 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (164): فلسفة الخلق وتشابه السرد

majed algharbaw10احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والستون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

تشابه السرد

ماجد الغرباوي: لا ريب، تكرر وحدات السرد الأساسية بين الأسطورة وقصة الخلق يثير أسئلة، تشكّل خطرا على مصداقية المقدس الديني، الذي تشكّل المغايرة بين الإلهي والبشري مقوما أساسا في حقيقته، كالخلق والغيب: (قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)، بينما تتكرر وحدات سرد الأساطير في آيات الخلق!، وهي أوهام بشرية حول عملية خلق الإنسان، لا تمت للحقيقة بصلة، ولا دليل عليها سوى المخيال البشري، ووردها في الكتاب تصديق لها، فماذا يعني كل هذا. هذه هي الإشكالية التي تستدعي تحري الحقيقة بدءا من عملية الخلق، كفعل إرادي قصدي يصدر عن الآلهة / الإله، لرصد عناصرها المشتركة، ومديات التشابه شكلا ومضمونا. لا تكف علامات الاستفهام، إلا بفهمٍ مغاير لآيات الخلق الواردة في القرآن سيما مع وجود نظريات علمية تتحدى المعرفة الدينية حول خلق الإنسان، فنعود لنسخ الأساطير نقارنها بما جاء في الكتب السماوية حول عملية الخلق.

وقد بدأنا أولاً بوحدة الهدف في سياق أسئلة الوجود لتحري أوجه التشابه والافتراق، وقد مرَّ الكلام حولها مفصلا ونركّز هنا على ذات عملية خلق الإنسان، كخطوات متتالية ينتج عنها فعلا أو كيانا خارجيا، هو الإنسان. أو خطوات الخلق من العدم إلى الوجود. من مجرد فكرة إلى حقيقة متعيّنة خارجا. وكيف يكون هذا المخلوق العظيم أصله طين، تخيلته الأساطير وأمضته الكتب السماوية؟، وذلك من خلال منهج مقارن كالآتي:

العنصر المشترك الثاني: عملية الخلق

اتفقت الأساطير والكتب السماوية على الماء والتراب (الطين) عنصرين أساسين لخميرة خلق الإنسان. وكانت المثيولوجيا السومرية في نص أدبي قد عالجت مسألة الخلق، في حكاية ملخّصها: عندما تعبت الآلهة من عبء العمل في الأرض، ذهبت لإله الحكمة "إنكي"، ليجد لهم حلا، وبعد رفضه استجاب لوساطة أمه، وأعطى أوامره لصنع الإنسان. وجرى صنعه على شكل الآلهة، (القصص القرآني ومتوازياته التوراتية، مصدر سابق). ثم روت المثيلوجيا البابلية قصة مشابهة، تقول: "أحرقت الآلهة أدوات عملهم وذهبوا إلى الإله "إنليل" لإنصافهم، فأمر بخلق الإنسان، حيث "يُقتل أحد الآلهة ويُعجن لحمه ودمه بالطين، الذي يصنع منه جسد الإنسان، وبذلك يتحد الإله والإنسان في جسد واحد" (المصدر نفسه). بهذا يتضح أن أسطورة خلق الإنسان مجرد وهم كان متداولا قبل ألفين وخمسمئة سنة قبل الميلاد. يمثّل مرحلة بدائية من وعيه. ورغم سذاجتها هي خلاصة مكابدة فكرية، تعكس المستوى الثقافي والمعرفي للبيئة الاجتماعية. ورحلة شاقة لمعرفة الحقيقة. وأحسب أن تصوّر خلق الإنسان من طين هي الصيغة الوحيدة الممكنة في إطارها المثيولوجي القائم على تعدد الآلهة، وقصة وجودهم على الأرض، قبل ظهور الإنسان على مسرح الحياة. وقبل تقديمه القرابين والنذور لها. حيث قُسّم تاريخ الأرض إلى مرحلتين: مرحلة الآلهة، ومرحلة الإنسان. الأولى مفترضة، انتقل فيها العقل من المعلول إلى العلة، وأرجع الظواهر التي عجز عن تفسيرها إلى قوة ميتافيزيقية متخيلة، تتوقف عليها فلسفة الخلق. بدأت فكرة بسيطة ثم تطوّرت بفعل حيرة الإنسان التي دفعته لتخيّل كائن متفوق، كائن أسمى، يواكب مخيلته، فكانت الآلهة صورة مثالية للإنسان، أسقط عليها رغباته الخارقة وقدراته السحرية التي يمنّي نفسه بها. وبالتالي ليس الكائن الأسمى سوى الإنسان نفسه، بمواصفات يطمح لها، وإن تجلى بأشكال مختلفة. وقد تعددت الآلهة لعجزه عن تصور كلي القدرة، أو المطلق / الإله الأوحد، رغم وجود إله مميز كإله الحكمة، في مثيولوجيا الحضارات القديمة لكنه اهتدى لذلك فيما بعد، وتوحّدت الآلهة بالإله مردوخ، قبل ظهور الديانات التوحيدية. ويبدو أن الوعي الوجودي للذات يتوقف على وجود علة مغايرة وكائن أسمى متمم لوجوده. كائن مثيولوجي متعالٍ يشعر معه بالأمان، وينسب له ما يعجز عن تفسيره من ظواهر الحياة. فمتمم الوجود هو المقدّس، الذي يفتقده وينقاد له لا شعوريا.

وبشكل أدق، إن قانون العلية كان محفّزا لافتراض آلهة مبهمة، تتجلى معالمها من خلال أسئلته ورغباته. مع كل سؤال يكتسب مَعلَما جديدا. وكل رغبة تثري ماهيته وتجلي وجوده، حتى يتلاشى الإنسان كفاعل حقيقي وراء الصورة الخيالية، بل ويتأثر بها عندما تغدو حقيقية، مادامت قد تشكّلت عبر أسئلته، ولديه ما يبرر سحريتها وقدراتها الخارقة، وبإمكانه الاستدلال على صحة تصوراته من خلال الطبيعة وما يحيط بها من ظواهر مرعبة، تستدعي وجود قوة أعظم تتحكم بها، لذا توجّه من هذا المنطلق للآلهة يعبدها ويتوسل لها ويقدّم لها القرابين. وبالتالي ثمة صورة إجمالية يخطئ في تفصيلاه الإنسان، رغم قدرته على الاستدلال على أصل وجودها. فضرورة وجود قوة وراء الكون وظواهره، أمر فرضه قانون العلية. وأما صفاته وخصائصه وماهيته، فبعضها يأتي قياسا على الطبيعة. وأخرى وليد مخيلته، عندما يعجز عن فهم الظاهرة، وينسبها للإله للتخلص من أعباء التأمل والتفكير. ويبدو أن بعض الناس يؤثر الصورة الأسطورية على معرفة الحقيقة. ويقدّم المبهم والمجهول على الواضح، فكأن الصريح يبطل سحر الساحر، وهو بحاجة ماسة لقضايا سحرية وغيبيه تبقيه في دائرة الخرافة والوهم، ولتبقى صورة الآلهة مهيمنة تبرر وازع الخوف والعجز. فالأساطير تمثّل في بعض أبعادها المعرفية رؤية كونية، هي خلاصة تأملات في عالمي الغيب والشهادة. وخلاصة تجربة فكرية عميقه خاضها الإنسان البدائي بمفرده، مما يؤكد قوة العقل البشري، وقدرته على التحليق في عالم الخيال. جدير بالذكر أن مفهوم الإله منذ ظهوره يحمل صورة أسطورية لكائن غيبي متعالٍ، يتمتع بقدرات فوق بشرية. كائن يتعالى على الأسباب الطبيعية، بإمكانياته السحرية، وهو ما يحتاجه لتفسير بعض الظواهر، وتبرير غيرها والتقوّم به نفسيا وروحيا، كمثل أعلى. وهو مفهوم فرضه قانون العلية في أصل وجوده، وحاجة الإنسان في تفصيلاته، ولما ظهرت الرسالات أول عمل قامت به هو ترشيد وعي الإنسان، وتصحيح مسار تفكيره. قانون العلية قانون تدركه الفطرة البشرية قياسا على ما حولها من أسباب ومسببات. بل كل سؤال يوجهه الإنسان، وكل استفسار حول الظواهر هو تأكيد لقانون العلية وإن لم يدرك هذه الحقيقة. وهو دليل الرسالات السماوية لاثبات وجود الخالق. واختلفت مع الأساطير والديانات القديمة حول نفي الشرك، وتوحيد الخالق. وبالتالي فالكائن الأسمي ضرورة وجودية، وحاجة نفسية لوجود مثل أعلى، حقيقي أو متصور، تسمو معه الروح وتستمد منه مثاليته للعروج في مراتب الكمال، عبر علاقة جدلية يؤثر أحدهما في الآخر، أو يعيد الإنسان خلقه، عندما يستعيده مع كل حالة تأملية جديدة، فيرقى وترقى معه النفس العطشى للكمال. نؤكد أن الأساطير في مفهوم العلوم الإنسانية الحديثة تقابل المدونات الكبرى أو النصوص التأسيسة. وهذا ما يؤهلها للمقارنة بتراث الأديان، والكتب السماوية. وهي نصوص متعالية قبل ظهور الأديان التوحيدية، يستلهم منها الإنسان معنى لوجوده. وهذا المفهوم يغاير ما جاء في القرآن، حيث يعتبر الأسطورة خرافة، كما جاء في احتجاج قريش على النبي مرات عدة، وهي تقصد الخرافة، وكلام لا دليل عليه. أو مجرّد هذيات وأوهام، يتخليها العقل البشري.

لا ريب أن تصوّر خلق الإنسان من طين هو الممكن الوحيد المتاح آنذاك، لقدرته على تجسيمه، قياسا على منحوتاته وتماثيله الطينية. واكتسب الحياة بشبهه للآلهة التي امتزج دمها بطين خلقته. وقد استبد هذا التصور بوعي العصور التالية ورددته الكتب السماوية، كما لو أنه حقيقة مطلقة، فتجد التوراة تستعيد ذات القصة وفقا لمبدأ التوحيد. الماء والتراب عناصر مشتركة، يتكرر وجودها في التوراة. كما تتكرر فيها صيرورة الطين إنسانا. بمشابهة الآلهة لدى الحضارة السومرية: (وجرى صنعه على شكل الآلهة). وفي الحضارة البابلية: (يتحد الإله والإنسان في جسد واحد). اتحاد اللاهوت بالناسوت. تلك الفكرة التي تم التنظير لها لاحقا في اللاهوت الديني المسحيي، ومازالت تمثّل قوام الإيمان الدين. ونجد لها شبها في العقيدة الشيعية المغالية، وإن لم تصرّح، غير أنها تخلع على الإمام صفات الخالق، وتنسب لهم الولاية التكوينية أو الحلول أو التفويض وجميعا، نسخ مختلفة لفكرة اتحاد اللاهوت بالناسوت، وهي فكرة تنتمي لأساطير الأولين، تداولها الفكري الديني فيما بعد، وراح يؤسس عليها. 

ولم تختلف التوراة مع الأدب الرافديني حول صيرورة الطين إنسانا، حيث أكدت على الشبه بالله، والنفخ في المنخر. فنخلص أن الخلق يتوقف على شرطه، ولا يكفي وجود الماء والتراب / الطين، وشرطه وجود قوة غيبية (الآلهة / الإله) تهب الطين الحياة على طريقة (كن فيكن). إذاً فالكائن الأسمى عنصر مشترك ثالث بين الأساطير والكتب السماوية حول قصة خلق الإنسان = ماء + تراب + كائن أسمى (الآلهة / الإله).

ولم تبتعد سردية التوراة عن أسطورة الخلق في الحضارتين السومرية والبابلية، حيث طلب الخالق من جبرائيل ان يأتيه بأربعة قبضات من تراب الأرض، من الجهات الأربعة، ومزجها بالماء، ثم بنسمة إلهية صار إنسانا، بعدها خلق زوجه من ضلعه كي لا يبقى وحيدا، وأسكنهما الجنة في بداية خلقهما. وكان الهدف من خلق الإنسان ليسكن الأرض ويطرد وحشتها، ويتمتع بسلطة ألهية عليها وعلى البحار والطيور. جاء في القصة الأولى في سفر التكوين: "وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا". والقصة الثانية في سفر التكوين: "وجبَل الإله آدم ترابا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حياة". (المصدر نفسه). فالوحدات الأساسية في قصة الخلق الرافدينية تكررت في التوراة، فآدم أصله من طين (ماء وتراب)، وقد صار إنسانا لشبهه بالآلهة أو الإله في القصة الأولى طبقا لما جاء في الرواية السومرية. ونفخ في أنفه نسمة في القصة الثانية، التي ستشابهها القصة القرآنية. والهدف في كلتا الأسطورتين وجودي، حيث يتوقف على وجود الإنسان إحياء الأرض وحراستها والتصرّف بها، بدلا عن الآلهة / الإله. ونقطة الافتراق بين التوراة والأساطير، أن المخلوق في الثانية مطلق الإنسان، وفي التوراة حددت بداية الخلق في آدم وزوجه، وهذا ما أكده القرآن لاحقا. فالتوراة حددت معالم المخلوق الأول، ولم يعد مجرد طين صار إنسانا، بل اكتسب قيمة واعتبارا عندما أسكنه الله الجنة. وهو ما أكده القرآن لاحقا، حيث ذكر ذات العناصر الأساسية في خلق الإنسان: الماء والتراب وقد عبر عنهما بالطين: (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ). وكذلك: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ). وأما صيرورته إنسانا: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ)، فهي تماثل ما ورد في القصة الثانية من سفر التكوين. بل اشتملت نسخة من التوراة غير رسمية معروفة بـ"الهاجادة"، تفصيلات لم تذكر في نسخ التوراة، هي أقرب إلى ما جاء في القرآن (أنظر: المصدر السابق)، كـ(استطلاع الله رأي الملائكة، تحدي الله للملائكة كي يخبروه باسماء الحيوانات، الله يعلم آدم أسماء الحيوانات، مع خلق آدم يخلق جميع أوراح البشر)، (المصدر نفسه). لا ريب أن تكرر الوحدات السردية في الأساطير والكتب السماوية، يرسم هو الآخر، علامات استفهام حول حقيقة الوحي والنبوة، خاصة بالنسبة للقرآن، الذي هو محور حديثنا. وتقدم، لا يمكن لمفهوم الوحي بالمعنى الأول، التخلّص من الإشكال، وهو يعتقد بـ"وحيانية" الكتاب، نسبة للوحي. ويتبنى قصة خلق الإنسان من طين، تبعا لما جاء في القرآن، رغم جذرها الأسطوري!!. ويتعذر تبريرها بـ"وحيانية الأساطير القديمة"، لأنها قائمة على تعدد الآلهة، وهذا يتنافى مع مبدأ التوحيد. فالأساطير القديمة منجز بشري، عبّر من خلالها الإنسان عن رؤيته الكونية، وهي في تفصيلاتها وما يخص قصة الخلق افتراضات وأوهام، لا دليل عليها، خاصة أنها في تمثلات ميتافيزيقية غارقة في غيبها، نتاج عقل بسيط ساذج، كان سائدا إلى ما قبل نظرية التطوّر التي توجت سلسلة شكوك علمية حول أصل وجود الإنسان، متحدية بذلك مصادر المعرفة الدينية واحتكار الكنيسة لها.

وردت قصة الخلق في القرآن بصيغ عدة، استعادت من خلالها أسطورة الخلق في التوراة، وأثرتها بمفاهيم وتفصيلات يتعذر إدراكها في سياق التفسير، مادامت قضايا ميتافيزيقية، لا يمكن تمثّلها خارج النص والفضاء المعرفي للإنسان. ويبقى التأويل أجدر في فقه النص، للوقوف على مضمراته، وإدراك ثيمته. باعتبارها هدفا أساسا للقصص القرآني: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ). يؤكده نهي القرآن للرسول عن إطالة الجدل حول قصة أصحاب الكهف: (فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا). فالوقائع غير مقصودة بالذات، مهما أكد عليها أهل الكتاب، وليس القرآن كتاب قصص وحكايات لينشغل بها دون ثيمتها: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ). والهداية تستدعي تقويم البنية العقدية والأخلاقية، فتكون القصة في صميمها، لاشتمالها على العبرة والموعظة. وهذا يكفي مبررا للتخلي عن ظاهر اللفظ لصالح التأويل. فنستعين لفقه النص بآيات لها علاقة بموضوع الخلق، تكون مرتكزات أو محكمات وفقا للمنطلق القرآني، من خلالها نفهم ثيمة القصص. وقد تقدم بيان السبب وراء تكرر وحدات السرد بين الأساطير والكتب السماوي، من خلال مبدأ التصديق الذي يعتمده القرآن في تعاطيه معها. والهدف إما تصديق للمفاهيم الدينية المشتركة، لوحدة الروح الدينية بينها، أو تصديقها كرهان لثبوت نبوة محمد، عندما يرتهن تصديقها بمعرفة أخبار السابقين، فيؤكد ما يقولون وفق مبدأ التوحيد، وترشيد الوعي، لكسب الرهان، ثم إثراؤها بمفاهيم جديدة، تخرج بها عن واقعيتها إلى ما هو أعمق. يصدقها ظاهرا، وينسفها عبر نسق مفاهيمي، يحيي ثيمة القصص دون وقائعها. وهو تطور في أسلوب السرد وحبكته. فينبغي تفادي أي انزلاق تأويلي عند مقاربة قصص القرآن، والانطلاق من ذات النص، بعيدا عن العقل التراثي، المرتهن للخرافة والسذاجة، والتواطؤ مع الأهداف الأيديولوجية والطائفية. ما في الكتاب من آيات تكفي لفهم المقاربة التأويلية، ومعرفة حدود العلاقة بين الأسطوري وثيمة القصص.

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (8)

This comment was minimized by the moderator on the site

انه تحليل مثمر و تحدوه بصيرة ايمانية مثقفة و ليبرالية.
و حركت هذه النفحة بالتفسير افكاري. و بدأت انتبه ان القرآن يخلو من الروح البطريركية التي نجدها في بعض الروايات و الاساطير.
اما كيف؟.
الله لا يهدد و يتوعد مثل اب ظالم و لكنه يذكر و يهدي و يجادل. كما لو انه اخ كبير يكلم اخوته الصغار و ليس كسيد و يكلم عبيده.
لا يوجد نظام النخاسة و الرق في ربوبية الصور القرآنية. وحيثما وردت كلمة عبد فهي تعني اللزوم و عدم المفارقة او الدنو و الاقتراب ( انظر لسان العرب) و ليس الرق و التكبيل بالأغلال.
و العنف غير وارد كما تميل بعض التفاسير. فالقرآن ينصح بمواقف و أفكار و لا يأمر بمحددات. مثلا يأمر بعبادات و يترك الباب مفتوحا لترجمة ادائها حسب مقتضى الحال و الظرف.
ثم ان الفضائل الاجتماعية و الشخصية لا ضرورة للإكراه عليها و لا تدخل في باب القسر الأبوي و لكن في مجال البديهة و الخير كما تفهمه البشرية منذ فجر تاريخها المبكر.
لا اكراه مع البديهة و لا نهي مع الشر و الإفساد. و الإله الراحد هي فكرة لاعادة تركيب الصورة المكسورة لابن الصحراء المشتت بين عدة قوى عسكرية دولية و عدة خيارات. انه اجراء ضروري لدمج الروح مع المجتمع الصناعي و التجاري الجديد الذي تغلفه بداوة قديمة أفل وقتها.
و بمكن تشبيه ما حصل بما يجري حاليا في الخليج العربي. النهضة التجارية يوازيها تصنيع خفيف و خدمات ثقيلة. بعد فترة من التنازع القبلي و البداوة و مقاومة شرور الطبيعة البخيلة.
و كي لا نتحول الى الانشاء.
العقوبات القرآنية لها غاية و هي الاحتفاظ بالتوازن الطبيعي بين افراد المجتمع من جهة و بين البشر و الطبيعة من جهة ثانية.
و هذه سابقة تحررية لم نعرف كيف نستفيد منها بعد اندلاع الخلافات اثر وفاة النبي.
برأيي النظام القرآني طوباوي و رمزي و مثالي. و هو غير تكويني. و قصة الخلق تنبع من تمثيلات و محاججة و ليس من بناء تراتبي و طبقات.
التفكير البطريركي دخيل على الثورة الاسلامية في مهدها الأول. و ربما هذا من طبيعة الأمور.
ان تنتكس الطوباويات و تبتلعها الماديات الأبوية و تعكس العلاقة من سماء و انسان، الى ارض و انسان. و هذا يضاعف من شرور نزعة التملك و يحول الروح الى امور متنازع عليها و انية.
شكرا

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

مداخلة جميلة حول مفهوم العبودية التي تعني اللالتزام وليس الرق. شكرا لحضورك دائما د. صالح الرزوق تحياتي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

تحية طيبة استاذ ماجد وشكرا لهذه الجهود وهذه الرؤى ، وربما من أكثر القصص دلالة على رمزيتها هي قصة آدم ، والتي أعطت القارئ عدة مستويات للتأويل وفق المنهج القرآني .
منها آدم النوعي حيث قوله تعالى إني خالق بشرا فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ....
مما يعني وصول البشر لطور الوعي الذي يؤهله لحمل الرسالة وهو معنى التسوية
فخالق تدلل على الماضي اي وجود البشر قبل التسوية
وربما هناك شواهد كثيرة تبرهن على ذلك المفهوم القرآني ، منها اصطفاء آدم على العالمين وفق المفهوم القرآني .
ومنهم من رأى فيها معنى آدم الملكوت ...أي وجود الانسان في عالم مسبق وانه اختار تحمل آمانة التكليف ...وهذا ما مثل رمزية الهبوط والخطيئة التي مثلت تحمل الأمانة التي عرضها الله على ماهية الأشياء فرفضتها وحملها فكان ظلوما جهولا ...
وربما محاور الموضوع طويلة ...
وفعلا أشاركك الرأي في أن السومريين جعلوا نظرية خلق الانسان من طين هي نتيجة تنامي صناعة الفخار في ذلك العصر والتي يصنعون منها الأشياء المشخصة من تماثيل وخزف .
فالقرآن الكريم حين قدم صورة خلق آدم قدمها ضمن حقائق كونية لا تتقاطع مع الحقيقة بل ولا تتقاطع حتى مع نظرية التطور من حيث معنى التسوية لآدم
ورمزية نوازع الشر التي تمثل إبليس ، بل والغريب أن العلم يثبت صحة كون البشرية ترجع لرجل واحد من خلال كروموسوم y الذي سموه كروموسوم آدم الذي ينقل من الآب إلى الابن الذكر ...
والأغرب آن أخذ قبضة من التراب وتحليل عناصرها أوجد أنها تطابق مكونات عناصر جسم الانسان ، مما يعطي المصداق الكامل لرمزية القصة .
هذا وأكرر شكري وتقديري لما تقدمه من رؤى الأجيال بحاجة لها لكي تنقلها من الأطر التقليديه لفضاء رحب للمعاني

أحمد مانع الركابي
This comment was minimized by the moderator on the site

اضافة قيمة الاستاذ احمد مانع الركابي، واثارات مهمة تسلط الضوء اكثر على القصة. وقد ذكرت مجموعة ادلة وسياتي غيرها. شكرا لمتابعتك وتعليقك مع خالص الاحترام

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ المفكر ماجد الغرباوي المحترم تحية طيبة.

الفيلسوف ماركوس اوروليوس يقول،، تعود لن تصغي بأنتباه لما يقوله الاخر وأنفذ قدر المستطاع في عقل المتحدث.
فأني اصغيت جيدا لعقل الاستاذ الغرباوي فوجدت فيه مايثري به الاخرين من خلال الخزين المعرفي الذي يتحلى به فدمت ودام ثراءك.. ولي مداخلة بسيطة اذا سمحت
يقول القران وفي عدة ايات ومنها.
(ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين)١٢ المؤمنون
( الذي احسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الانسان من طين ،) السجدة ٧
( فأستفتهم اهم اشد خلقا ام من خلقنا انا خلقناهم من طين لازب ) الصافات ١١
هذا مااكده القران الكريم ولامبدل لكلماته .
لكن نود ان نسأل اذا تمت عملية خلق ادم من طين وحواء من ضلعه بالتاكيد كانت هي ايضا من طين وجميع الاديان تؤكد ذلك اما النظريات العلمية كالنظرية الداروينية والتاريخ اثبت ان الانسان موجودا قبل اكثر من مليون سنة كأنسان جاوة والنيادرتال،، وادم في الاديان خلقه لايتجاوز الستة الالف سنة وهذا فارق كبير جدا بين ماجاء في الاديان وما اثبته العلم بالدليل وهنا ايضا نسأل مرة اخرى اذا خلق الله ادم من طين ومن ذكر وانثى اذن هذا ينطبق على كل شيء في الحيوانات والحشرات فيها ذكر وانثى واجساد وهي ايضا مخلوقة مع الانسان الاول فكيف تمت عملية الخلق تلك والانسان موجودا قبل مليون سنة .

ابو سجاد
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا ابو سجاد الاستاذ العزيز، وشكرا لثقتك، يسعدني رضاك فانت رجل واعي من خلال تعليقاتك ومتابعتك. ستاتي تفصيلات اشير من ضمنها ما تفضلت. القصة كما تقدم رمزية ودورنا استنطاق رمزيتها، والتأكد من مدى استعادة ذات الفكر الاسطوري.وهل هناك تطابق مفهومي ام لا؟ تحياتي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاديب والباحث القدير ا.ماجد الغرباوي تحية واحترام
بدءا امتناننا لسعيكم الدؤوب وجهودكم الحثيثة لاثراء التفسير والتأويل القراني بالحجة والبرهان
عندي مداخلةاذا سمحتم وهي لقد وردت اساطير الاولين في عدة مواضع من القرآن على لسان قائليها ولم ترد على لسان اهل الكتاب او عن الله جل وعلا والغاية واضحة وهي التملص وانهاء كل امر الهي للدعوة لعبادة الله الواحد وترك الشرك والإنسان بطبيعته جبل على الانانية وحب النفس والاديان على اختلافها تدعوا لنبذ الانانية واحترام حقوق الإنسان وهذا مالايروق للمشركين لما فيه من ضرر لمصالحهم،فاتهموا الرسول مثلا بالجنون او السحر في وقت كانت تسود فيه الخرافات والسحر والشعوذة،وقد تفننت الأمم بالتملص من عبادة الله الواحد لان ذلك لايخدم مصالحهاولذلك فقد بعث الله جل وعلا الرسل والأنبياء على مر العصور (وان من امة الاخلا فيها نذير)اي ان الرسل موجودون في كل عصر وزمان وما الجنوح الى عبادة الأوثان الا لتحقيق مصالح المشركين.
مع احترامي وتقديري ورمضان كريم

مريم لطفي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذة القديرة مريم لطفي. خالص الاحترام لحضورك ومشاركتك. الاسطورة في القران تعني الخرافة والوهم، وهي تهمة قريش لكل ما لم يجدوا له مصداقا في تراثهم. واما الاسطورة في العلوم الحديثة فدلالتها مغايرة. نص متعال مفعم برمزيته، وقد اشرت في هذا الحلقة كيف فكر الانسان البدائي وكيف ارجع المعلولات الى علة، قياس لما حوله، ولخصها بقصة الخلق..
واما اية وإن من أمة إلا خلا فيها نذير. لا تعني قدم الدين بقدم الانسان، بل تؤكد وجود المنذر الملازم لوجود الامة. والامم ظهرت لاحقا. اما تاريخ ما قبل الامم فان اية اخرى فقد عاشت بعيدا عن الاديان. وظهرت الاديان متاخرة كما في اية: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ. تمنياتي لك بدوام التوفيق

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4996 المصادف: 2020-05-10 06:06:03