محمد كريم الساعديالشعر في أبهى صوره هو موقف من الحياة، ومن البيئة، ومن المجتمع، وهو موقف من السياسة ودروبها المتعرجة وتقلباتها، وهو موقف من الدين والاخلاق والنفس ورغباتها وجبروتها، أو خضوعها . فالشاعر في قصائده مواقف، ولكل موقف منها انطلاقة أبداعية تمليه عليه طبيعة الظروف، أو بعض ما اكتنزه من تجارب جعلته يدوّن حروفه على مقتضاها، أو على ما حمله وجدانه من معطيات نابعة من تأثراته في مشهد ما، وللخيال نصيب في ذلك أيضاً،أو تكون رؤى الشاعر منبعها تعليمي لها تأثيرات في مواقفه وصوره الشعرية وفي قصائده المدوّنة على جدران العمر بمحطاته المختلفة .
في هذه القراءة الشعرية للشاعر (ماجد الحسن) التي قد تجتمع في قصائده الكثير مما ذكرناه من عوامل في دواوينه الشعرية (خيول مشاكسة، أول الرأس الفجيعة،أين سيهبط هذا الدخان؟، كيف أصدّق غيابكما؟)، وغيرها من الدواوين الاخرى، ولكن هنا في هذه القراءة سنركز فقط على التأثيرات الفكرية والفلسفية في قصائده وما هي صورة الإنسان لديه التي عكستها في هذه الرؤى الشعرية دراسته الفلسفية، كون الشاعر درس الفلسفة في جامعة بغداد، مما اعطته هذه الدراسة الفلسفية مساحة فكرية واسعة من حيث التواصل الفكري الفلسفي مع القصيدة من جهة، وكيفية انعكاس هذه القراءات الفلسفية في مواقفه من الحياة التي تأخذ في بعض جوانبها هذه النظرة المتأملة من جهة أخرى.
إذ يرى (الفيلسوف الألماني هيغل ) في هذا الجهد الفكري الفلسفي التأملي جهداً مهماً في دعم المنجز الابداعي، بعد الخيال الذي يعده الجهد الأول في العمل الابداعي، فهو يقول عن الفكر الفلسفي الآتي:" أن الفكر الفلسفي الهادئ قادر من جهة ثانية، على أن يبعث الحياة والحركة في أفكاره المنهجية، عن طريق تلوينها بالعواطف والمشاعر، وبتعبيره عنها في صورة عينية، محسوسة وفي متناول الأدراك الحسي "(1) الذي يعبر عن الموضوعات والمواقف منها حسب مقتضيات الجانب الوجداني لدى الشاعر .
من هذه الفكرة التأملية في شعر (ماجد الحسن) رأيت أن أناقش اشعاره على وفق المنطلق الفلسفي التأملي لصورة الإنسان لديه، وطبيعة الإشارات في الصور الـتأملية في موقفه الفلسفي، وهنا لا أقول أن اشعار (ماجد الحسن) هي ترجع الى فلسفة بعينها بصورة متطابقة، لكن فيها بعض ما يتوافق مع بعض الرؤى التأملية التي سنطرحها في هذه القراءة، لذا سأختار قصائد من الشاعر، وأحاول أن أقرأها على وفق مختارات فلسفية في قراءة نبحث فيها عن صورة الإنسان في شعر (ماجد الحسن) .
يرى (فريدريش نتشه) في تأملاته للإنسان وصوره في الجميل والقبيح الذي يرى في نفسه هو العلة لهذه الصور وليس ما دونه علة أخرى يقاس من خلالها، إذ يقول: " يعتقد الإنسان أن العالم نفسه يفيض جمالاً، وينسى نفسه كعلة لذلك الجمال، فهو وحده الذي منح العالم جمالاً، جمالاً إنسانياً فحسب، جمالاً إنسانياً مفرط في الإنسانية ... وفي الحقيقة يعكس الإنسان نفسه في الأشياء، ويجد جميلاً كل ما يعيد اليه صورته الخاصة "(2) . وهذه طبيعة النسيان التي يتمثل بها الإنسان لنفسه في اشعار(ماجد الحسن) يتوافق مع الصيغ الإنسانية على وفق المعطى الفلسفي للجمال والقبح في رسم ملامحه الذي يبحث عن علته في الأشياء من حوله، على الرغم من صور الأشياء ذات المنظر المتناسق في اعطاء تصورات عن مفهوم الانسان لدى الشاعر وصوره المفجوعة في قصائده، وهي الأكثر حضوراً، مثل: (الارصفة الخادعة، البحر المزهو بالرحيل، حكايات العزاء، ملكوت الضياع، والمقابر المبتكرة، أجساد ذابلة) وغيرها، وهذه الصور التي تمثل القبح وتعكسه في المدن الشاحبة التي تسكنها (قامات يلعق الضيم ظلالها) . وهنا يأتي السؤال، هل أن صورة الإنسان الخاصة في عالم (ماجد الحسن) قاتمة ؟ وهل هي نفسها صورة الإنسان الذي نسى نفسه كعلة للجمال، وأصبح يظهر في ثلاثة صور هي: (صورة حزينة، وأخرى مفجعة، وثالثة فيها فلسفة متعالية قد يصعب فك رموزها )؟، لكن الشاعر يحاول أن لا ينسى التخفيف من حدة القلق في صورة الإنسان لديه وإعطاء صورة رابعة يرسم ملامح صورة (الإنسان الممكن) على الرغم من أنها تتمثل في أحلامه المباحة في ثنايا قصائده .
هذه المستويات المتباينة في مفهوم الإنسان لديه تبقى هي من تميز طابعه الوجداني الشعري الذي يدرك النهارات على الرغم من سياقات النص التي تحمل انساق عالية في المحاكاة للصور الذهنية التي رسم لها الشاعر خرائط مفاهيمية في ذهنيته،على الرغم من غموض بعض مفاهيمها، لكنها تبقى ممكنة للفهم للمتذوق الواع بقصائد (ماجد الحسن).
ومن هذه السياقات الفكرية التي يقدمها للإنسان في أشعاره، هي ما حفلت بـ(الممكن، والمدرك، والتكرار)، كما في ديوانه الشعري (أين سيهبط بنا هذا الدخان) إذ يقول:
" في كل مرةٍ...
أجدني أمام الممكنِ
وفي كل مرةٍ...
أدرك هذا النهار
وأنا اتعثر بالنجومِ
وفي كل مرةٍ
تجرني هذه الأرض الى الفاجعة"(3)
وفي صورة ثانية للإنسان لديه، يرى الشاعر فيه ذلك الكائن الذي يستدعي ما يهدمه وما يحيله الى أزمات التراجعات، على رؤوس جماهيره المحتشدة في رأسه ليعلن عن موته بطريقة الإعلان عن موت الإنسان، وهذا السؤال الذي يكمن في داخل فكر الشاعر ويتكرر عن طرائق الموت ؟ ووجوديته في ظل كل هذه العذابات، فهل يصبح الشعر هو وسيلة للبحث في المساحات الفكرية في ذهنية الشاعر الممتلئة بصور الدماء التي تتكرر في قصائده؟، باحثاً عن إنسانه المفقود في وجوه أصحابه، ونسائه، والحشود الأخرى، وفي أثار الطرقات الحزينة التي فقد فيها ما يحيه فأعلن موته:
" أستدعي المعاول .....
وأعد باقةً من كنوز التراجعات
فاستيقظ من نعاس طلقته،
فحشّدَ لها....
النساءَ
الأصدقاءَ
المدن
الشعرٍ
فجأة تذكّر... فأعلن موته"(4)
وفي صورة ثالثة يتضح فيها تأملات (ماجد الحسن) الفكرية وطبيعتها الفلسفية في صور البناءات الناتجة عن موقفه في تصور وأدراك الاشياء في مجالاتها الحسية والعقلية،وفي النفس البشرية القابعة في هذه التصورات .لذا فإن الإنسان لديه يبحث عن الحياة في زحمة الأشياء المزدحمة بالسواد وهذه المرة من خلال التأمل في النفس ومدى تحملها، والقوة الكامنة فيه ومدى محاولاتها الضيقة لأنتاج ما هو فاعل للأخرين ولكن تبقى اللاجدوى هي الحاكمة،وتبقى هذه النفس معذبة قابعة في سجنها الأبدي المتمثل في أسطورة الشقاء لدى (سيزيف)، وانفعالاته الباحثة عن اللاجدوى، فمنذ " اللحظة التي يتم فيها أدراك اللاجدوى، تصبح انفعالا، أشد الانفعالات إزعاجاً . ولكن سواء كان المرء يستطيع أن يعيش مع انفعالاته أم لا، سواء يستطيع أن يتقبل قانونها أم لا، ذلك القانون الذي يحرق القلب الذي تسمو به تلك الانفعالات "(5)، التي تصوره في صورة العذابات المستمرة بسبب أدراك اللاجدوى في الحياة، أو اللاجدوى في الاختبارات التي وضع فيها الإنسان . لذا فإن (ماجد الحسن) يقدم صورة (سيزيف) في أشعاره من أجل أن يستشهد به عن حقيقة العذابات التي يريدها أن تظهر كدالة على ما يتأمله الشاعر في الطبيعة بكافة أشكالها التي تحيط به في هذه الحياة، لكن هذا الاستشهاد يقدمه في صورة العتب على ما هو عليه، وكأنه يعاتب إنسانه الداخلي الذي تقمص دور (سيزيف) في قصائده المتعبة بالحزن:
" يا سيزيف ....
لا تكن فضّاً
افرغ من هذا العبث
الذي تسمّيه اليقين
فالمنحدر مكتظ بالسوادِ
وأنتَ بلهاثك لا تدرك مرارة القلوب"(6)
إنَّ الإنسان في اشعار ماجد الحسن هو فلسفة يتأمل فيها الحزن القابع في نفسه وهو موقف من كل ما حوله على وفق تأملات فلسفية اعتادها في الدرس في مقعد الدراسة سابقاً وفي مقعد الحياة الآن، إذ تعددت هذه الصور للإنسان لديه لكنها تبقى مرتبطة بهدف واحد يربط بين أغلب قصائده في دواوينه الشعرية.

أ. د محمد كريم الساعدي
..................
الهوامش
1- هيغل: فن الشعر، ترجمة: جورج طرابيشي، بيروت: دار الطليعة، 1981، ص 251.
2- فريدريش نيتشه: غسق الأوثان، أو كيف نتعاطى الفلسفة قرعاً بالمطرقة، ترجمة: علي مصباح، بيروت: منشورات الجمل، 2010، ص119.
3- ماجد الحسن: أين سيهبط بنا هذا الدخان، بابل: المركز الثقافي للطباعة والنشر،2016، ص26.
4- ماجد الحسن: خيول مشاكسة، بغداد: دار ضفاف للطباعة والنشر والتوزيع، ب، ت، ص 17 .
5- البير كامو: أسطورة سيزيف، ترجمة: أميس زكي حسن، بيروت: منشورات دار مكتبة الحياة، ب، ت،ص31.
6- ماجد الحسن:كيف أصدّق غيابكما ؟ ن ميسان: أتحاد الادباء والكتاب في ميسان، 2020 ، ص52 .

 

 

فالح الحجيةاما الموشح الخمري فلا تختلف مواضيعه عن معانيها في القصيدة الشعرية في الخمر واشهر شعراء الموشحات الخمرية ابن بقي القرطبي الاندلسي فيقول:

أدر لـــنــا أكــــــــواب

ينسى به الوجــــــــد

واستصحب الجلاس

كما اقتضى العهـــــد

دن بالهــــوى شرعاً

ما عشـــت ياصــــاح

ونـــــزّه الســــمـــعـــا

عن منطـــــق اللاحي

والحـــــكم أن يدعى

إليـــك بـــــالــــراح

أنامــــل العــــنـــــاب

ونقلك الــــــــــــورد

حفــا بصــدغي آس

يلويهــــمــا الخـــــــد

اما موشحات وصف الطبيعة الاندلسية الرائعة الخلابة فمن افضلها موشح الوزير الشاعر ابي جعفر احمد بن سعيد وفيها وصف الروض ووصف النهر الذي خلع عليه الوزير الوشاح الألوان البهيجة حين سلّط شمس الأصيل على ماء النهر المفضض وجعل منه سيفاً مصقولاً يضحك من الزهر في الأكمام، ويبكي الغمام، وينطق ورق الحمام، ويصف أيضاً جمال الحور وفتنة الروض فتوحي بالشراب فيمد الشاعر أو الوشاح الأندلسي بالغزل فيقول فيها :

ذهبت شمس الأصيل

فضة النهر

أي نهر كالمدامة

صيّر الظل فدامه

نسجته الريح لامه

وثنت للغصن لامه

فهو كالعضب الصقيل

حف بالشـفـــر

مضحكاً ثغر الكمام

مبكــياً جفن الغمام

منطقاً وِرق الحمام

داعــــياً إلى المدام

فلــــهذا بالـــقـــبــــول

خط كالسطـــر

وعد الحب فـــأخــــلــــف

واشتهى المطل وســــوّف

ورســـــــولي قد تعـــــرّف

منـــــــه بما أدري فحرف

بالله قل يارسولي

لش يغب بــــدري

*

كما ان هناك موشحات ظهرت في المديح والفخر والهجاء والرثاء والتصوف والحكمة وكثير من الاغراض اتجاوز عن ذكرها خشية الاطالة .

فالموشح والزجل قد ظهرا في وقت واحد ونرجح أن لهما أصلاً مشتركاً في البيئة الأندلسية منذ عهودها الاولية فالزَّجل هو الموشَّح المنظوم باللغة العاميَّة والزجل فن من فنون الشعر العربي ظهر في الاندلس فهو وليد البيئة الأندلسية ثم تسرب او خرج إلى البيئات العربية الأخرى وانتشر فيها ويعتبر الشاعر أبو بكر بن قزمان الذي عاش في عصر المرابطين بالأندلس هو أول من أبدع في فن الزجل الا انه لم يكن أول من قال فيه، بل قيلت الأزجال قبله بالأندلس فهناك عدد من شعراء الأندلس من تقدموا أبا بكر ابن قزمان في القول فيه ولكن هؤلاء الشعراء لم يبلغوا ما بلغه ابن قزمان فيه .

فالزجل نشأ أصلا في بيئة أندلسية ثم انطلق منها إلى بيئات عربية أخرى لذا فقيمته الحقيقية تكمن في ما استمده من واقع الحياة الشعبية العامة متمثلا في الجديد من معانيهم وحكمهم وأمثالهم، ومبتكراتهم وتشبيهاتهم وغيرها من أنواع مجاز الكلام وفيما شاع من مألوف ألفاظهم وصيغهم العامية،فهو يمثل تصوير لحياتهم العامة بافراحها واتراحها وبجدّها وهزلها وهمومها وعلى العموم فهو يعد فن من فنون الادب الشعبي .

والاصل في الزجل انه درجة معينة من درجات شدة الصوت وهي الدرجة الجهرية ذات الجلبة والاصداء مثل صوت الرعد في السحاب او صوت الاحجار والحديد وكل جماد ذي صوت ثم تغيرت فاصبحت تعني اللعب والجلبة والصياح ثم توسع ليشمل اصوات المغنين والمطربين .ومعنى الصوت العالي المُنَغَّم وكلمة زجَّالة ما زالت تُطلق في كثير من المناطق العربية على جماعة الشباب الذين يجتمعون في مكان بعيد ليؤدُّوا الرقص والغناء الصاخب بمصاحبة آلاتهم الموسيقية . واصبحت كلمة زجل في الدوائر الأدبية والغنائية مُصطلحًا يدل على شكل من أشكال النظم العربي .

وينقسم الزجل الى قسمين الاول زجل العامة وهم عامة الناس ويمثل الاغنية الشعبية المحلية وتنبع تلقائيا لديهم من وحدة حدث معـين او حالة يتغنى بها المرء وفتشيع ويرددها الاخرون افرادا او جماعات او قد تحدث خلال تجرية شخصية او من خلال حدث عام فهو بمثابة الاغنية الشعبية الرائعة والاكثر شيوعا وغنائية .

اما الزجل الاخر فهو زجل الشعراء المعربين فيبدو أنه جاء بعد نشأة زجل العامة، ولعل الشعراء الذين حاولوا اداء هذا النوع من الزجل قبل عصر ابن قزمان كانوا مدفوعين إليه بالرغبة في أن تنتشر أزجالهم المصطنعة بين الطبقات المثقفة كنوع من الطرافة أو بالرغبة في أن يعرف لدى العامة معرفتهم لدى الخاصة، وذلك بوضع أزجال لهم يتغنون بها ولكن هؤلاء الشعراء المعربين ممن اصطنعوا الزجل اصطناعا لم يستطيعوا في مراحله الأولى أن يتخلصوا فيه من الإعراب، وهذا ما عابه عليهم ابن قزمان حين قال، أنهم يأتون بالإعراب، وهو أقبح ما يكون في الزجل وقد شهد ابن قزمان للشيخ اخطل بن نماره واعتبره شيخ الزجالين بسبب سهولة زجله وسلاسة طبعه وإشراق معانيه، وومقدرته على التصرف بأقسام الزجل وقوافيه افضل من غيره .

والزجل في تطوره يمثل الأغنية الشعبية التي تأثرت إلى حدّ ما ببعض أشكال الموشحات وقد شهد الزجل في القرن السادس أي نهاية المرابطين في الأندلس طفرة نوعية وانتشارا واسعا حيث كان بعض ملوك المرابطين لا يتقنون اللغة العربية وانعكست هذه الحالة على شعراء القصائد والموشحات حيث لم يلقوا تشجيعا من هؤلاء الملوك والامراء فاشتهر الزجل في هذا القرن الا انه لايغيب عن بالنا ان الضعف والوهن اخذ ينخر في هذا المجتمع العربي وبدات تتساقط مدن الاندلس بعد هذا القرن بيد الاسبان واحدة بعد اخرى .

اما موضوات الزجل فهي نفسها اغراض اوفنون الموشحات الاندلسية مثل الغزل والمدح والخمرة ووصف الطبيعة، والمجون والتصوف وغير ذلك من فنون الشعر التقليدية المعروفة

وبنية الزجل ياتي بأربعة مصاريع، يلتزم الرَّابع منها رويًّا واحدًا في القصيدة، وأمَّا الثَّلاثة فتكون على قافية واحدة،

وتسمَّى (القراديات) ومن الزجل هذه المقطوعة :

فلا بثقهم ينسد ولا نهرهم يجري

خلـــو ا منا زلهم وساروا مع الفجر

يتبـــــــــع

 

امير البيــــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق- ديالى بلـــــد ر وز

 

 

وليد جاسم الزبيديقراءة في رواية رقصة الجديلة والنهر للكاتبة وفاء عبد الرزاق

المقدمة/ كيف ينتقلُ الجسدُ، ويترك الروحَ في ثنيات أرضٍ يسعى اليها اليباب، جسدٌ (وعاء) تحتفلُ بهِ الأماكن الوردية الصاخبة بالأمل والسعادة، يظلُ متّصلاً بروحٍ تظلّ ترقصُ في جغرافية الجنون. لا يبهرك حديثي، حينما أقولُ، لستُ أتحدّثُ لك، عن الرواية بل عن الروائية (وفاء عبد الرزاق)، التي وظّفتْ روحها وفكرها وقلمها ونتاجها للعراق منذ أوّل حرفٍ زخرفتهُ في ديار الغربة، وها هي تطالعنا في روايتها (رقصة الجديلة والنهر) لتؤكّدَ لنا عمق هذا الاتصال المتجذر، لن ولم تستطعِ الغربةُ اجتثاثَهُ أو زرعَ الوهنَ فيه. اليوم نطالعُ روايةً ، وكما هو أسلوبها تبحرُ مع الفانتازيا في رسم صورٍ وتُنتجُ لنا شريطاً مرئياً في الروح والذاكرة، تؤرّخُ أحداثاً قد يتناساها مؤرخٌ دفعتْ له قوىً ظلاميةٌ ليتجاهل هذه الفترة، أو أنْ يكتُبَ قلمُ السلطةِ تأريخاً مشوّهاً لشعبٍ وأمةٍ غُدِرتْ وقتَ ضحى وأمام الأشهاد، وعلى مرأى من العالم ومؤسساته (الأممية) و(الإنسانية) و(القمعية).

إنها الواقعة التي تؤسطرُها الكاتبةُ، في يومٍ تكوّرتْ فيه الوجوه والقلوب والعيون القمرية، والأرواح الشمسية فصار بعضُها حُفراً في غياهب الأرض، أو في مجرّاتٍ لا تتصالح مع النوم، أو في دنيا أخرى تحلُمُ أن يكونَ لها مكاناً بين النجوم لتظلّ ساطعةً يُشارُ لها وتظلّ معتقداً وموطناً للعشّاق، مثلما علّمتنا جدّاتنا أنّ نجمتين ساطعتين في كبد السماء هما (قيس وليلى).

أولاً: الجديلة/ هكذا عنونتها للإشارة الى الملحمة الأولى، وما جرى في الموصل، فالجديلةُ جذورها ومنبتها ومنبعها وفارستها هناك.

- الجغرافيا واللون/ المكان قاسٍ، فيه وعورة وقساوة، يتلبسهُ مناخٌ أكثر حدّةً من أزيز رصاص، لأنهُ ينخبُ العظم، بصقيعه وثلجه، كمشرطٍ وسكين، يقلّمُ أظفار السائرين ومنْ يرتقي جبلاً دون نعل. بين الجانب الأيمن(في الموصل) ثم، الجانب الأيسر، وصحارٍ وجبل، و(كوباني) و(سنجار) . بمثل هذه الطبيعة اللّا طبيعية كانت الرّقصة .

أمّا اللون، فهو ديني وقومي.

- الرّقصات/ في كل رقصة، بطلاتُها نساء،( ريحانة، شيرين، روناهي)، يقفن بالصّف الأول، نساءٌ عاشقاتٌ، لكل واحدة قصّتها، لتعيدَ تدوير عشقها من المعشوق الرّجل الى وطن . وراوي الرواية، مُذ فاتحتها وحتى منتهاها عازفُ ناي. تتعدّدُ الرّقصاتُ منها الرّقصةُ الصّريحة، والتعبيرية والايمائية، ففي الصريحة تندرجُ بظلالها رقصات المقاتلات والمقاتلين على نغمات النّاي (حامد)، والتعبيرية، رقصة الطفل والملاك، والايمائية هي حالات (الطيرُ يرقصُ مذبوحاً من الألمِ)، وتعني: حالات الذبح والموت بالرّصاص للنساء والأطفال حيث ترقص الجثث رقصتها الأخيرة في عالم الموت، وما تفعلها الأقدام للناجين والمشردين من رقصةٍ للوصول الى قمة جبل أو للعبور نحو الحدود.

1438  وفاء عبد الرزاق-السّنابل/ لها لون الذّهب، (هي الجديلةُ الشقراء السنبلية لـ-ريحانة-) تنزلُ أحياناً مطراً على الناس وعلى سطوح المباني والدور، وأحياناً أخرى هي ورود الصباح على عتبات كل دار كان فيه ضحية، وعدد السنابل يتناسبُ مع عدد الضحايا والمغدورين. وتتجسّدُ روح (ريحانة) في صورة ملاك، يراهُ البعضُ وهي تشاركهم الحزن والليل والبرد والخوف، ودمها كان شجرةً  مقدسةً مباركةً تمتد أذرعها لإحتضانِ العشّاق، وتكون أظفاراً قاسيةً لقتل (دواعش).

السنابلُ رسالةٌ للمحبة، والأمل، وأن الدنيا ليست رصاصاً، وموت، بل هي حياة لآتٍ من الفرح، وصورة الطفل المهترئ ثوبه والمثقوب في الصدر، ما هو إلا صورة جيل شاهدٍ على ما واجهَ  من أحداث وقتلٍ للطفولة وتدميرها من الداخل والخارج.

- الصرخاتُ:  للصرخاتِ في سنجار وما حولها وفي جغرافية الموصل، لها أكثر من لون وثقافة ولغة، وموسيقى، ومقام، وكانت في الأعم الأغلب هي صرخات نساء، صرخات أنوثة، وعفّة، وحياء، تستصرخُ العالم الأصم.

- صوت النّاي:  النّايّ كان راوياً لكل حدثٍ وحادثةٍ، كان مؤرّخاً، ومستشرفاً للقابل من الأيام، كان حزيناً، حنيناً، باكياً، دموعهُ قصص عشقٍ أزلية.

ثانياً/ النّهـــــر: وهو إشارة الى الملحمة الثانية في الرواية للأحداث التي جرت في (تكريت) والمشهورة (سبايكر).

- الجغرافيا واللون: أرضٌ منبسطة، فضاءٌ رحبٌ، ونهرٌ(نهر دجلة)ـ يمتدٌ شرياناً بين حقول ومزارع، وبيوت مرةً تتعانق، وتارةً تومئ على بُعد باستحياء. والنهرُ هو الرّمز والأيقونة لحادثةٍ بُنيت عليها الرواية، لا تقل أهميةً مما حدثَ في (الجديلة/ الموصل)، ولونُها: الذبحُ على الهُويّة/ طائفي.

- الرّقصات: هنا ومع النهر، الأبطالُ هم الرّجال، بعدما كانت رقصات الجديلة ، للنساء في الأعم الأغلب، فمادام المجتمع كما يزعمُ علماء الاجتماع يُبنى على الشراكة المجتمعية للرجل والمرأة، فلابدّ أن ينال الرجل مثلما نالت المرأة في الجديلة.

رقصة الشهادة، على حافة المنصة لإحدى قصور( صدام)، رقصة ارواح الضحايا المغدورين من الشباب الجنود، على نهر دجلة، وتدور مع هذه الأرواح، ريحانة . والثانية، رقصة الجنون، حيث يضع (حامد) عازف النّاي، يده بيد (ريحانة) ، وكوّنوا حلقة دائرية، مع الأرواح ، يرقصون بلا هوادة.

- ملاحظة –المذبحة-: إذا كان القتل والاغتصاب والرمي بالرصاص مذبحةً للقتل الجماعي والفردي، والاغتصاب بأبشع صوره في (الجديلة/ الموصل)، ففي النهر(تكريت) كانت الجريمةُ جريمتين، الذبحُ والغرق في النهر.

- السنابلُ: لأنها(ريحانة) تحبُ الجميع، ولا تفرّقُ بين عراقي وآخر، فلقد كانت سنابله ذات السنابل، لكنّ اختلفت هنا في العدد حسب عدد الضحايا وطريقة القتل والذبح، والغرق، وأضافت للسنابل، أن وضعت معها منديلاً أبيضَ.

- الصرخات: تنوّعت الصرخات هنا واختلفت عمّا في الجبل، فهنا، كانت صرخةُ النهر، ونَوْحُ الأرض، صرخةُ شباب، صرخةُ أطفال، صرخةُ نساء ثكالى، صرخة أرواح زُهقت غرقاً، وظلّت عائمةً.

- صوت النّاي: بُحّ صوتُهُ، وكانَ ينعقُ كنعيق شؤم البوم.

-الختام: هي ملحمةٌ شعبيةٌ خَلّدتْ تاريخاً مؤلماً وحزيناً، لكنك حين تقرأها ستأخذك الى أن تضعها في عنوانات أو تبويب متنوّع حسب ثقافة المتلقي ورؤيته، فهي تأريخ، وتدرجها ضمن الروايات التاريخية، لأنها شاهد لمرحلة وفترة زمنية عصيبة مرّت بالعراق، بل وأرّخت لطائفةٍ مهمة ولها أثرها وتاريخها وسماتها وهويّتها العراقية ألا وهي (الأيزيدية)، وعن شجاعة المرأة ومواقفها التاريخية والبطولية، كذلك أرّخت لمذهب مهم من الشعب العراقي في قضية (سبايكر) التي لا تُنسى. كما يمكنُ أن تُدرجُ ضمن قصص العشق، فلكل بطلة من بطلاتها وأبطالها قصّة، وضعتها الكاتبةُ برومانسية وبلغةٍ شعرية جميلة. بل ولعلّ القارىء الكريم الذي قرأ الرواية سينبهر لبنائها أولاً وطريقة حبكها، ويظل في نفسه سؤالٌ..؟ لماذا كانت (الجديلة/ ريحانة) وحكاية الموصل أطول وبعدد صفحات أكثر من صفحات (لنهر/ سبايكر)، أقول وحسب فهمي المتواضع، لقد تعمّدتِ الكاتبةُ ذلك، لأنّ الرواية رسمتها شكل انسان، فجعلت (الجديلة/ الموصل) بطولها ، صورة الجسد، و(النهر/ سبايكر) صورة الرأس، لتكتمل صورةَ إنسانٍ عراقيّ مغدور، يشهقُ ويصرخُ الى السماء.

فضلاً عن المفتتح لكل فصل من جملٍ وعبارات شعرية ترقى من النثرية، .. هكذا عوّدتْنا الكاتبةُ المبدعةُ (وفاء عبد الرزاق) أن تأتي بالجديد، وما أن تبدأ بقراءة الرواية لا تنفصل عنها بل تتلبسُ فيك، أو تتعشق معها لتكون جزءاً منها. هي رواية مهمّة ليست لجيلٍ معين ولا لطائفةٍ أو جنس بل هي رواية تدخل العالمية لأنها تتحدّثُ عن مأساة سكتَ عنها العالم .

 

د. وليد جاسم الزبيدي/ العراق.

 

رحيم الغرباويللشاعرة فاطمة هادي شاكر

يبدو أنَّ الشاعر يمازج بين عالمين، هما: عالم المثل وعالم الحس، ويبدو أنَّ نزعة الشاعر هذه استنبطها من الديانات والفلسفات التي طرحت عالم المثل لدى الفلاسفة، وعالم الغيب الميتافيزيقي في الديانات، ولما كان الشاعر يبحر في هذه العوالم عن طريق خياله، وهو يحاول أنْ يكمل النقص الحاصل في الواقع، أو أنَّه يحاول أن يعالج قضايا ناقصة؛ ليكملها؛ ما جعله يذكِّر بالقيم والمُثل فيملأ النقص الحاصل لذلك الواقع، ولعل الفن جاء في طروحات أفلاطون بوصفه محاكاة لعالم المحسوس، وفُسِّرت هذه المحاكاة بأنها حرفية، أو صورة طبق الأصل لعالم الواقع، بينما خالف أرسطو رأي أستاذه بفهم المحاكاة على نحو آخر، إذ لم يقصد أرسطو الطبيعة هنا طبيعة الكون الظاهرة، بل قصد بها القوَّة الخلَّاقة في الوجود، وعلى هذا المفهوم فالفن عنده لايكون إلا التعبير عن حقائق الطبيعة الظاهرة للموجودات الثابتة المعقولة وعللها ومبادئها التي تفسِّر وجودها، والفن على هذا التفسير يسمو على الطبيعة الظاهرة؛ لأنه يتجاوز ما فيها من نقص، فيصور ما يكون عليه الواقع الملموس، وليس ما هو كائن حسب وبذلك يكون الفن ليس نسخاً عن الطبيعة، بل هو أداة مُنقِّحة، تقوم على تبديل الواقع وتنقيح الحياة (1)، ولعل الشعر واحد من الفنون الجميلة التي يسعى من خلاله الشاعر أن يكمل النقص في الحياة حين يعبِّر به عن موضوع معين من الموضوعات الوجدانية أو الحياتية، فيعالج قضية من قضايا الحياة تلامس وجدانه بعدما يخترق الآفاق ويتعالى إلى عوالم الكمال المثالي، كي يبوح بالحقيقة من طريق المخيلة بوصفها قدحة العقل "التي تلامس توهج القلب، فترسم من خلالها تآلفاً بين الواقع واللاواقع , والمحسوس واللامحسوس المادي والروحي" حين يقوم الشاعر بينظم نصه الشعري (2) .

وكثيراً ما ينزع الشاعر نزعة وجودية حينما يعيش حالة تجعله يستاء، فأمَّا أنْ نراه مغترباً يشعر بالضياع، أو نجده قوياً متحدياً الصعاب، فنراه يعبِّر عن حال ابناء وطنه في ما يقرؤه عن الواقع الذي يعيشه، وهناك حالات فردية يمر بها الشاعر؛ ليعبِّر عن ذاته وتحديه للمعوقات، أو لربما إزاء ممن أساء له أو استلب منه حقه يوماً؛ لذا نجد كثيراً من القصائد تبوح بالقيم التي تُجتَلَب من عالم المثل والتي يعمل بها المجتمع؛ كونها جزءً من تقاليده وقيمه الموروثه، أو من تعاليم دينه الحنيف، فيستحضرها؛ ليردَّ مُذكِّراً بها ومُزدرياً لمن لم يعمل بها أو خان مواثيقها .

والشاعرة فاطمة هادي شاكر من بين الشاعرات اللاتي كتبن عن تلك القيم التي تُعَدُّ من المثال الذي ينبغي تجسيده في حياتنا اليومية؛ لنعيش في هذا العالم الرحيب بإنسانيتها وفي إكمال وجودنا فيه، إذ نجد في قصيدتها (إليك عني) التي تقول فيها :

أيُّها الذي لا تأسفُ الأشجارُ المثمراتُ

إلى سلاله،

ستبقى شامخةً هي، وإنت من دون سهلٍ حللتَ،

ومن غير وقاءْ

فهل أغارُ

وليس من حقِّ الناكثين عهودهم

أن يُغارَ عليهم ؟

لعل النص يومئ على خلافٍ بين بين الشاعرة والآخر، يبدو أنَّها في موقف المتوثِّب إزاء الآخر (الناكث)، فنراها تشير إلى الأشجار التي تمثِّل رمزاً من رموز العطاء، وطوداً شامخاً بالعزِّ، وهي تقف بعلوِّها الباسق بينما من ينتظر الثمر بسلاله لم يكن له حتى سهل يقطن فيه، إشارة إلى الملاذ المفقود بدلالة لفظة (بلا وقاء). فتصف الشاعرة نفسها بالشجرة التي ترفض أنْ تُظلل ذلك الذي ينتظر منها ثمارها، فهي تمثل في هذه السطور شدة نفورها منه؛ كونه ناكثاً للعهد (وليس من حق الناكثين عهودهم أنْ يُغار عليهم ؟)، ثم تقول :

وهل من جنوني

أنْ يضعك قلبي سوى في دخانِ التلاشي !

فلا أكون بعد الآن قافلة ملاذٍ

أو مُنقذاً لِمَن شغل نفسه بادِّعاء الوفاء .

ثم تتساءل بالاستفهام الإنكاري من أنَّ جنونها بعد الآن لايمكن أنْ يضعه في قلبها بل سيكون في أدخنة التلاشي، كناية عن نبذه ونسيانه، كونها لاتحبِّذ بعد ذلك أنْ تكون ملاذاً له، أو منقذته له؛ كونه أخلَّ بعهد الوفاء الذي قطعه على نفسه.

في هذا المقطع نرى تفشي الأصوات الرخوة، فقد ورد صوت (الهاء) تسع مرَّات، وصوت (الفاء) سبع مرات، وصوت الغين (أربع مرات) و(الشين) ثلاث مرات، بينما أصوات الهمس، إذ ورد صوت (اللام) سبع عشرة مرة، وصوت النون والتنوين سبع عشرة مرة أيضاً، وصوت الميم ثمان مرات، وصوت (التاء) سبع مرات، و(السين) سبع مرات تدل هذه الأصوات على الهدوء والسكينة، ما تدلّ على ثقتها بنفسها وتصميمها من أنَّها هي التي تمنح الحياة للآخرين ولاتنالها منهم، وهي من ترفض أنْ تمنح ذلك لمن لايستحقها، وعلى الرغم من ورود صوت القاف خمس مرات وهو يدل على القلق، والكاف مرتين، والعين ثلاث مرات وكلاهما يدلان على المرارة، لكن جميعها لاتنهض بالدلالة لمعانيها لورودهما لمرات قليلة ولربما ما فيها من دلالة الألم؛ لأنَّ مَن منحته الثقة قد عكَّر مزاجها لذا نفسر ذلك هو استياؤها ضعف النفوس تجاه القيم التي تتأملها أن تشيع في المجتمع لا اهتماما به .

ثم تقول :

هو كذبةٌ للكثير ممن ادعوا

بالكلام أنَّهم السموأل

لكن شتان ما بينهم ومابين

النقي الوفاء.

فلا ترتوي القلوب الظمئة

إلَّا من سلسبيل غدرانِها ,

وليس من حق الذي يضع

الحجر؛

ليطمرها

أنْ ينهل منها

قطرة ماء .

فليس مَن ادعى أنَّه كالسوأل في الوفاء غدا وفياً، فشتان ما بينهم وبينه .وقصة السموأل معروفة في التأريخ، وهو الذي ضحى بنفسه من دون أن يضحي بالأمانة المودعة لدية، فصار مضرب مثل في الوفاء لدى العرب وإلى يوم الناس . ثم تقول ليس بوسع من يطمر الغدران أنْ يطلب منها شربة ماء؛ كونه ليس أهلاً لذلك في إشارة منها لناكث الوعد وناكر الجميل .ولعلنا نجد في السطور الثلاثة الأولى ورود صوت الكاف ثلاث مرات ما يؤيد مدى انزعاجها وتكأكِها في الكلام، وهي تستذكر نقض العهد وغياب الوفاء، لكنها مازالت على النمط ذاته وهي تقرر ما تريد إقراره مستخفةً بالآخر (الناكث) وممسكةً بمشاعرها دون الاهتمام لأي اعتبار ممن لم يحقق مأمولها، إذ نجد صوت (الميم) ورد اثنتا عشرة مرة و (اللام) سبع عشرة مرة، و(النون) ثلاث عشرة مرة مايدل على ثقتها بنفسها ولا نراها قد اهتزَّت لهذا الموقف الذي صار عندها كالتلاشي في أدراج الرياح.

ونراها تذكِّر وتوبِّخ، فتقول :

فأنت يا كان روساشو

كثيراً ما

تتأمل الحياة

تدَّعي أنَّها من دون ظِلِّي

لا حياة،

وما صبر الأكرمين إلا النقاء .

آمنتُ بما قيل : إنَّ الفسائل تنوح على

مجتني ثمارها

وليس من حكمٍ سوى المداراة والارتواء... .

تظنَّني من دونك

أنت المُنَجِّي

لكن من دونك صار سجني إمارةً،

وأنت الذي بتَّ سجيناً !

وهل للناكثين لعهودهم إلا الشقاءْ ؟

كنتَ يوماً تتوسلني بأنْ أزرعك قمحاً

واليوم أنا الشجرة المثمرة،

وأنت الغويُّ

المهزوم

بهذا الشقاء .

ثم تنتقل في هذا المقطع؛ لتذكِّره مواقفه التي بنتْ عليه أحلامها قبل أنْ يزيع عمَّا وعدها به، إذ رمزت له برمز (كان رو ساشو) ويبدو هذا الاسم من الاساطير اليابانية، ماجعلها تذكره وكأنه من أبطالها وأنَّه إذا وعد نفَّذ . لكنه على العكس من ذلك، فتكررَ مرةً أخرى أنه ناكث العهد والذي بينها وبينه صار إلى زوال . ثمَّ نراها تشبِّه نفسها بالفسائل التي تنوح على مجتنٍ ثمارها، أي المستفيد منها لكنها لم تتلق مداراته لها، وكأنها تذكره بالحتمية التاريخية التي قالت بها الأديان وكذلك الحكمة العربية التي تقول : إنَّ الإنسان يجني ثمار أعماله؛ لذا تحوَّل سجنها حين كانت معه إلى إمارة، كونها نالت حريتها، وبذلك عدَّت زمنها معه بالسجن بدعاوى الحب الصادق لكن بعدما انكشفت لها أضواء الحقيقة وجدت نفسها هي الأميرة الآن، بينما هو المهزوم الذي لايجد مأوى أو مغيث يستغيثُ به . ولعل النص يتوافق مع عنوانه ( إليكَ عنِّي ) أي ابتعد، ما جعلت النص يسترسل بأسباب الابتعاد والنهاية التي كانت لصالح الشاعرة، ما يجعلنا أن نقرَّ بالوحدة الموضوعية للنص من خلال تسلسل الأفكار، فضلاً عن ذلك أومأنا أنَّ النص قد طرزته الشاعرة بهدوء واستكانة، يدل ذلك تفشي أصوات الهمس والتنغيم، ومنه صوت (الميم) الذي ورد في المقطع الأخير تسع عشرة مرة, وصوت (النون) أربع وثلاثين مرَّة وهما صوتان تنغيميان جاءت بهما من أجل الترنم؛ لثقتها بنفسها من اجتيازها الصعوبات التي حاولت عرقلة مسيرتها، لكنها خرجت منتصرة شامخة ... ولعل النص قد تميز بعفوية الأسلوب وصدق العاطفه، التي صدرت عن تجربة حسية وبمفردات تفيض بالمشاعر الهادئة النبيلة.

نتمنى للشاعرة الواعدة فاطمة هادي شاكر مزيداً من الإبداع والتألق .

 

د. رحيم الغرباوي

........................

الهوامش:

(1) ينظر في النقد الأدبي الحديث منطلقات وتطبيقات، فائق مصطفى:11- 12

(2) النبوءة في الشعر العربي الحديث، د. رحيم الغرباوي : 29 .

 

 

بليغ حمدي اسماعيلذهب معظم النقاد العرب المعاصرين إلى احتكار واستلاب مقولة إن الرواية ديوان العرب، بل إنهم ذهبوا إلى أبعد من ذلك بأن الرواية أصبحت منذ نهايات القرن الماضي وبدايات هذا القرن حتى وقتنا الراهن سجل الحياة المؤرَّخ للإنسانية وخير توصيف ليوميات غير معتادة، هذا الاقتناص النقدي ظهر وبزغ في ظل غياب واضح وجلي للحضور الشعري وغياب المشروعات الشعرية الجديدة، وانتفاء ظاهرة التفرد الشعري واختفاء قامات شعرية إما بفعل الموت أو التهميش الإعلامي أو الاستبعاد الاجتماعي الذاتي لهؤلاء الشعراء أنفسهم، أو اهتمام بعضهم بالتجارة الثقافية كالمشاركات الثقافية في مؤتمرات ومطبوعات الخليج النفطي التي أصبحوا فيها أشبه بالمرتزقة.

وامتطاء لهذا الاستلاب النقدي للرواية أخذت أتلمس في المكتبة العربية المعاصرة رواية تجسد هذا التأريخ الإنساني الذي نادى به النقاد، ومن بين الروايات التي تكاد تقترب من شعار الرواية ديوان العرب الرواية الأخيرة للكاتب الجزائري واسيني الأعرج الموسومة بـ " أصابع لوليتا "، فهي رواية تقترب شيئاً فشيئاً من تجسيد هذه المقولة بما تحققه من عوالم ومشاهد إبداعية أقرب للعين والعقل منها إلى الفؤاد ولوغاريتماته الإحداثية . من ناحية أخرى فإن مبدعي الحداثة يقيمون عالماً افتراضياً موازياً لعالم الواقع، وربما ينفصلون عنه انفصالاً تاماً من حيث مواد وأدوات التشكيل، ومن حيث الاستهداف، وإذا كان هذا الانفصال غير المبرر بين العالمين " عالم النص " و" عالم الواقع " كانا يتعانقان منذ المحاولات الأولى لرواية الحداثة، فإن واسيني الأعرج في روايته " أصابع لوليتا " يحاول جاهداً قطع حالة الانفصال تلك، بل وتبدو خطوط الاتصال بين العالمين واضحة لا مجال للشك فيها.

ويكاد يكون من الصعب أن نعرض في سطور قليلة ومساحة أقل نقداً شاملاً ووافياً لرواية تقع صفحاتها في أربعمائة وسبعين صفحة كاملة، فهذا بالضرورة يتطلب دراسة مطولة وليس مقالاً قصيراً على عجل، ومع ذلك سنسعى جاهدين بألا نخل بمضمونها وتشكيلاتها اللغوية الماتعة . ويصعب على الناقد أن يتبنى منهج التحليل البنائي لهذه الرواية ؛ نظراً لأن هذا المنهج يتضمن الإجراءات التي يتم بموجبها تصنيف النص الروائي طبقاً لخصائصه المادية والمجازية لمكوناته أو أقسامه وهذا بالطبع لا يتفق من أسلوب ومنهج الرواية نفسها التي لا تقتفي حدثاً رئيساً واحداً يمكن تتبعه، بل تميل الرواية (نص واسيني الأعرج) إلى الانحياز إلى المشاهد القصصية التي تشبه ضوء كاميرا التصوير .

وأيضاً ربما لا نجد ميلاً لاتباع المنهج الدلالي في تحليل الرواية، حيث تحليلها طبقاً للمعاني الدالة عليها بصرف النظر عن الألفاظ المفردة التي استخدمها الروائي الجزائري واسيني الأعرج، ذلك لأن واسيني يستخدم بعض الألفاظ عن عمد وقصد لا تتحمل دلالات مغايرة مثل الأماكن أو الشخوص أو الحوادث . ولكن المنهج الذي نراه قريباً في التحليل لهذه الرواية هو المنهج البراجماتي، لما في المنهج نفسه والرواية ذاتها من عناصر وسمات اتفاق مشتركة حيث تصنيف الظواهر التي يتضمنها النص الروائي على أساس أسبابها أو نتائجها المحتملة، مثال لذلك عدد المرات التي تم فيها ذكر رجال التفتيش، أو عدد المرات التي استخدم فيها بطل العمل كلمة حبيبي، إلخ .. ويترتب على ذلك تكوين اتجاه إيجابي أو سلبي حول الظاهرة، أو السمة التي تتكرر .

وأسلوب الكاتب في روايته وطريقته في عرض شخوصه تجعل القارئ والناقد على مسافة متساوية مع النص ذاته، بحيث يكون كلاهما أميل إلى الاتجاه نحو ظاهر المادة الاتصالية من دون البحث عن نية صاحبها، على افتراض أن المنطوق أظهر في التعبير عن نوايا المصدر . بل إن الكاتب نفسه قد وفر على القارئ مشقة تحليل المحتوى الخفي للنص بوصف أن لغة الرواية مباشرة وقريبة إلى المظان الذهنية للقارئ من ناحية، ومن أن الكاتب لم يرهق قارئه في الاتجاه نحو كشف نوايا صاحب النص أو الشخوص نفسها .

ويبدو أن الروائيين العرب صاروا يتخذون أسامي ومواضعات متمايزة للبيئة العربية، أي مختلفة للواقع العربي، ليس من باب المغايرة إنما من باب أمل الرواية في أن تلقى صدى وقبولاً واسعاً عند ترجمتها إلى لغات أجنبية، فنجد شخصيات ليست عربية التشكيل اللغوية بطول الرواية، مثل يونس مارينا، ولوليتا، وجيروم، وكلارا، وإيفا،ودافيد إتيان، وروجي، وغير ذلك من الشخصيات الضاربة في عمق الرواية والتي تصر كل منها على الحضور داخل النسق الروائي بقوة وفعالية . وربما جاءت أسامي الشخصيات مغايرة للشخوص التداولية في عالمنا الروائي العربي نظراً للبقاع التي تجري فيها أحداث الرواية مثل فرانكفورت وباريس، وهذا ما دفع الكاتب إلى خلق شخصيات أقرب إلى بيئاتها الأصلية .

المشهد الثاني اللافت للانتباه هو استحضار واسيني الأعرج الذي يشكل صوراً لغوياً تكاد أقرب إلى اللوحات التشكيلية المتحركة منها عن المشاهد الروائية الصامتة التي تستمرئ السرد المجرد، وهذا التشكيل اللغوي يتباين بين عبارات باللغة الفرنسية لا تقفز بالنص بعيداً عن مقصوده إنما تستهدف جعل المشهد الأصلي في بورة الشعور والاهتمام، ونقل القارئ دونما قفزات مفاجئة داخل سياق الحدث نفسه . بالإضافة إلى حرص شديد من الكاتب أن يلقي انتباهاً لدى قارئه نحو الأماكن بعينها، وهذه الأماكن إما مدن أو أماكن اجتماعية كبيوت الأزياء أو المقاهي أو دور نشر، ولقد تعمد الروائي واسيني الأعرج أن يقحم روايته بترجمة لبعض هذه المواضعات إما باللغة الفرنسية معظم الوقت وبالإنجليزية في حالات استثنائية ضيقة، أو بالعربية لغة الرواية الأصلية .

وقبل الولوج في عقدة الرواية الطويلة من حيث الشكل وعدد الصفحات لابد من التنويه عن الفعل الروائي القصدي الذي عمد إليه واسيني الأعرج في التلميح الضمني أحيانا والتصريح المباشر في التهمة الكوكبية (ذنب العولمة) التي دائما ما تلصق بالإسلام الحنيف ألا وهي تهمة الإرهاب والتطرف، فتجد أكثر الأحايين القصصية السردية اضطراباً في الرواية هي تلك المشاهد المتعلقة بالحوادث الفردية التي ارتكبتها بعض الفصائل السياسية العربية ذات الصبغة والنسخة الإسلامية لاسيما في الجزائر وباكستان، وبالضرورة إطلالة سريعة موجزة ومقتضبة على أحداث الحادي عشر من سبتمبر الشهيرة .

ولاشك أن تهمة التطرف والإرهاب سواء على المستويين الفكري والمسلح أصبحت تشكل ما يسمى بالملمح الجبري الذي يفرض نفسه على أي عمل أدبي معاصر، وكأن المبدع شعراً أو نثراً من أدواره أن يتجسد صفة المحلل والمؤؤل  لسمة التطرف اللصيقة بالبيئة العربية تحديداً، وسرعان ما يتقمص المبدع دور المحامي والمدافع عن الهوية العربية بصفة عامة والتي تأبى إلصاق تهم التطرف والمغالاة والغلو والإرهاب بصوره المختلفة بالإنسان العربي .

ورواية أصابع لوليتا هي نموذج حي وصريح للنص اللغوي الذي يتضمن رسالة ومحتوى مقصود، ومن ثم يمكن تقسيمها بيسر وسهولة إلى اتجاهات وقيم، ويمكن أيضاً تحديد ملامحها الرئيسة المتمثلة في عناصر وعلاقات ومبادئ وأسس، وهذه الرسالة اللغوية التي لا تقتصر على وصف حالات متباينة لرجل يحترف الأدب فحسب بل هو في صراع أيديولوجي بين عالمه العربي الذي لا دخل له فيه، وبين عالم افتراضي يحاول فيه بكل جهد أن يضيف عليه تفاصيل استثنائية مثل الخصائص اللغوية والدلالية للرموز الاتصالية المستخدمة في الرواية والتي تمثلها العبارات الفرنسية الطويلة التي يصر الكاتب على إقحامها بين ثنايا روايته.

ولكن يبقى ملمح الجسد هو المشهد الأكثر حضوراً في الرواية العربية المعاصرة، ولا ينكر ناقد أن ملمح الجسد هذا سرعان ما يتحول إلى عقدة أي عرض مرضي مزمن، وبحق يمكننا أن نحيل عقدة الجسد التي تجتاح الرواية العربية المعاصرة إلى أسبابها الاجتماعية، وأعني بها المجتمعات العربية التي تفرض عليها القيم والتعاليم الدينية تابوهات معينة وملزمة من الصعب تناولها إلى من خلال سياق أدبي درامي .

ونجد في ثنايا رواية أصابع لوليتا وربما من بدئها أي عنوانها إشارات جسدية قد لا تقترب من  تلك التابوهات وإن كانت تفرض على قارئها أن يعيش داخل حدث الجسد المظاني الذي يوحي بالاقتراب والتلميح لا الفعل المباشر والتصريح، ولكن تبقى عقدة الجسد كامنة سواء لدى بطل العمل يونس مارينا الذي يحاول جاهداً أن يظل على حالته الناسكة في حدود هيولية تكاد تكون ممزقة بعض الشئ .

وإن كانت حالة يونس مارينا (بطل الرواية) تخشى الاقتراب من فعل الجنس، فهي (الحالة) حراك مستدام بين اجترار مشاعر الشوق الهاربة بفعل السنين، وبين هوس وفتنة جمال لوليتا التي تكون أكثر حضوراً وهي ليست بين ساعديه . وواسيني الأعرج حينما ينزع بعيداً نحو الحب ومشاعر الشوق الملتهبة وكأنه يعمد إلى الفكاك من شَرَكِ السياسة ومظان السياسيين، لذا نجده واضح المعالم واللغة الفصيحة حينما يصور العلاقة بين بطلي العمل (يونس ولوليتا) .

المهم حينما يحاول الناقد ترصد حالة هذا الرجل وفتاته الهيولية عن قرب يجدهما يتنفسان عشقاً وشوقاً، وربما وجدتها فرصة لا للتطفل عليهما إنما حاولت الهروب المتعمد من وجع السياسة والسياسيين وأهلهما كما يعمد إلى ذلك واسيني الأعرج نفسه .

قال لها: إني أحبك، هكذا نطق محاولاً أن تستجيب تلك الفتاة لاستغاثة قلبه المضطرم، حقاً لقد غيرت حياته، وطالما يفتش هذا الرجل عن امرأة بحجم الكون لتحتويه، وهو يعلم أنه حينما يبوح لها بسره أنها قد لا تبادله هذا الشوق، ربما رآها مرة واحدة فقط، وأحياناً لم ينظر إلى وجهها عن قصد وتعمد . لكنها كيمياء القلوب، أو كما قال عن ذلك أدونيس كيمياء السعادة التي تختبئ فيها مشاعر الشقاء والتحسر والألم .

وثمة علاقة واضحة بين مشهد اللقاء الرئيس بينهما (يونس ولوليتها ) وبين قصيدة محمود درويش ريتا والبندقية، وربما لا ندعي أن واسيني قد استحضر القصيدة ذاتها وهو يصور مشهده، يقول محمود درويش في قصيدته التي تعبر عن معظم مشاهد اللقاءات السريعة الخاطفة بين يونس ولوليتا: (بين ريتا وعيوني بندقية / والذي بيعرف ريتا، ينحني ويصلي، لإله في العيون العسلية / وأنا قبلت ريتا، عندما كانت صغيرة / وأنا أذكر كيف التصقت بي / وغطت ساعدي أحلى ضفيرة / وأنا أذكر ريتا مثلما يذكر عصفور غديره/ آه ريتا بيننا مليون عصفور وصوره/ ومواعيد كثيره   / أطلقت نارا عليها . . بندقيه ..) ..

ولوليتا بطلة العمل التي يرسم لها واسيني الأعرج صورة غير مكتملة اللهم سوى بعض التفاصيل القصيرة في الحكي والسرد والتي تفرض عليها عقد الجسد من خلال محاولة اغتصاب والدها لها وهي صغيرة، تحتاج وقتاً للسرد، وجدير أن يستقرئ القارئ قلب امرأة لا تجيد الهوى إنما تصنعه، وهي مثل الماء حقاً حينما يتسلل من بين الأصابع خلسة وعلانية بغير ميعاد .. وبعد صفحات وسطور طويلة من الحكي والسرد لها، قالت إليه في ليلة محمومة بالنجوم وبصوت الرصاص الذي ينبعث بصورة عشوائية غير معلومة المصدر والصادر : أحبك أيضاً ..بالرغم من أنه (يونس مارينا بطل العمل) يعاني من حالة فصام مؤقتة تتأرجح بين مشاعر الأبوة التي يحملها عقل رجل ناضج لفتاة تصغره بأعوام بعيدة، وبين قلب رجل يحتاج إلى ثمة حالة عشق يهرب بها بعيداً عن معترك السياسة .

ولعل أهم ما يميز رواية واسيني الأعرج الأخيرة (أصابع لوليتا) أنها تميل إلى القفز فوق الحدث الذي يتمركز غالباً نحو الآخر، سواء كان هذا الآخر يمثل الغربة أم المنفى أم امرأة يبحث عنها، أو عقد ذهنية لا تنمحي مثل الجسد أو رجل الشرطة، وهذا القفز هو ما اتفق على تسميته بظاهرة العنف الفارقة بين الشعر والرواية، حيث إن درجة استخدام العنف تختلف باختلاف الشكل اللغوي المستخدم، فالشعر عادة ما يميل إلى عنف اللفظة والانفعال عن طريق المباشرة وهو أقرب ما يكون إلى البيانات العسكرية أو السياسية التي تلقى أو توزع على المواطنين وتدعهم في حيرة من أمرهم في تلقي البيان أو المنشور، والشعر بذلك لغة تدشن عن قصد لحالات العنف والغضب، بخلاف الرواية التي تتسم بالسردية ، وليس المقصود هنا بالعنف هذا الأثر الجسدي المؤلم، إنما مفاده درجة السخط الذي تمارسه نوع الكلمات والمعاني التي تتضمنها . وهذه السردية تسهم بصورة قصدية في فهم العالم والواقع بطريقة ناضجة لأنها تلتزم بالتتابع والمنطقية في العرض والتحليل غير مؤمنة بالقفزات التي تعد سمة مهووسة بالشعر وحده .

ولعل حبكة الرواية كأحد عناصر هذا الفن تتجلى بوضوح في مشهد الحكي الخاص بلوليتا والتي قصت فيه ما جرى لها من وقائع مؤلمة من أبيها وهذا التعنت والصلف الذي لحق بتلك الوقائع من أمها وأخيها، وأثر ذلك على نفسيتها وعلى بطل الرواية يونس مارينا الذي رأى في قصة لوليتها استكمالاً لبعض مظاهر التطرف الأسري الذي سرعان من انعكس على المجتمع العربي والجزائري بصفة استثنائية . ولعل مشهد الحكي السردي هذا الذي عبر عنه واسيني بسطوره هو الأكثر طولاً بين مشاهد الرواية بأكملها، نرجع في ذلك إلى عدة أسباب قد نراها متفرقة إلا أنها تلقى قبولاً واسعاً لدى جمع من القراء.

فاهتمام بعض المجتمعات المغلقة ثقافياً بعض الشئ بأمور دقيقة مثل اعتداء أب جنسياً على ابنته يعد من الاهتمامات السرية، كذلك إن إيقاع المجتمعات المركبة تحتاج إلى حدث يقلق هذا التركيب ويفجؤ سكونها الرتيب بمثل هذه الحوادث الاستثنائية التي قد لا تتكرر كثيراً . أما من ناحية الجانب الفني فإن الرواية التي رسمت صورة هيولية لبطلتها وهي صورة فتاة لا تفطن لمعنى الحزن أو المعاناة، فإن الكاتب لجأ لمثل هذه القصة عنها ليبرر بها أحداثاً أخرى تتمثل في القمع العربي وبزوغ الاستبعاد الذكوري للمرأة في بعض المجتمعات العربية التي يسود فيها تطرف الفكر وتضيق فيها الرؤى .

والمتتبع لأحداث الرواية لا يمكنه ـ رغم مباشرتها في السرد والحكي ـ أن يؤسس نهاية لها غير التي فاجأنا بها واسيني الأعرج على طريقة الأفلام المصرية التي انتشرت في عقد التسعينيات، وهي أن تكتشف أن اللص هو رجل الشرطة المتخفي، أو أن الرجل ذا اللحية والجلباب البيض الناصع هو زعيم العصابة والمخطط لجرائمها، ولكن كانت النهاية كذلك في أن تكون لوليتا هي قاتلة يونس مارينا بطل العمل الذي ربما يحاول أن يرتدي واسيني الأعرج قناعاً له لاسيما في محاولته للتصدي لأهل التطرف والغلو في التكفير، لذا فنهاية الرواية أصرت على إضافة بعد آخر للرواية وهو ملاحقة طيور الظلام للكتاب والمفكرين .

" ـ أنا مثل امرأتك لوحتك ./ ـ كيف ؟./ ـ عين على كتاب الحياة، ويد على زر الموت . الجمجمة" .

وتبدو النهاية منطقية استطاع أن يصيغها الروائي واسيني الأعرج بلغة شعرية تشبه قرار القصيدة، وهو فيها يتقمص دور الراوي أو المعلق على النص نفسه ويبدو صوته أكثر وضوحاً وعمقاً وهو يقرر نهاية بطل روايته " لأول مرة يقتنع بأن للموت رائحة، رائحة ليست ككل الروائح " .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

جامعة المنيا ـ مصر

 

مادونا عسكرقراءة في رواية "برهان العسل" للكاتبة السّوريّة سلوى النّعيمي

تقول سلوى النّعيمي في ما يخصّ رواية "برهان العسل":  "لم يكن هدفي كتابة رواية فضائحيّة أو مبتذلة، بل اختبار العلاقة مع قارئ حقيقي." إلّا أنّ الهدف الحقيقيّ من الرّواية لم يظهر، بغضّ النّظر عمّا إذا كان بالإمكان تصنيف هذا الكتاب كرواية أم لا. أرادت الكاتبة اختبار العلاقة مع قارئ حقيقيّ على حدّ قولها، ولعلّها بذلك استندت إلى أن يتلمّس القارئ/ة، ربّما، بحثها في التّراث العربي والإسلامي، تحديداً كتب الباه، أي الكتب  ذات الثّقافة الجنسيّة بين القرن السّابع والقرن الخامس عشر. وقد أوحت الكاتبة بذلك لقرّائها في هذا الكتاب إلّا أنّه لم يأتِ على مستوى البحث الجدّيّ، ولم يطرح فكراً خاصّاً، ولم يرتقِ إلى المستوى الأدبيّ المطلوب.

قسّمت الكاتبة روايتها إلى عشرة أبواب حملت عناوين تحيلُ إلى التّراث العربيّ والإسلاميّ. لكنّ مضمون الأقسام أتى سرداً عن مغامرات فتاة اكتشفت جسدها من خلال علاقاتها الجنسيّة المتعدّدة عن قناعة بأنّ معرفة الجنس مرتبطة بالتّعلّم لا بالنّظريّة وحسب. وإن تضمّنت الأقسام مقاطع من التّراث إلّا أنّها خلت من البحث الجدّيّ حول هذا الجزء من التّراث بل وكأنّ الكاتبة أسقطت هذه النّصوص على مضمون الرّواية لتبرّر علاقات بطلتها الجنسيّة المتعدّدة. ولو كان بحثاً جدّيّاً لعادت الكاتبة إلى تلك الكتب من حيث إطارها الثّقافيّ والتّاريخيّ مقاربة إيّاه والواقع الحاليّ.

 قدّمت الكاتبة بطلة روايتها  كشخصيّة تستند إلى جزء من التّراث لتعزّز قناعاتها الجنسيّة.  وبدت شخصيّة شبقيّة. (هناك من يستحضر الأرواح، أنا أستحضر الأجساد. لا أعرف روحي ولا أرواح الآخرين، أعرف جسدي وأجسادهم// أستحضرهم وأعود إلى حكاياتي معهم عابرين في جسد عابر...)  وربّما بدت  جاهلة، ولست أدري إن كانت الكاتبة قد تعمّدت ذلك أم أنّ هذا الجهل سقط سهواً. فالبطلة تلقّب رجلاً لا تريد منه إلّا ساعات مسروقة في أماكن مغلقة بالمفكّر لمجرّد أنّه يعرض عليها أفكاره الجنسيّة. أو تستنتج في مكان آخر أنّ كلّ امرأة هي محصّلة الرّجال الّذين مرّوا في حياتها. ما يعبّر عن انحطاط  فكريّ وثقافيّ يحدّد كيان المرأة في إطار غرائزيّ حيوانيّ.

لو كان المراد من الرّواية بحثاً أو طرحاً فكريّاً يهدف إلى تسليط الضّوء على أهمّيّة الجنس  كعالم خاصّ وحميميّ بين رجل وامرأة، أو لو أنّ الرّواية أتت كدعوة للتّحرّر لخلقت الكاتبة شخصيّة أكثر رصانة واتّزاناً معتمدة على شخصيّة متحرّرة فكريّاً ونفسيّاً، لا على شخصيّة قاربت الهوس الجنسيّ. وإذا كان تناول الكاتبات لموضوع الجنس يُعتبر جرأة فالجرأة ليست بطرح الموضوع واستخدام العبارات المرتبطة بالجنس. وإنّما الجرأة تكمن في تناوله فكريّاً وعلائقيّاً ومجتمعيّاً . فمن السّهل سرد مغامرات عاطفيّة جنسيّة بحجّة التّحرّر وكسر التّابوهات، إلّا أنّه من العسير الغوص في هذا الموضوع تحديداً والإحاطة بكلّ جوانبه.

تناولت الكاتبة موضوع الجنس تناولاً هشّاً اقتصر على ثرثرات نساء (صديقات البطلة) والنّكات الخاصّة بالرّجال. كما ارتكز على النّاحية الغرائزيّة وحسب، فبدا حيوانيّاً أو آليّاً محوّلةً إيّاه إلى سجن. فأين الجرأة في الموضوع؟ وأين التّحرّر؟ هل في جعل الإنسان والمرأة تحديداً حيواناً تحرّكه الغريزة؟ بل إنّ الكاتبة أخرجت الجنس من إطاره العلائقي المرتبط بالحبّ حينما قالت: "ما يهمني هو رغبتي أنا. رغبتي النّادرة".  

تطرّقت الكاتبة بشكل سطحيّ إلى نقاط عدّة في الرّواية كازدواجيّة المجتمع العربيّ الّذي يظهر عكس ما يخفي. وتلمّح  إلى مجتمع لا يعلّم أبناءه وبناته شيئاً عن الجنس: "أنا لم يعلّمني أحد. لا أمّي ولا أبي، ولا أختي الكبيرة. لم يشرح لي أحد. تربيتي الجنسيّة النّظريّة جاءت من الكتب والأفلام والحكايات ومراقبة النّساء والرّجال من حولي..."، وقد يمكن اعتبار هذه النّقطة إيجابيّة من حيث  البناء العلائقيّ السّليم بين الأهل وأبنائهم وبناتهم فيحمونهم من الأفكار الخاطئة. لكنّ ما تطرّقت إليه الكاتبة لم يبرز بالعمق المطلوب، ولم يناقش في الرّواية، وإنّما اقتصر على سرد أحداث سطحيّة ومغامرات جنسيّة استندت معرفيّاً إلى التّراث أو بعض منه بشكل سطحيّ.

الكتابة فنّ ودهشة تستفزّ العقل وتنحت الرّوح. ولا ريب في أنّ الكتابة تعبير عن الذّات إلّا أنّه لا يمكنها الوقوف عند هذه النّقطة، بل ينبغي أن تتخطّاها للتّعبير عن القارئ والبحث في عمقه واستخراج مكنونه. كتابة لا تزلزل القارئ وتحرّك عقله وتخلق في داخله السؤال والحيرة، كتابة لا تحترم القارئ. وإلّا فلماذا نكتب؟ ولا بدّ من لفت النّظر إلى أنّ ثمّة فرقا شاسعا بين التّعبير عن الذّات وتفجير الكبت في الكتابة. فغالباً ما يأخذ الموضوع الجنسيّ عند بعض الكاتبات طابع تفجير الكبت ومحاسبة المجتمع بل تحدّيه بدل أن يتّسم بالفكر والعمق ليقدّمن للقارئ نموذجاً ثقافيّاً قيّماً.

قد تمرّ بهذه الرّواية مراهقة كبطلة الرّواية  الّتي اقتصرت ثقافتها على مجلّات وأفلام وثرثرات نساء. وقد لا تجيد غالب الظّنّ تقييم أو نقد ما تقرأ فتغرق في دوّامة التّحرّر الزّائف والمعلومات الجاهزة دون أن تتلمّس خيوط المعرفة، أو ما كانت تودّ في عمقها البحث عنه ولم تجده في محيطها الأسريّ، فيخيب ظنّها، فالرّواية فن أعظم من أن يتوقّف عند السّرد المجرد من أهداف الحياة صغيرة وكبيرة.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

رحيم الغرباويما عاد الشعر في عصر الأفكار والطروحات الفلسفية لوحات تتغنى بها القلوب وتصدح في مهرجاناتها الأغاني والألحان، بل صار يناغم روح العصر وذوقه وهو يعالج قضايا المجتمع ويقيم صلواته في صومعاتها البنائية، ولمَّا كان الشعر  يعالج مساحات من الإشكالات المجتمعية، صار يقحم نفسه في كثير من إشكالاتها بوصفه أداة إقناع، ووسيلة إيضاح، ومفتي رأي، فسلَّمنا له بالقبول، وقبلنا فيه ذوق العصر، ولعل قصيدة الافكار والمعالجات هي نسيج مختزل يتضمن دلالات مكتنزة بسيطة في عباراتها عميقة في إشاراتها، ولعل هذا الشعر بات مستساغاً، لأنْ يتجاوز "النسق الغنائي المناسباتي وانفتاح التجربة الشعرية على فضاءات وجودية " (1)، وفكرية متنوعة " تحاول أنْ تؤطر التجربة الكلية بما تحمل من تناقضات الحياة وتعدد أشكالها " (2).

ويبدو أنَّ المجتمع العراقي انفتح على أفكار إشتراكية وقومية أخذت أبعاداً في طروحاتها، مما جعل الشعراء يتأثرون في هذه الطروحات فمنهم من انساق تجاه الأفكار الاشتراكية، لما يعيشه الشعب العراقي من فقر وتهميش طبقي دفعهم ينادون للقضاء على الفقر والاستغلال ونصرة الطبقات المسحوقة ونصرة الحركات التحررية و الدعوة إلى الحرية، ومنهم من توجه توجهاً قومياً في نشدان وحدة الأقطار العربية والدعوة إلى تحرير أرضنا السليبة فلسطين، ومنهم من نهل من الفكرين، كونهما مطروحين في الساحة الثقافية ويؤديان مشاريع إنسانية مقبولة.

ومن بين الشعراء الذين مزجوا بين ذلك هو الشاعر سامي مهدي، إذعالج في أشعاره مسائل إنسانية كثيرة، كما عُرف شأنه شأن شعراء جيله بنزعته الوجودية في موضوعات الزوال والاغتراب والضياع، لكنه لم يكتف بذلك، إنما انتقد الكثير من الممارسات سواء أكانت مظاهر مجتمعية أم سياسية لها أثرها السلبي على المجتمع، ومن بين قصائده قصيدة (خطأ نظري) من مجموعته الشعرية (يحدث دائما) والتي صدرت عام 2014م،

يقول :

لم يعد وحدكَ هذا الفضاء

فقد آنَ للآخرين

أنْ تكون لهم حصَّةٌ فيه

حصَّتهم هي

ما عادَ يُجديك نكرانُها

والتعلل بالسبقِ والسابقين .

هم هنا شركاؤك في الأرضِ والشمس

في الماء والريح،

في قولِ لا، أو نعم،

وإذا أنتَ أنكرتهم

فستُنكر نفسكَ بعدَ حينْ .

وكأنَّ الشاعر يؤنِّب ذاته، لكن نراه يعمم هذه الفكرة التي يرى أنَّ بعضهم يستشعر أنه ملكَ كلَّ شيء، وليس سواه ينفرد بالرأي أو القول، ولعلَّه يطرح   فكرة الشاعرالقديم حين كان يهيمن على جماهيره، وهو يلقي أشعاره، فيصفِّقون له من دون اعتراض أو نقد، كما هم الملوك والحكام الدكتاتوريون الذين سلبوا حرية المواطنين في بلدانهم، فيشير في نصه : لقد أصبحنا في زمن الديمقراطية التي يشترك بالرأي الجميع، فنختار وننتقد، كذلك القصيدة اليوم هي ملك الآخرين فيمكنهم أنْ يقولوا آراءهم فيها، ينتجون، وينتقدون . ولعل ما تحمله سطور القصيدة من تأوِّل واقتراحات هو ما يمثل الأسلوب الجديد الذي اتخذته القصيدة الحداثية، ودعوة الشاعر فيها إلى مواكبة العصر . فعلى الشاعر أن يستوعب ذلك كما صار لزاماً على كل سياسات العالم لاسيما الحكومات أنْ تنصاع للرأي المعارض وذوق العصر، كذلك الأفراد والجماعات .

ثم يقول :

فلتدع عنك أوهام ماضيك

هذا خريفك

والحُلَّة الملكية راحت ورثَّتْ

وما عادَ في المهرجانات ما

يخدعُ الناظرين .

سبق وأن قلنا أنَّ بعض الشعراء نهلوا من ثقافات وأفكار متنوعة، ومن بينهم شاعرنا، إذ نراه هنا يعدل إلى فكرة الزوال التي طرحتها الافكار الوجودية، فيرى أنَّ كلَّ شيء آيلٌ إلى زوال، و أنَّ أوهام الماضي زائله، فيشير إلى مجيء الخريف بعد فصل الربيع ولو بعد حين، كما أنَّ الحلَّة الملكيَّة رثَّتْ، إشارة إلى تبدل العصر وتغير التوجّهات والمشارب، بينما المهرجانات والتمثيل والتضليل فيها ما عادت تنفع؛ لأنَّ الوعي هو من جعل الناظرين يستبصرون الحقيقة، وليس الخدع أو البهرجة هي ما تنفع الحكام المُضللين .

ثم يقول :

خطأ

خطأ كان منذ البداية

والنظريات تُخطئ

بل سقطةٌ

وَغَدتْ مرضاً

حينَ أيقنتَ أنَّكَ وحدَك

كاللهِ

تملكُ كُلَّ الحقيقةِ

كاللهِ

أجدر بالمُلكِ

كالحلِّ والعقدِ

من سائر العالمين .

فهو يكذِّب النظريات التي ترى أنَّها فوق جميع النظريات، وأنَّها هي من أصابت الحقيقة دون غيرها، فشبه ادعاء أصحابها بالله سبحانه وتعالى العارف بكل شيء إنكاراً منه لذلك، فالأفكار تتغير وكل شيء إلى زوال، إذ لاتكامل في الحياة، والذي يغري أنَّ الشاعر كأنَّه يحيلنا إلى حقيقة الحكومات الجائرة التي تحكم باسم الدين، تظن أنَّها تحيي العقيدة بالقتل والترهيب والتعنيف، بيد أنَّها أخطأت منذ تأسسها، كونها ارتكزت على جمود وانكماش في الفكر، وليس لها إلا أن تميل عن جادتها بمرور الأيام والأعوام، كونها لم تراعِ أفكار وتطلعات الأجيال، فبقيت بقصورها العاجية، كما يحدث اليوم في بعض الأقطار التي لاتنظر إلى تطلعات رعيتها، ما جعلها تخسر حتى قواعدها بعدما صار ملكها رثَّاً ... وكما المناهج السياقية في الأدب التي حالت دون البقاء، فزالت، كونها لم تكن قادرة على مواكبة العصر  فجاءت بدلها مناهج جديدة تساير الثقافة وتطلعات المتلقين في قراءة النصوص الحداثية التي هي من صميم  ذوق العصر ثقافةً وتطلُّعاً، فهو مَن يقول: (أنا صاحب رؤى وأفكار ومواقف يحبّ أن يعبِّر عن رؤاه وأفكاره،ويعرب عن آرائه في ما يقرأ، وفي ما يجدّ ويدور في الساحة الأدبية والفكرية) لهذا نراه يسعى إلى الجديد ويقول للقديم أنْ لاتغتر في قِدَمك وما كنتَ به من ألقٍ في يوم ما، فإنَّ الساحة لم تخل من عقول ونظريات وأفكار تفوق الأفكار التي طُرحت في أزمنة مضت، إذ لاتنفع أفكارها، كونها تماهت واندثرت إلى غير رجعة .

 

بقلم د. رحيم الغرباوي

.....................

الهوامش:

(1) مقاربات نقدية لنصوص حداثية، د. سمير الخليل، دار الجواهري،

بغداد، ط1، 2013م : 71

(2) المصدر نفسه والصفحة نفسها .

 

وليد خالديللكاتب زياد كمال حمامي

حينما يتعلق الأمر بالغيرية كبنية أنطولوجية نابعة من صميم العالم كحركة تؤسس لمشهد ثقافي، بحيث تستحوذ على الآخر بلا استئذان للوعي كجائحة تعطل جهاز الرقابة العقلية، فإن هذا بالنسبة للكاتب في حقيقته مصادرة للحرية سواء تجلى ذلك في حالة الحضور أو الغياب، وتتحقق هذه الفاعلية على أرض الواقع كمعادلة موضوعية تصب في قالب الممارسة والسلوك، على اعتبار " أن الوجود بدون الآخرين هو نفسه صورة من صور الوجود مع الآخرين " بتعبير الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر. وبما أن الإبداع في توجهاته يعقد صلة وثيقة بالقضايا الإنسانية يحاول هو الآخر بناء عالم جديد متجاوز لما هو مألوف بالارتداد إلى عوالم الذات، أملتها الظروف الراهنة بكل معضلاتها وملابساتها وحيثياتها.

1- الكينونة/ الوطن... وأسئلة الراهن:

 الرواية التي بين أيدينا الموسومة بـ " الخاتم الأعظم " لمؤلفها زياد كمال حمامي الصادرة عن نون 4 للنشر والطباعة والتوزيع، المنشية القديمة، حلب- سورية في طبعتها الأولى 2015م، تروم من خلال مديات تعبيرية مفتوحة والتي جمعت بين ما هو واقعي وما هو متخيل استنطاق الواقع الأليم والمر والمتردي، الذي أصبح فضاءً للنزاعات والتصورات المغلوطة والمرجعيات المتكلسة، مما ولَّد حالة من حالات الفوضى والعنف والإرهاب.. ومدار هذه الإشكالية في سياقها العام مرتبط بالأساس بالكينونة كما يرى صاحبها، ولا شك " أن وعينا البائس أو حصادنا الفكري العقيم هو نتاج مراحل تاريخية تجمدت بعنف الخطاب وتأسيسات إيديولوجية ووطنية ترسخت في الوعي والذاكرة بقسوة الزمن والخطاب وعبثية الحراسة والعقاب. واللحظة البطريكية أو الأبوية  زادت من سطوة الرقابة وهيمنة القرابة بانتفاء الحس النقدي وأفول الرؤية العميقة الملتمسة للآفاق الواسعة والأعماق الغائرة " بتعبير محمد شوقي الزين.   

من هذا المنطلق، فبطل الرواية الدكتور زين في علاقته الجدلية المتبادلة مع الوطن المنضوية تحت عباءة السؤال، تشكل البؤرة الرئيسة داخل المتن الحكائي كانبثاق أنطولوجي تتكشف عبره الكينونة الإنسانية عن طريق إضاءة مناطقها المعتمة من منظور الروائي، يقول في هذا الصدد  " تدور عجلة الزمن بالدكتور زين، تجرده من وجوده.. هل أنا هو: أنا..؟!  أم أنتَ هو أنا؟!  بل من نحن جميعا؟! وأين نعيش؟! ماذا يحدث لي ... وكأنه يحدث/ ولا يحدث؟!  ثم ما معنى أنني رأيتُ وحدي انفجار الغيمة الغريبة، ذات الأجنحة المتكسّرة " ولعل هذا ما يفسر لنا سبب التساؤلات الطالعة من المقطع السردي، بمعنى أن الذات في علاقتها بالحقيقة تأخذ بعدا تشريحيا تحليليا، أي موضوعا للتأمل والتفكير يسبر أغوار الذوات في حوار منولوجي داخلي، ويبرز بهذا بشكل دقيق في التصدي للوجود الفيزيائي المرئي المتعين، الذي تحكمه القوميات الإثنية داخل الحقل الاجتماعي الخاضع في صورته غير المباشرة إلى صياغات خطابية تستند إلى خلفيات فكرية ومعرفية وثقافية مسطرة، فهذا الوجود في نظر الكاتب هو وجود زائف، يتكئ في جوهرانيته للنمطية المتغلغلة في عالم الموضوعات والأشياء، وبالتالي، هي نقيض التجربة المعاشة واسعة النطاق، إذ أن هذه الأخيرة تقضي على كل تنصل للمسؤولية التي هي إحدى مقومات الوجود الإنساني " هنا ألف وجه يشبهني، وألف نازح مثلي يتألم، ولكنني رغم ذلك أتساءل: هل كنتُ في كل خطواتي أخوض معركة حامية بين نفسي ونفسي؟!  أم أنني كنتُ أبحث عن روحي التائهة؟ أو عن مكان ضيق صغير اختفى و ضاعت دوريه؟!  هل كنتُ أدور، وأدور مثل أجنحة مروحة كهريائية؟ أو مثل طواحين الهواء؟!  وإلا ما معنى أن كل ما فعلته حتى الآن مجرد تبديل للمكان، انتقلت من مخيم إلى مخيم آخر، هاجرت، أو بالأصح نزحت قسريا، والزمن لا يمكن أن يتوقف، وأن يعود إلى الوراء، والمكان هو المكان، أو كما هو في حالتي اللامكان، ولكن مع فرق أنني هنا فقدت هويتي ".

واستنادًا إلى ذلك، فإن الاضطراب الواقعي الذي تعيشه الذات كاغتراب، يحيلنا إلى قضايا باثولوجية فضت بكارته في المجال التداولي عبارة (هنا فقدت هويتي) لأن أي شكل من أشكال الثرثرة نجده مغلفًا بغطاء القمع والإقصاء والتهميش للخصوصية المحاطة بدوائر التفكير أحادي الرؤيا في نضالاته، وبالتالي، فإن الكينونة كلما انزاحت إلى الكثرة كلما ابتعدت عن إنسانيتها وهويتها وتاريخها، مما يترتب عن هذا الانزياح الذي يتشكل كحدث إلى حصد الأرواح وإراقة للدماء، واجتياح المحرمات وكل ما له علاقة بالحياء الذي تجرده التصرفات المشينة من لباسه وثوبه، الأمر الذي أفضى في نهاية المطاف بالوطن بكل ما يحويه من معان عرضة للانتهاك والاعتداء الفاقد للحس الأنطولوجي المعتدل في رؤاه عبر الفحص والقراءة، وهو ما يمكن إدراك مراميه من خلال الصراع الطبقي والإيديولوجي المستكين لفخ الازدواجية، ونرصد ملامح هذا الاعوجاج عندما يتخذ أشكالا ترمي بنا في أحضان الجشع والتملك مؤداه القتل والنهب والخراب والدمار... " تدبُّ الخلافات الحادّة بين الأخوة...بين الأهل، والأقارب، وأبناء الخال، والعمّ ، والجيران الذين كانوا يتعايشون بمحبّة ووئام عبر عشرات السنين، ومئاتها، وكل واحد من المختلفين ينحاز إلى فريق من المتخاصمين، منهم من هو مع الثورة، ومنهم من هو مع النظام الحاكم، ولم تعد للوسطيّة أو السلميّة مكان ، وما أكثر أخوة الدم والياسمين الذين انضموا للاقتتال ببعضهم، وصار السلاح، والقتل المباح هو كلمة الفصل بين المتخاصمين..."

 

2- القلق كبناء أنطولوجي... الأنا ووجود الغير:

مما لا شك فيه، أن الشعور بالقلق بالمعنى الأنطولوجي يستمد مشروعيته من الدازين بالمفهوم الهيدجري، إذ يحدد مواقف الأنا وأدوارها داخل العالم، والتي من خلاله تتجسد المصائر كإدراك يحقق للذات وجودها الأصيل بعد أن استقر بها المقام في البعد عن معطيات الوعي المنضوي تحت مظلة الممارسات الخطابية المنتصرة للحقائق المزيفة على حساب الحقائق الموضوعية       " أحلق بعيدا في عالم الضياع، تمزقني وحدتي، تهلكني سنوات الجمر، أطير، أجوب الآفاق، تائها، حائرا، يظهر الطير الأفعى بأجنحته النارية مرّة أخرى ، يرسم حولي دائرة من نار، يقهقه عاليا، ترعد السماء، يهتز السحاب من قوته، أدرك أنّ المعركة مع هذا المخلوق طويلة، وصعبة، وها أنا الآن معلق بين السماء والأرض، وأنني ضحية لا مهرب منها، ولكن يجب عليّ أن لا أستسلم لقدره، وليس أمامي إلا أن أفكر كيف أستطيع الخروج من دائرة النار؟! "

فالانزلاق في النحن بالنسبة الروائي زياد كمال حمامي يشكل معضلة كبرى كونه يصب في المصلحة الخاصة وليس تحت الإرادة المستقلة في مسايرة روح العصر، ويتعلق الأمر من خلال الانتماءات الضيقة التي تجعل من الأنا في بوتقة ترنسندنتالية، وهي مظنة للفرقة والشتات والضياع، والذي يقع تحت المظلة العظمى الوطن بسبب انهياره وضموره في ذواتنا أولا ومن ثم في العالم الخارجي، لهذا السبب  " فالمساءلة تتحقق ضمن تحليلية الدازاين تحطيم الأنطولوجيا المشحون بتراكمات المعنى الذي يقتلع الدازاين من أصالته وتحمله على أن لا يرى في المأثور الميتافيزيقي إلا بداهة الأنواع والمواقف والاتجاهات " على حد قول محمد محجوب، وعلى هذا الأساس، يطالعنا السرد الحكائي في منح النص إمكانية تحدد طبيعة العلاقة مع الغير المشوبة بالأسئلة المتدفقة  " يفقد في طريق العودة ذاكرته، ولم يعد يعرف:  هل هو الرجل الذي يبحث عن سرّ الطريق الثالث؟!  أم أن هذا الإنسان هو غيره؟! "

 لأن الانغماس مع الآخر بدون عملية استنطاقية هو في حقيقة الأمر اختراق يحول الذوات إلى موضوعات مفعولا بها مما يعكس سلبا وجودا زائفا يتخذ عدة صور وأشكال تفقد فيه الذوات إمكاناتها في صناعة الوجود المأمول الخالي من كل الصراعات الطائفية " يمضي بلا إحساس، بلا شعور أنه هو نفسه..! هل هو فعلا زين، الذي ولد من أب وأم مختلفين مذهبيا؟!  وها هي الأيام تمر، وتصبحان طائفتين تتقاتلان بضراوة ولا رحمة، الأولى تنشد الانعتاق من الاستبداد، والأخرى التي تعتبر من الأقلية تدافع عن وجودها، مَن أنا؟! آه ه ه.. أنا إنسانٌ آخرُ في روحين، وكلّ روح تتجلى ، وتتماهى، وتقودني إلى حيث لا أعلم ولا أدرك؟!  ولعلك أنتَ نفسكَ تدركُ خطورة هذا الأمر أكثر منّي، ونتائجه، وهذا مصدر شكي وألمي، وأنا لا أعرف الآن نهاية المصير ". وإن ما يستوقفنا في هذا السياق، كون نهاية المصير في ظل بحث الكينونة عن موقعها مع الآخر يشكل تحولا حقيقيا وفق مسارات تحمل وظيفة مشتركة ومحددة غياب الحرية في طابعها الاستلابي، وأمام هذا الاعتراض من قبل الروائي على لسان شخوصه، فيرى أن  الوطن كحاضنة لا تتمتع فيه الأنا مع الغير إلا من خلال العودة إلى الوجود الأصيل، بحيث يضمن لكلا الأطراف الحرية التي سلبت بفعل الهبوط الذي يسكنه الابتذال والانحطاط الناجم عن الحيثيات التي ساهمت في بلورة مخيال يحمل كثافة رمزية مشحونة، انطلاقاً من إضفاء صفة القداسة عليه، وبصورة أخص يضع الذوات بطريقة لا شعورية تتعارض تصوراتها ومفاهيمها مع الذاكرة والتاريخ داخل نظام الممارسة الذي يشكل في مبناه العام تهديدا وخطرا، وهذا ما يؤدي إلى أزمة وجودية من خلال تضليل وتعتيم الكينونة بفعل الوسائط المرذولة التي لا تمت بأي صلة للحقيقة المستساغة.

يقول في السياق " يشعر أنّ الأرض ضاقت على الأجساد، وسكن الوجود، في عتم الليل: يتأوّه في سرّه هاتفا

- ي- اااا لحرب الوجود! ...؟

يهتف )أبو فراس )، موافقا:

- نعم، إنها حرب وجود.. أو لا وجود!؟

يفكر د.زين، قليلا، يشعل لفافة تبغ، يسحب نفسا عميقا ثمّ يجيب الحاضرين بلهجة آخر السطر:

- ليس  لنا الخيار في الولادة أو الموت، ولكن لنا الخيار في الوسيلة التي سنختار فيها حياتنا ومستقبل أجيالنا."

إن ما يمتاز به هذا الموقف كون الموت يطالعنا في هذا المقطع السردي كطاقة جوانية تنفلت من قيود الشهوانية والإيروسية المتعلقة بالحياة، ويظهر هذا جليا في تفعيل كل ميكانيزمات الذات أو الكينونة التي بواسطتها يتجلى الوجود عبر إنارته وإضاءته، يعكسه الملفوظ الآتي (ولكن لنا الخيار في الوسيلة التي سنختار فيها حياتنا ومستقبل أجيالنا) أي أن العلاقة بين الذات والوجود هي علاقة مبنية على الفهم وليس على المخيال الجمعي المرتبط بالعلية المشوهة بفضل التداعيات، وهذه المسلمة هي التي تدفعنا الآن إلى القول: بأن الكينونة التي تقيم وجودا بدون هذا الغير انطلاقا من الإرادة الحرة المتجاوزة للأجهزة الإيديولوجية، تتكشف من جرائها الحقيقة التاريخية في الزمان والمكان وفي العالم أجمع بصورة أدق.    

وتبعًا لذلك، فهاجس الوطن جعل من اللغة السردية نفسها وقودًا لكي تتكلم أي تستدعي الأشياء والموضوعات، لأن " اللغة تتكلم بنا لا نحن من نتكلم بها " بتعبير مارتن هيدجر، واستنادا إلى ذلك، فإن الكاتب عشقه للوطن وهوسه به حول الأشياء اللامرئية إلى مرئية بفعل الدازين، المنحدر ضمن مقتضيات التفكير الذي يتجاوز المدلول المتعالي كقوة ضاغطة بطريقة لاشعورية تضعنا في مصاف الاحتجاب الذي يقذف بالذوات في عالم الغياب، وهنا، تكشف الرواية عن نوع من أنواع التصادم بين الذوات التي تحركها الجوانب الإيديولوجية والانتماءات الضيقة وكل أنماط الدعاية والإعلام.. كصناعة ثقافية محشوة بالأطر التمجيدية كما يراها الكاتب، إذ جعلت من الكينونة تدخل في عالم الاحتجاب والتواري، وهي لحظة من لحظات تكلس الوعي المقيد للسلوك الإنساني المبرر للأنساق السلطوية، وهو شكل من أشكال السيطرة والضبط والتحكم، والتي أغفلت في حقيقة الأمر بالنسبة له فكرية جوهرية، والتي تجمعهم تحت سقف واحد الوطن بكل ما يحمله من شحنة عاطفية ووجدانية وعقلية وروحية.. بحيث يدخل ضمن حيز الإمكان الذي من خلاله يبرز الوطن كحالة متجردة تقودنا إلى الغاية المنشودة والمطلوبة كحل للأزمة الحالية، يستشرف بها الروائي زياد كمال حمامي مستقبلا مشرقا للإنسانية  في صورتها المكتملة.

 

بقلم. خالدي وليد/الجزائر.

 

فالح الحجية4- القفل: هو مايلي الدور مباشرة ويسمّى أيضاً مركزاً، وهو شبيه بالمطلع في الموشح التام من جميع النواحي أي أنه شبيهه في القوافي وعدد الأغصان وليس الموشح مشروط بعدد ثابت من الأقفال. والقفل هنا هو:

والزهر شق كماما وجداً بتلك اللحون

5- البيت: وهو في الموشحة غيره في القصيدة ، فالبيت في القصيدة معروف أما في الموشحة فيتكون البيت من الدور مضافاً إليه القفل الذي يليه وعلى ذلك فالبيت في موشحنا هو:

وللنسيم مجـــــــال

والروض فيه اختيال

مُدّت عليه ظـــــــلال

والزهر شق كماما وجداً بتلك اللحون

6- الغصن: هو كل شطر من أشطر المطلع أو القفل أو الخرجة وتتساوى الأغصان عدداً وترتيباً وقافية في كل الموشحة وقلّما يشذ الوشاح عن هذه القاعدة، وأقل عدد للأغصان في مطلع أية موشحة ـ وبالتالي في الأقفال والخرجة ـ اثنان، وكما سبق القول يجوز أن تتفق قافية الغصنين ويجوز أن تختلف، على أنه من المألوف أن تتكون أقفال الموشحة من أربعة أغصان مثل موشح لسان الدين:

جادك الغيث إذا الغيث همى

يـازمــان الـوصـــل بالأنـدلــس

لم يـكـــن وصــلك إلا حـــلـــماً

في الكرى أو خلسة المختلس

7- الخرجة: هي آخر قفل في الموشح قفل بكل شروطه، تقع في آخر الموشح و تشكل مع مايسبقها من أقفال أجزاء أساسية في بناء الموشح و لولا الأقفال والخرجة لا يمكن أن تسمى المنظومة موشحاً.

والخرجة خرجتان:

خرجة معربة وهي التي تكون فصيحة اللفظ بعيدة عن العامية.

و خرجة رجلية أي عامية أو أعجمية الألفاظ وهي المفضلة او المستحسنة.

استخدم الوشاحون كل موضوعات الشعر المألوفة ميادين لتواشيحهم وقد وجدت موشحات في جميع الأنواع فاول هذه الموشحات هي الموشحات الغزلية ثم الخمرية ثم موشحات في وصف الطبيعة وكثيراً ما كانت تتشابك هذه الموضوعات وتشترك كلها في موشحة واحدة فمن أشهر الوشاحين الغزلين (الأعمى التطيلي ) فوموشحته هذه تعتبر مثلاً أعلى لفن الموشحات في الأندلس يقول:

ســــافر عن بدر

ضاق عنه الزمان وحواه صدري

آه مــــــــما أجـــد

شفني ما أجـــــد

قــــام بي وقـــــعـد

باطــش متئــــــــد

كــلمـــــا قلت قد قال لي أين قد

وانـثنى خوط بان ذا مهـز نضير

عـــابثــــتــــه يــــدان للـصبا والقطر

.

اما الموشح الخمري فلا تختلف مواضيعه عن معانيها في القصيدة الشعرية في الخمر واشهر شعراء الموشحات الخمرية ابن بقي القرطبي الاندلسي فيقول:

أدر لـــنــا أكــــــــواب

ينسى به الوجـــــــــد

واستصحب الجلاس

كما اقتضى العهـــــــد

دن بالهــــوى شرعاً

ما عشـــــت ياصــــاح

ونـــــزّه الســــمـــعـــا

عن منطق اللاحــــي

والحـــــكم أن يدعى

إليـــك بـــــالــــراح

أنامــــل العــــنـــــاب

ونقلك الــــــــــــــورد

حفــــــا بصــدغي آس

يلويهــــما الخـــــــــد

ويعجبني هذا الموشح الرائع لابن المعتز الشاعر العباسي في المشرق والذي كان المغنون يتغنون به الى وقت قريب:

ياحلو يا اسمر غنى بك الســـــمر

رقوا ورق الهوى في كل ما صوروا

 

ما الشعر ماسحره ما الخمر ما السكر

يندى على ثغرك من انفاسك العنبر

 

والليل يغفو على شعرك او يقمر

انت نعيم الصبا والامل الاخضر

ما لهوانا الذي اورق لا يثمر

 

قد كان من امرنا ماكان هل يذكر

نعصر من روحنا اطيب ما يعصر

 

نوحي الى الليل ما يبهج او يسكر

نبنيه عشا لنا ياحلو يا ا سمر

اما الموشح الخمري فلا تختلف مواضيعه عن معانيها في القصيدة الشعرية في الخمر واشهر شعراء الموشحات الخمرية ابن بقي القرطبي الاندلسي فيقول:

أدر لـــنــا أكــــــــواب

ينسى به الوجــــــــد

واستصحب الجلاس

كما اقتضى العهـــــد

دن بالهــــوى شرعاً

ما عشـــت ياصــــاح

ونـــــزّه الســــمـــعـــا

عن منطـــــق اللاحي

والحـــــكم أن يدعى

إليـــك بـــــالــــراح

أنامــــل العــــنـــــاب

ونقلك الــــــــــــورد

حفــا بصــدغي آس

يلويهــــمــا الخـــــــد

اما موشحات وصف الطبيعة الاندلسية الرائعة الخلابة فمن افضلها موشح الوزير الشاعر ابي جعفر احمد بن سعيد وفيها وصف الروض ووصف النهر الذي خلع عليه الوزير الوشاح الألوان البهيجة حين سلّط شمس الأصيل على ماء النهر المفضض وجعل منه سيفاً مصقولاً يضحك من الزهر في الأكمام، ويبكي الغمام، وينطق ورق الحمام، ويصف أيضاً جمال الحور وفتنة الروض فتوحي بالشراب فيمد الشاعر أو الوشاح الأندلسي بالغزل فيقول فيها:

ذهبت شمس الأصيل

فضة النهر

أي نهر كالمدامة

صيّر الظل فدامه

نسجته الريح لامه

وثنت للغصن لامه

فهو كالعضب الصقيل

حف بالشـفـــر

مضحكاً ثغر الكمام

مبكــياً جفن الغمام

منطقاً وِرق الحمام

داعــــياً إلى المدام

فلــــهذا بالـــقـــبــــول

خط كالسطـــر

وعد الحب فـــأخــــلــــف

واشتهى المطل وســــوّف

ورســـــــولي قد تعـــــرّف

منـــــــه بما أدري فحرف

بالله قل يارسولي

لش يغب بــــدري

***

يتبـــــــــــــــع

امير البيـــــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق- ديالى - بلــــــد روز

 

 

 

ثامر سعيدالكتابةُ الملساء تفقدكَ محفزات التشبث بها ومتعة البحث والاستنطاق فلا تجد زوايا أو خدوشاً تجذب وجهة تشوفكَ أو حتى أخاديد لتتبع خطوط الماء الجاري فيها، حتى الهواء تراه ينزلق عليها بيسرٍ دون أن يحرك خصلةً في رأسِكَ، ناهيك عن فقدانِ المفاجآتِ التي تمنحك سلطة التأمل والمحاكاة . يقول أرسطو : (النقدُ أمرٌ نستطيع تفاديه بسهولة بألا نقولُ شيئاً، وألا نفعلُ شيئاً، وأن نكون لا شيء) . وهذه المقولة تنفع الكتابة الخالية من ثيمات تستحق التوقف عندها، لكن هناك كتابات لا يمكنك أن تمرّ بها دون أن تأخذ فسحةً للتفرس . النصُ الذي يتأرجحُ برتابةٍ مملةٍ بلا توترات وانفلاتات وشطحات لا يتعدى جلسةً على كرسيّ هزاز مهما تحركَ لا يتقدم بك خطوة واحدة.

في كتابها (لا عكاز للحياة) للشاعرة أسماء الرومي أول ما تستوقفكَ هي الثريا التي تشي بطاقةٍ كبيرةٍ للهم الإنساني الذي يفتح أمامك الكثير من الأسئلة، أسئلة الماضي والآني والقابل، الحياة بكل ما أعلنتْ وما تخفي، وهي أسئلة لا تنتهي حتى توهمكَ في لحظةٍ ما أنكَ بلا أسئلة وهو وهمٌ بصيغةِ حقيقةٍ، كالجائع الذي وجد نفسه بغتةً أمامَ مائدة بشتى أصناف الطعام فأحتارَ بأي صنفٍ يبدأ حتى أخذه النعاس ونام : (ذات مرّةٍ اصطحبتني أمي إلى جارتِنا \ التي بيتها من طين \ فطرحتُ الكثيرَ من الأسئلة \ ولم تجبني \ فقط كانت تضحك \ أنا الآن بلا أسئلة) . هذا المقطع في نص يحمل ثريا الكتاب ذاتها يحيلكَ إلى أسئلةٍ أخرى حرصت الشاعرة إلى الإشارة إليها دون أن تأخذ بصيغة سؤال لكننا نكتشف أنها أرادتْ أن تقول : هل الحياة قاربٌ قديمٌ لم نختره، قاربٌ بلا شراع ؟ هل الحياة تمرُّ خلسةً بالجوار فلا نملك إلا أن نوزع أبصارنا على الغرباء ونلثم ابتساماتنا لنحفظ للحزنِ هيبته ؟ هل الحقيقة محض وهمٍ والوهمُ كلُّ الحقيقة ؟ .... وفي لجّةٍ هذه الأسئلة المتلاطمة باليأس والخذلان تغلق الشاعرة نصها هذا بجملةٍ صادمة (أعشقُ الحياة \ وأمارسُ الموتَ طقساً لأنجو) فنجدها هنا تتضامن تماماً مع الشاعر محمود درويش حين قال: (كل الذين ماتوا، نجوا من الحياة بأعجوبةٍ) .

إذا عرفنا أن العكاز هو مرادفٌ للعجزِ والوهن حينها سنفهمُ إن حياتنا في هذا الراهن المأزوم والمكتظ بضروب القهر والإقصاء والمكائدِ لم تعدْ صالحةً للحياة، الحياة التي يرنو إليها الشاعرُ ليمارسَ حياته وفقاً لأخيلتهِ الشاهقة وحقه المشروع في البقاء فلا تصبحُ أيامه محضَ صدإٍ يتكدسُ فيُفقدُها بريقَها ويتركها تصرُّ كبابٍ عتيق (حين يأكلُ الصدأ ما تبقى \ من أيامنا \ ويتركنا نَصرُّ \ كبابٍ حديديًّ قديم) .

تتعاملُ الرومي مع الأمكنةِ في نصوص (لا عكاز للحياة) بطريقة الحفر الوجداني وتؤثثها بلقطاتٍ مستلّةٍ من الواقعِ تارةً أو مبتدعةٍ من المخيالِ تارةً أخرى . يقول جاستون باشلار :(إن كلَّ أماكنِ لحظاتِ عزلتنا الماضية، والأماكن التي عانينا فيها من الوحدة، والتي استمتعنا بها ورغبنا فيها وتآلفنا مع الوحدة فيها تظلُ راسخةً في داخلنا، لأننا نرغبُ أن تبقى كذلك) . لذا نجد الشاعرة تتشبث وبقوة بأماكنها القديمة، أماكن الطفولةِ والصِبا، الأماكن التي شكلتْ بواكير رؤيتَها إلى الحياة ودهشتها البِكر، تلك التي تذكي في البعض جذوة البوح بأيّ شكلٍ من أشكاله، وأقصدُ بالبعض أولئك الذين قبضوا على ملَكَة التعبير بعد أن استوطنتْ جيناتهم فصرنا نسميهم بذوي المواهبِ، والشاعرُ مخلوقٌ يقبضُ على موهبتهِ ويعضدها بثقافة وتجربة ومخيال لينتج نصوصاً لائقة، وحين تترسخُ أماكننا الأليفة في دواخلنا نجدنا نعاني من خسارةِ أُلفتِها تلك ووداعتها، هي (وأقصد الشاعرة) ترى راهنَ المكان قد تشوّه كثيراً وإن ما يحيطُها من فضاءاتٍ هي غريبة عنها وتخشى أن تضيعَ في هذه الأماكن المشوهة الغريبة (أشعرُ بعوَقِ المدينةِ \ وهي تترجلُ \ بثيابها الغريبة \ نحو الأضواءِ \ أخشى أن تتعثر \ بثيابها الغريبةِ \ ونسقطُ جميعاً \ في مهبِّ الضياع .) يحيلنا هذا القول إلى أن المدينة الأولى كانت تمتطي صهوة المدنيّة والانفتاح والتجانس المعيشي والتحضر وها هي اليوم تترجل بعوَقٍ وبثيابٍ وأضواءٍ غريبةٍ قد تسقطُ فنضيعُ جميعاً . وهذه هي محنةُ الكثير من الشعراء الذين عاشوا في مدينةٍ، أمسُها كان أفضلَ من يومِها وغدها في عهدة المجهول .

رغم بساطة المكان الأول ومحدوديته لكنه كان فسحةً شاسعةً للطمأنينة والأحلام، قالت العربُ قديماً: (المكانُ بالمكينِ) وفي روما القديمة كانوا يرون الأمكنةَ بناسِها، فنرى هنا تماهي ذات الشاعرة مع ذلك المكان وهي تستحضر مفرداته الأليفة من ألفةِ من فيهِ (الأبوين، الجدة، الأهل، المجتمع) هؤلاء هم من يجعلون حياتك الأولى بلا تجاعيد من خلال الهيمنة والاحتواء فيتشكل الإدراك المبكر للذات فيه وفقاً لذلك، وهذا لا ينفي اختلاف الإحساس بالمكان من ذاتٍ لأخرى وفقاً لاختلاف تلك الهيمنة وذلك الاحتواء : (بيتنا الذي بناهُ أبي \ من خشبٍ وبردي \ كان واسعاً بغرفةٍ واحدةٍ \ وفناءٍ ضيقٍ لا غير \ واللحافُ الذي يغطينا \ يحلقُ كلّما اتسعت \ حكاياتُ جدتي)، البيتُ الواسعُ بغرفةٍ وحيدةٍ، ولحافُ الطفولةِ الذي كلّما ضاقَ علينا زادَ دفؤهُ فيحلّقُ في سماوات الأحلام حين تتسعُ وتطولُ حكاياتُ الجدةِ . هذا الجو قد يأخذ بعض القرّاء إلى طقسٍ صوفيٍّ فيسحبهم بجاذبيةٍ خاصة صوبَ عشقٍ طفوليّ عاشوه في الكيفية ذاتها، المقطعُ هذا تشكّلَ من انزياحٍ متقنٍ لمقولةِ النفري المعروفة (كلّما اتسعتْ الرؤية ضاقتْ العبارة) وخلقَ صورةً شعريةً طازجةً وذكية أغنتِ النصَّ جمالاً في المبنى وغنىً في المعنى .

وباختلاف الزمن تختلف معطياتُ المكان الجمالية حين تتحولُ الألفةُ إلى ضياع والدفء إلى عطشٍ بعد متوالية الحروبِ والتشوهاتِ التي تكالبتْ عليه فنقفُ إزاءه وقفة الباكي على طللٍ مندرسٍ يندبُ أيامهُ الرائقة (أسألُ المدينةُ عن أنهارِها \ فتجيبني بشفاهٍ شققها العطشُ \ لا تعقدي الرهان) و (أنا إبنةُ الماءِ \ وربيبةُ النخلِ \ فلا تتعجبوا لكلِّ هذا الحزنِ) . ربما يسألُ سائلٌ : ما علاقة الماءِ والنخيلِ بالحزن ؟ نعم قد يكونُ السؤالُ غريباً أو غيرَ منطقي لكننا حين نتحدثُ عن بلادٍ عُرفتْ بأرضِ السّوادِ، والسّوادُ في هذا التعريف كان دليلاً لشدّةِ الخضرةِ، والخضرةُ الطاغية هي رديفةٌ للماء العذب الكثير، ذكرَ الأصطخرائي أن أنهارَ البصرةِ عُدّتْ في القرن الأول الهجري فزادتْ على مائة وعشرين ألفَ نهرٍ، والرقمُ غير مبالغٍ فيه إذا شملَ القنوات والسواقي والترع والنُهيرات الممتدةَ في القطائعِ والأراضي المستصلحة وفي أزمنةٍ متقدمةٍ من القرن العشرين الميلادي أطلقَ عليها مسمى (فينيسيا الشرق) وربما تجاوزت بندقية الطليان بكثرة بساتينها وجمال خريفها المذهل . لذا يحضر الجواب المنطقي من خلال المشهد الجديد لشاشة المدينة الأخرى، أو ما يسمى باللقطاتِ الايماجية Imagism (التصويرية) حيث الانهيار الصادم للأشياء والمرئيات والمحسوسات بكل تفاصيلها، الزلال إلى أجاج والخضرة إلى يباب والسلوك الإنساني السلس الدمث الوديع إلى نقيضهِ والهواء القادم من بهجة العشبِ والأنهار إلى مزيج من الملوثات المنفوثة بلا تحسب، وسيدات الشجرِ إلى جذوعٍ بلا رؤوس، من خلال كلِّ هذا تتبنى الشاعرة موقفاً وترسمُ رؤاها الشعرية الجازمة حيال ذلك، وهو الحزنُ وعدم عقد الرهان من أجلِ غبطةٍ مرتجاة أو تفاؤلٍ في الأفق . وفي موقعٍ آخر يتصاعد النسقُ التراجيدي لأماكن الشاعرة فتصبحُ لغتها أشدَّ حدّةٍ وموارٍ وهي تستعيدُ طرقاتِ الأمسِ ولياليها الوادعة بحشدٍ من العواطفِ المجرّحةِ والمخذولة فيغدو بوحها شبيهاً بعواءِ ذئبٍ فقدَ أخاه (لم تكنْ الطرقاتُ هي الطرقات \ ولا الليلُ هو الليل \ إلا القلب فهو ذاته \ كان يعوي كذئبٍ \ فقدَ أخاه) .

لقد عمدتْ الشاعرة إلى تشخيص سيرة المكان من خلال شعور العزلة والاغتراب وصولاً إلى شعور القهر والاختناق، فصارَ التوجسُ والقلقُ هاجسينِ مخيفينِ مما سيؤولُ إليه الواقع الزمكاني المنتظر، وهذا انهيارٌ آخرُ لصورةِ المكان، بلغَ ذروته من خلال التعبير عنه بأنه (لا شيء)، فراغٌ كبيرٌ يتسعُ كبالونٍ كبيرٍ ننتظرُ انفجارَهُ، وهو كناية رمزية مؤلمة لفكرة عدم الإحساس بما يدور حولنا، أو الرغبة بعدم الإحساس بذلك، حيث أن كلّ ما نمرُّ به من أدوار حياتية في هذه الصورة لا يتعدى كونه فَقدٌ كبيرٌ مَهّدهُ غيرنا لنا (لا تستغربْ حين أقولُ \ إنني أعيشُ فراغاً كبيراً \ فراغاً يتسعُ كلّ يومٍ \ وكأنني داخل بالونٍ كبيرٍ \ وثمة من يقصد نفخه كلّ حين \ أخشى ما أخشاه أن ينفجر) .

تطفحُ مفردةُ الحربِ في أكثر من نصٍّ من نصوصِ هذا الكتاب، لتعبّر عن مفهومين للخراب العبثي، هذا الخرابُ الذي وصفه الكاتب الأميركي جون ستاينيك بأنه عرَضٌ من أعراضِ فشلِ الإنسان كحيوانٍ مفكرٍ، فتارةً نقرأ الحربَ كمفهومٍ حسيٍّ واقعي بما خلفته من مآسٍ في حياتنا لم يستطع أن يتجاوزها الزمنُ فظلتْ عالقة في ذاكرةِ الشاعرة وهي تعيشها في عمرٍ مبكرٍ (ماذا يعني أن تكون الحرب \ أولى الكلمات التي تتعلمُ نطقها \ ماذا يعني \ أن لا تتذكر من جيرانكَ \ سوى لحمِهم المعلّقِ بسعفِ النخيلِ \ وحبل غسيلهم الدامي) . ففي مدينةٍ مثل البصرة تعيش الحربَ بتفاصيلها الفتاكة، حربٌ في الجبهات وأخرى في قلبِ المدينة، من خلال ما كان يسمى حينها بقصفِ المدنِ، حيث كانت تلك الصورة التي رسمتها الشاعرة تتكرر دائماً في الأحياء والساحاتِ والشوارعِ، قذائفُ موتٍ تهطلُ بلا سابقِ إنذار، شظايا توشم الأرصفةَ والجدران، لحمٌ بشري متناثر، حبلُ غسيلٍ تنضحُ أشياؤه بالدماء، خواءٌ ورعبٌ وانتظارُ موتٍ لا نعرفُ متى يأتي . وتظلُ الشاعرة تحملُ الحرب في رأسها وهي تتجولُ في أماكنها الأولى، أماكنها الجميلة الأليفة الرائقة (أحملُ الحربَ في رأسي \ في المدنِ التي تطفو بالجمال \ أسيرُ احترازاً \ أبحثُ عما أقايضُ به رأسي \ ولو كان \ نصف تفاحة) تبحثُ عن سببٍ يحملها إلى تفريغ تلك الحرب من ذاكرتها، ومثلما أخرجتْ تفاحةٌ آدمَ من الجنّةِ عسى أن تخرجها نصفُ تفاحةٍ من الجحيم .

وتارةً أخرى نقرأها (الحرب) بمفهومها التلميحي الإشاري، من خلال توظيف كنايات دالة لكنها ربما تدلُّ أيضاً على حربٍ مختلفة وقد نفهم منها إنها حرب السلطة المستبدة مع الشعب، (مخالفة السلطة أو عدم القبول بالدوران مع عجلتها = جثث كثيرة) :(ثمة جثثٌ كثيرةٌ ملقاةٌ على الأرضِ \ تمنعني من العبور إلى الجانب الآخر \ حيث الشمس خضراء) .

الكتابةُ بالمحوِ هي دعوة للتكثيف والاكتناز تخلق صوراً شعرية خالية من الترهل والترف الكلامي غير المحبب، سيما أنها ذكرتْ في نصها (قصاصات) أن قصيدة النثر رقيقة جداً ولا يمكن لجسدِها الشفيف سوى التحليق، حيث تتقاطع مع رأي والدها الذي لا يعجبه هذا الجنس من الكتابة الشعرية فهو لا يؤمن بشعرٍ بلا عمود (كافٍ وكفكافٍ وكفي بكفها ...) لذا على هذه القصيدة أن تتخلى عن أيةِ حمولةٍ فائضة لتحلق بلا حشو أو تراتبية مملة، أنا لست ضد قصيدة العمود أبداً فقد تربينا على روائع هذا العمود الذي شكّل شِعريتنا المبكرة لكن علماء العروض هم من وصفوا البيت الشعري بالوصف المعروف (حشو \ عروض .. حشو \ ضرب) . فحين يصبحُ الحشو إقحاماً قسريّاً في بنية القصيدة يتحول الشعرُ إلى نَظمٍ وكلامٍ خالٍ من الإمتاعِ والعمقِ والدهشة حاله حال قصيدة النثر حين تفقد طاقتها الشعرية فتكون خاطرة لا ترتفع عن القول الدارج بمستوىً ما .

في نص (حفظنا الوصايا ونسينا الطريق) تقول الرومي: (أنا النصّ الذي كلّما كتبته بدا ناقصاً \ وكلّما محوته اشتعلَ وضوحاً)، فهي بذلك تعترف وتؤكد بأن الشعر إشارات مقتضبة بمحمولات دلالية وجمالية واضحة ومشتعلة، لذا أتمنى عليها أن تجنح دائماً في قصائدها القابلة إلى المحو والاكتناز الذي وجدته في الكثير من نصوص هذا الكتاب لكنها فقدته في أماكنَ قليلة جداً حين أخذها السرد أبعد من الشعر .

 

ثامر سعيد

 

 

امجد نجم الزيديقراءة في نص (بهلوان العمر) للشاعرة المغربية خديجة العلام

لكل نص مهما كان جنسه او نوعه ايقاع، يبنى عليه النص، لتتكون مجموعة من العلاقات التي تشكل مساراته، او الانساق التي ترسم خطابه، وربما يتفرد الشعر، وخاصة قصيدة النثر الحديثة، بانها تحاول ان تختط لها مسارات بنائية تساعدها على ايجاد ايقاع داخلي للنص، ليس مجرد لعبة شكلية، وانما يدخل في صميم بناء النص وتكوينه، لذلك فان الاشارة الى هذه المسارات تبني للقارى رؤية ما، او تفتح نافذة لكي يطل منها على النص وثيمته، ربما يرى بعض القراء ان الثيمة ودلالاتها مقصية عن هذا التحليل، وربما ايضا المعنى الذي يحاول الشاعر/ الناص ان يقدمه في نصه، ولكن الانشغال هذا الا يعني ان الثيمة غائبة بصورة كلية عن التحليل بقدر ما اننا سنجترح لها مسارات بنائية، نترك للقارئ مساحة ليعبئها بتلك الثيمة او دلالاتها المقترحة، وهذا ما سنفعله في تحليلنا لنص الشاعرة المغربية خديجة العلام (بهلوان العمر).

يبنى هذا النص على لعبة تداخل الازمنة ان كانت بصورة صريحة او من خلال الدلالات الدالة عليها، حيث ان هناك زمن يجمع النص باطار تنبؤي يرتكز على الزمن المستقبل، من خلال سين الاستقبال (سنعود)، ولكن يخترق هذا الزمن وشبكته التي يجمع بها دلالات النص زمن اخر، هو الزمن الماضي، والذي لم يكن ظاهرا بصورة صريحة، اي لم يبني افعال النص التي كانت اغلبها افعال مضارعة، بل من خلال الاحالات الدلالية، التي ربما توحيها كلمات مثل (ذكريات) وغيرها، والتي تحيل من طرف غير مباشر الى افعال واحداث وقعت في غير الزمن المهيمن على النص، ومن خلال لعبة الازمنة هذه، تتحقق حركية النص، وتبدأ دلالاته ببناء شبكة من العلاقات في المقطع الاول على أقل تقدير.

سنعود هذا المساء

على وقع حوافر الصهيل

ترافقنا الذكرى

لون النبض أحمر

لا تسأل عن

قضايا الأمس المثيرة

ولا عن أحلام الغد المؤرقة

نلاحظ هنا ان النص قد ابتدأ بفعل يدل على المستقبل (سنعود)، أي ان كل الافعال وما سيحدث داخل النص سيتم في المستقبل، بعد ان يتحقق فعل العودة، وسنلاحظ ايضا ان هذا المستقبل سيحمل حمولة من دلالات تشير الى الماضي، والتي ربما سيدخل زمن كتابة النص ضمن هذه الاستعادات الماضوية، بعد ان يتحقق فعل العودة كما اسلفنا، أي ان النص برمته سيصبح جزءا من (الذكريات) او (قضايا الامس) دلالات الماضي، التي قوضت هيمنة فعل المستقبل، رغم ان جمع الدلالات تشير اليه والى المسار الذي يبني علاقات النص (ولا عن أحلام الغد المؤرقة)، أي انه جعل الامس والغد ضمن مسار دلالي واحد مرتبط بالفعل المضارع (تسأل)، اما ما كان يحكم هذا المسار وجمع الضدين (الامس والغد) هو (لا الناهية)، ولكن الفعل الدال على المستقبل (سنعود)، هو بالحقيقة نقلة واحدة في الزمن، حيث ان اللوحة المستقبلية هذه لا تحتم فعل الاستمرار في تلك العودة، أي انطلاقها كفعل مستقبلي دائم الحركة، وانما ستتوقف هذه العودة في نقطة معينة وهي (هذا المساء)، والتي ستثبتها في هذه النقطة المحددة هي مرساة الماضي وذكرياته، من خلال تجريدها من حمولتها الزمنية المباشرة، واعتبارها متاعا ماضويا، يهيمن على دلالات النص، أي ان هذه اللعبة وان بدت ظاهريا لعبة تداخل للأزمنة (ماضي- مضارع- مستقبل)، الا ان دلالة النص الباطنية او المضمرة تظهر ان التداخل هنا تداخل دلالي مرتبط بالزمن، بالإشارة الى ان الحمولة المعرفية وما يبني كيان (انا النص) داخل الزمن؛ هو مركب متكون من الأزمنة الثلاثة، اذ يكون الماضي هو المتاع، والمضارع الفعل، والمستقبل هو التطلع أو النظرة الى الامام.

وحده الليل سيد المكان

يوزع فينا أدوار مسرحية

تنعشنا رائحة القهوة وكعك أمي المدهون بالحنان

وبعض من زيتها الساخن على نار شغبي

سأدير وجهي وأغمض عيني

الجار يفتش تحت الانقاض عن حلم

عن ذكرى

وكما نلاحظ في هذا المقطع ايضا يستمر النص في بناء دلالاته وفق الترسيمة التي وضعناها له والتي وضحناها سلفا، اذ يأتي هذا المقطع متمما ومكملا، ويلعب على نفس البنية الشكلية السابقة، ولكن ما يأتي بعد هذا المقطع الى نهاية النص؛ يختلف من حيث البناء عن الجزء الاول، اذ يستبدل اولا (نحن) بـ (انا- انتم)، اذ ان خطاب هذا الجزء موجه من (انا) المتكلم الى (انتم) المخاطبين، وهذا الافتراق بين جزئي النص؛ أي المقطع الاول الذي حللنا بنيته الشكلية سابقا، وهذا المقطع يرينا ان الزمنين المهيمنين على المقطع الاول وهما (الماضي والمستقبل)، يقل حضورهما في هذا الجزء، ولكنهما ضمنا موجودين يغذيان دلالات النص.

أيها المطر كن رحيما بمن سكنوا ظلك

ووزعوا خيوط العنكبوت غذاء

وادخروا دموعهم لمواسم الشتاء

أيها الغجري لا تسال عن فستان الراقصة

ولا عن بهلوان يمسك فينا هواء الصمت

لا تسالني عمن انا فقد اضعت هويتي بين الحزن والجراح

لم اذكر من تاريخي سوى وشم رسمه الليل على قلبي

حيث نلاحظ اختفاء تلك اللعبة الزمنية من هذا الجزء، اذ اصبح (انا النص) هو المهيمن، الا ان تلك الانا ان ارادت ان تغادر صومعتها، تحتاج الى الزمن الجمعي ان يجرفها بتياره، فلا حركة لتلك الانا الا في المجموع، الذي هو الزمن.

تعالوا ايها العابرون

نخلع وجوهنا

نلملم ما تبقى من العمر

لنسافر مع الصبح

نقترف الحب في الموت

ننخر عباب العمر

نسجل للتاريخ خطايانا

عسى السماء تجود بنبي يكسر

قطار الحزن الواقف فينا.

نلاحظ اذن ان الشاعرة العلام قد بنت نصها هذا على رؤية ترى ان (الانا)، من دون النظر الى كيانها المعنوي داخل النص، وانما باعتبارها بنية شكلية، لا يمكن ان تنفصل عن الذات الجمعية (نحن)، المحركة للزمن، ولكن هذا لا يعني ان تلك الانا ذابت وفقدت كيانها، وانما حافظت على نفسها كمحركة لهذا الزمن وبانية توقعاته، فقد انطلق النص من بنية جامعة ووجد له مسارا فرديا، في تشكيل المواقف الشخصية، بغض النظر عن الثيمة التي ابتنى عليها النص، فالتركيز هنا جاء على البناء الذي غلف تلك الثيمة والمسارات التي فتحها، لتتشكل علاقاته.

 

أمجد نجم الزيدي

 

رحيم الغرباويمفهوما الجميل والجليل أخذتا مساحة واسعة في الفكر الفلسفي والنقدي فمن الفلاسفة يرى الجميل في المنفعة، ومنهم في الانسجام، ومنهم من يرى الجميل في اللذة والمتعة شكلاً ومضموناً، ويبدو أنَّ الرأي الراجح للشعور بالجمال يعتمد على أساس التذوق ووسيلته الحس، وهو واحد لدى الجميع، ولا فارق البتة بين الناس في طريقة تأثرهم بالأشياء، لكن لاتكون بنفس الدقة لدى جميع الناس، ويرجع ذلك إلى نقص في الذوق إلى الخيال والملكات العقلية الاستدلالية، ويبدو أنَّ الاختلاف في الذوق أقل بكثير من الاختلاف بالمسائل الفكرية والمنطقية، أمَّا الجليل فإنَّه يعتمد الشعور والإحساس وكل جليل يستشعر من خلال عظمته أو قدسيته وقيمته ولا نتفق مع طروحات (بيرك) الذي يوقف الجليل على عامل الخوف والفزع والذي يعدُّه أقوى مؤثر على الروح، والخوف يعني توقع الموت أو الألم ، ويرى كل ما بدا للإدراك في صورة مثيرة للخوف يسمى جليلاً (1)، وهذا في مفهومنا كمسلمين لايعد جليلاً، فالجليل لدينا كل ما يثير ذهولنا وارتياحنا إزاء عظمته، فهو جليل .

وبهذا يمكن أنْ نحدد مفهومي الجميل والجليل، من أنَّ ما يمنح المتلقي رضى ودهشة وسرور فهو جميل، وكل ما يشعرنا بالذهول من رهبته والارتياح لعظمته، وقدسيته فهو جليل؛ لذا سعى الفنان لاسيما الشاعر من تطييب حواسنا وأذواقنا؛ لأننا لانريد من الفنان "ما يقذى عيوننا في الطبيعة أو يضع تحت أنظارنا ما اعتدنا أنْ نشيح عنه أبصارنا في عالم الواقع(2)، وللفن قدرته على إضافة جمالٍ للأشياء القبيحة والجميلة على السواء؛ ليجعل من الأولى جميلة ومن الأخرى أجمل ، ولعل الفيلسوف الألماني كانت يقول "إنَّ الجمال الطبيعي لهو شيء جميل، وإنَّ الجمال الفني هو تصوير جميل لشيء سواء أكان هذا الشيء جميلاً أم قبيحاً في الطبيعة نفسها " (3)، ويمكننا أن نقرأ قصيدة (كذَّبتُ صدقي كي أصدِّق كذبها) للشاعر يحيى السماوي  هي واحدة من اللوحات المعبِّرة لمفهومي الجميل والجليل، إذ يقول: (4)

متماهيان

ترى سرابي كوثراً

وأنا أراها في بساتين الأنوثةِ والمنى

تفَّاحة الفردوس في حلمي القديم ... ،

ونخلةَ الله الظليلة

والمبشِّرة البتول

فيها من البحرِ

اللآلئ والنوارس والسحاب،

وبي من البحر المتاهةُ والمدى واللافضول

نجد السماوي يمازج بين الجميل والجليل، ويبدو أنَّ كلَّ جليل جميل وليس كل جميل جليل، فالألفاظ (كوثر، بساتين، الأنوثة، المنى، تفاحة، حلم، اللآليء، النوارس، السحاب) جميعها تبعث على المتعة والسرور والفائدة، ويبدو أنها مُشكَّلة من أصوات رخوة هامسة، وهي (الواو، والسين، والثاء، والنون، والميم، واللام،والحاء) تتواءم مع النفس الطروبة التي تستشعر الرقة والشفافية .

أما ألفاظ المقدس فهي: (الكوثر) التي ذكرها القرآن الكريم في قوله (إنَّا أعطيناكَ الكوثر)، و(الفردوس) وهي أيضاً لفظ مقدس يحيلنا إلى جنان الخلد و (نخلة الله، والبتول ) وكلاهما مقدستان، كذلك لفظة (البحر) لما له من عظمة وسعة ورهبة وذهول .

ثم يقول:

وأنا المغامرُ في تهيُّمهِ بكأس زفيرها،

وبلثمِ مُقلةِ نهدها المائيِّ

والطفل المشاغب .

فنراه يستمتع بجمال المرأة المعشوقة لاسيما مكمن الإثارة والتي تتطلع النفس الجامحة إلى فتوته وشبابه، واصفاً إياه بالمائي؛ كون الماء يمثل وسيلة الارتواء .

ثم يقول:

فأتيتُها

مُستأذِناً شرف الدخول

في بيتِ طاعتها

أبشِّر بالفسيل النخلَ

والتنُّور بالمحراثِ

والصحراء بالأنعامِ والمطر الهَطول

وأزفُّ للكأس الحَرامِ

بِشارة الخمرِ الحلالِ بِزِقِّ مائدة

الذهولْ.

فنراه يشير إلى جلال المحبوبة بقوله: (مُستأذِناً شرف الدخول)، فيقوم بالبشارة لكل ما هو جميل بنفعه (النخيل بالفسيل، والتنور بالمحراث، والصحراء بالأنعام) وهذا الخير هو ما تتوق له كلُّ نفس، وتراه جميلاً، ثم يعطف الشاعر مرَّةً أخرى على الجليل المقدس (بشارة الخمر الحلال) وخمرة الشاعر هي رمز للخمرة التي ذُكِرت في القرآن الكريم التي يسقيها الغلمان المخلدون للفائزين بالجنة، ولربما يشير إلى مائدة السيد المسيح (عليه السلام) المقدَّسة .

ثم يحاول أنْ يصف الحبيبة من أنها بشيرة؛ لذلك هي مُقدَّسة في هواها؛ وهو (المُبشِّر، والمُبَشَّر، والرسالة، والرسول) بقوله:

فهي البشيرةُ في الهوى

وأنا المُبَشِّرُ

والمُبَشَّرُ

والرسالةُ

والرسول .

ويبدو أنَّ الشاعر تعالقَ مع الحبيبة ذات الجمال الآسر، فقد وضعها في جميع مواطن الجمال؛ والمُلفِت أنَّ الشاعر مُحِبٌّ وَلِهٌ يتوق إلى موطنه (الحبيبه) كلّ حين ويبدو أنه لما استحسن صورة المرأة جعلها صورة الوطن الذي يتوق إليه كلَّ حين ولعلها امرأة في وطنه مايزال يتوق إليها في أغلب أشعاره فصارت لديه بمنزلة المقدس لما يضفيه عليها من صور الجلال؛ لذا صارت له ملاذ الهوى، فنراه يعيش تباريحه المقدسة، ما يشعرنا أنَّه يتوق إلى موطن الأهل والأحبة والذكريات والمرتع الجميل .

ثم ينهي قصيدته بلوحة فنية جميلة يقول:

سأعود

طفلاً مُشمِس الأيامِ

في ديجور مملكة الكهول .

لذلك حين يعيش في أروقة الجمال والجلال يرى نفسه سيعود طفلاً مشمس الأيام؛ كناية عن السعادة والسرور والأمل الباذخ المعطاء؛ ما جعل كهولته مشمسة الأيام كما هي الطفولة المشمسة حتى غدت مملكةً مضيئة الدياجير .

 

د. رحيم الغرباوي

..............

الهوامش:

(1) تراث الإنسانية، أقلام الصفوة الممتازة من الأدباء والكتَّاب والعلماء، الهيأة المصرية للتأليف والترجمة : 1/70-71

(2) الفنان والإنسان، د. زكريا إبراهيم، مكتبة غريب، الفجالة، مصر،  1976: 89

(3) الفنان والإنسان: 94

(4) أطفئيني بنارك (مجموعة شعرية، يحيى السماوي، دار تموز، ط1، 2013م:13 وما بعدها .

 

محمد المسعوديتعد قِصص "كُحل" لتغريد أبي شاور، وهو كتابها الثالث بعد "خرز" و"نمش"، تنويعا آخر من تنويعات الكتابة التي تجعل من البوح الأنثوي الشفيف والجارح أفقا جماليا يُجلي مكنونات المرأة ومعاناتها، ويصور تطلعاتها وأفراحها. وهو تنويع جديد في الكتابة الإبداعية سلك سبلا غير مطروقة في عمليها السابقتين.

وانطلاقا من هذا الغنى والتنوع الفني والموضوعي في تجربة الكاتبة، وتركيزا على قصصها التي اشتملت عليها مجموعة "كُحل" اخترنا لهذه القراءة زاوية نظر أُحادية نستند إليها في مقاربة النصوص، وتتمثل في الكشف عن سمات بوح الأنثى في هذه القصص، وذلك انطلاقا من اتخاذ أشكال توظيف المفارقة مدخلا للقراءة باعتبارها مكونا هاما في بناء متخيل القصة وتشكيل عوالمها السردية. فكيف يتمثل بوح الأنثى في قصص "كُحل"؟ وكيف تعمل المفارقة على تشكيل عوالم القصص ومتخيلها؟ وهل استطاعت المفارقة تحديدَ ملامحَ خاصة للبوح الأنثوي في هذه القصص؟

إن المطلع على "كُحل"، وقبلها "خرز" و"نمش" يُلفي اهتمام الكاتبة بالمرأة وقضاياها لا من زاوية ما يُطلق عليه "الأدب النسائي" والانتصار الكلي للمرأة ضدا على الرجل ونكاية فيه، كما تذهب بعض تيارات "النسوية" المبالِغة في طروحاتها، وإنما تنظر إلى وضع المرأة ومعاناتها في سياق فني متوازن، واستنادا إلى رؤية أدبية تؤمن بأن التعبير عن معاناة المرأة ومكابدتها لا يتجزأ من التعبير عن ثقل الواقع ووقره الذي يلقي بكلكله على الرجل والمرأة على السواء، في عالم تخلخلت فيه القيم واضطربت فيه معايير كل شيء.

في قصة "سارة" نرى الساردة "ليزا" تحكي في بساطة وعذوبة رغباتها الأنثوية، وحلمها الطبيعي في الزواج برجل، وحلمها بفستان عرس جميل وطرحة فاخرة، وطوقٍ شَعَري أحمر مشكوك بغصن أخضر رهيف من شجر الليمون. وذلك أثناء حديثها مع أمها وهما عائدتان من عرس ابنة الجيران "سارة". وفي الطريق ارتطمت قدمُ "ليزا" بشيء طري سقطت بسببه على وجهها، بينما ارتفع أنين يشبه المواء أو العواء، فإذا به جرو صغير منهك القوى. أخذته أم "ليزا" بين ذراعيها ومضيتا نحو البيت. لم تتبينا طبيعة الجرو، هل هو جرو كلب أم ذئب. أخلدتا للنوم في انتظار عودة الأب من المدينة صباحا، وتقريره مصير الجرو، هل تربيه "ليزا" أم لا. بهذه الكيفية كانت القصة تضع في بؤرة اشتغالها بوح "ليزا" برغباتها الأنثوية الطفولية وحلمها بعرس شبيه، أو يفوق عرس جارتها الجميلة "سارة". "سارة" التي اختارت ليلة مكتملة البدر لتكون ليلة عرسها، لكن لكل اكتمال نقصان. وهكذا كانت المفارقة تثوي في تفاصيل هذا الاختيار، ومن ثم تتمثل في مصير "سارة" السيئة الحظ التي نهشت جمالها الذئاب حينما أحاطت بعربة العروسين، ولولا أن أب الساردة صرخ هو ومن معه حتى استفاق أهل القرية وطاردوا الذئاب بالنار لتحول العرس إلى مأتم. وقد كانت الذئاب تبحث عن جروها الضائع من يومين. وبسرعة فائقة هرعت أم الساردة نحو المطبخ لتحمل الجرو الصغير الذي وضعته بين يدي زوجها ليهرع به بعيدا عن البيت، بينما كانت الأم تخبر ابنتها بأن لا أحد سيتزوج الفتاة التي تربي في بيتها ذئبا. وبهذه الشاكلة كانت مفارقة أخرى تثوي بين تلافيف أحداث القصة: بين أحلام الساردة في الزواج، وبين أعراف القبيلة التي تأبى أن تتزوج من فتاة آوت ذئبا صغيرا وربته. فالمحبة والحنو والتعاطف ومشاعر الإنسان لا تلتقي بغدر الذئاب وفتكها. ومن خلال الحدث الأخير نرى مدى تقارب الأب والأم في تقرير مصير ابنتهما وإسراعهما إلى التخلص من الجرو الصغير قبل أن يتفطن أي من أهل القرية إلى ما قامت به المرأتان من خطوة نحو إيواء الجرو والنية في تربيته.

انطلاقا مما سبق نلمس مدى حضور المفارقة في تشييد عوالم هذه القصة الجميلة في تقاطعاتها الإنسانية وبوحها الأنثوي البريء الشفيف.

ولا تختلف حكاية "وجدان" عن حكاية "ليزا" ساردة قصة "سارة" من حيث التيمة التي اشتغل بها النصان، وهي موضوعة الرغبة في الزواج، والحلم بزوج يحمي الساردة الحالمة، ويكون له قدر بين الرجال، ويكون كفؤا لها، كما كان يمنيها الأب، وهو يُقسم بجلال شيبته، وبأوطانه الضائعة، وبعمره الثقيل الذي يحمله على كتفيه. ومن ثم، فهي قصة جعلت من البوح الأنثوي برغباته وحلمه بالاستقرار وبناء أسرة، أساسا لبناء عوالمها السردية. غير أن المفارقة في هذه القصة لم تأت من عنصر طبيعي، ولم تتشكل من خلال تعارض مشاعر الرحمة والبراءة مع نواميس المجتمع وأعرافه، وإنما تتشكل المفارقة في كنه العوائد الاجتماعية، وفي تجلياتها لدى الرجل. وهكذا يجد القارئ نفسه أمام واقعة لا تخلو من سخرية وفكاهة، ومن قدرة لدى الكاتبة على تحليل نفسية شخصياتها وكشف عقدها.

إن الشاب "كمال" الذي اختاره الأب لوجدان وظن أنه ملأ يديه الإثنتين منه لم يتبدى سوى عن شبه رجل تتنازعه أفكار طائشة، وتحركه نوازع متخلفة، ويمتلك روحا حيوانية (كما نعتته وجدان)، على الرغم من أن الأب زكاه، والعمة اعتبرته شابا عائلي المزاج، وعلى الرغم من أنه تعلم في أوروبا، وعاد إلى وطنه ليشتغل طبيبا بيطريا، وعلى الرغم من أنه ينتمي إلى عائلة ذات حسب ونسب، إلا أنه ابن مخيم ولاجئ مثله مثل الساردة "وجدان" معلمة الأدب، كان من المفروض أن يكون أكثر وعيا وأشد خبرة بالحياة. وهكذا تقف القصة عند طبيعة هذه الشخصية المضطربة اللامتوازنة في رؤاها وتفاعلها مع العالم من حولها، التي تتميز بالغطرسة، وتسعى من وراء زواجها بوجدان إلى الانتقام ورد إهانة قديمة تلقاها منها. وقد كان التلاسن وإبداء عدم التفاهم بين "وجدان" و"كمال" سمة طبعت مسار حياتهما، وكان هذا الحال وراء تدخل الأب، وصفعه كمال وطرده من بيته.

هكذا تكشف هذه القصة طبيعة شخصية "كمال" المتناقضة التي تتسم بالمفارقة والتضاد، فشتان ما بين ظاهرها وباطنها، وما بين هيئتها وتفكيرها، وبين ما تعلنه من سلوك وما تضمره من نوايا. ولعل هذه الطبيعة المضطربة كانت سببا في خلاف "كمال" و "وجدان"، ومن ثم رفض "وجدان" الاقتران به على الرغم من بلوغها سن التاسعة والثلاثين. وهكذا كانت المفارقة بين طبيعة الشخصيتين واختلافهما عنصرا جوهريا في تشكيل متخيل هذه القصة، ومن ثم تشخيص معاناة بطلتها، وتوزعها بين الواقع والحلم.

ولعل القصة التي حملت المجموعة اسمها "كُحل" أكثر قصص المجموعة بَوحا بأحلام الأنثى ومعاناتها، وأجملَها من حيث توظيفُ المفارقة وجعلُها أساسا لتشكيل المتخيل القصصي، ورصدُ تمزقات المرأة في عالم مبني على التناقض والمفارقة. إنها قصة امرأة حملت اسم "كُحل"، ولاقتران الاسم بها وحملها إياه مسارا طويلا من المفارقات التي تنطوي على مأساة هذه الشخصية، وتُشكل عمق معاناتها. فقد أسماها والدها بهذا الاسم لأنه كرهها معتقدا أنها حرمته من زوجته التي كان شغوفا بها، فهي قد ماتت أربعة أيام، فقط، بعد ولادة ابنتها. والكحل كان سببا في امتصاص وميض عيني الساردة "كحل" بعدما أضيف إليه الزيت البلدي وعُفرت به جفونها لامتصاص حمى ألهبتها. ولأنها كانت قاسية صبيانية النزعة مع أبناء الجيران سميت "القائد كحل"، ولأن الكحل يسهم في جمال الأنثى ويقربها من زوجها، اكتحلت الساردة لرجلين أحدهما في آخر سنين عمره أخبرها أن الكحل يزيدها قتامة ونصحها بالامتناع عنه، فلم تمتنع فامتنع عنها الشيخ بالموت، أما ثانيهما الأرمل فقد قال لها إن عينيها تردان الكحل إلى أصله، فلما عرفت أن الكحل سيخرجها من إطار الصورة صار التحدي أكبر وازدادت تعلقا به، مدركة أن الحياة تنهب الكثير وتعطي القليل، وأن النساء اتفقن على الخطوط الأولى للجمال، ولم يفكرن في البداية سوى بالبهجة، والحب، والروح الهائمة المحلقة ونسين أصل الأشياء، ولهذا يستبدلن كحلهن في كثير من الأوقات بدموع آخر الليل. ومن ثم قررت أن تظل "كحل" في مجتمع انكسر مروده.

بهذه الشاكلة تترى المفارقات في القصة لتكوِّن جوهر المتخيل، ولتشكل حياة الشخصية القصصية. وقد قامت لعبة السرد على التلاعب باسم الشخصية في تقاطعه مع الكحل الذي اتخذته المرأة وسيلة للزينة، وعُد من عناصر إضفاء الجمال على المرأة، لكنه بالنسبة إلى بطلة هذه القصة، كان وبالا عليها، وكان علامة قتامة ودمامة، وسبب معاناة وخلاف مع كيانها، ومع من أحاط بها.

وعلى وتيرة هذا اللعب بالمفارقة في تجلياتها المختلفة، وفي سياق بوح أنثوي جارح استطاعت هذه القصة تجسيد جوانب من معاناة بطلتها في مفردات قليلة وصور دالة وفي سرد متوتر سريع الإيقاع.

في ضوء كل ما سبق نتبين أن المفارقة أدت دورا فعالا في تشكيل متخيل أغلب قصص مجموعة "كحل"، وأنها كانت أداة فنية أساس في التعبير عن تطلعات الأنثى وآمالها، وكشف معاناتها وآلامها، وأن اقتران المفارقة بالبوح الأنثوي الشفيف تارة، والجارح تارة أخرى منح هذه القصص نكهة فنية تتميز بالحيوية والجدة. وننتظر من الكاتبة أعمالا أخرى قد تطور هذه الإمكانات الفنية وتمضي بها نحو آفاق جديدة من البوح الأنثوي، وبالله التوفيق.

 

محمد المسعودي 

 ..........................

تغريد أبو شاور، كحل، منشورات وزارة الثقافة، إبداعات (عدد 76)، عمان/الأردن، 2017.

 

 

فالح الحجيةوعلى العموم فان الشعر الاندلسي يتميز بميزات كثيرة منها سهولة الالفاظ وسلاسة التركيب ووضوح المعاني كما ظهر في شعر الشعراء وفي حركة التجديد في الشعرالعربي في بلاد الاندلس مثل الموشح وذلك لجمال الطبيعة الاندلسية وسعة خيال الشعراء بهذه الطبيعة وافتتانهم بها فقد رق الشعر وكثرت التشبيهات البديعية والتوليدات الكلامية العجيبة فجاء ت قصائدهم رائقة التحلية فائقة التورية بديعة التنسيق.

ومن المثير جدا كثرة الشاعرات الاندلسيات بالقياس الى عددهن في المشرق العربي ومفاده ما تتمتع به المراة الاندلسية من علم ومعرفة وحرية شخصية فمنهن على سبيل المثال - عائشة القرطبية وولادة ابنة الخليفة المستكفي وحسان التميمية و حفصة الحجازية وحمدونة بنت زياد وغيرهن كثير .

وستبقى هذه القصائد وذلكم الشعراء يذكّروننا ان العرب فتحوا بلاد الاندلس وعمروها واقاموا فيها حضارة عربية لم تكن موجودة في المجتمع الاوربي كله واصبحت هذه الحضارة رافدا من روافد النهضة الاوربية الحديثة وسببا من اسباب تقدم الانسانية في الماضي والحاضر والمستقبل .

فالشعر العربي في الاندلس ما هو الا امتداد للشعر العربي في المشرق فقد تشابهت معاني الشعر الاندلسي اول الامر و معاني الشعر العربي في جميع مناحي الحياة والا مور التي قيل فيها فكأنه هو, فكان هناك شعر عالى النشأة شريف المعاني نشأ بجانبه شيء من شعر المجون والابتذال والخلاعة اوجدته الطبيعة الاندلسية الا انه قليل وبمرور الوقت دخلت حركة التجديد الى الشعر الاندلسي كما دخلته في الشعر العربي المشرقي و غالى الشعراء في المدح الى حد ان اتوا بالمستحيل وغير المأتي به في وصف الممدوح في المشرق غير انه بعد الاستقرار السياسي والاجتماعي في البلاد وتمركز الحكم فيها واحساس الشعراء بتغيير البيئة والمجتمع انعكس ذلك في شعرهم فرق ولطف وابتعدوا عن البدوية التي كانوا عليها الى شعر محدث جديد وكان للطبيعة ومشاهدها الجميلة الحضور العظيم في الشعر العربي الاندلسي فتبدلت الطبيعة الصحراوية الجافة بطبيعة خصبة خضراء قد افاض عليها الله كل نعم الحياة و الجمال وحباها بما شاء من خير ونعم بين الخضرة وواريج الورود وظلال وارفة وطبيعة غناء تسر الناظرين وتفتح القلوب وتبهج النفوس مقرونة بالجمال الخلاب لينشد الشاعر قصيدته فيها بل هي القصيدة ذاتها .

*

وكان لاتصال العرب بالغرب نتيجة هذا الفتح المبارك وتطلعهم على عاداتهم وتقاليدهم ان اثر هذا في تقدمهم فكان الشعر الاندلسي رقيق الحواشي رفيع المعاني رقيق الشعور الشعري عذب الالفاظ جميلها واضحة البيان في تعبيرها .

كل ذلك ظهر في الشعر العربي في الاندلس حتى تطور في معانيه وفي كل ما لبسه من اثوا ب قشيبة وحلل ناعمة رقيقة فكان الشعر الموشح الجديد في الشعر العربي وكذلك ظهور شعر الزجل تبعا لما اقتضته طبيعة المجتمع هناك و حاجته الى ايجاد فن الغناء وموسيقى تنسجم معه .

فترنم الشاعر الاندلسي بكل مايحس به وما تفرضه عليه ظروف الحياة الحلوة الجميلة التي يعيشها والطبيعة الغناء من ابتكار في المعاني ورقتها وانتقاء الكلمات الخفيفة الرقيقة في النفس والخيال الواسع والتاثير في الاخرين . ونتج عن هذا التطور الكبير التجديد في الشعر في قصيدته واسلوبه ومعانية وفنونه وايجا د نوع جديد من الشعر اسموه (الموشحات) واخر اسمونه (الزجل) وسناتي عليها جميعا بايجاز.

فالموشح فن من فنون الشعر العربي استحدثه الاندلسيون بدافع الخروج على نظام القصيدة و على النهج القديم وانسجاماً مع روح الطبيعة الجديدة كونه اقرب اندماجاً في تنوع الموسيقى الشعرية في التلحين والغناء.

والموشح فن جميل من فنون الشعر العربي اتخذ قوالب بعينها في نطاق تعدد الأوزان الشعرية وقد اتسعت الموشحات وتطورت لتشمل كل موضوعات الشعر وأغراضه وقد عرف ابن سناء الملك الموشح فقال :

(الموشح كلام منظوم على وزن مخصوص وهو يتألف في الأكثر من ستة أقفال وخمسة أبيات ويُقال له التام، وفي الأقل من خمسة أقفال وخمسة أبيات ويُقال له الأقرع، فالتام ما ابتدئ فيه بالأقفال، والأقرع ما ابتدئ فيه بالأبيات).

وقيل سمي موشحاً لأناقته وتنميقه تشبيهاً له بوشاح المرأة في زركشته وتنسيقه . فالموشحا ت سميت بذلك لأن تعدد قوافيها على نظام خاص جعل لها جرساً موسيقياً لذيذاً ونغماً حلواً تتقبله الأسماع، وترتاح له النفوس، وقد قامت القوافي فيها مقام الترصيع بالجواهر واللآلئ في الوشاح فلذلك أطلق عليها (الموشحات) أي الأشعار المزينة بالقوافي والأجزاء الخاصة، ومفردها موشح وتعني انها منظومة موشحة أي مزينة ولهذا فلا يقال قصيدة موشحة لأن لفظ القصيدة خاص بالشعر المنظوم في البحور الستة عشر المعروفة .

و قد نشأت الموشحات في الأندلس أواخر القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) وكانت نشأتها في الفترة التي ازدهرت فيها الموسيقى وشاع الغناء من جانب،وقوي احتكاك العنصر العربي بالعنصر الاسباني من جانب آخر، فكانت نشأتها استجابة لحاجة فنية حيث،أن الأندلسيين كانوا قد أولعوا بالموسيقى وكلفوا بالغناء منذ أن قدم عليهم زرياب وأشاع فيهم فنه . والموسيقى والغناء إذا ازدهرا كان لازدهارهما تأثير في الشعر أي تأثير، وقد اتخذ هذا التأثير صورة خاصة في الحجاز والعراق حين ازدهر فيهما الغناء والموسيقى في العصر الأموي ثم العصر العباسي، وكذلك اتخذ هذا التأثير صورة مغايرة في الأندلس حين ازدهر فيها الغناء والموسيقى فيظهر أن الأندلسيين أحسوا بقلة انسجام القصيدة الموحدة إزاء الألحان المنوعة، وشعروا بجمود الشعر في ماضيه التقليدي الصارم أمام النغم في حاضره التجديدي المرن، وأصبحت الحاجة ماسة إلى لون من الشعر جديد يواكب الموسيقى والغناء في تنوعها واختلاف ألحانها ومن هنا ظهر هذا الفن الشعري الغنائي الذي تتنوع فيه الأوزان وتتعدد القوافي، والذي تعتبر الموسيقى أساساً من أسسه فهو ينظم ابتداء التلحين والغناء ونتيجة لظاهرة اجتماعية .

و كذلك جاءت نتيجة لظاهرة اجتماعية حيث أن العرب امتزجوا بالأسبان، وألفوا شعباً جديداً من العرب و الاسبان وكان من مظاهر الامتزاج أن عرف الشعب الأندلسي العامية اللاتينية كما عرف العامية العربية، أي أنه كان هناك تزاوج لغوي نتيجة للازدواج العنصري.

واول من اخترع فن التوشيح الأندلسي مقدم بن معافى القبري،ثم ياتي بعده اسم أحمد بن عبد ربه صاحب (العقد الفريد)، أما المؤلف الفعلي لهذا الفن كما أجمع المؤرخون فهو أبو بكر عبادة ثم الأعمى التطيلي كبير شعراء الموشحات، وابن باجه الفيلسوف الشاعر ، ولسان الدين بن الخطيب .

اما في بلاد المشرق فكان الفضل لابن سناء الملك المصري في ذيوع فن الموشحات في مصر والشام وهو صاحب الموشح المعروف :

كللي يا سحب تيجان الربى بالحلى

و اجعلي سوارها منعطف الجدول

ويتكون الموشح من أجزاء ولكل جزء من هذه الأجزاء اسم يميزه عن غيره ولمعرفة هذه الاجزاء نقوم بتحليل هذه الموشح القصير لابن مهلهل في وصف الطبيعة ً:

(النهر سلّ حساما على قدود الغصون

وللنسيم مجــــــــال

والروض فيه اختيال

مدّت عليه ظـــــلال

والزهر شقّ كماما وجداّ بتلك اللحون

أما ترى الطير صاحــا

والصبح في الأفق لاحـا

والزهر في الروض فاحا

والبرق ساق الغماما تبكي بدمع هتون)

فنجد انه يتكون كما يلي:

1- المطلع: اصطلاح يطلق على مطلع الموشح الذي يتكون عادة من شطر أو شطرين أو أربعة أشطر وهو هنا في موشح ابن مهلهل يتكون من قسمين أو شطرين أو غصنين:

النهر سلّ حساما على قدود الغصون

وقد تختلف قافية الغصنين كما هو الحال في المثال السابق،وقد تتفق كما هو الحال في إحدى موشحات ابن زهر:

فتق المسك بكافور الصباح

و وشت بالروض أعراف الرياح

2- الدور: وهو مجموعة الأبيات التي تلي المطلع، ، ويتكون الدور من مجموعة من الأقسمة لا تقل عن ثلاثة وربما تزيد عن ثلاثة بشرط أن يتكرر بنفس العدد في بقية الموشح وأن يكون من وزن المطلع ولكن بقافية مختلفة عن قافيته وتلتزم في أشطر الدور الواحد. والدور في الموشح موضع التمثيل هو:

وللنسيم مجـــــــــال

والروض فيه اختيال

مدت عليه ظــــــــلال

3- السمط: هو كل شطر من أشطر الدور،وقد يكون السمط مكوناً من فقرة واحدة كما في هذا الموشح ،وربما يتألف من فقرتين.

يتبـــــــــع

 

اميرالبيـــــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلـــــد روز

 

محمد كريم الساعديللشعر تصورات يطلقها الشاعر في حدود تأثيراته الوجدانية التي من الممكن أن تكون مباشرة من خلال المواقف التي يمر بها يومياً، وتترك أنطباعاً خاصاً له أثر في حياته الشخصية من خلال التاريخ الشخصي الذي مر بأحداث كثيرة بعضها مؤلم وبعضها فَرِح، أو تاريخ عام يشترك فيه مع المجتمع وابنائه في افراحهم واحزانهم، في مسراتهم ونكباتهم، أو تكون القضية متخيلة كون الشعر يستند الى بعض الصور المتخيلة التي تدعم القصيدة من خارج الواقع المعاش وتكون جماليتها مختلفة تماماً كون الشاعر قد قدمها وأطلقها في أفق ألا توقع لدى المتذوق الذي لا يمكن أن يتفهمها الا في سياق أشتغالاتها الواقعية في بعض الاحيان، أو ما يتخيله في ذاكرته التي تتفق،أو تختلف في المعنى مع الشاعر . لذلك فإن مجالات العمل على جلب التصورات الداعمة للقصيدة كثيرة ومجالاتها متعددة ومتنوعة، وهنا قد يتخذ الشاعر في الربط بين ما هو متصور وبين ما هو وجداني من رحم الواقع، وبين ما عام وبين ما هو خاص في أنتاج صور شعرية يتحسسها في ضوء صور تشكل في ذاته معاناة كبيرة تجاه التاريخ الوطني،أو الانساني الذي يمكن أن يضيع أمامه تاركاً في ذات الوقت حكايات مجهولة لا يمكن أن تشير اليها، أو تدونها وقائع . فالمجهول قد يكون شيء قادم مخفي، أو قد يكون ماض أختفى مع أصحابه الذين كان لهم أثر في عاطفة الأحبة الذين يتوقون لمعرفة ما كان لهم، أو أين تركوا ما يمكن أن يكونوا حاضرين فيه، باعتبارهم عاطفة قد أصبحت مجهولة الهوية وقد طواها الزمن في مكانات شتى لا يبوح بها هذا الزمن، ومن هنا يأتي لغز الحياة،كمثل جندي مجهول لا يمكن أن تتكوّن صورته في ظل الصور الكثيرة في الأذهان المبعثرة، وهنا تكمن المغامرة الشعرية في أنتاج تصورات عن المفقود الكلي من الجزئيات المبعثرة، وسيبقى المعنى ويختفي الملمح في ضوء الكلي المرمز لذلك المفقود، على اعتبار " إن النمط العام، الذي أرغب بالتأكيد عليه، هو ذلك التصور عن الحياة، أو الطبيعة، كما لو كانت لغزاً لتركيب الصور. إننا نتمدّد وسط هذه القطع المتناثرة من اللغز . ولابدّ أن ثمة طريقة لتجميع هذه القطع مع بعضها البعض (...) أياً كانت الطريقة التي تفضل بها تصوره هو من حيث المبدأ قادر على جمع وتركيب كافة القطع المختلفة في شكل واحد متناسق، وأي أحد يتمكن فعل ذلك سيعرف ما هو العالم "(1) في تصوراته الكلية التي تختفي فيه الجزئيات التي تشبه عمل الجندي المجهول في تضحياته لصالح الكلي، هي بطولة فردية مخفية لا يعرفها سوى الجندي المجهول والشاعر الذي يتصورها في لحظة التضحية التي تُذكر مع أسمه فقط كلما ذُكر صاحبها، وتبقى لحظة احتجاج ضد كل من أراد تصدر الأشياء في جهوزيتها دون أن يقدم شيء في تكوينها، فهذا الاحتجاج الذي يطلقه الشاعر ضد بطولات زائفة للحاضرين، هو احتجاج بصوت الجنود المجهولين، فهو تاريخ يتوازى مع كل نُصب العالم التي وضعت في قلوب العواصم المتحاربة. هذا الاحتجاج الذي يقارب صوت (ويليام بليك) الذي أطلقه سابقاً يحاكي فيه موضوع التضحية بالروح الانسانية لصالح الذين لا يستحقونها، أي " ما رغب فيه (بليك)، مثل كل المتصوفة، هو نوع من أستعادة السيطرة على الجانب الروحي والذي تجمّد نتيجة للانحلال البشري والأفعال الفاسدة لقتلة الروح الإنسانية (...) :

وبكى أطفالهم وبنوا

أضرحة في أماكن مقفرة،

ووضعوا قوانين متعلقة، وسموها

شرائع الله الأبدية "(2)

في هذا السياق تشتغل تصورات الشاعر (عبدالحسين بريسم) في مجموعته الشعرية التي أخذت عنوانها من قصيدته الموسومة ( تاريخ الجنود المجهولين ) وهي من طباعة (دار الصواف ) في العراق محافظة بابل، سنة 2018 . إذ حاول الشاعر في هذه المجموعة الشعرية  أن يكون مدوّن جيد للاحتجاج الذي يتضح في بعض عنوانات قصائده ومنها (تاريخ الجنود المجهولين، أستدرجهم ولا تطع، انتخابات الشهداء، جثث طافية على نهر الفرات) وغيرها من القصائد الأخرى في هذه المجموعة التي تصل الى (21) قصيدة . إذا عمل الشاعر على رصد حقبة تاريخية يطلق عليها (تاريخ الجنود المجهولين)، يحاول أن يدونها بسياقه الشعري، ويذكر فيها الحرب التي أخذت الجنود حطب لها . فالوطن حروبه كثيرة منذ بداية إعلان الدولة والى الآن مروراً بالسبعينات والثمانينات والتسعينات وحتى بداية القرن الجديد، ولكل حرب نشيد يميزها عن غيرها من الحروب، إذ يتجه ببوصلة الجندي المجهول الى أربعة اتجاهات يصور فيها الوطن، وفي أربعة من الفترات العجاف التي يبدأ زمنها الأول في شماله في فترة السبعينيات من القرن الماضي :

" في سبعينيات القرن الماضي

كانت بوصلة الحرب

تشير شمالاً

تأخذ الجنود حطباً

لدفء الجبال

وتعزف موسيقا عسكرية

أناشيدهم جماجم

مازالت أغاني الجنود

حنيناً عاطلاً

صدى لصوت مضى

أنا جندي عربي

بندقيتي في فمي"(3)

بندقيتي في فمي هو الصوت الذي أطلقه في رفض ما أراده أصحاب الحرب بأسم الوطن والوحدة، فهذا الصوت المدوّن للرفض يتكرر في أتجاه أخر وهو شرق الوطن وحرب الثمان سنوات في صورة ثانية، وصرخة أخرى لجندي مجهول في الشرق :

" وفي ثمانينياته

ولت وجهها الحرب

نحو الشرق

سنوات تنزف رجالاً

وملحاً

جنود البوابة الشرقية "(4)

جنود البوابة الشرقية الذين عاد منهم من عاد،وقتل (مجهولاً) منهم من قتل، ليستريح في غيابة الزمن الذي شمل الكثير من أبناء الوطن الذين شكلوا مع غيرهم الاتجاه الثالث من المجهول، ولكن هذه المرة في الجنوب لتقطع معهم رؤوس النخيل أيضاً، من بعد ما كان يميز الوطن في سواد أرضه، أصبح نخيله بلا هوية أيضاً :

" نحو الجنوب

لتقطع رؤوس النخيل

وينمو رصاص الجنود

زرعوا قمصانهم العسكرية

على الطرقات

فما نما إلا العويل على خارطة الوطن"(5)

خارطة الوطن التي تتنظر اتجاهها الرابع حتى يكتمل تاريخ الجنود المجهولين، فغرب الوطن هو المكان الذي ذهبوا اليه، وأنشدوا كل أناشيد التضحية في الألفية الجديدة:

" في الألفية الثالثة

استمرت الحرب

اشتعالاً في غرب الوطن

تتوالد حروباً وصبية تائهين

تأشيرات موت مجاني

وعصبية قاتلة

يا للغرابة

أهذا وطن"(6)

(يا للغرابة أهذا وطن)، هذه الخاتمة في القصيدة، وهذا التساؤل الذي تركه لنا الشاعر، وكأنه يردد صوت ألاف الجنود المجهولين عبر تاريخ تضحياتهم الطويل، وعبر (نُصبهم) التي غطت بأثارها أمكنة الوطن وتاريخه واتجاهاته الأربعة . وبهذا التساؤل في القصيدة صور الجندي المجهول مصير الوطن، وثبت تساؤل أدانة عن صورته التي تلاشت لصالح العصبية القاتلة وأصحابها .

 

أ. د. محمد كريم الساعدي

...............................

الهوامش

1- ايزايا برلين : جذور الرومانتيكية، نقله الى العربية : سعود السويدا، الكويت : جداول للنشر والتوزيع، 2012، ص62.

2- المصدر نفسه، ص107.

3- عبدالحسين بريسم : تاريخ الجنود المجهولين، بابل : دار الصواف،2018، ص14.

4- المصدر نفسه، ص14،ص15.

5- نفسه، ص15،ص16.

6- نفسه، ص16.

 

 

فالح الحجيةمر الشعر الأندلسي بأطوار ثلاثة: فكان منذ الفتح حتى أوائل القرن الخامس الهجري يمثل شعر التقليد لأدب المشرق، ولم يكن التقليد عجزاً عن الابتكار، وإنما شعور بالانتماء إلى الأصل كشعر ابن عبد ربه، وابن هانئ وابن شهيد، وابن دراج القسطلي.

ونلاحظ في هذه الاطوار ان الاول يمتدّ طيلة العهد الأموي وتستغرق نحواً من ثلاثة قرون.وفيها الشعراء والكتاب الذين ظهروا فى هذه الفترة كانوا شديدي الصلّة بأرض المشرق الّتي انطلقوا منها ومنهم العراقي والحجازي ،والشامي واليمنى وكلّ منهم يحن إلى الربوع الّتي فارقها. فاذا الشعراء الأولّون يتّغنون بارض نجد وبلاد الشام واليمن وينظمون قصيدهم على نحو ما كان اهل الشرق ينظمون. ولقد ظهر التقليد فى كلّ شيءٍ، فى المعاني والأساليب والأخيلة والصورالشعرية والموضوعات مثل المديح والهجاء

والرثاء والغزل و..... .

الا انه ظهر جيل اخر ترسم شعراءه خطى من سلفهم لأنّهم كانوا شديدي التأثر بهم ولم تكن الفترة الزمنيّة كافيّة لأنّ تجعلهم يذوبون فى البيئة الجديدة، فقد ظلوا يحسون انّهم غرباء، وظلّت صلتهم بالمشارقة وحنينهم الى مسقط رؤوس ابائهم حاضرة. فنسجوا على منوالهم فى الاوزان والأغراض والمعاني والأساليب لكنّهم يقصرون عنهم تقصير المقلّد عن المبدع. وكان ذلك واضحا فى شعر ابن هانئ الاندلس وابن عبد ربه وابن درّاج القسطلى بحيث كانت مطالع قصائدهم غزليّة تقليديّة وفيها وصف للطلول والصحراء وخيام البدو وحتى الناقة .

لكن ليس طبيعيّا أن يظلّ تقليديّا عدة قرون تقريباً، لولا أن شعراء الأندلس كانوا شديدي المحافظة على التقليد القديم، لشعورهم بالضعف حيّال المشارقة ولكثرة ما اهتدى اليه شعراء المشرق من وجوه الإجادة والإبداع . فكان هولاء الأندلسيون يحاولون تقليد ابي نواس ومسلم بن الوليد وابي تمام والبحتري والمتنبّي وسواهم من فطاحل الشعراء في المشرق العربي فى تلك الفترة من الزمن..

ومما امتازت به هذه المرحلة أيضا النشاط اللغوي فقد بذ ر العرب الأولون القادمون من المشرق بذورها وتعهدها على سبيل المثال ابو على القالي بالعناية فتتلمذ بعض الاندلسيين علي يديه وتخرج على يديه لفيف من الأدباء واللغويين امثال ابن القوطيّة مّؤلف كتاب (الأفعال) وابن السيّد البطليوسى صاحب كتاب (الأقتضاب) وأبي بكر الزبيدي صاحب كتاب (أخبار النحويين) وغيرهم كثير.

اما الطور الثاني وهو طور التجديد وفيه ادرك الأندلسيون خلالها شخصياتهم وتحقق لهم التأثر الفعلي بالبيئة الأندلسية وانماط الحياة فيها وتعمّقت جذورالثقافة العربية فى أراضيهم. وهكذا ظهرت ملامح التجديد فى كلّ من الشعر والنثرعلى حد سواء من غيران يزول التقليد زوالاً نهائيّاً الا انّ تقليد الشعراء الاندلسيين للمشارقة المجددين هو ذاته لا يخلو من تجديد ولعل أبرز مظاهر التجديد فى الشعر الأندلسي بأنّ تلك الفترة تتجلّى فى العناية بالشكل، وقد فهموا ان الشعر عمليّة غنائيّة فنّية فصرفوا اهتمامهم الى الموسقي وسهولة الألفاظ ورشاقة التعبير وخفّة الوزن حتّى بات الشعر الأندلسي فى هذه المرحلة يمتاز عن الشعرالعربي في المشرق بسهولة اللفظ وأشراق الديباجة وقرب المتناول، بحيث ان الأندلسيين بهذه الحقبة نسوا اوطان ابائهم واجدادهم وراحوا يصفون بيئتهم وما فيها من خصب وجمال ونضارة خضراء وتعلّقوا بها تعلّقا زاده حدّة ما كانوا يلقونه من عيون تتفتّح على تلك الجنان واطماع تمتدّ الى معاقل العرب فى الأندلس. فكان الشاعر ينفعل اشدّ الأنفعال لمرأى الأرض الّتي ترعرع عليها وتكوّنت ذكرياته ايام الصبّا والشباب بين حنايها فيغنيها لسانه بغناء عذب رقيق فيصوّر مفاتن البلاد ومحاسنها . ا .*

اما الطور الاخر اوالمرحلة الثالثة فهي مرحلة التجديد وتعني المرحلة الأخيرة من نهضة الشعر الأندلسي، حيث بلغ فيها ذروته. وفيها تحررالشعرالاندلسي من تقليد الشعر في المشرق العربي كل التحرر، وصارت له اساليبه ومعانيه وصوره الشعرية المنبعثة من افكار ومخيلات الشعراء الاندلسيين وفنونه الخاصة به والمستمدة من الحياة الاندلسية الخالصة، كشعر الموشحا ت ورثاء المدن والشعر الغنائي، والاستنجاد وكل فنون الشعر الاخرى …

أنَّ اكتمال الشَّخصيَّة الشعرية الأندلسيَّة لم يؤدِ ّ إلى إثبات الوجدان الأندلسي المستقل فحسب؛ بل ساهم بشكْلٍ كبير في ظهور إبداع أندلسي أصيل شهِدته الأندلس، متمثِّلٍ في الموشَّحات والزَّجل، باعتبارهما فنَّين جديدين في الشعر الاندلسي ثم العربي ، فهما يعدان من ثمار التطور الأندلسي.

وقد صور الشعراء بيئتهم الرائعة ، وبرزت العوامل الأندلسية الذاتية كما في شعر ابن عبدون، وابن خفاجة، وابن سهل، وأبي البقاء الرندي، وابن خاتمة الأنصاري، ولسان الدين بن الخطيب، وابن زمرك، ويوسف الثالث ملك غرناطة، وابن فركون، وعبد الكريم البسطي.

بسبب هذه محاكاة شعراء الاندلس للشعراء العرب في المشرق وتتبعهم أساليبهم ومعانيهم فقد تكنوا باسمائهم فقيل للرصافي ابن الرومي الأندلسي، ولابن دراج متنبي المغرب، ولابن هانئ الاندلسي متنبي الأندلس، ولابن زيدون بحتري الأندلس.

وكانت ظاهرة الانتقاء من التراث من خصائص الأدب الأندلسي، فكانوا يضمنون قصائدهم أقوال الشعراء قبلهم وأشعارهم وأمثالهم وكل ما صادف هوى في نفوسهم. ولقييت حركة التجديد صدى واسعا مستحباً في نفوس الأندلسيين، فلم يتقيد أغلب الشعراء بالاساليب الجاهلية او القديمة ومعانيها وأوصافها وقد نفروا من الألفاظ الوحشية والغريبة عليهم إلى الألفاظ المأنوسة الرقيقة، وكانت القافية الواحدة، وأوزان العروض الستة عشر ومثلها أكثر المعاني والأساليب المتوارثة في الشعر التقليدي في الأندلس .

الاساليب الشعرية في الاندلس تتشابه مع الاساليب الشعرية في المشرق العربي في بداية تكوين الدولة الاندلسية وتختلف عنها باختلافات بسيطة باختلاف شخصية الشاعر.

وعلى العموم كان هناك اسلوب رصين ومتين بنى عليه الشعراء قصائدهم دخلت عليه بعض من كلمات غريبة الا انه بقي جزل العبارة فخم اللفظ شديد سميك البناء .

الا ان الشعراء تاثروا بالامم الغربية بعد اطلاعهم على عاداتهم وتقاليدهم وتغيير البيئة عليهم والشعراء اول الناس يتغيرون ويتاثرون بمثل هذه الامور ويهيمون بمثل هذه الاشياء فادى هذا التغير الى تطور اساليب الشعر فتطور الاسلوب الشعري الغنائي اولا وما ل الشعراء الى التحرر من القيود الشعرية والانطلاق منها فكانت هناك قصائد في الشعر في الاسلوب السهل والتفعلية القصيرة او المشطورة او قل قطعت تفاعيل الخليل الى النصف في بعض الاحيان او الى الربع وحسب الحاجة وموازنة الموسيقى الشعرية الغنائية حيث ظهر الموشح في الشعر العربي في الاندلس واقتبسه الغربيون بعد عشرات السنين والموشح موسيقاه من الاوزان الشعرية المألوفة في الشعر العر بي توشحت اواخره اما بقواف ثنائية او ثلاثية واما بجمل متحدة القافية ومتوازنة المعنى .

اما اساليب الشعر العربي في الاندلس على العموم سهلة رقيقة مفهومة المعنى جعلت الشعراء ينظرون الى التقدم والتحضر والرقي ويلقون بانفسهم في مهاوي الحياة السعيدة المؤطرة بالرفاهية وسبل العيش الهني ينشدون للحياة المرفهة بين الروضة والجنة وبين الغنوة والرقصة واللحن الجديد او بمعنى اخر ينشدون ما يبهج النفس وفق ما املته الطبيعة الاندلسية الخضراء فتركت هذه الطبيعة ثروة شعرية ما زالت تطوي الايام وتقف كالجبل الشامخ في وجه كل الصروف الدهرية والاحداث الجسيمة بقصائدها العصماء التي هي من عيون الشعر العربي ولا تستطيع ان تطويها الايام او تغير من مكانتها الادبية والثقافية رغم مرور مئات السنين .

يتبع

 

امير البيـــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلــــــد روز

 

 

رحيم الغرباويقراءة في قصيدة (قدِّيسة الشفتين) للشاعر يحيى السماوي .

الوحدة الخفية لكيان المتألِّه هي وحدة وجود، ومن هذا يمكننا أنْ نقرأ عقيدة الشاعر حين يعيش محنة الاغتراب الروحي والجسدي على السواء، إذ نراه يمازج بين نقيضين من كونين متضادين ومتآلفين، هما الروح السماوية والجسد الأرضي وما يكتنفهما من نزعات ورغبات، لكن عند المتألهين من الأنبياء والأوصياء والولاة والشعراء نجد أنَّ نزعتهم تختلف عن السواد الأعظم، فهُم يرشفون زادهم من ينبوع المطلق؛ كون الروح في أحايين كثيرة تترفع، فيذعن الجسد لها ويرضخ؛ ما يجعله ينقاد لها؛ لذلك نجد أن الروحانيين يعتقدون بعالم الغيب أكثر من اعتقاد الآخرين به؛ فنجدهم يعشون بشفافية عالية، ومنهم الرمزيون والسرياليون والمثاليون والرومانسيون، أي تتعد مذاهبهم في الرؤى بتعدد مشاربهم وتوجهاتهم الثقافية والعقدية .

ولعل هذا اللون من الاتجاه تقَلَّده الشعراء النبوئيون الذين وجدوا من الشعر الميتافيزيقي "تجربة شخصية يفجرها الشاعر في حدوس ورؤى وصور، فالشاعر الميتافيزيقي لايعنى بالأفكار إلا من حيث انعكاسها وانصهارها في نفسه، فالشعر استبطان للعالم وجهد للقبض عليه دون حل أو جزم أو تحديد، وخارج كلِّ نسق أو نظام عقلاني منطقي "(1)، فقد رأينا وليم جيمس شديد الولع بالميتافيزيقيا، إذ يرى أنَّ العلاقة بين الفيلسوف والشاعر وكلاهما يغوران في عالم الميتافيزيقيا " ليست قائمة على الموضوع، ولا على طبيعة المعالجة فحسب، بل هي علاقة تقارب على أساس الميادين التي يدور في فلكها كلٌّ من الفلسفة والشعر " (2)؛ لذا نجد أنَّ علاقة الشعر بالميتافيزيقا، هي أبرز " محور في شبكة الرؤيا الإبداعية للفنان، تظهر على السطح بوصفها واجهة باطنية لعالم الفن، إذ أنَّ ميتافيزيقا الفن بوجه عام هي معالجة الفن من رؤيا معينة، أعني من حيث علاقته بالوجود الإنساني: والفنان أوالعبقري هو الذي تتيح له قدرته المعرفية أن يرى حقيقة العالم بأسرِّه والوجود في جملته "(3)؛ لذلك نرى رسالة الشاعر هي ذاتها رسالة الفيلسوف، إذ أنَّ عثور كلٍّ منهما "على موضوع مؤثر يدل بوضوح على امتلاك كلٍّ منهما حالة مضيئة تسمى الإلهام أو الحدس أو الاستبصار... وثمة قرابة تجمع ... هي العناية والانشغال بمصير الإنسان ومواقفه البشرية، وقيمه الخلقية " (4) .

ويعد الشاعر يحيى السماوي من الشعراء الذين انشَّدوا إلى عالم الميتافيزيقا وهو ينظر بعين الفيلسوف وبقلب الشاعر حين يخترق عوالم الميتافيزيقاً بحدوسه واستبصاراته بعدما عاش الغربة بعيداً عن الوطن متوحداً مع المعنويات؛ ليقدِّم صوراً لها بأشكال محسوسة، موظفاً صور الجمال المادي في خدمة المُستَبصر المعنوي؛ ليرقى إلى عالم المثال (المقدس) بعدما ألمَّت به مواجع الوطن السليب والغربة الماحقة التي ما زال يعيشها بعيداً عنه، فنراه يجسد في قصيدته (قدِّيسة الشفتين) كيف براق المرأة يتطوَّف في عالمٍ سرمدي؛ من أجل أنْ يرى إشراقة النور شأنه شأن المتصوفين وهم يغمرون ذواتهم في شمس الحقيقة، فيقول (5):

في ليلِ إسراء المقدَّسة /البتولِ /

الإبنةِ / الأمّ / الصديقةِ / والرفيقةِ

أشرَقتْ شمسان

شمسٌ خضَّبتْ بالضحكةِ العذراء

أوتارَ الربابةِ

فاصطفاها القائمون إلى صلاة العشق

مِئذنةً ,

وشمسٌ نورها الصوفيُّ

أكثرُ خضرةً من بُردةِ الفردوسِ ...

أسرى بي شذاها نحو مملكة الرحيق.

ويبدو أنَّه يتعالق مع ليلة إسراء الرسول التي لها أثرها عند المسلمين؛ لما لها من قدسية عظيمة، إذ أوردها قرآننا الكريم في قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (6)، ما جعل المرأة (الوطن) بمخياله تتطوف وهي تحمل سرَّ الأبدية، و من خلال هذا الإسراء المقدس انبثقت شمسان، الأولى خضَّبت أوتار الربابة، كناية عن التراث المجيد الذي ظلَّ ناصعاً بما فيه من حسٍّ فني مُمثَّلاً بالربابة، وهو دائماً في حالةٍ من السرور؛ لهيبة مقامه لدى المثقفين والمجاهدين والمتذوقين وعشاق الفن؛ ولا يخفى أنَّ تراتيل القرآن الحنيف تؤدى بموسيقى طروبة تخشع لها القلوب قبل الآذان؛ ما عُد هذا التراث مئذنةً في رؤيا الشاعر؛ لما يتَّسم به من نبل وقداسة، أمَّا الشمس الأخرى التي بزغتْ، فهي شمس الشاعر المتصوّف الذي أسرى به شذاها نحو مملكة الرحيق، وهل في الوطن أجمل من رحيقه ؟ ولعل الشاعر في هذا التشكيل الفني يشير إلى قداسة الهدف وسموه، وهو يتوجه صوب المقدس ببراقين: براق المرأة (الوطن) التي يرى فيها صوراً متعددة من القداسة والوفاء والحنان، وكل ماهو جميل وسار . والآخر: هي الشمس ذات النور الصوفي الأخضر التي لاتُقارَن حتى ببردة الفردوس، وأيّ بهاء هذا الذي يستشعره الشاعر، وهو يعيش عالمَ الدهشة والرفعة والخيلاء حين يستذكر المرأة (الوطن) ورحيقه .

ثم يقول:

فأنا بها

المتهجِّد

الضلِّيل

والحُر المكبَّل بالهوى القدِّيس

والعبدُ الطليق،

والمٌقلة العمياء

والقدَمُ المُخضَّبُ

بالبريق .

وأنا اللهيب الباردُ النيران ...

والماء الذي أمواجهُ

تغوي بساتين اللذائذِ بالحريق .

نرى السماوي يدخل في صراع مع الذات، فهو المتهجِّد والضلِّيل، والحر والعبد، والمقلة العمياء والقدم المخضَّب بالبريق، وهو اللهيب البارد والماء الذي يغوي بالحريق، يشير بتلك الأضداد إلى التراث القوي والمعاصرة الضعيفة الغوية المستكينة لواقع العراق اليوم , فبعدما كان مقدساً صار مدنساً، وبعدما كان فتياً وحرَّاً طليقاً، صار عبداً مملوكاً في ظل الاحتلال والتبعية، وكما كان لهيباً صار بارد النيران، بينما بساتين اللذائذ صار يغويها المال وهو ينهمر على بساتينها لكنه، ما فتئ يغوي تلك البساتين بالحريق، في إشارة إلى الدمار الذي خلَّفته القوى الضالة من تفشٍّ للفساد والسحت الحرام في ضِياعهم و(فللهم) وبساتينهم التي جعلوا من الماء يسري فيها إشارة إلى المال الحرام، مستعملاً لفظة الماء مجازاً على الرغم من أنه يطهر الأشياء لكن استعمله مجازاً؛ لعلاقة السببية .

ثم يعطف، ليقول:

أهي الطريق

إلى المزيد من الفجائع؟

أم هي الفردوس؟

لستُ اللهَ ...

كيف – إذن - سيعرف ما نهايتُه الغريق؟

فنراه يعيش الحيرة أمام هذه الفجائع، فهو يستنكر أنْ تكون الجنة التي وُعِد بها العراقيون ما قبل سقوط النظام بهذا الحال، فالوطن اليوم ليس هو الجنة المرتجاة، ولعل السفينة التي يقودها المتخرصون غارقة لامحالة ولايمكن للغريق أن يدرك النهاية مادامت الأمور آيلةٌ إلى المجهول .

ثم يقول:

الورد للشرفات ...

والماء السلافةُ للفراشة

انجدي حلَّاجك المحكوم بالصلبِ المؤجَّل

انجديه !

عسى ينشُّ السعفُ عن صحنِ الفراتِ الجوعَ

والقنديل في ديجورِ دجلة يستفيق .

ليقرر حيقة أنَّ الورد للشرفات تجمِّلها، بينما الماء الزلال هو منهل الفراشات كناية عن الترف الوديع لكل ماهو حي وجميل، فالورد لايحيا إلا بالنظر إليه بعناية ووداعة، والشرفات رمز الرخاء والعمران والمدنية، بينما الماء السلافة فيمثل الفطرة النقية والطيبة التي تتدلع حوله الفراشات في إشارة إلى عصور النقاء، فالسماوي يقارن هذه الصورة بالماضي البعيد حيث حضارة العرب ونقاؤهم وصفاء عالمهم الغني بالجمال، الوارف بالخصوبة؛ مستحضراً المدينة الفاضلة الأثيرة (بغداد) ذات التراث التي نجدها ماكثة في ذهنيته؛ لتنجد الحلَّاج من الصلب، وحلاج الشاعر مبادؤه التي تخالف مبادئ حكَّام العصرمن الظلاميين؛ كي يوحي للسعف أنْ ينشَّ الجوع عن صحن الفرات، ومن عادة السعف الذبول حين يموت صاحبه أو إذا مادهم من يرعاه عارض مميت، فبمحياه يعمُّ الخير، إذ يعود السعف؛ ليثمر من جديد، فيملأ صحون من يسكن الفرات، ويعني بذلك أبناء وطنه العراق، أمَّا القنديل فيعود مرة أخرى يضيء إذا ما عاد الحلَّاج إلى بغداد من جديد؛ ليحيي المبادئ والقيم والعلوم والمعارف التي هي على وشك الضياع لما آل  إليه الوطن بجميع مرافقه .

ثم يقول:

الماءُ أعطشني

فهل لي من سرابكِ رشفةٌ

تحيي رمادَ غدي ؟

الشواطئ أوصدتْ أنهارها

والنبعُ فرَّ،

وليس من حبلٍ لأدلوَ

من سلافةِ بئرِ واديكِ العميق،

أو لستِ مَنْ بعَثتْ رمادَ هشيمِ مائدتي

وأيقظتْ الربابةَ من عميقِ سُباتها

فاخضرَّ بعد يباسه

حجر الطريق .

ولكونه يعيش في الغربة، فقد أنهكه الظمأ، وأنَّ بلده صار سراباً، فعساه أنْ ينهل ولو رشفةً من لقائه؛ لتحيي رماد مستقبله بعودةٍ مأمونة، ويبدو أنَّه يتأمل خيراً في قابل الأيام، أما في الوقت الحاضر؛ لما للظروف البائسة التي حلَّت ببلده؛ ما جعل الشواطئ توصد أبوابها أمامه، بينما النبع فرَّ هارباً من ضجيج الحروب والمزمجرات، وقد أشار للشواطئ والنبع كونهما رمزين من رموز الخير والعطاء، كما أنَّه ليس هناك من حبل؛ ليدلو دلوه بواسطته، فكل شيءٍ عائد إلى يباب . ثم يُسائل بغداد أليست هي يوماً من بعثت من هشيم رماد مائدته الخير الوارف ؟ كما أنَّها هي من أيقظت فيه تراثه الأصيل الممثل بالثقافة والفن والإبداع بعدما كان في سبات عميق، بينما هي من جعلت الطريق مخضرَّاً يوماً؛ كناية عن نيل الهدف . ويبدو أنَّ استفهاماته هي أملٌ مستقبلي يريد إضاءته؛ لأنه يحاكي بغداد عاصمة بلاد الرافدين الذي انماز بأسطورة عشتار رمز الولادة والخصب والنماء .

 

بقلم د. رحيم الغرباوي

..................................

الهوامش:

(1) زمن الشعر، أدونيس: 279 )

(2) مشكلة الفلسفة، د. زكريا إبراهيم: 231-244

(3) دراسات في الشعر والفلسفة، د. سلام الأوسي: 56، وينظر:الفنان والإنسان، د. زكريا إبراهيم: 226

(4) دراسات في الشعر والفلسفة، د. سلام الأوسي: 86

(5) مجموعة (اطفئيني بنارك) للشاعر يحيى السماوي: 57

(6) سورة الإسراء: 1

 

عبير خالد يحيىللقاصة السورية د. عبير خالد يحيي

مجموعة قصصية للكاتبة السورية عبير يحيى.. 20 نصًّا توزّعوا على ما يقارب المائة صفحة.. عن دار النابغة مصر.

الكاتبة لها أكثر من 10 إصدارات.. منها شعر.. ونقد.. والسرد. كما لها عدة دراسات نقدية ذرائعية منشورة.

تعرفت على الكاتبة من خلال إصدارها الموسوعي الذرائعي النقدي الصادر في ثلاثة أجزاء تنظير المنظر العراقي عبد الرزاق عودة الغالبي ودراسات تطبيقية للكاتبة. كان ذلك في معرض القاهرة للكتاب نوفمبر 2019 عرفت أنها تكتب الشعر والقصة, بعد أن أهدتني نسخة من مجموعتها "ليلة نام فيها الأرق". التي شحنتها إلى عدن عبر البحر ضمن كتب اقتنيتها من أيام المعرض.. إلّا أن تلك الكتب لم تصلني شهر مارس 2020. أثر مروري بعدن.. لأحمل كتبي وأحشرها تحت مقاعد العربة.. خوف مصادرتها من قبل نقاط المليشيات إلى صنعاء.. فعناصر تلك المليشيات يرون في الكتاب ريبة وشك.. وكثيرًا ما يصادرون كلما يقع بين أيديهم.. فرعبهم من الكتب قوي.

ليلة نام في الأرق.. عنوان يشكل صورة مغايرة لمدلول الأرق.. كمات حمل جملته مفارقة تجعلنا نقف متسائلين: إذ كيف ينام الأرق.. وهو إلَّا نوم في معناه. أربع كلمات كوّنت نصًا مكتملًأ لجنس الومضة السردية.. صيغت بحرفية فنية ولغوية عالية.. حين نجد الكاتبة وقد روّضت الأرق لينام. ظننت بأن تركيبة تلك الجميلة العنوان قد أتت مصادفة.

وقد حسبتُ الكاتبة ضمن عدد ممن يتناولون النقد.. ثم ينجذبون لرياح السرد.. محاولًا الركوب على تيارين ليحصد الفشل... وخاصة من يقعون في شرك الاستسهال. ظننتُ وكل ظن متعة أن كاتبتنا من أولئك.. وأنني سأجد نصوصًا ركيكة.. لكني ما أن قرأت أولى نصوص المجموعة حتى كشف عن قدرت عالية.. تفصح عن مبدعة متمكّنة من أدواتها الفنية.. وأن تركيب جملة عنوان مجموعتها لم يأتِ مصادفة.. بل عن وعي عالٍ. إذ أن جمل أولى نصوص المجموعة "يوم مُت". جاءت مبهرة.. تماثل روعة عنوان المجموعة.. وسأقتص منه "وحدها أمي كانت ترى في ضحكتي المعاقة حياة". يمكن للمتلقي كل حسب معارفه قراءة تلك الجمل.. فأمر طبيعي من أم أن ترى الأم ما يأتي به ابنها جميل.. لكن أن توصف تلك الضحكة بالمعاقة.. هذا ما يبعث على التأمل.. والتساؤل.. فمفارقة ضحكة معاقة.. وحياة. الجملة الثانية "أرى دواخل الباقي من آل آدم بعيني العمياوين..." . والثالثة "أسمع من الأصوات ما يعجبني فقط.. أضيف لإعاقتي اعاقة جديدة باختياري...". تلك الجمل النصية بدلالتها.. ليست هي الميزة الوحيدة التي تميزت بها نصوص هذه المجموعة. إذ أن المفارقة حاضرة أيضًا بشكل مدهش في نهايات معظم النصوص. تلك المفارقة التي تختلف عن نهايات كثير من قصص الكتّاب.. فمفارقات عبير تأتي لتسلّط الضوء على بعض التساؤلات.. إلّا أنها لا تتوقف عند ذلك.. بل أنها تحمل في الوقت نفسه مزيدًا من التساؤلات.. تلك التي تدفع بالمتلقي إلى إعمال الفكر بالبحث عن أجوبة " لكن نظرة أخرى إلى من فوق الطاولة.. جعلت لمى أيضًا تصرخ صرخة أعلى.. قبل أن تسقط فوق سارة" هذه الكلمات الأخيرة لنص بعنوان "نهاية الانتظار".. وحكاية النص أن صديقتين حميمتين.. تدرسان الطب.. لمى تحب حسن أخ صديقتها سارة.. الذي اختفى منذ أشهر في ظل ظروف الحرب السورية.. حتى أمسى مصيره مجهولًا.. إلا أن سارة أخته تفاجأ بوجود جثته ممددة أمام الطلبة كعيّنة لتشريحها.. يغمى عليها وتسقط أرضًا.. لتهبّ لمى حبيبة حسن تستطلع سبب سقوط سارة.. وما تكتشف الأمر حتى تسقط هي الأخرى.

بالطبع النهاية أجابت على تساؤل حول مصير الغائب حسن.. ولكنها في الوقت نفسه أضفت تساؤلات جديدة .. كيف قتل.. وكيف جلبت جثته إلى طاولة التشريح؟. إلى آخر تلك التساؤلات...

نهاية لنص قصصي "أماه أنا مازلت عذرااااء.

وصوت الطبيب الذي دخل توًّا في ذات اللحظة: البقية في حياتك .. لم نتمكن من إنقاذها".

 تلك نهاية لقصة بعنوان "قرناء السوء". لزوج يأتي أم زوجته متذمّرًا من رفض ابنتها النوم معه.. مهدّدًا بالزاوج من أخرى.. تفكر الأم بعلاج لعزوف ابتنها التي كانت تسألها عما يشكو زوجها إلّا أنها كانت تردّ عليها إلى أن كل شيء على ما يرام.. وتحت تكرار شكوى الزوج تذهب الأم إلى شيوخ العلاج بالقرآن الكريم.. الذي يؤكّد لها أحدهم بأن ابنتها لها قرين من الجن.. وقرينها يرفض أن يشاركه أحد فيها.. وأن علاجها ركوب البحر في ليلة عاصفة لتخيف القرين.. حتى يفارق البنت خوفًا من العاصفة.. ترتّب الأم مع صاحب قارب على نقلها إلى جزيرة بمبرّر زيارة أختها.. ومع بداية ليلة عاصفة يتحرّك القارب بالأم وابنتها.. وأثناء العبور تشتد العاصفة.. أثناء ذلك تتحاوران.. لتكتشف الأم بأن ابنتها لا تزال عذراء.. وما ادعاءات الزوج بتمنّعها إلى لذرّ الرماد على العيون.. بغرض إخفاء عجزه.. لكن العاصفة تغرق القارب ويتم انتشالهما بين الحياة والموت.. تعيش الأم وتلفظ الابنة أنفاسها.

 تختلف لغة خطاب نصوص المجموعة بشكل مطرد.. فنص بعنوان "برغماتي" مختلف في لغته عن نص بعنوان "ضربة جزاء" وهكذا تأثّث الكاتبة نصوصها بتباين خطابي واضح.

تلك اللغة التي شكّلت بنى النصوص على شكل فقرات خبرية مترابطة.. نسجته الكاتبة بشكل فني مكثّف.. فنص بعنوان "نهاية الانتظار" تبدأ بتساؤل من لمى لصديقتها سارة حول صحتها بعد ملاحظة شحوب وجهها.. لتخبرها أنها قلقة على صحة والدها بعد اختفاء شقيقها حسن.. الذي يزوره في أحلامه ميتًا.. فقرة ثانية حول طبيعة العلاقة العاطفية بين لمى وحسن الغائب. فقرة ثالثة تسلط الضوء عن عمق الصداقة بين لمى وسارة.. فقرة رابعة تصف الكاتبة وضع المدن تحت سيطرة المليشيات.. فقرة تالية قبل الآخرة.. وصف حول دراستهن للطب.. فقرة أخيرة تصوّر لنا الكاتبة قاعة التشريح.. حيث تسقط سارة مغمي عليها.. لتلحق بها لمى بعد أن شاهدت جثة حسن على طاولة التشريح دون أن تذكر الكاتبة من يكون.. وقد تركت للمتلقي تخمين ذلك. وهكذا معظم نصوص المجموعة .

النصوص تنوّعت من نصوص حوارية مثل نص بعنوان "مركب نقص" إذ لا وجود للوصف أو لحدث خارج مسارات الحوار بين الأم والابن المتسلّط. إلى نصوص تتّسم بحوار داخلي للشخصية.. مثل "ضربة جزاء" و"سيرة ذاتية" و"وجوه". ونصوص أخرى غلب عليها الوصف كنص بعنوان "كتلة قذرة" حيث تصف الكاتبة رجل كان من ذوي الوجاهة أو ممن أثرَوا بطرق غير مشروعة.. إلا أنه ضيع ما جمعه في صالات القمار والمواخير.. ليهيم بعد ذلك على وجهه.. يحمل أشلاء طفلته التي باع المختطفون أعضاءها لعدم قدرته دفع ما طلب منه كفدية.. "سبحان مغير الأحوال.. هل عرفته؟!. نطقها أحد المارة ضاربًا كفًّا بكف.. منبهًا مرافقه.. مشيرًا باتجاه الرجل.. كهل انحنى.. تكوم هيكله في بذلة فاضت عليه.. وتمزّقت في مواضع كثيرة.... لترسم خارطة البؤس والشقاء. إن أمعن أحدهم النظر فيها قد تدلّه بقعة صغيرة جدًّا أنها من القماش الفاخر المصنوع للنخبة.. سوادها خالطته كل ألوان القذارة.. فغدا لونًا بلا انتماء..."

وهكذا في نص بعنوان "نذور الوطن".

نصوص أخرى غلب عليها لغة الوجد.. مثل نص ""ليلة نام فيها الأرق".

المكان شبه متماهي.. وإن ذُكرت الإسكندرية في بعض نصوصها سواحلها وبعض أحياءها ومعالمها.. مثل نص "سيرة ذاتية" حيث كان قصر المنتزة وبحر الكونيش مكانًا.. كما كانت بعض النصوص قد أشارت إلى أوضاع سورية.. وما يدور من نزوح للأهالي والاختطاف.. وتعدّد الاستشهاد.

سلطت بعض النصوص الضوء على قضايا اجتماعية هامة ومنها نص بعنوان "الأفئدة الراحلة". وغيرها من نصوص المجموعة. نصوص المجموعة وما تحمله من هموم مجتمعية.. ورؤى قيمية أظهرت بصمة الكاتبة المتميزة.. خاصة في نص "يوم مُت". حين شكلت من بعض جملها كما ذكرنا سابقًا نصوصًا مكتملة.

هي قراءة سريعة.. من كاتب يتعاطى السرد الروائي.. ويأخذ بمقولة الروائي الإسكندراني محمد محمود عطية.. أن القاص أكثر إلمامًا بقراءة النصوص السردية.. تحية لنجمة أدبية أثبتت وجودها من خلال تعاطيها النقدي الذرائعي.. كما هي في نصوصها الشعرية والسردية.

 

بقلم الناقد: الغربي عمران

 

 

عبد الله الفيفيأشرنا في مساقٍ سابقٍ إلى أن حكاية البحر المتدارك حكاية؛ لكثرة رُخَصه: فاعلن/ فَعِلُن/ فاعلْ+ فاعلُ. حتى تصوَّر بعضٌ أنَّ الخَبَب بحرٌ مستقلٌّ؛ لأن التفعيلة (فاعلن)، التي يُفتَرض أنها أصل هذا البحر، تبدو نابيةً حين تَرِد مع تفعيلات (فَعِلُنْ/ فاعِلْ). كما أن هذا البحر قد يتَّفق إتيانه في النثر المحض؛ ولعلَّه لذلك أهمله (الخليل). وقد ضربنا على إشكالات هذا البحر مثالًا من الشِّعر التناظري لدَى (أحمد شوقي)، وشَهِدنا خروجه عمَّا أجازه العَروضيُّون في حشو هذا البحر. أمَّا في شِعر التفعيلة، فنستشهِد بـ(نزار قبَّاني) على سبيل المثال، لا الحصر:

يا سِتَّ الدنيا يا بيروتْ

مَن باعَ أساوركِ المشغولةَ بالياقوتْ؟

مَن صادرَ خاتمكِ السحريَّ،

وقصَّ ضفائركِ الذهبيةْ؟

[مَن ذبـ][حَ الفر]حَ النائمَ في عينيكِ الخضراوينْ؟

مَن شطَّب وجهكِ بالسِّكينْ،

[وألـ]ـقَى ماءَ النار على شفتيكِ الرائعتينْ

مَن سمَّمَ ماءَ البحر، ورشَّ الحقدَ على الشطآن الورديَّةْ؟

ها نحن أتينا.. معتذرينَ.. ومعترفينْ

أنَّا أطلقنا النار عليكِ برو[ح قَبـَ]ـلِيَّةْ..

فقتلـ[نا امرأ]ةً.. كانت تُدعَى الحُريَّةْ...

فتلحظ استعماله تفعيلة (فاعِلُ) أربع مرَّات، في مقطعٍ تفعيليٍّ قصيرٍ من قصيدةٍ طويلة، وهي المقوَّسة من النصِّ. بل إنَّك في بعض الأسطر تقرأ شيئًا عَجَبًا:

مَن شطَّب وجهكِ بالسِّكينْ،

[وألـ]ـقَى ماءَ النار على شفتيكِ الرائعتينْ

فسكَّنَ نهايةَ السطر الأوَّل، ليكسِر التفعيلة، على نحوٍ لا نعرفه في أيِّ مذهب، متطرِّف أو معتدل، قديمٍ أو حديث. ولو قال: "مَن شطَّب وجهكِ بالسِّكينِ، وألـقَى...". لاستقامت تفعيلته. أمَّا أن تصبح التفعيلة مجرَّد وتد، هكذا (وَأَلْـ = فَعِلْ)، فلم يسمع بهذا أحدٌ قبل القبَّاني! ومن حُسن الحظِّ هنا، أو سوئه، أن قصيدة الشاعر مسجَّلة، بقلمه وبصوته، فلا مجال للاعتذار بخطأٍ كتابيٍّ أو قرائي!

ويُمكِن أن نستنتج من هذا أن هؤلاء الشعراء يعوِّلون على سلائقهم، التي لا يُعوَّل عليها، ولا عِلْم لهم بالعَروض، بوصفه عِلْمًا. ومن مؤكِّدات ذلك، لدَى (نزار) تحديدًا، ظاهرة التكرار الغريبة العجيبة في قصائده، وكأنَّما هو يجترُّ الجُمَل لاستعادة التعكُّز عليها إيقاعيًّا بترديدها؛ حتى لا يكلِّف نفسه ضبط إيقاع جديدٍ لكلام جديد. وأغلب الظنِّ أن هؤلاء الشعراء كانوا يعتمدون على أنفسهم على هذا النحو، من دون تدقيقٍ عِلْميٍّ في أوزانهم وتفعيلاتهم، مُغترِّين بالمقولة الشائعة: إنَّ الشعراء لا يحتاجون إلى عِلْم العَروض، وهم أكبر من العَروض. وهذا صحيحٌ بالجملة لدَى الشاعر المطبوع قديمًا، غير صحيح بالتفصيل؛ وإلَّا لتحاشَى هؤلاء هناتٍ تعيب شِعرهم، كانوا في غِنًى عنها. ولولا تلك الثقة العمياء الزائفة لما وقع (أبو تمَّام)، وهو مَن هو، في أخطاء عَروضيَّة لا مسوِّغ لها، وإن التمسَ له المعتذرون المعاذير. فما كان أحرى الشعراء بمنهج (أبي العلاء المعرِّي)، الذي لم يغترَّ بفِطرته الشِّعريَّة، بل قوَّمها بعِلم العَروض، فما عَثَرَ في شِعره، في ما نعلم، على تلك الاختلالات التي يُعثَر عليها لدَى غيره من الشعراء. ولقد درستُ "سَقْط زَنده" و"لزوميَّاته"، خلال بحثي في "الصُّورة البَصَريَّة في شِعر العُميان: دراسة نقديَّـة في الخيال والإبداع"، وما وقفتُ على شيءٍ من الخلل في موسيقاه. بل هو إنَّما بنَى لزوميَّاته على الالتزام بما لا يلزمه موسيقيًّا في قوافيه. كان أبو العلاء كذلك؛ لا لأنه كان يعتمد على سمعه بسبب كفِّ بصره فحسب، بل لأنه أيضًا عالمٌ بالعَروض، كما دلَّت على هذا كتبُه.

ولعلَّ استخفاف شعراء التفعيلة بضبط إيقاع تفعيلاتهم، من نحو ما رأينا لدَى (نزار)، وهي ظاهرةٌ لمن تتبَّعها، كان هو السطر الأوَّل في كتابة قصيدة النثر العربيَّة. ولروَّاد قصيدة النثر حَقٌّ حينما يسمعون قصيدةً، كقصيدة نزار "يا سِتَّ الدنيا"، لا بالتفعيليَّة الملتزمة هي ولا بالنثريَّة الخالصة؛ لسان حالهم: إمَّا أن يكتب الشاعر قصيدة تفعيلةٍ ملتزمةٍ بالتفعيلة، كما يدَّعي، أو فليكتب قصيدة نثر، ويريحنا من أوزار التفعيلات ويستريح!

إن فكرة القصيدة العربيَّة قائمةٌ على تحدِّيَين، هما: تحطيم اللغة، ثمَّ إعادة بنائها في خَلْقٍ جديدٍ قويم، غير ما كانت عليه في سالف بنائها المألوف. وتلك فكرة الخَلْق أصلًا؛ من حيث إنَّ الإبداع الأوَّل للخَلْق جاء على هذا المنوال، خَلْقًا منظومًا على أبحُر، لا حُرًّا ولا نثرًا. ومن دون هذا يُضحِّي المُبدِع- إنْ صحَّتْ تسميته مِن بَعْدُ مُبدِعًا- بأداتَي تحطيم المادَّة ثمَّ إعادة تخليقها وبنائها، راكضًا وراء معنًى سرابيٍّ، تُحَصِّله اللغةُ اليوميَّةُ الاعتياديَّة، فيخسر بذاك الشِّعريَّةَ من حيث جوهرها، بوصفها خَلْقًا لُغويًّا. وهذا يُحدِّد مفهوم الإبداع؛ فلا إبداعَ بلا نِظامٍ متناسل. لا يعني هذا التوقُّفَ عند القوالب الموروثة الجاهزة، دون خروجٍ عليها؛ لأنَّ هذا يعني في المقابل أنَّ عمليَّة الخَلْق الفنيِّ قد توقَّفتْ على ما أنجزه الأسلاف. بل يعني أنَّ فكرة الخَلْق الفنيِّ قائمةٌ على تلكما العمليتَين معًا: تفتيت المادَّة الأوَّليَّة، ثمَّ إعادة تشكيلها خَلْقًا آخَر. أمَّا التخلِّي عن هذا، بدعوَى أن عمليَّة الخَلْق قائمةٌ في المعنى والرُّوح والمضامين، فتصوُّرٌ أشبه بادِّعاء تحضير الأرواح بلا أجساد، فضلًا عن كَونه أمرًا قائمًا أصلًا في جِنسٍ آخَر، هو: النثر الفنِّي، ولا جديد عندئذٍ تحت النصِّ، سِوَى نِسبة جِنس أدبيٍّ (النثر الفنِّي) إلى جِنس أدبيٍّ مختلفٍ: (القَصيدُ الشِّعري). وكذا فإنَّ الاكتفاء بتعبئة الأجساد الشِّعريَّة الجاهزة، التي أنجزها العرب منذ مئات السنين، هو إفلاسٌ آخَر للإنسان العربيِّ المعاصر، وعجزٌ عن أن ينهض بالسَّويَّة الفنيَّة التي كان عليها الشاعر العربيُّ قبل زهاء ألفَي عام، أو التي كان عليها الشاعر الأندلسيُّ يوم أن اتَّخذ الموشَّحات أجنحةً شِعريَّة، أو تلك التي لدَى الشاعر العامِّيِّ حين يصطنع أشكاله البنائيَّة المبتكرة. بغير هذا نصبح إزاءَ شِعرٍ لا يختلف كثيرًا عن منظومة (ابن سودون المجنون/ أو الساخر، -868هـ= 1463م)، إذ يقول، لا فُضَّ فوه!:

الأرضُ أرضٌ، والسَّماءُ سَمــاءُ  ...  والـماءُ ماءٌ، والهواءُ هواءُ

والبحرُ بحرٌ، والجِبالُ رواسخٌ  ...  والنُّورُ نُورٌ، والظَّلامُ عَماءُ

والحَرُّ ضِدُّ البَردِ قَولٌ صادقٌ ...  والصَّيفُ صَيفٌ، والشِّتاءُ شِتاءُ

كُلُّ الرِّجالِ على العُمومِ مُذَكَّرٌ  ...  أمَّا النِّساءُ فكُلُّهنَّ نِساءُ!

***

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

 

مادونا عسكرفي قصيدة "خلايا الأربعة" للشّاعر الفلسطيني فراس حج محمد

أولا: النّص

خلايا الأربعة

ثلاثةٌ وأربعُ نسوةٍ

فكيف يقتسمون ما زاد عن عدد الذّكور؟

لا بأس إن طمعوا في وجبة أخرى

على جسد جميل أبيضَ مثل الحرير مؤجّل لنهاية السّهرة؟

يتبادلون بمائهم بوردتها النّديّة

ويملؤون الكأس ثانية وثالثة ويخرقون المحبرةْ

ويخمدون على رماد محترقْ

ثلاثة وأربع نسوة غرقى بهذا اللّحم

منذ بداية الحضرةْ

يا ليتهم أكلوا على مهل خلايا الأربعة.

ثانيا: القراءة

يعتمد هذا النّص ببعديْه الأفقيّ والعموديّ على الرّمزية الّتي تخلص بالقارئ إلى عوالم الشّاعر الدّاخليّة العميقة. والمقصود بالرّمزيّة استخدام الشّاعر لمصطلحات تحتاج للتّفكيك كيما نتبيّن مقاصده أو نتلمّس بعضها.

يدلّ العنوان على حركة النّص الّذي تعمّد الشّاعر فراس حج محمد أن تكون مبهمة بعض الشّيء ليستفزّ القارئ إلى العلوّ والعمق في آن. (خلايا الأربعة). الخليّة جزء لا يتجزّأ من الحياة الإنسانيّة وينبغي أن تكون تامّة عاملة نشيطة كي لا ترهق الجسد، وبالتّالي فنحن أمام حركة نشيطة في كيان الشّاعر نفسه، بل حركة تامّة تؤمّن له السّعادة الكيانيّة. مع العلم أنّ (خلايا) منسوبة بالإضافة لـ (الأربعة) وليست للشّاعر. لكنّ ثمّة اتّحاداً بينه وبين هذا الرّقم الّذي له دلالة أرضية يدعمها الشّاعر بدلالة سماويّة (ثلاثة)، الرّقم الذي يرمز إلى العالم الإلهيّ (عالم الكمال). وهنا تتجلّى الحركة الأفقيّة باتّجاه العلوّ، والحركة العموديّة باتّجاه العمق.

(ثلاثةٌ وأربعُ نسوةٍ ) إذا اعتبرنا أنّ ثلاثة تعود إلى الذّكور مع أنّ الشّاعر لم يذكر هذا الأمر سنقع في الفخّ التّضليلي الّذي أراده الشّاعر. فثلاثة تساوي عالماً واحداً، ونجد أنفسنا أمام شخص واحد لا ثلاثة. وأمّا النّسوة الأربع فهي الخلايا الّتي ذكرها الشّاعر في العنوان. وهنا أيضاً سنكون أمام شخص واحد بدل الأربعة استناداً إلى الجملة التّالية (فكيف يقتسمون ما زاد عن عدد الذكور؟).

الاقتسام هنا معنويّ غير ماديّ، إذ يقصد الشّاعر كيفيّة اتّصال العلو الكامل بالعمق الأرضيّ. الخلايا الأربع تجتمع في جسد واحد، وهي ذاتها تحمل في داخلها ما هو إلهيّ. ولعلّ (الأربعة) ترمز ضمناً إلى جهات الأرض الأربعة، وبالتّالي ثمّة صراع بين السّماويّ والأرضيّ، أو بمعنى أتمّ جاذب إلى العلا وآخر إلى الأرض (لا بأس إن طمعوا في وجبة أخرى/ على جسد جميل أبيض مثل الحرير مؤجّل لنهاية السّهرة؟). الطّمع لا يسكن العلو، بل الأرض، وهو يرمز بشكل أو بآخر إلى الطّمع بالمزيد من الاحتراق والرّغبة. وأمّا الجسد الأبيض الجميل مثل الحرير فيرمز إلى العلو. فالكاتب يريد بالجسد الكيان كلّه وليس اللّحم والدّم. ما تؤكّده الجملة التّالية المتضادة مع الأولى (ثلاثة وأربع نسوة غرقى بهذا اللّحم). الوجبة الأخرى مؤجّلة إلى نهاية السّهرة أي إلى نهاية الحياة الواقعيّة بانتظار استكمال الحياة. 

سيمرّ الشّاعر بمراحل متصاعدة حتّى يبلغ المقام الأرفع (يتبادلون بمائهم بوردتها النّديّة/ ويملؤون الكأس ثانية وثالثة ويخرقون المحبرةْ) وما ملء الأكؤس إلّا تعبير عن هذه الحالة التّصاعديّة حتى بلوغ تمام النّشوة وذروة الحالة العشقيّة.

لا تخلو هذه القصيدة من المعاني الأيروسيّة إلّا أنّها تتخطّى الحدود البيولوجيّة إلى معنى الرّغبة بالحبّ. وهنا يدخل معنى الرّغبة إلى قسمين: الأوّل جسديّ يرتقي إلى الرّوحيّ ليلتزما معاً في رحلة النّشوة الصّوفيّة. (ثلاثة وأربع نسوة غرقى بهذا اللّحم / منذ بداية الحضرةْ). والخلايا تعمل معاً في جسد واحد، وهنا تتجلّى الحركة الصّوفيّة وتتراءى لنا سكرة صوفيّة يدور فيها الكاتب حول ذاته الكيانيّة، أشبه بدرويش يدور في حلقات الرّقصة الصّوفية، رافعاً يداً نحو العلوّ وممدّداً أخرى نحو العمق. يرغب بالمزيد من الانتشاء والاتّحاد (يا ليتهم أكلوا على مهل خلايا الأربعة).

 

مادونا عسكر/ لبنان