صالح الرزوقمارلين مونرو

ترجمة صالح الرزوق


شاركني المشاعر

التي تعتمل في أعماقي - هذا يعني أن تحاول

أن تدركها

وأيضا ما ألمسه عند غيري..

أنهم لا يشعرون بالعار من مشاعري، وتفكيري - أو أفكاري.

**

افهم حقيقة

ما هم عليه-

**

ها أنا أجد: أن الإخلاص

وأن تكون بسيطا أو مباشرا (قدر الإمكان) هو

غالبا، برأيي، غباء مفرط.

ولكن هذا فقط لأننا في عالم بعيد عن الإخلاص -

من المحتمل جدا أن يكون الإخلاص هو الغباء.

أن يكون المرء غبيا ويتورط

بالإخلاص يعني أنه من هذا العالم

وليس في عالم آخر نعرفه

بالتأكيد نحن موجودون - وهذا يعني -

(بما أن الواقع موجود يجب أن نتعرف عليه و نتعامل معه)

ما دام هناك واقع ويجب التعامل معه.

**

أن تمتلك قلبك

مجد وسعادة كاملة ممكنة (أنك

لي فقط) وأنا لك فقط.

**

أعتقد أنني كنت دائما

مرعوبة من أعماقي أن أكون

زوجة أحدهم

لأنني تعلمت من الحياة

المرء لا يمكنه أن يحب غيره،

أبدا، وفعلا.

**

الحياة

هي عزم وإصرار وليس سباحة مع التيار

العمل

فيه يمكن أن تجد الحقيقة، لا أن تخترعها.

 

.............................

مارلين مونرو: هي الممثلة الأمريكية المعروفة. والترجمة من مفكراتها المنشورة بعد مقتلها.

 

عامر كامل السامرائي"القصيدة رقم 6 من مجموعة ايروتيكا"

للشاعر اليوناني: يانيس ريتسوس

ترجمها عن المجريّة: عامر كامل السامرائي


أخذتِني كُلي، ولم تُبقِ للموت شيئا. في جسدكِ أتنفس.

بذرتُ الفَ صبيٍّ في أخدودكِ المبلول بالعرقِ.

ألف حصان يَخبُّ على الجبل،

يجرُّ خلفه أشجار زيتونٍ اجتثت من جذورها.

 تهبطُ صوبَ ضواحي القريةِ، ترفعُ رؤوسها،

تتفرّسُ بعيونها اللوزية، السوداء "الأكروبوليس"، وأضواء إشارات المرورِ الرفيعة.

ترمش بأهدابها القصيرة.

تسحرها مرغمةً لعنة الأخضر والأحمر.

شُرطيُّ المرور يحرك يديه، كأنه يقطف من الليلِ ثمرةً غير مرئيةً، أو يَجتذِبُ نجمةً ممسكاً بذيلها.

تُولّي مُدبرةً، كأنها هاربةً من معركةٍ لم تحدث. ثُمَ فجأةً تَهِزُّ أعرافها مرةً أخرى وتعدو صوبَ البحرِ. وأنتِ فوقَ الصهوة الأكثر بياضاً، عاريةً. ناديتكُ. يُطَوِق نهديكِ غُصنا سروٍ. حلزونٌ يَقبعُ ساكناً في شعركِ. أناديكِ، حبيبتي.

ثلاثةُ مقامرين خُلَعَاءُ، يدلفونَ إلى حانوتِ بيع الحليب ِ. بزغ الفجر.

تنطفئُ أنوارُ المدينةِ. تنهمرُ بشحوب عتمة هائلة على جلدكِ.

أنا فيكِ. أصرخ من أعماقكِ. أناديكِ، ها هُنا، حيثُ هدير الأنهار تتصادم مصباتها، في جسدِ الإنسانِ، ويفيض عُباب السماء- جارفاً معه كل مخلوقات العالم: بطاً بّرياً، نوافذ، بُومات، صناديلك ِالصيفيَّة، أحد أساوركِ، قنفذ بحر، حمامتين - شيء لا يُفسَّر، وخلود لا ريب فيه صوب جَنَّةٍ مفتوحة.

 

.................................

نبذة عن حياة الشاعر :

تجدونها في ويكيبيديا، الموسوعة الحرة: يانيس ريتسوس

 

 

 

عامر كامل السامرائيللشاعر المجري: جولا يوهاس

 ترجمها عن المجرية: عامر كامل السامرائي


نائمٌ أنتَ، لكنكَ حاضر...!

أعرف ذلك، أعرفه جيداً.

أنتَ الذي تشخصنت من نَشوتي

في فجر أربعاء رمادي،

 ورحتَ تُضرمُ النار في فكري الحزين،

ففزعتُ واجماً حين رأيتكَ

وناديت أمي منتحباً.

 

نائمٌ أنتَ، لكنكَ حاضر...!

تنتظرني في الخمر

وحينما أنكفئ في التراب

وأصرُخُ: ضاع كل شيء.!

تظهر أنت في العتمة لامعاً

لتكتب على ناصيتي العريضة المشوشة

اسمكَ بالأحمر...!

 

نائمٌ أنتَ، لكنكَ حاضر...!

تستيقظ في صمت الليل،

وتقف عند رأسي،

لتضغط بيدك على قلبي.

أعرفكَ جيداً أيها الحرفيّ،

وها أنا أتبعك،

لأقف معك على قنطرة الجنون

الهادئ الحزين

 

نائمٌ أنتَ، لكنكَ حاضر...!

تستيقظ أحياناً،

لتنقر الوقت بهدوء،

على إيقاع قصائد محمومة.

 

قد يحدث مرة، في لحظة مرعبة

أن تضرب على جبهتي بساطور كَلِيل

فتطفئ عيني اللامعة ...

 

..........................

نبذة عن الشاعر:

ولد الشاعر جولا جوهاس (Juhász Gyula) في مدينة سَكَد جنوب دولة المجر في 4 أبريل عام 1883. ومات منتحراً في 6 أبريل من عام 1937.

كان من أبرز شعراء المجر وأكثرهم شهرة في تلك الحقبة. فقد عبرت قصائده الغنائية عن واقع حياة الهنغاريين.

لم تكن حياته سعيدة أبداً. فقد عاش وحيداً منعزلا ولم يستطع التخلص من عزلته فتحولت إلى مرض مزمن ومأساوي. ترك مزاجه المتشائم بصماته على قصائده منذ البداية، فبات الحزن والاستسلام هو النغمة الأساسية فيها.

كان أسلوبه الشعري أقل تأثراً بالرمزية، على عكس ما كان شائعاً في مطلع القرن العشرين. فلم يتأثر بأي من الشعراء المبدعين العظماء في تلك الفترة.

كانت لغته الشعرية أكثر واقعية، وأكثر قابلية للفهم. عادة ما تكون قصائده قصيرة، ومغلقة التكوين. لقد كان من أكثر الشعراء تأثراً بالانطباعية. فقد كان يؤمن بعمق بالجمال والفن اللذين كانا يعنيان له جنة عدن.

حاز على جائزة Baumgarten

صدرت له عدة دواوين شعرية، ومقالات وعدد من المؤلفات التي تعنى بالأدب.

 

صالح الرزوقهاروكي موراكامي

ترجمة صالح الرزوق

وراء المملكة الفاشلة مباشرة يجري نهر صغير رائع. وهو جدول نقي وفاتن، وتعيش فيه أنواع عديدة من الأسماك. وهناك أيضا تنمو الأعشاب البرية، وكانت الأسماك تقتات على هذه الأعشاب. وطبعا لم تهتم الأسماك بنجاح أو فشل المملكة. وكذلك لم تجد فرقا سواء كانت مملكة أو جمهورية. فالأسماك لا تنتخب ولا تدفع الضرائب. وبرأيهم هذا لا يصنع أي فرق.

وكنت أغسل قدمي بالجدول. أنقعهما لفترة قصيرة في مياه باردة كالجليد حتى تحمرا. ومن الجدول، يمكن أن تشاهد جدران وبرج قلعة المملكة الفاشلة. وكان علم ملون بلونين يرفرف في البرج، ويخفق مع النسمات. وكل من يمر على طول ضفة النهر يمكنه رؤية العلم ويقول:”أنظروا هناك. هذا علم المملكة الفاشلة”.

وكنت أنا وكيو Q صديقين - أو يجب القول كنا زميلين في الجامعة. ولكن مرت عشرة سنوات ولم نفعل ما يفعله الأصدقاء. ولذلك أستعمل صيغة الماضي. عموما، كنا صديقين.

وكلما حاولت أن أتكلم مع أحد عن كيو - أن أنعته بصفة شخص - أشعر بالإحباط التام. لم أكن جيدا بتوضيح أي شيء بالكلام، ولكن  حتى بعد أن تضع ذلك بحسبانك، أشعر أن الكلام مع أحدهم عن كيو هو نوع من التحدي. ولكن إذا حاولت يغمرني إحساس عميق جدا من اليأس والقنوط.

ولأبسّط معنى ما أقول قدر الإمكان، أنا وكيو بنفس العمر. ولكنه أوسم مني بمائة وسبعين مرة.  أيضا لديه شخصية رائعة. وهو غير متهور ولا انفعالي، ولا يغضب أبدا لو أن أحدهم تسبب له بمشكلة، ويقول:” آه. حسنا. أنا أقوم بأشياء من هذا النوع”. والحقيقة أنني لم أسمع عنه القيام بأفعال من هذا النوع. أضف لذلك أنه تلقى تربية جيدة. كان أبوه طبيبا ولديه عيادة في جزيرة شيكوكو، وهذا يعني أن كيو لم يكن بحاجة لمصروف جيب. ولكنه لم يكن مبذرا. كان حسن الهندام ورياضيا متفوقا، وكان يلعب التنس في المدارس خلال الدراسة الثانوية، ويتقن السباحة ويزور المسابح مرتين على الأقل في الأسبوع. ومن الناحية السياسية، أعتبر أنه ليبرالي معتدل. ومرتبته، إن لم تكن ممتازة، فهي على الأقل تستحق تقدير جيد. ولم يتقدم لأي امتحان تقريبا، مع ذلك لم يكن فاشلا. فقد كان يحسن الإصغاء للمحاضرات.

وكان موهوبا على نحو مدهش بالعزف على البيانو، ولديه الكثير من معزوفات بيل إيفانس وموزارت. أما أدباؤه المفضلون فهم فرنسيون - وبالمقدمة بلزاك وموباسان. وأحيانا يقرأ روايات لكينزوبورو أوي أو سواه. وانتقاداته دائما دقيقة.

وكان مشهورا بين النساء، لدرجة كافية. ولكنه لم يكن “شخصا يمكن اتهامه”. ولديه صديقة دائمة، وهي طالبة جميلة، من بنات الجامعة المرغوبات. ويترافقان بنزهة أسبوعية كل أحد.

وعموما هذه هي صورة كيو في الجامعة. وباختصار هو شخصية من دون أخطاء أو عيوب.

نعود لموضوعنا، كان كيو يعيش في شقة مجاورة لشقتي. وأحيانا أقرضه الملح وأقترض منه صلصة السلطة. وهكذا أصبحنا صديقين. وسريعا ما بدأنا نتعايش ويتواجد كل منا في شقة الثاني كل الوقت، نستمع للمعزوفات، ونشرب البيرة. وفي إحدى المناسبات، خرجنا أنا وصديقتي بالسيارة إلى كاماكورا برفقة كيو وصديقته. وكنا مرتاحين معا. ثم بعد نهاية الدراسات العليا وفي عطلة الصيف رحلت. وانتهى كل شيء.

ولم أشاهد كيو لاحقا إلا بعد مرور عقد تقريبا. كنت أقرأ كتابا في ساحة مسبح في منتجع قرب منطقة أكاسادا. وكان كيو جالسا على كرسي طي في الهواء الطلق بجانب كرسيي. وبقربه امرأة طويلة الساقين وفاتنة ترتدي البيكيني.

وفورا تعرفت عليه. كان وسيما كعهده دائما، والآن، وهو فوق الثلاثين، يحتفظ بكرامة لم يكن يتحلى بها سابقا. وتلقى من امرأة عابرة نظرة سريعة.

ولم يلاحظ أنني أجلس بجواره. فأنا شاب عادي المظهر، وكنت أضع نظارات شمسية. ولم أكن متأكدا أنه يحسن بنا تبادل الكلام، وفي النهاية قررت أن ألتزم الصمت. وكان مستغرقا بالكلام مع المرأة، وترددت بمقاطعته. أضف لذلك، لم يكن هناك بيننا أشياء كثيرة يمكن أن نتكلم عنها.  يمكن أن أقول:”هل تذكر أنني أقرضتك الملح؟”. فيرد:”فعلا. وأنا اقترضت منك زجاجة صلصة السلطة”. وسينفذ الكلام منا بسرعة. ولذلك احتفظت بفمي مغلقا وانغمست بكتابي.

ولكن لم أمنع نفسي من استراق السمع للكلام المتبادل بين كيو ورفيقته الجميلة. كان موضوعا معقدا تماما. ثم يئست من القراءة والاستماع لهما.

قالت المرأة:”مستحيل. لا بد أنك تمزح”.

قال كيو:”أعلم. أعلم. أفهم ماذا تقولين. لكن هل كان الشباب في الأعلى. أنا أخبرتك بما اتفقوا عليه. فلا تنظري لي هكذا”.

قالت:”نعم. فعلا”.

وأطلق كيو تنهيدة.

دعني ألخص حوارهما الطويل - مع إضافات مهمة من التخيل طبعا. كان يبدو أن كيو الآن مديرا لمحطة تلفزيونية أو شيء مشابه، والمرأة مطربة  أو ممثلة معروفة . وكان قد تم إنهاء عملها بمشروع بسبب نوع من أنواع المشاكل أو الفضائح التي تورطت بها، أو ربما لأن شعبيتها انحدرت فقط. وأنيطت بكيو مهمة إبلاغها بهذا القرار، وكان هو الشخص المسؤول مباشرة على إدارة العمليات اليومية. أنا لا أعرف الكثير عن صناعة الترفيه، ولذلك لا يمكنني أن أستوعب أدق النقاط فيها، ولكن لا أظن أنني في النهاية قليل الفهم. وبالحكم على ما سمعت، كان كيو يؤدي مهامه بشيء من الشرف والإخلاص.

قال:”لا يمكننا أن نعيش دون كفيل، لا ضرورة لأن أخبرك بذلك - أنت تعرفين ظروف العمل”.

” تريد أن تقول إنك غير مسؤول إطلاقا أو ليس لك رأي في الموضوع؟”.

“لا، أنا لا أخبرك بذلك. ولكن ما يمكنني القيام به محدود حقا”.

وتواصل الحوار بينهما حتى وصلا لنهاية مسدودة. وكانت تريد أن تعرف كم أجهد نفسه من أجلها. وألح أنه فعل ما بوسعه، ولكن لم يمكنه إثبات أي شيء، ولم تقتنع. أنا في الحقيقة لم أصدقه أيضا. وكلما بالغ بتفسير الأشياء جاهدا، كلما تضاعفت غمامات الضباب الغامضة المعلقة فوق كل شيء. ولكنها ليست غلطة كيو. وهي ليست غلطة  أي إنسان. ولذلك لم يكن هناك أي نهاية لهذا الحوار.

كان من الواضح أن المرأة تحب كيو طوال الوقت. وشعرت أنهما كانا متفاهمين طوال الوقت لحين هذه المفاجأة. وربما زاد ذلك من غضب المرأة فقط. ولكن في النهاية  هي من استسلم.

قالت:”حسنا. يكفي هذا. هل يمكن أن تشري لي علبة كوك؟”.

حينما سمع كيو ذلك، تنهد بارتياح وتوجه إلى منصة المشروبات. ووضعت المرأة نظاراتها الشمسية وركزت نظرها نحو الأمام. وفي غضون ذلك، قرأت نفس السطر من كتابي حوالي مائتي مرة. وبسرعة عاد كيو مع كوبين ورقيين. قدم أحدهما للمرأة. وجلس في كرسيه وقال:”لا تيأسي كثيرا من ذلك. في أي يوم سوف -”.

ولكن قبل أن ينتهي رمت المرأة كوبها عليه، وأصابته بوجهه، وتناثر ثلث رذاذ الكوكا كولا علي. ودون أي كلمة وقفت المرأة وجرت البيكيني على مؤخرتها وابتعدت من غير أية نظرة للخلف. وجلست أنا وكيو هناك مصعوقين لحوالي خمس عشرة ثانية. ونظر إلينا الناس من حولنا مذهولين.

وأول من استعاد وعيه هو كيو. قال وهو يمد يده لي بمنشفة:”آسف”.

أجبته:”حسنا. سأستحم. وتنتهي المشكلة”.

نظر لي قلقا، واستعاد منشفته واستعملها بتجفيف نفسه.

قال:” على الأقل اسمح لي أن أدفع ثمن الكتاب”. فعلا لقد ابتل كتابي. ولكنه كتاب من نوع الطبعة الشعبية الرخيصة. ولم يكن ممتعا جدا لي. ومهما كان من رماه بالكوك ومنعني من قراءته فهو قد أسدى لي خدمة. وحينما شرحت له ذلك انشرح وجهه. واستعاد ابتسامته المبشرة كعادته.

وغادر كيو في تلك اللحظة، واعتذر لي وهو يقف على قدميه. ولم يعرف على الإطلاق من أكون.

ولذلك قررت أن اسمي هذه القصة “المملكة الفاشلة” لأنه تصادف أنني قرأت مقالة في جريدة المساء في ذلك اليوم عن مملكة إفريقية فاشلة. وورد في الخبر:”أن ترى مملكة عظيمة تختفي أدعى للحزن من أن ترى جمهورية من الدرجة الثانية وهي تنهار”.

 

........................................

* (ترجمها عن اليابانية جاي روبن  Jay Rubin).

* الترجمة الإنكليزية عن النيويوركير

 

عامر كامل السامرائيللشاعر المجري: كاروي بَاري

ترجمها عن المجرية: عامر كامل السامرّائي


 

كلابُ الريح تعوي،

وتنهش أسنان البرد المعتوه

صُلبَ الحقول الشاحبة،

 

غصنٌ يابسٌ يفترشُ الثلجَ الذي

تلطم صدره تنهدات الجبال الباردة

مثل ضربات صولجان قاسية

.

 

آه، الصنوبر الأخضر المُرتعش،

هو الآخر ينبت لحا من صقيع!

 

إيقاع زهور الثلج:

يُلألئُ ليلها بالأبيض،

وتحت أسيجة الغابات،

تبكي الوعول

يسهر البدر،

فوق قرونها المرتجفة.

***

نبذة عن حياة الشاعر:

ولد الشاعر كاروي باري (Bari Károly) عام 1952 في جمهورية المجر، في قرية جبلية صغيرة تابعة لمحافظة بورشود تدعى بوك أرانيوش، من أبوين غجريين لهما سبعة أطفال كان كاروي خامسهم.

بعد إنهاء مرحلة الدراسة الابتدائية التحق بالمدرسة الثانوية في مدينة ميشكولتس (مركز المحافظة التي ولد فيها)، ومن ثم درس في معهد الفنون المسرحية في محافظة ديبريتسن. وبعد التخرج درس الآداب في جامعة كوشوت لايوش في العاصمة بودابست.

كان لا يزال طالباً في الثانوية عندما صدرت له أول مجموعة شعرية وقد لاقت نجاحاً عاصفاً بحيث طبعت مرتين خلال عامٍ ونصف العام تقريباً.

في منتصف السبعينيات تم منع طباعة ونشر قصائده بسبب محتواها السياسي، وسجن على إثرها في واحد من أشد السجون حراسة في المجر، يدعى (نجمة سَكَد). بعد إطلاق سراحه تم تهميشه في المجتمع الأدبي لسنوات.

كان شاعراً وفناناً تشكيلياً ومترجماً للشعر المعاصر. كتب عن الفولكلور، والتقاليد الغنائية والقصيدة الملحمية الشعبية الغجرية. عرضت لوحاته الفنية لأول مرة في معرض بمدينة غودولو بالقرب من العاصمة بودابست، وفي وقت لاحق، عرضت في العاصمة بودابست أيضاً، وفي مدينة ديبريتسن ومدينة سَكَد وباريس وبرلين وستراسبورغ.

تنشر قصائده بانتظام في عدة لغات أجنبية وفي العديد من المجلات والمختارات الشعرية الأجنبية. نشرت أعماله أيضاً في طبعات خاصة مستقلة ومن قبل جامعة بولونيا في إيطاليا، وفي فرنسا، ومؤسسة روتردام الهولندية، وباللغة الألمانية في برلين، كما طبعت بعضها باللغة الإنكليزية في سان فرانسيسكو.

حصل على جائزة الشاعر المجري "يوجيف أتيلا" عام 1984، وجائزة الأديب "ديري" عام 1992 من مؤسسة الملياردير المجري "شورش"، والجائزة الأدبية لجمعية وسط أوروبا C.E.T عام 2000، وجائزة "زولتان كوداي" عام 2001.

أهم أعماله الشعرية:

 - فوق وجوه الموتى" صدرت عام 1970

 - النار المنسية" عام 1973

 - كتاب البكم" عام 1983

 - إحدى وعشرون قصيدة" عام 1993-

 وصدر له كتاب فخم عام 2019، يحتوي جميع أعماله الشعرية مع جزء كبير من لوحاته الفنية، وقصص من تراث الغجر.

 

 

صحيفة المثقفللشاعرة: ميكايلا ريميل

ترجمة : مريم لطفي

تاريخ النشر: أبريل 2015


صفير الرياح

بريق الثلج

نحاول ألا نفعل

لكننا جميعًا نستمع.

 

صرخات عالية،

أحلام سيئة،

إنها بعيدة جدًا،

لكن يبدو أنها قريبة.

 

يوم حزين

فقدنا طريقنا

كل ما يمكننا فعله

.هوالصلاةبكل بساطة

 

ذهبت البراءة

والحياة لم تعد طويلة.

قد لا نعرف،

لكننا جميعًا نخطئ.

 

فقد الفرح

بالتهلكة

نتطلع لنرى

قلوب مغطاة بالصقيع

.

الحروب تخاض

الخطايا تُدرس

ترتكب الاخطاء

املا بالا يقبض عليها

 

لاتلقي اللوم

مندفعا نحو الشهرة.

نتقدم كما نحن

ما زلنا غير مروّضين.

 

الكثير من الفخر

بحاجة إلى دليل.

سوف ننكر ذلك

ولكن وراء الأكاذيب نختبئ.

 

إيذاء الآخرين

خيانة الإخوة.

نسيان كثير

لتقدير الأمهات

 

الأكاذيب تتغذى

تملأ القلب والرأس

خلال كل هذه السنوات

دماء الابرياء اريقت.

 

أطفال مهجورون

وحيدون تقطعت بهم السبل.

كلنا نضيّع الحياة

التي سُلّمت لنا.

 

يؤخذ من الفقراء

نعد نحب اكثر.لم

قاتل لتكون حرا

ينتهي المطاف  ببدء الحرب.

 

بدأ الناس القتال

ولم يعودوا يستمتعون بالمشاهد

بينما مجرد بشر يأخذون

ربنا وهبنا الحقوق.

 

قتل الجنود

لا يمكن ملء الفراغ

اعرني انتباهك جيدًا

لأن النفوس الطاهرة قد حُرثت.

 

بحاجة إلى إيجاد السلام

والعمل معًا مثل الأوز

ولكن الأهم من الكل

الكراهية يجب ان تتوقف

............................

 

Family Friend

Lost Innocence

Michaela Remmel

Published: April 2015

Wind whistling،

Snow glistening،

We try not to،

But we're all listening.

 

Loud screams،

Bad dreams،

It's very far،

But close it seems.

 

Sad day،

Lost our way،

All we can do

Is simply pray.

 

Innocence gone،

Life no longer long.

We may not know،

But we're all doing wrong.

 

Joy lost،

The Holocaust.

We look to see

Hearts covered in frost.

 

Wars fought،

Sins taught،

Making mistakes،

Hoping not to be caught.

 

Not taking blame،

Pushing for fame.

As advanced as we are،

We're still all untamed.

 

Too much pride،

Needing a guide.

We will deny it،

But behind lies we hide.

 

Hurting others،

Betraying brothers.

Many forgetting

To appreciate mothers.

 

Lies are fed،

Filling heart and head.

Through all of these years،

Innocent blood has been shed.

 

Children abandoned،

Lonely and stranded.

We're all wasting the life

That we have been handed.

 

Taking from the poor،

We're loving no more.

Fight to be free،

End up starting a war.

 

People starting fights،

No longer enjoying the sights،

While mere mortals are taking

Our God given rights.

 

Soldiers killed،

Void can't be filled،

Pay close attention،

For pure souls have been tilled.

 

Need to find peace،

Work together like geese،

But greatest of all،

The hate needs to cease.

 

...................................

الشاعرة ميكايلا ريميل: شاعرة  مرهفة نقلت مشاعرها النبيلة حول ماتراه وتسمعه عن العالم من حولها بكل عفوية فابدعت..

تقول الشاعرة:لقد ظلم البشر ولقد لاحظت ذلك،تخيل كم هو غريب ان تسمع فتاة في الرابعة عشرة من عمرها عن كل هذه الكراهية في المدرسة وعلى شاشات التلفزيون،على عكس العديد من المراهقين،اوظف موهبتي لشرح وجهة نظري عن العالم،استغرق هذا الامر بعض الوقت للكتابة وكان لدي العديد من الاخطاء لاصلاحها قبل ان اشعر بالقناعة الكافية لوضعها على النت،امل ان يتمكن كل من يقراها رؤية لمحة عن العالم من وجهة نظري..

 

مريم لطفي

 

سالم الياس مدالوقصيدة للشاعر الامريكي والت وايتمان

1819 - 1892 -

ترجمة : سالم الياس مدالو

اسمع امريكا تغني التراتيل

المتنوعة التي اسمعها

فالميكانيكيون يغنون

اغنياتهم كما يجب ان تكون

مفرحة وقوية والنجار

يغني وهو يقيس

اللوح الخشبي والبناء

حينما يكون في عمله

او حين المغادرة

وملاح السفينة على

سطح سفينته البخارية

وصانع الاحذية يغني

وهوجالس وصانع القبعات

وهو واقف والحطاب

عند استراحة الظهيرة

او عند الغروب والغناء

اللذيذ هو للام وللزوجة الشابة

حينما تخيط او تغتسل

تغني اغنياتها الخاصة بها

واما الشباب فيغنون في

حفلاتهم اللياية اغنيات

قوية قوية ورنانة

***

 

 

عامر كامل السامرائيكيف كُتِبَتْ قصة روبنسن السوفيتي

تأليف: إلف- بتروف

ترجمها عن الانكليزية: عامر كامل السامرائي


شحت المواد الأدبية التي كانت تستحوذ على أهتمام القراء من الناشئة في رئاسة تحرير مجلة "لنغامر" الدورية المصورة، والتي كانت تصدر مرة كل إسبوعين.

كان هنالك بعض النصوص، ولكن لم يظفر أحدها بالقبول لاحتوائه على كلام بديهي فيه الكثير من التكلّف. والحق يقال، فأنها كانت تثير الكآبة في نفوس الطليعة بدل من أن تفتنهم. بينما كان رئيس التحرير يصبو إلى عملٍ يأسر القارئ. وفي نهاية المطاف قرروا التعاقد على رواية مسلسلة.

هرع مراسل رئاسة التحرير بالأخطار إلى الكاتب مولدوفانسيف، وفي اليوم التالي كان مولدوفانسيف جالساً في مقعد غرفة التحريرالوثير.

- الموضوع وما فيه – بادره رئيس التحرير، - هو أن يكون هذا العمل الأدبي جذاباً، ينبغي أن يكون عذباً، مليئا بالمغامرات، أريد أن اقول: ليكن روبنسن كروسو* هذا سوفيتياً، بحيث لا يضعه القارئ حتى ينتهي منه.

فقال الكاتب بأقتضاب:

- روبنسن...فكرة جميلة، ولمَ لا.

- ولكن ليس كأي روبنسن، وإنما نريده سوفيتياً.

- بالطبع سيكون كذلك ! روبنسون الروماني لا يستطيع أن يكون سوفيتياً.

لم يكن الكاتب ممن يحبون الكلام الكثير، بل كانت تبدو عليه الجدية. فقد أكمل الرواية بالفعل في الوقت المحدد. لم يختلف اسلوب مولدوفانسيف عن سابقيه، ومادام قد طلبوا روبنسن، فليكن روبنسن.

تتحدث الرواية عن شاب سوفيتي تحطمت سفينته، فنبذته الأمواج على ساحل جزيرة غير مأهولة، كان وحيداً لا يذود عنه احد أمام عظمة الطبيعة، فكانت المخاطر تحف به من كل صوب وحدب، حيوانات مفترسة، سباع، وقدوم موسم الأمطار. بيد أن روبنسن السوفيتي، كان مليئاً بالقوة، فقد تغلب على كل المصاعب التي واجهته، وبعد مرور ثلاثة أعوام عثرت عليه جماعة من المستكشفين، وقد هَزَم الطبيعة، فبنى له كوخا، أحاطه بسياج أخضر، وربى الأرانب، وأخاط لنفسه معطفا سميكاً من أذيال القردة، وعلّم ببغاء على ايقاضه كل صباح بالقول: " إنتباه ! ارم الغطاء، إرم الغطاء، سنبدأ رياضة الصباح !"

- عمل فاخر حقاً - أومأ برأسه رئيس التحرير- الأرنب بصدق، رائع، جاء بمكانه، ولكن.. دعني أقول لك، بأنني لم أفهم فكرة الرواية بوضوح.

- صراع الأنسان مع الطبيعة – قالها مولدوفانسيف بأقتضابه المعتاد.

- صحيح، صحيح، ولكنها خالية من الروح السوفيتية.

- وما بال الببغاء؟ فهي بالنص تمثل الأذاعة، محطة إذاعة تجريبية.

- لا ضير من الببغاء، ولا من حديقة الخضراوات تلك، ولكن رغم هذا كله لا تشعرك بوجود المجتمع السوفيتي، اين مثلاً، لجنة نقابة العمال، ودور رئيس النقابة؟

اضطرب مولدوفانسيف فجأة، وما أن أحَسَ بأن الرواية قد تُرفض، تحولت شحة كلماته بلحظة واحدة إلى لباقة بليغة.

- كيف يمكن للجنة النقابة أن تكون هناك؟ فالحديث يدور حول جزيرة غير مأهولة!

- صحيح تماماً، فالجزيرة غير مسكونه، ولكن ينبغي أن تكون هناك لجنة نقابية، أنا لست من البلغاء، فلو كنت بمكانك لأدخلتها في الرواية، كميّزة في المجتمع السوفيتي.

- ولكن عندما تكون الرواية مبنية على جزيرة غير مأه...

في هذه اللحظة وبغير قصد نظر مولدوفانسيف في عيني رئيس التحرير، فعلقت الكلمة في حنجرته ولم يستطع إكمالها. فوميض ذلك التحدي بالنظرات حول زرقة عينا رئيس التحرير الربيعية إلى خريف جامد، أجبره على الخنوع.

- وهو كذلك : معك الحق ياسيدي – بادرالكاتب، رافعا أصبع سبابته – بالطبع. كيف لم يخطر ببالي هذا الشئ ؟ الأثنان سينجوان من السفينة المحطمة، روبنسن هذا، و سكرتير اللجنة النقابية.

- بل ضف إلى ذلك كادرين متفرغين للعمل النقابي، أضاف له رئيس التحرير ببرود.

- أوه !- تأوه الكاتب.

- لا تتأوه. كادران متفرغان، وفتاة ناشطة، والتي ستجمع اشتراكات العضوية.

- ولمَ تلك الفتاة بحق الشيطان؟ ممن ستجمع اشتراكات العضوية؟

- من روبنسن.

- السكرتير يمكنه ان يأخذ الأشتراك من روبنسن، ولن يُسقط هذا العمل التاج من فوق رأسه.

- أرأيت! هنا أيضا أنت على خطأ، أيها الرفيق مولدوفانسيف، هذا ما لايسمح به بتاتاً، فكيف يشغل سكرتير النقابة نفسه بمثل هذه الترهات، لا يمكنه أن يلاحق الأعضاء ليجمع اشتراكاتهم. نحن من يناضل من أجل ذلك، أما السكرتير فليقم بأعمال قيادية هامة.

- فليكن، لتأتي هذه الفتاة جامعة الأشتراكات – لوح الكاتب بيده – بل سيكون افضل، عسى ان يتزوجها السكرتير أو روبنسن، لتصبح الرواية اكثر متعة.

- أعوذ بالله ! لا تجعل أعمالك تنحدر إلى السوقية، ومن الأثارة الجنسية. دع تلك الفتاة تجمع اشتراكات الأعضاء فقط، وتحفظها في خزانة حديدية.

بدأ مولدوفانسيف يتلوى في مقعده.

- ولكن المعذرة، كيف جاءت الخزانة الحديدية إلى جزيرة غير مأهولة؟

أستغرق رئيس التحرير في التفكير ثم قال فجأةً:

- أنتظر، انتظر، هنالك في الفصل الأول جزء ممتاز، فقد قذفت الأمواج روبنسن وأعضاء اللجنة النقابية مع بضعة اشياء إلى الساحل...

- فأس، ومنجل، وبوصلة، وبرميل من الخمر، وقارورة من دواء ضد مرض الأسقربوط – عددها الكاتب بأحتفالية.

- اشطب برميل الخمر – قاطعه رئيس التحرير بعجالة.

- وقارورة الدواء تلك ما فائدتها، من بحاجه إليها ؟ أهم منها المَحبَرة ! ومن الضروري وجود خزانة حديدية.

- لماذا تصر على الخزانة الحديدية؟ جوف شجرة البوابا** سيكون مكاناً آمناً لاشتراكات الأعضاء. من ذا الذي سيسرقه من هناك؟

- كيف يعني من؟ وروبنسن؟ وسكرتير النقابة؟ والكوادر المتفرغه للعمل النقابي؟ واللجنة الحزبية؟

- هؤلاء ايضا سيكونون من الناجين ؟ سأل مولدوفانسيف باهتاً.

- نعم.

حل صمت كصمت القبور.

- ماذا لو تقذف الأمواج بمنضدة إلى الساحل للأجتماعات؟! –قالها الكاتب بسخرية لاذعة.

- بدون.. ادنى.. شك! ينبغي توفير مستلزمات العمل! جرة ماء، جرس، وغطاء للمنضدة. ليكن لون غطاء المنضدة الذي ستقذفه الأمواج إلى الساحل، كما تشاء انت، احمر، او اخضر، لأ اريد أن أفرض رائي على مخيلتك الأبداعية. بأختصار، الهدف ياصديقي هو : إبراز دورالجماهير، جماهير الطبقة الكادحة.

- الأمواج لا تستطيع أن تحمل كل هذه الجماهير لترميها إلى الساحل – اصر مولدوفانسيف.- فهذا يناقض تماما محور الرواية، تخيل فقط، الأمواج تقذف بعشرة الآف او عشرين الف شخص ! شئ مضحك !

- شئ رائع ! – اثنى عليه رئيس التحرير- لاضير ابداً في قليل من المرح المنعش، والفكاهة، ومن الصخب السليم.

- بل اقول كلا، فالأمواج لا تستطيع حمل كل هؤلاء البشر.

- ولماذا الأمواج؟ - نظر المحرر بدهشة مبهوراً.

- كيف إذن ستصل تلك الجماهير إلى الجزيرة؟ خصوصا وانها غير مأهولة؟

- من قال لجنابك، إنها غير مأهولة ؟ انت تخلط الأمور، بيد أنها واضحة كالشمس. هنالك جزيرة ما، بل من الأفضل لو تكون شبه جزيرة، لكي تكون الأمور أكثر سهولةً. وفي شبه الجزيرة تلك، وببراعة، وبشكل باذخ تحدث مغامرات مثيرة. العمل النقابي يجري، وستحدث أخطاء بالطبع. الفتاة الناشطة، ستكتشف بعض النواقص، ولنقل، في جانب تحصيل الأشتراكات، يدعمها حشد جماهيري، ثم يقوم سكرتير النقابة بممارسة النقد الذاتي، وفي النهاية يمكن ان تُدخل عقد إجتماع شامل، وبهذا الحدث ستصبح للرواية قيمة من الناحية الفنية. هذا جل ما اريد قوله.

- و روبنسن؟ - غمغم مولدوفانسيف.

- نعم. جيد انك ذكرته. روبنسن هذا يزعجني. دعك منه! تافه، لا دور له، وليس هناك مايدعو إلى وجوده في القصة.

- كل شئ واضح الآن – قالها الكاتب بصوت كئيب – غداً ستكون جاهزة.

- إذن، اتمنى لك عملا طيباً. كن مبدعاً. بالمناسبة، في بداية القصة كان هناك حدث لتَحَطم سفينة، وأقول لك، دعك منه، ألفها بدونه. هكذا تكون اكثر إثارة. فهمت ؟ حسناً إذن. إلى اللقاء !

بعد أن أصبح رئيس التحرير لوحده في المكتب، قهقه بفرح.

- أخيراً، أخيراً سيكون لدي في المجلة عمل إبداعي متكامل. رواية مغامرات حقيقية!

 

...............................

* روبنسن كروسو عنوان رواية من تأليف دانيال ديفو، نشرت لأول مرة في عام 1719 ويعتبرها البعض الروايةَ الأولى في اللغةِ الإنجليزية. وهي سيرة ذاتية خيالية لمنبوذ إنجليزي قضى 28 عاماً في جزيرة إستوائية قُرْب فينزويلا. القصة مليئة بالمغامرات المثيرة. (المترجم).

** البوابا شجرة ضخمة الجذع تخزن في تجويف جذعها كمية كبيرة من الماء.

نبذة عن الكاتبين:

إليا إلف (اسم مستعار لإليا آرنولدوفيتش فينزيلبيرج)

ولدَ الكاتب في أوديسا لإبن كاتب مصرف. بعد تخرجه من مدرسة تقنية عام 1913، عمل في مكتب لتصميم الطائرات تابع لمصنع للقنابل اليديوية. ساهمَ إلف أيضاً في مجلة سينديكتيكون الفكاهية. في 1923 إنتقلَ إلى موسكو حيث حَصلَ على وظيفة في إحدى المكتبات، وراح يكتب في صحف ومجلات فكاهية مختلفة. بعد سنتين أصبحَ صحفياً لمجلة جودوك ومورياك. أثناء زيارتِه لآسِيَا الوسطى، شَهدَ إلف التنافر بين العاداتِ القديمةِ والنظامِ الجديدِ، والذي أصبح واحداً من المواضيعِ المركزيةِ في كتاباته، مثل الكراسي الإثنا عشرَ.

بدأ بالتعاون مع بتروف في كتابة نصوص ساخرة لجريدة البرافدا، ومجلات أخرى، وقد دام تعاونهما هذا إثنا عشر عاما تقريباً. ماتَ إلف في أبريل/نيسان من عام 1937 متأثرأ بمرض السُلِّ، الذي تَقلّصَ على رحلتِه في الولايات المتّحدةِ الأمريكية.

فجيني بيتروف: (اسم مستعار يفجيني بيتروفيتش كاتايف) ولد بيتروف في أوديسا، وكان أبوه معلماً لمادة التأريخ. تَخرّجَ عام 1920 مِنْ الثانوية العامة، وبَدأَ مهنتَه كصحفي. في 1921 أصبحَ مدققاً للإبراقِ الأوكرانيِ. قبل الإنتِقال إلى موسكو في 1923، عَملَ في قسمِ تحقيق أوديسا الجنائي. عُيّنَ محرّراً ثانوياً في المجلة الهجائيةِ كراسني، وفي 1923 إنضمَّ إلى موظّفي صحيفةِ جودوك، الناطقة بأسم عمال السكك الحديدة.

لم يكن بيتروف يطمح في أن يصبح كاتباً، غير أن أخاه الأكبرالروائي فالانتاين كاتايف (1897-1986)، شجّعَه على كتابة القصصِ القصيرةِ. وفي عام 1924 صدرت له أول مجموعة صغيرة. كما نشرت له العديد من النصوص في البرافدا والكروكودل.

 

صالح الرزوقهاروكي موراكامي

ترجمة: صالح الرزوق

ماتت أختي الصغيرة عندما بلغت الخامسة عشرة. حصل ذلك فجأة. كانت بالثانية عشرة، وفي أول سنوات مدرستها الإعدادية. وكانت مولودة مع مشكلة بأوعية القلب، ولكن بعد آخر عمل جراحي، حينما وصلت لآخر مرحلة من مدرستها الإبتدائية، توقفت هذه الأعراض. وشعرت أسرتنا بالثقة، وأملنا أملا ضعيفا أن تستمر حياتها دون حوادث طارئة. ولكن في أيار من ذلك العام، اضطربت ضربات قلبها. وكان يتدهور الوضع كلما استلقت لتنام، وبدأت تعاني من السهر في الليل. وأجرت اختبارات عديدة في مستشفى الجامعة، ومهما كانت الفحوص مفصلة لم يتمكن الأطباء من تسجيل أي تبدل في لياقتها واستعداداتها. كانت العلة الأساسية قد أزيلت تماما بالجراحة، ولذلك خيم عليهم الحيرة. وقال لها طبيبها:”تجنبي الأعمال المرهقة، واتبعي روتينا منتظما. ولا بد أن تستقر حالتك عما قريب”. وربما هذا كل ما أمكنه قوله. وكتب لها وصفة بسيطة. غير أن أوعيتها لم تتحسن. وكلما جلست أمامها على طاولة الطعام كنت أسترق النظر من صدرها وأتخيل قلبها الموجود داخله. كان صدرها قد بدأ ينتفخ بالنهدين بشكل ملحوظ. مع ذلك وداخل الصدر كان قلب أختي عليلا.  ولكن حتى الاختصاصي لم يمكنه تحديد العلة. وتلك الحقيقة وحدها وضعت ذهني في مهب الريح. وأنفقت فترة بلوغي وأنا بحالة من القلق الدائم، خشية أن أفقد أختي الصغيرة في أي لحظة. وكان والداي قد عهدا بمهة مراقبتها لي، نظرا لضعف وهشاشة بنيتها. وحينما كنا في مدرسة ابتدائية واحدة، لم أرفع عيني عنها. ولو اقتضت الحاجة، كنت مستعدا للمخاطرة بحياتي لحمايتها هي وقلبها الصغير. غير أن هذه الفرصة لم تسنح أبدا.

وفي أحد الأيام كانت في طريق العودة من المدرسة إلى البيت حينما انهارت. فقدت وعيها وهي تصعد على السلالم في محطة سيبو شينجوكو ونقلتها الإسعاف إلى أقرب غرفة طوارئ. ولدى سماعي النبأ، أسرعت إلى المستشفى، ولكن لحظة وصولي كان قلبها قد توقف عن الخفقان. كل ذلك حصل في طرفة عين. في ذلك الصباح تناولنا إفطارنا معا، وتبادلنا التحية أمام الباب، وتوجهت أنا من فوري إلى المدرسة الثانوية، وهي إلى المدرسة الإعدادية. ولم نجتمع ثانية إلا بعد توقف قلبها عن التنفس. كانت عيناها الواسعتان قد أطبقتا للأبد. وفمهما مفتوح قليلا، كما لو أنها أوشكت أن تقول شيئا. وفي المرة التالية كانت مسجالة في التابوت. وكانت ترتدي ثوبها المخملي الأسود المفضل، مع لمسة من الماكياج، وكان شعرها مصففا بعناية. وكانت ترتدي حذاءها الجلدي ووجها نحو الأعلى في تابوت معتدل الحجم. وكان لثوبها ياقة بيضاء من الدانتيل، ناصعة البياض لدرجة محرجة. لقد بدت لي مضجعة ونائمة بهدوء. وإذا هززتها قليلا ستستفيق، هذا ما تخيلته. لكنه وهم. إنما لو هززتها قدر ما أشاء - لن تستيقظ مجددا. لم أكن أود أن أشاهد جثمان أختي الرقيقة والصغيرة محزوما داخل تلك العلبة المحدودة. وشعرت أن جسمها يستحق أن يستلقي في مكان أوسع وأعرض قليلا. في وسط مرج على سبيل المثال بحيث يمكننا زيارتها بصمت، ونحن نشق طريقنا بين الحشائش الخضر كلما تقدمنا خطوة. والرياح تهب قليلا على الحشائش، وستنادينا الطيور والحشرات من حولها.  كانت رائحة الزهور البرية تملأ الفضاء، وحبوب اللقاح تتراقص فيه. وعندما يخيم الليل، ستزين صفحة السماء فوقها نقاط لا تحصى من نجوم فضية. وفي الصباح مع كل شمس جديدة تشاهد قطرات الندى تلمع مثل لآلئ على أغماد الحشائش.  لكن في الواقع، رأيتها مضغوطة في تابوت رخيص والديكور الوحيد حول تابوتها مجرد زهور بيض شئيمة مجمعة داخل مزهريات. وكانت الغرفة الضيقة المنارة  بالفلوريسينت باهتة اللون. ومن مكبر صوت صغير معلق في السقف ينبعث صوت عزف أورغن كئيب. ولم أحتمل الانتظار حتى يحين وقت حرقها. وعندما أغلقوا التابوت بإحكام غادرت الغرفة. ولم أقدم يد المساعدة للعائلة حينما وضعوا عظامها في علبة الرماد. وذهبت إلى باحة الفرن لأبكي بصمت ووحدي. 

وخلال حياتها القصيرة جدا، لم أقدم يد المساعدة لها، وقد آلمتني هذه الفكرة أيما ألم. وبعد وفاة أختي تبدلت حياة العائلة. زاد انطواء والدي، وقلق والدتي ورعشاتها. وعمليا، تابعت أنا حياتي بنفس الطريقة المألوفة. انتسبت لجماعة من متسلقي الجبال في نادي المدرسة، وقد ملأت هذه الهواية حياتي، وإذا لم أكن مشغولا معهم كنت أميل للرسم بالألوان الزيتية. ونصحني أستاذي بالاستعانة بمرشد يساعدني على دراسة الرسم. وعندما بدأت حضور حصص فنية أصبحت ميولي جادة. وأعتقد أنني حاولت أن أشغل نفسي كي لا أفكر بوفاة أختي. ولفترة طويلة -  لست متأكدا كم سنة بلغ طولها - احتفظ والداي بغرفتها كما كانت بالضبط. تراكمت على طاولتها كتب المدرسة ودليل التعليم والأقلام  والمماحي ودبابيس الورق. أما الملاءات والأغطية والوسائد، فقد تكومت على سريرها، ومنامتها المطوية والمغسولة وبذتها المدرسية تدلت داخل الخزانة - كل ذلك لم تلمسه يد.  وبقي التقويم معلقا على الجدار وعليه ملاحظاتها وبرامجها بخط يدها الدقيق. وكان جامدا على تاريخ شهر رحيلها، كما لو أن الزمن تيبس عند تلك النقطة. وكان الجو يوحي كما لو أن الباب سيفتح في أي دقيقة لتدخل منه. وحينما يكون البيت فارغا من سكانه، كنت أحيانا أدخل إلى غرفتها، وأجلس بهدوء على سريرها المرتب بعناية، وألقي نظرة أتفحص بها ما حولي. مع ذلك لم ألمس شيئا. لم أكن أود أن أبدل، ولو بمقدار بسيط، مكان أي شيء صامت تركته وراءها، ليكون دليلا على أن أختي كانت بين الأحياء في وقت من الأوقات. وغالبا ما كنت أتخيل  نوع الحياة التي ستحياها أختي لو لم تمت بعمر اثني عشر عاما. ولكن ما من طريقة دلتني على ذلك. ولو يكن أيضا باستطاعتي أن أتخيل كيف ستكون عليه حياتي في المستقبل، فكيف يمكنني أن أتنبأ بالمستقبل الذي كان مقدرا لها. ولكن كنت على ثقة أنها لو لم تكن تشكو من علة في صمامات قلبها ستكبر حتى تصبح إنسانة بمهارات عالية وجاذبية. وكنت متيقنا أن الرجال سيغرمون بها، ويحضنونها بين أذرعهم. مع ذلك لم أكن أتخيل التفاصيل. بالنسبة لي، كانت أختي الصغيرة دائما، الأصغر مني بثلاث سنوات، وبحاجة لرعايتي. ولحين من الوقت، بعد وفاتها، رسمت عدة صور لها مرارا وتكرارا. وأعدت تصويرها في دفتر الرسم، من مختلف الزوايا، معتمدا على ذكرياتي عن وجهها، كي لا أنساه. ولم أكن على وشك نسيان ملامح وجهها. فهو سيبقى منقوشا في ذهني ليوم مماتي. الباعث الحقيقي لذلك كان أن لا أنسى ذلك الوجه الذي أتذكر ملامحه في لحظة رحيلها. وكي أحقق ذلك، كان علي أن أقدم له شكلا من خلال رسمه. وكنت حينذاك أبلغ الخامسة عشرة فقط، وهناك أشياء كثيرة لا أعرفها عن عمل الذاكرة والرسم وتيار الزمان. ولكن هناك شيء أنا متأكد منه، وهو أنني بحاجة لإنجاز عمل يساعد على تسجيل محتويات ذاكرتي بدقة.  لو أهملت هذا الواجب، ستختفي الذاكرة في مكان ما. ومهما كانت الذكريات حية، للزمن سلطة أقوى منها. وكنت أدرك ذلك بالفطرة. 

كنت أجلس وحدي في غرفتها على السرير وأرسمها. وحاولت أن أصور على الورق الأبيض كيف تبدو بعين خيالي. ولكن كانت خبراتي متواضعة، وتحتاج لمهارات إضافية، ولذلك لقيت المصاعب. كنت أرسم، وأمحي، أرسم وأمحي، دون نهاية.  وحاليا كلما نظرت إلى الرسومات التي احتفظت بها (احتفظت بدفتر الرسم القديم)، أستطيع أن أرى أنها حافلة بإحساس الفجيعة الصادقة. ربما هي غير ناضجة فنيا، ولكنها نتاج جهود صادقة ومخلصة، كانت روحي تحاول إيقاظ روح أختي من السبات العميق. وكلما نظرت لتلك الرسوم، أنخرط بالبكاء رغما عن إرادتي. كنت قد رسمت عددا لا يحصى يومذاك من اللوحات الساذجة، ولكن كل الرسومات اللاحقة لم تحرض دموعي على الانهمار. وكان لموت أختي نتيجة أخرى تركت أثرها علي: لقد أطلقت العنان لإحساس حاد بالكلوستروفوبيا. منذ أن رأيتها مسجاة في ذلك التابوت الضيق، ثم أغلق عليها الغطاء بإحكام، وتم نقل التابوت إلى الفرن، لم أعد قادرا على الركون لفضاءات مغلقة وضيقة. ولفترة طويلة، لم أكن أستعمل المصاعد. كنت أقف أمام المصعد وكل ما يسعني التفكير به أنه سيهبط نحو الأسفل ويسبب كارثة كالزلزال، وأنا محبوس داخل فضائه الضيق. مجرد التفكير بهذه الفكرة كانت تصدمني بحاسة الخوف. وهذه الأعراض لم تظهر فورا بعد وفاة أختي. واستغرقت ثلاث سنوات لتطفو. وأول هجوم مرعب كان مباشرة بعد الانتساب لمدرسة الفنون، وعندما باشرت بعمل مؤقت مع شركة نقليات. كنت يومها مساعد سائق شاحنة مغلقة، أفرغها من حمولتها، وفي إحدى المناسبات أغلق باب صندوق الشاحنة الفارغ خلفي وأنا في داخله. كان يوم العمل قد شارف على نهايته، ونسي السائق أن يتأكد إن بقي أحد العمال في الصندوق. وأقفل الباب الخلفي من الخارج.  ومرت حوالي ساعتين ونصف الساعة قبل فتح الباب لأزحف منه وأنجو بنفسي. كل ذلك الوقت كنت محبوسا داخل فضاء مظلم ومحكم الإغلاق. لكنها لم تكن شاحنة مبردة أو ما يشبه ذلك، ولذلك توفرت فراغات لمرور الهواء. ولو فكرت بالموضوع بهدوء، كنت قادرا على الاطمئنان أنني لن أختنق. ولكن هذا لم يمنع الرعب الفظيع من أن يخنقني بقبضته القوية. كان هناك كفاية من الأوكسجين، مع ذلك مهما تنفست بعمق لم يكن يتسلل لصدري. كانت أنفاسي تتسارع باستمرار وبدأت ضربات قلبي تتسارع.

 انتابني الدوار. وقلت لنفسي:”لا بأس. سيمكنك إنقاذ نفسك والخروج حالا. من المستحيل أن تختنق في هذا الموضع”. ولكن المنطق لم يعمل. كان الشيء الوحيد الذي احتل تفكيري هو أختي الصغيرة، المضغوطة في تابوت ضيق لتنتقل تاليا إلى المحرقة. وغلبني الرعب، وبدأت أدق على جدران الشاحنة. كانت الشاحنة في باحة الشركة، وكل العمال، بعد أن انتهى يوم عملهم، قد انصرفوا إلى بيوتهم. ولم يلحظ أحد أنني غير موجود. وتابعت الدق بجنون، وعلى ما يبدو لم يسمعني أحد. وإن لم يحالفني الحظ من الممكن أن أستمر محبوسا فيها حتى صباح اليوم اللاحق. وبضوء هذه الفكرة، شعرت كأن كل عضلاتي على وشك أن تتساقط. وأخيرا حينما كان الحارس الليلي يتجول في الباحة في تلك الليلة سمع في النهاية الصوت الذي  يصدر عني وفتح الباب. وحينما شاهد كيف كنت مهتاجا ومرهقا مددني على السرير في غرفة الاستراحة الخاصة بالشركة وجهز لي كوبا من الشاي الحار. ولا أعلم كم استلقيت هناك. ولكن بعد بعض الوقت تحسن تنفسي وعاد لطبيعته. وكان الفجر يقترب، فشكرت الحارس واستقليت أول قطار في مطلع ذلك اليوم وعدت للبيت. وتسللت لسريري واستلقيت هناك، وأنا أرتجف لفترة طويلة. ومنذ ذلك الوقت كان استعمال المصاعد يتسبب لي بنفس الذعر. ولا شك أن الحادث أيقظ مخاوف تتململ في داخلي منذ زمن. ولم يكن عندي ولو القليل من الشك أن الحالة بدأت من ذكريات أختي الصغيرة. ولم يقف الأمر عند المصاعد فحسب وشمل كل فضاء مغلق.

لم أتمكن أيضا من مشاهدة الأفلام التي تتضمن مشاهد غواصات ودبابات. أن أتخيل نفسي محبوسا داخل فضاءات مغلقة - مجرد تصور ذلك - يعرقل أنفاسي. وغالبا ما كنت أنهض من مقعدي وأغادر الصالة. ولذلك السبب نادرا شاهدت فيلما برفقة إنسان آخر. وعندما كنت في الثالثة عشرة وأختي في العاشرة، سافرنا بمفردنا لقضاء عطلة الصيف في إقليم ياماناشي.  وكان شقيق الوالدة يعمل في مخبر جامعة ياماناشي وأمضينا وقتنا معه. وكانت تلك أول رحلة قمنا بها بمفردنا في أيام طفولتنا البريئة. وكانت والدتي مطمئنة من ذلك، وعليه حصلنا على إذن الوالدين للسفر وحيدين. كان خالي عازبا (ولا يزال عازبا، حتى الآن)، وقد بلغ الثلاثين من عمره للتو على ما أعتقد. وكان مشغولا بإجراء تجارب الجينات (وهذا عمله لحينه)، وكان هادئا وتقريبا غير واقعي، مع أنه منفتح، لكنه إنسان شديد الاستقامة. يحب القراءة، ويعرف كل شيء عن الطبيعة وأسرارها. ولا يستمتع إلا  بنزهات على الأقدام بين الشعاب، وحسب قوله هذا هو سبب قبوله بالعمل فبي جامعة ريفية بمنطقة مرتفعات ياماناشي. وكنت أنا وأختي مغرمين بخالنا. ركبنا متن القطار السريع والحقائب عالى ظهرينا، وانطلقنا من محطة شينجوكو نحو ماتسوموتو، وغادرنا في كوفو. وجاء خالنا ليستقبلنا في محطة كوفو.  كان طويلا بشكل ملحوظ، وحتى في محطة القطار في ساعات الزحام، كان بمقدورنا رؤيته بمجرد قدومه. وكان يكتري بيتا صغيرا في كوفو بالاشتراك مع صديقه، ولكن  كان شريكه في المسكن مسافرا ولذلك أمكننا احتلال غرفة خاصة لننام فيها. وأقمنا في ذلك المنزل لمدة أسبوع. وتقريبا كنا نقوم بنزهة على الأقدام بين الجبال القريبة كل يوم برفقة خالنا. وتعلمنا أسماء كل أنواع الزهور والحشرات. وكم استمتعنا بذكريات ذلك الصيف.

وفي أحد الأيام ابتعدنا بنزهتنا وزرنا كهفا تهب عليه الرياح وذلك قرب جبل فوجي.  مون بين كهوف الرياح العديدة المحيطة بجبل فوجي كان هذا أكبرها. وأخبرنا خالنا كيف تشكلت هذه الكهوف. كانت منحوتة في البازلت. ولذلك لا يمكن أن تسمعا في داخلها أي صدى كما قال. حتى في الصيف تحافظ الحرارة على معدل منخفض، وقديما كان الناس يجمعون الجليد في الشتاء ويحتفظون به في الكهوف.  وشرح لنا الفرق بين نوعي الكهوف: فوكيتسو، وهي الأكبر وكانت كبيرة بما فيه الكفاية ليدخل إليها الناس، وكازا- أنا، الأصغر والتي لا تسمح للناس بالدخول إليها. وكلا المصطلحين قراءة لنفس الحروف الصينية التي تعني “ريح” أو “ثقب”. وكان يبدو أن خالنا يعرف كل شيء. في كهف الرياح الكبير، توجب أن ندفع سعر بطاقة دخول قبل أن ندخل. ولكن خالنا لم يرافقنا. فقد زار تلك الأمكنة عددا كبيرا من المرات، ثم هو طويل جدا وسقف الكهف منخفض وخفض الرأس يسبب له آلاما في الظهر. قال:”المكان ليس خطيرا، ويمكنكما أنتما أن تدخلا، وسأنتظر عند المدخل وأقرأ في كتاب”.  وعند المدخل قدم لنا الحارس مصباحا يدويا ووضع على رأسينا خوذتين صفراوين. وكان هناك إنارة في سقف الكهف، ومع ذلك كان الجو مظلما جدا. وكلما توغلت فيه، يزداد انخفاض السقف. ولا عجب أن خالنا الطويل انتظر خلفنا. وأشعلت أنا وأختي الطفلة المصباحين لننير موطء أقدامنا وتابعنا. كان التوقيت في منتصف الصيف - والحرارة تبلغ تسعين درجة فهرنهاينت - مع ذلك في الداخل الطقس بارد، وما دون الخمسين.  وكنا اتبعنا نصيحة خالنا، فقد ارتدى كل منا بلوزة ثقيلة أحضرناها لهذه الغاية. وقبضت أختي على يدي بإحكام، إما لأنها تريد أن أحميها، أو ربما لأنها كانت تريد أن تحميني (أو لعلها لم تكن تحبذ أن ننفصل عن بعضنا بعضا). وطوال وقت وجودنا في الكهف كانت يدها الصغيرة والدافئة في يدي. ولم يكن معنا زوار آخرون إلا زوج من متوسطي العمر. وسرعان ما غادرا، وبقينا بمفردنا. نحن الاثنين.

كان اسم أختي الصغيرة كوميشي، ولكن كل أفراد العائلة يعرفونها باسم كومي. أما صديقاتها فينادونها ميشي أو ميشان. وحسب معلوماتي، لم يكن يطلق عليها أحد اسمها بالكامل، كوميشي. وكانت فتاة نحيلة وناعمة. ولها شعر أسود سبط. ومقصوص بعناية ويبلغ ما فوق كتفيها تماما. وكانت لها عينان كبيرتان بالمقارنة مع حجم وجهها (بمقلتين ضخمتين)، وهذا جعلها تشبه مخلوقا خرافيا. وفي ذلك اليوم لبست قميصا خفيفا أبيض، وسروال جينز باهت، وخفا ورديا. وبعد أن ذهبنا بعيدا في الكهف، اكتشفت أختي كهفا صغيرا جانبيا على مبعدة بسيطة عن الممر الأساسي. وكانت فوهته مستترة بظل الصخور. واهتمت جدا بذلك الكهف الضيق. وسألتني:”ألا تعتقد أنه يشبه حفرة أرنب أليس؟”. وكانت أختي شديدة الإعجاب بمغامرات أليس في بلاد العجائب للويس كارول. ولا أذكر كم مرة أجبرتني على قراءة الكتاب لها. لا بد مائة مرة. كان بمقدورها أن تقرأ منذ نعومة أظفارها، ولكن رغبت أن اقرأ لها ذلك الكتاب بصوت جهوري. ومع ذلك كلما قرأته لها كانت تتضاعف استثارتها. وأفضل جزء برأيها كان رقصة القريدس. وحتى الآن أتذكر تلك الحكاية كلمة بكلمة. قلت لها:”مع ذلك لا يوجد هنا أرنب”. قالت:”عموما سأدخل. كن مستعدا لكل المفاجآت”. كانت فجوة صغيرة جدا (قريبة من كازا-أنا، بمصطلحات خالي)، وأمكن لأختي الصغيرة أن تتسلل عبرها دون مصاعب. وأصبحت بمعظمها في الداخل، ولم يتبق في الخارج غير النصف السفلي من ساقيها. وكانت تشعل مصباحها في الحفرة. ثم ببطء ابتعدت وهي تقول:”يا لها من حفرة عميقة. الأرض تنخفض بشدة. مثل حفرة أرنب أليس. يجب أن أفحص نهاية الحفرة من الطرف الآخر”. قلت لها:” كلا. لا تفعلي. هذه مخاطرة”. ردت:”لا مشكلة. أنا صغيرة ويمكنني أن أتحرك. لا تقلق”. وتخلصت من بلوزتها الثقيلة، وبقيت بقميصها الرقيق، ومررت لي السترة مع الخوذة. وقبل أن أحتج بكلمة واحدة، ضغطت نفسها في الفجوة والمصباح بيدها. وبلحظة اختفت، ومر وقت طويل، دون أن تعود. ولم أسمع صوتا يأتي منها. ناديت في الفجوة:”كومي. كومي. هل أنت على ما يرام؟”. ولم يصلني منها أي رد. وتبدد صوتي بعيدا في الظلام دون أي صدى.

وبدأت أقلق. لربما تعسر عليها الحركة في الحفرة، ولم يعد بمقدورها التقدم أو الانسحاب. أو ربما تعرضت لحادث فقدت وعيها بإثر ذلك. ولو حصل هذا لن أتمكن من رؤيتها. وكل السيناريوهات المرعبة بدأت تتسابق في رأسي. وشعرت بالاختناق في وسط الظلام الذي حاصرني. ولو أن أختي الصغيرة اختفت في الحفرة، ولن تتمكن من النجاة بنفسها والعودة لهذا العالم، كيف سأواجه خالي وماذا أقول لوالدي؟. هل يجب أن أسرع وأخبر خالي الذي ينتظرنا أمام المخرج؟. أم أجمد هنا بانتظار ظهورها؟. جلست على الأرض وبدأت أنقب الحفرة المعتمة ببصري. ولكن حزمة النور التي أرسلها مصباحي لم تصل لمسافة بعيدة. كانت حفرة ضيقة، والظلام مخيما وخانقا. وناديت مجددا:”كومي”. دون أي نتيجة. ناديت بصوت أعلى:”كومي”. أيضا لا يوجد رد. وجمدتني موجة من الهواء البارد حتى النخاع. لربما فقدت أختي للأبد. لربما امتصتها حفرة أليس وألقت بها في عالم السلحفاة الساخرة أو هرة شيشير أو البنت الكبا. وهو مكان لا يخضع لقوانين المنطق. وتبادر لذهني: ما كان يجب أن نقترب من هذا المكان. ولكن في النهاية عادت أختي. ولم تخرج كما دخلت، بل كانت تزحف وظهرت برأسها أولا. برز شعرها الأسود من الحفرة أولا، ثم كتفاها، وذراعاها، وأخيرا خفها الوردي. وقفت أمامي، صامتة، وتمطت، وأطلقت نفسا حبيسا عميقا وببطء،ثم نفضت الغبار عن جينزها.

كان قلبي لا يزال يدق. اقتربت منها ورتبت شعرها المشعث. ولكن لم تكن الرؤية واضحة في ظل الإضاءة الخافتة داخل الكهف، وكان يبدو أنه هناك غبار وتراب وسوى ذلك من الشوائب ملتصقة بقميصها الأبيض الرقيق. ألبستها البلوزة الثقيلة وقدمت لها خوذتها الصفراء وقلت:”توقعت أن لا تعودي”. وحضنتها بقوة. “هل قلقت؟”. “كثيرا”. قبضت على يدي بإحكام. وبصوت مرتجف قالت:”تدبرت أمري للتقدم في الجزء الضيق، وأمعنت بالابتعاد فيه، ولكنه فجأة أصبح منخفضا، وظهر ما يشبه غرفة صغيرة. غرفة مستديرة. على شكل الكرة. كان السقف مستديرا والجدران ملتفة حوله، وكذلك الأرض أيضا. وكان الجو صامتا هناك، صامتا تماما. ولو فتشت كل العالم لن تجد مكانا بهذا الهدوء والسكينة. كما لو أنني في قاع محيط، في قاعة عميقة جدا. أغلقت المصباح وحاصرني الظلام. ولكن لم أشعر بالرعب أو الوحدة. كانت تلك الغرفة مكانا خاصا يمكنني وحدي الدخول إليه.غرفة لي وحدي. ولا أحد آخر يمكنه الوصول إليها. حتى أنت لا يمكنك الدخول إليها”. “لأنني كبير جدا”. رفعت أختي رأسها وقالت:”فعلا. أنت كبير ولا تستطيع الدخول إليها. والأغرب بخصوص ذلك المكان أنه أكثر إعتاما من سواه. معتم جدا وإذا أغلقت المصباح تشعر كأنه بإمكانك أن تمسك الظلام بيديك وكأن جسمك نفسه ينفصل بالتدريج ويذوب. ولكن لأن الجو معتم لا تستطيع أن ترى ما يجري، ولا تعرف إن كنت لا تزال تمتلك جسما أم لا. ولنقل حتى لو أن جسمي ذاب بكامله سأكون موجودة هناك. مثل ضحكة هرة شيشير فهي تبقى بعد أن تختفي. هذا غريب جدا، أليس كذلك؟. ولكن عندما كنت هناك لم أشعر بالغرابة مطلقا. ورغبت أن أستمر هناك للأبد، وإنما علمت أنك ستقلق، وهكذا عدت أدراجي”.

قلت لها:”دعينا نبتعد عن هذا المكان”.

كانت متحفزة جدا، ويبدو كما لو أنها تريد أن تتابع كلامها دون نهاية، وتوجب علي أضع حدا لذلك. فقلت لها:” لا يمكنني أن أتنفس هنا براحة”.

سألتني أختي باهتمام:”هل أنت على ما يرام؟”. “أنا على ما يرام. فقط أود أن أخرج من هنا”. وتماسكت أيدينا، وتوجهنا لمنفذ الخروج، وقالت أختي بصوت خافت  كي لا يسمعنا أحد (مع أنه لم يكن هناك أحد) ونحن نمشي:”هل تعلم؟. أليس شخصية حقيقية. وليست من الخيال. حقيقية. أرنب آذار، المجنون ذو القبعة، هر شيشير، جنود بطاقات اللعب - كلهم حقيقيون”. قلت:”ربما”. وخرجنا من كهف الرياح، وعدنا للعالم الحقيقي المضيء. كانت هناك طبقة رقيقة من السحب في السماء في تلك الأمسية. ولكن أتذكر كم كانت الشمس متوهجة بهمجية وصياح الصراصير كان عاصفا مثل زعيق عنيف يبتلع كل شيء آخر. وكان خالي يجلس على كرسي قرب المدخل، مستغرقا في كتابه. وعندما شاهدنا ابتسم ابتسامة واسعة ونهض.

بعد عامين، توفيت أختي. وأودعت في تابوت ضيق وأحرقت. كنت في الخامسة عشرة، وكانت في الثانية عشرة. وحينما كانت تحترق غادرت، وانفصلت عن بقية أفراد العائلة، وجلست على مقعد في باحة المحرقة، وتذكرت ما جرى في كهف الرياح: شعرت بثقل الزمن وأنا بانتظار خروج أختي، وثقل الظلام الذي يغلفني، والبرد القارس الذي هاجمني. وشعرها الأسود الذي برز من الحفرة، ثم كتفاها. وكل التراب والغبار العشوائي الملتصق بقميصها الأبيض الرقيق. في تلك الفترة، جمدت فكرة في ذهني حتى قبل أن يعلن الطبيب رسميا وفاتها في المستشفى بعد سنتين، لربما سرقت منها حياتها وهي في طبقات عميقة داخل الكهف. ولقد اقتنعت بالفكرة. لقد ضاعت من قبل في داخل الحفرة، وغادرت هذا العالم، ولكن أنا اعتقدت بالخطأ أنها لا تزال حية. وقد ركبنا معا القطار وعدنا إلى طوكيو. وكانت يدها في قبضتي القوية. وعشنا كأخ وأخته لعامين إضافيين. وتلك لم تكن إلا فترة إلهية تسبح في الأجواء. وبعد عامين، زحف الموت من الكهف ليحصد روح أختي. كما لو أن وقتها انتهى، ومن الضروري أن نعيد ما اقترضناه، والمالك جاء ليستعيد أملاكه. بعد سنوات، وأنا في مرحلة البلوغ، أدركت أن ما أفضت به  أختي الصغيرة بصوت هادئ في كهف الرياح ذاك هو حقيقة. أن أليس موجودة فعلا في هذا العالم. أرنب آذار، المجنون ذو القبعة، هرة شيشير - كلهم موجودون في الواقع.

***

 

........................

* الترجمة عن اليابانية: فيليب غابرييل   Philip Gabriel / مجلة النيويوركير

 

سالم الياس مدالوقصيدة للشاعر الامريكي ادكار الان بو

 1809 - 1849

ترجمة: سالم الياس مدالو

خذي هذه القبلة

على حاجبيك

وبفراقك الان

دعيني اعترف

انت لست مخطئة

فهناك من يعتبر

ان كل ايامي كانت حلما

واذا كان الامل قد تلاشى

في الليل او في النهار

في رؤية ما او في اللاشيء

فعلى الاقل انه قد ذهب

هذا كل ما نراه او انه

يبدو لنا ذلك

انه مجرد حلم

داخل حلم

وفيما انا واقف

على الشاطيء

وسط الهدير

المخمر الامواج

امسك بين يدي

بذرات الرمل الذهبية

اراها كيف تزحف

من خلال اصابعي

الى العمق وانا

ابكي وابكي

اه يا الهي

كيف استطيع

افهامهم وهل استطيع

الحفاظ بواحدة

من تلك الامواج

التي لا ترحم

لكن كل مانراه مجرد

 حلم داخل حلم

***

 

 

صحيفة المثقفبقلم: ليزا ماركس

 ترجمة: مريم لطفي 

عندما يكون كل شئ مظلما

وتشعر بوحدة تامة

عندما لا يتوقف المطر

ولا يمكنك العودة الى المنزل

عندما تشعر بان كل شئ قد ضاع

وتريد فقط الركض

لا يمكن ان تمطر الى الابد

فقط انتظر الشمس

 

عندما تتألم الاسرة

عندما لا يمكن العثور على الاصدقاء

عندما تريد فقط الصراخ

ولكن لا يمكنك العثور على الصوت

عندما يكون خطأك بالكامل

وتشعر وكأنك انتهيت

فقط انتظر الشمس

ستشرق الشمس

 

العاصفة تمر دائما

لن تدوم الى الابد

 المطر يتوقف دائما ويفسح المجال للطقس الجيد

المشرق والدافئ من الايام سياتي

رجاءا انتظر الشمس

ستشرق الشمس

 

الاشخاص الذين يحتاجون اليك

الاشخاص الذين مازالوا يحبونك

يمكنهم تدفئة روحك مثل اشعة الشمس فوقك

لست وحدك ابدا

بغض النظر عما حدث

انتظر الشمس

فقط انتظر الشمس

 

 الغيوم الداكنة تمر دائما

اعدك ياعزيزي

نحن جميعا ننتظر معك

فقط انتظر الشمس

.......................

 

Just Wait For The Sun

Lisa Marks:

When everything's darkness

And you feel so alone,

When the rain doesn't stop

And you can't make it home,

When it feels all is lost

And you just want to run,

It can't rain forever.

Just wait for the sun.

 

When family is pain,

When friends can't be found,

When you just want to scream

But you can't find the sound,

When it's all your fault,

And you feel like you're done,

Just wait for the sun.

The sunshine will come.

 

The storm always passes.

It won't last forever.

The rain always stops and gives way to good weather.

The brightest and warmest of days still to come.

Please wait for the sun.

The sunshine will come.

 

People who need you,

People who still love you

Can warm up your soul like the sunshine above you.

You're never alone,

No matter what's done.

Wait for the sun.

Just wait for the sun.

 

Dark clouds always pass.

I promise you, hun.

We're all waiting with you.

Just wait for the sun.

***

 

..................

* نشرت في11 مارس2020

* هذه القصيدة حديثة جدا وكاتبتها ليزا ماركس انسانة محبة للحياة تقول: يقال لنا جميعا عش حياتك على اكمل وجه،وانا هنا لافعل هذا بالضبط،وانا من محبي الفرح وارغب في الغالب في ان تكون حياتي خالية من الدراما.

تدور القصيدة حول التمسك بايام افضل وانتظار مرور الاوقات العصيبة،تحاول هذه القصيدة ان تقول :من فضلك لاتعتقد ان الامور ستكون دائما بهذا السوء،من فضلك لاتستسلم انت لست وحدك،انه نداء لكل شخص قد يشعر انه لم يعد هناك شئ يعيش من اجله.

مريم لطفي

 

عادل صالح الزبيديجيريكو براون

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 الفيروس

لأنهم يلقبونني بغير القابل للكشف، فإنني لا استطيع

 ان اقتل الناس الذين تلمسهم،

ولا استطيع ان أسلبك وضوح رؤيتك

لأزهار البنفسج التي زرعتها

خارج النافذة، يعني أنني

لا استطيع ان اقتل أزهار البنفسج، لكنني أريد ذلك.

أريدها ان تموت، وأريد

ان أقوم بالقتل. أريدك

ان تنتبه الى أنني لازلت هنا

تحت جلدك تماما

وفي كل عضو

مثلما يسكن الغضب في إنسان

يدرس تاريخ أمته.

ان لم استطع أن أتركك ميتا،

فسأجعلك تتميز غيظا.

اسمع. اسمع  ثانية:

أرني لون

أزهارك الآن.

***

 

................

جيريكو براون: شاعر أميركي من مواليد مدينة شريفربورت بولاية لويزيانا لعام 1976. تلقى تعليمه في جامعة ديلارد ونيو اورلينز ثم جامعة هيوستن حيث نال شهادة الدكتوراه ومارس التدريس فيها وفي جامعات أخرى. نشر قصائده في ابرز الصحف والمجلات الأميركية واصدر أول كتاب له وهو مجموعة من الشعر والنثر بعنوان (رجاءً) لينال جائزة الكتاب الأميركي لعام  2008، فاز كتابه الشعري الثاني المعنون (العهد الجديد) بجائزة آنيسفيلد-وولف للكتب في عام 2015،  وفازت مجموعته الثالثة المعنونة (التراث) الصادرة في عام 2019 بجائزة البوليتزر.

 

 

عامر كامل السامرائي

للكاتب المجري: زولتان توري

ترجمها عن اللغة المجرية: عامر كامل السامرائي


 

طُرِقَ باب المرسم على الطريقة المجرية، بحیث كسَرَتْ برجمة الطارق الواقف في عتبة الباب لوحها الرقیق. نظر الرسام الى الباب باكتراث مرتعدا بسبب الطرق، وأشار بیده للفتاة الجالسة أمامه كموديل وقال:

- أش. آملاً في أن یستمر الضیف واقفاً حتى یصیبه الیأس ویذهب، ولكن یبدو ان للذي یطرق بهذا الشكل قصد حازم في الدخول، فقد تكرر الطرق، وبقوة أكبر هذه المرة. 

وضع الرسام الفرشاة ولوحة الألوان باكتراث وهز كتفه قليلا، وأومأ للفتاة، فقامت وربطت حول خصرها شریط تنورتها، وفي اللحظة التي ركضت فیها في المرسم لتختبئ خلف الستارة، فُتِح الباب، وراحت نظرات الذي وقف في العتبة تلاحق الفتاة، وقد تسمر في مكانه فاغر الفم مذهولاً، وببطءٍ شدید تحول ذهوله الى سخط، وراح یهز رأسه ویعاود النظر باتجاه الستارة وكأنه یرید التأكد تماماً من أنه رأى تلك الفتاة نصف العاریة التي اختفت وراء الستارة ام لا.

اندفعت ذراع مكورة بیضاء جميلة من خلف الستارة لانتشال بعض الملابس الداخلية وضعت على كرسي. في هذه اللحظة غمد الضيف رأسه في الهواء مثلما تغمد الملعقة في صحن الحساء، وهز رأسه طويلا، وكأنه تأكد الآن من كل شيء، ودخل الى المرسم كئيباً صارماً.

كان الرسام شاباً نحیف البنية، أشقر الشعر، وقد تخطى الى الخلف وكأنه أحس بأنه ینبغي علیه الخوف من الانتقاد بسبب هذا المنظر. كان المرسم مبعثراً تماماً. في جانب ما من المرسم طست فیها ماء مُصَّبن قذر، وفي الزاوية وضع فوق منضدة المكتب حذاء ملمع ومشط مع فرشاة شعر، وكُمّ مع یاقة قمیص، وقد وضعت الفتاة قبعتها الى جانب هذه الأشیاء. وعلى المقعد حیث كانت الفتاة الممشوقة القامة ذات المنكبين العریضین انطرحت كومة من الملابس البيضاء النظيفة.

اندفع الرسام لِنفض التراب عن أحد الكراسي، وبِتكرم متكلِّف دعا ضيفه للجلوس، وحاول التعبير عن سروره، فأشاح بیده، لكنه لم یفلح بذلك، فقد بدت حركته خرقاء مصطنعة، وقال بابتهاج:

- مائة عام مضى، لم أرك خلالها یاعمي اشتفان! ما الذي جاء بك إلى هنا؟ إنها لفرصة سعیدة حقا- وأضاف بتأوه – ما كنت سأصدق لو قالوا لي ان العم اشتفان سیصل الیوم. تفضل بالجلوس یا عمي ...

لكن الضيف ظلَّ واقفاً یُحدقُ بالستارة بشكل كئيب فیه شيء من الحزن یدل على الشؤوم والإذلال جعل الرسام یتكور، وكأنه أصابته القشعريرة، وبادر قائلا:

- ألا تطرد هذه من هنا، حتى عندما یزورك شخصٌ وقُورٌ محترم من عائلتك؟

وعاود النظر إلى الستارة بصرامة أكثر، وهو لا یزال واقفاً، دافعاً إحدى ساقیه إلى الأمام وكأنه تمثال.

قال الرسام بحماس:

-  وكیف لا… هذا الیوم سأُخصِصه لك یاعمي اشتفان.

وقال للفتاة:

- ارتدي ملابسك یا إیلونا، فالیوم لست بحاجة الیك.

یبدو ان الفتاة سمعت حديثهما لأنها اجابت باكية:

- حاضر، ولكن "ستياني" غیر موجود هنا

- أین هو؟

- في مكان ما في المرسم. ماذا تظن؟ انا أيضا انسانة محترمة، فما الضیر في أن أحصل على لقمة عیشي بهذه الطريقة؟ فإلى جانب ذلك أيضا یستطیع الإنسان الحفاظ على شرفه. ابحث عن "ستياني" خلف صفيحة الخشب. لیس شرفي اسوأ من غیره...

قال الرسام: اوه، یا إیلونا، لا تأخذي هذه الأقاويل مأخذ الجد، فالسَید لم یقصد بذلك أي شيء.

استمع الضیف ببرود، الى شهقات الفتاة وبكاؤها وعويلها المتقطع، وأضاف هازئاً:

- أواه، یا للمسكينة، ولم لا یا قطتي الصغيرة.

وعندما ذهبت آخر الأمر تفرسها من قمة رأسها الى أخمص قدمیها، وصفع الهواء بیده بعدما غلقت الباب خلفها. عندئذٍ جلس، وبادر بالكلام بعد صمت طویل هازاً رأسه، متأوهاً، ناظراً في عیني الرسام الذي جلس أمامه متكوراً على السجادة.

- أسمع یا أخ، حقاً أن والدك مات في الوقت المناسب. فلو كان ینبغي علیه مشاهدة مثل هذه المناظر. لكان الأجل قد وافاه بسبب العار. فقد رعى أبناؤه وأحسن تربيتهم، وما كان باستطاعته تحمل أن يرى أصغر اولاده یجول في مستنقع الفساد.

- أنا؟ ولكن لماذا یا عمي اشتفان؟

لم ینفد صبر الشیخ الجلیل لسذاجة الرسام، فاستطرد بهدوء وتعقل، ولم يكن في صوته شيء یدل على اللوم أكثر منه دلالة على شعور بالأسى العميق على حیاة ضائعة. وكانت عیناه تجولان في آفاق المستقبل البعید، وكأنهما تبحثان عن نهاية الفسوق هذا. فأغمضهما وكأنه رأى صورة رهيبة، فدفع ظهره بقوة الى مسند الكرسي وكأنه یحاول انقاذ نفسه من هذا العالم الملوث.

- اسمع، نحن أيضا ساورنا الشك بوضعك. فقد بكت أمك بمرارة بسببك. كما بكت بسببك فتاة اخرى، وأنت تعرف من التي أقصدها. تلك التي حدثتها بكلام جمیل، والتي لایبدو انها قد تمكنت من التأثير علیك. الجنس اللطيف یتراكض هنا في وضح النهار یاعدیم الحیاء!

تملك الرسام النفور، لكنه استطاع ضبط نفسه.

ولكن هذا هو مجال عملي یاعمي اشتفان، فأنا بحاجة الى الجنس اللطيف، لأنه ذو صلة بفني، كصلة الفرشاة وقطعة القماش...

نهض العجوز، ونظر الى الأسفل محدقاً بالشاب الصغير.

- بحاجة الیهن نصف عاریات؟

- في بعض الأحیان یكنَّ عاریات تماماً. فهذا یتوقف على الموضوع الذي ارید رسمه.

- إذن، هكذا؟ لم أكن اتصور أن یستطیع شابٌ مثلك من عائلة محترمة الأجابه على مثل هذا السؤال.

الفن یا أخ مهنة عريقة. وإذا ترید أن تعرف أكثر، فقد مارسنَ هذا المجال سیدات محترمات. فخذ على سبیل المثال ابنة البارون الذي كان یسكن في جوار الضیعة التي كان یملكها والدي. كانت ابنته رسامة ایضا، ولكن بشكل یلیق بمنزلة عائلتها. أما ما تفعله انت، والذي وصلت اخباره الینا، فأستطيع ان اقول إنه عمل خالٍ من العفة، ولا یلیق بشاب من عائلة معتبرة. ولو فعل ابن فلاح أو ابن یهودي ما تفعله انت لنال جزاؤه. أما أنت فمن عائلة محترمة.. مهنتك... هذا هو التهور الذي كنت خائفاً منه علیك عندما اخترت لك مهنة الطب البيطري، لكنت قد أكملت دراستك وحصلت على شهادة، وشعرت بالاستقرار... أما هنا فحتى لو ارتقیت إلى مستوى المبدعين ستظل حیاتك مثل حیاة الخنزير. ((ارتدي ملابسك یا إیلونا) – (ولكن أین ستياني؟)). اسمح لي أن أقول لك إنه لا توجد وظيفة تُتداول فیها مثل هذه العبارات، أهذه هي وظيفتك؟، لا یخطر في بالي اسما أطلقه على هذا المكان... أنظر أقرانك كیف وصلوا إلى مناصب عالیة. فمنهم القاضي ومنهم من وصل إلى منصب آخر... في هذه اللحظة فقد الرسام أناته فصاح:

- أنا ایضاً لي منصب.

رفع الضيف سبابة یده الیمني وأشار فجأة إلى السماء، بحیث جعل الشاب یجفل لهذه الإيماءة غیر المتوقعة، فصمت.

- ولكن أین یا أخ، أین؟ في المزبلة، فينبغي علیك في نهاية المطاف ألا تعتبر نفسك بأنك تؤدي عملاً محترماً بمنح نفسك للفتیات، بل وحتى لهذه التصرفات نمط خاص، ولكن لیس بهذه الوقاحة... (إیلونا ارتدي فستانك، إیلونا اخلعي فستانك..). في أيامنا كانت نماذج الفنانين من الجبس، والزهور، وغیرها من المناظر، ولم يسببوا لعوائلهم الفضائح، بسبب فتیات عاریات.

- تفو! هذا هو رأيي، بالرغم من أنني إنسان متعلم. تفو! أقول وقلبي يؤلمني لأنني وجدتك غارقاً إلى هذا الحد، ولیس بودي، ولكن ینبغي أخبار المسكينة والدتك، حتى وأن كانت ستتألم، كما یجب إخبار إنسانة أخرى، لأنني لست من أولئك الذين ینكرون الحق.

- تفو! عندما یفتح الإنسان الباب تتراكض الإناث یمینا وشمالا...

بعد نمط الحیاة هذه، كیف تستطيع احترام قدسیة الحیاة الزوجية.. أیها البائس...

- ولكن یا عمي استیفان...

- شاب بائس!

كان قد أمسك بمقبض الباب عندما التفت مرة أخرى ناظراً بحزن وبشيء من الكراهية لا

تخلو من الفضول، وكانت في زاوية عینیه لهفة للبحث في كل زاوية وكشف الأسرار واستنشاق العطور التي تنبعث من مختلف أشكال التنورات التي مرت بهذا المكان. لكنه مضى بوقار وكبرياء.

رفع الرسام منكبيه حتى لامسا أذنيه، وهو یسمع باضطرار كیف یطقطق خشب السلم تحت قدمیه.

***

 

....................

نبذة عن الكاتب

ولد الكاتب في السابع من مارس عام 1870 في مدينة كولوشڤار وتوفي في 27 من أغسطس عام 1906 في العاصمة بودابست.

بعد تخرجه من الثانوية، عمل ممثلاً مسرحياً متجولاً لفترة قصيرة من الزمن. بعدها درس الأدب وسرعان ما أصبح صحفياً، وبدأ الكتابة في الصحف المحلية. كتب مسرحية "سوزانا" وهو في سن السابعة عشرة، والتي لاقت نجاحاً في جميع انحاء المعمورة والتي حولت إلى مسرحية موسيقية وقدمت في دار الأوبرا.  بعد إنتقاله إلى العاصمة بودابست عمل صحفياً في جريدة "مذكرة پشت" التي أرسلته إلى ألمانيا كمراسل لها وعاش في ميونيخ لمدة عامين.

التقى هنا بالعديد من البولنديين واللاجئين الروس. تم استدعاؤه مرة أخرى من ميونيخ إلى بودابست، حيث كان عضوا في العديد من مكاتب التحرير. كتب مسرحية "جنود"، والتي حققت نجاحاً كبيراً في المسرح الكوميدي (ترجمت هذه المسرحية إلى الألمانية والإيطالية، ولكن بسبب توجهها الاشتراكي، تم حظرها في كل من إيطاليا وألمانيا). كتب عدة أعمال مسرحية بالإضافة إلى ثلاث إصدارات لقصص قصيرة وحكايات روائية..

 

 

تامي الشيخ عليويليام سومَرْسِتْ موم

ترجمة: تامي الشيخ علي


كان ثمة تعميدٌ في ذلك الأصيل في كنيسة القديس بطرس في ساحة نيفيل، وكان ألبرت إدوارد فورمان لا يزال يلبس رداء القندلفت الخاص به. كان قد احتفظ بردائه الجديد، وطيّاته كاملة ومتيبّسة وكأنه لم يكن مصنوعاً من صوف حيوان "الألْبَكَة" (2) بل من البرونز الخالد، لارتدائه في الجنازات والأعراس (كانت كنيسة القديس بطرس تحظى باستحسانِ ودعمِ مَنْ يحرصون على اتباع الزيّ الحديث في هذه المناسبات)، فيما كان يرتدي الآن أفضل ثاني رداءٍ لديه فحسب. كان يرتديه وهو راضٍ إذ إنه كان رمزَ وظيفته الجليلَ، ومن دونه (حين كان ينضوه عنه للذهاب إلى البيت) كان يساورهُ شعورٌ محبط بأنه، إلى حدٍّ ما، لم يكن حسن الهندام بما فيه الكفاية. كان يبذل جهداً عظيماً للاعتناء به، إذ كان يضغطه ويكويه بنفسه. وخلال الستة عشر عاماً التي أمضاها قنْدَلَفْتاً في هذه الكنيسة تلقّى سلسلةً متواليةً من هذه الأردية، بَيْدَ أنه لم يكن في وسعه قَطّ التخلّصُ منها عندما امتدّتْ إليها يدُ البِلى، والسلسلة بِرِمَّتِها تقبعُ، مُغَلَّفَةً بورقٍ بنِّيٍّ على نحوٍ أنيقٍ ومُرَتَّبٍ ، في أدراجِ خزانة ثيابه السُّفْلِيَّةِ في حُجْرَةِ نومِه.

شَغَلَ القنْدَلَفْتُ نفسَهُ بهدوء، مُعيداً وضعَ الغطاء الخشبي المطليِّ على جُرْن المعموديّةِ الرخاميِّ، ومُرْجِعاً كرسيّاً كان قد جيء به من أجل سيدةٍ مُسِنَّةٍ أصابَ الوهنُ بَدَنَها، وانتظر أن يفرغ القِسِّيسُ مما كان يفعله في غرفة ملابس القساوسة والاجتماعات الكَنَسِيَّةِ لكي يتسنّى له ترتيبها والذهاب إلى البيت. أبصره في الوقت الراهن يمشي عَبْرَ المذبح وينحني تعبُّداً واحتراماً أمام الهيكل العالي، وينزل إلى الممشى، بَيْدَ أنه كان لا يزال يرتدي غفّارَتَه (3). قال القَنْدَلَفْتُ في دخيلة نفسه:

" لِمَ يتسكَّعُ؟ ألا يعلم أنني أرغب في تناول شايي؟".

لم يكن القِسِّيسُ قد عُيِّنَ إلا حديثاً، وكان رجلاً نشيطاً أحمرَ الوجهِ في بداية أربعيناتِه، ولا يزالُ ألبرت إدوارد يتأسَّفُ على سَلَفِهِ، الذي كان رَجُلَ دينٍ من المدرسة القديمة يلقي مواعظه بتؤدةٍ وبصوت ٍ فضّيٍّ، ولَشَدَّ ما كان يتناول العشاء في الخارج مع أكثر رعايا كنيسته أرستقراطيّةً. كان يحبّ أن تكون الأمورُ في الكنيسة على ذلك النحو فحسب، بيد أنه لم يكنْ قَطّ يهتمّ أكثر مما ينبغي بالتفاصيل الصغيرة، ولم يكن على شاكلةِ هذا الرجل الجديد الذي كان يودُّ أن يكونَ له ضِلْعٌ في كلِّ مسألة. بَيْدَ أن ألبرت إدوارد كان متسامحاً. كانت كنيسة القدّيس بطرس في جوارٍ حسنٍ للغاية، وكان رعاياها ينتمون إلى طبقة حسنة للغاية.

كان القِسِّيسُ الجديدُ قد أتى من الطَّرَف الشرقي، ولم يكن من المتوقع أن يتأقلم بين ليلة وضحاها مع الطرق المتحفظة التي ينتهجُها رعايا كنيسته الحريصون على اتّباع الحداثة. قال ألبرت إدوارد في دخيلة نفسه: "فيمَ كلّ هذه الجلَبَة! ولكنْ، أتِحْ له الوقت وسوف يتعلّم".

وحين كان القِسِّيسُ قد خطا في ممشى الكنيسة مسافةً تتيح له أن يخاطب القندَلَفْتَ دون أن يرفع صوته أعلى مما يليق في مكان للعبادة، توقف وقال:

- فورمان: هلاّ تفضَّلْتَ بالمجيء إلى غرفة الاجتماعات لمدة دقيقة. لديَّ ما أقوله لك.

- حسن ٌ جدّاً يا سيّدي.

انتظر القِسِّيسُ صعودَهُ إليه وسارا معاً صُعُداً إلى الكنيسة. قال ألبرت إدوارد:

- كان تعميداً حسناً للغاية على ما أعتقد يا سيّدي. وكان أمراً غريباً كيف توقَّفَ الرضيعُ عن البكاء لحظةَ حَمْلِكَ إيّاه.

قال القِسِّيسُ وقد رانت على شفتيه ابتسامة صغيرة:

- لقد لاحظتُ أنهم غالباً  ما يفعلون ذلك. ومع ذلك، إنني أتحلّى بمقدار جيّدٍ من الخبرة معهم.

كان مصدرَ زهوٍ  مكبوتٍ بالنسبة إليه أن يكون في مقدوره دائماً، على وجه التقريب، أن يهدِّىءَ من رَوْعِ رضيعٍ في حالة نشيج، بالطريقة التي كان يحمله فيها، ولم يكن غافلاً عن الإعجاب المشوب بالتسلية الذي كانت الأمهاتُ والممرّضاتُ يراقِبْنَهُ به وهو يثبِّتُ الرضيعَ في ثَنْيَةِ ذراعه المتَّشِحَةِ بردائه الكهنوتيِّ الأبيض.

وعرف القَنْدَلَفْتُ أن من دواعي سرور القِسِّيسِ إطراءَهُ على موهبته.

تقدَّمَ القِسِّيسُ أمام ألبرت إدوارد إلى غرفة الاجتماعات. ودُهِشَ ألبرت على نحوٍ طفيفٍ حين أبصر وكيلَي الكنيسة هناك، إذ لم يكن قد شاهدهما يدخلانها. أومأ الاثنان له مُرَحِّبَيْنِ بدماثة. وقال لهما واحداً إثر الآخر:

- مساء الخير يا مولاي. مساء الخير يا سيدي.

كان الاثنان كَهْلَيْن، وكانا يعملان وكيلَي كنيسة مُذْ كان ألبرت إدوارد قَنْدَلَفْتاً على وجه التقريب.

كانا يجلسان الآن إلى مُتَطاوِلَةٍ (4) ضخمة كان القِسِّيسُ القديمُ قد أحضرها من إيطاليا قبل سنوات طويلة، وجلس القِسِّيسُ في الكرسي الشاغر الكائن بينهما. واجههم ألبرت إدوارد، والطاولة بينه وبينهم، وتساءل في قرارة نفسه في توجُّسٍ طفيف عن الأمر. كان لا يزال يتذكّر المناسبةَ التي وقع فيها عازفُ الأرغن في مشكلة، والاهتياجَ الذي انتابهم جميعاً لطمس الأمور والحؤول دون انتشارها. ففي كنيسة ككنيسة القديس بطرس، في ساحة نيفيل، كان تحَمُّلُ وِزْر فضيحةٍ فوق طاقتهم.

ارتسمت على وجه القِسِّيسِ الأحمرِ سيماءُ مَنْ وَطَّنَ النَّفْسَ على دماثة الخُلُقِ، بَيْدَ أن التعبيرَ الذي رانَ على الآخَرَيْن كان مُتَّشِحاً باضطرابٍ طفيف. قال القَنْدَلَفْتُ في قرارة نفسه:" لقد كان يتمادى في اللَّجِّ عليهما. وكان يلجُّ في الاحتيال عليهما لدفعهما إلى القيام بما لم يكونا يرغبان فيه. هذا كلُّ ما في الأمر، وتذكَّرْ ما أقول".

بيْدَ أن أفكار ألبرت إدوارد لم تظهر على قسمات وجهه حسنَةِ الشكل والمُمَيَّزَة. وقف في احترامٍ وليس في خُنوع. كان قد مارس الخدمةَ قبل أن يتمَّ تعيينُهُ في وظيفته الكنَسِيَّةِ، غير أن ذلك كان في منازلَ راقيةٍ، وكان سلوكُهُ فوق مستوى الشُّبُهات. بدأ حياتَهُ المهنيَّةَ أجيراً في أسرة أميرٍ  يعملُ في التجارة، وارتقى بدرجات وافية من منصب خادمٍ من الدرجة الرابعة إلى خادمٍ من الدرجة الأولى. ولمدّةِ عامٍ كان خادماً منفرداً لدى أرملةٍ تحمل لقبَ النبالةِ، وإلى أن سنحتِ الوظيفةُ الشاغرةُ في كنيسة القديس بطرس، كان كبيرَالخدَمِ ويعملُ خادمان تحت إمْرَتِهِ في منزل سفيرٍ متقاعد. كان طويلَ القامةِ، نحيلَ الجسمِ، وقوراً وجليلاً. وكان يبدو، إن لم نَقُلْ دوقاً، فعلى الأقلّ مُمَثِّلاً من المدرسة القديمة تخصَّصَ في تأدية أدوار الأدواق. وكان يتحلّى باللباقةِ والثَّباتِ والثقةِ بالنفس. وكانت شخصيّته في منأى عن الشَّكِّ والاتهام. بدأ القِسِّيسُ حديثه على جناح السرعة:

- فورمان: لدينا ما نقوله لك وهو أمرٌ منغّصٌ إلى حدّ ما. لقد أمْضَيْتَ سنواتٍ طوالاً في هذا المكان، وأعتقد أن سيادتَهُ والجنرالَ يوافقانني الرأيَ على أنك أدّيْتَ واجبات منصبكَ على أكمل وجهٍ وبما يروقُ لكلِّ شخصٍ معنيّ.

وأومأ وكيلا الكنيسة برأسيهما مُوافِقَيْن.

- ولكنْ، تناهى إلى عِلْمي منذ بضعة أيام أغربُ ظرفٍ استثنائيٍّ، وأحسَسْتُ أن واجبي يُملي عليِّ أن أنقلَهُ إلى وكيلَي الكنيسة. اكتشَفْتُ مشدوهاً أنك لا تعرف القراءة ولا الكتابة.

ولم تَبْدُ على وجه القندَلَفْتِ أيَّةُ سِمَةٍ تنمُّ عن الارتباك. وأجاب:

- القِسِّيسُ الأخيرُ كان على عِلْمٍ بذلك يا سيّدي. وقال إن ذلك لم يشكِّلْ أيَّ اختلاف. وكان دائماً يقولُ إن هنالك قدراً كبيراً للغاية من الثقافة في العالَم أمام ذائقتِه.

فصاح الجنرالُ قائلاً:

- هذا أغربُ ما سمعتُ في حياتي. هل تقصدُ القولَ إنك كنتَ قَنْدَلَفْتاً في هذه الكنيسة لمدة

ستة عشرَ عاماً ولم تتعلّمْ قَطّ القراءة أو الكتابة؟

- لقد انخرطتُ في الخدمةِ عندما كنتُ في الثانية عشرة من عمري يا سيدي. في الوهلة الأولى حاول الطاهي تعليمي مرّةً، بَيْدَ أنني لم أكن أمتلك المقدرة على ذلك  فيما يبدو. ثم، جزئيّاً لهذا السبب أو ذاك، لم يَبْدُ قَطّ أن الوقت سنح لي من أجل ذلك. وفي الواقع لم أجدْ قَطّ حاجة لذلك. وأعتقد أن الكثيرين من الشباب يضيّعون قدراً نادراً من الوقت في القراءة، بينما في مقدورهم أن يقوموا بما هو مُجْدٍ.

قال وكيلُ الكنيسة الآخرُ:

- ولكن، ألا تريد أن تعرفَ الأنباء؟ ألا تودّ أبداً أن تكتب رسالة؟

- كلاّ يا مولاي. يبدو أنني أُفْلِحُ في إدارة أموري دونما حاجةٍ إلى ذلك. وفي السنوات الأخيرة طفقوا يملؤون الصُّحُفَ بكل هذه الصور، بحيث في مقدوري أن أعرفَ ما يحدث تماماً. تماماً. وزوجتي متعلّمة تماماً، ولو أردْتُ كتابةَ رسالةٍ فسوف تكتُبُها نيابةً عنّي. وليس الأمرُ كما لو كنتُ مُراهِناً.

رمق وكيلا الكنيسة القِسِّيسَ بنظرة ِ ضيقٍ، ثم خفضا بصريهما إلى الطاولة.

- حسناً يا فورمان. لقد ناقشتُ الأمرَ مع هذين السيّدَيْن، وهما يوافقانني الرأيَ تماماً على أن الوضعَ لا يُطاق. في كنيسة مثل كنيسة القديس بطرس، في ساحة نيفيل، ليس في مقدورنا قبولُ قَنْدَلَفْتٍ لا يعرف القراءةَ ولا الكتابة.

احمرَّ وجهُ ألبرت إدوارد النحيل والشاحب وتحرّكَ على نحوٍ متقلقلٍ، بَيْدَ أنه لم يَحِرْ جواباً.

- افهمني يا فورمان. ليست لديَّ شكوى أسجِّلُها ضدّك. فأنت تؤدي عملك على نحوٍ مُرْضٍ تماماً، ولديَّ أسمى رأي عن شخصيّتك وقدرتك، غير أنه لا يحقُّ لنا أن نجازف بحصول حادثة قد تنجمُ عن جهلكَ المؤسف. إنه أمر احترازيٌّ بالإضافة إلى كَوْنِهِ أمراً مبدئيّاً.

وسأله الجنرال:

- ولكن، أليس في وسعكَ أن تتعلم يا فورمان؟

- كلا يا سيدي. أخشى أنه لم يعد في وسعي القيام بذلك. ليس الآن. فكما ترى، لم أعُدْ أتحلّى بالشباب كما كنتُ، وإذا لم يكن في وسعي أن  أحفظ هذه الحروف عن ظَهْرِ قلبٍ في رأسي حين كنتُ طفلاً، فلا أعتقد أن هنالك فرصة طيبة للقيام بذلك الآن.

قال القِسِّيسُ:

- لا نريد أن نكون قُساةَ القلوبِ معك يا فورمان. بَيْدَ أنَّ وكيلي الكنيسة وأنا قد اتخذنا قرارَنا فعلاً. سوف نمنحكَ ثلاثة أشهر، وإذا لم يكن في مقدوركَ القراءة والكتابة في نهاية ذلك الوقت، فأخشى أنه سيكون لِزاماً عليك أن تمضي إلى حالِ سبيلِك.

لم يُحبّ ألبرت إدوارد القِسِّيسَ الجديدَ قَطّ. وكان قد قال منذ البداية إنهم ارتكبوا خطأ عندما أعطوه كنيسة القديس بطرس. لم يكن من ذلك الصنف الذي كانوا يرغبون فيه مع وجود رعايا كنيسة رفيعي الطراز كهؤلاء. والآن، عدَّلَ نفسَه قليلاً.

كان يعرف قَدْرَهُ حقَّ المعرفة، ولم يكن في مجال السماح لنفسه بالخضوع للاستغلال. قال:

- أنا في غاية الأسف يا سيّدي. أخشى أنه لا جدوى من ذلك. إنني أشْبَهُ ما أكونُ بكلبٍ هَرِمَ إلى حدٍّ لم يعُدْ في وسعِهِ معَهُ تعلُّمُ حِيَلٍ جديدة. لقد عشتُ سنواتٍ طويلةً دون معرفة القراءة والكتابة. ودون نِيَّةٍ منّي في مَدْحِ نفسي، إذ مَدْحُ الذات ليس فضيلةً، لا أجدُ بأساً في القول إنني أدّيتُ واجبي في ذلك المنصب في الحياة، الذي سرَّ عنايةً إلهيَّةً رحيمةً أن تضعني فيه، ولو كان في مقدوري أن أتعلّم الآن فإنني لا أعرف ما إذا كنتُ أودّ ذلك.

- في تلك الحالة يا فورمان أخشى أنه يتحتّمُ عليك المضيُّ إلى حال سبيلك.

- أجل يا سيّدي. أفهمُ ذلك حقَّ الفهم. وسيكون من دواعي سروري أن أقدِّمَ لكم استقالتي حالَ عثوركم على شخصٍ يحلُّ مَحَلّي.

ولكنْ، عندما أغلق ألبرت إدوارد، وبتهذيبه المعهودِ، البابَ خلف القِسِّيسِ ووكيلي الكنيسة، لم يكن في مقدوره أن يتحمّلَ سيماء الكرامةِ الهادئة ِ التي تلقّى بها الضربَةَ التي سُدِّدَتْ إليه، وارتعشتْ شفتاهُ كثيراً.

مشى عائداً ببطء إلى غرفة الاجتماعات وتغيير الملابس وعلَّقَ رداءهُ على مِشْجَبِهِ المناسب. وتنهَّدَ إذ فكَّرَ بجميع الجنازات المهيبة والأعراس الضخمة التي شَهِدَها هذا الرداء. قام بترتيب كلِّ شيء، وارتدى معطفه، وسار نازلاً الممشى وقبّعتُهُ في يده. أقفل باب الكنيسة خَلْفَهُ وسار الهُوَيْنى عابراً الساحة، بيْدَ أنه ولفرط  انغماسه في أفكاره الحزينة لم يسلكِ الشارعَ الذي يفضي به إلى بيته، حيث كان في انتظاره فنجانُ شايٍ قويٍّ ولذيذٍ، بل اتخذ المنعطف الخطأ.

وسار الهُوَيْنى إلى الأمام. كان قلبُهُ مُثقلاً بالحزن. ولم يكن يعرف ما ينبغي عليه أن يفعله مع نفسه. لم ترُقْ له فكرةُ العودة إلى الخدمة المنزلية، بعد أن كان سيّدَ نفسه لسنوات كثيرة، إذ كان، وفي وسع القِسِّيسِ ووكيلي الكنيسة أن يقولوا ما حلا لهم، هو الذي يدير كنيسة القديس بطرس في ساحة نيفيل، ولم يكن يقوى ولو بِشَقِّ النَّفْسِ على الحطِّ من قَدْرِ نَفْسِهِ بقبول وضْعٍ ما. كان قد ادَّخَرَ مبلغاً ضخماً من المال بَيْدَ أنه لم يكن كافياً لَيُقيمَ أوْدَهُ بمفرده دون القيام بعمل آخر، وكانت تكاليف الحياة تتطلّبُ المزيدَ كلَّ سنة. لم يخطُرْ لهُ يوماً قَطّ أنه سيعاني من قضايا كهذه.

فَقَنادِلُ (5) كنيسة القديس بطرس، شأنهم في ذلك شأن بابوات روما، كانوا هناك مدى الحياة. وغالباً ما كان يسرح به الخيال مفكِّراً بالإشارة المُبْهِجَةِ، التي سيذكرها القِسِّيسُ في موعظته في صلاة المساء في أوّلِ أحدٍ بعد وفاته، مشيداً بخدمةِ قنْدَلَفْتِهِم الراحل ألبرت إدوارد فورمان الطويلة والمخلصة وشخصِيَّتِهِ التي يُقْتدَى بها. وتنهَّدَ من أعماق قلبه.

كان ألبرت إدوارد غَيْرَ مُدَخِّنٍ، ولا يُعاقرُ الخمْرَ بتاتاً، ولكن ضِمْنَ مدىً مُعَيَّنٍ حيث يمكن القول إنه كان يطيبُ له ارتشافُ كأس من البيرة مع عشائه، وحين ينال منه الإعياءُ كان يحلو له الاستمتاع بلفافة تبغ.

وخَطَرَ له الآنَ أن لفافةَ تبغ ستُسَرّي عنه، وبما أنه لم يكن يحملها جال ببصره حوله بحثاً عن متجرٍ يستطيع أن يشتري منه علبة لفائف تبغ ماركة "غولد فليك". ولم يتمكن للوهلة الأولى من رؤية واحدٍ على الفور فسار قليلاً. كان شارعاً طويلاً وفيه كلُّ أصناف المتاجر، ولكنْ لم يكن هنالك متجرٌ واحدٌ منها تستطيع أن تشتري لفائف تبغ منه. قال ألبرت إدوارد: "إنه لأمرٌ غريب". ولكي يتأكّدَ من ذلك، سار صاعداً الشارع مرة أخرى.

كلا. لم يكن ثمة ريبٌ في هذا الصدد. فتوقف وراح ينظر بإمعانٍ نحو الأعلى ونحو الأسفل. قال: " لا يمكن أن أكون الرجلَ الوحيدَ الذي يسير على طول هذا الشارع ويودّ تدخين لفافة تبغ. لا ينبغي أن أتعجّب ماذا يمكن لرجل أن يُحسنَ صُنْعاً بمتجر صغيرٍ هنا. تبغ وحلويات، كما تعلم." وأردف قائلاً على نحو مفاجىء: "تلك فكرة. غريبٌ كيف تأتيك الأمور وأنت أبعد ما تكون عن التفكير فيها". واستدار وقفل عائداً إلى البيت وتناولَ شايَه.

قالت زوجته مُلاحِظَةً:

- أنتَ  صامتٌ للغاية هذا الأصيل يا ألبرت.

فقال:

- إنني أفكّر.

قلَّبَ التفكيرَ في الأمر من جميع وجهات النظر، وفي اليوم التالي سار على طول الشارع وأسعفه الحظُّ في العثور على متجر صغير معروضٍ للإيجار وبدا وكأنه سيناسبه تماماً. وبعد أربع وعشرين ساعةً من ذلك كان قد أخذه، وبعد شهر من ذلك، حين ترك كنيسة القديس بطرس في ساحة نيفيل إلى الأبد، بدأ ألبرت إدوارد فورمان عمله كصاحب متجر لبيع التبغ والصحف والمجلات.

قالت زوجته إنه ترَدٍّ شنيعٌ بعد أن كان قَنْدَلَفْتاً في كنيسة القديس بطرس، بَيْدَ أنه أجاب بأنّ عليكِ التحرُّكَ وفقاً للأحوال السائدةِ في الوقت الحاضر، وبأن الكنيسة لم تعُدْ كما كانت، ومن الآن فصاعداً سوف يعطي ما لقيصر لقيصر. وأبلى ألبرت بلاءً حسناً. وبلغَ من نجاحِهِ أنه في غضون سنةٍ أو ما يُقاربُ ذلك عَنَّ لهُ أنَّ في وسعه أنْ يأخذ متجراً ثانياً ويوظف مديراً فيه. وراح يبحث عن شارع طويل لا يوجد فيه بائعُ تبغ وعندما عثر عليه وعلى متجر للإيجار أخذه وقام بتجهيزه.

وكان النجاحُ حليفَه أيضاً. ثم خطرَ له أنه إن كان في وسعه أن يديرَ متْجَرَيْنِ ففي مقدوره أن يُديرَ نِصْفَ دزّينةٍ من المتاجر، وهكذا طفق يجوبُ لندن وكلّما عثر على شارع طويلٍ لا أثر فيه لبائع تبغ وعلى متجرٍ معروضٍ للإيجار فيه أخذه. وفي غضون عشر سنوات، اكتسب ما لا يقلّ عن عشرة متاجر وكان يجني منها مالاً وفيراً. وكان يطوف عليها جميعاً بنفسه كلّ يوم إثنين فيجمع الإيرادات ويأخذها إلى المصرف.

وذات صباحٍ، وفيما كان هنالك لإيداع حزمةٍ من الأوراق النقدية وحقيبةٍ مثقلةٍ من العملة الفضّيّةِ، أخبره أمين الصندوق أن المدير يودّ أن يقابله. وأُدْخِلَ إلى مكتبٍ وصافحه المدير قائلاً:

- أردتُ أن أتحدّثَ معكَ يا سيّد فورمان حول الأموال التي تحتفظ بها وديعةً لدينا. هل تعرف مقدارها بالضبط؟

- ليس بدقّةٍ  متناهية يا سيدي، بَيْدَ أن لديَّ فكرة تقريبية حسنة.

- بمعزلٍ عمّا دفعْتَهُ هذا الصباح فإن المبلغ يربو على ثلاثين ألف جنيه. وذلك مبلغٌ ضخمٌ للغاية للإيداع، وأعتقد أنه يَحْسُنُ بكَ أن تستثمره.

- لا أريد أن أقوم بأية مجازفةٍ يا سيدي. وأنا أعرف أنه في مأمن في المصرف.

- لستَ في حاجةٍ لأن ينتابَكَ أدنى إحساسٍ بالقلق. سوف نُعِدُّ لكَ لائحةً بالسندات المالية الممتازة مئة في المئة. وسوف تُغِلُّ عليكَ فائدةً بنسبةٍ أفضل بكثير ممّا نقوى على منحكَ إياه ربما.

استقرَّتْ نظرةٌ قلِقَةٌ على مُحيّا السيد فورمان المتميّز. وقال:

- لم يسبق لي قطّ أن تعاملْتُ مع أي شيء يتعلّق بالأسهم والأوراق المالية، وعليَّ أن أترك الأمرَ برمَّتِهِ بين أيديكم.

فابتسم المديرُ قائلاً:

- سوف نقوم بكلِّ شيء، وكلُّ ما يتحتَّمُ عليكَ القيام به في المرّة القادمة التي تأتي فيها هو التوقيع بإمضائكَ على التحويلات.

قال ألبرت على نحو غير واثق:

- في مقدوري القيام بذلك على ما يُرام. ولكن، كيف لي أن أعرف على ماذا أُوقِّع؟

قال المدير بحدّةٍ طفيفة:

- أعتقد أنّ في وسعك أن تقرأ.

مَنَحَهُ السيد فورمان ابتسامة تزيل الارتياب. وقال:

- حسناً يا سيّدي. هذا هو الواقع بالضبط. أعرف أن الأمر قد يبدو غريباً، ولكنْ هذا هو الحال، ليس في وسعي القراءة أو الكتابة باستثناء اسمي وقد تعلّمْتُ القيام بذلك فقط حين دخلْتُ ميدانَ العمل.

وبلغتْ  دهشةُ المدير حدّاً جعله يقفز عن كرسيِّهِ قائلاً:

- هذا أغربُ شيءٍ سمعتُهُ في حياتي قَطّ.

- كما ترى يا سيّدي، الأمرُ شبيه بذلك. لم تسنح لي الفرصة إلى أن أصبح الوقتُ

متأخّراً، وحينئذٍ وبطريقةٍ أو أخرى لم أرغب في القيام بذلك. واستبدَّ بي العناد.

حدّقَ المديرُ إليه وكأنه وحشٌ من وحوش ما قبل التاريخ، وقال:

- وهل تقصدُ أن تقولَ إنك أنشأتَ هذا العملَ الهامَّ، وكدَّسْتَ ثروةً  بلغتْ ثلاثين ألفَ جنيهٍ،

دون أن تكون قادراً على القراءة أو الكتابة؟ يا إلهي، أيها الرجل، ماذا كنتَ ستصبحُ الآن

لو كنتَ قادراً على ذلك؟

قال السيد فورمان وقد ارتسمتْ ابتسامة صغيرة على قسمات وجهه الأرستقراطية الهادئة:

- أستطيع أن أخبركَ بذلك يا سيدي. كنتُ سأصبحُ قنْدَلَفْتاً في كنيسة القديس بطرس في ساحة

نيفيل.

***

 

......................

(1). القَنْدَلَفْت: خادم الكنيسة والكلمة يونانية الأصل. (المنجد في اللغة والأعلام).

(2). الأَلْبَكَة: حيوان ثدييٌّ جنوب أمريكي شبيهٌ بالخروف، طويلُ الصّوفِ ناعِمُهُ. (المورد).

(3). الغفّارة: رداء القِسِّيسِ في الكنيسة (المورد).

(4).المُتَطاوِلَة: مائدة طويلة ضيّقة ثقيلة القوائم (المورد).

(5). قنادل: جمع قَنْدَلَفْت. (المترجمة).

.............................

ويليام سومرست موم، (1874- 1965)، كاتب مسرحي وقاصّ وروائي وشاعر، ولد في باريس لأبوَيْن إنكليزيين، وكان والده مستشاراً قضائيّاً في السفارة البريطانية فيها. في عام 1882، توفيت أمه بداء السلّ. وبعدها بعامَيْنِ توفي أبوه جرّاء إصابته بالسرطان.

بعد ذلك تحتّم إرسالُ ويليام إلى المملكة المتحدة ليكون تحت رعاية عمّه، ويدعى هنري ماكدونالد موم، الذي كان قِسِّيساً في كنيسة بلدة ويتستابيل، التي تقع على ساحل مقاطعة "كِنْت" الشمالي. كانت تلك تجربة عصيبة لويليام الذي كان في العاشرة من عمره آنذاك، فقد كان عمه فاتر المشاعر تجاهه وقاسياً.

درس ويليام في مدرسة "كينغس سكوول" في كانتربري، حيث مرّ بفترة عسيرة إذ كان عرضة لمضايقات زملائه بسبب لغته الإنكليزية السيئة (فقد كانت الفرنسية لغته الأولى)، وقامته القصيرة، بالإضافة إلى تلعْثُمِهِ في الكلام والذي صاحَبَهُ بقية حياته.

في السادسة عشرة من عمره رفض مواصلة الدراسة في المدرسة المذكورة، فسمح له عمّه بالسفر إلى ألمانيا حيث درس الأدب والفلسفة واللغة الألمانية في جامعة هايدلبيرغ. بعد عودته إلى بريطانيا وجد له عمُّهُ عملاً في مكتب محاسبة، بَيْدَ أنه لم يستمر فيه أكثر من شهر، عاد بعده إلى بلدة ويتستابيل. حاول عمُّهُ أن يجد له مهنة أخرى. كان والد ويليام وثلاثة من إخوته مُحامين متميّزين، غير أنه رفض أن يكون محامياً، وحالَ تلَعْثُمُهُ دون عمله في الكنيسة. ثم درس الطب لمدة خمس سنوات في المدرسة الطبية التابعة لمستشفى "سينت توماس" في "لامبيث" في جنوب لندن. غير أنه، رغم تخرُّجِهِ طبيباً، لم يزاول مهنة الطب، واتجه صوبَ الأدب.

قرأ عشراتُ الملايين أعمالَ ويليام سومَرْسِتْ موم وقُدِّرَتْ ثروته بعشرات الملايين. كان واحداً من أكثر الكُتّابِ شعبيةً في حقبته، ومن أكثرهم تقاضياً للمال عن إنتاجه في ثلاثينيات القرن العشرين.

في عام 1928 انتقل إلى العيش في الريفييرا الفرنسية، وعاش هناك حتى وفاته في نيس في 16 ديسمبر/كانون الأول عام 1965.

من أعماله: "ليزا فتاة حي لامبيث" (رواية 1897)، "السيدة كرادوك" (رواية 1902)،

"الساحر" (رواية 1908)، "القمر وستة بنسات" (رواية 1919)،"آنذاك والآن" (رواية 1946)، "ارتعاشة ورقة شجر" (مجموعة قصصية 1921)، "ست قصص مكتوبة بصيغة الشخص الأول المفرَد" (1931)، "الليدي فريدريك" (مسرحية 1912)، "بينيلوبي" (مسرحية 1912)، "الدائرة" (مسرحية 1921)، "الزوجة الوفيّة" (مسرحية 1927)، "جزاء خدماتهم" (مسرحية 1932).

 

سوران محمدنص: دانيال بريك

 ترجمة: سوران محمد

 الحالم المستيقظ يتحدث إليك في نومك

"سأحميك من الوحوش الحقيقية"

.تلك التي لا تراها ، فهي ماكرة للغاية

.معي بجنبي ، لست بحاجة إلى الاختباء

*

."أنا الأغنية المسموعة في اذنيك فقط "

.أنا الأجنحة الخضراء للحديقة التي ترتاحين فيها

.أنا صمت الطائر المغرد

*

."تتبادل النجوم والأرواح الاماكن"

.وتَوَهج دافئ يضيء في كل نبع

 "لم يكن الليالي صافية هكذا ابدا"

........................

(النص بالانجليزية)

Stars and souls

 

The awakened dreamer speaks to you in your sleep.

 

"I will protect you from the real beasts,

the ones you don't see, they are so cunning.

With me at your side, you will never need a disguise.

 

"I am the song performed only in your hearing.

I am the green wings of the garden in which you rest.

I am the hummingbird's silence.

 

"Stars and souls exchange places.

A warm glow shines in every breast.

The nights have never been so pure."

.......................

دانيال بريك: الشاعر والناقد الامريكي المعاصر ولد  في سنة ١٩٤٠، بدء مشواره الشعري وهو ابن ١٦ ربيعا، لە عديد من الكتب الشعرية والمقالات الادبية.

المصدر/

poemhunter

 

 

عادل صالح الزبيديمجاورة بين الفتى الأسود والرصاصة

دنز سميث

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


 مجاورة بين الفتى الأسود والرصاصة

احدهما صلبٌ والآخر حاول ان يكون

احدهما سريع والآخر كان أسرع

احدهما صاخب والآخر

أغنية ذات لحن واحد واستراحة لا تنتهي

حياة احدهما برمتها ومضة

 

كلاهما يمضيان حياتهما

محاولين ان يجدا دفئا ليسمياه وطنا

 

كلاهما يطلقان شرارة الجدال الى حد بعيد،

بعض الناس يريد حمايتهما/البعض يعتقد

ان علينا ان نتخلص من

الشيئين اللعينين كليهما معا فحسب.

***

 

....................

دنز سميث شاعر أميركي اسود من ذوي الجندر الثالث من مواليد سنت بول بولاية منيسوتا تلقى تعليمه في جامعة وسكونسن-ماديسن. أسس مع شعراء آخرين ما أسموه (جماعة الضوضاء الداكنة) وشارك في عدة مسابقات صلام (SLAM ) الشعر رشح مرتين لنهائيات هذه المسابقات الدولية وفاز في إحداها بالمركز الثاني في عام 2016. له ثلاث مجموعات شعرية هي ( ] أدخل [ يا فتى) فازت بجائزة لامبدا الأدبية لعام 2014 و(لا تسمونا موتى) رشحت للقائمة الأخيرة لجائزة الكتاب الوطني في عام 2017 ثم فازت بجائزة فوروورد لأفضل مجموعة شعرية لعام 2018 و(صديق) 2020 فضلا عن كتيبين آخرين فاز احدهما بجائزة باتن الشعرية لعام 2015.

 

 

صحيفة المثقفللشاعر الامريكي ادغار البرت غيست

ترجمة: مريم لطفي

 فقط  الاب بوجهه المتعب

يعود الى البيت من السباق اليومي

يحمل القليل من الذهب اوالجاه

ليظهر مهارته باداء اللعبة

لكن  السرور في قلبه تلك هي بهجته الخاصة

لرؤيته ياتي ولسماع صوته

 

الاب فقط مع احتضانه لاربعة

واحد من عشرة ملايين رجل او اكثر

طوال كدحه في الصراع اليومي

يتحمل السياط وسخرية الحياة

بدون تذمر من الم اوكراهية

 لاجل اولئك الذين ينتظرون في المنزل

فقط الاب،لاغني ولافخور

مجرد واحد من الجمع المتزايد

كد، سعي من يوم لاخر

يواجه كل ماقد ياتي في طريقه

صامت متى استهجنه الشظف

ويتحمل كل ذلك من اجل حبهم

 

فقط الاب، لكنه يعطي كله

ليمهد الطريق لاطفاله الصغار

يفعلها بشجاعة صارمة وحزم

الاعمال التي قام بها والده لاجله

هذا هو الخط الذي ارسمه له

فقط الاب، لكن افضل الرجال

.........................

Edgar albert guest

Only a dad, with a tired face,

Coming home from the daily race,

Bringing little of gold or fame,

To show how well he has played the game

But glad in his heart that his own rejoice

To see him come, and to hear his voice

 

Only a dad, with a brood of four,

One of ten million men or more

Plodding along in the daily strife,

Bearing the whips and the scorns of life,

With never a whimper of pain or hate

For the sake of those who at home await

 

Only a dad, neither rich nor proud,

Merely one of the surging crowd

Toiling, striving from day to day,

Facing whatever may come his way

Silent, whenever the harsh condemn,

And bearing it all for the love of them

 

Only a dad, but he gives his all

To smooth the way for his children small

Doing, with courage stern and grim,

The deeds that his father did for him

This is the line that for him I pen

Only a dad, but the best of men

 

............................

ادغار البرت غيست: ولد الشاعر في20 اغسطس1881 في برمنغهام في انكلترا،وهوشاعر امريكي من اصل بريطاني حيث انتقلت العائلة الى الولايات المتحدة الامريكية وهو في العاشرة من العمر،كان شائعا في النصف الاول من القرن العشرين واصبح معروفا باسم "شاعر الشعب"،غالبا ماكان لقصائده نظرة ملهمة ومتفائلة للحياة اليومية،ظهرت قصيدته الاولى في 11 سبتمبر1898 واصبح مواطنا متجنسا في عام 1902،كان عاطفيا ومتفائلا.

بدا حياته العملية كبائع صحف ثم سرعان ما تمت ترقيته الى كاتب

من اول اعماله المنشورة في ديترويت"فري برس" حتى وفاته1959،كتب 11000 قصيدة تم تجميعها في حوالي300 صفحة.

من عام 1931 الى1942 بث برنامجا اسبوعيا على راديو"ان بي سي"

تزوج من نيلي كروسمان وانجب ثلاثة اطفال،اتسمت كتاباته بالتفاؤل وكانت قصائده تتكون من اربعة عشر شطرا وتقدم وجهة نظر عاطفية عميقة للحياة اليومية قال عن قصائده"انني اخذ اشياء بسيطة تحدث كل يوم لي واظنها تحدث لكثير من الناس الاخرين واقوم باخراج القوافي البسيطة منهم".

من اهم قصائده"دردشة طاولة الفطور"و"الاغاني المشمسة" و"عندما يتم ذلك اليوم"وقوافي الطفولة"و"الطريقة الودية"و"طريق الحياة السريع"،وغيرها الكثير ،توفي في 5 لغسطس 1959.

كلمتي:

تحية وانحناءة لكل ظهر انحنى

وانكب على تربية ابناءه لزرع قيم الفضيلة والانسانية

وتحية اجلال للاسم الخالد الذي يتوج اسماءنا

 

مريم لطفي

 

صالح الرزوقموراي ألفريدسون*

ترجمة: صالح الرزوق

الكثير من الفاكهة

زرع شعب الأرغون

في أرجاء حديقتهم،

جنتهم الموعودة.

يشبه المانغو

كان القطاف، بلون ذهبي

عميق وأحمر،

حلو المذاق ولذيذ عصيره

ويفيض على الأحاسيس ويغمرها.

“كل، كل ما تشاء"

قال أيلابادوث

“استمتع بالفاكهة

الممنوحة لك.

ولكن لا تلمس شجرة

المعرفة، حتى

لا تموت".

 

حراس حديقة الأرغون

وضعوا فاكهتهم

حول الشجرة

لسترها عن الأنظار،

ثم ذهبوا إلى مأواهم.

 

وجلس أيون،

المسيح بصورة نسر،

على قمة الأغصان،

وإيبنويا العادلة

قبعت بجواره -

أم أنها كانت

هي نفسها الشجرة؟.

 

نبه المسيح

آدم،

الإنسان الأول، بقوله:” احذر،

شجرة الحياة

ممنوحة بالمجان

لكنها للأرغون،

وجذورها مرة كالعلقم

وتحقن الثمار

بسم زعاف

وتغلف العقل

بالضباب، وتعزلك في منتأى

بعيدا عن منزل الأرواح،

منتجع بليروما.

 

كل من شجرة المعرفة

التي تعترض طريقك

ثم استدل على دربك يا آدم"

 

وسمعه آدم

والتهم ثمرة المعرفة

واتحد مع

أعماقه البعيدة

إيبنويا، القوة المعكوسة،

نور بليروما.

***

 

........................

* موراي ألفريدسون ( Donald Murray Alfredson ) شاعر من أديلايد. أستراليا. والمصدر مراسلات شخصية.

هوامش لا بد منها:

أرغون: حاكم المملكة.

أيلابادوث: إله الفوضى والشر.

أيون: الحياة.

إيبينويا: الإلهام.

بليروما: الكمال.

 

عادل صالح الزبيديبراين بيلستن

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


1- تسليم

ببالغ الندم

عليّ ان

اسلـّم اليوم

 

بمشاهدة البلد

يسقط في

فوضى شاملة.

***

2- الحب ثوب

الحب ثوبٌ

يحميك،

دفءٌ يدب

من أطراف أصابعك

حتى قلبك

 

عفوا – ليس الحب –

الجب، قصدت الجب

***

.......................

عرف الشاعر براين بيلستن خلال السنوات القليلة الماضية على مواقع التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك وغيرهما بوصفه صوتا شعريا متميزا حتى أطلق عليه لقب (أمير شعراء تويتر) على الرغم من كونه شخصية يلفها الغموض مثلما يلفه دخان غليونه ولا يعرف عنه الا النزر اليسير. ظهرت له أول مجموعة شعرية مطبوعة بعنوان (استقللتَ الحافلة الأخيرة الى الديار) في عام 2016 ورواية بعنوان (يوميات احدهم) في العام الحالي. يواظب بيلستن على نشر قصائده على مواقع التواصل على نحو شبه يومي.

 

 

صالح الرزوقبول ب. روث

ترجمة: صالح الرزوق


.... هذا إن لم تنظر من نافذة

مكسورة أو سواها. هناك خصلة

من دخان تفر من كومة حجارة محطمة و

إسفلت يتنفس، وهناك أيضا إطارات

انصهرت ببعضها بعضا، وقبضات حديدية متشابكة، وإسمنت

مسلح مسنن مع شظايا أحجار تبرز منها، وأبواب رقيقة مهدمة، و

مستنقعات  يعلوها الصدأ، ويشرب

منها عصافير الأرض كما لو أنك

غير موجود.

ونفايات أنسجة مغموسة بالدم ولحق بها التلف وبوابات من حديد لها نهايات كالرماح

وترفرف عليها الأنسجة في ريح تهب ببطء.

الموت يغطي نصفك. عظام الموتى

تتكشف في المقبرة بعد انزلاق الطين، وها هي تظهر للعيان:

تحمل السكاكين وشوكات الطعام وتغرسها في الهواء

لتتحدى جوعها.

من مسافة بعيدة، أنت من

أنت وتزرع أول نبتة ذرة في

رماد بركاني، وشجرة برتقال في رمل من المرجان، وشجرة جوز أمريكي

في نشارة الخشب الناعم الذي يطير

كزوبعة تشبه القمع،

أما مواعيد السماء الزرقاء ذات الحقائب المبلولة

فتغلف صحراء النقب.

اقترب، الجوع يتجاوزك

رغم المحن

التي تنتابك.

***

 

.........................

بول ب. روث Paul B. Roth: شاعر أمريكي معاصر. وله سبع مجموعات شعرية.