خيرة مباركينص للأديب مديح صادق

نص مثقل بالعواطف والتضرع، هو إيقاع الذات حين تنبض بالحنين والشوق .لم يعد الشاعر يناجي جمال حبيبته الخلقي، ولم يعد يخاطب مفاتنها، ولم يستحضرها خلقا جديدا بما يضفيه الوجد فيه، من روح تنبعث من صميم روحه. ولم يرسم الشاعر صورة للجسد البرّاني حتى يعلن عن أنثاه النموذجية التي يبعثها خلقا متكاملا ليس كالخلق. هو خطاب مغاير يكتسب شعريته من صمتها ونأيها. شعرية تنبعث من صميم زمن معتم،وفضاء فسيح للوحدة وخطاب أصمّ لا تدركه غير ذات الشاعر وهو يُنطقها بغير لسانها، بقلبه المكلوم من إيماء الأحاجي ..انصهار بين ذاتين فشلت اللغة الإنسانية المحودة عن إدراكه نسقا لامحدودا يحوم حول القصائد وحروفها التي تكشف سرها .. قد نكون أمام أنثى واقعية وعاشق مشحون بأفق انتظار لموقف جاهز ولكن الفضاء الذي يهيئه المخاطب يوحي بأنها ليست أنثى عادية ولا تحمل من ملامح الإنسانية إلا ما تنطق به وتتجاوز عبره حدود الصمت. وكأن البطل الرئيسي في هذه الدراما الشعرية صمتها الذي حدد الزمان وانتشله من كرونولوجيته نحو أفق ذاتي مغلق ليرتبط بالمكان ويضفى عليه من الوحدة والسكون ما يشكّل صورة المعاناة والألم، ويوحي بكل معاني الموت:

في وحشة الليلِ

وهذا السكونُ حولي

أنا، واليراعُ، وقلبي المكلومُ، ووحدتي

أعاقرُ ما تبعثين من طلاسمَ

وتلكَ الأحاجي التي بها

في خطابكِ لوّحتِ

وأنتِ في داركِ في أقصى البقاعِ عنّي

ذات مشتتة ، يضنيها الشوق ووطأة الحنين والوحدة جعله يستعيض عن الموقف بأن يشكل من ذاته ذواتا تزيل عنه الوحشة (أنا، اليراع، قلبي، ووحدتي) وكأنه بهذا التكثيف والتنشيط لأقطاب الذات يعاند الفراغ والصمت، وكذلك يخاطب النأي فيها باستحضار سجل لغوي دال على غموضها ووطأة صمتها ووحدته (الطلاسم، الأحاجي) قد يكون حضورها وليد غموض في ذات الأنثى وما تفصح به من مواقف. وقد تكون ذات العاشق المخمورة بالفراغ والعشق ترى الوجود مجرد طلاسم لا توحي إلا بالوهم . هنا تكمن الدهشة والرغبة في الاكتشاف، تجعل من الشاعر يعدّد الاحتمالات والمعطيات التي يمكن أن توصله إلى اليقين. لعلنا أمام أنثى مفترضة ليس لها وجود فعلي إلا باحتملات الناطق وأحاجيه. أنثى يجتثها من أعماق غربته لتكون بديلا عن عبثية واقع يحتله الليل الطويل،  تبدي شوقها في جوف أحلامه البعيدة تماما كتشتت الأوطان، حائرة ،مسحورة مجنونة،  لكنها صامتة حسيرة كالحياة تحجب سرّها:

أعلمُ علم اليقين أنكِ حيرى

وبسحرِ ساحرٍ مسحورةً، مثلي

جنونُكِ ذا صعبٌ شفاؤهُ

والأصعبُ لو أنّكِ اخترتِ

بعادَكِ عنّي

قد يكون ذلك من ضروب الوقوف على أطلال الذات وأوجاع الحنين ندركها عبر جملة من التقاطعات شكلها ضمن هندسة أقامها على التقابل منذ بداية النص إلى نهايته، خلقت جملة من الثنائيات التي يتناسل بعضها من بعض (أنا/أنتِ - صمتكِ/ تسمعين صوتي - ساحر / مسحور) وهذا ما يبطن ثنائيات أخرى (الاتصال / الانفصال -النعيم /الشقاء -الحاضر الآني/ المستقبل الآتي). كل ذلك في إطار رؤية استشرافية تقوم على المناجاة والاعتراف في ذات الحين، وهو ما يجعل الفضاء العام للخطاب قائما على ثنائية الموجود والمنشود وكأنه المجال الوجودي الذي يتحقق فيه وجود الشاعر وهو يترقب الحياة عبر منافذ الشعر الشاسعة التي تحوّل واقع المنفى والغربة والتشرّد إلى جنّة خلد وفعل إخصاب، وكأنّه فعل عشتاريّ في الجود والحياة، يقترن فيه الوصل بالنماء والولادة عبر صورة يقيمها الشاعر على التورية والاقتباس من خلال صورة الأرض والبلاد تحت أقدامها، تذكرّنا بصورة الأم التي تجري من تحت أقدامها الأنهار، وصورة عشتار تتداخل في صميمها الفصول، ولكنّها تنطوي أيضا على صورة النار والحرائق تشبّ في الجوف، فهل هي صورة النار المطهّرة للعشق والروح أم صورة النار المعرفة التي سرقها بروميثيوس حتى تنجلي غمّة الجهل وانبلاج اليقين في نفس تواقة إلى الحقيقة، يكاد يقتلها القلق. ولكنّه مع كلّ ذلك  ينتظر فرج الصباح بعد هدنة الليل ...

النص:

اعتراف...

في وَحشةِ الليلِ

وهذا السكونُ حَولي

أنا، واليراعُ، وقلبيَ المكلومُ، ووحدتي

أُعاقرُ ما تبعثينَ من طلاسمَ

وتلكَ الأحاجي التي بِها

في خطابِكِ لوَّحتِ

وأنتِ في دارِكِ، في أقصى البقاعِ عنّي

لعلّي أفقهُ حرفاً ممّا عنَيتِ

أو أُدرِكُ ما خلفَ سطورِكِ أخفيتِ

أُترجمُ ما تعنيهِ (هل أنتَ بخيرٍ؟) التي

كتبتِ

هلْ لي بقاموسٍ يُفسرُ لي صمتكِ؟

أو حينَ يلتقي خافقانا

تُغادرُ كلُّ اللغاتِ، ولا ينطقُ إلّا

صمتُكِ؛ إذ يُخاطبُ صمتِي

يا مُنيةَ الروحِ، ويا بلسمَ جُرحي

أعلمُ أنَّ ما تُخفينَ سِرّاً لم يعُدْ

يُفشيهِ كلُّ حرفٍ بهِ نطقتِ

قصائدُكِ التي بها سماءُ منفايَ

جادتْ، وأمطرتْ

وَجيفُ ما بينَ ضلعَيكِ ساعةَ

تسمعينَ صوتِي

والأرضُ في بلادِكِ، تحتَ أقدامِكِ

حينَ تهتزّ

تدّاخلُ الفصولُ ببعضٍ

ويَصدِقُ ظنِّي

ساعةَ تنطقُ ابنةُ أُنثى غيرُكِ؛ باسمِي

تشبُّ حرائِقُ في جوفِكِ

لا تنفعُ أعذاري، ولا

ما بعلمِ النساءِ خبِرتُ، ولا فنِّي

أعلمُ علمَ اليقينِ أنَّكِ حَيرى

وبسحرِ ساحرٍ مسحورةٌ، مِثلي

جنونُكِ ذا صعبٌ شفاؤُهُ

والأصعبُ لو أنَّكِ اخترتِ

بعادَكِ عنِّي

فاكسري ما قيَّدَ كفَّيكِ قَسراً؛ واتبعي

دليلَ قلبِكِ، جَهراً أعلِنِي

بعالي الصوتِ قوليها:

(إنِّي أُحبُّكَ، يا هذا ال...)

وإنْ خانتكِ الشجاعةُ، يا مُدلَّلتيي

إليَّ تعالي، وهمْساً انطقِيها

قولي: (عشقتُكَ...)

في أُذني...

***

الناقدة والباحثة: خيرة مباركي – تونس

..................

مديح الصادق... كندا الخميس 25 - 2 - 2021

 

 

عبد الله الفيفيقال صاحبي اللَّدود (ابن أبي الآفاق التراثي)، وهو يناقرني في شأن النَّحو العَرَبي:

- كثيرًا ما كان ينشغل (ابن هشام، عبدالله بن جمال الدِّين الأنصاري، -761هـ= 1360م)، على سبيل النموذج، في "شذور الذهب"، عن شرح مسائل النَّحو لتسهيلها على المتلقِّي، ليشرح لنا مسائل من تأليفه هو؛ بمنهاج "قلتُ"، يعني في "شذور الذهب"، و"أقول"، يعني في "شرح شذور الذهب"!

- جزاه الله خيرًا! يُبهِم في المتن لكي يُعجِم في الشرح! واحدة بواحدة!

- ومن قال لك، يا ابن الهواشم، أن تقول لتشرح لنا ما قلت؟ إنَّما كان المطلوب شرح كلام العَرَب، لا كلامك المصنوع. وهذا يعني أن الوسيلة، وهي قواعد اللُّغَة، قد صارت لدَى هؤلاء غاية؛ حتى إنَّه لا يصحُّ القول هنا إنَّه قدَّم العَرَبة على الحصان؛ بل إنَّه قد نسي العَرَبة والعَرَبيَّة، وجعل يتغزَّل في جمال الحصان الخشبي الذي ابتدعه، ويصف شِياته!

- أ لذلك قد يبدو الشرح لديه، في "شرح الشذور"، أعوص في بعض المسائل من المتن، الذي ألَّفه بنفسه، تحت عنوان "شذور الذهب".

- أحسبه كذلك. ولو اكتفى بالمتن لكفى وشفى وأبان.

- هيهات؛ وإلَّا ما بقيت للنحويِّ حِرفة!

- صدقت. لقد قَعَدَ القوم منشغلين بالقواعد أكثر من اللُّغَة، وقدَّموا القاعدة على النص؛ حتى أصبحت القاعدة مدار الاهتمام لديهم والتأمُّل، لا النص.

- أيُّ نصٍّ، وشواهدهم مجتزأة، وشِعريَّة غالبًا؟

- بل إنَّهم متَّهمون في هذا أحيانًا بصناعة الشاهد من أجل القاعدة. وما خرج من هذه العمليَّة المقلوبة إلَّا قِلَّة منهم، إنْ وُجِدوا.

- تُعَيِّرُنا أَنَّا قَليلٌ عَديدُنا ... فَقُلتُ لَها إِنَّ الكِرامَ قَليلُ!

مثل مَن؟

- مثل الأخ (عبد القاهر الجرجاني، -471هـ= 1009م)! وهو نحويٌّ، ولكن بفهمٍ راقٍ للنحو والنَّحويَّة؛ حتى إنَّه ليُحدِّثك عن "النَّظْم" على "المعاني النَّحويَّة" على غرار ما يمكن أن يحدِّثك به التفكيكي (جاك دريدا Jacques Derrida، -2004) عن مفهوم "النَّحويَّة"، De la grammatologie، المتعلِّق لديه بما يسمِّيه "عِلم الكتابة"، لا على غرار ابن هشام وأضرابه.

- وشتَّان بين المذهبين!

- والسبب أن القوم أصرُّوا على صناعة "عِلْمٍ" قاعديٍّ صُلب، لا قِبَل لهم به؛ من حيث إنَّ اللُّغات أوسع من القواعد المتحجِّرة، وأكثر تأبِّيًا، وما كلُّ ما فيها قابلٌ للتعليل المنطقي، قبولَ القضايا العِلْميَّة البحتة.

- على افتراض أن هذه قابلةٌ لذلك بصورةٍ مطلقة.

- ولذا لعلَّه ليس للُغةٍ في العالم عِلْمٌ واسعٌ جِدًّا يكلَّف به طلبة المدارس والجامعات اسمه (عِلْم النَّحو)، كما اصطُنِع للعَرَبيَّة، وإنَّما ثمَّة قواعد مدرسيَّة يتعلَّمها الطالب، ويفرغ منها مبكِّرًا، ليسعى في مناكبها. ولا أقسام، قائمة بذاتها، كما لدينا في بعض الجامعات (فقط للنحو والصرف). ولا متخصِّصٌ يُنفِق حياته فقط في هذا الحقل. غير أنَّ هناك دراساتٍ لُغويَّة مختلفة، صوتيَّة، ولسانيَّة عامَّة، أنتجتْ وأثمرتْ؛ لأنها خرجتْ من حِرفة (جَمَل المعصارة النَّحوي)، الذي ما زال- وما بَرِح وما انفكَّ- يدور مذ ألف عام. حتى إنَّ جهود عبد القاهر الخارجة على قواعد (المعصارة) لم يلتفت إليها العَرَب حقَّ الالتفات إلَّا حديثًا؛ إذ لفتَهم إليها بعض المستشرقين. ليكتشفوا أخيرًا أنَّه كان يمكن أن تخدم الفِكرَ اللُّغويَّ العَرَبيَّ على نحوٍ أكثر جدوى وأكبر إعمارًا وإضافة، بل وسهولةً وجمالًا، من مدرسة النَّحو التقليديَّة، لو أُخِذ بمنهج عبد القاهر، وبُنِيَ عليه وطُوِّر.

- وهكذا ظلُّوا مغرمين بصناعة المتون، ثمَّ شرحها، والتحشيَّة عليها.

- نعم. واستمر ذلك إلى العصر الحديث، وفي النَّحو وفي الصرف معًا، وصولًا في الأخير إلى كتابٍ "شذا العَرْف في فَنِّ الصرف"، لـ(أحمد الحامولي).

- "فَن"؟ جميل هذا المصطلح.

- هم تارةً يسمُّونه (عِلمًا)، وتارةً (فنًّا)، في أريحيَّة اصطلاحيَّة. متفنِّنين في هذه المصطلحات: "فَن" و"عِلم".

- وا أسفا عليه! ظننته قد صار فَنًّا حقًّا. لكن لماذا يفعلون ذلك؟

- لأسباب دعائيَّة، كتفنُّنهم في ألقاب المؤلِّفين، ولا سيما استعمال لقب "إمام"؛ لإضفاء هالة دِينيَّة، لا في مجال الدِّين، ولا لدَى الإماميَّة فحسب، بل لدَى الجميع كذلك، تجد هذه الإماميَّة في علوم اللُّغَة، والتفسير، والتاريخ.. إلخ.

- وربما كانت لذاك، إلى الجانب الدعائي، غاية تقديسيَّة- لا عِلْميَّة- تحوط صاحبها بحراسةٍ من العَين، ومن اللَّمس أو الاقتراب! فضلًا عن النقد، أو حتى التفكير في ما يقول، والعياذ بالله!

- ربما، وربَّتما.. وما جُعِل الإمام إلَّا ليُؤتَمَّ به في صمت! حتى وصلنا إلى ما يُدعَى: الإمام الأعظم، أو الإمام الأكبر.

- وهذا إمام الأئمة، طبعًا!

- طبعًا. ولم تكن تلك بمراتب عِلميَّة، وإنْ عُلِّقتْ من ذاك بسبب، لكنها مستمدَّة من منبعها ذي الطابع العاطفي التبجيلي المبالغ فيه. ومعلومٌ أن هذا لم يكن لدَى الصدر الأوَّل، وإنَّما هو مولَّدٌ في العصور المتأخِّرة، وعن تقليدٍ لأصحاب الثقافات والدِّيانات الأخرى. وتلك قضيَّةٌ أخرى. أمَّا القضيَّة الأولى والأخيرة، فصعوبة المتون، لأنها تأتي مُجمَلة، متداخِلة، وبلُغةٍ عتيقة، واصطلاحيَّة خاصَّة، على الطريقة القديمة. فليلطف الله بطلبة العَرَبيَّة، الذين كثيرًا ما يكرَّهون فيها ويُصرَفون عنها، بصناعة النُّحاة المتوارثة تلك!

- كيف؟

- كيف هذه تحتاج قَعدةً أخرى. ففيها تفصيل، محلُّه مساقنا الآتي، بحول الله.

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

 

لا يرتبط الإبداع السينمائي بواقع ملموس يمكن تحديده بواسطة وصفة جاهزة، ولكن يرتبط بمجموعة من القراءات المحتملة التي تتميز بتعدد مصادرها الفنية وبتباين مرجعياتها الفكرية والمعرفية والإيديولوجية، وعلى الرغم من ذلك يظل الإبداع السينمائي فعلا فنيا وملمحا جماليا ورؤية فكرية، تتولد عن عملية انفتاح دينامي واستراتيجي بين المبدع السينمائي والفيلم الجيد والمشاهد المتذوق، لذلك يمكن القول انه إذا كانت السينما عبارة عن صناعة متعددة الجوانب فإنها في جوهرها عبارة عن فكر وإبداع على أساس أن الفكرهومسالة تأملية والفيلم السينمائي هو إنتاج إبداعي مادي يتوسل بوسيط تعبيري هو الصورة السينمائية، ويعني أن هذا الخطاب الفيلمي هو الخطاب الذي يجمع بين الفكر الأدبي السردي والفكر المرئي المسموع، حيث يتم عرض هدا المزيج الفكري المركب من خلال الصورة المتحركة  والأداء التمثيلي  وما يصاحبهما من أشكال وألوان وإيقاع موسيقي ومؤثرات صوتية.

إن إبداعية السينما وشعريتها الخاصة تتمثل في وسمها للعصر بطابع متميز له خصوصيته التي تتجلى في كونه عصرا يتعامل مع الصورة ويتواصل بواسطتها وبفضلها عن غيرها من وسائل التعبير لذلك أصبح الإنسان المعاصر يتعامل مع السينما باعتبارها رؤية للعالم، تعبر عن آماله وطموحاته وانتظاراته وتصوراته الثقافية[1]، هذا فضلا عن اعتبارها تسويقا وترويجا لوقائع فيلمية تحيل على مستويات حياتية يومية وتاريخية وتراثية، من خلال أبعاد جمالية ورمزية وأسلوبية وفكرية وجودية.[2]

إن السينما تعد من الفنون السمعية البصرية التي تتميز بمهارات فنية وإبداعية خاصة، الشيء الذي يتطلب من المبدع السينمائي استعدادا وتفهما كاملين لأساليب العمل السينمائي ولمقومات اللغة السينمائية، لأن الفيلم السينمائي يعد عملا فنيا معقدا ومتشابكا، ولعل دلك  هو ما جعل الفن السينمائي متميزا بخاصية مهمة وهي “التخطيط”، أي وضع مخططات إنتاجية للفيلم بشكل تفصيلي، ودلك لضمان الشكل الذي ستظهر بموجبه الفكرة أو الحكاية أوالقصة في صورتها المرئية المعبرة والنابضة بالحياة، التي تتضمن كل العناصر الفنية التي يتطلبها إبداع صورة سينمائية مثيرة للفيلم أوالشريط السينمائي[3].

على الرغم  من وجود خصائص وضوابط مقيدة للإبداع الفني السينمائي، فإن الدراسات تشير إلى إن الإبداع السينمائي غلبا ما يرتبط في أجزاء كبيرة منه بالقدرة على تجاوز القيود الإنتاجية، وذلك على أساس أن التخلص من هذه القيود هو الذي يوفر حافز الإبداع، خصوصا وأن الإنتاج الإبداعي السينمائي هو عبارة عن نشاط مشترك يضم عددا كبيرا من الناس المبدعين الذين يبدعون كل منهم في مجال اختصاصه .[4] ويفهم من هذا أن السينما فن صناعي وتجاري يرتبط بمجموعة من الموارد البشرية والمالية والمادية المعقدة، ويتطلب مهارات  وتقنيات عالية الجودة على المستوى الإبداعي، وبناءا عليه فان تحقيق الفيلم السينمائي الجيد لا يشترط السيطرة فقط على الجوانب لإبداعية، ولكن يجب أن تأخذ عملية الإنتاج السينمائي بعين الاعتبار في هذا التحقيق، وهذا ما أكده جورج لوكاس (George Lucas)- بقوله”:إنني واع باعتباري شخصا مبدعا أن أولائك الذين يتحكمون في وسائل الإنتاج يتحكمون أيضا في الرؤية الإبداعية”[5]، ويعني هدا أن المنتج السينمائي الذي يمتلك مواهب فنية لا يختلف عن كاتب السيناريو أو المخرج أو الممثل،  وفي السياق ذاته يعتبر دافيد دريغ(David Draig) -  أن المنتج المبدع هو الذي يشارك بفاعلية في الإشراف على الكاستينغ والكتابة والتصميم والمونتاج، ويؤثر بشكل كبير على محتويات وأسلوب الإنتاج السينمائي النهائي، هذا في الوقت الذي يركز فيه المنتج غير المبدع فقط على المسئوليات الإدارية والمالية.[6]

إن مفهوم الإنتاج السينمائي لا يمكن تحديده إلا إذا تمت موضعته  في إطار المنظومة التي يتشكل منها القطاع السينمائي، وهي المنظومة التي  تشتمل على ثلاث مكونات أساسية هي:  الإنتاج والتوزيع والاستغلال، وفي هدا السياق يمكننا تعريف الإنتاج السينمائي بكون تلك العملية التي تقوم بجمع ودمج العناصر الضرورية لإنتاج الفيلم وضمان استمراريته، أي أنها العملية التي تضطلع بجمع الوسائل البشرية والمالية والتجارية والفنية والتقنية الكافية، والعمل على تدبيرها بشكل فردي أو جماعي لضمان نوع من الانسجام  والتنسيق القادر على إنجاز مشروع الفيلم السينمائي وذلك على ساس نوع من التكامل والتواصل بين مجموعة من المتدخلين كالمنتج والسيناريست والمخرج والممولين ،  ليمر مشروع الفيلم إلى اللحظة الواقعية بعد رصد كل الوسائل المالية والتقنية والفنية والبشرية الأساسية،[7] ويعني هذا أن عملية إنتاج الفيلم السينمائي تنطوي على ثلاث أنواع من الممارسة يمكن إجمالها في ما يلي:

الممارسة الاقتصادية التي تشمل جميع المعاملات المالية اللازمة لصناعة الفيلم كالاستثمار والقروض والاعتمادات المختلفة التي قد توفرها الدولة أو القطاع الخاص.

الممارسة التقنية التي تشمل كل العمليات البصرية والميكانيكية والفيزيائية  والكيميائية التي يتطلبها إنتاج الفيلم.

الممارسة الفنية التي تستهدف تحقيق مضامين إبداعية فنية ودلالات جمالية راقية على مستوى التلقي والمشاهدة.

إن المشروع الفيلمي يخضع لما يسمى بخط الإنتاج السينمائي الذي يتمثل في الترتيب الدقيق الذي تخضع  له عملية  صناعة وإنتاج الفيلم السينمائي، انطلاقا من الفكرة والسيناريو تم  التصوير والمونطاج والميكساج والطباعة النهائية لنسخة الفيلم، إلى الوصول  في النهاية  إلى منتج فني كامل، وهذه المراحل تقتضي وضع برمجة إنتاجية خاصة بها ليتم تنفيذها بناءا على مخططات وجدولة عملية، تستوجب الإشراف الإداري بهدف جعلها تحترم الخطوات المرسومة لعملية الإنتاج السينمائي، وهي العملية التي تشتمل على العديد من العمليات الفرعية المتلاحقة  والمتسلسلة، بشكل يتطابق مع المفهوم الحديث لخط الإنتاج، الذي تتفرع فيه العملية الإنتاجية إلى عمليات  متنوعة، تتميز كل واحدة منها بقدراتها الإنتاجية سواء على مستوى الأجهزة والمعدات، أو على مستوى نوعية الخبراء والعاملين الدين يقومون بانجازها[8] .إن المتأمل لخط الإنتاج السينمائي يدرك أن عملية إدارة الإنتاج السينمائي هي في الوقت ذاته علم وفن، وهي سمة تنفرد بها هذه الإدارة التي تعرف نماذج وتطبيقات متعددة ومتنوعة، فالمنتج السينمائي قد يكون فردا أو مؤسسة عامة أو شركة خاصة، على أساس أن لكل منهم أساليبه التنظيمية التي يشتغل بموجبها، هذا فضلا على أن كلا منهم يعمل من خلال مجموعة من الأنشطة التي تتكامل مع بعضها البعض من أجل تحقيق منتج سينمائي جيد وناجح على مستوى التسويق من جهة وعلى مستوى تحقيق الاعتبارات الإبداعية فنيا وجماليا من جهة أخرى.

إن تصميم الفيلم السينمائي باعتباره منتجا فنيا وصناعيا، يتطلب درجات من المعرفة والحرفية، لدلك فإن شركات الإنتاج تأخذ بعين الاعتبار انتقاء كتاب السيناريو والمخرجين والمنتجين المبدعين الذين لهم إلهام واسع  في مجال تخصصهم، والمسألة ذاتها تنسحب على باقي أعضاء الطاقم الذين يشتغلون في المشروع السينمائي،  لذلك فان نجاح أي فلم سينمائي يرتبط بطبيعة القدرات المتوفرة والمهارات المتخصصة في مجالات محددة من الإبداع الفني والتقني والإداري، والتي يجب أن تعمل في وقت واحد وبتنسيق مشترك، يعزز المناخ الفني للفيلم السينمائي، ويضمن نجاحه ويحقق المقومات الإبداعية المنشودة من لدن كل من المؤلفين والمنتجين الإبداعيين.[9]

و في هذا السياق تشير بعض الدراسات السينمائية إلى مجموعة من الخصائص التي تؤثر في الإنتاج السينمائي يمكن إجمالها في ما يلي:

المادية: وترتبط بكيفية صنع الفيلم، باعتباره عملا إبداعيا وذلك لأن المعدات المادية تؤثر على طريقة العمل وعلى الشكل النهائي لهذا العمل.[10]

الزمنية: ويتعلق الأمر بالوقت الذي له أهمية كبرى في الصناعة الإبداعية السينمائية، حيت يكون للسوق تأثير كبيرعلى التخطيط للمنتج السينمائي وعلى عملية تنفيذه، هذا فضلا عن تأثيره على تحديد المواعيد النهائية لهذا المنتج والوفاء بها، وبناءا عليه يمكن القول أن لكل منتج فيلمي ضوابط الزمنية، انطلاقا من تصوره وتوزيعه ثم تلقيه في سياقه التاريخي، ومن تمة فإن أي استبعاد لقواعد الهيكل الزمني للإنتاج قد يعطي معاني جديدة وقيما مختلفة للفيلم السينمائي.[11]

المكانية: وتعني أن للفضاء ثأتيرا على الإنتاج السينمائي، حيت يكون هذا الثأتير ماديا وتقنيا في الآن ذاته لذلك فإن تحرك شركات إنتاج الأفلام من الأماكن المغلقة إلى الهواء الطلق يقتضي استعمال تقنيات تصوير جديدة ومبتكرة.

الإجتماعية :التي يمكن تحديدها في ثلاث عناصر هي:  علاقات الاتصال والتواصل بين العاملين في المشروع السينمائي،  وتكاليف هذا المشروع، ومحتوى المخرجات الإبداعية للفيلم السينمائي، هذا فضلا عن عامل الثقة التي تفرضها الطبيعة السوسيولوجية للعمل السينمائي بين العاملين في هذا المشروع وبين شركة الإنتاج وغيرها من الجهات أو المؤسسات الداعمة للفيلم.[12]

الإقتصادية  : حيت يكون للميزانية تأثير كبير على المنتج السينمائي وعلى شكله النهائي،  ويدخل في هذا الإطار التعاقد مع ممثلين عالميين أو مع تقنيين أجانب محترفين لأن ذلك يكون له وقع كبير على الجمهور المتلقي، مع العلم أن هذه الخاصية الاقتصادية تخضع دائما لاعتبارات أخلاقية وقانونية.[13]

لقد ارتبط الإبداع لدى المنتجين السينمائيين، بشكل دائم، بمواهبهم وبقدراتهم الشخصٌية على المشاركة الفعالة فًي جمٌيع المراحل الإبداعٌية للفٌيلم السينمائي، ومع ظهور التطورات التكنولوجية فًي مجال الصناعة السينمائية ستتبلور أفكار ورؤى المنتجٌين على المستوى الإبداعٌي، إلى درجات ٌيمكن معها مقارنتهم بمؤلفًي الأفلام وبغيرهم من أعضاء الفرٌيق الإبداعٌي فًي أي فٌيلم سٌينمائي، وفًي هذا السياق ٌيرى جل المنتجين والدارسين للحقل السينمائي أن التكنولوجيا الرقمٌية قد أحدثت تغييرا كبٌيرا فًي مفهوم الإنتاج السٌينمائي، حٌيث مكنت السٌينما من الوصول إلى عصرها الذهبًي وخصوصا السٌينما المستقلة التًي مكنتها التكنولوجيا الرقمٌية من إحداث ثورة على مستوى طرٌيقة إيصال أفلامها إلى الجماهير العريضة والواسعة[14]. إن التكنولوجيا الرقمٌية قد ساهمت فًي حدود الإبداع لدى كل من المخرجٌين ومدٌيري التصوٌير ومصممًي الإنتاج ومصممًي الصوت والمؤثرات البصرٌية، لذلك ٌيمكن القول إن هذه التكنولوجيا قد مكنت المنتجٌين، على وجه الخصوص، من العمل بشكل أكثر فعالٌية على المستوى الإبداع، وعلى الرغم من ذلك فإن تأثيٌر التكنولوجيا الرقمٌية لا ٌينبغي أن ٌيقتصر على معالجة الجوانب الإبداعٌية، لأنها ٌيجب أن تنصب أٌيضا على معالجة متغيرات الإنتاج كالتكلفة والوقت والجودة، وعلى معالجة المراحل القياسٌية للإنتاج أي ما قبل الإنتاج والإنتاج وما بعد الإنتاج[15]، لذلك فإن هذه الثورة الرقمٌية فًي صناعة السٌينما أصبحت تفرض على المنتجٌين التزود بمعرفة كافٌية حول العملٌية التكنولوجية لفرٌيق الإبداع السٌينمائي حتى ٌيتمكن المنتجون من السٌيطرة الكاملة على هذا العالم الجدٌيد من الاحتمالات، وذلك على أساس أن أولائك الذٌين ٌيسٌيطرون على وسابل الإنتاج هم الذٌين ٌيسٌيطرون على الرؤٌية الإبداعٌية للفٌيلم السينمائي وٌيعملون على تعزٌيزها.

وإذا كانت هناك علاقة وثيقة بين الجماليات الإبداعيات وعملية الإنتاج، فانه يمكن القول إن الإنتاج يعد استثمارا للوقت  وللطاقة البشرية وللرأسمال في المنتج النهائي، مما يؤثر بأشكال متعددة ومتنوعة على جماليات الفيلم السينمائي ومستوياته الفنية والإبداعية، وفي هدا الصدد يرى باردو أليخاندرو(Pardo ALIJINDRO) -  أن الإنتاج السينمائي هو نوع من الخلق، لأن إنتاج الأفلام السينمائية في نظره يسمح بالعمل الإبداعي، ليس باعتباره إضافة مصطنعة أو متعالية، ولكن باعتباره جزءا لا يتجزأ من طبيعة هدا الإنتاج[16]، ويعني هذا أن مسؤولية المنتج السينمائي لا تنحصر فقط في التنظيم والتخطيط والرقابة المالية، ولكنها تشمل أيضا الجوانب الإبداعية التي تؤثر على النتيجة النهائية للفيلم السينمائي، وبناءا عليه فانه إذا كان بعض النقاد والدارسين السينمائيين يتفقون على أن هناك دوما أفلاما لمخرجين معينين، فان الكثيرين منهم يعترضون على هذه الوضعية الإبداعية باعتبارها نظرية عامة للأفلام السينمائية، وذلك على أساس أن التكوين الإبداعي للفيلم يكون أحيانا عديدة أكثر تعقيدا من أن ينسب لشخص واحد هو المخرج السينمائي، لان العديد من الأفلام الجيدة تحمل طابع الاستديو الذي أنتجها أكثر من طابع أي شخص آخر، وبناءا عليه فإننا نجد أن مجموعة من الأفلام السينمائية هي في حقيقتا ناتجة عن تصورا لمنتج  وليس المخرج، فالمخرج مثلا الذي يعزى إليه فيلم “ذهب مع الريح  ” Gone with the wind  هو “فيكتور فليمنغ “Vector Fleming، لكن النقاد السينمائيين يذهبون إلى أن هذا الفيلم هوالمولود الفكري والفني للمنتج “دافيد سلزنيك         “David O. SELZNICKوإذا كان المخرج السينمائي “مايكل باي “Michael BAY- يعتبر هو الذي أخرج فيلم “بيرل هاربور-  “Pearl Harborفان النقاد يرون أن المنتج جيري “بروكهايمر- “Jerry Bruckheimer هو الذي يرجع له الفضل في إخراجه إلى النور، ويفهم من هدا أن عملية الإنتاج حينما تتسم بالإبداع الفني، تكتسب أهمية اكبر من عملية الإخراج السينمائي.[17]

إن المنتج السينمائي لا يمارس عمله الإبداعي بطريقة مباشرة من خلال القرارات التي تؤثر على الإنتاج الفعلي للفيلم كما هو الشأن بالنسبة للمخرج السينمائي  ولكنه يمارس هذا الإبداع بطريقة غير، مباشرة أي من خلال الاختيار والإشراف على الموظفين المبدعين الذين يشاركون في الفيلم، الشيء الذي يقتضي منه قدرا كبيرا من التدخل في بداية العملية السينمائية ونهايتها، وأثناء مرحلة ما قبل الإنتاج، وعلى الرغم من ذلك فإن مهمة الإبداع لا تكون إلزامية بالنسبة لجميع منتجي الأفلام السينمائية، وهذا ما أكدته “ أديلينا فون فيرشتنبورغ – von Fürstenberg, Adelina -  “ حينما ذهبت إلى أن مدى الإبداع الذي يمارسه المنتج للمشروع السينمائي غالبا ما يعتمد على قدراته الإبداعية التي يكشف عنها في كل مرحلة من مراحل إنتاج الفيلم السينمائي، لذلك فانه يجب الحكم على إبداع المنتج  بقدر أهمية مساهماته وقراراته التي يتخذها في كل مرحلة من مراحل الإنتاج السينمائي[18]، وفي هذا السياق كثيرا ما نطرح الأسئلة حول طبيعة العلاقة بين الإبداع الفني والإنتاج السينمائي، وحول مدى قدرة المنتج السينمائي في المحافظة على مستوى لغة المتخصصين والمبدعين السينمائيين، وحول مدى تنازله عن هذه اللغة بشكل كلي أو جزئي، استجابة لمتطلبات إنتاج العمل السينمائي، ونزولا عند رغبات فئات وشرائح من الجمهور، وللحسم في هذه المسألة، ذهبت بعض الدراسات السينمائية إلى أن الإبداع الفني السينمائي يجب أن يأخذ طابعا مخصوصا، وأن يتسم بسمات مميزة وفارقة، دون أن يتخلى عن شروط إبداعية، وبناءا عليه فإنه يجب على الإنتاج السينمائي أن لا يقع في فخ التعميم والسطحية، بدعوى الاستجابة للجماهير العريضة، وان يتقيد بلغة المتخصصين والنقاد السينمائيين بدعوى الأمانة والمصداقية، لذلك يفترض في الإنتاج السينمائي المبدع أن يتسم بالملائمة على مستوى المفاهيم الفنية وعلى مستوى تيسير المراحل الإنتاجية المحققة للإبداع السينمائي[19]، كما يفترض في المنتجين السينمائيين امتلاك قدرات ومهارات تمكنهم من العمل بشكل جيد مع جميع أعضاء الطاقم الفني للفيلم، من خلال تقديم كل المساعدات في تفسير وتحقيق الرؤية الفنية الإبداعية للمشروع الفيلمي من جهة، وتوفير كل الضمانات المادية والبشرية لنجاحه على المستويين الفني والتسويقي من جهة ثانية[20].

إن الإبداع في الإنتاج السينمائي لا يقتصر على تغطية الجوانب المادية والجوانب الإبداعية، من خلال البحث على التجديد في المجالات التقنية والفنية، لأن المطلوب أيضا هو أن يمثل المنتج الإبداعي السينمائي همزة وصل بين عملية الإنتاج وما ينتظره ويترقبه الجمهور المتلقي، ويعني هذا أن شروط الإنتاج السينمائي لا تتحقق إلا من خلال تدبير الكيفيات والسبل التي يمكن بواسطتها تأهيل الأعمال السينمائية، مهما كانت متفردة وخصوصية وعميقة الأثر، ومن هنا تظهر أهمية المنتج المبدع في تقريب الجمهور وتمكينه من إدراك مكامن الإبداع في الفيلم السينمائي وذلك من خلال توظيف الأساليب الفنية الجديدة والتقنيات السينمائية المبتكرة، ولكي يتمكن المنتج من القيام بذلك، يجب عليه أن يفهم أسرار الإبداع الفني السينمائي وأن يدرك عمقه وأصالته.

إن النجاح والاستمرارية التي حققتها الصناعة السينمائية ترجع بالأساس إلى الأداء المتميز لمجموعة من المنتجين السينمائيين المبدعين الذين اتسموا بخبراتهم وقدراتهم الفائقة على التوظيف الاقتصادي الأمثل لجميع عناصر ومكونات الإنفاق، دون الإخلال بمستويات الجودة الفنية والفكرية للفيلم السينمائي، وبعوامل إثارة المشاهد/المتلقي، التي تقوم بدور أساس على مستوى تحقيق الربحية تستهدفها الصناعة السينمائية بالدرجة الأولى، ويفهم من هذا أن المنتج السينمائي المبدع هو ذلك الشخص الذي يهتم بتدبير كل الموارد المادية والخدماتية والبشرية المتخصصة، بشكل يضمن إنتاج أفلام سينمائية تتميز بجودتها الفنية والفكرية بأقل تكلفة ممكنة، وذلك دون التأثير السلبي على العناصر والمكونات الإبداعية للفيلم السينمائي، وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أنه يفترض في المنتج السينمائي المبدع أن يمتلك خبرات مهنية وقدرات فنية إبداعية، تمكنه من إيجاد الحلول العملية المناسبة لكل المشاكل أو العوائق التي تحول دون إنتاج أفلام سينمائية ناجحة، وذلك من خلال مراعاة الأبعاد الاقتصادية والفنية، وتعميق التكامل بين المؤلف والمخرج والممثلين وفريق العمل الفني/التقني، وكذلك التركيز على إبداعية العمل السينمائي، يعد هو المؤشر الحقيقي على نجاح العملية الإنتاجية في الصناعة السينمائية.

 

الباحث إدريس موعنى

.............................

لائحة المراجع

المراجع العربية

فواد الكنجي:أهمية السينما في المجتمع-الحوار المتمدن-العدد: 5102 - 2016 / 3 / 13 - محور: الادب والفن- http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=508986&r=0

زهرة المنصوري: سيميوطيقا التواصل في الخطاب السينمائي: ميكانيزمات تمفصل المعنى بين الإنتاج والإدراك ـ منشورات جامعة ابن زهر ـ أكاديرـ (2001(

محمد علي الفرجاني: تعريف بالمصطلحات الفنية المستخدمة في فن وصناعة السينما ـ الحلقة الدراسية في مجال كتابة السيناريوـ المنشأة العامة للنشروالتوزيع والإعلام ـ طرابلس ـ ليبيا ـ (1986(

عبد المعين الموحد - إدارة الإنتاج السينمائي - منشورات وزارة الثقافة –(2006)

اليزا هانسل: جماليات سينمائية جديدة . تأثير الثورة الرقمية فى بناء الحقيقة -دراسة - ترجمة: ممدوح شلبى - 10‏/07‏/2012 -

http://mamdoughshalaby2.blogspot.com/2012/07/blog-post.html

المراجع الأجنبية

Wolf Janet - the Social Production of Art- communication & culture-Palgarve-London-(1993)

Kevin Brownlow: Critiques de David Lean: une vie de cinéma - Éditeur: CINÉMATHÈQUE FRANÇAISE (1996)-

Claude Forest: L'argent du cinéma: Introduction à l'économie du septième art- Editeur: Belin-France –(2002)-

Hospers John: Artistic creativity journal of aesthetics and arts- Phenomenological research- University of Illinois Press – (1979)

Beker Howard: Art worlds  – University of California press- California USA- (1982)

Hauser Arnold: The Sociology of Art – Routledg and kegan Paul-Chicago USA- (1982)

Alen Casty: The Dramatic Art of The Film - harpen , Row - Publisher S. London , (1975)

ALEJANDRO PARDO: THE FILM PRODUCER AS A CREATIVE FORCE-Wide Screen 2- (2010)- www.widescreenjournal.com (18 Janvier 2018)

David Thomson: The Alien Quartet: A Bloomsbury Movie Guide: The Missing Author Film Comment-  (Bloomsbury Publishing)- 1999

SHEKHAR DESHPANDE: ANTHOLOGY FILM. THE FUTURE IS NOW: FILM PRODUCER AS CREATIVE DIRECTOR –Wide Screen2-  http://widescreenjournal.org/- (von Fürstenberg, Adelina. (2009), Producer, Stories on Human Rights (2008). Correspondence.)

[1] فواد الكنجي: أهمية السينما في المجتمع-الحوار المتمدن-العدد: 5102 - 2016 / 3 / 13 - محور: الادب والفن- http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=508986&r=0

[2] زهرة المنصوري: سيميوطيقا التواصل في الخطاب السينمائي: ميكانيزمات تمفصل المعنى بين الإنتاج والإدراك ـ منشورات جامعة ابن زهر ـ أكاديرـ (2001) ـ ص26

[3]  محمد علي الفرجاني: تعريف بالمصطلحات الفنية المستخدمة في فن وصناعة السينما ـ الحلقة الدراسية في مجال كتابة السيناريوـ المنشأة العامة للنشروالتوزيع والإعلام ـ طرابلس ـ ليبيا ـ (1986) ـ ص.55

[4]   Wolf Janet - the Social Production of Art- communication & culture-Palgarve-London-(1993)-p.24

[5]  Kevin Brownlow: Critiques de David Lean: une vie de cinéma - Éditeur: CINÉMATHÈQUE FRANÇAISE (1996)- p.125

[6] Ibid-p.81

[7] Claude Forest: L'argent du cinéma: Introduction à l'économie du septième art- Editeur: Belin-France –(2002)-p.68

[8]  عبد المعين الموحد - إدارة الإنتاج السينمائي - منشورات وزارة الثقافة -(2006)- ص.31

[9] Hospers John: Artistic creativity journal of aesthetics and arts- Phenomenological research- University of Illinois Press – (1979)- pp.237/249

[10] Beker Howard: Art worlds  – University of California press- California USA- (1982)- p.29

[11] Hauser Arnold: The Sociology of Art – Routledg and kegan Paul-Chicago USA- (1982)- p.400

[12] Beker Howard-op.cit-.p.77

[13] Wolf Janet- op.cit.p24

[14] اليزا هانسل: جماليات سينمائية جديدة. تأثير الثورة الرقمية فى بناء الحقيقة -دراسة - ترجمة: ممدوح شلبى - 10‏/07‏/2012 -

http://mamdoughshalaby2.blogspot.com/2012/07/blog-post.html

[15] Alen Casty: The Dramatic Art of The Film - harpen , Row - Publisher S. London , (1975).-p.55/58

[16] ALEJANDRO PARDO: THE FILM PRODUCER AS A CREATIVE FORCE-Wide Screen 2- (2010)- www.widescreenjournal.com (18 Janvier 2018)

[17] David Thomson: The Alien Quartet: A Bloomsbury Movie Guide: The Missing Author Film Comment-  (Bloomsbury Publishing)- 1999-, p.78,

[18] SHEKHAR DESHPANDE: ANTHOLOGY FILM. THE FUTURE IS NOW: FILM PRODUCER AS CREATIVE DIRECTOR –Wide Screen2-  http://widescreenjournal.org/- (von Fürstenberg, Adelina. (2009), Producer, Stories on Human Rights (2008). Correspondence.)

[19] Beker Howard-op.cit-.p.50

[20] Hospers John- Op.Cit- pp.237/249

 

 

قاسم ماضيصدر حديثا ً للشاعر والقاص المصري "عادل بسيوني" المجموعة القصصية المعنونة "مارلين" عن دار نشر "أطلس للنشر والإنتاج الإعلامي " الجيزة -مصر،والكتاب من القطع المتوسط ويقع في 130 صفحة .وتضم المجموعة أكثر من 14 قصة مع دراسة نقدية بقلم الناقد " محمد دحروج " .

والمجموعة التي كتبها " البسيوني " هي أرشفة ومواجهة  للواقع تحمل صدق الإحساس بما يحيط به،وكذلك  معاينة للواقع المتردي الذي يعيشه الإنسان العربي،مستخدما حوادث وأسماء مرت بحياته .معبراً عنها بصدق الإحساس بالأشياء المحيطة به، وهو يعمّق رؤآه الأدبية المعروضة في قالب إبداعي مدروس يحمل صفات فكر صاحبها . وهو يحمل سوداوية الواقع و برزخية الحلم . وفي كلمة الإهداء

" إلى الأرواح العزيزة التي كانت هنا، ذات يوم، وما زالت تحلّق حولنا لتتجلى مظاهر النور ص7

جاء السرد الحكائي لهذه المجموعة القصصية  مفعما برائحة المعاناة والتنقل بين زوايا هذه الحياة التي أعطته هذا الكم المعرفي من الرصد والبحث، وهي محاولة  جريئة لأنها تعبر بقوة عن قلقه المأساوي الذي يتحرك في دواخله المشتعلة والمسيطرة على نفسه  يقول " البسيوني " في مقدمة المجموعة .

" حتى أيقظني بعضهم، وكانوا من المقربين، حينما وجدوا ما أنا عليه من دقة حين سردي وقوفا عند التفاصيل، لماذا لا تخوض هذا المجال وأنت أهل له ؟ ص9

وهو يلمس جانبا  مهما ًمن معاناة شخوصه التي إنطلق منها، من خلال ضيق الواقع بمختلف تجلياته، مما أعطته معاناة أبطاله الدافع الأساسي للوصول إلى ما يربو إليه من هامش أدبي للتعبير عنهم ، مضافاً إلى معاناة كاتب هذه القصص وكتابة موضوعاته  المستلهمة من  الواقع الإنساني بمختلف تنوعات أحداثه   ضمن أرضية لا بديل لها في مخيلته .

" كم هي غريبة تلك الحياة، وكم تتشابه الروايات ولكن أبطالها رغم هذا التشابه أبطالاً حقيقيين على مسرحها " ص22

وهنا يقول عنه الناقد المصري " محمد دحروج " مهمة القاص تنحصر في نقل القارئ إلى حياة القصة،بحيث يتيح له الاندماج التام في حوادثها، ويحمله على الاعتراف بصدق التفاعل الذي يحدث بين الشخصيات والحوادث .

" عند رجل كهذا بدا عليه الفقر عنوانا " ص100

2256 عادل بسيونيالاشتغال القصصي يحتاج من أي كاتب، أن يكون واعيا لما يكتبه  ليعبر به عن دواخله وهو يرسم  تسلسل قصصه وخطوطها الأساسية حتى يصل إلى مبتغاه،وهنا تتجلى رغبة القاص في تمكنه من حرفيته، ومهارته المهنية، وكذلك الوصول السريع والتلقائي في كتابة القصص التي يريد الانطلاق منها .

يقول الكاتب " بسيوني " في مقدمة هذه المجموعة " لم يكن ببالي يوما أني سأكتب هذه المجموعة القصصية التي هي الأن بين أيديكم، أو أقف على منبرها، أو أربت على كتفها وأن سأدللها على الرغم من أن ذلك كان يراودني، لكنها الصدفة التي أتت بي إلى هنا وما كنت لأفعل .ص9

يقول " ترومان كابوت " أني دائما امتلك اللعبة الخادعة، إن اللعبة الكاملة للقصة، ببدايتها ووسطها ونهايتها، تحدث في فكري في وقت واحد أي أراها في ومضة واحدة "

حتى يؤكد القاص المصري " بسيوني " فلسفته الخاصة به، واستحضار مواجع  أبطاله، بعد أن غاص في عوالم الأدب، واستهل عوالمه وهيأ لنفسه، لعبته التي انطلق منها ورسم لها بكل ما حمله  من أفكار في هذا السرد الحكائي، الذي أعطاه قوة وعزم على الخوض في هذا المضمار

" وهو يحمل في داخله مكنونات خاصة تسكن في وجدانه "ص22

وهنا يكون للقاص والشاعر " بسيوني " عدد من الممارسات الإبداعية في عالم الأدب تمتد على مساحة تشكيلية تستحق النظر والتأمل . وهو يؤكد للقارئ أن قصصه التي كتبها هي مختلفة عن كتابة القصة التقليدية المعروفة عند الكثير من الذين يكتبون، فأراد  " البسيوني "  في معظم قصصه التي شكلت وعاءا تجريبا مدروساً، وبأسلوب جديد ومكثف بالرغم من انطلاق هذه القصص من الواقع .

" ما أجمل الواقع الذي تخلقه رؤى الخيال، وما أجمل أن يرفرف القلب في خيلاء الذات " ص90

ويبدو ومن خلال هذه المجموعة أراد الأديب المصري " بسيوني " أن يقول قصصي مرتبطة بفكرة الزمن وقدرتي على هذا العطاء، وهذا ما تؤكده قصصه المليئة بالحكمة  والمعرفة لشؤون الناس الذين يقابلهم، وشكلت في ذهنه  حلقة مهمة من  سمفونيات واقعية تعتمد على لغة حياتية مكثفة وفيها من الإيحاء الكثير وخاصة " قطة شحاته " وتبقى الذكرى " الزيارة الاخيرة " التميمة " وغيرها من القصص .وهنا يؤكد الناقد " محمد دحروج " ثمة أشياء كثيرة يحتاج إليها الكاتب، ليقدم لقرائه عملا قصصيا ناجحا، فاللغة والأسلوب، والتصوير وبالجملة الشكل،ومن ثم الموضوع والمضمون،جميعها شروط أساسية لنمو العمل القصصي .ص 117

وفي اعتقادي أن القصة تبقى وليدة اللحظة، وان كتبتها لا يتطلب حيزا زمنيا كبيرا حتى تولد الفكرة ولهذا جاء الكاتب " بسيوني " ليسابق الزمن وتقديم مشروعه القصصي للقارئ العربي الذي انطلق منه وكما أطلقوا عليه شبيه ببعض اتجاهات " أنيس منصور " في تواليفه ك " عاشوا في حياتي " و" يسقط الحائط "

وبقي أن نذكر أن الشاعر والقاص له العديد من المطبوعات الأدبية نذكر منها المجموعة الشعرية " أعلنت حبك " الصادرة عن دار نشر أطلس للنشر والإنتاج الإعلامي لعام 2019 بالاضافة الى مجموعته " مارلين "

 

قاسم ماضي - ديترويت

 

 

نادرا ما أكتب عن غواية الشعر، لا لأنَّ المخيَّلة مقيَّدة بتفاصيل الحياة الصغيرة، بل لأنَّ هناك من يمارس هذه الكتابة بمنهجية أكاديمية بحثية لا تتاح لقلق الشاعر، ولروحه المشوبةِ بالأسئلة، خصوصا عندما يتحدَّث عن تجربته أو تجارب مجايليه. حتى أن الفكرة التي تراودني حول الموضوع لا تخرج عن كونها نوستالجيا شعرية تحن إلى الماضي الجميل، وتصبو إلى المستقبل من خلال قولبة القصيدة الفلسطينية ضمن رؤية محددة، واضحة المعالم. على الصعيد الشخصي ما زلت أبحثُ عن قصيدتي كمن يبحث في امرأةٍ عن حبق سري أو أنوثة غامضة. رغم أنَّ الشغف الشعري أحيانا ما ينكسر بعد جيل الفتوة فينحو الشاعر إلى كتابة نثرية تعبِّر أكثر عن تموجات أحلامه المنكسرة. فالكثير من الشعراء بعد سن الأربعين يصيبهم ضجرٌ ما من النفخ في ناي الغنائية أو يفتر شوقهم الشعري فيسلكون خيارين اثنين لا ثالث لهما، إما الانقطاع عن الكتابة الشعرية واللجوء إلى الصمت الأبدي، أو الوقوع في فتنة السرد والطواف في بحر الرواية أو الكتابة عبر النوعية. وهو ما حدث مع الكثيرين من الشعراء الذين تحوَّلوا الى كتابة الرواية وتركوا الشعر في مهب ريح التساؤلات. لا أستطيع أن أحكم على تجارب غيري من الشعراء الفلسطينيين الشباب ولست وصيَّا على قصيدة أو على أحد، ليس لأنني أعيش عزلة شعرية بطريقة أو بأخرى، ولكن لعدم إطلاعي بشكل كاف على تجاربهم الجديدة التي أعتبرها مبشرة بالخير بالرغم من فجاجتها أحيانا في مواضع كثيرة، فهي تحتاج للممارسة.. للوقت.. وللنار الهادئة كي تنضج، وهذا رأي شخصي لكوني لا أمارس النقد ولا تسعفني قراءاتي في أدبنا المحلي الجديد بالمستوى الذي يتيح لي أن أبدي رأيا أو أكتب متابعة، ولأن اهتمامي ينصبُّ على ما كتبه شعراء الستينيات والسبعينيات والثمانينيات. أو لأكون دقيقا أكثر، شعراء ما قبل الألفية الثانية. ما قرأته لا يعدو أن يكون أبياتا متناثرة أو قصائد قصيرة قليلة مبثوثة هنا وهناك سواء على الفيسبوك أو على بعض المواقع الالكترونية المهتمة بالشعر. ولكن ما أوقن به أن تجارب الشعر الفلسطيني الجديدة لم تبلغ ذلك الأفق العربي وظلَّت بعيدة عن دائرة الاهتمام النقدي، ومحبوسة ضمن  إطار ضيِّق من المحليَّة. تشغلني حاليا تجارب حسين البرغوثي وغسان زقطان، وليد الشيخ، زكريا محمد، وزياد خداش وسهيل كيوان وغيرهم من المبدعين الراسخين في التجربة الإبداعية الفلسطينية، في السنة الماضية قرأت سيرة الناقد اللامع والكاتب الموسوعي الفلسطيني الكبير الدكتور إحسان عباس "غربة الراعي" قرأتها بتمعن وتأمل كبيرين، لأن أعمال هذا الناقد الفذ تهمني وتفتح لي نوافذ كثيرة على ثقافات وأبعاد واشارات وأساطير، بعدها قرأت شعرا للشاعر الفلسطيني الجميل حسين مهنا، الذي أعتبره صوتا استثنائيا وصاحب عبارة منحوتة بدقة وإتقان في ساحتنا الأدبية المحلية. وأيضا أعجبني كتاب نصوص قرأته مؤخرا بعنوان "خطأ النادل" للقاص الفلسطيني الجميل والمبدع زياد خداش.

مشكلة الأدب تكمن في آلية التلقي في زمن الصورة والتكنولوجيا، ولأعترف أننا نعيش حالة استسهال كتابي سواء بالشعر أو بالنثر، ولو نلوم الفيسبوك أو تويتر أو غيره من مواقع التواصل الاجتماعي على امتلاء الفضاءات الافتراضية بالكتاب وبالشعراء والمنظِّرين الجدد، هي ثورة معلومات ونظام عولمي يخضع البشر لقوانينه، بعد الشاعرين محمود درويش وسميح القاسم نلمس فراغا شعريا كبيرا، لا أجد ذلك النص الشعري الفني المغاير، أو المختلف. لدينا أسماء كثيرة، ولكن من يكرِّس نفسه للحياة الابداعية ويخلص لمشروعه ويعيش تجربته بكل عمق ورهبنة؟ هناك تجارب فردية وذاتية لأصوات شعرية جميلة في الداخل الفلسطيني وفي الضفة الغربية والشتات ولكنها أصوات خافتة النبرة لشعراء شباب يتلمَّسون طريقهم، منهم من يمتلكون صوتهم المرهف الخاص وبصمتهم الجمالية، وآخرون ما يزالون يبحثون عن ضالتهم. لكنهم جميعا يبقون كمن يغرِّد خارج سربه أو كنخلة وحيدة في صحراء ممتدَّة.

لم تتخلص تلك التجارب الجديدة بعد من صراع الأشكال الشعرية، وتأثيراتها. هناك شاعر فلسطيني مهم بنظري أسمه أحمد حسين، هو شقيق الشاعر راشد حسين، كتب دواوين مهمة برأيي على مستوى اللغة الشعرية المتجددة، النابضة والمضيئة، أعجبتني صوره ومجازاته وطريقة كتابته للقصيدة، ولكن لم يهتم النقاد بتجربة الشاعر الفلسطيني أحمد حسين لأنه لم يكن  يُحسب على حزب معيَّن ولم ينضوِ تحت أي راية أو جهة، قبل سنوات راسلتني طالبة من مدينة غزَّة طالبة مني أن أمدها بكتابات للشاعر أو دراسات عنه.. لم يكن هناك من مصدر سوى موقع الشاعر على الشبكة العنكبوتية.

خفوت الوجودي والسياسي في شعرنا الفلسطيني أصبح ملموسا وجليا لدى البعض من المبدعين الشباب، مقابل الهم الذاتي والنبرة الوجدانية والعاطفية، ولكنه اكتسب طفرة وازدهارا  وتنوُّعا لدى شعراء الجيل الثاني، أقصد شعراء ما بعد مرحلة محمود درويش وسميح القاسم وعز الدين المناصرة وتوفيق زياد وراشد حسين وشقيقه أحمد حسين وغيرهم، الشعراء الشباب لديهم أحلام طموحة ولكن شعريَّا ينقصهم الكثير لتكتمل تجاربهم، على سبيل المثال نحتاج لقصائد لا نشعر ونحن نقرأها بوطأة الصراع الثقافي الايديولوجي بين الأشكال الشعرية فيها، يتوجب نسيان هيمنة قصيدة النثر أو رفرفة التفعيلة أو صخب الشعر العمودي، نريد شعرا فحسب، شعرا مغايرا منطلقا، يتجلى عبر الأبعاد الفنية هاضما للثقافات العميقة، القراءات المتعددة، متمثلا للشعريات العالية المتوهجة، ومخترقا سطح النمطي والمتداول، ذلك أن القصيدة الفلسطينية بشكل خاص والعربية بشكل عام أصبحت فاقدة لخصوصيتها ولبصمتها الشخصية، ولحساسيتها الفنية، فالنصوص الشعرية تقريبا كلها متشابهة ويحكمها جو معيَّن وتجمعها لغة واحدة، في ظل غياب نقدي، يواكب رؤيا الشعر الفلسطيني التائهة بين استيهامات الواقع والخيال.

خلاصة القول أننا كشعراء فلسطينيين جدد أو غير جدد يتوجب علينا مواصلة السير في طريق الإبداع الصعبة المحفوفة بالشوك، والتحليق عموديا بالقصيدة خارج الفضاءات المسقوفة على يد شعراء وحالمين عظام، والالتحاق بركب الشعر العربي أو العالمي.. لا الوقوف عند نقطة الصفر والالتفات لأمجاد السابقين الأدبية، والاكتفاء بالتغنِّي بها. أو الانخراط في جدل عقيم حولَ الأشكال الشعريَّة، أن تصير شاعراً ليس مجرد حلم صيف، أو خربشة مجَّانية عابرة على جدار الفيسبوك أو تويتر.. المعادلة تغيَّرت.. وتلزم الشاعر حيوات كاملة صاخبة وجهد ثقافي جبَّار ليترك نقطة ضوء في فلاة الظلام.

 

نمر سعدي/ فلسطين

 

توفيق الشيخ حسينحسرة الظل (تجارب في الشعرية النادرة والبساطة الجميلة) للشاعر والروائي والناقد " محمد الأسعد " الصادرة من دار خطوط وظلال للنشر والتوزيع، جمعت في هذا الكتاب بين ثلاث قراءات تتقاطع أضواؤها أو تسقط منفردة، على تجارب شعرية تحمل صفتين (الشعرية النادرة والبساطة الجميلة)، تقرأ الأولى تجربة الشاعر العراقي محمود البريكان، صاحب أسطورة الشاعر الساعي الى تحرير نفسه من كل ً قوة خارجية، سواء كانت سلطة حكومية أو رأيا ً عاما ً والباحث عن سلامه في ظل سلطة ضميره الخاص، وعنايته بكمال الإنسان والكون كله، محدقا ً بالأزمنة، ومعانقا ً الحياة بلا خوف ولا رياء، ممتلكا ً شجاعة الوقوف وحيدا ً في هذه المواجهة، وتقرأ في الثانية تجربة الشاعر الياباني " ماتسوباشو " مكتشف الجمال في الطبيعة والحياة، وصانع قصيدة الهايكو كما عرفتها الأزمنة الحديثة، تلك القصيدة التي اجتذبت أفضل المواهب الشعرية في مختلف اللغات، بما فيها العربية، تقرأ في الثالثة تجارب ثلاثة شعراء من فلسطين وسورية ولبنان (توفيق صايغ، ومحمد الماغوط، وأنسي الحاج) جمعتهم دائرة شعرية واحدة في منتصف القرن العشرين، امتازوا بمنح اللغة وظيفة غير معتادة، خارج كونها مجرد لغة تواصل يومي، لغة لا تختفي منها وظيفة التواصل، ولكن تتبدل الرسالة المرسلة بتبدل محتوى الرسالة وأداتها .

يؤكد " الأسعد " أن محمود البريكان (2002 – 1931) بعزلته وأبتعاده عن الوسط الأدبي، وانشغاله بقضايا ومصائر يؤمن أنه لا يستطيع مواجهتها إلا وحيدا ً ولم يترك لنقاده سوى القصيدة، وذاكرة أغنى مما يمكن أن نجد في ثقافة الاستعراضات والغناء المربح، لإنها ذاكرة الغريب والمغترب في وسط لم يتعرف على نفسه بعد، بل ويأبى أن يتعرف على نفسه وفق شروط تمليها حياة الشاعر البعيدة عن الاضواء، وقناعاته التي حولته الى نص مجهول، كان شاعرا ً ومثقفا ً من طراز رفيع، كان مثل طائر لا يألف القفص، وراهبا ً من رهبان الحرية، كتب لها أجمل قصائده وظل ممجدا ً لها حتى أيامه الأخيرة .

يتساءل " الأسعد ": هل كان البريكان نصا ً مجهولا ً؟ بهذه النزعة الى الإنعزال والتوحد والإبتعاد عن الأضواء، وهي أكثر الوقائع وضوحا ً في شهادات مجايليه واصدقائه القليلين، فلماذا كان على الشاعر أن يؤمن أنه لابد من الوحدة لمواجهة العالم؟ ولماذا هذا الإيمان بأن على الشاعر أن يكون متفردا ً في هذه المواجهة؟ ولماذا المواجهة أصلا ً؟

ينتمي الشاعر البريكان عائليا ً الى أسرة نجدية تسكن بلدة  الزبير (تبعد عن البصرة حوالي 20  كيلو متر جنوبا ً)، ونتيجة للنمط السكاني المتميز لبلدة الزبير خلق تركيبة نفسية (فكرا ً ووجدانا ً) تميزت بالإنعزال عن المحيط العراقي الذي عاش في خضمه وعن الوضعية الثقافية وتجربته وردود فعله في سياق الإتصال بالآخرين والمستويات الفكرية التي تطلع عليها ولم تكن مما يتوفر حوله، وان هذه العزلة الروحية تهيأت أسبابها وكوامنها قبل إطلالة الشاعر على أفق الثقافة العالمية  التي ستزوده بالوسائل والمبررات لتوطيد تجربته ووجوده في فضاء آخر .

في بغداد الأربعينات كانت تتدافع موجات التجديد وتمتزج الموجات بما كانت تحمله الى الوسط الثقافي المجلات والكتب القاهرية والبيروتية حاملة النبأ الجديد: ثورة الشعر الحديث، فكيف يمكن أن ينعزل أفراد أو فرد من بلدة نائية مثل الزبير في وقت غلبت فيه هذه الموجات مجتمعا ً وشاركت في نسج علاقاته وأفكاره وتطلعاته ونمطت توجهاته الثقافية والإجتماعية .

من هنا يسأل " الأسعد ": أين سنجد صورة البريكان؟ .

هل نجدها في ذاكرة من تحدثوا عنه بوصفه أهم شاعر عراقي (السياب) أو بوصفه الأكثر تطرفا ً في التجديد (طهمازي) أو بوصفه معلما ً (سعدي يوسف) أم في تعليقاته المنقولة عنه على لسان غيره مما أقترب منه فجاءت تعابير منقوصة أختلط فيها قصد الشاعر بمستوى فهم الناقل وقدرته على الاستيعاب؟، إننا لن نجده في شيء من هذا، بل في ما اختاره أن يكون صورته، في مقالاته القليلة التي ظهرت في فترات متباعدة وفي قصائده القليلة المنشورة، وهذا هو الأساس الذي أراد لنا الشاعر أن نبني عليه صورته، وهو ما راهن عليه بقوة مبعثها إيمانه الفريد بقيم عزيزة المنال في محيطه الذي عاش فيه .

كانت قضية الحرية أهم القضايا التي أنشغل بها الشاعر محمود البريكان ونالت الجزء الأكبر من اهتمامه، لكن الشعور بالحرية عند " الأسعد " عبء يثقل على الإنسان ويصاحبه الشعور بالألم والعذاب والعزلة، ومصدر هذا الشعور الفاجع هو محاولة الإنسان تنمية شخصيته بصرف النظر عن حياة النوع الإنساني، إنه في موقف طابعه الثنائية، فحريته تستوجب شعورا ً بالعزلة والتجرد من ضغط الوجود المتشيء، وهي تفسير التاريخ من جانب آخر بوصفه جزءا ً من مصيرها الشخصي، ولا يدرك الإنسان شخصيته واصالته وتفرده وتميزه عن كل شخص وعن كل شيء الا حين يكون وحيدا ً .

وحيدا ً أنتمي، حرا ً، الى فكرة

أرادت نحتها الموتى (ولم تنحت على صخرة)

إلى صوت النبؤات البدائي

إلى الثورات قبل تجمد الرؤيا

إلى الحب السماوي الذي ترفضه الدنيا

إلى البرق الذي يكشف وجه الدهر في لحظة

ولكن أي نوع من الفن؟ إنه المأساوي، لانه وحده يمتلك هذه البصيرة الثاقبة، منحوتات الأيطالي (جيلكومتي) التي كانت تسترعي اهتمام البريكان أو تجريدات (هنري مور)، والأساطير والشعائر والتناغمات الموسيقية، ليست مجرد أدوات تقنية، بل هي رؤى للكون منبعها حرية روحية تعلو بالإنسان فوق العرضي والمتعاقب والمحدود والموضوعي، وتصله بمنبع أصيل أشد خفاءا ً، بشيء هو أقرب الى اللغز منه الى المقولة المنطقية أو المعادلة الرياضية .

واذا نظرنا الى التلميحات القليلة التي تحدث فيها البريكان عن طريق بناء القصيدة لديه، يكتشف " الأسعد " أن تعددية الأصوات والمشاهد والأزمنة ومحاولة تكوين تناغم ضمن شكل دال، سمات أساسية في وعيه الشعري، انه مؤمن بداية بأن الصيغ لا يمكن عزلها عن طوابع التجربة، وتشمل هذه الصيغ الظواهر التعبيرية التي هي ليست مجرد مهارات، لأن عزلها عن سائر العناصر يفقدها خواصها الدالة .يقول البريكان انه مال منذ أواخر الأربعينات وفي قصائد كثيرة الى استعمال صيغ الأزمنة بأشكال خاصة في السياقات المتغيرة، ويضرب مثلا ً على ذلك باستخدام صيغة الماضي على نحو يضفي صفة أسطورية على الحدث (قصيدة خرافة روح /1948  وغيرها)، والميل باطنيا ً " لا شعوريا ً " الى السياق المتغير مداخلة الأزمنة أو المراوحة بينها (كما في مطولة أعماق المدينة / 1953) بل وجرب أيضا ً بصورة استثنائية الجمل الساكنة، أي الخالية من الفعل لتجسيم لحظة روحية (كما في قصيدة ساكنة / 1969) .

يكشف " الأسعد " بإنه اذا أضفنا الى هذه المراوحة بين الأمكنة، أو المجاورة المقصودة بين أحداث متباعدة زمنيا ً ومكانيا ً وتسريدها سردا ً يوحي بتزامنها وتحاورها أو يحققه بالآحرى، وأن كل هذه الخصائص الفنية إنما هي ترجمة لخصائص موسيقية (السمفونية منها بخاصة) حيث تتزامن الأصوات وتتحاور عدة الآت مختلفة مثلما تتحاور المشاهد الطبيعية والأحداث الإنسانية، وينبعث تيار متدفق واحد هو في الأصل نتاج وصول دقائق صوتية (أو بصرية في حالة الشعر) الى أقصى حالات التناغم، فتتحول الى تيار واحد، أو الى إيقاع لا نهائي يشبه أن يكون حلما ً أبديا ً حسب تعبيره، ولئن كانت قاعدة هذه الخبرات والإدراكات في الموسيقى هي تعددية الالات، فأن قاعدتها العملية في الشعر هي تعددية اللقطات وتجاورها عن وعي مسبق بهدف إيجاد تصميم للقصيدة ذي دلالة معينة يحتوي مستويات من الأزمنة والأمكنة في قبضة واحدة .

يتابع " الأسعد " بإن مصادر الشاعر البريكان تبدو غامضة للوهلة الأولى، وغريبة من نوعها، لأنها تظهر في قصائده ضمن تصميم خاص عماده أن الشاعر فنان يتصرف في زوايا الالتقاط ويتحرك على مختلف المستويات، ويخترق الأزمنة كما يقول (.. وحيث تبني النمل من تراب / مملكة التوازن الأعمى) الواردة في قصيدة (قصة التمثال من آشور / 1969)، الا حين قرأ " الأسعد " لمحة (جلبرت هايت) عن النمال الدوؤبة التي تمضي في نهجها الرتيب من حفظ النوع وتخليده كما كانت تفعل يوم كانت الديناصورات  العملاقة تسيطرعلى الأرض

يقول " الأسعد " ربما كانت قصيدة (القوة والأغلال) آخر أغنية أنتصار يكتبها البريكان، وآخر قصيدة يشعر القارىء معها بنشوة الشاعر أمام رؤيا فجر جديد، ونشرت القصيدة في صحيفة دمشقية في العام 1958، ويلاحظ " الأسعد " تماثلا ً بين هذه القصيدة الطويلة نسبيا ً وبين مطولات السياب الشهيرة مثل (حفار القبور، والمومس العمياء، والأسلحة والأطفال) في أسلوب تدوير التدفق الإيقاعي وفواصل المعنى، فكلا الشاعرين لا ينهي تدفق المعنى بشكل يتوافق مع نهاية الوقفة الوزنية، بل يتخطاها الى السطر الثاني، ويتوقف في أوله أو منتصفه، ثم يبدأ دورة تدفق جديدة، وقد فسر " الأسعد " هذا التماثل وأخذ بالأقرب الى الذهن، وهو أن البريكان أستمد هذه التقانة من السياب، لكن شقيق الشاعر محمود البريكان  (عبدالله البريكان) فاجأ " الأسعد " حين قال أن الأمر عكس ما ظن، فهذا النسق الأسلوبي في التدوير الذي تميزت به قصائد السياب ومطولاته بخاصة، هو في الأساس من مبتكرات الشاعر محمود البريكان في أواخر الأربعينات، وكان قد ظهر في مطولته (أعماق المدينة) ثم (المجاعة الصامتة) قبل أن يظهر في قصائد السياب بسنوات وذكر (عبدالله البريكان) شقيق الشاعر محمود البريكان بأن أخيه محمود حدثه عن واقعة أعتراف السياب بأنه حين كتب (حفار القبور) كان يحتذي في الحقيقة بالقصيدة (البريكانية) .

يؤكد " الأسعد " أن مطولات البريكان وقصيدة (القوة والأغلال) قد تكون آخرها إن لم يظهر دليل معاكس، حملت الى مناخ الحداثة الشعرية العربية هذا النسق العروضي الذي احتفظ بتنويع القوافي وتفاوت أطوال السطور، كما جرت عليه القصيدة الحرة، إلا أنه أدخل ميزة التدوير التي تحررت فيها موسيقى صور الأفكار من موسيقى الوقفة العروضية، الى أن يجىء الزمن الذي تعتمد فيه القصيدة على موسيقى صور الأفكار وحدها، ولا تطرح عنها القوافي فحسب، بل والإيقاع العروضي التفعيلي وتبتكر إيقاعات حرة تماما ً من أي قيد سوى ما تتطلبه القصيدة من داخلها، أي قصيدة النثر أو القصيدة الإيقاعية  .

أصغوا الى أصدقائي ! وهو قد يكون

أي امرىء يسير في الطريق

في وسط الزحام

وقد يكون بيننا الآن، وقد يكون

في الغرفة الآخرى يمط حلمه العتيق ْ

 

أن قصيدة (أسطورة السائر في نومه) المنشورة عام 1959، أي في ذروة إحساس جمهرة من الشعراء والمثقفين واسعة بأن حلمهم الثوري قد تجسد على الأرض، فهذا النموذج الإنساني الخاضع الذي يمارس حياته ممارسة آلية، مفتقرا ً للإرادة الحرة والذاكرة والروح سيكون أكثر واقعية من النماذج الوهمية التي اختلقتها عقول لم تر من الواقع إلا سطحه الظاهر وشعاراته وأبواقه ومهرجاناته وتبريراته المألوفة، وسيرى البريكان في هذا السائر في نومه ملامحنا جميعا ً، قدّم البريكان بهذا المنحى لأول مرة في شعر الحداثة العربية امثولة الشاعر الذي يخترق ادعاءات العصر وإعلاناته ومزاعمه إلى حقيقة أعمق تتجاوز شباكه ومساوماته .

يكاد المتلقي لقصيدة (قصة التمثال من آشور) أن يقبض على معنى منذ السطور الأولى، إلا أنه سرعان ما يضطر الى تأجيل المعنى أمام مشاهد تتوالى، ليس أمام عين بشرية بل أمام عين لا بشرية (قصة يرويها تمثال) وكأن الطبيعة والأزمان والأحداث التي يتحدث عنها التمثال تتوالى من كون ٍ خال ٍ من وجود البشر، وحتى حين تظهر ملامح أفعال بشرية أو مواقف، نجدها تندمج في تيار أحداث أشمل منها تحتويها وتأخذها في تيارها، فلا شيء يمتاز على شيء أمام عين خالدة خلود الحجر ذاته .

يخرج لنا " الأسعد " من هذا بحكمة ما، أو فكرة، ولكن ما يستولي على المتلقي هو شعور شامل بغياب (الإنسان) في عالم لا زال يعتقد أنه مصنوع من أمله، أو هو من صنعه، إن التساؤلات الإنسانية المضمرة التي ربما تتردد حين يحاول المتلقي تكييف عالمه الشخصي مع عالم هذه القصيدة، لا يجيب عليها سوى الخواء  خواء (محاجر بيضاء مفتوحة لعالم النجوم)، هل نحن أمام الغامض الملتبس سر الوجود؟

هذا التصميم المتفرد الذي تقوم عليه هذه القصيدة النموذجية (العالم بتاريخه الإنساني والطبيعي منظورا ً اليه بعين تمثال حجري) يكشف عن أن هناك هذا الغموض أو هذا السر، أي ما يبقي بعد كل هذا التوالي العابث للأحداث الطبيعية والإنسانية التي لم تتميز عن أحداث الطبيعة، وهذه العناصر كلها تقريبا ً تواصل حركتها العمياء لا فرق في ذلك بين رياح وصقور وأمواج وبشر ونمال، وها هي الأفعال تسيطر ولكن الهدف غامض:

ينحسر البحر ولا تبقى سوى الاصداف ْ

في باطن الأرض، تهب الريح بعد الريح

تعيد توزيع الرمال الحمر، والغربان

حطت هنا، واندمجت في دورة الأفق ْ

قوادم الصقور

رفت على العنق

واحترقت على ذرى الكثبان

عجائز الذئاب

توسدت جسمي

هاربة الى مكان ما

قوافل ُ اللصوص

تفيأت جنبي، حيث تترك الفصوص

اثارها، وحيث تبني النمل ُ من تراب

مملكة التوازن الاعمى

هذه القصيدة النموذجية (قصة التمثال من آشور) تكاد تختصر فن البريكان وجوهره، تصميم القصيدة وفق منحى خاص يستهدف كشف الغرابة أو تحويل المألوف الى لا مألوف، ويتم ذلك بالتحول: تحويل الحاضر الى ماضي (عالمنا حكاية)، أو تحويل الشاهد الى موجود خالد (التمثال)، أو الى كائن خيالي يحضر في كل العصور (حارس الفنار) يحيط بالأزمان كلها دفعة واحدة ويصغي الى حوارها، أو تحويل الشاعر الى عين لا زمنية تنظر من موقع يعلو على الزمان والمكان، ويمكننا أن نطلق على هذا المنحى الخاص تسمية منحى التحولات، بكل ما تحمله هذه التحولات من نزعة الى تحويل حكاية الإنساني الى ما يشبه الأسطورة  أي الى إدراك التاريخ وتجاوزه الى ماهو أبدي .

يرى " الأسعد " أن قصائد البريكان تبدو أنضج وكأنها تتخطى الزمن، أو كأنها تجيء من الزمن دائما ً ولا تتقدم الينا من الماضي أبدا ً، إنها تحفل بعنصر أبدي لا يستنفذ بمرور الزمن، إنها متحررة من الآراء العامة والقوالب، سواء كانت دينية أو علمية، وحيدة في عزلة تشبه عزلة ضوء نجم بعيد أحيانا ً، أو تشبه ضوءا ً داخليا ً يتعرف فيه المتلقي على شيء في داخله منسي ومهمل طمرته العادة والتكرار والانشغالات الزائلة، نجد الشاعر يستخدم أكثر الأمور حيوية في القصيدة، يعني التدوير في أبسط معانيه انتظام الكلمات في مجموعات تتسق مع إيقاع وتدفق قوة الرؤيا العضوية التي تشد عناصر القصيدة، وبالتدوير تتوالى القصيدة على شكل سطور كما تتوالى السطور اللحنية في القطعة الموسيقية، هنا تنبني السطور، ولكن لا يتقرر هذا البناء عشوائيا ً، كأن يقرر الشاعر إنهاء سطر هنا أو هناك  ثم ينتقل الى السطر التالي، ما يحدد مكان التدوير (التوقف أو التدفق) هو إلادراك الجمالي وهو يشكل مجموعات الكلمات، أي ضرورات التعبير انطلاقا من كينونته وعبر الضرورة الداخلية لتعبيره عن ذاته، إدراك الشاعر هو الذي يسيطر على كيفية تشكيل السطور، أحيانا ً يتدفق الإيقاع متشكلا في سطر واحد بوصفه عنصرا ً واحدا ً كاملا ً لا يمتد الى السطر الثاني، فيفرض على القصيدة توازنا ً، وقد يحدث تغيير في تدفق الإيقاع خللا ً في القصيدة أحيانا ً، يخل ّ بتناغمها النفسي حين لا تتوافق مواضع التشديد والتأكيد مع تموج نغمة الشعور، ومعنى هذا أن التدوير لا يقع لأسباب آلية مثل الحفاظ على عدد التفاعيل، فيفرض هذا نهاية الإيقاع، أو لإيراد قافية تنسجم مع القوافي السابقة مما يستدعي إنهاء التدفق مع نهايات القوافي، بل يقع لأسباب أعنق تظهر من مادة القصيدة نفسها .

هنا يتبدى طابع التجربة البريكانية خارجا ً على التظاهر اللفظي وقريبا ً من تجسيد حي لما يسميه نزوع الإنسان، أقصى حالات الوحدة بين عناصر اللغة والرؤيا، قوتها العضوية تنبع من داخلها لا من شيء خارجي، كأن يكون ضرورات إيقاعية أو البرهان على قضية، أو تمثيل مناسبة أو حدث، ولا يمكن وصف هذه الحالة إلا بصفة الحدس والإدراك الشامل، حالة تكتمل فيها القصيدة من داخلها وفي داخلها.

الأستنتاج:

في شعرالبريكان ظواهر مضمونية، ظاهرة الإغتراب وظاهرة الغموض، وتنحصر ظاهرة الإغتراب في تجربة الشاعر بثلاثة أركان هي:

1- البعد الحسي: وفيها يكون الصراع مع القوى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية

2- البعد القيمي: وينتج الصراع من بحث الإنسان عن المثال المفقود .

3- البعد الميتافيزيقي: ويتجلى الصراع في هذا البعد حين يدير الإنسان ظهره للواقع ويتجه الى عالم ألما وراء في محاولة منه لإدراك حقيقة وجوده وموقعه الكوني منه .

ويمكننا تقسيم ظاهرة الإغتراب في شعر البريكان الى ثلاثة أقسام هي:

أولا ً- الإغتراب الروحي: وهو قمة من قمم هذا النوع من الإغتراب، لأن تركيز الشاعر على فكرة الإنتظار إذ يتطلع نصه دائما ً الى ما هو منشود، أو سيأتي، لذا فإن لحظة الحاضر فيه تبحث عن المستقبل، وكأن الحاضر مرهون بحلول المنتظر.

ثانيا ً- الإغتراب الفكري: وهو الحالة التي تكشف لنا عن وجود نوع من الحساسية عند الشخص المبدع، تجعله يفترق عن المجتمع، ولا يسير في تياره، وكلما زاد حجم أصالته، زاد افتراقه .

ثالثا ً- الإغتراب النفسي: وهو ما يعني افتقاد الشعور بالذات وبالعفوية الفردية والتباعد عن وضع المرء الفعلي، وطبيعته الجوهرية .

الشاعر محمود البريكان هو أبن الزبير، هو أبن العراق والبصرة، هو سر ّ البصرة الغامض وطلسمها الأكبر، وفاة الشاعر جاء في حدث عرضي عجيب  (الموت على يد لص سارق طعنه بالسكين حتى لفظ أنفاسه الأخيرة في داره) بتاريخ 28 / 2 / 2002  ودفن في مقبرة الحسن البصري في مسقط رأسه مدينة الزبير بالقرب من قبر بدر شاكر السياب التي دفن فيها أيضا ً .

 

توفيق الشيخ حسين

 

 

 

حيدر عبدالرضاالدلالة الشعرية بين شفافية اللغة والفاعل المنفذ

توطئة: إن القارىء المتابع لعوالم شعرية الشاعرة الأمريكية الحائزة على جائزة نوبل 2020 في الآداب الشعرية (لويز غليك) لربما نعاين حالات الأشياء، في مجرى دوافع مضمرة ورمزية من حسية الذات الواصفة، لذا فإننا ومن خلال قصيدة (قديستان) ترجمة الشاعر عبد الكريم كاصد، واجهنا ذلك المعطى الدقيق من الربط بين حالتين متعارضتين في موجب الاستقراء النفسي والوصفي في علاقة الوظيفة الشعرية . فالشاعرة في هذه القصيدة تمنحنا ذلك السقف من الإيحاء والغموض في مجال من إمكانية استحضار النقائض في صورة علاقة موحدة من التشخيص والتفاوض من لدن مرجعية حالات (التصوير / الإيحاء / المسكوت عنه) امتدادا نحو انعطافات الموصوف، وهو في مجاورات وتقاطعات دلالية داخلية من تجربة غاية الرابط المعادل في مماثلات الواقعة الشعرية:

في عائلتي ثمة قدّيستان

خالتي وجدتي

لكنهما عاشتا حياتين نقيضتين . / قصيدة: قديستان

تتوزع الشيفرات الشعرية في هذه المقاطع الأولى من النص، ضمن محددات إشارية، مرئية وغير مرئية محسوسة وغير محسوسة، تسمح بحفظ المكتوب النصي ونقله في الرؤية القرائية، بعيدا حيث ضديات وبدائل الحالات المتصورة على لسان حال الأنا الشاعرة: (قديستان ـ علاقة خصوص ـ مرجعية مؤولة / في عائلتي ـ العامل المتصل وأفق المرجع / خالتي وجدتي ـ محاور تنفيذ / لكنهما عاشتا حياتين نقيضتين ـ علاقة تضاد = آليات النص) لعل ما تهدف إليه الشاعرة في محمولات وحالات المقاطع الشعرية، ذلك الارتباط المقارن والتمييزي بين صورة (الجدة) وصورة (الخالة) ولكن ما ثيمة دليل وصفة القديسة في محمل موضوعة الموصوف؟ أهي مماثلة توصيفية وحسب؟ أم إنها صفة مستثمرة في مكامن مقصدية مرجعية في دلالة الخطاب الشعري:

جدتي هادئة حتى وهي تبلغ النهاية

شبيهة كانت بمن يسير في ماء ساكن

ولعلّةٍ ما، لم يقوَ على إيذائها البحر

حين سلكت خالتي الطريق ذاتها

تكسرت الأمواج فوقها وشرعتْ

بالهجوم

هكذا تستجيب الأقدار

لطبيعة روحين حقيقتين .

بهذا المنظور والمستوى من روح وحافزية الاختلاف، ما بين دال (الجدة) ودال (الخالة) نشعر بأن الذات الواصفة، تسعى إلى توظيف وتوطين مقاربة العلاقة المفارقة المطروحة في ذات الجدة والخالة، نظرا لتفاصيل أكثر تمهيدا في مضمر وتوالد حالات النص، فما معنى جملة (جدتي هادئة وهي تبلغ النهاية؟) أهناك كيفية مصيرية تربط دال الجدة إزاء مستحدثات دلالة الخالة مستقبلا؟ ثم هل أن مؤشر البحر في المقاطع الشعرية، دلالة على مقصدية المصير أو سطوة القدر مثالا؟ كما ويبقى التواصل ما بين دال الجدة والخالة قائما على هيئة وعاملية (المقصدية + المماثلة + المشابهة + التبجيل = قديستان = مرجعية مشتركة في التفارق) وقد يتضح الفارق النوعي ما بين الأنموذجين، على أساس من المخالفة والتضاد، وصولا إلى وسيلة بلوغية خاصة من دلالة الفارق والفروق ما بين (جدتي تبلغ النهاية / سلكت خالتي الطريق ذاتها / تكسرت الأمواج فوقها وشرعت بالهجوم) أن هذا التخالف التركيبي في محمل الموضوعة، ممكن له أن يمنحنا دور التخصيص والانفراد في مستوى محور الموضوعة، إذ أن هذا الرابط في محور الموضوعة يظل بمثابة المستوى في المعاينة والاستنتاج الدقيق في محفل القراءة للقصيدة قدما . أقول مجددا أن العلاقة الواقعة بين دال الجدة ودال الخالة، لربما هو حقيقة في كشف المصير الاحوالي والدلالي في حسابات رؤية الشاعر، وذلك نظرا إلى مقصدية الجمل اللاحقة من القصيدة:

جدتي حذرة، محافظةُ

و لهذا تحاشت الألم

خالتي لم تستطعْ

ففي كلّ مرّةٍ يتراجع فيها البحر يتوارى

واحدُ من أحبائها .

1ـ جدلية الموت والبحر في موضوعة الدوال:

وينبني المعنى في مكونات العلاقة القصدية المتمثلة بجدل ثنائية (الجدة .. الخالة = البحر = الموت) وهذا الارتباط النواتي في محاور النص، يقودنا نحو أسئلة الفارق والمغايرة المتصلتان في مؤشر الاستعارة المتحملة بين صورة المتكلم في النص، وفعالية بؤرة حساسية مسمى (قديستان) وبهذا المعنى يستفيض الفاعل الأول عن الآخر في مساحة أخرى من المحايثة النصية (جدتي حذرة .. محافظة، ولهذا تحاشت الألم) أن الدوال الصفاتية في ملفوظ هذه المفردات من النص، تسعى إلى حركية ما تقترب من حياة التنزه والتطهر والتدين إلى حد ما، فيما تبرز لنا فاعلية الطرف الآخر، وكأنه يمارس حياة عابثة، لكونه بعيدا عن عوامل فعل التقدس أو ما شابه ذلك (خالتي لم تستطع) ويعبر هذا المستوى من حياة دال الخالة عن حالة الشرود والتقادم نحو مساحة الانفصال عن مركزية دال قديسة، توغلا في سياق ذلك المعادل الزمني والثيماتي من التشكل النصي: (ففي كل مرة يتراجع فيها البحر .. يتوارى واحد من أحبائها) هذا المعنى من حسية المعادل النصي، تجعلنا نباشر التوقع بأن البحر ما هو إلا أداة الموت المستعارة في النص، فهو يلتقط الأحباب من ذوي القديسة ـ الخالة ـ لذا فأن بحكم كونها من تعاطى مع مألوفية الموت، تسلم حالها عادة إلى فعل التصديق والدعم لهذه المشيئة الربانية:

مع ذلك فهي لم تعتبر البحر شريراً

بالنسبة إليها: الأمر سواء

حيثما لامس (البحر) اليابسة حلّ العنف.

و من خلال ما يتحدد به المعنى الأخير من النص، تتضح لنا الأبعاد الحجاجية الرافضة قاب قوسين منها، إلى فعل وخلفية الموت، خصوصا وأن مقدمات دلالة هذه الخالة من الهشاشة والخذلان في العلاقة مع معطى القداسة في حقيقتها الروحية . لذا تراها في لحظة مزاولة فقدها لأحبابها من ذويها، تنطلق من فكرة أن الموت بمثابة حالة من الاغتصاب أو جبروت النيل المتمثل بصورة البحر، وهو يقتص من مساحة مثال تربة اليابسة: (حيثما لامس البحر اليابسة حل العنف) .

ـ التواصل الذهني بين وجود الأنا وغياهب الأحوال .

تحملنا دلالات قصيدة (منظر بدائي) للشاعرة ذاتها وللمترجم الصديق عبد الكريم كاصد أيضا، نحو وظيفة خاصة من التواصل الذهني الكامن بين (وجود الأنا) و(غياهب الاحوال) في مواطن حاضرة وغائبة من مساحة الواقع واللاواقع والزمن واللازمن واليقظة أو اللايقظة، امتدادا نحو مشخصات السؤال الوجودي:

تدوسين على أبيك، أمي قالتْ،

و بالفعل فأنا واقفةُ تماماً في منتصف

بقعةِ عشبٍ شُذّبتْ،

قد تكون هي قبر أبي،

مع أنه لا توجد شاهدةٌ تعلن ذلك . / قصيدة: منظر بدائي

الواصف الشعري في المقاطع الأولى من النص، يسهم في تأليف صورة مثقلة بأهداف زمنية ومكانية ودلالية وأحوالية أكثر تساؤلا وبحثا في موجودات الحس الصوري ما بين حال (أنا الفاعل) وبين (مفاصل الفعل) أسنادا إلى جملة المخاطب الإيهامية (تدوسين على أبيك) ثم تليها جملة اللاحق من صوت الأنا نقلا عن ضمير دال الأم (أمي قالت) توكيدا على أن الفاعل في وجوب الصوت المفترض في المخاطبة، هو عائدا إلى صوت الأم ذاته، وفي هذا الحال ما يعنيه الأمر بأن أنا الفاعل، هي متلقية لذلك لنداء المحمول في توليفة السياق الحواري . إذ تبادرنا وبصورة مباشرة صورة جملة (فأنا واقفة تماما في منتصف بقعة عشب شذبت، قد تكون هي قبر أبي) لعلنا نتوقف قليلا في تصور اللحظة العابرة، التي هي عليها حالات الموقف الشعري في القصيدة، لنقول أن الأبعاد الوصفية في محفز هذا الضرب من ضروب المخاطبة بين (الأنا / الآخر) مجرد صورة أحوالية لا أكثر، ولكننا عندما ندقق في جملة (بقعة عشب شذبت) وجملة (قد تكون هي قبر أبي) تتضح لنا دلالة تحول الموقع الصوري، لتدخلنا في جهة قيمة محتملة من موضوعة الفاعل المشار إليه . ويتم ذلك في ظل من الوسيلة الاقناعية والترابطية مع محور موجهات الفاعل المنفذ (مع أنه لا توجد شاهدة تعلن ذلك) أن الفعل التأويلي المنصوص عليه في كفاءة مرحلة أدائية هذه الجملة، يقودنا نحو (علاقة موضوعة ـ أنا الفاعل = جهة التحول) وينمو الوازع الأحوالي في مستحدثات المقاطع الأكثر إدهاشا وتأويلا، وذلك عندما يترتب قول الفاعل المنفذ في دائرة زمنية متصلة من حقيقة الاسترجاع ونقل حقيقة العلاقة نحو أصعدة خاصة من الفقدان (الأم / الأب) في الآن نفسه . فيما تتوضح لنا أنقطاعية الأواصر بين مرحلة الأنا والآخر المتمثل بصوت الأم محتملا:

أنت تدوسين على أبيك، ردّدتْ،

بصوتٍ أعلى هذه المرّة، فبدا لي ذلك

غريباً،

منذ أن ماتت هي أيضاً حتى الطبيب

أقرّ بذلك .

1 ـ جهات الفاعل المنفذ وإمكانية مفترض الحال:

قد يلوح بنا هذا الجزء المتوسط من المقاطع الشعرية المعروضة أعلاه، على عملية تحقق الوحدات الدوالية ضمن خلفية (جهات الفاعل المنفذ) في حدود معنى جملة (فبدا لي ذلك .. غريبا) وجملة (منذ أن ماتت هي أيضا) وذلك ما يعزز جملة التوكيد اللاحقة أيضا (الطبيب أقر بذلك) نفهم من وراء هذه الجمل، بأن علاقة الفاعل المنفذ في أحوال المقاطع الشعرية، ما هو إلا موقعا لاستجابة كل هذه الاعتبارات والصور المنصوصة بوسائل غياب الأوضاع الأحوالية الأخرى من عين صفات الملفوظ ذاته، كما وأن من يقدم على هذه الكفاءة في المخاطبة، هو الفاعل المنفذ في النص، كحالة كينونية جامعة لشتى الملفوظات من حقيقة واصلة الفاعل ذاته:

تنحيت ـ قليلاً ـ جانباً، حيث أنتهى

أبي، وبدأتْ أمي .

كانت المقبرة صامتةً، ريحٌ تهب عبر

الأشجار

كدتُ أسمع أصواتاً تبكي بخفوت على

مبعدةِ صفِّ قبورِ

و أبعد منها ثمة كلبٌ ينبح

أخيراً خفتتْ هذه الأصوات .

النص يتناسل عبر وحداته المشهدية، ممتدا نحو الأشارات الوصفية والاستعارية، فيما تبقى العلاقة الرابطة بين أنا الفاعل، وجهات موضوعة الأحوال المشهدية، مهتمة بتكريس حالاتها في توهجات المساحة المكانية المتخيلة والمفترضة، إقترانا بها وبذلك الكم من ميكانيزمات جملة (تنحيت ـ قليلا ـ جانبا، حيث أنتهى أبي، وبدأت أمي) أن مماثلات وظيفة الشاعرة، أدخلتنا في جهات متوارية من دلالة النص، إذ أنها تصوغ من جهة ذلك الفاعل تربة دال (أبي) ثم لاحقا يوافينا ذلك الصوت المتمثل بدال (أمي)، مؤاخما في معنى ما ذلك الحضور في عين تأويل جهات الأفعال؟ ولا ندري ما الأمر؟ أيكون مصدر الفاعل الذاتي مجرد زائر إلى المقبرة وتحديدا إلى قبر الأم وقبر الأب معا، حيث توافق اللازمن واللامكان في وحدات زمن الخطاب؟ أم أن هذا الفاعل مجرد وسيلة من قياس الزمن والمكان والوجود ذاته؟ ما معنى جملة (أصواتا تبكي بخفوت؟) وجملة (خفتت هذه الأصوات؟) ما المقصود من وراء هذه الواجهة الدوالية من التمويه والغموض؟، ربما تستفيد من جهة ما قابلية أنا الفاعل من ممكنات تكييف العلامات والأشارات الزمنية والمكانية اختزالا نحو دلالة المساءلة والقناعة الاستجابية من طرف الواصف ذاته، اقترابا منها نحو محمول السؤال الأحوالي الوحيد:

أختلط الأمر عليّ،

لا أذكر كيف وصلتُ إلى ما يبدو لي الآن

مقبرةً،

مع أنها قد تكون مقبرة في ذهني

حسب،

ربما هي كانت متنزّهاً

و إن لم تكن فهي حديقةٌ أو تعريشةٌ،

معطرةٌ، أدركتُ الآن، بعبق زهورِ ـ

عذوبةُ حياةٍ تملأ الهواء

حلاوةُ حياةٍ، مثلما يقال .

و هذا الأمر في الأوضاع المغايرة الحسية من زمن الدلالة المختلفة، تقودنا تساؤلات الفاعل نحو محتملات من وجوه الذوات المستخلصة في محكي النص؟ أو أنها قد تبدو عبارة عن إسقاطات في اللاشعور الفردي المتجسد في حادثة التضاد (قبر الأب / قبر الأم) إذ أن جهة العلاقة بمدلول تجربة أنا الفاعل، تتعزى بظروف ترابطية غريبة، إلى حد وصولها إلى محددات إيهامية من تشويش الذهن والسؤال (أختلط الأمر علي / لا أذكر كيف وصلت / يبدو لي الآن مقبرة) الأمر على ما يبدو عليه في مقاطع النص، متعلقا بحالات ذاكراتية مسترجعة من جهة عين الفاعل نفسه . وهذا الحال بذاته هو ما يجعلنا نستشف بأن معرفة الفاعل المنفذ، على مقربة ما من أحداث ومواقف مستعادة بذاكرة مضطربة أو مشوشة: (الترابط السياقي: منظر بدائي ـ قبر أبيك = ماتت هي = انتهى أبي = بدأت أمي / العلاقة المكانية: المقبرة صامتة = أسمع أصواتا تبكي / العلامة: كلب ينبح = ريح تهب / استقصاء اعتباري: لا أذكر = مقبرة في ذهني = الفاعل المنفذ) وتترابط مسلمات الحوادث التفاعلية ـ النصية، بما يوفر لنا مساحة الأهمية السيمانطيقية لأدوات الربط الزمني والمكاني والذواتي والسببي، امتدادا نحو البنية الضمنية للفاعل المنفذ: (مع أنها قد تكون مقبرة في ذهني) أن بنية المعادل الحلمية واللاشعورية في هذه الجملة المنتخبة، قد توفر علينا فرصة التعمق في وحدات النص الأولى، ارتباطا مع أبعاد شعرية الذاكرة المتصلة بعاملية الفاعل المنفذ، أي بمعنى ما، من الممكن أن تكون الذات في هذه الجمل من النص، استشرافا على تضاريس حركة استرجاعية، قد تكون بدايتها منذ زمن مخاطب صوت أمها إليها، ثم بعد ذلك تكون حركة الزمن في تنام مطرد، وصولا إلى حادثة تصادف قبرها إلى جوار قبر والدها افتراضا؟ ولكن المشكلة في الأمر، هي ما تحمله الجملة القادمة من النص، التي تخبرنا العكس مما افترضناه جدلا في هذه المساءلة:

في لحظة ما

حدث أن كنتُ وحيدةً .

أين ذهب الآخرون،

أبناء عمي وأختي، كيتلن وأبيغل؟

الآن بدأ الضوء بالشحوب

أين ترى السيارة التي كانت تنتظر

لتقلّنا إلى بيوتنا؟ .

2 ـ حلمية الفضاء ومرايا ذاكرة الحلم:

أن أهم مخصوصيات قصيدة (منظر بدائي)، هي التي تمنحنا مرايا التأويل ومفهوم المؤول في جملة كيفية وسببية مغايرة، فعلى سبيل المثال تخبرنا جملة المفترض الزمني (في لحظة ما) أي بمعنى أن هناك حدود زمنية ومكانية وأحوالية تتعلق بماهية الحدث المسترجع (حدث أن كنت وحيدة) والتفكر بها المستحدث الزماني والمكاني، يطرح أمامنا إمكانية التصور بأن الفاعل قد يبدأ الحديث الآن عن ذاته تحديدا، وبواصلة مشهدية بلاغية منزوعة عن خطية الوصلات الأولى من مقاطع القصيدة: (أين ذهب الآخرون .. أبناء عمي وأختي، كيتلن وأبيغل؟) أن حالات سؤال ومساءلة الفاعل في هذا المقطع لعلها تتوجس دلالة لفظة (الآخرون) بحسية الاستفهام والتقدير الوضعي، وكأنها تحيا في مجال آخر من عالم الواقع، أو أنها في حالة غريبة من الفقد والتفقد (الآن بدأ الضوء بالشحوب .. أين ترى السيارة التي كانت تنتظر لتقلنا إلى بيوتنا؟) المحصلة الأخيرة من ذروة المحتمل، يمكننا فهمها على أن صورة أنا الفاعل، هي من صنع الواقع المتحول في اللاوعي الحلمي لليقظة، أو أنها موجهات شعرية في غاية الابعاد النفسية في تصور الأشياء . لذا فأننا يمكننا وضع ملخصات وجودها في النص ضمن غاية خاصة من شرود الوعي واليقظة عن الفاعل نفسه، ويمكن وضعها أيضا في صورة أنتاج تخييلي للذات في الزمن اللاحاضر تماما:

لا تنسني، صرختُ به، راكضةً،

فوق العديد من القبور، الأمهات، والآباء

لاتنسيني، صرختُ به، وحين وصلت ُ إليه

أخيراً،

قال: سيدتي، مشيراً إلى السكة

مؤكٌد تعرفين أنها النهاية .

3ـ الفاعل الذاتي بين هوام الأرواح والبرزخ الشعري:

من حدود هذا الفرع البحثي، سوف نتعامل مع المقاطع الشعرية المعروضة أعلاه، على أنها وظائف في أقصى غاية الأنموذج الفقداني المتوحد إذ تتجلى لنا جملة (لا تنسني، صرخت به، راكضة لا تنسني صرخت به، وحين وصلت إليه أخيرا) وتقودنا دلالة متاهة الفاعل الذاتي، نحو اليقين بأنه من الأموات أخيرا، مجرد روح بالقرب من جسدها المدفون تحت الثرى في مشهد المقبرة العائلية، حيث تحوم الروح فوق قبور (الأمهات ..الآباء) وربما حتى على قبور أبناء العم والشقيقة لها أيضا، وحتى سائق القطار ذلك، هو بمثابة الروح المكلفة بنقل أرواح الموتى من عالم الدنيا إلى حياة البرزخ . وتبعا لهذا نعاين دلالات القصيدة وهي تتعاطى مع حديث سائق القطار أخيرا معها: (مؤكد تعرفين أنها النهاية) وعلى هذا النحو تتضافر محاور الفاعل الذاتي مع روح سائق القطار، الذي يقوم بإخبار الفاعل في النص، وذلك عندما تبادره جهة الفاعل بالسؤال الختامي من القصيدة:

ألا ترغب في الذهاب إلي البيت

لترى المدينة ثانيةً؟

قال: هذا هو بيتي.

المدينة ـ المدينة هي حيث أختفي .

و إيذانا بنهاية الحكاية الدوالية في القصيدة، تنفرد لنا العلاقة ما بين محاور الأمكنة والأرواح، في لحظات زمنية هي الأكثر مماثلة وتمويه وغموض في الأبعاد الشعرية العميقة .

ـ تعليق القراءة:

في الحقيقة أذهلتنا عوالم قصيدة (قديستان) وسرانية دلالات القصيدة الأخرى (منظر بدائي) وأعتقد أن الأخيرة هي ما تستحق بذاتها جائزة نوبل وحدها .. يمكننا تقييم عوالم الرائعة (لويز غليك) وتحديدا قصيدتها موضع بحثنا الأخير، على أنها ذلك المتخيل المحفوف بأقصى شيفرات المساحة الأبداعية التي قل نظيرها في الشعر الأوربي والأمريكي المترجم .. فعوالم تجربة هذه القصيدة (منظر بدائي) ما هي إلا مرئيات المتخيل الذي يصعب استنطاق دواله ومداليه، اللهم إلا في حدود رؤية تأويلية سيميائية بالغة الموضوعية والإجرائية الكاشفة عن ماهية بنيات الدلالات الشعرية المضمرة بين شفافية الأداة ومؤولات عوالم جوهرية القصد الشعري الرصين .

 

 حيدر عبد الرضا

 

قراءة في بنية التركيب الاستبدالي لنص (صندوق) للكاتبة إيمان الكبيسي

تذكر الأساطير الإغريقية بأن صندوق باندورا  له علاقة بخلق باندورا المرأة الجميلة التي خلقها زيوس بحسب كتاب هسيود (اعمال وايام هسيود)  وقد حمل هذا الصندوق، او الجرة كما يسمونها الاغريق  اصناف الشر في العالم  وكان الهدف هو الانتقام من (برومثيوس) الذي خالف تعاليم  زيوس، والذي يهمنا هو أن باندورا قد فتحت الجرة او الصندوق وهي تخالف زيوس ايضا حيث انطلق منه كل الشر وانتشر في انحاء الارض من كراهية وحسد ومرض وكل شيء لا يعرفه البشر من قبل، ان هذه الاسطورة تحيلنا الى معرفة ما يجري تحت لائحة نص صندوق للكاتبة (ايمان الكبيسي) الذي نشر في مجلة اسف ارت وكذلك  مجلة ضفاف الدولية.

بدءا يمكن ان نفهم مستوى التركيب في النص بعد ان تستمد فيه كل مفردة من تعرفها مع سابقاتها ولاحقاتها، او علاقاتها الحضورية كما يسمونها، بحسب _سعيد عبد الجهاد_ من علم الدلالة الى علم العلامة، اما الاستبدالي فهو يتشكل من العلاقة بين المفردة الموجود على محور التركيب وبين ما تثيره من خزين ذاكري للمفردة،  لذا فان العلاقات هنا علاقات غياب، وقبل ان نتناول علاقة الحضور والغياب في النص  فإننا نعرج على الاسطورة بوصفها قد حددت كل علامات الشر فكانت مدعاة للموبقات كالحقد والكراهية والحسد وغيرها،  من جانب اخر نتساءل ماذا يخبيء لنا صندوق الكبيسي؟ هل يحايث ما موجود في الأسطورة؟ ام ان المعالجة تختلف؟ ام ثمة امل اخر يعاكس السائد في النسق التداولي للنص؟

امتازت صياغة النص بعض الخصائص كالقصر والتكثيف واتساع المعنى والذهاب الى باطن الفكر والتلميح والعلامات  معتمدا على التعاقد والاشارات والإزاحات ... الخ،  ولأجل الاجابة على التساؤلات اعلاه فيمكن القول هنا بأن ثيمة النص تتحدث عن صبي واسكافي بعد ان اودعته امه لدى الاسكافي بحثا عن قوتٍ يومي بعد ان  فقده ابيه، من جانب اخر يحاول الاسكافي تعليم الصبي عدة تعاليم كي يبني شخصيته وفق ما يرتأيه الاسكافي، الا ان الصبي يرفض منذ الوهلة الاولى الاذعان له بعد ذلك تدخل قوة امنية لتمسك الصبي وتحقق معه بعد ذهاب الاسكافي الى الصلاة بوصفها تجارة _ كما يدعي_ لتتحول مجرى الاحداث من خلال التحقيق الذي يجريه الضابط ثم تأتي قوة ملثمة اخرى لتحرر الطفل  ليعود  الاسكافي ليبث تعاليمه من جديد والتي نكتشف فيما بعد بأنها افكار ارهابية تؤدي بالأخير الى ان يتجاوزها  ويتحرر من قيده ليفجر نفسه بين الارهابين من اجل الوطن كما تشير الكاتبة، انما اشرنا اليه انفا هو ظاهر النص في بنياته العامة ولا يدخل ضمن التركيب الذي نبحث عنه في قراءتنا هذه، ولكننا حين نقف على بعض العلامات الشاخصة فأننا سنجدها تستنطق بعض التراكيب حاملة أبعادا تأويلية عميقة، فالصندوق الذي يشتغل عليه الاسكافي  تجاوز  بعده الايقوني الى عدة علامات سنشير لها بعد ان نقرأ بعض التراكيب التي جاءت على لسان الاسكافي (لا تلوث الصندوق بتلك الشعارات) وهو يخاطب الصبي وكذلك (وانت خارج الصندوق لا كرامة لك) ثم اشارة الصبي (هل يحق لنا اختيار الصندوق؟؟) وفيما تقدم  من التراكيب اشارات على ان للصندوق منحى اخر من الدلالات فربما (وطن، تابوت، صندوق اسكافي، مكان الاسرار، السجن ...الخ) ويتوقف ذلك على علاقات الحضور والغياب او سياقات التركيب ما قبل وما بعد، وقد اشارت الكاتبة الى كل تلك الدلالات  بل وتعدت الى ابعد من ذلك:

الصبي /هل احببت هذا الصندوق؟  هل عشقت يوما ؟

الاسكافي // مضى زمن طويل على تلك المشاعر، لكني بالطبع عاشق للحياة.

بمعنى  اننا لا يمكن ان نحدد معنى واحد للعلاقات اللفظية ولا نستدل عليها الا بمعرفة التتابع لها وبيان موضعها في السياق، ثم ان النص وفق هذا المفهوم اخذ مسارات اخرى عبر لغته التي حفلت بالتراكيب الفلسفية نوعا ما من قبيل

الاسكافي // عود ظهرك على الانحناء، وطاطا الهامة والا لن.

الصبي // (مستنكرا) ولدت حرا  وهذه اشارة للمبادئ والى الذي يتمرد ولا يقبل بالانحناء، ثم تنتقل الكاتبة لتحيلنا الى قراءة الراهن عبر اشارات اسقاطية جرت على لسان الاسكافي.

(لا تحدد ذاتك بقيم فارغة فمهما كبرت فستبقى مع الاحذية)  وقد حاولت الكاتبة ان تبعث بعض الرسائل للذين يحاولون ان يعتلوا اماكن لا علاقة لهم بها وليست على  مقاساتهم فأنهم سيبقون او يعودون الى حقيقتهم التي انطلقوا منها، ثم الكاتبة تعطي تصورا خاصا باعتزازها بالماضي الذي مثلته عبر شخصية الصبي ( كنت ذلك الفارس الذي يعتلي صهوة جواده، واليوم انا مجرد حصاة في حذوة ذلك الفرس)  اعتقد ان هذه الجملة من اخطر الجمل التي ارسلتها الكاتبة ضمن خطابها السري وهي إشارات فيها الكثير من الجدل لعلها لا تتخطى عقل القارئ اللبيب، ثم ينتقل الحدث بنا الى اتجاه اخر بدخول القوة الامنية التي اشرنا لها وخلق مشهد التحقيق مع الصبي وجاء بحسب فهمي لتحقيق ثلاثة امور ..الاول/تغيير مسارات الحدث باتجاه تأسيس للمرحلة التالية.

والثاني/ تطوير الحبكة الثانية دراميا وخلق تفاعل اقوى.

ثالثا// توفير عنصر المفاجئة وخلق شبهة في عمل الاسكافي وادخال الصبي هذه الدائرة  دون ان يشعر بها.

وقد كشف هذا المشهد ظاهرة المتاجرة بالممنوع  ولكن لم تشر الكاتبة عن طبيعة الممنوع واكتفت بكلمة مستورد بحسب قول  ضابط التحقيق (تتعامل مع المستورد وهذا ممنوع في مدينتنا) وربما هي اشارة الى الدخلاء والوافدين، سواء كانوا شخوصا او افكارا او حتى أدوات او سلوك.

ومن التراكيب التي نؤشر فيها علاقتي الحضور والغياب واعني حضور النص وغياب المعنى من قبيل قول الضابط (لا شيء دون ثمن، ربما هي من سيحاسب على  الفاتورة_ يستدرك_ هذا ان شاءت وشاء لها لهوى).. وهنا اشارة الى  ام الصبي وما يمكن ان يحصل عليه من المساومة وهذه مواقف حاصله في المجتمع وواقعية سيق بها هنا لتعرية المؤسسات المعنية بهذا الشأن.

يركز ارسطو في نظرته الى التأليف المسرحي الى خيال المؤلف وما يلعبه  في العملية الانتاجية بوصفها عملية ابداعية، وهذا الخيال - بتقديري - وظيفته ربط البنيات المختلفة في النص ومنها التراكيب اللفظية والقدرة الاستبدالية لتحريك النص على وفق مقتضى الحال لحين الوصول الى الخاتمة، عبر امساك العناصر التوليدية له باستخدام عناصر بناء  النص بشكل تفاعلي يثير الدهشة والمعرفة معا، وهذا ما قامت به الكاتبة حين اسست من الصندوق  منظومة علامات قرأت من خلالها الواقع  المتردي وقد قالت كلمتها بدخول القوة الملثمة فهي بدلا من ان تخلصه ارادة زجه في عملية ارهابية  لولا حالة اليقظة التي قامت بها الكاتبة عبر تفعيل شخصية الاسكافي  ليعلن الاخير بان المبادئ/التي تعلمها كانت خاطئة وان منهجية هذه الجماعات  لا اساس/لها من العقيدة الالهية وانا خاتمة أصحابها سيئة لأنها تودي بحياة الكثيرين.

ومما تقدم يمكن ان نوضح بعض المؤشرات على النحو الاتي.

اولا/لا يختلف صندوق باندورا عن صندوق الكبيسي في صفة الشر الا ان الاخيرة حاولت توظيفه لردع الارهاب بكل انواعه.

ثانيا/ استدلال المعنى يتوقف على التراكيب الاستبدالية لجمل النص، فمن خلال التحقق بها من قبيل البعدية والقبلية يمكن ان نصنف العلاقة الناتجة بشكل موضوعي.

ثالثا/قراءة النص العراقي الراهن بكل تداعياته برؤية درامية لافتة للنظر تؤسس الى  نسق جديد في الكتابة  تلك التي يسعى لها مجموعة من الكتاب العراقيين والعرب..

رابعا/اشتبك النص مع بعض المرجعيات وبعض التابوهات وحاول تقويضها عبر تعريتها دون الوقوع في الممنوع  مع ضبط الايقاع.

خامسا/ اشتغلت جميع عناصر النص بلغة مكثفة واختزال بالفعل  مع فتح واسع لبوابات التأويل بعيدا عن السفسطة والترهات.

اخيرا... يقول هيجل (اذا كانت الاداة او الوسيلة التي ننظر خلالها، لها اثر مشوه، فان احدى الطرق للتعرف على العرض الحقيقي للأمور هو اكتشاف طبيعة التشوه  واستبعاد الاختلاف الذي يسببه)، وما قامت به الكبيسي هو قراءة نمط واضح للتشوه الذي اصبح ظاهرة كونية لواقع مليء  بالجدل والمفارقات.

 

بقلم: حيدر جبر الاسدي

 

 

قلولي بن ساعد"جسد الأهزوجة " للشاعرة خيرة بلقصير في أفق النقد الثقافي

فاتحة القراءة لجسد الأهزوجة

تحاول هذه الورقة النقدية الولوج إلى ماوراء الأنساق الثقافية المضمرة في المتن الشعري النسوي لمجموعة شعرية هي (جسد الأهزوجة) للشاعرة الجزائرية خيرة بلقصير.

ليس فقط من خلال الأنساق الداخلية لنصوص (جسد الأهزوجة) وما يتوارى خلفها من إسنادات لغوية ومجازية ومفراداتية بما تحيل إليه من تيمات وموضوعات وموجودات وأشكال رمزية تشكل مجتمعة ما يسميه جيرار جينيت (النص الجامع) .

النص الذي لم يكن في مقدور النص الشعري النسوي السائد أو المتطابق مع الرؤية الذكورية كتابته حتى ولو كتب من طرف إمرأة من عالمنا المعاصر بسبب من غموض الكتابة النسوية ذاتها وحلولها ضمن الرؤية الذكورية على ما يؤكد عليه ناقد مهم هو الدكتور عبد الله إبراهيم عندما نبه إلى عدم الخلط بين كتابة النساء والكتابة والنسوية "عندما تتم بمنأي عن فرضية الرؤية الأنثوية وإعتبار الجسد مكونا ثقافيا " (01) وهو ماكانت الشاعرة خيرة بلقصير واعية به كل الوعي .

فوضعت أمام القارئ نصوصا شعرية جعلت من الجسد والجسد الأنثوي مكونا نصيا وثقافيا تمهيدا منها لجر القارئ نحو (الجسد الجواني) ببعديه الشعري والأنثوي الجسد الذي قال سيغموند فرويد أنه (قارة سوداء) لا أحد يعلم عنه شيئا من الداخل .

خاصة وأن الجسد لم يعد جسدا واحد بل هو جسد متعدد فهو أولا جسد الأنا الشاعرة ثم جسد أنثى أخرى هي الأهزوجة وفي الحالتين نحن أمام جسد تتجلى فيه الأنوثة معلنة عن شجرة إنتسابها الشعري لذاتها الذات التي غيبها نقد ذكوري اتخذ من الأحكام المجانية الأخلاقية والاجتماعية والسياسية مرجعا نقديا .

والأمر لا يقتصر فقط على الخطاب النقدي السياقي أو التقليدي، بل إنه يطال أحيانا بعض سرديات النقد الحداثي وما بعد الحداثي .

الجسد والجسد الثقافي الإشكال والتجلي

في البدء يمكن القول أننا أمام جسد آخر هو الجسد الثقافي تمييزا له عن (الجسد البراني) بمفهوم الدكتور الأخضر بن السائح لكن هذا لا يعني أن هذا الجسد البراني لا يشكل حضورا في مدونة الشاعرة حتى ولوكان حضورا فيزيقيا أو باهتا مختلفا تمام الإختلاف عن الجسد بوصفه نصا أو أفقا شعريا عندما يتعرض على يد الشاعرة لنوع من الشعرنة أو شعرنة الجسد بتعبير عبد الله الغذامي .

هذا ما يجعلني أتعرض لبعض أشكال تجليات الجسد الاخرى عندما تتناص مع الجسد الشعري أو تحاول التمثل أمام قارئ متوجس أو رقيب مشحون (بأفق إنتظار) لموقف جاهز أو معطى سلفا مرجعه الأنساق الثقافية المهيمنة الماضوية أو الأبوية التي نشأ عليها وميزت مساراته في التعامل مع النصوص الأخرى النصوص الخارجة عن (سلطة النموذج) بتعبير الدكتور جاسم عبد جاسم .

فليس المقصود هنا بالطيع الجسد البراني كما جاء في مستهل هذه الدراسة ولسنا نعني أيضا (الجسد المعطوب ) كما وقف عليه الناقد العراقي عبد الله إبراهيم عندما كان بصدد تفكيك (كتابة الجسد) فأتخذ من (الجسد المعطوب) جسد خالد بن طوبال كما يتجلى في رواية أحلام مستعانمي (ذاكرة الجسد) متكأ له بوصفه المعادل الموضوعي (للحداثة المعطوبة) حداثة إنسان الأطراف المقصية من حظوظ المركز بأبلغ ما عبر عنه السوسيولوجي الجزائري عمار بلحسن في بحثه القيم (الحداثة المعطوبة).

ولسنا نعني كذلك الجسد الشهواني أو جسد الرغبة الذي ورد إلينا عبر خطابات الحداثة الغربية المتوحشة والخطاب الإستشراقي الغربي الذي إنشغل بموضعة الذات الأنثوية الشرقية وتسويقها كأحد أشكال الحريم الشرقي المنظور إليه بوصفه حريما مقموعا وأن الفاتحون الغربيون هم الذين جاءوا من أجل تخليصه من هيمنة (الهمج) من الذكور العرب والأفارقة والأسياويين غير المتحضرين ولا حتى الجسد الرقمي " الجسد المنفصل عن الجسد جسد الأشياء أو الحضور الظاهراتي للجسد " (02).

طالما أن " الواجهة الرقمية لا تحرمنا من أجسادنا لكنها تجعلنا نهتم أكثر بالتمثلات التي تقمدمها عن أجسادنا " (03) .

الجسد الذي شيأته العولمة مثلما شيأته قبل ذلك الحضارة الغربية إذ جاز لنا أن نستخدم مصطلح (التشيؤ) الوارد في كتاب المفكر الماركسي جورج لوكاتش (التاريخ والوعي الطبقي) في الفصل الذي سماه (التشيؤ والوعي الطبقي) وتحول الإنسان في ظل الحضارة الغربية المتوحشة إلى مجرد شئ وليس ذاتا لها كينونة عملت لاحقا العولمة الغربية على محو إنسيتها وإستبدال كينونتها بكينونة أخرى هي الكينونة الرقمية .

الكينونة التي ناهضتها المفكرة الأمريكية شيري توركل عندما إعتبرت أن "الحواسيب لا تقدم لنا الأشياء فقط وإنما تجعل منا شيئا ما " (04) .

الأمر الذي حتم على مفكر فرنسي بارز هو ستيفان فيال أن يفتتح كتابه (الكينونة والشاشة كيف يغير الرقمي الإدراك) بما ورد على لسان شري توركل من أن الحواسيب لا تقدم لنا الأشياء فقط وإنما تجعل منا شيئا ما .

الجسد الثقافي الحمولة الثقافية والحمولة الشعرية

عندما يتضمن الجسد والجسد الثقافي حمولة ثقافية تسكن المخيال الثقافي للشاعرة فإن هذه الحمولة تنبثق من الذات الحاملة لها  حمولة أخرى هي الحمولة الشعرية التي تكتنف أعماق النصوص ضمن المواد الثقافية الثاوية داخل الكينونة الشعرية بالمعنى الهايدغري و كما تتجلى عبر نصوص المجموعة الشعرية (أهزوجة الجسد) على إختلاف مضامين النصوص وتيماتها وهي المضامين التي لا تنفصل تمام الإنفضال عن " بويطيقا الأنوثة " بوصفه بويطيقا الأنوثة " شكلا تخصيصيا للكتابة الإبداعية النسوية للإقرار بتملكها لمخيالية مستقلة " (05) .

البويطيقا التي تتناص مع بويطيقا الثقافة كما ترسبت في مخيال الشاعرة كذات ثقافية و أنثوية وقع عليها فعل الإقصاء ولا عحب إذ لجأت الشاعرة خيرة بلقصير إلى تأنيث نصية عنوان مجموعتها الشعرية (جسد الأهزوجة) بوصفها (العتبة النصية) بمفهوم جيرار جينيت الحاملة لنصوصها الشعرية .

فالجسد هو جسد الأنثى والأنا الناثرة لهذا الجسد الشعري هي أنثى ثم هناك أنثى أخرى وهي الأهزوجة ضمن جنس أدبي هو القصيدة النثرية بمواضعاتها التجنيسية الخارجة عن المعيار الثقافي لقصيدة الفحولة الشعرية كقصيدة تحاكي (إرادة القوة) بالمفهوم النيتشوي وهذا لا يعني بالطبع إستقلالية الجسد والجسد الأنثوي على وجه الخصوص على الواقع البراني فالجسد أي جسد كان " ليس ملكية خاصة فمهما حاول الإنفلات من قبضة الآخرين فإن الطقس الإجتماعي يعمل على على تلجيمه وتعويمه بما تقتضيه أفعال التنشئة الإجتماعية ومفعولاتها منذ المراحل الأولى للطفولة " (06) .

مما يعني في النهاية أن الجسد حتى ولوكان جسد الآخر الذي لا نعرفه حق المعرفة سيتحول مع وعي القارئ أو المتأمل في تضاريس الكتابة الإبداعية التي تتخذ من الجسد متكأ لها إلى "ملكية مشتركة يتقاسمها المخيال الجمعي بما يسبغ عليها من قيم تدخل في صرح المثل الضامنة للتماسك الإجتماعي مهما حاول إحاطتها بمقاومتها الدائمة للظفر بعزلته الأنطولوجية الدافئة " (07) .

مع الأخذ بعين الإعتبار أن المعنى ينصرف هنا إلى الجسد التخييلي بوصفه نصا ثقافيا موضوعا للتحليل الثقافي ضمن فضاء أكبر هو النص بوصف النص " المسكن التخييلي للجسد وفيه يتجسد ويتحقق وجوده المتخيل " (08) .

وفي نصوص (جسد الأهزوجة) لا يتوقف حضور متخيل الجسد على العتبة النصية لعنوان مجموعتها الشعرية (جسد الأهزوجة) بمعناها الفيزيقي فحضور متخيل الجسد يكاد يغطي مساحة واسعة من فضاءات نصوصها والمعجم الثقافي الحامل لها وهو ما يتجلى في إعتراف الشاعرة نفسها أنها " أرهقت أجسادا عارية على بياض يرفض الرقابة والمقص " (09) .

فيما لا يبدوا على الشاعرة أي ميل أو إستعداد للتخلى على إشتراطات (بويطيقا الأنوثة)

عندما تستدعي إلى نصها  إحدى رائدات النسوية الغربية وهي فرجيينا وولف في نص يحمل الإسم ذاته (فرجيينا وولف) وهي توشوش في مسمعها :

أغرقي ففي الغرق متعة لا يعرفها إلا أولو التبصر / ضعي حجرا في ميزان العشق وأقسطي في الذوبان (10) .

ثم تجر معها عددا من الأسئلة المبحوحة الحاملة لمفردات الدفء والبوح والظلمة والثدي والضرع والسوسنة والشمس والبنفسح وهي كلها صيغ لغوية تشكل معجما لغويا يستقي دلالاته من جراحات الذات الأنثوية وأوجاعها الأوجاع التي تنكرت لها نصوص (التمثيل الثقافي للجسد) المكتوبة من طرف الآخر الذكر  الذي تجرأ على الإحتفاظ بكتابة تاريخ واحد للجسد هو من وجهة نظر ثقافة النظام الشعري العربي الذكوري " ثقافة واحدة تتجرأ مع ذلك على تقديم النسخة الصحيحة والوحيدة للتاريخ " (11) .

التاريخ الذي كان يريده تاريخ التمثيل للرغبة وللجسد الأنثوي الشهواني كنوع من المركزية الذكورية الموروثة من الحقبة الإستعمارية عن مركزية الإستشراق الغربي في التعامل رمزيا ودلاليا مع تضاريس الجسد الأنثوي الشرقي جسد الحريم أو (الجسد الطيع) بمفهوم فوكو القابل لعنف الرغبة بوصف الأنوثة صفحة بيضاء على ما نرى ذلك عند عبد الله الغذامي في تعريته لثنائية المرأة واللغة والتمثيلات اللغوية التي رسختها الثقافتين العربية والغربية وكرستها كأمر واقع حتى " صارت الصفحة البيضاء ذاتها مصدرا لنقل الرسالة ثم جرى تثبيتها " (12) .

وهو تثبيت لم يكن في إستطاعة الشاعرة التصدي له وحدها أو ممارسة نوع من المحو أو (المحو الممنهج) بتعبير بختي بن عودة وأقصى ما فعلته الشاعرة هو أنها عمدت إلى التخفيف من وطء الذكورة على متخيل الجسد المؤنث فأتخذت من الأثر الدلالي لصوت الأهزوجة مثالا ثقافيا لها كنوع من (الكتابة بالرد) وفقا لشكل من أشكال المقاربة النقدية للنقد ما بعد الكولونيالي وهي لم تستكمل بعد شحن وعي القارئ بما تشكل في مخيالها الثقافي من فائض شعريتها والتعبير عنها وعن ذاتها التواقة إلى التحرر من التمثيل الثقافي (لجسد الأهزوجة).

النوسطالجيا الثقافية والمكان الشعري وشعرية الثقافة

يلاحظ القارئ (لجسد الأهزوجة) والنصوص الحاملة لها أن هناك نوعا من القرب الأنطولوجي مابين الأنوثة والمكان والجسد والأرض الأرض التي وقع عليها فعل العدوان الذي يجد تجذره الإبستمولوجي في ما أصبح يسمى في الدراسات الثقافية بالإيكولوجيا النسوية وبإعتبار الجسد (مفعول المرأة) مثلما تقول كريستيفا ولهذا المفعول " وظيفة أمومية ما قبل أوديبية تستعاد في الفعل الجمالي الإستطيقي " (13) .

وبإعتبار المكان الذي تحن إليه الشاعرة ووتفرد له عددا مهما من نصوص مجموعتها الشعرية (جسد الأهزوجة) هو مكان ثقافي وليس المكان الفيزيائي في بعده البراني .

ولكن هذا المكان (وهران) قد جرى عزله عن ذاته الذات الأنثوية الناثرة (لخطاب الشعرنة) بمفهوم الغذامي لظلال المكان الثقافي الذي غادرته تحت سيطرة ظروف قاهرة أجبرتها على النأي عنه للأقامة في بلد عربي هو الأردن .

علما أن الشاعرة عندما تحن إلى وهران فهي لا تحن إلى وهران الكولونيالية ولا إلى وهران المدينة الكوسموبولتية كما يفعل علماء الأثنولوجيا الكولونيالية الذين نشأوا وتشكل مخيالهم الكولونيالي في (الجزائر الفرنسية) .

وفق تصور ريناتو روزالدوا الذي ينقل عنه الباحث الجزائري توفيق شابو قوله " أن المجتمعات الإستعمارية البيضاء تظهر مزينة ومنظمة فتلميحات من هذه المجتمعات تصور أنهم لا يخلقون أي سخط أخلاقي مما يعكس مزاج الحنين إلى الماضي في صورة أن الهيمنة العنصرية بريئة ونقية " (14)

بل تحن إلى وهران أخرى هي وهران الثقافية التي تفتقت موهبتها الشعرية فيها وبين أجواءها الثقافية منذ أن كانت طالبة بقسم اللغة العربية وآدابها بجامعة السانية بوهران وهاهي تستعيد وهرانها التي تركتها وراءها عندما غادرتها قبل سنوات دون أن تنجح في نسيانها أو تتخلى عن نص المكان الذي يستوطن مخيالها الثقافي المخيال الجسدي لنص المكان بوصف الشعر كما الفلسفة (سياسة مكان) بتعبير المفكر التونسي فتحي المسكيني وهذه السياسة يقول المسكيني " لا يمكن لأي دولة أن تؤقلمها في المعنى الذي إفترعه دولوز " (15) المعنى الذي يمكن العثور في قول شهير لأدونيس بأن (المكان جرة الأنوثة)

فهل كان للمنفى دور في إنتاج هذه النصوص الشعرية نصوص النوسطالجيا الثقافية كما تتبدى لنا من خلال عتباتها النصية (وهران شوق ومسغبة –وهران كامو تدير ظهرها لي – بلبل في الأعالي حسني) وغيرها ... ؟ .

لا أجيب بالنفي ولا أجيب (بنعم) لكون منطق النقد الثقافي الذي نعتمده في هذه المعالجة النقدية ليس من أولوياته الإنحياز إلى روح العقل الوثوقي الذي يعتقد أنه يملك الإجابات القطعية في مسائل نقدية تتطلب الكثير من النسبية والإختلاف .

وعندما يتعلق الأمر بنصوص المنفى والنصوص النسوية على وجه الخصوص المنفية من دائرة التداول النقدي الذكوري فإن الأمر يطرح إشكالية مضاعفة وهو ما يتجلى نصيا في عنوان نص من نصوص المجموعة الشعرية (جسد الأهزوجة) .

النص الحامل لعتبة نصية هي (وهران كامو تدير ظهرها لي) رغم أن الأمر يتعلق بذات ثقافية أو (شخصية مفهومية) بتعبير دولوز وهي ذات تجمع بين الغيرية والهجنة بوصف هذا الأخير كامو هو في النهاية شخصية مركبة من ذاتين الذات الغيرية والذات العصية على الإنتماء وهي نتاج فعل الهجنة والشاعرة عندما تعبر في نصها (وهران كامو تدير ظهرها لي) عن حنينها الباذخ لأرض المنشأ فهي تتخذ من ليل وهران البعيد منصة للبكاء والنحيب ولا عزاء لها سوى إستعادة أصوات حسني وخالد لتبرأ من وهران العلة التي تخرب عنها أنسها البعيد بقهوة عواد أو التسكع في مرشي ميشلي .

هذه وهران كامو التي تدير ظهرها للشاعرة وهي وهران أخرى غير التي عرفتها الشاعرة وهران مرشي مرشي وسنتا كروز وصخرة العجوز وهران (الألبوم الكونيالي) أو وهران كامو كما عبر عنها الناقد الجزائري الدكتور رابحي عبد القادر وهو يعني الألبوم الكامن في " ما كتبه كامو عن وهران لإجل إستدعاء وهران الماضي " (16) .

وحتى عندما تعثر على وهرانها التي خبأ مفاتيحها الجني المارد تحت قدمي الإله كما تقول وتحاول إستعادتها فهي لا تتردد في مناجاة وهرانها بتلك اللغة الشعرية الحنينية الطافحة بأوجاع أنثى مجروحة تريد أن " تستريح على أهبة من ضباب القلق لترى سموم الروح تخرج سربا سربا " (17)

طالبة من (هيدور) أن يربت على كتف البحر وهي لا تفتأ إستحضار أصوات وهران التي ألفتها .

ففي مقابل المنظورية التي عبر عنها الدكتور رابحي عبد القادر في (الألبوم الكولونيالي والحنينية الجديدة) تميط الشاعرة خيرة بلقصير اللثام عن ألبومية أخرى هي ألبومية وهران ما بعد الكولونيالية وهران بختي بن عودة وعلولة عبد القادر ومحمود بوزيد وأحمد وهبي وأمين الزاوي ومحمد بن زيان وحسني وخالد وغيرهم في قراءة شعرية هي أشبه (بالقراءة الطباقية) التي قدمها إدوارد سعيد في كتابه (الثقافة والإمبريالية) عندما كان بصدد وضع الرواية الغربية رواية الأمبريالية الثقافية المسكونة بسياسة الحذف الإجتماعي مثلما يقول هومي بابا للآخر الغيري أمام رواية أخرى هي رواية الأطراف المسكوت عنها في الخطاب النقدي الغربي خطاب المركزية الغربية فتحضر في متن الشاعرة شعرية أخرى هي الشعرية الثقافية كما تتجلى في ذلك المذهب النقدي من مذاهب النقد الثقافي الذي أسس له الناقد الأمريكي ستيفن غرينبلات في جامعة بريكلي بالولايات المتحدة الأمريكية وأطلق عليه مسمى الشعرية الثقافية الرامية إلى إعتبار الأثر الفني " نتاج تفاوض بين مبدع وطبقة من المبدعين مجهزين بذخيرة أعراف مركبة ومشتركة جماعيا ومؤسسات المجتمع وممارساته لتبادل ذي معنى لا يتضمن الإمتلاك ولكن التبادل " (18) .

التفاوض الذي قاد الشاعرة خيرة بلقصير إلى إمتحان قدرتها التفاوضية على مضاعفة منسوب النزق لديها وهي تقاوم إكراهات اللغو الأدبي والنصوص الهشة والفراغ الثقافي والنباح الشعري وبرجوازية البياض وإستعراض عضلات اللغة وغيرها من أفانين الدرس الثقافي الأسلوبي الإستعراض المناوئ للشعر المؤنسن الذي تقدمة الشاعرة كنوع من الشعرية المضادة لتجارب الهيمنة باللغة غير عابئة بثقل الإسم أو (إمضاء الإسم) فيما النص فهو :

"مجرد إعتذار للحياة يخدش اللحظة بحياء القلم " (19)

وهي في عزلتها البعيدة بمدينة أربد الأردنية في زمن جديد هو الزمن الكوروني الزمن الذي فرض عليها مقاومة مزدوجة المقاومة الأولى:

هي مقاومة رهاب جائحة كورونا وإنعكاساتها النفسية على ذات الشاعرة وهو الذي أثمر (إنتاجية نصية) بمفهوم كريستيفا تمثل في إحدى قصائد المجموعة الشعرية (جسد الأهزوجة) وهي (هكذا تحدثت الكورونا / مائة عام من الحجر) في تناص على مستوى العتبة النصية / العنوان مع عنوان لرواية شهيرة هي رواية (مائة عام من العزلة) للروائي الكولومبي غابريال غارسيا ماركيز في مواجهة صريحة هي مواجهة القارئ الذي سيضع على محك التساؤل النقدي نصها الشعري ضمن أفق للتلقي النقدي بما يتناغم مع ما يسمى بنصوص الحجر والعزلة النصوص التي تحكمها آفاق ما بعد كورونا (كمفصلية ثقافية للذات العربية) المفصلية التي حدد أطرها الناظمة باحث مصري هو الدكتور حاتم الجوهري في دراسة راهنة له تتخذ من مضاعفات كورونا / التي أربكت العقل الأوربي ومعه العقل الأمريكي وجعلته عاجزا أمام رعب الجائحة وتناسل تداعياتها النفسية على الذات الغربية المفكرة الذات التي جرى تقديسها من طرف الذوات الأخرى المسيطر عليها في العالم الثالث العالم المستهلك لمنتجاتها العلمية والطبية مثالا لها .

هذا ما جعل الدكتور حاتم الجوهري يؤشر لإنبثاق مفصلية ثقافية للذات العربية في مرحلة ما بعد المسألة الأوربية " كمفصلية ثقافية جديدة تثور على المفصلية الأوربية وتسعى إلى إزاحتها من المقدس التي رفعها البعض إليه " (20) .

ودليله في ذلك " أفول النموذج الغربي وتراجع متلازماته الثقافية في المتن والهامش بما سيمكن الذات العربية من لعب دور في ظهور مفصلية ثقافية إلى جانب النمط الحضاري والتجاري للصين التي شنت عليها أمريكا حربا تجارية تصاعدت في ظل الجائحة " (21) .

غير أن خيرة بلقصير وحتى وهي في عزلتها البعيدة في أربد توثق لنص (محنة الجائحة) في نص العزلة بما يعني مقاومة الآثار النفسية والشعورية لذاتها الذات الشعرية القادرة على تجاوز رعب اللحظة في ظل تفشي الوباء وباء كورونا في محيطها الإجتماعي بأربد فهي تخترع لحظة أخرى هي اللحظة الإبداعية كلحظة مفصلية تعبر عن مفصلية أخرى هي المفصلية الشعرية المفصلية الكامنة في كتابة نص شعري يجمع بين معطيين المعطى الأول :

هو المعطى المتعلق بنص العزلة والعزلة عموما هي خيار الكاتب والميدع عندما يكون بعيدا عن ضجيج العالم .

فيما المعطى الثاني : فهو المعطى المتعلق بأنسنة النص الشعري الأنسنة القائمة في بعد الشاعرة عن مرايا اللغة والجماليات المتجاهلة للوجع الإنساني المعبر عنها بلغة الناقد العراقي فوزي كريم (بمرايا الحداثة الخادعة) الأنسنة التي قادت خيرة بلقصير لتقديم نصوص هي نصوص الشعرية الثقافية لتقاوم فضائع الأمبريالية الطبية العائدة ككمامة ليعود أمد الخرسان أكثر وهي ترى أن ذمم البياض ستباع أكثر فلا " الثلج ولا الأكفان ستصحح نوايا تجار الظلام والإنسانية " (22)

فيما المقاومة الثانية: فهي مقاومة النفي والبعد عن مرابع طفولتها وعن المكان الثقافي الذي تركته هناك في وهران وهران ما بعد كامو والوجود الإستعماري مع العلم أن الشاعرة خيرة بلقصير عندما تميط اللثام عن ألبومية أخرى هي ألبومية وهران ما بعد الكولونيالية وهران بختي بن عودة وعلولة عبد القادر ومحمود بوزيد وحسني وخالد وعبد الله الهامل وغيرهم كسردية مضادة للسردية الكولونيالية التي تحدث عنها الشاعر والأكاديمي الدكتور رابحي عبد القادر في (الألبوم الكولونيالي والحنينية الجديدة) فهي لا تتعامل مع الإسم المفهومي لكامو كروائي إشكالي إرتبط في وهران بنوع من الحنيننية أو النوسطالجيا الكولونيالية تعاملا هو أشبه (بشيطنة الآخر) على الرغم من أنها تعبر في منجزها الشعري عن رفضها لماضي وهران الإستعماري أي " تحويل الآخر إلى رمز للشر المطلق " (23)

إذ تشيد ببعض نصوصه خاصة نص (الطاعون) الطاعون الذي ترى أنه مكنى بالمكان الخطأ ولا تترد في إختبار قدرتها التفاوضية لإستجلاء شعرية أخرى هي شعرية المثاقفة فيحضر في نصها الشعري إستدعاء للآخر ممثلا في الإسم المفهومي لرموز ثقافية غيرية بوصفها (ذواتا عالمة) بمفهوم محمد عابد الجابري أو(شخصيات مفهومية) بحسب المعنى الذي يعطيه الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز للذوات الثقافية والفكرية عندما تحضر داخل نص إبداعي أو فلسفي على غرار كامو وأرسطو وفرجيينا وولف ورامبو ولوركا وغيرهم وجها لوجه أمام (شحصيات مفهومية) أخرى تنتمي إلى وهران ما بعد الكولونيالية وهران رنين الحداثة اليافعة لبختي بن عودة وهو يمسح أزيز المرجاجو باليقين وهران المضمخة بعطر عبد القادر علولة وعواء الركح بأجواده الغائبين وهران محمود أبوزيد وهو يجفف عتبات المبنى العظيم كلما غادره عاشق مهزوم وهران عبد الله الهامل الصعلوك الغامض التواشيح وهران البحة في حنجرة أحمد وهبي سائلة عن حال الأحبة هناك وعن حال قبة سيدي الهواري وحال لالة مريم في أعالي الصمت الصمت الذي كلفها كثيرا قبل أن تعثر على ضالتها لدى النفري وهو يوصيها :

" خذي مني لساني السليط وطواسين الحلاج "

ما بعد القصيدة / وصية الشاعرة

لا أدري إن كانت الشاعرة منفتحة بما يكفي كقارئة على بعض أنساق خطاب البعديات والمشروعات النقدية المنبثقة منها مع أني لا أعتبرها ضرورية وليس شرطا أن يكون الشاعر قارئا للفلسفة وللفكر المعاصر ولا يمكن التعامل مع صفة المابعد بنوع من المعيارية أو الميكانيكية المرحلية كما يتجلى ذلك في عدد من المعالجات النقدية المتسرعة فالمابعد تشكل " معقولية ما يعلن التحول عنها وعن مشروعية القول في المابعد " (24)

ولا أطرح مابعد القصيدة كمفهوم يحيل إلى مذهب ما بعد القصيدة كما تكرس في سرديات النقد ما بعد الحداثي لشعريات ما بعد القصيدة التي ضاقت بها القصيدة ولم تعد قادرة على لملمة " تبعات الولادة وأول ما يواجه المولود أو المنجز التجريبي المتمرد على سلطة النظم الشعرية وأعرافها المتأصلة في أعماق الوعي الشعري العربي (25) .

ولا يحيل المفهوم ما بعد القصيدة أيضا إلى تيار ما بعد القصيدة النثر على إعتبار أن المنجز الشعري لخيرة بلقصير من خلال (جسد الأهزوجة) يرتبط بمواضعات القصيدة النثرية على صعيدي الشكل والبناء كما أسس له نقديا وتنظيريا نافد مهم هو الناقد المصري سيد عبد الله السيسي عبر كتابه (مابعد قصيدة النثر نحو خطاب جديد للشعرية العربية) رابطا فيه بين مفهوم الجمهور ومفهوم الشعر والجمهور الذي يعنيه هو الجمهور الشبكي الذي أفرزته الثقافة الرقمية في عصر ما بعد الحداثة الشعرية وفي نظره " أن ما يعتبره الجمهور الشبكي شعرا لا يتطابق بالضرورة مع مفهوم قصيدة النثر كما تطرحه المؤسسة النقدية الأكاديمية " (26) .

ويعلل ذلك بأن " الشعر الأكثر تداولا يجيئ معظمه من خارج الخريطة التي رسمت حدودها المؤسسة النقدية والأكاديمية " (27) داعيا إلى تجديد الخطاب النقدي في أفق ما بعد قصيدة النثر .

بقدر ما أريد أن أنبه بان الوصية الواردة في نصها الشعري (كامو وهران تدير ظهرها لي) يمكن أن تقرأ منفصلة عن القصيدة الواردة فيها بإعتبارها نصا آخر يمثل مفصلية أخرى هي مفصلية ما يعد القصيدة كوصية آخيرة يمكن الإشتغال عليها في نص قادم أكثر حجما وعمقا وأكثر سعة من حيث الفضاء الشعري الحامل لنص الوصية بوصفه نص مابعد (جسد الأهزوجة) وقد تجيء على هيئة سيرة شعرية أو سيرة روائية مع العلم الشاعرة نفسها تعلن أنها تؤجل بكاءها عن وهران وتؤجل عذب النحيب بما يعني أن في الأفق شيئا لم يقل أو أن القصيدة لم تسعه وبهذا المعنى تتوسل خيرة بلقصير بالوصية كرغبة اخيرة من وهرانها .

" وهران أوصيك بجثماني خيرا إن تعذر اللقاء / أوصيك بأن لا تذهبي خسارة كما قالت الأغنيات / أوصيك بالوهرانيين الرابضين في مدخل الآه وبحنجرة أحمد وهبي / أوصيك بالنعوش التي تصلك من الإغتراب وقلبي وهو يشحذ ما تبقى من أنفاسي " (28) .

 

قلولي بن ساعد - كاتب وناقد / الجزائر

.................

إحالات

01) السرد النسوي الثقافة الأبوية الهوية الأنثوية والجسد – عبد الله إبراهيم ص 05 المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت الطبعة الأولى 2011

02) الكينونة والشاشة كيف يغير الرقمي الإدراك - ستيفان فيال ص 221 ترجمة إدريس كثير – هيئة البحرين للثقافة والآثار المنامة الطبعة الأولى 2018

03) نفس المصدر ص 220

04) نفس المصدر ص 07

05) سادنات القمر سردانية النص الشعري الأنثوي – محمد العباس ص 57 / 58 دار الإنتشار العربي – الطبعة الأولى بيروت 2003

06) مقدمة في سوسيولوجيا الجسد تقاطع الثقافات وتنازع الهويات – محمد الحامدي مجلة إضافات / المجلة العربية لعلم الإجتماع ص 112 العدد 40 أكتوبر 2017 / منشورات مركز دراسات الوحدة العربية

07) نفس المصدر ص 112

08) النص والجسد والتأويل – فريد الزاهي – ص 25 دار إفريقيا الشرق الدار البيضاء 2003

09) جسد الأهزوجة – خيرة بلقصير ص 05 مؤسسة أبجد للترجمة والنشر والتوزيع محافظة بابل العراق – الطبعة الأولى 2020

10) نفس المصدر ص 117

11) التاريخانية الجديدة والنقد الثقافي لويس تايسن – ترجمة لحسن أحمامة ضمن كتاب التاريخانية الجديدة والأدب المكز الثقافي للكتاب الدار البيضاء 2018 ص 143

12) ثقافة الوهم مقاربات حول المرأة والجسد واللغة - عبد الله محمد الغذامي ص 72 المركزالثقافي العربي بيروت / الدار البيضاء الطبعة الثانية 2000

13) نساء يصيغة المفرد - جوليا كريستيفا - ترجمة فؤاد أعراب - مؤسسة مؤمنون بلا حدود قسم الفلسفة والعلوم الإنسانية 18 يوليو 2018 ص 10

14) النوسطالجيا الكولونيالية وأعطاب الذاكرة في رواية "فضل الليل على النهار" توفيق شابو – مجلة اللغة الوظيفية العدد 02 المجلد 05 ص 41/ 42 / جامعة حسيبة بن بوعلي الشلف / الجزائر

15) الهجرة إلى الإنسانية – فتحي المسكيني ص 15 منشورات ضفاف ودار الأمان ومنشورات الإختلاف الجزائر / الرباط / بيروت الطبعة الأولى 2016

16) الألبوم الكولونيالي والحنينية الجديدة – عبد القادر رابحي جريدة النصر الجزائرية 29 / 09 / 2020

17) جسد الأهزوجة ص 36

18) نحو شعرية للثقافة – ستيفن غرينبلات – ص 40 ضمن كتاب التاريخانية الجديدة والأدب ترجمة لحسن حمامة المركز الثقافي للكتاب الدار البيضاء الطبعة الأولى 2018

19) جسد الأهزوجة ص 06

20) ما بعد المسألة الأوربية كورونا كمفصلية ثقافية للذات العربية – حاتم الجوهري المجلة العربية للثقافة العدد 26 تونس 2020 ص 186

21) نفس المصدر ص 187

22) جسد الأهزوجة ص 124

23) المختلف والمؤتلف تمثيلات المركز الغربي والهامش العربي وشيطنة الآخر خلدون الشمعة ص 254 دار المتوسط ميلانو إيطاليا 2019

24) ما بعد الإنسان – عائشة الحضيري ضمن كتاب جماعي خطاب الما بعد في إستنفاذ أو تعديل المشروعات الفلسفية ص 25 إعداد الرابطة العربية الأكاديمية للفلسفة منشورات ضفاف والإختلاف ودار الأمان الجزائر والرباط وبيروت الطبعة الأولى 2018

25) شعرية ما بعد القصيدة بين إشكالية التسمية وإشكالية القراءة زهيرة بولفوس مجلة علوم اللغة العربية وآدابها جامعة الوادي ص 40/ 41 العدد الخامس 2013

26) مابعد قصيدة النثر نحو خطاب جديد للشعرية العربية سيد عبد الله السيسي ص 273 المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت الطبعة الأولى 2016

27) نفس المصدر ص 273

28) جسد الأهزوجة ص 41

 

 

 

 

حيدر عبدالرضاوقفة مبحثية مع نص (أخوات الشمس الوحيدات) نموذجا

الحياة الشخوصية في غرفة الإنعاش المدلولي

الفصل الثالث ـ المبحث (3)


توطئة:

يدخل الزمن في بنية نص (أخوات الشمس الوحيدات) ضمن واصلة إطارية خاصة من دلالة عوالم المتخيل المعادل في وظيفة أحداث وأنساق دلالات معالجة ترتبط بعالم الواقعة المعاشة بدرجة أو بأخرى من صورة الموقع الإيهامي الدال في بنية شخوص النص النسائية. فالزمن الطبيعي في هذا النص هو خطي متواصل يسير جنبا إلى جنب بموجب علاقات مطردة كونتها العناصر الشخوصية الثلاثية وعلاقاتها مع دليل أشعة الشمس وفلكها ـ تطهرا من خلجات وشوائب الفراغ العاطفي والجفاف الروحي، ابتعادا عن خيبات الأزمات الوجدانية التي تتعرض لها مراحل النساء العمرية والدلالية في مملكة مدن الشمس .

ـ زمن السرد المحدد أو اللامحدد .

يشكل الزمن السردي في وحدات رواية النص للطفية الدليمي، ذلك العنصر الذي من شأنه خلق ذلك المستوى المترشح عن مستوى التشكيل الزمني المنقسم على ذاته وفي ذاته، حيث طول السرد وقصره الشكلي والمضموني، ومن هنا يمكننا القول أن مستهل حكاية رواية النص بدت ضمن زمن الحدث المحدد أو اللامحدد الذي يستغرقه مستوى عرض المواقف والوقائع الكيفية في أول وهلة من النص: (قبل عام وفي مناسبة لا أتذكرها، أطلقت علينا أحدى الصديقات تظرفا ـ أسم أخوات الشمس، فشاعت التسمية بين معارفنا واعتبرناها أول الأمر إطراء لخصالنا واعترافا منهم بتمييزنا، وظلت التسمية الطريفة ـ التي تشبثنا بها ـ مثار اعتزازنا وتندرنا . / ص113) أن العناية من السارد المشارك بتحديد زمن حكاية التسمية، جاءت بمثابة الحلقة الترتيبية الزمنية إلى وحدات الزمن الاستدلالي الكلي القائم على رؤية منظور هذا الفعل من ناحية حكاية وعلاقة دوال (أخوات الشمس الوحيدات) حيث ينظر إلى اللاحق من السرد بكيفية تتابعية خاصة لمظهر حكاية ثرث نساء وحيدات إزاء طموحاتهن وأحلامهن الخائبات: (أكتشفنا أن الأمنيات تساقطت تباعا، وتلاشت، وأبقت لنا مزيدا من الأسرار الحزينة والأسى الموجع . / ص113 . ص114) فيما ظلت دلالات الزمن اللامحدد في طيات الأحداث، مرورا استباقيا على مؤشرات وقائع سردية ذات مساحة متفرقة ومتشظية من منظور العلاقة السردية، وبدلا من عرضها تمفصلا، أتخذت الساردة المشاركة الحكي في زمام اللحظة الزمنية اللامحددة في مرور قنوات الأزمنة المتفرقة: (رحل الجميع عن البيت، رحل والدنا ولحقت به أمنا بعد عام ونصف العام، وما لبث شقيقاي أن تزوجا ثم خطفتهما الزوجتان ومباهج وأعباء الزواج منا / وبقينا أنا وأختي سلمى مع الجدران والنوافذ والشمس . / ص114) .

1ـ الذات الرّاوية بين مأزق الفتور وجذوة أليم العاطفة:

يمكننا ـ في تقديرنا، نظريا وتطبيقيا ـ إدراك مدى إشكالية التعالق والتفاعل ما بين الذات الرّاوية ودينامية حلقات محاور زمن القصة، وصولا منها إلى مراحل الفاصلة بالزمن الداخلي للذات الساردة، اقترانا بذلك الزمن المؤشر على وقائع النص العلائقية، كحقيقة مشخصة في صيغة الأحداث وصوتها، وعلى هذا الأساس وجدنا علاقة الرّاوية المشاركة بأحداث النص، تأخذ بعين الاعتبار لذلك الجانب الآخر من الفترة الفعلية المنتجة في التأخير والتسريع في لحظة تغطية الأحداث الخارجة عن مرجحاتها الزمنية الداخلية للشخصية الواحدة تحديدا: (قالوا لنا: تقيمان في البيت حتى يحدث لكما أحد أمرين: الزواج أو الموت، ثم رحلوا عنا وتركوا لنا ما يصعب اقتسامه من الميراث: الحزن الوحشة ورائحة الألفة القديمة وأصوات الماضي . ص / 114) وتعميقا لهذا النزوع في فتورات المسحة التشاكلية للذات الرّاوية مع قرائن وحشتها العاطفية وبعيدا عن أي علاقة سببية حميمة مع ملامح زمنها الحاضر بمشخصات انفصالها وشقيقتها عن وصايا الأخوة، إذ يشرع الأثنان نحو فتح النوافذ المكانية والزمنية والذاتية ارتباطا مع تموجات زوايا أشعة الشمس حيث الضوء وفك حدود طاقة الذات مع الآخر من جاذبية أسرار الأمكنة وأصداء أصواتها في أرجاء بيت العائلة، والذي غدا مع السرد فضاءات متلاحمة مع خيوط أسطورة بقايا الحلم الأنثوي بالواقع الزمني الجديد من مملكة الشمس: (أخذنا نثرثر لنسمع تردد صدى صوتينا في الفراغ، فكان الصدى يتكاثر لنسمع أصواتا وكلمات لم نقلها قط،أنها أصواتهم تستيقظ في الزوايا ووراء الأبواب وفي طيات الستائر .. كانت ضحكات أخوتي .. وسعال أبي .. وهمسات أمي تجتاح ممرات البيت وتأتي لتحط على يدي كأنها الحمائم الضالة . / ص115) تسعى الكاتبة لطفية إلى معاودة زمن أحداث سرداب الأصوات العائلية في روايتها (سيدات زحل) الأمر ذاته حاضرا في زمن ومشخصات وحدة النساء المعنوية، داخل ذاكرة المكان ومستوى أوليات الخطاب التوليدي في مساحة التخييل الروائي . لذا وجدنا زمن الذاكرة متواشجة بالاسترجاع الملتحم مع حكي المتعدد من حيث التخييل والاحتمال، وسرعان ما يرتد هذا الامتزاج القصدي بين الزمنين والصورتين (الماضوي ـ الحاضري) امتدادا إلى علاقة ذات مؤثرات محورية في شواهد المكان والزمن الاستباقي والاسترجاعي من النص: (قلت لسلمى: هاك بيتا جديدا يليق بامرأتين وحيدتين، وضحكت سلمى وقالت: ـ تغير كل شيء، لن يعرفوا البيت إذا جاؤوا لزيارتنا: ـ سيعرفونه من رائحة العواء الرطب الذي يأتينا من وراء التلال .. ومن ضوء الشمس الذي لا يبرح غرفه حتى المساء . / ص115) .

ـ الصورة الروائية بين معزولية واقع الذات وهيمنة الداخل الشخوصي .

تدور أحداث النص حجرات المنزل وأمكنة ساعات العمل خارج المنزل، حيث لا يفتر نبض الحياة الداخلية للساردة المشاركة إلى جوار شقيقتها سلمى . فكانت هدى ـ السارد المشار ـ تعمل بالمستشفى بصفة طبيبة أو ممرضة، فيما تعمل سلمى في مؤسسة التصاميم الهندسية، إذ كان الاثنتان بعد انتهاء عملهما الرسمي خارج البيت ينشغلان في تدابير بسيطة من أعمال المنزل، أ, تنفرد كل منهما في حجرتها قريبا من أحلامهما المفقودة في واقع الحياة: (كانت الليلة تنذر ببرد شديد لا شيء يدفىء أمسياتنا سوى بعض الكلام، وحتى الكلام صار مملا .. وأحسست أن الستائر ترتعش، لعلها الريح .. أجل أنها الريح . / ص117) وتبلغ ملامح وحشة الحياة إلى مستوى مواقف بدون استجابة حسية من شأنها تبديد رتابة الشعور بهوية تكرار المواقف ذاتها من قبل الشقيقتان، ولكن ما يحدث فجأة في النص، هو دخول حركة محفزة في حياة المنزل، وذلك ما ألفيناه في وصول الشخصية الثالثة أحلام أبنة عمة هدى وسلمى: (وإذا تنتابنا أنا وسلمى حالات كآبة أعتدناها، كنا نفاجأ بصوت أحلام ينطلق بأغنية قديمة فيمنحها عذوبة وحيوية توقظ في أنفسنا أفراحا قديمة منسية . / ص 118).

ـ أهواء وطباع فضاءات النساء الوحيدات .

تسعى الروائية الدليمي في وحدات نصها، إلى فرض تنويعات مختلفة بين طبائع وأهواء وسلوكيات شخوصها النسائية . فعلى سبيل المثال، تصف لنا الشخصية سلمى على أنها الأكثر غورا في تفاصيل الحياة اليومية، لذا فإنها الأكثر توقاً إلى عاطفة الأمومة، بشرط أنها لا تود الانخراط في مسار الحياة الزوجية من أجل فكرة الإنجاب . بالمقابل منها يأتينا شعور الشخصية هدى، هذه المتجولة بأفكارها في رحاب عالم المعرفة الروحانية، ثم سرعان ما تقذف بذاتها فوق وسائد العاطفة الجياشة، علها تجد بذلك ملاذها المنصوص بفكرة الأزلي في كل حالات ومواطن الأشياء . أن الغريب في طباع الشخصية هدى، أنها ميالة في طبيعتها إلى التحول المفاجىء في رغباتها وأحلامها، على العكس من سلمى: (سلمى تغمر كل شيء تمسه يداها بأمومتها بدءا بنا ومرورا بالنباتات وانتهاء بالقطط والعصافير.. وعند ما نضيق بفرط عنايتها بنا ولا ينفع ضيقنا بشيء ولا تتخلى عن استبدادها الأمومي اتجاهنا . / ص120) هكذا تخبرنا رواية النص، عن تفاصيل دقيقة في حيوات النساء الوحيدات ـ أخوات الشمس ـ وبدأ ذلك المشروع في العمل حول علاقة الشمس وتفاصيل أشعتها على سلوك الكائنات الشخوصية في رواية النص .

ـ الحجرة الشمسية وحالات توتر النساء الوحيدات .

تمتاز دلالات رواية نص (أخوات الشمس الوحيدات) على أنها المكون السردي الذي أخذت تبدو من خلاله صورة المرأة الوحيدة، وهي في لبوس العاطفة المعادلة عن ذاتها الموحشة، حتى يتسنى لها أنشاء وسائل بديلة في مسار تعديل وانتشال ذاتها من شرك الوحدة والفاقة العاطفية، وذلك الحلم المكابر في تجاوز مملكة الرجل في ظلال مفتعلة من هستيريا مدلولية واضحة من حياة امرأة وحيدة . وفي تفاصيل من الحكي الروائي، نعاين حجم الممارسة المتخيلة التي قامت بها سلمى وهدى، بأستثناء الشخصية أحلام التي كانت تعشق كتابة الشعر، إلى إنشاء علاقة علاجية مبتكرة بواسطة حجرة زجاجية دوارة، تستقبل انعكاسات أشعة الشمس، فيما تستخدم هذه الاشعاعات في علاج حالات المأزومية النفسية لدى النساء الوحيدات: (يا أخوات الشمس إذا أحبت أي واحدة منا رجلا فلتحتفظ بالأمر سرا ولا تطلعنا على أسمه . / ص123) .

ـ تعليق القراءة:

لعلنا أدركنا من وراء دلالات نص (أخوات الشمس الوحيدات) حجم الحصيلة المأزومة من حيز فضاءات المحاور النسائية في زمن الغرف الرطبة والستائر المرتعشة بفعل تيار الرياح العابثة في ممرات أحلام وأمنيات المرأة الحاضرة الغائبة من جراء زمن قنوطها الموحش في عالم وحدتها الخالية من الأنيس والمؤانسة المتحققة بفعل غياب الرجل المناسب .. لقد حاولت الروائية الدليمي في نصها توصيف حالة من حالات معاناة المرأة التي حاولت تمثيل مشهدها النفسي والعاطفي ضمن مؤهلات وتداعيات ذاكراتية ويومية معاشة تداخلا بين (أنا الراوي)و تلك الحقيقة السير ذاتية المحفوفة بأعلى صياغة الأسلوب التدويني لحكايا امرأة وحيدة .

 

حيدر عبد الرضا

 

منذر الغزاليأولاً - النص

  كهلٌ

مَحتِ الشَّظيَّةُ ذاكرتَه...

خَوى جوفُه؛ قُدَّ قميصُ إنسانيّتِه.

أسعَفَه الشّارعُ بالحكمةِ.

سألْتُه عن عمرِه...

 -أنا منِ التهمتِ الأَرَضَةُ صحيفةَ طفولتِه.

لين الأشعل/تونس

ثانيا - القراءة

رغم أن القصة القصيرة جداً من أحدث الفنون السردية -عند الكتّاب العرب على الأقلّ- فإنها باتت أكثرها انتشاراً وكتابة، ساعد على هذا الانتشار الشبكة العنكبوتية، وحرية النشر وسهولته، إذ لا يكاد يخلو قطر عربي من رابطة للقصة القصيرة جداً على منصة الفيسبوك.

ورغم أنّ النقّاد المؤسسين لهذا الفنّ السردي قد وضعوا لها قواعد وشروطاً، فإنّ القصة القصيرة جداً لا تزال خاضعةً للتجريب، قادرةً على توليد شروطها وأساليبها التي تكتمل بها، لتكون نوعاً كتابياً خليقاً بأن يصبح جنساً مستقلاً له مكانه في ديوان السرد.

ومع اختلاف المسميّات فإنّ الكلّ مجمعون أنّ التكثيف هو أهمّ شروط القصة القصيرة جداً. وبرأيي الشخصي فإنّ التكثيف هو عين القصة القصيرة جداً، وهو مبرر وجودها، فما القصة القصيرة جداً إلا موقفٌ من الحياة أو في الحياة، يكثّفه الكاتب ويركّزه ويطلقه سرداً على شكل قصة قصيرةٍ جداً.

وكي يكون التكثيف ذا جدوى، ولا يزعزع كيان الحكاية، أو يفقدها تماسكها، يستعين الكاتب بعددٍ من التقنيات التي تساعده في اكتناز الدلالات، كالرمز والتناص والحذف... إلخ.

إن الكاتب في لحظة الإبداع يكون في حالة فكرٍ مطلق، وحالما يبدأ بتجسيد هذا الفكر، لغةً، برموزٍ وإشارات ينفجر الإبداع كالبرق يحمل طاقةً هائلة، في وميضٍ خاطف، باهر الضوء، يحدّد، بذاته، اتجاهه و مساره وشكله وطبيعته، بحيث تنثال مساحة الضوء بعد انطلاق شرارة البرق على اتساع الفضاء المتاح أمامه... هذه هي القصة القصيرة جداً، وهذه هي قراءاتها: شرارةٌ مكتنزة بالطاقة،تومض في لحظةٍ قصيرة جداً، يعقبها ضوءٌ ينداح في جميع الفضاءات وبجميع الأطياف. التكثيف إّنما هو اكتناز النص بطاقة دلالية شديدة التركيز، والقارئ حين يفرد هذه الشحنة الدلالية، إنما يرى الانثيال الشاسع الذي يغمره ضوء النص في أفق التأويل.

القراءة الصمّاء أو القراءة في المستوى الأول:

وأقصد بالمستوى الأول، المستوى المنظور، مستوى القراءة المباشرة لمفردات القصة كما وردت على الورق، دون أي انزياح تأويلي.

نص كهل بني على لسان راوٍ  متكلم يحكي قصة طفلٍ أصيب بشظية في حرب من حروبنا التي لا تنتهي، ما أدى إلى فقدانه الذاكرة، وتشرّده في الشوارع التي أرضعته التجربة بسبب غياب الإنسانية من المجتمع، والقفلة تأتي جواباً على سؤال من الراوي تؤكّد شخصية القصة بأن طفولته ضاعت بسبب الحرب التي أفقدتنا ليس فقط حياتنا، لكن إنسانيتنا وتركتنا كائناتٍ مشوّهةً، تلك القفلة التي كشفت مغزى العنوان، فالطفولة في مجتمعات الحروب الدائمة لا مكان لها، الطفل يخلق كهلاً، بلا ذاكرة، مدرسته الشارع، وداخله أجوف.

 هذه القراءة أسميها قراءةً صمّاء، لأنها لا تسمع أيّ صوتٍ آخر سوى الصوت الذي تنطق به لغة النص حرفياً، فالنصّ، بالنسبة للقارئ، يكون أصمّ، كالصخرة الصلدة، لا يُرى منها إلا قشرتها.

 وهذا النص، حتى في هذا المستوى من القراءة، هو نصّ جميل حقق الإمتاع بالتكثيف، والقفلة البلاغية المنفتحة، والعنوان الساخر الجاذب المشوّق، ويسجّل موقفا للكاتبة من خلال إنسانية الموضوع وانحيازها المبطّن إلى شخصيّة النص، التي تمثّل الإنسان المقهور، الضحية الدائمة لحروب الكبار.

القراءة في الدرجة صفر

 الكاتب، حين يضع نصاً، لا يقرر كيف سيكون شكل نصّه، لأن الإبداع ليس قراراً إرادياً، إنما هو حالة إشراق لا واعية. والكاتب، في لحظة الإشراق الإبداعي، يكون في تماهٍ تامٍ مع الفكرة، أشبه بالغيبوبة، أو السكر الصوفي، يصبح كلّه فكرة.

وحين يتحول هذا اللاوعي إلى لحظة واعية من أجل نقل الفكرة المجردة إلى رموز وعلامات، هذا الانتقال الفجائي أشبه بلحظة تماس بين قطبين متعاكسين: قطب الفكر الخالص، المجرّد، وقطب اللغة التي تحتاج إلى إرادة  واعية لإنتاجها، يعبر عنه الكاتب بطرق تختلف باختلاف طبيعة الكاتب وثقافته ومزاجه وطقوسه. هو أشبه بشرارة برق تمزّق حجب الوعي تخترق الفكرةُ فيه اللغةَ، تتوحّد معها توحّداً تاماً، فلا يكون أي انزياح بين الفكرة واللغة. هذه حالة أشبه بحالة حلمية تخلق اللغةُ رموزَها وإشاراتها المناسبة لطبيعة الفكرة وعمقها واتساعها ومقدار ضغطها على الوعي... هنا يخلق النص بشكل ومضة أو قصة قصيرة جداً، أو قصة قصيرة… حسب طبيعة الدفق الإبداعي وحاجاته.

هذه الحالة هي التي أسماها بارت الكتابة في درجة الصفر، كتابة تكون فيها اللغة مساويةً تماما للوعي، اللغة والفكرة متوحّدان واللغة تحتوي الفكرة وتعبر عنها بشكلٍ تامّ.

هذه الكتابة في الدرجة صفر تحتاج قارئاً من الدرجة صفر أيضاً، ذاك الذي سيقرأ "وعي الكاتب" متمثلاً في لغة النص المتحدة مع الروح، فلا حاجة للقارئ أن يبحث عن مقاصد الكاتب ورؤاه وطبائعه، إذ  يكون كل ذلك متضمناً في اللغة التي يقرؤها... إنه القارئ في درجة الصفر، يقرأ وعي الكاتب مباشرةً... هذه هي الفكرة الأساسية لموت المؤلف لدى البنيويين.

الكاتب حين ينقل وعيه الخالص إلى نصٍّ مكثّف، يتوسّل بكلّ ما أمكنه من تقنياتٍ أسلوبية وكتابية، مجرّباً أحياناً، مبتكراً أحياناً، حسب مقتضيات النص وحاجته. وكل هذا يتم بشكل لا إرادي بفعل التجربة الطويلة والاعتياد الذي تولده الخبرة والمهارة.

وكل فكرة أو حالة تستدعي أساليبها، رموزها أو تناصّاتها، بغفلة عن وعي الكاتب؛ لكن مستفيدة في الوقت ذاته من مخزونه الثقافي والوجداني، أي يعكس جزءاً من روحه في نصّه بكلّ أبعاد الروح الثقافية والوجدانية والحسّية، تلك التي رسّختها التجربة الطويلة في لا وعيه، ذاكرته العميقة التي هيّجتها لحظة الإبداع المتوهجة والحارة للإمساك بالفكرة التي تشكل في الجانب الكتابي هدف النص وقصده... هذا هو جوهر القصة القصيرة جدا، وهذه هي فلسفتها ومبرر وجودها، ومن هنا تأتي عناصرها وشروطها.

الوظيفة التأويلية للعنوان 

يُعدّ العنوان بؤرةً تأويلية تخضع لقراءاتٍ عدّة، وتنتج معاني متشابكة. 

كهل: من جاوز الثلاثين ووخطه الشيب، وقيل من بلغ الأربعين. والكهل أصل يدلّ على قوّة في الشي‌ء.

الرجل كهل، بلغ أشده وقوته وبدا يميل نحو الشيخوخة.

وكهل في تجلّيها التراثي والتاريخي والديني أيضاً تأخذ دلالات كثيرة:

جاء في القرآن عن السيد المسيح: (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46)، آل عمران، يأخذ العنوان دلالات غيبية قدسية.

المجتمعات البشرية، عند ابن خلدون، تمرّ بدورة حياة كالإنسان، من الشباب حتى الشيخوخة، فالمجتمع، بعد قوّة الجيل الأول القائمة على العصبية والبناء، يصل إلى كهولته وعزّته، التي يميل بعدها نحو الشيخوخة والفناء.

وكالمجتمعات، تكون الحضارة الإنسانية برمتها، في مرحلةٍ من التاريخ، في قوة عاتية؛ لكنّها القوة التي يبدأ عندها غروب الشيخوخة.

كل هذه الدلالات وأكثر يمكن أن يضعها القارئ للعنوان أمامه؛ لكنّ قراءة النص وتمثّله بتأويلاته الممكنة، هي التي تحدّد أيٌّ من هذه التأويلات صالح وأي منها بعيد، لكن لنأخذ في اعتبارنا أن النص الأدبي، خاصة القصة القصيرة جداً، يُقرأ قراءاتٍ متعددة، تكاد تكون بعدد قُرّاء النص، وهذا يرتبط بمقدرة القارئ وثقافته، ولكلّ قراءةٍ جمالياتها الخاصة، وتأويلها الذي يرتبط بهذه الجماليات.

التناص وآفاق التأويل

التناص هو جوهرة التاج في هذا النص، وهو الرافعة التي بواسطته استطاعت الكاتبة أن تبلغ بنصها مصافّ النصوص الكبيرة المتربّعة في بانثيون السرد العربي.

هذه الدراسة تهدف إلى الولوج إلى البنية الداخلية للنصّ، من مدخل التناص، وتفكيك بنياته أينما وجدت، وتحليل التأويلات الممكنة التي تشعّ بها التناصات، واكتشاف الدلالات الكامنة بين عناصره، وإعادة تركيب النص بدلالاته الجديدة؛ وبهذه الصيرورة التحليلية التركيبية سنجد أن التكثيف قد صنع من حكاية واسعة ممتدة فكرةً فلسفيةً عميقة، تحوّل من اندياح السرد إلى تركيز الفكرة.

بنت الكاتبة لين الأشعل نصها كهل بلغة إيحائية مكتنزة الدلالات مكثفة تكثيفاً شديداً، بمجموعةٍ من التناصات، لا يكاد يخلو سطرٌ أو عبارة من تناصٍّ يحمل دلالاتٍ أوسع من الدلالة المباشرة، ولا يخفى على القارئ أن جميع هذه التناصات نهلت من منهلٍ لغويٍّ ودلاليٍّ واحد.

خوى جوفه:{ مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} [الأحزاب: 4]. الجوف: باطن الإنسان، قلبه الروحاني، نفسه.

قدّ قميص إنسانيته: {إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ} (يوسف الآية 27).

التهمت الأرَضَة صحيفة طفولته: صحيفة قريش التي اتفقوا فيها على مقاطعة بني هاشم وحصارهم في شعب أبي طالب.

قراءة النص في أحد مستويات التأويل تنطلق من طبيعة التناصات التي تتفق بمشترك واحد هو الخطاب الإسلامي، قرآناً وتراثاً.

الشظية: كل ما يمكن أن يخترق الجسد، وبالقياس إليه، وبالمجاز ما يخر ق النفس، الروح، الفكر... حتى تصل إلى المجتمع، التراث، التقاليد، القيم.

وبحسب كل اختراق يكون المحو في الذاكرة:

ذاكرة الإنسان تاريخه الشخصي،

ذاكرة المجتمعات تاريخها، تراثها الذي تعتز به،

وفي كل هذا يصبح الباطن خاوياً.

خوى جوف  الإنسان:  بلا شعور، بلا ماض، ولا أهل يذكرهم،

خوى جوف المجتمعات: صارت بلا تاريخ ولا تراث،

خوى جوف الحضارة: صارت بلا قيم إنسانية.

قدّ قميص إنسانيته، تثبيت لخواء الإنسان من ذاكرته، والمجتمع العربي من تاريخه، والحضارة البشرية من قيمها الإنسانية.

والمهارة الكتابية تتجلّى في هذا الطباق بين الجوف والقميص، بين الباطن والظاهر، بين المستور وما يستره.

سألته عن عمره:

العمر ليست مجرّد  سنين نعيشها ، عمر الأنسان هي مراحل حياته الحقيقية، طفولة، فشباب، فكهولة، فشيخوخة؛ وفي كل من هذه المراحل يملؤها بالحياة والعطاء.

عمر المجتمعات ما بنت، وما تركت من عمران، حسب وصف ابن خلدون للمجتمعات.

عمر الحضارة البشرية، ما خلّفت من قيم تعزّز سعادة الإنسان ومكانته.

في كل هذا نجد بطل القصة يقول: "أنا من التهمت الأرضة صحيفة عمره" .

الأرضة (جندٌ من الله مسخّرة) كما يخبرنا التراث الإسلامي، إنها التي التهمت صحيفة المشركين وانتصرت للمظلومين.

وهي من أكلت عصا سليمان، تعلِم الجموع الخائفة بأنه مات.

الأرضة هي الدابة الصغيرة التي وضعت حداً بين زمن وزمن، بين تاريخ وتاريخ، بين حضارة وحضارة؛ مأساة كبرى ومظالم يتبعها، أو ينتج عنها تجاوزٌ لعهدٍ قديم، وعبور لعهدٍ جديد، يكون الجديد فيه هو الأفضل، زمن الرسول محمد ومجتمع المدينة بعد زمن الجاهليين، زمن الجموع التي تحرّرت من قوة الملك سليمان وسطوته.

هي زمن الحضارة الإنسانية القادمة بلا ريب، وعلى أهون الأسباب "مثل الأرضة الضعيفة"، بعد أن غابت عنها القيم الإنسانية.

القفلة تعيد النص من البداية، فيها أملٌ كبيرٌ يولد من الجراح، انتصارٌ للإنساني في كلّ تجليات الإنسان، فرداً، أم مجتمعاً، أم حضارةً كونية.

في التجلّي الجريء للتأويل يحق لقارئٍ ما أن يقرأ بالكهل صورة السيد المسيح حين صَلْبِه وعمره ثلاث وثلاثون سنةً.

 والشظية مسمار الصليب الذي، وهو يخترق جسده، يسحب منه، شيئاً فشيئاً، تاريخه البشري على الأرض، حتى إذا ما أنتهى الأقنوم البشريّ منه، تحوّل إلى الأقنوم الروحي المطلق القدسي.

 والأرَضة هي كلّ صغير من البشر يخون كما خان الإسخريوطي، ليسلّمه بيلاطس إلى جند الرومان. هذه الأرضة التي فصلت بين حياتين، وحالتين، وافتتحت تاريخاً جديداً للبشرية تمثل بصلب المسيح ورفعه، سواء كان الصلب حقيقياً، أم "شبّه لهم".

في الخاتمة أورد ما ذكره الكاتب أحمد جاسم الحسين:

"لا توجد قراءة جامعة مانعة لأي عمل إبداعي مهما كان مستوى العمل أو مستوى القراءة... القصة القصيرة جداً نصّ إبداعي يترك أثره ليس قيما يخصّه فقط، بل يتحوّل ليصير نصاًّ معرفياً دافعاً لمزيد من القراءة والبحث... فهو محرّض ثقافيّ يسهم في تشكيل المتلقي عبر تناصّاته ورموزه وقراءاته".

 

منذر فالح الغزالي

بون  3/2/2021

 

 

يسري عبد الغنييحلو للبعض أن يردد بين الحين والآخر أن بلادنا في حالة تخلف فكري، وأنه لم توجد مذاهب للنقد الأدبي في بلادنا منذ رفاعة رافع الطهطاوي إلى يومنا هذا، ويردد أيضًا : أن أوربا لم تعرف من الأدب العربي كله إلا قصص ألف ليلة وليلة، وقد تعرف كتاب (حي بن يقظان) لابن طفيل !! . ومن نكد الدنيا على الحر أن يسمع هذا الكلام، ألم يقرأ هؤلاء العديد من الدراسات التي كتبت في الشرق والغرب مؤكدة على أن الأدب العربي القديم كان عالميًا وأثر بشكل مباشر في كل الآداب الأوربية، وهذا باعتراف كثير من البحاثة الغربيين . ودعنا من الأدب القديم، ولنتحدث عن الأدب العربي الحديث، ومثال عليه الأدب المصري، وعناصر الإبداع فيه، التي دعت الناشرين في أوربا وأمريكا يترجمونه، وينشرون منه عشرات الآلاف من النسخ التي بيعت للناس، وتلقفها القراء، وكتب عنها النقاد العديد من المقالات في الملاحق الأدبية لصحف الغرب الشهيرة . كتاب عميد الأدب العربي / طه حسين ترجم إلى الفرنسية والإنجليزية والأسبانية والألمانية والروسية ... وغيرها ..، كتاب يوميات نائب في الأرياف لتوفيق الحكيم ترجم إلى الفرنسية والإنجليزية والروسية ولغات أخرى، يضاف إلى ذلك مسرحياته العديدة التي ترجمت إلى كثير من اللغات، وقصص الأديب العالمي / نجيب محفوظ، وموباسان الشرق / محمود تيمور، و مسرحيات رشاد رشدي ترجم كثير منها إلى لغات متعددة .. إن الأمثلة كثيرة جًدا سواء في الأدب العربي الحديث أو المعاصر، ولم يكن القصد هو ترجمة هذه الأعمال الأدبية للدراسة الأكاديمية أو غيرها، بل كانت للقراءة العادية، والبعض قد لا يعرف أنه في الجيل الماضي قد تم ترجمة كتاب (السيد ومراته في باريس) لبيرم التونسي إلى الفرنسية، وصدر في العاصمة الفرنسية باريس . وفي الثمانينات من القرن الماضي نشر أحد الناشرين الألمان في برلين مسرحية (السلطان الحائر ) لتوفيق الحكيم، وطبع منها ثلاثين ألف نسخة، وعندما سألته عن نسخة منها، اعتذر قائلاً : أن الطبعة قد نفذت، وأنه بصدد إعادة طبعها . وأذكر أنني قرأت أن مستشرقًا روسيًا في الأربعينات من القرن الماضي جاء إلى مصر والتقى بالعديد من الأدباء المصريين طالبًا منهم المساعدة في ترجمة (يوميات نائب في الأرياف ) لتوفيق الحكيم أيضًا، وظل معهم على موعد دائم كل يوم لتنسيق عملية الترجمة، والتي نشر منها عشرات الألوف من النسخ، منوهًا في مقدمة الترجمة بجهد من التقى بهم من الأدباء المصريين . وعندما أصدرت دار (بنجوين) البريطانية مجموعة (قصص قصيرة أسبانية ) في الأربعينات من القرن الماضي أيضًا، كتب المترجم في المقدمة أن هذه القصص القصيرة أصلها عربي، وأن نشوء القصة القصيرة في أسبانيا أولاً ثم انتقالها إلى إيطاليا في العصور الوسيطة مصدره الأدب العربي، وهكذا كتب (بوكاشيو) الإيطالي كتابه (ديكاميرون ) من واقع القصص العربية التي حولها إلى الواقع الإيطالي، وكانوا يفعلون ما فعلناه في بدايات عصر النهضة الحديثة من تمصير القصص والمسرحيات . وعن طريق (بوكاشيو) ظهرت القصة القصيرة في فرنسا وانجلترا وألمانيا، وأما ألف ليلة وليلة فقد ترجمت في أواخر القرن الثامن عشر إلى الفرنسية ثم صدرت منها عدة طبعات عديدة في اللغة الإنجليزية، وكان لهذه الليالي أثرها الكبير المعروف في الإبداع الغربي بكافة أنواعه . وعن طريق (رسالة الغفران ) للشاعر العربي والفيلسوف / أبي العلاء المعري، ظهر جحيم دانتي الإيطالي ضمن ملحمته الشهيرة (الكوميديا الإلهية)، وعن طريق فكرة الشيطان أو الجن في الشعر العربي، وما عرف من أن كل شاعر له شيطانه، كتب الإنجليزي (كروستفر مالرو) مسرحية (دكتور فاوست أو فاوستوس) في سنة 1588، ثم كتب نفس القصة الشاعر الألماني (يوهان ولفجانج فون جوته ) بعد قرون طويلة وبالتحديد في سنة 1824، وكان جوته قد ترجم إلى اللغة الألمانية مختارات من الشعر العربي نشرها في كتابه (الديوان الشرقي)، ومنه بعض الأشعار الجاهلية التي عرف معانيها وأعجب بها فقام بترجمتها، وهذا الكتاب مازال يعد من أشهر الكتب الألمانية التي تؤكد على مدى تأثير الثقافة العربية على الثقافة الغربية . هذه الكتب لازالت تطبع حتى يومنا هذا، ومها كتاب (حكايات أبي زيد السروجي) الذي ترجمه الألماني (بوركهارت) عن مقامات أبي القاسم الحريري المشهورة، وهذا الكتاب من الكتب المقررة في العديد من المدارس الألمانية .. وبعد ذلك نسمع من يتهمنا بالتخلف الفكري‫.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

نزار سرطاويقرأت في أحد المواقع المختصة بترجمة الشعر العالمي ترجمةً لقصيدة الشاعر الأميركي روبرت فروست The Rose Family. وقد نقل المترجم العنوان إلى العربية هكذا: "عائلة الوردة". لم تساورني الشكوك حول العنوان إلى أن قرأت الترجمة. وكانت كالتالي:

الوردة هي وردةْ

وطالما كانت وردة 

لكن النظرية تُفضي، الآن 

إلى أن التفاحةَ وردةْ

وأن الدبَّ القطبي وردة

والخوخةَ، كما يبدو، كذلك.

وحدهُ الرب يدرك ماذا ستكون الوردة.  

أنتَ بالطبعِ، وردةٌ

لكنك أعتدتَ دومًا،

أن تكونَ وردة!

في قراءتي الأولى للترجمة توقفت عند "الدب القطبي". وتساءلت: كيف يكون الدب القطبي وردة. هذا أمر يثير الاستغراب. فلا يمكن أن يكون للدب مكان ها هنا، سواءٌ أكان قطبيًا أم لم يكن... إلّا أن تكون بين الورود والدببة علاقة لا أعرفها. بحثت في غوغل عن قصيدة روبرت فروست، وحين وجدتها راحت عيناي تُنقّبان عن الدب القطبيّ الذي أقحمه المترجم في نَصّ قصيدة عن الوردة رغمًا عنه.  وكانت المفاجأة أن الكلمة التي عنت بالنسبة له "الدب القطبي" كانت "pear" أي الكمثرى، أو ألأجاص. لكن يبدو أن ألأمر اختلط عليه، فقرأها كأنها "bear" أي دب. ولا أعلم كيف بدا له أيضًا أنه دب قطبي.

عجيب أمر المترجمين – وبالأحرى، السواد الأعظم منهمّ! يخوض الواحد منهم في الترجمة بصورة اعتباطية دون تدقيق أو تمحيص. لا أقول هذا الكلام تعليقًا على الدب القطبي المسكين فقط، بل على بعض  المفردات أو التعابير التي لم يوفق المترجم في اختيارها في قصيدة بسيطة سلسة يبلغ عدد مفرداتها 54 كلمة لا أكثر. مثلًا قوله إن "النظرية تفضي إلى..." (the theory goes) فيه شيء من الشذوذ. فالنظرية تنص على شيء لا تفضي إليه. أما قوله "وحدهُ الرب يدرك ماذا ستكون الوردة" ففيه أكثر من خلل. فلا يجوز أن ننسب الإدراك إلى الله. إذ أن الإدراك هو معرفة تأتي في العادة بعد الجهل بأمر ما. والمسألة لا تتعلق فقط بالذات الإلهية وما يليق بها أو ما لا يليق، بل بالنص الأصلي بالإنكليزية أيضًا، حيث استعمل فروست كلمة "knows"، أي "يعلم"، وليس "يدرك". أما الجزء الآخر من العبارة "ماذا ستكون الوردة". والذي جاء على لسان فروست: "الله وحده يعلم ماذا سيثبت أنه وردة في المرة القادمة" أوشيء من هذا القبيل.

كما أن المترجم جعل المخاطب ذكرًا، مع أن الأنثى أولى أن تُدعى وردة. فقام بتحريك تاء المخاطب بالفتحة عوضًا عن الكسرة في الفعل اعتدت، وبتحريكه بالفتحة عوضًا عن الياء في الفعل "تكون"، وكان الأولى أن يقول: "لكنكِ أعتدتِ دومًا/ أن تكوني وردة!".

والحقيقة أن كلمة "اعتدت" لا تصلح لهذا السياق. فالشاعر يقول: لكنكِ كنتِ وردةً على الدوام. فالمسألة مجازًا هي مسألة كينونة وليس عادة يعتادها الشخص المقصود، ذكرًا كان أو أنثى.

لكن ما حكاية روبرت فروست مع الوردة؟ وما علاقة التفاحة والكمثرى والخوخة (أو البرقوقة) بالوردة؟ هذا ما كان ينبغي على المترجم أن يتساءل عنه، وأن يحاول الإجابة عليه.

عبارة "الوردة وردة" التي افتتح بها فروست نصه استعارها من قصيدة مطولة بعنوان "العائلة المقدسة" (The Sacred Family) للشاعرة االأميركية المعاصرة له، "غيرترود ستاين" ( 1874- 1946) وكانت ستاين قد كتبتها قبل أن يكتب فروست قصيدته ربما بما يقرب من عشر سنوات. وكان نص أحد سطورها: "روز وردة وردة وردة" (Rose is a rose is a rose is a rose). وكلمة "Rose" الأولى هي اسم. ونحن في العربية نستخدم هذا الاسم بصورة مباشرة "روز" بلا ترجمة، كما نستخدم اسم "ودة"، تمامًا كما نستخدم اسم "زهرة".  أما الثلاث الأخرى التي وردت في قصيدة ستاين، فكل منها تعني "وردة". من جانب آخر فإن هناك في علم النبات ما يسمي بعائلة أو فصيلة الورد "rosaceae". وهذه الفصيلة تضم نحو 4828 من الأجناس المُزهرة. ومن بينها التفاح والكمثرى واالوز والمشمش والكرز والفراولة وسواها. ومثل هذه المعلومة غير مألوفة لمعظم العامة. ويبدو أن فروست اطلع عليها وفوجىء بأن اسم الوردة يطلق على عدد لا يحصى من النباتات. ولعل علماء النبات يضيفون المزيد من النباتات إلى هذه العائلة. وربما شعر فروست بشيء من عدم الرضا لما اعتبره خلطًا بين ما ألفنا أن ندعوه وردة، ونهديه لمن نحب وننادي باسمه على من نحب. وكأن ذلك ينطوي على غبن بحق الوردة وبحق من ندعوها باسم الوردة. فكتب قصيدة "عائلة الورد" أو "فصيلة الورد".

من ناحيتي قمت بترجمة القصيدة واخترت لها عنوان "فصيلة الورد" حتى لا يلتبس المقصود على القارىء. وقد راق لي أن أترجمها شعرًا على الخبب (فعلن فعلن) مما جعلني أبتعد يصورة طفيفة عن الدقة في الترجمة في موضعين أوثلاث. ويمكن مطالعة ترجمتي مع الأصل الإنكليزي في صحيفة المثقف على الرابط التالي:

https://www.almothaqaf.com/b/c3/953523

ما أود أن أقوله هو أن الترجمة ليست عملية اعتباطية مبنية على التخمين. بل هي مهارة تتطلب معرفةً واسعة بلغتين وثقافتين مختلفتين، واطّلاعًا كافيًا على العلم أو الاختصاص الذي ينتمي إليه النص. كما تقتضي من المترجم أن يكون واسع الحيلة، بمعنى أن يعرف كيف يحصل على المعلومة وما يتصل بها من تفاصيل باللجوء إلى المراجع والقواميس المتاحة، ولا يسمح للدببة القطبية أو سواها أن تتسلسل إلى وروده فتدوسها وتقضي عليها.

 

نزار سرطاوي

 

 

 

ناظم ناصر القريشيللشاعر سعد ياسين يوسف / العراقِ

قصيدة النثر رحبه وغنيه وواسعة كالبحر، رغم اختلاف التسميات والتنظيرات ،هي لا تشبه إلا نفسها في بنيتها، والشعر في ذاته وطبيعته، الشعر المحض والخالص هو ما يتماهى مع الوجود وتنطق به الطبيعة في أنقى وأبهى صورها ويتجسد في مفرداتها، والذي لا ندرك مظاهره إلا ونحن نتأمل العالم بما يحتويه.

الشاعر سعد ياسين يوسف الذي اختار من الطبيعة الشجرة كرمز في قصائده أذْ يرى كلَّ شيءٍ في الكون عبارة عن شجره، ولهذه الشجرة موسيقى أيضا، و هذا ما جسده في قصيدته التي اختار لها عنوان (شجرة الموسيقى) وهو عنوان موسيقي أخضر لشجرة الشعر برؤية تشكيلية، والتي تبدأ بما يثير دهشة الفيزياء عبر تكنيك المزج البصري والموسيقي، وهو ما بدأت به المدرسة المستقبلية في تشكيل الحركة ، وجسدته الانطباعية في الألوان، فالريح أوتار الطبيعة، والاهتزاز هبة الريح للغصن الذي اهتز ،وتحرك ،وتأرجح ،فتذبذب إلى تردده وانتظم حول أصله، فأنتج صوراً متلاحقة لذاته في فعل الحركة ، فأختلج لونه من الأخضر الساحر كصوت دافئ وعميق، إلى الإخضرار بدرجاته الموجية واللونية حتى يعود مع ما افترضته أوركسترا الطبيعة من تماهي الشعر في الضّوء واللون، هكذا تذهب الموسيقى وهي تموج بالأماني إلى النهر بمتسعات لونية على امتداد خطواته في جريانه :

"حينَ اهتزَّ الغصنُ

تسارعَ خطوُ النهرِ

وهو يخبئُ قرصَ الشمسِ

تحتَ جناحِ الأسئلةِ.

هي شالُ حريرٍ فيروزيٍ

لفّتهُ الريحُ وطارَ،

كجسدِ ملاكٍ في حقلِ سنابِلَ، "

وفي مايلي من الإبداع في القصيدة يقدم الشاعر لوحات حرة ومتتالية، تنمو وتستطيل في الكلمات التي تجعل من الغياب حضوراً، وتندفع في اتجاه الضّوء، متناغمة في وميض اللحظة، حتى ندرك هذا الجميل من الشعر وما يمكن ابتكاره على شكل لوحات انطباعية ترافقها موسيقى (كلود ديبوسي) كموسيقى تدخل في الحلم، فهناك شعر لأن هناك حياة، يقول الشاعر: -

"هي شالُ حريرٍ فيروزيٍ

لفّتهُ الريحُ وطارَ،

كجسدِ ملاكٍ في حقلِ سنابِلَ،

هيَ لغةُ الحزنِ إذ تتغلغلُ في روحي ..."

هنا ندرك محاولة الشاعر، الوصل بين المثال والصورة، بين اللغة ومجازها في كثافة حضورها وطاقتها في محمولها اللغوي، حتى وهو يؤدي قصيدته في حيز هذه اللغة الشعرية، التي تتمكن تدريجياً من النمو من داخل لغة الموسيقى وتطويعها شعرياً وتشكيلياً، فالصور الشعرية متحركة عبر تمثيلها اللوني، وحضورها اللحظي في زمنها المطلق، وحركتها الدائبة ، فيجعل من الضّوء يد الأرض الممدودة إلى السماء دعاءً والكلمات ابتهالاً بأجنحةِ الأبدية:

"انبلاجُ الضوءِ من شفتيِّ الأرضِ،

سماءٌ خلعتْ بردتَها الداكنةَ

لترينا بعضَ مفاتنِها...،

صرختُهُ الأولى ...

وهو يغادرُ عرشَ الدفءِ،

وجهُ الأرضِ إذْ ترفعُ صوبَ اللهِ يديها،

نزولُ الدَّمعةِ من علياءِ الدَّهشةِ،

نظرتُك صوبي....

عندَ رصيف ِغروبِكِ

متلفعةً بالأحمرِ،

تلويحةُ كفِّكِ

قبلَ التحليقِ بأجنحةِ الأبديةِ "

كأنَّ الكلمات تلامس الألوان والأوتار، لتصنع الإيقاع النهائي في القصيدة سمواً، فابتكار قصيدة انطباعية لا يكون إلا بكلمات شفافه يتناسق من خلالها اللون بدرجاته الضوئية، وهي لا تكون شعراً حتى تكون موسيقى، فالشعر يتمازج مع ذاته ليتمثل المعنى بأبهى مداليله، حيث ابتكرالشاعر لشجرته أسلوباً ذا طابع ابتهاجي إيجابي وخلاق بإحساس الرسام وروح الشاعر وأفق المايسترو، تحضر الموسيقى فيه كشجرة، وتحضر الشجرة فيه كقصيدة، فأزهرت بعدها شجرة الموسيقى واتحدت عندها الرّؤية والرّؤيا .

..........................

"شجرةُ الموسيقى"

د. سعد ياسين يوسف

 

حينَ اهتزَّ الغصنُ

تسارعَ خطوُ النهرِ

وهو يخبئُ قرصَ الشمسِ

تحتَ جناحِ الأسئلةِ.

هي شالُ حريرٍ فيروزيٍ

لفّتهُ الريحُ وطارَ،

كجسدِ ملاكٍ في حقلِ سنابِلَ،

هيَ لغةُ الحزنِ إذ تتغلغلُ في روحي ...،

نشوةُ فنجانِ القهوةِ في رأسي

بعدَ فناءِ الليلةِ بالحربِ معي ... ،

هي مرآتي،

اشتعالُ الشمعة ِ،

انطفاؤُها ....،

انبلاجُ الضوءِ من شفتيِّ الأرضِ،

سماءٌ خلعتْ بردتَها الداكنةَ

لترينا بعضَ مفاتنِها...،

صرختُهُ الأولى ...

وهو يغادرُ عرشَ الدفءِ،

وجهُ الأرضِ إذْ ترفعُ صوبَ اللهِ يديها،

نزولُ الدَّمعةِ من علياءِ الدَّهشةِ،

نظرتُك صوبي....

عندَ رصيف ِغروبِكِ

متلفعةً بالأحمرِ،

تلويحةُ كفِّكِ

قبلَ التحليقِ بأجنحةِ الأبديةِ

كاسرةً موجَ الرَّغبةِ .

حفيفُ أكفِّ الأشجارِ...

وهي تصفقُ لي،

حينَ أمرُّ حزيناً تتناهبُني الفكرةُ،

ما يتركهُ عصفُك في أغصاني،

ارتعاشةُ  يدك ِ بينَ يديَّ،

سَرَيانُ الدفءِ وأنا أمرّرُ كفي

فوقَ قبابِ جنونِكِ ... جنتِك ِ،

ما تتركهُ لمساتُ يديكِ النّاعمتين

في جدرانِ الهيكلِ....،

ارتطامُ الموجِ بجسدِ الشّاطئ...،

رائحةُ الرَّعشةِ عندَ الزَّخّةِ الأُولَى ،

من مطرٍ بعدَ يبابِ فصولِ الأرضِ،

خطفُ البرقِ ....

عزفُ النّافورةِ لحنَ الوحشةِ وهي تبوحُ

لأخِرِ مُصغٍ عمدهُ رذاذُ الماءِ الباردِ

في منتصفِ القيظِ

غناءُ  "الشبّوي*" ذاتَ مساءٍ

حينَ بَعُدنا عنها... ،

وتجاهلنا خضرتَها

وهي تصوّبُ رشقاتِ العطرِ

وتشدُّ ، تشدُّ، مثلَ صغيرٍ...

يشدُّ ضفيرةَ  أمهِ

يصطنعُ بكاءً

كي تمنحَهُ قُبلةَ إصغاءٍ،

فَلِمَ لا نُصغي،

نكسرُ "سُلمَها" اللامتناهي

ونردمُ كلَّ ينابيع الماءِ

ونحنُ نغورُ برملِ الصَّحراءِ ؟!!!

***

بقلم: ناظم ناصر القريشي

........................

* الشَّبّوي : شجيرة عطرية تُطلق عطرها في المساء ، وتُسمى أيضاً "مسكة الليل" و"ملكة الليل" .

 

 

جمعة عبد اللهتملك الاديبة قدرة فائقة ومتمكنة في جماليات السرد في المتن الروائي، بتعدد اشكال أسلوب التقنيات في الحبكة الفنية، في السرد الاحداث النص الروائي. في براعة الصياغة الفنية والتعبيرية، في تآلف منسجم بين منصات الواقع والخيال المتخيل الفني. في براعة الغوص في عمق الواقع وتجلي عتباته ومفرداته، بما يحمل من مضامين الفكرية، تجسد حقيقة الافعال الواقع التي تمشي على الارض، تسوقها في صياغة بارعة في التشوق وشد الانتباه الى الحدث السردي في النص الروائي. الذي يكشف حقيقة الواقع العراقي بعد فترة الاحتلال الامريكي، وبداية العهد الجديد، في مجيء نخبة سياسية هجينة لا تملك مبادئ الشرف والاخلاق، وتتسلم السلطة والنفوذ والمال. كأنها جاءت من اقوام معادية للعراق، لكي تفجر روح الاحقاد والانتقام والثار والخراب للوطن الذي يرمز له بتسمية (حاموت). في الشهوة العدوانية لتحطيم والتخريب في كل ميادين الحياة في الواقع اليومي، وتحويل مدينة (حاموت) الى مدينة الظلام والكوابيس، تنشط فيها اشباح الظلام عصابات الموت والدم والفساد، في غيومها الكثيفة. اي بكل بساطة تحويل (حاموت) الى مدينة ديستوبية بامتياز. مدينة تزرع الموت والرعب والفساد في كل مكان هذه المرامي الشيطانية من المحتل الامريكي. وهي بمثابة جرائم ابادة وتخريب وطن. بوضع الديناصورات المتوحشة في اعلى هرم السلطة والنفوذ، بحجة الديموقراطية التي تحولت الى ديموقراطية الموت والدماء، في نخبة سياسية فاسدة تسلقت على اكتاف العراق، واطلقت شياطينها واشرارها في عصابات واشباح الموت، التي تتحرك في ظلام الليل وتختفي في النهار، لتخنق الحياة بالاحزان والاحباط. أن تجعل (حاموت) مدينة الخراب المأساوية، مصابة بلوثة الموت المنتشر في كل مكان. أن المتن الروائي يغوص الى الاعماق في حالات الرعب المخيف في شكله الدراماتيكي، من خلال عمليات الرصد والمراقبة لما يجري لمدينة (حاموت) التي هجمت عليها الغربان السوداء وحولتها الى مدينة ديستوبية. حطمت كل شيء حتى الحب. ووضعت (حاموت) في دائرة الرعب في طقوس وحشية وهجينة، من قبل اشباح الظلام، الذين يضعون بصمات ابهامهم على ابواب البيوت المرشحة للموت أو الحرق...

30 hamot

الاديبة البارعة (وفاء عبدالرزاق) ملهمة في الابداع (الشعري والروائي) وفي هذا النص الروائي تجسد الصورة التصويرية ملهمة في اظهار مشاهد الرعب والموت التي اجتاحت (حاموت) في تجليات الاحداث المتلاحقة والمتسارعة في شكلها الدراماتيكي، لواقع حياة (حاموت)الديستوبية في بصمات الموت الزقوم. حتى الاشجار ارتوت الى حد التخمة والاشباع من دماء الجثث (شجرة (حاموت) تتغذى الآن على الجثث، على الجرحى والمجلودين وعرق المساجين،المضروبة اعناقهم والشهداء) ص22. حاموت الديستوبية اصابها شر نذير، أو عقاب الهي بالجحيم. كما عوقب (آدم) بسبب تفاحة بطرده من الجنة، كذلك العقاب الالهي بطرد (حاموت) من الحياة الى الجحيم. هذا ما يسلط عليه السرد في المتن الروائي، بتقنيات مختلفة منها توظيف اسلوب المحاورة (ديالوج / صوتان) بين (محمد) الذي تيتم بعد موت والديه بشكل مجهول، وتبنت تربيته خالته التي اطلقت عليه أسم (عارف) رغم ان شهادة ولادته تؤكد أسمه (محمد) يحاور الشبح (عزيز) الذي اصبح فيما بعد صديقه. ينقل اخبار فواجع (حاموت) من خلال معايشته ورصده اليومي للاجداث الدراماتيكية التي تعصف ب (حاموت). في كيفية اشباح الظلام يعملون ويتحركون ويضعون بصمات أبهامهم على ابواب البيوت المرشحة للموت أو الحرق. وهو الدليل بأن (حاموت) اصبحت لعبة رقعة الشطرنج، لابد من رأس يدير بيادقها ويلعب بها وفق ما يريد ويرغب، لابد ان يكون هناك هناك زعيم على رأس هذه الاشباح أو البصامين، أو زعيم عصابات الموت، واشباحه يتحركون بأوامره بالطاعة العمياء، هذا الزعيم لابد انه ينتمي الى اركان الحكم والسلطة والنفوذ. لذلك يتحرك في إجرامه تحت مظلة الدولة والحكومة ومؤسساتها الامنية، اي باختصار العبارة وضع الدولة والحكومة ومؤسساتها العسكرية والمدنية في راحة يده، بأنه السيد الاعلى أو الرب الاعلي، الذي يرتدي الثياب السود وغطاء الرأس الاسود، يتحرك بذريعة حماية الدولة والشريعة والقانون والنظام والسيادة. وهو يزرع الرعب والموت بشهية عدوانية، في شيطنة متعطشة الى اراقة الدماء (شره العتمة في قلوبهم الى مجون الموت.. ديمومتهم الصدئة تقتات على أرياق الاخرين.. شباب وشيب، أطفال ونساء) ص53.. وكان (محمد) يتطلع الى بصمات ألابهام على ابواب البيوت الناس المرشحة للموت أو الحرق أو السلب، ويسمع أنين الناس والامهات. أنين الجميع الذين اصابتهم الفواجع المأساوية التي وقعت على (حاموت) الديستوبية ويتألم بحزن وألم ( - يا لمصيبة (حاموت) وامصيبتاه... أولادي الاربعة. حكمتك يارب.. أنطلقت أصوات اخرى مخنوقة العبارات. واختفت في الزحام. أفواه ممزقة. أفواه حائرة. وافواه خنقها العويل) ص17. هذه نتيجة البصمات على البيوت. من الاشباح التي تتحرك في الليل وتختفي في النهار. تذكرنا هذه الاحداث، في بداية مجيء سلطة البعث في العراق. حين ارعبوا الناس في بغداد بحوادث القتل بأسم (ابو طبر) الذي ارعب الناس في الليل، يهجم بطبره على الضحايا ويمزقها ارباً، وكثرت حوادث القتل. مما تصاعد الاحتجاج الشعبي ضد السلطة، عندها اختفى فجأة (أبو طبر) ولكن اتضحت الحقيقة فيما بعد، بأن (ابو طبر) هو من عناصر الامن مخول بتصفية المعارضين وقطع اجسادهم بالطبر. وهي مسرحية في اخماد صوت المعارضة. كذلك نفس الحال لعصابات الموت أو اشباح الموت في العهد الجديد، في تخويف الناس بالرعب والفزع. بالقتل بأسم الله والمذهب والطائفة، بأن هذه اشباح الظلام تتولى مسؤولية الثأر والانتقام، ولكن ضد منْ؟ بكل تأكيد ضد البسطاء والفقراء والضعفاء.. بأن عصابات الموت تدعي بأنها هي حامية الدين والمذهب والطائفة، وهم حراسها الامناء في اسلوب البطش والتنكيل. هذه عقلية الاصنام الجديدة التي جاء بها المحتل الامريكي. يقتلون ويذبحون الناس بأسم المقدس. واصبحت كلمة المقدس وحشية وبذيئة ومكروهة يشمئز الناس منها، حتى الشواذ اصبحوا مقدسين بالقدسية العليا (صار الفاسد سيداً، والمعتوه إماماً، والحاقد مرشداً، والقاتل ورعاً، والشاذ رئيساً) ص74. هذه الوحوش السائبة جاءت من عمق صحارى الهمجية، تحمل روح الحقد والانتقام والعدوانية بالبطش والتنكيل، من اجل النفط والدولار، وحولوا (حاموت) الى زريبة أشباح الظلام والكوابيس. و(محمد) يتألم لهذه الفواجع المأساوية. لذلك قرر عدم الزواج والبقاء بدون نسل، حتى لا يكونوا حطباً لوحشية الذئاب البشرية. رغم أنه احب جارته (سعاد) لكنها اهلها زوجوها الى رجل غني، واقسمت بالقسم لو انجبت ولداً، لتسميه (محمد) حتى تنادي بأسمه كل لحظة وطوال اليوم. والمفارقة الغريبة (حاموت) خلقت الفوارق الاجتماعية الصارخة في المجتمع، بين النعيم والرخاء الباذخ والمجنون، والفقر المدقع. الفئة الاولى كونت امبراطوريات مالية من المال الحرام وارسلتها خارج (حاموت) في نعمة الفردوسية بخداع الناس بأنهم حماة الدين والمذهب، لذلك لم يتوانوا في ارتكاب جرائم القتل والسلب والسرقة، حتى في اقتحام مصارف الدولة ونهب خزينتها المالية وقتل الموظفين والحراس معاً، طالما يتحركون بأسم الدولة والسيادة. كما حدث في المصرف في الكرادة / الزوية في بغداد، حين اقتحمت حماية (عادل عبدالمهدي) مصرف الزوية ونهبت الخزينة المالية وقتلت الموظفين والحراس، حتى اطلق عليه الناس لقب (عادل زوية) (اقتحمت جماعة مسلحة المصرف المركزي في عاصمة (حاموت) وسرقت الخزينة كلها ثم رشقت بالرصاص كل موظفي المصرف حتى الحراس)ص44. بهذه الطريقة البشعة تدار الدولة وشؤون الناس. لهذا يتساءل (محمد) بجزع وقهر (- لماذا ياربي أرسلت الاشباح (لحاموت)؟) ص92. هذه الفوضى العارمة التي تعيشها (حاموت) بكثرة الاشرار والشياطين وعصابات الموت. لابد ان تدير شؤونهم جهات متنفذة في السلطة، تمارس الارهاب والقتل تحت مظلة الدولة. وفي مواجهة كلامية بين (محمد) وصديقه الشبح (عزيز)، عن القسوة والبطش الوحشي ضد الناس من هذه العصابات، ولماذا ينفذ أوامر الموت من الاعلى، والى اين يقود هذا الاجرام والخراب البلاد، فيقول الشبح (عزيز):

(- نعم. أنا عبد مطيع، فلا تفرغ لومك علي.

- عبد؟ عبد لمن أيها القاسي؟

- أنا عبد لسيدي (جليل)

- جليل؟ منْ جليل الذي تتخفى بأسمه وتحت أمرته؟

- ستعرف لاحقاً ليس الآن

- متى؟ لقد أستفحلت المظالم، وبات القتل مثل شربة ماء....) ص41.

 وفي احد الايام جاء الشبح (عزيز) حزيناً ومتألماً فأستفسر (محمد) عن حزنه، فقال :

(- كان المنظر مؤلماً جداً.... جداً... خمسة أطفال كانوا ذاهبين الى مدارسهم، فصاروا طعماً لذوي الضمائر العفنة، طعماً للنار..... تمزقت أجسادهم أرباً بسبب دراجة مركونة الى جانب الشارع ملغمة) ص67.

ويصاب (محمد) بالسرطان من مناخ (حاموت) الملوث بالاشعاعات السامة والخطيرة، فصار على الدوام تصيبه نوبات السعال الحاد والاختناق وضيق التنفس، حتى صار يبصق دماً، واصابه الوهن والهزال، وانتظر مجيء الموت. مستسلماً مثل مصير اهل (حاموت) أما الموت من الاشباح أو الموت بالسرطان من الجو الملوث، هذه معالم (حاموت) الديستوبية في العهد الجديد، عهد الدخلاء الوحشيين الذين يزرعون الارهاب والموت على الهوية (دخل حياتنا كثيرون، سفلة وقتلة ومأجورين. وسادة اكثر سفاهة منهم... كم عرض التلفاز من مجرمين ومغتصبين.. وكم عرض من أسلحة ومتفجرات بحوزة عصابات، تم ألقاء القبض عليهم ومعرفة اوكارهم. لكن لم يعرض عن العقاب جرائمهم، ولم يعلق أحدهم شنقاً في الساحات العامة، ليكون عبرة لغيره... فهم على يقين أنهم سيهربون من سجنهم بسهولة، كي يعيدوا كرة الذبح) ص115.

لذلك يصرخ بألم وحزن واحباط الشبح (عزيز) :

(- أصبحت عبداً..أصبحت عبداً يا محمد... أصبحت عبداً للقوي... أصبحت عبداً) ص129.

 

- الكتاب: رواية حاموت

- المؤلف: الاديبة وفاء عبدالرزاق

- الاصدار: مؤسسة المثقف العربي. سدني / أستراليا

 

  جمعة عبدالله

 

محمد الشاوي"نحو حداثة مُوجَّهة للأطفال".

توطئة: تُطْلعُنا الأديبة المغربية الدكتورة لطيفة حليم على جديد مغامراتها في زمن الوباء، وتحديدا أول جمعة من سنةِ 2021. حيث تُطل علينا من منزلها بمونتريال، داخل فضاء مختبرها الإبداعي، وهي تعمل بهمة ونشاط لكي تُقدم لقرائها سلسلة من السرديات، والمحكيات، والمطارحات النقدية، وقصص الحياة اليومية... فضلا عن ذلك، فهي أيضا عاشقة لفن تأثيث الفضاءات، والأمكنة، والبحث في هندسة المنازل، والتقاط الصور الفوتوغرافية للوحات الفنية، والتحف... ويكشف لنا هذا العشق الإبداعي ولع الأديبة لطيفة حليم، بتجديد عوالمها المسكونة ذات الحضور الواقعي، لكي تتحول إلى عوالم أخرى مُتخيّلة من صميم التجريب الذهني للذات المبدعة. وقد كان للمطبخ المغربي نصيبا من العشق الإبداعي، واللذة البحثية عند أديبتنا، ولاسيما بتسليطها الضوء على أكلة الكسكس المغربي.

هذه الأكلة، التي ستنقلنا بمعيتها نحو رؤية تغييرية طموحة، خاضت مغامرتها لكي تستجيب لرغبات الأطفال عامة، وعلى وجه الخصوص سبطتها الطفلة التي تُمسك طبق الكسكس. وهي الكتكوتة ميلا، وريثة سر أديبتنا. إذ شاركتْ جدتها مغامرة طبق الكسكس بحلة تحديثية، تضم أسمى معاني الطفولة السعيدة. وفي ضوء هذه التوطئة، يمكننا بسط التأملات الآتية:

ماهي دلالات ومعاني التجديد الجمالي للكسكس المغربي عند لطيفة حليم؟

وكيف استطاعت تقديم رؤية جديدة تستجيب لرغبات الأطفال؟

بتعبير آخر، كيف انتقل الكسكس المغربي مع لطيفة حليم في مغامراتها بمونتريال من شكله الدائري داخل القصعة، والشبيه بقُبة الأضرحة إلى شكل آخر منبسط التضاريس، يحضر فيه الطبق المربع والمستطيل بصيغة معاصرة؟

ارتبطتْ أكلة الكسكس (وتسمى أيضا ب: كْسكسو، وسيكسو، والكُسكسي بالعامية المصرية...) على مر الزمان بالثقافة الأمازيغية العريقة بشمال افريقيا، فقد تناقلتُه الأجيال القديمة، وعملت على توريثه بنفس الخصائص والمقومات التي يتكوًّن منها، وذلك من منطلق الحفاظ على الموروث الثقافي. فإذا نظرنا على سبيل المثال لأكلة البَقِية الأندلسية أو المسماة باللغة الإسبانية ب: Paella ، فإننا نجد في هذه الأكلة إرثا تاريخيا موغلا في القدم، يعود بنا إلى بقايا أكل ملوكِ دولةِ بني أمية بالأندلس. وكيف عمل الخدم على توظيفها داخل طبق أُعجب به أحد الملوك حينها، فأمر بإعداد نفس الطبق له ولعائلته. غير أن ما نعرفه تاريخيا عن روايات الكُسكس ونشأته، نستحضر رواية ازدياده الحي بشمال افريقيا. كما ارتبطت هذه الأكلة عندنا نحن المغاربة بالأنشطة الدينية للزوايا. حيث يصعب الحديث عن هذه الأكلة في فلك آخر، غير فلك الاحتفالات الدينية بمولد خير البرية، ونفس الشيء يقال أيضا عن حضور الكسكس أيام أعياد المسلمين، وأيضا خلال الجمعة من كل أسبوع. بل ومازالت هذه الأكلة صامدة، ولم تنقرض كغيرها من المأكولات المغربية العريقة. وما يقال عن المغرب، يقال أيضا عن بلدان شمال افريقيا التي نشترك معها الثقافة والجوار، لاسيما حضور الكسكس عندهم كالجزائر، وموريتانيا، ومصر، وتونس، وليبيا. إن الكسكس تاريخيا هو أكلة شمال افريقيا بامتياز. فقد وصل صدى هذه الأكلة إلى دول أخرى كإيطاليا، والولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا... حيث اعتبرته هذه الأخيرة من الوجبات المُفضلة من لدن الفرنسيين. وخلال السنة الفارطة، ثَم إدراج الكسكس من طرف منظمة الأمم المتحدة للثقافة والعلوم (اليونسكو) ضمن التراثات الإنسانية اللامادية بدول شمال افريقيا.

وأثناء تقديم أكلة الكسكس يوم الجمعة، يسود التشارك الجماعي، ويتحقق في أبهى تجلياته داخل القصعة التي تضم الأكلة. تلك القصعة الخزفية أو الصَّحفة: هي إناء صُنع من طين فخاري، يتخذ شكلاً دائرياً يتلاءم مع مفهوم الجماعة، ويتماشى مع الحديث المأثور للرسول صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "يد الله مع الجماعة". وتتكون أكلة الكسكس من حبيبات القمح أو الشعير أو من الذرى، يتم تعديلها بواسطة اليد، أو تُباع بشكل مُصنَّع إما داخل أكياس خاصة، أو بالكيلوغرامات وفق طلب الزبون، ويتم تناولها إما باليد أو بالملاعق. كما عرفت أكلة الكسكسِ المغربِي نوعين مختلفين: النوع الأول، وهو الكسكس بالزبيب والبصل، ويضم اللحم أو الدجاج. أما النوع الثاني، وهو الكسكس بالخضر المتنوعة والمتعددة. فهناك من يحصرها في سبعة أنواع من الخضر، وهناك أيضا من يترك الباب مفتوحا للاجتهاد والابداع... ومن الاجتهادات التي نجدها، اضافة نوع ثالث للكسكس يجمع بين الخضر، والزبيب والبصل، في قصعة واحدة. ونجد أيضا بالنسبة للحوم التي تُقدم مع الطبق: لحوم الأبقار، الأغنام، ورؤوس الأغنام مشوية أو مبخرة... كما نجد من يضيف لحم الدجاج، الحمام، واللحم المُخلع من بقايا أضحية عيد الأضحى ...

وبالعودة إلى موضوع هذه المقالة، فإننا نجد عند الأديبة والمبدعة لطيفة حليم رؤية جديدة لأكلة الكسكس، تتجه إلى معانقة التحديث في المقومات الموروثة للوصول إلى غاية نبيلة، ألا وهي أن يُسعف الكسكس رغبات الأطفال، ليكون في متناولهم. وهذه الرؤية بفاعليتها الذهنية الواعية اصطلحنا عليها ب: "الحداثة الموجَّهة للأطفال". والحداثة هنا بمعنى التغيير النافع للقصعة الخزفية التقليدية، والجماعيةِ بالطبق الفردي المستطيل أو المربع، وفق الاختيار المطبخي. إذ تقترب هذه الحداثة من مفهوم اللذة  Plaisir  بالمعنى البارثي (نسبة إلى رولان بارث  (R. Barthes، وأيضا من التشاكل Isotopie بالمعنى الغريماسي (نسبة إلى غريماس  (A. J Greimas ، لكن برؤية فريدة ودؤوبة تخرجنا          من متاهات السيميائيات، واللسانيات، والتشكيلات اللغوية، إلى تشكيلات الإبداع المطبخي، واجتهادات الذات المبدعة. فيصير لطبق الكسكس لذة بصرية خارجية، تنقلنا إلى مُقوِّم التشاكل النفعي، لنكون في قلب العوالم الذهنية للأطفال. فيراعي الطبق المُحدث الخصوصيات العمرية، ويسعى في الآن نفسه إلى خلق فعل المفاجأة Surprise ، لكي يشرع الأطفال في البحث عن التركيب الجمالي للخضروات وألوانها الطبيعية، ومساحات الكسكس، وطريقة تأثيث الطبق، وهندسة الأحجام، والكتل، والأشكال الدلالية... حيث يتحول الطبق إلى سند تعبيري شبيه باللوحة التشكيلية.

وهنا نكون في حضرة صورة بصرية وتعبيرية التي تستهدف المتلقين من الأطفال. وهي صورة تتفاعل مع مستوى تطلعاتهم الحسية/الحركية، وتقترب من خصوصيات سنهم، ومناخهم اللَّعبي. وبالإمكان أيضا أن ننقل الأطفال بمعيتها إلى المعنى المجرد، إنْ استطعنا دفعهم للتفكير في موضوع الطبق: كأن يتخيَّلوا قصة، شخوصا، أن يبحثوا عن مخرج من متاهة، أشكال تعبيرية للخضر، ومساحات الأمكنة... ليصير طبق الكسكس المُشكَّل، موضوع بحث من طرف الأطفال عن ما يُخبئه لهم من متعة وتشويق. Suspense  وكأنَّ طبق الكسكس بمثابة بيضة كيندير Kinder التي يعشقها الأطفال، لكونها صُمِّمَتْ خصيصاً على مقاس رغباتهم Désirs ، وهم في رحلة البحث عن ما تُخبئ لهم من متعة المفاجأة، ناهيك عن الشوكولاتة ذات النكهة الخاصة.

هكذا فإن اللذة البصرية لطبق الكسكس عند لطيفة حليم، تجعلنا نلج إلى التحرر من أبوابه الواسعة لمجاوزة الصيغة المتوارثة إلى صيغة أخرى تجديدية. وفي هذه المجاوزة أسمى معاني الطفولة المُعبَّر عنها، إنْ على مستوى التأثيث والتزيين، أو على مستوى علاقة التفاعل بين الغير Autrui (الطفل) والأنا Ego (الراشد). ولنا في ابتسامة الطفلة ميلا بالصورة، خير دليل على مدى تفاعل وحب الأطفال للصيغة التجديدية لطبق الكسكس الذي أبدعت فيه أديبتنا لطيفة حليم. ألم يقل ذات مرة عالم النفس الأمريكي ستانلي هول G. Stanley Hall بأن "الطفولة هي ولادة ثانية" ؟

فلماذا لا نعمل على جعل موروثنا الثقافي في متناول الأطفال، ونعمل على تَطوِّيعه لكي يستجيب لرغباتهم، ونفهم بحق معنى الولادة الثانية التي تحدث عنها هول؟

 2236 ميلا

بقلم: د. محمد الشاوي

فنان تشكيلي مغربي، وباحث في الجماليات

 

 

 

 

توفيق الشيخ حسينالقراءة الثالثة من كتاب (حسرة الظل / تجارب في الشعرية النادرة والبساطة الجميلة) للشاعر والروائي والناقد "محمد الأسعد ".

تقرأ الثالثة تجارب ثلاثة شعراء من فلسطين (توفيق صايغ) ومن سورية (محمد الماغوط) ومن لبنان (أنسي الحاج)، جمعتهم دائرة شعرية واحدة في منتصف القرن العشرين، امتازوا بمنح اللغة وظيفة غير معتادة، خارج كونها مجرد لغة تواصل يومي، لغة لا تختفي منها وظيفة التواصل، ولكن تتبدل الرسالة المرسلة بتبدل فحوى الرسالة واداتها .

(1) أسطورة وحيد القرن

توفيق صايغ (1971 – 1923) كان استثناءا ً، فقد ظل حقله بعيدا ً ومنعزلا ً، أي ظل نهجه وكشفه غير مبذول لأسباب عديدة أهمها أنه كان برموزه العربية المسيحية أشبه بصاحب قدمين صحيحتين يسعى في ثقافة عرجاء لم تحسن تدبر ثرائها الروحي جيدا ً، إضافة إلى أنه هو ذاته لم يسع الى الإطلال من نوافذ وسائط الأعلام والترويج، ولم يعتقد كما يظن " الأسعد ": أن غايته تتجاوز الانهماك في غمار تجربة روحية الطابع ذات خصوصية، تجربة ليست للتعميم ولا للتعليم وإنما إلى مزيد من الصدق بين النفس والنفس، لم تكتب تحليلات وفيرة لتجربة " توفيق صايغ " في الأيام الأولى، واكتفى كثيرون من الذين استقبلوا تجربته بحماس بتعابير سريعة إنطباعية، وبعد سنوات مرت على وفاته ستظهر مقالات أكثر جدية يكتبها بالإنجليزية عدد من الكتاب وصدرت سيرت حياته الوحيدة في العام 1989 .

يتفاجأ " الأسعد " بدراسة متميزة نشرتها بالانجليزية (د. زهرة حسين) من جامعة الكويت في " مجلة الأدب العربي " هولندا، ليدن / في العام 1999، تحت عنوان (جماليات التنافر: أصداء نيتشة وبيتس في شعر توفيق صايغ)، توقف " الأسعد" أمام هذه الدراسة لسببين، الأول أنها درست قصيدة واحدة شهيرة له هي " بضعة أسئلة لأطرحها على الكركدن " من كتاب " معلقة توفيق صايغ " من منظور تحليلي تعمق في الجذور الفلسفية التي متح منها صايغ، والثاني لأنها وضعت الشاعر في إطار مصادره الغربية وموروثه المسيحي الشرقية ببصيرة نافذة .

قصيدته " بضعة أسئلة " نموذجية في عبورها الثري للثقافات، فهي تحمل من جهة رؤيا فلسفية للذات الشاعرة بوصفها نمطا ًبدنيا ًللمثقف كمنشد مخلص من الإنحطاط وتعرض من جهة ثانية متضادات نغمية " بولوفونية " تتواجه وتسمع سوية، السخرية والشفقة معا وهما تتنافران وتتكاملان، أساس هذه القصيدة الفلسفي وفرته فلسفة " نيتشة " القائلة بالثنائية في صميم الوجود، أما أساسها الجمالي فوفره الى حد ما " بيتس " بالربط بين ثلاثية (البطولة / الفعل / المعرفة) وموضوعة الخلاص الآخروي الجماعي " ربط التجربة الشعرية بالتجربة الدينية " هي قصيدة مركبة إذا ً من عدة أضواء متنافرة وكما تقول (د. زهرة) أنها قصيدة عن إحقاق الذات الشاعرة " رمزها وحيد القرن " في تحقيق إنجاز بطولي تراجيدي أصيل غير مسبوق، وتقوم القصيدة على قصة أسطورية تروي سعي وحيد القرن الى العذراء، ومقاومته لكل أشكال الإغراء، وينتهي هذا السعي اليها، تلك التي يستريح اليها ويستسلم، فتسلمه للصيادين(إذ ما تفعل بمن استسلم وأبعد قرنه جانبا) ويمزق الصيادون جسده ويأخذون قرنه الذي يستخدم في علاج العقم عند النساء والرجال .

2219 محمدالاسعداطاردك ِ من غير كلال

لا يصدني الإخفاق ..

ويقصيني طرادك ِ يوما ً فيوما ً

عن دارتي ومعبدي

عن مشغلي وملتقى الخلان

عن حقلي وعن ضريح غدي

ويشعث مرآي

الارتطام بالإشجار والصخور

واطاردك ِ إلى أن

ينطلق السهم الكبير

واهوي وتهوين لاهثين

يجرّنا معا صائد ٌ

أيدري ؟ ليس يدري

أي شيء يفعل بنا !

هذه الأحداث تؤدي دور المعادلات الموضوعية لكل ما يعتمل في القصيدة من مشاعر وعواطف، أو للفكرة الميتافيزيقية على رأي (د. زهرة) .

تصوّر الباحث (عيسى بلاطه) في مقال له " أن وحيد القرن يمثل الشاعر البطل الفاضل والمحاصر، ذلك الذي يفضل أن يظل ّ وفيا ً لطبيعته، بينما تمثل العذراء المثل والمبادىء التي يؤمن بها الشاعر الذي يتنكر له العالم، ولكن الشاعر بدلا من أن يساوم على المبدأ والمثال ويستسلم، يظل متمسكا بحبه لما يؤمن به، حتى وأن قاده هذا الى المعاناة والموت "، هذا واستنادا الى المنابع الفلسفية التي استند اليها

" توفيق صايغ "، تختلف (د. زهرة) مع هذا التفسير بذكاء فهو ينم ّ عن عدم معرفة أو تجاهل لبنية القصيدة الأساسية القائمة على تنافر الأصوات، وستبرهن في تحليلها المعمق لهذه الأصوات ومرجعياتها،على أن الدراما لم تكن بين الشاعر وعذرائه التي يؤمن بها من جانب، والعالم ، عالم الصيادين من جانب آخر، بل بين تعارض صوت وحيد القرن المثالي والعذراء التي انتظرت كائنا ً من لحم ودم فإذا بها تفاجىء بكائن من غيوم .

توفيق صايغ يجسد في شعره وحياته كل مواصفات البطولة التراجيدية وعناصرها، فهو المنفي عن الوطن وفيه، وهو المختلف لغة ً وتجربة ً وأسلوبا ً، وهو طريد الجغرافية وشريد المرأة وشهيدها، كما يقول عنه الشاعر شوقي بزيغ:

(هو يتشاطر مع يوسف الخال نزوعه اللاهوتي وتجربته الصحافية الرائدة والمضنية، ويتقاسم مع أنسي الحاج مروقه اللغوي ولقب " القديس الملعون ")، هذا هو توفيق صايغ المنسي في مناولات النقاد والشعراء، كتب القصيدة بالنثر، في طول الوطن وعرضه، لأنه وعى التجديد أسرارا ً وأعماقا ً وأبعادا ً ومساحات، قول سعيد عقل عن كتابه الشعري " ثلاثون قصيدة ":

(إن كتابه لا ليقرأ، إنه ليغدو خلجات فيك، ودما ً دافقا ً ونارا ً، إنه مزيج من شبق ٍ ولاهوت ٍ، من كشف علمي وخطيئة، وبراءة ملائكية أولى، لكم هو ابن ٌ للحياة، هذا الذي لم يتعب من قرع باب الحياة) .

(2) سريران تحت المطر

يتذكر " الأسعد " بأن أول لقاء له بشعر (محمد الماغوط / 2006 – 1934) جاء حين وصل الى فصل" قصيدة النثر" في كتاب " قضايا الشعر المعاصر " للشاعرة نازك الملائكة (1962)، في هذا الفصل أشارت الشاعرة في معرض تنديدها بالشاعر وشعره الى مجموعة محمد الماغوط الأولى " حزن في ضوء القمر "، واقتطف " الأسعد " منها قصيدة لتدلل للقاريء على أن هذا الذي أطلقت عليه صفة " بدعة غريبة " ليس سوى " نثر طبيعي مثل أي نثر آخر " لأنه حسب تعبيرها خال من أي آثر للشعر، فليس فيه لابيت ولا شطر .

ويتذكر " الأسعد بأن اللقاء الثاني حين قرأ للناقد " صبري حافظ " في أحد أعداد مجلة " الأداب " البيروتية خاص بالشعر الحديث، مقالا ً بعنوان " هذه القصيدة .. لا شعر ولا نثر " .

يتابع " الأسعد " في دراسته بأن " الشعرية " العربية لم تدُرس دراسة كافية، ولم يُستخلص حتى الآن مفهوم للشعرية يضىء الى حد معقول الفرق بين " البيت والشطر " أي النظم، وبين " الشعرية " رغم توافر إشارات جميلة هادية، الأكثر دلالة على الإحساس المبكر بالشعرية التي لا تعلق لها بوزن وقافية جاء في كتابات البلاغي " عبدالقاهر الجرجاني " وبخاصة في كتابه " دلائل الإعجاز " حين درس هذه " الدلائل " واستخلصها من الشعر الموزون ومن النص القرآني ومن مجرد أقوال وحكم سائرة، " الأسعد " يؤكد أن دلائل الإعجاز هذه تناظر في لغتنا المعاصرة دلائل الإبداع، أو الشعرية كما تفهم الآن في الأدب الغربي، وتحضره دائما قصة طفل " حسان بن ثابت " حين وصف لأبيه الشيء الذي لسعه بقوله

" كأنه ملتف ببردي حبرة " فهتف حسان " قال ابني الشعر ورب الكعبة "، هذا التشبيه الملموس للنحلة بكائن يرتدي عباءة يمانية حريرية مخططة، كان كافيا ً ليطرب حسان فيهتف هتافه المعروف، ويكشف لنا أن أبنه قال " شعرا ً " غير عابىء بما اذا كان قوله هذا موزونا ً أو مقفى، أليس أمرا ً يدعو الى السخرية أن يلتقط العربي منذ زمن مغرق في القدم جوهر " الشعر " من بين ركام الأعاريض

" الأبيات والأشطار والقوافي " بينما يعجز عربي معاصر، شاعرا ً كان أومختصا ً عن التقاطه، فينقض ّ على الشعرية، نافيا ً عنها هذه الصفة، ومؤكدا ً أنها ليست سوى " نثر عادي " ومقررا ً أن " لا مصلحة منها للأدب العربي ةلا للغة العربية ولا للأمة العربية " كما ذهبت نازك الملائكة، بل والمضي أبعد الى القول أنها

" لا شعر ولا نثر " مثلما جزم وحزم صبري حافظ ؟ .

أيها الربيع ُ المقبل ُ من عينيها

أيها الكناري المسافر ُ في ضوء القمر

خذني اليها

قصيدة غرام ٍ أو طعنة َ خنجر

فأنا متشرّد وجريح

أحبّ ُ المطر وأنين الأمواج البعيدة

تبعث هذه السطور أحاسيس لا رصيد لها في الذاكرة الشعرية، وتضعنا منذ الصفحة الأولى من صفحات مجموعة " حزن في ضوء القمر " في موقف لا يدعونا الى محاولة فهم معنى ما، بل الى تلقي شعور ما .

يقول " الأسعد " أن هذه الصور، العنيف منها والهاديء، والغاضب والطافح بالحنان، قد تجد تفسيرها في هذه الخلفية التي لا تخلو منها قصيدة، ولكنها لا تطالبه بالتفسير بقدر ما تلح عليه إختراق طبقة التفكير الى طبقة المشاعر، وترسيخ إحساس قوي بهذه الحياة المضطربة لمتشرد بألوان حادة، أو بألوان حارة بتعبير الفن التشكيلي، الألوان ربما هي الأكثر حضورا ً في تجربة الماغوط، وكذلك روائح الأمكنة واصواتها، وهو ما يعني حضور الحواس بمختلف تنوعاتها وتداخلها وتراسلها أحيانا ً، إنها أداة فنية، وربما هي أكثر الأدوات الدالة على أن ها هنا وقعة شعرية، لا صفوفا ً من الحكم والأمثال والمواعظ .

لا شيء يربطني بهذه الأرض سوى الحذاء

ولكن من يلمس زهرة فيها

يلمس قلبي

الحياة مملة كالمطر بلا ماء

كالحرب بلا صراخ أو قتلى

هنا نحل ٌ .. وهناك أزهار

ومع ذلك فالعلقم يملأ فمي

لفت نظر " الأسعد " أن محمد الماغوط في مجموعته اللاحقة مثل " غرفة بملايين الجدران " و " الفرح ليس مهنتي " بدأ ينسى كما يبدو تجربته الأولى في " حزن في ضوء القمر " أي بدأ ينسى أنه شاعر بداهة أولى وليس " صانع " مشاعر أو  " عاملا ً " على إعادة سبك مشاعر، فتكاثرت في سطوره رغبات قول رأي ذي معنى، فبدأ يخرج من مجال استكشاف الأحاسيس والمشاعر والرسم بالألوان الى مجال المفارقات اللفظية، واستثارة الدهشة بالجمع بين فكرتين متناقضتين، وإعادة سبك وتدوير الصور الأولى .

محمد الماغوط بركان قلق متوتر لكنه صامت، بداياته الأدبية الحقيقية كانت في السجن وكما يقول: (معظم الأشياء التي أحبها أو أشتهيها وأحلم بها، رأيتها من وراء القضبان، وفي الزنزانة عرفت الخوف لأول مرة، وأنطبعت روحي بوشم التوجس من العالم، وهرب مني الأمان وربما الى الأبد) .

تثير الدهشة كلمات وضعتها " سنية صالح " في مقدمة طبعة أعمال الشاعر الكاملة (1973) تزعم فيها أن " بدائية الشاعر لعبت دورا ً هاما ً في خلق هذا النوع من الشعر "، وتمضي الى القول " إن موهبته التي لعبت دورها بأصالة وحرية كانت في منجاة من حضانة التراث وزجره التربوي، وهكذا نجت عفويته من التحجّر والجمود "، صحيح أن موهبة الشاعر كانت " في منجاة من حضانة التراث وزجره التربوي "، كما يبدو، ولكن هل يعني هذا أن حضانة التراث ترادف الزجر والتحجّر والجمود دائما ً ؟ لا شك أن إضافته الشعرية كان سيقدر لها أن تكون أكبر وأكثر ثراء ً بما لا يقاس لو حدث هذا التكامل .

أطلق على محمد الماغوط (كولومبس الشعر الجديد بلا أدنى شك)، إن شعريته ترسم لقصيدة النثر شكلا ً عربيا ً خالصا ً وصوتا ً عربيا ً نقيا ً، إن الإحساس الذي يحركه فينا شعر محمد الماغوط حسب رأي الدكتور علي جعفر العلاق (إحساس قاس ومتوتر، إحساس بالوجه القاتم للحياة وإرتباط بالمستوى الجحيمي منها، أي أنه لا يكتفي بالسطح اللامع للأشياء وتفاصيل حركتها اليومية، بل يغوص وراء شحنتها المغلقة التي تأخذنا مشاغلنا بعيدا ً عنها، فلا نجد فرصة للتفكير فيها أو تأمل دلالتها) .

لقد حفل موت محمد الماغوط كما حفلت حياته بالمفارقات، فقد مات هذا الصادق المعذب وكما قال عنه نزار قباني: (محمد الماغوط أصدقنا، يكتب بصدق، وليست لديه أية حواجز)، جعل من خلال موته دموع الحزن تتلألأ في سماء عينيه كالنجوم هذا هو محمد الماغوط واحد من فرسان الكلمة التي أيقظت الكثيرين ولم تزل، وأنها لا بد واصلة طالما أن الحياة مستمرة والضمائر حيّة والعقول تنبض .

(3) حسرة الظل !

يتناول " الأسعد " أنسي الحاج (2014 – 1937) في تقديمه لمجموعته الأولى

(لن) 1960، عندما يسأل أنسي الحاج " هل يمكن أن يخرج من النثر قصيدة ؟ "، واجاب بنعم، بعد أن نثر بين يدي القارىء عدة مستندات اهمها التمييز بين النثر والشعر، كمقدمة للتأكيد على أن النظم ليس هو الفرق بين النثر والشعر، فقد قدمت التراثات الحية شعرا ً عظيما ً في النثر ولا تزال، وما دام الشعر لا يعرّف بالوزن والقافية، فليس هناك ما يمنع أن يتألف من النثر شعر، ومن شعر النثر قصيدة نثر .

من هنا جاء كل ما طرحه " أنسي الحاج " في تقديمه لنفسه قراءة عجولة لمقدمة كتاب الفرنسية " سوزان برنار " " قصيدة النثر من بودلير الى أيامنا " 1959،  لم يكن لدى هذه القلة آنذاك وعي ولو ضئيل بضرورة مراجعة حصيلة ما لديها، أو لم يكن لديها في الحقيقة شيء تستند اليه سوى ما توحي به اللغات الأجنبية، كان "مفهوم الشعر " في الثقافة العربية مغلقا ً حتى دون منجزات أساطين البلاغة العربية من أمثال الجرجاني وحازم القرطاجني وابن رشيق، فلكي يوضح ماهية قصيدة النثر، استعار شروط قصيدة النثر ثلاثة: " أن تكون موجزة توفر عنصر الإشراق، وأن تكون متوهجة، وأن تكون مجانية "أما علي أحمد سعيد "أدونيس" الذي ذهب الى النبع ذاته، فقد التقط شروط الماهية نفسها (مجلة شعر عدد14 / 1960)، فلديه نجد شروط قصيدة النثر أن تكون كلا ً عضويا ً مستقلا ً، وأن تكون بناء ً فنيا ً متميزا ً لا غاية له خارج ذاته، مجانيا ً بمعنى أنه لا زمني، لا يسعى إلا غاية، يعرض نفسه مثل " شيء " من الأشياء، أو كتلة لا زمن لها أو فيها، وأخيرا ً هناك شرط الكثافة أو الإيجاز، تركيب إشراقي بلا شرح ولا تفسير أو استطراد، لكننا لا نجد بعد كل هذه السنوات إلا قلة من شعراء قصيدة النثر استطاعت تدبر هذه المفاهيم تدبرا ً حكيما ً، والإصغاء جيدا ً الى ما قالته الملهمة الأولى " سوزان برنار ":

" تنطوي قصيدة النثر على مبدأ فوضوي وهدام لأنها نشأت في التمرد على أعاريض الشعر، وأحيانا ً على قوانين اللغة المعتادة، ولكن كل تمرد على القوانين القائمة مجبر إذا أراد تقديم عمل أدبي باق، أن يحل محلها قوانين آخرى، حتى لا تصل القصيدة الى ما هو غير عضوي يفتقر الى الشكل " .

وتجاهلت الأكثرية، وما زالت تتجاهل قولها:

" صحيح أن الوزن والقافية ليست كل شيء في القصيدة، إلا أن شاعر قصيدة النثر يبحث عن المتعة الشعرية أيضا ً في مكان غير الشعر المنظوم "، أي أن غاية القصيدة هي الشعر في كلا الحالين، حال التمرد على البنى القائمة، وحال بناء فن ينتظم في قصيدة .

ويتابع" الأسعد" بأن "أنسي الحاج "لم يتقدم مع مجموعته الثانية " الرأس المقطوع/ 1963)، نحو شعرية متميزة ممتعة، إلا أن قاريء هذه المجموعة يلاحظ أنه بدأ يحكي حكايات، ولم يعد يتوقف كثيرا ً عند رد الفعل، مجرد رد الفعل الغاضب على الجاهز اللغوي المبثوث حوله وفي داخله، ونلمس حنينه الى الشعر في لمحات باهرة موحية في مجموعته (لن) نجدها تقف حزينة الى حد ما وسط ركام الكلام .

يجب أن أبكي، كيف نسيت ُ أن الدموع تعكر

المرايا ؟ المرآة غابة لكن الدمعة فدائي ّ فلأسمع جلبتك ِ

أيتها الرفيقة ! فلأرفع لوائك ِ حتى تتقطع َ أوتار كتفي !

تمُطر فوق البحر .

لم يعد في العالم دمعة .

على هذه التجربة أطلقت مجلة " شعر " حاضنته الأولى، تعبير " الشاعر مقنعا ً يغامر مع حاله "، أي مع لغته التي تعلمها أو أملاها عليه التقليد المدرسي، وتاق ليس الى تحرير الشعر وحده بل الى تحرير نفسه، ولأنه حر، وبمقدار ما يكون حرا ً، تعظم حاجته، حسب تعبير أنسي الحاج نفسه، إلى اختراع متواصل للغة تحيط به، ترافق جريه، تلتقط فكره الهائل التشوش والنظام معا ً، ليس للشعر لسان جاهز، يؤكد " الأسعد " بأن أنسي الحاج يقترب من قول أحاسيس ناصعة بالغة الجدة مع مجموعة (ماضي الأيام الآتية / 1965)، وبعد ذلك مع مجموعة (ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة / 1970)، بصياغة بنية لغوية وجسد للقصيدة شبيه بالإنشاد بعناصر أشد تأثيرا ً، الإيقاع هنا أكثر وضوحا ً، ينساب بسلاسة ويتسرب إلى القلب من دون تقاطعات مفتعلة أو تشويهات سريالية مفتعلة، هنا تتواصل الأشياء، وتتصل مثل تموجات، ولا تتنافلا كما يتنافر حطام في زحام من الصور وشظايا الصورة .

(لو عاد زماننا أيتها الطالعة من الروايات لجعلتها أثمن من الموت)، هنا حزن ٌ شفيف من نوع ما، تقل ! معه المجانية بمفهومها المشوه، وكأن الشاعر ضجر من تلك الرغبات السريعة الإنطفاء، وتحول الى مراقبة وتأجيج مجمرة تشتعل بهدوء

ويسري وهجها رويدا ً رويدا ً:

أحب ذكرى الأيام التي كانت تمشي تمشي ولا تعرف أنها ستنتهي في كتاب، أحب ذكرى الأزمنة العاملة، المغموسة، الضبابية، ذات العمالقة الذين مشوا مشوا وهم لا يعرفون أنهم سينتهون في كتاب .

وفي النهاية يعبّر " الأسعد " بأن هذا الأستكشاف جاء ليمثل بتلقائيته الشاعرية نية وإرادة صياغة قوانين القصيدة الجديدة، ليمنحها قواما ً بعد أن أهتدى الشاعر الى لغته، وهل كانت المغامرة الأولى إلا بحثا ً عن لغة ؟ البحث في نصوص منسية خارج المجال الضيق الموروث، وتأمل طبقات مهملة في تضاريس ثقافة الأرض العربية، وميل واضح الى تركيب للجملة مستمد من تراكيب ترجمات سفر مثل  (نشيد الإنشاد)، كانت للجملة اليونانية فيها سيطرة، وتعقب نصوص الألواح الكنعانية والبابلية والآشورية التي كشف عنها المنقبون، صحيح أن هذه " مغامرة سافرة مع الشعر " ولكنها مغامرة للوصول الى البسيط بساطة جذع لم يلمسه إزميل أو حجر لم يصل اليه النحات بعد .

لم يكن أنسي الحاج شاعرا ً عاديا ً، إضافة الى كونه واحدا ً من رواد قصيدة النثر العربية، تميز بلمسة شعرية خاصة، هو لا يستعير من تراث الشعر شيئا ً يتوكأ عليه في قصيدة النثر، لكنه يخلق من النثر شعرا ً، هو يعرف أكثر من كل الشعراء أن النثر وحده فيه كل مقومات الشعر، يقول عنه الشاعر أدونيس:

(معك يا أنسي، يزداد إستمساكنا بحبل الرؤيا، يتسع أسلوبنا في التعبير عنها، وينمو ويغنى، يصبح لنا نوع آخر من الشعر، ومن النثر أيضا ً) .

 

توفيق الشيخ حسين

 

 

عبد الله الفيفيقال (ابن أبي الآفاق التراثي):

- يبدو أنَّنا في اللغة العَرَبيَّة المعاصرة نقف بين فرقاء متشاكسين: أُصوليٍّ متنطِّع، وعَيِـيٍّ عن فهم العَرَبيَّة وبلاغتها.

- مثل مَن؟

- مثل أولئك الذين يُخطِّئون الاستعمالات الدارجة، وإنْ كانت صحيحة، بل قد تكون أصحَّ من اللغة الرسميَّة في الاستعمال الفصيح.

- هل من مثال؟

- كثيرةٌ الأمثلة، وحسبك من القلادة ما خنقك!  وقد ضربتُ لك بعضها من قبل.

- اضرب لي بعضًا آخر، ولا يهمَّنك.. وليخسأ الخاسئون!

- مثال على ذلك كلمة "طِيْلَة".  فنحن تلقَّينا تعليمنا الابتدائي، في جِيلي، على أيدي أساتذة أعزَّاء من بلدان الشام، من (فلسطين) و(الأردن)، خاصَّة، وربما كانوا وراء اكتسابنا بعض التعبيرات، مثل قولنا: "طِيْلَة الوقت"، أو "طِيْلَة العام الدراسي".  ولمَّا كبرنا، وتفقَّهنا في العَرَبيَّة، أو هكذا شُبِّهَ إلينا، قال لنا الفقهاء الأصوليُّون من اللغويِّين، إن الصواب أن نقول: "طَوَال الوقت"، و"طَوَال العام الدراسي".

- وما العيب في ذلك؟

- العيب أنَّ عبارة "طَوَال الوقت" مغسولةٌ من معناها البلاغي.  والمشكل أنَّنا نلتزم بما وُجِّهنا إليه، صُمًّا وعُميانًا، من دون تأمُّلٍ أو بحث.  بل نطبِّق ذلك على طلبتنا من بعدنا.  وهكذا تستمرُّ عمليَّة إماتة العَرَبيَّة وبلاغيَّاتها التعبيريَّة، بدعوَى التفاصح.

- كيف؟

- طِيْلَة بمعنى: "عُمْر"، وطَوال بمعنى: الامتداد الزمني الطويل، لا أكثر.  يقول الشاعر الأُموي (القطامي، عُمَير بن شُيَيم، -نحو 101هــ= 719م):

إنَّا مُحيُّوكَ، فاسلمْ أيُّها الطَّللُ  ...  وإنْ بَليتَ، وإنْ طالتْ بِكَ الطِّيَلُ

والطِّيَل: جمع طِيْلَة.  فمعنى قول الشاعر: وإنْ طالت بك الأعمار.  ومن هنا فإنَّ قول القائل: "طِيْلَة الوقت"، أو "طِيْلَة العام الدراسي" صحيح، وفيه فضلُ تعبيرٍ بلاغي.  لأنه لا يريد أن يشير إلى طول امتداد الوقت فحسب، ولكن يريد أيضًا أن يومئ إلى أنَّ طوله كطول العُمْر.  كأنَّه يقول: بامتداد العُمْر الزمنيِّ لذلك الوقت، أو بامتداد العُمْر للعام الدراسي.  وهكذا يتَّضح أنَّ في كثيرٍ من التعبيرات المستعملة في دارجتنا اليوميَّة مجازاتٍ لطيفة، وأحيانًا بلاغاتِ حذفٍ، يغفل عنها فقهاؤنا اللغويُّون.  أو بالأحرى لا يمتلكون حِسَّها الفِطريَّ أصلًا، الذي ما بَرِح في العَرَبيَّة اللهجيَّة، وإنْ لم تكن مُعرَبة، وإنَّما يفرضون على الناس لغةً معجميَّةً باردة، ليست بلُغةٍ على الحقيقة، كثيرًا ما تفتقر إلى التصوير، والمجاز، وبلاغة التعبير.  وقد تقدَّم، في مقالٍ سابقٍ تحت عنوان "أنفلونزا المجاز"- تجده عبر "قوقل"- كيف أنَّ هؤلاء قد يمتدُّ تطاولهم إلى تخطئة كبار الشعراء.  فيقولون، مثلًا: إنَّ قول (أبي الطيِّب المتنبِّـي): "تَجري الرِّياحُ بما لا تشتهي السُّفُنُ"، خطأٌ، صوابه: "السَّفِن"؛ لأنَّ السُّفن لا تشتهي! ولا تسألني: ما معنى "السَّفِن" هذه! وطبعًا هؤلاء ورثة الحساسيَّة من المجاز في اللغة، من السلفيَّة التيميَّة، في ما ظلُّوا يشنُّونه من مغازٍ مباركةٍ وحروبٍ طاحنةٍ ضِدَّ أبناء عمومتهم المعتزلة!

- لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله! يذكِّرني هذا بسالفة رجلٍ أراد أن يغيظ امرأته فخصَى نفسه! يوشك هؤلاء المتأخِّرون في تبلُّدهم البلاغيِّ أن يكون أحدهم كإنسانٍ آليٍّ، يُردِّد ما بُرمِج به، بلا وعيٍ بطبيعة اللغة ووظيفتها.  لكن ماذا عن بقية الفرقاء المتشاكسين؟

- منهم- في المقابل- مغسول الهويَّة، ساقط الانتماء، وجاهلٌ مؤدلَج.  كذلك (القُمُّص المشلوح)، الذي حكيتُ لك عنه في مساقٍ سابق.

- آه، صحيح، ما أخباره؟ شوَّقْتَني إلى فَهاهاته!  فهاتِ ما لديك من آخِر أخباره.

- عهدي به قديم.  لكن لا جديد لديه، حسب آخر اطِّلاعي، وإنَّما يُعيد ويُبدئ كلَّ يومٍ في قضايا عتيقة، أكلَ الدهرُ عليها وشَرِب، وقُتِلَت بحثًا ودرسًا. يظلُّ يُنقِّر فيها، لعلَّ وعسى؛ لأنَّ الرجل محترِقٌ...

-  محترِقٌ؟  تقصد: محترِف!

- لا، بل هو محترِقٌ بالتفتيش عن شيءٍ ما يتنقَّص به من الإسلام، بوصفه عقيدة، يريد أن يحاربها؛ لأنَّها تخالف معتقده. وهذه كلُّ الحكاية، وهذا جوهر اهتمامه، ولا شأن له لا باللغة ولا بالثقافة، فما هاتان عنده غير وسيلتين. تراه يقفز كالسَّعدان من موضوعٍ إلى موضوع، تارةً يطلع بعمامة العالِم اللُّغوي البحر، في وقتٍ لا يقيم كلمتين سليمتين من اللحن والعجمة والعِوج والعِيِّ والعاميَّة- فضلًا عن العَمَى بدلالات الألفاظ، وأساليب العَرَب البلاغيَّة- وتارةً ينتفش في عرض ملابسات التاريخ، وتارةً يخرج ليُلقي سنَّارته في بحور العِلم الطبيعيِّ والفَلَك، وهكذا دواليك.  إنَّه حاطب ليل، لا يحترم عِلمًا، ولا عقلًا، ولا نفسه.

- تلك هي اللجاجة في التعصُّب، حينما يعصفان بصواب مَن لا صواب له؛ فإذا هو يتعلَّق بقشورٍ يجمعها، أو تُجمَّع له، لينثرها على مائدة مؤيِّديه، وبساط عوامٍّ ممَّن على صعيده وشاكلته، هاشًّا بسيفه الخشبيِّ طواحين الهواء، كما كان يفعل (دونكيشوت)، أو كما كان يفعل مجنوننا القديم (أبو حيَّة النميري) بسيفه الخشبيِّ، الذي كان يدعوه "لُعاب المَنِيَّة"! 

- وهكذا ما زال خائضًا في اكتشافاتٍ قُمُّصيَّةٍ لغويَّةٍ مذهلة، تليق بالقرن الحادي والعشرين. ونقول إزاء هذا: إنَّ لكلٍّ أن يُدافع عن وجهة نظره واقتناعاته، لكن مَن أراد أن يستدلَّ، فليكن أوَّلًا على عِلْم، وليبحث عن الحقِّ حيثما كان، لا عن عقيدةٍ ورثها، يقلب كلَّ شيءٍ في سبيلها لتستوي له. ثمَّ ليحترم العقول؛ فهي لا تختلف وإنْ اختلفت الأديان، وإنْ غُيِّبت إلى حين. أمَّا صاحبنا، فيمضي على ذاك النحو من الهذر، بالمعنى الفصيح، لا بالمعنى في الدارجة المغربيَّة.

- ماذا تعني؟

- كلمة "الهذر" بالدارجة المغربيَّة تعني الحديث أو المناقشة، بالمعنى الإيجابيِّ لا السَّلبي!  وأمَّا قُمُّصنا الهُمام، فيهذر فعلًا، ليستغفل طوائف من الناس، ويُضلِّل البسطاء، عارضًا رُمحه بجزئيَّات معروفة سلفًا، نوقشت في كتب النحو والتفسير منذ مئات السنين، فإذا جَنابه يفرح بها أيَّما فرح، وكأنَّه مكتشف الجاذبيَّة، لاجًّا في صراخه: وجدتها.. وجدتها!

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيْفي

 

 

طالب عمران المعموريوانا أتصفح المجموعة اقف متأملا عنوانها والعنونة الداخلية كعتبات نصية، والتي تعتبر من المباحث المهمة التي ميزت علم اللسانيات وعلم الدلالة وحتى العلوم الفلسفية والتأويلية والتحليلية باعتباره منهجا نصّيا مشتغلا على المفاتيح الأساسية للنصوص، والعنوان واحد من أهم المفاتيح التي تخضع للتحليل والمساءلة1

(رأس تقد به الرغبة) مجموعة شعرية  للشاعر الحسين بن خليل صادرة عن دار الارقم ، حلة ، 2019.بمئة وست صفحات ، تحتوي المجموعة على احدى والثلاثين نصا،.

إنّ  مرادف العنوان كمصطلح لغوي جاء في لسان العرب عن ابن سيده قوله: “العنوان والعِنوان سمة الكتاب، وعنونه عنونة َ وعنَّاه إذا وسمه بعنوان وقال أيضا: العنوان سمة الكتاب، وقد عنَّاه وأعناه، وعنونة الكتاب.. قال يعقوب: وسمعت من يقول: أطنْ وأعنْ أي عنونْه وختمه، قال ابن سيده: وفي جبهته عنوان من كثرة السجود أيْ أثر.

جاء العنوان كعتبة اولى واحدى المناصات المهمة والذي قدم فيه شعرية المناص على شعرية النص   للمجموعة بلغة شعرية جميلة وبصورة ابداعية انزياحية (رأس تقد به الرغبة ) فصار دور المناص (العنوان) الاساسي هو تحفيز القراء وتنشيطهم وازدياد فضولهم على القراءة وسبر أغوار النصوص في المجموعة ، وكذلك جاء الاهداء كمناص آخر وبلغة شعرية معبرة عن حالة الوجد والالم ،

الى

الروح المرافقة لظلي

                   الظل المنسدل من خاصرتي

                      الخاصرة

                            التي لاتزال ذابلة

أهدي اليك خلاصة ليلي

العنوانين والنظر اليها لم تكن وليدة اللحظة بل كانت من الإشكاليات التي حاول عدد كبير من الباحثين والمختصين في اللغة والتحليل والتأويل والتفكيك الاشتغال عليها فسيمياء  العناوين كانت ولاتزال مصبّ اهتمام النقاد والدارسين وليس الأمر جديدا بالمرَّة،

فالعنوان الرئيس والعنونة الداخلية للنصوص عنونة مبتكرة 2  تعطي انطباعا شعريا تجديديا لقصيدة النثر عتبة تفضي بنا الى عالم المجموعة ( رأس تقد به الرغبة ) يحمل تأويل تأبيري للعنونة 3 وبدلالات انزياحية ولغة شعرية موحية لصورة تجسد الالم والارهاصات النفسية الناجمة  التي تكمن في الرغبات البشرية ، فهو ما بين ثنائية ضدية يرغب في ويرغب عن، والرغبة هي حالة ذهنية ترتبط عادة بعدد من التأثيرات المختلفة؛ فإذا رغب الشخص في شيء معين فإنه سيُحاول الحصول عليه، ولكن إن لم يحصل عليه في نفس الوقت فإنه سيشعر برغبة أكبر في الحصول عليه، وسيفكر فيه كثيرا، وسيجد افتقاده له أمر محزن.

ترتبط الرغبة بشكلٍ كبير بالمتعة والألم؛ إذ يشعر المرء بالمتعة في الأمور التي تعزز بقائه وتكاثره مثل الوضع الاجتماعي والسكر والجنس وهو يرغب بها، ويشعر بالألم اتجاه الأمور التي تهدد وجوده وهو لا يرغب بها، وبشكلٍ عام عندما يُحقق المرء رغبته فإنه يفقد استمتاعه بها، ويضع رغبات جديدة ليحققها، وهنا تكمن مشكلة الرغبة في أنها وجدت لتعزيز البقاء والتكاثر، ففي نصه:

قَشط أكسَدة الرغبة

في نعش النهد

أدق المسمار الاخير

على مضضٍ

حتى ارتشاف الصدأ

أشيَّع المتبقي من شفاف الوجه

الى القعر أبحث عن سكينةٍ

أرْجوحةُ الوقتِ تستعجل خافقي

والخوف يقف على الابواب يهدد لصوصيتي

جاثمةٌ أوردةُ ظلي

فوق آلاء الرب

تترقب على وجل ٍ نفاد َ الفرصةِ

مجموعة الشاعر الحسين بن خليل هي  عبارة عن اتقاد رغبات  ببعدها النفسي وهي حاجات النفس البشرية  فكل الرغبات والحاجات أثرها النفسي على سيكولوجية النص  ولغته الابداعية عند الشاعر الحسين بن خليل.

لأن الإنسان بفطرته إنسان راغب، وتُشكّل الرغبة لديه خاصيّة جوهريّة فيه، فتُعرّف الرغبة على أنّها ميل الشخص نحو الحصول على أمرٍ يفتقده الفرد في وضعه الراهن، فيثير هذا التعريف للرغبة عدداً من التساؤلات الإشكاليّة، من ضمنها تلك التساؤلات التي تتعلّق بعلاقة الرغبة كمفهومٍ مع عددٍ من المفاهيم الأخرى، والتي تبدو متاخمةً له، وخاصّة الحاجة. تتباين رغبات وحاجات الشاعر ، بين الحاجة ذات الطبيعة البيولوجيّة الماديّة، وبين الرغبة ذات الطبيعة النفسيّة اللاشعوريّة،

فالعنوان إذن هو أولى عتبات 4 القارئ التي يقيس دلالاتها على جميع مضامين النص،” فهو مفتاح الدلالة الكلية التي يستخدمها القارئ الناقد مصباحا يضيء به المناطق المعتمة في النص و التي يستعصى فهمها إلا من خلال العودة إلى العنوان

(ثنائي مفهومي (العنوان-النص)، فالعنوان هو  وجه النص مصغّرا على صفحة الغلاف لذا كان دائما "يعد نظاما سيميائيا ذا أبعاد دلالية و أخرى رمزية تغري الباحث بتتبع دلالاته و محاولة فك شفراته الرامزة)

وتبقى دلالة العنوان غائبة، مراوغة، عصية على القبض، تحتمل تأويلات عدة، فإذا كان النص هو المولود، فالعنوان هو المولد الفعلي لتشابكات النص وأبعاده الفكرية والأيديولوجية. يتجلى ذلك في العناوين  التي تعتمد المجاز المرسل والكناية كما  العنونة :

الثانيةُ الستُّون بتوقيت الهلع / على قدر الخوف يهطل العناق/ ركل مؤخَّرة الحرمان / الضحك على رفات الارض /الرقص مع وجوه الجائعين/ العودة مع نهد ممتلئ /على جسدك ينتصب الانتظار/ رغبة لامتطاء الموت / الانين المخبأ خلف الوجه / رقراقه لميسمك الجفون/ عندما يتعرى البيض

نرى في مجموعته تعدد المفاهيم المستحدثة، (الحذف – التكثيف – التشظي – التعدد الدلالي – اللامعقول –الغموض – الفنطازيا – الانزياح – العنونة المبتكرة– السرد المشوش – مشهدية الفوضى للحواس)  نرى ذلك جليا في نصه:

رغبة لامتطاء الموت

وَأنتَ تتقدّم نحوي ... هِمَّ خطاك

تعال بزي الصبايا ... أو تتعرى ،

أيُّها الموت

سأزحف لفتنتك  حتى الرمق الأخير

وأرحل بعيداً

حتى تضمحل ملامح السمرة

وتتبدد الرغبة ببلوغ العالم الآخر من هذا الكون

تختفي أوجاعي

تركع أمام شواطئ العزلة

سمفونيات الضحك الهستيري

إن الوصول لتحقيق الرغبة عند الفرد، والتي كان يسعى إلى تحقيقها كحاجةٍ ملحّة، يولد السعادة والشعور بالفرح الكبير، إضافةً إلى زيادة ثقة الفرد بنفسه، وأنه قادر على تحقيق رغباتٍ أكبر في المستقبل، وان تبدد الرغبات يولد الإحباط الذي  هي عبارة عن عمليّة تتضمن إدراك الإنسان لعائق يعرقل إشباع رغبة، أو حاجة يسعى إلى الوصول إليها وتحقيقها. نرى ذلك تجلي عنفوان الرغبة في  نصه  :

الثورةُ محفوفة بالعرف

.

.

.

الجموع الثائرة تتقاطر ملامحها المكتظة

 باليأس

عنفوان الرغبة يتأرجح في ذاتي

يتصنع الثمالة

في حانات الفقر المدقع

يرتجز بين الفينة والأخرى

تباً للعرف الممزوج بالدين الاجتماعي

أيها العشق الممنوع من اللمس

يعبر الشاعر عن وجده وحزنه الذي يستشعر من خلال وجوه الحزانى وانين الموجعين  الذين أتعبتهم الايام  ففي قصيدته (الانين المخبأ خلف الوجه ) متأثرا بقصيدة للشاعر موفق محمد وشخصية قصيدته (حسن) " كُف أنينك ، اتعبت الموتى!" نرى ذلك جليا في عنونة نصه الذي يغلب عليه هاجس الحزن الطاغي:

الانين المخبأ خلف الوجه

" كُف أنينك ، اتعبت الموتى!"

أي لا تكف يا حسن

فأنا مذ سمعت أغانيك

وما عدت أسمع تراتيل المعذبين

أي الانين تزقه لمسامعي

أيقظت الروح الراقدة في جوف الخوف

تفاضل أي الاوجاع صالحة لهذا الوجه؟.

ما عادت القناني المملوءة بالشعر تسكرني

ولا النبيذ الذي تدره العاهرات

كف الانين أو  لا تكف

فالأموات يرقصون على أغاني الله

في تلك الأماكن المبتورة من العالم السفلي

أي حسن

كل الاصوات أنين

حتى تلك الضحكة في وجه العيد

يشربني الوجع

ويقيئني على أرصفة التائهين

.

.

.

الى آخر الوجع ..فمن وجع الى وجع تتقد .. النيران في (رأس تقد به الرغبة)

***

بقلم طالب عمران المعموري

...................

المصادر

1- مازن الوعر، مقدمة: علم الإشارة/ السيميولوجيا، لبيير جيرو، ترجمة منذر عياشي، دار طلاس للدراسات و الترجمة، ط1، 1988، ص: 9.

2- ضيف الله (بشير) : سيميائية العنونة في في رواية سيدة المقام لواسيني الأعرج،  ديوان العرب منبر حر للثقافة والفكر والأدب نشر بتاريخ 14 مارس 2009 ،تاريخ الدخول 30/10/2017 الساعة 16.22.

3. الساعدي ، سعد، التجديدية في الشعر العراقي، نشر وتوزيع دار المتن، بغداد ، 2020.

4- عبد الحق بالعابد/ عتبات جيرار جينت من النص الى المناص. الدار العربية للعلوم ناشرون، الجزائر ،2008.

 

 

عدنان البلداوياستطاع وميض قلم الشريف الرضي بجدارة ان ينفذ بلا تصنع ولا إكراه الى كل القلوب المحبة للخير والحقيقة والنقاء. نفذ الى قلوب العباقرة لأنهم وجدوا في عبقريته اوسع مدى واكثر شمولا . ونفذ الى قلوب الفلاسفة لانهم وجدوا في احلامه وتأملاته ومُـثله العُليا ماينبغي للفلسفة ان تكون .. ولأنهم كلما قرأوا صفحة من حياته وجدوه فيها رجلا خبيرا بصراع الطبائع البشرية ، ويكفي الرضي فخرا بإرادته التي تحكمت في تلك الطبائع لتقدم ما يُرضي الله وما ينفع الناس وما يحافظ على سلامة الأصالة والعفة والنزاهة ..

ونفذ الى قلوب العلماء والفقهاء والمفسرين لانهم وجدوا فيه إماما في النحو واللغة والتفسير، قدم لهم في علوم اللغة والنحو والبلاغة في كتابيه (تلخيص البيان في مجازات القرآن) (والمجازات النبوية) وقدم للمفسرين كتابه الكبير (حقائق التأويل في متشابه التنزيل) وكتابه (معاني القرآن) وكتابه (الجيد في شعر ابي تمام) وغيرها ..

وتملك قلوب رجال التربية والتعليم لانهم قرأوه مدرسا ناجحا مخلصا لتلاميذه عاكفا على رعايتهم في اروقة مدرسته المسماة (دار العلم) .

ونفذ الى قلوب الطامحين وعشاق العلا والمعالى لانهم استأنسوا بدفء الوهج المنبعث من هالة مجده ومن ثقته العالية بسمو نفسه الطامحة صوب المعالي:

رمت المعالي فامتنعن ولم يزل      ابدا يمانع عاشقا معشوق

ونفذ الى قلوب الفرسان ليشحن جوها بحماسة ما بعدها حماسة ..

انها الاقدام دون تردد والطعان دون ملل او كلل:

اذا ما جررت الرمح لم يثنني اب      يليح ولا ام تصيح ورائي

ونفذ الى قلوب الاباة لانهم وجدوا في ادبه الجم مثال العزة والاباء والترفع.

ونفذ الى قلوب المؤمنين بمجد امتهم التليد ملهما اياهم حماسته المتميزة ليذكرهم بملحمة ذلك المجد وليبعث فيهم الهمة لاستعادة ماضي الامة :

نبهتهم مثل عوالي الرماح     الى الوغى قبل نموم الصباح

يانفس مـــــن هم الى همة   فليس من عبء الاذى مستراح

اما فتى نال العلا  فاشتفى     او بــطل ذاق الردى فاستراح

ونفذ الى قلوب كل العرب المخلصين لانهم وجدوا فيه النزعة العربية الاصيلة ، ولأنهم وجدوا فيه ناصحا امينا مخلصا بروحه العربية التي ابت الضيم في عهد ارتفعت فيه اصوات ارادت ان تطمس النقاء العربي وتحيل الاصالة العربية رسوما :

اذا عربي لم يكن مثل سيفه      مضاء على الاعداء انكره الجد

واستأنست بصبره القلوب الموجعة لانها وجدت فيه رجلا شرب كؤوس العلقم من يد الزمان .. رأى من البلايا ما انطقه بالشعر وهو في سن العاشرة ، ورماه بالشيب وهو في سن العشرين ، فما كان ذلك الوميض الا دواءً تلتئم به جراحاتهم :

ودهر لا يصح به سقيم      وكيــف يصح والايام داء

فلا تحزن على الايام فينا   اذا غدرت وشيمتنا الوفاء

فإن السيف يحبسه نجاد   ويطلقه على القمم المضاء

حتى الذين اساءوا اليه قد نفذت الى قلوبهم حكمه ومواعظه لانهم كانوا يتوقعون منه هجاء ، فاذا بمثله العليا تحيل الهجاء الى عتاب والى شكوى يلفها الالم والحسرة وتشرق في مضمونها الحكمة والرشاد :

وكم صاحب كالرمح زاغت كعوبه     أبى بـعد طول الغمز ان يتـقوما

تـقبـلــت مـــنه ظـاهــرا مـتـبلـجا       وادمـج دونـي بــاطـنا مُـتجـهما

صبرت على إيلامه خوف نقصه     ومن لام من لايرعوي كان ألوما

هي الكف مضٌّ تركها بعد دائها     وان قطعت شانت ذراعا ومعصما

حملتك حمل العين لجّ بها القذى     ولا تـنجلي يــوما ولا تـبلغ العمى

اذا العضو لـم يـؤلمك الا قطعته     على مضض لم تبق لحما ولا دما

وبعد :

ماذا عن الاجواء الاخرى التي نفذ اليها سنا الشريف؟

هل للشعراء نصيب ونصيب للنقاد؟

الشعر تحت قبة الشعراء مطبوع ومصنوع ولاشك في انه نفذ الى قلوب المطبوعين منهم لانهم وجدوا فيه شاعرا مطبوعا يترجم ما في صدورهم بلغة الشاعر للشاعر وبارعا يحترم النص لفظا ومعنى .

يقول بعض من كتب عن الرضي انه كان يلتمس من نظمه الغزل بالحجازيات ليهرب من الضيق الذي كان يلقاه في بيئته الرسمية ذات المسؤوليات العظام والاخطار الجسام ..

اقول : ان هذا وارد من الناحية النفسية ولكن لماذا اكثر الرضي من قصائد الغزل لاسيما الحجازيات التي بلغت نحو اربعين قصيدة ، وان كان ذلك واردا ايضا فلماذا سمح بإشاعتها وهو محسوب على الفقهاء وعلماء الدين والمراجع وكانت مسندة اليه نقابة الطالبيين

لقد ادرك الشريف الرضي بحكم مركزه الاجتماعي والديني خطورة شيوع اشعار الخلاعة والمجون في عصره وما لها من اثر بالغ في تصدع الجوانب الاخلاقية ، فرأى ان ايقاف المد الشعري الماجن لايمكن تحقيقه الا بمد شعري مضاد ، لان المسألة تتعلق بالمشاعر والاحاسيس ومخاطبة النفس ، فرأى ا ن يقدم لمجتمعه شعرا عفيفا نظيفا عبّر من خلاله بان هناك ماهو اسمى وانقى ، فقادته شاعريته الفذة الى ان يحارب المجون بالعفة فكان تحصيل حاصله قصائد وجدانية بدأت تهذب العواطف الجامحة صوب الجنس وتجعل النفس امام خيار جديد هو السمو بها عن الوضاعة وسفاسف القول ، لذلك اقتصر في نسيبه على تصوير الجوانب الحسية من الجمال تصويرا لارفث فيه ولافسوق وهذا مايقتضيه الحب القائم على صلة الروح بالروح لا صلة الجسد بالجسد .

اما ايمانه العميق في اداء رسالته هذه فمرده الى انه شاعر قد وعى فلسفة الجمال ، لذلك اباح لخياله الانطلاق في ذلك العالم الساحر انطلاقا لم يكن بدافع اللهو او اللعب انما هو التسبيح لخالق الجمال والشكر له على ما انعم وابدع من صور ومحاسن يستوجب على مؤمن مثل الرضي ان يتحدث بها ويسمح بإشاعتها املا في ان يتحقق مفهوم الاقتداء في مجتمع يحتاج اليه .

وكان الرضي موفقا في تحقيق اهدافه المثالية هذه ، اذ لم يتحدث احد الى الآن انه قرأ شعر الرضي في الغزل والنسيب فدعته نفسه الى مراجعة المباغي وسبل الضلال، بل تحدث كل الذين قرأوا شعره انه حبب اليهم الحب النزيه العفيف النبيل الذي يمكن اعتباره اللبنة الاساس في بناء الاسرة الطاهرة الصالحة لانه لم ينبعث الا من التفكير في شريف المصاهرات :

يميل بي الهوى طربا وانأى       ويجذبني الصبا غزلا فآبى

ويمنعني العفاف كــأن بيني        وبين مآربي مــنه هضابا

وهكذا شاعت قصائد الرضي الغزلية المسماة بالحجازيات مزدانة بالذوق الرفيع والوجدان الصادق حتى اصبح الناس في مجتمعه بعد اشاعتها يستمعون الى لونين من الشعر: شعر الغزل الخليع الذي هو اقرب الى الابتذال والخفة وجرأة الكشف عن المحظورات الجنسية وكان يمثله رهط ماجن من الشعراء، أما شعر الغزل العفيف الذي هو اقرب الى الرزانة واحترام مشاعر المرأة المسلمة فكان الرضي من رواده وهذا يعني انه استطاع ان يزاحم المد الشعري الماجن وان يجعل ذوق المستمع المعاصر امام اختبار جاد يكاد يُفصح عن حقيقة سريرته في قبوله احد اللونين..

 

عدنان عبد النبي البلداوي