتنسى رومانيا. أضف لذلك أن اختيار الترجمات لا يمثل تماما الأدب الروماني، ويحتفل بأعمال غير تنافسية، أو لأن رومانيا ليس لها علاقات شراكة فعالة في الخارج. وبطبيعة الحال النصوص غير الجيدة ستبقى على الرف. إن وصول المؤلفين والقيم الأدبية الشابة الحقيقية أمر صعب للغاية، إن لم يكن مستحيلاً في بعض الأحيان. ثم إن المؤسسات المسؤولة عن اختيار الكتاب للترجمة ستفضل دائماً التعامل مع "المشهورين" بدلاً من إعطاء فرصة للآخرين، ويطمح آخرون، ممن أسميهم "الكتاب الهواة" إلى كتابة "روايات حياتهم"، بشكل سيرة ذاتية يصفون فيها المغامرات التي مروا بها من أجل الفرار من رومانيا الشيوعية. ومعظم الكتاب لا يملكون الشجاعة الكافية للاقتراب من دور النشر الأجنبية بذريعة التكاليف الباهظة. أما دور النشر الغامضة فهي لا تكلف نفسها عناء تدقيق الترجمة وتساهم في توسيع “السمعة الرديئة” للكاتب عوضا عن أن تفيده. والنتيجة النهائية هي أنه بعد إنفاق الكثير من المال، فإنها ستبقى في نفس المستوى المنخفض من "السمعة السيئة". 

س 3: ما هي اتجاهات الأدب الروماني اليوم؟ نحو الواقعية أم الحداثة؟...

جواب: على المستوى العالمي ظهر هذان الاتجاهان كضرورة لكسر القواعد القديمة المفروضة على الأدب والموسيقى والفلسفة والفنون البصرية. وكان لهما تأثير قوي في طريقة تفكير الشعوب، وقدما في الأدب أسماء عظيمة لكن الواقعية سبقت الحداثة.   ومثلها في الأدب الروماني نيكولاي فيليمون، إيوان سلافيتشي، إيون كرينغا Ion Creangă، ليفيو ريبرينو Liviu Rebreanu، جورج كالينسكو  George Călinescu، مارين بريدا، وغيرهم. لقد وضع هؤلاء الكتاب شخصياتهم في سياق المواضيع الاجتماعية، ومن بداية طبولوجية مختلفة: مثل مفهوم الهاوية والجشع والفجور والعزلة، إلخ. واستندت معظم كتاباتهم إلى قصص حقيقية مع اهتمام دقيق بالتفاصيل. أما الحداثة، المستمدة من الرمزية، فقد برزت في أدب القرن العشرين. واختلفت مع التقاليد القديمة، وحاربتها، بل واستفادت في بعض الأحيان من أشكال التعبير المتطرفة التي تم التأكيد عليها من خلال موضوعات حساسة جدا مثل المرض، والحنان، والضعف والذل. وأشهر من تبنى الحداثة في رومانيا أذكر يوجين لوفينيسكو، جورج كالينكو، كاميل بيتريسكو، هورتنسيا بابادات- بنغيسكو، أيون باربو وغيرهم. وقد عرّفوا الحداثة من خلال كتاباتهم التي أثقلتها لهجة متشائمة، ومحاولة لإيجاد إجابات عن معضلات البشر، وأجبروا شخصياتهم أن يكونوا ممثلين لتجربة اجتماعية ذات أفق مختلف ومتجدد.  ولم يكن يوجد في الحداثة بطل رئيسي واضطرت الرموز لأن تصارع وجودها وفق قواعد اكتشاف وبحث تبدأ وتنتهي داخل النفس.

 

 

2251 حميد لحميداني 1- الأدب يَحتفظُ بسلطته التأثيرية وقدرته على خِدمة الثقافة

- ليس هناك ضرورة للاهتمام بالأدب الرقمي

يعد الناقد المغربي حميد لحمداني أحد أبرز الوجوه النقديّة في المغرب لما قدّمه من جهود ثريّة في مجال الإبداع والنقد ونقد النقد، فقد صدرت له روايتان هما "دهاليز الحبس القديم"1979، و"رحلة خارج الطريق السيّار" 2000 . وفي النقد أصدر أعمالًا مهمة منها "من أجل تحليل سوسيوبنائي للرواية"، "في التنظير والممارسة، دراسات في الرواية المغربية"، "كتابة المرأة من المونولوج إلى الحوار"، "الواقعي والخيالي في الشعر العربي القديم". وفي مجال نقد النقد صدر له "سحر الموضوع"، "النقد النفسي المعاصر.. تطبيقاته في مجال السرد" وغير ذلك من الأعمال والترجمات.

حنان عقيل* لك كتابات في الإبداع كما في النقد، فقد صدرت لك روايتان: "دهاليز الحبس القديم"1979، و"رحلة خارج الطريق السيّار" 2000 هذا بالإضافة لأعمالك النقديّة الثريّة.. هل من الممكن القول إن الإبداع هو الذي قادك إلى دراسة النقد في البداية؟ وهل من سؤال مُلِّح فرض نفسه عليك في كتابتك الإبداعية؟

- لا أظن أن الأمر بهذه الصورة تماما، فاهتمامي بالنقد كان اختيارا أكاديميا بالدرجة الأولى وميولا إلى تنمية معرفتي بالمناهج النقدية التي كانت وضعيتُها في السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي لا تزال يلفها بعضُ الغموض. وكان السؤال عن ما هي أصلح المناهج لدراسة الأدب يكاد يكون محوريا و مُحيِّرا في نفس الوقت. هذا بالذات ما قادني في المقام الأول إلى الاهتمام بالنقد الأدبي وبعد ذلك بدأتُ اشتغل في حقل نقد النقد وهو مجال معرفة المعرفة.

وأرى أن العلاقة بين تخصصي النقدي وإبداعاتي السردية برزت لاحقا إلى حد ما في روايتي رحلة خارج الطريق السيار. فقد أفادني النقد البنيوي المتخصص في معالجة الحيل السردية وفي بلورة بعض إمكانياتي الإبداعية وتطويرها. وتجلى ذلك في هذه الرواية بالذات التي نالت جائزة الرواية العربية من عمالة عمان الكبرى بالأردن سنة 2002 وأشارت لجنة التحكيم وبعض النقاد الذين قاموا بتحليلها إلى الجانب التحديثي للبنية الروائية فيها، وخاصة مظهر التقطيع الزمني والتشطير السردي، وتعدد زوايا النظر إلى جانب حضور البعد الترميزي .. الخ.

أما السؤال الملح الذي فرض نفسَه دلاليا في هذا النص المتأخر في الصدور، فهو متعلق بمدى قدرة المجتمعات العربية على الالتحاق بركب التقدم الحضاري بالنظر إلى ما هي عليه من وضعية مضطربة ومن تأخر في مجالات متعددة ، وفيما يخص الرواية الأولى وهي "دهاليز الحبس القديم" فكانت لها خصوصيتها لأنها كُتبت في مرحلة مبكرة يوم كان عمري لا يتجاوز 22 سنة واستغرقتْ الكتابةُ سنة واحدة، لذا أرى أن دواعي كتابتها كانت إلى حد ما ذاتية، وحتى لو افترضنا أن تأليفها كان تعبيرا عن ميل طبيعي إلى الحكي الروائي، فهي ذات علاقة خفية ببعض ملامح السيرة الذاتية ولكن جميع شخوصها من صياغة تخييلية، كما أنها في بنيتها العامة تبدو مُتحررة إلى حد كبير من العنصر الذاتي، وقد عالجت بشكل شبه رمزي الوضعية الاجتماعية والسياسية الحرجة في مرحلة السبعينات، وحاولت بلورة موقف انتقادي لما كان سائدا في الواقع من سلبيات وخلل في القيم. 

* تنقّلت في دراساتك النقدية بين عدد من المراحل من النقد السوسيولجي إلى النقد الأسلوبي ثم الاهتمام بنظريات التأويل وأخيرًا الجمع بين المناهج المتنوعة.. في هذا الصدد أود سؤالك حول جدوى استناد الناقد الأدبي في الوقت الراهن إلى منهج يطبقه بحذافيره على النص الأدبي.. هل يُنتج ذلك برأيك قراءات نقدية واعية ومضيئة للنص؟ وإلى أي مدى نجحت في مسألة الإفادة من مناهج شتى في قراءة النصوص الأدبية؟

2251 حميد لحميداني 2- جميع المناهج النقدية الأدبية لا تخرج عن غايات ثلاث بخصوص دراسة النصوص الأدبية:

أ - فإذا تم تركيز التحليل النقدي على البنيات الشكلية لمحاولة إثبات القيمة الفنية والجمالية أو توصيف التركيب النصي من خلال علاماته الخاصة، أو دراسة المضامين النصية وتركيباتها، فإننا نقول عندئذ بأن المنهج إما أن يكون بلاغيا أو فنيا أو شكلانيا أو بنيويا أو سيميائيا، فكل هذه المناهج تُعالج النصوص الأدبية من حيث طبيعتُها التأليفية ومحتوياتُها الدلالية المتفاعلة نصيا مع بعضها البعض. وأفرق هنا بين المحتوى الذي ينتمي إلى البنية الدلالية النصية وبين ما يسمى " المعانى " التي يجتهد القراء والنقاد في بنائها حسب طبيعة فهمهم أو تأويلاتهم، وهذا يشير الى تدخل ما في النص من الخارج بواسطة التأويل.   

ب - حين يركز التحليل النقدي للنصوص الأدبية على تحديد المؤثرات الذاتية والنفسية، سواء كان ذلك متعلقا بعلامات حضور المؤلفين في نصوصهم أو دراسة الخلفيات النفسية لشخصيات تمثيلية ،كما هو الحال في شخصيات الروايات أو مُمثلي المسرحية، يكون المنهج القائم بهذه المهام إما نفسيا أو نفسانيا.

ج - وعندما يتجه الاشتغال النقدي نحو تفسير المحتويات والأحداث النصية تاريخيا أو اجتماعيا أو سياسيا فستكون الممارسة النقدية تتجاوز النص الأدبي لربط النصوص بالمسارات التاريخية أو أحدات وتطورات اجتماعية أو مواقف سياسية. ويكون المنهج هنا إما تاريخا أو اجتماعيا. ونعتقد أن ما يُدعى عادة بالمناهج التأويلية لها ارتباط وثيق بالنوعين (ب، ج) المشار إليهما. 

لكل هذا نرى أن الاتجاهات النقدية المشار إليها ليس من اليسير استيعابُها ولا التفوق في تطبيقها إذا لم تكن لمن يقوم بتحليل النصوص معرفةٌ منهجية تؤهله للقيام بهذه المهمة. ومعظم المعارف التي مَكَّنَتِ النقاد من هذا التأهيل مُستمدة كما رأينا من مجموعة من العلوم الإنسانية وهي : المنطق واللسانيات وعلم الاجتماع والتاريخ وعلم النفس، وبعضها له سند فلسفي.

وتجدر الإشارة إلى أن معظم هذه المناهج تم دمجُها ضمنيا في نطاق السميائيات المعاصرة المعتمِدة على أرضية لسانية تقتضي الرجوع الدائم في كل اجتهاد تحليلي للنصوص أو أي تأويل لمعطياتها، إلى ضرورة إثبات ذلك عيانيا من خلال العلامات اللسانية الشكلية ووحدات المحتوى الدلالية. لذا نرى أن استخدام المناهج في تحليل الأدب هو عمل مُستنير ومعرفي، بعيدٌ عن الإسقاطات الذاتية أو الميل مع الأهواء والتسيُّب في التحليل.

كما أنه إذا جعلنا الأذواق الذاتية كافية لمعالجة النصوص الأدبية سيَعتبِرُ كلُّ قارئ عادي نفسَه في مستوى كل من كابد المحن في تحصيل المعارف المنهجية. وهذا عين الدعوة إلى " الشعبوية " في التفكير والسلوك والتي تعتمد مبدأ أن " غير العارف مُساو للعارف في المؤهلات، إن لم يتم الادعاء بأنه متفوقٌ عليه، وهذه بلية لا تَسود عادة إلا في المراحل التاريخية التي تَظهر فيها علامات الانحدار الحضاري لدى شَعبٍ ما.

ليس المُهم في دراسة الأدب أن نقول هذا النص رائع أو غير مَسبوق، بل ينبغي إثبات ذلك بالتحليل والمعاينة. وليس من السهل أن نقول مثلا بأن مدلول هذه الحكاية هو كذا أو كذا ولكن أن نُثبت بالمعاينة والإقناع الحِجاجي والمنطقي أو الترجيحي بأن هذا النص يوجهنا نحو هذا التأويل أو ذاك الفهم. هذا هو جوابي على قولكِ ما جَدوى أن يَستخدِم الناقدُ اليومَ مَنهجا مُحددا لدراسة العمل الأدبي؟ لذا أقول بأن جدوى ذلك كما رأينا هي أن يُقرِّب الناقدُ للقراء فهما أو تأويلا مُبرَّراً ومُعززا بالحجاج والمنطق والمعاينة النصية المُتشابِكة، وأن يجعلنا نقتنع بأن العمل المدروس يُضاهِي في قيمته التعبيرية والمدلولية ما هو موجود من النصوص سلفا.

ولا يكون ذلك في نظري مُنحصرا بالضرورة في تطبيق مَنهج مُحدد بحذافيره كما جاء في سؤالكِ، فالمعارف المنهجية متداخلة ومُتطورة على الدوام في هذا الاتجاه، وإمكانياتُ الدمج بينها مُثبتةٌ سيميائيا، كما أشرتُ سابقا. لا نجد خارج هذا الإطار المعرفي إلا معالم نقض المعرفة والارتجال والادعاء والغموض والأحكام العامة، وأحيانا المبالغة والتيهان في البحث عن الأنساق المضمرة، وهذا مِمَّا يُسهِّل تَعمُّد تَبخيس جهود النقاد الذين نذروا حياتهم لاكتساب المعارف المنهجية.

ما شرحتُه حتى الآن يُبين نظير ما سلكتُه في أعمالي النقدية الأدبية الخاصة فشِعارها التطوير الدائم للمناهج، وإحداث إمكانيات مُستمرة لــ " تفاعلٍ سيميائي" بينها. وهذا يناقض ما يُدعى بــ " بالنقد التكاملي" الذي يقوم على أساسٍ تلفيقي كما هو معلوم. أما إحداث التفاعل بين بعض المناهج أثناء التحليل فيكون مشروطا قبل الشروع في ممارسة تحليل الأعمال الأدبية باستيعاب الناقد للمعارف المتعددة، التاريخية والسوسيولوجية والنفسية والبنيوية والسيمولوجية...وهذه بالتأكيد مُهمَّةٌ صعبة لا تقوم إلا على غزارة الطلاع والتحصيل.       

* هل يمكن القول إن المناهج الأدبية مترابطة بوشائج لا يمكن فصلها أو إهمال جزء منها، لا سيما المناهج البنيوية وما بعدها. بمعنى آخر، هل من الممكن أن ينجح الناقد الذي يدرس منهجًا واحدًا ويطبقه ولا يمتلك سوى معرفة ضئيلة بالمناهج السابقة أو التالية له.. ما الإشكالية التي قد تواجهه في تلك الحالة؟

- في الإجابة عن السؤال السابق حاولتُ إثباتَ أن المناهج ظهرت مُوزَّعة على تَخصصات مُحددة، كل واحد منها يهتم بجانب من الظاهرة الأدبية، لكن الظاهرة الأدبية هي بنية واحدة تجتمع فيها كل اهتمامات المناهج، لذا فمن الطبيعي إذا ما تخصص ناقد ما مثلا في النقد النفساني الفرويدي، فإنه غالبا ما يكون شحيح المردودية في تحليل الجانبين البنيوي والاجتماعي في النص الأدبي، لأن تركيزه سينصب على الأبعاد النفسية والنفسانية، سواء كان ذلك من خلال استحضار شخصية المؤلف، إذا كان النص المدروس شعريا أو من خلال كشف المشاكل والعقد النفسية للشخصيات المُتَخيَّلة إذا ما كان ما كان النص الخاضع للتحليل سرديا. غير أننا وجدنا بعض النقاد في العالم العربي حاولوا التركيب بين بعض المناهج لضمان استيعاب ظواهر متعججة في النص الأدبي، وتجربة الناقد جورج طرابيشي بارزة في التركيب التفاعلي بين المنهج النفساني والاجتماعي. وقد أثمر مجهودُه في دراسة الرواية على الخصوص نتائج مُمَيَّزة.

على أنه بالرغم من ذلك، فالتخصص في النقد والتركيز على جانب مُحدد قد يقود إلى اكتشاف مُعطيات جديدة، كما حصل مثلا مع الأبحاث والتحليلات التي أنجزها الشكلانيون والبنائيون. وقيمة الأبحاث النقدية على العموم، لا تقاس فقط بمسألة تخصص النقد في منهج واحد أو تركيبه التفاعلي مع مناهج أخرى، وإنما  بمهارات الناقد التحليلية وما يُسنِدُها من معارف واسعة النطاق وموثوق بها، أما المعارف الضئيلة فلا تكون لها في أغلب الأحيان مردوديات تحليلية ملموسة النتائج.         

* اعتبرت في كتابك "سحر الموضوع" أن النقد الموضوعاتي بدرجة ما شكّل نواة للنقد الثقافي.. كيف تنظر إلى فكرة استبدال النقد الثقافي بالنقد الأدبي؟ وإلى أي مدى يُمكن أن يُقدم ذلك قراءة واعية وفارقة للنصوص الأدبية؟

- نعم أشرتُ إلى هذا فعلا في كتابي: " سحر الموضوع "، لأنني عندما دَرستُ النقد الموضوعاتي وأصولَه المعرفية في هذا الكتاب تبين لي أنه في عمقه ليس منهجا مُحددا، فمبادئه شديدةُ العمومية، لأنه يلتقط في تحليلاته كل الموضوعات والثيمات، كما أنه مُنفلت العقال في تجواله عبر النصوص وخارج النصوص على السواء مُجمِّعا، في غير نظام مُحدد، كلَّ إمكانيات المناهج الأخرى بما في ذلك ما هو خارج عن المناهج كالتذوق والمهارات الذاتية. ومبدأه الأساسي هو الحرية التامة في الحركة من النص إلى المعارف المختلفة.

هذه الخصائص تلتقي مع النقد الثقافي الذي يَعتبر النص الأدبي مجرد ذريعة لاكتشاف أنساق خارج نصية مُتحكِّمة في الإنسان. والفارق الأساسي بينهما هو أن النقد الموضوعاتي يحترم أدبية الأدب ودور الأدب الفاعل في حياة المبدعين والمجتمع على السواء، على عكس النقد الثقافي الذي لا يهتم بالأدب في حد ذاته، وأحيانا لا يكن له تقديرا، وإنما ينظر إليه كظاهرة ليس لها من وظيفة إبداعية ودلالية ذات قيمة سوى ما تكون دالة عليه من أنساق رمزية تتحكم في المبدع وغيره من أفراد المجتمع، وهذا ما يجعلُ النقد الثقافي منشغلا بالبحث عن علامات تلك الأنساق الخارجية أكثر مما يَعتبر الأدب إبداعا متعدد الوظائف الإيجابية بالنسبة للمبدعين والقراء على السواء. وأنا أتحدث هنا فقط عن الاتجاه الغالب في النقد الثقافي.          

* في إطار متابعتك لما كُتب عربيًا في مجال النقد الثقافي على مستوى التنظير والتطبيق.. ما أوجه التميز وكذلك الخلل فيما قُدم في هذا المضمار؟ وكيف يمكن تجاوز مشكلاته؟

2251 حميد لحميداني 3- من الضروري القول بأن الأدب في معظم الأبحاث الغربية والدراسات العربية المُنتمية إلى النقد الثقافي تَعتبِرُ الأدبَ ظاهرة "شاذة " يُجرِّبها الأدباء على أساس أنهم يبدعون شيئا مفيدا لهم ولمجتمعاتهم، ولكن واقع الحال أنهم من وجهة المنظرين للنقد الثقافي والتفكيكيين أيضا إنما هم ضحايا غير واعين بأنهم يعززون الأنساق الفكرية والثقافية التي تكون عادة مُدعَّمة من قبل مراكز سلطوية في المجتمع.

ونرى أن مثل هذا التصور ليس جديدا على كل حال، فهو مشروح في الكلاسيكيات الثقافية للمناهج السوسيولوجية الجدلية، لكن برغم إثباتها ارتباط الأدب بالايديولوجيات والسلط فإنها أكدت من جهة ثانية، وهذا هو المهم، أن الأدب يَحتفظُ بسلطته التأثيرية وقدرته على خِدمة الثقافة التي يُعبر عنها والتي تتفاوت قيمها بين شريحة اجتماعية أو أخرى، بمعنى أن الأدب في المجتمع ليس خاضعا في كليته لسلطة واحدة بحيث لا يكون له أيُّ دور ايجابي في انتقاد الواقع. وهذا على عكس تصور النقد الثقافي الذي ينظر إلى السلطة كنسق واحد في أي واقع اجتماعي على أنها ذات هيمنة تامة على الكل، ولا يفلت من إخضاعها أي نتاج أدبي مهما كانت قيمته الإبداعية ومهما كان لديه من أفكار وانتقادات جريئة وتحليلات جديدة.

ونرى أن واقع الحال يخالف هذا التصور، فحينما تُصادَرُ بعضُ الأعمال الأدبية، على سبيل المثال، بحجة أنها تمثل تشويشا على هيمنة النسق المهيمن فهذا يعني أن النسق لا يتحكم في جميع الأعمال الأدبية، ويترتب عن ذلك أن للأدب سُلطتَه الخاصة التي تنجح أحيانا في الانفلات من تحكم الأنساق الرمزية، وهذا ما لا يعترف به بعضُ النقاد الثقافيين بسبب أن لهم منظورا واحدا عاما ومُطلقا، كما أنهم يستبعدون حوارَية وجدلية الأفكار التي تُساهم في إثرائها الأعمالُ الأدبية ويكون لها دور في انتقاد سلطة أو تعزيز أخرى . وأعتقد أن مشكلة منظور النقد الثقافي عسيرة التجاوز إذا لم " يَعترف " نُقاده بأن للأدب دورا فَعالا في حياة الإنسان ومساهمةً مؤثرة في تطوير المُجتمعات إلى ما هو أفضل.                  

* كتبت العديد من الأعمال في مجال نقد النقد متعرضًا للحديث عن التطبيقات النقدية لعدد من المناهج مثل البنيوية والموضوعاتية والنقد التاريخي والنفساني. أود سؤالك حول رؤيتك لواقع نقد النقد في عالمنا العربي.. إلى أي مدى يحظى هذا المجال بدراسات جادة ومؤثرة؟ وما الذي يُكسبه أهمية أساسية في تطوير الدراسات النقدية؟

- أشرتُ سابقا إلى أن نقد النقد هو مَجالٌ ثري، لأنه ينتمي إلى الحقل الابستيمولوجي (أي مجال معرفة المعرفة) وهذا مَعناه أَنه يمثل معرفة تبحث في الكيفيات التي يَبني ِبِها نقادُ الأدب مَعارفهم  في تبني المناهج وتحليل النماذج النصية. وناقدُ النقد من هذا الموقع يبوء نفسَه ما يشبه منزلة " عارف العارفين في الحقل النقدي" على أن بلوغ هذه المنزلة ليس بالأمر البسيط، فالمفروض أن تكون معارفه أوسع نطاقا وأكثر تدقيقا، لأنه مُلزم بأن يتبحر في استيعاب جميع المناهج الأدبية وأصولها المعرفية والفلسفية، وأن تكون مصادره أصلية في معظمها وأن يُلِمَّ بتاريخ تطور المناهج النقدية قديمها وحديثها، كما أن معرفته ببعض اللغات ستُعَدُّ سندا أساسيا في تقريب المعارف الغيرية.

وإلى جانب كل هذا من الضروري أن يخضع إنجازُه في نقد النقد إلى منهجية عامة، لها ارتباط بالمبادئ التي تُدرس بها مُختلف العلوم الإنسانية، ومنها التَّجرد من التحيز، بمعنى ألا يتبنى ناقد النقد أي منهج من المناهج المدروسة، فخلاف ذلك يلغي الحياد المعرفي. هذا فضلا عن ضرورة استحضار الضوابط المنطقية والتحليلية والاستنتاجات التمييزية بين المنهاج من حيث وضوح التصور النقدي وفعاليته وغاياته من تحليل النص الأدبي، وهل هناك فعالية منتجة في معالجة واستيعاب البنيات النصية واستنطاقها وكشف ما هو متوار من مدلولاتها الاحتمالية.. الخ .       

* هل من نقاد عرب في الوقت الراهن ترى أن تجاربهم النقدية أصيلة وقادرة على تجذير اتجاه نقدي يُفيد من الجهود النقدية العربية القديمة فضلًا عن التشبع والفهم الجيد للأدوات المنهجية الغربية؟

- هذا سؤال يكاد يَطْلبُ ضمنيا في هذا الحوار تعيين أسماء نُقاد الأدب المُمَيَزين، بعيدا عن الإثباتات الملموسة التي لا يتم تفعيلها كما أسلفتُ إلا من خلال دراسات عملية تحليلية في مجال نقد النقد. وعلى كل حال يمكن أخذُ فكرة عن جملة من رواد النقد الأدبي من البلدان العربية في عدد من كتبنا التي عالجَتْ واقع النقد العربي من خلال تحليل بعض النماذج  خلال فترة طويلة نسبيا من تاريخ النقد الأدبي العربي الحديث، وقد ساعدنا  ذلك، إلى حد ما، في الكشف عن المجهودات الأساسية عند جملة من النقاد مع التمييز بينهم، لذا نحيل القراء على  كُتبنا التالية: " بنية النص الأدبي "  و" النقد النفسي الأدبي المعاصر"، و" النقد الروائي والاديولوجيا " و" سحر الموضوع" ليتعرف على كثير من الأسماء.

أما في الفترة الحالية فنرى مجموعة واسعة من النقاد العرب والمغاربة، من ثلاثة أجيال، يواكبون باقتدار مُعظَم الإنجازاتِ المتطورة في النقد الأدبي وخاصة في مُستجدات التحليل النفسي والنفساني والمعالجة الشكلانية والبنيوية وتطبيقات نظرية التلقي وكذا التحليل السيميائي للأدب. هذا دون ننسى كثيرا من المجهودات التي اهتمت بإعادة تأهيل تصورات النقد العربي البلاغي القديم مع إخضاع النصوص الأديية العربية القديمة والحديثة على السواء للتحليل بالمناهج الغربية. وعلى العموم نرى أن الكتب والمجلات الصادرة في العالم العربي في هذه الحقبة الحالية ناطقةٌ بأسماء المُساهمين في هذا العطاء النقدي المُميَّز بما فيه من محاولات جادة لاستعاب المناهج والنظريات والنقدية وتطويعها لتحليل النتاجات الأدبية العربية.

* كيف يمكن للنقد الأدبي في الوقت الراهن أن يتغلب على العديد من التحديات مثل: ظهور أشكال جديدة من الكتابة الأدبية الرقمية، النقد الأدبي الجماهيري ممثلًا في مواقع تقييم الكتب والبوكتيوب، بزوغ نجم النقد الثقافي مع عدم ثبات أقدامه بشكل مؤثر؟ 

- ليس هناك ضرورة مُلحَّة، في اعتقادي، تجعلُ النقد الأدبي الأكاديمي والمتخصص ينشغلان بما سمَّيتِه التَّغلُّب على العديد من التحديات المتعلقة بالكتابة الأدبية الرقمية والنقد الجماهري ثم ما أُفضِّل تسميتَه بظاهرة الكُـتــْيـُوبيَّة، وأصل التسمية اللاتيني المتداول هو booktUb، وأعزو ذلك إلى ما يلي: لم تُبرهن الكتابةُ الرقمية حتى الآن مُمَثَّلةً بنموذجها المشهور في العالم العربي وهو : رواية " شات " لمؤلفها الأردني محمد سناجلة.. أقول لم تبرهن هذه الكتابة الرقمية عن قدرتها على الاستمرارية أو إغراء مؤلفين آخرين باحتذائها لتحقيق تراكم يؤسس لنوع أدبي راسخ الحضور.

 ولعل سبب هذا التعثر راجعٌ إلى الاعتماد على آلية النص التشعبي  hypertexteالتي لا تقف عند استخدام اللغة بل تتعدى ذلك إلى الصورة والحركة والصوت والحوار والتنقل افتراضيا عبر المواقع التواصلية، فضلا عن أن المُغامرة التأليفية في هذا النمط الرقمي تقتضي امتلاك معارف أخرى متعددة غير الموهبة الأدبية، مثل البرمجة والإخراج الالكتروني والشبه سينمائي، مع توفر خبرات دقيقة في الصوت والصورة والإضاءة. كما نرى أنه حتى الآن لم يتم في العالم العربي رصدُ ناشرين مُشجِّعين، يتبنون نشر الكتابات الرقمية التشعبية. ورغم أن هذه الظاهرة " الإبداعية " خلقَت في بداية ظهورها اهتماما من قبل بعض المتتبعين والنقاد، فإننا نرى الآن أن الحماس في هذا الاتجاه قد خبا بشكل ملحوظ.

أما عن النقد " الجماهري "، فإسمه دالٌّ عليه، فهو نقدٌ عام مفتوح للجميع ومرتبط بمواقع التواصل الاجتماعي، كما أنه في جميع الأحوال يتشبث بالتحرر من أي ضوابط. ومع أننا لا ننفي كليا بأن بعض الآراء والصيغ النقدية الواردة فيه قد تكون دالة على ذكاء في الملاحظة والتقدير لأعمال أدبية يدور حولها النقاش، لكن هذه الآراء تكون غارقة وسط حوارات غير مُنظَّمة وتدخلات كثيرة خارجة عن الموضوع أو غير مُلتزمة بالشروط المعرفية، وأحيانا نراها تخرج عن نطاق اللياقة وربما تقع بكلامها في محذورات قانونية وأخلاقية. وهذا لا يؤسس مشروعا لتطوير النقد الأدبي بالشكل المطلوب.أما الظاهرة النقدية الكُتْــيُوبيَّة، فهي مجال يَميل إلى الدردشة المُنظمة حول الكتب تكون مفتوحة بالطبع لمشاركة المتخصصين وغيرهم، ويمكن اعتبارها أحيانا آراء شخصية سريعة أو انطباعية عن الكتب المقروءة أكثر مما هي تحاليل دقيقة أو مُوثَّقة عن تلك الأعمال.

ويبقى أن ما قد يشغل اهتمام وبال النقاد الأكاديميين والمتخصصين هو ما يُسمى بالنقد الثقافي الذي أشرتُ سابقا إلى طبيعته وأهدافه الأساسية، فكثير من المنشغلين به لهم فعلا بعض المعارف التي يدافعون بها عن تصوراتهم التي يكون هدفُها الأساسي هو إخراج النقد الأكاديمي والمتخصص من دائرة الاهتمام والأهمية، مع أنهما يجعلان الأدب في نطاق ما هو ايجابي باعتباره نتاجا له قيمة مُزدوجة، جمالية ومدلولية ذات علاقة حميمية بواقع الإنسان وأحلامه القادرة على مواجهة متاعب الحياة والبحث عن سبل التغلب عليها.

النقد الثقافي في معظم اتجاهاته لا يرى في الاهتمام بالأدب حاجة مرتبطة بوجود الإنسان وصيرورته بل يعتبره إنتاجا يُبَرهَنُ من خلال بنياته ومدلولاته على أن الإنسان خاضعٌ لأنساق اجتماعية تهيمن عليه وتتحكم فيه وأن فائدة الأدب الوحيدة عند التحليل هي أنه يسمح لنا بالكشف عن تلك الأنساق. هذا التصور الغالب في النقد الثقافي غايته الأساسية هي سحب البساط من تحت أقدام النقاد والأدباء على السواء، لذا يحق لهؤلاء أن يشعروا فعلا بالقلق على انشغالاتهم الهادفة.

على أنه من حسن الحظ أن الأدباء لم ينصرفوا أبدا عن خوض غمار تجاربهم الأدبية، لأنها مرتبطة بكينوناتهم وأحلامهم في تجاوز عقبات وأحزان الحياة ومواجهتها بصلابة ، كما أن النقد المؤسَّس على القيمة الإيجابية للأدب لا يزال يجد في النتاجات الأدبية بجمالياتها وأفكارها البناءة المُشاكسة لما هو مهيمن، ذريعة مشروعة لمزيد من الاهتمام بها وبوظائفها المتعلقة بتحسين الوجود الإنساني وتجاز كل ما يعرقل مساره نحو الأفضل. ولعل هذا بالذات هو ما جعلكِ الفاضلة حنان تقولين ضمن سؤالك الأخير هذا، بأن النقد الثقافي بِسبب عدم ثبات أقدامه لم يعد مُؤثرا ،كما كان عليه الأمر سابقا عند بزوغ نجمه. وهذا بالفعل ما هو حاصل في وقتنا الحاضر، فقد واصل النقد الأدبي أيضا حضوره الراسخ في أحتضان الأدب بشتى تجلياته الإبداعية والدلالية.  

 

حاورته: حنان عقيل

 

حنان عقيلنبيل ياسينالشاعر يتمرّد باسم الصامتين ولا يمكن له أن يكون شاعرا سياسيا ويكتفي بذلك

ترتحل تجربة الشاعر العراقي نبيل ياسين الشعريّة ما بين فضاءات عدّة، من الخاص إلى العام، ومن السياسي إلى الجمالي والكوني.. تجربة ثريّة بدأت منذ أكثر من أربعة عقود وقد أثمرت العديد من الدواوين التي جمعها الشاعر في مجموعة أعماله الكاملة، ورصد تفاصيل ميلادها في سيرته الشعريّة والذاتيّة “أوجاع الوردة”.

عقود طويلة قضاها الشاعر العراقي نبيل ياسين متنقلا ما بين المنافي، إلا أن شعره ظل قابعا هناك في العراق، ظل طيلة مسيرته الشعرية قابضا عليه في قصائده خشية أن يفلت منه وتهمله ذاكرته، إلى أن جاءت الفرصة ليعود إليه عام 2007 بعد ثمانية وعشرين عاما من المنفى. كان ما سجّله في ذاكرته عن بلده قد اندثر ولم يعد له وجود، وجد أنه قد انتقل من منفاه إلى منفى آخر إلا أنه ظل مُتمسكا بألا تلفظ ذاكرته الوطن. كتب: "هذا العراق، عراقي الشخصي، لا ملك عليه، ولا رئيس سواي، أعطيه أغنيتي ومنفايٓ الكبيرٓ، وأصطفيه خليلٓ أيامي، وما ملكت يداي".

إلى نص الحوار:

- في "أوجاع الوردة" سيرتك الشعرية والذاتية، نلحظ مزجك ما بين فصول حياتك وعملك السياسي والشعري وفيها توضح ظروف ميلاد قصائدك وخروجها إلى النور.. كيف تشكّلت فكرة هذا الكتاب لديك؟ وماذا كان الدافع وراءه؟

- أوجاع الوردة، سيرة لمنابع ومصادر قصائدي وأفكاري، كل قصيدة تتدفق من مواد، المدينة،البيت، الطبيعة، التاريخ، الأسطورة، المرأة وغير ذلك من مواد تخلق الشعر، ولذلك فإن أوجاع الوردة هي الوعي واللا وعي، المحسوس واللا محسوس الذي يحول الكلام إلى شعر.

الشعر فيض، وهذا الفيض ينبع من الموجودات، من النهر الذي يخترق المدينة معطيا لها السحر في الليل حيث كل الحيوات والكائنات تحت سطحه في المياه المتلألئة بفعل مصابيح الجسر، حتى الجنيات اللواتي يسبحن ثم يخرجن إلى سطح الماء ليمشطن شعرهن الأسود بأمشاط خشبية، الأبواب، والشبابيك والشرفات التي تمد القصائد بالصور والأشكال والإلهامات المتحركة، الأشجار والطيور والطفولة والأزقة، الناس والأشياء، كل ذلك مصادر ومنابع للشعر، للسحر الذي يمارسه الشعر.

هكذا تكونت أوجاع الوردة لتكون تأويلا، تأويلا روحيا لما هو مادي وموجود ليكون روحيا وعاطفيا في الشعر. هناك أيضا حياة العراق اليومية، المؤسسة على الحضارة والتاريخ القديم والحديث، الحياة بعد ثورات الطلبة في فرنسا وأوروبا، الحياة بعد موت جيفارا، الحياة بعد العواصف والاضطرابات التي جعلت من الثورة والوجودية أحد العناوين الجديدة للحداثة، الحداثة التي مضت بها الفلسفة الحديثة على يد فوكو وألتوسير وغيرهما إلى تأسيس مفاهيم جديدة عن الدولة والإنسان، والعدالة والحرية والأخلاق.

ربما كان الدافع وراء كتابة أوجاع الوردة هو استرجاع الألم الذي كان يتدفق أثناء كتابة كل قصيدة، الألم المشارك مع كل عنصر مادي من عناصر الحياة، الميلاد والموت، الألم واللذة، المدينة والطبيعة، الروح وما بعد الطبيعة، الاستماع مجددا إلى أبواق وصيحات قبائل الستينيات الشعرية وهي تخفق برايات العالم الخارج من السجون والهزائم إلى ماراثون جديد للوصول إلى الحياة.

كنت أحمل رأسي على كتفي قلقا مهتزا في لجة الفيض المتسع من الشعر والأسطورة والأدعية والمناجاة صارخا:

هاكموا رأسي خذوه

واصلبوه

هائما في شوارع بغداد وأزقتها وفي دروبها وسككها القديمة أنشد الشعر المتدفق من الينابيع

وأركب مهرة الاحلام من بلد ٍ الى بلد ِ

وفي رأسي قصائدُ من شجونٍ بعد لم تلدِ

كنت أمشي وأنثر الشعر على الطرقات مغنيا قصائد (البكاء على مسلة الأحزان) واحدة بعد الأخرى وهي تفيض مع الفيض الشعري المتدفق من شعراء كنت أقرأهم دون أن أعير اهتماما بمكانهم.

صعد الشهداء من التاريخ ودخلوا سحر اندفاعي اللا متناهي مثل سهم مارق بسرعة الضوء، صعد إلى قصائدي، صوفيون وصعاليك وثوار، صالح بن عبد القدوس، البشار،الحلاج.

إنني الشاعر يامولاي

ضلعي ريشةٌ، وجبيني الورقة

وأنا الحلاج يامولاي

والحلاج في كل العصور

عالق بالمشنقة

١٩٦٩

- ما مدى انطباق هذه المقولة للشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي على لحظات ميلاد القصيدة عندك: "الشاعر يبدأ غالبًا من القصد، ثم لا يلبث أن تسحبه تداعياته إلى المعنى أو المعاني التي طالما حبسها في قمقمه الخاص الذي هو لا وعيه، فإن هو قارب اللغة التي هي فضاء الجماعة المشترك انطلقت معانيه الحبيسة ترفرف في هذا الفضاء بالرغم منه"؟

- الشعر هو اللا وعي الناتج عن الوعي، كل ما قبل كتابة الشعر هو وعي ومادة، محسوس ومرئي، معاش ومجرب، ولكن ما إن تبدأ كتابة الشعر حتى تذوب كل تلك المحسوسات والمجربات والمرئيات والموجودات وتنحل مثل قطرات الندى وتتحول إلى شعر، ينتهي دورها حالما تبدأ الكتابة، تتحول إلى مصادر وليس إلى أصل. الشعر لا تصنعه القراءات فحسب، فهذه القراءات تشبه تعلم اللغة في الطفولة، فبعد ذلك لا يعود تعلم اللغة ذا شأن وإنما كيف تكتب وتفكر وتقرأ.

أؤمن بأن الشعر إلهام كما أقر بذلك أرسطو، وأوافق ارشيبالد ماكليش في أن الشعر تجربة، وأوافق كوكتو بأنه ضرورة، وأوافق على التعريف العربي الشائع بأنه الكلام الموزون المقفى، وأوافق أبا هلال العسكري بأنه صناعة وأوافق الجاحظ بأنه التقاط الساقط وتحويله إلى ذهب، ولكن كل ذلك يرتبط بزمكان الشاعر ورؤيته وقدرته على ممارسة السحر والعيش في فيض يختص به وحده.

ليس هناك وعي لحظة كتابة الشعر، الوعي بالحياة والعالم والتاريخ والفلسفة والميلاد والرحيل، والإقامة والمنفى وعي ما قبل البدء بالكتابة، استعدادات ومؤن ووسائط لكتابة القصيدة، لا وعي لحظة الكتابة، جربت أن أكون واعيا لدى كتابة القصيدة، فلم أستطع الرحيل في طريق القصيدة فأهملت كل لحظة واعية، لأن ما يأتي من هذا الوعي ليس سوى تصميم سيئ وهندسة عشوائية مشوهة، فلنقبل بما قاله أرسطو عن الإلهام في الشعر، أيا كانت صورة هذا الإلهام وتأويله.

حين منعت وزارة الثقافة ديواني الشعراء يهجون الملوك عام ١٩٧٤ كان الأمر طبيعيا، أنت تهجو سلطة تريد أن تجيز هجاءك، كان (الخبير) شاعرا بلا وعي قبل القصيدة وبوعي كامل ومضلل لحظة الكتابة، إنه شاعر عقائدي يملك فرن صمون إلى جانب كونه موظفا في الوزارة، لا يعرف معنى التمرد ولا معنى الفوضى ولا معنى العبور في هذا العالم، إنه يأخذ وظيفته كأحد الرجال الضفادع لحراسة العالم السفلي الذي تحكمه آلهة الجحيم ارشكيجال أخت عشتار آلهة الحب والجنس.

- هل يمكن القول إن تجربتك السياسية كانت رافدًا رئيسيًا في اختياراتك وكتاباتك الشعريّة ولولاها ما كتبت كثير من القصائد؟ وما هو الحد الذي تراه فاصلا وواجبًا بين الهم الشعري والهم السياسي؟

- ليس لي تجربة سياسة بالمعنى الحزبي والأيديولوجي. كنت دائما أصرح بأننا مثقفون تنويريون في بلدان يمارس فيها السياسيون أدوراهم الظلامية في السلطة وخارجها، لذلك وقعت علينا مهمة التنوير الفكري والسياسي. الغريب أن كل الذين يروجون عني تهمة العمل بالسياسة هم أدباء حزبيون ملتزمون بالعقائد الديماغوجية الشمولية الإقصائية.

مع هذا مَنْ من الشعراء نجا من ثورية الستينيات والسبعينيات؟ كانت كل قضايا ما أسميناه حركة التحرر الوطني مشتعلة ويتصاعد دخانها من فلسطين إلى فيتنام ومن نيكاراغوا إلى أنغولا. ألم يكن أكثر الشعراء العالميين حضورا لدينا هم نيرودا وأراغون وأيلوار وناظم حكمت. الشعر مقيم والسياسة مترحلة، لا يمكن لشاعر أن يكون شاعرا سياسيا ويكتفي بذلك. حتى نزار قباني، شاعر المرأة كما أشتهر عنه كتب القصائد السياسية التي يحفظها العرب أكثر من بقية قصائده.

نعم، ما عشناه من تقلبات سياسية: ثورات، انقلابات، انتفاضات، ديكتاتوريات، استبداد، سجون، أفكار، عقائد، لم تحصن أي شاعر عربي من تحويل هذه التقلبات إلى مادة شعرية، إلى مصدر وينبوع، حتى في استعارة الأقنعة من التاريخ. فالشعر جزء حيوي من الصراع في الحياة. والشعر إنساني بقدر ما هو نتاج المرحلة التي يعيشها الشاعر. وحين دخلت الفلسفة في شعري تبدلت القصيدة لتكون أكثر كونية وأكثر عمقا في الرؤية،هذا إذا كان من حقي أن أتحدث عن شعري.

- كيف تنظر إلى ديوانك الأول "البكاء على مسلة الأحزان" الآن بعد عقود من كتابة الشعر خصوصًا وأن أعمالك الأخيرة جنحت نحو قصيدة النثر؟ وهل يمكن الحديث عن تطورات وتغيرات كبيرة في نصوصك الشعرية ظهرت بمرور الزمن واتساع التجربة؟

- البكاء على مسلة الأحزان كان فيضا من فوضى الاإقامة في الشعر يوميا. لا أتذكر أن يوما مر، قبل صدور الديوان، دون أن يكون يوما شعريا، قراءة وكتابة وإلقاء، كانت الكليات العراقية، بما فيها كليات الطب والهندسة تقيم احتفالات شعرية، كنا ندعى إلى قراءة الشعر، وكم مرة وجدنا أنفسنا على سبيل المثال، أنا ولميعة عباس عمارة وعبد الرزاق عبد الواحد ويوسف الصائغ وآخرون، ندعى لمهرجانات الجامعة لنقرأ شعرا.

في عام ١٩٦٩ دخل علينا، بينما كنا على المسرح في قاعة الحصري في كلية الآداب، والشاعر حميد الخاقاني يلقي قصيدته، شعراء مؤتمر الأدباء فكان ممن دخل أدونيس وأحمد عبد المعطي حجازي الذي شاركنا نحن شعراء الجامعة آنذاك وقرأ قصيدة كما شاركنا يوسف الصائغ فقرأ قصيدة أيضا بينما كان هناك عشرات الشعراء العرب يسمعون.

كانت الجامعة آنذاك مسرحا للحياة الشعرية وميدانا للإنتاج الثقافي. وكانت نازك الملائكة وعاتكة الخزرجي ومهدي المخزومي وعلي جواد الطاهر وإبراهيم السامرائي، وهم شعراء وأدباء وأساتذة معروفون، في تلك المرحلة والآن أيضا، هم من يشرف على مهرجان كلية الآداب بحيث صار يثير شهية شعراء من خارج الجامعة للمشاركة، كما كان الشعراء العرب يتوافدون على بغداد والبصرة والموصل. كنا نلتقي محمود درويش ونزار قباني ومحمد الفيتوري وعبد الله البردوني وغيرهم في مهرجانات المربد في البصرة وابي تمام في الموصل في مطلع السبعينيات إضافة إلى الشعراء العراقيين، الجواهري والبياتي وبلند الحيدري وآخرين قبل أن تتحزب الحياة الثقافية وتنحط الثقافة وتتحول إلى أيديولوجيا ودعاية سياسية

في "البكاء على مسلة الأحزان" كانت هوامش لأغلب القصائد التي استعارت أقنعة الحلاج، وصالح بن عبد القدوس، وبشار، وغيرهم من الشخصيات التي واجهت مصائر ثوراتها وقناعاتها، وكانت تلك الهوامش معتمدة على مصادر ومراجع الشعر والتاريخ والسير، وربما كانت تلك التجربة أول تجربة في استخدام المراجع للقصيدة.

لكن ما هي أهمية ذلك الديوان في حياتي الشعرية؟ إنه الأهم رغم أنه لم يعد سوى التجربة الأولى، حيث الثورية الشعرية والغنائية العالية والاحتجاج والتمرد والرفض والصراخ بصوت عال ضد فقدان الحرية وضد غياب العدالة. إنه فتح طريقا طويلا جدا وصعبا جدا للسير في الحياة المضطربة التي صعدت مع قصيدة الشعراء يهجون الملوك التي نشرت في مجلة مواقف عام ١٩٧٢ التي كانت ممنوعة في العراق، ومع قصيدة الاخوة ياسين (١٩٧٤)، وكلا القصيدتين تحولتا إلى عناوين لمجموعتين شعريتين.

- ما الأبعاد التي يضيفها توظيف الأسطورة على شعرك؟ وهل تمثلها يتم بقصدية أم أنها تسعى إليك أثناء الكتابة؟

- لكن ما هي الأسطورة؟ هل هي طفولة البشرية؟ غالبا ما أشبه الأسطورة بأفلام ديزني الكارتونية، ففيها يحدث ما لا يمكن أن يحدث في الواقع، ولو لم تنشأ الاساطير ما كنا استطعنا الحياة بدونها، ليس لأنها تصنع مخيلتنا فحسب، ولكن لأنها بالضبط الحياة الأخرى التي كان علينا أن نحياها مع من عاش فيها آنذاك. الأسطورة السومرية أو البابلية، أي الأسطورة الرافدينية ليست فقط مهد البشرية الثقافي والحضاري وإنما هي قدرة الانسان على خلق عالم آخر كما يريده هو لا كما تريده الآلهة فقط.

تجلت الأسطورة في شعري، خاصة في ديواني (صهيل في غرفة) الذي صدر عن الهيئة العامة للكتاب في القاهرة عام ٢٠٠٢، باعتبارها مادة حياتية وليست إعادة إنتاج لها، فالحياة في الأسطورة هي الحياة في الفيض البشري الذي تجلى وفاض في مواجهة العالم غير المفهوم وغير المحتمل.

الأسطورة مصدر حالها حال المصادر الاخرى للشعر. وهي حيوية لدي ربما أكثر من غيرها. ففي قصيدة "بلاد الرافدين" المنشورة في كراس عام ١٩٩٥ بعنوان مناحة على بلاد الرافدين، يمكن القول إن جزءًا كبيرا منها كان إعادة إنتاج لأساطير بلاد الرافدين. فالمرأة في مطلع القصيدة إلى نهايتها هي امرأة عراقية تتغير بتغير الآلهة من سومر إلى نفر إلى الوركاء إلى أريدو، لكنها في نهاية الأمر، امرأة من هذا الزمن، خرجت عبر أزمان طويلة جدا من المآسي والحروب والموت والحزن والبلاء، مرت عبر العصور والحقب الزمنية لتكون في نفس المكان، مكان السحر والفيض، مكان الولادة والخصب من إينانا إلى عشتار إلى كل إمرأة عراقية يخرج ابنها من رحمها ليذهب مباشرة إلى الحرب ويسقط هناك.

كيف يمكن لي، على المستوي الفردي، أن لا أرى الاشياء كما رآها الشاعر الرافديني من قبل وطاف بها في العالمين، العلوي والسفلي، ليفهمني معنى السحر والخلق. خلق عالم نصفه إله ونصفه بشر ليمزج الحياة الأرضية بالحياة السماوية. والآن علينا التفكير بجدية في قدرة إنسان دويلات المدن في سومر ونفّر والوركاء ولكش وأريدو وغيرها أن تخلق عالمين متصارعين في الفضاء بين الأرض والسماء لتشكل من هذا الصراع قدرة البقاء والعيش على الأرض.

- ما الذي يُمثله الزمان في شعرك؟

- هذا موضوع أساسي في الشعر. عام ١٩٩٨ كانت لي أمسية شعرية في مدينة لايبزغ الألمانية. بعد القراءة كانت هناك أسئلة. طرح الشاعر السوري المقيم في المانيا عادل قرشولي سؤالا عن الزمان في شعري. كان السؤال يستدعي السؤال عن المكان أيضا. وكانت ملاحظته مهمة بالنسبة لي خاصة مع غياب النقاد وتراجع النقد. في شعري يرتبط الزمان عادة بالمكان. إنه زمكان يملأ فضاءات كثير من قصائدي. الزمن يتجمد ويتحول إلى جسور كما في مقطع

جسور الرصافة والكرخ أزمنة جامدة

وبغداد آخر أمكنة الله حين تقوم القيامة

ويعلو الضجيج

وفي قصيدة نزهة :

والجسورُ زمان تجمد في لحظة ٍ

في قصيدة (الاخوة ياسين.. مرة ثانية) يبدو الزمن متوحدا مع المكان:

في الطريق ِ إلى قبر ياسين، َ

أوقفني الزمنُ المتمد عند الضفاف

الزمانُ قصيرٌ

وأنا أهرم في وحدتي

وتكتهل الروحُ في ورطتي

وأنا والطريقُ إلى العائلة

كلانا وحيد

وكلانا انتهى عند وحدتِهِ

واتحدنا معاً وانتهى في خطاي

- ما أهمية القارئ بالنسبة لك في أثناء كتابتك للقصيدة؟

لا تفكير في لحظة الكتابة الشعرية، التفكير قبل القصيدة لخلق الرؤية الشعرية، لكن أثناء الكتابة هناك رؤيا وليس رؤية. بالنسبة لي،كما قلت، الوعي يتحول إلى اللا وعي لحظة الكتابة. حين اعود لقراءة بعض قصائدي بعد سنوات، اتساءل كيف كتبت حقا هذا الذي كتبته؟ وحينئذ اكون متأكدا انني لم اع ماكتبت، كما لو انه كتب نفسه بنفسه،كما لو انه عمل خارج وعيي وادراكي

حينذاك لا أكون الشاعر وإنما المتلقي الذي ربما لم أفكر به أو فكرت به باعتباره جزء من اللاوعي، ففي نهاية المطاف تتوجه القصيدة لقاريء، ولابدأن يكون التفكير في القاريء جزء من خلق الرؤية الشعرية ليغيب معها حين تغيب وتتحول إلى رؤيا، تبدأ ملحمة كلكامش ببيت ماوراء طبيعي، إلهي غيبي :

هو الذى رأى كلّ شيءٍ

فغني بذكره بابلادي

ربما يختصر هذا المعنى تحول الرؤية المحدودة إلى رؤيا شاسعة تعبر حدود العالم المرئي. اليوم يقل الشعر ولكن مصادره تتسع. لذلك يصبح اكثر صعوبة رغم هذا الكم الهائل من الكتابة، النمطية، التي يقلد بعضها بعضا وكأنها قالب، قالب لصب اللغة فيه، تماما كطين في قالب لإنتاج طابوقة، هذا وعي زائف عن الشعر مهما كثر الكلام عن الحداثة. وماهي الحداثة وماهي ما بعد الحداثة؟ ليس هناك مجانية في تناول المصطلحات كما في بلداننا. واذا مضينا مع ماكس فيبر لنزع السحر عن العالم حي نتحدث عن الحداثة والعلمانية فاننا سنكون قد مارسنا الضحك على انفسنا وعرضناها للسخرية اذا اعتبرنا ما نكتبه من شعر اليوم هو البرهان الوحيد على (حداثتنا) فيما نغرق حتى أعناقنا في قداسة سحرية تمتد من السياسة حتى نمط العيش المغلق، إذ تحدد القداسة حتى طريقة دخولنا إلى الحمام.

- بدا منذ ديوانك الأول "البكاء على مسلة الأحزان" ثم "الشعراء يهجون الملوك" الذي منع من النشر لفترة، وكأنك الشعر نفسه مادة مشغولة من مواد مختلة تختلط فيها الاحلام والاوهام، الميثولوجي بالواقعي، الطبيعي والماوراء الطبيعة، السحر والالم، الميلاد والرحيل، الوطن والنتفى،المرأة والالهات القديمات قررت أن تكتب شعرًا ينتهج التمرد (إنني الشاعر يا مولاي/ ضلعي ريشة وجبيني الورقة/ وأنا الحلاج/ والحلاج في كل العصور عالق بالمشنقة).. هل كان الشعر وسيلتك للتمرد والرفض حينما بدأت كتابته؟

- نعم، الشعر وكل الفنون الجميلة، التي تشتغل في البحث عن الجمال والمعنى الجميل للعالم،هي وسائل للتمرد على ماهو قبيح في هذا العالم. لماذا تنتمي العدالة إلى الجمال؟ لانها تزيل قبح الظلم. ولماذا تنتمي الاخلاق إلى الجمال؟ لانها تزيل قبح الفساد. ولماذا تنتمي الحرية إلى الجمال؟ لانها تزيل قبح الاستبداد

الشعر محاججة، بكل ما تتضمنه من اختلاف وبرهان ونتيجة. ولذلك يكون الشعر تحديا للتحديات الشمولية القبيحة التي تطرد الجماليات من موقعها لتستولي عليه، التمرد في الشعر هو تمرد في الحياة، لا يمكن أن يكون التمرد في الشعر منفصلا عن التمرد في الحياة، أو أن يكون التمرد من الأغراض الشعرية كما كان في القديم، الهجاء أو المديح، النسيب أو الحماسة، التمرد على النمط يعني رفض القاعدة السائدة وهي قاعدة القبول بالأمر الواقع، وهو واقع غير إنساني، لذلك فإن الشاعر يتمرد باسم الصامتين.

- سنوات من الاغتراب والإقامة ما بين المنافي ولم تغادر العراق ذاكرتك وشعرك.. ما السبب؟ هل المنفى يُرسخ صورة الوطن ويُكثف الأحزان على فراقه؟ أم أن ذاكرتك هي التي لا تزال عالقة هناك في العراق؟

- قبل أن أعود إلى العراق لاول مرة عام ٢٠٠٧ بعد ثماني وعشرين سنة في المتفى، كنت اعيد تشكيل العراق في الشعر، من الذاكرة. وحين عدت من العراق سألني مذيع البي بي سي عن نهاية المنفى،فقلت له انني ذهبت إلى العراق من المنفى وعدت إلى لندن من المنفى، فالعراق تحول إلى منفى ثان. دافعت عن بقاء العراق فيّٓ، في قلبي،في وجداني، وفي ذاكرتي، دافعت عنه ككيان وجودي لايتحطم، وقد عانيت كثيرا حتى انني كتبت

هذا العراق،عراقي الشخصي

لاملك عليه

ولا رئيس سواي

اطيه اغنيتي ومنفايٓ الكبيرٓ

واصطفيه خليلٓ أيامي

وماملكت يداي

كم هو صادم أن يكون شعرك قد فقد الامل بسحره، وكم هو فاجع أن يكون الوطن حطاما على الارض وحلما في ذاكرتك؟ ما أزال منفيا. المنفي هو ذلك الانسان الذي ينتظر العودة إلى وطنه. المنفى يعيد بناء الوطن البعيد. والوطن في الذاكرة يقاوم معاول المنفى. تلعب اللغة دورا عميقا ضد المنفى فيما يلعب المنفى دورا تخريبيا ضد اللغة.

 لم يكن سهلاأن يكون المنفى تنقلا مستمرا، فهذا هو معناه الجوهري لغويا وحياتيا. المنفى يجعل الانسان أرقّ كلما فكر بالوطن الذي يصبح امتن واقوى. ليس للمنفى سوى قاعدة واحدة يقوم عليها، إنه يعمل عليها يوميا، وهي أنه يلقيك في صراع مع فقدان الذاكرة عن الوطن، المنفى عالم مغلق ينهي انفتاح الوطن. واقامتي في المنفى كانت جهدا يوميا لكي لا يقتلعني المنفى من وطني.

قاومت من أجل البقاء في الجماليات مقاومة عنيفة للمنفى رغم أنها صامتة في أغلب الاحيان تتجلى في الشعر. المنفى يريد من المنفيّ أن يبقى وحيدا لكي يبتلعه، يأخذ منه القارب الوحيد الذي يبحر فيه المنفيّ وهو ذاكرته. وربما ليس غريبا أن يكون لي أربع أو خمس قصائد بعنوان البيت، يتكرر العنوان دون وعي.

في قصيدة "حدثني يا أبتي" التي كتبتها عام ١٩٩٧ ونشرت في الحياة آنذاك، فوجئت وتفاجأت بانبثاق كل التفاصيل الصغيرة التي شكلت موضوع القصيدة وصياغتها. نعم،فوجئت بها لأني لم أكن أفكر بأن كل تلك التفاصيل كانت في ذاكرتي منذ الطفولة حتى وطأت قدماي أرض المنفى، للمفارقة فإن أول كائن أزعجني وأزعج ابني الصغير في المنفى كان كلب سائقة التاكسي الذي ظل ينبح في وجوهنا طوال الطريق، ومنذ ذلك الوقت، وبعد ثمانية وثلاثين عاما، ما زال ذلك الكلب ينبح في وجهي.

 

حاورته: حنان عقيل

 

 

علي رسول الربيعيهذا حوار هو نتيجة نقاش مع مجموعة من الأساتذة (الزملاء) عن قضية التعليم والاستقلالية والفضيلة المدنية. وقد وجهت لي هذه الأسئلة في سياق النقاش وكانت إجاباتي بعد تحريها وإعادة الصوغ لبعضها كالآتي:


س/ ماهي التربية في علاقتها بالتعليم من وجهة نظرك؟

ج// التعليم هو أن تكون هناك طريقة واضحة لمحاولة تنمية ميول مثل الإيثار المشروط. فالتعليم يعني القيادة أو الاستنتاج، وينطوي على تطوير الإمكانات داخل الشخص. ويمكن أن يتكون هذا من نشاط استخلاص قدرة معينة، مثل القدرة على أداء بعض المهارات أو الحرف. ومما له أهمية جدا هو ترسيخ الفضيلة المدنية الاستقلالية.

فكثيرًا ما جادل المنظرون بضروري ترسيخ الفضيلة المدنية في "تعليم وتربية الرغبة". يعني هذا أننا يجب أن "نسعى لتأمين أولويًة الخير العام على الخاص ولكن ليس من خلال إخماد أو تبعية الرغبات الشخصية وتشكيلها بدقة. إذا كان الإيثار المشروط مكونًا رئيسيًا فيبدو الدفاع عن "تربية الرغبة" مهما ايضًا. طبعا ليس من الممكن ولا من المرغوب فيه أن نأخذ تفضيلات الناس كما هي معطاة، لكن هذا لا يعني تشكيل الرغبات والعواطف بدقة وضبط.

س/ ما هو هدف التربية والتعليم؟

ج// بالنسبة لي، إن جزءًا من هدف التربية والتعليم هو مساعدة الناس على العيش بشكل مستقل. فالتعليم كما أرى تمكين الناس من التحكم في رغباتهم وشغفهم حتى يتمكنوا من العيش كأفراد مستقلين في مجتمع مع أفراد مستقلين آخرين.

س/ ماذا يعني تنمية الاستقلالية في التربية والتعليم؟

ج// الاستقلالية، هي القدرة على عيش حياة ذاتية الحكم، وتشمل قدرة المرء على التفكير في معتقداته ورغباته وظروفه؛ ولقيادة الطلاب إلى مثل هذا التفكير يكون من خلال اطلاعهم وتعليمهم، في الوقت المناسب وبطرق مناسبة، لمعتقدات وممارسات مختلفة، وهذا يعني تنمية الذات ايضًا.

س/ ماذا تعني الفضيلة المدنية في التربية والتعليم؟

ج// الفضيلة المدنية هي النزعة للعمل لصالح المجتمع ككل؛ لا يمكن لمثل هذا التصرف أن يتطور في مجتمع متنوع ثقافيًا إلا إذا اكتسب الطلاب إحساسًا واقعيًا بكيفية اختلاف أعضاء مجتمعهم عن بعضهم البعض.

س/ إذا كان ادعاءاتك تقدم تفسير مقنع لأهداف التعليم وهي كما تقول: تعزيز الاستقلالية والفضيلة المدنية. ألا يفترض هذا الادعاء أنه يجب أن يكون هناك غرض أو مجموعة من الأغراض التي تحدد التعليم؟

ج// يبدو أن المدارس مثل المؤسسات الأخرى بحاجة إلى أدراك الهدف والاهتمام بفكرة عما يفترض أن تفعله والذي يوجه أنشطتها ويضع معايير لتقييمها. أن المدارس العامة، مُوجَّهة لمتابعة التميز الأكاديمي. وكذلك فيما يتعلق بمهمتها التربوية، ولكن دون إصدار أي أحكام قيمية؛ ودون اتخاذ موقف بشأن القضايا الجدالية في كل مجتمع.

س/ كيف يكون الحل الواضح لهذه المشكلة؟

ج// يكون الحل الواضح لهذه المشكلة في إيجاد أو صياغة إجماع على الغرض أو الأغراض المناسبة للتعليم. هذا هو المسار الذي أراه مناسبا.

س/ ولكن ألاً ترى أن هناك طريقة أخرى لحل المشكلة متمثل في التوجه نحو السوق من قبل أولئك الذين يتصورون المواطنين كمستهلكين؟

ج// نعم هذا نهج معروف وشائع التعليم ويسمى بنهج او مقاربة الاختيار وهو يتألف من ثلاث خطوات: (1) التخلي عن الأمل في التوصل إلى توافق في الآراء بشأن غرض (أوضاع) التعليم؛ (2) السماح لكل مدرسة بتحديد غرضها (أغراضها)؛ و(3) تشجيع المنافسة بين مجموعة متنوعة من المدارس التي تسعى إلى مجموعة متنوعة من الأهداف.

فكما يرى ممثليه: ليس للمدارس هدف ثابت. يعتمد ما يفترض أن تقوم به المدارس على من يتحكم فيها وما يريد هؤلاء المتحكمون منها القيام به. وبالتالي، فإن الحل الأساسي للمشكلات التعليمية هو اعطاء الحرية للمدارس لمتابعة أي أهداف تراها مناسبة، وبالتالي منح الحرية للآباء والطلاب من اختيار المدارس التي تناسب تفضيلاتهم. بعبارة أخرى، يجب أن تتنافس المدارس على العملاء في السوق، وستجد المدارس الناجحة مكانها المناسب.

س/ بما أنك شرحت هذا النهج في التعليم، فهل يمكنك ان تشير ولو الى بعض مزاياه؟

من المؤكد أن هذا النهج في التعليم له مزاياه، إنه فقط في أكثر أشكاله تطرفاً، فإن "الاختيار" التعليمي يفلت حقاً من الحاجة إلى التوصل إلى نوع من الاتفاق حول أغراض التعليم.

س/ وإذا كنا لا نرغب في اتباع عقلية السوق إلى هذا الحد ماذا علينا أن نفعل؟

ج// يتعين علينا مواجهة مهمة إبرام اتفاق بشأن أغراض التعليم، أو بشكل أكثر تحديدًا، ما نريد أن تقوم به المدارس. ليست هذه مهمة سهلة في مجتمع حديث تعددي لكنها ليست مشكلة مستعصية أيضًا. هناك أهداف تعليمية، وإن كانت عامة، تحظى بدعم واسع النطاق. يتضح هذا في التمييز الضمني الذي يتم رسمه بشكل فردي بين مختلف المدارس المتخصصة - مثل كليات إدارة الأعمال، وما إلى ذلك. بالطبع الغرض من هذا الأخير ليس إعداد الناس لمهنة أو نشاط معين فقط ولكن بطريقة ما إعدادهم للحياة. بعبارة أخرى، هناك فرق بين التدريب، وهو عمل المدرسة المتخصصة، والتعليم، وهو عمل المدرسة على هذا النحو.

س/ ألا تشير هذه الفروق إلى أن مهمة التوصل إلى إجماع حول أهداف مدارسنا ليست ميؤوس منها؟

ج// نعم ولكن حتى لو أضفنا أن الغرض من التعليم هو بطريقة ما إعداد الناس للحياة، فلا يزال يتعين علينا التوصل إلى اتفاق بشأن ما يستتبعه "إعداد الناس للحياة". نظرًا لتنوع الآراء حول كيفية عيش الحياة، فليس من السهل رؤية كيف يمكن القيام بذلك. اقتراحي هو على الإجابة أن تكون بدون تحديد طريقة معينة للحياة بوصفها الطريقة التي يجب على الجميع اتباعها. المهم أن يكون الناس مستعدين لممارسة الاستقلال الذاتي ولعب دور المواطن النشط. لذلك يجب أن نفكر في أغراض التعليم، أو الإعداد للحياة، على أنها تعزيز الاستقلالية والفضيلة المدنية.

نعم أتفهم قد يتفق الناس على أن المدارس يجب أن تعزز كلاً من الاستقلالية والفضيلة المدنية، ولكن قد يقعون في خلافات مريرة تتعلق بالضبط في كيفية محاولة المدارس تحقيق هذين الهدفين.

س// هل يمكن التمييز بين التعليم والتدريب، على أساس يهتم التعليم في حد ذاته بتنمية الفرد بأكمله، وبالتالي تطوير تلك السمات البشرية التي تجعل الحياة ذات القيمة ممكنة؟

ج// نعم. إنه من الواضح يتوافق هذا المفهوم للتعليم مع الرأي القائل بأن الاستقلالية هي القدرة على عيش حياة ذاتية الحكم. تبدأ الاستقلالية، مثل القدرات الأخرى، كإمكانات يجب تحقيقها، قبل أن يصبح الشخص مستقلاً. لكن هذا لا يمكن أن يحدث إلا إذا تم استخلاص الإمكانات من خلال التعليم من نوع ما. ليس من المستغرب إذن أن تجد بعض المعلمين والفلاسفة يصرون على أن الغرض من التعليم - أو على الأقل أحد أهم أغراضه- هو تعزيز الاستقلالية.

س/هل يمكن قول الشيء نفسه عن العلاقة بين الفضيلة المدنية والتعليم؟

ج// إن الفضيلة المدنية مثل الفضائل الأخرى، هي سمة شخصية أو نزعة لا يرجح أن تزدهر بدون تشجيع وتنشئة. يمكن أن تحدث هذه التنشئة بعدة طرق، ولكن هناك توقعًا واسع النطاق، بأن ستكون المدارس مسؤولة عن الكثير من التعليم المدني الذي يتلقاه الشخص. لذلك ليس من غير المألوف بالنسبة للمعلمين وغيرهم أن يعتبروا الاستقلالية الشخصية أو الفضيلة المدنية بمثابة قدرات أو تصرفات تقع على المدارس مهمة تطويرها.

أدعو الى تشكيل "جمعية التربية الوطنية" للنظر في: إعادة تنظيم التعليم الثانوي ( في عديد بلدان عربية) تحت عنوان: المبادئ الأساسية للتعليم الثانوي، تدعو إلى التركيز على أهداف التخصص، حيث يمكن للأفراد أن يصبحوا فاعلين في مختلف المهن والمجالات الأخرى من المسعى البشري، "والاتحاد،" لتحقيق تلك الأفكار المشتركة، والمثل المشتركة، والأنماط المشتركة للفكر والشعور والعمل التي تجعل من التعاون والتماسك الاجتماعي والتكافل الاجتماعي. وعلى الرغم من أن" التخصص لا يتصل الاستقلالية تمامًا، ألا أن الفكرتين متقاربتان بدرجة كافية لمحاولة تأسيس الاستقلالية والفضيلة المدنية كأهداف للتعليم ليست بعيدة المنال.

س/ كيف يمكن للمرء أيضًا أن يفسر أو يبرر الكثير مما ذكرت أن يحدث، أو يفترض أن يحدث، في المدارس العامة من حيث الاستقلالية والفضيلة المدنية؟

ج// يبدأ المنهج من المدرسة الابتدائية بشكل عام من خلال التأكيد على المهارات الأساسية، ثم ينتقل لتقديم المزيد من الخيارات والاختيار الفردي في المدرسة الثانوية، ثم يقدم المزيد من الخيارات في الكليات والجامعات. تمكن المهارات الأساسية الأطفال من "العمل"؛ ليكون لدى الطفل فرصة أن يصبح مستقلاً، فمن شبه المؤكد أن أي شخص يفشل في الحصول عليها سيظل معتمداً بشكل كبير على الآخرين. تساعد هذه المهارات الطفل، من خلال تعزيز القدرة على التعبير عن الذات، وعلى التغلب على الإحباط وتقوية تقدير الذات. وكما توحي كلمة "أساسي"، توفر هذه المهارات أيضًا قاعدة يمكن للطلاب من خلالها المضي قدمًا لتقدير الخيارات المتاحة لهم وما تنطوي عليه اختياراتهم.

س/ هل المطلوب تعزيز الاستقلالية الفضيلة المدنية، أو المواطنة (بالمعنى الأخلاقي) ودمجها أيضًا في مناهج العلوم؟

ج//المفروض أن يُطلب من الطلاب دخول في دورات في الدراسات الاجتماعية و"التربية المدنية، ودراسة التاريخ، واجتياز الاختبارات في الدساتير الوطنية، ويمكن ان يساهم في الفضيلة المدنية حتى الوقت المخصص للمهارات الأساسية للقراءة والكتابة والحساب. إن أولئك الذين يفتقرون إلى هذه المهارات من المرجح أن يظلوا معتمدين على الآخرين للحصول على المعلومات والتوجيه السياسي وكذلك للحصول على سبل العيش وأشكال أخرى من المساعدة. تعزز المدرسة كل من الاستقلالية والفضيلة المدنية بالمعنى المناسب من خلال مساعدة الطلاب على اكتساب هذه المهارات وتطويرها.

قد تظهر الرغبة في تعزيز الاستقلالية الشخصية والفضيلة المدنية أيضًا في "المنهج الدراسي غير المباشر". هذا، بالإضافة إلى المنهج الدراسي المباشر، حيث يمكن أن تقوم المدار بالتدريس بالقدوة، ولاسيما مثل تنظيم وإدارة المدرسة والفصول الدراسية؛ وعلى سبيل المثال، من المفترض أن يمثل سلوك المعلمين بعضًا من الفضائل، مثل "التعاطف والثقة والإحسان والإنصاف" التي تجعل التعاون بشكل عام والديمقراطية على وجه الخصوص ممكنة. يساعد المعلمون الذين يشجعون الطلاب على طرح الأسئلة والتفكير بأنفسهم لتطوير استقلاليتهم.

س/ ولكن ومع ذلك، هناك جانب آخر لهذه القصة. أليس بسبب التركيز داخل معظم المدارس على النظام والتنظيم - عادة، التنظيم الهرمي- غالبًا ما يثبط المنهج غير المباشر التفكير النقدي ويعلم المفهوم السلبي للمواطنة فقط؟

ج// نعم يمكن أن يكون وجود منهج غير مباشر في المدارس الثانوية يعطل بشدة التعليم السياسي للديمقراطيين المستقبليين. وأضيف أيضا يمكن إلا يعزز "الجو الاستبدادي" للنظام والانضباط فقط مواقف السلبية، والتبعية غير الصحية، والخضوع، وعدم المساواة التي يمكن نقلها إلى النظام السياسي، ولكنه يمنع أيضًا التدريس الفعلي للقيم الأساسية للسلوك السياسي الديمقراطي إذا ترك هكذا بذاته دون الوعي بهذه المخاطر دون معالجتها من خلال قيًم بالاستقلالية والفضيلة المدنية، يبدو أن هناك مساحة كبيرة للتحسين. من المهم أن يدرك مديري المدارس والمعلمين أن الترويج للاستقلالية الشخصية والفضيلة المدنية من بين مسؤولياتهم الرئيسية. إن قيامهم بهذا بالفعل يدعم ادعائي بأن تعزيز الاستقلالية والفضيلة المدنية يجب أن يكون، ويمكن أن يكون، الأهداف المعترف بها للمدارس العامة. كما أنه يعطينا سببًا وجيهًا لمحاولة تحسين المدارس في هذه النواحي.

س/ في زمن صعود فكرة الجمهورية الليبرالية كيف يمكن للاستقلالية والفضيلة المدنية تقديم نقاط توجيه مهمة في التعامل مع المسائل التربوية؟

ج// يرغب أولئك الذين يأخذون اتجاهاتهم من الجمهورية الليبرالية في البحث عن طرق لتعزيز الاستقلالية والفضيلة المدنية دائما من خلال برامج المجتمع أو الخدمة العامة التي من المفترض أن تدرجها بعض الكليات والجامعات والمدارس الثانوية في مناهجها.

أن هدف الجمهورية الليبرالية الأكثر عصرية هو تعزيز الاستقلالية والفضيلة المدنية. تحاول الليبرالية الجمهورية من خلال التأكيد على هذه الأهداف تحقيق التوازن بين الحقوق والمسؤوليات. وهذا يعني، من بين أمور أخرى، تعليم المواطنين، أولاً، حقهم في الإصرار على أن تحافظ حكومتهم على مستوى أساسي من الأمن والازدهار للفرد والمجتمع، وثانيًا، مسؤوليتهم في الدفاع عن هذه المصالح إذا فشلت الحكومة توفيرها لهم. مثل هذا التعليم ليس مسألة "تشكيل" المواطنين؛ ولكنها طريقة لربط الحقوق الفردية بالمسؤوليات العامة.

أسأل ما الذي يجب أن تقوله الجمهورية الليبرالية حول المشكلات التي تطرحها التعددية الثقافية للتعليم؟ وأسأل هو ما إذا كان من الممكن ابتكار نظام تعليمي يحترم التقاليد والتنوع مع تعزيز الاستقلالية والفضيلة المدنية؟

ج// هذه المشاكل صعبة لأن تبدو روابط التقاليد الثقافية المتنوعة متعارضة مع كل من الاستقلالية الشخصية والفضيلة المدنية. ويبدو أن هناك شيئًا ذا قيمة في كل تقليد وشيء ذي قيمة في التنوع أيضًا.

تعتمد الإجابة على ما يرغب المرء في اعتباره "احترامًا" للتقاليد والتنوع. إذا كان هذا يعني أن أعضاء كل مجموعة لغوية أو قومية أو ثقافية أو دينية أو غير متدينة يجب أن يكونوا قادرين على تربية أطفالهم كما يحلو لهم تمامًا، دون التعرض للأفكار والمعتقدات التي يعتبرونها مهددة في المدارس، إذن تكون الإجابة لا. وإذا كان "احترام" التقاليد والتنوع يعني أن الأطفال يجب أن يتعلموا طرق الحياة وأنظمة المعتقدات المختلفة عن تلك الخاصة بهم، فإن الإجابة هي نعم.

قد يعتقد المرء أن الغرض من التعليم هو تعزيز الاستقلالية والفضيلة المدنية، وكذلك الاعتقاد بأن المصالح أو الاهتمامات أو الحقوق الأخرى لها الأسبقية. ومن مهام المدرسة هي تنمية هذه الصفات. لكن تكمن المشكلة في أن بعض الناس لا يعتقدون أن الاستقلالية أو الفضيلة المدنية تستحق العناء. وتتعارض ادعاءات الاستقلال والمواطنة مع ادعاءات الأشخاص الذين يتمثل التزامهم الأساس في حياة تقوم على التكريس الديني، حياة لا تتطلب السعي وراء الحقيقة، بل الالتزام الصارم بما يقبله دينهم على أنه الحقيقة.

 

 

عزالدين عنايةالبلاد العربية تفتقر إلى أرضية معرفية عميقة للفكر الديني

- في كتابك "العقل الإسلامي.. عوائق التحرر وتحديات الانبعاث" قلت إن "تيارات الإسلام السياسي هي الكارثة الصامتة التي هزّت وعي الفرد في العالم العربي"، ودعوت إلى فحص آثارها على الواقع العربي.. في ظل ما آلت إليه الأوضاع العربية جراء تصدر تلك التيارات.. هل يمكن القول بأن ثمة وعيًا مُدرِكا لإشكالات تلك التيارات قد نما في العالم العربي بما يؤذن بتجاوز أطروحاتها ومجافاتها؟

- يعود ارتهان التصورات الدينية لدى العرب، في الحقبة المعاصرة، لباراديغم الإسلام السياسي، إلى وهن الطروحات النقدية في الفكر الديني. وسيظلّ هذا الارتهان ما ظلّ الفكر النقدي والتفكير العقلاني واهنين في الساحة الثقافية العربية. والحال أنّ الاختزال الأيديولوجي للإسلام قد مثّل ضربة قاصمة لرحابة الدين الحنيف. ولذلك يبقى الإسلام الحضاري بأبعاده الشاملة هو الردّ الواعي على محاولات الاختزال. فمعضلتنا الدينية الكبرى في البلاد العربية أن الإسلام السياسي الذي يناهز حضوره في أوساط المجتمعات القرن قد جرّب كل تجارب التغيير (الانتفاضات، الانقلابات، الاغتيالات، اغتنام السلطة واحتكار تسييرها، صناديق الاقتراع، التحالفات، الوفاقات) إلا تجربة الرهان على التغيير الفكري والروحي البعيد الغور. وحين نقول الفكري والروحي نقصد التعويل على مرجعية تراهن على الطروحات المعرفية القادرة على إحداث نقلة نوعية في عمق المجتمعات بعيدا عن التجييش والتحشيد الخاويين.

فما من شك أنّ ثمة عوامل موضوعية بدأت تفعل فعلها في المجتمعات العربية، بما يؤذن بتجاوز أطروحات الإسلام السياسي، وتتمثّل تحديدا في الإدراك الجمعي أن عملية النهوض أكبر من قدرات الإسلام السياسي، لأن كل عملية نهوض -وببساطة- تقوم على مخطط عقلاني وعلى مسار واقعي وعلى استراتيجيا مقاصدية، وهذا دونه خرطُ القتاد -كما نقول- إذا ما عوّلنا على الإسلام السياسي.

- في هذا الصدد، ما توقعاتك لمستقبل الإسلام السياسي في العالم العربي انطلاقًا مما حدث خلال السنوات العشر الأخيرة؟

- طَبعت البلاد العربية مع الإسلام السياسي حالة صراع دورية، امتدّت على مدى عقود، هُدرت فيها طاقات جبارة وأُتلفت فيها جهود هائلة وقد طالت جل البلدان تقريبا. يشبه العود المتكرّر للسقوط في دائرة الصراعات مع الإسلام السياسي العود الأبدي الذي يتحدث عنه كلود ليفي ستروس. وقد كان بالإمكان تلافي تلك الانشقاقات الاجتماعية لو تسنى شيء من النقد الذاتي لدى الأطراف المتصارعة.

وقد تسنّى في العشرية المنقضية، بعد طول صراع، وضْع تجربة الإسلام السياسي في تونس والمغرب على المحك. خاض فيها تجربة مخبرية، عبر المشاركة في اللعبة السياسية، وهي ذات دلالات عميقة ليس في البلاد المغاربية فحسب بل في بلاد العرب بأسرها. حيث أدركت الأطراف السياسية على اختلاف توجهاتها الأيديولوجية في ذينك البلدين عبثية النفي المتبادَل، والعيش في مناخ مأزوم محكوم بالغلبة والاحتدام الدائمين، إلى محاولة إيجاد حد أدنى لأرضية مشتركة تضع نصب عينيها المصلحة الوطنية وتقدّر الحاجة الماسة إلى السلم الاجتماعية لغرض التوجه للتنمية والنهوض الاجتماعي. استطاع فيها الإسلام السياسي أن يتطهّر من عديد المساوئ، إن لم نقل الأوهام والأحلام، في النظر للحياة السياسية وللأطراف الشريكة في العملية السياسية ولمفهوم التغيير الاجتماعي برمّته. وليس من الهين بلوغ تلك المعادلة، لأن الأمر يتطلّب تنازلات من جميع الأطراف للنجاة بأوطاننا من التفتت في ظرف عصيب تمرّ به البلاد العربية.

إذ بَيّن حصاد السنوات العشر الماضية التي شارك فيها الإسلام السياسي في اللعبة السياسية، في بلدان مختلفة وبأشكال متنوعة، أن الإسلام السياسي على مثال غيره من التوجهات هو نتاج بنية مهترئة، وأنه لا يتميز كثيرا عن غيره من طروحات التغيير السياسي. الأمر الذي جعل جملةً من المتابِعين الغربيّين لظاهرة الإسلام السياسي يتقاسَمون توصيفه "بالقلق البنيويّ" (Stress strutturali) في حديثهم عن الظاهرة. وما جعل الشارع يستفيق على خفوت بريق الإسلام السياسي وعلى تراجع آمال التغيير الملقاة على عاتقه. فهو تجربة سياسية عرضة للنجاح والفشل مثل سائر التجارب، العلمانية والقومية والاشتراكية. وربما السنوات القادمة ستثبت بشكل أوضح انتهاء طهرانية الإسلام السياسي، ودخول المجتمعات العربية حقبة نزع القداسة ونزع الأسطرة عنه.

- هل يمكن القول إن الخطاب الديني السائد حاليًا يستند إلى أيديولوجيا الإسلام السياسي بدرجة ما؟ وكيف يمكن تصحيح مساره؟

- نفتقر في البلاد العربية إلى أرضية معرفية عميقة للفكر الديني، تستند إلى الطروحات العلمية والمعرفية المتأتية من حقل العلوم الإنسانية والاجتماعية. ولذلك غالبا ما نغرق في الجدل الأيديولوجي بشأن الدين وفي منظور لاهوتي أثناء التعامل معه. وسرعان ما يقع الخطاب لدينا في براثن التأدلج والتوظيف والتلاعب من سائر الأطراف الساعية لاحتكار الرأسمال القداسي. إذ لا يزال الفكر الديني -في مجمله- في بلاد العرب مرتهنا للنظر الكلاسيكي، وهو ما يقلّص من قدراته. إذ تبدو القطيعة التي يعانيها الفكر الديني العربي مع نداءات التجدد الداخلي جلية وواضحة. كان لفيف من المفكرين المسلمين والعرب قد تطرّقوا للأمر، على مدى القرن الفائت، بحزم وعمق، سواء مع محمد إقبال، أو مع علي شريعتي، أو مع مالك بن نبي، أو مع حسن حنفي، أو مع احميدة النيفر وغيرهم، ولكن الآثار لا تزال ضئيلة ودون ما هو مأمول. فما من شك أن خطورة الأدْلَجة حين تتحكّم بالخطاب الديني، أن تطبع العالم بثنائية مانَوية مؤثرة، نحن وهم، حقّ وباطل، صواب وضلال، والحال أن ساحة الفكر وتعقّدات الواقع هما أوسع من تلك الثنائيات وأشمل.

قلت إن تحرير العقل الإسلامي من الغيبية والأسطورية والعاطفية شرط أساسي لتطوير العقلانية الإسلامية.. لِم عجز العقل الإسلامي على مدار قرون عن التخلص من ذلك المثلث رغم الأطروحات الفكرية الجادة في هذا الصدد؟

ليس ثالوث الغيبية والأسطورية والعاطفية المتربص بالعقل الإسلامي بالشيء الهين، فهي مكونات متجذرة بقوة في تمثّل الدارس المؤمن للدين ووعيه بالعالم، وكما يتشبع المرء بها من خلال درس العلوم الشرعية يستبطنها أيضا من خلال الرؤية المؤسطَرة عن الكون. نحن أمام حاجة ملحة إلى إقامة ورشات للنقد الديني للتخلص من براثن اللامعقول المستحكم بالعقل الإسلامي، وهو ما يمكن بلوغه سوى بإعادة ردّ الاعتبار إلى ما بين الشريعة والحكمة من اتصال على النمط الرشدي. فقد تسنّى للفكر الديني الخامل، على مدى القرن الفائت، إحداث فرز خطير، حوَّلَ بموجبه، كل من لا يقبل بالتفكير  الغيبي والأسطوري والعاطفي، إلى خارجي، وصنّف منجزات التيار العقلاني وأعلامه ضمن ما هو ضال وهدّام ومنحرف. وهكذا فقد عقل المسلم تواصله مع الحداثة، ومع العقلانية، ومع المقاربات العلمية، وهو يحسب أنه يحسن صنعا.

ولو شئنا لقلنا إنّ المسألة أبعد من ذلك، فالعقل الإسلامي في رحلته المترنّحة منذ عصر النهضة، بين الانغلاق والانفتاح، لم يراهن بما يكفي على عَلْمَوَة الفهم الديني. أقصد الاعتماد على المقاربات العلمية في فهم الوقائع الدينية وتحليل الظواهر بتجرّد وإعطاء سند منطقي للمقول الديني. الأمر الذي جعل الفكر الديني لدينا تكراريا اجتراريا ومنفعلا لا فاعلا. إن إعادة بناء العقل الإسلامي ليتواصل مع منجَز الفكر العالمي في وعي قضايا الدين والاجتماع هو مما يتطلّب إيمانا عميقا بسموّ طرحنا الحضاري وأصالته. أحاول من جانبي، بوصفي ابن جامعة دينية عربية قبل التحاقي بالغرب، أقصد جامعة الزيتونة في تونس، أن أرسخ تقليد المناهج العلمية الحديثة في قراءة الظواهر الدينية بالترجمة والكتابة، وتحديدا المنهج السوسيولوجي. فسوسيولوجيا الدين وسوسيولوجيا الأديان يمكن أن تسهم كلتاهما في مقاربة الأوضاع الدينية لدينا، وأن يكون لهما إسهام في دمج الوعي الديني في سياق فاعل ومسئول، لا مغترب ولا مضطرب.

- إلى أي مدى يمكن القول إن الفكر العربي مُكبّل بسؤال الموقف المفترض من التراث لا سيما الديني دون أن يُنتج ذلك تغييرًا على أرض الواقع فيما يتعلق برؤية حضارية للدين وموقعه في الحياة؟

- نحن على الأغلب نعيش برؤى السلف في فهم تمثّلاتنا للدين، ولذلك سرعان ما نهرع للمقايسة والمقارنة مع ما مضى مع كل طارئ يطرأ على حياتنا. وفي ضوء ذلك من الصعب أن نخوض عملية تفكيك حقيقية لموروثنا في غياب توظيف أدوات جديدة. ففي كثير من الأحيان نعيش علاقة مغتربة مع التراث، نحاول أن نبذل قصارى جهدنا في إبراز أنّ موروثنا قائم على الكمال، في حين يطالعنا حاضرنا الطافح بشتى أنواع النقص. ونصرّ على أنّ لدينا من الرصيد الكافي والشافي في سائر المجالات، وبما يفوق تجارب أُمم أخرى، والحال أن مجتمعاتنا الراهنة من أكثر المجتمعات تردّيا على كثير من الأصعدة. والواضح أن الفكاك من دوّامة الالتباس تلك مشروط بقراءة نقدية للأمور تتقلّص منها النظرة الطهرية للتاريخ.

وبالإضافة إلى ذلك لدينا عطلٌ مستشرٍ في الفكر الديني وهدرٌ للطاقات في مسالك كلاسيكية غير مجدية، كان من الأحرى تحويل القدرات فيه باتجاه مسارات فيها نفعٌ للناس، لأن المعرفة معنية بأن تواكب حاجات الناس لا أن تغترب عنهم، وكمْ لدينا من حاجات ملحة ولكنّنا نتلهى في كلياتنا الدينية بفنطازيا الغيبيات؟! أضرب أمثلة سريعة حتى لا نبقى في نطاق العموميات (الباحثة فرانشيسكا روزاتي خبيرة في حاضر الإسلام وماضيه في الصين، والباحثة باولا بيزّو خبيرة في المسيحية الفلسطينية، والباحثة أريانه دوتوني خبيرة في المخطوطات اليمنية، ويمكن الاطلاع على أبحاثهن القيمة في الشأن وهنّ من الباحثات الإيطاليات الشابات) فهل في البلاد العربية ثمة انشغال في جامعاتنا بهذه المجالات وغيرها مما يمسّ حضورنا في هذا العالم؟ لا شك أن لدينا تراث عظيم بَيْد أن ذلك التراث ينبغي ألا يَحُول بيننا وبين اندماجنا في هذا العالم، وألا يشكّل عقبة لدينا أمام إعادة بناء تمثلاتنا للقضايا والمفاهيم وانطلاقتنا المستمرة في الكون.

فما نتطلّع إليه وهو أن تقوم علاقتنا بالتراث ضمن إطار جدلي لا إطار حميمي، وتتأسس على منهج موضوعي لا على نزعة قدسية، أقصد ذلك المنهج القائم على الوعي بآليات تشكّل المعرفة وبشروطها الاجتماعية. فنحن حين نستعيد الحديث عن مؤسسة "أهل الذمة" -على سبيل المثال- لا نعيد النظر فيها ضمن التطرق للشروط الاجتماعية والدينية التي ولّدتها، ومدى مشروعية حضورها وغيابها اليوم، وضمن أي تعقل تاريخي؟ بل نستعيد أفكار الماضي ومؤسساته وتنظيماته بنوع من القداسة. بإيجاز ثمة تاريخانية في النظر للمؤسسات والوقائع والأفكار والفتاوى تغيب عن ذهن الدارس المسلم.

- كيف ترى التوجهات الأوروبية لتحجيم ومحاربة الإسلام السياسي؟ هل يتزامن مع تكثيف تلك التحركات تعزيز الإسلاموفوبيا؟ ولِم؟

- ينبغي ألا نهوّل الأمور بشأن الإسلام السياسي في الغرب، وأن يأخذ الموضوع حجمه الحقيقي لدينا. فنحن كأوروبيين مسلمين لا نَعدّ الإسلام السياسي عنصرا شاغلا بالنسبة إلينا، لأننا تعيش وضعا مغايرا لأوضاع البلدان العربية فيه "السوق الدينية" مشرّعة الأبواب على العديد من العارضين، ويتقلّص فيها الاحتكار والمونوبول من أي طرف كان. صحيح يطبع هوية المسلم الأوروبي مَلْمح شفّاف عربي أو إسلامي، يطالب من خلاله بحقوقه الثقافية على غرار سائر التقاليد الدينية الأخرى، ومن داخل ما تسمح به قوانين تلك البلدان. ومن ثَمّ هناك مساحة مدنية ينشط فيها الإسلام المهاجر تُمثّلها الجمعيات والمراكز والمساجد والمصليات، بَيْد أن تلك المساحة المدنية بدأت تتسرب إليها الشكوك والريبة تحت مبررات أمنية وتهديدات إرهابية وهجرة فوضوية، وهو ما قاد بالنهاية إلى أشكال من التضييق والنفور والتخوف تلخّصت في ما يُعرف بالإسلاموفوبيا. وهي بالأساس نتاج تقصير المسلمين الغربيين في الحضور في المجال العام، وعدم إيلائهم الجانب الثقافي أهمية. فلا ننسى أن السواد الأعظم من المسلمين في الغرب هم من الشرائح العمالية الكادحة التي لا يعنيها كثيرا العمل الثقافي والمعرفي والفني. وبالتالي يسهل الإيقاع بتلك الحشود. ومما لا ريب فيه أن الإسلام الأوروبي ينطوي على العديد من عناصر الوهن بداخله، وأنه لا يزال إسلاما فولكلوريا، على الأغلب، ولم تشقه تحولات فكرية وتلونات ثقافية، تسمح له ببناء منظور منسجم مع مجتمعات معلمَنة وذات مخزون ثقافي كِتابي ترعاه جامعات ومؤسسات أبحاث ووسائل إعلام مؤثرة.

- تعرّضت في كتابك "الدين في الغرب" لإشكالية الإسلاموفوبيا وشددت على أهمية بناء تعددية ثقافية حقيقية لمواجهة تلك الظاهرة ولمجابهة "الاستعلاء الغربي" كذلك.. كيف يمكن تحقيق ذلك في ظل القراءات الدينية الإقصائية؟ ما السبيل للخروج من ذلك المأزق؟

- ما من شك أن هناك توجهات متصلّبة في الغرب ما فتئت تنكر أن الغرب قد اخترقته التعددية الدينية والثقافية، وباتت المجتمعات فيه ذات طابع كوسموبوليتي، وهي بالأساس توجهات يمينية وكَنَسيّة، وعادة ما تحرّض على المسلمين أو تختلق المبررات لتعطيل اكتسابهم حقوقهم، مثل الاعتراف بدينهم على غرار سائر التقاليد الأخرى، أو حصولهم على عائدات الخصوم الضريبية مثلما يُعرف بـ "الثمانية من الألف" في إيطاليا لتطوير أوضاعهم الثقافية والتعليمية، مع أنهم يمثلون الديانة الثانية في كثير من البلدان.

تساهم تلك العناصر وغيرها في خلق مناخات الإسلاموفوبيا وتدفع للتوتّر، ولكن يبقى الشرط الرئيس للخروج من تلك الأجواء هو في إقامة شراكة ثقافية حقيقية بين مسلمي الغرب والمجتمعات الحاضنة، ويمكن أن ينضمّ إليها الساعون بصدق إلى حوار الحضارات والثقافات من خارج. ولكن أن تُحارَب الإسلاموفوبيا بالتعنت والتناقض مع الغرب على مستوى الزي والمظهر والهيئة إنما ذلك ينمّ عن سطحية في فهم أبعاد الدين الحضارية.

- هل يمكن اعتبار الحل العلماني، العلمانية الشاملة كما طرحها المسيري، ركيزة يمكن من خلالها تجاوز أزمات الواقع الديني في العالم العربي؟ أم أن ثمة إشكاليات تحول دون تحقيق ذلك؟

- العالم العربي قادر على أن يشقّ مساراته في التاريخ بيسر إن آمن بقدراته الحضارية، في صوغ مخارج وحلول لقضاياه السياسية والاجتماعية والدينية، لأن الاتكال على تجارب الغير واستيرادها، من علمانية شاملة أو ناقصة ومحاكاتها، مدعاة لمفاقمة حالة الاغتراب. وحتى لو توهّم الساعون أنّ الحل في العلمانية، فالعلمانية علمانيات، وقد بلغنا إلى ما بعد العلمانية بحسب عبارة أرباب التنظير لها: شارل تايلور وجوزي كازانوفا وبيتر لودفيغ بيرجر. ولذا من المجدي ألا نعلّق آمالا كبرى على تجارب الآخرين، لأن العلمانية في فحواها العميق هي نمط عيش، -سمّه ما شئت علمانية أو حكمانية- تواضَعَ عليه القوم ليحفظوا السلم الاجتماعية في مجتمعاتهم.

وبالتالي العلمانية لها أوجه متعددة، ونحن كمسلمين في الغرب نعيش في كنف العلمانية وننعم بمزاياها. ولْنَكن صرحاء، نحن كشريحة اجتماعية ذات أصول عربية وإسلامية، أقرب إلى العلمانيين الغربيين منه إلى المتديّنين، في اختياراتنا الحزبية والانتخابية، ولله في خلقه شئون!

- كيف تقرأ مواقف الإسلاميين من القضية الفلسطينية لا سيّما في ظلّ تأرجح مواقفهم حاليّا إزاء توجه بعض الدول للتطبيع مع إسرائيل؟

 الإسلاميون على غرار غيرهم من التيارات السياسية العربية لديهم رصيد هائل من العواطف الهوجاء تجاه فلسطين وإسرائيل، ولا يحرّكهم - في غالب الأحيان الوعي بالقضايا التاريخية والسياسية والدينية للمنطقة، بل الحماس وردود الأفعال. والواقع أنه ليست هناك مواقف ثابتة ما إن تدخل الأحزاب معترك التنافس والحكم. تتحول المبادئ إلى مواقف براغماتية وتتراجع الشعارات الكبرى أو تغدو جوفاء. وأحزاب الإسلام السياسي إن دخلت اللعبة السياسية صعب أن تثبت على مواقفها التقليدية من التطبيع وإسرائيل، وربما تلك التي تبقى منها خارج العملية السياسية يمكن أن تتابع التواصل مع الجماهير بخطاب طهري رافض للتطبيع.

صحيح لو تتبّعنا تحولات الخطاب الإسلاموي خلال العشرية الأخيرة نلحظ الطابع الوطني الجليّ في ثناياه، ناهيك عن خفوت نزعة الأمة الواحدة منه، لكن ذلك لا يعني أن الروابط الروحية الجامعة قد امّحت بين سائر مكوّناتهم. ما نستشرفه، حتى وإن جرف التطبيعُ مع إسرائيل الإسلاميين ورضوا به، فإنّ ذلك لا يعني تفريطا في الحق الفلسطيني أو تنازلا عن القدس الشريف، في ظل موازين القوى المختلة. وأقدّر أن الإسلاميين وغيرهم من المكونات السياسية الفاعلة في الساحة العربية لن يقبلوا بإسقاط ذلك الحقّ.

 

حاورته حنان عقيل

 

2180 علي الربيعي ونابي بوعليهذا نقاش في فلسفة الأخلاق، يدور حول قضية الأخلاق والمعايير

الأستاذ الدكتور نابي بو علي يحاور علي رسول الربيعي

س1: د. النابي بوعلي: هناك رأيان  في من يخص العلاقة بين الحقيقة والأخلاق: الأول  يرى أن الحقيقة في الأخلاق  موضوع مهم. والثاني، من وجهة نظر مقبولة للموضوع، إن الحقيقة في الأخلاق ليست موضوعًا مهمًا للغاية.مع اي راي تقع موافقتكم؟

ج1: د. علي رسول الربيعي: قد تبدو الحقيقة في الأخلاق موضوعًا مهمًا لأنها تتعلق بمسائل معينة مثل الموضوعية، وإمكانية المعرفة الأخلاقية، وهذا ما أعتبره سؤالًا مهمًا بشكل خاص في طبيعة السلطة الأخلاقية، إذا هناك شيء من هذا القبيل: وهذا هو السبب في أن آراء شخص ما حول الموضوعات الأخلاقية يمكن أن تكون أكثر قيمة من آراء الآخرين. لذلك، إذا كانت الحقيقة في الأخلاق مرتبطة بمثل هذه الأسئلة، فإن الحقيقة في الأخلاق يجب أن تكون موضوعًا مهمًا.

س2: د. النابي بوعلي: طالما وجدتك تؤكد أن هناك لمعرفة الأخلاقية بموضوعية القيًم الأخلاقية، لماذا هذا لأهتمام بالقضايا أو الأسئلة التي تتعلق بطبيعة التحقيق المعياري؟

ح2: د.علي رسول الربيعي: حسنًا، كنت شعرت بالانزعاج من الانفعال العاطفي السائد في البيئة الإجتماعية والثقافية التي عشت فيها، عندما جئت الىدراسة الفلسفة في جامعة بغداد، كان الأستاذان حسام الألوسي وعبد الأمير الأعسم، يعملان على العقلانية، ولي نقاشات معهم عن هذا لازال منها مكتوبا بخط اليد، وقد كتبت مقالًا عن العقلانية عند الألوسي وناقشها الأعسم في الجمعية الفلسفية العراقية أنذاك، وناقشت هذا الموضوع  مع سعاد خضر رئيسة تحرير مجلة الثقافة بتوصية من الالوسي  ولهذا قصة لامجال لذكرها هنا؛ مما ساهم في  لفت  نظري إلى مسألة العقلانية: ما هي وماذا يعني أن نسمي شيئًا عقلانيًا. ويبدو لي هذا التسـاؤل جزءً رئيسًا من مسألة التحقيق أو البحث المعياري.

أثارت دهشتي لاحقًا أسئلة مثل: "ما الذي سيكون  عقلانيًا  للقيام به ؟" "ما هي الأسباب الصحيحة لفعل الأشياء؟"، هل الشعور ملائم في هذا الموقف، أو أنه غير مناسب؟"، وهي كلها تتعلق بكيفية التصرف والحكم والشعور. ثم خطر لي أن تسمية شيء عقلانيًا يعني تأييده والمصادقة عليه. لكن تأييده بأي طريقة، إجابتي هي أن الاعتقاد بأن شيئًا عقلانيًا هو قبول معيار يسمح لك بذلك. لذلك فإن الشخص الذي يسمي شيئًا ما "عقلاني" يعبر عن حالته الذهنية؛ إنه يعبر عن قبوله لقاعدة تسمح بذلك الشيء.

س3: د. النابي بوعلي: ماذا ينطوي عليه قبول القاعدة؟

ح3: د.علي رسول الربيعي: هذا هو المكان الذي أعتقد أنه يتعين علينا أن ننظر فيه إلى علم الأحياء وعلم النفس. أعتقد أن لدينا نظامًا للتحفيز والسيطرة أو التحكم يتضمن قدرة خاصة على النظر وتحديد المعايير التي يجب قبولها. وأعتقد أيضا أن هذا النظام هو التكيف. نحن "مُصممون" بالتطور للعيش معًا في مجموعات اجتماعية معقدة. تعتمد احتمالات بقاء الإنسان البدائي وتكاثره بشكل حاسم على الروابط التي يمكن أن ينميها، وعلى قدرته على تنسيق أفعاله مع الآخرين والتعاون معهم. لقد طورنا اللغة بشكل مكثف لأنها تمكننا من التنسيق بهذه الطريقة. تتيح لنا اللغة ألا ننظر إلى الوضع الحالي فقط، بل أيضًا الى الماضي، والمستقبل، والظروف الخيالية. وتتيح لنا مناقشة هذه المواقف مع الآخرين والتفكير في كيفية التصرف فيها وكيف نشعر بها. كما أنها تمكننا من إقناع الآخرين والضغط عليهم للحكم بطريقة معينة حول ما يجب القيام به والشعور به في هذه المواقف، لذلك تسمح اللغة بتطوير التقييمات المشتركة للحالات التي قد تنشأ إنها تمكننا من تجميع رؤوسنا معًا والمشاركة في التخطيط المشترك.

الآن، يجب أن تؤثر هذه المناقشة المعيارية على ما نقوم به فعلًا إذا كانت تخدم وظيفة تنسيق سلوكنا. لذلك، يجب أن يكون هناك نوع من الارتباط بين الآراء التي يميل المرء إلى الإقرار بها في المناقشة غير المقيدة وميول الفرد إلى الفعل والشعور؛ وينبغي أن يكون هناك ميل إلى أن تحكمها قاعدة يمكن للمرء أن يعرب عن الالتزام بها في مثل هذه المناقشة. إن قبول المعيار هو التحديق النفسي الذي نحن فيه عندما يكون لدينا هذه الميول للتعبير عن المعيار والتحكم به.

س4: د. النابي بوعلي: اذن في رايك، تساعدنا المداولات المعيارية على تنسيق سلوكنا بطرق مواتية من خلال تمكيننا من إعادة الاتفاق على كيفية التصرف وكيف نشعر. ولكن هل يميل النقاش حقًا إلى الاتفاق؟ نحن جميعا على دراية بالمناقشات التي تنتهي بشحذ خلافاتنا.

ح4: د.علي رسول الربيعي: حسنًا، لقد تم تشكيلنا بواسطة قوى التطور لتكون قادرين على الإقناع - للانجذاب نحو قبول معايير الآخرين من حولنا. من المفترض أن السبب في تشكيلنا هو أنه إذا لم تكن لدينا هذه الميول، فسيجد الآخرون صعوبة في تنسيق أفعالهم معنا. (هناك بالطبع قوى متعارضة؛ قد يكون من المكلف للغاية الاستسلام دائمًا لشخص تختلف أعرافه عن أعرافك). وهناك قوة أخرى تدفعنا نحو الإجماع وهي أننا نشعر ببعض الضغط لنكون متسقين في مواقفنا.

س5: د. النابي بوعلي: أستطيع أن أرى كيف تدفعنا  أنفسنا كبشر إلى قبول آراء من حولنا. ولكن أنا لا أفهم كيف يمكن للاتساق وحده أن يدفعنا نحو الموافقة. خذ حالة يكتشف  فيها شخصان أنهما يختلفان حول مسألة معيارية. لنفترض، على سبيل المثال، أنني أعتقد أن أيً شخص نشأ بمحبة ملزم برعاية والديه المريضين. افترض كذلك أن شخصًا آخر ينكر أن للوالدين مثل هذا المطلب الخاص على أولادهم؛ ويعتقد أن مثل هذه الالتزامات برعاية الوالدين لا يمكن الحصول عليها ألا اذا ألتزم به الشخص بحريته وليس كواجب الزامي. قد يكون كل واحد منهما متسق تمامًا ويمتلك كل المعرفة الواقعية التي تتصل بهذا الأمر  بحيث ينشأ الخلاف فقط لأننا نرى أشياء أساسية معينة بشكل مختلف. لقد وصلنا إلى نقطة حيث يدعي كل منا أن تصور الآخر خاطئ. كيف يدفعنا الاتساق نحو الاتفاق؟

ح5: د.علي رسول الربيعي: ما يحدث هنا هو أن كل شخص يطالب بسلطة معينة في هذا الشأن، ويمكن للمرء أن يسأل لمن يعطي مثل هذه السلطة. أتناول هذا السؤال بسؤال ما الذي سيتبع إذا اعتقدت أنني يجب أن أرفض  اعطاء هذه السلطة لأي شخص آخر. ثم أسأل: لماذا أتوقف عند هذا الحد؟ لماذا أثق بأحكامي:

لا يُطرح هذا السؤال بالنسبة لبعض الأحكام. تبدو لي بعض القواعد بديهية تمامًا؛ لا أشك فيها وأجد أنني لست بحاجة إلى حجج لقبولها. لايتطلب قبول هذه المعايير الثقة بالنفس. لكننها مفيدة لقبول الأحكام الأخرى، مفيد للأستنتاجات التي تعتمد على سلاسل طويلة من التفكير، على سبيل المثال، أو التي توصلت إليها في الماضي وأريد الاعتماد عليها الآن. تشارك الثقة بالنفس أيضًا في الأشياء التي أقبلها من الآخرين لأنني أعتقد أنه إذا كانت لدي معرفتهم، فسأوافقهم، وإذا لم أكن أثق بنفسي في هذه الأمور، فسيتعين علي التخلي عن جميع آرائي تقريبًا؛ يمكنني الاعتماد فقط على الأشياء التي بدت لي بديهية. أود أيضًا أن أرى أي تحقيق أو استفسار إضافي حول ما يجب فعله لأنه لا طائل من ورائه اذا كنت لا أثق بأحكامي التداولية أو التشاورية. لذلك، فإن أحد الأسباب التي  تجعلني أثق في أحكامي الخاصة إلى حد ما هو أن البديل سيكون الشك المرهق.

تثبت حجة الثقة بالنفس ذاتها لي أنه يجب عليً منح الآخرين بعض السلطة أيضًا. لقد شكلت آراء الآخرين آرائي بشكل كامل لدرجة أن عدم الثقة في آرائهم سيجبرني على التخلي عن جميع معتقداتي تقريبًا. لتجنب مثل هذا الشك، يجب أن أعطي بعض السلطات المحدودة للآخرين. وهذا يعني أنه يجب أن أعتقد أنه في ظل بعض الظروف المواتية فإن اعتناق الآخرين لوجهة نظر يعتبر لصالح قبولي لها. وإذا كنت متسقًا، فإن كل ما يجعل هؤلاء الأشخاص حكام جيدين سيجعل الآخرين الذين لديهم الخصائص نفسها يحكمون جيدًا. لذلك سأمنح بعض السلطة لجميع الأشخاص الذين هم مثل الأشخاص الذي أعتقد أن أحكامهم شكلت أحكامي بشكل صحيح.

س6: د. النابي بوعلي: لماذا لا يمكنني التوقف عن اعتبار نفسي سلطة على معايير الفعل والمشاعر بالطريقة نفسها التي قد أفعلها مع بعض حالات التقدير والأعجاب الجمالي؟ على سبيل المثال عندما أقول: أنا أحب تلك اللوحة، لكن لا أعتقد  أنه من الواجب عليً أن أحبها أو  لا احبها-  لقد احببتها فقط .

ح6: د.علي رسول الربيعي: حسنًا، قد تتفاعل مع شيء ما فقط، ولكن عندما تحاول التفكير فيما يجب عليك فعله، عليك الاعتماد على الاستنتاجات التي توصلت إليها  مؤخرًا، وهو شيء لا يجب عليك فعله مع الذوق الجمالي.عندما تسأل نفسك ما هي المبادئ التي يجب عليك قبولها، عليك أن تمنح نفسك بعض السلطة، لأن قبولك مبدأ ما بعد التفكير فيه يعني أنك تمنح السلطة لنفسك كما لو كنت ستقبله بعد مداولات.

2180 علي الربيعي ونابي بوعلي

س7: د. النابي بوعلي: أذن أنت تقول، على نفس الأسس التي أعطي بها السلطة لنفسي، يجب أن أعطي بعض السلطة للآخرين؟ لذا، في المثال الذي قدمته حول الحجة  التي تتعلق بواجباتنا تجاه آباءنا، قد أحاول تقويض مطالبة خصمي بالسلطة بأن اقول بأن الاستياء الذي يشعر به من نشأته التعيسة أوغير السعيدة  قد يفسد حكمه. قد يدعي خصمي، من جانبه، أن حكمي على أن لدينا التزامات خاصة تجاه آباءنا أمر غير موثوق به لأنه مجرد نتيجة لفشلي في مقاومة الضغط العاطفي الذي فرضه عليّ والديً، وهو الضغط الذي يعتقد أنني يجب أن أقاومه من أجل تشكيل أحكام موثوقة. ولكن إذا لم يستطع أي منا تقديم قصة وقائع من هذا النوع، فعلى كل منا أن يقبل أن هناك سببًا ما لرؤية الشيء بالطريقة التي يراها الآخر ......

ح7: د.علي رسول الربيعي: حسنًا، كل واحد منكم يواجه تحديًا معرفيًا: ما الذي يجعلك تعتقد أنك تحكم  بشكل أفضل. ستشعر بالأحراج في المناقشة إذا لم يكن لديك إجابة عن هذا السؤال.  بالطبع، حتى لو لم يكن لديك رد، فلا يزال بإمكانك التمسك بآرائك والاعتقاد بأنه يجب على الآخر قبولها لأن هناك قصة قائع يمكن روايتها لتبرير مطالبتك، على الرغم من أنك لا تملك هذا القصة جاهزة. لكن سيتضمن اتخاذ هذا الموقف الانسحاب من المناقشة الكاملة، على الأقل في الوقت الحالي للنقاش.

س8: د. النابي بوعلي: ما الذي يمنعنا من استبعاد من نختلف معهم على أساس أن مضمون أحكامهم تفتقد الأهلية؟

ح8: د.علي رسول الربيعي: هذه الدوغمائية مكلفة لأنها عادة ما تنهي المناقشة. أيً وفقا لهذا  الحال عندما يكن من غيرالممكن إجبار الشخص الذي لا تتفق معه على قبول وجهة نظرك، وترى أن لا يمكن الوثوق بحكمه لمجرد مضمون آرائه، عليك اذن التخلي عن أي احتمال من مناقشة الأمور معه. لكننا بحاجة إلى الدخول في نقاش مع الآخرين. تمكّننا المعايير المشتركة من العيش معًا، علاوة على ذلك، فإننا نفقد توازننا بسهولة إذا لم نتحدث مع الآخرين، فالتفكير المنعزل مربك. لذا فإن التخلي عن المناقشة المعيارية أمر مكلف.

س9: د. النابي بوعلي: أستطيع أن أرى أنه من المضر بمصالحنا أن نعزل أنفسنا عن كل  المناقشات أوالمداولات المشتركة. ولكن قد لا يكون من المضر للغاية رفض أو طرد الأشخاص الذين ليس لدينا علاقة كبيرة بهم على أي حال. لذلك، يبدو توازنًا في التكاليف هنا، مما سيجعلنا نسمح لمن حولنا أن يكون لهم بعض التأثير علينا، لأن ثمن استبعادهم سيكون باهظًا للغاية، مع عدم الضغط علينا لإعطاء وزن كبير لآراء الآخرين الذين بالكاد نتفاعل معهم، لأنه نادرًا ما يكون السماح لهم بالتأثير علينا أكثر تكلفة من رفضهم.

ح9: د.علي رسول الربيعي: من الصعب الإدلاء بآراء عامة، لكن أعتقد أنه يمكننا ان نقول كثيرا عن هذا. يعيش كل واحد منا في مجتمعات متداخلة مختلفة. نختار مجتمعاتنا، إلى حد ما، على أساس ما يمكننا مشاركته مع الأشخاص الموجودين فيه. وفقًا لسلطة أشخاص آخرين، وليست السلطة مسألة كل شئ أو لا شيء: يمكننا أن نثق في حكمهم على بعض الأشياء وليس على أشياء أخرى؛ ويمكننا أن نكون منفتحين على مناقشة بعض الأشياء معهم وليس أشياء أخرى. الاتفاق على كل شيء ليس مطلوبًا: يمكننا،في بعض المجتمعات، الاكتفاء بالحد الأدنى من المعايير المشتركة وقصر مناقشتنا على تلك المعايير. لكن، عادةً، نحتاج أيضًا إلى أن نكون جزءًا من مجتمعات أصغر من الأشخاص الذين نثق في أحكامهم المعيارية في مجموعة من الأمور المهمة، حتى نتمكن من تجميع رؤوسنا معًا ومعرفة كيفية العيش.

س10: د. النابي بوعلي: يمكن أن تبدو الفلسفة الأخلاقية مشروعًا غريبًا ومربكًا بشكل خطير، كما فعلت مع الأثينيين الذين حكموا على سقراط بالإعدام لإفساد شبابهم من خلال تشككه المستمر للمعتقدات الأخلاقية السائدة. إن الفلسفة الأخلاقية، كما تدعي أومن وجهة نظرك ياعلي، هي امتداد لممارساتنا الشائعة للمناقشة المعيارية، وإن كانت تأخذ عناصر من هذه الممارسة العادية - البحث عن الاتساق، والنظر في وجهات النظر المختلفة، والمطالبة بتبرير ادعاءات المرء بالسلطة - وتدفعهم إلى  مديات استثنائية. في ضوء ذلك، لا تبدو الفلسفة غريبة أو مهددة. هل تعتقد – ياعلي- مع ذلك أن هناك شيئًا يدعو للقلق من أن تدفع الفلسفة التساؤل إلى نقطة يصبح فيها عديم الجدوى أو حتى مدمرًا؟

ح10: د.علي رسول الربيعي: تطمح الفلسفة عادة إلى عدة أهداف. أحدها هو الاتساق. هذا أمر جذاب، لأنه يساعدنا على تجنب أنماط الفعل التي تقهر أو تهزم الذات أو غير المتماسكة. كما أنها تطمح إلى الموضوعية - لتعزيز الآراء التي يمكن للمرء أن يطالب الآخرين بقوبولها باستمرار. يمكن أن يكون هذا أيضًا  أمرًاجيدًا، لأن محاولة الدخول في نقاش مع الآخرين والتحدث معهم يمكن أن يعزز الإجماع. أخيرًا، تحاول الفلسفة إيجاد أساس منطقي عميق للمعايير الأخلاقية: فهي تبحث عن نقطة تكمن وراء هذه المعايير، حتى لا نعتبرها مجرد  تابو أو محرمات. ومع ذلك، فإن السعي وراء هذه الأهداف من خلال التحقيق النقدي والمنتظم يمكن أن يتركنا أكثر غموضًا مما كان عليه الحال قبل أن نبدأ. يمكن أن يتركنا أيضًا بعيدين عن الدوافع التي لم نكن منفصلين عنها قبل أن نساءلها تمامًا. لذلك من حيث تأثيراتها الإجمالية، ليس هناك ما يضمن أن الانخراط في الفلسفة الأخلاقية سيكون له نتائج جيدة. ولكن آمل أنها سيؤدي الى ذلك. ولا أعتقد أننا يجب أن نخجل منها، أعتقد أنها "أمر جيد؛ وإلا، فلن أكرس حياتي للبحث النقدي في الأخلاق والعقلانية. لكن أنها مسألة حكم.

د. النابي بوعلي: باختصار: أجمل بعض آراء الأستاذ  علي رسول الربيعي التي خلصت اليها من  نقاشي معه في ما له صلة بحوارنا هذا. يحتوي منطق المناقشة المعيارية على بعض الضغوط نحو الإجماع: إذا اختلفنا مع شخص لا يفتقر إلى أي من الأشياء التي نعتقد أنها تشكل حكمًا معياريًا جيدًا، فيتطلب الاتساق أن نوازن بين حقيقة أنه يرى الأشياء بالطريقة التي يراها كسبب يحسب لصالح وجهة نظره. يتركنا هذا الاستنتاج منفتحين على تأثير كل من نعتبره حكمًا جيدًا. إذن،  هناك الكثير من الأمور المعلقة على ما  نعتقد أنه حكم جيد.  بعض الأشياء الأولى التي تتبادر إلى الذهن مألوفة: كونك منفتح الذهن، ومتعاطفًا، وقادرًا على استيعاب الآثار المترتبة على المعايير التي يقبلها المرء.  يشير  محاورنا إلى خصائص مثل `` المحتوى المحايد ''، لأنها لا تشير إلى محتوى المعايير التي يجب على الحكم قبولها. ومع ذلك، ستجعل هذه المعايير المحايدة المحتوى بعض الأحكام غير محتمل أو لايُطاق. أحد الأمثلة التي يذكرها محاورنا  عن ذاك الذي لايطاق هو الحكم بأن القسوة غير المبررة تستحق الإعجاب. يمكننا أن نعتقد أنه من غير المحتمل جدًا أن شخصًا يمتلك القدرة على التعاطف مع شخص عومل بقسوة يمكن أن يؤيد هذا المعيار - ويمكننا بعد ذلك عدم الثقة في الادعاء بأنك قاضٍ كفؤ يقدمه أي شخص يعجب بالقسوة غير المبررة.

ومع ذلك، يقول الأستاذ علي رسول الربيعي، لا يمكننا حصر تعريفنا لما يجعل الحكم جيدًا في معايير المحتوى المحايد، لأننا سنجد بعض الآراء بغيضة لدرجة أننا نرفض ببساطة منحها أي وزن، حتى لو كان الشخص الذي يقدمها قد حقق كل هذه المعايير. لنفترض أننا أصبحنا مقتنعين بأن كاليجولا التي اصبحت مضرب الأمثال في التاريخ تمتلك فهمًا حيًا وعاطفيًا لعواقب الأفعال القاسية، ولديها جميع الخصائص الأخرى المحايدة للمحتوى للحكم المؤهل والكفوء. ومع ذلك، تعتقد كاليجولا أن القسوة غير المبررة تستحق الإعجاب. ربما نعتقد أنه لا ينبغي لنا أن نرى حكم كاليجولا على أنه يمنحنا سببًا للإعجاب بالقسوة غير المبررة ؛ بعبارة أخرى، سنستخدم بعض معايير "المحتوى الثابت" لتحديد الحكم لمن يجب أن نعطي السلطة. يرى علي رسول الربيعي أنه يجب علينا القيام بذلك لتجنب أن تدفعنا مطالب الاتساق الى قبول الآراء التي لا يمكننا ببساطة السماح لأنفسنا بقبولها.

 

2193 ظرف حسينهذه أسئلة وجهت للدكتور ظريف حسين (أستاذ ورئيس قسم الفلسفة بجامعة الزقازيق- مصر) من قبل د. علي رسول الربيعي حول واجب المثقف تجاه المجتمع.

يتحدث الكثير من المفكرين والباحثين والكتاب عن أن الخطر الذي يواجهه المثقف في دوره في المجتمع يأتي من سحق "الديمقراطية الأنتخابية" له، أيً الديمقراطية التي تختزل الى الاليًة الأنتخابية وصندق والأقتراع بدون ثقافتها تكون ثاني أوكسيد كربون الديمقراطية كما يُقال إن هكذا أوضاع ربما لا تمكن المثقفين من قول الحقيقة كما يرونها، ولا أن يكونوا نماذج لأستقلال الفكر والعقلانية التي هي من علامات المواطنة السليمة. نقوم هنا بدورنا بطرح على الدكتور ظريف حسين لنرى جوابه عنها ورأيه فيها.

س: د. علي رسول الربيعي: كيف يمكن للمثقفين دفع مواطنيهم الى أن تكون خياراتهم السياسية غير أنفعالية، أو أن لا يغيبوا عن المداولات السياسية، ودفعهم نحو مشاركة سياسية تجمع بين المبدأ الأخلاقي والعقل والحصافة؟

ج: د. ظريف حسين: بما أن الديمقراطية هي حكم الأغلبية فإنها تعتمد علي جماهير المواطنين وليس علي قلة من الصفوة أو علي طبقة أو فئة أو طائفة معينة، وعليه فإن الشرط الوحيد الشكلي لنجاح العملية الانتخابية هو مشاركة جميع من لهم حق الانتخاب، ولذلك فإن أي تقاعس من جانب الناخبين عن المشاركة الإيجابية سيكون من شأنه إجهاض فكرة الديمقراطية نفسها وكأنه تفويض ضمني منهم للحزب الحاكم أو لشخص الحاكم الفعلي أو للقلة المهيمنة علي مقاليد الأمور. ولذلك كانت أهمية المشاركة الإيجابية من كافة المواطنين وضرورتها. وليس للأخلاق دخل هنا إلا لأنها تضمن فكرة المساواة والعدالة، ومن هنا كانت الديمقراطية في أساسها نظاما اخلاقيا، ولكن هذا لا يعني ببساطة أن المشاركة في الانتخابات هي مجرد عملية أخلاقية، بل ضرورة سياسية، أو هي مسألة حياة أو موت بالنسبة للوطن والمواطنين.

س: د. علي رسول الربيعي: ما هو واجب المثقف تجاه المجتمع؟

ج: د. ظريف حسين: المثقفون اليوم هم أنبياء الماضي، بشرط أن تكون ثقافتهم حقيقية وليست زائفة. والثقافة الحقيقية هي نتاج اطلاع ذكي علي نتائج العلوم لا علي مجرد أوهام أو تصورات حزبية أو شخصية... إلخ مما تفقد المثقف صفته الجدير بها. ولذلك فإنه هو وحده من يمتلك بوصلة توجيه الجماهير للاتجاهات التي تصلح أمر البلاد برؤيته الشاملة لتعقيدات العلاقات والتضاربات بين مصالح جميع أطراف الصراع سواء أكان صراعا داخليا أم خارجيا. وغالبا ما يكون هؤلاء المثقفون علي علم بالتوجهات المشتركة للناس والمصالح العامة للشعب بناء علي فهم تراثه وتطلعاته في المستقبل.

س: د. علي رسول الربيعي: ما هو الدور الصحيح للمثقف في مجتمع مطلوب أن يكون ديمقراطيًا؟

ج: د. ظريف حسين: المثقف له أهم الأدوار في كل المجتمعات، بغض النظر عن نظام الحكم فيها، ولكن لأن الديمقراطية الآن هي المثل الأعلي لنظم الحكم في العالم فإن علي المثقفين دعم مشروعات التربية والتعليم في المجتمع وترسيخ التقاليد الديمقراطية في تربية النشء وتعليمهم، وأن تصبح الديمقراطية أسلوب حياة شامل، وطريقة لحل جميع المشكلات. فضلا عن أهمية نشر التعليم الجيد في المجتمعات الديمقراطية حتي لا يستأثر الجهلاء والأميون بمقاليد الأمور، لأن صوت العالِم يساوي صوت الأمي، طبقا لتعريف الديمقراطية، ومع ذلك فيجب ألا نضحي بمبدأ المساواة رغبة منا في التخلص من أغلبية الجهلاء.

س: د. علي رسول الربيعي: ما الذي يجب أن يقوم به المفكرون بالضبط، أيً تلك النخب المميزة الملتزمة بحياة العقل وصحة الجسد السياسي، في نظام سياسي قائم على المساواة وملتزم بحكم الأغلبية؟

ج: د. ظريف حسين: يجب علي المثقفين عدم اليأس من عدم سرعة استجابة الفئات أو قطاعات المجتمع وطوائفه، أو حتي القلة الحاكمة فعليا وصاحبة المصلحة في انهيار فكرة الديمقراطية-أي عدم سرعة استجابة هؤلاء لشروط العملية الديمقراطية. وكما أشرت في إجابة السؤال السابق فإن الديمقراطية هي روح، وتحتاج لتاريخ راسخ وممارسات ومحاولات لتنميتها وتكريس معناها والتدريب علي آلياتها وتقبل نتائجها مهما كانت تبدو ضد رغباتنا علي المدي القصير، ولابد من توعية الشعب بأن الديمقراطية أنجع دواء لكل مشكلات المجتمع، لأنها قادرة علي تصحيح أخطائها أولا بأول، فمثلا لو أخطأت الأغلبية باختيار من يمثلهم هذه المرة فلسوف يختارون غيره في المرة القادمة، والأهم من ذلك أنها قائمة علي مبدأ موضوعي، وهو مبدأ الجماعية لا الشخصية، فضلا عن مبدأ داورن"البقاء للأنفع"، وبذلك تنعدم أي فرصة لعودة الدكتاتورية.

س: د. علي رسول الربيعي: ما الذي يجب أن يسمح لهم مواطنوهم به؟

ج: د. ظريف حسين: للمواطنين بصفة عامة حرية التعبير والاعتقاد والاختلاف والتنوع...، أي كل الحقوق المنصوص عليها في ميثاق حقوق الإنسان، وكلها حقوق ناجمة عن روح الديمقراطية.و قطعا غير مسموح لهم بالخروج علي قوانين البلاد فضلا عن دستورها الذي توافقوا عليه، مهما كانت هناك من خلافات حول بعض البنود، ما دام احترامه سيخدم مصالح الشعب بصفة عامة وليس فئة أو طائفة معينة.و علي المثقفين تنوير المواطنين وتحذيرهم الدائم من أي تفكير في التمرد أو الخروج علي النظام بأي حجة.

س: د. علي رسول الربيعي: في أي مرحلة تبدأ قدرة هذه النخب على قيادة النقاش العام وفرض السيطرة على مقاليد السلطة الحكومية والثقافية التي التعارض مع المبادئ الديمقراطية؟

ج: د. ظريف حسين: تعد المجتمعات ناهضة وتتحمل تبعات النظام الديمقراطي عندما تقل المسافات الثقافية والمادية والنفسية…بين فئاته وقطاعاته، أي عندما تنجح في خلق روح واحد للشعب وإرادة أمة واحدة، كجسد عضوي مؤتلف الأعضاء ومعلوم لكل عضو فيه وظيفته سلفا، ولا يحتمل التقاطع ولا التداخل، ناهيك عن التضارب والتصارع بينها.ففي هذه الحالة سيتعرض الجميع للانقراض، أو بالأحري، الانتحار الجماعي. ولكن يجب ألا نتوقع رسوخ أقدام الديمقراطية في أرض ما زالت هشة بكل السهولة والسرعة، فهي أرض طالما دمرتها سنابك الدكتاتورية. والحقيقة أننا لو كنا قد تخلصنا في العراق مثلا من دكتاتورية الفرد أو الحزب الواحد، فقد ابتلينا بمجموعة من الدكتاتوريات ممثلة في طوائف وعشائر...، أي أنه بعدما كان هناك مركز واحد للسلطة فقد أصبح لدينا مراكز كل منها يريدها لنفسه دون غيره.فالرغبة في استبعاد الآخر والإطاحة به بعيدا عن المركز مرض تصاب بهالمجتمعات غير الواعية، أي الضائعة في متاهات الخصوصية والمصالح الشخصية، وعدم الوفاء للصالح العام، إلي حد التضحية به حتي لحساب أعداء الوطن التاريخيين المهددين لوحدة الأرض. وكل ذلك إذن مرهون بوعي المواطنين بتوجيه من أهل الثقافة بشرط ألا يكون هؤلاء الآخرون متورطين في تحزبات من أي نوع، أو مروضين، أو علي الأقل مأجورين.و لكن كيف لنا أن نكشفهم؟ بإدراك مدي بعدهم عن مطالب المجموع، طبقا لمفهوم الديمقراطي.

 

 

2180 علي الربيعي ونابي بوعليس1: د. نابي بوعلي: بدايةً اسأل: ماهو منبع أهتمامك في الفلسفة؟

ج1: د. علي رسول الربيعي: يعود الى الفضول والحيرة.

إنه الدافع الفلسفي القديم المتمثل في عدم رؤية كيف تترابط الأفكار المختلفة التي من المفترض أن تكون مركزية في حياة الإنسان أو الأنشطة البشرية معًا: مفهوم الذات، ومفهوم القيمة الأخلاقية والجمالية، والموقع الذي تأخذه أنواع معينة من الأشياء القيمة، (وكل واحدة من هذه لها قصة تصل بتربيتي والبيئة التي عشت فيها وأثر المدرسة انذاك في حياتي). ونظرًا لمزاجي، كان فضولي دائمًا مصحوبًا بالنقد والشك. وهو ما يطلق عليه بول ريكور:" هيرمينويطيقا الشك"، والذي أكتشفته منذُ ايام البكلوريوس في دراسة الفلسفة حيث كان واضحا ومميزًا جدًا في اعمال نيتشه وماركس وفرويد، وجاء بشكل طبيعي إلى حد ما بالنسبة لي، ونتيجة لذلك كانت ادعاءات أنواع معينة من القيم (الدينية والتقاليد، وهذه لها قصة ربما نسردها في فرصة اخرى) تثير شكوكي دائمًا.

س2: د. نابي بوعلي: أرغب بنقل الحديث الى السؤال عن دور الفهم التاريخي في الأخلاق والفلسفة السياسية؟

ج2: د. علي رسول الربيعي: إن التاريخ، بمعناه الواسع، مهم بطرق مختلفة. أولاً، قد يعرض لنا مشاكل تتعلق بآرائنا. فمثلا، عندما نسأل لماذا نستعمل مفاهيم بعينها بدلاً من أخرى كانت سائدة في وقت سابق، فإننا عادة ما يكون هذا التاريخ تبريري. وهذا يعني أننا قد نرغب في رؤية أفكارنا، مثل الأفكار الليبرالية عن المساواة والحقوق المتساوية على أنها كسبت حجة ضد المفاهيم السابقة، مثل تلك الخاصة بالنظام القديم. وكذلك يضعنا أمام مسألة الاحتمال التاريخي لأفكارنا وتوقعاتنا ايضًا.

لكن لا يجب أن يكون هذا الأحتمال مشكلة بالنسبة لنا، بمعنى أنه لا يقوض ثقتنا في توقعاتنا وأستشرافنا. أما بالنسبة إلى فكرة التبرير التاريخي - التاريخ الذي يكشف أن أفكارنا كانت أفضل بالمعايير التي كان من الممكن أن يقبلها خصومها- فيبدو المطلوب هو: علينا البحث عن نظام للأفكار الأخلاقية والسياسية الأفضل من وجهة نظر خالية قدر الإمكان من منظور الأحتمال التاريخي. ولكن على الرغم من أن هذا قد لا يقودنا إلى رفض وجهة نظرنا، إلا أن حقيقة عدم وجود تبرير تاريخي لها يؤثر من بين أمور أخرى على موقفنا تجاه وجهات نظر الآخرين.

ثانيًا، يمكن أن يساعدنا التاريخ على كشف و فهم طرق معينة قد تبدو فيها أفكارنا غير متماسكة بالنسبة لنا.

ثالثًا، سيتم تحديد محتوى الأفكار الأخلاقية والسياسية المفيدة لنا من خلال فهم ضرورات أسلوب حياتنا. إن السؤال "ما هو ممكن بالنسبة لنا الآن هو، في اعتقادي، وثيق الصلة بالفلسفة السياسية والأخلاقية. يتطلب هذا السؤال فهمًا اجتماعيًا تجريبيًا وذي بصيرة. أود أن أدعي أنك لن تفهم مثل هذه البصيرة إلا بالمناهج أو الطرق التاريخية. هذا يعني، لا أعتقد أن هناك، على سبيل المثال، علم إجتماع موضوعي بما فيه الكفاية يمكنه إخبارك بما هو ممكن بالنسبة لنا.

س3: د. نابي بوعلي: هل يمكنك إعطاء مثال عن هذه الطرق التي يكون فيها التاريخ مهمًا لمفهوم سياسي؟

ج3: د. علي رسول الربيعي: نعم، خذ مفهوم الحرية مثلاً. أعتقد، كما المفاهيم السياسية الأخرى، نحتاج إلى بناء مفهوم للحرية يكون يكون تاريخيًا معبرًا عن الوعي بذاته ومناسبًا لمجتمع حديث، وأميز -هنا- بين "الحرية الفطرية"، التي أفهمها على أنها غير معوقة عن فعل ما تريده من خلال شكل من اشكال الإكراه المفروض بشريًا وبين الحرية (الليبرالية). ونظرًا لأن الحرية قيمة سياسية، فأيً ضياع للحرية الفطرية يمكن اعتباره خسارة للحرية، ولاسيما عند النظر في ما يعتبر "إكراهًا مفروضًا بشريًا"علينا أن نعتبر ما يمكن أن يستاء منه شخص ما على أنه خسارة. تصبح هنا مسألة شكل المجتمع الممكن بالنسبة لنا ذات صلة واهمية لأنها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بما يتم القيام به أو التفكير فيه في هذا السياق. ولا تعتبر الممارسة، من هذا المنظور تحديدًا للحرية. وليست خسارة للحرية أيضًا إذا كان ذلك ضروريًا لعمل المجتمع كما يمكننا أن نتخيله بشكل معقول. وهكذا، في حين يعتبر بعض الأكراه والتهديد بالأكراه، وبعض البنى المؤسساتية التي تلحق الضرر بالناس، بمثابة تقييد لحرية الناس، فإن الحرمان من الحصول على ما أريد من خلال المنافسة الاقتصادية لن يتم إلا في حالات استثنائية، وذلك لأن المنافسة أمر اساس لعمل المجتمع التجاري الحديث. يساعدنا فهم وضعنا التاريخي أيضًا على فهم القيمة التي تتمتع بها الحرية بالنسبة لنا.

س4: د. نابي بوعلي: ماذا عن الحداثة أذن فيما يربطها بقيمة الحرية؟ 

ج4: د. علي رسول الربيعي: مفهوم الحداثة الذي يدور في ذهني هنا هو المفهوم الذي يعد أساس في علم الاجتماع الحديث. إنه أقرب إلى مفهوم ماكس فيبر للحداثة. إنه يتضمن فكرة تخليص العالم من وهم السحر ونزع القداسة عن العالم، والتخلي عن الاعتقاد بأن نظام كيفية معاملة الناس لبعضهم البعض منقوش بطريقة أو بأخرى إما فيهم أو في العالم الكوني. كما أنه ينطوي على نزعة مرتبطة بإخضاع سلطة المصادر التقليدية المتنوعة للتساؤل والتشكيك؛ فمن السمات البارزة للحداثة أننا لا نؤمن بقصص الشرعية التقليدية للتسلسل الهرمي وعدم المساواة.

والآن الرابط بين الحداثة وقيمة الحرية هو: إن الحرية مهمة بالنسبة لنا لأن قصص إضفاء الشرعية لدينا تبدأ بأقل من التوقعات الأخرى. وبسبب شكوكنا في السلطة ايضًا، وعليه تأتي ضرورة السماح لكل مواطن، بافتراض قوي لصالح السعي، لتحقيق رغباته. يمكننا أن نعتبر عدم ثقتنا الحاليًة بقصص شرعنة الماضي أمرًا جيدًا، لأن عدم الثقة هذا هو نتيجة لحقيقة أنه في ظل ظروف الحداثة، لدينا فهم أفضل للحقيقة والصدق.

س5: د. نابي بوعلي: أود أن أنتقل إلى السؤال عما تعنيه الحداثة، والوعي الذي تنطوي عليه، بالنسبة إلى نظرتنا إلى الأخلاق؛ وبالنسبة الى الفضائل لو أن شخص لايمتلكها ويفكر في اكتسابها. لقد كان لدى أرسطو إجابة لمثل هذا الشخص (ولو صعبًا على مثل هذا الشخص، إذا كان سيئًا، أن يكون قادرًا على تقدير حقيقة الإجابة). كان يعتقد أرسطو أن كل نوع من الأشياء له مثال يسعى نحوه بشكل طبيعي. يشكل المثال للبشر حالة السعادة والوجود الخيًر، حالة تتطلب امتلاك الفضائل. لكننا لم نعد نؤمن بافتراضات أرسطو عن السعي الطبيعي لكل نوع من الأشياء نحو الكمال. هل لدينا إجابة لهذا الشخص؟

ج5: د. علي رسول الربيعي: نعم. أعتقد تتعلق الإجابة فيما يشبه الكثير من سمات أخلاق وأوضاع الحداثة. اذا هناك زيادة في البصيرة والفطنة، في المعرفة، وانخفاض في الرضا الشامل عن العالم الذي يناسب الجميع، يُخيًل اليً أن وصف أرسطو، كما في الأخلاق النيقوماخية باعتباره وصفًا مرضيًا للفضائل هو وصف معبر عن الأمنيات الثقافية. لأن هذا لم يكن هو واقع ما كان يدور في أثينا في القرن الرابع.قبل الميلاد. اثينا هذه قدم عنها أفلاطون عن صورة أكثر صدقًا وواقعية، أنها كانت مريضة، والديمقراطية في طريقها للأنهيار فيها؛ وإن فكرة أن الناس كانوا كانوا فيها في حالة هائلة من الرضا والأنسجام مع الكون والنظام السياسي ورغباتهم الخاصة أمر غير حقيقي تمامًا.

س6: د.نابي بوعلي س: أود أن أختم بالأسئلة عن الصدق والحقيقة والثقافة الحديثة. كتب نيتشه أن "الإنسان حيوان مُبجل محترم، لكنه أيضًا حيوان مرتاب لا يثق وسيئ الظن، وأن العالم لا يستحق ما اعتقدنا أنه يتعلق بالشئ الأكثر تأكيدا والذي حصلنا عليه عدم ثقتنا وارتيابنا أخيرًا. كما كتب: كلما زاد عدم الثقة، زادت الفلسفة. هل تعتقد أن عدم الثقة (بدلاً من التبجيل) هو سمة من سمات المجتمع الحديث وهل يؤدي ذلك إلى "المزيد من الفلسفة"؟

ج6: د. علي رسول الربيعي: نعم. ولكن هناك شروط ومؤهل ثقيل قادم: فقد يجعل الترفيه الحديث، والتواصل الحديث، والتشبع الحديث بـ "المعلومات" النقد الفعال والتفكير الفعال ضعيفا جدا أو لايُذكر. مثلما أصبحت الصحف الشعبية مهووسة بالفضائح اليوم ويهيمن على الإنترنت النوع نفسه من الأخبار، من الممكن أن يصبح فحصنا وتحقيقاتنا وطرح الأسئلة مجرد ظواهر سطحية، قشروية، وأن هناك ببساطة الكثير من الافتراضات غير المرضية حول كيفية قيادة الحياة تمامًا. فاذا تم فسح المجال للتعبير عنها حقًا، لا أعتقد أن الناس سيؤمنون بها، لكن المشكلة ليس لديهم خيار سوى المضي معها. إن فكرة الفضاء الذي يمكن أن تستمر فيه الفلسفة والأنواع ذات الصلة من النشاط النقدي والتساؤل قد تكون نفسها مهددة. إن فكرة الفضاء الذي يمكن أن تستمر فيه الفلسفة والأنواع ذات الصلة من النشاط النقدي والتساؤل قد تكون نفسها مهددة.

س7: د. نابي بوعلي: لقد توصل نيتشه بمنهجه الجينالوجي إلى استنتاج مفاده أن الحقيقة هي المفهوم الميتافيزيقي الأخير، وأن التحقيق الذي تقوده الحقيقة ينتهي به الأمر إلى تقويض نفسه. هل ترى أن ثقافة الشك لدينا تهدد بتقويض إيماننا بالحقيقة؟

ج7: د. علي رسول الربيعي: عندما قال نيتشه في كتابيه "العلم المرح" و"جينالوجيا الأخلاق" أن هذه النار التي اشعلت استفساراتنا هي نفس النار التي اشعلت أفلاطون، كان هدفه هو إثارة غضب الليبراليين الذين كانوا يسعدون برأيه عندما ما كان ينقد للكنيسة. أعتقد أنه أراد تقديم وصفًا متجنسًا – طبيعيا بشكل كافٍ لقيمة الحقيقة. إن الجينالوجيا هي منهج يحاول تفسير وجهة نظر أو أحد القيًم من خلال وصف كيفية ظهورها، أو كيف تكون قد نشأت، أو كيف يمكن تخيل حدوثها. السؤال المثير للاهتمام الذي يمكن للمرء أن يسأله عن الجينالوجيا هو ما إذا كانت تبريرية، أي ما إذا كان تفسير الجينالوجيا لقيمة ما، عندما يتم فهمها، يقوي أو يضعف ثقة الفرد في تلك القيمة!

 

 

عزالدين عناية- الحديث لدينا في اليهودية لا زال يدور حول "بروتوكولات حكماء صهيون" ولم يرتق بعد إلى حديث أكاديمي

* بادئ ذي بدء هل تعرفنا في نبذة يسيرة عن مسيرتكم البحثية والمعرفية إلى حد الآن؟

- أشتغل منذ ما يربو على ثلاثة عقود في حقل الديانات، أي منذ التحاقي للتحصيل العلمي بالجامعة الزيتونية بتونس سنة 1986، وقد كان التركيز على تراث الديانات الثلاث بشكل خاص (اليهودية والمسيحية والإسلام). فقد أدركت مبكّرا تردّي الكتابة العلمية في هذا المجال في الثقافة العربية الحديثة، الأمر الذي جعلني أنحو للإلحاح على المنهج العلمي في أعمالي لتمييز المعرفي من الإيديولوجي، أو بشكل أدق لتمييز الدراسة الداخلية عن الدراسة الخارجية للدين. فقد كانت دراستي اللاهوتية الثانية في الجامعة البابوية الغريغورية وجامعة القديس توما الأكويني بروما، حافزا لي للسعي للفت انتباه أبناء حضارتي العربية الإسلامية، رغم أني إيطالي الجنسية، إلى التطورات العلمية والبحثية في هذا الحقل لدى أهالي الغرب، الذين أعيش بين ظهرانيهم. فليس من اللائق أن نزعم أننا حملة حضارة منفتحة ونبقى على تدني معرفي بالآخر.

* ما جدارة التخصص الذي ركزتم عليه (البحوث اليهودية) وهل يمكن تصنيف الباحثين العرب في هذا المجال: حسن ظاظا، عبد الوهاب المسيري، وغيرهم...؟

- كانت التنبّه العربي لليهودية في الفترة الحديثة بفعل عامل سياسي، تمثل في اغتصاب فلسطين، ونظرا لمنشأ المقاربة الحديثة في حضن هذه المثيرات والدوافع، نشأ الخطاب غاضبا ومتوترا. فقد خاض العرب مع إسرائيل صراعا مريرا، ولكن للأسف لم يولوا في ذلك اهتماما للأرضية التراثية الدينية التي تستند إليها، فقد كان التعامل مع إسرائيل كحدث سياسي لا غير. أما عن الخط البحثي الذي سار فيه حسن ظاظا وعبد الوهاب المسيري فهو خط توظيفي للمعرفة، أعني أن المعرفة باليهودية لديهما جزء من أدوات الصراع مع إسرائيل، وغفلا عن أن اليهودية هي جزء من تراث المنطقة وأعمق وأعرق من إسرائيل. ولذلك ما أراه أن الخط العلمي في تناول التراث العبري هو في طور الظهور والنشأة، فقد عبّر المذكوران عن أعلى مراحل المنافحة والرد، بمدلوليهما الكلاسيكي. وما يحتاجه العرب اليوم هو خطاب موضوعي يصغي له العالمين لا خطاب للاستهلاك المحلي.

* هل قرأتم كتاب د. سعد البازعي: "المكون اليهودي في الحضارة الغربية": ما رأيكم فيه؟

- اطلعت عليه وهو كتاب مهمّ في المجال الذي يتطرق إليه، وأقدّر أنه يلقي ضوءا كاشفا على مسألة مهمّة، وإن كانت لا تندرج ضمن انشغالات علم الأديان.

* هل يمكن للدراسات التي تهتم باليهودية أن تكون علمية خالصة في منهجها وفي أهدافها، وكيف ذلك وهل توجد أمثلة على ما تقول؟

- ينبغي للعقل الإسلامي أن يتجاوز إسرائيل، أو بالأحرى أن يضعها بين قوسين، حتى يعيد وعيه بالذين هادوا. فالمنهج العلمي لا يبنى بين عشية وضحاها، بل يتبلور ضمن مسيرة تحليل ونقد تفضي إلى تراكم معرفي، والحديث لدينا في اليهودية لا زال يدور حول "بروتوكولات حكماء صهيون" ولم يرتق بعد إلى حديث أكاديمي، باستثناء بعض الأعمال الشريدة، مثل أعمال الأستاذ كمال سليمان صليبي وعبد الرزّاق أحمد قنديل ومحمّد خليفة حسن أحمد، ولم تشكل بعد خطّا متكاملا.

* الاستشراق والاستغراب والاستعراب والاستفراق والاستهواد... أليست هذه الضروب من التخصصات الحضارية مجرد تقليعات عرضية؟

- هذه علوم وليست تقليعات عرضية، والمشكلة أن هذه العلوم لم يتبلور وعي كاف بها لدى العربي، لأنه يعيش على محاكاتها لا المشاركة في إنتاجها، ولذلك يخيل أحيانا أنها كلمات جوفاء. فلو أخذنا علم اليهوديات، الذي حاولت نعته باصطلاح "الاستهواد" في الرسالة التي أعددتها في الجامعة الزيتونية بعنوان "المقاربة الدينية لليهودية في الفكر العربي خلال النصف من القرن العشرين"، ماذا أولاه عرب الراهن من اهتمام، فهم يتحدثون صباح مساء عن إسرائيل واليهود، ولكن كم منهم اطلع ودرس وحلّل التلمود، ولا أقول الكتب التي تحدثت عن التلمود؟ وكم منهم تابع التحولات الفكرية التي عرفها اليهود قبيل الانقضاض على فلسطين؟ وكم منهم انشغل بسوسيولوجيا الأقليات اليهودية وتواريخها في البلدان العربية أو خارجها، أو تناول الأثر الفاعل للطبقة الثقافية أو السلطة الإعلامية النافذة ليهود الغرب في الراهن؟

ففي الجامعات الغربية نجد أغلب أساتذة الإسلاميات ودراسات الشرق الأوسط لهم أصول يهودية أو ممن يدورون في فلك الكنيسة. فهل العرب لهم تلك المقدرة معكوسة في الإلمام باليهوديات والمسيحيات؟

* النقد الثقافي، كيف تراه وكيف يمكن نقده من منطلق معرفي يخلو من الإسقاط المنهجي؟

- العرب اليوم لا يقدرون على النقد الثقافي الموضوعي للآخر إلا ما ندر. فلا تتوفر لعرب الداخل الأدوات الموضوعية لذلك، فلو أخذنا الحقل المتعلق بالمسيحية الغربية، ماذا يقدر العربي أن يقول فيه. فليس هناك حركة ترجمة عربية تنقل المقول الغربي في هذا المجال، كما ليست هناك دراسات وأبحاث سوسيولوجية أو إناسية قام بها عرب أقاموا أو استوطنوا في الغرب تناولت فاكرته ومؤسساته الدينية. فلا زال السوسيولوجي العربي يدرس علم الاجتماع الديني أو الواقع الديني في الغرب عن بعد، بأدوات ماكس فيبر ودوركهايم، والحال أن هذه الأدوات صارت من الآليات الكلاسيكية المتحفية، أمام مدارس ومناهج وتوجهات حديثة. أذكر على سبيل الذكر تحليلات ما صار يعرف بـ"السوق الدينية" السائدة في أمريكا، في تناول المسيحية وغيرها من الديانات.

*هل ما زال المثقف العربي يراوح في أزمته، وكيف ترى تجلياتها وهل ترى في الأفق بصيصا من الأمل؟

- تشكلت بطرياركية ثقافية عربية صارت بمثابة الأوثان، في الأدب والسياسة والدين والاجتماع، وقد ساهم في تقوية نفوذ هذه الشلّة، عدم التحرير الكافي لمجالات النشر والإعلام في البلدان العربية. وقد روّجت لتلك الشلة "مافيا ثقافية"، تريد ترسيخ واحدية الفهم في شتى المجالات، دون مراعاة التنوع والتضاد والتغاير والاختلاف.

* ما جديدك وما مساهماتك القادمة، وهل من محاورات جدلية فكرية وخصومات معرفية نشأت بينك وبين بعض الباحثين من جيلك و/أو من أجيال السابقين؟

- أحاول أن أترجم إلى اللسان العربي الدراسات والأعمال التي أرى فيها نفعا في مجال الدراسة العلمية للأديان، كما أحاول نقل رؤية موضوعية للدين في الغرب، فللأسف ثمة إهمال للجانب الديني وكل ما يتعلق بالمناهج العلمية في هذا الحقل. فمثلا، يتواجد تقريبا في كل الحضارات متخصصون في الشأن الفاتيكاني، أي ما يعرف بـ"Vaticanista"، إلا العرب يفتقدون لذلك، رغم الدور الاستراتيجي الفاعل للفاتيكان الذي يرعى ما يناهز المليار ومئة مليون كاثوليكي ويؤثر في سياسات عدة دول. فحتى الإخوة المسيحيين لدينا قد أسقطوا هذا المجال من اهتماماتهم، رغم أنهم الأكثر قربا والأوفر حظا في الانشغال بهذا المبحث.

من ناحية الحوارات والخصومات، ليس من طبعي الخصام، بل الحوار الهادئ حتى وإن تناول قضايا حارقة، والإلحاح على العلمية والمسؤولية والابتعاد عما هو أيديولوجي.

* ما رأيك في مشاريع البحث لرابطة العقلانيين العرب جورج طرابيشي / عبد المجيد الشرفي ...؟

- المشاريع كثيرة ولكن التنفيذ قليل. فكل ما أتمناه أن توضع الكفاءات العربية في شتى التخصصات داخل قنواتها الصائبة، وأن يجلس الجميع حول الطاولة ويتحاوروا، فالكلّ يمتطون معا سفينة في بحر لجّي، لا أن يتدابروا، ليشكل هذا رابطة للعقلانيين وآخر للسلفيين، كما ساد في مضى واحدة للتقدميين وأخرى للرجعيين، وفي النهاية نتبين أن ما هي إلا أسماء سميناها.

* سلسلة كتب الإسلام واحدا ومتعددا إشراف د. عبد المجيد الشرفي: كيف تراها؟

- الأستاذ عبدالمجيد الشرفي رجل علمي، وأتمنى له التوفيق في مسعاه، وأقدّر أن السلسلة مبادرة قيّمة للخروج من الرؤية الضيقة للإسلام التي هيمنت وترسخت. فأن يأتي رجل من أقصى المدينة، أي من كلية علوم إنسانية لا من حرم كلية الشريعة، ليطرح رؤى مستجدّة في النظر للإسلام ودراسته، فيه من الدلالة الجلية على اغتراب "كلية الشريعة" في الزمن الراهن، أقصد جامعة الزيتونة تحديدا، والتي صار يفصلها عن الاجتماع بون شاسع. وإلا فما مبرر، غياب تدريس علم اجتماع الإسلام وظواهرية الإسلام، وإناسة الإسلام، وعلم نفس الشخصية المسلمة، وتاريخ الإسلام، ودراسات الديانات المحيطة بالإسلام ماضيا وحاضرا في شتى الكليات الدينية.

 

حاوره الأستاذ صابر الحباشة

 

2160 بالعربي 1ويحلق في طريق العالمية بعلبة رسم للاطفال !

الأمم المتحدة ومجلة مؤثرون الأميركية وعدد من نجوم هوليوود يحتفون به ..

اذا غامرت في شرف مروم، فلا تقنع بما دون النجوم، قالها الشاعر العربي يوما فصارت نبراسا للعديد من المثابرين والمجتهدين في عالمنا للوصول الى مبتغاهم من خلال الصبرالمتواصل على الأذى وتذليل جميع الصعاب التي تعترض مسيرتهم لتحقيق أمانيهم المشروعة وتجسيد الحلم، ويبدو أن رسام الافيش الجزائري شمس الدين بلعربي، وهو فنان تشكيلي متخصص بتصميم ملصقات الأفلام العالمية (الأفيش) من مواليد 1987 بعين تادلس التابعة لولاية مستغانم الجزائرية، يعد واحدا من هؤلاء المجتهدين ولكل مجتهد نصيب كما يقولون، فهذا الرسام المثابر الذي يطور مهاراته وينمي موهبته بإستمرار قد بدأ حياته راعيا للغنم قبل أن يمارس حرفة الرسم داخل منزله القديم الذي يضم بين جنباته عائلة مكونة من ستة أفراد هو أكبرهم سنا، ليشق طريقه بعد ذلك بهمة حديدية وعزيمة لاتلين حتى وصل الى العالمية، وقد سبق لي أن تشرفت بإجراء حوار معه قبل عامين، الا أن ما إستجد مؤخرا في مسيرته الواعدة من تطورات وتكريمات حملني على إجراء حوار جديد معه، ولعل نشر مسيرته الفنية في موقع تابع للامم المتحدة كان من أبرزها فكان هذا الحوار معه :

* نشرت قصة مسيرتك الفنية الرائدة من قبل مبعوث الأمم المتحدة لرعاية الطفولة في افريقيا والشرق الأوسط في موقع idirzs8.wixsite التابع لها، كيف تم ذلك ومتى تعرفت على النجم الهوليوودي فينسنت لين وهو أحد مبعوثي السلام في المنظمة حاليا؟

- معرفتي بالنجم فينسنت لين، بدأت عندما كنت أشاهد أفلامه في صالة السينما وانا طفل صغير مع أن طفولتي كانت صعبة وتدريجيا بدأت اطلع على تأريخ النجم فنسنت لين، فوجدته يمتلك اطلاعا واسعا على الثقافة الشرقية ولاسيما العربية منها فأرسلت له رسالة مشفوعة بلوحة له ولوالديه وقصصت عليه قصتي فأعجب بها ثم اخذ يكتب عنها وقام بنشرها في الموقع التابع لعمله في الأمم المتحدة وهذا شرف كبير لي.

* انت القائل بعلبة ألوان أطفال ثمنها 50 دينار جزائري وصلت أعمالي الى مراتب راقية بفضل الله تعالى ولقد سعدت جداً بالمقال الذي كتبه نجم هوليوود الشهير Vincent Lyn عن مسيرتي الفنية في Magazine mudeum العالمية في مقال بعنوان ( صرخة فنان إفريقي مزج الألوان بالدموع )، نود منك ان توجز لنا جانبا مما جاء في هذا المقال وماذا قال عنك لين؟

- لاشك ان الثقة بالله تعالى هي نجاح بحد ذاتها، لقد كنت فقيرا ولم تتوفر لي سوى علبة ألوان مخصصة للاطفال فنجحت بالصبر والمثابرة والتوكل على الله من إيصال صوتي ولوحاتي الى العالم ليكون ذلك التحدي والاصرار بمثابة رد على بعض من يتنصلون من معقتداتهم ودينهم وينسلخون عن هويتهم مقابل تحقيق الشهرة المذلة، وقد قلت صراحة للسيد فينسنت لين بأني اقرأ القرآن الكريم وأصلي وببركاتهما حققت نجاحي والحمد لله، ولم اجد حرجا في ذلك البتة، فعندما تحترم نفسك يحترمك الآخرون.

*صنفت كشخصية مؤثرة في (مجلة مؤثرون الأمريكية ) الشهيرة لعام 2020، كما تم تكريمك من قبل وفد سينمائي اجنبي جاء الى بلدك خصيصا لهذا الغرض اضافة الى تلقيك رسائل تهنئة مع التشجيع المستمر من وزراء ثقافة أجانب، نود ان نتوقف قليلا عند محطة التكريمات هذه لنطلع على طبيعتها وشخوصها؟

- نعم لقد صنفت من قبل مجلة مؤثرون الأمريكية الشهيرة INFLUENTIAL PEOPLE MAGAZINE كشخصية مؤثرة لعام 2020 وقد كتبت المجلة عن مسيرتي الفنية تقريرا مطولا في ثلاث صفحات مرفقة ببعض رسوماتي التي نشرت مع التقرير فضلا عن غلافها، فيما تلقيت رسالة خاصة من وزيرة الثقافة البلجيكية وبعض الشخصيات السياسية من مختلف أنحاء العالم اعترافا بما أبذله من جهود حثيثة ضحيت من اجلها بالكثير والكثير، لقد بذلت مجهودا كبيرا لمواجهة الانحطاط والرداءة التي تحيط بنا من كل حدب وصوب، فانا سائر على خطى الاوائل من المثابرين والمناضلين والمبدعين والمجتهدين من تلكم النبتات العنيدة التي تنمو وسط الصخور ولا تأبه لها .

2160 بالعربي 2

* في اليوم العالمي للغة الضاد حققت أكبر إنجاز في حياتك تمثل بإدخال اللغة العربية في كتاب هوليوود العالمي BUKS OF AMERICA حيث طلبت نشر قصتك باللغة العربية وهذه هي المرة الأولى في تاريخ هوليوود التي تكتب فيها قصة باللغة العربية ضمن مطبوع سينمائي مكتوب كله باللغة الإنجليزية، والسؤال هنا، هو كيف نزل الهوليوديون عند رغبتك تلك وانت ضيف عليهم حتى انهم كتبوا سيرتك بلغة غير لغتهم الام؟

-ذلك بتوفيق من الله عز وجل وحده، فقد طلبت منهم نشر قصتي باللغة العربية في كتاب هوليوود العالمي المكتوب باللغة الإنجليزية الى جانب نجوم وعمالقة الفن العالمي أمثال Éric Robert و Robert Gatewood و Aki Aleong وغيرهم كثير، ولعلها أول المرة في تاريخ هوليوود !

*حدثنا عن أبرز اللوحات والنشاطات والأفكار التي في جعبتك والتي تعتزم انجازها ورسمها في المستقبل القريب؟

 - الحقيقة أود تخصيص جزء من وقتي وجانب من عملي لرسم رموز الثقافة والفن والدين والأدب في عالمنا العربي، كما انوي رسم جدي الحبيب والذي يعد واحدا من علماء الجزائر وأعني به الحاج قدور بلعربي، الذي تتلمذ على يد العالم و الفقيه لعجال بلطرش، اضافة الى مشاريع اخرى سأتركها مفاجأة لجمهوري الحبيب في وقتها ولكل مقام مقال .

*هل عرضت عليك هوليوود تمثيل أحد أدوارها في بعض افلامها، وماذا لو جاءك عرض منهم بهذا الصدد، هل ستوافق أم أن هناك مانعا ما؟

- حتى الأن لم اتلق دعوة لتأدية دور ما في فيلم هوليوودي، ولكن والحق يقال اذا ما سنحت لي الفرصة ووجدت بأن الدور يتلاءم مع شخصيتي ولا يتعارض مع قيمي الدينية ومبادئي الأخلاقية فمرحبا به وأهلا .

* يتساءل الكثير من القراء والمعجبين، عن عملك في مجال الرسم، هل تراه مقصورا على نجوم السينما وبعض الشخصيات الفنية، أم أن هناك في مسيرتك لوحات أخرى تندرج في مجالات بعيدة عن السينما كالانسانية مثلا، الاجتماعية، الثقافية منها على سبيل المثال؟

- انا ارسم من أجل الحياة والسلم والتعايش والطفل، ارسم للمجتمع وللإنسانية جمعاء شريطة أن لا يضيق ذلك على حريتي الدينية ومبادئي الوطنية و الأخلاقية والاجتماعية.

* هل سبق لك ان أقمت معرضا لمجمل لوحاتك في احدى القاعات الثقافية داخل أو خارج الجزائر؟

- مؤخرا تلقيت عرضا بهذا الشأن من مدير مهرجان وهران للفيلم العربي، الاستاذ أحمد بن صبان، وهي مبادرة جميلة ورد اعتبارولاريب، اضافة الى ذلك فقد وقف الى جانبي وساندني وزير الصناعات السينمائية يوسف السحري بإقامة المعرض المذكور واتوسم خيرا من تلكم الدعوة وذلكم الاسناد الذي اتلقاه في هذا المجال .

2160 بالعربي 3

تجدرالإشارة الى أن بدايات الفنان الجزائري شمس الدين بالعربي، كانت في مرحلة الطفولة حيث كان مهتما بالرسم، وفي طريق عودته الى المنزل يوميا كان يرمق بعض الصحف وهي ملقاة على جانب الطريق وكانت تجذبه صور نجوم السينما فيها فيلتقطها ويتأبطها ليرسمها في منزله القديم ولعل عيشه بكنف عائلة فقيرة جدا إضطره لإمتهان الرسم كحرفة بدأت بتزيين المحال التجارية والديكور أولا وهكذا كانت البداية، فالسينما بالنسبة له كانت حافزا كبيرا لرسم ملصقات ولقطات الأفلام حتى عقد العزم على بناء ورشة عمل صغيرة الى جانب المنزل وبدأ يبعث برسوماته الى شركات الانتاج السينمائية الامريكية برغم ان تلكم اللوحات كانت مرسومة بأدوات بسيطة وهكذا لسنين حتى تبسم له القدر وتواصل المنتج الارجنتيني خوان مانويل اولميدو معه بعد أن شاهد أعماله وأعجب بها وطلب منه عمل ملصق لفيلمه (الضربة القاضية ) من بطولة الممثل العالمي محمد قيسي، الشهير بدور ( Tong po ) والمعروف ضمن الشخصيات السينمائية في عقد الثمانينات، وهكذا حتى تم تسجيل إسمه في القاموس العالمي للسينما العالمية IMDB

وأردف بالعربي " بحمد الله لقد نجحت في إعادة فن الافيش التقليدي الى الساحة الفنية أما بالنسبة الى الاضافات التي اسهمت فيها لإثراء هذا الفن فكانت عبر الرسم الزيتي والتركيز على المبالغة الفنية في الظل والنور والكتابة بخط عصري جميل واستعمال الالوان الجذابة الممزوجة بطريقة الذوبان اللوني لإبرازها قريبا من الصورة الواقعية، لقد أعدت تركيب الملصق المرسوم وأخرجته من دائرة اللوحة التشكيلية الى رسم مركب بأبعاد مختلفة لتقريب فكرة الفيلم للمتلقي والتعريف بمضمون الفيلم، وفي بعض الأحيان استعمل الصورة الحقيقية واضيف لها تزيينات فنية بالريشة بما تعجز الآلة الرقمية عن اضافتها "، مشيرا الى، ان" الوصول الى نجوم هوليوود كان صعبا جدا بحكم التعقيد في كيفية الاتصال بهم نظرا للكم الهائل من الرسائل التي تصلهم من المعجبين و كيفية عرض اعمالك و كيفية إقناعهم بعمل جديد مختلف وأنه سينال إعجاب الناس، زد على ذلك أن لهم فريق عمل خاص بهم، كل هذا شكل عائقا امامي ولكن وبعد الاتكال على الله وبالصبر والتكرار والعمل المستمر لسنين تم التوصل إلي النتائج المرضية، وأهم النجوم الذين تعاملت معهم jean claude van damme و Jimmy Gourad و Qissi و Harrison page ".

وتابع رسام الافيش الجزائري " لاشك ان الأفيش الأقرب إلى قلبي هو افيش فيلم : Chinese Hercules The Bolo Yeung Story وهو فيلم وثائقي يروي قصة الممثل الأسطورة بولو يونغ، ويتناول مسيرته الفنية و كان لي شرف تصميم ملصق هذا الفيلم الوثائقي التأريخي، أما عن أحب الملصقات التي لم اصممها وتمنيت لو انني صممتها فهي فيلم (قلب الاسد) الذي صممه الفنان جون الفين، وملصق فيلم (ليجيونير)، " منوها الى، انه " يتمنى افتتاح مدرسة عالمية للشباب العربي بغية إبراز مواهبهم وأنه على استعداد تام لإعطاء كل ما عنده من عصارة خبرة وتجربة في ذلك الى الموهوبين الشباب لإنتشال الكثير من تلكم المواهب الشابة الحالمة والواعدة من برك الركود والبطالة الخانقة ".

 

حاوره / احمد الحاج

 

 

 

علي رسول الربيعيهذه أسئلة في الفلسفة وأجوبتها من قبل علي رسول الربيعي و أنيسة بوزيان.

س: ما هي الفلسفة بالنسبة لك؟

ج: د.علي رسول الربيعي: البحث عن الحقيقة غير الرياضية عن طريق ممارسة قوى الحكم والتفكير، والبحث عن المعنى.

ج: أنيسة بوزيان: الفلسفة بالنسبة لي هي رحلة بحث و ليست محطة وصول تعتبر مدرسة للحرية و صانعة للحياة فهي نهر هاديء و ليست سيل جارف، علمتني الفلسفة محبة الحكمة و عودتني على ممارسة حكمة الحب

س: لماذا الفلسفة مهمة؟

ج: د.علي رسول الربيعي: لأن العديد من الأسئلة المهمة - بما في ذلك الحقائق حول الأخلاق/ والقيًم، والجمال، والبنية العامة للواقع، وعلاقاتنا بهذا الواقع - لا يمكن معرفتها، على الإطلاق، إلا من خلال الفلسفة.

ج: أنيسة بوزيان: لأنها علمتني أن الثابت الوحيد هو أن لا وجود لشيء ثابت كما علمتني النقد والشك في كل الاشياء واخضاعها للغربلة حتى اتمكن التميز بين الراجحة منها والتخلى عن غير الراجحة و علمتني تفادي الأحكام المسبقة و أصبحت نظرتي للأشياء بعيدة و عميقة.

س: كيف تفكر في التفلسف؟

ج: د. علي رسول الربيعي: أفكر في فلسفة الحاضر، أيُ رفع قضايا ومشكلات اللحظة التاريخية المشخصة الـــى مستوى النظر الفلسفي.

ج: أنيسة بوزيان: أفكر في التفلسف من خلال فلسفة حياتي وعيش فلسفتي التي حلقت بي من قفص السطحية و المحدودية إلى أفق اليقظة والمغامرة.

س: ما هي أكبر مشكلة نواجهها في المجتمع المعاصر؟

ج: د.علي رسول الربيعي: الجهل.

ج: أنيسة بوزيان: تقديس التخلف وضعف الوازع الديني والإنحلال الخلقي والضياع.

س: ماذا تأمل أن تحققه من ممارسة الفلسفة؟

ج: د.علي رسول الربيعي: استنزاف الجهل أو تخفيضه.

ج: أنيسة بوزيان: محاربة تقديس الحمقى والأوهام والمغالطات المزوقة التي في ظاهرها خطابات ملائكية وفي باطنها أفكار وأفعال شيطانية.

 

 

انور بن حسين* بعد مئتي عام سيختفي الشعر ويصبح مجرد تراث

كان حواري مع الشاعر محمد المثلوثي على إثر زيارة للاطمئنان على صحته بعد تعرضه لجلطة قلبية فأردت أن أنتهز الفرصة لإدارة حوار معه خاصة وأنه من الشعراء القلائل الذين كتبوا كثيرا في غرض المدح وكذلك الأغراض الشعرية الأخرى ومن الذين تمسكوا بالأصالة وبالتراث الشعري العربي وله رصيد محترم من الإصدارات التي تستحق الاهتمام رغم موجات التجديد وشعر ما بعد الحداثة.هكذا ظل وفيا إلى بداياته وإلى الأوائل الذين ورثنا عنهم حجر الأساس في فن الكلام المقفى.فكتب عديد الدواوين نذكر منها "روض الخلود" تغنى فيه بمناقب العرب وشجاعتهم، "حدائق البيان في سلطنة عمان"، "عاشق الكويت"، "روض الربيع في المغرب البديع"، "جديد السعودية في القوافي التونسية" وغيرها كثير ولديه خمسة كتب في التوثيق التاريخي والسياسة.هو من مواليد 1943 ميلادية بالقلعة الكبرى وهي مدينة صغيرة بالساحل التونسي، له صولات وجولات بين الدول العربية حتى أنه صار متنبي عصره يجول بلاطات السلاطين والملوك، كما تحصل على بعض الأوسمة منها وسام الاستحقاق الثقافي من المملكة العربية السعودية سنة 2005 والوسام الفضي للاستحقاق الأدبي بفرنسا سنة 1988 من قبل وزير الثقافة الفرنسي شارلي بوناردي، وتحصل على عديد رسائل الشكر من عديد الملوك والرؤساء كجلالة الملك محمد السادس ورئيس فرنسا السابق جاك شيراك. وإن للشاعر علاقات عريقة بكل من الأمير الشاعر خالد الفيصل والشاعر الوزير غازي القصيبي (رحمه الله) وكذلك بالمستشار الثقافي لفقيد الأمة العربية السلطان قابوس، ويقول لكل أصدقائه الذين أحبهم ومن هؤلاء من كتب فيهم قصائد ولازال يذكرهم وهو على فراش المرض:

"أنا الذي قلت شعرا ليس يفقهه

إلا الذين ببيت العلم هم خلقوا

وما انكسرتُ بدهري رغم شدته

والجاهلون ببحر المال قد غرقوا

دقوا الكؤوس بكأسي وهي خاوية

من عسر هذا الدهر وارتاحوا واغتبقوا

دمي على الهجر موهوب لكم قسما

لو مات قلبي من حبي لكم فثقوا"

ويمكن لهذا الحوار السريع أن يقدم لمحة عن شخصه وأفكاره وإن وردت باقتضاب فإنها تفتح المجال للبحث في كتاباته وإنتاجاته.

1- ما الشعر في نظركم وما سر تمسككم بالقصيدة العمودية وبأغراضها الشعرية وما موقفكم من أشكال الكتابة الشعرية المعاصرة؟.

- كانت بدايتي مع الشعر منذ الصغر وكنت مولعا بحفظ القصائد وكانت لي ذاكرة شعرية حادة وهذا شجعني على مواصلة المشوار والمضي قدما في التجربة بالإضافة إلى تشجيع بعض الأصدقاء والأساتذة أذكر منهم الميداني بن صالح ومنور صمادح وكانوا يحثونني باستمرار على كتابة الشعر لما رأوا لدي من نبوغ وولع بالقصيدة العمودية.وقد كتبت في عديد الأغراض الشعرية كالمدح والرثاء والهجاء والغزل وكنت وفيا في تجربتي إلى التراث الشعري العربي وميالا إلى شعر المدح وتأثرت بأبي تمام وأبي الطيب المتنبي والأخطل وابن أبي ربيعة وغيرهم من فطاحل الشعراء، وحفظت عنهم الكثير من الشعر ما يقارب عشرة ألاف بيت.وعندما مدحت الملك المغربي محمد السادس بمناسبة عيد العرش سنة 2005 لما رأيت فيه من طموح ورغبة في إصلاح أوضاع بلده ارتجلت الشعر عنده ورأيت ما يوليه من تبجيل للمبدعين وتشجيعهم كما مدحت السلطان قابوس من سلطنة عمان وكتبت فيه قصيدة رثاء بمائة بيت بعد وفاته. فالمدح ليس ضرورة انتظار بعض المكافآت من الممدوح ولكنه ذكر للمناقب والقيم الأصيلة والتي تقدم دروسا في الشهامة والكرم وحب الناس.

أما في خصوص موقفي من أشكال الكتابة الشعرية فأنا لا أرى أنواعا في الشعر والذين جعلوا للشعر أنماطا وأشكالا هم مخطئون وأقولها على مسؤوليتي فهذا ينضوي تحت ما يمكن أن نسميه الجهل بقواعد الكتابة الشعرية فكيف يكون الشعر شعرا ونثرا في نفس الوقت. فمنذ القديم اصطلح العرب على مقومات القصيدة وعلى النثر كجنس أدبي مختلف. إن الكلام عند العرب نوعان لا ثالث لهما شعر ونثر فما يميز الشعر عن النثر انه موزون وذو تفعيلة وذو جمالية لغوية تختلف عن أصناف الكتابة الأخرى ولا يمتلك صفة الشاعر إلا من كانت له ميزات منها سرعة البديهة والتمكن من اللغة وأعتبر الهروب من القصيدة العمودية هو إما ضعف وإما تقصير ونرى اليوم كل من يكتب كلاما منثورا يعتبره شعرا وهكذا اختلط الحابل بالنابل ويصعب التمييز بين الجيد والرديء. التطاول على الشعر كفن من الفنون العريقة يعتبر تكريسا للرداءة و تجنيا على ثقافتنا العربية التي تقوم على القول الفصيح والبيان والبلاغة . وهذه الرداءة ستقضي على الأصالة الشعرية التي تمثل جزءا من هويتنا وإذا تواصلت موجات العزوف عن الشعر فإنه سيختفي بعد مائتي عام ويصبح مجرد تراث.

2095 المثلوثيوقلت في هذا السياق قصيدة منها هذه الأبيات:

"توهموا من جهلهم أن يفلحوا

بالغرس في أرض البقاع البلقعِ

وتمردوا ضد الأصالة والأولى

وأتوا بشعر في هزال الأنسعِ

وتماسكوا مثل الهباء بشعرة

وقلوبهم حسرى لشعر المبدع

فيقايضونه في المجال وقاحة

ورياحهم مثل الدّبور السُّفعِ

يتشدّقون لدى الملا بجهالة

ويضخّمون القول عند المطلع

وترى الدواوين لديهم ما بها

إلا هراء لا يطيب لسامع"

2- باعتبارك شاعرا كيف تعرف الإبداع وهل ترى في الخصوصية ضرورة لتمييز تجربة عن أخرى؟

- في كل ميدان هناك مبدعون وفي الشعر كذلك يوجد مبدعون فبدون إبداع ليست هناك ميزة في عملية الكتابة.هو شيء ضروري لتقدم الإنسان وللرقي بالذائقة ولكي نميز بين الغث والسمين. والشاعر له نظرة تختلف عن نظرة الإنسان العادي فالشاعر فيلسوف ومفكر فهو لا يكتب من فراغ، وكانت له في القديم مكانة مرموقة وحظوة اجتماعية والقبيلة التي ينبغ فيها شاعر كانت تحتفل وتفتخر بهذا الحدث لعشرات السنوات ويشعلون النار لمدة سبع سنوات فوق قمة الجبل تمجيدا للشعر والمسألة رمزية بالأساس ذلك أن هذه الأقوام رغم أنها عاشت في ظروف مختلفة وأقل تطورا إلا أنها كانت تبجل أصحاب المعارف والمواهب لأنهم يساهمون في وضع نظام قيمي للقبيلة وحث الهمم في الحروب من خلال قصائد الحماسة وخلق بيئة يكون فيها المعنى همزة الوصل بين الأفراد.

3- هل ترى أنه بإمكان الشعر تغيير الواقع اليوم؟ أم أنه يبقى مجرد تعبيرات وجدانية لتجارب ذاتية؟

- يؤسفني أن أرى الشعر يتخلى عن مكانته التي كان عليها وذلك لأسباب نعرفها فمعطيات الواقع تغيرت والكون تطور والإنسان أصبح له اهتمامات أخرى وأصبح يعبث حتى بالتاريخ ويزوّره ولا يؤمن أن الشعر يمكن أن يغير واقعه الاجتماعي أو المادي وسيأتي يوم وتنقطع فيه الكتب الورقية تماما في ظل استلاب التكنولوجيا وهيمنتها على تفاصيل حياتنا ومآل الشعر أن يصبح في يوم من الأيام من التراث ومن يصير لديه كتاب شعر ورقي يمكن أن يبيعه بالمزاد العلني بمئات الملايين.

4- كيف تقيّم المشهد الثقافي في تونس وهل ترى أن ما تقوم به الهياكل الرسمية يقدم الإضافة للمبدع؟

- دوام الحال من المحال. المبدع في تونس لازال لا يحظى بالقيمة التي يستحقها فمساهمات الوزارة والمؤسسات الحكومية محتشمة في هذا المجال والمبدع يتكبد عناء الإنتاج بمفرده وكأننا بالإبداع أصبح مسألة شخصية. وها أنا أشهد على هذا العصر الرديء بنفسي خاصة بعدما تعرضت إلى وعكة صحية على إثر جلطة قلبية حيث لم يزرني ولم يسأل عني أحد من المؤسسات الثقافية سواء الحكومية كالمندوبية وممثليها أو الغير حكومية كالجمعيات الناشطة في الحقل الثقافي ما عدى صديق وحيد وهو الأستاذ محمد البدوي الذي تنقل من ولاية المنستير لزيارتي والاطمئنان على صحتي . وهناك الكثير من المبدعين في شتى المجالات من ضاق بهم الحال أو تعرضوا لأزمات ولم يجدوا من يلتفت إليهم أو يساعدهم على تجاوز محنتهم فالمبدع مفلس في تونس نتيجة لسياسات التهميش. في حين أن الدول المتقدمة وحتى بعض الدول العربية الأخرى تولي اهتماما كبيرا بالكتاب والمثقفين وتوفر لهم أسباب النجاح والتفوق إيمانا منهم بدورهم في النهوض بمجتمعاتهم، وماذا ننتظر من شعب لا يقرأ ومن بلد لا يعترف بالجميل لمن يصنعون تاريخه. وقلت الشعر في تخاذل الساسة والغربة التي يعانيها المبدع في أرضه واليكم هذه الأبيات:

"لعنتم حكاما إذا الشعب جائع

يجري وراء الخبز والخبز هاربُ

حملتم بطونا بالمتاخم أُتخمت

بأموال شعب للزمان يغالبُ

لُعنت دماءٌ في العروق وخافقٌ

ضجت به الأحرار وهي تطالبُ"

5- هل يمكن أن تعلق بجملة على كل كلمة من هذه الكلمات:

الشعر: هو حديقة الكئيب وجنة الروح.

اللغة: هي أساس الثقافة وليست هناك كتابة دون لغة.

الإبداع: هو ما نصبو إليه من أجل تحقيق الأفضل.

التجربة: التجربة تُثبّت الإبداع.

السياسة: هي سلاح الفاشلين فلن تجد عالما يطمح لسياسة.

الحلم: هو نزوع إلى الأجمل.

***

حاوره: الكاتب أنور بن حسين

.....................

* الصورة الأولى للكاتب أنور بن حسين

 

 

يوسف ابوالفوزيوسف أبو الفوز، كاتب عراقي، من مواليد مدينة السماوة، جنوب العراق، في 1956، اضطر لمغادرة العراق صيف 1979، مشيا على الإقدام عبر الصحراء إلى العربية السعودية ثم الكويت.

في الكويت للأعوام 1979 ـ 1980 كتب في الصحافة الكويتية بأسماء مستعارة عديدة، خصوصا في مجلتي العامل والطليعة وصحيفتي الوطن والسياسة، وحرر عمود سياسي ساخر باسم” دردشة” وكان أسبوعيا في مجلة الطليعة الكويتية، ووقعه باسم “أبو الفوز” الذي من يومها صار اسما فنيا له.

مقيم ويعمل في فنلندا منذ مطلع 1995. وهو عضو نقابة الصحفيين في كردستان العراق، عضو نادي القلم الفنلندي، عضو المنظمة الثقافية للكتاب والفنانين الفنلندية المعروفة باسم Kiila، أسست 1937، وانتُخب لعضوية هيئتها الإدارية لعدة دورات، منذ 2006، كأول كاتب من الشرق الأوسط يُنتخب لهذا الموقع. درَّست بعض المدارس الفنلندية الثانوية وجامعة هلسنكي نماذج من قصصه، ونوقشت بحضور الكاتب.  إضافة إلى لغته الأم العربية يتحدث الكردية والإنجليزية والروسية والفنلندية. إلى الحوار:

** في رواية (كوابيس هلسنكي) تحدثت عن خطر عنف التشدد الديني على أوربا، ولم تحمل الجماعات وحدها سبب ذلك العنف، حيث أرجعت أحد الأسباب إلى تجاهل الحكومات الأوربية إدماج اللاجئين خاصة المسلمين منهم في المجتمع الأوربي بقيمه وقوانينه.. حدثنا عن ذلك؟

- انتهيت من العمل في هذه الرواية عام 2008، وجاءت أثر دراسة متفحصة استمرت لأكثر من عامين، لنشاط الجماعات التكفيرية في البلدان الأوربية، خصوصا فنلندا. أردت منها أن تكون صرخة تحذير وتنبه إلى واقع معاش، وأيضا تكشف عن عجز الحكومات الأوربية، والمؤسسات المعنية في إيجاد سياسات اندماج فاعلة وناجحة لاحتواء الشباب المهاجر، خصوصا القادمين من البلدان الإسلامية، مما وفر مناخ مناسب لنجاح الجماعات المتأسلمة والتكفيرية الناشطة بفعالية، في كسب أعداد ليست قليلة من الشباب إلى صفوفهم، خصوصا ممن يعانون من البطالة والتهميش. كَتبت الرواية قبل تأسيس منظمة (داعش) وإعلانها رسميا ويمكن القول إنها تنبأت بظهورها، كما أشار إلى ذلك الأستاذ علاء المفرجي في معرض كتابته عن العمل بعد صدوره، كونها استقرئت الواقع والمستقبل. إن سياسة التوطين على شكل (غيتوات) معزولة، المتبعة في العديد من الدول الأوربية، ساهم في تقوقع المهاجرين على أنفسهم. من جانب آخر، إن سياسة الدول الأوربية في التعامل مع الجماعات الدينية، على اختلافها، كونها (مؤسسات ثقافية)، منحها فرصة استغلال آلية الديمقراطية الأوربية لمد نشاطاتها وامتلاك أماكن خاصة بها، بحجج العبادة وأداء الطقوس، لكنها تحولت عمليا إلى أماكن للتقوقع والتنظيم وللتثقيف الخاص، سواء ضد المدنية والتطور الحضاري أو للتنظيم لأغراض تكفيرية وجهادية. خصوصا تلك الأماكن التي تم بناءها أو استئجارها بمساعدة أموال خليجية. في ندوات عامة وأحاديث لوسائل الإعلام، أقول دائما للفنلنديين أن التعدد الثقافي لا يعني تذوقك للكباب والدولمة وسماع شريط موسيقي عربي أو أفغاني، أنه يتمثل في دعم سياسة اندماج حقيقية، والسعي لمحاولة فهم أن المهاجر لا يقطع تذكرة باتجاه واحد، وكونه يبقى مرتبطا بجذوره وثقافته، من هنا ضرورة دعمه للحفاظ وتطوير ما هو ايجابي وإنساني في ثقافته الأم ومساعدته لامتلاك معارف وتجارب حضارية جديدة ومنح عموم المهاجرين واللاجئين، والشباب خصوصا، المزيد من الفرص في العمل والتوظيف في مؤسسات الدولة ليكونوا جزء منتجا ومثمرا من المجتمع، وزجهم في النشاطات والفعاليات ليس باعتبارهم ديكورا أو رقما انتخابيا وإنما جزء من نسيج المجتمع. ما زلت أرى أن أوربا بانتظارها الكثير لتعمله لأجل انجاز عملية اندماج حقيقية. ويجب التأكيد على أن عملية الاندماج، هي مهمة مشتركة ومتبادلة، فالمهاجرين واللاجئين عموما مطالبين بأن يكونوا إيجابيين ومتسامحين في فهم متطلبات الحياة في هذه البلاد الأوربية العلمانية المتطورة، ما داموا اختاروا بأنفسهم القدوم إليها، فعليهم السعي لتعلم لغة البلاد واحترام قوانينها والسعي لاحترام ثقافة وعادات المجتمع. إن البعض من الأخوة المهاجرين، للأسف، يفهم أن هدف الاندماج وكأنه التنكر لهويته الوطنية، وهو هنا يخلط بين ما نسميه (الانصهار) وبين عملية (الاندماج). أن الاندماج هو عملية طويلة وعميقة ولها عدة مراحل، وإذ تحرص فيها على الحفاظ على الأساس الإيجابي من هويتك وجذورك، يتطلب مراعاة قوانين وثقافة البلد الأوربي. وقبل أن تطالب بحقوقك عليك أن تعرف واجباتك أولا وعندها ستكون المعادلة متوازنة.

2088 كوابيس هلسنكي** في رواية (كوابيس هلسنكي) اخترت إطارا خياليا يتمتع البطل فيه بقدرات كشف الحقائق عن طريق الأحلام، وقدمت نموذج للشرطي المتعجرف، وللمتشدد الديني الملتوي المتلون، هل هناك بالفعل خطر أن ينفجر عنف الجماعات المتشددة دينيا في أوروبا، وماهي المؤشرات في رأيك؟

- حوت الرواية، شخصية ضابط شرطة، ينعته الراوي بلقب (الجنرال)، قاد التحقيق مع الراوي، الذي جاء بنفسه للشرطة يحمل معلومات ما عن جماعة إرهابية. أرادت الرواية أن يكون هذا (الجنرال) ممثلا للمنظومة البوليسية، وأجهزة الدولة المعنية بقضية الأمن، وأساليب تعاملها مع موضوع الإرهاب، وليس بدون معنى أظهرت الرواية العجز الجنسي للجنرال في معرض الحديث عنه. فالأجهزة الأمنية الأوربية ظلت لسنوات طويلة عاجزة ومشغولة بتفاصيل ثانوية بدل التركيز على ما هو أساسي، وتطلب منها وقتا لتخرج باتفاقات أمنية موحدة، بينما المنظمات التكفيرية، سبقتها وتجاوزتها في التنسيق والعمل، وكان هذا واضحا في القدرات على التجنيد وتمكن العشرات بل المئات من حاملي الجنسيات الأوربية، خصوصا من الشباب ومن مواليد هذه البلدان، من الالتحاق بالمنظمات المتطرفة والإرهابية كالقاعدة وداعش في العراق وسوريا، رغم عيون البوليس الأوربي المنتشرة في كل مكان. وهؤلاء (المجاهدين) تزودوا بالخبرة والمعرفة بأساليب التخريب والإرهاب وعاد العشرات منهم إلى بلدانهم ليكونوا نوات وبؤر مستقبلية لمنظمات تعمل تحت السطح ستظهر نتائج أعمالها يوما ما تبعا للظروف والأزمات، طالما أن أسباب تشكيل وظهور هذه المنظمات لا يزال قائما. وأن أعمال العنف يمكن أن تتفجر لأي حجة تنفخ الرماد عن جمّر الأسباب الكامنة، وعندها تستطيع الجماعات التكفيرية والمتشددة استغلاله لتنفيذ سياساتها الإرهابية.

** في رواية (كوابيس هلسنكي) أكدت على أن العنف ليس مرتبطا بالإسلام كدين، وأن العنف معروف في تاريخ الإنسانية بشكل عام، وفي تاريخ أوربا والغرب بشكل خاص، هل ذلك كان في مواجهة ما يحاول الإعلام الغربي تكريسه دوما من أن العنف مرتبط بالدين الإسلامي؟

- حاولت الرواية أن تقدم قراءة ما في تأريخ العنف عموما، لتقول لنا بأن العنف لا يرتبط بالدين فقط، كما شهد تأريخ أوروبا تبعا لسياسة الكنيسة الأوربية في القرون الوسطى، ولا بالإسلام التكفيري، كما شهدت العقود الأخيرة الماضية، بل أن العنف مرتبط بأسباب اجتماعية وسياسية أيضا، وان الدين ما هو إلا غطاء للجهات والطبقات المنتفعة من هذا العنف، والذي يمكن أن يندلع في أي مكان لأسباب لا علاقة لها بالدين فقط. اجتهدت الرواية في الحديث عن آليات عمل الجماعات التكفيرية، واستغلالها الدين كغطاء، من خلال متابعة إحداث وأعمال إرهابية متخيلة في بلد أوربي مثل فنلندا، وحاولت استقراء نتائج التشدد والتطرف السياسي والديني في أوربا، وأطلقت صرخة تحذير من أن أسباب العنف والإرهاب اجتماعية واقتصادية قبل أن تكون دينية، وهي كامنة ويمكن أن تنفجر في أي حين عند توفر الظروف المناسبة، وهكذا فالرواية تحدثت عن أعمال عنف سبق وحصلت في فرنسا وفنلندا وحذرت من احتمال تجددها في أي مكان من أوربا، كما حصل في لندن والنرويج لاحقا بعد صدور الرواية، والرواية أيضا ربطت  بشكل مباشر الأحداث بما حصل في العراق من نتائج الاحتلال الأمريكي ونشاط المنظمات التكفيرية في التجنيد والتمويل والتدريب والإسناد. ولابد من القول بأن الرواية كذلك تحذر من اندلاع العنف على يد منظمات اليمين المتطرف الأوربية، أو أحداث فردية، كرد فعل على واقع اجتماعي. وما يسجل لصالح الرواية أن بعض مما حذرت منه تحقق بشكل أو آخر، في العديد من البلاد الأوربية، ومنها فنلندا، والأمر هنا ليس عملية تنجيم، وإنما هو عملية استقراء للواقع، فالرواية صدرت خريف عام2011 تحمل على غلافها صورة شبح رجل يحمل سكينا على خلفية دموية، وفي فنلندا ظهيرة 18 آب 2017 أندفع شاب داعشي في ساحة عامة وهو يهتف (الله وأكبر) بذات المنظر في صورة غلاف الرواية وقتل بسكينه امرأتين وجرح ثمانية آخرين قبل أن يوقفه رصاص الشرطة.

** سافرت إلى السعودية ثم الكويت سيرا على الأقدام في الصحراء هل ما عانيته في العراق كان له تأثير على أدبك.. وكيف ذلك؟

- في نهاية سبعينات القرن الماضي، عاش العراق سنينا عصيبة، مع صعود وسيطرة جناح صدام حسين في حزب البعث العراقي، وأتباع سياسة (تبعيث المجتمع) فشنت مختلف الأجهزة الأمنية، حملة بوليسية، استهدفت الآلاف من أبناء الشعب العراقي، من كتاب وفنانين ومثقفين، ممن رفضوا الانضمام لصفوف حزب البعث، وممن كان له أفكارا مختلفة، بغض النظر عن كونهم شيوعيين أو ديمقراطيين غير متحزبين، مما أدخل البلاد في دوامة من العسف السياسي المنظم، فأضطر الآلاف من هؤلاء لترك البلاد بطرق مختلفة. كنت وأفراد عائلتي، من الرافضين لسياسة التبعيث، فنلنا حصتنا من المداهمات والاعتقالات والمطاردات. شخصيا اضطررت لترك دراستي الجامعية ربيع عام 1978 والاختفاء والعيش بشكل سري مطاردا في وطني لحوالي عام ونصف، ذاقت خلالها عائلتي، خاصة أمي، الويل من قسوة أجهزة حزب البعث، مما اضطرني في النهاية لترك وطني والابتعاد عن أهلي وأحبتي، ولتعذر السفر عبر المنافذ الرسمية، كوني مطلوبا للأجهزة الأمنية، اضطررت إلى السفر عبر الصحراء متخفيا مع البدو الرحل في رحلة قاسية، في شهر تموز 1979، إلى العربية السعودية وثم إلى الكويت، فقط لأجل الحفاظ على حياتي وكرامتي. كنت مطلوبا للسجن أو التصفية، كحال ألاف من أبناء العراق، فقط لكوني تحدثت وعملت وكتبت لأجل مستقبل أفضل للإنسان العراقي، بطريقة مغايرة لما يريده الحاكم الأوحد. بالتأكيد أن كل هذا ترك أثره البالغ على مسار حياتي وكتاباتي. إن هذه المعاناة والتجارب، والحلم الدائم بعراق مدني ديمقراطي تحكمه المؤسسات، وحياة حرة كريمة وتحقيق العدالة الاجتماعية، وامتلاك مساحة واسعة من الحرية للكتابة بعيدا عن كل (التابوات) المعروفة، كل هذا يفرض وجوده كموضوعات في أعمالي الأدبية ونشاطاتي الثقافية. في رواية (كوابيس هلسنكي) اجتهدت لعكس جزء من هذا ومن خلال تطلع بعض شخصيات الرواية لعالم مختلف. وفي عموم أعمالي القصصية والروائية، أحاول باستمرار فضح العنف السياسي ضد الإنسان، وأكشف زيف الأنظمة الديكتاتورية المتسلحة بالفكر الشمولي، مهما كان لونه، ديني أو دنيوي، وإن معظم شخصيات أعمالي المنشورة تمجد الحرية وتحلم بها بل ويقدمون حياتهم ثمنا للنضال لأجلها.

** انضممت إلى الأكراد للنضال معهم احكي لنا عن تلك الفترة والتي أثرت أدبك فيما بعد؟

- من بعد حوالي أربعة أعوام من العيش خارج العراق وعشت وعملت في العربية السعودية والكويت واليمن الديمقراطي، كان قراري بترك الحياة في المنفى، والعودة للوطن والالتحاق بحركة الكفاح المسلح ربيع 1983، ضمن صفوف مقاتلي وفدائي الحزب الشيوعي العراقي، الذين عرفوا باسم (قوات الأنصار)، وكان قرارا واعيا. وكانت منظمة سياسية عسكرية عراقية مستقلة عن التأثيرات الإقليمية والدولية، عملت في مناطق كردستان العراق، الجبلية، ونالت تأييد ودعم أبناء الشعب الكردي الذين فتحوا أبوابهم لها، وكانوا مصدرا أساسيا لاستمرار ودوام الحركة، وتعاونت منظمة الأنصار مع القوى الكردية العاملة في المنطقة لأجل زوال النظام الديكتاتوري. كنت أدرك، مثل غيري، أن بنادق الأنصار لن تسقط نظام صدام حسين الديكتاتوري، لكنها ستساهم في زعزعة نظامه، وتكون عاملا للتعجيل بتفكيكه وثم سقوطه ليترجل حصان جواد سليم ويملأ العراق صهيلا.  لم يترك النظام الديكتاتوري حينها لأبناء جيلي فرصة، للعمل السياسي الديمقراطي لأجل التغير سوى انتهاج أسلوب الكفاح المسلح.

هذه الفترة، التي استمرت بالنسبة لي حوالي ثمان سنوات، كانت غنية جدا،  ليس فقط بتفاصيل الحياتية اليومية، وصعوباتها التي كنا نواجهها كل يوم بل وكل ساعة، حيث تفتقد حياة الأنصار لأبسط متطلبات الحضارة، في أبسط قرية، إذ كنا نعيش في كهوف ووديان زاحمنا الذئاب والثعالب عليها،  بل لأن تلك السنوات الوعرة كانت فرصة لاختبار النفس والمبادئ ولفهم أهمية الحياة الأفضل ومواصلة العمل لأجل ذلك حد الاستشهاد، خصوصا كوني عشت تلك السنين البهية مع كوكبة رائعة من شباب العراق من كل المكونات، يربطهم الانتماء للوطن، والذين وهبوا أنفسهم وحياتهم لقضية سامية متخلين عن حيواتهم في البلدان الأوربية، حالمين مثلي بيوم سقوط القتلة. وبينهم جمهرة كبيرة من المثقفين والكتاب والفنانين المحترفين ذوي الخبرة، ومنهم من صاروا أصدقاء لي تعلمت منهم الكثير. وهكذا، وجدت نفسي هناك أكتب باندفاع وحيوية وأتعلم كل يوم، فكتبت القصة القصيرة ونصوص نثرية وشعرية والمقالات، نشرت في دوريات أدبية مختلفة وصدر بعضها لاحقا بكتب مستقلة. في كل هذه النصوص، كان للمستقبل الذي نحلم به ولأجل الأجيال القادمة المساحة الأرحب، وكنا ندرك بأننا نعمل لمستقبل لن نراه، وكنا نواصل الكفاح بإصرار واستشهد لنا على يد قوات ومرتزقة النظام الديكتاتوري العشرات من خيرة شباب العراق، بينهم أعداد ليست قليلة من الكتاب والفنانين الواعدين. لقد رسخت سنوات الحياة في الجبال فكرة أن الأعمال العظيمة لا يمكن إنجازها دون مشاركة الآخرين، وأن بناء المستقبل الأفضل للناس ليس مشروعا فرديا أبدا. في الجبل، كانت الحياة قاسية، وخشنة جدا، وحقيقية بشكل مريع. لا يوجد زيف فيها، فتعلمنا عمليا بأن الشجاعة فعل مكتسب، والشجاعة هنا ليس على صعيد الأعمال العسكرية، إذ كانت هذه في الغالب دفاعا عن النفس، لأن حركة الأنصار لم تكن ذات إستراتيجية هجومية أبدا، وأقصد هنا الشجاعة الفكرية والاجتماعية. وهكذا أستطيع القول إنه حتى مؤسسة سياسية مثل الحزب الشيوعي العراقي، نمت وتطورت أفكار التغيير في داخلها وضرورة إعادة بنائها على أسس أفضل بين المقاتلين الشيوعيين في الجبل. كل هذا انتقل بهذا الشكل أو ذلك للكتابات التي أنجزتها في الجبل وما تلا ذلك، ويشرفني أن مجموعتي القصصية (عراقيون) التي طبعت في آب 1985 كانت أول مجموعة قصصية تطبع هناك وفق الإمكانيات المتواضعة التي تملكها الحركة الأنصارية. ولاحقا صدرت لي كتب أخرى كتبت أساسا في سنوات الجبل، مثلا كتاب (تضاريس الأيام) صدر سنة 2002، وكتاب توثيقي بعنوان (أطفال الأنفال) 2004 وفي 2020 صدرته ترجمته إلى اللغة الكردية ومجموعة قصصية بعنوان (تلك القرى… تلك البنادق) 2007، ترجمت المجلة الكردية الثقافية چيا (الجبل) بعض نصوصها، على أمل استكمالها لاحقا ونشرها ككتاب مستقل.

**هل يمكن الحديث عن نهضة ثقافية في الأدب العراقي وما هي الأسباب؟

- إن هذه العملية معقدة جدا، فمتطلبات النهضة الثقافية في العراق متعددة ومتداخلة، وللأسف لا تتوفر الأهم منها حاليا. من ذلك غياب وجود شريحة أو فئة مثقفة متجانسة قادرة على خلق هذه النهضة أو المساهمة فيها، وأيضا غياب فعالية مؤسسات ديمقراطية وأطر ثقافية قادرة لرعاية ودعم هذه النهضة، في بلد تقوده فعليا جماعات الإسلام السياسي ويتسيد الشارع فيه سلطة المليشيات الطائفية، في حين تنتشر الأمية وتغيب الوعي ويشهد النظام التعليمي فيه تدهورا مريعا. ولا ننسى أنه خلال سنوات الحكم الديكتاتوري البعثي، وسيادة سياسة الحزب الواحد، وثم مجيء الاحتلال الأمريكي ومؤسساته، وثم ما أنتجه من حكومات المحاصصة الطائفية والإثنية، ولعدة عقود، تعرضت الثقافة العراقية لنكسة مريعة، إذ تهدمت البنى التحتية للدولة العراقية واختفت العديد من المؤسسات المدنية الفاعلة وتشوه تركيب المجتمع العراقي، مع زوال الطبقة المتوسطة، وظهور طبقة طفيلية ساعدت على انقسام المجتمع العراقي طائفيا وإغراقه في الطقوس الغيبية ترافقا مع نتائج حكم المليشيات الطائفية. وإن التدهور الكارثي في حياة البلاد الاقتصادية، في القطاعات الصناعية والزراعية، وواقع كون العراق بلدا ريعيا، يعيش على عوائد النفط فقط، يعني أنه بلد غير منتج لأي بضاعة، فهو بلد استهلاكي أولا، وغالبية العاملين في حقل الثقافة يتعاملون مع الدولة الريعية كموظفين. أيضا أن تركة النظام البعثي الثقيلة خلفت لنا، ضمن ما خلفته، كمّا من أنصاف المثقفين أكثر من المثقفين الحقيقيين، وجاءت حكومات المحاصصة الطائفية فزادت من الطين بلة، وانتفاضة أكتوبر العام الماضي فضحت ذلك جدا، فغالبية المثقفين للأسف، كانوا بلا موقف، يتحركون في منطقة أسميتها في مقالات لي ولقاءات صحفية،  (المنطقة الرمادية)، فهم لا يريدون اتخاذ موقف يثير غضب مؤسسات الدولة، التي يعملون موظفين لديها، ولا إزعاج المليشيات الطائفية التي تتسيد الشارع، وبنفس الوقت يتملقون الثوار بإعمال أدبية وفنية سطحية، فكيف لهؤلاء أن يساهموا في نهضة ثقافية؟ كيف لمجتمع استهلاكي لا ينتج أي بضاعة، أن ينتج نهضة فكرية. أن العراق يحتاج إلى دورة عدة أجيال قادمة، لم تتلوث بكل هذا الذي حكينا عنه، لينهض من كبوته الحادة ويستعيد مكانته المنشودة.

سماح عادل** حصلت على عضوية المنظمة الثقافية للكتاب والفنانين الفنلندية المعروفة باسم “Kiila”، وانتخبت لعضوية هيئتها الإدارية لأكثر من دورة، كأول كاتب من الشرق الأوسط ينتخب لهذا الموقع. كيف كان تفاعلك الثقافي خارج العراق، كيف استطعت أن تتواجد وتفرض وجودك ككاتب؟

- أنا فخور جدا بما حققت في فنلندا، على صعيد مجمل نشاطاتي، الثقافية والسياسية والاجتماعية. بذلت جهدي واجتهدت في العمل وكان العراق المدني الديمقراطي الذي حلمنا به هو الهم الأول دائما. فمنذ الأيام الأولى لوصولي إلى فنلندا كلاجئ لأسباب إنسانية مطلع عام 1995، تواصلت مع المنظمات والجمعيات الفنلندية، ككاتب وناشط سياسي واجتماعي. شاركت في كثير من الفعاليات الثقافية والسياسية داخل العاصمة وخارجها، فتولدت لي شبكة واسعة من المعارف والأصدقاء، خصوصا من المثقفين والعاملين في الوسط الثقافي والإعلامي، فساعدتني لتلمس طريقي بشكل أوضح. ككاتب وصحفي ولغياب وجود إطار ثقافي واجتماعي عراقي أو عربي، تواصلت مع المنظمات الثقافية الفنلندية التي نلت عضوية بعضها من خلال نشاطي وعملي بين صفوفها. والشعب الفنلندي شعب مثقف، محب للقراءة، فالمكتبات العامة تعمل كمراكز ثقافية، وتوجه الدعوات للكتاب لإقامة أمسيات ثقافية بناء على اقتراحات من القراء، هكذا سافرت شخصيا لعدة مدن فنلندية تلبية لمثل هذه الدعوات. ولابد من القول إن صدور كتابي (طائر الدهشة) عام 2000 مترجما إلى اللغة الفنلندية من قبل الدكتور ماركو يونتنين، وإذ نال إقبالا جيدا، عَرّف الفنلنديين أكثر باسمي ونشاطاتي وفتح لي المزيد من الأبواب للنشاطات الثقافية والاجتماعية والإعلامية. أيضا أن عملي في التلفزيون الفنلندي ولاحقا كباحث جامعي، ساهم أكثر في فتح المزيد من الأبواب، وسهل لي التعامل والعمل مع العديد من المؤسسات الفنلندية الثقافية والأكاديمية. وساهم الإعلام الفنلندي من خلال متابعته نشاطاتي بالتعريف بها. ثم جاء منحي (جائزة الإبداع) السنوية عام 2015، من قبل منظمة (كيلا)، ولأول مرة تمنح لكتاب من أصول أجنبية، و(كيلا) منظمة ثقافية عريقة تأسست عام 1936، ليعزز هذا أكثر من حضوري ونشاطاتي في الوسط الثقافي، أعقبها أن مدينة كيرافا (ضواحي العاصمة هلسنكي)، محل سكني، كرمتني بمنحي راية المدينة تقديرا لنشاطاتي وأعمالي التطوعية في المجال الثقافي والاجتماعي، وهذه أيضا أول مرة تمنح لمواطن من أصول أجنبية، وسبق ذلك في عام 2014 اختياري من جمعية الأدب الفنلندي، المعنية بحفظ التراث الأدبي في فنلندا، كأول كاتب من الشرق الأوسط، لتحفظ أعماله وقصة حياته وتفاصيل عن عمله ونشاطه الثقافي، ضمن أرشيفها المتاح للباحثين والمعد للحفظ للأجيال القادمة، علما أن الجمعية تأسست عام 1831، وتضم في أرشيفها أعمال المئات من الكتاب الفنلنديين. إن المثابرة في العمل والنشاط لخدمة الناس والمجتمع، والاجتهاد لتقديم دائما الأفضل، ساهم كثيرا في تعزيز شخصيتي ككاتب عراقي عربي مقيم في بلد أوربي. واجتهدت في عموم عملي ونشاطي لأكون صارما وجادا في التعامل مع الوقت وأداء أي مهمة أقوم بها، وساعدني كثيرا تحدثي بأكثر من لغة وكوني تعلمت احترام الرأي الآخر المختلف وتعلمت عرض أفكاري بشكل صريح دون المساس بمعتقدات الناس وأفكارهم. ولا يمكن هنا تجاوز أن شريكة حياتي وحبيبتي وملهمتي شادمان كانت من أهم أسباب نجاحاتي، إذ كانت صخرتي التي استند إليها دائما في كل حين.

** في رأيك هل تحاول الرواية العراقية توثيق ما حدث في المجتمع العراقي طوال السنوات الفائتة من قمع ووحشية، سواء من النظام السابق أو من الاحتلال الأمريكي.. وما مقدار نجاحها في ذلك؟

- إن الأعمال الروائية، بمختلف مدارسها، تندرج بهذا الشكل أو ذاك، في كونها أعمال بحثية أنثروبولوجية تطبيقية، تدرس الإنسان والمجتمعات. من هنا، فإن كل عمل روائي، يجتهد ليس لكشف معاناة شخوصه، بل وللإحاطة بالظروف الاجتماعية والسياسية، والإحاطة بتفاصيل المكان، وكثير من التفاصيل الأخرى، فالسرد سيكون هنا راصد حيوي لجميع مناحي الحياة، بل وفي جانب منه يكون عملا توثيقيا هاما.

وإن رواية مثل (المخاض ــ صدرت عام 1974) للكاتب الرائد الراحل غائب طعمة فرمان، تعرض للقارئ ليس فقط معاناة بطلها الباحث عن أهله من بعد غياب سنين خارج العراق، ونبذة عن التغيرات الاجتماعية والسياسية، بل وأجواء وروائح وتفاصيل منطقة المربعة في بغداد منطقة سكن بطل الرواية، في تلك الحقبة.

وأيضا أن رواية مثل (مقتل بائع الكتب ـ صدرت 2016) للكاتب للراحل سعد محمد رحيم، تكون من الأمثلة المناسبة، للأعمال الروائية التي تتحدث عن فترة ما بعد ديكتاتورية نظام صدام حسين، فمن خلال استخدام المذكرات والرسائل والتأملات ارتباطا بشخصية المكتبي بطل الرواية، استحضر لنا الكاتب حياة شريحة المثقفين بكل الالتباسات التي عاشوها من تهميش ومضايقات ونفي وثم اغتيال، ونتعرف في الرواية لواقع العراق والتقلبات السياسية والاجتماعية ونطلع على صفحات من تأريخه المأساوي ونتائج حروب الديكتاتور صدام المجنونة وثم أيام الاحتلال الأمريكي وتسيد المليشيات الطائفية. وإن براعة أي كاتب في السرد هنا غير كافية وحدها، ليكتب لنا أعمالا أدبية تنجح في التوثيق لما حدث في المجتمع العراقي من قمع ووحشية، إن الكاتب مطالب بامتلاك موقف واع في رفض هذا القمع ومن يقف خلفه، سواء كان سلطة دينية أو دنيوية، والتحريض ضده، ومن هنا فإن هذه الكتابة ستكون أمينة للشرط الإنساني، والانتصار للإنسان كقيمة عليا في هذه الحياة. وفي هذا الأمر، أجدني متفائلا مع وجود العديد من الأسماء من كتاب القصة والروائيين العراقيين، البارعين في مهمتهم، وعلى يدهم اعتقد أن القصة والرواية العراقية ستنجح لتحقيق رسالتها الأساسية

** قمت بالمشاركة في عمل أفلام تلفزيونية عن العراق وعن المنفى واللجوء.. كيف قوبلت تلك الأفلام من الجمهور الفنلندي؟

- عملت وتعاونت مع  القسم الثقافي في التلفزيون الفنلندي لعدة سنوات، فقدمت فكرة سيناريو فيلم لقسم الأفلام الوثائقية، تم قبولها ثم بعد انجاز السيناريو، ومناقشته، تم تكليفي بإخراجه، وبقدر ما كانت ممتعة كانت تجربة متعبة جدا، اجتزتها بدعم من زملائي فريق العمل من القسم الثقافي، هكذا قدمت فيلمي الأول (رحلة سندباد) عام 2000، كان من نصف ساعة، افترضت فيها رحلة ثامنة للسندباد البحري يقوم بها الشعب العراقي في هجرتهم إلى بقاع العالم هربا من عسف ديكتاتورية البعث وحروبه المجنونة ووصول بعض منهم إلى فنلندا كلاجئين. وتم عرض الفيلم مرتان من خلال البرنامج العام للتلفزيون، وفي مهرجان خاص باللاجئين وفي نشاطات بعض المنظمات المعنية بالهجرة. ثم في عام 2006 أنتج التلفزيون الفنلندي فيلمي الثاني، (عند بقايا ذاكرة)، وكنت عندها تسلحت بتجربة عمل جيدة، وفي نصف ساعة حاولت بالصورة، مناقشة فكرة التغيرات في العراق من بعد سقوط نظام صدام حسين. لم يحاول الفيلم تقديم الانطباعات بنبرة سياسية مباشرة، بل حاول تقديمها بشكل إنساني دون تعليق مباشر تاركا للصورة أن تتحدث وإثارة الأسئلة أكثر مما تقدم أجوبة. فبعد أن توفرت لي فرصة زيارة العراق من بعد غياب 27 عاما، وبالنسبة لشادمان شريكة حياتي زيارة كردستان من بعد غياب تسع سنوات حاولت رصد ذلك بالكاميرا. أية انطباعات وأية أسئلة في البال؟ ماذا تبقى من الزمن الماضي وتغير؟ كيف تحرك العراق من احتلال حزب البعث للعراق إلى احتلال أمريكي؟ وفي حينه، تم اختيار الفلم لافتتاح الدورة الجديدة لقسم البرامج الثقافية في التلفزيون الفنلندي، وعرضه التلفزيون لأربع مرات خلال عدة أسابيع. وكان هناك عرض خاص للمراسلين الأجانب بحضور المخرج وأعضاء من فريق العمل، في المركز الصحفي في وزارة الخارجية الفنلندية، وعرض عام ضمن الفعاليات الثقافية لبرنامج منظمة “كيلا” الثقافية، وعروض للجالية العراقية، وثم توّج ذلك باختيار الفيلم لتمثيل فنلندا في مهرجان في سويسرا. أستطيع القول أن عملي في انجاز الأفلام الوثائقية، وتعاملي مع الصورة، شحذ كثيرا من إمكانياتي في الكتابة وطور من أدواتي، وانعكس كثيرا في كتابة رواية (كوابيس هلسنكي)، إذ استعرت من حرفة السينما بعض أدواتها عند الكتابة. ولابد من القول أن في كلا الفيلمين، كان إلى جانبي لإنجاز كل فيلم، فريق عمل محترف في الإدارة والتصوير والمونتاج، إذ استغرق انجاز كل فيلم عدة شهور من العمل المتواصل ساده التعاون والتكاتف.

** ما تقييمك للنقد في العراق وهل واكب الإنتاج الغزير خاصة فيما بعد 2003؟

ـ كتبت عن حال النقد في العراق، مقال نشر خريف 2011، في الصحافة العراقية وعدة مواقع اليكترونية، صرخت فيه وطالبت النقاد أن يشتمونا، نحن الكتاب المساكين إن شاءوا، المهم أن يكتبوا شيئا. ولا أعتقد أن الحال تغير من ذلك اليوم، فلا يوجد لدينا، حركة نقدية موضوعية رصينة، شأن بقية شعوب العالم، رغم وجود نقاد، بعضهم لهم قدرات فذة في الكتابة والتحليل، والأمر متعلق بعموم الواقع المريع الذي تعاني منه الثقافة العراقية وعموما الثقافة العربية. وإن كل ما ترينه ـ سيدتي ـ من إنجازات في الأدب هو إنجازات فردية لكل الكتاب وحتى الفنانين أيضا، عراقيين أو عرب، فكل كاتب ـ إن صح التعبير ـ أراه “ذئبا منفردا” يعوي في صحرائه الخاصة. حين صدرت رواية (كوابيس هلسنكي) وذهبت لتوقيع الكتاب في بغداد وكان يوما مفعما بالمشاعر، همس لي أحد المعارف باني بحاجة إلى دعوة عشاء سمك مسقوف على نهر دجلة أو حفلة في مطعم فاخر ليقتنع الناقد الفلاني والعلاني بجودة عملي ليكتب عنه عدة مرات لا مرة واحدة. لم استغرب هذا أبدا، فللأسف إن الحال وصل بـ (أمة اقرأ) أن تكون المحاباة والإخوانيات عند بعض نقادنا على حساب جودة الإبداع الأدبي.  أيضا، هناك إشكالية هامة، تتعلق بالناشر العربي، فهو يعتقد أن مهمته تنتهي فقط عند طبع الكتاب وعرضه في المكتبات، بينما في العالم المتحضر، يتولى الناشر مهمة الاتصال بوسائل الإعلام وأهم المجلات الثقافية ومؤسسات الترجمة، وشركات السينما والتلفزيون، للتعريف بالكتاب، لينال حظوته من الاهتمام والتقدير المناسب وبالتالي يساهم كل ذلك في تسويقه.

* آخر رواية لك (كوابيس هلسنكي)، صدرت عام 2011، هل هذا كسلا أو تأني في الكتابة، أم لديك تفسير للقراء؟ 

ــ على طاولتي ـ ياسيدتي ـ ترقد عدة مخطوطات أدبية قيد العمل وبعضها جاهز للطبع، ولدي الآن خمس كتب عند الناشرين، روايتان ومجموعتان قصصية وكتاب عن السينما، بعضها ينتظر أكثر من أربع سنوات والآخر ثلاثة. أستطيع القول إني غزير الإنتاج في الكتابة، بل وربما جدا، فما أن انتهي من مشروع، حتى انتقل لمشروع آخر، وحصل أن عملت بأكثر من مشروع في آن واحد. أن مشكلتي ــ إذا كان هذا مشكلةــ إني لا أدفع للناشرين مقابل طباعة كتبي، كما أني لا أريد أن أغتني منها. هكذا تجديني مجبرا للخضوع لاجتهادات، بل ويمكن القول رحمة الناشرين، حتى يطبعوا المخطوطات التي سلمتها لهم وأأتمنتهم عليها. ولا اعتقد أن هذه مشكلة شخصية أو فردية فهي مشكلة عامة، ستستمر طالما غاب وجود المؤسسات الثقافية التي تتعامل مع الكُتّاب والكِتاب بشكل موضوعي ووفق معايير رصينة، ومنها تلك التي تحدد وترسم علاقة الناشر بالكِتاب وتضمن حقوق الكاتِب.

  

حاورته: سماح عادل

 

2079 رحاب يوسفكان لي هذا الحوار مع الكاتبة الفلسطينية رحاب يوسف حول تجربتها الأدبية ومسائل ثقافية أخرى:

* من هي رحاب يوسف؟

- رحاب هي كاتبة ومعلمة اللغة العربية، ابنة قرية رامين قضاء طولكرم، درست اللغة وآدابها في جامعة النجاح الوطنية، بناءً على رغبة والدي الذي كان شغوفا بالشعر والزجل ومتابعة نشرات الأخبار. كان يؤلف أشعار العتابا والميجانا والشّروقي والمربعات والمخمسات والزجل، وهي قصائد شعبية الحادي والزجّال. وهو أب فلاح شجاع صّلب كريم عصاميّ عبقريّ الأبوّة، يرسم خريطة حياتنا بذكاء، وقد اختار تخصصاتنا أنا وأخوتي وأخواتي جميعًا، فوضع كل شخص في مكانه المناسب، وتربيت أيضا على يد أم صابرة صالحة متدينة ومثقفة بالفطرة، يعتبرها أهل قريتي من المقدسات لسمُوّ خُلُقِها، وقفتْ إلى جانب والدي – رحمه الله – في كل الظروف ، أمي تحب البيت، وأنا مثلها بيتيّة، ولو خرجنا أنا وأمي في شوارع قريتنا لاحتجنا مَنْ يَدلّنا ويعرّفنا الأماكن والطرق لأننا بيْتيتان بامتياز، نشأت في بيئة متشبعة بالإنسانية والأخلاق العالية بيئة نشِطة بالعمل والمسؤولية، في بيت يضج بالحياة والأحلام. علاقتي بأمي علاقة طفل رضيع بأمه، لا أتخيل حياتي بدونها يومًا، أقترب من أنفاسها في جوف الليل وأتفقدها لأطمئن هل مازالت على قيد الحياة، طلبت من الله مرة أن نموت أنا وأمي في ذات اللحظة ونُكفن نفس الكفن ويُلحدّنا نفس اللحد. اللافت كنت وما زلت أميل إلى الصمت والهدوء، كنت أختار ركنًا خاصًا بي في بيتنا الكبير القديم المليء بالأشجار، فأقضي ساعات طويلة في التدبر والتأمل والقراءة والكتابة. ورثت هذه الصفة عن والدي – رحمه الله - كان لا يحب الحديث كثيرًا.

* كيف ومتى بدأت بالكتابة، وماذا تعني الكتابة لك؟

- كانت الأحداث تسوقني إلى الكتابة سوقًا، لكن كيف السبيل إلى ذلك؟ وكيف لي أن أمضي في هذا الطريق الوعر وأنا أحمل على كتفي ثِقل إرث عائلتي الديني والعلمي والأخلاقي، والكتابة تتطلب عدم مجاملة أحد. فكان لا بد من خطوتين: الأولى الانتقال من مدرسة قريتي إلى مكان آخر، والثانية: أكتفي باسمي واسم والدي على أغلفة الكتب، حتى لا تتعارض أفكاري واسم عائلتي، مع أنها الأفكار مَفخرة ومُشرّفة، ثم امتشقت قلمي وبدأت بإصدار كتاب تلو كتاب منذ شهر أكتوبر 2018، وهكذا كانت البداية .

* ماذا تعني الكتابة لكِ؟

- الكتابة تعني لي ملاذًا من الآلام والعذابات بسبب إحساسي المرهف الحريري الناعم تجاه ما يحيط بنا من أحداث، وهي البحر الذي أغرق فيه لأنجو بنفسي وأُنجي معي من أخشى عليهم من المصير نفسه . أحيانا أتمنى أن أنام ولا أصحو، بسبب ألم الإدراك والوعي الكبير في عقلي، والمتوجس ممّا تخبيه الأيام للأجيال القادمة، عندما سئل الكاتب الروسي ديستوفسكي: كيف يصبح المرء كاتبًا؟ أجاب: " أن يتعذب ..أن يتعذب .. أن يتعذب " وأنا ككاتبة أشفق عليه كثيرًا، لأنني أعرف ما يعنيه، فعلى الكاتب أن يعيش الحياة بإنسانية، أن يتجرع مُرّها وعذابها مِرارًا وتِكرارًا، فيشعر بغيره من المعذبين فتتحدُ آلامُهم وتكون مِدادًا لقلمه .

* من كان له النصيب الأوفر في التأثير على تجربتك الأدبية خلال مشوارك الإبداعي؟

- أنا مدينة لأستاذي الكبير مشرف اللغة العربية الشاعر أشْجع دُريْدي، أول شخص وثق بقلمي فأطلق عنانه، فضلًا عن دعمك أستاذي شاكر فريد حسن.

أما الشخصيات الأدبية التي تأثرت بها فهي: ابن القيم الجوزية، وشمس التبريزي، وجلال الدين الرومي، والإمام الشافعي، والكاتب الروسي تولستوي، والكاتب الروسي دوستويفسكي، والكاتب والمفكر الأمريكي عالم اللسانيات نعوم تشومسكي، والروائية التركية إليف شافاق، ومن الأدباء العرب: جبران خليل جبران، ومحمود مصطفى، والرافعي، وحديثا بدأت أحب قراءة شعر ابن الرومي.

* حدّثينا عن إصداراتك، وماهي الموضوعات التي تتناولينها في كتاباتك؟

- أصدرت بفضل الله - تعالى - ثلاثة كتب، وهي: (آمن بذاتك)، (حديث المساء)، (داخل الغرف المغلقة)، وجميعها قطعة من القلب ولا أفرق. أتناول في كتبي التي كتبتها بدم القلب والروح موضوعات تربوية وتعليمية واجتماعية على شكل خواطر وجدانية وسردية بأسلوب أدبي بديع كامل متكامل يشد القارئ، فلا يفلت من يديه حتى ينتهي ويعيد قراءته مرات كثيرة.

وللغة دور أساسيّ في صناعة نصوصي، فأنا أمسك بزمامها جيدًا، فهي متدفقة بفضل الله، كما أجمع النقاد والنخبة المثقفة، ولدي خبرة في توظيفها توظيفًا يتناسب مع أي موضوع أطرحه، فأضع كل كلمة في مكانها الملائم لها، بل كلّ حرف، وأعزف على الحروف ببراعة أحملها مالا تحتمل، صانعة أجمل سيمفونية، أسقطها في أذن القارئ ضمن مفاهيم وقيم ومعارف، دون تعقيد أو تكلف، بعيدة عن وحشي الكلام وغريبه، حتى لأشعر بأنها تتعلق بعناق بعضها البعض، تآلفًا وانسجامًا، فما أن آخذ قلمي بين يدي حتى يشرع بمداعبة حروفي المتدفقة، يصيغها لبنة لبنة، بتسلسل أدبي بديع، ومعنى عميق، وأسلوب رشيق، حتى أصنع نصًا إبداعيًا كاملًا متكاملًا.

* كتاباتك فيها جمال وابتكارات مجازية، من أين يتأتى لك كل هذا، من صدق التجربة أم من شحنات الروح؟

- من كليهما: صدق التجربة وشحنات الروح، وأسلوبي في الكتابة مزيج بين الغرب والشرق، اطلعت على الأدب الغربي، فوجدته بكل صراحة شاهقا، لذا أريد أن أصنع أدبا فخما كالقصور، لا أدبا كالأخواخ ، أدبا يعيش مع الزمن، خالدا في ذاكرة الأجيال .

* ماهي آخر قراءاتك؟

- الآن أقرأ رواية " في قبوي " للكاتب الروائي الروسي العبقري دوستويفسكي العبقري بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

* أي من الشخصيات العربية في المجال الثقافي هي الأقرب إليك؟

- الأقرب إلي من الشخصيات الأدبية العربية: الأديب جبران خليل جبران، والكاتب مصطفى محمود.

* هل أنت راضية عن نفسك؟

- الحمد لله رب العالمين، نعم راضية، يستطيع القارئ أن يفتح كتبي ويغرف منها ما شاء: لغة، ومعرفة، وثقافة، وحكمة، ودواء على الرغم من صغر حجمها، ولا عيب في ذلك، فالخير دائمًا في القليل، يقول سبحانه وتعالى:" وقليل من الآخرين " فالمسألة ليست بالكثرة أو بالحجم . لكنني سأظل أكتب حتى أتعب من الكتابة .

* حدثينا عن مشاريعك الأدبية القادمة؟

- بين يديّ عملان: الأول تأملات في اللغة والأدب، وسيصدر قريبًا إن شاء الله، والثاني مجموعة قصصية .

* ماهي الكلمة الأخيرة التي توجهينها للقراء؟

- كلمتي للقارئ، فلتفغر لي أيها القارئ زلاتي - إن كانت هناك زلات – فأنا في سباق مع الزمن، ألا تسمع صوت ضَرَبات قلبي، ولُهاثي بين السطور، أجري بأقصى سرعتي إلى أعماق نفسك، لأضيء ما انطفأ، أرمم ما اهترأ بكلمات ومفردات تلامس داخلك، وأقول له: اقرأ الكتب التي تكون مُؤشرك وبوصلتك في ظلمات أحداث الحياة، التي تنهض بمعنوياتك، وتنتشلها، وتصعد بها إلى أعالٍ ومعالٍ لتصبح هامة، وقامة، متحصنة نفسيًا، وأخلاقيًا ودينيًا، لا يحطمها الوهم والوهن، والتي تنعش ثقافتك، وذائقتك اللغوية، وابتعد عن الكتب المليئة بالثرثرة والمفرغة من أي مضمون وفائدة، والعبرة ليست بتكديس المعلومات، فلو قرأت سطرًا أو صفحة كل يوم غنية ثرية مرشدة مُداوية أفضل من تكديس المعلومات دون أن يمضغها ويهضمها عقلك، والأهم من ذلك كله لو قرأت كل ما في دور الكتب دون أن تقرأ القرآن الكريم كأنك لم تقرأ شيئًا.

 

حاورها: شاكر فريد حسن

 

علي رسول الربيعينمر في زمن تزداد فيه الكراهيات بين الجماعات في مجتمعاتنا لذا يكون لافتًا الحديث عن الحب. ولهذا لفتني مقالكم المنشور في صحيفة القبس بعنوان: الحب عاطفة محيرة، والآخر المكمل عن الحب من وجهة نظر فلسفة الأخلاق في روافد بوست ما دفعني لأجراء هذا النقاش معكم .

 س1: د. نابي بوعلي: يدعي كانط أن الموقف المناسب تجاه مخلوق عقلاني هو اعتباره "غاية في حد ذاته، وعلى هذا النحو هو يستحق الأحترام. إن الحب مثل الاحترام، وعيًا مثيرًا للإعجاب بقيمة الشخص كغاية لكنه يتجاوزه بما يطلق العنان لمجموعة من الاستجابات العاطفية الإيجابية، مثل التعاطف والافتتان والانجذاب، لكنه يجعلنا أيضًا عرضة لمشاعر الأذى والسخط والاستياء.

على الرغم من أن هذه أطروحة مذهلة، إلا أن هناك شيئًا مألوفًا في فكرة الحب هذه كحساسية تُجرح سريعا وكضعف تجاه شخص آخر تم تصوره من خلال وعي مثير للإعجاب بإمكانيات هذا الشخص للخير. ماذا ترى؟

ج1: د. علي رسول الربيعي: حسنًا، لكلمة "حب" معانٍ عديدة ومختلفة. دعني أنا لا أتحدث عن الحب الرومانسي - الشعور "بالحب". ولا أتحدث عن التعلق ايضًا. ثم هناك نوع من المودة الخيرية التي نمتلكها، ليس فقط للناس، ولكن أيضًا للحيوانات الأليفة، وحدائق الزهور، وغيرها، والتي نعرضها عندما نتصرف تجاههم بنوع من الرعاية المحبة. لكن لا أتحدث عن ذلك أيضًا.

أود أن أقول شيئًا آخر، هو أن للحب عنصر إدراكي. نحن نحترم الشخص الآخر بوصفه شخص ولكن لكي نحبه، علينا أن نرى الأنسان الذي في داخله- ننظر إليه حقًا ونستوعبه ونحس به. الفكرة التي اريد أن اصل اليها هي أن الهيئة الخارجية لا تكشف عن حقيقة الكائن البشري بالضرورة. ولذا يجب أن تكون هناك خصائص يمكننا من خلالها رؤية ذات الشخص. أن ما ما يقصده الناس عندما يقولون إنهم يحبون شخصًا ما بسبب مظهره أو تصرفاته أو حديثه أو مشيته: هذه هي التي تمكنهم من رؤية الشخص مما يجعله محبوبًا. إنهم يحبونه من خلال هذه الخصائص، لكن هل هو هذا الشخص الذي يحبونه حقًا؟

س2: د. نابي بوعلي: يبدو أن وجهة نظرك بأن الحب هو استجابة لشيء ندركه بدقة في شخص ما يتعارض مع ما نعتقده عمومًا من أن الحب أعمى !

ج2: د. علي رسول الربيعي: حسنًا، هذه هي مشكلة الوقوع في الحب. ينطوي الوقوع في الحب على تصور خاطئ، وهو ما أسماه فرويد بالتحويل، ولايعتمد تقييم الشخص على خصائص ذلك الشخص الآخر، ولكن بما تتخيًل من خصائص أشخاص من ماضيه، مثل والدته أو والده. بصفتك استاذا، على سبيل المثال، قد تكون هدفأ او موضوعا لحب طالب. قد يكون لدى هذا الطالب بعض الخيال عن الرجل الحكيم، ولكن مهما يكن إنه لا يحبك - إنه معجب بك.

كل هذا ليس هو نوع الحب الذي أتحدث عنه. أعتقد أن إريز مردوخ قد فهمت الأمر حقًا، حينما تقول: أن الحب هو القدرة على رؤية الآخر حقًا. هناك نوع من الحب لا يبالغ في تقديره، وليس خيالًا، يعتمد على وضوح رؤية العين، ورية الآخر حقا وفعليًا. إن الطريقة لمعرفة جاذبية وجهة نظر مردوخ هي التفكير في الأمر من منظور كيف نريد أن نكون محبوبين.

هل نريد المبالغة في تقديرنا؟ هل نريد أن نكون موضوع تخيلات شخص آخر؟ هل نريد من الشخص الآخر أن يسقط علينا صور الآخرين، بما في ذلك والديه، الذين كانوا مثاله في الماضي؟ لا أعتقد ذلك. نريد أن يرانا الآخر على ما نحن عليه. عندما أريدك أن تحبني، أريدك أن تراني. لتشعر بي. لإزالة الأوهام بعيدًا، قم بإزالة المغالاة في التقييم، وانظر إلى ما أنا عليه الآن.

س3: د. نابي بوعلي: هل هذا لأن كونك محبوبًا بسبب خصائص لا تمتلكها حقًا أمر غير مريح، لأنه يعرضك لخطر أن يتخلى عنك حبيبك أوحبيبك إذا كانت ستراك على ما أنت عليه؟

ج3: د. علي رسول الربيعي: هذا النوع من عدم الراحة ليس هو المشكلة الحقيقية. فبعد كل شيءقد يكون من غير المريح للغاية، بالنسبة لبعض الناس، أن يكونوا محبوبين كما هم . لنأخذ مثلا مشهورا قرأه أغلبنا منذ ايام الدراسة اقصد مسرحية الملك لير لشكسبير، واريد اشير هنا الى قراءة لفتتني وهي قراءة ستانلي كافيل حيث لاحظت لديه تفسير للملك لير وهو أن ما يحرك القصة هو تألمه من أن يراه من يحبونه على حقيقته.

س4: د. نابي بوعلي: كيف تريد ان تجعل الحب على مسافة واحدة مع العلم أن الناس مختلفين؟

 إذن، ما هو جاذبية أن تكون محبوبًا بالطريقة التي تصفها؟

ج4: علي رسول الربيعي: حسنًا أعتقد لدينا بوصفنا أشخاص في جوهرنا شيء يمكن أن يكون قوة للخير. وأعتقد أنه مهما كانت الازدواجية التي لدينا تجاه أنفسنا - وحتى إذا كنا نكره أنفسنا - فإننا ندرك أنه، في أعماقنا، يوجد شيء جيد أو خير فينا. أعتقد أيضًا أننا نريد أن يرى الآخرون الخير فينا وأن نفكر في ذلك على أنه أنفسنا الحقيقية. إن ذاتي الحقيقية هي أفضل ما لدي - هذه القوة من أجل الخير هي التي تجعلني شخصًا. ونريد الاعتراف بذلك وتقديره.

والآن، إذا كنت تعتقد أنك لا تستحق الحب لما أنت عليه حقًا فإن أشكال الحب التي تتضمن أن تكون محبوبًا أسباب خاطئة. قد تعتقد مرة هذا جيد. لكن في كثير من الأحيان، عندما يحبك شخص ما لأنك لست أنت في الحقيقة، فأنت تريد أن تحرره من وهمه وتنأى بنفسك عن رأيه، لأنك تعتقد، هناك أسباب أخرى وجيهة تمامًا لمحبتك، لأنه يوجد في داخلك شيء يستحق الحب حقًا، شيء يمكن للمرء رؤيته دون اللجوء إلى الخيال.

س5: د. نابي بوعلي: كيف تحل وجهة نظرك الألغاز التي تنشأ من فكرة أننا محبوبون لكوننا قيمين بشكل فريد للشخص الذي يحبنا؟

ج5: علي رسول الربيعي: أعتقد أن التفرد ليس ما نريده حقًا - أو على الأقل، أنه يمكننا أن نشعر بالرضا عن شيء مختلف: أن تكون محبوب بوصفك شخص، هو ما ينطوي على تقييمك كغاية وأن يولي الآخرأهتمامًا بك حقًا دون النظر في البدائل. إنها إحدى تلك المواقف التي تعتقد فيها أنك تريد شيئًا معينا، وتحصل على شيء آخر، ثم تدرك أن ما حصلت عليه هو ما كنت تريده طوال الوقت.

في البداية، تعتقد أنه لكي يتم تقييمك على أن لك خصوصية أو كانة خاصة، يجب أن تعتبر لك فرادة، ولكن بعد ذلك تدرك أنك تريد أن يتم تقييمك بطريقة غير مقارنة. والنظر في حالة التنافس بين الأشقاء التي ذكرناها في مقالنا المنشور بعنوان: "الحب مو وجهة نظر الأخلاق": ستدرك أنك لا تريد حقًا أن يتم تقديرك على أنك مختلف عن أشقائك أو أفضل منهم، فأنت تريد فقط أن تكون موضع تقدير كما انت، ايً لنفسك، دون مقارنة بالآخرين.

وكما تعلم، أعتقد أن ما يخلق المشكلة هو عدم القابلية للقياس أو المضاهات بالآخرين، أي أن الناس لديهم مفهوم خاطئ للقيمة، مفهوم تسمح فيه كل القيم بإجراء مقارنة. ولأن الناس لديهم هذه الفكرة الخاطئة عن القيمة يتم إفسادهم بطريقة معينة. اقصد طريقة التنافسية. أنهم يحاولون ربطك بهم بطرق لا ترتبط فيها بأشخاص آخرين، لأنهم يعتقدون أن حبك لهم مبني على الخصائص التي تجعلهم مميزين بالنسبة لك، مثل تاريخكم المشترك. لذلك يحاولون الحصول على أشياء مشتركة معك لا تشترك فيها مع أشخاص آخرين، ويصابون بالغيرة عندما يكون لديك أشياء مشتركة مع أشخاص آخرين. يمكن أن نقول أنهم بهذا مرتبكون.

نابي بوعليس6: د. نابي بوعلي: هل هم حقا مرتبكون؟ إذا أحببنا شخصًا لما اشتركنا معه وحده، فلن يتمكن أحد من امتلاك الخصائص التي نقدرها فيه. لذلك يمكن للتاريخ المشترك أن يجعله ذا قيمة فريدة بالنسبة لنا بطريقة من شأنها إثبات الخصائص القائمة على نموذج الحب.أنه يوضح ، على سبيل المثال، لماذا، بصفتنا عشاق، لا نهتم عادةً بـالمفاضلة، حيث لا يمكن لأي شخص آخر أن يكون لديه أكثر منا في ما نقدره في غاية أو موضوع حبنا. خذ، على سبيل المثال، نظرية الحب الموجودة في كتاب الأطفال قصة الأمير الصغير (المشهورة والطريفة والتي أتذكر قرأتها ايام كنت صبي). يحب الأمير الصغير ويهتم بوردة وحيدة تنمو بالقرب من منزله، لأنه يعتقد أنها أجمل زهرة في الكون. ومع ذلك عند مغادرته منزله، وجد حديقة فيها خمسة آلاف وردة، وكلها جميلة مثل تلك الوردة. يأتي إدراكه أن وردته ليست جميلة بشكل فريد بمثابة صدمة كبيرة له، ويواجه الأمير الصغير أزمة، ويتساءل عما إذا كان حبه لها منطقيًا. ينجح الثعلب الودود في حل أزمته بالإشارة إلى أن وردته "فريدة من نوعها في كل العالم" بسبب الوقت الذي أمضاه معها. كما يقول الأمير الصغير لخمسة آلاف وردة عند عودته إلى الحديقتة بعد درس الثعلب:

من المؤكد أن أي عابر سبيل يظن أن وردتي تشبهك تمامًا. لكنها في نفسها وحدها أهم من كل مئات الورود الأخرى منكم: لأنها هي التي سقيتها؛ لأنها هي التي وضعتها تحت الكرة الزجاجية ؛ لأنها هي التي احتميت بها خلف الشاشة لأنني قتلت اليرقات من أجلها؛ لأنها هي التي استمعت بها، عندما تذمرت ، أو تفاخرت، أو حتى في بعض الأحيان عندما لم تقل شيئًا. لأنها وردتي.

ج6: علي رسول الربيعي: حسنًا، لم أركز على أزمة الأمير الصغير- لقد كنت أتناول الأمور من منظور الوردة. أعني، كأنها تقول: "أعلم جيدًا أن هناك حديقة كاملة من الورود مثلي تمامًا. فكيف يمكن أن يحبني بالطريقة التي أريد أن أكون محبوبة فيها وأنا لست أفضل من أي وردة أخرى؟ أعتقد أن إجابة الأمير الصغير على هذا السؤال تستند إلى مفهوم أناني للغاية عن الحب، وهو مفهوم يقول للحبيب: "ما يجعلك تستحق حبي هو ما أنت عليه بالنسبة لي؛ ما كنت عليه بالنسبة لي، الدور الذي لعبته في حياتي. الإجابة الأفضل هي: "بصفتك وردة، فأنت تستحق نوعًا من التقدير وهو الأهتمام بك، ولا يقارنك بالورود الأخرى."

س7: د. نابي بوعلي: إذا لم تكن علاقات الرعاية هي أساس الحب ، فما هي الروابط بين الحب وتلك العلاقات؟

ج7: علي رسول الربيعي: من وجهة نظري، الحب هو عاطفة تتماشى عادة مع الرعاية والتعلق، لكنه يختلف عنهما. وأنه من الصحيح ، أن إحدى الطرق لرؤية الشخص بالطريقة التي أتحدث عنها هي أن تكون في علاقة رعاية معه. في مثل هذه العلاقة ترى شخصيته. غالبًا ما ينشأ الحب الذي أتحدث عنه في أوضاع علاقة الرعاية. هناك أيضًا أوقات يمكن أن تتمزق فيها علاقة راسخة بدون هذا النوع من الحب الذي أتحدث عنه. لذا فإن الحب والتعلق يسيران معًا، وفي بعض الأحيان يحتاج كل منهما إلى الآخر. لكنني لا أعتقد أن الرغبة في الحصول على علاقة رعاية أمر ضروري للحب.

س8: د. نابي بوعلي: إذا كان ما يحبه الإنسان - فقط شخصيته- يظل ثابتًا، فكيف يمكن لرأيك أن يفسر اختفاء الحب؟ لماذا يذبل الحب ويتلاشى؟ اين هم أولئك الاصدقاء الذين كانوا يكنون لنا الحب في الماضي. لماذا تغير كل شيء واصبح باهتا؟

ج8: علي رسول الربيعي: إن هذا له علاقة بصعوبة رؤية الشخص بالطريقة المطلوبة لحبه، أيً حتى نحبه. هناك اشياء أو صفات معينة نقول إننا نحب شخصًا طبقًا لها. ولكن هذه ليست الأشياء التي نقدرها في الشخص؛ ونحبه من خلال تلك الأشياء. على الرغم من أن ما يقدره الناس فيك حقًا لا يتغير، فإن الأشياء التي يرى الناس هذه القيمة يمكن أن تتغير. حتى يتوقف الناس عن حبك. وذلك لأن تقديمك لذاتك لم يعد يُظهر لهم ما يقدرونه فيك.

س9: د. نابي بوعلي: ليست هذه هي الطريقة التي قد يصفها الشخص الذي يقع خارج الحب. كيف تتصور حالة شخص خارج دائرة الحب ويظل منبوذا للابد؟ أو دعنا نقول عن الشخص الذي اعتدت أن تحبه أنه أصبح شخصًا مختلفًا. عليك أن تقول له: "أنت تقول حقًا أن السمات التي رأيت من خلالها الشخص الذي تحبه، والتي من خلالها أصبحت منفتحًا عليه، قد تغيرت. ولكن ما تقدره فيه لم يكن كذلك. لكنني أعتقد أنه يمكن أن يرد: "لا على الإطلاق. أنا أراه، بشكل جيد. أنا فقط لا أحب ما أراه بعد الآن.

ج9: علي رسول الربيعي: حسنًا ، جزء مما تصفه ليس اختفاء الحب الذي أتحدث عنه. قد تكون نهاية الارتباط أو نهاية العلاقة. وقد يتوقف الشخص عن رغبته في أن يكون مع شخص ما أو يهتم به على الرغم من أنه لا يزال يحبه. لكن رؤية شخص ما، والانفتاح عليه، أمر صعب، وما مكن المرء من القيام بذلك يمكن أن يتغير.

س10: د. نابي بوعلي: في الختام، أود أن أنتقل إلى اللغز الثاني حول الحب، فيما يتعلق بعلاقته بالأخلاق. يعتقد الكثيرون أن الأخلاق الكانطية تتطلب منا أن نتبنى وجهة نظر محايدة تمامًا عن الآخرين وأن هذا يقف في طريق حب بعض الناس بكل إخلاص. لماذا تعتقد أن هذا المنظور لفكر كانط خاطئ؟

ج10: علي رسول الربيعي: أعتقد أن كلاً من الحب والاحترام ينطويان على الوعي بنفس القيمة، والاستجابة لها هي معاملة كل شخص على أنه غاية، وتقدير كل شخص على طبيعته، دون مقارنة بالآخرين. لذا على مستوى المواقف، احترامك للجميع لا يهدد حبك لأشخاص معينين، وحب أشخاص معينين لا يهدد الموقف الأخلاقي المتمثل في الاحترام الذي يجب عليك للجميع.

لذا فإن الحب والاحترام الأخلاقي للناس يدعم كل منهما الآخر. تجربة الحب هي تجربة تنمي الإحساس الأخلاقي. وإذا كانت لديك وجهة نظر عن الحب تكون معادية للأخلاق، فسيصبح هذا لغزًا كاملاً: كيف يمكن أن يكون الأشخاص المحرومون من حب عائلاتهم هم الذين ينتهي بهم الأمر الى ضعف أخلاقي، والأشخاص الذين نشأوا في أسر محبة يميلون إلى أن يكونوا هم الذين يتمتعون بنواة أخلاقية قوية؟ الحب هو التربية الأخلاقية. أنت بحاجة إلى وجهة نظر تفسر ذلك، ويجب أن تكون وجهة نظر يكون فيها هذان الموقفان داعمين لبعضهما البعض، وليس تقويضًا لبعضهما البعض.

 

حاوره: ا. د. نابي بوعلي

.................................

* الصورة الأولى للاستاذ الدكتور علي رسول الربيعي

* الصورة الثاني للاستاذ الدكتور نابي بوعلي

 

 

 

 

عبد الستار نورعلي(الملف الأول من فعل التحرّر الكتابي والمشروع المعرفيّ الحداثيّ مع الأديب عبدالستار نورعلي في بؤرة ضوء)

فاطمة الفلاحي

1- التحرّر الكتابي:

أول معصم الليل تتوالى شهقات قلبه النابض بالشعر، فقد باغتنا بجنون "رقصَ الحبُّ" ونزف النغـم في عروق"شرخٌ على القلبِ" بين الدهر والحلم .

و"قصيدة تائهة" تغتال أنفاسي وهي تضلُّ طريقها في "المنافي" لتحطَّ على قارعة قلب"الشاعر العاشق"، كان ذلك في " يوميات مدينة" حيث "الساحات ملأى بالخيل وأزهار الشوق" و"هند" تملي علينا بــــ"وصايا داخلية" قائلةً: "ولّى الشبابُ!؟ فلا!"

و"يا..... حمد"، "أنا مغرمٌ بالشعرِ لستُ بشاعرٍ" فقد "شُغفْتُ بما تقولُ هوىً مُراقا"

و"اهجمْ هجومَ السهمِ...! فـــــ" أطفئيني بنارك" نقدًا. وما كان بيني وبينك أقسم "والليلِ إذا يغشاها" "والقمرِ إذا تلاها""والشمس وضحاها " لم تك " ثرثرة غير فارغة"

"إنها مدينة العطور والدماء ".. "قالتِ الشمسُ " عنها هامسة أن لك قصائد عذبة ولك من الدواوين الشعرية تخلب الألباب لغتها ...

الأديب عبد الستار نورعلي:

- يوم وقفْتُ أولَ مرةٍ ألقي شعراً، وأنا على مقاعد مرحلة الدراسة الإبتدائية، من على شرفةِ الطابق الثاني المطلّة على باحة الطابق الأول (مدرسة الفيلية الابتدائية) في خمسينات القرن المنصرم، وفي احتفال رفعة العلم صباحَ الخميس من كلِّ أسبوع، لألقي قصيدةً على تجمُّع الطلاب المنظَّم بحسب الصفوف بالطابقين، وقد أختاروني لألقي قصيدة ميخائيل نعيمة:

أخي ! إنْ عادَ بعدَ الحربِ جُنديٌّ لأوطانِهْ

وألقى جسمَهُ المنهوكَ في أحضانِ خِلاّنِهْ

فلا تطلبْ إذا ما عُدْتَ للأوطانِ خلاّنَا

لأنَّ الجوعَ لم يتركْ لنا صَحْبَاً نناجيهم

سوى أشْبَاح مَوْتَانا

وبنبرة عالية حاولتُ من خلالها أنْ يصلَ صوتي الى كلِّ المصطفين في ساحة المدرسة المُغلَقة، إذ كانت بيتاً واسعاً، يعود في الأساس لملكية أول رئيس وزراء في العراق (عبد الرحمن النقيب) بعد الاحتلال الإنجليزي. وجرى في غرفة الإدارة ـ كانت غرفة الضيوف ـ أول لقاء بينه وبين الملك فيصل الأول عند قدومه للعراق، شعرتُ بزهوٍ طفوليٍّ، مازالَ في داخلي يسري، وكأنّني صاحبُ القصيدة. كنتُ أحفظها عن ظهر قلبٍ، وعددٍ من أبيات قصيدة إيليا أبي ماضي (الطلاسم):

جئتُ لا أعلمُ منْ أينَ، ولكنّي أتيتُ

ولقد أبصرْتُ قدّامي طريقاً فمشيْتُ

وسأبقى سائراً إنْ شئْتُ هذا أم أبيْتُ

كيفَ جئتُ؟ كيف ابصرْتُ طريقي؟

لستُ أدري

وغيرها من الأبيات ـ حتى للمتنبي ـ من قصيدته عن الحمى:

وزائرتي كأنَ بها حياءً

فليسَ تزورُ إلا في الظلامِ

وكانت، على ما أذكر، ضمن كتاب (المطالعة) بمادة (اللغة العربية) في منهج الصفين الخامس والسادس الابتدائي، إذا لم تخنّي الذاكرةُ. ولاحظي هنا (ميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي والمتنبي) في منهج اللغة العربية في المدارس الابتدائية أيام الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين، تصوّري!! وقارني مع اليوم!

يوم ألقيتُ القصيدة، وبالمضبوط لغةً وحركاتٍ وإلقاءً، حاولتُ أن أنقلَ من خلاله أجواء القصيدة ومضمونها، أحسستُ أنّ هناك شيئاً في داخلي يشدّني، أنا الطفل، فأحسستُ بنشوةٍ تسري في عروقي وبفخرٍ. كنتُ أستعير من مكتبة المدرسة العامرة بكتب المنفلوطي والزيّات والرافعي وجبران ونعيمة وايليا أبي ماضي، إلى جانب قصص ومجلات الأطفال التي كنتُ أستعير منها، فشدّتْ اهتمامي روايات المنفلوطي المترجمة (في سبيل التاج) (الشاعر/ سيرانو دي برجراك) (الفضيلة) (ماجدولين)، وكتاباه (النظرات) و(العبرات). وأنت تعلمين أنّ أسلوبه كان ممتعاً قريباً الى الفهم، والقصص كانت مثيرةً تشدّ القارئ، مع أنّ لغة الكتابة في نهايات القرن التاسع عشر وأوائل العشرين يطغى عليها السجع والتقليد. كما بدأتُ بقراءة ما يتيسّر لي ويسهل عليّ من الزيّات والرافعي، مع أنهما كان يصعبان على ذهن صبيٍّ غِرٍّ، ولكنْ كما يقول المتنبي:

على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ

وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ

فكنتُ على قدرِ عزمي ووعيي وإدراكي.

وبعد ذلك أصبحْتُ مشدوداً إلى الروايات بنهم، فكانت روايات (أرسين لوبين/اللص الظريف) وروايات (روكامبول) البوليسية الرائجة حينها تلتهمني، ثم روايات (اجاثا كريستي) و(آرثر كونان دويل) ورواياته عن شخصية (شرلوك هولمز)، وقصص (أدغار ألان بو) الغامضة، وذلك لعنصري الإثارة والشدّ اللذين يطغيان عليها، إضافةً إلى الأحداث المثيرة، بحيث كنتُ لا أترك الروايةَ أو القصة حتى نهايتها. الروائيُّ والقصصي الناجح حتى اليوم، مع كلِّ تقنيات التقدم والتجديد في القصة والرواية، هو الذي يحرص على هذين العنصرين في كتابته لكي يلقى النجاح، فيشدُّ القارئ ويثيرُه. ونحن نلاحظ أنّ الكثيرين من القُرّاء، ومنهم المتخصصون، يتوقفون عن قراءة بعضَ الروايات من الفصول الأولى، ومن أسباب ذلك المللُ والضجرُ نتيجةً للترهل الوصفي، أونقصٍ أو ضعفٍ في الإثارة والشدِّ والحبكة. وهذا يشمل كلّ الروايات، ليس البوليسية فحسب. وأنا هنا أتحدث كقارئ ومتابع، فالكثير من الأدباء والنقاد يذكرون أنهم يركنون جانباً بعض الروايات دون إكمالها، ومن بداياتها. ثمّ كانت للرواية العربية على يد روادها والذين أعقبوهم، المصرية والعراقية، نصيبها الكبير في قراءاتي، وتأثيرها الذي نحت في الذاكرة آثارها وشخصياتها لحد اليوم. وبعدها الرواية العالمية: الروسية والأنجليزية والفرنسية والأمريكية وغيرها.

وفي أثناء ذلك وفي المراحل اللاحقة دراسياً وعمرياً واظبتُ على قراءة الشعر للعديد من الشعراء، وكان شعراءُ المهجر في المقدمة ومنذ البدايات هم أكثر من استحوذ على القراءة والحفظ: (جبران خليل جبران، إيليا أبو ماضي، ميخائيل نعيمة...) ثم جاء دور (أبو القاسم الشابيّ)، فأحببتُ فيه رومانسيته، وقصائده في وصف الطبيعة وفي التعبير عن آلامه في مرضه الذي أودى به، وهو في الخامسة والعشرين:

سأعيشُ رغمَ الداءِ والأعداءِ

كالنسرِ فوق القمّةِ الشمّاءِ

أرنو إلى الشمسِ المضيئةِ هازئاً

بالسُحْبِ والأمطارِ والأنواءِ

أحببْتُ إصرارَه على الحياة ومقارعةِ الموت. هذا الرجل لو عاشَ لكانَ من أكابرِ الشعراءِ العرب ـ إنْ لم يكنْ أكبرهم ـ في القرن العشرين. ثم توالى الشعراء عليَّ، منهم شعراء العراق المجددون (السيّاب، بلند الحيدري، نازك الملائكة، عبد الوهاب البياتي). أحببتُ فيهم (الحيدري) أكثر، فحفظتُ له الكثير، لبساطته وسهولته الممتنعة وقصائده العامرة بالحسّ والصدق. ثم حين دخلتُ الجامعة/ كلية الآداب/ قسم اللغة العربية/بغداد وابتدأت بالتخصص والدخول في عوالم الأدب العربي منذ الجاهلية، والشعر خاصةً، لأنه الفن الأدبي الأول في العربية. وبعدها بدأ مشواري الشعريّ، ومشواري المهني في التدريس. عُيّنْتُ مدرساً في ثانوية المدحتية بالحلة 1964. ثم بعد عامٍ أصبحتُ مديراً لمتوسطة المدحتية، حيث انشطرت الثانوية إلى متوسطةٍ وإعدادية عام 1965.

* وعدد من القصص والحكايات منح فيها الحرية" لأبطاله، يولجون ذاكرتنا دون استئذان، فتملؤنا بالمتعة والخوف من تبعات مجريات الأحداث والحياة...

كتبها وهو يقول:

ـ عبد الستار نور علي:

" أنا ابنُ بغداد، وُلدْتُ في محلة سراج الدين بباب الشيخ وفي دربونة الملا نظر، وقد سُميَتْ باسم جدي الكبير (الملا نظر)، فهو الذي بنى أول دارٍ في المنطقة في النصف الثاني من القرن التاسعَ عشرَ على بستان من اثنتين وعشرين نخلةً. وقسّمها دارين: الكبرى للعائلة، والصغرى ديواناً للضيوف مع اصطبل ملحق. الكبرى جمعتْ عائلته الكبيرة بأولاده وأحفاده، وفيها كانت ولادتي ونشأتي ودراستي، وقراءاتي الأولى، ومكتبتي الصغيرة التي أسستها من مصروفي الخاص..."

* صاغ من أحكامه النقدية وشومًا تجدها في كلّ مكان في كتاباته:

- "كتبتُ عن الكثير من الأدباء والشعراء العراقيين والعرب والسويديين، نشرتُ بعضها في كتابي (باب الشيخ) الصادر عام 2003 في السويد، وكتاب (شعراء سويديون: دراسات ونصوص)، كما يضمها كتابان مخطوطان: (في رحاب الكلمة)، و(شعراء سويديون) الجزء الثاني. وقد كتبتُ دراسات عن شعراء وقصاصين عرب شباب في بداياتهم: (نعيمة فنو) من المغرب، (عمران عزالدين) و(هوشنك أوسي) و(خلات أحمد) و(محمود عبدو عبدو) و(عماد موسى) من سوريا، وعلاء الدليمي وضرغام عباس من العراق، وقد أصبح لهم اليوم شأنهم في فنهم الأدبي الشعري والقصصي وحصل بعضهم على جوائز أدبية، (عمران عز الدين) في القصة القصيرة مثالاً. كما كتبتُ عن (علي عصام الربيعي) شاعراً وإعلامياً عراقياً ناجحاً. وكتبتُ عن الكثير من الشعراء والروائيين العراقيين والعرب."

لتزيد من شساعة المجال البصريّ للقارئ لتغذّي مخيّلته .

**

2- خارج أسوار الوطن استوطنت روحه السويد كمهاجر:

- "كيف للسويد أنْ لا تستوطن الروح والقلب، وقد كنتُ غريب الروح واليد (القلم) في وطنٍ مثقلٍ بجراح القريب والبعيد، الداخل والخارج. كان للعسس دورٌ في الاستعداد للنفاذ بالجلد، جلدي وجلد عائلتي، إذ كان باب البيت يُدقُّ، لا بيدٍ مضرجةٍ بالدم، كما تمنّى أحمد شوقي:

وللحريةِ الحمراءِ بابٌ

بكلِّ يدٍ مُضرجةٍ يُدقُّ

كانت أيدي رجال الأمن تدقّهُ، والتحقيقات جاريةٌ بخبثٍ مُبطّنٍ بلسانٍ من حرير. تصوري أنَّ أحدها جرى في بارٍ في (ساحة حافظ القاضي) ببغداد، وحول مائدةٍ عمّروها بقاني البيرة (فريدة) و(شهرزاد) مع المزّة، بعد أنْ أخذوني بتاكسي من بيتنا في مدينة الحرية، كان عصر جمعةٍ، وأنا غاطٌّ في قيلولة بعد رجوعي من غداءٍ في مطعم (الشاطئ الجميل) في شارع أبي نؤاس، مع البيرة المثلجة بمعيةِ جمع من الأصدقاء. والمضحك أنَّ رجلي الأمن قالا بالحرف الواحد:

ـ أستاذ، لا تدفعْ الأجرة، الدائرة هي التي تدفع!

وقد دفعوا ثمن المائدة العامرة في البار. لكنني لم أذقْ قطرة بيرةٍ واحدة، ولا ملعقة مزة. مرّت في خاطري قوافل المسمومين الذين راحوا ضحايا الطعام أو الشاي أو الماء داخل المعتقلات، أو أثناء التحقيق. طبعاً السم الذي يقتل ببطء. قال أحدهما:

ـ أستاذ، أشو متشرب ولا تاكلْ مزّةْ؟

بماذا أجيبهم؟ قلتُ: "هو الواحد في هذه الحالة يقدر أنْ يشرب ويأكل!"

ثم بعدها أخذوني الى مكوىً خلف سينما الزوراء داخل زقاق ضيق. وتحدث أحدهم في التليفون مخاطباً من اسماه بـ(المقدّم صالح):

ـ مقدّم صالح، الأستاذ ويانه (معنا) انجيبه (هل نأتي به)؟

ثم أغلق الهاتف. وقال بأنّ المقدم يقول لا، ماكو داعي. وبأنه يجوز لي أنْ أعود الى بيتي. على موعد في الساعة الواحدة من اليوم التالي (السبت) عند حديقة الزوراء قرب مقر المخابرات العامة. ثم استأجروا تاكسي وأوصوه بان يوصلني إلى باب بيتي، ودفعوا له أجرته. وأوصلني.

تصوري حالي تلك الليلة وحال أهلي! وقد وصل الخبر الى الجيران والأقارب، فعاشوا في رعبٍ، وحين رأوني عائداً تنفسوا الصعداء بعد أنْ يئسوا من عودتي، وأنّي خلاص رحلتُ!

وماذا عن اليوم التالي! ذهبتُ على الموعد، وليكنْ ما يكون، وتاكسي الى شارع الرشيد ومطعم قرب (مقهى البرازيلي)، وفي السيارة أخرج أحدهما مجموعة من الملفات وقال: هذه لأناسٍ آخرين.

وفي المطعم وصّوا على ثلاث نفرات قوزي على تمن، فاعتذرت عن الأكل، وأصرّوا وأصرّيتُ قائلاً:

ـ هو باقي عندي نفس آكل!

بعد الغداء استأجروا لي أيضاً تاكسي ليوصلني الى البيت ودفعوا الأجرة. وقبل ذهابي قالوا:

ـ احسبْ الى يوم الثلاثاء، إذا لم نأتِ، فلن نأتي.

ولم يأتوا!!!

تخيّلي حالي وحال أسرتي والقلق الذي عانيناه الى الثلاثاء!

الغريب أنّه لم تكن هناك تحقيقات مثلما تعودنا. مجرد كلام.

وهذه واحدةٌ من حالاتٍ سبقتها، من زيارات للبيت مجرد دقّ الباب، ثم الاعتذار، ومرات استدعاء الى مركز الأمن في المدينة، ثم: تعالْ غداً! وهكذا.

بعد كلِّ هذا وجدت أنّه حفاظاً على حياتي وحياة عائلتي لا مفرّ من الهجرة والفرار, وكان التخطيط ثم التنفيذ فالهجرة. استغليتُ توقف القتال بعد حرب الكويت وفتح باب السفر، أخذت عائلتي عن طريق الأردن الى بلغاريا، ومنها الى السويد. وكانت مغادرتنا في 27 كانون الأول/ديسمبر 1991، وحين سُئلنا عن سبب السفر قلنا لقضاء اعياد رأس السنة في الأردن.

**

3- كمين الكتابة ينسل من تجاويفه رائحة البخور والضوء:

نصبت أصابعه كمين الكتابة بحق توجعات مَن في المهجر، متسللًا إلى قلوبنا كقصيدة احترفت الصلاة على حافة الشجن؟

الأديب عبد الستار نورعلي:

- "الغربةُ صعبةٌ. كنتُ أذكرُ دائماً أغنية رضا الخياط وأردّدها مع نفسي:

"بالله ياطير الحمام اللي مسافرْ

بلِّغْ أحبابي السلام."

وقد كتبْتُ قصيدةً في السويد بتاريخ 29 نيسان 1994:

يا طيورَ الشوقِ، رفِّي

فوق أهدابِ الفرات.

وانثري قلبي رذاذاً

بين أمواج المياهْ

ونسيماً عاطراً يحضنُ قاماتِ النخيلْ.

ياطيورَ الشوقِ، ردِّي لي السلامْ.

حدِّثي السعفَ وشهدَ النخلِ،

أسرابَ الحمام .

بلِّغي أهلي واصحابي وجيراني الكرام،

خبِّريهم أنَّ في الروحِ جراحاً

وحنيناً، ورياحاً.

خبِّريهم أنّهمْ ضلعٌ من الأضلاعِ

ما فيهِ انفصامْ.

باللهْ ياطير الحمامْ،

سلِّمي لي، باللهْ ياطير الحمامْ .

قبِّلي وجنةَ طفلٍ..

ليس فيهِ غيرُ آثارِ العظامْ.

خبِّري دجلةَ والأحبابَ..

أنَّ الحبَّ ما زالَ لهيباً في ضرام ْ.

باللهْ ياطير الحمامْ،

خبِّريهم أنَّ شمَّ الهيلِ نبضٌ لا ينامْ.

وأبو نوّاسَ في الأقداحِ ذكرىً لنْ تُضام .

إنَّ في الذكرى السلامْ!

إنَّ في الذكرى السلامْ!

وتكاد مجموعتي الشعرية التي أصدرتها في السويد عام 2003 (على أثير الجليد) يطغى عليها هذا الحنين والشوق ومعاناة الغربة:

في شارعٍ يحفلُ..

بالأشجارِ والضياءْ

تمشي....

ويمشي خلفك الخوفُ..

منَ القادمِ والمجهولْ....

وينظرُ الناسُ إليكَ:

إنّكَ المجهولْ!

فكيفَ تستقبلُ في عيونهمْ

تحفُّزَ الخيولْ!

وظلَّ هذا الهاجسُ يلعبُ فينا في ملعبِ الهجرةِ صراعاً بين عالمينِ: الوطن الأم، والوطن البديلْ:

أوّاهِ من هذا الرحيلِ الصعبِ،

يا زمنَ البديلِ الصعبِ!

خيلٌ هوتْ بينَ الخرائطِ ..

(البدائل)،..

تنزوي في الركنِ،

تحلمُ بالسباقْ....

(من قصيدة "الرحيل")

**

4- استيقظت العائلة على رائحة البخور وإشراقة فجر ندي لتحتضن وليدها وهو ينسلّ من تجاويف الضوء:

الأديب عبد الستار نورعلي:

-  في يومٍ مجهول، وفي شهرٍ غير معلوم،ومسجّل في الجنسية العراقية (1/7) ـ كعادة الملايين من العراقيين ـ ومن العام 1942 انطلقت الزغاريد في دار الملا نظر في محلة سراج الدين في باب الشيخ:

ـ جابت ولد ! .....

على ثلاث بنات. والوالد كان وحيدَ أبويه. ولي (علي) واحدٌ على بنتين. لا أعرف: هل هو القدر المكتوب، كما يؤمنُ العامةُ؟ ربما! قالوا أنّ والدي قد حلم بعد ولادتي أنّ ملائكةً بأجنحةٍ بيضاءَ قد رفعتني ووضعتني على القمر، فقال:

ـ هذا الولد راح يصعد نجمه ويصير اسمه عالي!

كان الناس ينعتونه بـ(الملا)، إذ كان مؤمناً تقياً صالحاً مرجعاً في الأمور الدينية. لا أذكر أنّه غضب عليّ يوماً، أو صرخ في وجهي، أو لامني على شيء، فقد كنتُ هادئاً وديعاً مجتهداً في المدرسةِ، أقرأ كثيراً المجلات والكتب، وقد كوّنتُ لنفسي مكتبةً خاصةً في غرفتي، أصفُّ فيها المجلات والكتب بعناية وفرحٍ وترتيب. كنتُ أشعرُ بمتعةٍ كبيرةٍ وأنا أنظر في المكتبة الصغيرة التي اشتراها لي والدي هديةَ تخرّجي من المدرسة الإبتدائية بتفوق (مدرسة الفيلية الإبتدائية) في باب الشيخ/بغداد. بعد الإبتدائية أكملتُ الدراسة المتوسطة في (مدارس كلية بغداد) في الوزيرية، والتي كانت تابعة للكنيسة اليسوعية الأمريكية. كان أساتذتها من الآباء اليسوعيين الأمريكان، وكانت مواد الدراسة باللغتين الإنجليزية والعربية، العربية كان أساتذتها عراقيين.

**

5 - منذ ريعان صباه، امتهن الأدب والشعر فغرس قصائده في الوريد:

الأديب عبد الستار نورعلي:

- "أذكر أول بيتين قلتهما وأنا صغير، ربما في المتوسطة، كنتُ خارجاً من إحدى دور السينما بالباب الشرقي عائداً الى البيت مشياً، فقلتُ:

قلبٌ تحطّم في الهوى

ويهيمُ ليس له دوا

ما لي أراهُ يفتشُ

عن قلبهِ بين النوا

ما زلتُ أذكرُ هذين البيتين وبنشوة، مع بدائيتهما الشعرية.

**

6- في صحيفة (Folket ) السويدية كتب بحبر نبضه:

الأديب عبد الستار نورعلي:

2053 عبد الستار- "نشرت في صحيفة (Folket.) عدداً من المقالات العامة والقصائد باللغة السويدية، وكانت إحداها قصيدة في اغتيال وزيرة الخارجية السويدية (أنّا ليند) التي أغتيلت في الحادي عشر من سبتمبر 2003 ونشرت في الصفحة الثانية من الصحيفة (لسان حال الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي كانت تنتمي اليه الفقيدة ذات التوجهات اليسارية الاشتراكية الحقيقية."

**

7- سبر أغوار اللغة لإظهار جمال وقبح الحياة والتمرد على قبحها

أسلوب عبد الستار نور علي جمع بين الأسلوب الكلاسيكي والحديث، وأظهر جمال وقبح الحياة والتمرد على قبحها... هل تحتاج اللغة العربية إلى التفقه فيها وسبر أغوار بحورها حين تجلد أو تجمِّل الآخر؟

الاديب عبدالستارنورعلي:

التفقُّهُ باللغة بمعنى: العلم بها والتمكّن منها، وإدراك أسرارها نحواً وصرفاً ودلالةً، وفهم مكامن العلاقات بين الكلمات لإيصال المعنى بشكل متكامل الى المخاطَب، دون لبس أو غموض. ولذا فإنَّ التفقُّهَ باللغة ـ لأنها أداة التعبير وإيصال المعنى ـ عنصرٌ أساسٌ من عناصر الفنِّ الأدبي عموماً، ومنه الشعر، ليتمكنَ الأديبُ (الفنان) أنْ يوصلَ المضمونَ المُبتَغى إلى المتلقي بأبهى حلّة، وبأقوم أسلوب، وبلغةٍ نقيةٍ بليغة ذاتِ أثر، سواءٌ أكانَ الكلامُ جَلْداً أم تجميلاً. وفهمُ حالتَي الجَلْد (القبح) والتجميل وكيفية التأثير في المتلقي، والتعبير الدقيق عن المعنى والصوَر، هو في التفقّه باللغة، ففيها مكامن الجمال، ومكامن الجلد، والشاعر المتفقّه في اللغة هو القادر على اصطياد هذه المكامن، جمالاً وجلْداً . وإلا لنْ يصلَ النصُّ إلى غايته المرتجاة.

التفقّه باللغة لا يعني التقليد الصارم لمقتضياتها وقواعدها وبلاغتها ومنهجيتها المتوارثة نحواً وصرفاً، فقد يخلق الشاعرُ المتبحِّرُ في اللغة لغتَه وبلاغتَه الخاصةَ التي تشير إليه، وتكون خصيصةً فيه مختلفاً عمّن سبقَه أو جايلَه, وهنا أذكر نزار قباني وهو يرى: "بأنَّ الشعر حالة يضعنا فيها الشاعر بعيداً عن إطار اللغةِ والبلاغة المعروفة والقواعد المدونة، شاعر يستطيعُ أنْ يأخذ المساحة الكبيرة من الحرية عندما يكتب النص."

وهو ما أثبته (ت.س. إليوت) حين قال:

"إنّ قسماً من الشعر يبتدعُه الشاعر، وإنّ قسماً آخر يدرّ له التراث ."

فالابتداع ـ كما تعلمين ـ يعني الابتكار والاستحداث خارج الأشياء السابقة، وأشياؤنا نحن هي الشعر واللغة، فهما واسطة نقل مشاعرنا وأفكارنا وأحلامنا ومشاهداتنا وتجاربنا إلى الآخرين.

ومنْ منطلق قول إليوت ذاك وجدتِ أنتِ من خلال قراءتك لشعري أني أجمع بين الأسلوب الكلاسيكي والحديث، وهو ما ذكرتِه في دراساتك عن فني الشعري. وهي دلالة عملية ميدانية لقول الفرنسيين: "الأسلوب هو الرجلُ نفسُه." فدراستي واختصاصي هما في القديم والحديث من الأدب، وهو ما حفرَ ملامحه في شعري.

**

8- معارك تتويج الألقاب الشعرية والكتابية المنسلة من ثقافة.

لله درُّ معارك تتويج الألقاب الشعرية والكتابية المنسلة من ثقافة مهمشة، هل نُصبت الكتابة كمينًا لشبابها من الكُتَّاب والكاتبات على محك الريح في جملة من التعتيم " لا إبداع شبابي " أم ترى إنهم بحاجة إلى دعم كبار الكُتَّاب قبل مشوارهم الإبداعي،ولاسيما أن الثقافة يتم تهميشها في بلادنا، لمَن إنتشلت؛ ومَن دعمت؟

الأديب عبد الستار نورعلي:

- كما ذكرتُ سابقاً: لي ولع دائم في متابعة كتايات الشباب مما تقع تحت يدي، وليس كلُّ ما يُنشر، وذلك لكثافته، إضافة الى صعوبة وصول المنشور والمطبوع إلى كلّ زاوية في العالم لنحصل عليها. ولولا نعمة النت ووسائل التواصل الألكترونية لظلَّ الكثيرون مجهولين، ولبقي ما يُنشر ـ حتى للكبار ـ في دائرة الظلّ. لكنَّ الزحمةَ الشديدة للمواقع الأكترونية، وغزارة ما تنشره، تجعلنا لا نتمكن من مواكبة هذا الكمّ الهائل من النشريات والأسماء.

لقد وفّرت صفحاتُ التواصل الاجتماعي، وحرية النشر على النت، حيث لا تابو، ولا رقابة، ولا مَنْ يمنع، وفرّتْ فرصةً للشباب أنْ يكتبوا ويقدموا إبداعهم الى العلن، والى عامة القرّاء والمهتمين، كما دفعتهم الى إنشاء مواقع وصفحات شخصية، ينشرون من خلالها ما تجود به قرائحهم وأفكارهم من إبداع فنيّ، ورأي ثقافي أو سياسي. كلّ هذا أتاح لنا أن نعثر على الكثير من المبدعين الشباب الذين أستحقوا ويستحقون أنْ يأخذوا مكانهم في عالم الأدب الذي يبرعون فيه وتدور مواهبهم في واديهِ. وبالتأكيد احتاجوا ويحتاجون دعمَ الكبار للاستفادة من خبراتهم ليواصلوا مسيرتهم الإبداعية بجدارة الموهبة والمقدرة الفنية.

تحت ظلِّ هذا الاهتمام بالشباب كتبتُ عن عدد منهم وهم في مبتدأ ولوجهم عالم الأدب ولذاذته مع وعورة مسالكه، والجهد الذي يُثقل كاهلَ مرتاده من تعبٍ تحت وطأة المثابرة والمتابعة والاتساع في نهل قديمه وجديده والثقافة بعوالمها المتنوعة، لأني لقيتُ في منتجهم الأدبي، شعراً كان أم قصّاً، ما يشي بفنٍّ يحمل في طياته موهبةً عاليةً وقدرةً فنيةً تنمُّ عن مستقبل واعدٍ، وقد كان ما تنبأتُ به. ومن الذين كتبتُ عنهم دراسات نقدية: (نعيمة فنو) من المغرب وهي الى جانب موهبة الشعر فنانةٌ تشكيلية. وقد ترجمت الدراسة الى اللغة الفرنسية. (عمران عزالدين) و(هوشنك أوسي) و(خلات أحمد) و(محمود عبدو عبدو) و(عماد موسى) من سوريا، وقد أصبح لهم اليوم مكانتهم المشهودة على الساحة الأدبية العربية. وقد حصل بعضهم على جوائز: (عمران عز الدين) في القصة القصيرة مثالاً. كما كتبتُ عن (علي عصام الربيعي) شاعراً وهو إعلاميّ عراقيّ ناجح وكذلك (علاء الدليمي) و(ضرغام عباس). إضافةً إلى مداخلاتي على ما ينشر البعض منهم على مواقع التواصل الاجتماعي و المواقع الثقافية، ومن خلالها أقيّمُ نصوصهم مشجعاً.

لا أظنُّ أنَّ أحداً قادرٌ اليوم على التعتيم أو التهميش، ففضاء النشر واسعٌ سعَةَ فضاءِ الإنترنيت ومواقع التواصل الاجتماعي المفتوحة للكلّ، فهي تستقبل ما ينشر الشبابُ، غثّناًاً كانَ أم سميناً، والزمن والقارئ والناقد المُبصرُ والمهتمّ كفيلون بالغربلة. فلا أحدَ ـ أياً كانَ ـ له حقُّ رفع تابو في وجهِ أحد، فنُّ الكتابة هو الذي يقرّر.

أما توزيع الألقاب الشعرية فهو من آثار تراثنا الثقافي والاجتماعي الميّال الى حبّ التفخيم والتعظيم والتغنّي بالألقاب والصفات المُعظِّمة: جلالته، فخامته، سيادته، عظمته.... وليس الشعراء ببعيدين عن هذا: (شاعر السيف والقلم)، (أمير الشعراء)، (شاعر النيل)، (شاعر القطرين)، (شاعر الشباب)، (شاعر العرب الأكبر)....الخ. وليس حال الشعر اليوم بمختلف عن حال الأمس، مع الفارق بين الحالين من رقيٍّ وامتلاء.

يدخلُ اللقب عند البعض الأخر في إطار خصيصة من خصائص شعر الشاعر الغالبة على الأخريات، قد تكون غرضاً شعرياً، أو مضموناً، أو أسلوباً فنياً لغوياً أو جمالياً، أو قصيدة أشتهر بها، أو بيئةً: (شاعر الخضراء/ أبو القاسم الشابي)، (الشاعر القروي)، (بدوي الجبل). وقد تكون أثراً لشاعر قديم، أو صفةً مشتركةً بينهما: (الأخطل الصغير). أو تكون صفةً من صفات الشاعر الذاتية. وهذا شيء آخر خارج التعظيم والتفخيم.

ويبقى ـ مع كل ذلك ـ شعر الشاعر هو القول الفصلُ.

**

9- طقوس الحرف في محراب الكتابة

هل لك طقوسٌ في مراسيم الكتابة ؟ هل تضجر مما تكتبه أحيانًا؟

الأديب عبد الستار نورعلي:

إنْ تسألي عنْ طقوسي فهي ماضيةٌ

خلفَ التي بالنوى والوصلِ تسـقيني

ليسَتْ لخيلي طقوسٌ تستفيءُ بها

إلّا التي في هـزيعِ الليـلِ تأتـيني

طـَلْقاءُ مُقبلةً، غـَنْجـاءُ مُـدبرَةً

في خطوها نبضاتُ القلبِ والعينِ

سيدتي،

أنتِ تدرين وأدري ـ هكذا نحن كتبْنا، نكتبُ ـ أنّ للكتابة عند كلّ كاتب، شاعراً كانَ أم ناثراً، طقوساً خاصةً تحت ظلّها يستريحُ وحيُهُ (شيطانُه عند الشعراء)، فتسترسلُ أحاسيسُه وعواطفُه وخيالُه وأفكارُهُ بأريحية وانسياب وتدفّق.

(الناثر) يُفكّرُ ويُخطّطُ،ليكون النصُّ واضحاً عنده، ثمّ يستعدّ ويتهيّأ منْ قبلِ أنْ يبدأ بمراسيم الكتابةِ وطقوسها. أما (الشاعرُ) فلا يدري متى وأينَ وكيفَ يهبطُ شيطانُه طائراً من وادي عبقرَ ليلقي رحالَه في حسّه. قد يكون (الشاعر) ماشياً في الطريق، أو راكباً في باص عمومي، أو مقتعداً زاويةً في مقهىً، أو جالساً في مكانٍ عام (متنزهٍ، مكتبةٍ)، أو مستيقظاً في جوفِ الليل/في الفجر ....إلخ. وهذه حالي، فلستُ باستثناءٍ. يقول الكبير محمود درويش:

"حين تكون القصيدة واضحة في ذهن الشاعر قبل كتابتها، من السطر الأول حتى الأخير، يصبح الشاعر ساعي بريد، والخيال درّاجة"

سيدتي،

عادةٌ لي أنْ تكونَ في جيبي ـ معطفاً أم قميصاً ـ وأنا خارج من البيت، أوراقٌ بيضٌ وقلمٌ، وإلى يومي هذا. أعثر أحياناً على أوراق قديمة بيضاء خالية، أو فيها شخبطات من كلمات وأبيات منفردة، في جيوب معاطفي التي أهملْتُ ارتداءَها منذ زمن، أو مللْتُ منها. اعتدت هذا تحسباً للحظةٍ، غير مُخطّطٍ لها، يهبط فيها الشيطانُ ـ على مزاجه واختمار التجربة الحسية ـ فيوحي إليّ، فأسارع بإخراج ورقةٍ والقلم خشيةَ أنْ يغضبَ الشيطانُ فيولّي دبرَهُ مُتحيّزاً للنسيان. وغالباً ما أهرعُ إلى المكتبة العامة، أو مقهىً قريب، أو أيّ مقعد يصادفني في الطريق، لأسطّرَ ما تفضّل به الوحيُ.

مثلًاً، مجموعة (يوميات مدينة) هي مِنْ موحيات مشاهداتي للمدينة التي أقيمُ فيها: (أسكلستونا/السويد)، كلُّها انطلقتْ وأنا على طريقي إلى المكتبة العامة عند الظهر بعد الساعة الثانية عشرة، وبالتحديد في الساعة الواحدة ظهراً وما بعدها، فوُلدتْ كاملة. وقد كتب عنها الناقد والشاعر العراقي الراقي الأخ (هاتف بشبوش) دراسةً نقديةً مهمة تجوّلَ في ثناياها تجوالَ سائحٍ مشدود بمشاهداته.

وللعلم كلُّ القصائد التي تولد في هذه الأجواء أعيد النظر فيها ليلاً فأكتبها نقيةً صافيةً قبل أنْ تطير لتهبط في عالم النشر.

أما (هزيع الليل الأخير) فله حصة الأسد من قصائدي، فأثناءه وُلدَتْ الغالبية العظمى، ووسط هدوئه وصمته ووقاره ارتدتْ حلتّها الأخيرة.

اعتدتُ أن أكتب القصيدة على ورقةٍ أوليةٍ بمسودة ولادتها الأولى، ثمّ الكتابة فوق البيت أو تحته أو بين كلماته ممّا يستجدّ من اضافاتٍ أو حذفٍ أو تغيير وتنقيح. ثمَّ أعيد كتابتها بعد ذلك، ربما ثانيةً وثالثةً على أوراق أخرى، حتى تستوي على عودها الأخير خاليةً من كلّ الشوائب الشكلية تلك، نظيفةً تامةً، وأنا أتنفسُ بارتياح بعد هذا المخاض العسير.

(القصيدةُ) حسناءُ تتبختر أمام الشاعر، تتدلّل، تتغنّج، تتمنّع، تنأى، تقتربُ، إلى لحظة أنْ ترتمي في أحضانِ قلب الشاعر وحسّه وعاطفته الجيّاشة، راضيةً مرضيّةً، فتدخلُ فردوسَ كلمة الشاعر، تعانق روحَه المبدعة الخلّاقة، فيستسلمُ لها مسترخياً في نشوةٍ علويةٍ، لا تدانيها نشوة، مستلقياً على فراشٍ من ريش الجمال، وحلاوة الكلام المباح وغير المباح!

سيدتي،

أما اليوم فإنّ الهاتف المحمول قد استولى على دور الورقة المحمولة، فاحتلّ مكانها احتلال غازٍ مقيم. لكنْ يبقى للورقة طعمُها ولذاذتها التي لا تقدرُ الآلة أن تصلَ إلى حواشيها. لكنني لم أنفكّ عن عادة الأوراق البيض والقلم وما يسطّر ما تبثّه النفسُ، وينبضُ به القلب، ويُبصرُ الفكرُ، وترى العينُ. وإنَّ لها لسحرَها الذي لا يُضاهَى، وطعمَها الذي لا يُجارى، وعرشَها الذي لا يُدانى.

وللمعلومة، لا حضورَ اليوم للسيجارة والكأس، ولا للشاي والقهوة، في حضرةِ طقوسي، مع أنّ الكأسَ والسيجارة والسيجارَ والغليون، كانوا ندماني في محرابِ القصيدة، في ماضي الأيام، حتى طلّقتها جميعاً بالثلاث في العاشر من الشهر العاشر لآخر عامٍ من الألفية الراحلة 2000.10.10، والحمد لله. وللعلم أيضاً، لم أكنْ مدمناً على أيٍّ منها، إنَما لـ(متعة لحظةٍ)، أو تسلية في جلسات (ليالي الأنس) والسهر البريء في بغداد (الزمن الجميل)، مع الندامى الأنقياء الحلوين.

أمّا الضجر من قصيدة!!؟

أيضجرُ القلبُ منْ عشقٍ يلوذُ به

في القرِّ والحرِّ دفآناً وبردانا !

هو الوتينُ، فما للروحِ مِنْ نفَسٍ

منْ دونهِ، وفـراغُ الكونِ مـأوانا

ليس ضجراً:

أحياناً، تراودني القصيدةُ لحظةَ اختمارٍ وتوقٍ للولادةِ، أقولُ: هيتَ لكِ! فإذا بها تفرُّ منْ يدي، لتختفي تاركةً أثراً (مطلعها)، وقد لايكون مطلعها. ثمّ بعد زمن تعود "مشتاقةً تسعى إلى مشتاق" لترتمي في أحضانِ صدري معانقةً، فتحفر نفْسها تامَّةَ الخِلقةِ والصياغة، شكلاً ومضموناً، كاملةً بحلّتها القشيبة، واقفةً على قدميها، لتسقيني خمرتها المعتقة في كأسٍ منَ اللذةِ، فتثمل الروحُ نشوةً علويةً، ويرقص القلبُ، فأجرُّ نفَساً عميقاً وأسترخي على فراشٍ منْ ندىً وورد، وربما في أخدودٍ منْ نارٍ ووقود.

**

10- نهر شعره ينهض على كتف فتنة الكتابة

فتنة الكتابة تقتحم أحيانًا ماتيسر من (التناصّ) بغية الوصول إلى نصّ يقبع فينا، كم مرة اكتشفتَ روحك متلبسةً بتهمة كتابة التناصّ ؟ ومَن كانت تناصّك الروحي في ساحة الشغف والجنون الآثم فلا مجال لفنائها؟

الشاعر والمترجم عبد الستار نور علي يحدثنا،قائلًا:

- بدءً ليس التناصّ تهمةً يتنصل منها الشاعر، بل هو غنىً مضاف إلى غنى النصّ، حين يأتي متعالقاً مع نصٍّ آخر، أدبياً أم دينياً أم تاريخياً أم منْ منابع أخرى، تجذّر في روح الشاعر منحوتاً معلّقاً في ذائقته وذاكرته الحافظة، فاستقرّ في وعيه وفي لاوعيه، لدرجة التوحّد، بحيث يخرج ممتزجاً بالنصّ بعفويةٍ تعبيرية وتلقائية لحظة ولادة النصّ، وبوح الشاعر عن تجربته الحسيّة، يجد متنفسه للإنطلاق عند العلاقة بين ما يخلقه الشاعر من نصٍّ وبين النصّ المخزون، بوعيٍّ مسبق من الشاعر أو بلا وعيٍّ تلقائيّ. هنا يكون الغنى والتعالق الولادي الطبيعي. أما حين يكون مُقحَماً متكلفاً (مُصطنَعاً) فلا يكون عندها غنىً بل صناعةً ميكانيكية جامدة مع سبق الأصرار والتخطيط.

ربما كان التناصّ عند القدامي يوضع في خانة (السرقات الأدبية). لكنه اليوم مصطلح نقدي أدبيّ، وباب من أبواب فن النقد، قال فيه النقاد غرباً وشرقاً الكثير، ليصبح مادةً للدراسات الأكاديمية والنقدية العامة.

تدرين جيداً أنّ النصّ الأدبي لا يأتي من فراغ. إنه صياغة لغويةٌ ذات علاقات وأبعاد ودلالات نحوياً وتعبيرياً ومعنىً مقصوداً إيصاله الى المتلقي، سامعاً كان أم قارئاً. فليس الشاعر إلاهاً لغوياً ليخلق لغته الخاصة ـ بمفهوم الألفاظ والتعابير والصور ـ بعيداً عن لغته الأم وتراثها اللفظي (النطقي) اليومي والكتابي والتعبيري نثراً وشعراً (التراث الأدبي)، إضافةً الى التراث الديني (الكتب المقدسة وأحاديث الأنبياء والرسل والأولياء)، ثم أقوال الحكماء والأمثال والقصص والروايات والشعر، وغيرها من مناحي الحياة الإنسانية الأخرى. إذ ترى الناقدة الفرنسية (جوليا كريستيفا) "أنّ النصّ الأدبي لا يولد من الصفر، بل له سوابق ينبع منها وينطلق ليتشكّل، فهو جزءٌ من نصٍّ عام". مثله مثل الماديات التي تُبنى على ماديات سبقتها وتتطوّر منها، ليُصنعَ من مجموع ما سبقها شكلٌ جديد مضاف، بتقنية وذوق وجمالية وصياغة وهدف الصانع الجديد ومهارته وحذقه. فلا شيء يأتي من فراغ.

الشاعر ـ مبدعاً في الأمة ـ يمرُّ عبر هذه السلسلة المترابطة والمتنامية في مسبحة الكلام خِرزاً فنيةً، ترفد ذائقته ووعيه ولاوعيه، لتجد مستقراً لها في مخزن ذاكرة اللاوعي مع مرور الزمن، شبيهاً بـ(الفلاش USB) ـ المخزن الإضافي للنصوص التي نحفظها في الكومبيوتر كي لا تضيع ـ هذه النصوص المخزونة تجد لها متنفساً ومنفذاً عندما تعثر على فرصة سانحة مواتية ـ تجربة دربٍ أو حدثٍ أو حسٍّ أو مضمون تتلاقى تشابهياً (تعالقياً) ـ فتنسلّ من بين أصابع الشاعر ـ وعياً أم لاوعياً ـ لتستقرّ بين خلايا قصيدةٍ ملائمة المعنى والحسّ والصورة والتجربة، فتزيّنها بوشيٍّ منْ جمالها وتجانسها وزخرفتها لتضفي حلاوةً وحسناً وحرارةً وبعداً فنيّاً جميلاً، وإغناءً معنوياً (مضموناً) ثقافياً. فالتناصّ إشارة لثقافة الشاعر وسعتها وثرائها، واستثمارٌ لها لإثراء نصه والارتقاء به وإحداث الأثر المبتغى منه.

يقول الأستاذ الدكتور (نوزاد شكر مصطف)، من جامعة صلاح الدين/ أربيل كلية اللغات/ قسم اللغة العريبة، في بحثه الأكاديمي الموسوم بـ(التناصّ في شعر عبد الستار نورعلي):

"أخذ التناصّ في شعره أشكالاً متعددة، ومرجعيات متنوعة ارتكنت إليه نصوصه. يُعدّ عبد الستار نورعلي أحد شعراء الحداثة المغتربين عن الوطن، نستشفّ من شعره أصالة ثقافته، وغوصه في التراث العربي والاسلامي والأخذ منهما، ومن يتصفح دواوينه الشعرية وما نشره على صفحات الدوريات والأنترنيت يجد ومضات دينية ووطنية وتراثية تضيء جوانب كثيرة من شعره، استثمرها لإثراء نصّه الشعري على صعيد البلاغة ودلالة الحدث، لذلك يشكل التناصّ ملمحاً أسلوبياَ بارزاً في شعره وقد الشعرية، منها الدينية والأدبية وغيرها."

أظنُّ أنّ الأستاذ الدكتور (نوزاد شكر مصطفى) أجابَ ضمنياً ـ في دراسته عمّا استفهمتِ عنه في سؤالك:

"ومَن كانت تناصّك الروحي في ساحة الشغف والجنون الآثم؟".

أقول أنه بالتأكيد ما هو مخزونٌ في حافظة الوعي واللاوعي عندي ـ حالي كغيري ـ خلال مسيرة عمرٍ يمتدُّ عميقاً في غور السنين، منذ أنْ بدأ الوعي يحبو: القرآن الكريم، الحديث النبوي الشريف، الكتب المقدسة الأخرى، أقوال وحِكَم لرجال التاريخ العظماء، الشعر العربيّ القديم والحديث، الشعر في العالم لكبار شعرائه التاريخيين والثوريين، والثوار الكبار وما قالوه في مسيرتهم الثورية.

وهنا أورد أمثلةً من التناصّ في قصائدي ـ لبيان آثار النصوص في ماضيها وحاضرها المعلّقة على جدران الذاكرة ـ كما أرّخها أستاذنا الفاضل الدكتور مصطفى ـ في بحثه الأكاديمي القيّم والشامل، وتعالقها بنصوصي:

"ومن التناص القرأني قوله في قصيدة ( كاترينا):

هذه القريةُ غرقتْ في الدجى

أغلقتْ بابها

لملمتْ وجهها في غياب الخجل

ثم نادتْ دون أنْ تذرف دمعةً

إنَّهُ ثمنُ المارقينَ الجناة

أطيعوا أولي الأمر منكم !

نم نامتْ على هدهدة الليل

في سكون الكلام

يمتصّ هذاالمقطع الآية القرآنية [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ...] النساء 59 "

هذا في التناص مع القرآن الكريم. وفي التناص مع الحديث النبوي الشريف يذكر الدكتور مصطفى:

" كما وردت للشاعر أبيات شعرية فيها تناص مع الأحاديث النبوية الشريفة في مواضع عدّة، ومن ذلك قوله في قصيدة ( الانهيار ):

جثةُ تهبطُ من علياءِ، تابوتها

جثةٌ لم تعاشرْ كفناً

لم تصاحبِ الفئة الباغية

تُدفنُ تحت بلاط الأمم المشرئبةِ الراقية

ثمةَ وجهٌ، طفلٌ، رقصةٌ، غانية.

لقد ظهر التناص واضحاً لاسيما في استعمال عبارة ( الفئة الباغية) مع قول الرسول صلى الله عليه وسلم في حق سيدنا عمّار ( ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعو الى الجنة ويدعونه الى النّار). لقد افاد الشاعر من هذه القصة لإدراكه قيمتها الدلالية ولتوضيح فكرته وتأييدها. يظهر الشاعر من خلال هذا التناص سخريته من الحكام الذين يقتلون الناس لأتفه الأسباب، فكم من بريء قتل دون سبب إلا لموقف رفض لقرار ظالم أو من موقف جبان متخاذل، فإذا كانت مصاحبة الأشرار والباغين تستحق العقوبة والجزاء فهذه شريعة لابأس بها، أما أن يقتل المواطن بلا سبب فهذه جريمة لا تغتفر، إنها ديدن الطغاة في كل مكان لاسيما عند الحكام العرب، ويؤكد الشاعر هذه الفكرة في قصيدته ( الويل ) التي يقول فيها:

الويلُ إنْ كانَ الذي تقولُهُ

ليس كما يريدُهُ الاخوانْ،

الويلُ إنْ أفلتَ من عِقالهِ الثعبانْ

لاتِنتوي

فإنّما الأعمال بالنياتْ

وأنت تنوي الشرّ بالسلطانْ

وركبهِ الزاحفِ نحو النورِ

والسرورِ

والأمانْ،

فالويلُ لكْ...!

لقد ورد التناص في هذا النص مع قول الرسول صلى الله عليه وسلم( إنّما الأعمالُ بالنياتِ، وإنّما لكل امرىء ما نوى...) "

ويورد الدكتور مصطفى تناصاً مع الإنجيل:

" كما ورد التناص مع نص في الانجيل في قصيدته ( الأحجار):

فوقَ الصدرِ الضامِر حجرٌ

ما أثقلهُ!

ما أوهنَهُ!

تصغي ...

مَنْ كانَ بلا إثمٍ

فليرمِ الأحجارْ!

إنه تناصّ مع قول سيدنا عيسى عليه السلام عندما قال: ( من كان بلا خطيئة فليرمها أولاً بحجر ) لقد جعل نصب عينيه نصاً مركزياً مقدساً مُستمداً من الكتاب المقدس ليستمد منه ويجعله مرجعيته الفكرية."

كما أورد الدكتور مصطفى أمثلة على "التناص الأدبي " وهو التناص مع نصوص أدبية لأدباء آخرين (التضمين)، شعراً أو نثراً:

" وقد ورد هذا النوع من التناص في شعره بشكل لافت للنظر، ومنه ما تناص به مع قول امريء القيس في قصيدة (أغاني الأغاني)، إذ يقول:

زنبقاتُ الكلامِ تسقطُ في الكلامِ

اليومَ خمرٌ،

وغداً في رفيف النوارسِ أمرٌ

مَنْ يقرأ هذا النصّ يقفز الى ذهنه قول امريء القيس (اليوم خمر وغداً أمر) في دعوة الى الأخذ بثأر أبيه"

ويواصل الدكتور مصطفى في هذا الباب قائلاً:

"ويبدو التناص الأدبي مع قول الشاعر سعدي يوسف، إذ يضمن الشاعر عبدالستار نورعلي ثلاثة أشطر من قصيدة ( السبب) لسعدي يوسف من قصيدته (رسالة الى الأخضر بن يوسف)، في قوله:

يا الأخضرُ، أنتَ تعانقُ قريتكَ بعيداً،

من دون صيارفةٍ

وجلاوزةٍ

وأزقة بغدادَ، وباب الشيخِ.

يا الأخضرُ،

ما كنتَ نديمَ صيارفةٍ

وجلاوزةٍ

بل همسةَ نخلِ ضفافِ الشطِّ

وقلوبٍ أرَّقها الطوفانْ.

يا الأخضرُ،

(لم ترحلْ خوفاً...

فبلادكَ يفتحُ فيها الأعمى عينيهِ

ويموتُ الشعراء)

وبعد قراءة قصيدة سعدي يوسف تبين لي أنّ هموم الشاعرين متشابهة الى حد بعيد، إذ يجمعهما وحدة الفكر والتصور، والغربة، وحبّ الوطن الذي تركوه من دون إرادتهم، وطن الخيرات والنعم، إلا أنّ المثقفين من أمثال الشاعرين لا يفيدون من هذه الخيرات،"

سيدتي،

هذه الخزانة المُثقلَة بالرفوف المضيئة لزوايا الروح والشعور والحسّ والعقل، هي الثروة التي خرجتُ بها في مسيرتي الطويلة العريضة، وهي التي تمدّني بالدم الذي ينبض في القلب، لمقاومة الأيام بما تحملها منْ أثقالٍ وأغلال وأنواء وعواصف وقصائف، فتتغذّى بها نصوصي حين تتعالق مع نصوص ما مرَّ ومَنْ مرّوا من الذين ذكرتُ، وتتمازج مع أرواحها وأرواحهم وكنوزها وكنوزهم، الحسية والعقلية واللغوية والأسلوبية التي تولدت من حياتهم وأفكارهم وقلوبهم، فانطلقت في صفحاتهم وعلى ألسنتهم وجمرات أناملهم. أظنّ أنه محيطٌ لا قرارَ له، ولن يجفَّ ما دامت الحياة على الأرض، وما دمنا ننهل من ينابيعها الصافية المتدفقة.

لنا عودة معكم في حلقات قادمة، حين يرفدنا بها أديبنا (عبد الستار نورعلي) يومًا ما.

حاورته: فاطمة الفلاحي

نوفمبر 2020

.................

نشر الحوار في الحوار المتمدن أيضا

 

 

 

 

2003 عدنان حسين 4عدنان حسين أحمد قاص ومترجم وصحفي وناقد عراقي مقيم في لندن من مواليد مدينة جلولاء عام ١٩٥٧، كاتب متعدد الاهتمامات شق طريقه الإبداعي بين العديد من حقول المعرفة المختلفة، قبل بروزه على المستوى العربي كناقد أدبي وسينمائي وتشكيلي وفوتوغرافي يشار إليه بالبنان، حاصل على شهادة البكالوريوس في اللغة الإنكليزية من كلية الآداب، جامعة بغداد عام ١٩٨١، والماجستير في النقد الأدبي من الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية في لندن عام ٢٠٠٧، ولديه أكثر من دبلوم في السيناريو، والصحافة الاستقصائية، والكتابة الإبداعية، عمل في الصحافة العربية لأكثر من أربعين عامًا في العراق والأردن وهولندا والمملكة المتحدة.

عند الحديث عن فخامة التجربة الإبداعية المتنوعة لدى عدنان حسين، لا بدّ من العودة إلى ما قبل الهجرة والمنفى، فقد كان منذ مطلع شبابه ذا نزعة يسارية، نشأ قريباً من شخصيات سياسية وفكرية يسارية ساهمت بتحريك الوضع الثقافي في المدينة، وحرضت بشكلٍ مباشر وغير مباشر على القراءة والكتابة، حتى شكلت لاحقًا طابعًا شخصياً قاده إلى عالمه الإبداعي، وبالرغم من قراءاته الماركسية المُبكرة، فقد طوع عقله المتمتع بآلية مرنة إلى النهل من مشارب ثقافية، وفنية مختلفة. ومع مفتتح سبعينات القرن الماضي سجل أول انقلاباً في تلافيف ذهنه، وتغلغلت القصة في وحدات دمه بعد قراءته المجموعات القصصية لنجيب محفوظ، كان قد اقتناها من مكتبة «الحاج أبو كامل» في المدينة، فقد حركت هذه القراءة مخيلته وشكلت عنده القاعدة القصصية الرصينة التي انطلق منها إلى الكتابة القصصية، وانبثق منها رصيده في السرد القصصي .

ولم تنبثق علاقته مع النقد السينمائي والتشكيلي من فراغ، فلهذه العلاقة جذور تمتدّ إلى أيام الصبا، والشباب فقد كان متلقي عاشقاً للسينما، مواظب على السفر من مدينة جلولاء إلى خانقين، كي يشاهد فيلماً إيرانياً كلّ أسبوع، ويحرص على تدوين أحداث الفلم، ومسار شخصياته الرئيسة، كما كان أسير شراهته البصرية التي كانت دائماً ما تقوده الى تفحص غالبية المعارض التشكيلية في ديالى، وبغداد والكتابة عنها.

ومع التحاقه بقسم اللغة الإنجليزية في كلية الآداب، تنازعت لغتان في الاستحواذ على عقله وروحه، وانصب اهتمامه على اكتشاف الأدب الإنجليزي، وبدافع حُب اللغة الإنجليزية، والولع بالآداب العالمية، ترجم عشرات القصص، والمقالات الأجنبية، فتتلمذ على ترجمات الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا حينئذ، وكان لجبرا إبراهيم جبرا دوراً في تشجيعه على مواصلة الترجمة، والانقطاع إليها، حينما وقعت يداه على ترجمته لواحدة من قصص جيمس جويس كان قد نشرها في مجلة " الطليعة الأدبية" فقال له " أنتَ مترجم ناجح ".

وسجل عدنان حسين الانقلاب الثاني في تلافيف عقله، بعد ما استمد الأدب والعلم والمعرفة من مرحلة الحياة الجامعية، التي زادت من روافده الثقافية، وغيرت من طريقته في التفكير، فاكتشف أن الحرية والإبداع صنوان لا يفترقان، ولم يجد أمامه خياراً سوى الهجرة والاغتراب في المنافي البعيدة، بحثاً عن الحرية، وتنقيباً عن بيئة يعبر بها ذاته، وتحفزه على الإبداع، فشكلت المنافي إحدى أهم المحطات في تجربته الإبداعية، التي ضخت فيه نبض الكتابة والإبداع، فأسهم في إثراء المكتبة العربية، بسبعة كتب في حقولٍ أدبية متعددة أصدرها خلال سنوات إقامته في عمان وهولندا ولندن، كما أنجز عددا مماثلا من الكتب المخطوطة تنتظر النشر، بالإضافة إلى حضوره المميز في المؤتمرات الثقافية والأدبية، ورئاسته تحرير مجلتي (أحداق) و(علامات) الثقافيتين في هولندا.

دخل عدنان حسين ميدان النقد مزوداً بمواهب في فروع مختلفة من الأدب، وثقافة سينمائية رصينة، تُلم بعملية صناعة الفيلم من الألف إلى الياء، بالإضافة إلى ذائقة أدبية مدربة بالقراءة والمتابعة، انعكست بشكل كبير على نتاجه في مجال النقد، الذي عكف على الكتابة فيه منذ أربعة عقود، ولديه كم كبير من المقالات في صحف "الزمان" و "الشرق الأوسط" و "القدس العربي" و "الحياة" و "العرب" و "المدى" وبعض الصحف والمجلات والمواقع الخليجية المحترفة مثل "الجزيرة الوثائقية" التي ينشر فيها مقالاته السينمائية بشكل منتظم، وله عدة مؤلفات في النقد السينمائي، والتشكيلي، والأدبي.

 قبل أن نعرج للحوار لا يسعني في هذا المقام ألا أن اقدم شكري وتقديري على إتاحة لنا هذه الفرصة للتواصل، والتعرف على شذرات من فيض السيرة والآراء والأفكار.

الحوار:

2003 عدنان حسين 1* يقال إن الإنسان ابن بيئته التي تصنع فلسفته منذ ولادته وحتى يكبر، كيف شكّلت البيئة التي عشتها في جلولاء ملامحك الفنية والأدبية؟

- دعني أستعين بالشاعر المتوهج أبي تَمّام الذي قال ذات مرة بيتين من الشعر فذهبا مَثلاً لما ينطويان عليه من فلسفة أنيقة، وحكمة دقيقة:

"نَقِّلْ فُؤَادَك حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الهَوَى / مالحُبُّ إلاّ للحَبيبِ الأوَّلِ

كَمْ مَنزلٍ في الأرضِ يَألَفُهُ الفَتَى  /  وحَنِينُهُ أبَدًا لأوَّلِ مَنزلِ"

وعلى وفق هذا التصوِّر التَمّاميّ فإننا جميعًا نَحِّنُّ إلى المنزلِ الأول، والمدينة الأولى، ومسقط القلب، إن شئتَ، فثمة علاقة سرّيّة مُبهَمة لا تُفَسّر بيننا وبين المكان الأوّل لعلّي أسمّيها الإيقاع الجغرافي أو النبض المكاني الذي ينتظم فقط عندما تستلقي على فراش مُلاصق للأرض وتُصغي إلى ذلك الإيقاع العجيب الذي تسمعهُ كما يسمع الجنين المرتبط بحبل السُرَّة دقّات قلب الأم، وكلّما نأينا واشتط بنا المَزار تلاشى ذلك النبض وأصبح أثرًا بعد عين.

لا ينفع المكان لوحده من دون وجود الكائنات البشرية، وخاصة الموهوبينَ والمثقّفينَ والمتعلِّمينَ، فهم ملحُ الأرض في كل زمانٍ ومكان. وهؤلاء هم الأوفر حظًا في الخلود أما العامّة فيذهبون، مع الأسف الشديد، إلى مدارج النسيان حيث يأكلهم الصدأ، وتلفظهم الذاكرة الجمعية. هناك عدد غير قليل من المثقفين مرّوا بهذه المدينة أمثال الإعلامية غلاديس يوسف، ومقداد عبد الرضا، وجمال نوري، وصلاح زنكنة لكنّ كُتابها الأساسيين هم جلال زنكَابادي، وشاكر نوري، وتحسين كَرمياني، وجلال جميل الخالدي، وسعد محمد رحيم، وعدنان حسين أحمد، ومجموعة من الفنانين في المسرح والتشكيل والصحافة والغناء أبرزهم د. محمد صبري، والنحّات حميد شكر، والفنان عادل أصغر، والصحفي خميس سبع، والفنان علي قادر، والمسرحي والي العزاوي، والتشكيلي محمد شوقي حقي، والمطرب عامر العلي وآخرين كانوا في طور اكتشاف مواهبهم الأدبية والفنية ولعل بعضهم ظهر في السنوات الخمس والعشرين التي غِبتُ فيها عن الوطن مثل صفاء الصالحي، علي حمد الصوفي، أحمد المرواني، حسام الدين مصطفى، وحيد يوسف ولي وآخرين لا يسع المجال لذكرهم جميعًا.

على الرغم من غِنى مدينة جلولاء وثرائها الثقافي إلاّ أنه ليس كافيًا لوحده فلابدّ من توابل السياسة التي تعطي المدينة المهجّنة بعربها وكوردها وتركمانها وفيليها نكهة خاصة حتى وإن كانت مؤلمة في كثير من الأحيان. وربما يعود الفضل الأكبر إلى الحزب الشيوعي العراقي الذي حرّك الوضع الثقافي في المدينة، وبثَّ فيها حياة من نوع آخر ولابد من الإشارة إلى أبرز الشخصيات السياسية اليسارية أمثال الرفيق محمد أحمد إسماعيل "أبو جيفارا"، والأستاذ خير الدين، وحسن ميرزا، وعبد اللطيف عبد الوهاب، وما سواهم من شخصيات سياسية وفكرية حرّضونا بشكلٍ مباشر وغير مباشر على القراءة والكتابة التي أخذت لاحقًا طابعًا شخصيًا يقود كل واحد منّا إلى عالمه الإبداعي الذي يخفّف عنا وطأة الحياة في تلك المدينة النائية التي تسترخي على ضفة نهرها الناعس الذي يُقال إنّ مياهه الفضيّة قد انحسرت في السنوات الأخيرة.

* في إطار تجربتك القصصية رغم موهبتك ومهنتيك العالية في الاشتغال السردي، لم تصدر إلا مجموعتين قصصيتين باللغة العربية (جولة في مملكة السيدة هاء، وأقواس المتاهة) وظّفت فيها ممكنات ذاكرة معتّقة برائحة الماضي، هل ذبلت تلك الذاكرة ومخزونها الحكائي؟ أم هي انعطافه لطرق أبواب تعبير أدبية مغايرة؟

- تنازعني منذ سنوات الصبا والشباب أربعة هموم ثقافيّة وفنيّة تبدأ بالتوق لمعرفة اللغة الإنكَليزية، وتمرّ بكتابة القصة القصيرة والرواية لاحقًا، ومُشاهدة الأفلام السينمائية والتخصص في نقدها، وتنتهي بالنقد بأشكاله المتعددة، كالنقد الأدبي، والسينمائي، والتشكيلي، والفوتوغرافي. وبما أنّ خلفيّتي الفكريّة يسارية أميلُ فيها إلى العمّال والفلاحين وبقية الشرائح الفقيرة في المجتمع العراقي فقد وجدتُ نفسي وأنا أكتب المقالة السياسية أو سمِّها المقالة الفكرية التنظيرية إن شئت، وهكذا بدأ التشظّي الذي لم يكن صحيًّا بالتأكيد ولكنه أخذ مني جهدًا ووقتًا كبيرين. ومما زاد الطين بلّة أن المذيع العراقي المشهور مشتاق طالب سمعني ذات يوم ونحن نعمل في إذاعة "المستقبل" المعارضة لنظام صدّام حسين في عمّان وقال بأنّ "صوتك جميل جدًا وخامته مميزة، وأنك تصلح لأن تقرأ نشرتَيّ الأخبار الطويلة والقصيرة" وبين ليلة وضحاها أصبحتُ مذيعًا. إن التنقّل بين مِهنٍ واختصاصات وهوايات متعددة بعثَر اهتمامي السردي وفرّقني أيدي سبأ! ولا تنسى، أخي صفاء، أن الحاجة المادية وأنتَ في المنفى تدفعك إلى ما لا تريده من المِهن. لقد عملتُ في الصحافة الفنيّة والاستقصائية لسنوات طوالاً من أجل أن نصمد، أنا وعائلتي الصغيرة، لتلبية المتطلبات الأساسية للعيش الكريم، ولكنني دفعتُ الثمن غاليًا على الصعيد الأدبي. وفيما يتعلّق بذاكرتي الشخصيّة فلا أظن أنها ذبلت أو انكمشت أو تراجعت إلى حدودها الدنيا، فأنا أكتب القصة القصيرة بين أوانٍ وآخر وأنشرها في بعض الصحف العربية أو المهجرية ولديّ مشاريع مؤجلة في الرواية أو "النوفيلا" التي أحبّذها أكثر من الرواية لأنها مكثّفة وتخلو من الترهّل والإطناب. لعل اهتمامي النقدي واطلاعي على النظريات والمناهج الأوروبية الحديثة قد حدّد من "تهوّري" في الكتابة السردية التي تحتاج إلى إلمام كبير، وتقنيات تتجدّد كل عام تقريبًا. ولو وضعنا كل هذه الامتيازات جانبًا فأنا أتوفر على خزين هائل من الذكريات القاسية للحرب العراقية - الإيرانية التي شاركتُ فيها لثماني سنوات مليئة بالألم والتوحّش "البشري" بين الطرفين المُتحاربَين اللذين يُلبيان أوامر النظامين المتخلفَين في العراق وإيران معًا. وإضافة إلى هذا الخزين الذي لا ينضب فأنا أمتلك باقة نادرة من القصص العاطفية التي تكاد تكون بعدد المكوِّنات العراقية وأنا لم أكتب لحد الآن إلاّ عن اثنتين فقط؛ واحدة عربية من بغداد، والثانية تركمانية من جلولاء وتركت الباقيات للسنوات القادمة. أما الشق الأخير من السؤال فيتعلّق بطرائق التعبير الأخرى التي سلكتها وهي كثيرة لكنني لست نادمًا عليها لأنها فتحت لي آفاقًا كبيرة لم أكن أحلم بها من قبل. فحينما أتحدث عن الفن التشكيلي لابد من القول بأنني رأيت بتمعنِ شديد غالبية المتاحف الفنية في أمستردام ولندن وبعض العواصم الأوروبية التي أزورها بدعوات أدبية وفنية وسينمائية مجانية تخفِّف عني تكاليفها الباهظة علمًا بأنني زرت 36 دولة حتى الآن وبعضها لسبع مرات أو أكثر بسبب تكرار الفعالية الأدبية أو المهرجان السينمائي.

* لنبقَ قليلاً بعد في إطار تجربتك القصصية، إذ أصدرتَ مجموعتك القصصية "كوابيس منتصف الليل" (بالإنكَليزية)، ما هُوية هذه المجموعة؟ هل هي أدب عراقي مكتوب بالإنجليزية أم أنها تنتمي إلى ثقافة اللغة التي كتبت بها، وما موضوعاتها وعوالمها، وهل لك أن تضعنا في صورة هذه المجموعة؟

2003 عدنان حسين 2- هذه ليست مجموعة قصصية بالمعنى الدقيق للكلمة؛ إنها قصتان طويلتان بعض الشيء يصل طولهما معًا إلى أربعة آلاف كلمة تقريبًا مع مقدمة مكثفة كتبْتُها بنفسي على وفق طلب المؤسسة البريطانية المعروفة بـ "كُتّاب المنفى" Exiled Writers Ink وقامت بترجمتهما الشاعرة الأردنية فتحية سعودي فيما راجعت النصوص المترجَمَة الشاعرة البريطانية سالي ثومبسون. أما المشروع الأساسي الذي كنت مُنهمكًا به فيعود إلى مُفتتح الألفية الثالثة الذي كنت منشغلاً فيه بكتابة مجموعة قصصية تحمل عنوان "كوابيس منتصف الليل". تتألف المجموعة من عشر قصص أنجزتُ أربعًا منها وتركتُ المشروع معلّقًا في الهواء. ما يميّز هذه القصص أن البطلة واحدة وهي المرأة الهولندية ليليان، والراوي العليم هو أنا شخصيًا الذي أسرد الأحداث بضمير المتكلم. وهذه القصص يمكن أن تُقرأ منفردة أو مُجتمعة لأن فيها أكثر من خيط تنتظم فيه هذه القصص العشر التي رَسمتُ المخططات العامة لأحداثها والفضاءات التي تدور فيها وأنّ منْ يقرأها متصلة يشعر بأنه يقرأ "نوفيلا" قصيرة ولا يشعر بالملل أو التذمّر خصوصًا وأنّ الحَبكات تنطوي على مفاجآت كثيرة، ونهايات تنويرية لا تخلو من روح الدُعابة.

تناصَف الشخصيتان الرئيستان؛ الراوي والمروي لها أحداث القصص، ويمكن القول إنها قصص عراقية وهولندية في الوقت ذاته وإن كانت الهيمنة للراوي العراقي. فهي ليست قصص عراقية خالصة، كما أنها ليست قصصًا هولندية بالكامل، ويمكن أن نسمّيها بالقصص المُهجنّة التي تجمع بين ما هو عراقي وما هو هولندي أيضًا، مع الأخذ بعين الاعتبار أننا نتحدث عن أدب السجون وهم يتحدثون عن أدب الحريّات.

لا أحبِّذ الحديث عن قصصي شخصيًا ولعلي أشبه الرسّام الذي ينجز لوحته ويترك تفسيرها للمتلقين الذين يتوفّرون على ذائقة فنية تؤهِّلهم للاستمتاع بالعمل الفني. فالقصة مثل اللوحة ما إن ينتهي منها القاص حتى تُصبح مِلك الجمهور الذي يملك الحق في تفسيرها مثلما يشاء شرط أن لا يشطح كثيرًا في الابتعاد عن تيمتها ومضمونها المركزي. ومع ذلك دعني أحيطك علمًا ببعض التفاصيل المفيدة في هذا الصدد. فالقصة الأولى المعنونة "كوابيس منتصف الليل" التي كتبتها عن شخص لا أعرفه وإن أسميتهُ في القصة للضرورة الفنية "ابن عمي إحسان" كدليل محبة وحنوّ وتعاطف معه. فخلال السنوات الثماني للحرب العراقية - الإيرانية برزت إلى السطح عقوبات "قره قوشية" ما أنزل الله بها من سلطان مثل وسْم الجباه، وصلم الجزء العلوي من صيوان الأذن، وقصّ طرف اللسان لمن يشتم الرئيس أو يتطاول على مقامه "الرفيع". لقد شاهدت بعينيّ حادثة قصّ الأذن في المتنزّه المقابل لمركز شرطة مدينة جلولاء وقد استغرق عرضها المسرحي قرابة نصف الساعة وسمعتُ صرخة الضحية الحادّة التي لما تزل تتردّد في أذنيّ حتى ساعة الإجابة على هذه الأسئلة ولعلها ستمتدّ معي إلى الساعات من حياتي.

أما قصة "متوالية الفزع" فهي تدور حول مقتل اللواء الطبيب راجي التكريتي "طاب مثوىً". فقد قرأت لصديقي الكاتب والصحفي هارون محمد مقالاً يصوِّر فيه الطريقة البشعة التي قتلَ فيها صدام حسين قريبهُ راجي التكريتي لكنني أدخلت الحادثة في مختبر فني ينحرف بالحدث صوب امرأة هولندية سوف تُصاب بالفزع حتى من الكلاب المدجّنة.

* أشرتَ مرة إلى أنّ الرعيل الأول من المترجمين أمثال (المنفلوطي، أحمد رامي، فيتزجيرالد) كانوا معنيين بنقل المعنى فقط، أما المترجمون المحدثون فهم معنيون بنقل التقنية التي كُتب فيها النص، فما هي استراتيجيتك التي تنتهجها لترجمة نص معين؟

- قيل قديمًا أن "الترجمة خيانة" وهذا التوصيف صحيح لكنه يجب ألا يقف عائقًا أبديًا أمام المترجمين الدؤوبين. كان الرعيل الأول وحتى الثاني الذي امتدّ حضوره حتى نهاية الألفية الثانية مَعنيًا بترجمة المعنى من دون العناية بالشكل، وكلنا يعرف أن الترجمة الأمينة هي ترجمة شكل ومضمون في آنٍ معًا، وفي حال ترجمة الشعر لابد من إدخال الإيقاع الموسيقي الذي يضحّي به حتى المُترجِم البارع مع وجود استثناءات قليلة في ثقافات الشعوب. التقنية التي أقصدها هنا هي: كيف نترجم النص كوحدة متضامه، لا كمقاطع متناثرة كما يذهب صلاح نيازي، اعتمادًا على البُعد المنظوري للمترجم الذي يضع في حسابه النسق السردي الذي يترجمه كما فعل في ترجماته لـ "هاملت" و "ماكبث" و "الملك لير" وغيرها من تراجيديات شكسبير. في السابق لم تتوفر هذه التقنيات والكمّ الكبير من المعلومات التي يمكن أن تجدها على شبكة النت، ومُحرّكات البحث المتعددة، والكتب والمصادر الإليكترونية المتاحة للجميع مجانًا الأمر الذي سهّل عمليات الترجمة في مختلف أرجاء العالم الذي تحوّل إلى قرية كونية فعلاً تزوّدك بالكثير من المراجع والمعلومات التي تعينك على ترجمة أي كتاب مهما بلغت صعوبته.

أنا، على الصعيد الشخصي، لديّ تجربة متواضعة في الترجمة توقفت عنها بسبب التشظّي الذي ذكرته في إجابتي السابقة، فقد ترجمتُ "دبلنيون" ونشرتها حينما كنت في العراق في عدة صحف ومجلات عراقية لكنني اكتشفت أنها مترجمة غير مرة فلم أنشر المجموعة في كتاب. ولعل هذا الأمر ينسحب على قصص متفرقة أخرى. ويجب التنويه إلى أنّ المترجمين الذين يعيشون في أوروبا وأميركا وبقية البلدان المتقدمة يتوفرون على مصادر كثيرة تعينهم في فكِّ أسرار وطلاسم عديدة وجدت طريقها إلى كتب نعُّدها عسيرة وصعبة الفهم مثل قصص وروايات جيمس جويس التي اكتشفنا لاحقًا أنّ هناك كتبًا توضيحية لكل الإشكالات التي كانت تعيق المترجم العربي وتمنعه من ترجمة النصوص المعقدة التي كتبها جيمس جويس وأقرانه من الروائيين الحداثيين الذين غيّروا ذائقة القارئ في كل مكان من كوكبنا الأرضي.

* أصدرتَ من منفاكَ كتاب نقدي مهم "أطياف التعبيرية.. غواية الحركة، ورنين اللون" عن تجربة الفنان التشكيلي العراقي المغترب ستار كاووش، هل لك أن تحيطنا علمًا بفحوى هذا الكتاب والطريقة التي نظرتَ بها إلى هذا الفنان التعبيري الذي شذّ عن السرب؟

- تعود معرفتي بالفنان ستّار كاووش إلى أواسط الثمانينات من القرن الماضي يوم كان طالبًا في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد وإثر تخرجه فيها، ولعله الفنان التشكيلي العراقي الوحيد الذي حقّق نجومية تضارع نجومية المطربين والفنانين السينمائيين والمسرحيين العراقيين، فصار معروفًا وهو في ذروة شبابه، وربما عزّز هذه الشهرة عمله في الصحافة العراقية خلال أوائل التسعينات. وستّار بخلاف العديد من أقرانه ومجايليه كان صاحب مشاريع فنية تبدأ بالمدينة والأرصفة، وتمرّ بالسيارات الحُمر الفاقعة اللون، وتنتهي بثنائية الرجل والمرأة. فالإنسان سواء أكان رجلاً أم امرأة هو الموضوع الأثير لديه مُعزِّزًا إياه بالتقنيات والأساليب الأوروبية الحديثة كالتشخيصية، والتعبيرية الألمانية، والتنقيطية، واليوغند ستيل وما سواها من أساليب وتيارات فنية معروفة. عاش ستار في أوكرانيا، وحسنًا فعل حينما غادرها عند أول فرصة ليأتي إلى هولندا التي منحته الكثير كما منحت العديد من الفنانين العراقيين الذي لاذوا بهذا المنتجع الفني وتوزعوا بين جنباته الوثيرة ويكفي أن نشير هنا إلى عدد من الفنانين من بينهم سعد علي، وقاسم الساعدي، وزياد حيدر، وعفيفة العيبي، وعلي طالب، وسلمان البصري، وتركي عبد الأمير، وإسماعيل زاير، وناصر مؤنس، ورملة الجاسم، وإيمان علي، وبشير مهدي، ويوسف غاطي، وقرني، وآراس كريم، وجلال علوان، وحسام الدين العقيقي، وحسن عبود وغيرهم من الأسماء الفنية الكثيرة التي قدِمت إلى هولندا واستقرت في مدنها الرئيسة والثانوية. ولعل ستار يشبه في دأبه ونشاطه سعد علي حيث انتظم في عمله اليومي وقدّم العشرات من المعارض الفنية الشخصية والمشتركة وكتب عنه العديد من النقاد العراقيين والهولنديين ولعل آخر كتاب صدر عن تجربته الفنية هو "نساء التركواز" للناقدة التشكيلية الهولندية شارلوت هاوخِن. يُعدّ ستار كاووش من الفنانين العراقيين القلائل القادرين على الاندماج مع المدارس والتيارات الأوروبية الحديثة وامتصاصها، فهو يزور المعارض والمتاحف الفنية المحلية والعالمية بشكل منتظم، ويتناهل معها ليقدّم لنا في نهاية المطاف أعمالاً مُهجّنة تجمع بين خصائص المنبع والمصبّ في آنٍ واحد. لقد تقصيتُ في كتابي "أطياف التعبيرية. . غواية الحركة ورنين اللون في تجربة ستار كاووش الفنية" الذي صدر عام 2005 أثر المدرسة التعبيرية الألمانية، إضافة إلى التيارات الأوروبية الأخرى التي نهل منها ليخلق هُويته الفنية الخاصة به والتي تحمل بصمتهُ التي لا تُخطئها العين الخبيرة. لوحات ستار كاووش عالم من الجمال المُبهر، ومنجمٌ من الموضوعات التي لا تنضب.

* في النقد السينمائي أصدرتَ كتابًا بعنوان " الفلم الوثائقي العراقي في المنافي الأوروبية "، حلّلت فيه ( 27) فيلمًا وثائقيًا لعدد من المخرجين العراقيين الذين ينتمون إلى أجيال مختلفة، ما المعايير التي اعتمدتها في اختيار هذه الأفلام، وما المنطلقات المنهجية والمعرفية التي أسّست مسار هذا المنجز؟

- لا يحتاج الناقد المُحترِف الذي ينغمس لأربعة عقود في مشاهد الأفلام السينمائية وتحليلها إلى معايير مُحددة وإنما يضع ثقته في ذائقته الشخصية المدرّبة التي تستطيع أن تستشعر نجاح الفيلم أو فشله من اللقطات والمَشاهِد الأولى لأي فيلم روائي أو وثائقي أو قصير. أنا لا أنكر أهمية المعايير الفنيّة التي نحدِّد بواسطتها جودة الفيلم أو رداءته ولكن هذه المعايير باتت تسري في دمائي ولم أعد بحاجة لوضعها على الورق. ولا أخفيك سرًا إن قلت بأنني أشاهد أحيانًا خمسة أفلام في اليوم الواحد، وبمعدل ثماني إلى عشر ساعات مشاهدة يوميًا وخاصة في المهرجانات الدولية أو حتى في بعض الأيام العادية التي أكرّسها للأفلام العالمية التي يجب أن تُشاهَد لأهميتها الفنية العالية وما تنطوي عليه من تقنيات حديثة ومُبهرة.

في هذا الكتاب المعنون بـ "الفيلم الوثائقي في المنافي الأوروبية" هو حصيلة مشاهدة عدد كبير من الأفلام الوثائقية التي أنجزها مخرجون عراقيون يتوزعون في عدد كبير من البلدان الأوروبية وقد ارتأيت أن أدرسها وأحللها نقديًا اعتمادًا على الرؤيتين الفرنسية والبريطانية وطريقة تعامل المخرج الفرنسي الذي يريد أن يلامس الحقيقة من دون أن يتدخل هو شخصيًا ولا يسمح للمصوِّر وحتى كاتب السيناريو فيما بعد من إضفاء لمساته الشخصية على الفيلم على العكس من المخرج البريطاني الذي لا يجد ضيرًا في أن يُقحم رأيه الشخصي في الفيلم الذي يسعى لإنجازه.

هذه الأفلام الـ 27 أثارت انتباهي وهزّتني من الأعماق فكتبتُ عنها، فتارة أركّز على قصة الفيلم أو ثيمته الرئيسة، وتارة أخرى أتناول نموّ الشخصيات، وتارة ثالثة أسلّط الضوء على الرؤية الإخراجية. فالكتاب، عمومًا، ليس تخصصيًا وإنما هو مكتوب للقارئ العادي أيضًا الذي يقرأ ويستمتع ويستفيد. كما أوثِّق فيه للمنجز السينمائي لأصدقائي المخرجين الذين تربطني بهم علاقة شخصية وفنية وإبداعية، وأحيانًا اساهم في ترجمة هذا السيناريو أو ذاك، أو أقدّم ملحوظة هنا أو هناك يأخذها البعض على محمل الجد أو ينفر منها من دون أن يفلح في تقديم الأسباب أو الأعذار المنطقية التي توضِّح سبب هذا النفور.

أنا سعيد لأنني قدّمتُ في هذا الكتاب ثلاث مخرجات عراقيات وهنّ ميسون الباجه جي، ورانيا توفيق، وعايدة شليبفر، فالمُخرجات العراقيات مثل العُملة النادرة التي يجب أن نحتفي بها، ونضعها في المكان الصحيح ضمن المَشهد السينمائي العراقي.

أمحض بعض المُخرجين حُبًا من نوع خاص مثل المخرج المتألق محمد توفيق الذي كتبت عنه مقالات كثيرة تصلح أن تكون كتابًا كاملاً يوثّق تجربته الإخراجية المتفردة، فثمة شيء جديد ومميز في كل فيلم ينجزه. وهذا الأمر ينسحب على مخرجين آخرين ولكن ليس كلهم بالتأكيد.

* مع توقف كل الجهات السينمائية الرسمية عن الإنتاج ظلّ المنجز السينمائي العراقي متعثرًا لسنوات، لكن في الآونة الأخيرة أحدثت حماسة وإرادة الشباب السينمائي مفارقة إنتاجية مدهشة كمًا ونوعًا، ففي عام ٢٠١٩ شاركت السينما العراقية في (170) مهرجانًا عربيًا ودوليًا، في (52) دولة في مختلف القارات، وفازت أفلام عديدة مشاركة فيها بـ (43) جائزة، هل السينما العراقية على أعتاب عصر الانبعاث والنهضة؟ وما هي رؤيتك لمستقبلها؟

2003 عدنان حسين 3- دعنا نعترف بشجاعة ونقول ليست هناك سينما عراقية وإنما هناك محاولات فردية لمخرجين عراقيين مجتهدين يعملون في غياب أي برنامج حكومي أو مؤسساتي. وكل الأفلام التي أُنجِزت منذ أواخر الأربعينات من القرن الماضي وحتى الآن لم تتجاوز المئتين فيلم بما فيها أفلام إقليم كردستان. ربما انتظمت السينما العراقية خلال سنوات الحكم الدكتاتوري السابق "وتأدلجت" لأنّ بعضها كان يمجد "القائد" وبعضها الآخر يمجِّد فكر البعث وخطابه السياسي ويمكن القول إن السينما العراقية في غالبيتها أخذت طابعًا "بعثيًا" أو "تعبويًا" أو "قوميًا" أفقدها حلاوتها الفنية.

لا نريد أن نُحبط المخرجين الشباب ولا نقلِّل من أهمية الجوائز التي حصلوا عليها ولكنها تظل جوائز ثانوية فهي ليست الأوسكار أو السعفة الذهبية وما سواهما من جوائز تمنحها مهرجانات معروفة مثل برلين وفينيسيا وكارلو فيفاري وروتردام والقاهرة وقرطاج ومراكش والجونة.

السينما الحقيقية تحتاج إلى أموال طائلة تقدّر بمئات الملايين وهذا الأمر لن يحصل حتى في السنوات العشرين القادمة لأن الحكومات العراقية المتعاقبة لا تعرف أهمية السينما ودورها في بناء المجتمع لذلك سيظل الإنتاج مقصورًا على الجهود الفردية التي لا تصنع تيّارًا سينمائيًا محددًا.

تحتاج السينما، أولاً وقبل كل شيء، إلى فضاء الحرية الكامل، ثم تأتي المتطلبات الأخرى تباعًا كالطاقات والكوادر الفنية، وكُتّاب السيناريو، والمخرجين النوعيين، وحضور المرأة، والتمويل وما إلى ذلك. عند ذلك نستطيع أن نفكّر بنهضة سينمائية. فقطار السينما ما يزال على الرصيف ويحتاج إلى قوة جبّارة كي نضعه على السكة، ونشهد انطلاقته الحقيقية صوب الإبداع والجمال والمتعة البصرية.

تبدأ السينما، من وجهة نظري المتواضعة، إذا ما جاءت حكومة ديمقراطية، حرة، وغير متديّنة تخصص للثقافة والتربية والتعليم والفنون نصف ميزانيتها وتعيد الجمهور إلى الصالات السينمائية وتغريه مع كل فيلم جديد إلى ارتيادها والاكتظاظ أمام شاشاتها البيضاء عندها نشعر أن الرهان على الخطاب البصري قد بدأ قولاً وفعلاً.

* يُتهم البعض من النقاد بالمزاجية في تناول أعمال البعض من الروائيين وتسويق نصوصهم، والحجب عن البعض الاخر، وهذا المزاج قد يخضع للفئوية، أو الجهوية، أو الفكرية، إلى أي حد هذا الاتهام واقعي؟ وما هي محفِّزات تذوقك الأدبي والفني للنص لتقصّي نواحي الجمال والإبداع فيه والكتابة عنه؟

- لسنا أنبياء، كما تعرف، وكلنا مزاجيون بقدْرٍ أو بآخر، ولكنني أعوّل على ذائقة النقّاد الحقيقيين الذين لا يجاملون في الأقل، لأن المجاملة قد لا تضرّ بالناقد فقط ولكنها تُسقط المنقود في شِراك الوهم التي لا يستطيع أن يتخلّص منها طوال حياته. أنا، من جهتي، تفاديت هذا الإشكال منذ سنوات طويلة وعاهدتُ نفسي ألا أكتب عن أي نص ضعيف لا يتوفر على الاشتراطات الإبداعية المقبولة. ومع هذا لم تنتهِ المشكلة عند هذا الحدّ فهناك نصوص وأعمال أدبية (بينَ بين) تحضُّ الناقد على أن يرتدي وجهًا صارمًا، ثقيل الملامح، وأن يبدي بعض القسوة النقدية المطلوبة لأنك لا تستطيع أن تتساهلَ مع أي أديب وتختلق له الأعذار خصوصًا إذا كان قد تجاوز مرحلة البدايات، وعليه أن يستقبل القراءات النقدية بروح رياضية مرحة.

لا أدري إذا كان هناك نقد مكتوب بدوافع "فئوية وجهوية وفكرية" فأنا نفسي تخلّصتُ حتى من انتمائي القومي، أما الفئة والطائفة والعِرق وغيرها من التوصيفات فهي لا تحتل في نفسي أي مكانة. وعلى الرغم من أنني عربي بالولادة لكنّ ما كتبته عن الكورد والتركمان والإيزيديين والفيليين يفوق ما كتبته عن الأدب العراقي أو العربي حتى ظنّني البعض أنني كوردي أو تركماني! مع أنني كوردي الهوى، وتركماني الزوجة، وإنسانيّ التوجّه والنزعات. أستغرب وجود نقاد فئويين أو جهويين أو عِرقيين، وإن تواجدوا فأقرأ على نقودهم السلام لأنهم سيكتبون مقالاتهم بعين حولاء في أقل تقدير.

أعتمِد، يا صديقي، على ذائقتي الأدبية التي درّبتها بالقراءة والمتابعة والمِران وهي البوصلة التي لا تُخطئ الاتجاه وتقود صاحبها إلى الهدف المنشود. أما النقّاد الفئويون فستقودهم بوصلاتهم الصدئة العاطلة إلى فئاتهم، وتستثير فيهم أحقادًا دفينة قد تأكل الأخضر واليابس في آنٍ معًا. في أوروبا والغرب عمومًا يعلّمون الإنسان أن يتخلص من "أناه" ويخاطب الآخرين بصيغة الجمع "نحن" التي تشير إلى التواضع، وتحرّض الإنسان، شيئًا فشيئًا، للقضاء على جرثومة التعالي ولعنة الغرور.

* شهدت الساحة النقدية مجموعة من الاتجاهات والمناهج ولكل منهج إطار علمي يسترشد به الناقد في محاكمة النص و تأويله ما المنهج النقدي الذي تسترشد به في مقارباتك النقدية؟

- أنا أعتقد، وبتواضع شديد، أنّ النصّ المنقود، سواء أكان قصة أم قصيدة أم رواية، هو الذي يُحدّد طبيعة المنهج النقدي الذي نتوسلهُ في دراساتنا وأبحاثنا النقدية. ومعطيات النص هي التي تأخذكَ للمنهج الواقعي أو النفسي أو التاريخي أو البنيوي أو الحداثي أو المابعد حداثي. المشكلة أن السرد يتطور بشكل محموم ولابد للأدوات والمناهج النقدية أن تتطور أيضًا، وفي بعض الأحيان يجب أن تتقدم على النصوص الإبداعية الجديدة. أنا، قدرَ تعلّق الأمر بي، أركِّز على بعض المُعطيات الأساسية التي ترصد المبنى والمعنى في آنٍ واحد. وألتفت إلى الروايات التي تُحدِث قطيعة مع السردية الروائية الماضية مثل رواية "يوليسيس" لجيمس جويس، و "الصخب والعنف" لوليم فوكنر، و "الأمواج" لفرجينيا وولف وما سواها من الآثار الأدبية التي استقرت في المخيّلة الجمعية للقرّاء الدؤوبين. فعندما يُمسك الناقد بالثيمة الرئيسة عليه أن يلتفت إلى أصدائها في ثنايا الرواية، فهي أشبه بالخيط الذي تنتظم فيه خَرَزات المسبحة. هذا التزاوج بين رصد الشكل والمضمون هو الذي يجعل الناقد ممسكًا بأطراف النص. وعلى الناقد أحيانًا، مع فارق التشبيه، أن يكون مثل لاعب السيرك الماهر الذي يُمسك العصا من منتصفها، ويظل مُحافِظًا على توازنه وهو يعبر المسافة الخطرة بين ناطحتي سحاب بينما يتسمّر الجمهور على الأرض مبهورًا، متقطِّع الأنفاس.

أركِّز في دراساتي النقدية على الميتاسرد ولديّ كتاب لم يُنجز بعد في هذا الخصوص أوضّح فيه أهمية ما وراء السرد والتعالقات النصية التي يعقِدها الروائي مع أنساقه السردية ضمن وحدات مدروسة بعناية فائقة كما فعل شاكر نوري في روايتيه الأخيرتين "خاتون بغداد" و "طائر القشلة". ولكي لا أطيل في الإجابة أركّز أيضًا على اللغة السردية وضرورة توهجها الدائم، كما أمنح فسحة لدراسة الشخصيات التي تتحرك على مسرح الأحداث من دون أن أغفل الزمان والمكان ودورهما المهم في بنية النص المعماري لأي عمل أدبي.

* لجأ المؤرخون الذين تعرضوا للقرن التاسع عشر إلى روايات تشارلز ديكنز كمرجعٍ هام من مراجع التأريخ الإنجليزي، وفي فرنسا أصبحت قصص بلزاك وثيقة مهـمة لمن يريد أن يدرس فرنسا في القرن التاسع عشر، لقد شهد العراق بعد ٢٠٠٣ حراكا ثقافيًا وتراكمًا غزيرًا في الإنتاج السردي، إلى أي حد كان هذا الإنتاج أمينًا في نقله وثمينًا للمؤرخين، وهل بلغ من الأهمية كمرجع تاريخي سيلجأ له المؤرخون؟

- ثمة فرق كبير بين الرواية والتاريخ، فالرواية يجب أن ترصد ما أهمله المؤرخون. وإذا كان التاريخ يوثِّق للوقائع والأحداث فإن الرواية ينبغي أن تلامس وجدان الأمة، وتحرّك مشاعر الجماهير، وتستفز أشواقهم اللاعجة. ويبدو أنك سهّلت عليّ المَهمة عندما أوردتَ هذين المثالين الرائعين، فلقد درستُ بعض روايات تشارلز ديكنز حين كنتُ طالبًا بكلية الآداب، جامعة بغداد 1978 - 1982 واستشعرتُ مثل طلبة آخرين أن هذا الروائي البريطاني ما هو إلاّ رجل قد استعار من الكاميرا عدستها السينمائية التي تستطيع أن تلمّ بلقطاتها البعيدة والقريبة مساحات شاسعة من أحياء لندن القديمة بحيث تبدو بالنتيجة وكأنه يوثّق لكل شيء ولكنه كان يهدف لشيء آخر هو رصد مشاعر الناس، وملامسة عواطفهم الداخلية، ورسم معاناتهم المُوجعة إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أنه كان يكتب عن الفقراء والمعوزين والأيتام بأسلوب تهكمي لاذع يقترب كثيرًا من السخرية السوداء كما هو الحال في روايات "أوليفر تويست"، و "قصة مدينتين" و "أوقات عصيبة". أما بلزاك فهو الآخر نقلَ إلى القرّاء روحيّة الشعب الفرنسي في عصره، ورسم الأمكنة بما تنطوي عليها من أحداث واقعية. وكلما ملَّ من الواقع جنحَ صوب الفلسفة والخيال والشاعرية. كان بلزاك مدمنَ أدب فلا غرابة أن يكون غزير الإنتاج متنوعهُ تُوحي كتاباته بالتوثيق لكنها تحلّق أبعدَ من ذلك بكثير لأنها لا تستهدف الواقع بحد ذاته وإنما تتوق لملامسة الحلم.

لا يمكن مقارنة العراق ببلدَين متطوِّرين جدًا مثل المملكة المتحدة وفرنسا لأن هذه المقارنة ستكون ظالمة وغير متوازنة، لكنني سآخذ بطرف سؤالك عن التراكم الكمّي والنوعي الذي بدأ منذ عام 2003 ولحد الآن حيث أنجز الروائيون العراقيون في الداخل وفي المنافي العالمية أكثر من 1000 رواية نفترض أن 700 منها ناجحة فنيًا بحسب المراجعات النقدية الكثيرة، ولعلي أكون واحدًا من بين ثلاثين ناقدًا يقومون بهذا الفعل التقييمي بشكل منتظم ولا أجد حرجًا في القول بأننا بتنّا نؤسس لهذه المرجعية التاريخية التي قد يلجأ إليها الباحثون والمؤرخون سواء من جهة استثمار الأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية أو رصد الأمكنة وتوظيفها في النصوص السردية والدليل على ذلك أن مُدنًا مثل جلولاء والسعدية وخانقين صارت تشتمل على أسماء روائية معروفة في المشهد السردي العراقي، لكننا لم نصل بعد إلى مستوى الفرنسيين والإنكَليز الذين لا تفلت منهم شاردة أو واردة.

* في إشكالية الخطاب النقدي بين المؤسسة الأكاديمية والمؤسسة الثقافية هناك من يؤشر إلى أن هناك فجوة بينهما، ما مدى انعكاس اتساع هذه الفجوة أو تضيّيقها على الحركة النقدية، وماذا تقترح لتضيّيق هذه الفجوة؟

- لابدّ من الاعتراف بالفجوة بين الخطاب النقدي الذي يُنجزه نقّاد المؤسسة الأكاديمية وبين الخطاب النقدي الذي ينجزه نقّاد المؤسسة الثقافية. وعلى الرغم من رصانة النوع الأول إلاّ أن القارئ يجد صعوبة في قراءته، واستساغة طروحاته النقدية التي تميل إلى الاعتماد على المصادر والمراجع التي تجعل من الدراسة الأكاديمية وكأنها عملٌ جماعي تضيع فيه فردية الناقد وخصوصيته. أما المقال النقدي الذي يكتبه الناقد أو الأديب الذي ينتمي إلى الوسط الثقافي فسوف تجده سلسًا، ونابضًا بالحياة لأنه ينطوي على حُفنة من الآراء والأفكار النقدية التي تعود لكاتب المقالة ومُبدعها من دون الاستعانة بآراء الآخرين. وهناك نمط ثالث يمكن أن نضعهم في منتصف المسافة بين الأكاديميين والذين ينتمون إلى الوسط الثقافي مثل الدكتور محسن جاسم الموسوي، والدكتور عبدالله إبراهيم، والدكتور صالح هويدي، والدكتور سلمان كاصد، وفاضل ثامر، وسعيد الغانمي وغيرهم من أساتذة الجامعات. وفي الوسط الثقافي هناك العديد من الأدباء الذين يكتبون هذا النمط السلس والمقروء من المقالات الأدبية التي لا تتعالى على القارئ، ولا تلوذ بالنظريات النقدية الحديثة والمعقدة ويمكن أن نشير في هذا الصدد إلى كتابات فاضل العزاوي، وعبدالرحمن مجيد الربيعي، ومحمد خضيّر، وسامي مهدي، وياسين النصير، ووارد بدر السالم، وإبراهيم أحمد، ونجم والي وعشرات الأسماء الأخرى التي يزخر بها الوسط الثقافي العراقي.

أنا أعتقد، أنه من الصعوبة بمكان، ردم هذه الهوّة تمامًا ولكن ذلك لا يمنع من "تجسّيرها" برفد الطرفين، والإطلالة بين أوانٍ وآخر، بمقالة تعزّز هذه المنطقة الوسطى التي يرتادها الطرفان كلما شعر أحدهم بالحنين إلى هذه المنطقة الليّنة التي تخلو من وعورة الطرق، ووحشتها. فهذه المنطقة أشبه بالحديقة الغنّاء التي تفصل بين الأحراش المتهالكة والغابة اللفّاء.

* في جدلية الأصالة والمعاصرة هناك من يقول إن النقد العربي فقدَ أصالته وأصبح نقدًا شكليًا وانساق مع التيارات البنيوية والشكلية أو الشكلانية في الثقافة العالمية المعاصرة، إلى أي مدى تتفق مع هذا القول؟ وأين يقف عدنان حسين من دعوات موت النقد الأدبي وإحلال النقد الثقافي مكانه؟

- تقترن الأصالة بعدد من النقّاد العرب أمثال ابن سلاّم الجمحي، والجاحظ، وقَدامة بن جعفر، وأبو هلال العسكري، وابن قتيبة، وعبد القاهر الجرجاني وغيرهم وهؤلاء جميعًا إضافة إلى نقّاد آخرين كانوا بمستوى الشعراء العرب الذين عاصروهم، وحلّلوا قصائدهم، وهذا الأمر ينطبق على الشعر الجاهلي الذي سبقهم بحقبة زمنية معينة كان فيها الشعر والأدب يحتلان منزلة كبيرة لدى خاصة الناس وعامتهم. والمتتبع لتلك الحقب يكتشف أن الأدب العربي كان في ذروة تألقه حيث انتقل شيئًا فشيئًا من أدب البادية إلى أدب القرية والمدينة حتى ظهر شعراء مدن بامتياز مثل أبي نواس ومن درجَ على منواله في العصر العباسي الذي تألق على مدى خمسة قرون أو يزيد.

وبما أنّ الحياة متطورة بطبيعتها ولا تستقر عند حال معيّنة فإن الأجناس الأدبية والنقدية تتطور وتغادر أنماطها القديمة. فليس من المستغرب يا صديقي أن يتطوّر النقد ويغادر طرقه ووسائله القديمة التي لا تتماشى مع النصوص الحديثة، ولا تستطيع أن تسبر أغوارها. وعلى الرغم من ازدهار الأدب في العصر العباسي إلاّ أنّ بغداد، حاضرة الدنيا آنذاك قد سقطت على أيدي المغول ودخلت في سبات عميق لم تفِق منه إلا بانهيار الدولة العثمانية ومجيء الاستعمار الحديث الذي أعاد إيقاع الحياة إلى طبيعته الأولى وبدأت الثقافة تنتعش من جديد مع ظهور الأدب المُترجَم عن لغات أوروبية حيّة كالإنكَليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية والروسية والإيطالية، إضافة إلى لغات شرقية كالتركية والكردية والفارسية والهندية التي بعثت في القارئ العربي دماءً جديدة، وكانت حصة النقد كبيرة ومن بينها هذه التيارات والمدارس النقدية التي أشرتَ إليها في متن سؤالك. فهذه المدارس لا غنى عنها، ومن غير المعقول أن ترى أمامك تياراتٍ نقديةً عظيمة وتغضُّ عنها الطرف، فالثقافات تُشبه إلى حدٍ كبير الأواني المُستطرقة التي تغذّي بعضها بعضًا ويستوي عند سطحها الماء.

هناك شعور بأنّ الثقافة الأوروبية أو الغربية عمومًا هي ثقافة مركز، وبقية العالم هي ثقافات أطراف، وهذا ما كنا نلتمسه كمثقفين عربًا وإسلاميين لكن دورة الحضارة لابد أن تمرّ بعد الولادة والشباب والنضج بمرحلتيّ الشيخوخة والموت.

لقد لجأ النقاد العرب إلى استعمال الأساليب النقدية الغربية ولا أجد ضيرًا في ذلك فمثلما هم أفادوا من أساليبنا النقدية والفكرية والعلمية على مدى خمسة قرون نستفيد منهم الآن. أنا، على الصعيد الشخصي، أمارس النقد مستفيدًا من معرفتي المهجّنة التي لا تنتمي كليةً إلى العالم العربي، وإنما هي خليط معرفي متجانس من ثقافات ومنابع متعددة لا تفرّق بين الجهات الأربع. أطمئنكَ، يا صديقي، بأن النقد الأدبي لن يموت، وأنّ النقد الثقافي هو صنّوه الموازي الذي يحمل نكهة مختلفة قد تجذب البعض وتنفِّر البعض الآخر.

* أغلب الكتّاب حذرين من كتابة ما يزعج توجُّه الجهات المانحة للجوائز، إلى أي قدر قولبت الجوائز النصوص الأدبية خاصة الروائية منها؟ وما مدى مشاركتها في دفع فن الرواية العربية نحو التطور والتجديد؟

- هناك مجموعة من الجوائز العربية التي لا تتجاوز عدد أصابع اليدين أبرزها الجائزة العالمية للرواية العربية "بُوكَر"، وجائزة الشيخ زايد للكتاب، وجائزة كتارا للرواية العربية، وجائزة الملك فيصل العالمية، وجائزة نجيب محفوظ، وجائزة الطيب صالح، وجائزة الملتقى الثقافي للقصة القصيرة العربية في الكويت، إضافة إلى جوائز عربية أخرى هنا وهناك. أنا شخصيًا أكتب عن بعض الروايات الفائزة بجائزة البُوكر العربية إن لم أقل أغلبها بموضوعية لا تخلو من قسوة نقدية كما يتصورها البعض، وأعرف العديد من الزملاء الذين كتبوا عن الروايات الفائزة بطريقة جارحة لا أحبِّذها أنا. وفي حالات نادرة فازت الروايات التي تستحق الفوز بينما ذهبت الجوائز في دورات لاحقة إلى آخرين لا يستحقونها من وجهة نظرنا. ومع ذلك أنا أقول إن لجنة التحكيم لها الحق في أن تسند الجائزة الأولى لمن تريد شرط أن تتحمل، في خاتمة المطاف، المسؤولية التاريخية والأخلاقية في حال إبعاد مواهب حقيقية لا غُبار على تجربتها الروائية الفذّة.

من أبرز إيجابيات هذه الجوائز، وخاصة الخليجية منها، أنها شجعت على كتابة الرواية، بل أن عدد الروايات التي تصل إلى أي مسابقة خليجية تتراوح بين 150 إلى 200 رواية أو أكثر، وهذا يعني أن روائيي العالم العربي صاروا ينجزون قرابة 500 رواية ومجموعة قصصية بهدف المشاركة في هذه الجوائز المُعزّزة بمبالغ مادية كبيرة تصل إلى ستين ألف دولار أمريكي وهو مبلغ كبير في العديد من بلدان العالم العربي. كما أنّ هذا الكمّ الكبير قد أفرز فعلاً روايات عربية جيدة وصل بعضها إلى البوكر البريطانية وتنافس على الجائزة الأولى مثل رواية "فرانكشتاين في بغداد" لأحمد سعداوي، بينما فازت الروائية العُمانية جوخة الحارثي عن روايتها المعنونة "سيدات القمر" وهذا اعتراف صريح بموهبة الروائيين العرب وقدرتهم على منافسة الشعوب الأخرى. ولا أخفيك سرًا إن قلت بأنني أتمنى أن تكون هناك جائزة بُوكَر كوردية على غرار شقيقاتها العربية والروسية والإفريقية كي نكتشف بعض المواهب الكوردية المخبأة في المدن والأقاليم الكوردستانية المترامية الأطراف.

* خصائص وسمات الصحافة الإلكترونية ألزمت الصحف المطبوعة مواكبة هذا التطور التكنولوجي وأن تنشئ لنفسها مواقع إلكترونية تخاطب بها جمهور الإنترنت الذي يتزايد بصورة مذهلة عالميًا، من خلال متابعتي لمتطلبات محاورتك رصدت لك (1070) مادة صحفية منشورة في الحوار المتمدن، وقد بلغ عدد زوار موقعك (3801861)، كيف تنظر إلى ظاهرة الصحافة الإلكترونية الحديثة وتقيمها؟ ولماذا خصصتَ الحوار المتمدن بالنشر الإلكتروني؟

- أنا أُعدّ الصحافة الإليكترونية نعمة هبطت من السماء لأنها أصبحت منصة للحرية، ورئة يتنفس من خلالها الجميع. قد تنطوي هذه الصحافة على العديد من السلبيات لكن إيجابياتها أكثر بكثير مما نتوقعه، إذ أصبح بإمكان الكاتب أن ينشر ما يشاء من دون وصاية أو رقيب.

حين وصلت إلى هولندا عام 1996 اقتنيت من فوري جهاز كومبيوتر وأتقنت استعماله بمساعدة بعض الأصدقاء المقرّبين، وصرتُ أكتب مقالاتي على الشاشة مباشرة، وأرسلها بواسطة البريد الإليكتروني إلى الصحف والمجلات وبعض المواقع التي وجدت طريقها إلى هذا الفضاء الأزرق، وكان "الحوار المتمدن" هو الفضاء الأول الذي أغراني فواظبتُ على مراسلتهم بعد أن لمست ترحيبًا حارًا من المنسِّق العام للموقع السيد رزكار رشيد عقراوي الذي يقيم في الدنمارك، وكنتُ في حينه مُراسلاً لصحيفة "الزمان" في أمستردام، وقد دأبت على إعادة نشر مقالاتي الكثيرة في هذا الموقع الذي أصبح خِزانة أمينة أحفظ بها غالبية ما أكتبه من مقالات وتغطيات ودراسات. كما أنّ الموقع يساري، وديمقراطي، ينادي بحقوق المرأة، والطفل، والإنسان بشكل عام. وبالفعل ازدادت نسبة القرّاء وأخذت تتضاعف يومًا بعد يوم حتى قاربت الأربعة ملايين وهو رقم كبير حقًا، بعضهم يحبّ لغتي، وبعضهم يحب مقارباتي النقدية، وآخرين يفضِّلون الموضوعات التي أتناولها بشيء من الجرأة، أعني المقالات السياسية التي كنت أكتبها في أكثر من صحيفة ورقيّة أتهجمُ فيها على السياسيين العراقيين الذين حملوا راية اللصوصية ونهبوا حاضرنا ومستقبلنا، وتركونا عُراة في الحرّ والقرّ.

ونظرًا لعلاقاتي الاجتماعية الواسعة نسبيًا بالثقافة والمثقفين تعرّفت إلى أشخاص عديدين يديرون مثل هذه المواقع الإليكترونية فصرتً أنشر بعض المقالات في صحيفة "المثقف" الإليكترونية في سدني، والناقد العراقي في بغداد وهكذا دواليك توسعت دوائر النشر حتى أصبحتْ أكثر من حاجتي الفعلية. لديّ كم كبير من المقالات في صحف "الزمان" و "الشرق الأوسط" و "القدس العربي" و "الحياة" و "العرب" و "المدى" وبعض الصحف والمجلات والمواقع الخليجية المحترفة مثل "الجزيرة الوثائقية" التي أنشر فيها مقالاتي السينمائية بشكل منتظم، وأتقاضى عنها أجورًا مُجزية تؤمِّن لنا بعض الهواجس اليومية المُلحّة.

* تكتنف مسارات تجربتك الحياتية في جميع أبعادها الاجتماعية والسياسية والفكرية والثقافية وقائعَ وأحداثاً وصراعاتٍ عديدةً، يدور في خلدي سؤال وددت أن أعرف إجابته منك لمَ لا يوظف عدنان حسين ما يملك من الحرفنة السردية والمهارة اللغوية والبلاغة الأسلوبية، في تصوير هذه التجربة بقالب روائي؟

- شكرًا جزيلاً على هذا الإطراء الكبير الذي يعزّز الثقة بالنفس، ويدفعها لخوض مغامرات عديدة قادمة. وهذا السؤال المنطقي يطرحه عليّ العشرات من الأصدقاء والقرّاء الذين يتابعون ما أكتب ويتمنون لو أنني أشرع فعلاً بكتابة الرواية خصوصًا وأنا أعرَف بدروبها ودهاليزها السريّة والعلنية كتابة ونقدًا وتنظيرًا. وأعدكَ مثلما وعدت الكثيرين بأنني سأعود إلى السرد ثانية وأكتب ما أراه مناسبًا لهذه الحقبة الزمنية العسيرة التي يكاد فيها الإنسان يفقد أي أمل في هذه الحياة العصيبة المشحونة بالخوف والقلق والترقّب.

الرواية هي حلمي الكبير ولعل هذا التأخر في كتابتها سيكون واعزًا لأن أقدّم شيئًا لم يطرقهُ أحد من قبل على الصعيد المحلي خاصة وأن حياتنا سواء في العراق أو في المملكة المتحدة محتشدة بالكثير من الموضوعات الإشكالية التي تصلح لأن تكون مادة خصبة ومثيرة للرواية، هذا الجنس الأدبي الذي أصبح ديوان الأمم برمتها.

لقد تأخرت كثيرًا ولا أريد أن أختلق الأعذار للظروف الحياتية التي جعلتني أكرّس حياتي للصحافة والنقد بأنواعه المختلفة وأعرِض عن هذا العالم المكتظ بالحُب والدُعابة والفلسفة والجمال. وفي الختام دعني أشكرك من القلب لأنك جعلتني أبوح بكل هذا الكلام الذي كان مُخبئًا في تضاعيف القلب، وتلافيف الدماغ.

النتاجات الأدبية:

* في القصة القصيرة:

1- جولة في مملكة السيدة هاء 1996- دار أزمنة

2- أقواس المتاهة 1998- دار أزمنة

3- كوابيس منتصف الليل (بالإنجليزية)

* في الترجمة إلى العربية:

1- ترجم (دبلنيون) للكاتب جيمس جويس ونشرها في صحف ومجلات عراقية.

2- ترجم (هدية المجوس) للكاتب أو. هنري ونشرها في عدة صحف ومجلات عراقية.

* في النقد التشكيلي:

1- أطياف التعبيرية: غواية الحركة ورنين اللون في تجربة ستار كاووش الفنية. سيصدر له لاحقاً كتاب (تشكيليات عراقيات في المنفى)2005- مؤسسة أقواس

سيصدر له لاحقاً في التشكيل:

 1- تشكيليات عراقيات في المنفى.

* في النقد الروائي:

1- الرواية العراقية المُغترِبة الصادر عن المركز الثقافي العراقي في لندن ودار الحكمة عام 2014.

2- أدب السجون خلال سنوات الحكم الدكتاتوري في العراق (1963- 2003) دراسة نقدية تطبيقية 2014- دار الحكمة لندن.

* في النقد السينمائي:

1-الفيلم الوثائقي العراقي في المنافي الأوروبية 2114- دار الحكمة لندن

سيصدر له في السينما:

2- السينما التركية المستقلة

3-الذاكرة المرئية العراقية (استفتاء لأكثر من ثلاثين مخرجاً وناقداً سينمائياً عراقياً).

* منهمك في كتابة رواية (الرحيل تحت جنح الظلام) منذ سنوات طويلة.

*نشر مئات المقالات في النقد الأدبي والتشكيلي والسينمائي ويحاول جمعها وتبويبها بَغية إصدارها في كتب تخصصية. هناك أكثر من 1000 مقالة في موقع الحوار المتمدن وهي منشورة سلفًا في صحف عربية مثل الحياة والشرق الأوسط، والقدس العربي، والعرب اللندنية، والمدى العراقية.

* الجوائز:

1- الجائزة الثانية في القصة القصيرة عن قصة "كوة الخلاص" عام 1993.

2- الجائزة الثانية عن أدب الاستذكارات من اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين عن ثلاثية " الأخيذ، الديماس، وأسير حرب" عام 1995.

3- الجائزة الأولى في القصة القصيرة من مؤسسة الهجرة في أمستردام عن قصة "خرقة سوداء" عام 1998.

4- الجائزة الأولى في القصة القصيرة في لندن عن قصة "كوابيس منتصف الليل" عام 2009 عن مؤسسة الكُتّاب المنفيين.

 

حاوره: صفاء الصالحي

 

حسن السالميحوار بين الصّحفيّة وحيدة المي والرّوائي حسن سالمي/تونس

فاز هذه السّنة بجائزة توفيق بكّار للرّواية العربيّة، يعكس الحياة في كتاباته بكلّ تناقضاتها ويحاول نقل عدسة السّرد إلى المواضع والأماكن المعتّمة. يسعى إلى التّجديد، ينتصر لمبدأ الاختلاف ويستثمره جماليا ودلاليّا، ويرى أنّه على الكاتب اليوم التّفكير بجدية في استعادة القارئ الهارب... الكاتب حسن سالمي جمعنا به هذا الحوار:

أجدّد التهاني بفوز روايتك " الطيف" بجائزة توفيق بكار للرواية العربية.

- شكرا أستاذة وحيدة على هذه التهنئة اللّطيفة وشكراعلى هذه الفرصة للحوار.

حرصت في هذه الرواية المتوّجة على التجديد من حيث التقنيات والآليات الفنية وتعدّد الأصوات، هل التجديد توجه ذاتي أم هو نتاج اطلاع على التحوّلات في الرواية العالمية؟

- الرّواية هي بنت عصرها وسابقة له أحيانا، لكن لا يمكن أن يُكتب لها البقاء لو كتبت بشروط عصور سالفة. يمكن أن تستفيدمن الإرث السرديّ الكبير في العالموتهضم تجاربه العميقة على نحو ما. بيد أنّ التصاقها بواقعها الرّاهن ضمن دوائره المتشعّبة والمتداخلة، يفرض عليها أن تقوم على نظام أشبه ما يكون بالنّظام الذي تقوم عليه الدّول المتقدّمة. تقطع مع نظام الاستبداد والتعسّف وانحصار الفعل في جهة واحدة وتبشر بنظام جديد يقوم على التعدّد والموازنة بين مكوّناته،ويؤمن بحقّ الاختلاف وواجبه معا...في كلمة، التجديد في الكتابة على ضوء مبدأ التعدد، هو موقف ورؤية تنبع من ذات الكاتب أوّلا وقد تلتقي مع التجارب الأخرى في العالم.

هناك اشتغال كبير في روايتك على التّنوّع والتعدد في الشخوص والأحداث والمكان والزمان، ما الذي أراد حسن سالمي الكاتب قوله من خلال ذلك؟

- عندما نتأمّل الكون من حولنا ونتأمّل مظاهر الحياة... سريعا ما نكتشف أنّ التعدّد في الأنواع والأجناسوالألوان والأشكال والأحجام والمسافات والأبعاد والأصوات والرّوائح والطّعائم ونحو ذلك هو قانون محوريٌّللكون يحفظ توازنه وتماسكه... كذلك عندما نتأمّل أنفسنا: مختلفون في كلّ شيء. سواءً من حيث الخِلقة أم من حيث الفكر والهوى والميل والمعتقد وما إلى ذلك... ما أريد قوله أنّ الاختلاف سنّة كونيّة كبرى، عندما تعسّف عليها الإنسان جنى على نفسه وحوّل تاريخه الى سلسلة فظيعة من الجرائم والمظالم. مهمّة المبدع أن ينتصر لمبدأ الاختلاف على طريقته وينزّله في نسيج العالم الذي يصنعه، ويثبت لنفسه ولغيره أنّه قادر على استيعاب المختلف ومن ثُمّ استثماره جماليّا ودلاليّا.

رغم الحرص على التجديد البنيوي والتقني لروايتك إلا أنّ مشغلها سرديّا أو تمثّلك للحياة لم يخرج عن هموم ومشاغل التونسي ما قبل الثورة وبعدها، ألا ترى أن التجديد يجب أن يكون شاملا أي شكلا ومضمونا؟

 

- لا يمكن لرواية واحدة أن تقول كلّ شيء. هي تراهن على منطقة ما وتحاول أن تسلّط عليها الضّوء بما يخدم أهدافها. وأن تشتغل رواية الطّيف على هموم ومشاغل التّونسي فلا يعني أنّها فوّتت عليها فرصة توسيعدائرة تجديدها الى الحدّ المأمول. عندما خلَقَتْ نماذج تونسيّة هي في الحقيقة تعبّر من خلالها عن مشاكل وهموم الشّعوب العربيّة التي مرّت بزمن الاستبداد، ثمّ فاجأتها الثورة وما انعكس عنها من ردود أفعال ومواقف متباينة.  وأمام القضايا الحارقة التي طرحتها اشتغلت على شكل النّص الذي يلائمها ويلائم شخوصها. وهذا الشّكل أزعم أنّه راهن على التّجريب الى الحدود القصوى الممكنة، ولا يسع المجال كي نأتي على مظاهره.

كيف يمكن للكاتب أن يتحرر من مسألة التجنيس الإبداعي ولا يغيّب روح النص وهويته سواء كان رواية أو قصة؟

- تلك هي المعادلة... أمام التّحديات الجمّة التي تنتصب في وجه الرّواية، خصوصا قدرتها على منافسة طوفان الصّورة ووسائل التّواصل الاجتماعي ونحوهما، فإنّه توجّب تغيير قواعد كتابتها والتّعديد من منابع استلهاماتها. لقد أضحت الرّواية ملتقى لفنون شتّى وطرائق تعبيرية مختلفة من كلّ العالم. التّحدّي كيف تتعامل مع تلك الأجناس المفارقة لهويّتها وتحسن هضمها دون أن تذوب فيها؟ كيف تخرج من تلك الخلطة العجيبة دون أن تفقد هويّتها وما يمكن أن يميّزها من غيرها. المسألة دقيقة وحسّاسة جدّا. وأعتقد أنّ السّرّ يكمن في التمييز بين الثّوابت التي تضمن القدر الكافي من هويّتها والمتّحوّلات المفتوحة على آفاق الجمال وأشواق الفنّ.

تصر من خلال كتاباتك على حماية الهُويّة العربية من الذوبان وتنتقد الأعمال الرغبة في تحقيق النجاح على حساب القيم والمبادئ... ألا ترى أنك تضعنا أمام معادلة صعبة وتزج بالإبداع في الأحكام الأخلاقوية؟

- أختلف معك في هذه النّقطة. أوّلا، لا يمكن الحسم بهذا الرّأي القاطع إلّا إذا أحطت بتجربة حسن سالمي ككل، ليس إلى حدود هذه اللّحظة فقط بل يجب أن تمتدّ الى كلّ المسيرة والتي لم تنته بعد.  ثانيا من خلال الأعمال التي كتبتها ونشرتها والتي لم أنشرها بعد صنعت نماذج من الشّخصيات مختلفة في السّلوك والموقف والرّأي والفكر والانتماء والمنشأ من دون أن أسقطها في النّمط الواحد المكرور. وأزعم انّني وقَفت منها جميعا مسافة واحدة. ولم أجعل منها ظلّا لي. صحيح أن ذاتي تتسّرب أحيانا هنا وهناك ولكن المبدأ الغالب هو انعكاس الحياة على صفحات ما أكتب، والحياة كما أسلفت تقوم على التّعدّد والاختلاف في كلّ شيء.  فضلا عن أنّ محاولة نقل عدسة السّرد دائما الى الأماكن والمواضع المعتّمة دون اعتبار للأحكام الأخلاقوية لأنّها نسبية تماما.

ألا ترى أنه أصبح من الضروري أن يغيّر الكاتب طريقته في الكتابة وأسلوبه في ظل مغريات عديدة قلّصت من أفق انتشار المكتوب الورقي؟

-  الحقيقة لم يتقلّص انتشار المكتوب الورقي فقط لأنّ الكاتب لم يغيّر من قواعد اللّعبة. والدّليل أنّ كثير من الأعمال الجيّدة التي راعى فيها كُتّابها هذا الجانب انحصر انتشارها فقط في جزء ضئيل من النّخبة. في حين لم تصل الى البقيّة الباقية والاختصار على أنّها مجرّد أغلفة على صفحات الفيسبوك... المشكلة أكبر بهذا بكثير. وعموما على الكاتب من جانبه أن يتنبّه الى هذه النّقطة المهمة ويجعل نصب عينيه كيفيّة إعادة الجماهير الهاربة من الكتاب الورقي وشدّها على نحو ينافس فيه جمال الصّورة والعوالم الافتراضية ووسائل التّواصل الاجتماعي مع مراعاة نمط عيش الانسان الجديد والضغوط التي يتعرّض إليها.

إذن كيف نعيد ترميم علاقة التونسي المعطوبة بالكتاب؟

- سؤال كبير وصعب. ولا يمكن لبضعة أسطر أن تفي حقّه في الإجابة. لكن يمكن القول أن يساهم كلٌ من موقعه في حلّ هذا الاشكال. ابتداء من المناهج والبرامج التربويّة وتشجيع النّاشئة ومحاولة تعديل علاقتها بالحواسيب والهواتف الجوّالة، فظلا عن افساح المجال للكتاب والمبدعين في وسائل الاعلام المسموعة والمرئية بعد أن احتلّتها وجوه لا علاقة لها بالثقافة... بالإضافة الى مراجعة طرق النّشر وتطويرها وفق دراسات علميّة والخروج بالكتاب الى العالم الرّحب دون سجنه في الرفوف والمخازن.

كتبتَ القصة والقصة قصيرة جدا والرواية والنقد. ألا ترى أن التعدّد يؤدي إلى التشتّت؟

- دائما يوجد شيء ما لا يستطيع ان يقوله هذا الجنس أو ذاك.  ثمّة من يصمت عن أكثره ويحوّله إلى مجرّد حديث في المجالس مكتفيا بما استطاع جنسه الادبي من استيعابه. وثمّة من يُوهَب طرق القول فيجعل منها خزائن جميلة لمشاغله الإبداعية وقضاياه الحارقة. لا أعتبر ذلك تشتتا بل ميزة تثري تجربته وتنضج رؤيته الى الكتابة... فضلا عن هذا الاشتغال المتعدّد في طرق التعبير تأتي به سياقات خاصة تعترض الكاتب في حياته وليس له إلّا أن يلبّي.

صرحت في حوار سابق "ما ابتلينا به هو ظهور طبقة من الكُتَّابِ لا تقرأ كثيرا. والنّتيجة هي نصوص متعثّرة مازالت تحمل وهن البدايات "... نقرأ موقفك بين القسوة على الأقلام الجديدة والتعالي، ما رأيك؟

- محدثّك أبعد ما يكون عن التّعالي.  أنا صدعت بالحقيقة من وجهة نظري ونتيجة لما استقرّ في ذهني من تجارب عاينتها شخصيّا. وما دفَعني لهذا الموقف الذي وسمتيه بالقسوةإلّا الغيرة على الرّواية والكتابة عموما. انظري إلى حال الشّعر كيف أصبح بعد أن دخل عليه من ليس منه، ومن اقتصرت همّته على تسويد البياض دون أن يفوِّتَه إلى منازل الإبداع الحقيقيّة. انحصرت دائرته انحصارا شديدا، وكثير من دور النشر عزفت عن طباعته لكساده في السوق، وحينما يقام له مهرجانا لا يحضر فيه إلّا القلّة القليلة. ذلك أنّ الكثرة الكثيرة التي لم تمرّ بغربال النّقد أعطت صورة للمتلقّي على أنّ الشّعر كلّه أصبح رديئا... والحق أخشى على الرواية من هذا المصير. وللعلم فإنّ الكتّاب الذين لا يقرؤون لا أعنى بهم الأقلام الجديدة حصرا. فمن هؤلاء تجارب على حداثتها غاية في الأهميّة وأمامها الوقت كي تنضج وتأخذ المشعل عن جدارة.

انت بصدد كتابة ثلاثية "المحاق" في شكل مجلّد،والحال أن الإطالة لم تعد اليوم من سمات الكتابة الروائية، ما الدّاعي لذلك؟

- لقد وضعت يدك على الجرح. عندما كتبت المحاق كتبتها بمعزل عن ظروف النّشر وعن القارئ. تركتها تنساب تلقائيّا في سبع سنوات كاملة. ولقد استنزفت منّي وقتا وجهدا وقلقا. لكنّي لم أتركها حتّى استوت على سوقها... وقسّمتها الى ثلاثة أجزاء في ألف صفحة. المفاجأة هي أنّني اصطدمت بالواقع بعد ذلك. اصطدمت بظروف النّشر سواء من حيث جديّة انتشارها أو من حيث كلفتها أو من حيث ذهابها إلى ناشر يأكل عرقي ويحتكرها لنفسه بضع سنين مع الدّفع من جيبي مسبقا! حتّى المسابقات كان حجمها الكبير عائقا أمامها. فمن هي اللّجنة التي تصبر على قراءة ألف صفحة كاملة؟ !... بعد سنوات أخرى أعدت الاشتغال عليها وتعاملت معها بصرامة كاتب القصّة القصيرة جدّا، ولكن بحذر شديد ووعي شقيّ. فالمهمة كانت صعبة للغاية... المهم صارت اليوم في جزئين في حجم مقبول ولكن ما زالت تنتظر حظّها في النّشر...

من هو حسن سالمي؟

- حسن سالمي أديب تونسي من مواليد 1971 بتوزر. صدر له: "التيه" (مجموعة قصصيّة) /"البدايات" (رواية)/"زُغْدَة" (مجموعة قصصيّة) /"الدّماء لا تنبت القمح" (قصص قصيرة جدّا) /"مأدبة للغبار" (قصص قصيرة جدّا) /"الإشارات" (دراسات نقديّة) /"الطيف"(رواية).

له في انتظار الطبع: "المحاق" (رواية في جزئين) /"غوانتانامو " (رواية)/ "أرض الزّعفران" (رواية للناشئين) /"وطن وضباع"(رواية للناشئين).

شارك في عدد من المسابقات وفاز بعدة جوائز منها جائزة توفيق بكار للرواية العربيّة هذه السّنة، عضو باتحاد الكتاب التونسيين وأمين مال جمعيّة مداد للقراءة والكتاب...

 

حاورته: وحيدة المي