صحيفة المثقفلا محطات وراء هذا المسير

سنحملُ أوزارَ الرحلة الخاسرة ونستمر

..

لم تكنْ الارضُ مستويةً حين سقطتْ

تفاحةُ آدم

تلقفها نيوتن ليصرخَ إننّا مكورون

لا بدايةَ لنا ولا نهاية..

الشاهدان الوحيدان آدم وحواء

لا نعرف مصيرهما

حتى نيوتن غطَّ في نومٍ عميق

التفاحةُ ما زالتْ ترممُ القضمةَ الآثمة

لم تبزغْ الشمسُ في قلوبنا

بعد أن غطوا السماءَ بالرصاصِ

ركبوا ظهورَ خيلٍ سماويةٍ

المتحركون والثابتون سيّان

الأوطانُ بعدَ آدم أصبحتْ قلقةً

دائماُ يبرعُ الأحمرُ في صبغِ أجسادنا

اللونُ المعبرُ عن الكوارث والممنوعات

يصبحُ سيداً... مع أنَّ الجوري

يرسمُ تاجَ الزهرِ متفاخراً

بذلتُ جهدي لأغيّرَ قانونَ الجاذبية

الى مسبارٍ يدخلُ أدمغةَ الشياطين

ليرصَّ أفكارَهم بشكلٍ متوازٍ

إلا أنَّ النفطَ غيّرَ طريقَ الاحتراقِ

ليمَلأَ جيوبَ المرتدين

هكذا تمرُّ قافلةُ الرحلةِ

مثل طاغٍ يلحسُ ما تبقى في آنية

غير آبهٍ بقطع لسانه

أوجَعَ رؤسَنا بحوارتِه

وعصفورٌ ميتٌ على شجرة وغصنٌ تائهٌ

وفتاةٌ تبيعُ النبقَ

لتطهرَ الافواه من الرثاء

كان المشهدُ على خشبة المسرح بلا ضوء..

***

فاضل ضامد - العراق

 

 

صالح الفهديتُبِينُ لِيَ الأيَّامُ ما لا أَوَدُّهُ

             وتُخْفِي وِدَاداً ليس يُبْلَى جديدُهُ

فَتُظْهِرَ ما تُخفِيهِ فِي النَّاسِ جهرةً

                  يَهِدُّ بِناءً كَمْ قضيتُ أُشِيْدُهُ

كأنَّ الْوَفَا ضَرْبٌ مِنَ الْوَهْمِ لَمْ يَكُنْ

           لهُ في الْحَشَا المكلومِ إِلَّا قَصيدُهُ

"أُحَاوِلُ وِدّاً لا يُشَانُ بِغَدْرَةٍ

             ودُونَ الَّذِي أَرْجُوهُ مَا لا أُرِيدُهُ

سَمِعْتُ قَدِيماً بِالْوَفَاءِ فَلَيْتَنِي

            عَلِمْتُ عَلَى الأَيَّامِ أَيْنَ وُجُودُهُ"

وما ضَرَّني أنِّي على الوُدِّ قائِمٌ

             ولكنْ أَضرَّتْ بالجَحُودِ حُقُودُهُ

أُجاهِدُ ما أَسْطِيْعُ بُقْيَاهُ كُلَّمَا

            تَعَالَى على عَهْدِ الْوَفاءِ صُدُودُهُ

هُوَ الدَّهْرُ كَشَّافُ الجواهرِ كُلَّمَا

               يُقَلِّبُها عندَ الصُّرُوفِ شُهُودُهُ

على أَنَّ ما تَحْسَبْهُ شَرّاً فَلُبُّهُ

            هُوَ الخيرُ مرسولاً إليكَ حَمَيدُهُ

وذاكَ عطاءُ اللهِ في النَّاسِ فَلْتَكُنْ

              حكيماً إذا أغناكَ يوماً وُرُودُهُ

إذا أنتَ أَعْظَمْتَ الوفاءَ سَجِيَّةً

            فأنتَ سَمِيُّ الشَّأْنِ، عالٍ عَمُودُهُ

فلا شَيْءَ يُغْنِي الْمَرْءَ إِلَّا وفَاؤُهُ

                  يُظَلِّلُهُ طُولَ الْحَيَاةِ سُعُودُهُ

تَمَعَّنْ دُرُوسَ الدَّهْرِ إِنْ كُنْتَ كَيِّساً

                وَلِلدَّهْرِ أَمْثَالٌ رَوَتْهَا شُهُودُهُ

***

د. صالح الفهدي

 

نبيل عرابيإلى الشاعر الفلسطيني:

 مروان محمد الخطيب


لمَروانَ منّي اليومَ،

باقة من زهرِ الرِّضى،

نبتتْ في صومعةِ الألمِ،

وأشواك شجنٍ،

تدمعُ لها العينُ،

تختنقُ بالكلمِ.

صفحاتٌ من الرّوحِ قد احترقتْ،

وتناثر رمادُها،

في أثيرِ الحلمِ،

ما الحزنُ بعد الضّياعِ،

بعد تبعثُرِ..

القرطاسِ والقلمِ،

ما الوقتُ..

ما الحياةُ..

سوى ساعاتٍ من السّأمِ.

**

لمَروانَ منّي اليومَ،

وكُلّ يومِ،

أُغرودة ثكلى..

وأنشودة عطشى..

ونداء صوتٍ متهدّجِ..

لكَهْلٍ هَرِمِ،

صرخة من الخيالِ..

وحبّاتُ سبحةٍ..

تبرقُ بالأنجمِ.

**

مَنْ يَرُدُّ للرّوحِ رمقَها،

وللعيْنِ سهرَها..

وللنّبْضِ سرَّهُ..

وللخَفْقِ ظلّه..

مَنْ يَرُدُّ للأنفاسِ تقطّعها..

زفيرها وشهيقها..

ولبنات الفكرِ شرودها..

تسكّعها..

عصيانها..

في زوايا الكونِ المشتّتِ..

على ضفافِ الوطنِ.

**

مَنْ يُعيدُ للسِّوارِ معصمه..

وللخاتمِ بنصره..

وللأناملِ رشاقتها..

ولسرِّ النجوى عشقه..

مَنْ يُعيدُ للسِّحرِ دهشته..

وللفيضِ غيضه..

ولدروبِ العشّقِ مسالكها..

تمرُّ قربَ الفؤادِ..

أو عبره.

**

لمروانَ منّي،

صورة من ماضٍ،

شعّت في النفسِ ذكراه..

وهامَ مع الرّيحِ صداه،

فإذا بالحطامِ يتراكمُ،

يطوي خصبَ الأرضِ ويتهكّمُ،

فكُلٌّ يعزو الأمرَ كما يهوى،

ويُقلِّبُ الصُّوَرَ كما يتوهَّمُ،

وكأنّ الدّماءَ النازفةَ..

من أوردةِ الحياةِ..

تروقُ لكلّ جلّادٍ.. فيحكمُ.

**

لمروانَ منّي.. يَد تصافحُ،

وهمس يسامحُ،

ومعجزة تكادُ تُجترحُ،

فليمضِ موكبك يا مروانُ،

ولتسِرْ قافلتكَ،

فالحاقدون.. سيبقى حالهم،

هذا يموءُ.. وذاكَ ينبحُ.

***

نبيل عرابي

.........................

الشاعر الفلسطيني مروان محمد الخطيب: من مواليد العام 1965، مخيم نهر البارد، شمال لبنان. صدر له العديد من الأعمال منها:

- وانشقّ القمر / شعر.

- صهيل الأرجوان / شعر.

- المتنبّي.. متوجّعاً / شعر.

- وجع الذاكرة / نصوص.

- رحيق المداد / دراسات في الأدب.

- الصعود إلى بلقيس / شعر.

 

 

عبد الفتاح المطلبيما بينَ خيـلِكَ والمضـاميرِ

خطوٌ تذرَّعَ بالمعـــــــاذيرِ

 

أتركتَها تلـــــــــوي أعنتَها

صوبَ الحوادثِ والمقادير

 

أم أنّها جَمَحَــتْ بفارسِها

فكَبتْ بهِ من غيرِ تَحْذِيرِ

 

أو ربما تَبِعَــــتْ سَجِيّتَها

تشقى ولا تعـدو بمذعورِ

 

فتميلُ صاهِلةً وَيردَعُهــــا

زمن الجوائح والأعاصير

 

وسرى بها حذرٌ وحجّتُها

أنْ لا تَراها عيـنُ ناطُورِ

 

وكأنها جِــــــنٌّ رأى شُهُباً

تهوي إليهِ بحــــربةِ النورِ

 

ولطالما قد خبـــأت  أملاً

بالصدرِ في طيّاتِ تامورِ

 

وهَفَتْ إلى كَرْمِ الهوى سَغَباً

وترقبت نــــومَ النــــــواطيرِ

 

عنقودُ آثــــــــــامٍ يُعلّلُها

والريحُ  تنفخُ بالمزاميرِ

 

حتى إذا لاحتْ بشائرُهــا

وتجمعتْ مثلَ العصــافيرِ

 

ظنّت بأنّ اللّيــلِ ينقذُها

من كلّ مرتابٍ وموتورِ

 

فإذا الصباح أعـــــدّ عِدّتَهُ

وأضَلّ بالأنوارِ موشوري

 

وأتتك بالذكرى نوارسُها

بيضاً مفوّهـــــةَ المناقيرِ

 

تحكي الحكايةَ من بدايتها

مقصودُها لاشكّ تذكيري

 

وإذا بها في البالِ ترفدهُ

رفدَ المطـارقِ للمساميرِ

 

للهِ دَرُّ الذكريــــــاتِ فقد

أوفت وخانتني تعابيري

 

وتذكرتنا وهــي سادِرَةٌ

بالغيِّ كالصَـهباءِ بالزيرِ

 

وتشاغلتْ تمحو دفاترَهــا

مِنْ ذِكرَياتي أوتصاويرِي

 

وتعلّلَتْ أن الهــــــوى جَلَلٌ

فوجِلتُ من شيبي وتوقيري

 

ضَجَّتْ بنا الأحلامُ تدْفعُنا

في عالمٍ فَــــوقَ التفاسيرِ

 

فإذاالصَبابَةُ صــاهدٌ كَذِبٌ

وإذا الغَرامُ سَرابُ مَحرورِ

 

وإذا الأماني لمْ تَزلْ غَرِداً

يقفو أخاه إلــــى النّواعيرِ

 

لابأس أنْ تَحْظَى بسانحةٍ

وتقولُ للعنْـقاءِ بيْ طيري

 

طِيري  فللذّكرَى إذا هطلتْ

في القلبِ مَنـزِلةُ الأساطيرِ

 

وإذا النّوَى جاسَتْ بمِنْجَلِها

ورأيتِ بيدرَها أسىً،طيري

 

منهُ سأخبـزَ كـلَّ أرغفتي

والنارُ تلهبُ فـــي تنانيري

 

أصطادُ في صنّارتي حُلُماً

والماءُ ممزوجٌ بكـــــافورِ

 

قد شفَّ حتى كالزجاجِ غدا

فرأيتُ أســراباً من الحورِ

 

وعلى الضفافِ سمعتُ أغنيةً

من قلبِ عاشـــــــقةٍ وسنطورِ

 

فشربتُ من كـأسٍ سُلافتُها

من كرمةٍ تغفوعلى السورِ

 

عصَرَتْ بها في كلَّ خابيةٍ

خمراً حلالاً غيرَ محظورِ

 

قد قيلَ هذا ما وُعـــدتَ بهِ

من عالمٍ في الحلمِ مسحورِ

 

فاقطفْ من العنقود ناضجَه

كيف اشتهيت بدونِ تبذيـــرِ

 

لا تهبطي حتى أرى شجراً

فيه الأماني قيـــــــدَ تأشيرِ

 

وأقولُ حُطّي فالجِنــانُ هنا

حيثُ المُنى من غيرِ تعكيرِ

 

فأنا ومذ شـــاءتْ مشيئتهُ

ما خِفتُ إلاّ من محاذيري

 

أُهدي لكفِّ الليــلِ مطرقةً

وأنامُ في جــوفِ القواريرِ

 

لاخائفٌ منــــها ولا وجلٌ

فزجاجُها نــورٌ على نورِ

 

ولجأتُ للعُشّــــاقِ أسألُهُم

من ذا يسيرُ بنا إلى الطورِ

 

مَنْ؟ كفّهُ بيضـــاء تمنحُنا

ما جاء فــي متنِ الدساتيرِ

 

قد كنتُ أعشقُ كلَّ راهبةٍ

وأحجُّ مرّاتٍ إلـــــى الديرِ

 

حتى صبأتُ ورحتُ أسألها

مانفعُ ناقــــــوسٍ وتَزنيرِ؟

 

هلاّ سَمـــعْتِ رنينُهُ بدمــي

صقراً يحومُ على الزرازيرِ

 

فأجابني صوتٌ ألا كفرَتْ

ألواحُ عشـقـكَ غيرَ معذورِ

 

وغوى القصيدُ وربّ قافيةٍ

في البالِ فيها ألفُ شحرورِ

 

وتهيأت بالجــــــفنِ دامعةٌ

وتجرأت تُفــــتي بتكفيري

 

ودُعيتُ والداعـون أسئلتي

ووليمتي حَبّي وعصفوري

 

رحلَ الذي لمْ يأتِ واستترتْ

من لمْ تكنْ يومـــا بمنظورِي

 

أغرى السراجُ هوىً فأطفأهُ

وغدى ظهيــــــــراً للدياجيرِ

 

وجلستُ أصنــعُ من فتيلتِهِ

للروحِ شمعا وهي في النيرِ

 

وسمعتها همســـــاً تُعاتبني

أوَلستَ من يسعى لتدميري

***

عبد الفتاح المطلبي

 

سميرة بنصرماذا أقــــول لعين عنك تسألني

ماذا أقول لرمش بالاسى طرفا

 

ماذا أقول لنبضي حين يطرقني

يكاد مــــن فرط ما يلقاه أن يقفا

 

كالغيظ ينشب في الاحشاء منطلقــا

كالبعد كالصّد في الاعماق إذ رجفا

 

ماذا أقول ونار الشوق في كبدي

طوقتها بيدي حتى غدت سجفـــا

 

أوما أقــــــــول لقلب سار بي خببا

حتى التقاكم بمجرى النهر فانجرفا

 

قلب تعمـــــد بالخيبات مزقـــــــــه

لأْيُ الذي جرح الشريان وانصرفا

 

لو كانيدرك ما ألقاه من وصب

لكان أول من قدلان أو عطفـــا

***

سميرة بن نصر

 

 

كريم الاسديمثنويّات ورباعيّات عربية ..

رُبَّما أورَدَنا الوجدُ ينابيعَ مياهٍ أزليهْ

فأكْتنَهْنا منطقَ الطيرِ وسرَّ الأبجديهْ

**

رُبَّما كان لنا أسمٌ وبيتْ

رُبَّما كانتْ لنا سدرةُ نبقْ

رُبَّما كان لنا في القولِ سبقْ

رُبَّما آدمُ مِن أحفادِنا جاءَ وشيتْ

**

رُبَّما لَمْ نتركِ الدنيا على رغم المماتْ

وأحلنا الموتَ ميلاداً وعرساً وحياةْ

**

رُبَّما دارتْ على فردوسِنا الخيلُ وحاطتْنا الجيوشْ

فنهضنا من جحيمِ النارِ أحياءً وروَّضْنا الوحوشْ

**

رُبَّما كانت مسنّاةُ الأصيلْ

بابَ عدْنٍ والأساطيرُ كواكبْ

رُبَّما كان لنا الحبُ مذاهبْ

أبتدأنا فيه ماكانَ حميماً وجميلْ

**

رُبَّما كانت حكاياتُ المساءْ

بابَ عدْنٍ والأساطيرُ حقائقْ

ربما كان لنا العشقُ طرائقْ

تصلُ الأرضَ بأعنانِ السماءْ

**

رُبَّما تحرسُنا أرواحُ مَن لم يرهمْ جنٌ سوانا

رُبَّما ترقبُنا ُ أحداقُ مَن لم يرَهمْ أنسٌ عدانا

**

ربما لاتنتهي أسفارُنا مادارَ نجمٌ في مدارْ

ربما أخضَّرَتْ بنا الصحراءُ وأخضلَّ على الأفقِ المدارْ

**

ربما كان السفرْ

بعضَ موتٍ، وقَدَرْ

**

ربما مرَّ قطارُ الليلِ قربَ النافذهْ

داوياً بين حضورٍ وغيابْ

راوياً بين ذهابٍ وأيابْ

ساهماً بين السهامِ النافذهْ

**

ربما كان المماتْ

زورقاً نحو الحياةْ

**

ربما مرَّ قطارٌ في قطارْ

حملَ الأفئدةَ الحرّى الى قلبِ الحبيبْ

ربما أوصلَ معلولاً الى دارِ قرارْ

فنجا المعلولُ في موتِ الطبيبْ

**

رُبَّما نستوهمُ الوهمَ ونمضي للأقاصي في اليبابْ

ونعيدُ الخصبَ للأسماءِ والأشياءِ من عقمِ الخرابْ

**

رُبَّما كان لهمِّ الليلِ ميناءٌ ومرسى

رُبَّما كانتْ ليالينا تراباً في ترابْ

رُبَّما بانَ لنا الفجرُ غديراً من سرابْ

رُبَّما نذكرُ حيناً حين ننسى

**

رُبَّما لوحَنا الدهرُ شموساً ورياحْ

واستباحتْ دمَنا العالي سيوفٌ ورماحْ

**

رُبَّما يتركُني الصحبُ وحيداً في العراءْ

رُبَّما استنمرت ضدي جموعُ الجبناءْ

**

ربما يتركني الصحبُ وحيداً في الطريقْ

بين أشباحٍ وأشباهِ عسسْ

ربما ماواحدٌ منهم همَسْ

بينما ينشبُ في البيتِ الحريقْ

**

ربما تهجرُني أغلى الحبيباتِ لأني لا أُماشي

ولأني خطِرٌ في الحب اذْ يرعدُ حبّي

ولأني أكتبُ المتنَ بقلبِ المتنِ متناً في الحواشي

ولأنَّ ( السيّدَ ) المغرورَ لا يمكنُ انْ يصبحَ في تعدادِ صحبي

 

**

ربَّما تهطلُ مِنْ جرحِ الجريحْ

غيمةٌ باهرةُ التكوينِ مِنْ خصبٍ ومِنْ عطرٍ تناغي كلَّ ريحْ

**

رُبَّما يسقطُ قزمٌ في قزيمْ

فيصيحُ الجمعُ : عملاقٌ سما

ربما أمسى أُصيحابي دمى

وخيوطُ المسرحِ السريِّ في كفِّ حقودٍ ولئيمْ

**

رُبَّما وكَّلَني النهرُ بأن أروي اذا غابَ ولا أعرفُ حدّاً في الرواءْ

ربَّما كلّفَني البدرُ بأن أصعدَ بدراً كيْ ترى الأرضُ سماءً في السماءْ

**

رُبَّما ينأى بنا عن نينوى نأيٌ وبُعدْ

رُبَّما نبزغٌ من عالمِنا السفلي من أضيق لحدْ

**

رُبَّما في (الرُبَّما) نمضي دهوراً ودهوراً .. ودهورْ

لنعيدَ المَيْتَ صدّاحاً الى الأحياءِ من دنيا القبورْ

 

***

شعر: كريم  الأسدي

.............................

ملاحظتان:

ملاحظة 1: كتبتُ هذا النص ـ ما عدا بعض المقاطع التي أضفتها لاحقاً ـ في صيف العام 2009  ونشرته جريدة النهار البيروتية في ملحقها الأدبي والثقافي في نفس العام.

المقاطع التي أضفتها لاحقاً هي أربعة مثنويات ورباعيات  ـ زمان ومكان الأِضافة في 21 . 11 . 2020، في برلين . وقد جاء موضع الأِضافة الجديدة في النص قبل المقطعين الأخيرين .

ملاحظة 2 : مثنويات ورباعيات عربية مشروع شعري طويل أعمل عليه منذ أعوام احاول من خلاله محاورة روح الشرق ومحاكاة تراثه الأدبي العريق العظيم .

سيقع المشروع  مثلما أعلنت عنه سابقاً في ألف مقطع ومقطع من المقاطع القصيرة ولكن المركزة حيث كل مقطع هو قصيدة قصيرة من فقرتين (مثنوي) أو أربع فقرات (رباعي)، تتنوع مواضيع هذا المشروع وأغراضه لتشمل ضمن ما تشمل: المكان، الزمان، الأِنسان، الحب، الصداقة، الحنين، الذكريات، الطفولة، الأنسان، الطبيعة، الكون، السلام، الحرب، الموت، الحياة، الوطن، والاغتراب .

 

 

 

صحيفة المثقفيقولُ حكيم العصر العاقل

لصبي العصر اسمع :

انتَ تناكفُ كالطفلِ

لتجلبَ أنظار الناسْ،

من حولك أجناس أجناسْ ..

والبعض يداري، ويماري

ويعبث في الماء العكر،

وأنتَ تفكرُ،

كيف يكون عليه الحال

كي تفرح في الزمن الحاضر

تمضي تلعب كي تحصد

تصفيق البعض من الناس ..!!

**

قال صغير العصر :

اني اللعب ليل نهارْ،

لا العب في الزمن الحاضر

كيف اناكف من في الماضي

وأنا ازعم اني (ربكم الأعلى)

في القرض وفي الصورة والاحكام

إمام العصر أنا،

اسحب من عاشوا في الصحراء

فوق الرمل،

واعلن، (إني من يرفع رايات

الشعر على الأمصار)،

من بعدي، لا مطر يسقط ..

لا طير يهبط ..

لا شمس من بعدي تشرق،

فدعوني وحدي،

امخر جوف الصحراء ..

كي انعم بالتحديق

وبالتصفيق ..!!

**

قال حكيم العصر : لك هذا،

خذ ما شئت،

لا احد يقتات على اوجاع الناس ..

ولكن، قل لي :  لِمَ لمْ تكتب

عن اهلك في (الأمصار).. ؟

لِمَ لمْ تسأل عن احول الدار ؟

وكيف يموت الناس بلا اكفان ..؟

وكيف يموت الناس من الإذعان ..؟

وكيف يسود الموت على الأوطان ..؟

قل لي منْ أنتْ ؟

تناكف كل الناس

لكي تحظى ببريق الأزمان ..

كأنك في وادٍ لا يعرف

من كان وما سيكون ..

العالم مطعون ..

في القلب وفي الظهر

يموت من القهر ..

وأنتَ، تحصد اصوات ..

والشارع يحصد أموات ..

والفرق كبير،

بينَ الأصوات

وبينَ الأمواتْ ..!!

***

د. جودت صالح

21/11/2020

 

زهرة الحواشيقال:

اُحْضنيني

واقْرئي همساتِ قلْبي

ودعيني ألثُم عِقْد اللْآليء

اسْتقي منْه سُلافي

وأتوه في مساربِ راحكِ ... و الْعجبْ

و إذا ما ذبتُ حرْقا

في رُضاب الشّفتيْن

و شعاع الوجْنتيْن

و تهاويْتُ رضيعًا ظامئًا

عند مرْمرِ توْأميْكِ

غانماً حبّة حلْوى

يخْثرُ منْها لعابي في دمِي

هي أشْهى منْ شهيّاتِ الرّطُبْ

فاجْذبي جسَدي المخدَّرْ

دون رفقٍ

و اجْمعي ذاك الشّتاتَ المتبقّي

منْ قوايَ

و ارسميني ماردًا قد سال دمْعي

في مفارق دفْئ دفئكِ

و اعْصُريني خمْرةً تدْفق روحا تلْتهبْ

واطْفئي حُرْقةَ شوْقي

بقليل منْ حُميُا عذْب كأسكِ

برحيقِ الوردِ منكِ

و ندى الشّهدِ المعتّق بين اعْطافكِ

ينْساب سواقٍ مثل إكسير العنبْ

و ازرعي طفْليَ ذاك في غياهبِ ليل تيهِك

- فتفارقَ روحُه اضْلعي-

ريْحانا و نورا و خيوطا منْ لهبْ

و إذا الأنْفاس منُي ارْتحلتْ

فإليْها - هِيَ - سلّميني غائبا

و انْتظري ...

فتعمّدُني كما يجبُ التعْميد

تحْت خيوطِها

تغْسلني

تمْشطني

تغْزلني

و انا اهْذي بأنُكِ قاتلتي

يا صهباء الصّهبْ

و انتظري ... انتظري

حتى تجفّفَني بِضِيا النّيازكِ والشّهُبْ

و انظري

وانتظري

حتى تنْفُخ فيَّ روحًا هادرهْ

فيَشعّ منْ عيْنيّ نورُ الثأرِ يا قاتلتي

عنْد ذلك دثّريني بجنونكِ

ذا الذي أشْتاقُهُ

فانا آخرُ العشّاق يا فاتِنَتي

دائمُ الشّوْقِ لموْتي الٌمُرْتقَبْ ...

***

الشاعرة التونسية زهرة الحواشي

من ديوان حديث الروح.

 

 

وليد العرفي لا تُحبطي مِنْ قلَّتي    في الشّعرِ لا تَسلي السَّبَبْ

وتُكررينَ ملامةً               إنّي مللْتُ مِنَ العَتَبْ

لا تعجبي منّي إذا            نفسي تملَّكها الغضبْ

ورأيت وجهي عابساً  وصرخْتُ فيك فلا عجبْ

الشّعْرُ ليسَ بطولِهِ            إنْ لبَّ بالنَّذرِ الطَّلَبْ

فلربَّما أغنى القليلُ    ...  عنِ الكثيرِ منَ الخُطَبْ

الشّعْرُ عاطفةٌ تُرى            بتدفّقٍ تجري وحُبْ

الشّعْرُ يُومِضُ برقُهُ         وبرعدِهِ مطرُ السُّحبْ

الشّعْرُ لحنُ حنينِنا        حينَ القلوبُ بها الطَّرَبْ

والشّعْرُ في إيحائِهِ                مسٌّ جنونيُّ يُهَبْ

يسَّاقطُ الإلهامُ مِنْ         وجعِ المشوقِ المُحْتَجِبْ

مِنْ فرحةِ الطّفلِ السَّجيـــــنِ بنا يتوقُ إلى الَّلعِبْ

مِنْ بحَّةِ الجُرْحِ الَّذي   في الحلقِ مجهولِ السَّبَبْ

مِنْ قيدِ مسجونٍ إلى          حُريَةٍ يهوى  الشَّغَبْ

مِنْ رشفةِ النَّحــــــــلِ الزُّهو

                        رَ رحيقهـــــا مِنْ جوفِ لُبْ

الشّعْرُ نبضةُ عاشقٍ           لمَّا المعاني تُحْتَجِبْ

فإذا القصيدةُ فضَّةٌ           فأنا سكوتي مِنْ ذَهَبْ

                      ***

د. وليد العرفي

 

جواد غلومصورة عاشقتي المعلّقة قُدّامي تقول لي:

أيها العاشق التائب الساكنُ الهانئ

إن نسيتُك بغمرة مشاغلي

فاذكرني وأنت بجذوة شوقك

وان أغضبتكَ لنزقٍ يتغلغلُ فيّ

فابتسمْ وأوقد رضاك بوجهي

وان بعدتُ لعنادٍ يعشعشُ داخلي

فَاقتربْ مني بسماحِك الواسع

وإذا نمتَ عن ضيق وامتناع

سأوقظك على قُبَلٍ حرّى تُكويكَ

وان غفوتَ على حزنٍ

أضع وسادة صحْوٍ تسند رأسك

وان باتتْ غانيتُك على عسرٍ أو جفاء

فافرشْ  مَلاءةً من رخاء قلبك لي

وان سرحتُ في سرد أشعارك

فافتح أذنيك لتسمع صبابتي

وان كنتُ مذنبةً عاقّةً

فانتزع إثمي بملقط عفوك

يا هذا المُعنّى ، قد عشتَ الحزن

مذ أنجبته أمُّه مدمّى الجسد

فهو يذيبك في مصهر النحول

يشتتُك كالموج العارم

يسكبك كالماء في أرضٍ سبخة

يسقطك كورق الخريف يابساً اجرد

يبعثرك كرمال الصحاري

كثبانا تائهة تتنقلُ هنا وهناك

أتدري أيها  النائم عسرا !؟

هو ذا سعاري

يُشعلك كحطبٍ يابسٍ

يوقدك كالجمر ، ويتركك رمادا بخساً

والحزن أيّها العاشق

يُعميك وأنت المبصر المتوقد الرؤى

ويطفئ فوانيس روحك

يسرقُ ضوءك الدافق بالسناء

يُعتمك كالليلِ البهيم

يخيفك كالأشباح المفزعة

يلاحقك كالوحوش الضارية الجائعة

يكتم أنفاسك ، يخنقك ، يسرق نسائم هوائك

يُحنيك كالأغصان الرخوة

يهدّ جدرانك المنخورة بالانتظار والترقّب

عدْ من حيثُ أحببْتَ أيها الصامت

دع الهجر يشذِّبْ نحولَك

والفراق يُبري عظمَك

وينحت روحك

خيرٌ لك أن يتلبسك جلبابُ الهوى

من أن يعفّرك الكتمان

فوعثاء السفر الى قلبي العَصِيّ اللاهب

أكثر نضارةً من تبْرِ الحرمان

عدْ لجمرك الحارق

وتصبّبْ عرَقاً

فالثلجُ لا يؤازر الحمّى

خذ مني مناسك العشق

عِشْ أوجاعه الجمّة الهائلة

ومباهجه الشحيحة النادرة

أليس أفضل من أن تكون ..

خاليَ الوفاض

عارياً من كسوتهِ الممزقة ؟

***

جواد غلوم

 

عدنان الظاهرأتوالى أنفاسا

قَفَصاً يتفصّدُ قُضبانا

زيدي رُمّانَ عقيقِ الصدرِ ضَراما

ناقوسٌ يُصغي لهديلِ يمامِ غرامِ

أغواها شيطانُ كنيسةِ أجراسِ

أنْ تقضِمَ حَبَّ مرارةِ فكِّ الأسرِ

مارستُ التحليقَ بعيداً حُرّا

تحليقَ الأُفُقِ العالي

أقفو آثارَ حَمْامِ الشوقِ الشرقي

صُبّي زيتونَ العينينِ لكي أشفى

وأُداري باقي عِلاّتي شيئاً شيئا

فيكِ المرأى والُلقيا والمنأى

وعذابي في لوحِ التكوينِ الصخري

أشتاقُ ـ بلى ـ أشتاقُ كثيرا

وأعودُ أُقلّبُ ما قالَ النجمُ الساقطُ يوما

زيتُكِ يُشفيني طِبّا

من ذبحةِ قلبِ الصدرِوجبرِ كسورِالصبِّ

يهواكِ عليلا

يهواكِ إذا ما قامَ قويّا

عيناكِ الطبُ الشافي نجما إقلاعي

في جَسَدِ الموجِ الضاربِ في جُبٍّ عُمْقا

ضيئي صبرَ البحرِ فإني أعمى يَمّا

أسعى لأُتمّمَ قُرباني نِذرا

صَمْتاً وجلوسا

الوقتُ الراهنُ أشباهُ حِدادِ

ما فاتَ كثيرٌ

وكثيرٌ ما يأتي هل يأتي زِلزالُ ؟

أحدٌ في الدنيا لا يدري

كفكفْ دمعَ الجفنِ الواقفِ حُزْناً في الصفِّ

سلّمْ مِفتاحَ أمانةِ بيتٍ آواكَ طويلا

لمْ تشهدْ حُزْناً فيهِ

أكملتَ وقاومتَ وفسّرتَ كتابَ التأويلِ

وتحمّلتَ السقفَ الواطئَ يغلي صيفا

نجماً يمرقُ في سطحٍ برّاقا

تأخُذكَ الآفاقُ لشأوِ اللاحقِ بالجوقةِ مسحوقا

مكسورَ النجمةِ والخيبةُ في أعلى رأسِ اليأسِ

هذا ما كانَ ولمْ تألفْ إلاّ هذا

فلماذا تجأرُ بالشكوى وتعلِّقُ ثأراً أعناقا ؟

خَففْ غُلواءَ عِنادِ التجديفِ الأعمى

يُغريكَ فتطفو إفراطا

البحرُ جناحُ التحليقِ لشأنٍ ثانٍ

لا يُغني لا يتسربُ أقداحا ..

رائيها محزونٌ

يَهذي سَهْوا

تسقيهِ مُرَّ البحرِ سَراباً ميْتا

وتُمنيهِ ذَهَبَ الكوثرِ والعنبرِ إبريقاً إبريقا

زيتونكِ سيّدتي زيتونُ

وشرابٌ عَسليٌّ مسقيٌّ تينا

يا مَلَكاً في نشوةِ تحضيرِ

خُضّي مَحْملَ نارِ الشوقِ لِما في العِشْقِ

بُنيانُكِ أعلى من شاهقِ بازٍ في الجوِّ

صوتُكِ يهمي موسيقى شَدْوا

حين صلاةِ الغائبِ حُبّاً فجرا

مذمومٌ من يدنو أو يُعلي صوتا. 

***

عدنان الظاهر

حزيران 2020

 

 

عبد اللطيف الصافيأَنتِ طَريقي إليكِ

وأنا خطًى متلهفةً

أَتوغَّلُ فيكِ

أَمنحُكِ أسْرارَ الْغُبارِ

الَّذي يَتْبعُني

يُتْعِبني

كُلَّما تَقَدمتِ خُطوةً في خَرائطِ الغِيابِ

هلْ يكونُ هَذا الغُبارُ وَحْياً

أَمْ رجْماً بالغَيْبِ

أَمْ نَشيدَ ذَرَّاتٍ منْ ضوْءِ السَّحابِ

يَتَناثٌرُ

فِي وَضَحِ النَّهَارِ

و فِي هَمَساتِ النَّدى في الْأَسْحارِ

فِي طَريقي إليكِ

كُلَّما أَسْرعتُ الْخُطى لَأطْويكِ

وَأَحْتويكِ

تَطْويني الدَّهْشةُ

فِي عَيْنيكِ

تَحْتويني رَعْشةُ

شَفتَتيْكِ

أَفْترِشُ ابْتسامَتَكِ

ثم أَتَوَغَّلُ عَميقاً في الطَّريقِ

إلَيْكِ

أَصْعَدُ تِلَالَ حَلْمَتيْكِ

وأَهِيمُ في دُروبِكِ الْعَطْشى

فَكيْفَ يَا تُرى

يَكونُ الطَّريقُ إِليكِ

وأَنتِ الطّريقُ

وَالْبُراقُ

وأَنتِ الْبَريقُ

و الإِحْتِراقُ

قُولِي لِي يَا حَبِيبَتي

كٌيْفَ يَكُونُ الطَّريقُ إِليكِ؟

***

عبد اللطيف الصافي/المغرب

 

 

عبير خالد يحيىأوقفوني..

على ذمّة الضمير

بتهمة تعاطي الحرف

وحيازة القصيد

ورموني في مجاهل الحكاية

مقيدة بالنقطة

فوق سطر قصير.

 

نزعوا أرديتي..

باعوها في أسواق القماش

رايات بخسة

مبرقشة

قاتمة..

وزهيّة

 

قصوا شعري..

وضعوه (باروكة)

على رأس (ميليكان) صلعاء

رقصتْ!

شُفيتْ من مرض ال(كتاتونيا)!

أضافوا إلى قائمتي

 تهمةً جديدة:

متصلة مع عوالم خفية!

 

دفنوا مراصدهم في مساماتي!

فارتسم على شاشاتهم :

-لسانيَ الأشهب،

مكوّمًا على حبة دواء حمراء

 تضخّ النبضَ

في قلبٍ أزرق!

يصبّ الماءَ في أوصالٍ

باردة..

قرمزية

 

- ضحكاتٌ صفراء

ملفلفة بغصّة سوداء

موؤودة في حنجرة..

 تزاحمُ صيحاتٍ

 جهوَرية

 

- رئةٌ تعبُّ الحياةَ قسرًا

تتقوّس موتورةً

فتزفر سحبًا رمادية

 

- أمعائي المصابة بعسر رقم

شرقتُ به منذ دهرٍ

وأنا..

أشاهدُ

نشرةَ الأخبارٍ اليومية

 

-عقلي..

هلامٌ أخضر

غرقتْ فيه علاماتُ الترقيم،

عندما عبثَ العابثون بنصّي

فأنتَن..

 

- ظهري..

مصلوبٌ على عمود علامة تعجبية

أردتْ نقطتًَها

طلقةٌ نارية

 

- عنقي..

سنبلةٌ وجِلة ..

 مسفوحةٌ بمنجلٌ استفهام

نُصّبتْ نقطتُها قربانًا

 على مذبح

المصداقية  

 

- رأسي..

تدحرجَ إلى عالمي..

 

وعالمي..

أزرقٌ

أزرق

أزرق

***

د. عبير خالد يحيي

..........................

الكاتاتونيا: مرض نفسي معناه الجمود أو التخشّب

 

ريكان ابراهيمإيّاك أنْ تختارني ظِلّاً لقامتِكَ

المديدةْ

أدري بأنَّكَ شاعرٌ لكنّما لاتنسَ أنّي

كنتُ قبلَ مجيئِكَ الدنيا

قصيدةْ

لاتتّخذْني سيفَ قبضتِكَ الشديدةْ

أدري بأنّك فارسٌ لكنّما ...

أنا قبلما ولدتْكَ أُمُّكَ كنتُ للتاريخِ

جُملْتَهُ المفيدةْ

انا لستُ عينَكَ كي أرى الدنيا كما تهوى

ولستُ نشيدَ مجدِكَ تشتهيهِ

فتستعيدَهْ

إقدح وأقدحُ كي ترى مَنْ سندبادُ البحرِ

في الجُزُرِ البعيدَةْ

أنا سيّدُ الصحراءِ، من ورَقِ الغضا ستري،

ومن عُودِ الغضا جَمْري، ومن إبِليْ

الوديعةُ والشريدةْ

**

شَيّدتُ ألفَ حضارةٍ، جُدرانها شِعْرٌ،

وسقْفُ نشيدِها الوطنيِّ إلهامي وصوتي

وقضيتٌ فَرضْاً في الصمودِ أمامَ آلامي وموتي

**

أنا لستُ صوْتَكَ أو صَداكْ

أنا لستُ وهْمَكَ أو رؤاك

أنا لستُ لكْ

بل أنتَ لي، لو أنّني أقنعتُ رَفضي

أنْ أُحِبَّكَ مرةً، يوماً وأنْ أقفو

خُطُاكْ

لي شُرفةٌ  فوق النجومِ فأينَ شُرفةُ مُعجَبيكْ؟

أنا أنجبتني النائباتُ فكيفَ

أعرفُ مُنْجبيكْ؟

***

د. ريكان ابراهيم

 

 

عطا يوسف منصورجربيني

وبعد ذاك أجيبي

صادقُ القولِ واقعُ التَجْريبِ

لـتـَقـولي:

لكُلِّ مَـنْ نـالَ مِـنّي

إنَّ طَـبـعيْ

خُـلاصةٌ مِـنْ طـيـبِ

ثُـمَّ قُـوليْ

بأنَّ حُـبِّـيَ نـهـرٌ

فهي تَـكـفيْ

عبارةٌ للـبـيـبِ

جـربـيـنـي

تَـرَيْ بـأنّـيْ فـريـدٌ

فـي حـنـيـنـي كـجَـنّـةٍ مِـنْ لـهـيـبِ

مِـنْ لـظـاهُ

ألِـمُّ شـوقـي قُـطـوفًـأ

وجـــواهُ

حَـمـلـتُـهُ وصلـيـبـي

جـربـيـنـي

فــذي سَــوانِـحُ شَــيـخٍ

مـاطِـراتٍ تَــلــونَـتْ بـالـعـجـيـبِ

كَـمْ تَـرَيـنـيْ

عـلى مَـســالِـخِ وجــديْ

لا تُـبـالـيـنَ

أيُّ طـبـعٍ غَــريـبِ

لـوعَـلِـمْـتِ

كُــفّــارةَ الـحُـبِّ وصـلٌ

وثَــوابٌ لـواصلٍ ومُـنـيـبِ

أوْ عَـلِـمْـتِ

حَــرابَـتـي هـو ظُـلـمٌ

والـتَـجَـنّـيْ

مَـعَـابَـةٌ للـمُـعـيـبِ

جَـربـيـنـيْ

فَـإنَّ روضـيْ نــديٌّ

والـقــوافـيْ عَـرائـشٌ للـحـبـيـبِ

لا تَـظُـنّـي مَـنـابـعَ الـشَـوقِ غـارتْ

وشُـمُـوسـيْ جَـوانِـحًا للـمَـغـيـبِ

إنَّ مِـثــلـيْ إذا تَــحَـرّيـتِ عـنْـهُ

قـد يــكــونُ

ولا يَــكــونُ ضَــريــبــيْ

جـرّبــيــنــي

قــصـيـدةً مِـنْ جــراحٍ

نـازِفاتٍ

تـنَـمّــرتْ لـحَـــريــبِ

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

الدنمارك / كوبنهاجن

الاحـد في 8 / تشرين الثاني / 2020

 

 

صالح الرزوقأرسل لي صديق هاجر إلى العالم الجديد (يعني بلاد العم كولومبوس. أفضل هذا الاسم على بلد العم سام) مجموعة من الكتب لم يعرف كيف يتخلص منها. وسرعان ما رتبتها على رفوف مكتبتي. ولكن وجدت بينها مخطوطة. كتاب منسوخ. قلت لنفسي: هذه ثروة هبطت  من السماء. المخطوطات الأصلية لا تقدر بثمن. ولها مزادات خاصة. الورق بهذه الحالة  مثل المعادن الثمينة.

وبدواعي الفضول فتحتها لألقي نظرة على المحتويات. كانت أول صفحة تحمل خاتم المكتبة الوقفية وتاريخ الإدخال. وكانت الأرقام غير واضحة بسبب بقعة زيت أو قطرة عرق. من يعلم. لا أستطيع التفريق بين أثر عوادي الزمن. ثم بدأت الحكاية بالشكل التالي:

- أ-

وفي الليل جاء ابن يعيش، وهو ابن أخت غير معروف لطيفور بن عيسى بن شروسان الملقب باسم أبي يزيد البسطامي. ولدى وصوله إلى أول جادة عريضة التقى بشبح واحد من العسس، فاقترب ثم ألقى التحية وسأله: هل تعرف أين يسكن أبو يزيد البسطامي؟..

لم يكن أبو يزيد بحاجة لتعريف، فهو زعيم أخوية قديمة. وإذا خرج إلى الطريق لا بد إلا وأن يسير وراءه شاب معمم يرفع بيده راية خضراء تخفق في الريح، إنها علامة تدل على الأخوية.

ألقى عليه الحارس نظرة متفحصة، ثم رد بصوت متمهل ومتقطع ومن غير تفاصيل: اتبعني......

لم تكن أصوات أو أشكال الليل يومذاك مرتفعة. وحين وصل كلاهما إلى ميدان كبير، بشكل ساحة مؤتمرات، رأى ابن يعيش أعمدة قصيرة تحمل عددا من الفوانيس، معظمها حديد بارد، لم يكن فيها نور، وفيما بينها أشباح البصاصين بأرديتهم التي ترفرف مع نسمات الهواء المنعش. وحين انعطف دليله الصامت يسارا باتجاه شارع طويل وضيق، يشبه السرداب، لم يملك ابن يعيش إلا أن يميل بالاتجاه نفسه. وأحس كأن الرجل يقوده إلى مصيبة. وسمع خطوات آدمية وراءهما. وعلم أن البصاصين في إثرهما الآن. كان الوضع مريبا كما تناهى لمسمعه. هنا لا يسير رجل وحده في الطرقات. دائما وراءه من يقص أثره. فتساءل بسره: ترى هل البلدة تقترب من انقسام آخر بين البصاصين ورجال العسس؟. ولكن حتى قبل أن ينتهي من هذه الفكرة سمع صوت دليله يقول محذرا: انتبه. أمامنا صخور وحفر كثيرة.

2014 صالح الرزوق

في زاوية الطريق لاحظ وجود عسس آخرين مدججين بالأسلحة حتى شحمات آذانهم. ألقى الدليل عليهم السلام. وردت الجماعة باحترام. وكانت أيديهم على قبضات سيوفهم. وبعد ذلك شرع الرجل بحديث هامس، وسأل ابن يعيش عن دابته. أين هي ولماذا يرتجل هذا الدرب الخطير في الليل. ثم استفسر عن سيفه. لماذا لا يحمله تحت ردائه، فالمكان محفوف بالمخاطر.

رد ابن يعيش: إن الإنسان ضعيف أمام العناية الإلهية ولو أنه مسلح. ثم إنه بحماية سلطان العارفين أبي يزيد. هز الدليل رأسه بتفهم. وانتقل لحديث مطول عن قانون جديد يمنع وضع الأجراس في أعناق الدواب كي لا تهرب الملائكة من البلدة. وكانت هذه الإجراءات غريبة على مسامع ابن يعيش فاستفسر بقوله: وهل تكره الملائكة الأجراس؟.

فقال الرجل بصوت غاضب: لست من وضع التعليمات. إذا رأيت الشيخ اسأله..

فقال ابن يعيش بسره: غالبا هي إحدى فتاوى البسطامي. مع أنه حسب علمه كان بعيدا عن شؤون الدنيا، ولا يهتم إلا بالروحانيات وضرورات العبادة، كمشكلة طواف الكسيح حول الكعبة. ثم انتبه أن أصوات خطوات البصاصين قد خمدت. لا شك أنهم تفرقوا أو عادوا إلى ثكناتهم.

ولكن لم ينتظر طويلا ليجد التفسير المناسب. بعد عدة فراسخ سمع مرافقه يقول: ها قد وصلنا إلى حرف الهاء.

كان يعلم أنها علامة على حدود مملكة البصاصين، حيث ترتفع نسبة المجازفة، إنهم يخافون بشكل خاص من  الجيم والهاء. الأولى لأنها من خصائص الجن، والأخرى لأنها إشارة من الجندية. وشاهد أمامه العلامة بصورة ثور في قارعة الطريق. وبقرونه التي تعلو رأسه يبدو كأنه هاء مربوطة. وحين اقتربا منه لاحظا جسمه المروع يضغط على القوائم المطوية تحته. ورأسه موسد على  التراب وصفحة لسانه تتدلى من بين فكيه، للتأكيد أن السر الإلهي يقف للعيون بالمرصاد.

قال ابن يعيش لرفيقه: أعتقد أن هذا هو مصدر الوباء الفتاك الذي ردع البصاصين.

تلفت الدليل حوله بحذر، ثم هز رأسه بصمت. هو الوباء إذا. ومنذ الآن سيشاهد ضحاياه من البصاصين المستهترين وغيرهم من عامة الناس. كانت جثامين من فتك بهم الوباء ملقاة على الأرض. وكان يشار إليهم باسم: زمرة من لم يقتله السيف. وطوال بقية المشوار غرق ابن يعيش في تكهنات حول مصير هذه الفترة الحالكة، ولمن ستكون الغلبة في نهاية المطاف. ولكن عندما وصل الى ساحة أخرى يتصدرها خان كبير، وقفت أمامه عشرات الخيول المسرجة، سمع صوت مرافقه يقول بتهكم: هنا من تبحث عنه. رافقتك السلامة.

- ب -

الورقة التالية نصفها أبيض. حسنا. رمادي بفعل دوران عجلة الزمن وتراكم الغبار. ثم تبدأ بعنوان (طبقات موالي الصوفية) لسيدنا يتيم. بالضبط مثل طبعات الإسراء والمعراج الحديثة، نصفها الأول لابن عباس ثم تنتقل لابن حجر. ولكن لم أعرف من هو الكاتب السابق. وبالبحث عن الثاني وجدت ترجمة له في تاريخ دمشق لابن عساكر. ومن حسن الحظ أنه تابع من حيث انتهى سلفه. وكالتالي:

وقف ابن يعيش وحده وسط الساحة الغامضة والمعتمة. وشاهد عند الخان حارسا ضخما يشبه مصارعا رومانيا. مر بالقرب منه بصمت، ثم عبر البوابة، وفي الباحة الداخلية للخان لم يعرف ما هذا؟.. أهو مكان مخصص للاستراحة أم أنه بيمارستان؟..

وكانت أمامه عدة دهاليز صفراء وصنوف من النوافذ المنخفضة والمغلقة. ورأى نساء تحملن أطفالا صغارا لهم عيون كاذبة. عيون خفافيش الليل. وكانوا جميعا يبكون ويدقون بأصابع أيديهم على صدور تلك النساء، ربما لأن الضروع يابسة. وفي زاوية أخرى شاهد جماعة مرد الوجوه يستمعون لرجل يتلو أبياتا من شعر بذيء منها:

وعذراء ترغو حين يضربها الفحل

كذا البكر تنزو حين يفتضها البعل

وخمن أنه إنما يصف الخمر أو ما شابه. ثم سمع رجلا آخر يخطب بأناس كثيرين حجبوا وجهه كما تحجب الغيوم السماء ثم يتساءل:

أنطأ الجنة يا هذا؟.

وقد رد أحدهم على الفور بقوله:

والذي نفسي بيده دحما دحما، فإذا قام عنها رجعت مطهرة بكرا.

ولم ينصت لباقي القول لأنه فر منهم إلى الزاوية المقابلة، حيث جلس شاب يأكل الثريد. حياه وقال له: أين أرى أبا يزيد يا أخي؟.

فأومأ له برأسه. تبع  الإشارة حتى أصبح في رواق هادئ ينير جدرانه فانوس صغير لسانه الملتهب يرتجف كل لحظة ويرسم على الأرض خيالا جسيما. كان يتوقع في أية لحظة أن يلمح الشاب حامل الراية الخضراء الذي يرافق البسطامي كأنه ظله. في وقت سابق سأل الشيخ عن معنى الراية. فقال له بصوت أجش وعميق: إنها نفس الراية التي سوف نحملها يوم القيامة بعد أن تخرج النفس من رداء البدن.

في هذا الرواق لاحظ أن بعض الأيقونات معلقة على الجدران. فتساءل فيما إذا كان أخطأ بتفسير إشارة الرجل صاحب الثريد. إن هذه الدار تبدو للمسيح عليه السلام. ثم بعد أن قطع مسافة أخرى قابل رجلا يتعذب على السفود، فعلم أن هذا رواق الحلاج. ولم يترك الفرصة تضيع منه فاغتنمها وناجاه قائلا: أين أرى سيدي البسطامي؟.

لم يرد المصلوب. وأنى له أن يرد. كانت روحه تغادره بشكل خيط من دخان. ولكن جاء من فراغ الرواق صوت خافت يقول بنبرة ملائكية: اجلس على الكنبة قليلا وسآخذك إليه فيما بعد..

ولأنه لم يجد كنبة امتثل بالجلوس على الأرض. وانتبه أن إلى جانبه شابا في ربيع العمر يقعد القرفصاء. كانت ملامحه تتغير كلما ترنحت شعلة الفانوس الخبيث. كان الشاب تحت تأثير تجليات تعبر عن مخاض نفسي. لكنه أخذ نظرة من ابن يعيش، نظرة مركزة، ثم قال: التأني يا أخي. لن تصل قبل أن يأتي زمانك على صهوة حصان أبيض، وتنجلي الرؤيا. لم يستطع ابن يعيش أن يخمن أي رؤيا يقصد. كان الشيخ البسطامي يحب أن يتصور أستار الكعبة، وحفلة احتراق إبليس، ثم حصار بنات الملائكة للشيطان. لا يوجد أحد يتحكم بالشياطين مثل العذراء الطاهرة. ثم أضاف الشاب وهو في مكانه على الأرض: اصبر يا أخي.. اصبر..

وانتفض قليلا. لا شك أنه في طور التحضير للرؤيا. ينتظر صوت سنابك الحصان، وهي تطرق الأرض من بعيد، ولكن هيهات. ربما لن يحصل ذلك أبدا. في تلك اللحظات عبرت أشباح آدمية الرواق. لم تكن الكتلة البشرية التي مرت تلبس نعالها لذلك شاهد الشقوق الدامية في الأقدام وقد تركت بصمات حمراء ووردية تحت شعار الحلاج على السفود. لقد جاؤوا بلا ريب من درب الإيمان المحفوف بالصعاب والمحن. وكان نسناس صغير يمشي خلف الجماعة بهدوء وتهذيب. ولاحظ كيف ينسحب ذيله من ورائه على أرض الدهليز، كأنه يجر فضل ردائه. ثم استيقظ الشاب من محاولته لبلوغ الرؤيا، وبدأ يجادل نفسه قائلا: ولماذا يجب أن أتيمم صعيدا طيبا. وفي وادي الجنة عسل وأنهار من زعفران؟.

وعلم ابن يعيش أن الرجل يستشير ملائكته. ثم رأى حبات من العرق وهي تنحدر من جبينه. وحين عمد ابن يعيش إلى النهوض بعد أن نفد صبره تمسك الشاب بردن ثوبه وقال له: أستحلفك بالعزيز الجبار أن تصبر. البلوغ وشيك..

وردد الكلمة الأخيرة عدة مرات. كان يهمس بها كأنه يقترب من حدود زمنه. أو أن الصورة التي في الذهن على وشك أن تنبلج. فهو يستعد لحمل العصا وخياطة الرقعة في ثيابه وتعليق الركوة حتى تتدلى من رقبته مثل جرس في عنق دابة تسعى. ورغما عن أنفه ودون تقدير للعواقب امتثل لتوسلاته. ثم بعد فترة قارب أن يغفو لو لا أن كيروسين الفانوس انتهى وخيم ظلام دامس. وهنا اتسعت رقعة الشك في قلب ابن يعيش فتساءل: هل مولاي هنا حقا؟.

وينتهي هذا الجزء من السيرة بعبارة (تم بعونه تعالى). ولكن السؤال يبقى من غير إجابة: ما حظ ابن يعيش في لقاء خاله والالتحاق به؟..

- ج -

لم تشف المخطوطة غليلي. كانت المعايب كثيرة. خذ مثلا البسطامي. نحن نعلم أنه مات سنة 261 هـ، ولكن لم تشتهر سمعة الحلاج إلا بعد 290 هــ. فمن أين أتى الرواق المسى باسمه؟؟. القفز من فوق ثلاثة عقود يحتاج لمعجزة. ولأجد تفسيرا يقبله البشر لم يكن أمامي غير دار الكتب. ارتديت معطفي، ولم أضع ربطة العنق، فهي آخر شيء يمكن أن أعتاد عليه. لا أحبها. أتصورها حبل مشنقة. كانت الصالة خامدة. باستثناء تيار هواء يأتي من مروحة تئن وهي تدور دورات لامتناهية وعبثية. ثم وجدت مخطوطة بعنوان (تأليف الأليف في حياة وممات ابن يعيش). وهي مجموعة أوراق. ليست أصلية بل صورة فوتوكوبي. محفوظة في إضبارة من ورق البولي إيتلين أو السيلوفان السميك، ولناسخ اسمه نوفرة. وكنت أعلم أنه من القرن الثاني عشر، يهذب المدونات الجاهزة، بمعنى أنه يرتب الأحداث حسب التسلسل أو حسب الموضوع. ويمكن أن تقول هو يبوب ما لديه. حملت رزمة الأوراق وانتقيت طاولة نائية. وبدأت أقلب فيها.

بعد (بسم الله الرحمن الرحيم - رب يسر)، بدأ المؤلف مع رحلة ابن يعيش وما فيها من رموز. واعتبر أنها معراج المشتاق من مقام أدنى لمقام أعلى. ثم اضطرب خطه وهو يصف الرواق وابن منصور (اسم الشاب)، ثم انتقل إلى جماعة من السابلة تعدو بسرعة وفي مقدمتهم رجل قصير القامة يستجير بصوت مرتفع قائلا: الغوث.. الغوث..

وهنا (حسب كلام نوفرة) نهض ابن يعيش ليرى ماذا يجري، وتبع هذه القافلة الصغيرة، ثم انتبه أنه عاد إلى الباحة الخارجية، نفس النقطة التي دخل منها. وكانت هناك مناوشات بين فريقين. وشاهد بعض السيوف التي تقطر بالدم. ثم التقى برهط يفرزون الأموات. لم يستطع أن يعرف ما هو المعيار. ولكن لاحظ أن لجميع الجثث نسخة واحدة من القسمات. فهي إما على شاكلة يهوذا الإسخريوطي أو لها فوق وجوهها عيون تشبه أوراق زهرة باسمة. وقف في وسط العتمة والبرد محتارا حتى مرت فرقة من الغوغاء فقرر أن يتبعهم. وكانوا جميعا بلا أسلحة وتغلب عليهم صفة الحياد. وبينما كان يسير بينهم سمع أن جيوش ابن أبيه، خاقان الربع الخالي وصلت إلى ضفة النهر. ولأنه لم يطلع على سير الأحداث لم يفهم أهمية هذا النبأ. ولكن لفت انتباهه أن رائحة كراث قوية ومنفرة تأتي منهم. وردد أحدهم وهو رجل له جدائل شعر بيض عبارات بالفارسية أو الرومية، فظن أنه شعوبي. ورد عليه الآخرون بعبارات فيها أسماء مدن مشهورة منها سجستان وخراسان وسوى ذلك...

 ولدى وصولهم إلى فناء آخر تحيط به سلسلة من الأشجار التي تأتي منها روائح غبار الطلع انتبهوا لوجوده بينهم. فتمهلوا قليلا وشرعوا يتبادلون النظرات. واعتقد أنهم يسألون: مع من هو، ومن كفيله..

(ثم تجد في المخطوطة سطورا غير واضحة، وبينها أخطاء نسخية تسيء إلى المعنى، وتقدر بحوالي سبعة سطور. بعد ذلك يأخذ السرد اتجاها مغايرا).

- د -

على مشارف ميدان الليسية شاهد حادث مرور مروع. عربة جياد مقلوبة جراء الاصطدام بهودج. وقد جاءت عربات الإسعاف التي تحمل بيارق مخططة لنقل المصابين. قال له رفيقه: هذا هو شأن المدينة منذ شهور بعد قرار ابن أبيه بالانفصال. ولم يتابع. ترك لفطنة ابن يعيش أن يتكهن بالباقي. لم يفت الحادث في عضد الرجلين، وتابعا حتى ميدان الديمومية، وكانا طوال الطريق يغذان المسير إلى النهر. في أول نقطة من الميدان توجد شجرة نخيل، وفي بعض أنحائه رجال اندثرت معالم وجوههم، وصارت أشبه بدنانير ممسوحة لا نقوش عليها. وعكف بعضهم على تكفين أمواتهم، وفي نفس الوقت لم يكف آخرون، لهم أحجام غريبة، عن إنشاد الترانيم والصلوات. لم يفهم ابن يعيش سرهم.. ترى ما هذه اللغة، ومع من يتواصلون. ولكن لم تسنح الفرصة للاستفسار. لقد كانوا يكفنون الموتى بسرعة ثم يدحرجونهم على الأرض بطريقة براميل الزيت أو براميل ثلج الصين. وتوجب عليه هنا أن يتفادى النظر المباشر في عيونهم. لقد سمع بالنصيحة حتى قبل أن يدخل من مشارف المدينة. هنا كل شيء مباح ما عدا تلاقي الأنظار. فهي إشارة للبصاصين فقط. وفي نهاية الميدان لاحظ وجود نار وقدور فارغة مع ثلاثة أو أربعة خيول بسروجها. وفي أعقاب ذلك بمقدار ربع فرسخ امتد درب رفيع وغامض. ويلفه الدخان الذي يأتي من بساتين تحترق. قال له الشيخ بغرض التوضيح: هذا هو درب الغائب. ومنه يبدأ درب العارفين.

ومن حسن حظه استطاع أن يتلمس وجود بقايا سور قديم، سور أصفر، لا تعرف ماذا وراءه.. القفار أم العمران. أرض شجر الصوف أم وادي السلام. كانت هنا شتى الاحتمالات واردة، لذلك استند على السور قليلا، والتقط أنفاسه. وشرع يفكر. متى يصل إلى أبي يزيد.. يفضل قبل طلوع النهار، لأن هذه المتاهة من الطرقات والمفاجآت قد تكشف أسراره، لو أشرقت الشمس، وربما تكتب عليه الضياع....

- هـ-

في درب الحيات خرج على ابن يعيش ورفيقه قاطع طريق وأخبرهما بلهجة ودية ورقيقة: أن الثغرة التي تقود للنهر مسدودة. ثم التفت إلى الشيخ وقال: ألا تلاحظ كيف المراكب تشتعل الآن على الضفة هناك. ألا تشم رائحة الدخان.

وقبل أن يتأكد ابن يعيش مما يحصل سمع صهيل جياد أصيلة تقترب. كانت بالعدد ثلاثة. وركابها مدججون بالسلاح.. خناجر قصيرة مع جعب سهام، وقد مروا من أمامهم دون تحية.

سأل الشيخ: ومن هؤلاء..

فقال قاطع الطريق: إثنان من حرس الحدود الداخلية والباقي ساعي البريد.

كان الجند قد رفعوا الحواجز بين الأحياء والمناطق. وأصبح التنقل يحتاج أحيانا لإذن مرور كأنك تعبر بين الأمصار. ثم عاد قاطع الطريق لسابق حديثه ونصحنا بعدم الاقتراب. بسبب الاشتباكات والاحتفال بجلوس السلطان على العرش.

وبالفعل كانت أبراج القصر تتلألأ بانكسار ألسنة اللهب، ورأى ابن يعيش الحراس واقفين وشاكي السلاح. وكانت الألعاب النارية تشق طريقها حتى عنان الفضاء. وسمع قاطع الطريق يضيف بصوت حنون: عما قليل سوف يعبر مشاة ابن أبيه إلى دار الحكومة.

واستكمل ابن يعيش المعنى في ذهنه: سيستفيدون من ظروف الاحتفال والظلام المخيم، وربما يلقون القبض على بايزيد. وهكذا لا يبقى أمامهم غير الحصن الأخير.

ثم هبت من الضفة المعاكسة نسمة هواء حارة، وسمع الشيخ يودع قاطع الطريق ويدعو له بالتوفيق. ماذا يدعو قاطع الطريق للتعاطف مع المنشقين. ربما هو الاتفاق ضد القانون. كان الظلم الفادح وجباية المكوس بلا عدالة وراء أول شرارة للفتنة.

وبعد أن اختفى اللص بين سحب الدخان الذي لف الأرجاء، قرر ابن يعيش أن لا يواصل هذا الإسراء الليلي. لقد كانت توجد بعد كل خطوة مصيبة، وفي كل منعرج تترصده المكائد. وعزم أن يختار مكانا مناسبا ليكتب لأبي يزيد رسالة مفصلة. ثم ينتظر أوبة ساعي البريد وحرس الحدود ويسلمها لهم باليد. وعلى الفور ودع بدوره الشيخ، ثم نشر القرطاس، وشرع يبحث في جيوبه عن يراع مسنون....

***

صالح الرزوق

......................

* الفصل الأول من قصة طويلة بهذا العنوان. صدرت بمجموعة عام 2011. واستولى  المسلحون على النسخ عند  أبواب حلب. ولاحقا وصلتني من المطبعة 23 نسخة فقط.

 

 

عدنان البلداوييتَهادى المساءُ والليلُ  يَسْري

وعُيونُ السُـهادِ  فيـها ضِرامُ

 

كلُّ شوْقٍ أسراره إنْ تَوارَت،

مُـقْـلَةُ العـيـنِ كَشْـفُـها لايَـنـامُ

 

رِفْـقَـةُ الحُــبِّ للتعَـفـفِ تَـبني

صَرْحَ عِـزٍ يطِيبُ فيـه المـقامُ

 

هاجِسُ العِشقِ في غياب التأنّي

تــتـولـى مــزاجَـه  الأوْهــــامُ

 

وإذا الوَصْلُ طيَّــبَـتْهُ  النـّوايـا

يـتـسامى فيــه الصَّفـا والوِئـامُ

 

أيّ ذِكـرى يَـطيـبُ فيـها خيالٌ

تُوقِظُ  الحَرْفَ ، والسُرورُ يُقامُ

 

طالما الوَجْـدُ فـي ثناياه عَصْفٌ

يـَتـَحـاشـى ضَجِـيجَـه ُالإيــلامُ

 

نـظْرَةُ  المُـسْـتَهامِ فيـها  كــلامٌ

فيــه سِـرٌّ أدْرى بـه المُـسْـتهامُ

 

كلُّ مَن خاضَ في التجارِب يبغي

حُـسْـنَ مَسْراه ، يستجيبُ المَرامُ

 

حافِـزُ الإرتـقـاءِ صَوْبَ الثُـريـا:

ثـِقةُ النفسِ فـي خُطىً لاتُـضامُ

 

ومع العَـزْمِ فـي المَسِير نَـشيـدٌ

للعَـوالـي يـَحْـلو  بــه  الإقـدامُ

 

إنّ مَــن يحْـسُـدُ الـنـقاءَ بِـضُـرٍّ

قـائـمٌ فــي سـلوكـه الإنـفـصامُ

 

يَـتَـبارى الحُسّـادُ فــي كــل نادٍ

أيــنـما حـلَّوا فـتـنةٌ واضطرامُ

 

آفَــةُ المَـجْـدِ غـَـفْـلـةٌ وارتِـخـاءٌ

وضـياعٌ   ونَــزوَةٌ   وحَــــرامُ

 

إنّ نَهْجَاً نــــحوَ العُـلا والمعالي

أمنياتٌ  يسْـعـــى  اليـها الهُـمامُ

***

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

 

 

خالد الحليبابان

في غابةِ أيامي  بابانْ

لا ينفتحانْ

لم أتعوّدْ أنْ أكسِرَ  باباَ

أتخيلُ أحياناً

أنّ الأولَ يُفضي لأراضٍ تقطُنُها

أقوامٌ نجهلُها

والآخرَ يُفضي

لمجاهلِ غاباتٍ لا ينجو من يدخُلُها

أتخيّلُ ما يُرعبني

أتركُ  خلفي البابينِ وأعدو

هلْ تسدلُ جُمجُمتي

أستاراً تُبعدُ أخيلتي

عن ذاكرتي؟

**

شُبّاكان

في غابة أيّامكِ لا يوجَدُ بابانْ

بل يُوجَدُ شبّاكانْ

لا ينغلقانْ

حين تنامينَ أظلُ خفيراً قربهما

لكنّكِ قبلَ قليلٍ،

أغلقتِ طريقي

أطفأتِ شموعي

فاظْلَمّ الدربُ، وظلَّ الشّباكانْ

لا ينغلقانْ

من يحرسهما مثلي بعد الآنْ؟

***

شعر: خالد الحلّي

ملبورن

 

 

صحيفة المثقفلو قيلَ لي أمامكَ خياران.. لأخترتُ الثالث !!

عَسايَ أُرتِّبَ النسيانَ.. وأتعلّم من دروس عَثَراتي !

أُوَضِّبَ أحلامي بصورةٍ مُغايرة..

وأَنتقي بدايةً أخرى لولادتي، كيفما أُشتهي أنا..

لا بطلاً، لا قُرباناً، ولا ديكاً عاطلاً يبحثُ عن كَومَةِ قُمامةٍ يَعتليها..!

فقَدْ أَقوى في ليلِ البردِ على البرد...

.......................

يَصفَعُني صوتٌ كأنه آتٍ من بئرٍ جفَّ ماؤه،

+ هيهــــــات !! إنكَ تطلبُ المستحيل.. قد فاتَ الأوان !

* مَنْ أنتَ أيُّها الرمادي؟ !

وماذا تُريدُ منّي؟!

أتهزأُ مِنّي تُقلِّدُني كالسَعدانْ..؟!

أرفَعُ يُمنايَ، ترفعُ يُسراكَ..

أجلِسُ، تَجلسْ.. أكتبُ، تُديرُ ظهرَكَ !

أحقّاً أنتَ أنا؟!

متى إلتقينا، ومتى إفترقنا؟

هلْ وجدتَ نفسَكَ حينَ عُدتَ ناقصاً مِنّي؟!

+.. أَمَا تَدري؟! كلُّ شيءٍ تغيَّر، حتى الديارُ، لم تَعُدْ تلكَ الديارْ..!

لا شيءَ يحدثُ اليومَ، لا أَحَدَ يسأل عن الغد.. !

.........................

* لمْ أَنسَ، يا أنتَ، كيف نَزَلنا مع الهابطينَ من المراكب،

مُتعبينَ من رُعافِ بحرٍ مُجَعّد السقف،

نستنشِقُ هواءً بارداً، غيرَ مُمَلَّحٍ قادماً كَهفِ الليلِ..

تَمزَّقتِ اللحظةُ.. فتناثرَ جسَدُ الوقت،

سكونٌ مُخيفٌ.. في الأُذنِ طنين،

وقتَها كانَ الله يُعلِنُ، عبر المذياع، عجزَه عن وقفِ المذبحة،

إذْ تكاثرَ القَتَلَةُ والقتلى سواءً بسواء..

تَسمّرتُ.. لا أنظرُ إلى شيءٍ مُحدَّد..

ما كنتُ أُريدُ شيئاً، ولا أقدرُ على إدارةِ نفسي..

لا وقتَ للوقت.. لَمْ أعرف كيف أُنظِّمُ زُحامَ الوجومِ والحيرة..!

لَمْ أُفكِّر بتأطير اليومِ المولودِ من نَشيجٍ، ولا حتى بحصتي منه كي أوقفه على قدمين..

لَمْ أسمعْ في الراديو أنّي مَيّت، مَعنى ذلكَ أَنّي حيٌّ.. فنِمتُ بعد أَنْ

زَجَرتُ قلبي حينَ حاولَ أنْ يَنُطَ من بينِ جوانحي..

من دون إفاضة في التأويل والمجاز، لا شيءَ سوى سماء صامتة !

لا أَحَدْ.....

لا أَحَدَ يحمل الوردَ في إنتظارنا،

لا أحدَ يسألُ عن أخبارنا..كأنَّ ذاكرتَهم قد تَكسَّرَتْ..

عُدنا مُهشَّمينَ، حُبالى بـ"تجارِب ورؤىً"... !

لَمْ نَفقَه كيفَ يولَدُ الغُفَاةُ من خَرابٍ.. وكيفَ إلى خَرابٍ يعودون؟!

.........................

مَنسيونَ، منسيونَ..

لم يتعرّفْ علينا أحدٌ ..

نُسامحهم ونجترُّ أناشيدَ طفولتنا،

إذْ لَمْ يبقَ من اللغةِ غيرَ دمعةٍ ساخنة على جُرحٍ في الهويَّةِ،

من كمائن ماضٍ عتيقٍ صَيَّروه " جديداً "!

..........................

أنا العائدُ، فمنْ تكون أنتَ؟!

أنا العائدُ.. أمشي كأني غيري..

خَرَجتُ من " أنايَ " إلى سوايَ، ومن رؤايَ إلى خُطايَ..

حينَ نقَّرَ الطيرُ الحاءَ من اسمي..

غَدَوتُ غيري.. مثل آلهةٍ ثَكلى، فُجِعَتْ بعِبادِها !

........................

تأخّرَ قطارُ الأحلام، لم أعدْ أملكُ غيرَ بَحّة الذكرى،

ثروةٌ من الخسارات وآمالٍ سَئمَتْ إنتظارَ تَشَيّؤهِا،

رُحتُ أنامُ مثلَ ذئبٍ.. عينٌ مُغمضةٌ تَحرُسُ أحلامي،

وأُخرى شاخصةٌ تُجابِه مِخرَزَ الراهن !

صِرتُ مُكتظّاً بي...

أسفَحُ أوهاماً تدفاُتُ بها في خُطايَ، أوصلتني إلى ما كنتُ أتحاشاه !

تناسَلتْ أسئلتي،

رُحتُ أَتأَبطُها وأُهاجر..

.. من أقصاه إلى أقصاه، عَبَرتُ خرائطَ الكابوسِ دونَ بوصَلَة أو عُدَّةٍ.. إلاّ الحنين،

أصرخُ : مَنْ يُطفىءُ ناراً في آخر المسافة تَشرئبُّ للوقيعةِ بالجميع؟!!

ما رَدَّ أَحدٌ غير جَلجَلَةِ الصدى...

مُتعدِّدٌ في أَنايَ، أَتوَحَّدُ في الليل،

أمشي مُحتَرزًا..

أنا ذاكرةُ الدروبِ، تَطرُقُ بابَ المستحيلْ !

 

 

+ لا بأس عليك ! مَنْ يستولدُ أسئلةً جادّةً سيحيا، ويتحرّرُ من عبادةِ الأمس !

فإنْ أردتَ الوصولَ إلى نَفْسِكَ الجموحَ، لا تسلُك الطُرُقَ الواضحةَ والمعبَّدَة !

* كلا.. ! كلا.. ! لمْ تكن تلك غايتي..

ما إنفكّتْ أسئلتي الأولى تَتَذكّرني :

مَنْ خَلَقَ الله؟! مَنْ شَقَّ القَمَرَ فوقَ بلادي الشقيّة؟!

+ لماذا كَبرتَ، يا أنتَ، بسرعة؟!

كنتَ ستَحيا أطولَ لو شَبِعتَ طفولةً..

عُمرُكَ أحلامٌ لم تَتَفَتَّحْ، مثل عاشقةٍ تنتظرُ اللاشيء،

غدٌ لا يكِفُّ عن الإعتذار : " نسيتُكَ، فلا تنتظرني "،

وأمسٌ يقولُ : " إنتظرتكَ، لكنكَ تأخّرتَ، فمعذرةً " !!

* إستعجلتُ كي أبلُغَ الحكمةَ وأهتدي إلى سرِّ الكون..

لكن ما نَفعُ الحكمةِ من دونِ فتُوَّة؟؟

كَبرنا، يا هذا.. وكذا السورُ المُدافع عن خسارتنا..

رائحةُ البخور،

القرفة،

الحرمَلْ..

كلُّها تقولُ أَنّا ما زِلنا هناكَ / هنا مهما إنفَصَلَ الزمانُ عن المكان !

وأنا طريدٌ مرتين !!

لديَّ كفاية من الماضي، وينقُصُني غدٌ..

+ غَدٌ..؟! سيصبحُ ماضياً..!!

يُقهقهُ فيه الفَرَجُ داعراً على أدراج " القَدَرْ "..

مثل سحابٍ عاقِرٍ.. إنقَطعَ نَسْلُه، فضَيَّعَ " خَراجَه "!

* لمْ يبقَ لي ما يكفي لإنتظاره.. عَلَّه يَملُّ من لعبته الدميمة معنا..

فيتصالحُ، في الأقلِّ، مع مَنْ يأتي بعدَنا.. !!

........................

حينَ أسترجِعُ أنفاسَ ذاكرتي أجدني إبنُ أُمي وأبي.. لكنني كذلك إبنُ نفسي..

إبن خياراتي مُذ حمَلتُ صليبي وشَجَجْتُ وجه البهجَةِ المُزيَّفةِ !

لمْ أكنْ ولداً سعيداً كي أقولَ : الأمسُ أَحلى !

لَبِستُ " طاقيَّةَ " العيشِ دون إرادةٍ منّي !

وما زلتُ أحيا، ليس بسببٍ منْ حذاقتي أو فِطنَتي ! بل لأنَّ الموتَ أخطأني غير مرة..

فغدوتُ قادراً على التذكُّر والتحرُّر..

مُكتظّاً بي، أَخُطُّ وصيَّتي تَقَطَّرُ مداداً قبل طلوعِ الفجر..

أُرخي رأسي بحُضنِ مُغنية، تهمسُ في العراء :

[ عينو مَلاني نومْ، عينو..

ياريت الصُبِحْ لا شَقْشَقْ ولا بانْ..

يا خيط الصبح، يا مفَرِّق الخِــــــــــــــــــــــلاّن...]

+ قلبُكَ يؤلمني، إرحمني.. أَرِحْني من خَفقانك !

أكتُبْ..! فلا شيءَ يدلُّ عليكَ غير حروفك !

إبحثْ عن حاضركَ في غناءِ عندليب، في سمفونية بتهوفن العاشرة الناقصة !!

* ليسَ للكلماتِ من منفى ! صرتُ أفيضُ عن حاجةِ المفردة،

فأنا لستُ منّي إنْ أتيتُ ولم أصلْ..

إنْ نَطَقتُ ولمْ أَقُلْ !

لمْ أُولَد لأعرفَ أنني سأموت..

أنا مَنْ يُحدِّثُ نفسه ويوقظُ الذكرى..

أَأنتَ أنا؟! أو ثالثٌ ينُطُّ بينَنا : " لا تَنسيَاني ".. !

.........................

مَنْ أَنا يا أَنتَ؟ جسَدي ورائي أمْ أَمامك؟!

تسرَّبَ النَثيثُ إلى جفافِ الروحِ، فَتفَتّحَ الخيالُ على طفولته،

" كأنَّ الأرضَ ما زالت تُرتِّبُ نفسَها للقاءِ آدمَ نازلاً للطابقِ الأرضيِّ من فردوسه "!

أَتُرانا سنكرِّرُ خطيئته من جديد؟!

قُلتُ : إتكأتُ.. قاطَعَني :

+ أنا كنتُ معكَ أيضاً، لماذا تتجاهلني؟!

* حسناً قُلتُ !

: إتكأتُ، وإياكَ، على سرابِ الغياب،

وعُدنا نَسيرُ بين باعةِ الذكرى، كأننا قطعاً أَثريّة،

أقولُ لنفسي لولا السراب لَمَا عُدتُ..

لا أنظرُ للظلِّ، كي لا أرى أحداً يحمل إسمي ويتبَعني !

فالجيادُ العائدةُ من الحرب تَجنحُ نحو أقرب حانة كي تُضَمِّدَ صهيلَها !!

نُطفأُ القنديلَ مثل عاشقةٍ مطمئنة.. ونغوصُ في سُرَّةِ الليلِ، فوقَ وساداتٍ محشُوةً بالجمر..

لأنّ الكوابيسَ ذئابٌ بعواءٍ مُتقَطِّعٍ، مثل ظلالٍ تائهةٍ تبحثُ عن أجسادِها..

أَبتَهِلُ لليلٍ شَعشَعَتْ فيه النجومُ، كي يمنحني شجاعةَ الخوِضِ في بحورِ المُستَتِر !

.......................

إذا كانَ الصبحُ للفطورِ والقراءة،

والعصرُ للبريدِ والقهوة،

والمساءُ للأوجاع،

وللتعبِ اليومي كلّ الوقت..

متى يبدأُ نهاري إذاً؟!

ومتى تأتي المُفردات كالصبايا، مُحمّلاتٍ بأقحوان المعاني وإلتباسِ الكلام..؟

مريبةٌ هي إحتمالاتُ الوضوحِ..!

أَتُراني وصِيّ الليل؟!

+ أُوه ! أنتَ تَتَطلَّبُ من الليلِ كثيراً.. أتُريده سكرتيراً لهواجِسِكَ، يوضِّبُ أَفكارَك؟!

هَجَعَ الكونُ والمنزلُ من حولكَ..

إنتهزْ الوقتَ، إصنعْ ليلكَ أنت..

لا طقطقةَ صحونٍ وأكوابٍ في المطبخ،

الحنفيَّةُ والمواسيرُ إمتثلَتْ للصمت..

صُغْ ليلكَ بنفسِك !

كأسٌ و " باخ " يسيلُ شَجَناً.. إنصبْ فِخاخَكَ،

فقد تخطف شُهُبُ الكلمات حُبلى بنشيدِ السراب..!

* صحيحٌ ! أَجمَلُ ما في الليلِ هدوءٌ، أنيسةٌ لا تُثرثِرُ،

كأسٌ وموسيقى خافتة تَتَلصّصُ السَمعَ..

فتروحُ تَلتقِطُ فيروزَ المعاني وجَرَسَ المفرداتِ، من الجمرِ، كحبّات البلّوط..

+ هلْ يُصلِحُ النَثرُ والشِعرُ ما أَفسَدَه الدهرُ والأَغرابُ فينا؟؟!!

*.........................

أَعرِفُ أَنّنا محاصرونَ..

لمْ نستطعْ فَكَّ الحصار، لكننا لمْ نُسَلِّمَ مفتاحَ البستانَ لنَنَجو !!

فلا نَزالُ نُدافِعُ عن المِلحِ في خُبزِنا، ونغسِلُ الضَوءَ من غُبارِ " الشَطَطِ !"

ما زِلنا نُحِبُّ الأرضَ، حيثُ " أَنانا " وُلِدتْ لـتَحمينا من رياحِ الفَلاةِ وخيلِ الغُزاة..

تَحرُسُ رَجعَ الصدى.. وتُداوي الهواءَ المريضَ..

............................

تِلكَ هي المرآةُ ! إِدخُلْها يا أنتَ، لأخرُجَ منها..

فأنا أَنا، وهلْ أَنتَ أنتْ؟

.. أنا من بلادٍ أنجَبَتْني لتصرعني، فمِنْ أينَ أَنتَ؟!

.............................

+ إنْ قُلتَ أَنَّكَ أَخطأتَ أو لمْ تَقُلْ...

لنْ يسمع الموتى إعتذارَكَ.. لن يَقرأوا رسائلكَ أو نصوصَك..

لنْ يرجِعوا ليتعرَّفوا على ما صنعتَ، وما لمْ...

* أيُّها الرماديُّ العنيدُ،أنظرْ إلى نَفسِكَ في المرآةِ؟

ماذا تَرى فيها؟

+ أرى أنّنَا كُنّا مَعاً، وعلى حِدَةٍ، نَستَحِثُّ غداً غامضاً..

نَستَحلِبُ الضَباب..

نُرَتِّقُ الحاضِرَ بمجازٍ، خارِجَ الجَمعِ "المُرَوَّضِ" !

حاضِرٌ، سيمضي زمنٌ ليغدو ماضياً مثلنا..

.......................

كالحديدِ قدْ يصدأُ القلبُ .. فلا يَئِنُّ ولا يَحِنُّ..

ولا يُجَنُّ كالأرضِ بمطرِ الربيع..

لكن، قُلْ لي صِدقاً، هلْ تَنْدَمُ الشمسُ على ما أَيبَسَتْه..؟!

حذاءٌ يبحثُ عن قَدَمٍ..

أقدامٌ تبحثُ عن طريقْ..

..كلُّ الطُرُقاتِ نحو شَفيرْ،

تُلَملِمُ الخُطى نحو هاويةٍ أُخرى،

على حافّةِ سريرْ...!!

.........................

 

* عاليةٌ.. عاليةٌ شمسُنا،

ونخيلُنا يُمشِّطُ جدائل الريح،

بحقِّ الشيطان، قُلْ لي مَنْ أنتَ أيُّها الرمادي؟!

لماذا تشيحُ بوجهكَ عنّي؟!

.........................

.........................

+ أَنا آخَرُكَ، لا غير... !!

***

يحيى علوان

 

 

قصي الشيخ عسكرالنشيد الرابع عشر

لابدّ أن أبحث عن حب جديد

عن أخرى أكتب عنها شعرا

أستطيع أن أنشره

فيصبح لي ديوانان: واحد مخفي وآخر منشور

مثل مدينتي التنومة تماما. 

أمّ عدي:

مرّت السنتان اللتان كدت أهلك فيهما بسلام.

أموت :من الرعب

الشبهة .. الخوف.. الحرب .. أم الخيال.

كانت أمي تلاحظ شرودي باهتمام. تعرف السبب وتتجاهل. أحيانا يدفعها حنانها لمواجهتي. تقول يا ولدي احمد الله على أنه خلصك منها. بنت من غير ديننا. واحمد الله أنك لم تغوها كي تهرب معك وإلا كنّا نواجه مصيبة تعجز العشائر عن حلّها،وفي هذه الأثناء كانت هناك زيارات بين والدتي وجارتنا أم خيرية. أحيانا كانت الجارة تصحب ابنتها التي تخرجت،فأصبحت معلمة في إحدى مدارس الفاو. ذات يوم بعد مغادرة أم خيرية وابنتهاخاطبت أمي أختي والكلام بلا شكّ يعنيني:

خيرية أخلاق وجمال. حسن وطول فارع مثل النخلة. يا بخت الذي تكون من نصيبه.

فقالت أختي بلمز:

والله أسألي كل ذي لب أن كان هناك بعد عقل لدى الآخرين.

وردّ أخي المتدين:

عائلة محترمة شرف وأخلاق لا عيب فيهم سوى أن عمها بعثي!

فقالت أمي:

أووه كنت أظنك وجدت شيئا معيبا!

فأكد أخي:

أجلّكم الله يقولون عنه عضو!

فزجرته أختي بنكتة:

في هذا الزمن سبحان من لم يجامل أو يصبح بعثيا!

فقال ممازحا أيضا:

يا الله ماشي الحال على الأقل أكثر نظافة ممن لا يختن!

 غير أني مع ذلك لم أحبذ الفكرة. لم أجد أي نقص في خيرية. شابة متعلمة. أصيلة،لكني وإن لم أشف تماما من مرض قديم،فأنا أحب أن أختبر الأشياء بنفسي لا أن يجلبها لي الآخرون. ناهدة. مازلت تعيش معي،ولا بدّ من أن أختار. وليس من باب المصادفة أن أفقد ناهدة،كما إنه ليس مصادفة أن تكون أمي راغبة في فتاة تعرفها.

إنّه القدر ثانية عاد ليقضي بأن يعوضني.

ينتشلني من شرودي،ومعاناة عامين.

وقد رسمت الأقدار ملامح المستقبل للعاشق حين أصبح معاونا بيطريا في مركز بيطرة الفاو. أحتلّ الرتبة الثانية في سلّم الوظيفة بعد الطبيب. م

ازالت مرتبتي هي الثانية مثل اسمي.

ساعات سعيدة عشتها مع الأبقار والخراف،والدجاج والبطّ،والأرانب. نقاء أنساني .. ناهدة وسنوات الحبّ الملتهبة والفراغ وحياة العسكرية التي لا تطاق. عرفت أن لبعض الحيوانات أسماء وللخرفان. الفلاحون اعتزوا ببقراتهم وعجولهم. هذا الحب ورثوه من أجدادهم وآبائهم،فسجّل بعضهم عجلا له في سجلات الإحصاء ظنا منه أنه سوف يحصل على حصة تموين أكبر. يقول أحد الفلاحين إنّ جده سجل العجل في سجلات النفوس،وبعد أعوام أخبرته الدولة أن ضرغاما مطلوب لخدمةالعلم. الفلاح يقول ليس لي عم اسمه ضرغام. أيام زمان وحكايات تنتهي ولا تنتهي،أنا والعجول والخرفان.

نسيان تام للماضي.

أناس آخرون.

كانت هناك سيارة خاصة لدائرة البيطرة. تمرّ على بيت الطبيب ومن ثمّ تأتي لحارتنا. الطبيب حسن طيب القلب،رائق المزاج صاحب نكتة،أزال أيّة كلفة بينه وبيني. عرفت أنه لا يحبذ السياسة ثم اضطر إلى أن يدفع البلاء عن نفسه والشبهة فانضم للحزب.

الحق ّكنت أرى خيرية واقفة تنتظر الحافلة،فوجدتها فرصة مناسبة ثم ترددت. المسؤول عن العربة الطبيب ولم أرد أن استغل صداقته لأمر خاص، وبعد الدوام وجهت الكلام لأمي:

والله يصعب عليّ أن أرى خيرية تقف تنتظر الحافلة ولا أدعوها لأن تستقل السيارة معنا. كان يمكن أن أدعوها..

أعرف تقاليد المجتمع،وأدرك تماما أي ّإحراج أسببه لها. اقتنعت أنها الفتاة المناسبة لي،ولا أريد أن يتمّ الأمر بيد أمي. الحبّ خلق. إبداع. شيء شخصي. لا أرغب في زواج تقليدي.

قلت إن القدر نفسه يتدخل أحيانا فيجعل أمورا نحياها في فوضى، ويرتّب لنا أمورا لم نكن لنفكر بها من قبل. وقد جاءت الفرصة المناسبة. ذات يوم اضطر الطبيب للاعتذار عن مباشرة العمل اليوم التالي،وقد حضرت السيارة لي وحدي،وقبل أن نقترب من موقف الحافلة قلت للسائق جواد:

هذه الآنسة خيرية من معارف والدتي معلمة في الفاو.

أووه دكتور (اعتاد العمال أن يخاطبوني بكلمة دكتور):

أووه دكتور ولو هذا واجب.

فنزلت وخاطبتها بكل لياقة:

آنسة خيرية يمكن أن تستقلّي العربة معنا!

تصرف ربما تقبله أمي على مضض،أما خيرية التي احمرت وجنتاها فردّت:

يمكن أن أسبب لكما إحراجا!

أبدا ليس هناك من إحراج.

صعدت وعلّق السائق جواد:

أهلا وسهلا،والتفت إلي حيث كنت أجلس جنبه مثلما يفعل الدكتور:

الدكتور حسن رجل طيب ذو أخلاق لماذا لا تسأله أن نصحب الأستاذة معنا كلّ يوم.

فقالت بخجل:

شكرا أخي لا داعي لذلك.

وصمتنا ولم ألتفت إليها،سوى أنها حين هبطت من السيارة قلت ملاطفا:

بلغي تحياتي للوالدة.

وتوارت خلف بوابة المدرسة،وكنت إلى هذه اللحظة أعدّ نفسي بدأت الخطوة الأولى. كسرت التقليد الشائع،وتوقعت أن تأتي أم خيرية إلى منزلنا لتشكرني، وصدق حدسي. جاءت مع خيرية.

تأكّدت تماما أني بدأت مشواري الطويل.

وعلي ّأن أبادر بالخطوة الأخرى.

في بالي شيء ما.

ترتيب آخر.

لم تختف ناهدة.

أما عقدة العزلة والصمت فقد انتهت.

مازالت أشعر أن الوقت طويل ولما يحن بعد لكتابة قصيدة عن خيرية.

في المركز بعد أيام اعتذرت عن يوم غد. لم أخبر أهلي أن طلبت إجازة بل نهضت في الوقت المحدد. ارتديت ملابسي، وتناولت فطوري،ثم خرجت.

قصدت موقف الحافلة،فوجدتها تقف في المكان ذاته. ردت على تحيتي:

صباح الخير.

فقطعت الشك باليقين: 

اليوم السيارة عاطلة وسأستقل الحافلة معك. هل أضايقك؟

بالعكس أهلا ومرحبا بك!

جلست جنبها.

لدي كلام كثير. كلام أختصره بعض الأحيان بالنظرات.

ربما سيأتي يوم تنتقلين فيه إلى مدرسة في العشار أو في محلتنا.

يا ليت يسمع الله منك!

فتجرأت وقلت:

لكن الفاو ستصبح كئيبة!

الله هل أنت شاعر!

والله كادت مدّة الخدمة في الجيش تقتل فيّ الشعر.

وصمتنا وقبل أن تهبط إلى المدرسة سألتها:

أية ساعة ينتهي دوامك.

الواحدة.

سأستأذن قبل ساعة فهل تمانعين أن نعود معا.

أبدا لا كما تحب!

تراقصت أنغام وغرّدت طيور،أيضا وجدت الوقت ثقيلا،فأين أمضي ولا رغبة لي في الذهاب إلى العشار والعودة مرة أخرى إلى الفاو. الوقت بطيء وبعيد. ثقيل وخفيف،توقفت السيارة في الشارع الرئيس على بعد مسافة من دائرة البيطرة. ولم يكن هناك أمامي سوى الهبوط باتجاه النهر. نزلت درجات عند الساحل،ورحت أراقب البواخر والزوارق الصغيرة وهي تجتاز النهر من أضيق نقطة. لقد بدا لي النهر أليفا ألفة حمام ينوح بين سعفات النخل. ضيق مثل خصر فتاة رشيقة. كان يشيع فيّ الرعب بساحليه المتقابلين عند التنومة أو بفمه الواسع الكبير في مصب الخليج،لكنه هنا حيث الضيق المتناهي،وعبادان أمامي والجرف الآخر ببناياته العالية ودخان مداخنه يوحي إليّ بألفة حميمة تشيع الراحة في نفسي.

وددت لو كتبت شعرا.

والوقت طويل.

مازال الضحى،والظهيرة لا تلوح من بعد.

الحزن يتزحزح عن صدري.

والماضي نفسه يذوب في أشعة الشمس.

راح النهر يغسل أحزاني بانتظار أن تحين الساعة فلا أعود وحدي بل معها.

النشيد الخامس عشر

الموت ذلك الزائر الغريب

المعروف والمجهول

لا يأتي قط مرّتين

مع ذلك نراه كلّ يوم في أي مكان يشاء

الصورة والفرشاة

لوحات وأخي سامي ثم الذكرى الموعودة يوم 15 -6 -1995

هل يتحقق في عام 1995 ما تحقق عام 1963 أمام مقرّ الحرس يوم كنت في العاشرة من عمري حينها لم أكن أحمل اسم الرئيس ولا كنيته. قبل أن أنساق مع التاريخ الذي بقي عالقا في ذاكرتي ووداع أخي سامي الذي يصغرني بسنتين إلى الكويت،وكأني لا أعلم أني أفارقه الفراق الأبديّ. كان سامي مغرما بالرسم لا يعشق غيره ولا يهتمّ بفن آخر سواه،ومن المفارقات العجيبة أن عمّا لنا شجعه على القدوم إلى الكويت،والعيش هناك. وقد قرأت الرغبة في الرحيل بعيني سامي ورأيتها تزداد كلما زارنا عمي يوم الخميس،فأسمعه يؤكّد لأمّي أنّ سامي سيكون في موضع بين عينيه فلا داعي لأن تقلق.

اتفق عمي وسامي على خطة يديرها مهربون قديرون. فصحبت أخي إلى صفوان،لا أذكر اليوم غير أن عام 1970 بقي علقا في ذهني حيث رأيت فيما بعد أن العام كلّه تلاشى بيوم واحد. وفق الخطة تلك جلسنا في مقهى لا يبعد كثيرا عن نقطة التفتيش. بقينا ننتظر أكثر من ساعة حتى قدم شخصان أحدهما في الخمسين من عمره والثاني شاب في الثلاثين. توجه لنا بالسؤال:

أنت سامي فهد؟

ساورني شك ففال أخي:

كيف عرفتني؟

نحن من قبل عمك. مرحبا بك ستسير معنا.

أدركت أنهما مهرّبان يعرفهما عمي،وزادني يقينا أننا حين خرجنا من المقهى وجدنا أربعة شباب ينتظرون،في الوقت نفسه خاطبني الرجل الخمسيني:

هنا يجب أن تترك أخاك معنا وتعود من حيث أتيت.

لقد سار كلّ شيء بسرعة مذهلة مريبة. العناق. القبل.. كنت أودع لحظة تختصر السنوات بين عامي 1970 و 1995 فأتأمّل لحظة صفوان والفراق،فيما بعد أخبرني عمي أن أخي الموهوب اشتغل في إحدى الشركات يمارس هوايته الرسم التي لا يعرف غيرها،وكان وهو ابن الخامسة عشرة من العمر يبعث بيد عمي أحيانا بنقود إلى أمي،وحين اندلعت حرب العراق وإيران سارع ودفع البدل النقدي عن الخدمة العسكرية ليتحاشى أي مشاكل هو في غنى عنها.

سررنا جميعا لنجاح سامي وشهرته،وتابعنا أخباره فعرفنا أنه شارك في أكثر من معرض خارج الكويت وأن الشركة التي يعمل فيها اعتمدت رسوماته في إنتاجها وإعلامها حتى حدث أمر ما فغادر أخي سامي الكويت إلى الإمارات إذ تعاقد مع شركة معروفة وفتح مرسما خاصا به.

ذات يوم اتصل بنا من أبي ظبي ليقول أنه سيتجه إلى إسبانيا ومعه الكثير من لوحاته،فهناك معرض شهير للرسم دعي إليه يشترك فيه بعض الرسامين من بعض الدول. أفرحنا الخبر بقدر ما ترك انطباعا قاتما على وجه أمّي. فبعد عودته كان يحدثنا عن نجاحه الفني وتقدير النقاد الأسبان له،فوجئنا بعد أسبوع بوفاته.

 صدمت حقّا

علامة فارقة بحياتي والتفاتة إلى يوم الوداع في صفوان

مستشفى أبو ظبي يذكر أنه توفي بالسكتة القلبية.. الأمر الذي بعث الشكّ في نفسي فأخي سامي لم يتجاوز الأربعين من عمره،أمّي تذرف دمعة وحسرة وتقول كيف لي أن أزور مقبرة أبي ظبي وأنا في هذه السنّ لأشعل له بخورا وأوقد بعض الشموع.

وأنا لا أقدر أن أحوز من سفارة الإمارات على تصريح فأقصد مقبرة أبي ظبي.

وازدادت شكوكي حول مصرع أخي الغامض ثم تأكّدت بعد سقوط بغداد..

أحد أصدقاء سامي في الإمارات من الأهواز يعمل معه مخرجا في الشركة ذاتها مرّ على بيتنا وهو وهو في طريقه إلى كربلاء فاجأنا بوصف جديد أكدّ أن بعضا من رحال المخابرات زاروا سامي في شقته بعد عودته من أسبانيا بيومين ثم تلاها أن داهموه في مرسمه وأطلقوا النار عليه.

لعل الخبر يبدو غريبا

لكن ما مصلحة الإمارات في أن تخفي سبب الوفاة الحقيقي والحادث وقع بعد احتلال العراق للكويت وانقلاب دول الخليج عليه

أسئلة لما تزل تدور بذهني

غير أني أدرك أني ودعت سامي إلى الأبد في صفوان وكان هناك هاجس يلحّ عليّ في أني لن أراه قطّ

أما طريقة موته فلم تعد تشغلني بقدر ما أحاول أن أرسم صورة لقبره وهو القبر الوحيد الذي لم يزره أحد من عائلتنا في تلك المقبرة البعيدة التي لا أستطيع الوصول إليها.

 

النشيد السادس عشر

يأتون إليك من كلّ مكان

أحيانا يزجّون أنفسهم بأنفاسك

فتراهم ولاتراهم

وليسوا سوى خيول مرعبة في كابوس أبدي يداهمك خلال الحلم

فلا أنت تقدر أن تغادر النوم طوعا

ولا الليل يقدر أن يتلاشى

أنا واسمي ثانية والكويت

مثلما ظهر اسمي في مباراة قطر يوم المسدس المشهود أجد نفسي وسط دوامة الاحتلال والانسحاب. احتل العراق الكويت،فكان الذي احتلها أبا عدي،فلا يتعجلن أحد الاحداث. إنها سوف تأتي مطابقة لما أقوله تماما. لكن الذي يهمني هو الانسحاب بحد ذاته.

لم يلتفت إليّ أحد حين دخلت القوات العراقية الكويت.

بل

كاد يلتفت إليّ الجنود الكويتيون الذين دخلوا العراق ساعة الانسحاب. كان المتظاهرون يحملونني على الأكتاف ويهتفون بالروح بالدم نفديك ياصدام. ماذا أفعل سوى أن ألوّح بقبضتي كأنني السيد الرئيس.

الآن احتل اسمي المرتبة الأولى.

الرئيس نفسه وقف في القاعة.. طرد رفاقه. هددهم. قدهم نصفين،أزاحهم،وبقي هو الوحيد. راح الناس يتفاءلون باسمي. منحوني كنية جديدة. كنوّني بأبي عدي. حين أسلم على أيّ شخص يجيبني عليكم السلام يا أبا عدي. صدام أبو عدي. عند الناس أنا هو،وعندي هو لست أنا،فهل أحمل اسمه وكنيته. يا للمفارقة العجيبة.

جاء أبو عدي.

ذهب أبو عدي.

إن شاء الله يا أباعدي تسمي المولود الآخر باسم قصي.

تكامل آخر. مرحلة ثانية يطالبني بها الجمهور. جدتي اختارت اسمي والآخرون بعد سنوات اختاروا كنيتي. أما خيرية فقد انتقلت معي إلى بيتنا الجديد. كانت أكثر من كنّة بنظر أمي. صديقة. بنت.. بنت حلال. أحيانا تسألني بيني وبينها هذا السؤال التلقيدي:

ياترى لو قدر لك وتزوجت من ناهدة هل تجد نفسك تعيش بسعادة مثل الآن.

هو القدر يا أمي،أمّا خيرية الطيبة قد رغبت في أن تكمل دراستها فدخلت الهندسة. وامتحنت أنا ثانية فأنهيت الثانوية ودخلت الجامعة. كنا نعمل وندرس. الأسرة تكاثرت ماعدا شيئا واحدا لم يتغير هو اسمي وكنيتي،سوى مرة واحدة تغيّر فيها اسمي وذلك حين دخل الجنود الأمريكان البصرة ومعهم بعض الجنود الكويتيين.

حدث ذلك بعد انسحاب العراق من الكويت،وانهيار المدن.

لم أخش من اسمي قط.

فإذا كانت جدتي قد سمتني باسم الولي السيد صدام سيد صروط فإن الناس كنوني بكنيتي. لا دخل لي في كل شيء. أما أبنائي الآخرو وابنتي،فقد سميت كل منهم وفق رغبتي.

لا أخاف أبدا.

لا شيء يزعجني.

الجندي الكويتي يوقفني ويطلب هويتي.

أتمعن فيه:

يسألني :

أين ؟

إلى الجامعة.

يعيد:

هويتك؟

تفضّل.

يقرأ ويضحك:

اسمك صرّام؟

ماذا؟

يبتسم الجندي. أستغرب. تنقلب الحروف. ينقلب حرف الدال يصبح راء. يتضاعف. هل قرأ الجندي الكويتي اسمي كما هو. هل تمعّن فيّ؟لا أظنه يستهزيء. ربما غلب عليه سوء الفهم. أمّي يظن الاسم يخص سيادة الرئيس. لكن على أية حال هو التغيير الوحيد الذي طرأ على اسمي. يا ترى لو ذهبت إلى دائرة النفوس ورفعت طلبا لى السجل المدني أعربت فيه عن رغبتي في التغيير فماذا يمكن أن يحدث لي.

اسمك صدام.

نعم.

لايعجك.

مجرد تغيير.

لامانع عندي

يقول أمين السجل المدني ويضيف:

مادام الأمر كذلك فالأفضل أن تجلب لي تصريحا من دائرة الأمن

كل مواطن له الحق المطلق في تغيير اسمه إلا أنا. مادام اسمي هو اسم السيد الرئيس فلا مجال لتغييره. اختيار اسم آخر يعني محاولة انقلاب. ث

ورة مضادة.

اسمك يطابق اسم سيادته ألا يعجبك؟

أعرض عن الفكرة وأمضي إلى حيث لا أدري،فقد أدركت أنّ اسمي لم يعد خطرا عليّ بل هو خطر على الشبيه نفسه.

 

النشيد السابع عشر

الجميع يختلفون فيك

منهم من يراك عدوا

آخرون يجدون فيك صديقا

ولعلك لاتعرفهم

ولم تتحدّث معهم من قبل

فلماذا كل هذا التناقض؟

كربلاء

وصلنا إلى كربلاء نلهث

إنها المحنة التي سلبت النوم من عيون الناس والطمأنينة من قلوبهم.

بعد أن استوقفني الجند الأجانب في طريقي إلى الجامعة وأجروا متعمدين أو من دون أن يعلموا تغييرا على اسمي،انقلب حرف الدال إلى راء رحت أضحك مادام التغيير خلّصني من محنة مضاعفة. تخيّلت أن الجندي غبي.. أمّي.. فاته أن يعلن للعالم عن اعتقال السيد الرئيس.. محال أقرب للواقع لكنّي مع ذلك وقعت في الفخّ مرّتين. ذلك حدث في عنفوان الانتفاضة. قلت أهرب من الموت،وكانت خيرية والأطفال معي،ليس هناك منجى سوى كربلاء لنكون بجوار الحسين.. تركنا البصرة التي هاجت كالبحر،والناس مثلنا يهربون،عيوننا معلقة بكربلاء والنجف،لا أدري لم اندفعنا بعفويّة نحو كربلاء،ربما أحسست أننا يمكن أن نكون ضحية جديدة فنحيا ونموت قرب الحسين. ا

الجندي الرابض على حدود البصرة يسألني:أنت .. أين ذاهب؟

إلى كربلاء.

لا يبالي بالعائلة التي معي ويردّد:

سأعدمك إن كنت من الغوغاء.

زوجتي تندفع نحن هربنا أما ترانا لا سلاح معنا.

يفكّر قليلا ويسأل:

ما اسمك؟

صدام وهذان طفلاي عدي وقصي.

يصفن ويقول:اعبروا

وصلت بعد أن تقطعت أنفاسنا مرات ومرات وخرجت بعد يوم من سكني في حي متواضع أشتري خبزا للعائلة. لا أفكر بغير الخبز. وهل هناك شىء آخر يستحقّ أن تخرج من أجله؟إنّه الشخص الآخر يتحدّث يقول :بعد أن وجدت بيتا في أحد أحياء كربلاء خرجت أبحث عن فرن قريب أبتاع منه الخبز. كان الصغار جوعى ولم يفكّر الأب بشىء آخر. هناك حيث تتقطّع الأنفاس،لا عند الفرن بل أمام حاجز للثوّار. يقف مجبرا يسأله أحد المسلحين:

بطاقة تعريفك؟

تمتدّ يده المرتجفة ويداري بأدب جمّ.

تفضل؟

اسمك صدّام؟هل أنت من كربلاء؟

كلا من البصرة

يلتفت إلى حارس صارم القسمات يحتسي قدح شاي:

إذهب معه إلى البيت فإذا وجدت أنّ اسم زوجته ساجدة أعدمه على الفور؟

اسمي مثير للشبهة واسما ابنيّ.. ثلاثي يحاصرني الآن مع الحواجز،نجوت من حاجز على الطريق يوم الاجتياح وفي أثناء الانتفاضة نجوت من حاجز آخر ربما بتدخّل من اسمي،وهاهو ثالث حاجز يواجهني ويلاحقني إلى منزل آواني قبل أن أسدّ جوع الأطفال برغيف خبز. مدّت خيرية يدها إلى الحارس بالهوّية ،وأردفت:

يا أخي زوجي مولود في الخمسينات قبل أن يعرف العراق حزب البعث وصدام وجدّته سمّته باسم الولي صاحب الضريح سيد صدام أيعقل هذا منكم؟

طيب واسم ابنيكما ليس واحدا فقط بل قصي وعدي؟

قالها بلهجة لانت حدّتها كثيرا فكانت أقرب إلى الدهشة والاستنكار:

يا عزيزي كان الناس ينادونني مرغما أبا عدي قبل أن يولد ابني ولو غيّرت اسم الوليد لجلب ذلك عليّ مشاكل كثيرة ثمّ حدث لي مع الوليد الثاني مثلما حدث لي مع أخيه الناس أنفسهم لفتوا النظر إلى اسمي وسامح الله المرحومة جدتي!

صمت وطال سكوته .. حظات هدأت قليلا وبدأ القلق يساور خيرية لكنه التفت إلى عدي وسأله بابتسامة:

هل تحفظ شيئا من القرآن؟

فاندفعت أمّه:

علمته ربع المصحف وكلّ أسماء المعصومين.

تشجّعت فقلت:

اقرأ بعض قصار السور.

فاندفع عديّ يرتّل:

والتين والزيتوان وطور سنين وهذا البلد الأمين..

وقفنا خاشعين وحينما انتهى من التلاوة قال المسلّح:

بارك الله فيك

أمّا قصي الذي بقي صامتا فقد اندفع قائلا بحماس مفرط:

أنا علمتني أمي أسماء الأئمة الإثني عشر..

وبدأ يعد.. والابتسامة تعلو وجوهنا وحينما انتهى من العدّ هزّ المسلح رأسة وأجاب بارك الله فيك واستدار خارجا وكنت وقتها أفكّر بالفرن والخبز والعودة مرّة أخرى إلى الشارع.

النشيد الثامن عشر

ماذا يحدث لك حين يبتلعك حوت

لا يقبض عليك بأسنانه

بل يزدردك ازدرادا ب

رغوة بطنه تلفّ جسدك

يغطّي الظلام عينيك

والرغوة اللزجة تذيبك حتى تصغر فتصبح كأنك رجعت جنينا في بطن أمك

تتنفس

كل من عاش في دنيا النور تركك ماعدا الخوف

تحسّ أنك حي ولا تحسّ

وتدرك بعدئذ أن الحوت تعجّل فالتهمك ولم تطحنك أسنانه

ترنيمة النبي يونس

 كنت خارجا من مكان ما

لعلّه سوق خضار ، أو قاعة درس ،وربّما السوق الشعبيّ،أتطلّع في الحياة الراكدة العجيبة التي تسير وهي واقفة. وجوه الناس غريبة عنّي.

أتذكّر بعض الماضي القريب والحاضر العجيب..

كلّ ما في الأمر أن الغالبيّة هبّت .. أطلقوا النار.. هنا في هذه المدينة الفاتنة كانت حرب شوارع . أخي كريم هرب،ولست عالما بالغيب فأعرف مكانه. ثمّ يتناهى إليّ أنه سقط في براثن الأمن فأعدم. كريم الذي جلب لي مسدسا ذات يوم اكتشفته عضوا في تنظيم سريّ محظور ،شارك في الانتفاضة ثم هرب إلى النجف وفق أغلب الهمزات.

اجتزت ساحة أسد بابل ثم انحدرت نحو لجنة التمور. كنت أتوجّس ريبة من أي شىء،فالمعمعة التي مرّت لايد لي فيها،ولم أخرج مع من خرجوا.. هناك قلق ينتابني بين حين وآخر. أين هو كريم يا ترى الآن؟ كريم صاحب المسدس الذي ادعيت أنه اشتراه من راع،فوجئت به يهب مع من هبوا،وعرفت أنه عضو في تنظيم سري.

ذلك لا يعفيني من الذنب.

وقد تحقق حسدي فأنا لست بريئا مادمت أخا لآخر ذي شبهة.

قبل أن أعبر الرصيف المقابل لتمثال السياب قاصدا الجسر قابلني اثنان :عضو الفرقة الحزبية، والمعلم )ق( وضع الرفيق يده على صدري يصدني عن المسير وسأل:

أين أخوك كريم؟

قلت بذهول:

كيف لي أن أعرف عنه؟

لاح الغضب في عيونهما واندفع ق:

كذاب أنت تعرف أين هو

أجبت يائسا:

كيف لي أن أعرف وأنا لزمت البيت طول مدة الشغب.

أكيد أرسل لك خبرا عن مكانه.

قال ذلك ق وعقّب الرفيق:

هل هرب عند أحد أقاربكم؟

أين تظن؟

تشتت ذهني مع سيارة مرّت وتابعت عيناي جنديا عن بعد يتنكّب سلاحه ويقطع الرصيف جيئة وذهابا:

لا أعرف أقسم.

وتساءل الرفيق:

يعني لم يخبرك أحد أنه في النجف؟

ويسأل الآخر:ألم تلتقه حين هربك إلى كربلاء يوم الأحداث؟ معقول؟

 يقول الرفيق:هذا لا ينفع معه اللين

فتح كيسا ظل يتأبطه طول الوقت تحت ذراعه اليسرى . طوّق الرفيق رقبتي بقبضته. : ادخل ادخل.. قال كلاهما ذلك بصوت واحد.. هامت عيناي على العابرين االمتناثرين الذين يجرّون أقدامهم نحو العشار أو العائدين إلى التنومة. وجدتهم لا يعنون بالمشهد. الجندي الذي يحرس الجسر يبدو غير مبال.. عملية اختطاف في وضح النهار..

العالم ظلام

لا أبصر شيئا

تتناهى الي ّاصوات وتصبح الدنيا خارج الكيس همهمات.. ألقياني في سيارة ما .. حوت جديد،أنا في بطن حوتين،أنفاسي تتلاحق.. الظلام يأكلني وأتآكل معه..

إحساس

بل هاجس

بل يراودني ظنّ أنهما يعبران الجسر إماّ نحو البرّ أو لمكان ما يقتلاني فيه..

فجأة توقفت السيارة .. وألقى بي أحدهما على الأرض..

صدمة..

ألم..

والهواء يتخلى عنّى. أفكّر به وحده.. الألم في صدري وضلوعي،رجلان يابستان.. أشبعاني ركلا.. أقدام في خاصرتي وعلى رأسي.. وفوق صدري.. ثمّ خفّت الحركة والسكون،بدأ أزيز السيارة يتلاشى،هل نمت أم هل أجّلا قتلي؟عاودتني جرأة فظيعة قبل أن يهرب الهواء من عندي.. الظلام منحني جرأة أكبر،وألم الركلات شجاعة تستنطق الهواء،فأصرخ..

أصرخ ..

أظلّ أصرخ..

أصيح

أنادي..

أنقذوني..

رحم الله والدي من يفتح الكيس.

لحظات ..

ربما

ساعة والهواء يتحجّر..

يقسو..

يتصلّب.. وصوتي يخفت.. إنّي أشهد أنهما لم يبتعدا كثيرا فأنا لست في البرّيّة.. إذن لعلّ الفرج يأتي عمّا قريب.. لابدّ أن يلفت صراخي أحد العابرين.. وقد حدث ما ذهب إليه ظنّي.. هناك يدان تتلمسان عقدة الكيس.. ليس هو بحيوان ضال.. كلب.. أوقطة.. إنهما يدان.. الكيس يفتح فمه، والنور يهجم دفعة واحدة.. ينتشر ومع طلعته أمدّ

 رأسي من فوّهة الكيس،فإذا به السيد )ط( مدير ثانوية شط العرب،كان يجتاز الرصيف الآخر.. كنت مرميا فوق رصيف الطريق الساحلي على الجرف أمام بستان الشعيبي فلفت فضوله منظر الكيس والصراخ.

رحت ألتقط أنفاسي قبل أن أدخل في التفاصيل بعد حين..

النشيد التاسع عشر

أغنية للموت

تبدأ الأغنية ببطاقة التصقت ببعض الجدران:

نعي

أنتقلت إلى رحمة الله السيدة خيرية أم كلّ من،

الدكتور الجراح عدي الأسدي

الدكتورة نادية الأسدي

الدكتورة فادية الأسدي

الدكتور لؤي الأسدي.

المهندس قصي الأسدي

الدكتورة شادية الأسدي

وستقام الفاتحة على روحهافي دارها بمحلة ... للفقيدة الرحمة ولأهلها الصبر والسلوان.

تزوجنا في الحادي عشر من آذار وتوفيت خيرية في عام 2019 . رحلة عمر طويلة. بطاقة النعي راعت ترتيب عمر أولادي بدءا من عدي الذي أبصر النور عام 1976 فولدي لؤي الذي فرحت بمجيئه عام 1986.

كانت رحلة عمر طويلة. أكثر من ثلاثة عقود تشكلت فيها دول وقامت دول جديدة. أشرقت أمم وغابت أمم. كانت تحب الرياضيات فأتمت دراستها الجامعية وتخرجت ثم أصبحت مدرسة في مدرسة التنومة.

شجعتني على أن أكمل دراستي. كانت في رعاية عمها الذي عارض في زواجنا. ولم يكن الأمر سهلا فقد دام رفضه أربع سنوات. لا أعرف السبب وحاولت قدر الإمكان ألا أمر بتجربة مثل الأولى كرة أخرى.

العالم يتغير.

لو قبلت ناهدة بعرضي لما حدثت المأساة الأولى.

هذه المرة سيشمل الحزن والشعور بالقهر أمي وأختي والعائلة كلها.

أحببت فعارض أهلي وأحببت ووافقوا. المشكلة ليست فيّ بل في الآخرين.

وجاء الفرج أخيرا.

أخبرتني أن عمها الوصي عليها سيسافر بعد بضعة أيام سفرة تدوم أكثر من شهر،ويمكنني أن أزور خالها .

عندئذ

ومن دون تردد

حل الفرج. خالها لا يطيق عمها وسيوافق وفي اليوم نفسه نتزوّج وليكن مايكون.

وأثمر التحدي،وخلال فترة الزواج الطويلة أكملت دراستي الجامعية،بعدها نلت شهادتي الماجستير فالدكتوراه.

كانت معي.

ورافقتي معها ديوان ناهدة الذي لم أطبعه"ناهدة وميلاد الأجنحة الراحلة"

رحلة طويلة حقا لكن الذي قرأ بطاقة النعي يستغرب إذ لم يجد اسمي.

أقول بكل حب وصدق،كل عائلة عرضة للخلاف.

بعد سنين طويلة اختلفت في مسائل كثيرة مع أم عدي فتم الطلاق!

نعم!!!

كل ذلك الحب والحنان انتهى بالطلاق.

هناك أخطاء أتحملها . لا أنكر. وأخطاء تتحملها هي أما الفرق بيننا وبينهن فهن على ما أظن لا يعترفن.

وفي سيرتي الذاتية أني تزوجت بعدها من الآنسة إيمان أم أولادي أعيان وعلي وحسن. كلهم ولدوا بعد الاحتلال . لم يعيشوا مثل إخوانهم نكد الحصار وقسوة أيامه مثل إخوتهم الكبار. إلا أنهم وبدلا من أن يفتحوا عيونهم على الطائرات والقصف والدمار،عايشوا المفخخات والمتفجرات، فرؤا ما لا عين أبصرت ووعوا ما لا أذن سمعت.

 وقد أصبح كل همّي أن يتعايش أبنائي الكبار مع أخوتهم الصغار.

أريدهم أن يكونوا آباء لهم وأن يكن أخواتهم أمهاتهم.

وأن تششت الكبار وعاشوا بعيدا وأولهم عدي الذي أصبح جراحا مشهورا في كندا!

وكانت أم عدي تحمل الإحساس ذاته. بقينا بعد الطلاق صديقين. يحترم كلّ منا الآخر. ووجدتها تشجع أبناءها على أن يزوروا إخوتهم،وكم رأيتها فرحةحين تسمع بزيارة أحد من أبنائي لأخوته أولادها.

لكن

مهما يكن فها أنا استجمع ذكرياتي،وأغادر البيت،ولم أكن اطلعت بعد على بطاقة النعي التي خلت من اسمي وقبل أن أخطو خارج الباب سألتني أم أعيان:

هل من شيء المكالمة غيرّت أحوالك.

أجبت والدموع تترقرق بعيني:

أم عدي تعيشين أنت!

فتمتمت بأسف:

إلى رحمة الله.

وكنت أقف مع أولادي أستقبل المعزين وإن كانت البطاقة /بطاقة النعي/بعد كل ّتلك السنوات تخلو من اسمي.

 

تنويه

حين التقطت لمحة مضيئة من حياة الدكتور الناقد عبد الرضا علي وصغتها وفق بناء خاص جعلت له عنوانا هو الساعة الثامنة والنصف رواية قصيرة عندئذ أطلقت على محاولتي تلك الواقعية المستنيرة وقد استحسن الدكتور الناقد عبد الرضا علي التسمية نفسها،بعدها بمدّة غير قليلة التقيت في عمّان بالدكتور الباحث الأكاديمي ه ن الذي حكى لي معاناة أخيه الضابط عام 1959 وعائلته بعد حادثة قتل تمّت في أحد معسكرات البصرة فجاءت رواية قصة عائلة التي سمعت بعض أحداثها من الصديق الدكتور ه ن وبعض مذكراته فكانت الرواية وكان الكتاب النقدي الكبير منهجا وبحثا فيها من قبل الناقد الدكتور خسين سرمك وهو بعنوان البطل البرىء.

أمّا قصة حياة صديقي الدكتور الأديب الشاعر والباحث صدام فهد الأسدي فلم أسمعها من أحد بل عايشت بعض أحداثها. كان الصديق صدام من سكنة التنومة وهو أصغرنا وفق ترتيب السنّ هناك الشاعر عبود هاشم والكاتب صباح الزيدي والرسام المعروف كاظم حسين مكي وعلي إبراهيم وقاسم السوّاد وقصي عسكر 1951 ثم صدام الأسدي 1953.

أحيانا كنا نجلس مجتمعين على ساحل شط العرب قرب المعبر وقت العصر فنتحدث عن السياسة والفن والشعر والمسرح.

تصغر الحلقة أو تكبر وفق الظروف.

ثم غادرت العراق عام1979 وفي ذهني معرفة حقيقية عن معاناة الدكتور صدّام فهد قبل الاحتلال وبعده حتّى التقيته عدّة مرات فسمعت منه عن حياته ما لم أعرفه من قبل وقد قلت له ذات يوم إنّ في حياتك لمحات ولقطات يمكن أن تتحوّل إلى رواية كولادج فحدثت نفسي بكتابتها وهاهي الرواية بين يدي القارىء الكريم لعلني أكون قد ختمت بها منهج الواقعية المستنيرة الذي رغبت الكتابة فيه

 

قصي الشيخ عسكر

نوتنغهام

من منتصف 2019 حتى نهاية آذار 2020.