حوار مفتوح

majed algharbawi4احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والسبعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

الإنسان الكامل

ماجد الغرباوي: خلاصة ما تقدم: أن الإنسان بما هو إنسان كان محور فلسفة الخلق في الكتاب الكريم. وأن سؤال الوجود سؤال عن وجوده: أصله، مصيره، وخَلاصه. وأن هدف الخلق وجود كائن بشري، يتصف بالعقل والحرية والإرادة، يتكامل به الخلق، ويضفي معنى على الوجود، بقدرته على تمثّل الحقيقة وعالم الغيب. وكان الإنسان محور قصة الخلق في القرآن. وكانت رمزية القصص تتحدث عن الحقيقة الإنسانية، وبيان خصائصها وصفاتها من خلال شخصية آدم. ومعنى خلافة الإنسان للأرض، تدبيرها وإعمارها، اعترافا بمنزلته واستقلاليته. وهو سيدها، لم يُخلق لخدمة الآلهة وعبء العمل. بل كان بعقله رهان الخالق مع ملائكته، فلا يجوز اضطهاده واستعباده، مادامت فلسفة الخلق ترفض منطق العبودية، وتؤكد منطق الخلافة، ودوران التشريع مدار مصالحه. وله بما هو إنسان حقوق مشروعة. وبالتالي لا يمكن إدراك فلسفة الخلق بدقة ما لم ندرك طبيعة العلاقة بين الله والعقل والإنسان، ونحدد وظيفة الدين في الحياة، لتفادي اضطهاد الإنسان، وإهدار كرامته، والتفريط بحقوقه.

هذه هي وجهة نظري عن خلافة الإنسان، إذ كان السؤال في بداية هذا البحث: (ماهي وجهة نظركم لخلافة الإنسان للأرض؟ حيث أن المعنى اللغوي للخليفة، هو أن يخلف شخص شخصا آخر في حال غيابه، مع العلم أنّ الله سبحانهُ وتعالى موجود وحاضر!؟). وقد مرّت تفصيلات شاملة عن فلسفة الخلق، ومشاهد الخلق، وبينت حقيقة الخلافة. وقلت أنها ليست تنصيبا، أو وكالة مطلقة عن الله في الأرض بل المقصود بـ(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، تحديد صفته الوجودية،  فهو موجود ليستقل بقراره بموجب خصائصه الوجودية: العقل، الحرية والإرادة. وبهذا اختص الإنسان بكرامة الخالق، عندما منحه عقلا هو تجلٍ للعقل الكلي، وجعله خليفة يستقل بقراره، ويكون مسؤولا عن سلوكه ومواقفه. وبالتالي لا يأتي الإشكال حول علاقة الخليفة بمن يخلفه، ويتوقف صدق المفهوم على غياب مَن يخلفه. بل كلاهما موجود، ويقوم الإنسان بمهامه سيدا على الأرض. الخالق علّة وجود الإنسان، وقد فوضه بفعل قابلياته بإعمار الأرض، ضمن القوانين الكونية. كل هذا وفقا للرؤية القرآنية، باعتبار مرجعيته لمعرفة فلسفة  الخلق، وتحديد دور الإنسان في الحياة. فهي رؤية تقوم على مركزية الإنسان.

 

س 138: أحمد مانع الركابي: هل الخليفة هو الإنسان الكامل الذي تتجلى فيه صفات من يخلفهُ (آدم التكوين بمصطلح الفلاسفة والعرفانيين). وحينئذٍ أليس هذا الاستخلاف بوجود الخليفة والمستخلف مصداق لنظرية وساطة الفيض الإلهي التي لم تؤمنوا بها (حسب قراءتي لكتابكم مدارات عقائدية...)

ج138: ماجد الغرباوي: هناك من يعتقد أن المراد بالخليفة في آية: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، الإنسان الكامل، الذي تتجلى فيه صفات الخالق. الآية لم تقل إني خالق في الأرض خليفة، وقالت إني جاعل. فثمة مساران، الأول  خلق الإنسان من طين ومراحل تطوره. والثاني مسار الخلافة الربانية التي تتجلى بالخليفة / الإنسان الكامل. وهي بهذا المعنى مقام ومنصب إلهي رفيع. والمستخلف فيه هو خليفة الله في أرضه، له صلاحيات مطلقة. والآية قد تحدثت عن جعل خليفة في الأرض. فالخلافة بهذا المعنى منزلة لا تتحقق إلا باصطفاء إلهي، ولازمه جعل الولايتين التشريعية والتكوينية للمستخلف، فيدخل ضمن علل الوجود، ومصداقا للفيض الإلهي، كما هو مقرر عندهم. فيأتي إشكال السؤال: (أليس هذا الاستخلاف بوجود الخليفة والمستخلف مصداق لنظرية وساطة الفيض الإلهي التي لم تؤمنوا بها، حسب قراءتي لكتابكم مدارات عقائدية ساخنة؟). ولكننا لا نقول بهذا. وكانت وجهة نظرنا خلال البحث مغايرة.

يقصد بالإنسان الكامل عندهم من بلغ مرتبة المكاشفة التامة، ونال أعلى درجات القرب من الله تعالى، بالاصطفاء. وقد اتفقوا على اختصاص هذه المرحلة بالرسول محمد، فهو نور من قبس الرحمن، وما عداه يهتدي بنوره، ويكتسب من معارفه. وبالتالي فإن الاصطفاء شهادة على بلوغ المصطفى منزلة الإنسان الكامل. غير أن مراتب الكمال متفاوتة، ينالها المرء عبر مسالك العرفان والعلاقة الروحية مع الله، بعد نقاء النفس من الذنوب والرذائل، والتحلي بالأخلاق الرفيعة والتقوى والرهبة والخوف من الله. ولا شك  أن مسالك العروج مفتوحة للسالكين، والطريق معبّد للمخلصين، لذا تفاوتت درجات النعيم يوم القيامة. فالإنسان الكامل عندهم لا يعني كمال الصفات الإنسانية مهما بلغت، ومعايره تختلف عن المتداول والمتفق عليه من المعايير البشرية، فصفات الإنسان الكامل من تتجلت فيه صفات الخالقية، لكنه مخلوق لله، هكذا يلتفون على الشرك.

ولا يخفى تأكيد الذات في هذا التنظير لمفهوم الإنسان الكامل، خاصة أنه تنظير بعدي، يقوم على تأويل الآيات، ويتخذ من المكاشفات والذوق دليلا قاطعا، يستدل به على مراده. فيؤكد ذاته ويضفي عليها قداسة مطلقة حينما يتحدث عن منازل السالكين والعارفين. لأنه حديث عن النفس، وعن تجربة روحية شخصية، لا يمكننا التأكد من صحتها، مادامت مسألة ذوقية خاصة جدا، ولا طريق سواه للحكم عليها. إن تبجيل الذات يستدرج كل من يقصد تجربته الشخصية في حديثه عن مسالك العارفين، حتى وهو ينتقدها ويوبخها، ويكشف عوراتها ويعالج نواقصها.

ومن طرف خفي فإن هذا الفهم للإنسان الكامل، ينظّر للسلطة وإقصاء المعارضة، تحدثت عنه في كتاب النص وسؤال الحقيقة. إذ لازم ثبوت الولايتين الشرعية والتكوينية ثبوت الولاية السياسية، بل هي من باب أولى. وبالتالي، من لم تثبت ولايته فهو مغتصب للسلطة، ليس له حق التصرّف بالأنفس والأموال. وعلى هذا الأساس سلب الشيعة شرعية سلطة الخلفاء، لعدم ثبوت ولايتهم في المرتبة السابقة. وحكموا بغصبيتها من صاحب الحق الولي الشرعي، الإمام علي الذي ثبتت ولايته. وبالتالي فنحن أمام مفهوم جديد للخلافة، يكرّس الاستبداد ويقمع المعارضة ويصادر الحريات وحقوق الإنسان، ويحصر الحق والحقيقة بشخص واحد. لكن ينبغي التأكيد أن حصر الولاية الشرعية بالإنسان الكامل، هو في حقيقته موقف من الوضع السائد، فهو من جهة يسحب بساط الشرعية من الخلفاء، ويضع معيارا للولي الشرعي المفوض بالسلطة. فكان التصوف والاعتزال موقفا احتجاجيا من السلطة وسلوكها، وكان التنظير للإنسان الكامل تنظير لمؤهلات الحاكم الشرعي. ومن جهة ثالث، وهي الأهم، ارتهان شرعية السلطة بتفويض إلهي، من خلال جعل الولاية السياسية، وهذا يستدعي إنسانا مثاليا، وهو الإنسان الكامل. فمن ثبتت ولايته شرعا كالرسول، والأئمة على الرأي الشيعي، فهي ثابتة له. أو تثبت عن طريق اصطفاء خاص لأهل العرفان والفضل والتقوى.

وبشكل أوضح:  تارة يقصد بـ "الخليفة" المفهوم والصورة الذهنية التي تحدثت عنه قصة الخلق. وأخرى يراد به الخليفة المتحقق خارجا. فأيهما يصدق مع مفهوم الإنسان الكامل الذي تتجلى فيه صفات من يخلفه، كما جاء في السؤال؟.

كانت قصة الخلق، وفقا لرمزية القصص، تتحدث عن الحقيقة الإنسانية ابتداء من الإعلان عن جعل خليفة في الأرض. وكان الكلام يدور حول الإنسان بما هو إنسان، وبما هو كائن يتصف بالعقل والحرية والإرادة، يستفيد من تجاربه، ويطور حياته، يُخطئ ويتدارك خطأه. يعثر ويتعلم. فموضوع الخلق هو النوع الإنساني. والنوع منطقيا: "الحقيقة المشتركة بين جميع أفراده". أي ذات الصفات المشتركة بالقوة لا بالفعل. فليس هناك مساران، مسار خلق الإنسان ومسار الخلافة، بل الحديث رمزيا كان عن مواصفات الخليفة. لذا اعتبر المفسرون كالسيد الطباطبائي في الميزان، وغيره، أن المقصود بالخليفة هو الإنسان، مطلق الإنسان، وآدم أحد مصاديقها. ومشاهد القصص كانت تروم بيان خصائصه من خلال سرد قصصي تمثيلي. وأما الكمال فصفة مكتسبة، يتصف بها الإنسان بعد تدرّجه في مراتب الكمال الإنساني. وهو ثمرة جهد روحي وانضباط سلوكي، ومراقبة صارمة للنفس، وانقياد واعٍ ومطلق لخالقه، يتجلى في مشاعره ومواقفه وسمو أخلاقه. وهناك من يتوسع في مفهوم الكمال ليشمل كمال العلم، والعلم "اللدني" والمعرفة وعلم الغيب والعصمة والانكشاف، أو من يرى الله، كما في كتاب الإنسان الكامل للجيلي. وغير ذلك. وهذا يأتي بعد اختبارات متتالية في مقاومة المغريات والفتن والامتحانات الصعبة في تفصيلات حياته اليومية. فالكلام عن الحقيقة الإنسانية كلام في مرحلة التصوّر، بينما ميدان الكمال الحياة الدنيا والواقع المتحرك وما يوجهه الإنسان من افتتان على صعيد النفس والشهوات.  

وأما مفهوم الخليفة على صعيد التعيّن والتحقق الخارجي، فالخطابات القرآنية كانت مطلقة، تخلو من أية إشارة صريحة للتفاوت البشري على صعيد الكمال الإنساني. ويبقى الإنسان استعدادا بالقوة لا بالفعل للرقي والكمال من خلال سلوكه وعمله. وهذا لا ينفي التسديد الإلهي، بمعنى الهداية واللطف، ويبقى الإنسان مختارا، مسؤولا عن سلوكه ومواقفه، لا فرق بين شخص وآخر. لكن من أين أتى مفهوم الإنسان الكامل؟ وهل هدف الخلق هو الإنسان الكامل، فتكون البشرية مجرد مقدمة لتحققه خارجا؟.

أول مرة سمعت بمصطلح الإنسان الكامل قبل نصف قرن تقريبا، عندما تعرفت في شارع المتنبي ببغداد على شخص (وكان للتعارف قصة)، كان أول لقاء في مكتبته، وكان حديثا ودياً متشعبا. لفت انتباهي  كتاب التوحيد للمفضل بن عمر الجعفي مفتوحا بين يديه. ومن يدمن روايات المفضل بن عمر يسري الغلو في عروقه، يوجه وعيه وتفكيره. سألني في معرض حديثه عن مفهوم "الإنسان الكامل" وعلاقته الوجودية، ومن هو مصداقه.. ولم ينتظر ردي، راح يرسم على ورقة المراحل التي تمر بها صناعة كرسي خشبي. فسألني كيف يصنع النجار كرسيا خشبيا؟ واصل حديثه: تبدأ العملية من فكرة الكرسي في ذهن النجار، فيخطط لصناعته وفقا لتلك الفكرة، وبذات المواصفات الفنية. ثم يرسم مخططا يحدد أبعاده وتفاصيله الهندسية، ثم يهيئ مستلزمات العمل، خشبا ومسامير، وأخيرا يباشر بصناعته ليصبح جاهزا للاستعمال. فنحن لا نرى سوى الخطوات العملية، بينما هناك خطوات سابقة عليها... وأنا أنتظر ماذا يريد بهذا مثلا؟. ثم راح يقارن خلق الإنسان بصناعة الكرسي!!!. فالصورة الأولى لدى الخالق هي صورة للإنسان الكامل، المثالي، العارف بالله حق معرفته، وهي غاية الخلق وهدفه. واستشهد بحديث: (كنت كنزا مخفيا فأردت أن أُعرف فخلقت الخلق). وكانت الصورة الأولى في مخطط الخلق، هي صورة محمد بن عبد الله. الإنسان الكامل، المثالي، العارف بالله حق معرفته، ومن بعده يأتي أئمة أهل البيت!!!!. وما سبقه مقدمات لبلوغه!!. ويقصد بالمقدمات جميع الخلق، التي هي كالمواد الأولية لصناعة الكرسي. ولا يخفى منحى الغلو في كلامه رغم إيمانه وتدينه. وهو اتجاه معروف في عقيدة الغلو، تعززه روايات، منها: (ما خلقت الخلق إلا لأجل هؤلاء). وأن أهل البيت خُلقوا قبل خلق السماوات والأرض، وكانوا أنوارا يدورون من حول العرش، ومن غرائب الروايات: (لما خلق الله تعالى آدم أبا البشر ونفخ فيه من روحه التفت آدم يمنة العرش فإذا في النور خمسة أشباح سجداً وركعاً قال آدم: هل خلقت أحداً من طين قبلي؟ قال لا يا آدم. قال فمن هؤلاء الخمسة الأشباح الذين أراهم في هيأتي وصورتي قال هؤلاء خمسة من ولدك لولاهم ما خلقتك، هؤلاء خمسة شققت لهم خمسة أسماء من أسمائي لولاهم ما خلقت الجنّة والنار ولا العرش ولا الكرسي ولا السماء ولا الأرض ولا الملائكة ولا الإنس ولا الجنّ فأنا المحمود وهذا محمّد وأنا العالي وهذا علي وأنا الفاطر وهذه فاطمة وأنا الاحسان وهذا الحسن وأنا المحسن وهذا الحسين آليت بعزّتي ان لا يأتينّ أحد بمثقال ذرّة من خردل من بغض أحدهم إلاّ أدخله ناري ولا اُبالي يا آدم هؤلاء صفوتي بهم أنجيهم ولهم أهلكهم فإذا كان لك إليّ حاجة فبهؤلاء توسّل فقال النبي صلّى الله عليه وآله: نحن سفينة النجاة من تعلق بها نجا ومن حاد عنها هلك فمن كان له إلى الله حاجة فليسأل بنا أهل البيت). (الغدير ج ۲ ج ۳)...). وفي رواية مشهورة عندهم: (لولاك ما خلقت الأفلاك ولولا علي ما خلقتك ولولا فاطمة لما خلقتكما). وهذا اختزال للخلافة الربانية، لا دليل عليه في كتاب الله بل أن الآيات على خلافه، ويكفي أن آيات الخلق مطلقة، ولم تشر لفرد بعينه: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ). وكان حواره مع الملائكة عن الخليفة، كمفهوم كلي، يصدق على كل إنسان . وجميع الآيات كانت تتحدث عن الحقيقة الإنسانية، بناء على رمزية القصص. وثمة آيات تشير إلى مصاديق الخلافة كممارسة حياتية، كقوله:

- (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ). فالخلافة مجمل النشاط البشري، وقد يفضي للظلم والخصام، ويستدعي العدل وإقرار الحق. والإنسان الكامل أو المثالي من ينجح في تربية نفسه ويسمو في مراتب الكمال. فهو ثمرة جهد إيماني، مكتسب، متاح لكل إنسان. فأحد مهام الخليفة إقامة العدل والقسط بين الناس.

- (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)

- (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ). فالخلافة  استخلاف واستثمار للأرض.

- (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ). فإقامة الدين إحدى مهام الإنسان الخليفة.

- (ُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا). والاستعمار هو استثمار الأرض، بما يسهم في تعزيز القيم الإنسانية.

لا شك في علو مراتب الأنبياء والرسل، ولا ريب في مكانتهم وقربهم من الله. وقد جعل الله الرسول أسوة حسنة، في إيمانه وسلوكه وأخلاقه وصبره ومرابطته، وقد جاءت آية: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)، في سياق الآيات النازلة في معركة الأحزاب. لكن لا دليل في كتاب الله أنه خلق السماوات والارض لأجله!!!. هذا تقوّل على الله بلا دليل: (َتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ). بل ثمة آيات ترصد حركة الأنبياء وتسائلهم، وتحصي خطواتهم، فكيف يكون إنسانا كاملا وتقول الآية: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ). والآية تتحدث عن إمكانية التقوّل لا وقوعه خارجا، وهذا يتناقض مع الكمال الإنساني، الذي يعني عندهم: عصمة مطلقة، ووساطة الفيض والوقوع ضمن سلسلة علل الخلق والولاية التكوينية، وغيرها من مختصات الخالق التي يخلعونها عليه بلا دليل في كتاب الله!!.

 إن إدمان التراث يسد منافذ الوعي، ويكرّس التبعية والانقياد، واستمراء الخرافات والأباطيل، والتنازل الطوعي عن العقل.

لقد نظّر المتصوّفة والعرفاء، لمفهوم الإنسان الكامل، بناء على مبدأ: "الواحد لا يصدر منه إلا واحد"، ونظرية العقول العشرة التي تنسب لأفلاطون، ومفادها: بما أن العقل الأول / الله، المطلق بسيط من جميع الجهات، فلا يصدر منه إلا واحد، لأن (الواحد لا يصدر منه إلا واحد)، فصدر عنه العقل الثاني مع حيثية إضافية. وعن العقل الثاني صدر العقل الثالث مع حيثيتين، وهكذا حتى يصلون إلى العقل العاشر، العقل الفعّال الذي فيه جميع صور الأشياء. فكل عقل يكون واسطة في الفيض. وخطأ هذه النظرية أنها قاست وحدانية الله بالواحد العدد. إن الله الواحد يختلف مفهوما عن مفهوم الواحد في الفلسفة اليونانية. الله شديد المَحال، ليس كمثله شيء، لا تدركه الأبصار، فكيف ندرك حقيقته ونحكم عليه بأنه واحد، والواحد لا يصدر منه إلا واحد؟. ثم جاء المسلمون واستبدلوا العقول بشخصيات، فكانت الحقيقة المحمدية تقابل العقل الأول. وبهذا يكون الرسول / الإنسان الكامل واسطة في الفيض، ثم اختلفوا بالتالي، بين الأبدال عند المتصوفة، والأئمة عند عرفاء الشيعة. وهذا توجيه ثانٍ لمفهوم الإنسان الكامل. وكلاهما لا قيمة له علميا، ولا دليل عليه قرآنيا.

العقل لا يدرك ماهية الخالق فكيف يُسقط عليه رغباته؟. كانت فكرة صناعة الكرسي سليمة، لا غبار عليها، لا يختلف حولها إثنان. فكل من يبغي عملا ينطلق من فكرة وصورة ذهنيه، وبعد نضوجها يخطط لها، ومن ثم يوفر مستلزمات تطبيقها. ولو صح قياس فعل الخالق بفعل الإنسان، فهل ثمة طريق لمعرفة الحقيقة سوى الكتب السماوية، ولم تصرّح. وجاء في الكتاب: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ). والتفضيل دليل على بلوغ الكمال الذي أهّلهم للتفضيل، ولو بينهم كرسل وأنبياء. وعدم ذكر الآية للرسول محمد لا ينفي فضله. وهناك آيات فضلتهم بالاصطفاء، لكنها لم تقل أنهم غاية الخلق، ومقصده: (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)، (يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ). بل أشار القرآن لمنازل القرب يوم القيامة كالمتقين والأولين وأصحاب اليمين والصديقين، كما أشار إلى الخصائص المكانية التي تتناسب مع تلك الدرجسات دون الإشارة لمفهوم الكمال، بل هو جزاء عملهم في الدنيا. ثم من قال أن مفهوم الكمال عند الله هو نفس المفهوم الذي يتحدث عنه المتصوفة والعرفاء؟. فربما معاييره الكمال مختلفة، ولم يصرّح بها؟.

وعليه: هل الخليفة هو الإنسان الكامل الذي تتجلى فيه صفات من يخلفهُ (آدم التكوين بمصطلح الفلاسفة والعرفانيين)، كما جاء في السؤال؟: اتضح أن مفهوم الخليفة مفهوم محايد في انتسابه لهذا الفرد أو ذاك، وكل إنسان يصدق عليه مفهوم الخليفة. وبالتالي لا يأتي إشكال السؤال: أليس هذا الاستخلاف بوجود الخليفة والمستخلف مصداق لنظرية وساطة الفيض الإلهي التي لم تؤمنوا بها (حسب قراءتي لكتابكم مدارات عقائدية...)

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com


majed algharbawi3احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الثانية والسبعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

تقنية إدراك المعنى

ماجد الغرباوي: يمكن مقاربة التشابه بين الأسطوري والسماوي من زاوية سوسيوثقافية، رغم بشرية الأول وقدسية الثاني، لنفهم دور النظام الثقافي في تمثّل قصة الخلق، ودور الثقافة في فهم دلالات النص / الكلام، سيما المعاني المجازية التي لا يصرّح بها اللفظ. فالوسط الثقافي المشترك أو المتقارب شرط في إدراك قصد المتكلم، الظاهر والمضمر، ولازمه إدراك دلالاته المجازية ومختلف إحالاته الثقافية والنفسية وغيرهما. القارئ لا يتلقى مصفوفة كلمات وتراكيب لغوية فقط، بل تطرق سمعه ألفاظ مترابطة لها موسيقا وإيقاع، تولّد دلالات تستمد معانيها من خلفيته التي تمنحُ خصوبتُها إمكانيات تأويلية واسعة. ويتعذر عليه إدراك معاني الكلمات خارج ثقافته. أو يفهمه فهما حرفيا مخلا بدلالاته، كما يحصل في الترجمة الحرفية حينما يجهل المترجم ثقافة اللغة الثانية. ولهذا تبقى القضايا الميتافزيقية نسبية، لا حقيقة لها خارج النص والفضاء المعرفي للمتلقي، لعدم وجود وسط ثقافي مشترك سوى رموز ومعان مجردة ومفارقة، يختلف تمثّلها من شخص لآخر تبعا لثقافته وقبلياته وقدرته على التخيّل. فيساهم الفرد في تشكيل حقيقة القضايا النسبية وإنتاج المعنى. وبالتالي لا تستغني اللغة عن الوسط أو الإطار الثقافي لإدراك دلالات الكلام وفك شفرته. بين اللغة والثقافة علاقة جدلية، أحدهما يثري الآخر، هي محور الثقافة، والثانية إطار للأولى. فاللغة تتأثر بثقافة الفرد وخزينه المعرفي ومدى وعيه ومستوى إدراكه.

ويقصد بالثقافة ذلك المركب الكلي الذي يشمل الفنون والآداب والقيم والعادات والتقاليد والأخلاق. تنمو وتتطور داخل بيئتها ونشاطها الإنساني، الذي يمهّد لاستيعاب الكلام وفك شفرة دلالات النص، سلبا وإيجابا، ويحفّز على تفاعل المتلقي لا شعوريا، فيتجسّد ذلك من خلال مشاعره وسلوكه، وهو ومن تحكمه ذات الأطر الثقافية. فالأمثال يتعثّر إدراكها خارج بيئتها الثقافية، وكذا الحكايات والقصص، حينما تتضمن مصطلحات تنتمي لبيئة ثقافية خاصة، والسبب ليس في اللغة بل في دلالاتها الثقافية، فقد يفهمها بشكل مختلف. فنحن نستنطق النص بفعل خلفيتنا الثقافية وخزيننا المعرفي، فيتفاوت تأويله تبعا لتفاوت قبليات المتلقي. وفارق الفهم بين الصغار والكبار يؤمج ذلك.  إن عملية الفهم معقدة للغاية. الفهم حضور لا شعوري لقبليات السامع، بكل ما تحمل من دلالات وعلائق ترتبط بكلام المتكلم. فإيقاع الجملة يتردد صداه داخل بنية الوعي، وتتجاوب معه أنساق مضمرة تحدد دلالاته الثقافية من خلال مختلف الإحالات، سواء إحالات الذاكرة أو التحفيز الجسدي والسلوكي. وبهذا يتضح دور ذاكرة  المتلقي ومدى ثرائها في فهم دلالات الكلام. فعندما يستشهد المتكلم برمز تاريخي، يتفاعل معه المتلقي بقدر ما تحتفظ به ذاكرته عنه، وترتهن فاعلية التفاعل لصورة الرمز في الذاكرة، التي هي الأخرى تتحدد من خلال معايير خاصة بها. فثمة تداخل مدهش في عملية الفهم، وتشابك بين الأنساق المعرفية، أشبه بخوارزميات الكومبيوتر، وأكثر تعقيدا بمرونتها وحيويتها. وكل نسق يشكل بمقولاته منظومة أو كتلة معرفية مصغّرة، قد تصطف مع بعضها لتشكل كتلة أكبر. فكلام المتكلم حزمة ملعومات مكثفة داخل الجملة اللغوية، لها إحالاتها في ذهن السامع أو المتلقي. لذا تستفزه المعلومة الغريبة فيتمثلها من خلال خزينه المعرفي وفي داخل إطاره الثقافي. وهي قضية مرتبطة بقوانين اللغة وكيفية الإدراك. فعندما تصف نوعا من فاكهة غريبة يتمثلها السامع في ضوء ما تناوله من فاكهة. وتكون استجابته أسرع عندما تقارن بينها وبين انواع تشبهها. وهذا لا يعني أنه تذوقها حقيقة. وعندما تصف رمزا تاريخيا يتمثله المتلقي بثقافته وخزينه المعرفي، ويعيد تشكيل صورته وفقا لخلفيته. ويصح أنه يعيد تشكيل ما لديه من صفات. ويستدعي بيان وشرح وتوضيح الإفكار، خاصة المجردة، جهدا ذهنيا لتمثّلها، يرتهن تحققه لسعة خزينه المعرفي وثقافته. فالخطيب الناجح يوظف أمثلة ورموز ودلالات متداولة تسهّل عملية تمثّل الأفكار. وعندما يقصد ثيمة محددة، يستعين بجميع الوسائل الثقافية التي تشحذ الذاكرة، وتحفّز معارفها والاستعانة بها لإدراكها، فيلجأ للبيئة الثقافية ليضمن تفاعل المتلقي. ويسشهد مثلا برموز تاريخية تتمتع بقوة حضورها في الذاكرة الشعبية.  ويتخذ منها نموذجا لتجسيد أفكاره. فعندما يتحدث عن فكرة الحرية بمفهومها الحديث، وهي غريبة عن بيئة المتلقي، يستشهد بتجارب تاريخية تحتفظ بها ذاكرة  العقل الجمعي، يتمثّلها من خلال خلفيته وذاكرته التاريخية، خاصة عندما يختزل التاريخ بها. فتكون مقدسة، يستمد منها شرعية كل شيء، وعندما يستشهد الخطيب بسيرة الرمز، يقصد تقريب فكرته من خلال أقوال وسلوك الرمز التاريخي، وأيضا شرعنتها عند نسبتها بشكل غير مباشر له. فهو يخلع على أفكاره قدسية. وبشكل أدق يروم توجيه وعي المتلقي لأفكاره من خلال التستر بأقوال وسلوك الرموز المقدسة.  فقصدية المتكلم تحدد تقنيات الكلام، ووسائل التعبير، وما هو مناسب لتحقيق هدفه، كالابتعاد عن جرح مشاعر المستمعين، والاستشهاد بما يحبونه ويرغبون به. وخلاصة الكلام أن قوانين الفهم تستدعي وجود خلفية ثقافية وخزين معرفي بهما يدرك المتلقي دلالات الكلام، ومع كل تواصل يستدعي المتكلم المألوف من الأنساق المعرفية لفك شفرة اللفظ. وأقصد بالمألوف، المتداول يوميا الذي يقف وراء تبادر معنى دون غيره، بدون جهد ونظر. ثم كلما كان المعنى بعيدا يستدعي شيئا من التذكر والتأمل، حتى إذا تلقى صورة مجردة أو مفارقة استعان بما لديه من صور مشابهة يمكن من خلالها إدراك معنى مجازي، بفعل قوة التخيل وقدرته على الإبحار في فضائه. وهذا ينطبق على القضايا الميتافيزيقية التي يستحيل التأكد منها حسيا أو من خلال الدليل البرهاني أو الرياضي. وهذا اللون من الترابط يختلف عن الاقتران الأولي بين اللفظ والمعنى، ويقع ضمن تداعي المعاني التي هي بمثابة قرائن عند وضع اللفظ لمعناه، يقوم العقل بخزنها لترافق كل اقتران بين اللفظ والمعنى عند الكلام. لا تعني الكلمة بذاتها شيئا، ثم تكتسب معنى من خلال مجموعة قرائن ترتبط بها، فيرتهن معناها بما حولها من معان. وبشكل أدق لا معنى للفظ بذاته بل بغيره، فالقرائن هي التي تحدد معناه، ولا عقل يتعذر عليه فهمها بعيدا عنها. ولهذا شبه بملفات (web pag htmal) عند رفعها للويب سايت، فترفع معها فولدر، يشتمل نسخة ملف الورد الأصلية، ومجموعة ملفات صورة وغيرها، هي مجموع الشفرات التي على أساسها يقرأ المتلقي النص. فنحن نستخدم ملفات الكومبيوتر معرفة آلية عمله، وماذا يرافقه من قرائن. وكانت جميع الاوامر ظاهرة عند تنضيد الحروف في بداية ظهور جهاز الكومبيوتر، وقبل تصميم المتصفحات الحديثة. فمع كل جملة لغوية هناك قرائن مخفية يعي شفرتها العقل، وعلى أساسها يدرك معناها، من خلال خلفيته وخزينه المعرفي. وهذا ضمن قوانين اللغة، وآلية إدراك المعنى.

وعندما نستدعي ذاكرة الصحابة، لا نجد فيها سوى مكونات البيئة الثقافية المحيطة بهم، وهي ثقافة لها أعرافها وقيمها ورموزها وتاريخها وفنونها وأخلاقها وتعددها المنقسم بين الديني واللاديني. فيكون من الطبيعي اشتمالها على قيم الدين ومعارفه ورموزه وتاريخه وعقائده. خاصة مع وجود أهل الكتاب في البيئة العربية، وانتشار أساطيرهم وخرافاتهم. ومنها قصة الخلق، وتاريخ الإنسان. يدفعهم لذلك لا فقط فضول المعرفة، بل سؤال الوجود وهاجس الخلاص. والأهم امتزاج اللاهوت والناسوت في قصة الخلق، التي تستعيد قيمة الإنسان رغم أسطوريتها. وهذا أحد أسباب تعلقه بها. وأما السبب الثاني فهو بساطة ثيمة الخلق في مدونات أهل الكتاب وسرديات الثقافة الشعبية، حد التماهي معها رغم تدني المستوى الثقافي قياسا بما بعده من العصور. فهي قصة يمكن تمثّلها من خلال صناعة ونحت الأصنام، ويترك نفخ الحياة فيها للإله أو الآلهة، حسب معتقده، ليكتسب المخلوق قدسية رفيعة. غير أن الأمر بالنسبة للقرآن كان مختلفا، فثيمة الخلق تقوم على وحدانية الخالق وخلافة الإنسان، وهو اختلاف جوهري كما مرَّ الكلام عنه، وهذا يؤكد بطلان وقائعية أسطورة الخلق، فلم يستشهد بها سوى إشارة مجملة للعناصر المشتركة المتقدمة. فأمام الكتاب وهو يواجه هذا الواقع الثقافي، مسؤولية تحرير قصة الخلق من خرافتها، واستعادة البعد الإنساني لها مع ربط الفرد بخالقه والتأكيد على وحدانيته. ربط الإنسان بخالقه هدف أساس للأديان والكتب السماوية، ولازمه توحيده ونفي الشرك عنه، وتقويم ما سبق القرآن من عقائد أهل الكتاب: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ). والهدف الثاني الأساس بالنسبة للقرآن هو مركزية الإنسان ومراعاة مصالحه وهدايته. وكل واحد من الهدفين يحدد مسار فهم الدين وآيات الكتاب.

وبالتالي، وهذا ما نروم الوصول له، أن التداخل بين الأسطوري والسماوي، ليس تسريبا للأسطورة بل هو تراكم ثقافي عبر التاريخ، يمكن توظيفه لخدمة ثيمة القصص القرآني. وقد بينت هذا مفصلا. وقلت أن استراتيجية الكتاب بتصديق ما بين يديه من التوراة تقتضي تأكيد القصص، دون وقائعيتها، وشحنها بدلالات رمزية تنسجم مع ثيمتها. فالطين يبقى طينا، ويدخل كعنصر أساس ضمن نسيج وقائع السرد رغم مجازيته، ترتهن له كغيره حبكة القصص. ولو أراد القرآن سرد قصة الخلق بطريقة مغايرة، يضطر لمشتركات ثقافية تمهّد لفهمها، بينما كان العقل بسيطها لم يألف البراهين والأدلة الفلسفية، إلا بحدود المجاز والكناية والاستعارة والتشبيه وغيرها من تقنيات بلاغية. وخطاب القرآن (هَٰذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ)، نزل (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ)، ومعنى هذا أن الكتاب ارتهن فهم آياته لثقافة الناس ولغتهم، فخاطبهم بلغة يفهمونها، ويدركون معانيها مادام هناك وسط ثقافي يمهّد للتواصل المعرفي. بينما يستعين المتأخرون بمعاجم لغوية وروايات تراثية لتفسير القرآن وآياته. علينا عندما ندرس قضية دراستها ضمن ظرفها التاريخي وبيئتها الثقافية التي كانت تحتضنها، دون اسقاط الحاضر على الغائب والتاريخ.

لم أقصد بهذه المقدمة تبرير التداخل بين الأسطوري والسماوي، بقدر ما أريد فهمه، وتحديد موقع الأسطورة ضمن نظام اللغة والبيئة الثقافية عند تداول القصص. فهي بقوة حضورها، تشكل نموذجا معرفيا لتمثل قصة الخلق، ويمكن الاستعانة بها لتمرير ثيمة قصة الخلق بالنسخة القرآنية.

أكرر ما ذكرته سابقا أن العملية برمتها مرتبطة بمفهوم الوحي والنبوة، وكيفية تلقيه من قبل الأنبياء، وما هو دور النظام الثقافي في وعيه وفهمه وإدراكه وتفسيره؟ يبقى البحث مؤجلا لحين التطرق لمفهوم الوحي عندما يحين وقته. لكن على نحو الإشارة: المفهوم الأول للوحي ليس لديه مشكلة، فكلمة الله هي العليا. لا تهمه إشكالية التداخل بين الأسطوري والسماوي. والتدخل بالنسبة  للثالث شاهد على بشرية الكتب السماوية. وأما الثاني والثالث فوجود الأسطوري ضروري لتمثل المفاهيم المفارقة والتجريدية، على تفصيل بينهما. والأمر أكثر وضوحا بالنسبة لمنهج فهم القرآن ورمزية القصص القرآني الذي تبنيناه هنا، فتكون العبرة بثيمتها لا بوقائعيتها. وتوظيف الأسطورة، هو توظيف لرمزيتها لا وقائعيتها، مادامت راسخة في البيئة الثقافية. وبشكل أدق تكون آداة لنقل المعنى الرمزي وتفسيره. والأخير هو منهج هذا البحث منذ بدايته. والذي على أساسه تمت تسوية التعارض بين الديني والعلمي. بين نظريتي الخلق والتطور.

الخلق بين الدين والعلم

اتضح سابقا لا تعارض بين الدين والعلم، ولكل مجاله الخاص. وتقدم أن القرآن كتاب ديني يدور مدار هدفه. والكون بما فيه الإنسان خاضع لقوانين الطبيعة، لا أحد يمكنه تحديد منشأ خلقه علميا. بما فيها نظرية التطور، فإنها لا تبيّن أصل الحياة، ويقتصر دورها على بيان آلية تغيّر الكائنات بمرور الزمن، وأسباب انقراض بعض الأنواع.

تبقى مسألة: هل بالضرورة أن يكون أصل الإنسان قردا؟. ولماذا لا نفترض أن لكل كائن أصلا مستقلا بنفسه، رغم تطور عدد الخلايا في كل نوع. بمعنى أدق فكما هناك نوع "الأميبا" وحيد الخلية، يكون بجانبه نوع ثنائي الخلية، ليس بالضرورة أن يكون تطور عن الأول بل هو نوع مستقل بذاته. وهكذا يكون مسار خلق الإنسان مستقلا. وربما بدايته كانت نواة أولية، لديها استعداد كامل للتطور والتكيّف مع تحديات الطبيعة، وضروراته الحياتية. كان في بدايته يعيش كالحيوان، بإدراك عقلي بسيط، تطور بمرور السنين. وبالتالي لا ننفي التطور إذا كانت هنا أدلة وشواهد علمية كافية، ونختلف حول خلق الإنسان. هل هو نوع مستقل بذاته، تطوّر عبر الزمن؟ أم ليس نوعا بذاته، وقد تطوّر عن أسلاف تنتمي لفصيلة القرود؟ ومن ثم تأتي إشكالات الحلقة المفقودة، وتوقف الطفرة الوراثية، ولماذا تطوّر عقله دون سلفه؟. لذا رغم عدم اختصاصي في الموضوع لكن يبقى الأصل استقلالية الإنسان في خلقه ومساره التاريخي، ما لم يدل الدليل العلمي القطعي على خلافه.  والأصل هو مقتضى طبيعة الإنسان. ربما كانت بدايته نواة، لها قابلية واستعداد كامن للتطور والاستجابة لتحديات الحياة، ساعدت العوامل البيئية على تطورها. فكانت النسخ الأولى للإنسان مجرد كائن بدائي، محدود الحركة، ثم راح يتطور ببطء شديد. وبهذا سنتخلص من جميع الإشكالات، بما فيها إشكالات من نوع آخر. فهو تطور، ونوع أرقى لكنه مرَّ بجميع مراحل التطور البايلوجي بفعل قابليته واستعداده. ودليلنا وجود العقل والتصرف العقلاني الذي لا مثيل له عند الكائنات الأخرى، وليس للقرد أي تشابه، مهما أوتي من ذكاء بسيط لكنه يبقى حيوانا. والإنسان شيء مختلف جذريا.ثمة قضايا فطرية لدى الإنسان يختلف بها عن الحيوان، لو صدق انحداره عنه ينبغي أن يكون لها جذر فيه، وانتفاؤه دليل على ثبوت الأصل، ما لم يدل الدليل البرهاني على غيره. كوعي الذات والآخر، تطلعه لتطوير حياته، مشاعره الإنسانية، وغير ذلك. وماذاعن الصفات الوراثية التي يختص بها الإنسان؟

تأسيسا على ما تقدم: وبناء على استقلال النوع البشري:

- لا يأتي إشكال الحلقة المفقودة بين القرد والإنسان، مادام نوعا مستقلا، وكائنا موازيا لغيره من الأنواع. فمسار خلقه مسار مستقل.

- لا يأتي إشكال تشابه الإنسان القديم مع القرد، مادام تطوره استجابة لحاجاته وتحدياته. وقد مرَّ بجميع مراحل التحدي، وعاش في أحضان الأدغال والغابات والجبال والوديان، ولكل بيئة متطلباتها. ومهما كان فهو كائن حيواني، يعرّفه المنطق الشكلي: (الإنسان: حيوان ناطق). فهو في حيوانيته من جنس الحيوان، ويتأثر بالتحديات، وبينهما جملة تركيبات كيمياوية وحامضية مشتركة، لذا جميع التجارب تجرى أولا على القوارض، خصوصا الفئران...  قبل مدة طويلة، رقد معي في المستشفى رجل كبير من (Aborigines)، فأكد لي أحد الموظفين وجود فتحه في الجانب الأيسر من جسده، لم يبق منها سوى أخدود مندثر، خشيت الاقتراب منه بفعل قوانين الخصوصية، وكان المسؤول يشير لها من بعيد، ولم استطع رؤيتها بشكل واضح. وهذا يصلح شاهدا لتطور الإنسان، لكن ليس بالضرورة تطوره عن القرد، بل تطور كنوع مستقل*.

- لا يأتي  السؤال عن آدم وأطفاله وكيف قاوم الحيوانات المفترسة، لأن الإنسان الأول كان يعيش أشبه بالحيوانات ويعرف كيف يتدبره. هذا أولا. وثانيا، لا يوجد إحصاء لعدد البشر الذين تطوروا، وأكيد كانوا أعدادا كبيرة، فحافظوا على نوعهم الإنساني.

- لا يأتي لماذا توقف التطور. لأن نسل الإنسان قد تحسن، خاصة بعد مرحلة التجمعات السكانية التي لجأ لها بفعل طبيعته الاجتماعية وحاجته الماسة للتعاون. بشكل أدق بلغ الإنسان في تطوره مرحلة الكمال، التي هي نهاية كل تطور.

- لا تأتي إشكالية التنوع العرقي، واختلاف اللون والألسن. بل نستدل من التنوع انتشار النواة الأولى في مناطق واسعة من المعمورة. وجميع البشرية في مراحلها الأولى قد تأثرت بالتحديات الطبيعية والبيئة، وقد عاشت ظروفا مختلفة ومتشابهة. لونه يعكس المؤثرات البيئية على جسده. واختلاف اللغات، بسبب اختلاف طريقة التعبير عن حاجاتهم للتفاهم والتواصل والتعبير عن مشاعرهم، فبدأ الإنسان بلغة الجسد، ثم لغة الإشارة، وبالتدريج انطلقت الأصوات بفعل استعداده التكويني للنطق. وبالتالي من الإشارة والصوت والحاجة للغة تأخذ اللغة شكلها، ثم تنضبط وفق قواعد تسير عليها. وكل هذا دليل على استقلالية النوع الإنساني، فثمة استعدادات تكوينية وفطرية، تلازم وجود الإنسان، لا نجد لها أثرا في القرود لو كانت حقا أسلافا له.

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

........................

* موقع الجزيرة نيت: قدم العلماء الأميركيون دليلا جديدا على أن نظرية داروين في النشوء والارتقاء كانت خطأ، وذلك بكشف فريق عالمي من علماء أصول الجنس البشري من جامعتي كين ستيت وكاليفورنيا النقاب عن أقدم أثر معروف للبشر على وجه الأرض، وهو هيكل عظمي إثيوبي يبلغ عمره حوالي أربعة ملايين وأربعمائة ألف سنة أطلق عليه اسم "أردي". وأعلن فريق البحث أمس الخميس أن اكتشاف "أردي" يثبت أن البشر لم يتطوروا عن أسلاف يشبهون قردة الشمبانزي، مبطلين بذلك الافتراضات القديمة بأن الإنسان تطور من أصل قرد.

وكتب الباحثون في تقريرهم بمجلة ساينس أن "أردي" واحدة من أسلاف البشر، وأن السلالات المنحدرة منها لم تكن قردة شمبانزي ولا أي نوع من القردة المعروفة حاليا.

ويؤكد العلماء أن أردي ربما تكون الآن أقدم أسلاف الإنسان المعروفين، لأنها أقدم بمليون سنة من "لوسي" التي كانت تعد من أهم الأصول البشرية المعروفة.

https://www.aljazeera.net/news/miscellaneous/2009/10/3/%d8%a3%d8%b1%d8%af%d9%8a-%d8%aa%d8%b7%d8%b9%d9%86-%d8%a8%d8%b5%d8%ad%d8%a9-%d9%86%d8%b8%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%af%d8%a7%d8%b1%d9%88%d9%8a%d9%86

 

 

majed algharbawi1احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الحادية والسبعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

الخطيئة والعقيدة الدينية

ماجد الغرباوي: استأثرت خطيئة آدم باهتمام أهل الكتاب، ومثّلت ركيزة أساسية في العقيدة المسيحية، وقد شيّد الخطاب الكنسي على مفهومها عقيدة الفداء. وقالوا أن البشر قد توارثوا خطيئة آدم، وأرجعوا ضمن متبنياتهم العقدية كل شيء للخطيئة. وما من ظاهرة سيئة إلا وسببها الخطيئة الأولى. ويمكن دفع الخطايا بالاعتراف وشراء صكوك الغفران وحضور القدّاس في أيام الآحاد. وبهذا الشكل كرّست عقيدة الفداء سلطة الكنيسة ورجل الدين، وجعلت منهما الممثل الوحيد للرب، وواسطة خلاص ثمنها استعباد الإنسان وتحجيم إرادته وتفكيره. وقد مرَّ الكلام مفصلا عن الموضوع. وفي مقابل الخطاب الكنسي هناك الخطاب القرآني الذي ينفي وراثة الخطئية: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى). ويبقى الإنسان مرتهنا لعمله وفق ضابطة قرآنية: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ). فسواء عمل صالحا أو سيئا هو المسؤول عن عمله، ولا يؤاخذ أحد بجريرة غيره، مهما كانت درجة القرابة بينهما: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى. وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ. ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى). ولم يرتهن القرآن قبول عمل الإنسان للشفاعة، غير أن أيديولوجيا الفِرق والمذاهب استدعت تكريس الشفاعة كوسيلة لتعزيز رموزها الدينية، وإضفاء قدسية على مرجعياتهم، لأسباب أيديولوجية وسياسية. فأنعشت الشفاعة خزائن الأضرحة والمزارات الدينية وجيوب رجال الدين، طمعا برضا صاحب القبر وكسب وده لضمان شفاعته يوم الحساب. وهو فهمٌ يستمد شرعيته من كتب التراث، وخصوص الأحاديث الموضوعة لتضليل وعي الناس البسطاء، وامتصاص رحيق جهودهم. بينما الشفاعة قرآنيا منضبطة وفقا لمحددات تحدثت عنها آيات الكتاب، وليس الأمر فوضى كما يتصورون.

(الإنسان بطبيعته مسكون باليأس بسبب قساوة الحياة، فيبحث عن الخلاص سيما في ظل خطاب ديني مرعب، يبالغ في قساوة الإله. فهو جبار عتيد، يتربّص بالإنسان لينتقم منه لأدنى خطأ، فكيف والإنسان خُلق ليخطئ ويتعلم من خطئه. بل ويرث خطيئة أبيه آدم، بلا ذنب اقترفه، وفقا للفكر الكنسي. فلا شك أن في الفداء خلاص، وفي الشفاعة نجاة!!!. وأكثر من ذلك، ثواب وجنان!!. هذا هو الفهم الساذج للفكرة، الذي يحطّم الإنسان، ويكرّس التسويف واللامبالاة، ويخلق شخصية لا تكترث لتداعيات سيئات الأعمال. فمن يعتقد بوجود فداء وشفاعة مفتوحة لا يبالي ماذا يرتكب، فيمكنه الاغتسال من الذنوب أنى يشاء. وبمجرد الاعتراف بين يدي الكاهن تبرأ ذمته ويعود كيوم ولدته أمه، أو تنطفئ سيئاته من خلال المشاركة بالشعائر الحسينية فيدخل الجنة بلا حساب، وبإمكان الناس البسطاء أن يرووا لك عشرات بل مئات الأمثلة من أحلام ورؤى منامية ولقاءات بالأنبياء والصديقين تؤكد صدقية فهمهم). (أنظر كتاب: مدارات عقائدية ساخنة)

العنصر المشترك الثاني عشر: قصدية الخلق

اتفقت الأساطير والكتب السماوية على وجود هدف وقصد من خلق الإنسان. وثمة مسؤوليات تنتظره على الأرض، اختلفوا في تحديدها وأولوياتها. ولا أقصد بـ(قصدية الخلق) هنا، مرحلة التصوّر، قبل انتقال الشيء من القوة إلى الفعل، بل أقصد بها المحرك الأساس لجميع مشاهد الخلق حتى لحظة هبوطه لممارسة دوره المخطط له من قبل خالقه. جاء في الأساطير السومرية: (فخاطبته، "نمو أم إنكي إله الحكمة" أي بُني، أنهض من مضجعك واصنع أمرا حكيما. اجعل للآلهة خدما، يقدّمون لهم معاشهم). وفي الأسطورة البابلية يعلن الآلهة ثورة على وضعهم ويحرقون أدوات عملهم... ويطالبون بإنصافهم. فجاء الأمر بخلق الإنسان. وفي نص بابلي ثانٍ: (فلنخلق الإنسان ونوكله بخدمة الآلهة على مر الأزمان. سنضع في يده السلة والمعول، فيحفر الخنادق والترع، ويسقي الأرض بأقاليمها الأربعة، ...). فالقصد من خلق الإنسان وفقا للأساطير هو خدمة الآلهة، فيكون مبرمجا لهذا الغرض. فهو لا يعي بعد خلقه سوى أنه مخلوق للطاعة والعبودية. والأسطورة هنا تعكس قيم المجتمع العبودي الذي تنتمي له. وهو مجتمع قائم على ثنائية السيد / العبد. سيد يقوم بتدبيره وقن مسلوب الإرادة، لا يعي من وجوده سوى التبعية المطلقة لسيده، فوجوده بالغير لا بالذات، ولا معنى حينئذٍ للحرية والاستقلالية.

وفي قصة التكوين الأولى، وهي تبين فلسفة خلق الإنسان: (ويتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل الأرض ...)، فهو أيضا مخلوق للخدمة، وعليه تحمّل أعباء العمل. (أنظر كلا الشاهدين في كتاب: القصص القرآني ومتوازيات التوراة)

بينما طرح القرآن مفهوم الخلافة، كهدف أساس لخلق الإنسان، مهمته خلافة الأرض. لا لخدمة الآلهة، أو مجرد بشر يتولى أعباء العمل في الأرض، بل أمامه مسؤولية إنسانية: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً). ومفهوم الخليفة في الآيات يساوق مفهوم الإنسان، وكأن الآية تقول "إني جاعل في الأرض إنسانا"، وإنما اكتسب صفة الخلافة في قدرته على التصرّف: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ). وتأتي الآية التالية لتبيّن جانبا من مهام خلافة الإنسان: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ). فمفهوم الخلافة اعتراف ضمني بحرية الإنسان وإرادته واستقلاليته، وهي لوزام وجودية، بالقوة لا بالفعل، حيث يخضع في الثانية لمختلف المؤثرات الذاتية والموضوعية، وكل واحدة تمثّل سلطة توجه وعيه وسلوكه. فالحرية بالفعل تختلف عنها بالقوة. الثانية مجرد ملكة وإمكانية كامنة، فهي تحرر مطلق، يسبق الحرية الفعلية التي تتجلى من خلال السلوك. ثم تفقد بريقها تدريجيا مع كل قيد وتحدٍ، فيكون الإنسان محكوما بضوابط وقوانين وأنظمة وعادات وتقاليد، كل واحدة تمثّل سلطة توجه وعيه، وتتحكم بإرادته. وهذا لا يعني استلابه حدَ العجز عن تقرير مصيره، بل يبقى الإنسان مسؤولا عن سلوكه وتصرفاته. قادرا على تقرير مصيره بنفسه. وبالتالي ثمة فارق كبير حول قصدية خلق الإنسان بين الأساطير والقرآن مرورا بالتوراة. فالاشتراك بينها بالاجمال لا بالتفصيل. ولكل واحد منها مفهومه الوجودي الخاص. بذات القصدية التي هي ضرورة وجودية، يتوقف عليها وجود الشيء خارجا. وأما ما هيتها فتختلف لتصل حد التقابل بين الحرية والعبودية. بين الاستقلالية والتبعية.

التشابه مرة ثانية

اتضح بعد مقارنة شاملة لقصة الخلق، وجود ستة عناصر مشتركة بين أساطير الأولين والكتب السماوية. وخمسة عناصر مشتركة بين التوراة والقرآن، وتفرّدت قصص الأخير بالسجود لآدم. وهذا القدر من التشابه يكفي دليلا على تداخل الأسطوري بالسماوي. وإذا كانت استراتيجية القرآن قائمة على تصديق ما بين يديه من التوراة والأنجيل، فكيف نفهم التشابه بين الأساطير والتوراة في عناصر السرد القصصي؟ ألا يكفي هذا دليلا على بشرية الكتب السماوية ولو بخصوص القصص؟. ثم كيف يصدّق القرآن شيئا لا يعتقد بصحته؟.

لا شك بوجود فارق دلالي بين قصص القرآن بناء على رمزيتها، لكن الشبهة مستحكمة بناء على واقعيتها، رغم اكتفائه بإشارة مجملة لعناصر أسطورة الخلق دون تفصيلاتها سواء  في أساطير الأولين أو ما ذكرته التوراة. وقد ركزت الآيات على الحقيقة الإنسانية من خلال مفردات قصة الخلق التوراتية. وقد مرَّ تفصيل الكلام، وبينت لماذا صدق القرآن قصة الخلق رغم جذرها الخرافي. لكن يبقى تشابه السرد علامة استفهام كبيرة ما لم ننأَ عن وقائعية القصص، ونرتكز لرمزيتها ونتخذ من التأويل والتدبر منهجا في فهم الكتاب. لذا لا نريد نفي التشابه، فهو ثابت وصريح، ونطمح لفهم القصص لا تفسيرها تفسيرا وقائعيا. نحن أمام كتاب ديني له لغته وخصوصيته وتقنياته في التعبير عن ثيمته. وهناك فرق بين التفسير وفهم القرآن. وهناك منطق داخلي يحكم آيات الكتاب ويرد المتشابه إلى المحكم منها. غير أن منهج التفسير السائد يكرّس وقائعية قصة الخلق، ولم يقف عند إشكالية التداخل بين الأساطير والكتب السماوية: كيف تكون وحيا وتتضمن قصصا خرافية عن خلق الإنسان؟.

لا يمكن التخلص من إشكالية التداخل بين الأسطوري والسماوي، إلا بإعادة فهم الوحي والنبوة، ومعرفة التحديات التي كانت تواجه النبي من قبل قريش وأهل الكتاب. وقد أشرت لهذا أكثر من مرة. إذ جعل اليهود من وقائعية قصص الأنبياء معيارا لصحة نبوة النبي. فكان أمامه خياران، إما تكذيبها، ويخسر جولته مع قريش وأهل الكتاب، ومن ثم تسجل نكسة على صعيد الرسالة. أو يصدّقها إجمالا لا تفصيلا، ويلجأ لتقنيات اللغة كالمجاز والاستعارة والتشبيه لتمرير ثيمته. فيصرّح بخلق الإنسان من طين، وفقا لاستراتيجيته في تصديق ما بين يديه من التوراة، ويستخدم لفظ الطين مجازا للدلالة على الضعف والهوان، أي خلق الإنسان من شيء هيّن وضعيف لا قيمة له بنظركم، رغم عظمته. كما لم يكتف بالطين منشأ لخلق الإنسان، وعدد مناشئ أخرى لخلقه: الفخار والصلصال وماء ومن تراب ومن علق ومن ماء دافق، وفي هذا معنى بليغ لمن يدرك رمزية النص، ولو كان يريد المعنى الواقعي للطين فكيف يفترض مناشئ غيره؟. وبهذا يحقق جميع أهدافه، ويكسب الجولة. ثم من خلال آيات محكمات، يتدبر المتلقي الحقيقة. وهذا مقتضى اللغة الدينية ورمزيتها.

لم نلجأ طوال البحث في فلسفة الخلق للتبرير والبحث عن أعذار للدفاع عن القرآن والوحي، وما قمت به تقديم رؤية مغايرة لقصص الكتاب، وفق تقنيات اللغة والاستفادة من معطيات العلوم الإنسانية الحديثة. كل هذا في إطار الهدف العام للكتاب، باعتباره خطابا للإنسان. فيكون هو محوره وقصديته. ثم أن هدف القرآن ربط جميع الظواهر الكونية والحياتية بالعلة الأولى، مباشرة أو ضمن سلسلة العلل، وهذا يؤثر في فهمه. وسلسلة  العلل لا تنفي العقل ولا تسلب إرادة الإنسان، بل تضبط حركته ضمن القوانين الكونية والسنن التاريخة والاجتماعية. فالهدف النهائي من قصة الخلق ربط وجود الإنسان بخالقه، وبيان طرق الخلاص، وسبل النجاة وفق رؤيته الدينية. ولا علاقة لقصة الخلق بكيفية خلقه سوى التصديق الرمزي لما جاء في التوراة. وأما خلق الإنسان واقعا فهو خاضع كغيره من الموجودة لأسباب خلقه. وبالتالي لا تقاطع بين الدين والعلم حول ما يطرحه العلم. وتبقى النظريات العلمية مرتهنة لصدقيتها، وقدرتها على تقديم تفسيرات وأجوبة مقناعة لجميع الإشكالات. وهو اختصاص علمي، لا يتداخل مع الديني. وقد شهدنا من خلال البحث ومن خلال ما قدمته من تفسير لمشاهد الخلق أن القرآن كان يتحدث عن الحقيقة الإنسانية، ومميزات الكائن الجديد / الخليفة. وقد عبّر رمزيا عن مدى اهتمامه به، عندما جعل من خلقه حدثا كبيرا، لم يحصل لغيره من المخلوقات، دليلا على عظمته وأهمية دوره. وقد بدأ المشهد باستفزاز الملائكة، رمز الطاعة والانقياد والطهارة والنقاء والعصمة، فكانت الاستشارة استفزازا حقيقيا لمنزلتهم ومكانتهم، لأنهم يعرفون ماذا تعني الخلافة ومقامها العظيم، لذا كان استغرابهم من قرار الخلق مع وجودهم الطهراني النظيف. ثم أمرهم بالسجود له، وأقصى إبليس عقوبة له. وكان آدم / الإنسان قد أبهرهم باستعداده للتعلم ومعرفة الأسماء. وهم يجهلونها رغم قربهم وسموهم. فكل المشاهد كانت تسير باتجاه التعريف بالحقيقة الإنسانية وعظمة الإنسان.

لقد جاء السرد القصصي مدهشا، يسير باتجاهين، ظاهري وباطني. وقائعي ورمزي. صريح وغامض. يقبل التفسير والتأويل. يظهر ويخفي. يبوح ويحجب. غير أن العقل التراثي أَستأنس، كما هي عادته، بوقائعيتها انسياقا مع ثقافة القصص والحكايات التي تستهلك أوقات الناس، ويصغي لها المتلقي مدهوشا بسحرها وخوارقها دون التمعن بهدف السرد وفلسفة الخلق. ثم راح يوظف النص لصالح أيديولوجيته، على حساب رمزية القصص وثيمته. وهذا لا يقتصر على قصة الخلق بل هو منهج التراث في تفسير واستعراض قصص الأنبياء، حيث تقرأ معلومات لا مصدر لها، سوى ما تذكره كتب أهل الكتاب والتلمود. وعندما تقارن كتب القصص مع القرآن، تستغرب من هول المعلومات والتفصيلات، والنتائج التي تفضي لها القصة. لقد ارتكز القرآن في استعراض القصص إلى بيان ثيمتها رمزيا، لتحقق العظة والموعظة الحسنة.

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed al gharbawiاحمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة السبعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

الخطيئة

ماجد الغرباوي

العنصر المشترك الحادي عشر: الخطيئة

تعتبر خطيئة آدم وحواء، التي رسمت معالم الإنسان، جوهر قصة الخلق. فكانت الخطيئة قدره منذ أول ممارسة فعلية لحريته، حتى اتخذ منها الفكر الديني ذريعة لإدانته، وحرمانه منها، بعد محاصرته أخلاقيا، وهي نتيجة ينتهي لها كل من يرفض رمزية الآيات، ويجمد على حرفية النص. تارة جهلا، وأخرى حينما يرتهن تفسيرها لعقول يسبغ عليها من العصمة والكمال ما يمنحها صفة الإطلاق،على حساب إنسانية الإنسان. إن الفهم التراثي لخطيئة آدم بيان ضد الحرية، وإدانة الإنسان مدى الحياة، وهذا ما تقوم عليه فكرة الفداء الكنسي، ويرددها العقل التراثي في الأديان بعناوين شتى، لا تخرج عن إدانة الإنسان وضرورة التحكّم بحريته. ومنذ ذلك والإنسان يناصب نفسه العداء، ويعيش دوامة الاغتراب والقلق الداخلي، حدَ التناقض في سلوكه ومشاعره. ينسى الاتجاه التفسيري مشاعر الاغتراب التي عاشها آدم بفقده جزءا من حريته (وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ)، فتمرّد كان ردة فعل لا إرادية لمعرفة سبب النهي، الذي أفضى لحرمانه من الشجرة، فوقعت الخطيئة، وكان بإمكانه تفادي المعصية لولا نسيانه: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا)... ربما نسى مصدر النهي بسبب محدودية وعيه. أو نسى حقيقته، فتراخت عزيمته، ولم نجد له عزما. فهو لم ينس النهي وكان سببا لوساوسه. ثم دفعت حالة الاغتراب باتجاه تحري الحقيقة، بعد جدل داخلي، أو وسوسة شيطانية بالاصطلاح القرآني: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى). ويراد بالخطيئة اصطلاحا، "انتهاك المبادئ الأخلاقية والقوانين الإلهية". فتشمل معصية الخالق: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى). وتصدق معصية آدم وفقا لهذا التعريف. هذا هو ظاهر الآية، لكن ثمة دلالة ترتبط بحرية آدم بناء على رمزية القصص. تقدم بيانها وسيأتي الكلام.

والخطيئة عنصر مشترك بين التوراة والقرآن، كشفت عن جوانب ضعف الإنسان، حتى وهو يعيش عيشة مثالية في أحضان النعيم، مادام الخطأ كامنا فيه. هو ليس محض خير، ولا محص شر، بل استعداد كامن لكليهما، بالقوة لا بالفعل: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا). لكن لم تكن الخطيئة قدرا نهائيا، بل أنها تجربة يوظفها لتقويم مساره السلوكي، ويتدارك تبعاتها النفسية بالتوبة، وقد ضمن الخالق توبته، كي يواصل طريقه: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) .

ولكي يتضح تشابه قصة الخلق في الكتب السماوية، نستعرض النصوص المرتبطة بها في التوراة والقرآن، كما هو موضوع البحث.

جاء في التوراة:

[- وأوصى الإله آدم قائلا:

- من جميع شجر الجنة تأكل أكلا

- وأما من شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها،

- لأنك يوما تأكل منها موتا تموت].

ثم تتوالى أحداث الخطيئة مفصلا في التكوين، انسجاما مع واقعية القصص. وقد جعل أهل الكتاب مدى تطابق وقائع القصص دليلا على صحة نبوة محمد بن عبد الله، كما مرَّ بيانه في قصة أصحاب الكهف.

جاء في سفر التكوين:  

[- وَكَانَتِ الْحَيَّةُ أَحْيَلَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ الَّتِي عَمِلَهَا الرَّبُّ الإِلهُ، فَقَالَتْ لِلْمَرْأَةِ: «أَحَقًّا قَالَ اللهُ لاَ تَأْكُلاَ مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْجَنَّةِ؟»

- فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ لِلْحَيَّةِ: «مِنْ ثَمَرِ شَجَرِ الْجَنَّةِ نَأْكُلُ،

- وَأَمَّا ثَمَرُ الشَّجَرَةِ الَّتِي فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ فَقَالَ اللهُ: لاَ تَأْكُلاَ مِنْهُ وَلاَ تَمَسَّاهُ لِئَلاَّ تَمُوتَا».

- فَقَالَتِ الْحَيَّةُ لِلْمَرْأَةِ: «لَنْ تَمُوتَا!

- بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ».

- فَرَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ، وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ، وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ. فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ، وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضًا مَعَهَا فَأَكَلَ.

- فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ. فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ.

- وَسَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلهِ مَاشِيًا فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ، فَاخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ.

- فَنَادَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَقَالَ لَهُ: «أَيْنَ أَنْتَ؟».

- فَقَالَ: «سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ، لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ».

- فَقَالَ: «مَنْ أَعْلَمَكَ أَنَّكَ عُرْيَانٌ؟ هَلْ أَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ أَنْ لاَ تَأْكُلَ مِنْهَا؟»

- فَقَالَ آدَمُ: «الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ».

- فَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ لِلْمَرْأَةِ: «مَا هذَا الَّذِي فَعَلْتِ؟» فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: «الْحَيَّةُ غَرَّتْنِي فَأَكَلْتُ».

- فَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ لِلْحَيَّةِ: «لأَنَّكِ فَعَلْتِ هذَا، مَلْعُونَةٌ أَنْتِ مِنْ جَمِيعِ الْبَهَائِمِ وَمِنْ جَمِيعِ وُحُوشِ الْبَرِّيَّةِ. عَلَى بَطْنِكِ تَسْعَيْنَ وَتُرَابًا تَأْكُلِينَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكِ.

- وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ».

- وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: «تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ، بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلاَدًا. وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ».

- وَقَالَ لآدَمَ: «لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلًا: لاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ.

- وَشَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ، وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ.

- بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ».

- وَدَعَا آدَمُ اسْمَ امْرَأَتِهِ «حَوَّاءَ» لأَنَّهَا أُمُّ كُلِّ حَيٍّ.

- وَصَنَعَ الرَّبُّ الإِلهُ لآدَمَ وَامْرَأَتِهِ أَقْمِصَةً مِنْ جِلْدٍ وَأَلْبَسَهُمَا.

- وَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ: «هُوَذَا الإِنْسَانُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا عَارِفًا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ. وَالآنَ لَعَلَّهُ يَمُدُّ يَدَهُ وَيَأْخُذُ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ أَيْضًا وَيَأْكُلُ وَيَحْيَا إِلَى الأَبَدِ».

- فَأَخْرَجَهُ الرَّبُّ الإِلهُ مِنْ جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَ الأَرْضَ الَّتِي أُخِذَ مِنْهَا.

- فَطَرَدَ الإِنْسَانَ، وَأَقَامَ شَرْقِيَّ جَنَّةِ عَدْنٍ الْكَرُوبِيمَ، وَلَهِيبَ سَيْفٍ مُتَقَلِّبٍ لِحِرَاسَةِ طَرِيقِ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ]. سفر التكوين: (3: 1-24)

وجاء في القرآن:

- (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ، فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ، فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)

- (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا، وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى، فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى، إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى، فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى، فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى، ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى، قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى)

نخلص من خلال المقارنة بين نصوص التوراة وآيات القرآن، تشابه القصص في عناصرها الأساسية، وهي:

- اتخاذ الجنة سكنا لآدم وحواء.

- الصورة المثالية للجنة. (فيها ما يشتهون).

- النهي عن الاقتراب من الشجرة. (مشخّصة في التوراة، مبهمة في القرآن)

- الوسوسة (الحيّة ومن ثم المرأة في التوراة، الشيطان / إبليس في القرآن)

- الخطيئة وارتكاب المعصية  بالأكل من ثمرة الشجرة المنهي عنها.

- الخجل والآثار التكوينية للمعصية (ظهور سَوْآتُهُمَا، والشعور بالخجل، والتستر بورق الأشجار)

- عتاب الخالق لآدم (في التوراة،  خلال جولته في الجنة، وتخفي آدم خجلا. وفي القرآن: وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا..).

- الخروج من الجنة. (طرد في التوراة. وهبوط للأرض في القرآن)

فوارق جوهرية

اتضح من مقارنة النصوص وجود عدة فوارق، بعضها جوهري، بين التوراة والقرآن، هي:

1- البنية الخرافية للرواية التوراتية، حيث تنجح الحيّة في غواية حواء الإنسان، ومن ثم آدم الإنسان.  ويحسب للنص القرآني عقلانيته في قصة الخلق، حينما تجنب المنهج الوقائعي في السرد القصصي. وهذا فارق لافت. قد يقال أن التوراة محكومة لظرفها الزماني، والبيئة الثقافية آنذاك، وهذا صحيح، لكن نسبة التوراة إلى الرب الإله، يقتضي تجردها من الخرافة. بل أن رواية التوراة تمادت، فكان الله بشرا يتمشى في الجنة وراح يبحث عن آدم، ورمته بالجهل وعدم المعرفة، عندما سألهم عن مكان وعلة اختفائهما.

2- إن نسبة الوسوسة للحيّة في التوراة، ونسبتها للشيطان / إبليس، في القرآن، لا يشكل فارقا جوهريا، مادام كلاهما يرمز للشر وغواية الإنسان. (وَكَانَتِ الْحَيَّةُ أَحْيَلَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ الَّتِي عَمِلَهَا الرَّبُّ الإِلهُ). ويقول القرآن عن الشيطان: (وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ)، فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى). إما لطبيعة الشر الكامنة في الحيّة (أَحْيَلَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ). أو كان حقدا لتفضيل الإنسان على إبليس: (أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً). فالنتيجة واحدة. والوساوس وساوس نفسية تمثل صراعا مستداما بين الخير والشر. بين تنزيه الذات وإدانتها. فيتخذ الإنسان من الشياطن ذريعة لتنزيه الذات، ونسبة ما يقترف من سيئات لغوايته. وهو بهذا يدين نفسه حينما يتهم الشيطان بالغواية، ويعترف بضعفه. وكل هذا لا يخفى على خالقه، فقبل توبته، شريطة أن يبقى سويا. والشيطان رمز للشر منذ العصور القديمة، وليس حكرا على المنطقة العربية، اتخذه الإنسان شماعة يعلق عليه أخطاءه.

3- نسبت التوراة غواية آدم للمرأة (فَقَالَ آدَمُ: "الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ"..). بينما نسب القرآن غوايتهما (الزوج وزوجه) للشيطان. وكلاهما في شراك الغواية. غير أن توسط المرأة بين الشيطان وآدم / الرجل في التوراة تعكس ثقافة المجتمع العبودي، القائم على تهميشها، ورميها بالغواية والنقص العقلي. فهي وراء كل خطيئة بما فيها أخطاء الرجال، وهي مركز الشر والخطيئة. أو بشكل أدق أن خطيئة الرجل تغتفر بينما تبقى وصمة عار تلاحق المرأة. وهذا يعتبر فارقا جوهريا بين التوراة والقرآن. فارق لا يقتصر على الاجمال والتفصيل. بل ثمة نظرة عادلة في وحدة الخطاب الموجه لهما قرآنيا: (وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ، قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ). دون أن يغوي أحدهما الآخر. وهذا اعتراف باستقلاليتهما، وتحمّل المسؤولية الشخصية وفقا للمبدأ القرآني: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).

4- إن وصف الخلد للشجرة جاء على لسان الشيطان: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى). وبناء على أن الوسوسة نفسية داخلية، فإن الوصف مجرد وسوسة وتكهن. وأما القرآن فلم يصفها بأية صفة: (.. وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ). بينا جاء في التوراة: (وأما من شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها). وعليه ثمة فارق بين الإبهام والتشخيص، يكشف عن مدى تعلق التوراة بالتفاصيل ووقائع القصص دون ثيمتها. بينما الإبهام جاء منسجما مع رمزيته.

5- كان خروج آدم من الجنة نهاية مرحلة، وبداية مرحلة، بالهبوط إلى الأرض، وليست عقوبة كما يفهما التراث والتفسير السائد، لأن الله قد تاب عليه: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)، بل أكثر من ذلك: (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى). فهو بعد توبته شخصية جديدة، وأما الهبوط للأرض فهو قدره منذ بدء الخليقة، حيث الخلافة التي من أجلها خلق الله الإنسان، وليس عقابا. بينما اعتبرت التوراة خروج آدم من الجنة طردا، تعبيرا عن غضب الله عليه. وفارق واضح بين الغضب الذي أدى لطرده، وبين التوبة والاجتباء والاصطفاء. فآدم توراتيا طريد في الأرض. يكمل فيها عقوبته. وزد على ذلك، ثمة تبعات لحقت الحيّة وحواء وآدم جراء معصيتهما، وتبقى تلاحقهما مدى الحياة:  فَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ لِلْحَيَّةِ: «لأَنَّكِ فَعَلْتِ هذَا، مَلْعُونَةٌ أَنْتِ مِنْ جَمِيعِ الْبَهَائِمِ وَمِنْ جَمِيعِ وُحُوشِ الْبَرِّيَّةِ. عَلَى بَطْنِكِ تَسْعَيْنَ وَتُرَابًا تَأْكُلِينَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكِ.  وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ». وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: «تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ، بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلاَدًا. وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ».  وَقَالَ لآدَمَ: «لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلًا: لاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. وَشَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ، وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ. بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ».

 ثم جاءت الأناجيل، فنظّرت للخطيئة ضمن عقيدة الفداء. وهل الأناجيل فقط أم المذاهب الدينية بعناوين مختلفة؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawiاحمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والستون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

المرأة ومشهد الخلق

ماجد الغرباوي: إن لازم وحدة الخلق من نفس واحدة، كما في آية: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ)، وحدة النفس البشرية، ووحدة القيمة الإنسانية للذكر والأنثى. لآدم وحواء، غير أن الأمر بالسجود لآدم دونها، يثير استفهاما حول صدقية لوازمها، التي تشي بعدم استحقاقها السجود، لوجود فارق نوعي، قد يتعلق بإنوثتها وطبيعتها البايلوجية. وهذا يكفي لتكريس دونيتها وتبعيتها للرجل. ولا يخفى الانحياز في السجود له دونها. فهو انحياز للرجل، ليبقى سيد الحياة، وتبقى الأنثى هامشاً، تدور في فلكه، وتخضع لإرادته. وهذه المرة نتساءل عن العنف الذي يتستر بآيات الكتاب، وتغدو مرجعية يستمد منها المجتمع الذكوري شرعية قمع المرأة. فنحن أزاء نص مقدّس نعيد قراءته للوقوف على دلالته، ومدى صدقية الإشكالات المطروحة، التي هي إفراز لوقائعية القصص. غير أن المنهج المعتمد في تحري دلالات القصص القرآني يزعزع هذا الرأي رغم تداوله في كتب التفاسير، واعتماده ضمن المدونة الرئيسية للإسلام الرسمي، ويشكل إحدى مقولات النسق العقدي المألوف.

لا ريب بشمول الآيات الآمرة بالسجود للبشر، للذكر والأنثى، مادامت آيات مطلقة لم تخص آدم بالسجود: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ). فيقتصر الإشكال على السجود لآدم دونها. لنسأل عن سبب استبعادها. هل الأمر يتعلق بإنوثتها، أم بما هو أبعد وأعمق؟. علما أن الإشكال سينتفي من باب السالبة بانتفاء الموضوع، إذا احتملنا وقوع السجود قبل خلق حواء. وسيكون الآمر مقصودا في حالة التزامن، وهو الأرجح لمجيء آية: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) بعد السجود لآدم. لنسأل عن مبررات اختصاصه بالسجود دونها. وهو سؤال مشروعة. وفي نسخ التوراة أنه خلق حواء بعد أن وطن آدم في الجنة وقبل معرفة الأسماء.

لا شك نحن أمام نص متعالٍ في هيمنته وقدسيته وقدرته على ترويض الأسئلة. إضافة لقوة إيحاءاته التي تمهّد لقهر المرأة، واستلابها رمزيا، وتوظيف النص لتعزيز قيم المجتمع الأبوي. وهذا يفرض تدبّر دلالات النص، وفهم سياقاته، وفقا لمنهج فهم القرآن، والتركيز على رمزية القصص. وقد بينت أن قصة آدم تتحدث عن الحقيقة الإنسانية في شخص آدم، عبر سرد قصصي رمزي، يعبّر عن ثيمتها. فلسنا أمام حقائق واقعية تستدعي ترابط الأحداث بل لكل آية وظيفة رمزية ضمن هدف السرد. ومادامت الشواهد النصية تؤكد رمزية قصة الخلق، كما تقدم، فمن المقصود بآيات السجود؟ هل هو آدم الفرد أم النوع؟ فكما أن آدم اسم علم لأول رجل وطأت قدماه الأرض، يأتي صفة، مشتقة من أديم الأرض: (قيل سمي بذلك [آدم] لكون جسده من أديم الأرض. وقيل لسمرة في لونه). (أنظر: الراغب في: غريب القرآن). ويبدو هو المراد من لفظ آدم في القصة الثانية من سفر التكوين: (والحقيقة فإن كلمة آدم التي استخدمها سفر التكوين كاسم علم للرجل الأول، هي كلمة سورية قديمة، تدل على الإنسان بشكل عام، وتعني البشر، وقد وردت بهذا المعنى في أكثر من موضوع في نصوص مدينة أوغاريت. ومنها ما ورد في ملحمة كِرت، حيث نجد الإله الأعلى إيل يلقب بأبي آدم أي البشر، وبينما كِرت يبيكي وقع عليه السبات، بينما هو يذرف الدموع غلبه النعاس، ولكنه ما لبث أن أجفل، إذ ظهر له في الحلم إيل. في رؤاه. ظهر أبو آدم). (أنظر كتاب: القصص القرآني ومتوازيات التوراة، ص: 184 – 185). وهذا النص يبين تاريخ كلمة آدم. وأنها موضوعة للبشر. فظهر أبو آدم / ظهر أبو البشر. (واستوى في لفظ البشر الواحد والجمع وثُني... وعلي هذا قال: إنما أنا بشر مثلكم، تنبيها أن الناس يتساوون في البشرية، وإنما يتفاضلون ... "غريب القرآن، مادة: بشر". ولاحظ: كتاب الفوارق اللغوية أيضا)، ولم يميزوا بين الذكرى والأنثى، فيكون شموله لهما أمرا متفق عليه ضمنا. ويؤيده قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)، فصيغة الجمع في جعلناكم تعود للذكر والأنثى.

نعترف أن الحدود بين آدم الفرد وآدم النوع في قصة الخلق تستدعي فهمَ رمزية القصص لتحدي مداليل السرد، ومعاني الكلمات. ويبقى السياق قرينة على تحديد المعنى. ومن هذا المنطلق تكون الآيات التي أمرت الملائكة بالسجود للبشر بما هو بشر، قرينة واضحة على إرادة النوع من كلمة آدم في الآيات التي أمرت الملائكة بالسجود له، لوحدة الموضوع: هو السجود لما خلقه بيده. بمعنى أدق، لدينا آيات أمرت بالسجود للبشر، وجميع آيات خلق الإنسان تحدثت عن خلقه بما هو إنسان، وعندما نشك هل الآيات التي أمرت بالسجود لآدم كانت تقصد آدم الفرد أم آدم النوع؟. فنفهم من الجميع بينها أن المقصود هو آدم النوع / الحقيقة الإنسانية، ولا خصوصية لآدم الفرد سوى كونه مصداقا. فنحمل كلمة آدم على إرادة النوع بقرينة ما تقدم من آيات. ويتجلى هذا المعنى بوضوح في آية: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ). فالسجود هنا لآدم النوع، مادام الحديث عن خلق الإنسان بما هو إنسان بصيغة الجمع. فآدم لفظ يستخدم اسماً للمفرد وصفة للجمع، كما في آيات الخلق التي تتحدث عن خلق الإنسان، باستثناء آية واحدة فيها إشارة لآدم يمكن حملها على إرادة النوع دون الفرد، عند مقارنة خلق عيسى به. ولازمه أن الأمر بالسجود لآدم كان أمرا بالسجود للحقيقة الإنسانية، وسجودا (بمعنى الإعان والاعتراف) لآدم النوع / البشر / الإنسان. ولم تكن الآيات وهي تأمر بالسجود ناظرة للذكر والأنثى، وكانت تتحدث دائما عن الإنسان. والحديث عن الإنسان يستبطن الأنثى والذكر، ويستبعد الذكورة والأنوثة.

ومن يتأمل مشاهد الخلق بدءا من: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)، تدله ثيمة القصص أن الحديث يدور حول الحقيقة الإنسانية المتجسدة في آدم سواء الشخص أم النوع. ومراد الآية من "الخليفة" مطلق الإنسان، الذي سيرث الأرض، ويتحكم بخيراتها، ويمسك بأسباب تطور الحياة. فيكون آدم أول إنسان وطأت قدماه الأرض مصداقا له وفقا للرواية القرآنية. ويتأكد الأمر وفقا للمفهوم الرمزي للسجود كما بينته سابقا. وأعني به الإذعان للحقيقة الإنسانية المتجلية في آدم. إذ معنى السجود: الخضوع لمبرر رمزي أو مادي. وبعد أن تعلم آدم الكلمات، التي هي تجلٍ للعقل، استحق التبجيل لا تشريفا واعتبارا فقط، بل بمعنى الإذعان للعقل وقدراته الخارقة. إضافة لوعي الذات التي يختص بها الإنسان، والكائن الوحيد القادر على تطوير حياته. فسجود الملائكة يرمز للتفاعل الإيجابي مع العقل ومعطياته. كل هذا يدل عليه، مجيء طلب السجود بعد أن أنبأهم آدم بالأسماء، فالإنباء تجلٍ للعقل الذي فرض عليهم الإذعان، بعد الاعتراف بحقيقة جديدة اسمها الإنسان العاقل، الذي هو تجلٍ للعقل الكلي / الله، ونفحة من نفحاته القدسية. حيث كان الخطاب القرآني في مقام التحدي للملائكة عندما اعترضوا على خلقه. وهذا يؤكد رمزية السجود، لا واقعيته التي حار بتكييفها المفسرون والفقهاء. وبالتالي فالأمر بالسجود كان متوجها للحقيقة الإنسانية، وليس لآدم الشخص، كي يرمى النص بالتحيز. غير أن الأمر سيختلف مع التفسير الوقائعي لقصة الخلق، وسوف لن يجد العقل التراثي سوى الفهم الذكوري مبررا له، فهو عقل ينتمي لمجتمع أبوي، محكوم لقيمه وعاداته وتقاليده. ثمة نقطة جديرة، طالما أكد القرآن أن ما يتلقاه الأنبياء وحي: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا). فتختلف دلالات التلقي باختلاف قبليات الأنبياء وخزينهم المعرفي وثقافتهم ومستوى وعيهم: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم). فيكون النبي شريكا في انتاج المعنى بناء على مفهوم الوحي الثاني والرابع. وما يتمثلها من مفاهيم مجردة ومفارقة يخضع لإكراهات التأويل.

العنصر المشترك التاسع: وعلم آدم الأسماء:

اختلفت صيغة استطلاع الملائكة بين التوراة والقرآن كما تقدم، وباختلافها اختلف الرد الإلهي، فبينما كان جواب الإله الرب بعد اعتراض الملائكة: (فقال لهم من أجل مَن خلقت طير السماء وسمك البحر وحيوان الأرض؟. وما نفْع وليمة أعدت فيها كل الطيبات، وما من ضيف يتمتع بها؟)، كان جواب الخالق في قصة الخلق: (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ). والأجوبة جاءت متسقة مع فلسفة الخلق التوراتية والقرآنية. الأولى كان هدف الخلق تولي آدم أعباء العمل في الأرض، والسيطرة على الطير والحيوانات والبحار. فجاء الجواب مناسبا له. بينما فلسفة الخلق قرآنيا قائمة على جعل خليفة في الأرض، والفارق واضح بينهما، فأتى الجواب منسجما مع وعي فلسفة الخلق، فقال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ. ووقع الاختلاف في أسلوب التحدي، مع الاتفاق على موضوعه. أي معرفة آدم بالأسماء، وجهل الملائكة بها.

ولم تتحدث الأساطير عن الأسماء وتعلمها، وقد اكتفت بسرد أسطوري لمراحل خلق الإنسان، في إطار فلسفة الخلق القائمة على خدمة الآلهة، بشكل تكون تلك الخدمة هدفا أساسا لخلقه، ومعيارا لاستقامته، وحينما تتجلى الآلهة في الملوك كما في مجتمعات العبيد، تغدو خدمة الملك معيارا للاستقامة والاخلاص، وهو إيذان بتفويض السلطة السياسية حق التحكم بمصير الإنسان. وهي فلسفة نابعة من قيم المجتمع العبودي. وبالتالي لا يحتاج الإنسان لتعلم الأسماء، مادام منقادا بطبيعته، ولا ضرورة لها، فهو كائن يصغي ويتلقى. وهذا ما  دأبت عليه الأيديولوجيات الدينية وغيرها، تغرس في معتنقيها روح التبعية لعقول مطقة / معصومة، يقتصر فيها دور المتلقي على الإصغاء والانقياد.

لقد نسجت التوراة حكايتها على أساس وقائعية القصص الديني مطلقا. فجاء في القصة الثانية من سفر التكوين: (وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ مِنَ الأَرْضِ كُلَّ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ وَكُلَّ طُيُورِ السَّمَاءِ، فَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ لِيَرَى مَاذَا يَدْعُوهَا، وَكُلُّ مَا دَعَا بِهِ آدَمُ ذَاتَ نَفْسٍ حَيَّةٍ فَهُوَ اسْمُهَا. فدعا آدم باسماء جميع البهائم، وطيور السماء وجميع حيوانات البرية). (سفر التكوين 2: 19). وأول ملاحظة أن مصدر معرفة الأسماء هو آدم وليس الرب الإله: (فَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ لِيَرَى مَاذَا يَدْعُوهَا). وآدم لم يتعلم، ولم يعلمه الرب الإله، وهو من وضع الأسماء للمخلوقات، وهي رؤية مثالية لآدم، تكون معها علومه "لدنية"، ليست مكتسبة. ولم تبين التوراة كيف أطلقها، وما هي مصادر معرفته. كما أن القصة لم تشر لاستطلاع الملائكة، لأنها لم تذكره أساسا. وقد اشتمل كتاب "الهاجاده" تفصيلات إضافية: (بعد أن أسكن الله آدم في الجنة أراد أن يثبت للملائكة الذين عارضوا في خلق آدم تفوقه عليهم، فجمع حيوانات الأرض وعرضها عليهم لينبؤه باسمائها، ولكنهم عجزوا عن ذلك، ثم عرضها على آدم بعد أن علّمه أسماءها وحيا، فسماها آدم باسمائها). (القصص القرآني ومتوازيات التوراة، مصدر سابق، ص: 188). وهنا اختلف السرد عن سفر التكوين، فالله هو مصدر معرفة الأسماء، وكان الهدف من تعلمها تحدي الملائكة، ولتعريف بآدم وقدرته على التعلم. فثمة تطور واضح في وعي المعرفة ومصادرها.

وفي القرآن: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ). وهنا تتفق الآيات مع ما جاء في الهاجاده، أن الله مصدر معرفة الأسماء، وأنها جاءت في سياق تحدي الملائكة وبيان عجزهم أمام آدم، تؤكده نهاية الآيات. غير أن مصفوفة آيات الكتاب لم تشر لموضوع الأسماء، وأجملت بقولها: وعلمه الأسماء كلها، وهو اختزال يتناسب مع ثيمة القصص، وعدم الاسراف في سرد أحداثها. خلافا لنسخ التوراة التي ذكرت أصناف الحيوانات، لأنها تلاحق تفصيلات وقائعيته.

وقد مرَّ الحديث عن دلالة وعلم آدم الأسماء كلها. ملخّصه: إن تعلّم آدم للأسماء كلها، تعبير آخر عن استعداده التكويني للتعلّم واكتساب المعرفة. ولا خصوصية لها وما هي حقيقتها كما هو دأب العقل التراثي الذي يهتم بجزئيات لا علاقة لها بجوهر الأشياء. وكل الأسماء لا تعني بالضرورة كل مفردة من أسماء الوجود أو أسماء ما يحيطه من أشياء وصور ذهنية، بل تعني القابلية والقدرة على التحليل والتشخيص وانتزاع الصفات وتسمية الأسماء. نفهم هذا من كلمة "علّم"، ولم يقل أخبره بالأسماء كلها، كي لا يكون دوره مرآتياً، يردد ما سمعه. فكان يُنبئهم بها بما أودع الله فيه من قابليات المعرفة، وتعدد الطرق لاكتسابها، لذا كان الجواب: أعلم ما لا تعلمون، فثمة استعدادات في النفس البشرية أهلت الإنسان ليكون خليفة في الأرض. فمعرفة آدم للأسماء إحدى مشتركات السرد القصصي بين التوراة والقرآن، إجمالا لا تفصيلا.

العنصر المشترك العاشر: الجنة:

لم ترد الجنة في النص البابلي الثاني الذي تحدث عن (أوليجار وألجار)، وكانت فلسفة الخلق فيها محدودة. ثم تحدثت القصة الثانية من سفر التكوين عن الجنة، سكناً لآدم. كما في أدناه:

(- وغرس الرب الإله جنة في عدن شرقا، ووضع هناك آدم الذي جبله،

- وأنبت الرب الإله من الأرض كل شجرة شهية للنظر وجيدة للأكل

- وشجرة الحياة في وسط الجنة

- وشجرة معرفة الخير والشر ...

- وأخذ الرب الإله آدم ووضعه في جنة عدن، ليعملها ويحفظها.

- وأوصى الإله آدم قائلا:

- من جميع شجر الجنة تأكل أكلا

- وأما من شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها،

- لأنك يوما تأكل منها موتا تموت.

- وقال الرب الإله ليس جيدا أن يكون آدم وحده فأصنع له معينا نظيره). (سفر التكوين: 2).

والملاحظ في هذا النص أن حيثيات الجنة مشخصة، تقع في عدن شرقا، فهي جنة أرضية. وتأتي في مشهد الخلق قبل معرفة آدم الأسماء. (أنظر سفر التكوين: 2: 1-25). بينما سكن آدم الجنة بأمر الخالق بعد معرفة الأسماء وبعد السجود له. وتضيف الهاجاده عناصر أخرى لقصة سفر التكوين: (ولقد خرج آدم من يد الخالق إنسانا تام التكوين في العشرين من عمره، فأسكنه في جنة عدن ليحفظها ويرعاها، لا بواسطة عمله الجسدي وإنما من خلال دراسته للتوراة، والتزامه وصايا ربه. هذه الجنة قد زرعها الله  في عدن شرقا وذلك في اليوم الثالث من أيام التكوين). (القصص القرآني ومتوازيات التوراة، مصدر سابق، ص:187 - 188). ثم راح يصف الجنة ودرجاتها السبعة، وكيفية استقبال الملائكة للرجل المؤمن، وما يحيطونه من تبيجل وتقدير، وكيف يلبسونه المجوهرات والحرير. وأغلبها قد وردت بصيغ أدبية مغايرة في القرآن.

وتحدثت آيات الكتاب عن الجنة التي سكنها آدم:

 (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ

وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا

وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ).

وقد أشار القرآن إلى جنات عدن، بصيغة الجمع، لا جنة عدن كما في الهاجادة: (وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). ويراد بـ"عدن"، لغة: (الثبات والاستقرار)، فتأتي صفة (أنظر في غريب القرآن، وغيره)، وليست موقعا محددا يسمى بعدن. وهذه نقطة مهمة. وجاء وصف القرآن للجنة ترغيبا من خلال عدد كبير من الآيات (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ)، (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ، يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ، لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ).

نخلص أن الجنة عنصر مشترك بين القرآن والتوراة، رغم اختلاف بعض التفاصيل، غير أن المتفق عليه أن آدم سكن الجنة رفقة زوجه، وكان مكانا مثاليا.

لكن ينبغي التنبيه ثمة فرق بين القصص التوراتي والقرآني، هو ذات الفرق بين الواقعي والرمزي. وقد أشرت إلى مفهوم مختلف للجنة بناء على رمزية القصص. هو أنها مرحلة حضانة، عبّر عنها بالجنة، في إشارة إلى مثاليتها، ليغلق الباب أمام أي مبرر مادي لارتكاب المعصية، سوى نفسه. فالجنة أو الحياة المثالية كانت أجواء مثالية ومناسبة لاختبار العقل، وإرادة الإنسان، وهما شرطا الخلافة، التي كانت الهدف الأساس وراء خلق الإنسان. فوصف الجنة يأتي وصفا للمكان المثالي. وهو وصف متداول بين الناس لوصف البيوت المثالية في موقعها وخدماتها وتجهيزاتها. وهي دلالة تنسجم مع رمزية القصص، وتساهم في تعزيز ثيمتها. لذا لم يحدد القرآن مكان الجنة لأنه غير مقصود بذاته، وإنما جاءت وصفا لشروط الحضانة المثالية لاختبار خصائص الإنسان.

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi14احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والستون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

ماجد الغرباوي: إضافة لما تقدم:

العنصر المشترك السادس: استطلاع الملائكة:

وردت قصة استطلاع الملائكة في كتاب الهاجادة، وهي نسخة غير رسمية من التوراة. ولم ترد في سفر التكوين ضمن قصتي الخلق، ومفادها: لما استطلع الله رأي الملائكة جاءت ردودهم سلبية، ليست بصالح خلق الإنسان، لأنه: (سيكون ممتلئاً بالكذب والخداع، ميّالا إلى الخداع والخصام. فقال لهم من أجل مَن خلقت طير السماء وسمك البحر وحيوان الأرض، ... فأجاب الملائكة ...). (المصدر نفسه، ص: 187).

وفي القرآن: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).

ولا ريب في تشابه الحوار بين الله وملائكته حول خلق الإنسان / آدم. وقد تصادقا على: توقيت الحوار، اعتراض الملائكة، أسباب الاعتراض، وتحديهم من قبل الله. غير أن موضوع الحوار يستدعي التأني في مقاربة القصص لتحري أية دلالة ممكنة. كان موضوع الحوار في الهاجادة "خلق آدم"، لا باعتباره مصداقا للإنسان، بل باعتباره الإنسان الأول المكلّف بعبء مسؤولية الأرض. بينما كان موضوع الحوار في الكتاب حول جعل خليفة في الأرض وآدم سيكون مصداقا لهذا الخليفة. ولم يجر حوار حول خلق الإنسان النوع أو الإنسان الفرد. وهذا فارق مهم في وعي موضوع الحوار. التوراة تتحدث عن قضية شخصية محددة، فتلاحق خطوات الخلق ووقائعه، بينما موضوع الحوار في القرآن دار حول مشروع خلافة الإنسان في الأرض. فيكون التركيز على هدف الخلق لا تفصيلاته ووقائعه. وهكذا تحدثت باقي الآيات عن خلق الإنسان النوع، مطلق الإنسان إلا إشارة في آية: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ). ولا يمكن الجزم بأن المراد من آدم الفرد المصطفى، فربما يراد به النوع أيضا، إذ يأتي آدم من أديم الأرض وهي صفة للبشرية.

فالتناص بين التوراة والقرآن لا ريب فيه، وقد اقتصر على مفهوم الحوار وطرفيه: الله / الملائكة. واختلفا حول موضوعه وتفصيلاته. والفارق الجوهري بينهما ثراء مفهوم الخلافة، فهو لم يخلق إنسانا ليتحمل أعباء مشاق الأرض، بل يريد خليفة للأرض. ولا يخفى فارق الدلالة بينهما. وقد مرَّ الكلام حول مفهوم الخلافة. وسنشير له ثانية. 

العنصر السابع: السجود

ليس الأمر بالسجود عنصرا مشتركا بين أسطورة وقصة الخلق. وقد جاء في سياق آيات الخلق، حيث سجد الملائكة إلا إبليس. ولا تخفى دلالات السجود، عندما يكون لغير الله بأمر إلهي. أنه تجلٍ لعظمة المسجود له. وقد تحدثت الآيات عن جهتين أمر الله الملائكة السجود لهما:

 الأول: الأمر بالسجود للبشر: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)، (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ). ويقصد بالبشر الطبيعة البشرية، قبل تجلي معالمها الإنسانية، (مشتق من البشارة، وهي حسن الهيئة)(ينظر معجم الفوارق اللغوية). إذ تجلى بعد خلقه وتسويته مخلوقا عظيما في هيئته. ويأتي السجود تعظيما لخالقه، بأجلى صور الخشوع والرهبة التي عبر عنها بـ"فقعوا له ساجدين". شخصيا استبعد عود الضمير في "فقعوا له" إلى البشر المخلوق، إذ لا يصح السجود لغير الله: (لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ). فالسجود بحسب الاستحقاق للخالق، والأمر بالسجود هنا جاء بعد خلق البشر. فيكون التقدير فقعوا لله ساجدين تعظيما لخلقه. فدلالة السجود هنا دلالة حقيقية وليست مجازية، تؤكدها فقعوا له، فهو سجود عبادة، يختلف عن سجود أخوة يوسف عندما رفع أبويه على العرش: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ)، فهو لغة سجود، لكنه سجود تعظيم واحترام وتقدير، وليس سجود عبادة وخشوع وخشية، لحرمته لغير الله. فتكون دلالته مجازية. وبالتالي فكما يحتمل عود الضمير إلى البشر، يحتمل أن يراد به السجود لخالقه. فليس بالضرورة أن يعود الضمير للأقرب دائما فقد يعود لغيره، يمثلون لذلك بمجموعة آيات، منها:  (لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا). فلا يصح عود الضمر لله باعتباره الأقرب، بل يعود للشيطان.

الثاني: الأمر بالسجود لآدم: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ). فهل هو سجود ثانٍ، يختلف عن سجود الملائكة للبشر؟. أم سجود للبشر من خلال السجود لآدم؟.

لا يوجد ما يؤكد الثاني. فثمة أمران، أحدهما (فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ)، وهو تعبير رمزي، تعظيما لخَلق الله الذي تجلى في خلق الإنسان / البشر. بينما يختلف سياق السجود بالنسبة لآدم، (اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ)، وهو تعبير رمزي عن الاعتراف بالحقيقة الإنسانية المتجلية في آدم. وإذعان للعقل، الذي هو تجل للعقل الكلي، حيث لا يجوز السجود لغير الله. فالسجود لآدم إذعان واعتراف بقيمة العقل. وبالتالي فمعنى السجود الخضوع لمبرر رمزي أو مادي، وآدم بعد أن تعلم الكلمات، التي هي تجلٍ للعقل، استحق التبجيل لا تشريفا واعتبارا فقط، بل بمعنى الاعتراف والإذعان للعقل وقدراته الخارقة. وقد جاء في الخبر: (لما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل، ثم قال له أدبر فأدبر، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا هو أحب إلي منك، بك آخذ، وبك أعطي، وعليك أثيب). وفي خبر آخر: (بك أثيب وبك أعاقب). فالإذعان للعقل ليس تشريفا بل هو حقيقة الإنسان / آدم، فسجود الملائكة يرمز للتفاعل الإيجابي مع العقل ومعطياته، في مقابل إبليس الذي تنكر للعقل. فالاختلاف بين صيغتي السجود ودلالاتهما الرمزية تعد قرائن على تعدد السجود. خاصة أن الأمر بالسجود لآدم جاء بعد خلق الإنسان مطلق الإنسان، وهو ظاهر قوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ).

وفي كلا الآيتين يرفض إبليس السجود، بمعنى الاقرار والاعتراف والإذعان للعقل الذي على أساسه منح الإنسان الحرية والإرادة. وقد تسبب موقفه بسخط الخالق عليه. وهي حالة تتكرر، كان وما يزال رمزها إبليس، ومصاديقها كل من يتخلى عن عقله، تحت أية ذريعة كانت. خاصة العقل التراثي الذي يرفض الانفتاح على آفاق العلم والمعرفة ويدمن التقليد والانقياد الأعمى. العقل مدار إنسانية الإنسان وسموه. جاء في حديث قدسي، مخاطبا العقل: "بك أثيب وبك أعاقب".

العنصر المشترك الثامن: خلق حواء:

تؤكد التوراة على خلق حواء من ضلع آدم: (فأوقع الرب الإله سباتا على آدم فنام، فاخذ واحدة من أضلاعه، وملأ مكانها لحما، وبنى الرب الإله الضلع الذي أخذه من آدم امرأة، وأحضرها إلى آدم "التكوين: 2-22"...)، (ودعا آدم اسم امرأته حواء، لأنها أم كل حي "التكوين 3: 20"...). فهي ليست إنسانا مستقلا بموازاة الرجل، بل امتدادا وجوديا له، فهو أصلها. ولا تخفى لغة اختزال المرأة في النص التوراتي. (ومع خلق آدم، خلق الله جميع أرواح البشر، الذين سيتسلسلون من صلبه إلى يوم القيامة، وحفظها في  مكان خاص من السماء السابعة). (الهاجادة، مصدر سابق). ومرة ثانية تعود التوراة لتؤكد أن الذكر أصل البشرية، والمرأة ستكون مجرد تابع وجودي له، وبهذا يؤكد النص التوراتي انتسابه لقيم المجتمع العبودي، التي تسحق المرأة وتعتبرها جزءا من متاع الرجل ليس لها وجود مستقل. يتصرف بها كيفما يتصرف بممتلكاته.      

ولم يصرّح القرآن باسم حواء. ولم يدعِ أنها خُلقت من ضلع آدم، وأكدت آياته على وحدة الطبيعة البشرية للذكر والأنثى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا). (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء). فالبشرية وفقا للآيتين خُلقت من نفس واحدة، وطبيعة واحدة، ومنها خلق زوجها، ليسكن لها وينسجم معها. والآيتان تستبطنان ردا على دعوى التوراة: أن حواء خُلقت من ضلع آدم. لذا استغربُ من نسبة أحاديث للرسول تؤكد خلق حواء من ضلع آدم، مع عدم وجود أية إشارة قرآنية، وهذا يكفي للتشكيك بصحة صدورها، كقوله: (.."استوصوا بالنساء خيرا فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرا" البخاري). (وقال: "إن المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها" مسلم). وهي أحاديث تكرّس دونية المرأة، وتؤكد امتدادها للخطاب التوراتي، وبالتالي سوف لن تختلف النتيجة مع الآيتين، فالدونية هي الدونية، ولم يختلف شيء سوى صيغة الخطاب. وذلك حينما يراد بصيغة الجميع خصوص الرجال. وتعني خلقكم من نفس واحدة، أي خلق الرجال من نفس واحدة. وخلق منها زوجها، أي المرأة. وهو تفسير يكرّس تبعية المرأة للرجل وجودا من خلال علاقة طولية يتوقف فيها وجودها على وجوده. مما يؤكد التناص بين القرآن والتوراة ومن قبلهما إحدى الأساطير البابلية. خاصة والخطابات الدينية دأبت على تقديم الذكر على الأنثى: (َأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى).

لكن يمكن تقديم مقاربة مغايرة من خلال سياق الآيات، بعيدا عن المرويات الدينية ومدونات التفسير، التي تركّز على وثائقية الحدث. فعندما نتأمل الآيتين: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا). (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء). لانجد أية إشارة لخصوص الرجل دونها، سوى صيغة جمع المذكر، وحمل لفظ "زوجها" على خصوص المرأة. وهذا هو المتبادر بحكم إشاعة هذا النوع من الخطابات في اللغة العربية، وقد أكدت بعض التفاسير على إرادة خصوص آدم وزوجها حواء من الآية، باعتبارهما أصل تناسل البشرية، واستشهدوا بآية: (يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّة). فآدم وحواء أبوا البشرية: (وبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء). في مقابل من ذهب إلى أن الآية مطلقة، لا تخص آدم. (أنظر تفسير الميزان، ج4، ص:135 وما بعدها). فالآيتان ليستا صريحتين، ويبقى التدبر منهجا للكشف عن مضمرات النص، وما يريده. وهذا يقتضي التعرّف على دلالات "جمع المذكر" لغة. هل يراد به خصوص الرجال دائما، أم أن الغالب هو "تغليب التذكير" في كلام العرب؟.

مفاهيم لغوية

تدل صيغة جمع المذكر السالم على جمع من المفرد المذكر / مجموعة أو جماعة الذكور. وأيضا يستخدم للجمع المختلط من الجنسين على سبيل تغليب المذكر. وعليه، إذا اشتمل جمع من الإناث على ذكر واحد أو أكثر يصبح وجوبًا في حكم جمع المذكر. يقتضي رد التحية بصيغة جمع المذكر: (وعليكم السلام)، من باب التغليب رغم غلبة الأناث. وهذا يعكس قيم المجتمع الذكوري، رغم تبريرهم أن الذكر أخف من الأنثى لفظا. وهي لغة سابقة على نزول القرآن، وبما أنه (لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِين) فهو محكوم بالسياقات الثقافية والعرفية للغة. وربما لهذا السبب ترك الآيات مطلقة، ليتمكن الباحث من إدراك المعنى بعيدا عن إكراهات الثقافة واللغة. فالمراد بـ"خلقكم" خلق جميع البشرية. أو خصوص الخلق الأول، ذكورا وأناثا. وقد تكررت صيغة الجمع في آيات الخلق، ويراد بها الذكر والأنثى، ما لم تدل القرينة على غير ذلك، فيكون الأصل من صيغة الجمع في هذه الآيات إرادة العموم، عموم الذكر والأنثى. ولو كان يقصد خصوص الذكور لصرّح بذلك، وفقا لمقدمات الحكمة. ولو قيل إنه عوّل في خطابه على الفهم العرفي فيكون قرينة داخلية على إرادة الخصوص دون العموم. مادام العرف يفهم من صيغة الجمع إرادة الرجال دون النساء. أقول لا دليل على هذا، بل الأكثر إرادة التغليب من صيغة جمع المذكر. ولو قيل أن الأصل إرادة الذكور ما لم تدل القرينة. وهذا صحيح لكن ليس دائما، وربما العكس هو الصحيح، فلا يمكن أن يكون قاعدة وقد استخدم القرآن كلتا الصيغتين، تارة يريد به خصوص الذكور، كقوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ). فالتغليب محتمل لولا وجود قرينة خارجية على استثناء النساء، فيختص الخطاب بالرجال. وفي آية أخرى يكون الأمر أوضح: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ). فكيف أدخل مريم بالقانتين وهو جمع مذكر؟. (إِلا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ)، (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ، (وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ). وحينئذٍ، حينما نوجه خطابا بصيغة جمع المذكر (قانتون)، فهل يشمل مريم أم لا؟.

نعود للآيات مورد البحث، فالنفس الواحدة (خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ)، تكون شاملة للذكر والأنثى، بموجب صيغة التغليب في اللغة العربية. ولا دلالة في الآية على أسبقية الذكر، سواء كان الخطاب موجها لنوع الإنسان أم لخصوص آدم من خلال نوعه الإنساني. وأما الجزء الثاني من الآيتين فيتوقف على معرفة معنى كلمة "زوج" لغة.

يراد بكلمة "زوج" لغة: (الزَّوْجُ: كل واحد معه آخر من جنسه). وفي القاموس المحيط: (هُما زَوْجانِ:- صِنْفانِ مِنْ نَوْعٍ واحِدٍ، شَكْلانِ مُتَماثِلانِ، مَثيلانِ). وجاء في لسان العرب: (زوَّج الشَّيءَ بالشَّيء/ زوَّج الشَّيءَ إلى الشَّيء: قرنه به:- {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ}: قُرنت بأجسادها أو بأشكالها أو بأعمالها). فالزوج لغة القرين. فيصدق على كل من الرجل والمرأة، أنه زوج للآخر. أي قرينه ومثيله. الرجل قرين المرأة، وهي قرينته. فالآية لا تخاطب خصوص الذكر أو الأنثى، بل جاءت مطلقة، (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا). (وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء). فالزوج في الآية الأولى يسكن لزوجه، مثيله في الخلق، وقد خلقا من نفس واحدة، كي يتحقق السكن، ولو كان هناك تنافر أو اختلاف، فلا يتحقق السكن، بمعنى الاطمئنان التام، والاستقرار النفسي والروحي. ولا يختص الاطمئنان النفسي بأحدهما دون الآخر. فكما المرأة سكن للرجل، فهو سكن لها، بل تكون أكثر طمأنينة عندما تكون بين أحضانه، لذا جاءت الآية مطلقة، تستدعي شيئا من التدبر لإدراك معانيها السامية. وهنا تجدر الإشارة أن كل آية جاءت ضمن سياقها لتحقق ثيمة السرد بلاغيا ومعرفيا، ولازمه عدم احتكار المعنى بما يلائم قبليات المفسّر، حينما يستدل بآية ضمن سياق مختلف على معنى آية ما. وهذا واضح في الآيات التي أكدت خلق الإنسان، مطلق الإنسان من ذات الطبيعة البشرة وفطرتها:

- (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، فالآية جاء لتناسب الآية الأولى التي تتحدث عن تناسل وانتشار البشرية وحاجتها للعلاقة الإنسانية، وتحتاج إلى أكثر من السكن، تحتاج للمودة والرحمة، لذا اختتمت بقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، فثمة مضمرات ودلالات في النص تتطلب جهدا فكريا متواصلا دل عليه مجيء الفعل مضارعا، مستمرا، يتفكرون.

- (وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ). والآية هنا جاءت في سياق محاججة الكافرين وتنكرهم لنعمة الله. وهكذا الآيات الأخرى، كل واحدة جاءت ضمن سياق، يجب قراءتها ضمنه، ليؤدي السرد غرضه. إذ أكدت مرارا أن النص القرآني يختار ما يناسب هدفه من تراكيب كلامية، ويستخدم الأقوى إيقاعا على مسامع المتلقي.

بينما تختلف دلالة "الزوج" عند الحديث عن آدم الفرد، حيث يشكّل قرينة على انصراف لفظ "الزوج" إلى حواء، كما في قوله: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ، وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ، فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ.

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com


 

majed algharbawi13احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة السابعة والستون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

صدقية التناص

ماجد الغرباوي: بعد تحري الدلالات الرمزية للطين والتراب وغيرهما من مفردات، ثمة عبارة في آية تستوجب التوقف عندها، لوجود علاقة وثيقة بما سبقها من آيات: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ). فقد يفهم منها مباشرة خلق الإنسان من الطين وبيد الله مباشرة. كما هو الحال في أسطورة الخلق، فتتأكد شبهة التداخل بين الأسطوري والسماوي. سيما مع وجود قرائن حافة بالآية تشكّل قرينة عليه: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ، فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ، قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ، قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ). والتقدير: "ما منعك يا إبليس أن تسجد لما خلقت بيدي من طين". لكن رغم القرائن لا توجد دلالة صريحة في المقام، لدلالة اليد على معانٍ مجازية مستعملة لغة، حتى في الكتاب الكريم، كقوله: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء). (وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ). فلفظ اليد، كما في هذه الآيات، استُعمِلَ مجازا في غير معناه الموضوع له، ليكون سياق الكلام دالاً على المعنى المجازي، كقوله: (فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)، (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير)، (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله)، (قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ). فالمراد باليد القوة والقدرة والكمال والسلطة والإرادة. وبالتالي لا يمكن حمل اليد في الآية موضع البحث على معناها الحقيقي، لما تقدم من أسباب، إضافة لاستحالة المباشرة بيده على نحو الحقيقة، وامتناع صدق التجسيم عليه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)، (وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ)، (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ). ثم تأتي رمزية الطين ودلالته ضمن سياق القصص القرآني لتنفي المعنى الواقعي للآية المتقدمة. وعليه لا دلالة فيها على المباشرة، ولا تصلح بنفسها شاهدا على تداخل الأسطوري بالسماوي. بل أن حبكة القصص الرمزي تقتضي اشتمال السرد على مشاهد حسية، تستدرج القارئ لوقائعها وأحداثها، لتمرير ثيمتها.

الآية أشارت إلى خلق الإنسان بيد الله، وتجنبت مباشرة الخلق كما جاء في الأساطير. فتوظيف اليد في المشهد القصصي جاء تصديقا التوراة، دون إهدار لثيمة القصة. والأمر يختلف بالنسبة للأساطير وما جاء في التوراة. الأولى تم عجن دماء أحد الآلهة بالتراب، ومن خميرته خُلق الإنسان، بحركة يد دالة على مباشرة الفعل دلالة حقيقية: "يُقتل أحد الآلهة ويُعجن لحمه ودمه بالطين، الذي يصنع منه جسد الإنسان، وبذلك يتحد الإله والإنسان في جسد واحد". (وتقدم المصدر عن كتاب: القصص القرآني ومتوازيات التوراة). والأمر ذاته بالنسبة للتوراة، في القصة الثانية من سفر التكوين الآنف ذكره. وأيضا جاء في "الهاجادة"، وهي نسخة غير رسمية للتوارة: (أرسل الله الملاك جبرائيل وأمره أن يأتيه بأربع قبضات من تراب جهات الأرض الأربع، ثم عجنها بيده وسواها في هيئة الإنسان). (المصدر نفسه). بينما لا تجد في القرآن سوى (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)، (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي). وكلاهما لا يستفاد منه مباشرة الخلق بيد الله، بناء على رمزية اليد، ومفهوم التسوية الذي يعني تقويم الخلق وتصويره بشكل أحسن الخالقين.

وبالتالي، في كل آية من الآيات التي اشتملت على مفردة الطين ومثيلاته، جاءت بعيدة عن وقائعية السرد وأحداثه، ضمن سياق بلاغي منسجم مع الغرض الرسالي، الذي يرنو لتحقيق مجموعة أهداف من خلال التأثير على مشاعر المتلقي، وإثارة مكامن الوعي وتحفيز العقل. فالآيات كانت بصدد حسم ثنائيات العقيدة، وكان الكتاب ملزما بطرح أدلته، فيختار الأقوى إيقاعا على مسامع المتلقي، من خلال صورة بلاغية تجسّد فارق المفاضلة بين ضعف التراب ورفعة الإنسان. وهذا خطاب ينسجم مع البيئة الثقافية. ولو أنه اختار خطابات لم تَرعَ البيئة الثقافية فستؤول للفشل، غير أن البيئة العربية بيئة أدبية، تتذوق الصور البلاغية وتتأثر بها. جاء في وصف الوليد بن المغيرة للقرآن بعد أن أصغى لها: (والله، إن لقوله الذي يقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى، وإنه ليحطم ما تحته)، وكلامه شاهد على تذوق العربي للصور البلاغية وتأثره بشاعريتها. الوليد كان معروفا بموقفه من الرسالة. لكنه أذعن لا شعوريا لبيان وبلاغة الآيات. وهذا أحد أسباب استجابة العرب لرسالة النبي محمد. فالعربي مهما كان معاندا يذعن عندما يصغي لآيات الخلق وهي تقارن بين وضاعة الطين وعظمة خلق الإنسان. أعلن أم لم يعلن ذلك. الإيمان شيء والتأثر بجمال اللغة وبلاغتها شيء آخر.

نكتفي بهذا القدر من آيات الخلق، ويمكن للقارئ تدبّر ما تبقى منها، وفق ما توصل له البحث من مقدمات.

التناص بين أسطورة وقصة الخلق:

مازلنا بصدد معالجة شبهة تداخل الأسطوري بالسماوي، لتشابه السرد بين  الأساطير والكتب السماوية. وقد اتضح (في أولاً) أن أسطورة وقصة الخلق جاءت في سياق أسئلة الوجود، والسؤال عن أصل الإنسان ومصيره، وسُبل خلقه، وقد قدم كل منهما رؤية أنطولوجية عن بداية الخلق. وهي رؤية بشرية في الأساطير، وتنسب للخالق في الكتب السماوية، فثمة تشابه وتغاير في السرد القصصي. وأما في (ثانياً)، فقد عالجنا تشابه مشهد الخلق بما هو خطوات عملية. أي ذات عملية الخلق، قبل صيرورته إنسانا. والآن نتابع مشهد الخلق، وتشابه السرد في جوانب أخرى.

العنصر المشترك الثالث: لحظة الخلق:

نقارن هنا صيرورة الإنسان بعد هيكلته من الطين. أي لحظة الخلق والصيرورة، التي اختلفت من رواية إلى أخرى:

1- في الأسطورة السومرية، يغدو الطين إنسانا بعد خلقه وإبداعه شبيها للآلهة: (وجرى صنع الإنسان على صورة الآلهة). (المصدر نفسه).  وبما أن صورة الآلهة صورة متخيلة، فإن خلق الإنسان تجلٍ للمخيال البشري. وعندما ندقق في أداء الأسطورة لا نجد تصويرا إبداعيا للحظة الخلق وصيرورة الطين إنسانا سوى شبهه بالآلهة.

2- وفي الأسطورة البابلية، كما بينت سابقا، يكتسب الإنسان الحياة من اتحاد اللاهوت بالناسوت: (يعجن دم ولحم الإله المقتوم بالطين الذي يصنع منه جسد الإنسان). (المصدر نفسه). وهو تطور في وعي الإنسان للخلق، حينما أسند الخلق ولو بشكل غير مباشر للآلهة، لعالم غيبي، يتفاعل خيال الإنسان مع ثراء دلالالته، باعتباره شريكا في حقيقته. إذ سبقت الإشارة: لا حقيقة للقضايا الغيبية خارج النص والفضاء المعرفي للمتلقي. فالخيال هو الذي يحدد ملامحه في ضوء حزينه المعرفي، وقدرته على التحليق عاليا في سمائه.

3- في التوراة يختلف الأمر جذريا:

أ- القصة الأولى تقول: (وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا... فخلق الله الإنسان على صورته،  على صورة الله خلقه). (التكوين: 1: 26 - 29). وهي تقابل الأسطورة السومرية. تجعل من شبه الله علة لخلق الإنسان. فالشبه بذاته يكون علة تامة لخلق الإنسان، دون وجود تفصيلات كافية. وهذا القدر من التشابه، يثير علامات استفهام حول تسرّب الأسطوري في التوارة.

ب- وأما رواية القصة الثانية فقد جاء فيها: (وجبل الرب الإله آدم ترابا من الأض، ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار آدم نفساً حيةً). أي فصار آدم بعد نفخ نسمة حياة في أنفه إنسانا. فنسمة الحياة الإلهية كانت علة خلق آدم. لتفترق هذه الرواية عن سابقاتها بإسناد الحياة إلى نفخ نسمة الحياة من قبل الله تعالى للجسد الطيني، فصار إنسانا، والشيء الثاني، انتقل الحديث من النوع (الإنسان)، إلى الفرد (آدم)، وهو تحوّل مهم في وعي الذات، فلم يعد المخلوق عنوانا عاما، ومفهوما عائما، وغدا مشخصا بآدم أبي البشرية، والإنسان الأول. والنفخ بهذا الشكل طارئ على قصة الخلق، ونقطة انعطاف في تاريخها.

4- لا يختلف القرآن عن التوراة حول مصدر حياة الإنسان، فالنفخ هو النفخ: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ). غير أن اختلاف التفاصيل تعبير عن الفارق بين الواقعية التي اتسمت به الرواية التوراتية ورمزية القرآن. الأولى تقول نفخ في أنفه نسمة حياة، فثمة مباشرة وحركة حسية تتجلى فيها أفعال الله تنسجم مع منهج التوراة التي ترهن صدق القصص إلى الوقائع والأحداث، واعتبرت هذا شرطا في صدقية نبوة محمد بن عبد الله. فالتوراة تحكي أحداثا واقعية من خلال صيغة السرد ودلالات الألفاظ. بينما يختلف القرآن في منهجه، يُبهم الوقائع ويهتم بثيمة القصص: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ). فاكتفى بنص مكثّف: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي). فاكتسب الإنسان الحياة بنفخة من روحه. فالله هو مانح الحياة. وبدلا من تفصيلات التوراة أحال القارئ على مفهوم تكويني: (كن فيكون)، (إذن الله)، كما في قصة عيسى وخلق الطير. فلحظة الخلق تتحقق بـ(كن)، أو (إذن الله)، وهي صورة موحية جدا، تشبع فضول الباحث، وتصرف نظر المتلقي إلى ثيمة القصص، من خلال منهج القصص القائم على استراتيجية تصديق ما بين يديه من التوراة والإنجيل، وجعل العبرة والموعظة غاية القصص. وأما الفارق الآخر، فهو تركيزه على الإنسان النوع في جميع آيات الخلق، والإشارة إلى آدم وفق مقتضيات القصص. وينبغي الإشارة ثمة مشتركات بين الكتب السماوية، لذا رماها بالتحريف دون التكذيب المطلق: (مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ). وبالتالي نقرأ هنا وعيا للذات يختلف عن سابقه.

العنصر المشترك الرابع: حوار الخلق:

لا شك بوجود شكل من التناص بين أساطير الأولين والكتب السماوية، إجمالا أو تفصيلا، مما يؤكد شبهة التداخل بينها، ويدعو لتحري حقيقة حوار الخلق، الذي رافق عملية خلق الإنسان. وهي مجموعة حوارات جرت بين الآلهة أو بين الله وملائكته، وبينه وبين آدم، وإبليس. ولا يكفي مجرد الحوار شاهدا على التداخل بين الأسطوري والسماوي، فثمة تفصيلات في القصص القرآني غير مذكورة في التوراة وأساطير الأولين، كما هنا اختلاف في طبيعة الحوار، من الأدنى للأسمى أو من الأعلى للأسفل:

- كانت مبادرة الحوار في الأسطورة السومرية، من الأدنى (الآلهة) إلى الأعلى (إله الحكمة)، حينما ناشدت الآلهة (إنكي) إله الحكمة، ليجد لهم حلا بعد أن تعبوا من تحصيل معاشهم في الأرض. وعندما لم يستجب لهم، خاطبوا أمه. فهو أيضا حوار من الأدنى للأعلى.

- وكانت المبادرة في الأسطورة البابلية من الأدنى إلى الأعلى: أعلنت الآلهة المكلفة بالعمل في الأرض ثورتها، وطالبت الإله (إنليل) بإنصافها.

- وهناك حوار في نص بابلي آخر (أنظر المصدر السابق)، بين الآلهة حول خلق الإنسان: (فبعد الانتهاء من فعاليات التكوين، اجتمع الآلهة وتساءلوا عما بقي عليهم خلقه، فقال بعضهم لبعض ...). فهو حوار بين أنداد، بعيدا عن التفاضل.

- وأما التوراة: القصة الأولى خالية من الحوار: (وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا...). والثانية أدرجت تعليمات الإله إلى آدم: (وأوصى الإله الرب آدم، قائلا: ...)

- وفي كتاب الهاجاده، دار حوار بين الله وملائكته. من الأعلى إلى الأدنى. وهناك تفصيلات، ذكرها المصدر السابق نقلا عن كتاب الهاجاده.

- وأما حوارات قصة الخلق في القرآن، فكانت مبادرة خالصة من الخالق، من الأعلى إلى الأدنى، عندما استطلع رأي الملائكة حول جعل خليفة في الأرض من خلال حوار، تحفظوا فيه على قراراه: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ، وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ). وحوار ثانٍ مع إبليس عندما امتنع عن السجود لآدم: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ، قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ). بهذا يفترق القرآن بتفصيلاته الحوارية، وشخوص الحوار، وموضوعاته. خاصة مع إضافة حوار إبليس مع آدم عند غوايته. فهو حوار الخالق، حوار من الأعلى إلى الأدنى. ولا ريب أن حوار الخالق مع المخلوق، يمنح الإنسان الخليفة مكانة وجودية رفيعة. وقد مرَّ بيان دلالات الحوار في جميع مفاصله. ولا يمكن نفي التناص في أصل فكرة الحوار، إلا في تفصيلاته ومقاصده. وهذا القدر من التناص، لا يصلح شاهدا على تداخل الأسطوري بالسماوي، لتوقف مطلق السرد القصصي عليه. الواقعي والرمزي على السواء. الشاهد يتقوم بنسبة تشابه السرد ووحدة التناص، ولا دليل عليه مع وجود هذا الكلام من التفصيلات.

العنصر المشترك الخامس: موضوع الخلق:

اختلفت السرديات حول موضوع الخلق، هل هو النوع أم الفرد. الإنسان  أم آدم الشخص:

 - جاء في الأسطورة السومرية: (نزل إنكي عند مشيئة أمه، وأعطى تعليماته بخصوص صنع الإنسان ...)، ينوب عن الآلهة في أعباء الأرض. فالمخلوق هو الإنسان. نوع الإنسان دون مشخصات.

- وهذا ما أكدته النسخة البابلية أيضا: (حيث يتم قتل أحد الآلهة، ويعجن لحمه ودمه بالطين الذي يصنع منه جسد الإنسان، وبذلك يتحد الإله والإنسان في عجينة واحدة).

- وفي نسخة بابلية ثانية، تتحدث الأسطورة عن خلق الزوجين الأولين، آدم وحواء، ويدعوهما أوليجار وألجار. (أوليجار وألجار سيكون اسمهما). (أنظر المصدر نفسه).

- وأيضا ما ذهبت له القصة الأولى من التوراة: (وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا... فخلق الله الإنسان على صورته)

 - وفي القصة الثانية: (وجبل الرب الإله آدم ترابا من الأرض)، من هنا بدأ ظهور آدم ثم حواء: (وقال الرب الإله ليس جيدا أن يكون آدم وحده، فأصنع له معينا نظيره).

- وأما القرآن فقد تحدثت آياته عن خلق الإنسان والبشر. وأشارت لآدم كمصداق للإنسان والبشر، وقد مرت جميع آيات الخلق: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا)، (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ).

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi12 (1)احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة السادسة والستون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

مفاهيم الخلق

ماجد الغرباوي: إلحاقا بما تقدم في الحلقة السابقة حول مداخل التأويل، نضيف:

خامساً: جميع آيات خلق الإنسان من طين جاءت مجملة، خالية من وقائع الخلق وتفصيلاته كما مرَّ في الأساطير، واكتفى الكتاب بإشارة مبهمة، يتبادر منها، أنه خلق هيكلا طينيا، بمعنى أبدعه، كما مرَّ بيانه، ثم قال له كن، فكان إنسانا سويا. فهل نحته، وسوّاه وعدّله كما يسوي النحات تماثيلهم، ثم نفخ فيه فصار إنسانا بأمر تكويني؟. أم أراد بهذا مثلا لتقريب فكرة الخلق، بناء على  رمزيتها؟.

سادساً: ثمة مناشئ أخرى لخلق الإنسان، أشار لها القرآن: (سلسلة من طين، طين لازب، صَلْصَالٍ، حَمَإٍ مَّسْنُونٍ، ماء، تراب، علق، نطفة). مما يؤكد وجود مشترك مفهومي، يمكن للعقل انتزاعه، ويكون هو المقصود دلالة. فيأتي التنوّع لتمويه الواقع وتمرير ثيمة القصص، مادام الحق معها عندما تكون رمزية، ومع تطابق الواقع عندما تكون واقعية.

سابعا: جميع الآيات باستثناء آية: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)، تحدثت عن خلق الإنسان بما هو إنسان، فيكون آدم في الآية مجرد مصداق لمفهومه. أو يشار به لنوعه، وطبيعته. ولازمه عدم التمسك بظاهر الكلام. إذ تحدثت الأساطير عن كيفية خلق الإنسان الأول، وليس نوع الإنسان. والتوراة تحدثت عن خلق آدم وحواء. بينما القرآن تحدث عن خلق الإنسان، وتحدث عن آدم قبل هبوطه الأرض. بمعنى أدق لا مبرر لحمل آيات خلق الإنسان على خلق آدم الشخص، المشار له في آية: (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)، بل الآخير سيكون مصداقا وفردا للإنسان النوع، كما هو واضح من الخطاب في آية (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ). فهل خلق كل فرد من طين، أم الحديث عن نوع الإنسان وآدم أحد مصاديقه؟.

إذاً، بناء على:

- رمزية قصة الخلق،

- وأن القرآن كتاب ديني، بعيدا عن العلم ونظرياته،

- وأن السرد القصصي سرد أدبي، وليس وثائقيا أو تقريريا

- وأن المراد بالخلق تارة الإبداع وتارة الإيجاد من عدم،

- وأن جميع آيات خلق الإنسان جاءت مجملة،

- وأن القرآن قد أشار إلى غير الطين مصدرا لخلق الإنسان،

- وأن خطاب الخلق موجه للإنسان، مطلق الإنسان.

يمكن وفقا لهذه المقدمات إدراك ثيمة القصص في إطار مشاغل الدين وهمومه الرسالية، التي منها أسئلة الوجود، وتقديم إجابات حول أصل الإنسان ومصيره، وما يحط به من ظواهر مؤرّقة كالموت وما بعد الموت، وإضفاء معنى لحياته ووجوده. وأي تأويل خارج إطار مشاغل الدين يضع الباحث في دوامة تكهنات بعيدة عن روح القرآن، كأسلمة العلوم، والتوفيق بين الدين والعلم. أوتقويل الآيات خرافيا، أو تكريسها لمصالح أيديولوجية. وهذا لا يمنع استلهام قيم القرآن، والتأسيس عليها. أو بناء منظومة أخلاقية وقيمية. الكلام عن التأويلات التعسفية القسرية التي تضر بمصداقية الكتاب، والتي نعتها بالتأويلات السلبية، في مقابل التأويلات الإيجابية لتحديد رمزية الآيات. إن التفسير في إطار دور الدين يضع الآية في سياقها الديني، ويسمح بتأويلات لا ترهق النص، سوى الانتقال من حقل دلالي إلى حقل دلالي تأويلي يكشف مكامن العبرة والموعظة، التي هي هدف أساس للسرد القصصي، ولو على حساب ظاهر اللفظ، مادامت صدقية الحق مع هدف السرد لا وقائعيته وأحداثه التاريخية. ولا ريب أن قوة القرآن تكمن في انفتاحه على الممكنات، وقابليته للتأويل في كل زمان، بعيدا عن مدونات التفسير الرسمية، التي ارتبطت بفضاء ثقافي، استمد وجوده من أوضاع سياسية وعقدية وفكرية مختلفة، لذا لايمكن الخروج من سجن التراث وتحييده بدون تفكيك أسيجته القدسية، كي ننفتح على دلالات يحول التراث دون إدراكها حينما يفرض محدداته، ويحاصر الباحث بقدسيته.

لا أقصد التبرير والبحث عن مخرج لدفع شبهة التداخل بين الأسطوري والديني. ولا أجد في تصديق ما بين يديه من الكتاب، مداهنةً على حساب الحق والحقيقة. بل أن مقتضى الموضوعية التأكد من دلالات الألفاظ، ومرادها الاستعمالي. ومجرد تشابه الفكرة لا يكفي، ما لم نجزم بتطابق دلالات الألفاظ ضمن سياقات النصوص، وما يحفّه من قرائن لفظية وسياقية. ولا أبغي الدفاع عن عقلانية الكتاب عبر تفسير مجازي لمفاهيمه، بل لأن المعنى المجازي يتلاءم مع ثيمة القصص، سيما عندما تكون مدعومة بتعدد مناشئ خلق الإنسان، وعدم وجود تفصيلات مشابهة في نصوص أساطير الأولين. وهذا يكفي لتحري دلالات تنسجم مع مشاغل الدين والكتاب وعدم الوقوف على المعنى الظاهري للفظ. وقد مرَّ الكلام، أن القصص القرآني لا يعتني بالوقائع والأحداث، ما لم تقتضٍ الضرورة، لذا نوّع مناشئ الخلق، الطين، التراب، الماء، الصلصال، لتشتيت فكر المتلقي وصرفه عن الوقائع إلى ثيمة النص. فهي مجهولة، غير مقصودة، وسرّ من أسرار خلقه التي لا يطلع عليها أحد: (مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ). وتركت للآيات المحكمات مهمة ترشيد وعي القارئ، لمعرفة فلسفة الخلق وليس وقائعه. فلسفة الخلق كفيلة بالإجابة على الأسئلة الوجودية الكبرى، بعيدا عن الوقائع والأحداث، فإنها لا تجيب على أسئلة الوجود، ولا تعزز أمان الإنسان واطمئنانه ولا تعني بمصيره، ولا تقدم له رؤية كونية، ولا تضيف لحياته معنى، وكل هذه مقاصد دينية. بينما الحديث عن خلافة الإنسان يؤسس لوعي إنساني، في ضوئه يحدد دوره في الحياة، ومسؤوليته تجاه نفسه والآخر، وحدود العلاقة بينه وبين الطبيعة. وبالتالي تكفي الإشارات المجملة، ويبقى خلق الإنسان في إطار سنن وقوانين الكون، يمكن للعلوم الحديثة التوصل لها. وليس مهمة القرآن تقديم كشوفات علمية عن خلقه. مهمته توجيه الإنسان لمسؤولياته الحياتية، وتحديد مصيره وطبيعة علاقته بخالقه، وما يجب عليه من التزامات دينية وأخلاقية واجتماعية، فيراعي قوة تأثير اللفظ وسحر بيانه ومستوى إيقاعه على مسامع المتلقي. فتارة يصف إنقلاب عصا موسى بـ"الجان" وفي آية أخرى يصفها بـ"حية تسعى"، حسب سياق القصص، فترى العقل التراثي  يحار في فهم دلالات الاختلاف بينما القراءة الأدبية للنص القصصي يدرك ماذا أراد الله بهذا مثلا. وهكذا هنا مرة يقول خلقه من طين، من تراب، من ماء، من علق، من حمأ، من صلصال، كل ضمن سياق السرد بما يحقق الأثر المطلوب على مسامع المتلقي!!. فالهدف وثيمة السرد هي التي تحدد المستوى البلاغي للمفردة. ولا شك أن خلق الإنسان بما هو خلق له منشأ واحد ثابت في علم الله تعالى. فالتعدد يغدو دالا على إرادة المعنى المجازي. وهذا ما نقصده. وفي هذا السياق فإن حمل الطين على المعنى الحقيقي لا يخدم هدف الدين سوى تصديق ظاهري لما بين يده من التوراة والإنجيل، كرهان لإثبات نبوة محمد بن عبد الله، حينما جعل اليهود وقائع قصص الأنبياء مقياسا لصدق نبوته. ولازمه التضحية بصدقية الكتاب عندما يرسّخ انطباع المجتمع المكي بقولهم: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًا، وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا). فوظّف المفهوم مجازا بما يخدم هدف الدين، وارتهن الوعي الديني لسياق القصص والآيات المحكمة، بعيدا عن التراث وتفسيراته التي انهمكت في تصور وقائع الخلق وتفصيلات أحداثه، على حساب ثيمة القصص وغاياته، فغدت مادة للتسلية وليست للعظة والعبرة: (قَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي). فيصدق أن بعض التراث يسلب الفرد عقله ووعيه، ويعيد تشكيله بما يخدم هدفه، مهما كان خرافيا يتعارض مع الدين وحكمته.

رمزية الآيات

سؤال البحث: ما هي دلالة الطين بعد أن دلّت الشواهد على مجازية قصة الخلق؟. وهنا توجد دلالات غير نهائية، تتحكم القرائن اللفظية والعقلية بقوة احتمالها، فتبقى دلالتها مفتوحة، تكتسب من النص ثراءها وقابلياتها التأويلية. وهي قابلية تتطور بتطور البيئة الثقافية والكشوفات المعرفية وجدارة المناهج العلمية، مادام المتلقي شريكا في المعنى المجازي. فيصدق أنها وجهة نظر تأويلية مرتهنة لأدلتها. وهنا أستعين بآيات الكتابة في مقاربة تأويلية لسياقات "عملية خلق الإنسان"، بعد استبعاد إرادة المعنى الحقيقي من لفظ الطين. وهي قد تتطور عبر دراسة جديدة مستقبلا:

1- ربما تأكيد الآيات على الطين ومثيلاته جاء مثالاً يتتناسب مع وعي مجتمعي بسيط، يحتضن ثقافة أهل الكتاب، ويألف صناعة الأصنام، فيأتي الخلق من طين بمعنى الإبداع، كما في مثال عيسى المتقدم. والأمثال أسلوب قرآني استراتيجي، يعتمد منهج المقارنة في بعدها البلاغي، فيكون أقوى تأثيرا : (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ)، (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ). فالمثل يتضمن فكرة عميقة تستدعي قدرا من التأمل الفكري، يدركها العلماء والمتفكرون. ويكفي الفارق النوعي بين الإنسان والطين لحمل اللفظ على المعنى المجازي، كما في القصص الرمزي، الذي يضمر أكثر مما يظهر، ويخفي ويتستر لتمرير ثيمته. يتشبث بظاهر اللفظ ويراهن على رمزيته ومضمراته وقدرة الناقد على تحري المعانى المجازية، مهما كانت بعيدة، شريطة انسجامها مع ثيمة القصص. والطين كما له معنى حقيقي له دلالات رمزية، يمكن توظيفها لتحقيق هدف السرد.

2 - كما أشار الكتاب للطين أشار للماء والتراب مستقلا. لا بصفتهما مكوناته. فتعددت مناشئ الخلق، لتكون دليلا على الانصراف للمعنى المجازي دون الحقيقي. وهي مفردات تستدعي البحث عن دلالتها ضمن سياق القصص، بحثا عن دلالات استقلاليتها، هل هي منشأ آخر للخلق أم ثمة  اشتراك ولو مفهومي بينها؟: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا)، (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ):

- يعني التراب لغة، كما في معجم المعاني الجامع، وقاموس المعجم الوسيط): (التُّراب: ما نَعُمَ من أَديم الأَرض.. بسعر التُّراب: رخيص جدًّا) وفي غريب القرآن: (والتراب: الأرض نفسها.. وترِبَ افتقر، كأنه لصق بالتراب. قال: "أو مسكينا ذا متربة". أي ذا لصوق بالتراب لفقره). فمعنى التراب = الأرض. ويضرب به مثلا  لرخص قيمة الشيء، لرداءته وتفاهته. فيكون السياق قرينة على إرادة معنى مجازي، استدعته أغراض بلاغية، لتحديد فارق القيمة الكبير بين شيئين حسياُ، كما في مثال: "التراب والتبر". أو "أين الثرى من الثريا". فيدخل التراب طرفا أدنى في المفاضلة بين أمرين أو قيمتين. التدني في مقابل العلو والسمو. يظهر هذا واضحا في قوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ، قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ). فالتراب لا يرقى للنار في سموها. هي شعلة ضوء متألقا مفهوما، بينما التراب، ابتذال في نظر إبليس، فكيف يسجد لمخلوق ترابي؟. فالآيات التي تركز على المفاضلة يكرّس فيها مفهوم التراب التفاهة والرداءة. فكأن الآية تقول خلق الإنسان، نوع الإنسان، من تراب، من شيء بسيط، مبتذل، تافه بنظركم، لكنه ينطوي على قيمة عظيمة في خلافته للأرض وإنسانيته وعقله ووعيه. والأمر لا يقتصر على التراب، بل أن وصف الوضاعة مصرّح به في آية: (أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ)؟. وهل يصدّق الإنسان أنه خُلق من ماء مهين؟ لكنها الحقيقة، فجاء الماء المهين طرفا في المفاضلة. فالمقارنة تنسجم مع غايات الدين ومقاصده، بينما المعلومات العلمية لا تخدم الغرض. لا يريد القرآن أن يكون بديلا عن عقل الإنسان وقدراته الخارقة في البحث عن الحقائق العلمية. وبالتالي فهو كتاب ديني، تأتي آياته منسجمة مع هدفه. وهذه الآيات ترسم صورة بلاغية للمفاضلة بين الأدنى والأسمي، تذعن لها النفس، وتغدو دليل على عظمة الخلق، وهذا ما يريده الخطاب القرآني. إن بنية العقل العربي بنية خيالية، شاعرية، تتأثر بالصور الشعرية والبلاغية وكل خطاب يحرك مشاعرها، ويثير مكامن النفس البشرية. والشخص العربي يحركه النص، سواء كان شعرا أو نثرا أو قولا مأثورا، وتحركه الصورة البلاغية فيه، وقد كسب القرآن رهانه على البعد العاطفي والخطاب الأدبي البلاغي.

- وأيضا في آية: (فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ). تتجلى صيغة المبالغة من خلال عبارة: "أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا"، فقد خلكم من طين لازب، شيء بسيط لا يخطر ببالكم، وانظروا لفارق الخلق. أو من طين لازب كما تعتقدون لكن أنظروا لفارق الخلق والإبداع. فيكون الطين كالتراب يُضرب به مثلا لفقر قيمة الشيء. وهذه زاوية أخرى ينظر بها للطين.

- وأيضا في آية: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا)، يفسرها قوله: (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ). فالآية استشهدت بقصة الخلق لتؤكد قدرة الله على بعث الإنسان يوم الحساب، وليس لبيان وتفصيل خلقه، في حديث موجه لمنكري يوم البعث والحساب، بحجة عدم قدرة الله على إحياء الموتى.

3- لا يقتصر وجه الشبه بين عيسى وآدم في آية: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)، على ولادتهما من غير أب. وثمة فسحة لتأمل النص بحثا عن قرائن دالة على أحد المعنيين: الحقيقي أو المجازي. أما بالنسبة لعيسى فقد أفاضت الآيات في شرح أحواله: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا، فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا، قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا، قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا، قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا،  قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا، فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا، فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا، فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا ...). وفي آية أخرى:  (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ). فعيسى مرَّ بجميع مراحل حمل الجنين من انعقاد النطفة حتى ولادته إنسانا كاملا، بما فيها تخصيب البويضة. بمعنى أدق أن ولادته إنسانا كاملا دليل على مرور الجنين بجميع مراحل الحمل بدءا من انعقاد النطفة، غاية الأمر أن انعقادها مجهول لدينا، وشاء الله أن يكون مجهولا لغاية ما. وبالتالي وهذا ما نريده، فإن مقتضى التشبيه بين عيسى وآدم، أن الأخير قد مرّ بجميع مراحل الحمل، من انعقاد النطفة حتى ولادته، وما الطين سوى كناية عن قوله، الذي تكرر في عيسى وآدم: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)، فـ"كن"، هي سرّ الخلق، هي إرادة الله المتمثلة في قوانينه الكونية، وما الطين سوى إبداع ومثال لتقريب الفكرة. وكذلك بالنسبة إلى عيسى: (إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ)، فكلاهما تكونت نطفتهما الأولى بـ"كن"، و"كن"، رغم أنها أمر تكويني لا يتخلف موضوعها، غير أنها لا تنفي الأسباب الطبيعية، ولا تلغي تسلسل العلل. فيمكن أن يكون بـ"كن"، ضمن قوانين الكون والطبيعة البشرية. وبالتالي ليس المهم ما نوعية المادة التي خُلق منها الإنسان، وليست هي بحد ذاتها غرضا رساليا، كي يشغل العقل المؤمن بها. الخلق الحقيقي، أن يقول للشيء كن فيكون ضمن قوانين وأنظمة الطبيعة.

4- وربما التراب والطين كناية عن الأرض التي احتضنت النواة الأولى للبشرية، ثم تطورت (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا)، فالآية كما تصدق على أطوار الجنين في بطن أمه تصدق على أطوار النواة الأولى التي عبر عنها في آية أخرى بسلالة من طين: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)، وثمة إشارة في قوله: (والله أنبتكم من الارض نباتا)، مشجعة على تأويل التراب والطين بهذا المعنى، غير أن دلالتهما على بساطة وتفاهة الشيء أقوى في سياق جملة من آيات الخلق. والتدبّر منهج قرآني وعقلائي يفتح آفاقا واسعة للتأويل للكشف عما ترمز له الألفاظ المستخدمة هنا.

يأتي في الحلقة القادمة


.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi11احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الخامسة والستون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

ترميز القصص

اكتفى القرآن بإشارة مجملة لذات عناصر أسطورة الخلق: (الطين "ماء وتراب"، وعلة الخلق / الله) تصديقا لما جاء في التوراة، بناء على استراتيجيته في تصديق ما بين يديه من الكتب السماوية، دون أن يذكر شيئا مما جاء في أسطورة الخلق، التي صوّرت عملية خلق الإنسان: "ذبح أحد الآلهة وعجنه بالطين". وكيف جمع جبرائيل التراب من الجهات الأربعة، كما في التوراة. ولا ريب في تفاوت الدلالة بين الإجمال والتصريح. الثاني عكس الأول، يصدق دليلا على إرادة المعنى الحقيقي، أو ما يصطلح عليه بالنص مقابل المجمل والظاهر، من دلالات الألفاظ. ليس للنص، في مباحث الألفاظ، سوى معنى واحد يكون دالاً عليه. ويشكّل تبادر أحد المعاني قرينة على إرادته في الظاهر. بينما لا توجد قرينة على إرادة معنى دون غيره في المجمل، فيُهمل عندهم. هذا على مستوى الألفاظ. والآمر يختلف بالنسبة للنصوص المجملة، حينما تتضمن إحالات غير ظاهرة، تدل عليها سياقات الكلام بالتدّبر والتأمل الطويل أو قرائن منتزعة. كما في آيات خلق الإنسان من طين، فهو نص مجمل، يطرح أسئلة عن طبيعة العلاقة بين الطين والإنسان، وما ضرورته إذا تعلق الأمر بقدرة الله وإرادته "كن فيكون"؟. كل ما يمكن خلقه من الطين تمثالا، قد يغدو صَلْصَالٍ "مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ".العقل لا يكف عن السؤال، والاستفهام قدر الوعي. ولا خيار لمعرفة الحقيقة سوى التأمل في ذات الآيات. ما مدخلية الطين في حقيقة الإنسان، و" مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً". بناء على رمزية قصة الخلق؟.

في أسطورة الخلق نقرأ مشهدا متحركا لعملية الخلق، يظهر فيه الطين (أو الماء والتراب) مكوّناً أساساً فيها. والمشهد في الأساطير والتوراة هو مشهد الطين نواة خلق الإنسان. بينما يختفي هذا المشهد في الكتاب، سوى إشارة مجملة للطين، الماء، التراب، العلق، المني أو الماء الدافق،.وبدلا من مشهد الطين يحل مشهد الإنسان في مكانته ورفعته خاصة حينما يكون رهانا للخالق أمام الملائكة. ومادامت الإشارة للطين مجملة فهذا يستدعي تحري أبعاد القصة في ضوء المنهج القرآني القائم على ردّ المتشابه للمحكم، سواء كان المحكم من ضمن مصفوفة الآيات التي تناولت موضوع خلق الإنسان أو من خارجها. المبدأ في فهم النص ضبط حركته في إطار الكتاب الذي يفسّر بعضه بعضا وهو مهيمن على غيره من الكتب، دون الوقوف عند حدود التفسير، واعتماد التأويل لإدراك ثيمة القصص الرمزية، ومنها قصة الخلق. أقصد ينبغي معرفة كيف يقدّم القرآن قصة الخلق، وكيف يوظف لفظ الطين والماء والتراب، وعلى هذا الأساس نفهم دلالات الآيات. وهنا مهمتان:

- ما علاقة قصة الخلق بالأساطير القديمة؟.

- وماذا نفهم من قصة خلق الإنسان بالقرآن؟.

الأول نتحرى به علاقة القصص بالأساطير. والثاني نفهم نسبة المعرفة الدينية إلى المعرفة العلمية. ومدى التعارض والتوافق بينهما. اعتمادا على التدبّر والتأويل والاستعانة باللغة لتحديد معاني الألفاط، وجميعها مناهج قرآنية. وبالتالي ننشد فهم القرآن لا تفسيره أو الجمود على ظاهر آلفاظه، لنخرج بنتيجة عبر مخاض تأويلي يحي القيم الإنسانية، ويحافظ على منطق العقل.

آيات الخلق

تناولت آيات الكتاب خلق الإنسان من زوايا عدة، تنصف كالآتي:

1- خلق الإنسان من طين: (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ)

 (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ)

(الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ).

(فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ)

2- خلق الإنسان من سلالة من طين: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ). وسلالة من طين، أي مُستلة، ومُنتزعة من طين.

3- خلق الإنسان من مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ). والصلصال: الطين اليابس يُسمع له صلصَلة. حمإ مسنون: تغير وأنتن. وفي هذه الآية انتقل من الإنسان إلى البشر.

(خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ، وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ)

4- خلق الإنسان من تراب: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا)

(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ).

(قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا)

(َمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ)

5- خلق الإنسان من ماء: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا)

6- (خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ)

7- (خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ)

(إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا)

(وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)

(مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ)

8- (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى، ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى، فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى)

 (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ)

(أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ)

وهنا نسجل ملاحظات، تمهّد لفهمٍ ينتقل بنا إلى رؤية تنأى عن مرويات التراث وغرائبية قصصه حول خلق الإنسان.

مداخل التأويل

أولاً: خلصنا من خلال الأدلة المتقدمة إلى رمزية قصة الخلق، فتكون وجهتنا التأويلة، ثيمتها لا وقائعها وأحداثها. وتقدم أن رمزية القصص لا تتعارض مع صدقية الحق / القرآن، مادام هدفها العظة والعبرة، التي كما تتحقق بالقصص الواقعية تتحقق بالقصص الرمزية، خاصة القضايا التجريدية والمفارقة. فالحق ما يترتب عليها من آثار تتوخاها رمزية القصة، وقد مرّ تفصيل الكلام. يقول الرازي صاحب التفسير في قصة إبراهيم وذبح الطيور، أنها كانت مثالاً تقريبيا لتوضيح فكرة إحياء الموتى: (أجمع أهل التفسير أن المراد بالآية "قطعهن" وأن إبراهيم قطع أعضاءها ولحومها، وريشها ودماءها، وخلط بعها على بعض، غير أبي مسلم فإنه أنكر ذلك، وقال: إن إبراهيم عليه السلام لما طلب إحياء الميت من الله تعالى أراه الله تعالى "مثالاً" قرّب به الأمر عليه). (أنظر: الرازي ج7. روح المعاني ج3). وهكذا ذهب صاحب تفسير الميزان حول قصة الخلق وإسكان آدم وزوجه الجنة. يقول الطباطبائي: (والقصة وإن سيقت مساق القصص الاجتماعية المألوفة بيننا، وتضمنت أمراً وامتثالاً وتمرداً واحتجاجاً وطرداً ورجماً وغير ذلك من الأمور التشريعية والمولوية، غير أن البيان السابق على استفادته من الآيات يهدينا إلى كونها "تمثيلاً للتكوين"...). (أنظر تفسير الميزان، ج8، ص24، الأعلمي للمطبوعات). وهو معنى رمزية القصة في كلا المثالين، قصة إبراهيم وآدم. تقول الآية: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ). فالذين آمنوا يدركون رمزية المثل، ويعلمون أنه حق من ربهم رغم مجازيته. وهذا الفهم يمهّد لمقاربة قصة الخلق من زاوية مختلفة.

ثانيا: ليس القرآن كتابا علميا، كي يقدّم نظرية علمية عن أصل الإنسان، أو يقدّم استعراضا بايولوجيا لجسمه وكيفية خلقه. وجميع آياته الكونية جاءت ضمن الإطار التوحيدي للفكرة الدينية المتعالية، طابقت أو لم تطابق الواقع. وقصة الخلق جزء من الكتاب، فينبغي فهمها ومقاربتها في سياق قصديته القائمة على ثنائية حق / باطل. ورفد الإيمان بالله ووحدانيته وملائكته واليوم الآخر وأنبيائه ورسله بأدلة وبراهين تؤكد قدرته وقوة حضوره وعلمه وإحاطته بكل شيء، في بيئة يتقاسمها أهل الكتاب والمشركون والكفار، تستوطنها عقائد شتى. فتجد الغالبية المطلقة من الآيات تعالج قضايا عقدية، تؤكد أو تنفي أو تفنّد. تستعرض آراءهم، وترد عليها: (وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ)، (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ)، (وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ،أَوَ آبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ). أو تستفزهم بأسئلة تُظهر ضعفهم أو تشن هجوما نفسيا، أو تبشّر وتنذر، فهو كتاب مهمته الأساسية: (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ). وعندما يشير الكتاب لموضوع خلق الإنسان يشير له من زاوية توحيدية، تربط الوجود والخلق بالله. وتجيب على أسئلة الوجود ضمن الإطار العام له، كما في قوله: (فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ). محاججة، جاءت بـ"خلق الإنسان" شاهدا على عظمة خلق الله، لا تخدمها بلاغيا إرادة ظاهر معنى الطين، مما يستدعي معنى مغايرا يخدم المقارنة، كما سيأتي.

ثالثاً: تختلف دلالات السرد القصصي بين الدراسة الوثائقية للأحداث والدراسة الأدبية لنص بليغ يريد التعبير عن ثيمته. الأولى تربك القارئ، وتفتح بابا لاختلاق أحداث يُسقط عليها رغباته، وما تجود به مخيلته المسكونة بالخرافة. لذا عمد القرآن إلى تجاهل أو إبهام الوقائع التاريخية والاهتمام بثيمة القصص وإبراز معانيها الإنسانية والدينية والأخلاقية، كما في قصة أصحاب الكهف حيث تجاهل عددهم وكم لبثوا في كهفهم، فراحت تحاك حولهم حكايات لا أساس لها من الصحة، سوى ما يقوله الحكواتي. ثم يستغلها الخطاب الأيديولوجي لتحقيق مآربه. فالمهم ثيمة القصص، وأبعادها الأخلاقية والدينية والاجتماعية والنفسية، فهو كتاب هداية تنشد قصصه العظة والعبرة، لذا يوظّف السرد تقنيات لغوية تخدم هدفه: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ). تربط القارئ بالمطلق وتشهدّه روحيا ونفسيا وشعوريا لعالم الغيب، وهو هدف أساس بالنسبة لهدف الكتاب. وليس الأمر مقتصرا على القصص بل أسلوب القرآن أسلوب أدبي بليغ، يتميّز بلغته، وتقنيته اللغوية. يوظف ألفاظا تخدم هدفه، حداً تجد النص القرآني مشهدا متحركا، تعيش تفاصيله وتتفاعل معه، تبعا لمقاصده في الترغيب والترهيب والوصف والتسفيه. أو عندما يتحدث عن قضايا اجتماعية وأخلاقية وتربوية ونفسية. فحينما يصوّر الخوف يتناول تفاوت حالته من خلال توظيف صور أدبية بليغة، كصورة الحشر آنئذٍ يتلاشى الكلام، ليحلّ الهمس تعبيرا عن مشاعر الخوف والتوتر النفسي والرهبة المهيمنة على المشهد: (وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا). القرآن يستهدف إقناع الناس بمقولاته العقدية، لخلق وازع التقوى والخوف من الله. وهو أمر صعب، يستدعي التأثير على مشاعر الناس إضافة للأدلة العقلية. قد يقنع الإنسان بأدلة العقل دليلا على وجود الله، لكنها لا تولّد قناعة كافية بالمعاد ووجود الجنة والنار والملائكة. فتكون الأجواء النفسية رهانا ناجحا، وهذا سرّ مخاطبة المشاعر، وإثارة مكامن الفطرة. وعلى هذا الأساس ينبغي مقاربة قصة الخلق، باعتبارها نصا أدبيا، نتوخى ثيمته، والتأمل في سرديته، وما يريده ويستبعده النص القصصي.

رابعاً: للخلق معنيان، الإبداع، والإيجاد من العدم. يعرف ذلك من سياق النص. فالمتبادر من وصف الله بأحسن الخالقين هو الإبداع، إذ لا شريط له بالثاني. بينما الإبداع ميزة إنسانية تتجلى في أعمال الفنانين والرسامين والمهندسين والمصممين والأدباء الى غير ذلك. وهذا ما توحي به الآيات: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإنسان مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ). فهي تشير لمراحل خلق الإنسان بمعنى الإبداع، وتبيّن لنا كيف يبدع الله في خلقه، كل مرحلة هي آية وابداع وخلق، وهو أحسن الخالقين. أي أحسن المبدعين حد الإدهاش. وهذا رأي معقول تؤيده آيات أخرى كما بالنسبة للنبي عيسى وخلق الطير، فإن المقصود بالخلق هنا هو الإبداع في تصميم الطير: (أنّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أنّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ)، (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي). الخلق بالنسبة الى عيسى إبداع وليس إيجادا من عدم. أمعن النظر بالآية: "أنّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْر"، فالخلق هنا يعنى الإبداع حد الإدهاش. أو نحت ما يشبه الطير من الطين بشكل أدهش المشاهدين. أخلق لكم من الطين كهيئة الطير. فاقتصرت مهمة عيسى على إبداع أو نحت الطير من الطين، أي تصميمه كهيئة الطير، فعبّر القرآن عن الإبداع بالخلق، لأنها إحدى معانيه، كما نعبّر في لغتنا رجل خلاق أي كثير الإبداع والإدهاش في أعماله. فانتهت مهمة عيسى بإبداع الطير بعد نحته من الطين. ثم تأتي مرحلة نفخ الحياة فيه ليكون طيرا حقيقيا. تقول الآية: "فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ"، فيكون الطين طيرا باذن الله، أي بأمره عندما يقول له كن فيكون. عيسى نحت الطير من الطين ونفخ فيه، أما كيف يكون طيرا حقيقيا؟ فهذا بإذن الله وأمره. فلم يخلق الطير بمعنى إيجاده أو صيرورته، كما بالنسبة للخالق الحقيقي أي الله. (أنظر: مدارات عقائدية ساخنة) وهذا فارق مهم، يساعد على إدراك مفهوم الخلق في قصة خلق الإنسان.

خامسا:

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbaw10احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والستون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

تشابه السرد

ماجد الغرباوي: لا ريب، تكرر وحدات السرد الأساسية بين الأسطورة وقصة الخلق يثير أسئلة، تشكّل خطرا على مصداقية المقدس الديني، الذي تشكّل المغايرة بين الإلهي والبشري مقوما أساسا في حقيقته، كالخلق والغيب: (قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)، بينما تتكرر وحدات سرد الأساطير في آيات الخلق!، وهي أوهام بشرية حول عملية خلق الإنسان، لا تمت للحقيقة بصلة، ولا دليل عليها سوى المخيال البشري، ووردها في الكتاب تصديق لها، فماذا يعني كل هذا. هذه هي الإشكالية التي تستدعي تحري الحقيقة بدءا من عملية الخلق، كفعل إرادي قصدي يصدر عن الآلهة / الإله، لرصد عناصرها المشتركة، ومديات التشابه شكلا ومضمونا. لا تكف علامات الاستفهام، إلا بفهمٍ مغاير لآيات الخلق الواردة في القرآن سيما مع وجود نظريات علمية تتحدى المعرفة الدينية حول خلق الإنسان، فنعود لنسخ الأساطير نقارنها بما جاء في الكتب السماوية حول عملية الخلق.

وقد بدأنا أولاً بوحدة الهدف في سياق أسئلة الوجود لتحري أوجه التشابه والافتراق، وقد مرَّ الكلام حولها مفصلا ونركّز هنا على ذات عملية خلق الإنسان، كخطوات متتالية ينتج عنها فعلا أو كيانا خارجيا، هو الإنسان. أو خطوات الخلق من العدم إلى الوجود. من مجرد فكرة إلى حقيقة متعيّنة خارجا. وكيف يكون هذا المخلوق العظيم أصله طين، تخيلته الأساطير وأمضته الكتب السماوية؟، وذلك من خلال منهج مقارن كالآتي:

العنصر المشترك الثاني: عملية الخلق

اتفقت الأساطير والكتب السماوية على الماء والتراب (الطين) عنصرين أساسين لخميرة خلق الإنسان. وكانت المثيولوجيا السومرية في نص أدبي قد عالجت مسألة الخلق، في حكاية ملخّصها: عندما تعبت الآلهة من عبء العمل في الأرض، ذهبت لإله الحكمة "إنكي"، ليجد لهم حلا، وبعد رفضه استجاب لوساطة أمه، وأعطى أوامره لصنع الإنسان. وجرى صنعه على شكل الآلهة، (القصص القرآني ومتوازياته التوراتية، مصدر سابق). ثم روت المثيلوجيا البابلية قصة مشابهة، تقول: "أحرقت الآلهة أدوات عملهم وذهبوا إلى الإله "إنليل" لإنصافهم، فأمر بخلق الإنسان، حيث "يُقتل أحد الآلهة ويُعجن لحمه ودمه بالطين، الذي يصنع منه جسد الإنسان، وبذلك يتحد الإله والإنسان في جسد واحد" (المصدر نفسه). بهذا يتضح أن أسطورة خلق الإنسان مجرد وهم كان متداولا قبل ألفين وخمسمئة سنة قبل الميلاد. يمثّل مرحلة بدائية من وعيه. ورغم سذاجتها هي خلاصة مكابدة فكرية، تعكس المستوى الثقافي والمعرفي للبيئة الاجتماعية. ورحلة شاقة لمعرفة الحقيقة. وأحسب أن تصوّر خلق الإنسان من طين هي الصيغة الوحيدة الممكنة في إطارها المثيولوجي القائم على تعدد الآلهة، وقصة وجودهم على الأرض، قبل ظهور الإنسان على مسرح الحياة. وقبل تقديمه القرابين والنذور لها. حيث قُسّم تاريخ الأرض إلى مرحلتين: مرحلة الآلهة، ومرحلة الإنسان. الأولى مفترضة، انتقل فيها العقل من المعلول إلى العلة، وأرجع الظواهر التي عجز عن تفسيرها إلى قوة ميتافيزيقية متخيلة، تتوقف عليها فلسفة الخلق. بدأت فكرة بسيطة ثم تطوّرت بفعل حيرة الإنسان التي دفعته لتخيّل كائن متفوق، كائن أسمى، يواكب مخيلته، فكانت الآلهة صورة مثالية للإنسان، أسقط عليها رغباته الخارقة وقدراته السحرية التي يمنّي نفسه بها. وبالتالي ليس الكائن الأسمى سوى الإنسان نفسه، بمواصفات يطمح لها، وإن تجلى بأشكال مختلفة. وقد تعددت الآلهة لعجزه عن تصور كلي القدرة، أو المطلق / الإله الأوحد، رغم وجود إله مميز كإله الحكمة، في مثيولوجيا الحضارات القديمة لكنه اهتدى لذلك فيما بعد، وتوحّدت الآلهة بالإله مردوخ، قبل ظهور الديانات التوحيدية. ويبدو أن الوعي الوجودي للذات يتوقف على وجود علة مغايرة وكائن أسمى متمم لوجوده. كائن مثيولوجي متعالٍ يشعر معه بالأمان، وينسب له ما يعجز عن تفسيره من ظواهر الحياة. فمتمم الوجود هو المقدّس، الذي يفتقده وينقاد له لا شعوريا.

وبشكل أدق، إن قانون العلية كان محفّزا لافتراض آلهة مبهمة، تتجلى معالمها من خلال أسئلته ورغباته. مع كل سؤال يكتسب مَعلَما جديدا. وكل رغبة تثري ماهيته وتجلي وجوده، حتى يتلاشى الإنسان كفاعل حقيقي وراء الصورة الخيالية، بل ويتأثر بها عندما تغدو حقيقية، مادامت قد تشكّلت عبر أسئلته، ولديه ما يبرر سحريتها وقدراتها الخارقة، وبإمكانه الاستدلال على صحة تصوراته من خلال الطبيعة وما يحيط بها من ظواهر مرعبة، تستدعي وجود قوة أعظم تتحكم بها، لذا توجّه من هذا المنطلق للآلهة يعبدها ويتوسل لها ويقدّم لها القرابين. وبالتالي ثمة صورة إجمالية يخطئ في تفصيلاه الإنسان، رغم قدرته على الاستدلال على أصل وجودها. فضرورة وجود قوة وراء الكون وظواهره، أمر فرضه قانون العلية. وأما صفاته وخصائصه وماهيته، فبعضها يأتي قياسا على الطبيعة. وأخرى وليد مخيلته، عندما يعجز عن فهم الظاهرة، وينسبها للإله للتخلص من أعباء التأمل والتفكير. ويبدو أن بعض الناس يؤثر الصورة الأسطورية على معرفة الحقيقة. ويقدّم المبهم والمجهول على الواضح، فكأن الصريح يبطل سحر الساحر، وهو بحاجة ماسة لقضايا سحرية وغيبيه تبقيه في دائرة الخرافة والوهم، ولتبقى صورة الآلهة مهيمنة تبرر وازع الخوف والعجز. فالأساطير تمثّل في بعض أبعادها المعرفية رؤية كونية، هي خلاصة تأملات في عالمي الغيب والشهادة. وخلاصة تجربة فكرية عميقه خاضها الإنسان البدائي بمفرده، مما يؤكد قوة العقل البشري، وقدرته على التحليق في عالم الخيال. جدير بالذكر أن مفهوم الإله منذ ظهوره يحمل صورة أسطورية لكائن غيبي متعالٍ، يتمتع بقدرات فوق بشرية. كائن يتعالى على الأسباب الطبيعية، بإمكانياته السحرية، وهو ما يحتاجه لتفسير بعض الظواهر، وتبرير غيرها والتقوّم به نفسيا وروحيا، كمثل أعلى. وهو مفهوم فرضه قانون العلية في أصل وجوده، وحاجة الإنسان في تفصيلاته، ولما ظهرت الرسالات أول عمل قامت به هو ترشيد وعي الإنسان، وتصحيح مسار تفكيره. قانون العلية قانون تدركه الفطرة البشرية قياسا على ما حولها من أسباب ومسببات. بل كل سؤال يوجهه الإنسان، وكل استفسار حول الظواهر هو تأكيد لقانون العلية وإن لم يدرك هذه الحقيقة. وهو دليل الرسالات السماوية لاثبات وجود الخالق. واختلفت مع الأساطير والديانات القديمة حول نفي الشرك، وتوحيد الخالق. وبالتالي فالكائن الأسمي ضرورة وجودية، وحاجة نفسية لوجود مثل أعلى، حقيقي أو متصور، تسمو معه الروح وتستمد منه مثاليته للعروج في مراتب الكمال، عبر علاقة جدلية يؤثر أحدهما في الآخر، أو يعيد الإنسان خلقه، عندما يستعيده مع كل حالة تأملية جديدة، فيرقى وترقى معه النفس العطشى للكمال. نؤكد أن الأساطير في مفهوم العلوم الإنسانية الحديثة تقابل المدونات الكبرى أو النصوص التأسيسة. وهذا ما يؤهلها للمقارنة بتراث الأديان، والكتب السماوية. وهي نصوص متعالية قبل ظهور الأديان التوحيدية، يستلهم منها الإنسان معنى لوجوده. وهذا المفهوم يغاير ما جاء في القرآن، حيث يعتبر الأسطورة خرافة، كما جاء في احتجاج قريش على النبي مرات عدة، وهي تقصد الخرافة، وكلام لا دليل عليه. أو مجرّد هذيات وأوهام، يتخليها العقل البشري.

لا ريب أن تصوّر خلق الإنسان من طين هو الممكن الوحيد المتاح آنذاك، لقدرته على تجسيمه، قياسا على منحوتاته وتماثيله الطينية. واكتسب الحياة بشبهه للآلهة التي امتزج دمها بطين خلقته. وقد استبد هذا التصور بوعي العصور التالية ورددته الكتب السماوية، كما لو أنه حقيقة مطلقة، فتجد التوراة تستعيد ذات القصة وفقا لمبدأ التوحيد. الماء والتراب عناصر مشتركة، يتكرر وجودها في التوراة. كما تتكرر فيها صيرورة الطين إنسانا. بمشابهة الآلهة لدى الحضارة السومرية: (وجرى صنعه على شكل الآلهة). وفي الحضارة البابلية: (يتحد الإله والإنسان في جسد واحد). اتحاد اللاهوت بالناسوت. تلك الفكرة التي تم التنظير لها لاحقا في اللاهوت الديني المسحيي، ومازالت تمثّل قوام الإيمان الدين. ونجد لها شبها في العقيدة الشيعية المغالية، وإن لم تصرّح، غير أنها تخلع على الإمام صفات الخالق، وتنسب لهم الولاية التكوينية أو الحلول أو التفويض وجميعا، نسخ مختلفة لفكرة اتحاد اللاهوت بالناسوت، وهي فكرة تنتمي لأساطير الأولين، تداولها الفكري الديني فيما بعد، وراح يؤسس عليها. 

ولم تختلف التوراة مع الأدب الرافديني حول صيرورة الطين إنسانا، حيث أكدت على الشبه بالله، والنفخ في المنخر. فنخلص أن الخلق يتوقف على شرطه، ولا يكفي وجود الماء والتراب / الطين، وشرطه وجود قوة غيبية (الآلهة / الإله) تهب الطين الحياة على طريقة (كن فيكن). إذاً فالكائن الأسمى عنصر مشترك ثالث بين الأساطير والكتب السماوية حول قصة خلق الإنسان = ماء + تراب + كائن أسمى (الآلهة / الإله).

ولم تبتعد سردية التوراة عن أسطورة الخلق في الحضارتين السومرية والبابلية، حيث طلب الخالق من جبرائيل ان يأتيه بأربعة قبضات من تراب الأرض، من الجهات الأربعة، ومزجها بالماء، ثم بنسمة إلهية صار إنسانا، بعدها خلق زوجه من ضلعه كي لا يبقى وحيدا، وأسكنهما الجنة في بداية خلقهما. وكان الهدف من خلق الإنسان ليسكن الأرض ويطرد وحشتها، ويتمتع بسلطة ألهية عليها وعلى البحار والطيور. جاء في القصة الأولى في سفر التكوين: "وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا". والقصة الثانية في سفر التكوين: "وجبَل الإله آدم ترابا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حياة". (المصدر نفسه). فالوحدات الأساسية في قصة الخلق الرافدينية تكررت في التوراة، فآدم أصله من طين (ماء وتراب)، وقد صار إنسانا لشبهه بالآلهة أو الإله في القصة الأولى طبقا لما جاء في الرواية السومرية. ونفخ في أنفه نسمة في القصة الثانية، التي ستشابهها القصة القرآنية. والهدف في كلتا الأسطورتين وجودي، حيث يتوقف على وجود الإنسان إحياء الأرض وحراستها والتصرّف بها، بدلا عن الآلهة / الإله. ونقطة الافتراق بين التوراة والأساطير، أن المخلوق في الثانية مطلق الإنسان، وفي التوراة حددت بداية الخلق في آدم وزوجه، وهذا ما أكده القرآن لاحقا. فالتوراة حددت معالم المخلوق الأول، ولم يعد مجرد طين صار إنسانا، بل اكتسب قيمة واعتبارا عندما أسكنه الله الجنة. وهو ما أكده القرآن لاحقا، حيث ذكر ذات العناصر الأساسية في خلق الإنسان: الماء والتراب وقد عبر عنهما بالطين: (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ). وكذلك: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ). وأما صيرورته إنسانا: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ)، فهي تماثل ما ورد في القصة الثانية من سفر التكوين. بل اشتملت نسخة من التوراة غير رسمية معروفة بـ"الهاجادة"، تفصيلات لم تذكر في نسخ التوراة، هي أقرب إلى ما جاء في القرآن (أنظر: المصدر السابق)، كـ(استطلاع الله رأي الملائكة، تحدي الله للملائكة كي يخبروه باسماء الحيوانات، الله يعلم آدم أسماء الحيوانات، مع خلق آدم يخلق جميع أوراح البشر)، (المصدر نفسه). لا ريب أن تكرر الوحدات السردية في الأساطير والكتب السماوية، يرسم هو الآخر، علامات استفهام حول حقيقة الوحي والنبوة، خاصة بالنسبة للقرآن، الذي هو محور حديثنا. وتقدم، لا يمكن لمفهوم الوحي بالمعنى الأول، التخلّص من الإشكال، وهو يعتقد بـ"وحيانية" الكتاب، نسبة للوحي. ويتبنى قصة خلق الإنسان من طين، تبعا لما جاء في القرآن، رغم جذرها الأسطوري!!. ويتعذر تبريرها بـ"وحيانية الأساطير القديمة"، لأنها قائمة على تعدد الآلهة، وهذا يتنافى مع مبدأ التوحيد. فالأساطير القديمة منجز بشري، عبّر من خلالها الإنسان عن رؤيته الكونية، وهي في تفصيلاتها وما يخص قصة الخلق افتراضات وأوهام، لا دليل عليها، خاصة أنها في تمثلات ميتافيزيقية غارقة في غيبها، نتاج عقل بسيط ساذج، كان سائدا إلى ما قبل نظرية التطوّر التي توجت سلسلة شكوك علمية حول أصل وجود الإنسان، متحدية بذلك مصادر المعرفة الدينية واحتكار الكنيسة لها.

وردت قصة الخلق في القرآن بصيغ عدة، استعادت من خلالها أسطورة الخلق في التوراة، وأثرتها بمفاهيم وتفصيلات يتعذر إدراكها في سياق التفسير، مادامت قضايا ميتافيزيقية، لا يمكن تمثّلها خارج النص والفضاء المعرفي للإنسان. ويبقى التأويل أجدر في فقه النص، للوقوف على مضمراته، وإدراك ثيمته. باعتبارها هدفا أساسا للقصص القرآني: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ). يؤكده نهي القرآن للرسول عن إطالة الجدل حول قصة أصحاب الكهف: (فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا). فالوقائع غير مقصودة بالذات، مهما أكد عليها أهل الكتاب، وليس القرآن كتاب قصص وحكايات لينشغل بها دون ثيمتها: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ). والهداية تستدعي تقويم البنية العقدية والأخلاقية، فتكون القصة في صميمها، لاشتمالها على العبرة والموعظة. وهذا يكفي مبررا للتخلي عن ظاهر اللفظ لصالح التأويل. فنستعين لفقه النص بآيات لها علاقة بموضوع الخلق، تكون مرتكزات أو محكمات وفقا للمنطلق القرآني، من خلالها نفهم ثيمة القصص. وقد تقدم بيان السبب وراء تكرر وحدات السرد بين الأساطير والكتب السماوي، من خلال مبدأ التصديق الذي يعتمده القرآن في تعاطيه معها. والهدف إما تصديق للمفاهيم الدينية المشتركة، لوحدة الروح الدينية بينها، أو تصديقها كرهان لثبوت نبوة محمد، عندما يرتهن تصديقها بمعرفة أخبار السابقين، فيؤكد ما يقولون وفق مبدأ التوحيد، وترشيد الوعي، لكسب الرهان، ثم إثراؤها بمفاهيم جديدة، تخرج بها عن واقعيتها إلى ما هو أعمق. يصدقها ظاهرا، وينسفها عبر نسق مفاهيمي، يحيي ثيمة القصص دون وقائعها. وهو تطور في أسلوب السرد وحبكته. فينبغي تفادي أي انزلاق تأويلي عند مقاربة قصص القرآن، والانطلاق من ذات النص، بعيدا عن العقل التراثي، المرتهن للخرافة والسذاجة، والتواطؤ مع الأهداف الأيديولوجية والطائفية. ما في الكتاب من آيات تكفي لفهم المقاربة التأويلية، ومعرفة حدود العلاقة بين الأسطوري وثيمة القصص.

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi10احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والستون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي

 

مقاربة الآيات

ماجد الغرباوي: إن حبكة القصص القرآني لا تسمح باختراق واقعيتها وإدراك ثيمتها بسهولة. والأصعب تحديد مرادها الذاتي، وهو غيب مطلق، لولا أنها جزء من كتاب يمكن تحري ركائزه، وفهم غاياته ومقاصده: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ). فثمة إطار عام، يؤسس لرؤية تضفي معنى لوجود الإنسان ودوره في الحياة، وهذا يكفي بوصلة لتفادي متاهات التأويل وتداعيات الاستغراق بالتكهّنات والاحتمالات، ويمهّد لمقاربة قصة الخلق، وعلاقتها بأسئلة الوجود، عبر منهج مقارن، بدءا من فلسفة الخلق، في وعي الإنسان (الأساطير) أو كما تُصورها الكتب السماوية، وصولا إلى ثيمتها، بعد تقصي جميع ممكنات التأويل، وما تدل عليه رمزية النصوص.

المنهج المقارن يضيء فضاء القصص معرفيا، ويسلّط الضوء على جذرها التاريخي، ومراحل تطورها فلسفيا، مادام الكتاب الذي هو موضوع البحث جاء مصدّقا لما بين يديه، وهو ثقافة المجتمع ذات الجذر الديني، الأشمل من الأساطير والكتب السماوية. فثمة آيات يتوقف فهمها على خلفيتها التاريخية وأسباب نزولها، ونحن نطمح لمعرفة دوافع استعراض قصة الخلق بمختلف مراحلها، دون الإشارة إلى النبي أو المؤمنين أو أهل الكتاب أو الناس، كما هو دأب الخطابات القرآنية، بل مثّلت مجالا معرفيا مستقلا، شغل حيزا من المدونة الأساسية للعقيدة الدينية. وأيضا لم يصفها بالقصص كما في قصة يوسف وأصحاب الكهف. فالبحث التاريخي يساعد على فهم دلالاتها الرمزية، لتدارك أي انزلاق تأويلي، يؤثر سلبا في فهم ثيمتها. وهذا لا يضر بقدسية الكتاب وتعاليه، التي يتشبث بها المؤمنون، مادام الوحي معني بالإنسان أساسا، وهو غير منقطع عن ثقافته التي تشكلت داخل بيئته، وكانت أساطير الأولين وكتب أهل الكتب إحدى روافدها، كما هو واضح من آيات كثيرة. وعندما نستعيد الجذر التاريخي لأي قضية دينية، نسعى للتعرّف على ظروف نشأتها، وقد عاشت البشرية ردحا طويلا بعيدا عن الأديان سوى فطرتها الإنسانية، وكانت تفكر وتكابد لتطوير رموزها وثقافتها، كمقومات شخصية لوجود الإنسان: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ). من هذا المنطلق اعتمدنا في مقاربة قصة الخلق مجموعة مناهج تساعد على إدراك ثيمتها، وفي ضوئها سندرس العناصر المشتركة بين الأساطير والكتب السماوية، وهي:

العنصر المشترك الأول: أسئلة الوجود

الأسطورة حكاية تتحدث عن الآلهة. تروي أحداثها وخوارقها وبطولاتها. وتتضمن وصفا لأفعالهم. وبعض يرى أنها تعبير رمزي ومجازي عن الحقيقة. فهي تقدّم تفسيرا يعكس وعي الذات للآخر / الآلهة، وما يحيطها من مظاهر الوجود، وفق رؤية فلسفية مهما كانت بسيطة أو ساذجة، فتكتسب مرونة التأويل عبر الأزمنة، بفعل جدلية العلاقة بينها وبين المتلقي، فكما تملي عليه محدداتها، يثري دلالتها من وحي ثقافته وقبلياته. كما في أسطورة الخلق وتطورها تاريخيا، وما تشي به من دلالات مضمرة. حيث اشتكت الآلهة كما جاء في الأساطير (أنظر كتاب: القصص القرآني ومتوازيات التوراة) من عبء الأعمال وندرة الطعام في الأرض، وخلقت إنسانا يكفيها مشقة الحياة ومتاعبها، فاكتسب قدسيتها بإنابته عنها. بهذا الشكل قدمت أساطير الأولين أسطورة الخلق، لتضفي معنى على وجود الإنسان. وتجيب على أسئلته المصيرية التي هي أسئلة وجودية. وتمنحه الأمان والاطمئنان.

القلق الوجودي ملازم للإنسان مهما اختلفت أساليب التعبير عنه. هو سؤال مباشر عن الحقيقة لدى الفلاسفة والمفكرين، المنهمكين في التأمل والبحث. أو غير مباشر، يدل عليه تمسك الناس بالدين، حينما يجد فيه المرء أمانه واستقراره. وحينما تقدم له الأسطورة تفسيرا عن الخلق يؤمن بدافع الحاجة للهروب من قلقه المصيري، الذي لا ينتفي بتفاوت الوعي، سوى استبدال الإجابات. فقصة الخلق في الأساطير جاءت للإجابة على أسئلة الوجود. وهذا ما يهمنا، كمقدمة لفهم القصة في الكتب السماوية، وهي تنتقل من الأسطوري إلى الوعي الديني، فهل تداخل الأسطوري بالديني في هذه القصة بالذات؟. هذا ما نريد اكتشافه أيضا، في سياق المنهج المقارن.

أما الأسطورة في التوراة فقد عبّرت عن ذات القلق المصيري، وسعت لإضفاء معنى على وجود الإنسان، عندما جعلت من طرد وحشة الأرض مبررا لخلقه، فلم يعد خلقه عبثا يبعث على القلق والحيرة، وبهذا الشكل استعرضت فلسفة الخلق في سياق أسئلة الوجود التي لازمت الإنسان لا شعوريا. فأسطورة الخلق في التوراة مثلت وعيا أكثر تطورا، حينما حررت الإنسان من عبودية الآلهة إلى عبادة إله واحد. من التشرذم العبودي إلى وحدة المعبود، ومنحته استقلالية التحكم بالأرض والسيطرة عليها، لكنها ليست استقلالية منقطعة عن الخالق، باعتباره واهب الحياة، وهو مبرر شرعية عبوديته لله، فتختلف عن عبوديته للملك / السيد / زعيم القبيلة. وهذا لا ينفي صدقية الاستبداد بالمفهوم الحديث على كليهما، غير أن مبرر عبودية الله حاكميته التي هي ذاتية له وفقا للفكر الديني، فليس فيها إذلال وتسلط. والدين يختلف عن شرعة الفقهاء، والفقه السلطاني. فالبحث عن معنى لوجود الإنسان في التوراة والكتب السماوية يقع ضمن أسئلة الوجود، حول الحياة والموت وما بعد الموت، ليستعيد توازنه عندما يتوفر على رؤية كونية، تجيب على أسئلته، وتمنحه الأمان والاستقرار النفسي، خاصة الرؤية الكونية الشمولية التي تجيب على الأسئلة وتقدّم تفسيرا لظواهر الوجود كالموت وما بعده، وهو من خصائص الأديان وقدرتها على شد الإنسان لعالم الغيب وتعلقه بالمطلق. وبالتالي فإن رواية التوراة احتفظت بأصل الحكاية الأسطورية حول خلق الإنسان، والفارق الدلالي في التفصيلات. بمعنى آخر لم تأت التوراة برواية جديدة، بل أعادت بناءها وفق مبدأ توحيدي: الآلهة = الإله. خدمة الآلهة = حراسة ممتلكات الله. وإذا كان التوراة يمثل وعيا للذات في إطارها التاريخي، فهو وعي متطور للأنا، وما ينبغي أن تكون عليه. فرواية التوراة لم تكرّس وجود الإنسان لخدمة الآلهة، ومنحته استقلالية أكبر، بل لا تقاس بسابقتها. ثم أن وجود أسطورة الخلق التوراتية ضمن أساطير السومريين والبابليين، ليس فيه تعميم على جميع نسخ التوراة، وهناك أكثر من نسخه. بعضها قريبة من القرآن، ككتاب: "الهاجدة"، وهي نسخه غير رسمية للتوراة، وقد اشتملت على تفصيلات أثرى. (أنظر: المصدر نفسه).

وأما قصة الخلق في القرآن فجاءت لتضفي معنى جديدا للإنسان، وتقدم تفسيرا وجوديا لعلاقته بالغيب وبالخالق تحديدا، لتبدد قلقه الوجودي، وترسم خارطة طريق لخلاصه، بعد أن حددت منذ البدء مهمته بالخلافة. التي هي مفهوم يكرّس إنسانيته. فالقصة جاءت في سياق أسئلة الوجود، التي هي أسئلة أصيلة، لازمته منذ أول ظاهرة استفزت قلقه، لعلها ظاهرة الموت وما بعده. فاستعراض قصة الخلق في القرآن يمثّل سؤالا دينيا جوهريا، يوجّه مسار التأويل، ليبقى في حدود الإنسان وأسئلته المرتبطة بخلاصه، وهي – أي سُبل خلاصه – لم تعد مرتهنة لخدمة الآلهة / الملوك / السادة، كما في أساطير الأولين. ومعنى وجوده لا يرتبط بعبوديته لها، بل يستمده من كونه خليفة في الأرض، يتمتع بالحرية والإرادة والاستقلالية، باعتبارها لوازم وجودية. وارتهان خلاصه لعمله لا لعبوديته، وهو ما أكدته الآيات، عندما حمّلت الفرد مسؤولية عمله، وارتهان مصيره له: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ). (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ). وهو فارق جوهري استطاع من خلاله الدين الجديد إعادة تشكيل وعي الفرد المسلم، ونقله من مشاعر العبودية إلى مستوى التحرر الذاتي والشعور باستقلالية الأنا، حينما أضفت معنى جديدا منح الإنسان الأمان إلى جانب مسؤوليته الفردية.

ويمكن رصد قلق الوجود على لسان الملائكة، التي اعترضت على خصائص الخليفة، دون الخلافة: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَاوَيَسْفِكُ الدِّمَاء). فكأنها متوقعة، وتطمح لنيلها: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ). وقلق الوجود ليس صريحا، يستدل عليه تأويليا من خلال أجواء الحوار، إذ لا موجود غيرها قبل خلق الإنسان، فهي عنصر متحرك ذات أدوار متعددة، وهنا مثّلت رأيا آخر، عكست من خلاله أسئلة الوجود وقلق المصير، الذي هو قلق مشترك. ومن خلالها اكتشفنا أن التسبيح والحمد والتقديس ليس ملاكا للخلافة، ولا حاجة لوجود مخلوق والملائكة صفا صفا عاكفين في محراب التسبيح والتقديس. وثمة ما هو أهم وهو العقل كما سيتضح، لكن الملائكة لم تدرك مراده. لأنها لم تعاصره، ولا تعي حقيقته وجوهره، لذا لم يتبادر سوى سفك الدماء. مما يؤكد بساطة وعيهم لمفهوم الإنسان. فهو وعي إجمالي لا تفصيلي، قياسا على ما هم عليه من خصائص وصفات مطبوعة على الطاعة. ولا معنى للتمرد عندهم سوى الفساد وسفك الدماء. فالجذر التاريخي لقصة الخلق مهّد لفهم دلالاتها قرآنيا، فهي جاءت في سياق أسئلة الوجود والبحث عن معنى لحياة الإنسان. وتفسير يبعث الأمان ويبرر دوره الوجودي، فينبغي أن يأتي النص منسجما مع غاياته، فيكون التأويل أقدر على فهم ثيمة النص.

الخلافة لا تضفي معنى القداسة على وجود الإنسان فقط، كما فعلت أساطير الأولين التي منحته القداسة من خلال عبوديته للآلهة. بل أن مفهوم الخلافة يضفي قدسية، بفضل قدراته العقلية، وقدرته على اتخاذ الموقف المناسب بحريته وإرادته، حتى في علاقته مع خالقه، فهو مخير في أصل الإرادة والاختيار، وعليه تحمّل مسؤولية قراره.

ونخلص أن قصة الخلق في القرآن، ذاتها التي وردت في الأساطير والتوراة، لكن بمضامين مختلفة، وتفصيلات شاركت فيها عناصر جديدة، بدءا من الخالق إلى هبوط الإنسان للأرض، مرورا بالملائكة وآدم وإبليس والجنة والخطيئة. وهي تفصيلات تحيل على مفهوم الوحي، بين البشري والإلهي، عند مقارنتها بالأساطير. فهل قصة الخلق تنتمي للوحي الإلهي، أم تطوّر لحكاية الخلق في الأساطير، مرورا بالتوراة؟. وكيف حصلت قفزة معرفية بين التوراة والقرآن، فثمة تفاصيل قرآنية تسترعي اهتمام الباحث والمفسّر، لأنها لا تنتمي لعصرها. وكانت ثقافة قريش ومن حولها، مقتصرة على قصص أهل الكتاب وما بأيديهم من خرافات وحكايات شعبية. فإذا لم تكن وحيا فهل هي عبقرية لشخص اسمه محمد بن عبد الله؟ إذا كانت كذلك فأيضا تستحق الدراسة والتأمل الطويل، لفهم روافد وعيه وعبقريته ومصادر معرفته. لا ننفي دور الثقافة في تمثّل القضايا المجردة والمفارقة والغيبية، لكن لا يشترط وجودها التفصيلي، ويكفي إمكانية ربط طرفي القضية، تمهيدا لوعيها وتمثّلها وإدارك معاني مفرداتها، وهذا القدر كان موجودا، والجديد ما ذكره القرآن من تفصيلات وتوجيهات عقدية، ينبغي تقديم ما يبررها كظاهر لم تتكرر منذ 1450 عام تقريبا. على خلاف من يؤمن بـ"وحيانية" الكتاب، فهو لا يرتاب بحقيقته، ومطمئن لصدقيته.

ثمة إشكال آخر: إن احتفاظ التوراة ومن ثم القرآن بذات الحكاية الأسطورية ولو إجمالا، يثير استفهامات، تستدعي تفسيرا يتناسب مع "وحيانية" الكتاب. أي انتمائه القطعي للوحي كما تؤكد الآيات، وتجادل من يدعي بشريتها: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا). تقول الآية: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا، وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا، رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا). والأساطير ليست وحيا، ولا يمكن نسبتها للأنبياء، مادامت تؤمن بتعدد الآلهة خلافا للأديان التوحيدية. وهذا لا يعني مسؤولية الأسطورة عن تعدد الآلهة، لأنها تحكي عن واقع موجود أو متخيّل، ورؤية متداولة ولو إجمالا، ثم تأتي الأسطورة تلخّصه رمزيا لتفادي سجون التاريخ واللغة. فقصة  الخلق تعود تاريخيا لمثيولوجيا أساطير الأولين، وتنتمي لرؤية كونية تقوم على تعدد الآلهة، وهذا لا خلاف حوله. ووجودها في التوراة، يعني تسرّبها أو تبنيها، وإعادة بنائها على أسس توحيدية، وكلا الاحتمالين يثير إشكالا عاصفة حول صدقية التوراة. وقام القرآن بتصديقها وفقا لمنهجه في تصديق ما بين يدي الرسول أو ما بين يدي الكتاب من كتب سماوية، مع ترشيدها عقائديا، وتقويمها تشريعيا.فجاء القرآن ليؤسس قصة الخلق وفقا لرؤية كونية توحيدية ومضامين إنسانية، تستمد شرعيتها من حقائق وجودية، ترتبط بالإنسان باعتباره سيد الأرض، وهو أحد مداليل الآية الأولى في قصة الخلق: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً). وهذا القدر لا ينهي المشكلة، ويبقى الإشكال عن حقيقة العلاقة بين الأساطير والكتب السماوية. ونعود ثانية لمفهوم الوحي، أو نقدم تفسيرا مقنعا وفقا لمسار أحداث الكتاب وسياق آياته. أما المفهوم الأولي للوحي فهو غير معني بأي علامة استفهام، والكتاب عنده وحي مطلق في جميع تفصيلاته. والثالث ينفي وجود الوحي، وهو اتجاه يعود لعصر النزول: (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا). فهما اتجاهان متوازيان. وأما المفهوم الثاني للوحي، فالثقافة القبلية شرط للتعبير عن المعنى الموحى به، لكن الاطلاع لا يعني تبني أساطير الأولين. ويبقى المفهوم الرابع للوحي يؤمن بتطور الخبرة البشرية بإزاء التجربة الروحية، وهي سلم صاعد من الأدنى إلى الأعلى، وهذا قد يفهم الأسطورة فهما مغايرا، والتفصيل في محله.

لكن ثمة رؤية جديدة لمقاربتها: في قصة أصحاب الكهف التي وصفها القرآن بالحق، كسب النبي الجولة مع قريش، وأثبت نبوته، عندما أخبرهم بجميع أقوال أهل الكتاب حول عدد أصحاب الكهف ومدة مكوثهم، فكانت الآيات تردد، يقولون.. ويقولون..، غير أن القرآن لم يصرّح بعددهم ولا مدة مكوثهم، وأحال علمهم لله، مما يؤكد رمزيتها وعدم واقعيتها، إذ لا يمكن لله المحيط بكل شيء حسب فرض القرآن، يخطئ في عددهم، ولا يعلم مدة مكوثهم. وبدلا من الانشغال بوقائع القصة، أكد على بعدها الإيماني: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى، وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا، هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا، وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا....). ورغم استقلالية قصة الخلق في موضوعها، وعدم إشارتها لأهل الكتاب، فإنها حاضرة في التراث العربي، من خلال حضور أهل الكتاب، ولم تكن غريبة عليهم. فالقرآن بين أمرين إما أن يكسب ثقتهم من خلال تصديق ما عندهم كما في قصة أهل الكهف، ومن  ثم يوظف أحداث القصة لثيمة الخلق، التي هي ثيمة الإنسان في الأرض. أو يأتي بجديد لا ينتمي إلى ثقافتهم فيحكمون بإسطوريته، ويخسرهم. خاصة أن غاية القصص هي العظة والعبرة: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ)، فهي تتحق بالقصص الرمزي كما تتحقق بالقصص الواقعي. وكان القرآن ملتفتا للإشكال لذا تضيف الآية: (مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى). فلم تكن القصص أحاديث مفتريات أو مجرد أساطير، عندما صدّقت ما بين أيديهم، لكن الضرورة اقتضت استثمارها لتحقق أكثر من مكسب، مع مراعاة الهدف العام للكتاب والدعوة الجديدة: (وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ). ومن ثم، كي يتحقق الهدف: (وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ). لذا امتاز الكتاب بتفصيلاته الزاخرة بدلالات رمزية، تتوقف على إدراكها هداية المؤمن: (وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ). وبالتالي فالتشابه في حكاية الخلق، إشكالية حقيقية، لا يمكن تجاهلها أو القفز عليها، بل تتطلب فهما يقارب تفصيلاتها. بهذا يتضح أن تصديق أهل الكتاب استراتيجية ضمن رسالة النبي محمد: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).

نخلص، أن المنهج المقارن قد ساعد على فهم قضية أساسية من خلالها يمكن تحري الفارق الدلالي بين الأسطورة والكتب السماوية، وهي أن قصة الخلق جاءت في سياق أسئلة الوجود، مما يؤكد تشابهها، الذي أثار الإشكال أعلاه. وبما أنها جاءت كذلك فيمكن فهم دلالاتها، في سياق فهم الإنسان ودوره في الحياة الدنيا.

ثانيا: الاشتراك في ......

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi9احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الثانية والستون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي

 

استفهامات الحقيقة

ماجد الغرباوي: الأصل في قصص القرآن واقعيتها، ما لم تدل الشواهد على رمزيتها، التي تعني توظيف الخيال لتشييد نص أدبي يحاكي القصص الواقعية في حبكتها، وثيمتها، لتمرير حزمة معانٍ ومفاهيم، يكون السرد القصص الرمزي أقدر على تمثّلها، وردم الهوّة بين النص والمتلقي، بعيدا عن حقيقتها كوقائع وأحداث، مادامت تؤدي مقاصد النص وغاياته الفلسفية والأخلاقية والدينية، بشكل يكون الرمز دالا عليها. وقصة الخلق في القرآن مكتملة العناصر، توحي بواقعيتها من خلال حبكتها وحركة شخوصها، لولا علامات استفهام وتوالي أسئلة، تكاد تجزم برمزيتها. فنحن أمام نص يصعب تحييده، يتناوب عليه مسار تفسيري يلاحق وقائعه وأحداثه، ومسار تأويلي، مغرم بتقصي مداراته، يتطلب أدوات معرفية وتأويليه للوقوف على مضمراته، والكشف عن مقاصده وغاياته. فالتأويل يتحرى ثيمة القصة، لتحديد معالمها، وكيفية توظيفها، عبر الفضاء المعرفي للمتلقي، سيما الأفق الخلّاق، والخيال المبدع، الذي يواصل تشكيل دلالات النص مع كل قراءة. وبالتالي لا حقيقة للقضايا التجريدية والغيبة خارج النص والفضاء المعرفي للمتلقي، فتختلف دلالاتها، وتجدد مع كل قراءة، وثراء ثقافي على مستوى وعي الذات، وحدودها ومعالمها.

وقبل استنطاق النص بحثا عن شواهد تعزز رمزيته، نذكّر بأن القرآن جاء مصدّقا لما بين يديه من التوراة والأنجيل، وقصة الخلق جزء من أسطورة الخلق التوراتية، حيث تخصص يوما لخلق آدم وحواء وإسكانهما الجنة. مجرد حدث تاريخي لا يشي بمعان رمزية أو قيم إنسانية وأخلاقية. والأسطورة تاريخيا سابقة عليها، تحكي سؤال الوجود الملازم لشغف الإنسان بالخلود، لمعرفة أصل وجوده ومصيره. يبحث دائما عن إجابات لظواهر الحياة والموت وما بعد الموت، وهي أسئلة وجودية، تعبّر عن قلق عميق يستبد بالإنسان لا شعوريا. فقصة خلق آدم جزء من قصة الخلق. وهي قصة أسطورية في جذرها التاريخي، وردت في الألواح السومرية والبابلية. قصة خاوية، تؤرخ لبداية حياة الإنسان، وغاية وجوده. خلاصتها أن الآلهة قد طلبت من كبيرها أن يخلق من يقوم مقامها في الأرض بعد أن تعبت، وأرهقها السعي وراء تحصيل أرزاقها، فخُلق الإنسان من دمها وعلى شاكلتها. وهو أقصى ما بلغته المخيلة البشرية آنذاك. وفي التوراة حصلت قفزة نوعية في قصة خلق الإنسان، ابتداء من توحيد الآلهة، وانتهاء بدوره في الأرض، مرورا بالجنة وكيف أغرته الحية، فارتكب خطيئته، عندما أكل من الشجرة المحرّمة. فثمة تشابه، بين التوراة وأساطير الأولين. فهل القصة وحي إلهي أم فكرة بشرية، ضمن جهود الإنسان لفهم حقيقته، وفك أسرار وجوده؟. وليس هذا مهما مادامت ثيمة القصة واحدة، تؤكد خلق آدم. الآلهة في الحضارات القديمة، والله في الأديان التوحيدية.

وقصة الخلق بنسختها الأسطورية لا تتعارض مع الفهم الرابع للوحي، لأنه من الأدنى إلى الأعلى، فيكون قد تمثّلها أثناء عروجه في مراتب الكمال الإنساني، وتكون المرحلة التالية ترشيدا للوعي. بل أيضا لا تتعارض مع الفهم الثاني للوحي، الذي يقول باقتصاره على المعنى دون اللفظ. إذ يتعذر حينئذٍ على النبي إدراكه، الذي يتطلب – أي الإدراك – وجود قبليات تمهّد له على مستوى الفرد، ووسطا ثقافيا على مستوى المجتمع. فالمفاهيم السابقة، بما فيها القضايا الميثولوجية حاضرة في عملية إدراك المعنى، وفي ضوئها يمكنه مقاربة المعنى، وما يطرأ عليه من دلالات، تفرضها قبليات المتلقي / النبي. ولعل عدم وجود ممهدات ثقافية كانت وراء غموض جملة مفاهيم وآيات تناولت قضايا غيبية. وليس سببها عدم وضوح الصورة التي يراها النبي في أحلامه، كما يذهب لذلك عبد الكريم سروش. بل السبب عدم وجود قبليات أولية تساعد على تمثلها فتبقى غامضة أو ملتبسة، كاللوح والذكر والعرش والكرسي. وبالتالي فالاطلاع على الموروث واللاهوت الديني يمهّد لفهم المعاني الدينية، ولو بشكل مقارب، فيصح أنه رهان وضوحها وبيانها، عندما يساهم في تشكيل وعيها وإدراك دلالاتها الأولية. فالملائكة والجن مفاهيم شائعة، يمكن من خلالها إدراك الفوارق الدلالية بين المفهومين المتوارث والجديد. عكسا للمفاهيم الغريبة، تبقىى غامضة، ملتبسة، لعدم وجود قبليات تمهّد لفهمها وإداركها.

مشاهد الخلق

لقد واصل القرآن حديثه عن قصة آدم باعتباره مصدّقا للتوراة والإنجيل. يؤكد ما كان حقا، ويزهق الباطل، والآيات متعددة، منها:

(نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ).

(وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ).

(وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ).

والآية الأخيرة تؤسس لهيمنة القرآن، ليبقى حقيقة دينية مطلقة ومرجعية نهائية، لا تعلو عليه كتب السابقين. وقصة آدم وردت في التوراة وهو يصدّقها إجمالا، ويقدمها بشكل مختلف، عندما يمنحها أبعادا أخلاقة وإنسانية، وفق نظريته حول الإنسان باعتباره محور الحياة، ورهان الله مع ملائكته. وهذا هو المغري الذي يدعو لتأملها واستنطاق نصوصها وآياتها، فهي تحكي غرائبيات رغم أنها تبدو قصة من حيث حبكتها وتقنية سردها، وتسلسل أحداثها وحركة شخوصها.

وردت قصة الخلق في سور: البقرة، الأعراف، الكهف، وطه. كل سورة استعرضت بعدا من أبعادها، مع وحدة ثيمتها ورموزها، وموضوعها الذي هو خلق آدم. وما علينا سوى طرح الأسئلة واستنطاق الآيات لمعرفة مدى واقعية القصة، ومن ثم  تقصي ثيمتها، وكيف يمكن توظيفها لخدمة الإنسان ومبادئه في إطار قيم الدين والإنسانية. سيما العقل كقيمة عليا. وقد تقدم استعراض الآيات، وسنكتفي بالإشارة لبعضه.

أما عناصر القصة، فهي:

- الرموز الأساسية: الخالق، الملائكة، آدم، إبليس، الشيطان.

- الأمكنة مجهولة باستثناء: الجنة، الأرض.

- الرموز الاعتبارية: خليفة، الأسماء كلها، السجود، شجرة الخُلد، الخطيئة.

عندما نستعيد فصول القصة ستبرز أسئلة تصلح شاهدا على رمزيتها، وتكرّس لفهم دلالات أعمق (وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ). والأسئلة تبدأ من بداية الإعلان عن خلافة الإنسان:

- بدءا، نحن لا نعرف عن الخالق سوى ما حدّثنا به القرآن. هو غيب مطلق، حارت العقول في كنهه وتحديد ماهيته ومعرفة حقيقته. غاية ما يصل إليه التأمل الفلسفي: ثمة قوة خالقة لهذا الكون والنظام. وأما مشخصاته فقد ذكر الكتاب الكريم: (ليس كمثله شيء)، لا يقارن بمخلوقاته، ولا يقاس بها: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ). فلا يمكننا تصور حديث الله مع ملائكة أو مع أي من مخلوقاته، مهما حاولنا ذلك، لأنه ممتنع في ذاته. وهذا يكفي شاهدا على رمزية القصة.

- من هذا المنطلق نتوقف عند قوله: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً). لا شك أن المتبادر من المخاطبة المباشرة في القصة واقعيتها، ما لم تدل الشواهد على ضدها، لكن هل يمكن للخالق أن يخاطب الملائكة مباشرة؟، وكيف كان يخاطبهم؟ بأي لسان وأية لغة؟ وهل الملائكة مؤهلة لمخاطبة الخالق بعظمته؟.

- لا نعرف شيئا عن الملائكة، هل هي كائنات محايثة أم نورانية أم كائنات رمزية؟ كل هذا غير واضح، سوى أنها وسائط بين الخالق وخلقه: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ، لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ).وأيضا (جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ)، فهم رُسل بهيئة مختلفة، عبر عن قدراتهم الخارقة في التنقل بأنهم ذو أجنحة، تتفاوت سرعتهم تبعا لعدد الأجنحة، فهو تعبير رمزي، عن معنى أعمق. وهم ليسوا أناثا: (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ). لقد كان مفهوم الملائكة متداولا في الثقافة العربية، وكانت الآيات تصحح تصوراتهم عنها. فكيف كان يخاطبهم، وكيف كانوا يردون؟، كل هذا وغيره يدفع باتجاه رمزية القصة.

- ما هو الدافع وراء إخبار الملائكة، وهو يعلم أنهم لا يسبقونه بالقول؟ كما أن القرآن يؤكد: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)؟. لماذا يستطلع رأي الملائكة وهو يعلم مسبقا ماذا سيقولون؟. (وَكَانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا). ألا يدل هذا على وجود غايات أخرى وراء القصة بعيدا عن واقعيتها؟.

- وهل يعترض الملائكة على أوامره، وهم مطبوعون على الطاعة والانقياد: (قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)؟.

- ما معنى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ). يعود الإشكال، لماذا يسألهم عن الأسماء وهو يعلم أنهم لا يعرفونها؟ أم أن دلالات الآية بعيدا عن ظاهرها، وما تتداوله كتب التراث والتفسيرات؟  

- ثم (قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ). أن الملائكة تعلم أنه يعلم غيب السماوت، فلماذا يؤكده هنا؟.

- سبق أن ذكرت ما معنى السجود في الآية، غير أننا الآن أمام استدعاء شواهد تؤكد الانتقال من واقعية قصة الخلق إلى رمزيتها: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ). فهل سجود الملائكة كسجود الإنسان أم شيء آخر. فكيف سجدت جميع الملائكة، وفي أي مكان؟ وهل تعلم كم عدد الملائكة كي يحدهم مكان بعينه؟. يصف القرآن في إحدى آياته عدد الملائكة لمشهد واحد فيقول: (وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا). فالسجود بمعناه الشرعي وليس اللغوي يتعذر تعقله بهذا العدد المهول. ثم تشتد الغرابة في الآية مع موقف إبليس: (فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ). كيف نتصور سجود جميع الملائكة إلا إبليس؟ في أي مكان سجد هذا العدد الهائل من الكائنات السماوية، ومتى وأين؟. أم الآية تشير لمعنى آخر للسجود والتمرّد.

نكتفي بهذا القدر من الشواهد والإثارات فهي تكفي لتأكيد رمزية قصة الخلق في القرآن، وانها تهدف على بيان حقيقة الإنسان وبيان مكانته وخصائصه، وكيفية تعقله للأشياء، وما هي قدراته.

تأملات في قصة الخلق

تقوم فلسفة خلق الإنسان في الأساطير القديمة، السومرية والبابلية، على اختزال الإنسان، وتكريس عبوديته للآلهة، التي خلقته مطبوعا على الطاعة والانقياد، تستعين به لتأمين قوتها وغذائها، بعد متاعب الأرض التي أنهكتها، فتكون العبودية جوهره وحقيقته، وليست عارضة أو طارئة عليه. فهو كائن مستلب الإرادة والحرية، متقوّم بغيره. وهو ذات المنطق العبودي الذي ينفي استقلالية الإنسان، ويكرّس تبعيته الوجودية، حداُ يبيح هدر إنسانيته. والأمر لا يختلف مع الأسطورة التوراتية، فالإنسان سيكون حارسا على الأرض ومسيطرا على الأسماك والبحار. أو ليُذهب وحشة الأرض كما في بعض نسخ التوراة. فلم يكن مخلوقا لذاته، مستقلا بإرادته. بينما يعطي القرآن الإنسان قيمة مغايرة حينما جعله خليفة، على الأرض، ومنحه العقل والإرداة والحرية. ليتحمّل مسؤولياته ويؤدي وظيفته الوجودية، وليس عبدا وخادما للآلهة، ولا متسلطا على الأسماك والطيور. بهذا نفهم أن الله أراد أن يخلق إنسانا تتجلى إنسانيته من خلال مشاعره وأحاسيسه وسلوكه. فالقرآن صدّق فكرة الخلق وأعاد تشكيلها وفقا لمفاهيم إنسانية، ليضع فاصلا بين مرحلتي الأساطير والوحي الإلهي، في ضوء الإطار العام للكتاب القائم على وحدانية الخالق. فيتفق مع التوارة في الوحدانية، ويختلف معها حول هدف الإنسان في الحياة، كما استعاد إنسانية الناس، التي سلبتها أساطير الأولين، باعتبارها نتاج مجتمع، يكرّس عبودية الفرد دينيا، ويسلب إرادته وحريته.

ولو نظرنا لفلسفة خلق الإنسان بعيدا عن قدسية الكتاب. فثمة تطور في وعي الإنسان لذاته والآخر، عبرت عنه الأساطير من خلال قصة الخلق، وما تضمنته من حكايات حول كيفية خلقه، وتحديد مهامه، تعكس مستوى الوعي الثقافي لبيئة الأساطير. وأقصد بالثقافة الأعم من الدين والفن والرموز. فالأساطير واكبت حركة الوعي المجتمعي، فهي دالة عليه. لذا كان من الطبيعي أن تؤصل أساطير الأولين لسلطة الآلهة وعبودية الفرد، في الحضارتين السومرية والبابلية. ثم بعد توحّد الآلهة بالإله مردوخ، بدأت ثقافة المجتمع تتأثر بالمنحى الجديد، كما هو واضح في التوراة، التي تحدثت عن الإله الذي خلق آدم على صورته، ليكون حارسا للأرض أو ليبدد وحشتها، وقد خوّله بعضا من سلطاته على الماء. فاختلفت عن أساطير الأولين حول الإلوهية، وحقيقة الفرد من خلال مسؤولياته، فلم يعد عبدا للآلهة، بل مخلوقا لإله واحد، هو الذي خلقه على شكله. ثم جاء القرآن ليسجل نقلة نوعية، لم تكن مسبوقة، حينما راحت قصة الخلق تستعرض حقيقة الإنسان عبر مشاهد القصة، التي اختلفت في تفصيلاتها.

وهنا يأتي السؤال، هل ثمة ما يؤكد تطور وعي المجتمع المكي، وتخليه عن قيمه القَبلية، التي هي قيم عبودية بامتياز؟. وهل الوعي القرآني هو نتاج بيئة ثقافية قائمة على التوحيد وإدراك الأبعاد الإنسانية؟

لا اعتقد ذلك، مما يقوّي فكرة الوحي، حتى مع القول بعبقرية محمد، فإنها عبقرية استثنائية، استمدت وعيها من أفاق نفسية وأخرى غيبية. وبالتالي حتى لو نسبنا تطور الوعي إلى الصراع الطبقي، فإنه لا يصدق على زمن الرسالة، لا أقل من جانب النبي محمد، لعدم وجود شواهد وأدلة كافية، فلم ينفاسهم أحدٌ إقتصاديا وكان الصراع بينهما صراعا بين الإيمان والشرك. لا أنفي أرتباط الديني بالاقتصادي بالنسبة لقريش، إذ كان توظّف سدنتها لمكة المقدسة عند العرب لتكريس مصالحها التجارية والاقتصادية، ولا ريب في ذلك، غير أن هذا القدر لم يحقق تطورا في وعي المجتمع، وبقي الشرك والقيم القبلية حاكمة.

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi8احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والستون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي

 

مفهوم الحق

ماجد الغرباوي: الحق لغة: نقيض الباطل، وفي معاجم اللغة: (الحَقُّ: من أسماء اللهِ تعالى، أو من صِفاتِهِ، والقُرْآنُ، وضِدُّ الباطِلِ، والأمر المَقْضِيُّ، والعَدْلُ، والإِسْلامُ، والمالُ، والمِلْكُ، والمَوجود الثابِتُ، والصِدْقُ، والموتُ، والحَزْمُ، وواحدُ الحُقوقِ). ويأتي بمعنى (المطابقة والموافقة والصواب والصحيح، والحقيقة). وكل معنى ورد في كتاب الله منسجما مع سياقه. ويمكن تعريفه مكثفاً: "ما طابق الواقع عند الشك وارتياب". فالله هو الحق باعتباره "حقيقة مطلقة"، وإخباراته حق لأنها مطابقة للواقع، حينما تقصده بالذات. ومطابقة لمقاصده وغاياته عندما يقصدها. والقرآن حق لأنه وحي من الله. لكن الأهم أن القرآن وظّف مفهوم الحق مرجعية نهائية لمعرفة الحقيقة وتحديد الموقف الديني من القضايا العقدية، ومنطلقا لانتزاع سلطة المقدّس، فجاء مرادفا: لـ(الخالق، القرآن، الحقيقة، الواقع، الخلاص، الإسلام). يتضح جليا من خلال الآيات، وكيفية توظيف المفهوم عبر سياق النص. والمتبادر من لفظ الحق بعده الحقوقي، وينصرف للمرافعات القضائية، وحسم الخلافات القانونية، لكنه مفهوم زاخر بدلالته.

و(الحق) كان وما يزال منذ نزول الوحي نقطة خلاف بين المسلمين وغيرهم، سيما في زمن الرسالة، ومجاورة أهل الكتاب، حتى استدعى كثافة حضوره، لتفادي مراوغاته، وبيان دلالاته، عبر (283) مورد، شملت جلّ مواطن الشك والتردد والخوف والريبة، حداً يصدق أن الحق كان رهان القرآن في تحديه لأهل الكتاب ومناوئيه. وقد سادت ثنائية (حق / باطل) جميع مشاهد القرآن وهو يستعرض صور الصراع المحتدم حول "الحقيقة"، ومعنى الخلاص. فالحق قرآنيا يحتكر الحقيقة، وليست الحقيقة سوى الحق. والخلاص بالحق ولا خلاص بدونه. فالحق مفهوم خطير، لا يمكن تجاوزه، خاصة وأنت تقرأ قوة إيحائه من خلال سياق الآيات، وكيف يبعث الهمم في نفوس المؤمنين، لمقارعة الباطل وفق المفهوم القرآني. وبهذا الشكل راح مفهوم الحق يضفي معنى الحقيقة المطلقة على القضايا الدينية والمصيرية، في مقابل الباطل، وهو ما خلا الحق.

هذه المقدمة تمهّد لفهم إشكالية القصص القرآني، عندما يُحمل على الرمزية، التي يفهم منها القارئ أسطوريتها وعدم مطابقتها للواقع، فكيف تكون القصة حقا وفي نفس الوقت غير واقعية، فترمى بالباطل والأسطورية؟: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ)، (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ). والأسطورية ذريعة أهل مكة لعدم إيمانهم بنبوة محمد: (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا). وتمثّل خلاصة الجدل الدائر حول جملة قضايا، اتسمت بغرائبيتها أو عدم تطابقها مع موروثهم الثقافي. فالأسطورية ليست مجرد تهمة بل موقف من الدعوة الجديدة، سببها كما أشارت الآيات:

أولاً: أن الأسطورة في مفهوم قريش سمة كل نص تاريخي وقصصي ديني، لا يتطابق مع موروثهم الثقافي، الذي يتغذى على حكايات القصّاصين وقصص أهل الكتاب. وجميعها يركّز على وقائع القصة وما تضمنت من أحداث وتفصيلات، مهما كانت خرافية، بعيدا عن مقاصدها وغاياتها وحكمتها. فتكون الأسطورة، التي تعني الافتراء والكذب، مبررا لعدم إيمانهم. بينما يركز القصص القرآني على العبرة والموعظة، لا على وقائع النص وأحداثه التاريخية. وعليه فالموروث وليس العقل كان مرجعية قريش لتحديد الموقف من قصص وأخبار الكتاب، والمائز بين الحق والباطل. الأول ما وافق موروثهم، وما عداه باطل وأسطورة. (بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ). وهي نتيجة طبيعية للانغلاق المعرفي والثقافي، الذي يكرّس الجهل والأمية الثقافية والتخلف الحضاري والتشبث بالتراث والخرافات، وكان يفترض التأني والاستفهام وعدم إطلاق الأحكام جزافا، فتتحول إلى قضية مزاجية، وهروب مقصود من المسؤولية: (وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ).

ثانياً: عدم إدراك قصدية الآيات وما وراء النص. وعدم إداركهم للعظة والعبرة، فيسارعون لتكذيبها ورميها بالأسطورية. وكان ينبغي لهم التأني، وتأويل النص، أو ينتظرون تأويله لاحقا: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ). مما يؤكد أهمية التأويل كمنهج لفهم النص الديني، بل لا يمكن إدراك العظة والعبرة بعيدا عنه، فهو منهج قرآني، ومنهج العلوم الإنسانية الحديثة، وهو مقوّم أساس لفهم لغة الدين، وتفكيك ألغازها وشفراتها ورمزيتها. وهذا ما أكدته الآية أعلاه. فالقصص الرمزية أو الأسطورية ليست باطلا عندما تحقق غاياتها: العظة والعبرة. (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ). وعلى المتلقي تدبّر القصص القرآني دون التسرّع في رفضها  ورميها بالأسطورية التي تعني الخرافة والكَذب وعدم مطابقة الواقع.

القصص الحق

لا ريب، أن ثراء النص وراء مرونته وخلوده، التي تعني قابليته للتأويل باعتباره حقلا دلاليا، تتعدد مدارته وطبقاته. ومع توغل النقد تنفتح فضاءات معرفية، لا تدرك بالتفسير وحمل اللفظ على معناه المعجمي، دون التأويل. وهذا سرّ التأكيد عليه كإمكانية لتقصي ما وراء اللفظ. النص القرآني نص أدبي بليغ، يوظف تقنيات لغوية تضمن تحدي الآخر بنبرة عالية. وليس كالنقد الثقافي منهجا قادرا على تحري مضمراته وأنساقه المعرفية، وما يخفي ويظهر. وما يقوله ويستبعده ضمن هدفه الكلي. فهو لا يكتفي بكشف الصور البلاغية، بل يتوغل تصاعديا مع ثراء النص واستجابته للتأويل. ويمكن الحد من التفكيك من خلال ذات المنطق القرآني الذي جعل العبرة والموعظة هدفا لقصصه. وهذا لا يعني الحد من قدرة الناقد أو قمعه. والكلام حول التأويل المنتج، الذي نطمح له ضمن سياقات الهدف الكلي للكتاب. وهدف القصة هو الذي يبرر صدقها ومطابقتها للحق، وليس الواقع وأحداثه ووقائعه فقط.

وبالتالي، فالأسطورة لا تقابل الواقع. أسطورة / واقع. بل تقع في مقابل الحق، وما عداه باطل وإن طابق الواقع. حق / باطل / أسطورة بمعنى الخراقة والكذب. وهي ذات الثنائية التي تحكم آيات الكتاب والموقف من المشركين والكفار (حق / باطل).

فالقرآن طرح مفهوما جديدا للعلاقة بين الأسطورة والواقع، استهدفت وعي المتلقي، وأعادت تشكيله وفق رؤية جديدة، لم يألفها ضمن بيئته الثقافية والاجتماعية، فهي بالنسبة له افتراء وأسطورة. إذ ثمة علاقة غير مرئية بين النص والمتلقي، يرتهن لها ثأثيره عليه، هي خلاصة تراكم لا شعوري راسخ، من الصعب زعزعته. وبهذا نخلص أن العبرة والعظة هي الحق بالنسبة للقصص القرآني، وليس الواقع ووقائعه وأحداثه، فما حقق أهداف القرآن فهو حق، سواء كانت القصة واقعية، أم كانت رمزية أو أسطورية بالمعنى لأدبي للأسطورة. هذا ما أكدته الآيتان المتقدمتان، فليس التأويل الوارد فيهما سوى دلالات لا يصرّح بها، تستدعي تأويله. أو بالتعبير القرآني أن ما بيدكم من علم لا يكفي لإدراك دلالات القصة: (بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ)، وكان ينبغي لكم التأني: (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ). بهذه المقدمات يمكننا مقاربة القصص القرآني عامة، وقصة الخلق خاصة.

لا يخفى أن العبرة والعظة لا تختص بالقصص القرآني، بل هي غاية القصص الوعظية والإرشادية. وكثير من القصص على لسان الطير والحيوان (كليلة ودمنة مثالاً)، يقصد بها العبرة والموعظة. أو الترغيب والترهيب. وأيضا يختلفون حولها، فهناك من يلاحق وقائع القصة ويغفل غاياتها ومقاصدها، فيتلاشى تأثيرها باكتشاف حقيقتها، بينما تبقى القصة خالدة بخلود مقاصدها. ولعل مثلا معروفا يكفي لتوضيح الفكرة: كثيرا ما يلجأ الأب أو المعلم والمربى إلى اختراع حكاية لزجر أبنه أو تلامذته. فيحكي لهم عن حيوان غرائبي يفترس كل طفل يقترب من النهر. ويختار أسلوبا حكائيا يصدّقه الأطفال، وتتحقق غايته بالردع. ولو اكتشفوا أسطورية الحكاية تفقد تأثيرها، ويرمون المعلم بالافتراء والكَذب. فمن ينظر لواقع الحكاية يصفها باطلا، ومن ينظر لهدفها فهي حق، يراد بها إجراء استباقيا لتفادي غرق الأطفال.

شاهد قرآني

إذاً المتبادر من مفهوم الحق في القصص القرآني المطابقة التامة بين المضمون والواقع. وعلى هذا الأساس انشغل الخطاب التراثي بقصص الكتاب، يتأمل وقائعها وأحداثها ويتأولها وفقا لرغباته، ويسقط عليها قبلياته، حتى تضخمت تحت ركام تراث روائي راح يحكي تفصيلات لا دليل عليها من الكتاب، ويرفضها العقل، وهي تتحدث عن خرافات وافتراءات، بناء على روايات تاريخية لا تصمد أمام النقد العلمي  وفق ضوابط علوم الدراية والرجال والحديث. لكنها تستهوي السامع في غرائبياتها حول جسم الإنسان ومواصفاته وقدراته الخارقة. وتفسير ظواهر القصص القرآني بعيدا عن العقل، أكثرها تسربت عن طريق أساطير التوراة وحكايات التلمود. 

ولا ريب، أن الحق بمعنى مطابقة الواقع،  يستمد صدقيته من آيات تنفي عن القرآن الافتراء والكذب والباطل، الذي يصدق على التأويل لدى العقل التراثي أو بعضه: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)، (مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى). ثم: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا)، (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا)، فكيف يقنع برمزية بعض القصص؟ وهو إشكال  بات بسيطا مع تأكيد القرآن على التأويل في فهم مقاصد القصة، خاصة ما كان رمزيا منها، غير أن المشكلة أن اكتشاف العبرة غير متاح إلا لأولي الألباب (لَقَدْ كاَنَ فىِ قَصَصِهِمْ عِبرْةٌ لّأِوْلىِ الْأَلْبَابِ). وأولي الألباب مفهوم يستبطن الوعي والإدراك والتأمل والعقل والتدّبر، فمن كان  من أولي الألباب فهو بالضرورة يتصف بهذا المواصفات مهما تفاوتت نسبتها، فتنحسر مصاديقه في دائرة النخب العلمية والطبقة الواعية من علماء ومفكرين.

ينبغي التأكيد أن القول برمزية القصص القرآني لا ينفي واقعيتها مطلقا، فهناك قصص تتحدث عن واقع معين، يتحدى معرفة أهل الكتاب، ودليل على صدقية محمد ونبوته.

(وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ).

(تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ).

(ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ).

(وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ، وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ).

هذه المصفوفة من الآيات تتحدث عن تفصيلات حياة الرسل والأنبياء. وتوجه خطابا غير مباشر لأهل الكتاب مفاده: أن ما لدى محمد من تفصيلات تاريخية حول الرسل ومسيرتهم الرسالية هي وحي من عند الله، لم يسبق له معرفتها، ولم يشهد أحداثها، وحي يوحى له، مما يؤكد نبوته.

أجد من المناسب ونحن نتحرى مفهوم الحق في القصص القرآني التأمل في مقاطع من قصة أصحاب الكهف، وهو مشهد يستدعي التأمل في معنى الحق، بعد التدقيق والمقارنة لنمسك بدلالاتها:

- تقدم، ينبغي مقاربة قصة الخلق في سياق ما ورد في التوراة، وهنا أضيف جميع القصص القرآني التي تأتي: تارة تصديقا لما بين يديه، أي كتب أهل الكتاب، وأخرى تكذيبا وثالثا لتصديق نبوة النبي محمد، وتصديق ما جاء في الكتاب الكريم: (لَقَدْ كاَنَ فىِ قَصَصِهِمْ عِبرْةٌ لّأِوْلىِ الْأَلْبَبِ مَا كاَنَ حَدِيثًا يُفْترَى‏ وَلَاكِن تَصْدِيقَ الَّذِى بَينْ‏َ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلّ‏ِ شىَ‏ْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُون)، فهناك أربعة أهداف وراء سرد القصة القرآنية. وليست هناك قصة لأجل القصة، أو الأدب لأجل الأدب، وإنما أدب ملتزم، وغايات ومقاصد رسالية، تعزز موقع القرآن، وهو يخوض جدلا محموما مع التوراة والإنجيل على مستويات عدة، منها انتزع سلطة المقدس واحتكار الحق، وما يترتب عليه من نتائج يتوخاها النص القرآني. فالحق يعادل احتكار الحقيقة المطلقة، وسُبل الخلاص. فلا ريب بقوة حضوره، وتأكيد الآيات المتواصل عليه.

- تصدّرت قصة أصحاب الكهف آية: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ)، فنحن إذا أمام أنباء، بقرينة الحق، أنها أنباء مختلف حولها، بعضها حق، وهو النبأ القرآني، وبعضها باطل، نبأ أهل الكتاب.

- إذا حملنا مفهوم الحق على مطابقة الواقع فقط، كما هو منطق التراث والخطاب الديني السائد، فستواجهنا آيات تسترعي التأمل في هذه الحقيقة. كيف يمكن تسويتها؟.

- لكي نقارب القصة بشكل صحيح، ينبغي استدعاء ما ذكر حول أسباب النزول، والذي تؤكده ذات الآيات، ومفاصل السرد القصصي. بمعنى آخر، لا نعتمد أسباب النزول ما لم نجد شاهدا يؤكده. وفي أسباب النزول أن قريشا بعثت من يسأل أهل الكتاب، عن كيفية اختبار نبوة محمد باعتبارهم أهل كتاب، ولديهم أخبارهم الخاصة عن الماضين. فكان من جملة ما أخبروهم: هناك فتية في غابر الزمان، إن عرف قصتهم فهو نبي وإلا فمفترٍ. وقصوا عليهم قصتهم. ولما عادوا عرّجوا على المدينة، وسألوا النبي عنهم. فكيف يجيبهم وقد عرف أنهم اختبار صعب؟. هل يخبرهم بواقع أصحاب الكهف الذي لا يعرفه إلا الله، وهو شيء مختلف عما في التوراة؟ وحينئذٍ لا محال سيكذّبونه: (بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ)، ويخسر جولته معهم، ويسجل موقفا ضده. أم يجيبهم وفقا لما قاله أهل الكتاب، وهو باطل، كما يفهمه العقل التراثي؟. وبالتالي فإن جواب النبي سيكون حاسما لفهم معنى الحق، فهو لا يقتصر على مطابقة الواقع فقط، بل يختلف الحكم باختلاف موضوعه ومناسباته، ويبقى الهدف الأساس هو مقياس الحق. فكان جواب القرآن، أنه ذكر جميع الاحتمالات التي قال بها أهل الكتاب وجاءت بها قريش تختبر النبي، فكسب الجولة، وأرغمهم على تصديق نبوته، سواء أعلنوا إيمانهم أم استكبروا: (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا). فحققت الآية جميع أهدافها، أكدت ما جاءوا به من أخبار، ونفت صدقيتها. وبقي الحق مختصا بالله. فالحق ليس مطابقة الواقع دائما، كما في رد النبي. كي نحتج على رمزية القصص القرآني. ثم تكمل الآيات: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا). فالنص ينقل المتداول عند أهل الكتاب، ولا يمضي الواقع، ورغم ذلك يصف إخباره هو الحق. فالحق ليس في تفاصيل قصة أهل الكهف كما ترويها أسطورة التوراة، بل بما حققه السرد القرآني على لسان النبي. ونخلص أن رمزية القصة القرآنية لا تتنافى مع الحق، بل يتأكد مع غاياتها ومقاصدها. وإلا لا معنى للتردد في بيان عددهم وعدد السنين التي لبثوا في كهفهم، وهو محيط بكل كل شيء، وعالم بكل شيء. التردد يتنافي مع وصف الحق الذي يعني الجزم واليقين، غير أنه لا يقصد الواقع عندما وصف نبأهم بالحق، بل يقصد معنى غيره. لذا تختتم القصة في القرآن: (فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا). لأن الوقائع غير مقصودة بالذات.

لكن يبقى السؤال: ما هو الدليل على رمزية القصة؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi7احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الستون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

 

ضرورات المنهج  

ماجد الغرباوي:ثمة دلالات تستدعي فهماً تأملياً يمكّنه التقاط جملة إشارات هاربة، والتماعات تتوارى بفعل تقنية لغة النص وطريقة تعبيره، ليؤسس فوقها رؤية مغايرة، في ضوء الواقع، وجدلية العلاقة بين المفردة والسياق، والتأثير المتبادل بينهما. وتزداد الحاجة لمناهج نقد النص الحديثة طرديا مع ثراء النص وقوة إيحاءاته وإحالاته، لتجاوز محنة التقاطع بين النص المقدّس ومعطيات الواقع، وكيفية فهم اللامعقول الديني مع عدم القدرة على إثباته علميا وتجريبيا سوى إيمان الفرد وقناعته الشخصية، فيكون التجرد شرطا في فقهه وفهم مداليله. أعني التخلي عن أهوائه ومواقفه وإسقاطاته، وعدم الكف عن البحث والتنقيب ومساءلة النص، للكشف عما يريده وما يستبعده، والتأمل في أسلوب الخطاب، وكيف يعيد النص تشكيل الواقع لتمرير رسالته، كما في الروايات الدينية والتاريخية التبجيلية – مثالاً - التي تنشد تعزيز قناعة المتلقي بقدسية بطل الرواية، اعتمادا على خلفيته، فيخلق النص علاقة بينه وبين قبليات المتلقي، ويعيد تشكيلها لترسيخ حقائقه، عندما يتعمد الراوي إخفاء تفصيلات وقرائن لو ذكرها يخسر النص رهانه، هذا إذا أحسنا الظن به ولم يزوّر الوقائع التاريخية، كما في الروايات الموضوعة والروايات التبجيلية. وهنا سينجح في تمرير رسالته ما لم يمارس المتلقي النقد، يواصل الحفر والتنقيب، لفضح  تقنياته وطريقة اشتغاله في تمرير رسالته. المتلقي قد يغفل دور النص لا شعوريا عندما يتعامل مع الحقيقة، بفعل غواية الخطاب وقدرته على تمرير رسالته بعيدا عن دور النص. فنقد النص وتعرية حقيقته يزعزع صدقيته كمرجعية مطلقة، متعالية.

أو يترك النص هامشا للتأويل، لتحري دلالاته ومضمراته، كما في قصة الخلق التي نحن بصددها، عندما يتسلّح الباحث بعدة معرفية ووعي يقلّب به أوجه النص، في حركة تأويلية دؤوبة بين مداراته ومختلف علائقه. النص عالم مدهش في أساليبه التعبيريه، وطريقته في الإظهار والإخفاء، وقدرته على توظيف قبليات المتلقي في سياق هدفه حداً يعيد تشكيل الوعي. فالنص، أي نص، ليس بريئا، بل يراوغ ويخفي أكثر مما يظهر، ويضمر أكثر مما يقول، وكلما زادت مراوغات النص كلما تراكمت دلالاته. فثراء النص يعرف بمقاومة التأويل وقدرته على المراوغة، واستجابته المخادعة لأداة النقد، فكلما عوّل الناقد على إحدى دلالات النص، تبدد يقينه مع مواصلته التحليل والتفكيك. فالنص القوي لا يعطي نفسه بسهولة، ولا يبوح بأسراره وشبكة دلالاته، حتى أجد النص أكثر خيانة عندما يمارس غوايته ويتستر على الممنوع والمحرّم والمسكوت عنه. وفي كل هذا يجب عدم إغفال قبليات الناقد وتأثيرها على تأويل النص. وقبلياته ثقافته التي يستمدها من بيئته ومعاناته الفكرية والعقدية، ومجموع ما يؤمن به من عقائد ومسلمات وثوابت. فنقد ثوابت المتلقي تؤثر هي الأخرى في فهمْ النص. يظهر هذا جليا في الانحياز الأيديولوجي، حينما يسقط الباحث قناعاته على النص، ويستنتج ما يعضد عقيدته. أو حينما تسلبه قداسة النص حرية النقد، وهو سرّ تفاوت فهم ذات النص بين الباحثين. لا أستهين بدور النص حينما يفرض محدداته، ولا أشطب مؤلفه، عندما يتعلق الأمر بسلطته. كما لا أحد يشترط على الباحث حضور المؤلف، وبامكانه فهم النص بمعزل عنه، وهذا يشمل جميع النصوص الأدبية وغيرها. لكن هل يمكن تجريد النص الديني من قداسته؟.

بلا شك لا يمكن تجريد النص الديني من قداسته، خاصة بالنسبة للباحث الديني، فتجده محاصرا، لأن معنى القداسة في أحد أبعادها، تعني لديه الجمود على حرفية النصوص، وعدم زحزحة دلالاتها خوفا من المساس بقداستها. فالباحث يتهيب المغامرة التأويلية، خاصة مع صرامة خطابات الترهيب. فيجد نفسه أمام خيارين، إما التمسك بظاهر النص وإملاءات التراث وفاء لإيمانه ولقداسة النص، أو التضحية بثوابته الإيمانية، التي تعني التشكيك بمصداقية الخالق وبالتالي الكفر به، ما لم ينتقل كليا من خندق الإيمان إلى خندق اللا إيمان بعالم الغيب. فيقتصر بحث الباحث الديني على التفسير والتوجيه والتبرير والتوضيح وإعادة تشكيل الوعي بذات السقف العقدي، وبذات المقولات الكلامية والإيمانية. والحقيقة أن الباحث الديني هو الذي جنى على نفسه عندما حاصرها بفهم واحد لمفهوم القداسة. وقد مرّ مكررا أن للقداسة فهماً آخر، وأن قداسة النص لا تستدعي الانغلاق، والجمود على حرفيته، وعدم تأويله وفهمه وفق سياقاته. ولا تجرّد النص من تاريخيته، ويبقى النص موضوعا للفهم والتفسير وحتى التأويل. ويزداد التأويل ضرورة لتفكيك رمزية النص كلما كان متعاليا ومقدسا. ثراء النص لا ينفد بنقده، بل تتطور دلالالته.

ولا مراء أن الأسلوب القصصي الأقدر بين الأساليب الأخرى على تمثّل المفاهيم المجردة والقضايا المفارقة، عندما تحولها إلى مشهد متحرك، يمكن معايشته عبر شخوص القصة وتقنية السرد، فتتجلى القيم والمفاهيم من خلال الحدث، ومسرحة الوقائع. وربما مثل أو حاكية  أو وسيلة إيضاح أو رمز أقدر على إيصال الفكرة للمتلقي من مقال أو دراسة مفصّلة. وربما الجميع يتذكر ثلاثية نجيب محفوظ التي جسدت مفهوم الاستبداد وسلطة الأب ضمن النظام الأبوي، من خلال سلوك "السي سيد"، رغم تعدد ثيماتها، ولو أنك تقرأ كتابا عن البطريريكية لما تجلى مفهومها كما في السرد القصصي، وأوضح عندما يتحول النص إلى مشهد تمثيلي أو درامة متلفزة. خاصة عندما تكون المفاهيم عصية، أو تكون القضايا المفارقة حداً يصعب  تمثّلها. وبالتالي فنحن أمام نص أدبي، يحمل ثيمة معينة، ما إن نضع اليد عليها، نتمكن من فهم فصولها ومشاهدها، وفق منهج التدبّر "ألا يتدبرون القرآن"، الذي يعني التأمل العقلي والفلسفي في النصوص العميقة التي تنطوي عليها القصة.

الوحي ثانية

ينبغي التأكيد ثانية على مفهوم الوحي ودوره في تمثّل المفهوم. فقصة الخلق بالنسبة للأول قصة واقعية (نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ)، وفقا لفهمه معنى الوحي. واعتبار القرآن وحيا من الله معنى ولفظا، فينحصر دوره بالتلقي والبيان والشرح. يكتفي بحمل اللفظ على معناه، لا يقارب النص تأويلا إلا قليلا، ويبقى محاصرا بالتراث.

والثاني يقصر الوحي على المعنى دون اللفظ، ليمثّل القرآن فهمَ النبي للوحي. وهو فهمٌ بشري، يرتكز لقبلياته وثقافته وبيئته، وحينما نكتشف ثيمة النص يمكننا تأويله وفقا لمقتضيات عصرنا وفهمنا للواقع وضروراته، ولا تعارض في البين، لأن في كل الحالتين هو فهمٌ بشري، لا فرق في ذلك سوى الواقع وضروراته، وهذا لا يسلب الرسول قدسيته، ونتكلم هنا عن الفهم الثاني لمعنى الوعي. وبالتالي  فالنبي بشر بصريح الكتاب، واجه مفاهيم مجردة وقضايا مفارقة وراح يتمثلها من خلال الآيات، حدوده قداسة النص وسلطته. وفهم النص يتغير بتغير شرطه الثقافي والتاريخي، وثمة كشوفات معرفية هائلة تنعكس لا شعوريا في فهم الباحث.

والثالث: يتعامل مع النصوص على أساس بشريتها، ويمارس نقده على النص من هذا المنطلق بعيدا عن سلطة القداسة. وبحرية مطلقة، لا تحده حدود، وقد ينتهي لنتائج مغايره تماما. فهو يفهم النص نتاجا بشريا ويأخذ كل متطلباته في صياغة النص. ويقرأه وفقا لحاجاته البشرية، بمعزل تام عن قداسته. بمعنى أدق أنه يقارب النص بمعزل عن مؤلفه، ويمارس نقده في ضوء معطيات العلوم وما يؤمن به من فرضيات ونظريات معرفية. يتوغل في بنيته المثيولوجية ويسعى الاستنطاق رمزيته بحثا عن دلالات تتستر باللغة وتقنياتها. فهو لا يكف عن فضح بشرية النص وتقنياته في التخفي واستغفال المتلقي.

والرابع قد يضفي على مخيلته شيئا من القداسة، ويفرض سلطتها عليه. وهو يختلف عن الأقسام السابقة، لأن الوحي في فهمه تجربة بشرية تنفتح على آفاق الغيب والمطلق، والفارق بات دقيقا بينه وبين القسمين الثاني والثالث، فهو من جهة يشابه الثالث في بشريته، ويشابه الثاني في تجربته الروحية، لكن يتنزل عليه الوحي، وهنا إنفتاح على آفاق روحية واسعة، يستلهم من تجربته معارف دينية وعقدية وروحية.

وبالتالي إما أن يقرأ المتلقي قصة الخلق من داخل النص، فيكون منحازا لقداسته لا شعوريا. أو يقرأ قصة الخلق من خارجها عبر نسق فلسفي تأملي، والاستعانة بمناهج العلوم الحديثة، بعيدا عن مؤلف النص وسلطته، فيقدم فهما وفقا لمعطياتها، ليواكب الحاضر ومتطلبات الواقع، بعيدا عن الأوهام والأحلام الطوباوية. عقل الإنسان ووعيه في تطور مستمر بتطور العلوم والآفاق المعرفية الحديثة، وما لم يواكبه عبر قراءة منفتحة، سيضحي بالدين، رغم ما فيه من زخم روحي وأخلاقي، يعضد مسيرة الفرد والمجتمع، لاستباب الأمن والاستقرار.

والحقيقة لا مانع من توظيف المناهج الحديثة، ليبقى الباحث ينقب في أعماق قصة الخلق بحثا عن ثيمتها الأساسية، التي ستكون منطلقا لفهم كثير من القضايا الدينية المرتبطة بها. بل أجد أن معطيات العلوم الحديثة باتت أمرا واجبا حيث تزودنا بمعارف تساعد على فهم النص الديني وخلفياته وشروطه. فالأنثربولوجي حينما يقدم كشفا اجتماعيا، يساعد على فهم بعض الظواهر المجتمعية آنذاك، وحدود الدين في وعي المجتمع المكي. ويعلل لنا مثلاً، لماذا لم يتقبل أهل مكة فكرة التوحيد؟ ولماذا التمسك بالشرك من ناحية اجتماعية، وما هي انعكاساته؟ ما هي الدوافع الاجتماعية والاقتصادية وراء رفض الدين الجديد. وأشياء كثيرة. وأيضا بالنسبة لعلم النفس الذي يساهم من خلال آخر الاكتشافات على فهم طبيعة الفرد والمجتمع من ناحية نفسية. ومدى تفاعله مع القضايا الغيبية والخرافية والأسطورية؟ وماذا يعني إيمانه بالجن والقوى الخارقة والسحر؟ وكيف نفهم الروح القبلية ودورها في الإيمان والشرك؟ وما هي الأسباب الحقيقية وراء الانقياد المطلق لسلطة الشيخ. وهكذا منهج التفكيك والأركيولوجيا والهرمنيوطيقا. كل واحد منها يضع تحت تصرف الناقد أداة لتحري طبقات النص وفهم طريقة اشتغالها لتحقيق ثيمة النص ضمن بنيته المثيولوجية.  بهذا الشكل نوظف قصة الخلق لفهم ديني مستنير، نستعيد به إنسانية الإنسان، ونخرجه من كونه مذنبا مطرودا من الجنة، تلاحقه الخطيئة في نسله، ويتحمّل مسؤولية خطيئة الإنسان دائما، إلى كونه خليفة في الأرض، سيدا عليها. مع هبوطه بدأت مهمته الإلهية، والخلافة الربانية. وأما النتائج الخطيرة التي يحذر منها الداعية الإسلامي عند توظيف مناهج النقد الحديثة، فلا تؤثر، لأن خوفه يعود لتشبعه بالتراث، حد الهيمنة المعرفية، التي ترفض كل معرفة دونها.

من هنا نبغي مقاربة قصة الخلق بعيدا عن الفهم التراثي المتداول للقداسة. ونريد استنطاق النص بذاته. وستتكفل المقدمات التي بينتها سلفا بحفظ تعالي القرآن وقداسته بالمعنى المتقدم أيضا، حيث اشترطت في تناول النص الديني خصوصيته، وهي أن بنية النص الديني تربط بين عالمي الغيب والشهادة. أمنت أو لم تؤمن به. نحن لسنا أمام قضية إيمانية، بل أمام قضية مقدّرة، ويكفي فهم النص بمعزل عن مؤلفة، ولا داعي لأنسنة النص وسلبه قدسيته. بإمكان المتلقي رمي النص بالخرافة والهرطقة، وأما من يرد مقاربة النص الديني فهذه بنيته. ثمة مساحة مثيولوجية واسعة إلى جوار عالم الشهادة. وعلى الدارس ملاحقة مختلف تأثيراته التي منها فهم النص. وقصة الخلق نص ديني، مهمته ربط الإنسان بخالقه، وترسيخ الإيمان بالغيب، يرسم خارطة طريق لبداية الإنسان ومصيره، إذ قلنا أن قصة الخلق جاءت في سياق سؤال الوجود، والقلق المصير الذي هو قلق وجودي، يلازم الإنسان الذي يرهبه المجهول، وما بعد الموت، ولديه نزوع فطري للبقاء والخلود. وبالتالي نحن أمام نص ديني، نتأمل دلالاته، بمعزل عن العلم وموضوعاته. الفهم الصحيح للغة الدين فصل بين مسارات العلم والدين، وشخص موضوعاتهما، وما عادت هناك ثنائية صلبة بين العلم والدين، كما يريد الفهم السلفي والتطرف الوضعي ذلك.

البيئة الثقافية

جاءت قصة الخلق ردا على أسطورة الخلق في سفر التكوين من التوراة، وهي على قسمين، الأول سرد لقصة الخلق في سبعة أيام، والثانية حول خلق آدم وزوجته. فأكدت أسطورة الخلق على الوقائع التاريخية، بينما كانت قصة الخلق تدور مدار الهدف الأساس من خلق الإنسان، ودوره الوجودي باعتباره محور الحياة (خليفة)، فتكتفي من وقائع الحدث بما يخدم ثيمة القصة، وهو منهج القصص القرآني، الذي يهتم بالعظة والعبرة، بشكل يدور التأويل مدار الهدف الكلي: "لَقَدْ كاَنَ فىِ قَصَصِهِمْ عِبرْةٌ لّأِوْلىِ الْأَلْبَابِ". وهذا غير متاح إلا لأولي الألباب، ما يؤكد دور العقل وأدواته التأويلية. والهدف الكلي من النص الديني بشكل عام كما تقدم: "تكريس وجود الخالق ووحدانيته، وربط الإنسان ووجوده ومصيره بخالقه، وتفسير ظواهر الوجود والحياة على أساسه".

غير أني لا أقف عند هذه الحدود، وأجد أن هذا المعنى يكرّس نظرية العبودية، التي تختزل الإنسان بالطاعة والانقياد المطلق، وتسلبه حريته وإرادته التي هي لوازم وجودية، فيعيش حالة اغتراب، ويغدو مشروعا للتبعية، ينساق مع كل تفسير. وطالما ناقشت اتجاه العبودية وتداعياته، وطرحت في مقابله اتجاه أو نظرية الخلافة / الإنسان، التي تؤكد على مركزية الإنسان، ودوره في استخلاف الأرض. فتأتي علاقته مع الله منسجمة مع فهم مختلف للدين والحياة، بشكل يشعر الإنسان باستقلالية تمكنه من وعي الذات. وهذا ليس استكبارا (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا)، بل وعيا مستنيرا بالإيمان. فعلاقة الفرد بربه علاقة العابد بالله، لا علاقة العبيد بسيدهم. فترى القرآن يؤكد عليها وينسب المتلبسين بفعل العبادة لنفسه: (وعباد الرحمن). فعبادتهم عبادة إرادية واعية. وأما عبودية العبد فهي عبودية مطلقة، بلا تمرّد أو رفض. لذا في قصة الخلق إكتفى الخالق بسؤال إبليس عن سبب عدم سجوده، ولم يجبره عليه. لأن العبادة الواعية فعل إرادي. وذكرت في بحث سابقا: أن الغاية من تشريع الأحكام وفقا لهذا الاتجاه، ليس اختبارا لدرجة طاعة الإنسان ومستوى عبوديته كي يواكب الحكم كل تطورات حياته، في ظل قيمومة الفقيه ومن سبقه. بل أن تشريعها جاء لتحقيق ملاكات تتوقف عليها مصلحة الاجتماع البشري. فتكون رهن فعليتها وفعلية موضوعاتها. ما دام الحكم ناظرا لمصلحة الإنسان وفقا لشرطه التاريخي. فما كان فعليا في زمن الرسالة قد لا يكون كذلك في زمن آخر. لا بسبب نسخ الحكم كما يعتقدون بل بسبب عدم فعليته. وهذه وجهة نظر تحترم قدسية التشريع وتناقش في فعليته، بينما النسخ يرمي المشرّع بالجهل، وعدم قدرته على تشخيص تمام الموضوع وشروطه. بعبارة أخرى أن ما جاء في القرآن من تشريعات تكفي حاجة الإنسان ليواصل حياته اعتمادا على عقله وقيمه ومبادئه الإنسانية، التي تحفظ له كرامته ودوره، وتحقق شروطه الحياتية بعيدا عن الظلم والتعسف. وهو فهمٌ مختلف لا يسمح بتضخم الأحكام الشرعية. لكن الفقهاء لم يلتزموا به، لأنه لا يحقق سلطتهم ومركزيتهم، ويسمح بتمرّد الإنسان والاحتجاج بعقله في مقابل فتاواهم وأحكامهم. فتحرره من سلطة الفتوى ليس تمردا بل وعيا حقيقيا لفلسفة التشريع. وكل هذا يؤكد ثيمة القصة.

وبالتالي ثمة فرق بين أن تقرأ القصة من الأعلى إلى الأسفل، فيغدو الإنسان متلقيا، مسلوب الإراداة، تملى عليه الأشياء، وافقت أم خالفت رغباته، وهو اتجاه عبودي، يضحّي بالإنسان لصالح رؤية موروثة عن المجتمع العبودي لسطوة الخالق، تشبيها له بالطغاة والجبابرة، حيث يختزل الفرد إلى مجرد تابع ومفردة بسيطة ضمن ملكية مطلقة، مشاعة، للسلطان، باعتبارها حقوقا سيادية. وبين أن ننطلق من الإنسان ومن الواقع لفهم قصة الخلق، فيكون الإنسان محورها، ومصلحته غاياته، فنحمل دلالاتها بهذا الاتجاه. وبما أن قيمة الإنسان بعقله، فقصة الخلق خطاب العقل ودوره وأهميته، كما سأشير في دلالاتها.

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi6احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

 

محددات القراءة

ماجد الغرباوي: إن تعهد المقدمات الأنفة يوفر فهماً ينسجم مع البنية المثيولوجية لقصة الخلق، مادام النص يتأثر بمفهوم الوحي. وأيضا يتأثر بقراءته ضمن سؤال الوجود وفي الإطار الكلي للقرآن، الذي عاصر نزوله تراثا لاهوتيا زاخرا بنصوصه الدينية، وقد طرح التوراة ومن قبله الحضارات القديمة قصة الخلق بشكل مغاير. وبالتالي فإن المقدمات الأربعة تمهّد لفهمٍ يسمح بمقارنتها بالنظرية الوضعية عن أصل الإنسان. وهذا يعني أن المنهج سيلعب دورا حاسما، لاكتشاف الترابط بين عالمي الغيب والشهادة، الذي هو استراتيجية الخطاب الديني بعامة، والقرآن بخاصة. والكشف عن علاقة النص الديني بالمكان والزمان، ومدى تأثره بالواقع، وقبليات المتلقي. خاصة القضايا النسبية التي تشكل مساحة واسعة من الكتب السماوية، وهي رهان الدين في ترسيخ الإيمان بعالم الغيب. فنحن لا نحتاج للتفسير بقدر حاجتنا لفهم النص وترابطاته. والفهمُ جهد نقدي وتأويلي، وتوظيف أدوات وآليات تقصى مدارات النص لتشرق روح النص، وعدم الوقوف عند حدود اللفظ وحمل اللفظ على معناه المعجمي. والجمود على حرفية النصوص.

ويجدر التنبيه، عندما يفرض  النص محدداته على فعل القراءة، يريد التنبيه إلى خصوصيته، التي تستدعي منهجا معرفيا لتقصي مداراته الواقعية والمثيولوجية، دون إقصاء المتلقي مادام موضوعيا في قراءته وتأويله، فهي محددات من داخل النص، تقتضيها طبيعته، لا من خارجه أو مفروض عليه. مثله مثل العلوم التي تستخدم أرقاما ورموزا في معادلاتها ومسائلها، فهي ضرورة تقتضيها طبيعة النص وموضوع العلم. ويبقى النص مفتوحا لاستنطاقه حيث مرَّ بنا: أن النص بطبيعته مستغرق في صمته، يخفي دلالاته، وأسراره ورمزيته، لا تستنطقه سوى القراءة الموغلة في نقدها، وتفكيكها لتراكم طبقاته المتوارية، بحثاً عن ركائز سلطته وطريقة أدائها ضمن نسيجه اللغوي، وهي خصائص تستدعي فرض محددداته التي تنوّه به وبطبيعته. ولا أقصد بالمحددات غلق مدارات البحث، وهدر قبليات المتلقي، وقمع الباحث وراء قضبان القداسة، كما يفعل العقل التراثي، الذي يضعك بين  التماهي والاقصاء، ويفرض عليك سلفا جملة قناعات عقدية وأيديولوجية تعمل محددات قبلية، بينما تشترط القراءة التأويلية حرية الباحث ما لم يفرض النص ضروراته، فيقوم بمسح عام للنص وعلاقاته وترابطاته والهدف الكلي، وأشياء لها علاقة بفهمه، ويتوقف عليها تحري دلالاته. وبالتالي ثمة مهام تستدعي تقنيات لغوية تتواءم مع مشاغل النص الديني، وفي ضوئها سنفهم جملة من دلالات قصة الخلق، ووجه الاختلاف بين نظريتي الخلق والتطور.

لا فيتو على نتائج البحث، بأي منهج من مناهج نقد النص. والحق، الذي يتحدث عنه القرآن، حينما يعتبر نفسه حقا، يمكن للناقد مقاربته بنسق عقلي، لتحري صدقيته، بعد تحديد مرجعيات الحق، رغم أن القرآن يعتبر الخالق حقا مطلقا وما يصدر عنه حق مثله، لكن لا يمنع من مقاربته. بمعنى آخر، أن القداسة لا تحول دون النقد، بل تنبّه لتعالي النص، مما يستدعي تأملا طويلا في ثناياه دون التسرع في الحكم عليه. بل أن فلسفة الدين تقتضي أن تكون مادتها من الدين، ومن ثم محاكمتها وفق نسق فلسفي وعقلي ليشكل إطارا نظريا لها. وعندما تعلو سلطة العقل، قد يتفق أو يختلف مع ثوابت الكتاب، شريطة الارتكاز للدليل. القرآن يحتكر الحقيقة ويقدم نفسه حقاً مطلقا، ويبقى للباحث هامش كبير للمارسة النقد وتحري صدقية مفاهيمي. ودائما يبقى الرهان على نقد النص من خارجه، بما فيها النص المقدس، وهذا لا يضر بقدسيته، وفقا لمفهومنا المتقدم. خاصة أن القرآن يتحدى، ومن يتحدى يقبل رهانات التحدي، ولا شك أنه يقصد الرهان العقلي، لأنه الوحيد القادر على طرح ما يقابل النص، مهما كانت مرجعياته. وبالفعل أمارس هذا اللون من النقد خلال بحوثي.

وهنا نؤكد على حرية المتلقي في رفض قداسة النص الديني، ورفض جميع القضايا الميتافيزيقية لعدم ثبوتها بالتجربة أو بالدليل العقلي. ومن حقه عدم الإيمان بالوحي، وقدسية القرآن. فيتعامل معه كنص بشري خاضع للنقد والمراجعة، ورفض ما يرفضه العقل والتجربة. لكن عندما يروم نقد النص الديني باعتباره نصا متعاليا مقدسا فإن القضايا الغيبية التي هي قضايا مثيولوجية تعتبر جزءا أساسا من بنيته، رغم نسبيتها خارج النص والفضاء المعرفي للمتلقي القائم على الإيمان والإذعان للخطاب الديني. وعندما أتناوله ضمن تخصصي أتناوله على هذا الأساس، أفترض أنه نص مقدس متعال، وفق فهمي لمعنى قداسة النص وتعاليه الذي نوهت عنه مرات عدة. وأروم فهمه ضمن محدداته، فيكون البحث مقدّرا. أي على تقدير قدسيته وتعاليه، فكيف نفهمه ضمن نسيجه اللغوي ورمزيته شريطة الحفاظ على تاريخيته بعد التحرر من سطوة التراث والعقل التراثي؟. وكيف يمكن توظيفه لتعزيز القيم الإنسانية والروحية خاصة التقوى التي هي إحدى رهانات الدين في إعادة تشكيل العقل "المتدين"، من أجل تحقيق سعادة الفرد والمجتمع، وإرساء قيم العدل والحق والتسامح؟. والسبب أن مجتمعاتنا مسكونة بالدين والغيب، ويمثل الدين جوهر الهوية العرب - إسلامية، ولا يمكن عزله عن الوعي الفردي والعقل الجمعي، فينبغي تحرير دلالاته بما يخدم فكرة الحق. وفكرة الكائن الأسمى ليست منبوذة رغم الاختلاف حول مصاديقها ومشخصاتها سواء كان الله أو الفكرة المتعالية أو المطلق أو القوى المهيمنة، وبالتالي فحضور الدين قوي لدى الإنسان، تتعدد تجلياته بتعدد الأفراد والثقافات، ولا يمكن التضحية به بفعل سلوكيات بعيدة عن روح الإيمان والمهام الروحية للدين.

المدونة الأساسية للدين

بدءا لنرى كيف يقدم القرآن نفسه؟ ماذا يريد وما هو هدفه، باعتباره المدونة الأساسية للدين، والمرجعية النهائية لفهمه، وقصة الخلق شطرا من نصوصه؟.

يقدّم القرآن نفسه:

- خطاباً إلهياً للناس كافة وللمؤمنين خاصة، لتعريف الإنسان بخالقه، وتحديد دوره الوجودي (هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ).

- وبياناً لمعالم الدين، وتفسير ظواهر الوجود، والإجابة على أسئلته.

- ونصاً متعالياً في نسقه الكلي وبنيته ومعارفه ونسيجه الداخلي، وقدرته على شد الناس للغيب والمطلق المتعالي، وتشريعاته التي هدفها سعادة الإنسان، وضمان نجاته وخلاصه الأخروي، متى آمن به، والتزم بمبادئه وقيمه، وتعهد مقاصده وأخلاقه، باعتباره الحقيقة المطلقة (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ).

- وكتابا مقدّسا مصدره الوحي، وطريقه النبوة. وظّف لتحقيق أهدافه تقنيات لغوية استدعتها طبيعة موضوعاته المثيولوجية ومساحة اللامعقول، وغاياته القصوى المرتبطة بوحدانية الخالق.

- ومدونة دينية لترشيد الإنسان روحيا وأخلاقيا وسلوكيا، وشده إلى عالم الغيب، يستمد منه معنوياته ويقينه ويهتدي بهديه (فِيهِ هُدًى وَنُورٌ).

- ورسالة هداية قوامها الإيمان بالغيب والمعاد: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا، وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا).

- وصحيفة تكرّس قيم الحق والعدل والإحسان ورفض الظلم والجور والفساد (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ).

 - وهناك جانب آخر يبدو فيه الكتاب عنيفا دمويا وإقصائيا، ولا ريب. غير أنه يبرر ذلك وفق قيم العدل والحق، حينما يتمادى الآخر في عدوانيته، مع محدودية تلك الأحكام وارتباطها بوقائع خارجية، لا يمكن أن تكون مطلقة، شاملة، محكومة للآيات المحكمات.

فأحد مشاغل القرآن بناء على تعاليه وقدسيته، هو الإيمان بالله وعدم الشرك به، وتأكيد وحدانيته وتفرّده بالخلق ومصير الإنسان والوجود عامة. فهو كتاب محوره وجود الله ووحدانيته، وجميع ما جاء فيه يقع ضمن سياقه التوحيدي، سواء كان إثباتا لظواهر الإيمان، أو نفيا لما عداها. وفي ذات السياق تأتي تفسيراته لظواهر الحياة والوجود، وعلى أساس محوره التوحيدي يجادل ما يصفهم بالمشركين والكفار. ومن ذات الزاوية يقرأ الوجود وظواهره في الآفاق والأنفس: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ). فكل ما في الكتاب يتحرك ضمن نسق واحد، محوره إثبات ربوبيته وتوحيده والإيمان بالغيب، وتفرّده بالخلاص وضمان نجاة الإنسان في الآخرة. وهنا ملاحظات جديرة بالذكر:

- ليس القرآن كتابا علميا مهمته بيان قوانين الطبيعة، كي يأتي من يجهد نفسه ويتكلّف في تأويل آياته ليكتب لنا تفسيرا علميا كدليل على إعجازه وسبقه لعلماء الطبيعة في معرفة قوانينها. بل أن هؤلاء يرتكبون خطأ عقديا جسيما، حيث يسعون للاستدلال على صحة المعارف العلمية في القرآن بواسطة الاكتشافات الحديثة، إذ لو صح أن القرآن بصدد بيان القوانين الكونية فلا شك ستكون معارفه العلمية صادقة، باعتباره محيطا بكل شيء، وسببا لكل شيء، وعلة لكل معلول، خبير بكل شيء، ولا حاجة لأي تفسير بشري علمي، بل يسمي الأشياء بأسمائها، ويتحدث عن حقيقتها، لكن القوانين العلمية خارج اهتمامات الكتاب المقدس، فينبغي للمفسّر أن يفهم استراتيجية النص القرآني أولا، وهدفه الأساس، كي يأتي التفسير منسجما مع مشاغله. وما استشهدت به النصوص التأسيسية من آيات كونية جاءت ضمن السياق التوحيدي للفكرة الدينية المتعالية. وعندما تقول الآية: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)، لا تريد بيان القانون الطبيعي لحركة الشمس والقمر، والاستشهاد به دليلا على صدقيته، بل القرآن بصدد الرد على المشركين من عبدة الكواكب، يقول لهم: إن ما تعبدونه / الكواكب ما هي الا أجرام سماوية، محكومة بنظام كوني صارم، فهي مخلوقة لا خالقة، ومعلولة لا علة، وهي كما تشاهدونها كل يوم في ذات النطاق الكوني. وسواء ظهر صحة جريانها لمستقر لها أم لم يصح، لايؤثر شيئا وفقا لمنطق القرآن ومحوره وهدفه. وتكون المناقشة العلمية حول علميته سالبة بانتفاء موضوعها، مادامت غير مقصودة اساسا. فالخلاف حول زاوية النظر، بين من يصّر على أن الآيات الكونية آيات علمية ومن يقرأها ضمن السياق الكلي للكتاب. وبالتالي لا معنى للتفاخر بأن القرآن سبق العلم في بيان القوانين الكونية التي تحكم حركة الشمس والقمر. بل وفقا للمفهوم الثاني للوحي سيكون الوصف تعبيرا نبويا لهذه الظاهرة، وهي مشاهداته اليومية، وأفق ثقافته ومعارفه، ولو أن النبي عاش في زمن الاكتشافات العلمية لجاء وصفه أكثر دقة، بشكل لا تتقاطع مع الرؤى العلمية القطعية. لذا طالما أكدت على معرفة الإطار الكلي للكتاب قبل مقاربته، كي لا يخطئ الباحث ويتخبط في تفسيرات بعيدة عن جوهر الكتاب المقدس، وتقويله ما لم يقل، وتحميله مسؤولية شيء لا يدعيه. وهكذا في جميع الآيات العلمية، ترى القرآن ناظرا لها من زاوية توحيدية، وسلبا لربوبيتها لمن يعتقد بها، كالكواكب والنجوم، أو شاهدا لتعزيز قضية ما. ولا دليل على كل ما يُذكر عن معاجز الكتاب سوى الإعجاز اللغوي في زمن الوحي وما جاوره. وبالتالي، ثمة قضايا مؤثرة في فهم آيات الكتاب. وقد مرّ الحديث عن لغة الدين وضروراتها وموجباتها، وهذا لا يكفي ما لم نتقص مهام النص الديني بشكل عام، لنحدد موقع قصة الخلق ضمن مشاغله، وما هي دلالاتها حينئذٍ. وهذا ما يهمنا، هل القرآن كان بصدد بيان القانون الكوني في قصة الخلق كي يتقاطع معرفيا مع النظريات الوضعية التي تسعى إلى تفسير الظواهر الكونية تفسيرا علميا من خلال الفرضيات والنظريات والقوانين العلمية أم هدفه شيء مغاير؟.

إن الكتاب في قصة الخلق بصدد تفسير جملة ظواهر غيبية والإجابة على أسئلة الوجود، ضمن استراتيجيته القائمة على ربط كل شيء بخالقه، ووحدة عالمي الغيب والشهادة، ووصل الدنيا بالآخرة. وقصة الخلق كما تقدم مطروحة من قبل التوراة وقبلها في ملحمة الخلق السومرية، فيأتي الكتاب كما هو ديدنه فيصحح زاوية النظر في تفسير وفهم أصل الإنسان وقصة الخلق، ويربطها بالهدف الأساس، وهو وحدانية الله، وتفرّده، وصيرورة الكون والإنسان جزءا منه، في ذات  الإطار العام أو الهدف العام. فلا يوجد تعارض بينهما. إنما يصح التعارض في وحدة الموضوع زمانا ومكانا واتجاها. وهنا الموضوع مختلف، رغم وحدة الاسم / قصة الوجود أو أصل الإنسان. القرآن يتحدث عن قيم دينية لها علاقة بوجوده ودوره في الحياة، والنظريات الوضعية تسعى لاكتشاف القوانين الكونية وراء وجوده، وتحديد أصله ضمن فرضياته. الموضوع بينهما مختلف، وينبغي فهم قصة الخلق في ضمن سياقاتها القرآنية. أو طرحها لمن لا يؤمن بقدسية الكتاب.

- وليس القرآن مرجعا للعلوم الإنسانية الحديثة، لنقوم بأسلمتها على أساسه، ولا مصدرا لأي نظام سياسي أو اقتصادي، سوى مبادئ وقيم تضبط أداء سلوك الفرد والمجتمع، لضمان مجتمع الفضيلة على أساس العدل والحق وعدم الظلم والجور. بعبارة أدق تقديم ما يحقق شرط خلاص الإنسان في الآخرة، على مستويين، خلق وازع التقوى من خلال الالتزام بمجموعة عبادات وشعائر، وتنمية التجارب الدينية، من خلال الحالات الخاصة والمناسبات العامة. وتقديم ما يكفي من معارف وتشريعات، كي لا تبقى للإنسان حجة على الله  يوم القيامة: (مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً).

- وليس القرآن مجموعة طلاسم ورموز وأرقام لتحصين وساوس الإنسان فيهبطون بتعاليه ليغدو تمائم تبعث الطمأنينة والاستقرار النفسي، فتجدهم يتلون آياته للشفاء ومعالجة الأمراض المستعصية وجلب الرزق، ودفع البلاء. أو التفنن بتلاوته، والاهتمام برسم حروفه وتذهيبه.

- بل وليس القرآن مخصصا للتشريع فقط، رغم اهتمامه بشطر لا بأس به منها، و لا يريد تعطيل عقل الإنسان بقدر ترشيده ضمن هدفه الكلي، ودوره في الحياة الدنيا. وحينما يجيب الكتاب على أسئلة الوجود فهو جزء من مهامه، بل أن معجزة الدين كما يعيها الناس قدرته على تفسير ما لا يمكن تفسيره. أو ما يعجز العقل والعلم عن تفسيره. إضافة إلى لغته التي تستهدف العقل والمشاعر لتشد المتلقي  إلى عالمه وغرائبيته. فتجد الخطاب القرآني يقوّض ويبني، يقوّض تراكمات الثقافات الدينية السابقة ويعيد تشكيل العقل المسلم في إطار وحدانية الله، وعدم الشرك به. يحتكر ولاءه، ويضمن انحيازه المطلق، حد التفاني لتأمين خلاصه الأخروي، رغم أنه عالم مفارق لا يمكن الاستدلال عليه، غير أن لغة الكتاب رسخت الإيمان به، وبات يعيشه حقيقة مطلقة، يخشاها المؤمن، المتقي، لذا حصر الهداية بهم: (الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ).

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi5احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

 

سياقات التأويل

ماجد الغرباوي: إن موضوعية الباحث شرط أساس في تفسير وفهم النص، وشروطها في الحقل الديني، هي:

أولاً: النأي عن إملاءات التراث والروايات التي تُسقط رغباتها على تفسير النص، وتقوّل القرآن ما لم يقله، وتسعى جاهدة لعصمة مصادرها، لتكتسب قدسية تحول دون مساءلتها. وأما حقيقتها فمراكمة شواهد قرآنية لإثراء الرصيد الرمزي في الصراع المحتدم بين الخصوم السياسيين وامتداداتهم حول أحقية الخلافة، فيفقد التأويل بعده الإيجابي المتمثل بموضوعيته. فاستبعاد التأويل السلبي بهذا المعنى شرط في فهم قصة وفلسفة الخلق، كالتصورات التي تختزل مفهوم "خلافة الإنسان" بالإنسان الكامل، المتعين ببضعة أفراد، وفقا لسياقات عقدية، تخضع الناس لرغباتها. بينما النص مطلق، لا قرينة على تخصيصه أو اختزاله بهذا أو ذاك. والكلام يدور في قصة الخلق عن خلافة النوع الإنساني، وما آدم سوى مصدق له.

ثانياً: عدم تبعيض النص تفاديا لأي انتقائية أو تحيّز أيديولوجي لا شعوري، يخرج المتلقي عن موضوعيته. فثمة سياق يحكم مشاهد قصة الخلق، وعلى الباحث استيعابه، في ضوء الهدف الكلي لوجود الإنسان ومحوريته.

ثالثاً: تقديم العقل والفهم العقلاني من خلال دراسة جميع العوامل المؤثرة فيه، رغم صعوبة الانسلاخ عن قدسية النص. ولازمه طرح جميع الروايات الدينية والتراثية التي تقدّم تفسيرات مسكونة بالخرافة واللامعقول والتأويلات الغرائبية. بل حتى التفسيرات المعتدلة والمعقولة يجب عدم  تعاليها، مادامت تعكس وعي المفسّر وقبلياته ومرجعياته، فتبقى نصوصا تنتمي لبيئتها وإكراهات العقل الجمعي. لذا ينبغي توظيف كافة المناهج الحديثة الممكنة لتدبّر القرآن وتأويله لتفادي أي تعارض بينه وبين العلم، وعدم انجراره للخرافة ومجافاة العقل والقيم الإنسانية الرفيعة. أو استغلاله لتكريس الاستبداد ومصادرة الحريات، وسلب الفرد إنسانيته وحيثيته. فينبغي بقاء النص مفتوحا لتأتي القراءة زاخرة بالتأويل، حينما تنقّب في أعماقه، وتكتشف طبقاته المتوارية في طياته. فما من نص إلا ويخفي عدداً كبيراً من النصوص والأنساق المضمرة. إن سلطة العقل لا تتجاوز سلطة النص بقدر ما تقدم فهما مغايرا له، وقراءة جديدة في ظل معطيات العلوم والمعارف الحديثة، فلماذا الحساسية المفرطة لدى الاتجاه التراثي من العقل واكتشافاته المعرفية؟.

رابعاً: ينبغي التمييز بين هدر القداسة وتعاليها. الأول يقطع النص عن سياقاته، ويهمّش سلطته. فقصة الخلق تبدو خرافة أو مجرد نص أدبي يمكن تأويله. أما تعالي النص أو قداسته فتعني كما مرَّ: "صدور النص عن مصدر متعالٍ محيط وعالم وعارف بكل شيء، فيشرّع ويهدي وفقا لملاكات ومصالح، يمكن للإنسان إدراكها لتحديد مدى فعلية النص المقدس". وأضيف ترابط النص وانسجامه مع فلسفة الخلق ودور الإنسان في الحياة. ولازمه أن  قداسة النص لا تستدعي الانغلاق، والجمود على حرفيته، وعدم تأويله وفهمه وفق سياقاته. ولا تجرّد النص من تاريخيته، ويبقى النص موضوعا للفهم والتفسير وحتى التأويل. وقد تقدم أن القداسة سلطة معرفية موجّهة، تحد من حرية الباحث الديني، تسلبه خيار القراءة المفتوحة للنص، ويخضع لا شعوريا لسلطته وقدسيته، باعتباره مطلقا. بل تارة رهاب القداسة يحول دون التعرف على تاريخ النص وفلسفته وشروط فعليته، مخافة المساس بقدسيته، فتغدو القداسة حجابا يحول دون رؤية المتواري والمضمر في متاهات النص، حينما ينحاز للتبرير دون النقد والتفكيك. ويعود ثراء النص إلى ثراء دلالته، وإمكانيات تأويله، فيما يضمره ويستبعده، من خلال تقنيات اللغة وقدرتها على توظيف المجاز والتورية. كما تلعب قداسته دورا كبيرا في توجيه فهم النص، بحكم سلطتها وهيمنتها، حداّ يستبعد المتلقي كل ما يتقاطع معها، ويغفل عن كثير من الدلالات التي يمكن استدعاؤها لولا قداسة النص. ولعل في النصوص الغرائبية مثالا واضحا للفرق بين القراءتين، حيث يبالغ الباحث الديني في قداسة النص ومصدره، هروبا من جحيم أسئلة العقل واستفهاماته. بينما ينتزع الباحث المتحرر قدسية النص، ويرفض غرائبيته المستهجنة عقلاً ومنطقاً، ويتجاهل القضايا التي يتعذر اختبارها تجريبيا. فالعقل لا يتخلى عن دوره أمام المقدّس، ولا يكف عن أسئلته واستفهاماته. ويطالب بأدلة مقنعة يستدل بها على غرائبية النص. وبالتالي فالنص المقدّس يفرض حقيقته على الباحث الإسلامي، ويرغمه على الإيمان بها. بينما يرتهن الإيمان بقبول النص بالنسبة للباحث المتحرر على أدلته ومدى صدقيته ومطابقته للواقع ونفس الأمر.

شروط المنهج

هناك شرطان منهجيان لفهم دلالات النص الديني:

الشرط الأول: فهم النص ضمن الإطار العام للقرآن ولغته ورمزيته وتعاليه وقصديته، لا خارجه. وهذا لا يحد من حرية الباحث بل يمهّد لقراءة منتجة في ضوء منطقه الداخلي، فعندما يأمر القرآن برد المتشابه إلى المحكم من الآيات فهو يعترف ضمناً بعجز اللغة الدينية عن استيعاب المعاني المفارقة، فتأتي النصوص متشابهة، وليس أمام الباحث سوى الآيات المحكمة لاستنطاقها، تفاديا لأي تعارض بحكم التعارض القائم بين ظواهر الآيات، كما بالنسبة للآيات التي تجسّم الخالق مثلا، فتعكس صورة لجبار متغطرس، تشبيها بجبابرة الأرض، بينما الآية المحكمة تقول ليس كمثله شيء!، وحينما نرتكز لها نفهم أننا أمام آيات متشابهة فرضتها ضرورة اللغة الدينية لتقريب معنى مجرد لذهن بشري مادي، لا يدرك معاني الأشياء بعيدا عن مصاديقها المادية أو تمثّلاتها بينما يعجز عن إدراك القضايا الماورائية. فاشتراط التقيّد بالمنطق القرآني ينير الفضاء المعرفي للباحث الموضوعي، لتكون قراءته منتجة، لا تتراجع أمام استفاهامات القرآن نفسه. فكل تعارض ظاهري بين آيات الكتاب هو علامة استفهام أمام الباحث، وتحدٍ لمنهجه في تفسير الكتاب. وليس من حق الباحث أن يقوّل النص القرآني ما لم يقُل، لذا نحن لسنا مع شرطية حضور الروايات الدينية والتاريخية إلا بقدر ما يساعد على فهم أجواء الآية، ويبقى الباحث واجتهاده في فهمها وتفسيرها وتقصي الممكن من  آياته عقليا. فيكون العقل فوق النص، قادرا على مقاربته وفق شروطه. لكن هل العقل معيار لكل شيء؟ ومن ثم نقع في إشكالية ماهية العقل وأحكامه ومرجعياته ومدياته؟.

والجواب بما أن القرآن نص مفتوح للقراءة، ومن حق الباحث استنطاق آياته، شريطة أن يكون متمكنا من أدواته، خبيرا بلغة الدين، يؤمن بوجود قضايا نسبية ماورائية لا حقيقة لها خارج النص والفضاء المعرفي للمتلقي. يكون الإيمان بها متفرعا على الإيمان بصدقية النص ومصدره لا بدليل خارجي. فهي قضايا مفارقة غير خاضعة لأحكام العقل كي يبت في حقيقتها، وبالتالي من حق الباحث الحرث والتنقيب في الممكن من النص، دون المتعذّر لوجود امتناع ذاتي، كماهية الخالق وحقيقة الملائكة أو الجن. فهو عالم محجوب عنا، وعالم مفارق، ويبقى الإنسان حرا (فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ). ومن يرد مقاربة النص الديني يلتزم بشروط فهمه، مادام يتحدث عن قضايا غيبية مجردة ومفارقة، لا يمكن التحقق منها بأي دليل، سوى تكهنات وتمثلات. وقد أضاع اللاهوت الديني قرونا في مسائل دينية عصية على الفهم، لأنها قضايا مفارقة، الموقف منها هوالتسليم المطلق بالنسبة للمؤمن أو الرفض لغيره.

الشرط الثاني: القراءة التأويلية، المحكومة بذات المنطق الداخلي، لعجز اللغة المتداولة والعرفية عن استيعاب القضايا المفارقة والماورائية، وفهم الدلالات الرمزية للنص الديني. وهذا اللون من القراءة يتطلب التعرّف على طبيعة النص المقدس، هدفه، روحه الكلية، سياقاته التاريخية، علاقته بالواقع، كل هذا يبدو شرطا لفهم الدلالات التأويلية. التأويل لا يعني فقط إطلاق اللفظ وإرادة معنى مغاير لظاهره، بل يقصد به التوغل في أعمق النص لاكتشاف دلالات جديدة، تتناسب طرديا مع حجم ثرائه الدلالي، من خلال سياقاته وتحديد تقنياته اللغوية واكتشاف أسلوبه في تمرير رسالته. والغاية الأساسية هي الكشف عن مداليل النص، بما ينسجم مع إطاره الكلي وترابط آياته، خاصة النصوص القصصية كقصة الخلق، التي تنطوي على معان عميقة ترتبط بإنسانية الإنسان، ويخطئ من يحط من إنسانيته وعقله خلال تفسيره لها، إذ ثمة آيات محكمة وصريحة تعتبر محددات لفهم القصة كقوله وكرمنا بني آدم. وما تصرّح به ذات قصة الخلق بأن الغاية الأساس من خلق الإنسان هي خلافة الأرض، وهي منزلة عظيمة أن يواجه الإنسان بعقله وإرادته واستقلاليته تحديات الظروف، ويواصل تقدمه الحضاري.

تنبيهات ومقدمات

النص أي نص ليس منقطعا عن سياقاته التاريخية، ولا يتعالى على تاريخيته، لكن ثمة نظرة خاطئة، واضحة في المنهج الفقهي حينما يتعامل مع النصوص منفصلة عن سياقها القرآني والتاريخي، فلا يخرج عن التقليد دون الاجتهاد، لأن الثاني لا يقف على حدود المعنى اللغوية الذي يعني بذل الجهد لمعرفة دلالة الدليل الشرعي، بل يعني بذل الجهد لفقه النص ضمن سياقه التاريخي وظرف نزوله. النص جاء ليقدم رؤيته عن الواقع الموضوعي، فهو استجابة لسؤال واقعي أو مقدّر، لذا لا يمكن فهم قصة الخلق وتحريرها من سجون اللفظ إلا بهدر الفهم التراثي والسلفي، وتوظيف المناهج الحديثة لفهمه، فينبغي مراعاة ما يلي لمعرفة سياقات قصة الخلق وهدفها وغاياتها وقصديتها، فثمة قضايا مهمة، تصلح منطلقات أو مقدمات، تتوقف عليها القراءة التأويلية المنتجة، هي:

أولاً- تختلف نتائج أي مقاربة تأويلية لنصوص القرآن باختلاف مفهوم الوحي:

- بين من يرى القرآن وحياً من الله لفظاً ومعنى، وما الرسول سوى واسطة في النقل والتبليغ والبيان والتفصيل. وبعض يتسامح فيمنح النبي دورا محدودا كتعليم الكتاب. لكنه خارج مفهوم الوحي.

- وبين من يقصر الوحي على المعنى دون اللفظ. وما يوحى للنبي معاني الآيات دون ألفاظها. وهو ما يؤكده القرآن، أن ما يتلقاه الأنبياء وحي. وللوحي دلالاته بعيدا عن المباشرة والأصوات المسموعة، لوجود امتناع ذاتي بين الموحي والمتلقي / الأنبياء. (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ). وكان النبي يتلو فهمه للوحي، لا نقلا حرفيا لألفاظه ومعانيه. وفهم الرسول حينئذٍ فهمّ بشري يتأثر بقبلياته وثقافته وبيئتة. وهذا لا يخدش قدسية الوحي، ويسمح بهامش كبير لتقصي دلالات النص وعلاقته بالواقع. وبالتالي فأية قراءة لذات النص / القرآن تتأثر بقبليات القارئ وثقافته وبيئته وحجم التطور الحضاري، خاصة أن النبي كان يرتكز لثقافة المجتمع في تلاوته للكتاب، ولم يعمد لتفسيره إلا القليل من آياته. فالمرونة العالية صفة النص المقدس، مما يؤهل المتلقي لفهمه وفقا لثقافته وقبلياته، لكن لا يعني إسقاط رغباته على فهم النص. وبالتالي، لا جمودا على حرفية النص ولا خضوعا مطلقا للعقل التراثي، وسيكون الملتقي شريكا في فهم النص ودلالالته. وسبقت الإشارة: "يمكن تناول النص بمعزل عن مؤلفه، لاكتشاف إيحاءاته ومضمراته، وما يبدي ويخفي من دلالات، وإحالات مرجعية، مهما تعالى. لكن لا يمكن تجاهله عندما يتعلق الأمر بتحديد سلطة النص، لتوقف حقيقتها وفعليتها على معرفة مصدره. وهذا يختلف تبعا لزاوية النظر، ومضمون النص، وما يريد أن يقوله ويؤسس له... لا دلالة للنص وسلطته خارج الفضاء المفاهيمي للمتلقي. فينبغي للنقد، كي يكون نقدا معرفيا منتجا، أن لا يكتفي بتفكيك النص، وتحليل ثوابته، ومقوماته، ومعرفة طبيعة علاقته بالمتلقي، بل يجب عليه التوغّل أيضا في أعماق المتلقي، وتقصي مداراته المعرفية، وكشف تقنياته وأدواته في وعي النص، والأسباب المؤثرة فيه. فخلفية المتلقي لا تنفك عن النص وتقنياته في وعي حقيقته وسلطته.

- وثالث يعتقد ببشرية الوحي، وفي أفضل الأحوال عبقرية النبي أفضلأفشضأأ. يتعامل مع النصوص على أساس بشريتها، فتخرج لغة النص من كونها لغة دينية رمزية تتحدث عن قضايا مفارقة إلى لغة عرفية يحاكم على أساسها النص، فتبدو القضايا الغرائبية هلوسات، لا معنى لها، خارج التجربة والدليل العلمي، لا فرق بالنسبة له بين القضايا الممكنة والممتنعة ذاتا. وحينما يكون منصفا يقبل ما وافق عقله، دون الغيب وعوالمه. وتقدم أن الإيمان بعالم الغيب مرتهن بإيمان الشخص: (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ)، فالتقوى مأخوذة شرطا في هدايته. ولا قناعة خارج الهاجس الديني والخشية من اليوم الآخر، فتجد الكتب المقدسة تؤكد على الجانب الشعوري لترويض تمرد النفس البشرية، وتهيئتها للإيمان بعوالم الغيب.

- ورابع يعتقد أن النبوة تجربة روحية، والوحي اشراقات تفتح للنبي آفاقا معرفية، وما يتلوه من آيات تجل لتلك الإشراقات. وهذا يختلف عن سابقه. الثالث، يعتقد ببشرية النبوة جملة وتفصيلا (وَقَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلً)، وهو إشكال قديم عاصر نزول الوحي. وهنا الأمر يختلف فالقرآن ليس مدونة بشرية، وليست وحيا من الله للنبي، وإنما اشراقة روحية تطل على عوالم الغيب وتنهل من معارفها، كعالم الذر عند بعضهم، والعقل الفعّال عند غيرهم. وبالتالي فنتائج البحث تختلف باختلاف مفهوم  الوحي لدى الباحث.

ثانياً: أن قصة الخلق جاءت في سياق سؤال الوجود، الذي أرق الإنسان، وتركه في حيرة عبرت عن نفسها بقلق وجودي وسؤال الحقيقة الذي لازمه طوال حياته، للبحث عن نجاته وخلاصه، وفهم ما يحيطه وما وراء الطبيعة، فهو بحاجة ماسة لخطاب متعالٍ يرسم له طريق الخلاص. وعندما نمعن في قراءة قصة الخلق تلوح الأسئلة الوجودية، عندما يزيح الملتقي غشاوة ظواهر الألفاظ، ويتوغل بعيدا في أعماقها. فثمة عالم تتحدث عنه قصة الخلق، هي قصة الإنسان ووجوده على الأرض، وما هي المهمة التي تنتظره. وما لم تقرأ قصة الخلق في سياق الأسئلة الوجودية التي تناولتها، يجفو النص ويتمرد ويترك المتلقي نهما لتفسيرات تراثية، تجافي الحقيقة.

ثالثاً: ينبغي فهم قصة الخلق في ضوء الإطار الكلي للقرآن، والهدف الأساس من بعثة الأنبياء، وإمكانيات التأويل التي تستفيد من مرونة النص وثراء دلالاته، ليدور التأويل مدار هدفه. وعندما نتدبر مشاغل الكتاب الكريم نجدها تركز على: وجود الله، وحدانيته، واليوم الآخر، وهي خلاصة العقيدة الدينية التي استعرضتها آية: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ)، فيكون الإنسان محورها، وهذا تحصيل حاصل لا يحتاج إلى دليل، لأنه المقصود بالخطاب أساسا. فقصة الخلق نزلت في ظل مجتمع (كافر، وثني، مشرك، لا ديني، حنفي، ..) وكان النبي منذ أن صدح بدعوته دعا إلى الإيمان بالله ووحدانيته واليوم الآخر، الذي قد يبدو غير مهم لغيرهم غير أنه رهان وازع التقوى الذي هو هدف أساس للأديان، ضمن مجموعة أهداف. فالواقع يفرض نفسه، وهو ما يفسّر المساحة التي تحدثت عن وجود الله ووحدانيته واليوم الآخر. فلا يحق للباحث الابتعاد عن مشاغل القرآن في فهم النص، لأنك ستقوّله ما لم يقله وما لم يصرّح به، وهذا ما تفعله التفسيرات التراثية والطائفية التي راحت تركز على قضايا هامشية أو لا علاقة لها بقصة الخلق، كخلق حواء من ضلع آدم، والحية التي أغرته، والأسماء التي علمها الله تعالى لآدم، وطبيعة الجنة.

ثمة ملاحظة جديرة أيضا أن الآيات تعكس صراعا مريرا بين العقائد والأديان، وصعوبة إيمان قريش ومن حولها بوحدانية الخالق ويوم المعاد. أما الأول فلأن أغلبهم وثنيون، لا يجدون مبررا للتخلي عن أصنامهم وأوثانهم التي فيها عزتهم وتميزهم وشرفهم، والتوحيد يسلبهم إحدى خصائص التفاضل القبلي، الذي هو رصيد رمزي يصعب التخلي عنه، فهو قيمة اجتماعية فضلا عن قيمته الدينية والرمزية، لذا استماتوا في الدفاع عنها. وأما العدد الكبير من الآيات التي تحدثت عن اليوم الآخر فسببها عدم وجود أرضية وثقافة قبلية تؤهل للإيمان به. والفرد إبن بيئته ووليد ثقافته، وعندما يتقبل شيئا جديدا يتقبله بقدر ما يحمل حوله من ثقافة. واليوم الآخر كما يبدو لم يكن مطروحا ضمن المنظومة الدينية. الأصنام وجودات محسوسة يلجأ لها في حاجاته، يقدسها ويقدم لها قرابينه ونذوره، ويمارس في حضرتها طقوسه، فتنعكس آثارها الروحية والنفسيه عليه مباشرة، لا يوجد شيء مؤجل مه الثواب والعقاب، لأنها ترافقه دائما. بينما تحيل آيات المعاد على واقع غيبي، يتطلب استعدادا ثقافيا لقبلوله، لا بمعنى التصديق به فقط، بل الجزم والاعتقاد الذي يضبط الأداء السلوكي للفرد والمجتمع.

رابعاُ: ثمة تراث لاهوتي زاخر بنصوصه الدينية سبق نزول القرآن، لها رؤيتها الكونية وتفسيراتها الماورائية، وهي بجملتها تتقاطع مع دعوة النبي التوحيدية. بينهما عموم وخصوص مطلق، كما يعبّر أهل المنطق، فثمة نقاط التقاء، وهناك نقاط اختلاف. وكان الصراع على أشده حول احتكار الحقيقة وسبل الخلاص، ومن الطبيعي أن يثير الطرف الآخر أسئلة واستفهامات لاختبار مدى صدقية نبوة محمد، وأيضا من الطبيعي أن تكون له رؤيته الكونية لمظاهر الطبيعة وماوراء الطبيعة. فتأتي الآيات لتكذيب بعض ما يدعون وتصحيح بعضها الآخر، مع الإبقاء على المشتركات، كأرضية للتفاهم (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ). فقصة الخلق القرآنية تأتي في مقابل قصة الخلق التوراتية، لتصحيح مفهوم فلسفة الخلق. إذ المعلوم أن قصة الخلق في التوراة متهمة في انتسابها للوحي ولموسى النبي، لوجود تطابق بينها وبين قصة الخلق في الألواح السومرية، وقالوا إنها نسخة مترجمة من قصة الخلق البابلية. فالقرآن طرح رؤية تتضمن فلسفة وراء خلق الإنسان، وبيان مكانته ومحوريته ودوره الذي عبرت عنه القصة بالخلافة.

وبالتالي عندما نراعي ما تقدم سنتوفر على رؤية مغايرة لقصة الخلق.

يأتي في الحلقة القادمة.

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi4احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة السابعة والخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

 

نموذج قرآني

هناك ثلاثة مستويات لتحري دلالات الدليل الشرعي لدى الأصوليين:

الأول: أن يكون اللفظ نصا صريحا في معناه، عندما يقتصر على معنى واحد لا يصدق على غيره ف لغة. فيُحمل اللفظ على معناه، ويكون الدليل نصا صريحا فيه.

والثاني: عندما تتكافأ معاني اللفظ، حداً يتعذر تحديد خصوص المعنى المراد منه، فيسمى مجملا، كما في المشترك اللفظي مع عدم وجود قرينة صارفة لإحدى معانيه.

والثالث: أن يكون للفظ أكثر من معنى، وأحدهما أقرب لدى السامع، فيكون حجة لحجية الظهور، التي تعني تبادر هذا المعنى دون غيره، فيكون هو المتعيّن في كلام المتكلم. لكن يبقى السياق والقرائن حاسمة في تحديد دلالته، لتعدد معانيه. سواء كانت القرائن متصلة أو منفصلة. وهذا معنى القاعدة الأصولية التي تقول: (إن ظهور القرينة مقدّم على ظهور ذي القرينة، سواء كانت القرينة متصلة أو منفصلة). وتسقط حجيته عندما يختلف تبادره من ثقافة وبيئة إلى ثقافة وبيئة غيرهما، باستثناء بيئة المتكلم. بل حتى هذا الشرط قد ينخرم، فتجد المذاهب والفِرق تختلف حول دلالات بعض الألفاظ، رغم انتمائهم لذات البيئة اللغوية والثقافية، وبالتالي ففهم النص يتأثر بقبليات المتلقي وقصديته من تفسيره وفهمه، ويختلف من شخص لآخر، لكن لا يعني الفوضى وأسقاط جميع قواعد الفهم العرفي.

ثم رغم صحة المستويات الثلاثة منهجيا لكنها لا تسمح بزعزعة المعنى القاموسي لصالح التأويل الذي يمثّل منهجا في فهم النص. فيصدق أنها إرهاب لغوي أو رمزي، وأنها سجون لغوية لضبط المعنى الذي ترومه، خاصة القضايا الخلافية بين المذاهب الإسلامية، والاتجاهات السلفية في تفسير القرآن. غير أن المناهج القديمة راحت تتراجع أمام مناهج العلوم الإنسانية، كالنقد الثقافي والهرمينوطيقيا، التي تتحرى فهما مغايرا للنص، من خلال مقاربة جميع العوامل المحتملة، بما فيها البيئة الثقافية وظروف مؤلف النص وشرعية سلطته. وقد بات للنص معنى مختلف، مرَّ الحديث حوله في كتاب "النص وسؤال الحقيقة"، وقد اقترحت فيه تعريف النص اصطلاحا: "النص: ما تعددت دلالاته بتعدد قراءاته وتأويلاته المحتملة". فيتناسب ثراء النص طرديا مع حجم إيحاءاته. ويتوقف الكشف عن المضمر من أنساقه المعرفية والثقافية، على مرونته، وأسلوبه في التعامل معه. فالنص حقل للحرث والتنقيب في أعماقه معرفياً، بحثا عن ممكناته التأويليه والمتوارية التي يتستر عليها مكر النص لغوياً.

وبهذا سيَخرج هذا التعريف الدلالات الثلاث للدال والمدلول: الدلالة التطابقية، والدلالة التضمنية، والدلالة الإلتزامية... وبالتالي ثمة فرق بين النص واللانص، رغم أن كليهما نسيج لغوي، يتكون من كلمات وجمل، ومعانٍ وألفاظ، وتراكيب لغوية، ودوال ومداليل. إلا أن النص يتصف بثراء تأويله، وقابليته للكشف عن المضمر من أنساقه. واللانص ليس كذلك، فالتأويل يشتغل على النص، لثراء حقله الدلالة وإمكانيات تأويله.

وقد تقدم هناك آيات يتوقف فهمها على تأويلها والتأمل في آفاقها، والعبور من ظاهر اللفظ إلى ما هو أعمق وأبعد، بشكل تنفتح آفاقا جديدة للتأمل، كالقضايا الغيبية التي تعجز اللغة العرفية عن إدراك حقائقها، لغياب الوسط الممهد لحركة الفكر بين المجهول والمعلوم. كما هناك آيات يرتهن فهمها على نقلها من المستوى الديني إلى المستوى السوسيو لوجي والأنثربولوجي، لدراسة القوانين والسنن التي يتحرك في سياقها النص من جهة، وفهم الآثار الاجتماعية، وظرف نزوله، وما هي انعكاساته. أي أثر الوضع الاجتماعي في صدور النص / الآية، ومدى تأثيره بعد صدوره. بل يعمل التأويل على كشف ما تستر عليه النص واستبعده، من خلال سياقه أو طريقة تعبيره، فهناك معنى يتستر عليه النص، يريد التأويل استدعائه، وإعادة قراءته وفهمه، وبيان ما طبيعة علاقته بالنص، وما هي تقنياته في تمرير رسالته.

ونقصد بالتأويل هنا، خصوص الموضوعي الذي تقدم بيانه، كي لا نعود لأحضان الرؤى الأيديولوجية والمذهبية المتحيزة التي أوّلت كثيرا من الآيات لصالحها أو لتوهين خصومها. ويقصد بالتأويل الموضوعي كما مرَّ: "إرجاع النص إلى ما هو أبعد من المعنى الحرفي، لتحري دلالاته وممكناته التأويلية". فالتأويل أحد مناهج فهم النص، لا يمكن الاستغناء عنه لمقاربة مجموعة من الآيات. لا نقصد أن التأويل سيكشف عن دلالات النص كما هي في الواقع ونفس الأمر، أو تطابق الدال والمدلول. أو أن للتأويل طرقا خاصة لاختراق الغيب. كل هذا غير مقصود. هدف التأويل الكشف عن مداليل أخرى لظاهر النص من خلال التنقيب في أعماقه، وتوظيف تقنيات للكشف عن مضمراته، وما يريده وما يستبعده. أو الكشف عن ممكناته التأويلية من خلال إيماءاته وإشاراته، فقد يشير النص المقدس لشيء من خلال إشارة داخلية أو مقارنة خارجية. أو من خلال سياقه وبناء جمله. فالتأويل اشتغال داخل حقل اللغة، باعتبارها مفتاح التأويل للكشف عن دلالات يستبطنها النص ولا يصرّح بها. والغاية منه مقاربة النص للتوفر على فهم مغاير، نستبعد به التأويلات الكلامية المتحيّزة للفِرق والمذاهب الإسلامية، التي اسقطت قبلياتها عليه، ووظفته لتعضيد متبنياتها العقدية والفكرية والسياسية. ومن يقرأ التراث يستغرب حجم الروايات التي فسّرت المفاهيم المبهمة في القرآن وأحاطتها بقصص من وحي الخيال، خاصة الجمود على حرفية النص وظواهر اللغة، الذي يفضي للتجسيم، وهو القائل: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ).

والهدف الثاني، أن فلسفة الخلق تستدعي فهما تأويليا لقصة الخلق، تساعد على فهم دور الإنسان في الحياة، بعيدا عن العقل التراثي اللاعقلاني. الخالق حكيم، وأنزل كتابه للناس: (هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ)، ومن حقهم أن يفهموا مضامينه، وما يريد قوله.

المنهج القرآني

يبقى القرآن نصا لغويا، يمكن مقاربة آياته، مهما كان متعاليا ومقدساً، شريطة التوفر على مناهج قادرة على استنطاقه ضمن قوانين اللغة. وقد أستخدم الكتاب الكريم آليات لتمرير رسالته وبيان مقاصده كالحوار والقصة والمباشرة والمتخيل الرمزي، ومنها أيضا: التأويل والأمثال، التي هي نوع من التأويل، يختزل المعنى بمثال، يكون أقوى تأثيرا ودلالة لدى المتلقي، والأمثال كثيرة في الكتاب، مما يؤكد أهميتها في اللغة الدينية، غير أن شرطها قدرة المتلقي على فهم دلالتها، كما أن رهان تأثيرها الاستعداد الذاتي للاستفادة منها:

(وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ)

(وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)

وكنموذج للأمثال:

(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)، فمهما تحدّث عن الكلمة الطيبة وآثارها الاجتماعية والنفسية على الفرد والمجتمع لا يؤثر ويفي بقصديته كالمثال. المتلقي يفهم ماذا تعني الشجرة المثمرة الوارفة، وعندما يضرب الله بها مثلا يتبادر لذهنه طبيعة المقارنة، ويفهم أن إيجابيات الكلمة الطيبة كشجرة دائمة الثمر والعطاء. وما عليه سوى تأويل المثل، وإدراك دلالاته. لكن المهم بالنسبة للغة الدين، عندما يضرب مثلا لبيان مفاهيم وقضايا مفارقة، يتعذر على اللغة العادية إدراكها، كما في قوله تعالى:

 (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ). فما ذكره مجرد مثلا يقرب القارئ لمفهوم الله، ولا يعني أنه نور في مشكاة، رغم أنه يقول في آية أخرى: ليس كمثله شيء. غير أن المثل يساعد على تمثّل صفاته وقدراته المطلقة، دون إدراك ماهيته وحقيقته وكُنهه، لأنها ممتنعة ذاتا. وبالتالي فالاستشهاد بالمثل كمنهج لفهم النص الديني يؤكد ثمة قضايا ومفاهيم عصية على اللغة العادية، غير أن اللغة الدينية توظف المثل لتحقيق مآربها.

وفي آية أخرى: (لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)، ولا يخفى حجم الدهشة وهي التي تتحدث عن خشوع كائن جماد / الجبل، وماذا يعني نزول القرآن عليه؟. وهنا يتعذر فهم الآية بعيدا تأويلها، خاصة وهي تؤكد أنه مجرد مثلا، لمعنى أعمق يصعب على اللغة استيعابها، لكن يبقى المثل، كالرمز، يتجدد في دلالالته، ويثري بقبليات وثقافة ووعي المتلقي: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ). فدلالة المثل تتطلب جهدا فكريا يقارن، من خلال حركته بين المثل والواقع، ليصل إلى دلالات مغايرة. فاللغة الدينية تتسلح بآليات تنقل المتلقي إلى آفاق بعيدا عن ظاهر النص، لتبحر في عالم المعنى، تتقصى مداراته وآفاقه، لا فقط بالتدبّر، الذي هو آلية مهمة كما مرَّ بيانه، ولا بالمثل فقط، بل الاستعانة بثراء الخيال، وقدرته على رسم معالم القضايا المفارقة، فترى القرآن يحقق من خلال استعراض مشاهد القيامة مثلا، ترسيخ يقين الفرد، وتخصيب خياله لتمثّل القضايا المفارقة. من هنا لا نستغني عن أي منهج علمي حديث يساعد على استنطاق النص الديني، وكلها مشروعة: تحليل الخطاب، التفكيك، الحفر المعرفي، التأويل، الهرمنيوطيقيا. لأن النص، أي نص، له أسلوبه في تمرير رسالته، وله سلطته، وقبلياته، ويصدر استجابة لظرفه الزمكاني. ولا أجد مبررا لرفض المناهج العلمية الحديثة، بل أعتقد جازما أنها تعمّق وعي المتلقي بالنص الديني، وفهم رسالته، وتفتح له آفاقا معرفية، غيبتها المناهج التراثية لتفسير الكتاب، واعتمادها على روايات، لا تمثل سوى آراء بشرية، تصيب وتخطئ، والدراسات العلمية في تقدم مضطرد. وعدم استخدامها من قبل السلف أو من قبل الفقهاء ليس عذرا مقبولا.

نموذج تأويلي

سأستشهد بقصة يوسف، لثراء نصوصها في مجال التأويل، كنموذج قرآني يعزز القيمة العلمية للمنهج التأويلي في اللغة الدينية. وبالتالي لا يمكن الاستغناء عنه لصالح تفسيرات تراثية تريد فرض تحيزاتها الطائفية والسياسية على النص القرآني. وثمة خصائص للتأويل يمكن إدراكها من خلال آياتها.

السورة تسرد قصة نبي الله يوسف، وقد نوّه الكتاب في بدايتها: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ). فمادامت قصة فلها أسلوبها السردي وتقنيتها في التعبير عن ثيمتها. والثمية الأساسية للقصص القرآني كما ذكرته سابقا: أن غاية السرد القصصي هي العبرة والموعظة، لا تفصيلات الأحداث، وبالتالي سيدور التأويل مدار الهدف الكلي: "لَقَدْ كاَنَ فىِ قَصَصِهِمْ عِبرْةٌ لّأِوْلىِ الْأَلْبَبِ". وما دام اكتشاف العبرة غير متاح إلا لأولي الألباب، فهذا يؤكد رمزية بعض جوانب القصص ودور التأويل في الكشف عنها. وأيضا: "لَقَدْ كاَنَ فىِ قَصَصِهِمْ عِبرْةٌ لّأِوْلىِ الْأَلْبَبِ .." تؤكد على استخدام العقل وتمضي  أدواته التأويلية من أجل اكتشاف العبرة والموعظة التي هي الهدف الأساس من السرد القصصي في القرآن الكريم. فلا يهمنا الحدث فيها، ونركز على التأويل كمنهج أكّدت عليه الآيات من خلال القصة. منهج يتوقف عليه النص الديني، وتعتمده اللغة الدينية ضمن آلياتها، لمقاربة النص وتمثّل مفاهيمه. وقد تقدّم الكلام عن معاني التأويل، فبعضه يبقى في حدود التفسير وبيان مبررات الحدث، كما في: (سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا). وهذا لا نقصده هنا. المهم التأويل الذي يتناول قضايا مفارقة وغرائبية، وهو ما حفلت به قصة يوسف، وأكدت على شروط تأويل النص، كدور الزمان فيه. وأشير هنا بعض خصائص التأويل الموضوعي.

- من خلال الآيات نفهم أن التأويل جهد فكري وتأمل عميق. أو جهد فكري، وتقصي معرفي، بين النص وممكناته التأويلية، التي تثرى بثراء قبليات المتلقي ونباهته ووعيه وقدرته على التشخيص، من خلال ممارسة دؤوبة في نقد النص. تقول الآيات: (وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ)، (وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ)، فهو علم كسبي أو مكتسب، ينمو ويتطور في رحاب مرونة النص الديني. وليس التأويل تأملا عفويا، أو رغبة شخصية لاسقاط قبليات المتلقي عليه، وهذه نقطة مهمة، خاصة من يشجبه دون دراية بخصائصه، وطريقة عمله.

- أن تأويل النص قد يتطلب وقتا لإدراك حقائقه. كما في قوله: (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ)، غير أن والده لم يقدّم تفسيرا أو تأويلا لرؤياه، رغم أنه نبي، ويعلم من الله ما لا يعلمه غيره وفقا للنظرية الدينية، ولعل في قوله: (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)، ما يؤكد عدم معرفته بتأويل رؤيا ولده يوسف، لكنه توجّس خيفة، لأنها دالة على مستقبل كبير، حدا يسجد له الآخرون، مما يثير حسد أخوته، لذا حذره: (قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ). غير أن يوسف أوّل رؤياه بعد أن أصبح ملكا، وسجد له وأبواه وأخوته: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا). وبالتالي لم يستطع أحدهما تفكيك شفرة الرؤيا، وفهم دلالاتها ولو تأويلا، لأنها بحاجة إلى مرور وقت كافٍ، ليكون الواقع شاهد صدق عليها. وهذا ما حصل بعد وصول القصة إلى نهايتها. وهذا ينطبق على قضايا غيرها، وتجد القرآن يرتهن معرفة الحقيقة لليوم الآخر.

- أقرّت القصة من خلال تأويلات يوسف بضرورة المنهج التأويلي للقضايا المفارقة، فيوسف قام بتأويل رؤيا الملكة ومن رافقه السجن، وهي رؤيا مرمّزة، تتطلب جهدا استثنائيا لإدراك معانيها، لذا قالت حاشية الملك عندما استفتاهم: (قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ)، ردا على رؤياه، التي تضمنت قضايا غرائبية غير مألوفة: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ). بينما كان جواب يوسف جوابا تأويليا ناضجا، يدل على علمه وسعة معرفته بتأويل الأحاديث: (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ، قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ).

وأيضا بالنسبة لصاحبيه في السجن: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ.. يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ). والقارئ العادي لا يجد أي ربط بين الرؤيا وتأويلها من قبل يوسف لولا أن يصدّقها الواقع، لا رؤيا الملك ولا رؤيا صاحبيه. وهذا يشجع على الإرتكاز للتأويل في فهم غرائبية بعض النصوص، ومنها قصة الخلق التي هي مدار بحثنا، والتي هي الأخرى غزيرة في دلالتها.

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi3احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة السادسة والخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

 

لغة الدين

ماجد الغرباوي: يمكن من خلال تحديد ماهية ووظيفة لغة الدين التوصّل إلى فهم، نرفع به التعارض بين الحقيقة العلمية والحقيقة القرآنية في قصة الخلق. فرب ما نعتقد به حقيقة قرآنية حسب ظاهر الآيات هو ليس كذلك، فنتحرى تأويلا للنص ودلالالته في إطار فلسفة الخلق، ودور الإنسان في الحياة، وفق منهج تأملي - تأويلي لا يقف عند ظاهر الألفاظ، ولا ترعبه قداسة النص. النص أساسا مكتوب لنا: (هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ)، ونحن مدعوون إلى التفقه به وإدراك مقاصده، للكشف عما يتستر عليه ويخفيه. فثمة رسالة يحملها الخطاب، من المُرسِل إلى المرسَل إليه تضيق بها اللغة، فتلجأ إلى تقنيات تساعد على تمريرها ضمن نسق لغوي موحٍ بدلالات أعمق. تترك لنا فك شفرتها. وقد أشرت سابقا: "إن قداسة النص لا تستدعي الانغلاق، والجمود على حرفيته، وعدم تأويله وفهمه وفق سياقاته. ولا تجرّد النص من تاريخيته، ويبقى النص موضوعا للفهم والتفسير وحتى التأويل. القداسة تعني صدور النص عن مصدر متعالٍ محيط وعالم وعارف بكل شيء، فيشرّع ويهدي وفقا لملاكات ومصالح، يمكن للإنسان إدراكها لتحديد مدى فعلية النص المقدس".

والتفقه كمفهوم أشارت له الآيات ضمن مفهوم التدبر، كقوله: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ)، (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا). فمفهوم التدبّر يتضمن معنى التفقه والتأمل والاستغراق في فهم النص من خلال قرائنه وسياقاته أو من خلال الأطر الكلية للنص، وغير ذلك. ويعني التدبر لغة: (تدبَّر الأَمرَ / تدبَّر في الأمرِ: تأمَّله وتفكّر فيه على مَهَلٍ، ونظر في عاقبته). وبالتلي، الآيتان تكشفان عن أمرين مهمين وخطيرين:

الأول: أن القرآن بشكل عام يحتاج إلى تدبّر، بمعنى التأمل والتفكير في آياته، خاصة القضايا الغيبية والغرائبية التي لا يمكن إدراك حقائقها؟. فلا شك أن التأويل أهم الآليات للكشف عن مضمراته، وما يخفي من معان يؤثّر في فهم النص. فالآيتان لا فقط إمضاء للتأويل بل إمضاء للهرمينيوطيقيا كمنهج جدير، مادام التدّبر والتفقه يمثلان جوهره وحقيقته.

والثاني: أن الآية المتقدمة، (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)، قد أكدت على صفاء القلب شرطا في فعلية التدبّر والتأمل. ويعني صفاء القلب، التحرر من تراكمات الأغلال وسجون الأيديولوجيا والقبليات المسبقة التي تفرض سلطتها على النص، والنظر إليه ضمن أطر قرآنية كلية. وهو ما تعبّر عنه الآية بالرين: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، الذي يغلق آفاق المعرفة، ويرتهن فهم النص لقبليات المتلقي، فيخرج فهم النص من الموضوعية إلى فهم أيديولجي يطيح بقصديته.

لغة الدين

إذاً، تنشد لغة الدين، (الإخبار عن قضايا مفارقة للمادة بلغة بشرية. وحكاية مشاهد ووقائع تضيق بها اللغة العادية. فتكتفي بالتلميح دون التصريح، وبالإشارة دون البيان). فثمة امتناع ذاتي في عالم الغيب تفرضه غرائبيته وطبيعته التجريدية، وعدم وجود مشتركات تساعد على تمثّله. واللغة تستدعي وجود مشتركات تخلق وسطا ثقافيا أو منظومة مفاهيمية تساعد على تفكيك غرائبيته واستيعاب حقائقه. والقضية مرتبطة باللغة وطريقة أدائها وكيفية اشتغالها. فمثلا: عندما يحدّثك شخص عن فاكهة متوفرة في بلادك، تتبادر لذهنك بكل خصائصها مادمت قد تذوقتها. وأيضا يسهل عليك تصور فاكهة من خلال مثيلاتها، بينما ستعاني في إدراك حقيقة نوع ثالث تجهله، ولا توجد مشابهات تستعين بها على تصوره. بل حتى محدثك سيعاني في وصفها، فيضطر لتوظيف لغة تقرّبها، كأن يصف طعم حموضتها أو حلاوتها، وماذا يحدث للإنسان عند تناولها بطريقة تمثيلية. أو كيفية أكلها بأسلوب أدبي أو أداء مسرحي، يراهن في ذلك على خصوبة خيالك، وقدرتك على التحليق في عالمه، لكن كل ذلك لا يعني أنك قد تذوقتها فعلا، ومازلت في حدود التصور، تتردد بين الخيال والوهم، ولم تصل حد الجزم والاعتقاد، الذي هو شرط صدقية العلم. بهذا نفهم معنى الحديث المشهور عن الرسول حول وصفه الجنة، رغم كثرة الآيات التي وصفتها، حدى تلهب مشاعر القارئ. حيث قال النبي عنها: "ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على بال بشر".!!، متجاوزا بذلك كل الأوصاف المذكورة في الكتاب. لا يريد تكذيبها، بل يؤكد من خلال حديثة على قصور اللغة، وما جاء من أوصاف لا تمثّل تمام حقيقتها.  فالأسلوب البلاغي وتقنيات اللغة في الآيات الكريمة جاءت لتقريب المعنى، لكنها لا تنقل الواقع كما هو، لتعذر نقله بلغتنا، فتنتفي الدلالة المطابقة بين الدال والمدلول. وما يتلقاه الأنبياء وحي، يتطلب لغة خاصة لبيانه، عندما تعجز اللغة عن استيعاب معانيه.

وبالتالي، لا يمكن للغة العادية إدراك حقائق القضايا الغيبية، وإدراك معانيها، لأنها عالم مفارق، لا يفصح عن نفسه، يكتفي بالإشارة والتلميح، دون البيان والتصريح. الفارق الجوهري بين العالمين فارق بين: الغيب والشهادة، المجرد والمحايث، السماوي والأرضي، الإلهي والبشري. إنهما عالمان مختلفان، وما تقوله اللغة رغم قداسة النص هو تلك التلميحات والإشارات بلغة تتميّز بمرونتها وقوة إيحاءاتها وإيماءاتها، وثراء دلالاتها ورمزيتها وتنوع تقنياتها وأساليبها، لخلق أجواء تعين المتلقي على تمثّلها، ومقاربتها شعوريا. فالترميز والإيحاء والإيماء وكافة تقنيات وأساليب التعبير اللغوي، توظف لتتجاوز ظاهر اللفظ إلى أعماقه، لنتوفر على رؤية مغايرة للدين، يمكن توظيفها لصالح الإنسان. ولعل خير مثال في لغة التصوف، وكيفية تأويلها للنص القرآني بدلالات بعيدة. وهنا التأويل يختلف عن التفسير الباطن، الذي يستبدل الألفاظ بمصاديق رمزية، لتبجيل الذات وهجاء الآخر.

ومعنى الإبهام والمفارقة أن القضايا التي تتحدث عنها لغة الدين قضايا نسبية لا وجود لها خارج النص والفضاء المعرفي للفرد، ولا دليل على مطابقتها للواقع ونفس الأمر سوى الإيمان. كالملائكة والجن والقلم والكرسي والعرش والمعاد واللوح والأسماء، ومنها أيضا قصة الخلق، وما زخرت به من مشاهد ومعلومات عصية على الإدراك لولا تقنية النص الديني في توظيف مختلف الأجناس الأدبية، لتمرير ما يريد تمريره، فهي تتحدث عن عوالم غريبة، يتعذر إدراك حقائقها، فتلجأ للمجاز والترميز والقصة والحوار. فالقضايا الغيبية تفرض لغة تتدارك فائض المعنى بأساليب موحية.

تجدر الإشارة، أن لغة الدين تؤسس لوعي تشد من خلاله المتلقي، فردا وجماعة، لعالم الغيب والمعاد والتماهي مع عوالمها، وتضفي على الوجود والحياة والموت معنى، وقيمة دينية. وهي ميزة تختص بها الأديان. فهي لغة خاصة، لها تقنياتها ومنطقها وأساليبها وطريقة اشتغالها وتأثيرها على المتلقي عندما تمسك بمشاعره وتتحكم بإرادته، وتفسح مجالا للهيام والوجد بالمطلق، حد يذوب المتهجد في محراب التأمل. تربط عالم الشهادة بعالم الغيب، وتوصل الدنيا بالآخرة، وتجعل من الإنسان جزءا من الكون، لا ينفصل عنه، تتولى وجهته، وتتحكم بمصيره، وترسم له طريق الخلاص، لذا تؤسس لوعي مختلف، يراهن على مشاعر الإنسان وعقله.

وعدم إدارك القضايا الميتافيزيقية لا يعني إنكارها البتة، بل يعني عدم قدرة اللغة العرفية على استيعاب حقيقتها، فتهرب من التصريح إلى التلميح، تخفي أكثر مما تظهر، وتشغل المتلقي بدهشة أساليبها لتمرر ما تريده، فتقول ما تدركه القلوب قبل العقول، ويهيم بها الوجد دون الوعي. ولعل في عبارة النفري أفضل تعبير عن اللغة الدينية: (كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة). فمفهوم العرش مثلا مهما عرّفته أو وصفته لا يطابق حقيقة العرش الإلهي كما هو واقعا، لكن يصفه بالعرش لتقريب المعنى، حيث ينصرف الذهن إلى مفاهيم متداولة كعرش السلطان، وما تحيطه من أبّهة وجبروت وعظمة وحراسة مشددة. أو يتبادر معنى السلطة مطلق السلطة، وهو وعي أكثر تطورا، لكن  كل هذا لا يعني إصابة الواقع ومطابقته مع مفهوم العرش، كما في الكتب المقدسة، وإلا كيف تتصور استواء الله على عليه؟؟!!. فحمل اللفظ على معناه الظاهر أو الملازم يصدق في اللغة العرفية، أما اللغة الدينية فتستدعي التأمل والاستغراق في تقمّص المعنى في إطار ذات المجال التداولي لتلك المفاهيم. وحتى التراث لا ينفع في هذه الحالة، مادام  تصورات مسبقة، وتأملات صوفية وروحية، لا تعني المطابقة، مهما كان مصدرها، ولو أن الأنبياء أدركوا معانيها كما في الواقع ونفس الأمر لاختلف التعبير عنها بشكل أوضح، أو مقارن مع مفاهيم متداولة، يمكن للمتلقي تمثلها من خلال مشتركاتها. لكنه لم يوحَ له أكثر مما أوحي، ونقله كما هو وترك للعقل البشري يتدبر ألفاظها، لذا يكفي التسليم بعوالم الغيب، كحقائق إيمانية، تذعن لها النفس بفعل الإيمان بالكتب المقدسة، وأما حقائق الأمور فمرجعها لمصدرها: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ).

والآية تؤسس لمنهج يساعد على تدبّر الكتاب، بإرجاع المتشابه من آياته إلى المحكمات. فثمة آيات تعمل موجّهات لضبط الآيات المتشابهة، التي تلتبس على المتلقي، كي لا يتمادى ويسقط في الكفر، ويقول ما لا يعلم. غير أن ظاهر المقطع الأخير يشجب التأويل الذي هو عماد القراءات التأملية وأحد روافد المنهج الهرمينيوطيقي، وقد أكد الكتاب التأويل وضرورته  في آيات أخرى، فكيف نرتكز له في فهم النص؟

الظاهر من الآية أنها نزلت في واقعة، تخص قوما يتشبثون بالمتشابه رغم صراحة الحكم الشرعي كما جاء في أسباب النزول، لغرض الفتنة وصرف الناس عن الدين، والخروج من صراحة الحكم إلى تأويله، فختمت الآية بالحديث عن تأويلٍ لا يعرفه سوى الله تعالى، وفي هذه الحال يقتصر موقف المؤمنين على التسليم، دون تأويله بما تشتهي أنفسهم، وهذا لا علاقة له بالتأويل كمنهج أكد عليه الكتاب.

التأويل الموضوعي

التأويل من المفاهيم التي اختلف حولها العلماء، ويراد به لغة: الإرجاع. وتأويل الكلام هو الرجوع به إلى مراد المتكلم. ويقصد به أيضا: تفسير باطن اللفظ. وهو غير المجاز، الذي يعني صرف اللفظ عن معناه الظاهر لوجود مناسبة، والمجاز اللغوي، هو لفظٌ استُخدمَ لغير معناه الحقيقيّ لعلاقة معيّنة. فالمجاز هنا بسيط، تدل عليه كاف التشبيه، ووجود المناسبة وغيرها من شروط مذكورة في محلها.

ويمكن تعريف التأويل اصطلاحا: "إرجاع النص إلى ما هو أبعد من المعنى الحرفي، لتحري دلالاته وممكناته التأويلية". وإنما جعلت النص موضوعا للتأويل، لأنه حقل خصب للحرث والتنقيب في أعماقه معرفياً، بحثا عن ممكناته التأويليه والمتوارية التي يتستر عليها مكر النص لغوياً. فيتناسب ثراء النص طرديا مع حجم إيحاءاته. ويتوقف الكشف عن المضمر من أنساقه المعرفية والثقافية، على مرونته، وأسلوبه في التعامل معه. بالتالي ثمة فرق بين النص واللانص، رغم أن كليهما نسيج لغوي، يتكون من كلمات وجمل، ومعانٍ وألفاظ، وتراكيب لغوية، ودوال ومداليل. إلا أن النص يتصف بثراء تأويله، وقابليته للكشف عن المضمر من أنساقه. وبهذا تخرج الدلالات الثلاثة للدال والمدلول ومفهوم الوصف، كما بينت مفصلا في كتاب: النص وسؤال الحقيقة.

التأويل منهج قرآني تؤكده آيات عدة:

 (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله ويقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق). وهنا يراد به التفسير والبيان.

(سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا). بيان مبرراته ودواعيه فهو أيضا تفسير وبيان. (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك).

(إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين)

(ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا).

 (وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر واخر يابسات يا أيها الملا أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون يوسف أيها الصديق أفتنا إلى أن قال: قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون)

(ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نريك من المحسنين إلى أن قال: يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الامر الذي فيه تستفتيان)

(ولنعلمه من تأويل الأحاديث)

 (وعلمتني من تأويل الأحاديث)

(بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله).

من خلال الآيات ثمة تأويل مختص بالقضايا الغيبية لا يعلمه سوى الله، باعتباره: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول). وهناك تأويل متاح شريطة أن يكون تأويلا موضوعيا، غير متحيز، رغم استحالة عدم التحيز، وهي قضية مرتبطة بنظام اللغة، وكيفية انتاج المعرفة، وكل إنسان يتأثر بقبلياته وثقافته. وما قصدته بالموضوعية هنا هو التأويل الناتج عن تدبّر وتأمل في أعماق النص، وتحري أنساقه وامتداداته ومضمراته، بعيدا عن أي اسقاطات عقدية أو فكرية. فيكون الفرق بين التأويل الموضوعي والأيديولوجي:

- أن الأول يبغي استنطاق النص من خلال التأويل، والثاني يسعى لتطويع النص تأويلا لتعزيز أيديولوجيته. وهذا واضح جدا في الاتجاهات المذهبية والطائفية حينما تتنافس حول تأويل بعض الآيات لصالح هذا الطرف أو ذاك، على خلاف ظاهر النص وتأويله الموضوعي. لا شك أن الأول يتأثر بمضمراته وقبلياته، غير أنه يختلف عن الثاني في طريقة توظيفها.

- الأول تفتح له المعارف والعلوم الإنسانية والمناهج الحديثة آفاقا جديدة لاستنطاق النص، بينما الثاني انتقائي، يختار ما يخدم النتيجة التي يطمح لها من تأويل النص.

- التأويل الموضوعي يمضي مع المنهج مهما كانت نتائجه، بينما الثاني مستعد للتخلي عنه عندما يتقاطع مع هدفه.

وهذه فروقات جوهرية تختلف معها نتائج التأويل. ونحن نؤمن بالتأويل الموضوعي، الذي من خلاله نستنطق النص، ونتحرى مضمراته وأنساقه. إن التأويل الأيديولوجي غير الموضوعي لا يخدم تأويل قصة الخلق بل يوجهها الوجهة التي يؤمن بها، خاصة إذا كان عقلا تراثيا، يأتي مثقلا برؤى مقدسة يسقطها على النص. نحن نطمح لتأويل موضوعي يتحرى قصة الخلق للكشف عن دلالالتها الأعمق من ظاهر النص، حينئذٍ يمكننا التأكد من التنافي بين الحقيقتين الدينية والعلمية. وهنا سنضيء البحث بنموذج قرآني، نوظفه لاستنطاق قصة الخلق، في ضوء لغة الدين والهدف الأساس من وجود الإنسان في الحياة. لذا نستعرض النموذج التأويلي أولا:

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

ماجد الغرباوي1احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الخامسة والخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

 

تعارض الأدلة

ماجد الغرباوي: كان الافتراض: لو دلت الأدلة أن أصل الإنسان حيوان، وأن التطور حقيقة علمية، لا تقبل الشك بعد بلوغها درجة اليقين المنطقي. حينئذٍ يأتي السؤال المتقدم، كيف نفهم التعارض بين نظريتي التطور والخلق، على فرض وحدة المصدر وفقا للنظرية الدينية، التي تؤكد أن الله خالق كل شيء، وقد استودع في كونه أنظمة وقوانين تضبط حركته وأداءه. بيده كل شيء، وعلمه محيط بكل شيء، فيكون التطور أحدها؟: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ... الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ). فكيف نفهم التنافي بين الحقيقة العلمية والحقيقة القرآنية، ومدى إمكانية التوفيق بينهما دون هدر قدسية الكتاب والإذعان للعلم ومعطياته؟.

لا ريب لا يمكن تسوية التعارض المستقر بين الأدلة، كما هو مقرر عندهم أصوليا. فثمة تنافٍ بين تطور الإنسان وأصله الحيواني. واستقلالية خلقه وأصله الترابي: (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ)، (خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ)، (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ). فأصل الإنسان وفقا لهذه الآيات يعارض ظاهرا ما تقوله النظرية الوضعية. ولا يخفى أن الحقائق العلمية تزعزع قدسية النص عندما يتعارضان. وتفضي إلى تهميشه وسلبه سلطته وهيمنته والتعامل معه كنص تأريخي. واستبدل زاوية نظر المتلقي من المطلق إلى النسبي، ومن الإطلاق إلى الشك، ومن الشرح والبيان إلى النقد والمراجعة، ومن الجزم إلى احتمال الصدق والكذب في كل قضية خبرية فيه. وهذا ما ترفضه الأديان والكتب المقدسة، التي تمثل القداسة جوهرها: (أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)، (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ)، (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)، (َإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ). قداسة الكتاب رهان الأديان، فكيف يتخلى المؤمن عنها لصالح رأي بشري، مهما كان حقيقة علمية؟.

ويكفي أنك تعرف أن النص آية قرآنية للتراجع عن فهمك وبعض قبلياتك، وتصوراتك، لتدور في أروقة المقدّس، ومداراته ومرجعياته. بل تكون أكثر استعدادا لشطب قناعاتك أو بعضها. فمصدر النص سلطة تجبر المتلقي على التماهي معها. وبهذا تتضح قوة تأثير الروايات النبوية، رغم أن بعضها موضوع، لكنها مؤثرة، تستمد سلطتها من سلطة مصدرها، الذي يستمد بدوره السلطة من نبوته، واصطفائه من قبل الله تعالى. فقدسية المصدر وسطوته حاضرة خلال سماع الرواية. فيصدق أن سلطة النص ترسم مسار التفكير، وقداسته تخضع المتلقي لإكراهاتها.

إن سلطة النص سلطة معقدة، من خلالها تتجلى قوة النص وقدرته على فرض حقيقته. فالنص ليس مجرد نسيج لغوي بل يتمتع بسلطة يستمد بعضها من قوة بيانه، وقدراته البلاغية التعبيرية، وأسلوبه في توظيف المجازات داخل النسق اللغوي. وحجم الإحالات المرجعية في إيحاءاته ورمزيته وقدرته على استغفال القارئ. لذا تجد النصوص الدينية أثرى وأقدر على مقاومة النقد والتفكيك، حينما تستجيب لكل قراءة، وتتجدد مفاهيمها مع كل مقاربة نقدية. فثراء النص لا ينفد بنقده، بل تتطور دلالاته. والجزء الثاني من سلطته يستمدها من طبيعة النص وتقنياته الدلالية والتعبيرية. فيعمل ببراعة على مستويين ويحقق كامل أهدافه في التأثير. (كتاب: النص وسؤال الحقيقة)

فالتعارض يشكّل تحديا لا تنفع معه أية تأويلات سلبية. فينبغي فقه النص، وعدم الاكتفاء بشرحه وتفسيره، ما دامت القوانين والسنن والحقائق العلمية ثابتة لا تتغير، لكن فهم النص نسبي، يمكن تداركه بمنهج مغاير. وعليه يبقى الرهان على قدرتنا على تقديم فهم مختلف للنص القرآني وفقا للغة الدين ومعطياتها ووظيفتها، يزعزع استقرار التعارض، حينئذٍ، يمكن تسوية التعارض من خلال فهم تأويلي، داخل ذات الحقل الدلالي للغة الدينية.

الخلق والحقيقة

إن مطابقة الواقع في الجمل الخبرية هو المائز بين القضية المطلقة والنسبية. الأولى يمكن الاستدلال عليها حسيا أو برهانيا أو رياضيا. وتعني منطقيا: (دوام ثبوت المحمول لذات الموضوع أو سلبه عنه مادام الموضوع بذاته موجودا) (كتاب المنطق). وأيضا تقع في مقابل المقيّد والمشروط، فتكون متحررة من إكراهات القيود والشروط. والإطلاق في هذه الحالة يسلب القضية تاريخيتها. فالنتيجة واحدة في القضايا المطلقة، هو (ثبوت المحمول للموضوع). بينما يختلف الحكم في القضية النسبية تبعا لزاوية النظر، فتختلف من شخص إلى آخر. مثال الأولى جميع القضايا التي تخبر عن الواقع الموضوعي، بدليل حسي أو برهاني ورياضي. ويمكن للذهن انتزاع مفهوم عنها. أما القضايا النسبية، ومثالها الواضح القضايا الدينية الميتافيزيقية / الغيبية. أو اللامعقول الديني، الذي يتعذر الاستدلال على صدق قضاياه خارج النص والفضاء المعرفي للفرد. وقد فصلت الكلام حول القضايا في كتاب "النص وسؤال الحقيقة"، يمكن استدعاء بعض المقاطع لأهميتها هنا:

إن صدقية المفاهيم الدينية الغيبية، مرتهنة في حقيقتها لوجود نص يدل عليها. وخطاب يسعى لإقناع المتلقي بها. فتفتقر الحقيقة في وجودها وصدقيتها لوجود نص مؤسس. لذا يصدق أن الحقيقة الدينية وليدة النص، ولا وجود لها خارجها، لأنها قضايا غيبية، لا تخضع للتجربة والدليل الحسي. وبما أن سلطة النص هي الأخرى لا وجود لها خارج ذهن المتلقي، فالحقيقة أيضا تستمد حضورها من الفضاء المعرفي للمتلقي. فاتضح مما تقدم أن إطلاق الحقيقة يتوقف على مدى مطابقتها للواقع بدليل حسي أو برهاني، دون الدليل الحدسي والظني كالقياس المنطقي ما لم تكن مقدماته يقينية، جزمية. ولا الاستقراء القائم على الاحتمال مهما كانت قيمته، ما لم نكتشف سبب الظاهرة المشتركة، وننسبها لعلتها. فإطلاق الحقيقة رهن الدليل وحجيته الذاتية. وأما الحقائق الدينية فتستمد وجودها من النص ومن إيمان الفرد ومستوى وعيه وثقافته التي تختلف باختلاف مناشئها، فهي نسبية دائما.

وهذا لا ينفي وجود حقائق ميتافيزيقية، فقد تكون ثابتة في الواقع ونفس الأمر. لكن الكلام عن المتلقي وكيفية تصوره لها والإيمان بها. فالحقائق الدينية يتعذر الاستدلال عليها خارج النص وتقنيات الفهم البشري التي قوامها الإيمان والتصديق والتسليم وليس الدليل والبرهان. ولا يُعد الإيمان بعوالم ما ورائية ضرورة عقلية وفلسفية لولا الكتب السماوية. بل حتى النص المقدّس غير قادر بمفرده على فرض صدقيتها، لولا ثقافة المؤمن وعقله المؤثث بمفاهيم تذعن للنص الديني، كحقيقة مطلقة. فوجود أرضية معرفية، وحاضنة ثقافية ملائمة شرط لتأثير الخطاب الديني في هذا الخصوص، وشرط لتصور الحقيقة الدينية. فيكون الإيمان بها إيماناً نفسياً، قائماً على مفاهيم ومقولات نسبية، تختلف من شخص إلى آخر. فالقضايا الميتافيزيقية تتشكل حقيقتها داخل الفضاء المعرفي وليس خارجه كما هي الحقائق المطلقة. لا فرق في ذلك بين الحقيقة البسيطة والمركبة. بل ما من حقيقة إلا وتنطوي على حقائق، وما من نص إلا ويخفي تراكما نصوصيا، يتولى العقل تفكيكها وتحليل مفاهيمها ومقولاتها الأساسية. ويعيد تشكيلها وفهمها. فالفارق الجوهري بين الحقيقتين، أن الحقائق المطلقة لا يختلف أحد حول وجودها، ما دامت شاخصة يمكن الاستدلال عليها، ويذعن العقل لدليلها، كالقضايا التي يمكن الاستدلال عليها حسيا، أو الحقائق الرياضية. أما الحقائق المجردة والحقائق الدينية فتخضع لتأثيرات ثقافية ونفسية، فلا تكون إلا نسبية. وهذا سر تفاوت الإيمان بها. والاختلاف حول أصل وجودها، وخصائصها، ومصاديقها. (كتاب: النص وسؤال الحقيقة).

والنص بطبيعته مستغرق في صمته، يخفي دلالاته، وأسراره ورمزيته، لا تستنطقه سوى القراءة الموغلة في نقدها، وتفكيكها لتراكم طبقاته المتوارية، بحثاً عن ركائز سلطته وطريقة أدائها ضمن نسيجه اللغوي. فالنص، خاصة النص الميتافيزيقي، يخشى الفضيحة المعرفية، حفاظاً على سلطته، وهيمنة مفاهيمه، فيرتكز في أدائه وسلطته إلى بُنيتين، ظاهرية تستمد وجودها من نسق دواله، وترابط كلماته وجمله، وأسلوبه التعبيري، وطبيعة المرجعيات التي تحيل عليها، والمراوغات التقنية التي توظفها في تمرير مداليلها. وبُنية مضمرة يرتكز لها عادة في تمرير ما يريده دون أن يبوح بها. (المصدر نفسه)

إن جميع المفردات الغيبية تصنّف ضمن القضايا النسبية التي لا وجود لها خارج النص والفضاء المعرفي للمتلقي، لأنها تنتمي لوجود مغاير، وعالم ميتافيزقي، لا يمكن الاستدلال عليه وإثبات صحة وجوده بدليل حسي أو برهاني. والمصدر الوحيد لثبوته إيمان الفرد بقدسية الكتاب الكريم. كما بالنسبة للملائكة والجن والشيطان وإبليس والجنة والنار، وما جاء في قصة الخلق. وبما أن هذه القضايا جزء من  عالم آخر فإن اللغة المعبّرة عنها هي لغة دينية وليست لغة عرفية، يمكن الوقوف على حقائقها بقراءة تأويلية لفك شفرة الترميز.

إن تفسير القرآن حرفيا أو تراثيا يفقد قيمته، ويتحول إلى عبء على الدين والوعي، وما لم يمارس التأويل دورا واسعا سيفضي إلى إنغلاق العقل، كما في آية: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ). التي تكرّس العبادة هدفا أساسا لخلق الإنسان. أو تظهر الخالق بمظهر الضعف فيحتاج لمخلوق يكشف عن عظمته كما في الرواية المتداولة: (كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف). والأغرب الخطاب الشيعي، والمغالي منه خاصة يعتقد أن وراء فلسفة الخلق التعريف بالأسرة المقدسة، محمد وآل محمد. وقد مرَّت الإشارة إلى بعض الشواهد الروائية: (يا محمد وعزتي وجلالي لولاك ما خلقت أرضي ولا سمائي ولا رفعت هذه الخضراء، ولا بسطت هذه الغبراء). ويعرفون الكلمات التي علم الله آدم هي أسماء محمد وآل محمد، وبها تاب الله على آدم!!!. ولا يخفى خطورة هذا اللون من التفكير، ومدى خطورته اتجاه العبودية وقد بينت كثيرا من خصائصه، وطرحت في قباله نظرية الخلافة أو نظرية الإنسان، ومازلت أؤصل لها، كي نخرج من دوامة التراث إلى نور العقل والعقلانية، ونواصل مسيرتنا بعيدا عن الخطاب التراثي والطائفي والخرافي.

لغة الدين

لا ريب أن اللغة وعاء الفكر، وأنها أداة للتواصل والتفاهم بين الناس، ووسيلة لنقل الأفكار والمشاعر والأحاسيس. ولكل لغة في جانبها الأدائي أسلوبها الخاص في التعبير عن مضامينها، فاللغة العلمية، لغة صريحة، واضحة، تستخدم  لغة الأرقام والرياضيات أو المعادلات، لبيان حقائقها، التي هي حقائق كونية تريد إيصالها للمتلقي حرفيا، بعيدا عن المجاز والاستعارة والتمثيل والكناية والإشارات والإيماءات. بينما اللغة الأدبية تستهدف مشاعر الإنسان، فتلجأ للصور البلاغية للتعبير عن مضامينها، دون الصريح والواضح. استجابة لطبيعة النفس البشرية التي توقظها الصور الأدبية، وتنقلها لأفق الخيال، حيث تستغرق في تمثلاتها لتمتلئ وتتوازن وتروي حاجة عميقة. والصور الشعرية لا تقتصر على الخطاب الأدبي، وبإمكان الفرد انتزاع مختلف الصور من مشاهداته اليومية وأحلامه وطموحاته، وهذه إحدى أسباب ثراء اللغة الأدبية وقدرتها على تسويق الثيمة الفكرية بأداء أدبي زاخر بصوره الشعرية. وبالتالي فإن أداء اللغة تحددها قصديتها والغاية من توظيفها. فهدف اللغة العلمية بيان الحقائق العلمية، وهدف اللغة الأدبية النفس الإنسانية ومشاعرها وأحاسيسها. وهكذا هي لغة التاريخ واللغة الفلسفية والعلوم الإنسانية.

وبالتالي فالجامع بين هذه اللغات أنها أداة للتعبير عن الواقع، تارة بألفاظ وتركيبات لغوية واضحة صريحة ِأو وصفية وأخرى مختزلة وثالثة مجازية ورمزية. وجميعها تعبّر عن حقائق واقعية أو مفترضه يمكن إدراكها وتمثلها من خلال مشتركات يدركها الوسط الثقافي للغة عبر أحد وجودين: خارجي أو ذهني، من خلالهما ينتزع المفاهيم ويحكم عليها.

لكن الأمر يختلف بالنسبة للغة الدينية، فهي لغة رمزية، ولغة إشارة وإيحاء، تسخدم المجاز، تستثمر ثراءه للتعبير عن معاني مفارقة، لا يمكن للعقل البشري إدراكها، فيكتفي بتمثلها، من خلال مشتركات، لا تفك أسرارها تماما، وتبقى معانٍ هلامية يصعب الإمساك بها، وهو سرّ نسبيتها وارتهانها في دلالاتها لخلفية الفرد وثقافته ومضمراته العقدية وأنساقه المعرفية، فتختلف من شخص إلى آخر، ومن فضاء معرفي إلى ثانٍ. وللغة خصوصيتها وقدرتها على تجريد النص من تاريخيته، فيوحي بإطلاقه، بعيدا عن غياهب سجون اللغة والتاريخ. وهو أسلوب فذ، تعجز عن بلوغ مستواه لغات أخرى توظّف ذات التقنية، غير أن هيمنة القداسة وأسلوب التعبير تتجاوز حدود اللغة المألوفة، لتنقلك إلى عولم، تعيشها بكامل أحساسيسك.

وبالتالي فماهيّة اللغة الدينية تختلف في أدائها عن اللغة العرفية، وطريق تعبيرها عن مضامينها وما تريد أيصالها للمتلقي. فهي أبعد ما يكون عن اللغة الصريحة الواضحة بالنسبة للقضايا الغيبية والرمزية. فيتصف المجاز والتشبيه والاستعارة والترميز بقوة حضوره داخل الحقل التداولي للغة الدينية، فهي لغة رمزية، يتوقف فهمها على تأويل خطابها أو تقلب الحقائق، وتتقاطع مع معطيات العلوم التي هي معطيات علمية، وقوانين كونية.  بل قد يقع المتلقي في فخ التجسيم حينما يعرض عن لغة التأويل، وهناك آيات صريحة بنفي جميع الصفات الجسدية للخالق على الضد من الآيات التي تجسمه. وحينما نحمل المتشابه على المحكم، نضطر لتأويل الآيات المتشابة لتتوافق مع الآيات المحكمات، فتحمل اليد على القوة ومجيئ عرشه، مجيء سلطانه، وغير ذلك. وهنا نؤكد أن موضوع النص تارة يكون قضية خارجية محددة، يمكن الاستدلال عليها بالدليل الحسي. وهي جميع المفردات الصريحة في معناها في سياق استخدامها، متداولة ومتفق على دلالتها، تأبى الاختلاف، كالإنسان، الرجل، المرأة، الشجر، الجبل، النهر والبحر عندما يكونان مطلقين، أما إذا دلت القرائن على إرادة معنى آخر، فينصرف له بفعل القرينة، كنهر من عسل. أو عندما يقصد بالبحر، غزير العلم، فيقال عالم بحر. لكن الأمر مختلف بالنسبة للمعاني المفارقة التي لا يمكن تصور حقيقتها، ومعرفة ماهيتها تماما، باستثناء مقاربتها من خلال خلفيتنا الثقافية، وما تختزن من حقائق مشابهة يمكن القياس عليها.

وأجد في القرآن ما يؤكد خصوصية اللغة الدينية، باستخدامه كلمة (يفقهون) التي تعني بذلك بذل الجهد لإدراك ما وراء ظاهر الألفاظ. أو التنقيب في أعماق النص لتحري معان ومفاهيم، تتطلب جهدا تأويليا لإدراكها. وقد وردت كلمة "يفقهون" في آيات عدة، بعضها واضح من خلال سياق الآية، والآخر يحيل إلى ما هو أبعد من ظاهر اللفظ:

 (وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا)، والآية كما مر تؤكد عدم قدرة التفسير على بيان مضمونها، وتتطلب جهدا تأويليا لفقه النص وفك رموزه.

(انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ)

(قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ)

(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)

ومثال آخر: تجد الآيات تصف الخالق بصفات الكمال، حدا يتوهم المتلقي بتجلي الذات، لا فقط الصفات، ثم فجأة تأتي آية وتقول: ليس كمثله شيء، للتلاشى جميع الأوهام حول حقيقته، ويبقى يتجلى من خلال صفاته وهيمنته. فاللغة الدينية تحتفظ بمرونة عالية، وقدرة على أداء وظيفتها التأويلية والرمزية بمهارةً يتعذر معها سجن الآيات في سجون اللغة المتداولة. فهي لغة مرنة، تهدر جميع أسيجة اللغة العرفية لتنقل المتلقي إلى عوالم مغايرة.

ومثال ثالث: لقد استعرض الكتاب الكريم مئات الآيات حول يوم المعاد، والجنة والنار، بأساليب بلاغية مدهشة، تشد القارئ لها، وتجعله يعيش أجواءها، ويتوق لها، خاصة وهي تصف الحور العين والخمر والعسل والجنان وكل ما يشتهي الإنسان المحايث. أو يتزلزل عند قراءة آيات العذاب، ويخشى أن يقترف سيئة، تودي به إلى النار. لكن فجأة تأتي الآية لتقول: ورضوان من الله أكبر. (وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). فالفوز العظيم ليس الجنة وما فيها بل رضوان الله، فتتلاشى المعاني المادية، لترقي بالمؤمن إلى رضوان الله حدا يستهين بكل ما عداه، فنفهم أن الوصف جاء لتقريب مفاهيم يتعذر فهمها بدونها، فيستعين الكتاب بالمثال والتشبيه والكناية والإيماء والترميز. وهنا سنفهم أن رضوانه هو الفوز العظيم، وما الجنة والنار سوى تعبير رمزي عن رضى الله. فسواء كانت هناك جنة ونار حقيقية أم لا. وسواء كان المعاد جسماني أم روحاني، لا يؤثر في الحقيقة الكبرى. غير أن العقل التراثي، عقل مغلق يدور حول نفسه، وحول ظواهر النصوص، ومحكوم لعقول أضفى عليها صفة العصمة لتحقيق مآربه. وبالتالي  فعندما نتعاطى مع ظواهر النصوص ننتهي إلى نتيجة لا تتفق مع آيات أخرى، محكمة واضحة صريحة.

فينبغي تحديد ووظيفة لغة الدين، كمقدمة لمعرفة ماهيتها. فما هي وظيفتها؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawiاحمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

 

ماجد الغرباوي: إن الفهم التراثي للقرآن، والجمود على ظواهر الآيات، بات عبئا على الوعي العقلاني، وتسبب في كوارث دموية نسبت للدين. مثاله تمسك الحركات الإسلامية المتطرفة بآيات القتال، رغم عدم فعلية موضوعاتها، وانصرافها لقضايا خارجية محددة، فأهلكوا الحرث والنسل. ومثلها، تمسّك العقل التراثي بظواهر آيات تكرّس الاتكالية والتنصّل عن المسؤولية عندما تنسب الفعل لله، كقوله: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا)، (وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا). فيبدو الإنسان وفقا لهاتين الآيتين مجبرا، لا مخيرا في أفعاله وسلوكه، وبالتالي فهو غير مسؤول عنهما، باعتبارهما أمرا إلهيا مكتوبا لا يمكن مخالفته، فيقع الفعل مهما كان قبيحا تحت إرادة خارجة عن إرادته، فلا معنى لمؤاخذته. وقديما أستُغل مفهوم الجبر من قبل الحكومات الاستبدادية القديمة التي ترى في الملوك آلهة أو ظلاً لها أو خيارها. ثم استغل الحكم الأموي ومن جاء بعده، الجبر لتبرير سلوك الخليفة، والارتفاع به فوق النقد والمحاسبة، في الدنيا والآخرة، بعد أن أصّل له المتكلمون، وغدا من مسلمات العقل التراثي لطيف واسع من المسلمين. فالتراث المثقل بالتبعية والاستبداد ليس أقل خطرا حينما يعطّل العقل، ويشل إرادة الفرد والمجتمع، ويكرّس التخلّف باسم الدين وآيات الكتاب. قرأت لطبيب أمريكي يتحدث عن تجربته في المستشفيات السعودية، يقول: عندما كان يموت شخص، أسأل، ما سبب وفاته؟ يقولون: جاء أجله من عند الله ومات. فأسألهم ثانية، لا بأس، لكن ما سبب موته؟ وما طرأ عليه قبل وفاته، فيردون: لا اعتراض على أمر الله. لقد جاء أجله ومات!!!!. ثم أخذ يقارن الوضع في المستشفيات الأمريكية، وكيف يدرسون حالة المريض للبحث عن أسباب الوفاة، لتداركها في المرات اللاحقة. فجواب الموظف السعودي، جواب عقل تراثي منغلق، أدمن التلقي، بعيدا عن العقل والنقد. إن قداسة النص لا تستدعي الانغلاق، والجمود على حرفيته، وعدم تأويله وفهمه وفق سياقاته. ولا تجرد النص من تاريخيته، ويبقى النص موضوعا للفهم والتفسير وحتى التأويل. القداسة تعني صدور النص عن مصدر متعالٍ محيط بكل شيء، فيشرّع ويهدي وفقا لملاكات ومصالح، يمكن للإنسان إدراكها لتحديد مدى فعلية النص المقدس. وقد مرّ التفصيل كيف يمكن تحديد الملاك من خلال مبادئ ومقاصد الجعل، والتفصيل في محله.

مَن لا يعرف حقيقة العقل التراثي، يدين النص القرآني، ويحمّله مسؤولية تخلّف المسلمين، وهذا تسرّع، ما لم يدرك آياته، وفق منطقه الداخلي. فثمة آيات محكمات، تحدد فهم المتشابه منها. كالآيات التي تصفه: "ليس كمثله شيء"، وحينئذٍ أي قياس بشري لصفات الله وأفعاله يتقاطع مع آيات الكتاب المحكمات. وكذا الآيات التي تقول: إن كل شيء خُلق بقدر، وكل شيء قدرناه تقديرا. وهي آيات تعكس صرامة الأنظمة والقوانين الكونية. وبالتالي ما ينسبه الله له، لا يلغي علله المباشرة والثانوية، وعندما ينسب خلق الإنسان له، يؤكد أيضا مراحل خلقه صريحا كي لا يلتبس الأمر على المتلقي، فهو علة أولى، تنتهي إليه جميع العلل، وبإمكانه أن ينسب الشيء له أو لإحدى علله. فكل الأمور تسير وفق سننها وقوانينها، سواء سنن إلهية أو تكوينية. يؤيد هذا المعنى قوله: (وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا). فالآية هنا لا تتحدث عن الحسنة والسيئة بما هي فعل بشري، لأن كل نفس بما كسبت رهينة، وكل إنسان يوم القيامة مرتهن لعمله، فلماذا يحسابه أساسا إذا كانت الحسنات والسيئات من عند الله؟ لكن الآية تتحدث عما هو أبعد من ذلك، لذا لم تقل: ما لهؤلاء القوم لا يعلمون أو لا يعرفون، بل عبرت بـ"ما لهؤلاء القوم لا يفقهون حديثا". والفقاهة غير المعرفة والعلم الظاهري. تعني الفقاهة إدراك ما وراء النص، في إطار ذات المنطق القرآني. وفقه آياته، يتطلب عدة معرفية وأدوات تساعد على فقهه. فالآية ناظرة إلى الأسباب التكوينية، وتبقى الحسنة والسيئة فعلا مسؤول عنه فاعله. فالآية تقصد حتميات السنن والقوانين الكونية، فمن يُطلق النار على شخص يرديه قتيلا حينما تصيب منطقة حساسة في جسده كالقلب والدماغ. وهذه حتمية لا تتخلف، وعندما ينسب الفعل لله، فباعتباره علة أولى لجميع العلل، فيصدق نسبة الفعل له. أي نسبة ذات الحتمية الكوينية، لا عملية إطلاق النار، فهي إرادة شخصية مسؤول عنها فاعلها.  وبالتالي ما لم تفقه الآيات تنسب كل شيء لله، وتستدل عليه بهذه الآية وغيرها. وتُرمى بالكفر حينما تنفي الفهم المبتسر لكتاب الله وآياته. لست أدافع عن القرآن، بل أقاربه بمعزل عن العقل التراثي، في إطار رؤية مغايرة، تأخذ بنظر الاعتبار الهدف الكلي للدين، ومركزية الإنسان في الحياة، وردّ المتشابه من الآيات إلى المحكم منها، وفقا للمنطق القرآني، ودراسة موضوعات الأحكام وشروط فعليتها، والسعي لإدراك ملاكاتها ومصالحها. وكل هذا من خلال العقل والأدوات المعرفية اللازمة لفقه النص، المقدس وغيره.

ومن الآيات التي يحتج بها بعض الناس لتبرير سلوكه السلبي تجاه تحديات الطبيعة والحياة، هي: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا). فالآية ظاهرا تؤسس لمفهوم الجبر، وأن الإنسان مسير وفق ما كتب الله له. والكتابة سابقة على وجوده، فيقتصر دوره على تنفيذ إرادة الله في حسناته وسيئاته، وسلوكه وأفعاله. لا يبالي ولا يتحرز من الأمراض والمخاطر، فإنها ستصيبه إذا كانت مكتوبة عليه، ولا تضره إذا لم تكن كذلك، وهو وقوع آخر في فخ التخلّف، يكرّس الجهل والأمية واللامبالاة والبطالة والتنازل الطوعي عن العقل والمعرفة وترك الأمور على عواهنها، فيدان الكتاب من جديد. وهذه الآية تجدها على الألسن عند كل نائبة وكارثة طبيعية. وقد يغامر في المعركة وفقها ويقتل من جراء فهمه السقيم حينما لا يكون مستعدا لها بالطرق الصحيحة. ومن السهولة معرفة سذاجة هذا الرأي عندما تقرأ سياقها، فقد جاءت الآية في سياق المعركة بين المسلمين وقريش: (وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ، قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا). الآية تشير إلى السنن الإلهية والكونية التي تحكم سير الأحداث. فالرسول قد خسر معركة أُحد، وكاد يخسر حياته، عندما أنشغل المسلمون بالغنائم، وتركوا ظهورهم مكشوفة للعدو، فسارت المعركة وفقا للسنن الطبيعية، ألتف العدو وتوغل من ثغرة الجبل، فيجب أن ينتصر. والسنن لا تعرف نبيا أو شخصا عاديا، فهي قوانين صارمة تسري على الجميع. وعندما أخل المسلمون بتوازن القوى خسروا الحرب، وعادوا منكسرين. وهذا ينطبق على جميع الحتميات التي ذكرت في الكتاب. كقوله: (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً)، عندما تكتمل شروطها، وليس مطلقا، فما لم تتسلح بالإيمان والصبر والثبات والسلاح والتدريبات اللازمة، لا تغلب الفئة الكبيرة، ولا تهزمها. فثمة سنن تتحكم بمعادلة الفوز والخسارة في الحروب. لذا مع تفاوت موازين القوى العسكرية لا يمكن الاستشهاد بالآية، كمن يريد محاربة الأسلحة المتطورة جدا بأسلحة قديمة، ارتكازا لهذه الآية. فيصدق هناك شرط مضمر في المعادلة القرآنية، مفاده: يجب أن لا يكون تفاوت موازين القوى مخلا جدا بالمعادلة العسكرية، فهنا تأتي الآية كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله. حيث كانت الأسلحة آنذاك محدودة، والقوى الجسدية للمتحاربين متكافئة، أما بموازين اليوم فالأمر مختلف تماما، ولا فعلية للآية في المقام لعدم فعلية موضوعها وشروطها وقيودها. كمن يعرض نفسه لنيران كثيفة أو أسلحة كيمياوية بحجة لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا. الآية لا تسلب عقل الإنسان، ولا تغامر به، وتتحدث عن شيء أعمق من ظاهرها، ينبغي إدراكه قبل الارتكاز لها.

كانت تجربة معركة أُحد قاسية استفاد منها النبي والمسلمون في معاركهم اللاحقة واستعدوا ولم يتقاعسوا بحجة لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا. فعندما تستعد لعدوك تكسب المعركة وفقا للسنن الطبيعية، وهي ما كتبه الله لنا نحن البشر. فإذا كان هناك جبر فهو جبر السنن الإلهية والكونية، وليس جبر الإرادة المباشرة، بمعنى وجود صحيفة أعمال جاهزة للإنسان يسير وفقها، لا يخالفها. بل يبقى الإنسان مخيرا في سلوكه، محكوما للسنن والقوانين الكونية. ويكون مسؤولاً عن عمله. فمفهوم كلمة "الكتابة" لا يسلب إرادة الإنسان، كما يشيع العقل التراثي متأثرا بالفقه السلطاني، الذي أصّل عدم محاسبة الخلفاء، فتمادوا بطغيانهم وظلمهم وجورهم. وهذا مبرر حديثي عن الآية، لأهميتها وارتباطها بموضوع الخطئية، التي وظفت بشكلٍ أدى إلى استغلال الناس واضطهادهم باسم الأديان. فنحن نسعى لتحرير العقل من بؤس التفسيرات التراثية، والانفتاح على العقل في فهم ما يدور حولها. المهمة الأساس للدين ترشيد وعي الناس، لا سلب عقولهم، فالدين يمثل النضوج العقلي ضمن شروطه الموضوعية، ويرقى بالإنسان إلى مستوى الاعتماد على النفس ومواصلة حياته من خلال عقله وتجربته. الدين لا يكون بديلا عن العقل. ويبقى دوره إرشاديا، حتى في أوامره ونواهيه، فقد يجد الخالق أن من مصلحة الإنسان العبادة للتوفر على مستوى من التقوى تقوم سلوك الفرد والمجتمع.

لا يخفى أن كلمة (كَتَبَ) ومشتقاتها كثيرة في القرآن، فقد تأتي للتوكيد

(كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي)، وهنا لا يشترط بالغلبة الغلبة المادية، فقط تكون مادية معنوية أو فقط معنوية. باعتباره قويا عزيزا، وقادرا على كل شيء.

(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ، كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ)، في جميع هذه الآيات تأتي كلمة كُتب بمعنى فرض. من الفرض والإلزام والوجوب.

(وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ)، يُحصي، يضبط، يسجل

(ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ)، (وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ). بمعنى الهبة والمنحة.

(كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)، أوجب على نفسه الرحمة بعباده وخلقه.

(وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً)، بمعنى العطاء، واعطنا

(أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ)، رسّخ وثبت، فتجلت آثاره سلوكيا.

(قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا)، أي ما قدره وقضاه من سننه الكونية والإلهية، فهي تسري على الجميع. لذا تجد القرآن يتدارك ما يترتب على السنن من خسائر، يتداركها بثواب أخروي. فعندما يتصدق المؤمن ويدفع حقوق الفقراء، فستنقص أمواله بالضرورة، وهي حتمية الإنفاق. تؤثر سلبا على الإنسان، فيصاب بالبخل، لكن الله يشجعه عندما يطالبه بعدم التبذير، وأن ينفق العفو من أمواله، أي الزائد والقليل، وله في مقابل إنفاقه ثواب الآخرة. فالنسبة لله رغم أنها سنن كونية، تأتي في سياق النظرية التوحيدية، التي تربط كل شيء بالله، ولأنه علة العلل، وعلة أولى. وهذا لا يلغي كونيتها وحتميتها، لذا يسعى العلم للكشف عن القوانين التي تتحكم بالظواهر الطبيعية، سواء كان العالِم مؤمنا أم ملحدا، فهو أمام منظومة قوانين يمكنه اكتشافها من خلال التجربة والدراسات الحديثة في الفيزياء والرياضيات. فالمسلمون ليسوا عاجزين عن الدراسات العلمية، غير أن ثقافة التخلف راسخة برسوخ الفهم التراثي لآيات الكتاب.

لا يمكن للمسلمين النهوض ما لم تتحرر عقولهم من سلطة النصوص والتراث، ويفهمون الدين ومقاصده وأهدافه وغاياته، بعيدا عن الروايات التي تعكس فهماً آخر، يمثل زمن الرواية بأبعادها المختلفة. فهي روايات محترمة إلا أنها تعبّر عن ظروف وبيئة وثقافة مختلفة. فللرواية ظروفها ولنا ظروفنا، وبإمكاننا العودة للكتاب الكريم وفهم رسالته فهماً صحيحا.

للأسف لم أجد من يهتم بآيات الخلق التي ترسم معالم هدف الرسالات والأديان، وهذا خطأ كبير في فهم الدين. بل وأحد أسباب جميع الانحرافات العقائدية والسلوكية، خاصة ما تمارسه الحركات الإرهابية باسم الدين والقرآن. وما تبثه حركات الغلو من ثقافات تكرس الجهل والأمية والتكاسل في الحياة الدنيا.

فلسنا بحاجة للروايات إلا بشكل محدود، وعلينا الاقتصار عليه، وعدم التمادي في التمسك بجميع الروايات، لأنها تعكس فهماً للدين والكتاب المبين في ضوء ظرفها، وحاجات وتطلعات زمن الرواية. ثم لا يوجد نص عدا القرآن وبعض الأحاديث النبوية الصحيحة فوق التاريخ، أو عابرة للتاريخ والأزمان، فلماذا الاصرار على التمسك بالتراث في فهم الكتاب، وهو نص مفتوح للقراءة والتأويل. وهذه ليست دعوة للقطيعة التامة مع التراث، بل التخلي عن التراث غير المنتج، الذي يكرّس التبعية والانقياد والتخلف، ويغلق آفاق التأمل في الكون والنفس البشرية: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ).

بين نظريتين

استعرضنا فيما سبق نظريتين حول أصل الإنسان وفلسفة الخلق، وهما النظرية الوضعية التي لا تؤمن بحياة ما بعد الموت، ولا بوجود فلسفة وراء خلق الإنسان، ويبقى الفرد مسؤولا عن مصيره وخَلاصِه، فشق طريقه وبنى حضارة بعيدا عن الدين. وهي تعتقد أيضا أن أصل الإنسان قرد، تبعا لدارون في كتابه: (سلف الرجل وعلاقة الإنتقاء بالجنس) المنشور عام ١٨٧١. في مقابل النظرية الدينية التي استغرقنا في تفصيلاتها، حيث تعتقد أن الإنسان مخلوق من طين، وأن وراء خلقه فلسفة وهدفا، ولم يأت للدنيا اعتباطا بل كان مخططا له في السماء. وهي تعتقد بمركزية الإنسان في الحياة، مثلها مثل النظرية الوضعية لكنها تختلف عنها جوهريا، حيث أن الإنسان وفقا للنظرية الثانية خليفة الله في أرضه، ليقيم العدل، وأن خلاصه يوم القيامة مرتهن لعمله، ثوابا وعقابا. أما النظرية الأولى فترتهن مصيره له، لذا كرّس جهده لتطوير حياته في الدنيا، بعيدا عن تعاليم الأديان باستثناء ما هو مشترك إنساني. ليس بالضرورة أن يكون موقفها سلبيا من الدين، لكنها لا ترهن مصيرها بمعارفة، بل وحتى لا تعد المعرفة الدينية جزءا من مصدار المعرفة. وتعتبر الدين قضية شخصية بين الإنسان وربه، وله حق ممارسة طقوسه وشعائره، دون المساس بالآخرين.

مازالت الجهود مستمرة لإثبات أو نفي نظرية دارون، وهناك جملة اعتراضات عليها، منها: لا أثر للأدلة الافتراضية، غياب الحفريات الوسطية، عدم تكرر التجربة، العثور على آثار بشرية تعود لملايين السنين وغيرها يمكن مراجعتها في مظانها. (أنظر مثلا: ويكبيديا). ومع ثبوت تطور الخلايا تصاعديا، فلماذا لا نفترض أن  كل نوع خُلق مستقلا، وحينئذٍ لا تضارب بين النظريتين؟ ولماذا الاصرار لى التطور والقفزات الوراثية، ولا يوجد دليل قطعي عليه لحد الآن؟. وكل هذا خارج عن الموضوع، وجاء استطرادا. لكن لو ثبت التطور بأدلة علمية، وثبت أن الإنسان ينحدر عن أصل حيواني، القرد أو السلالة الأعلى، أو حلقة مفقودة بين القرد والإنسان، فهل ثمة تقاطع بين النظريتين؟ وكيف نفهم الآيات الصريحة في المقام؟ وكيف تتقاطع المعرفة الدينية مع المعرفة العلمية؟. هذا ما سأتناوله في موضوع لغة الدين والقراءة التأويلة.

يأتي في الحلقة القادمة 

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com