 ترجمات أدبية

لديها كل شيء

صالح الرزوقبقلم: آن إينرايت

ترجمة: صالح الرزوق


كانت كاثي غالبا مخطئة بكل شيء. ورأت أن هذا يدهشها. فهي مخطئة بما يخص مذاق الموز، ومخطئة بما يخص مستقبل البوب. ومخطئة بتحديد مكان نهاية حياتها. وكانت تحب الزوايا والمفاجآت وتبديل الضوء. ومن بين كل الأقدار الممكنة (الشر والإجرام والخدمة والرهبنة)، اختارت أن تعمل وراء منصة لبيع الحقائب في دبلن، وأن تحصل على عطلة في الفصل المشمس. ولعشرة سنوات تعايشت مع القفازات والمظلات، بألوانها الباهتة وطياتها الأنيقة. كانت الحقائب متدرجة الألوان، من الأزرق حتى البني والأسود الكلاسيكي. وكان الأصفر والأحمر والأبيض في طرف واحد،أما المصموعة من البلاستيك كانت على الحامل المعدني، ويمكن لأي زبون أن يسرقها.  ولم يكن بمقدور كاثي أن تخبرك عن متجر الحقائب وأحواله. فهو منها. كانت له رائحة أحلامها الجلدية. ولكن حتى هذا لم يكن يسرها. وبالرغم من تقارب وتراصف القفازات والفراغ الذي يملأ الحقائب من الداخل، رأت أن المتجر في حالة فوضى لا يمكنها التحكم بها. كانت تبيع حقائب اليد للناس ليحملوها، وهي من جلد حيوان فضي مطوي لا يمكن أن يحتوي علبة سجائر أو أي نقود ما لم تكن ورقية. أو حلقة مفاتيح. قالت امرأة شابة لزميلتها:” هذه تتسع لبطاقة اعتماد وللواقي الذكري فقط”. وهكذا شعرت كاثي بضغط الوقت وهو يبدل اتجاهه.

ثم نجحت في بيع حقيبة جيدة، ناعمة وقاسية وسعتها مدهشة - حقيبتها المفضلة، وهي من النوع الجيد. بقفل قوي وغطاء قابل للطي مع رائحة عطرية ذكية. وباعت حقائب من القماش لنساء شابات، من الكانافاه أو الشاموا. وكبيرة بما فيه الكفاية وتستوعب مستلزمات الحياة، الثياب الداخلية الضرورية، ورواية، وعطر مزيل الرائحة. وكانت الغضون تغطي وجوه النساء أثناء الاختيار. تراها مهمومة من التفكير بالجلد والسعر والشكل واللون. وكانت كاثي توائم العيون الزرق مع الزي الأزرق،  والفم الصغير مع الشاموا الناعم والطري. وكانت تبيع الجلد الأصلي لنساء بكعوب عالية، نساء متسرعات بجزادين صغيرة وأنيقة.  وبمهارة كانت تقود زبونة بعد أخرى لحقيبة مدهشة لا بد منها، ولا تعبر عن رغباتهن فقط وإنما عن شيء فوق هذه الرغبات. كانت كاثي تعرف لماذا تصنع الحقائب. لكنها شخصيا تضع كل شيء (وهو ليس كثيرا) في واحد من جيوبها. وصنفت النساء بفئتين: القادرات وغير القادرات. وكانت لديها عاطفة جامدة تجاه القادرات، فهن لسن بحاجة إليها. وغالبا ما يرتكبن الأخطاء. وغالبا واضحات، وهذا يساعدها على أداء عملها، ولكن الإنسانة المؤمنة، ومثل كل شيء له علاقة بالإيمان، لا بد من بعض الغموض. على سبيل المثال كيف يمكن لإنسانة أن تقتنع بلون ثياب البحارة؟.

ولكن هناك أيضا نساء غير قادرات. امرأة على سبيل المثال: لا يمكنها ارتداء اللون الأزرق. المرأة التي تستطيع أن تحمل أشياء مطبوعة، ولكن على أن لا تلمس بها وجهها. امرأة يمكنها ارتداء الخرز ولكن ليس الأقراط. امرأة لديها حياة سرية مليئة بالأحذية الغريبة، أو إنسانة لا يمكنها أن تعبر من منصة للعطور أو أن تشتري العطر، إلا إن كان هدية لغيرها. امرأة تأتي إلى البيت ومعها جيليه “رويال” كلما حاولت شراء بلوزة. امرأة تبكي في مخزن الثياب الداخلية. وامرأة تضحك وهي تجرب القبعات. امرأة تشتري معطفين من لونين مختلفين. وتصبح المشكلة أسوأ حينما تأتين ببناتهن للتسوق معهن. ويمكن كاثي أن تشم رائحة الاثنتين القادمتين، من قسم أدوات المطبخ.

تزوجت كاثي في وقت متأخر وكانت مجتهدة بعملها. كان عليها أن تجد رجلا. وما إن وجدت رجلا، اكتشفت أن المدينة مزدحمة بالرجال. وكان عليها أن تتكلم وتضحك لينتبه لها الآخرون. وكان عليها أن تختار. هل كانت تفضل الرجال الأصحاء بعيون بنية؟. هل تحب ذلك الرجل الأشقر بعينين شديدتي الزرقة؟. وما رأيها بوجهها، ونتوءاته وطياته؟. في النهاية، ذهبت بطريقها مع معلم لطيف من فيرفيو ويعمل موظفا. اختلسته من امرأة شابة كانت تتمسك به ولها عينان غريبتان. باعتها كاثي حقيبة مزركشة من ماركة غولدستون. اختيار “خاطئ” لكن لم يكن للأمر “أهمية”.  كان الجنس مفاجأة سعيدة. وهوعموما نشاط إفرادي. وكان يبدو كأنه يشتتها ويلم أشلاءها في نفس الوقت. 

وفي أحد الأيام وقعت كاثي بالحب مع امرأة متشردة وجوالة، جاءت للمتجر وجذبتها ابتسامتها وكان يبدو أنها اختارتها بنفس السهولة التي انتقت بها حقيبة من جلد العجل الأرجنتيني لونها بني كالتبغ، ويمكن تعليقها على الكتف. ولها جيوب من الجلد، وبطانة من جلد الخنزير، وقفل يعمل بالضغط.  يا لها من مفاجأة.  هذه المرأة، بعينيها المتعبتين الزرقاوين، سألت كاثي عن رأيها، وسمعت كاثي نفسها تقول:”حلوة جدا. كأنها منقوعة بالعسل” - عبارة سمعتها في التلفزيون. لم تطرف المرأة بعينيها. وقالت:”هل لديك مثلها بلون أسود؟”. كان لون الحقيبة بنيا. ويئست كاثي من هذا التردد. التطريز لن يكون واضحا لو أن اللون أسود، واللون هو كل شيء، فقالت كاثي:”الأفضل أن تكون بنية، حتى إن اضطررت لشراء حذاء جديد. إنها فعلا حقيبة فاتنة”.

عموما لم تشتر المرأة الحقيبة البنية ولا فكرت بالسوداء. حكت الجلد بقفا إبهامها وهي تتخلى عن الحقيبة. ونظرت إلى كاثي. كانت يائسة. واستدارت بكتفيها العريضين والرشيقين، وبشعرها الجاف والمغسول، وبأنفها الشامخ، وتنهدت، وغادرت المتجر. وأنفقت كاثي بقية يومها تفكر، ليس بيديها، ومفاصل أصابعها الطويلة، ولكن بثدييها العريضين المتباعدين. أحدهما مائل نحو المظلات والآخر نحو اللفاحات. وتساءلت هل لهذه المرأة ثنيات وخطوط تتدلى حول خصرها، وهل داعبتها من قبل امرأة. وكيف يمكن أن تتكلم و ماذا ستقول كاثي بعدها.  وهل ما تخفيه من طيات متشابه مع حال كاثي أم أنه مختلف عنه مثل اختلاف زنبق البرية عن النرجس. كانت أمسية مثيرة جدا. وبدأت كاثي ترتبك. وارتكبت الأخطاء. وباعت الحقائب غير المناسبة لنساء غير مناسبات وماتت دعابتها.  وانتظرت امرأة أخرى لتحمل الحقيبة البنية بلون التبغ ولترى ماذا يمكن أن يحدث. كانت تبيع دون تمييز. ونظرت لكل امرأة تقترب منها دون أن تفهم ماذا يحصل. وطبعا، كان يمكنها تبديل عملها.  أن تقود حافلة. أو أن تعمل وصيفة في مستشفى. على سبيل المثال في جناح اختبار الجهد المزدحم بأشخاص جادين وجسورين. فالنساء لا تتعرضن لذبحات قلبية. وقد تأتين في فترة الزيارة وتتكلمن كثيرا أو تتمسكن بالصمت. ويمكنها أن تخمن من يحب ببساطة أو بصمت. ويمكنها أن تحدد من يحمل مشاعر الكراهية. ويمكنها أن تنظر لحقائبهن دون أن تكوّن فكرة أخيرة عنها، كلما وضعنها على الواقي الزجاجي أو فتحنها لاستعمال المحاروم الورقية. وربما أحيانا تسقط دمعة فيها.

أفرغت كاثي حسابها في الجمعية السكنية، وذهبت إلى قسم القبعات، ومعها حقيبة بلاستيكية محشوة بالنقود.

قالت:”أريد يا رومانا أن أشتري قبعة مما لديك”. وكررت نفس الشيء مع الأحذية. ولكنها انتقت نمرة خمسة ونصف. ولم تكن تتذمر حينما انتهت. ألقت النقود في حصالة المتجر المليئة. نادت سيارة عامة وحملت العديد من الحقائب حول رقبتها وحول ذراعيها. كل الناس نظروا إليها. ثم استلقت في السرير لأسبوع، وقليل من الخجل يغمرها. واحتفظت بالحقيبة الفاتنة، ذات جلد العجل البني والقفل المضغوط. ولكنها أتلفتها. واستعملتها بحمل أشياء ثقيلة. وبدأ النوم يغافلها حتى خلال النهار.

 

......................

آن إينرايت Anne Enright: روائية من إيرلندا. حازت على المان بوكر عن روايتها (لم الشمل) التي صدرت عام  2007. من أهم أعمالها “إنجاب الأطفال” وهو مقالات عن الأمومة والجندر، “الفالس المنسي” رواية، “الطريق الأخضر” رواية،  “التقاط الصور”، قصص و”طقس الأمس” قصص. ومنها اخترنا هذه القصة.

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

لا يزال الأدب الايرلندي يحوز قصب السبق في اداب بريطانيا العظمى ويتصدر المشهد الأدبي على صعد انواعه كافة. شكرا لتعريفنا بهذه الروائية والقاصة الايرلندية البارزة..

عادل صالح الزبيدي
This comment was minimized by the moderator on the site

على الرحب و السعة. يسرني ذلك.
الجو لا شك مختلف عن عموم الأدب الآسيوي الناطق بالانكليزية.

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

لغتك أخي الدكتور صالح الرزوق بسيطة جدا ودقيقة جدا وجميلة جدا.. فكأنك أنت صاحب النص ..
أنت مترجم مبدع حقا .. وفنان متمكن من ادواته في فن الترجمة..
لقد امتعتنا يادكتور ..
مع حبي لك واحترامي

قدور رحماني
This comment was minimized by the moderator on the site

أقدر هذه المتابعة. فهي تقدم لنا التشجيع الضروري و الحافز لمزيد من التفاعل مع الآداب "العالمية".

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

الناقد والمترجم القدير
اختيار مبدع لكي نتلمس التقنيات الحديثة والمتطورة ضمن الاتجاه الواقعي , وكذلك في اسلوبية سياق الحدث السردي وتنقلاته ليسلط الضوء على الحياة الواقعية لظروف الشرائح الشعبية , وصراعها الحياتي ( بائعة . متسولة ) الترجمة ساعدتنا في تلمس شفافية اساليب السرد وتنقلاته حسب المساحة الممتدة عليه
تحياتي

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

تحية لهذه المتابعة و القراءة المتأنية

صالح الرزوق
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4933 المصادف: 2020-03-08 03:05:55