 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (157): فلسفة الخلق والقصص

majed algharbawi4احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة السابعة والخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

 

نموذج قرآني

هناك ثلاثة مستويات لتحري دلالات الدليل الشرعي لدى الأصوليين:

الأول: أن يكون اللفظ نصا صريحا في معناه، عندما يقتصر على معنى واحد لا يصدق على غيره ف لغة. فيُحمل اللفظ على معناه، ويكون الدليل نصا صريحا فيه.

والثاني: عندما تتكافأ معاني اللفظ، حداً يتعذر تحديد خصوص المعنى المراد منه، فيسمى مجملا، كما في المشترك اللفظي مع عدم وجود قرينة صارفة لإحدى معانيه.

والثالث: أن يكون للفظ أكثر من معنى، وأحدهما أقرب لدى السامع، فيكون حجة لحجية الظهور، التي تعني تبادر هذا المعنى دون غيره، فيكون هو المتعيّن في كلام المتكلم. لكن يبقى السياق والقرائن حاسمة في تحديد دلالته، لتعدد معانيه. سواء كانت القرائن متصلة أو منفصلة. وهذا معنى القاعدة الأصولية التي تقول: (إن ظهور القرينة مقدّم على ظهور ذي القرينة، سواء كانت القرينة متصلة أو منفصلة). وتسقط حجيته عندما يختلف تبادره من ثقافة وبيئة إلى ثقافة وبيئة غيرهما، باستثناء بيئة المتكلم. بل حتى هذا الشرط قد ينخرم، فتجد المذاهب والفِرق تختلف حول دلالات بعض الألفاظ، رغم انتمائهم لذات البيئة اللغوية والثقافية، وبالتالي ففهم النص يتأثر بقبليات المتلقي وقصديته من تفسيره وفهمه، ويختلف من شخص لآخر، لكن لا يعني الفوضى وأسقاط جميع قواعد الفهم العرفي.

ثم رغم صحة المستويات الثلاثة منهجيا لكنها لا تسمح بزعزعة المعنى القاموسي لصالح التأويل الذي يمثّل منهجا في فهم النص. فيصدق أنها إرهاب لغوي أو رمزي، وأنها سجون لغوية لضبط المعنى الذي ترومه، خاصة القضايا الخلافية بين المذاهب الإسلامية، والاتجاهات السلفية في تفسير القرآن. غير أن المناهج القديمة راحت تتراجع أمام مناهج العلوم الإنسانية، كالنقد الثقافي والهرمينوطيقيا، التي تتحرى فهما مغايرا للنص، من خلال مقاربة جميع العوامل المحتملة، بما فيها البيئة الثقافية وظروف مؤلف النص وشرعية سلطته. وقد بات للنص معنى مختلف، مرَّ الحديث حوله في كتاب "النص وسؤال الحقيقة"، وقد اقترحت فيه تعريف النص اصطلاحا: "النص: ما تعددت دلالاته بتعدد قراءاته وتأويلاته المحتملة". فيتناسب ثراء النص طرديا مع حجم إيحاءاته. ويتوقف الكشف عن المضمر من أنساقه المعرفية والثقافية، على مرونته، وأسلوبه في التعامل معه. فالنص حقل للحرث والتنقيب في أعماقه معرفياً، بحثا عن ممكناته التأويليه والمتوارية التي يتستر عليها مكر النص لغوياً.

وبهذا سيَخرج هذا التعريف الدلالات الثلاث للدال والمدلول: الدلالة التطابقية، والدلالة التضمنية، والدلالة الإلتزامية... وبالتالي ثمة فرق بين النص واللانص، رغم أن كليهما نسيج لغوي، يتكون من كلمات وجمل، ومعانٍ وألفاظ، وتراكيب لغوية، ودوال ومداليل. إلا أن النص يتصف بثراء تأويله، وقابليته للكشف عن المضمر من أنساقه. واللانص ليس كذلك، فالتأويل يشتغل على النص، لثراء حقله الدلالة وإمكانيات تأويله.

وقد تقدم هناك آيات يتوقف فهمها على تأويلها والتأمل في آفاقها، والعبور من ظاهر اللفظ إلى ما هو أعمق وأبعد، بشكل تنفتح آفاقا جديدة للتأمل، كالقضايا الغيبية التي تعجز اللغة العرفية عن إدراك حقائقها، لغياب الوسط الممهد لحركة الفكر بين المجهول والمعلوم. كما هناك آيات يرتهن فهمها على نقلها من المستوى الديني إلى المستوى السوسيو لوجي والأنثربولوجي، لدراسة القوانين والسنن التي يتحرك في سياقها النص من جهة، وفهم الآثار الاجتماعية، وظرف نزوله، وما هي انعكاساته. أي أثر الوضع الاجتماعي في صدور النص / الآية، ومدى تأثيره بعد صدوره. بل يعمل التأويل على كشف ما تستر عليه النص واستبعده، من خلال سياقه أو طريقة تعبيره، فهناك معنى يتستر عليه النص، يريد التأويل استدعائه، وإعادة قراءته وفهمه، وبيان ما طبيعة علاقته بالنص، وما هي تقنياته في تمرير رسالته.

ونقصد بالتأويل هنا، خصوص الموضوعي الذي تقدم بيانه، كي لا نعود لأحضان الرؤى الأيديولوجية والمذهبية المتحيزة التي أوّلت كثيرا من الآيات لصالحها أو لتوهين خصومها. ويقصد بالتأويل الموضوعي كما مرَّ: "إرجاع النص إلى ما هو أبعد من المعنى الحرفي، لتحري دلالاته وممكناته التأويلية". فالتأويل أحد مناهج فهم النص، لا يمكن الاستغناء عنه لمقاربة مجموعة من الآيات. لا نقصد أن التأويل سيكشف عن دلالات النص كما هي في الواقع ونفس الأمر، أو تطابق الدال والمدلول. أو أن للتأويل طرقا خاصة لاختراق الغيب. كل هذا غير مقصود. هدف التأويل الكشف عن مداليل أخرى لظاهر النص من خلال التنقيب في أعماقه، وتوظيف تقنيات للكشف عن مضمراته، وما يريده وما يستبعده. أو الكشف عن ممكناته التأويلية من خلال إيماءاته وإشاراته، فقد يشير النص المقدس لشيء من خلال إشارة داخلية أو مقارنة خارجية. أو من خلال سياقه وبناء جمله. فالتأويل اشتغال داخل حقل اللغة، باعتبارها مفتاح التأويل للكشف عن دلالات يستبطنها النص ولا يصرّح بها. والغاية منه مقاربة النص للتوفر على فهم مغاير، نستبعد به التأويلات الكلامية المتحيّزة للفِرق والمذاهب الإسلامية، التي اسقطت قبلياتها عليه، ووظفته لتعضيد متبنياتها العقدية والفكرية والسياسية. ومن يقرأ التراث يستغرب حجم الروايات التي فسّرت المفاهيم المبهمة في القرآن وأحاطتها بقصص من وحي الخيال، خاصة الجمود على حرفية النص وظواهر اللغة، الذي يفضي للتجسيم، وهو القائل: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ).

والهدف الثاني، أن فلسفة الخلق تستدعي فهما تأويليا لقصة الخلق، تساعد على فهم دور الإنسان في الحياة، بعيدا عن العقل التراثي اللاعقلاني. الخالق حكيم، وأنزل كتابه للناس: (هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ)، ومن حقهم أن يفهموا مضامينه، وما يريد قوله.

المنهج القرآني

يبقى القرآن نصا لغويا، يمكن مقاربة آياته، مهما كان متعاليا ومقدساً، شريطة التوفر على مناهج قادرة على استنطاقه ضمن قوانين اللغة. وقد أستخدم الكتاب الكريم آليات لتمرير رسالته وبيان مقاصده كالحوار والقصة والمباشرة والمتخيل الرمزي، ومنها أيضا: التأويل والأمثال، التي هي نوع من التأويل، يختزل المعنى بمثال، يكون أقوى تأثيرا ودلالة لدى المتلقي، والأمثال كثيرة في الكتاب، مما يؤكد أهميتها في اللغة الدينية، غير أن شرطها قدرة المتلقي على فهم دلالتها، كما أن رهان تأثيرها الاستعداد الذاتي للاستفادة منها:

(وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ)

(وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)

وكنموذج للأمثال:

(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)، فمهما تحدّث عن الكلمة الطيبة وآثارها الاجتماعية والنفسية على الفرد والمجتمع لا يؤثر ويفي بقصديته كالمثال. المتلقي يفهم ماذا تعني الشجرة المثمرة الوارفة، وعندما يضرب الله بها مثلا يتبادر لذهنه طبيعة المقارنة، ويفهم أن إيجابيات الكلمة الطيبة كشجرة دائمة الثمر والعطاء. وما عليه سوى تأويل المثل، وإدراك دلالاته. لكن المهم بالنسبة للغة الدين، عندما يضرب مثلا لبيان مفاهيم وقضايا مفارقة، يتعذر على اللغة العادية إدراكها، كما في قوله تعالى:

 (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ). فما ذكره مجرد مثلا يقرب القارئ لمفهوم الله، ولا يعني أنه نور في مشكاة، رغم أنه يقول في آية أخرى: ليس كمثله شيء. غير أن المثل يساعد على تمثّل صفاته وقدراته المطلقة، دون إدراك ماهيته وحقيقته وكُنهه، لأنها ممتنعة ذاتا. وبالتالي فالاستشهاد بالمثل كمنهج لفهم النص الديني يؤكد ثمة قضايا ومفاهيم عصية على اللغة العادية، غير أن اللغة الدينية توظف المثل لتحقيق مآربها.

وفي آية أخرى: (لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)، ولا يخفى حجم الدهشة وهي التي تتحدث عن خشوع كائن جماد / الجبل، وماذا يعني نزول القرآن عليه؟. وهنا يتعذر فهم الآية بعيدا تأويلها، خاصة وهي تؤكد أنه مجرد مثلا، لمعنى أعمق يصعب على اللغة استيعابها، لكن يبقى المثل، كالرمز، يتجدد في دلالالته، ويثري بقبليات وثقافة ووعي المتلقي: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ). فدلالة المثل تتطلب جهدا فكريا يقارن، من خلال حركته بين المثل والواقع، ليصل إلى دلالات مغايرة. فاللغة الدينية تتسلح بآليات تنقل المتلقي إلى آفاق بعيدا عن ظاهر النص، لتبحر في عالم المعنى، تتقصى مداراته وآفاقه، لا فقط بالتدبّر، الذي هو آلية مهمة كما مرَّ بيانه، ولا بالمثل فقط، بل الاستعانة بثراء الخيال، وقدرته على رسم معالم القضايا المفارقة، فترى القرآن يحقق من خلال استعراض مشاهد القيامة مثلا، ترسيخ يقين الفرد، وتخصيب خياله لتمثّل القضايا المفارقة. من هنا لا نستغني عن أي منهج علمي حديث يساعد على استنطاق النص الديني، وكلها مشروعة: تحليل الخطاب، التفكيك، الحفر المعرفي، التأويل، الهرمنيوطيقيا. لأن النص، أي نص، له أسلوبه في تمرير رسالته، وله سلطته، وقبلياته، ويصدر استجابة لظرفه الزمكاني. ولا أجد مبررا لرفض المناهج العلمية الحديثة، بل أعتقد جازما أنها تعمّق وعي المتلقي بالنص الديني، وفهم رسالته، وتفتح له آفاقا معرفية، غيبتها المناهج التراثية لتفسير الكتاب، واعتمادها على روايات، لا تمثل سوى آراء بشرية، تصيب وتخطئ، والدراسات العلمية في تقدم مضطرد. وعدم استخدامها من قبل السلف أو من قبل الفقهاء ليس عذرا مقبولا.

نموذج تأويلي

سأستشهد بقصة يوسف، لثراء نصوصها في مجال التأويل، كنموذج قرآني يعزز القيمة العلمية للمنهج التأويلي في اللغة الدينية. وبالتالي لا يمكن الاستغناء عنه لصالح تفسيرات تراثية تريد فرض تحيزاتها الطائفية والسياسية على النص القرآني. وثمة خصائص للتأويل يمكن إدراكها من خلال آياتها.

السورة تسرد قصة نبي الله يوسف، وقد نوّه الكتاب في بدايتها: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ). فمادامت قصة فلها أسلوبها السردي وتقنيتها في التعبير عن ثيمتها. والثمية الأساسية للقصص القرآني كما ذكرته سابقا: أن غاية السرد القصصي هي العبرة والموعظة، لا تفصيلات الأحداث، وبالتالي سيدور التأويل مدار الهدف الكلي: "لَقَدْ كاَنَ فىِ قَصَصِهِمْ عِبرْةٌ لّأِوْلىِ الْأَلْبَبِ". وما دام اكتشاف العبرة غير متاح إلا لأولي الألباب، فهذا يؤكد رمزية بعض جوانب القصص ودور التأويل في الكشف عنها. وأيضا: "لَقَدْ كاَنَ فىِ قَصَصِهِمْ عِبرْةٌ لّأِوْلىِ الْأَلْبَبِ .." تؤكد على استخدام العقل وتمضي  أدواته التأويلية من أجل اكتشاف العبرة والموعظة التي هي الهدف الأساس من السرد القصصي في القرآن الكريم. فلا يهمنا الحدث فيها، ونركز على التأويل كمنهج أكّدت عليه الآيات من خلال القصة. منهج يتوقف عليه النص الديني، وتعتمده اللغة الدينية ضمن آلياتها، لمقاربة النص وتمثّل مفاهيمه. وقد تقدّم الكلام عن معاني التأويل، فبعضه يبقى في حدود التفسير وبيان مبررات الحدث، كما في: (سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا). وهذا لا نقصده هنا. المهم التأويل الذي يتناول قضايا مفارقة وغرائبية، وهو ما حفلت به قصة يوسف، وأكدت على شروط تأويل النص، كدور الزمان فيه. وأشير هنا بعض خصائص التأويل الموضوعي.

- من خلال الآيات نفهم أن التأويل جهد فكري وتأمل عميق. أو جهد فكري، وتقصي معرفي، بين النص وممكناته التأويلية، التي تثرى بثراء قبليات المتلقي ونباهته ووعيه وقدرته على التشخيص، من خلال ممارسة دؤوبة في نقد النص. تقول الآيات: (وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ)، (وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ)، فهو علم كسبي أو مكتسب، ينمو ويتطور في رحاب مرونة النص الديني. وليس التأويل تأملا عفويا، أو رغبة شخصية لاسقاط قبليات المتلقي عليه، وهذه نقطة مهمة، خاصة من يشجبه دون دراية بخصائصه، وطريقة عمله.

- أن تأويل النص قد يتطلب وقتا لإدراك حقائقه. كما في قوله: (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ)، غير أن والده لم يقدّم تفسيرا أو تأويلا لرؤياه، رغم أنه نبي، ويعلم من الله ما لا يعلمه غيره وفقا للنظرية الدينية، ولعل في قوله: (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)، ما يؤكد عدم معرفته بتأويل رؤيا ولده يوسف، لكنه توجّس خيفة، لأنها دالة على مستقبل كبير، حدا يسجد له الآخرون، مما يثير حسد أخوته، لذا حذره: (قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ). غير أن يوسف أوّل رؤياه بعد أن أصبح ملكا، وسجد له وأبواه وأخوته: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا). وبالتالي لم يستطع أحدهما تفكيك شفرة الرؤيا، وفهم دلالاتها ولو تأويلا، لأنها بحاجة إلى مرور وقت كافٍ، ليكون الواقع شاهد صدق عليها. وهذا ما حصل بعد وصول القصة إلى نهايتها. وهذا ينطبق على قضايا غيرها، وتجد القرآن يرتهن معرفة الحقيقة لليوم الآخر.

- أقرّت القصة من خلال تأويلات يوسف بضرورة المنهج التأويلي للقضايا المفارقة، فيوسف قام بتأويل رؤيا الملكة ومن رافقه السجن، وهي رؤيا مرمّزة، تتطلب جهدا استثنائيا لإدراك معانيها، لذا قالت حاشية الملك عندما استفتاهم: (قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ)، ردا على رؤياه، التي تضمنت قضايا غرائبية غير مألوفة: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ). بينما كان جواب يوسف جوابا تأويليا ناضجا، يدل على علمه وسعة معرفته بتأويل الأحاديث: (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ، قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ).

وأيضا بالنسبة لصاحبيه في السجن: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ.. يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ). والقارئ العادي لا يجد أي ربط بين الرؤيا وتأويلها من قبل يوسف لولا أن يصدّقها الواقع، لا رؤيا الملك ولا رؤيا صاحبيه. وهذا يشجع على الإرتكاز للتأويل في فهم غرائبية بعض النصوص، ومنها قصة الخلق التي هي مدار بحثنا، والتي هي الأخرى غزيرة في دلالتها.

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

ربما كان كلامي بعيدا عن سياق الدين و الفكر الإسلامي. لكن باعتبار أن موضعا علميا هو تاويل النصوص و علاقة المضمون بما نسميه محور الأزمنة (اللغة لها محوران متزمن و زمني بلغة جاكوبسون و شومسكي و قبلهما بينفينيست و سوسير) يمكن أن ننظر لتطور المعنى مع تعاقب أحداث التاريخ.
بلغة أوضح.. معنى العبارة و الرموز كما وردت على لسان الوحي و كما نقلها النبي قد تعني شيئا غير الذي فهمه منها الآن بمعايير معاصرة.
و كان دلوز قد أعاد النظر بسلسلة المفاهيم اللغوية و التراكيب.فقد انتقد التقسيم الكلاسيكي لما هو متعين و لامتعين. انطلاقا من دور التاريخ في شكل التعيين.
و اقترح بندا ثالثا هو القابل للتعيين (تجد التفاصيل في الاختلاف و التكرار). و لا ضرورة لمزيد من الاستطراد. فالكتاب مترجم و متوفر و أحيل غليه لكل من يريد أن يتابع علميا دور شكل الزمن في اللغة.
و شكرا

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لمداخلتك الاستاذ د. صالح الرزوق موضوع مفيد

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لهذا الاثراء الفكري استاذنا العزيز
فهو لوحه تنسجم فيها مفردات الجمال مع معايير الزمن المتحرك.

أحمد مانع الركابي
This comment was minimized by the moderator on the site

والشكر لك ولحضورك الاستاذ احمد مانع الركابي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

بكل شوق اترقب حلقاتك الثرية بالفكرة النيرة والتحليل العلمي
والفهم المبني على التقصي .
دمت اخي واستاذي ابا حيدر في صحة وسلامة

الحاج عطا

الحاج عطا الحاج يوسف منصور
This comment was minimized by the moderator on the site

محبة خالصة للشاعر القدير الاستاذ الحاج عطا والحاج يوسف منصور. شكرا لمشاعرك، ويسعدني متابتعتك واهتمامك

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4947 المصادف: 2020-03-22 04:27:23