عادل صالح الزبيديتوي ديريكوت

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


 لماذا لا اكتب عن جورج فلويد

لأن ثمة الكثير لأقوله

لأن ليس ثمة ما أقوله

لأنني لا اعرف ما الذي أقوله

لأن كل شيء قد قيل

لأن من المؤلم جدا أن أقوله

ما الذي باستطاعتي أن أقوله ما الذي باستطاعتي أن أقوله

ثمة شيء عالق في حنجرتي

ثمة شيء عالق مثل تفاحة

ثمة شيء عالق مثل سكين

ثمة شيء محشور مثل قدم

ثمة شيء محشور مثل جسد

***

 

 .................

توي ديريكوت: شاعرة أميركية من مواليد هامترامك، مشيغان لعام 1941، تلقت تعليمها في جامعتي وين ونيويورك وتمارس التدريس حاليا في جامعة بتسبيرغ. تتناول أشعارها معاناة الأميركيين الأفارقة من العبودية والعنف والتمييز العرقي على مدى التاريخ الأميركي في ماضيه وحاضره. من عناوين مجموعاتها الشعرية: (ولادة طبيعية) 1983؛ (أسر) 1989؛ و(ابنة الحانوتي) 2011. حاز شعر ديريكوت على جوائز عديدة وشغلت منصب مستشار أكاديمية الشعراء الأميركيين خلال 2012-2017. تقول الشاعرة عن قصيدتها هذه ما يأتي: 

"كان ثمة الكثير مما لم يتحدث به (وما كان ليتحدث به!) آبائي وأجدادي وهم يفرون من العنف في الجنوب ومما تختزنه جروحهم من ذكريات. لم يريدوا ان ينشأ أطفالهم على المخاوف نفسها. كان علينا ان نواصل المسيرة. أثار مقتل جورج فلويد حزنا كأنه نحي جانبا على مدى قرون. تدور القصيدة حول عملية الترويض الصعبة والطويلة."

 

 

عبد الله هاشيقصة الكاتب الفرنسي: ألبير كامي

ترجمة: عبد الله هاشي

كُنٌا في عز الشتاء، وعلى أوصال المدينة سرت الضوضاء وانتثر الصخب ؛ وأطل جبين النهار متألقا بالنضارة وبالإشراق . وعند منتهى الرصيف، تدفقت السماء على البحر في مزيج فريد يفيض بالروعة وبالبهاء . فات جيفار أن يمد ناظريه للاستمتاع بمناظر السماء والبحر . كان يمتطي دراجته الهوائية، ويتقدم على طول الشوارع المشرفة على الميناء ؛ قد جثمت رجله المعاقة فوق الدواسة الثابتة لا تبرح موضعها، بينما انهمكت رجله الأخرى تواصل جهدها لا تنثني لعبور الشوارع المبلطة التي لم تزل مبللة بنداوة الليل . كان على حجمه البالغ الضآلة فوق الدراجة لا ينفك، ودون الحاجة الى أن يرفع رأسه، يتفادى قضبان سكة الترامواي القديم ؛ مثلما ظل يتنحى، بحركات مقود مباغتة، ليفسح الطريق أمام السيارات التي تتجاوزه الواحدة تلو الأخرى ؛ وبين الحين والحين، لبث يعيد بمرفقه على الظهر مزودة وضعت بها زوجته فيرناندة وجبة غدائه . ولقد انشغل طويلا بمحتوى المزودة بإحساس من الكآبة والغم . فالقطعتان الكبيرتان من الخبز لم تكونا محشوتين لا بعجة البيض الإسبانية المفضلة لديه، ولا بالشريحة من لحم البقر المقلي في الزيت، بل ضمتا بعض الجبن وحسب .

لم يسبق أبداً للطريق الى الورشة أن تبدت في عينيه مسافة على هذه الدرجة من الطول . هي كذلك، قال في نفسه، تغور في الزمن، وتتهاوى على أقدام العمر . ومع أنه، وقد بلغ الأربعين عاماً، هزيل نحيل كضمور عيدان الدوالي، إلا أن عضلاته ظلت عصية على الاستثارة، بطيئة على التسخين . لطالما رفع منكبيه من الاستهزاء حين يتصفح التقارير الرياضية التي تصف رياضيا في الثلاثين من العمر بالرياضي المتمرس، فيتوجه الى فيرناندة يخاطبها : " إذا كان هذا رياضيا متمرساً، فذلك مما يفيد بأني، أنا، قد أصبحت في عداد المطوٌحين بهم على فراش الاسقام " . ومع ذلك، فقد كان في قرارة نفسه يعتقد بأن الصحافي الذي كتب التقرير لم يجانب الصواب كليةً ؛ فالتنفس في سن ٌالثلاثين يكون قد تسرب اليه بعض الوهن والفتور على غفلة من العين . في سن الأربعين، لا يكون المرء في عداد المطروحين على فراش السقم، كلا، لكنه، من الأكيد، في وضعية من شرع يأخذ في التأهب المبكر للأمر . أولم يكن ذلك هو السبب الكامن وراء غفلته لزمن طويل عن مشاهدة البحر وهو يجوب المسار في اتجاه الطرف الآخر من المدينة حيث يوجد مصنع البراميل ؟ حينما كان في العشرين سنة ً، لم يكن أبداً ليدركه الملل من مشاهدته . فقد كانت أمواجه تعده بنهاية أسبوع على الشاطئ مليئة بالمباهج والمسرات . مفتوناً ظل دائما بالسباحة بالرغم، وربما بسبب العرج . ثم توالت الأيام والسنين ؛ وكان أن جاءت فيرناندة، أعقب ذلك ميلاد الولد . ثم كان لا بد، في سبيل قليل من الحياة، من الساعات الإضافية في مصنع البراميل أيام السبت، ومن الارتزاق أيام الأحد مما توفر القيام به على قدر الاستطاعة لدى هذا وذاك . شيئا ً فشيئا ً، لبثت تنفلت من بين يديه ألفة تلك الأيام البالغة السورة والاجتياح ؛ تلك الأيام التي أشبعت نوازعه جميعاً : المياه العميقة الرائقة، الشمس المتوهجة اللافحة، الفتيات، ملذات الجسد، كلها ألوان من السعادة يصعب العثور على مثيلات لها في وطنه . ألوان من السعادة سائرة الى الزوال بانصرام أيام الشباب . ظل جيفار عاشقا للبحر، لكن وحسب حينما يميل النهار الى الغروب، لما تهفو مياه الخليج في تلك الاندفاعات القليلة والناعمة . كانت تقبل على شرفة البيت، حيث تعود على الجلوس بعد يوم من العمل والكدح، لحظات جميلة من الهدوء والطمأنينة، يحس اثناءها بالسرور الغامر للنقاوة الناصعة على قميصه الذي أجادت فيرناندة في معالجته بالمكواة، وأيضاً للقدح بين يديه من شراب الأنيسون تتكدس على جنباته طبقات البخار المتصاعد . ثم ينسدل رداء المساء، فتشمل الكون رقة ولطافة وجمال، يخفض على لمساتها الجيران من أصواتهم، فلا يتكلمون إلا همساً . في تلك اللحظات، تتحير روحه، فتسأله نفسه يا ترى أأنت سعيد، أم تراك تريد أن تبكي . لذلك، في أقل الأحوال، يسلم باستحالة القيام بأي شيء سوى أن ينتظر، بكل الهدوء وبكل اللين، من دون أن يدرك بالضبط ماذا كان ينتظر .

في الصباحات الباكرة التي يلتحق فيها بمقر عمله، لا يحب النظر الى البحر، هذا الباذخ الوفاء على مدى الزمن لكل المواعيد ؛ إذ لا ترنو اليه العين إلا عندما يأتي المساء . أما في هذا الصباح، فقد مكث يسير بدراجته الهوائية خفيض الجبين، ببطء أكثر مما ألف، وبتثاقل أشد مما تعود، وبفؤاد جثمت على جوانحه التصدعات الفادحة . فعلى إثر عودته الى البيت، من الاجتماع، عشية الأمس، وإعلانه خبر استئناف العمل بالمصنع، بادرته فيرناندة هاشٌة باشٌة، تخاطبه : " إذن، فقد وافق رب العمل على الزيادة في الأجور ؟ " . لا زيادة في الأجور ولا أي شيء . لقد فشل الإضراب . أعوزنا حسن التصرف، وتعذرت علينا سبل المناورة والحيلة . يجب علينا أن نعترف بذلك . لم يكن سوى إضراباً من نوبات غضب وفورات هياج . ولقد كانت النقابة محقة تماماً في متابعتها الفاترة للموضوع . وفضلا عن ذلك، فإضراب ما لا يتجاوز عدده خمسة عشر مضرباً، ليس بالأمر الذي يمكن أن يثير الاهتمام ؛ إذ لم يفت النقابة أن تأخذ في الحسبان الإضرابات غير الموفقة للعمال في مصانع البراميل الأخرى . وبالتالي، فليس لنا أن نبالغ في إلقاء اللوم عليها . إن صناعة البراميل، المهددة بمنشآت تشييد السفن وشاحنات الصهاريج، تواجهها العديد من المشاكل والصعوبات . فمع التناقص المتواصل في إنتاج كميات البراميل وأعداد القنينات الكبيرة، أصبح شغلنا يتركز بصورة أساسية على إصلاح البراميل العملاقة الجاهزة . لقد أدرك أرباب الشغل أية حدود من المخاطر والمجازفات أصبحت تواجهها مشروعاتهم ومعاملاتهم التجارية . هذه هي الحقيقة . ومع ذلك، فهم عادة ما يميلون الى الاحتفاظ بهامش يفيدون منه بعض الأرباح والمكاسب . ويبدو أنهم، مرة أخرى، لم يجدوا أسهل من الهامش القائم على فرملة أي زيادة في الأجور، بالرغم من الارتفاع المتفشي في الأسعار . ترى، ماذا سيكون مصير عمال احترفوا صنع البراميل وإصلاحها عندما تختفي صناعة وإصلاح البراميل من الوجود ؟ لا يمكن للمرء أن يغير حرفة أنفق في تعلمها وإتقانها مخزونات العمر كلها من الكد والجهد . وحرفة صناعة البراميل صعبة أشد ما تكون الصعوبة، وهي تتطلب فترات طويلة من التدريب والتلقين . وإنه لمن النادر العثور على صانع متمرس للبراميل، ذلك الذي يرتب ترتيبا دقيقا أضلاعها الخشبية المقوسة، ثم يوثقها الى بعضها بالنار وبالطوق الحديدي، فتنقفل وتنسد، شديد الاقفال، متين السد، دونما حاجة الى الحشو بالمشاقات وألياف الرافية . كان جيفار يدرك هذا تمام الادراك . ولشد ما كانت تجتاح نفسه لمثل هذه الخواطر سورة زهو وإباء . ليس تغيير المهنة بالأمر الجلل الخطير الشأن ؛ لكن التخلي عن صنعة برع المرء في إتقانها، والتنازل عن مهارات اكتسبها، ليعتبر من الأمور البعيدة كل البعد عن أن تكون بالخلية من المشقات والمتيسرة المأخذ . وإن مهنة جميلة ورائعة من دون شغل لهو الإرباك المطبق في شرايين الوجود . لذلك، وجب الخضوع والاستسلام، وأضحى التنازل يفرض نفسه . غير أن الاستسلام لا يكون على الاطلاق بالأمر الهين، ولا التنازل بالقريب المنال أبداً . لهذا كله، يشق على النفس أن تظل أفواهنا مغلقة، وأن يدوم فينا عجزنا عن المناقشة والبحث والاعتراض وتبادل الأفكار والآراء ؛ ليجد المرء نفسه، في كل صباح، يعيد نفس المسار، تتراكم على منكبيه كل ألوان العناء والنصب، في سبيل الحصول، نهاية الأسبوع، فقط على ما يرغب الاخرون في أن يحصل عليه ؛ والذي ما عاد، بكرور الأيام، يكفي لسد بسيط الحاجات .

وإذن، فقد قرٌ قرارهم على الدخول في نوبة غضب وفورة هيجان . كان ثمة اثنان أو ثلاثة عمال ساورتهم الرغبة في التراجع، إلا أن موجة الغضب ما عتمت أن جرفتهم بدورهم بعد اللقاءات الأولية مع رب العمل ؛ والذي قال بالعبارة الصريحة والجافة بعدم وجود منزلة بين المنزلتين، فإما القبول، وإما الرفض . الرجال الحقيقيون لا يتكلمون بهذه الطريقة الباردة والعديمة الإحساس . وكان تعقيب إصبوصيطو : " ما ذا يظننا فاعلين ؟ أن ننزل سراويلنا . " ومع ذلك، يمكن القول بأن رب العمل ليس بالشخص المشاكس الحرون الطبع . فقد خلف والده على رأس المصنع، بالإضافة الى كونه كبر ونشأ في مختلف أوراشه، ومنذ سنوات عديدة، يعرف حق المعرفة كافة العمال تقريباً . ولقد اعتاد، بين الفينة والأخرى، على دعوتهم في رحاب مصنع البراميل الى تناول وجبات طعام خفيفة . فكنا نشوي كميات من السردين أو من النقانق على نار نشعلها من مخلفات النجارة، وبمساعدة النبيذ، كان معدنه يتكشف بحق عن طبع في غاية الود واللطافة . كما ظل دأبه، بصورة مستدامة، عند حلول السنة الميلادية الجديدة، على تزويد عماله، واحداً واحداً، بخمس قنينات من النبيذ الرفيع . وأحياناً، حين ينتهي الى علمه مرض أحدهم، أو ببساطة، مناسبة سعيدة، زواج أو وليمة للصدقة، فقد كان لا يبخل بهدية من المال . ولما رزق ببنت، وفر للجميع، بكل السخاء، خردقات القنص . وكان في مناسبتين اثنتين أو ثلاث قد دعا جيفار للقنص في ضيعته المحاذية للساحل . ومما لا ريب فيه أنه يكن لعماله جميعهم خالص مشاعر الود . وكان أحياناً ما يعيد الى الأذهان أن والده ابتدأ مساره صبياً في محل للنجارة . لكن، لم يسبق له أبداً أن تفضل بزيارة أحدهم أو دخل بيتا من بيوتهم حتى يتأكد بنفسه ويرى بأم عينيه . وذلك لأنه كان لا يفكر إلا في نفسه، وللسبب البسيط أنه لا يعرف إلا نفسه . لذلك يخيرهم اليوم بين القبول أو الرفض . بعبارة أخرى، إنه يصطدم بدوره بعثرة جموح وإصرار ؛ سوى أنه يملك في يده أن يجوٌز لنفسه ذلك، وأن يبيح لها ما يبتغي ويشاء .

مع اشتداد الضغوط التي مارسوها على النقابة، وإكراههم لها على إعلان الاضراب، وجد رب العمل نفسه مضطرا الى إغلاق المعمل . ثم إنه خاطبهم قائلا : " لا تتعبوا أنفسكم في السهر على متابعة تنفيذ الاضراب . ذلك لأن إغلاق المعمل، بالنسبة لي، يشكل فرصة جيدة لتوفير قدر معتبر من المال " . لم يكن ذلك صحيحا على الاطلاق ؛ ولكنه، في نفس الوقت، لا يسعف في حل المشكلة ؛ خصوصا حينما قذف في وجوههم بكلمته التي صرح فيها بأنه لا يمنحهم الشغل في المعمل سوى من باب الشفقة والإحسان . حينها غضب إصبوصيطو غضبا شديدا، وانتابته نوبة جنون عاصفة، فرد عليه بأنه ليس رجلا . فاستشاط الاخر من الغيظ واستعرت أعصابه . وكان لا بد من التدخل للتفريق بين الرجلين الهائجين . والذي لا جدال فيه أن المواجهة تركت انطباعات قوية في نفوس العمال ارتجت لها الضمائر والأفكار . ثم انصرمت الأيام العشرون من الاضراب ؛ وشملت الكآبة والحزن أفئدة النساء في البيوت ؛ وتسرب اليأس الى اثنين أو ثلاثة من بين المضربين، وانهار ما تبقى فيهم من العزم والصمود . ثم كانت القشة التي قصمت ظهر الأمر برمته عندما أقدمت النقابة على الإشارة للعمال بالاستسلام وإنهاء الاضراب ؛ وذلك على أساس وعود بالتدخل للتحكيم، وبالحصول على التعويض عن أيام الاضراب بتمكينهم من عدد الساعات الإضافية المطلوب . هكذا تقررت العودة لاستئناف العمل . وطبيعي أن ذلك لم يكن ليخلو من عبارات الفخر ودلائل الاعتزاز والشعور بالعظمة، كقولهم إن المسألة ليست فشلا بالمرة، وبأن الأمر برمته منذور للمراجعة ومعاودة الفحص والنظر . لكن، مع قدوم الصباح، تهطلت زخة العياء على المناكب كأنها كابوس الانكسار . ثم، هذا الجبن عوضاً عن اللحم . لقد انقشع السراب، ولم يعد ثمة مجال للأوهام . عبثاً أشرقت الشمس تملأ الكون بالدفء وبالبهاء . أما ما دأبت على النطق به شفاه البحر من معسول الوعود، فقد ذهب مع الريح ولن يعود . ومكث جيفار يواصل الضغط على الدواسة الوحيدة لدراجته الهوائية، كلما أكملت العجلة دورة، شعر في قرارة نفسه بأنه يسيخ في الهرم أكثر . وظل كلما لاح في خياله طيف عابر من أطياف المعمل، وتتابعت حياله وجوه الرفاق وصورة رب العمل، وإقباله عليهم بعد حين، إلا واشتدت عليه قبضة الغمة، وضاق صدره من الأسى والحزن . سألته فيرناندة بنبرة ملؤها الانشغال والقلق : " - ما ذا ستقولون له ؟ " . " - لا شيء " . امتطى جيفار دراجته، وانصرف عنها، ورأسه يهتز ويرتج . ولبثت أسنانه تصرف صريفا ؛ وكانت ترين على وجهه الصغير الأسمر، المليء بالغضون وبالحروف الدقيقة، ألوان ثخينة من الصمت والوجوم المكين . وظل يطوي الطريق ؛ وظلت الاسنان منه لا تكف عن الصريف ؛ وظلت تمور بين جوانحه فورة غضب بئيسة لا شيء يرجع لها صدى، قد انسكبت من جنباتها دفقات الاكفهرار والعبوس، فعمت أركان الأرض من حوله والسماء جميعا .

انعطف عن الشارع العريض ثم دلف، وهو يبتعد عن البحر، ليخترق الازقة الغارقة في الرطوبة للحي الاسباني العتيق، والمفضية الى منطقة مشغولة وحسب بالمرائب والمخازن ومستودعات الحديد الهالك . هنالك ترتفع بناية المعمل . وهي عبارة عن مرأب بجدران متوسطة الارتفاع، مغطاة بالزجاج الى حدود السقف المتشكل من مطيلة متموجة من الحديد . وهي، الى ذلك، تشرف على المصنع القديم لإنتاج البراميل، والذي تحول الى ساحة محاطة بباحات عتيقة تقرر التخلي عنها عندما توسعت أنشطة المقاولة، فأضحت مع توالي السنين مستودعا للآليات البالية وأكوام البراميل المهجورة . وتمتد في ما وراء الساحة حديقة رب العمل، تفصل بينهما طريق مفروشة بقطع القرميد العتيق عند نهايتها يقوم البيت، مقر سكنه . دار عالية البنيان، بشعة تنفر لمرآها الابصار، إلا ما كان من دالية غضة لم تعرف الاغلال، وما يشبه باقة من قليل زهر العسل تنكفئ على الدرج الخارجي التأمت هنالك فأسبغت على الإقامة مسحة محببة الى النفس، تنجذب لها العيون .

في الحين، لاحظ جيفار بأن أبواب المعمل ما تزال مقفلة ؛ وإزاءها تقف كوكبة من العمال يسود من حولهم السكون والصمت . هذه أول مرة، طيلة مدة اشتغاله هنا، يجد عند وصوله أبواب المعمل مغلقة . لعل رب العمل يقصد من ذلك الإعلان عن نفسه، وتذكيرهم بأهمية ما وراءه من شأن . واتجه جيفار يساراً ليرتب دراجته الهوائية أسفل السقيفة الصغيرة الملحقة بالمرأب، ثم تقدم قاصدا المدخل . من بعيد، تعرف الى إصبوصيطو، بقامته الفارعة وبنيته القوية، وبسمرته وشعره الغزير، وكان يشتغل بمحاذاته في المعمل . كما تعرف الى ماركو، المندوب النقابي، الشبيه بالمغنية الفاشلة، لا زين، لا طرب . ثم سعيد، العربي الوحيد في المعمل ؛ يليه ما تبقى من العمال ؛ وقد مكثوا جميعا ينظرون اليه في صمت وهو يقترب منهم . بيد أنهم، فجأة، بضع لحظات قبل أن ينضم اليهم، تحولوا بأنظارهم جهة أبواب المعمل التي ابتدأت تنفتح تباعاً . وظهر حيالهم، يوليهم ظهره، بالاصطار، رئيس العمال، واقفاً عند فرجة إحدى البوابات الثقيلة، يحاول معالجتها ودفعها بتؤدة، فتتحرك بين يديه منسابة على السكة بطيئة متمهلة .

وكان بالاصطار، ويكبر في السن جميع العمال، قد تعرض للإضراب بالانتقاد والاستهجان ؛ لكنه سرعان ما أمسك عن عبارات الشجب حينما وضح له إصبوصيطو بأن كلامه محمٌل بالانحياز الى جانب رب العمل وتزكية مصلحته . وها هو، في هذه اللحظة، يقف بالقرب من الباب بقده الجسيم القصير، وفي سترته المسرودة من النسيج الكحلي اللون . وليس بالأمر المستجد أنه حافي القدمين، فقد كان بالإضافة الى سعيد الوحيدين اللذين اعتادا على العمل من دون أن يضعا في قدميهما أي شيء . وهكذا، راح يتابع دخول العمال الى الورشة، الواحد يتلو الآخر، بعينيه الفائقتي الصفاء لحد ما خبا فيهما البريق، فذوت نضارة لونهما على أديم وجهه البرونزي المتهدم بثقل الزمن وتراكم السنين ؛ بينما انكشف ثغره أسفل شاربه الكثيف المتهدل معتم الملمح تعلوه كربة وغمة . وأما العمال فقد لزموا الصمت وخلدوا الى عدم النطق، تعلو وجوههم دلائل مذلة وخزي على حالهم الناطق بالهزيمة، ناقمين على أنفسهم من الصمت ومن العجز عن التعبير و الكلام، يكاد يجهز عليهم الخبل لاستفحال إحساسهم بفقدان القدرة على كسر جدار هذا الوجوم الذي يزداد هولا واستعصاء . وانشغلوا بالعبور الى الورشة دون أن يلقي أي منهم بنظرة على بالاصطار . وكانوا جميعا يعلمون كل العلم بأنه، بهذه الطريقة في التعامل مع إقبالهم على الالتحاق بالعمل، إنما كان ينفذ بالحرف ما تناهى اليه من التلميحات و الأوامر؛ مثلما أنهم يفيدون تمام الإفادة من الشعور الذي يوحي به مظهره المكروب بما كان يمور بين جوانحه من الانطباعات السلبية والأفكار المزعجة . أما ما كان من جيفار، فقد رفع اليه عينيه، وألقى عليه بنظرة، عمد على إثرها بالاصطار، وكان يكن له غير قليل من المودة، فحرك رأسه حركة خفيفة من دون أن ينطق بكلمة .

وهاهم جميعاً، في هذه اللحظة، داخل المستودع الصغير لتغيير الملابس، القائم الى اليمين من المدخل، والمتكون من شقق صغيرة مكشوفة كتلك المخصصة عادة للأفراس، منفصلة عن بعضها بألواح من الخشب الأبيض التي علق بها من كل جانب خزانة صغيرة الحجم تفتح وتغلق بواسطة مفتاح . وكانت الشقة الأخيرة، انطلاقا من المدخل، عند نقطة التقاء الجدران بالمرأب، قد تحولت الى مقصورة مرشات بعد تغييرات أدخلت عليها لهذا الغرض ؛ وقد حفر من تحتها مجرى لتصريف المياه يخترق الأرض المطروقة . وكانت تتوسط المرأب أعداد من البراميل العملاقة الجاهزة التي يمكن للعمال رؤيتها حسب موقع الاشتغال بالمعمل، قد برزت الحلقات منها رخوة ومهلهلة و تستلزم المعالجة المكثفة بالنار . وكانت بالمرأب كذلك منضدات سميكة مجوفة بشقوق طويلة، منها قطع خشبية دائرية الشكل مدسوسة في ثناياها ما تزال تنتظر المعالجة بالمنجر . كما ضم المرأب أيضا مواقد نار متشحة بالسواد . وعلى طول الجدار، الى اليسار من المدخل، تراصفت مناضد العمل، تتكوم إزاءها عرم كبيرة من أضلاع البراميل التي تنتظر السحج والصقل . والى الجدار الأيمن، غير بعيد من مستودع الملابس، جثم منشاران ميكانيكيان مدهونان بالزيت أحسن ما يكون الدهن، يشع بريقهما في الأعين، وتملأ سطوتهما المتدفقة وصمتهما المتفشي أركان الفضاء والأفئدة .

ولقد اتضح منذ فترة طويلة بأن سعة المرأب قد أضحت كبيرة جدا على المجموعة الصغيرة من العمال . والحق أنه كانت لهذه السعة الباذخة عليهم فوائد جمة في أيام الحر الكبرى، لكنها تنقلب في زمن القر بشرور شتى . وها هو المرأب اليوم، وقد استقر العمل في جنباته على امتداد فضائه الفسيح، تجثم براميله الجانحة في كل الأركان، قد أطبقت حلقاتها الفريدة على أضلاع تتهلل بالنضارة، يحسبها الناظر زخرفات رديئة نحتتها على الخشب أنامل عامل مبتدئ ؛ بينما أسدلت نشارته أكواما ثقيلة من الغبار على المنضدات والآلات وصناديق الأدوات ؛ مما أضفى على المعمل هيئة مكان مهجور طالته حوافر الإهمال والنسيان . وظلت عيونهم لا تكف عن التطواف والجولان عبر كل زاوية وناحية فيه، وهم يرتدون ستراتهم المسرودة الصارخة بالرثاثة، وسراويل مرقعة امحت ألوانها من البلى . وبانت في ملامح وجوههم أمارات الحيرة واشتداد التردد . ولم يزل بالاصطار يتتبعهم بعينه الرقيبة . وانتهى الى مخاطبتهم، قال : " – وإذن، هلموا بنا، لنبدأ " . وشرعوا جميعا، واحداً واحداً، في الالتحاق بأماكن أعمالهم من دون أن ينبسوا ببنت شفة . وقد لبث بالاصطار يتنقل بينهم، من هذا الموقع الى ذاك، وبكل ما قل ودل من الحروف والكلمات، يعيد الى الاذهان طبيعة الاعمال المطلوب إنجازها أو تلك التي تنتظر الاتمام . ولم يكن لرجع ما يذكرهم به صوت أو صدى . بعد لحظات، سيرتفع في الجو رنين أول مطرقة تدق قطعة خشبية مصفحة بالحديد لتغريز حلقة على جبين منتفخة من برميل . وسُمع نواح المنجر يمخر مفاصل قطعة خشب . وأطلق إصبوصيطو واحدا من المنشارين، فتحركت نصاله القواضم في هدير شديد وكاسح . أما سعيد، فقد تكلف بجلب أضلاع البراميل عند الحاجة اليها، أو إعداد النار بمخلفات الاخشاب المنشورة، ووضع البراميل عليها لكي تأخذ ضخامتها الاحجام المطلوبة في إطار مشدٌ من النصال المصفحة بالحديد . وعندما ينتهي من تلبية كل الطلبات، يتخذ له مكانا بجنب المنضدات، ثم ينقض بالمطرقة على الحلقات العريضة الصدئة يكيل لها الضربات الموجعة . وتظل البراميل الموضوعة على النار تجود على ألسنة اللهب بالروائح التي تملأ كل ناحية من المرأب . وتشنفت خياشيم جيفار بشذى العطر القديم، ووقعت في أعماق روحه أصداء العبير القادم من غابر الأيام، فهبت على جوانحه نسمات رقيقة من الانشراح والسرور ؛ فواصل عمله في معالجة أضلاع البراميل التي كان يمده بها إصبوصيطو مقددة ومشذبة، ينجرها ويسحجها بالمنجر تارة، ويسويها ويركبها أحسن ما يكون التركيب تارة أخرى . ولبثوا جميعهم يشتغلون في سكون شامل وصمت مطبق . ومع ذلك، فقد طفقت تشرئب الى سماء المعمل أوصال دفينة من الحركة والنشاط والهمة . وابتدأت تنسكب على منابض الورشة الهامدة دفق مسترسلة من أمواه الحياة المتجددة . ومن خلال الحواجز الزجاجية، انسدلت على فضاء المرأب أضواء تفيض بالألق، واتشحت أدراج الأدخنة السابحة في الهواء المذهب بالإزرقاق . وعلى مسامع جيفار، تواثبت بقايا من طنين حشرة شاردة في مكان قريب .

في تلك اللحظة، انفتح الباب الذي يفضي الى داخل مصنع البراميل السابق، فانكشف الجدار الخلفي، وبرز السيد لاصال، رب العمل، منتصباً بقامته الهيفاء على عتبة المدخل، أسمر اللون، لم يتجاوز الثلاثين الا بقليل . كان يرتدي قميصا ناصع البياض، منفتح كلية على بذلة من نسيج غبردين، فاتحة الدكنة، أسدلت على هيئته دلائل النعمة، وعلى ملامحه آيات الهناء ورغد العيش . وبالرغم من العظام البارزة في تقاسيم وجهه المقدد كنصل السكين، فقد كان يوحي، في المجمل، بانطباعات لا تخلو من الاستئناس والمودة، تماماً مثلما يحصل مع غالبية الذين حررتهم ممارسة الرياضة من كل ما قد يعيق فيهم سبيل الحركة المريحة، أو ينغص انسياب المسلك وحرية التصرف . ومع ذلك، فقد وشت ملامحه، وهو يهم بتجاوز الباب، بمسحة من الانزعاج والقلق . واتسمت تحيته الصباحية للعمال بافتقارها الى تلك الدرجة من الرنين التي عهدوها فيها . مهما كان الحال، فقد اندثرت تحيته دون أن يرد عليها أحد . تراجعت قليلا أصداء ضربات المطارق وشملها بعض التنافر، إلا أنها سرعان ما عادت لتنتظم من جديد في إيقاعاتها الطبيعية المألوفة . خطا السيد لاصال خطوات معدودة مشوبة بالتردد، ثم دلف الى فاليري الصغير، والذي التحق بالمعمل منذ سنة واحدة فحسب . كان يشتغل بالقرب من المنشار الميكانيكي، على بعد بضع خطوات من جيفار، منهمكا في تركيب القاع لإحدى البراميل العملاقة . فراح رب العمل يتابعه بنظراته وهو مستغرق في إتمام مهمته . وكان أن واصل فاليري الصغير ما هو بصدده من دون أن ينطق بكلمة واحدة . فبادر السيد لاصال الى مخاطبته قائلا : " – وإذن، يا بنيٌ، كيف حالك ؟ " . مما أوقع الفتى توٌاً في حالة ارتباك شديد ضاعت على إثرها الحركات الرشيقة بين أنامله التي اعتراها الخرق . وتطلع بعينيه الى إصبوصيطو المنهمك الى القريب منه في تكديس عرمة من أضلاع البراميل على ذراعه المفتول والهائل، بقصد إمداد جيفار بها . وقد رد اصبوصيطو على نظرة الفتى بنظرة مثلها ألقى إليه بها دون أن يتوقف عن مواصلة عمله ؛ سرعان ما عاد فاليري لاستئناف معالجته للبرميل العملاق من غير أن يقدم على الإجابة على سؤال رب العمل . وللحظة قصيرة، توقف لاصال متسمرا في مكانه إزاء الفتى في ذهول ؛ ثم إنه بعد ذلك هز كتفيه إمعانا في اللامبالاة والاستخفاف، وحول ناظريه صوب ماركو، الذي كان يجلس منفرج الساقين فوق دكته، منهمكا يبري في ضربات خفيفة، متزنة ودقيقة، حافة قاع إحدى البراميل . فخاطبه لاصال بلهجة قد تسرب اليها بعض الجفاء : " – عمت صباحاً، يا ماركو " . لا يرد ماركو التحية . فقد ركز كل انتباهه كي لا يسحب من القطعة الخشبية التي كان بصدد معالجتها سوى شرائح من النشارة بالغة الرقة . وما كان من لاصال سوى أن التفت، هذه المرة، الى باقي العمال، فتوجه اليهم جميعا بالكلام بصوت جهوري قوي تردد عاليا في أرجاء المكان : " ماذا دهاكم ؟ لم نتوفق في الوصول الى اتفاق . هذا واضح ومفهوم . لكن، من غير المعقول أن يمنعنا ذلك من أن نشتغل معاً، بعضنا الى جانب بعض . وإذن، لأي غرض مفيد كل هذا الوجوم ؟ " . وانتصب ماركو واقفاً على قدميه، ورفع اليه قاع البرميل، وبراحة يده شرع يجس حافته المستديرة، وتغضنت عيناه الذابلتان، مما وشى بشعوره بالارتياح والرضى . وبكل أثقال الصمت الجاثم، قصد لاصال عاملا آخر ينشغل في تجميع برميل عملاق، بينما عم الضجيج في المعمل وارتفعت الى عنان الفضاء منه أصداء ضربات المطارق والهدير الكاسح للمنشار الميكانيكي . ثم إن لاصال خاطبهم يقول : " طيب . عندما تذهب عنكم هذه الحالة، أخبروني بذلك عن طريق بالاصطار " . وبكل الهدوء سارت به خطواته، وغادر المعمل .

بعدئذ، وفي أقل من رمشة العين، انطلق رنين الصفارة لمرتين متتابعتين واخترق فضاء المعمل الصاخب . متثاقلا، نهض بالاصطار ؛ وكان قد اقتعد الأرض ينوي لف سيجارة، واتجه قاصداً البوابة الخلفية الصغيرة . وخفتت على إثر ذهابه ضربات المطارق قليلا ؛ بل وتوقف أحد العمال وأمسك عن الضرب حينما لمح بالاصطار عائدا . كل ما نطق به هذا الأخير وهو يقف عند الباب أن قال: " – ماركو، جيفار، رب العمل يطلبكما " . كانت أول حركة قام بها جيفار، حينئذ، ذهابه ينوي غسل يديه ؛ لكن ماركو أمسك بساعده لدى مروره بمحاذاته ؛ فما كان منه إلا أن سار وراء الرجل بمشيته العرجاء المختلة .

في الساحة، خارج المعمل، انسدل ضياء النهار بليلا كالينابيع الندية، فانتعش جيفار لملمسه اللذيذ على وجهه وعلى ساعديه المكشوفين . وطفق العاملان يصعدان الدرج الخارجي لبيت رب العمل، تترامى عليهما بعض ظلال زهر العسل الذي ابتدأت تزهر فيه ورود أولى . ولما اجتازا الباب و دلفا عبر الممر المزين بالدبلومات، تناهى الى سمعهما بكاء أطفال أعقبه صوت السيد لاصال يقول : " - تحملينها لكي تنام بعد تناول طعام الغداء . سنقوم بدعوة الطبيب في حالة ما إذا استمرت وضعيتها، ولم يطرأ عليها أي تحسن " . ثم يظهر حيالهما في الممر، ويدعوهما لدخول المكتب الصغير الذي يعرفانه تمام المعرفة، تؤثثه قطع من الأثاث البسيط، وتزخرف جدرانه تذكارات رياضية . وخاطبهما لاصال، وهو يأخذ مجلسه خلف المكتب، قائلا : " - اجلسا " . لكن الرجلين ظلا واقفين . واستأنف كلامه يخاطبهما : " لقد استقدمتكما، أنتما، بصفتك أنت، يا ماركو، المندوب النقابي ؛ وأنت، يا جيفار، بصفتك أقدم مستخدم في المعمل بعد بالاصطار . وليس في نيتي أن أعود الى نقاشات منتهية . كما وليس بمستطاعي، إطلاقاً، أن أعطيكم شيئا من الذي تطلبونه مني . لقد انتهينا من ترتيبات المسألة برمتها، وتوصلنا جميعا الى القرار النهائي بلزوم العودة لاستئناف العمل . وإنه ليصعب عليٌ أن أحتمل ما بدا منكم تجاهي من علامات النفور والكراهية . إنني أخبركم بذلك تماماً كما أشعر به في صدري . وأود، بكل بساطة، أن أضيف ما يلي : إن ما ليس باستطاعتي القيام به اليوم، ربما ستتاح لي فرصة القيام به في المستقبل، حينما تنتعش الاعمال، وتتحسن الأوضاع . وإذا تأكدت لي إمكانية فعل شيء ما في هذا السبيل، فسأفعل حتى قبل أن تشيروا عليٌ . إلى ذلك الحين، تعالوا نستأنف العمل في جو يسوده الوئام والتفاهم والود " . وأمسك عن الكلام، واستغرق في ما يشبه التفكر والسعي للإمساك بخيوط أفكار متلبٌسة . ثم رفع بصره الى العاملين وخاطبهما : " - وإذن ؟ " . كان ماركو سارحا ينظر خارج المكتب . أما جيفار، فقد اجتاحته رغبة عارمة في الكلام، إلا أنه، والاضراس فيه تصرف صريفا مستعرا، ظل غير قادر على أن يتفوه بأي شيء . فهب لاصال يقول لهما : " - اسمعا . إنكم حقاً لعنيدون . أنتم لا تريدون أن تتزحزحوا عن موقفكم قيد أنملة . ستذهب عنكم هذه الفورة من الجموح والعناد . لكن، عندما تعودون الى رشدكم، وتنفتح في صدوركم عين العقل، لا يغيبنٌ عن بالكم كلامي، ولا تنسوا الذي قلته لكم " . ثم إنه نهض من مكانه، وقصد ماركو مادٌاً إليه يده يريد مصافحته، وهو يقول : " - مع السلامة " . وفجأة، تمتقع الألوان على جبين ماركو، وتجتاح محياه موجة شحوب كاسحة . انقلبت ملامح وجهه المفعمة بالنغم الوجداني الرقيق الى تضاريس متيبسة يجتاحها التصحر . وفي أقل من ثانية واحدة من الزمن، استغرقه الغضب، وبانت على رموش عينيه أمارات شرٌ مستطير . وإذا به يتململ في مكانه مبتعدا عن اليد الممدودة، ويقصد الباب خارجاً . لبث لاصال، بدوره، تتقلب الألوان على صفحة وجهه الذي استحكم عليه الشحوب . ثم حانت منه التفاتة الى جيفار، ومن دون أن يمد يده، هذه المرة، للمصافحة، صرخ فيه بكل ما أوتي من قوة : " سحقاً لكم جميعاً من أضحوكة على الأفواه " .

كان العمال منهمكين في تناول طعام الغداء حين عودتهما الى المعمل ؛ سوى ما كان من بالاصطار الذي خرج قبيل مجيئهما . كل ما نطق به لسان ماركو قوله وهو يلتحق بمكان عمله : " - جرٌة خاوية، وعبث بلا طائل " . وتوقف إصبوصيطو عن الأكل من قطعة الخبز بين يديه ليستخبر عن ردودهما على رب العمل . فأعلمه جيفار بأنهما لم يجيبا بأي شيء ؛ ثم ذهب وأحضر مزودته، وعاد ليقتعد الدكة حيث يعمل . ولقد شرع في الأكل حينما لمح سعيداً، غير بعيد عنه، مستلقيا على ظهره وسط كومة من النشارة، شارد النظرات يحدق عبر الكوات الزجاجية المزرقٌة في تلك الساعة بفعل السماء التي خبت فيها قليلا أضواء النهار . فسأله إن كان قد انتهى من تناول غدائه . أجابه سعيد بأنه فعلا قد أتى على كل حبات التين التي جلبها معه . فتوقف جيفار عن الأكل . كانت مشاعر الانزعاج والكدر التي تسببت فيها المواجهة مع لاصال قد اختفت تماما وفسحت المجال واسعا لموجات الود الدفئة . نهض من مكانه وهو يقسم قطعة الخبز بيديه الى شطرين، ثم حاول أن يفهم سعيد، الذي عبر عن رفضه وعدم حاجته، بأن القادم من الأيام سيشهد زوال الغمة ونهاية زمن العسر . واستطرد : " - لسوف يأتي دورك فتدعوني " . ابتسم سعيد . وها هو الآن، يتناول قطعة من شطيرة جيفار، بكل التمهل، وبكل الرفق، يحسبه الناظر خليٌاً من الجوع .

وقام إصبوصيطو فأتى بطنجرة قديمة ؛ وبقليل من النشارة وبعض الاعواد، أشعل ناراً خفيفة يروم تسخين مقدار من القهوة جلبها معه في قارورة من الزجاج، قال بأنها هدية للمعمل من البقال الذي يتعامل معه حينما علم بفشل الاضراب . وشرعت كأس بلون الخردل تتناقلها الأيادي، كلما أفرغت من القهوة المحلاة بالسكر، راح إصبوصيطو يسكب فيها، المرة بعد المرة . ووجد سعيد في كأسه من السعادة و المتعة ما لا يمكن بحال أن ترقى اليه الأكلة التي انتهى منها ؛ بينما استغرق إصبوصيطو في الإجهاز على ما تبقى من القهوة، مباشرة من الطنجرة الملتهبة، تتناثر من شفتيه شرارات صاعقة من السب والشتم والبقبقة . في تلك اللحظة، دخل بالاصطار، وأعلن بأن وقت استئناف العمل قد أزف .

وبينما هم منشغلون بمغادرة أماكنهم، يضمون الى بعضها في الاكياس والمزودات ما تناثر من الأوراق والاواني، تقدم بالاصطار حتى توسطهم، ثم باغتهم بالقول، وهو يخاطبهم، بأن الامر، بحق، ليشكل صدمة بالغة الألم، للعمال جميعا، وله هو أيضا . ومع ذلك، فليس في المسألة برمتها ما يمكن أن يعتبر مبررا كافيا للانفعال والاقدام على تصرفات غير جديرة سوى بالأطفال . إذ لا جدوى من عبارات التبرم والاستياء وضيق الصدر، ولا نفع يرجى من العبوس والامتناع عن الكلام . وفي الحال، حانت التفاتة اليه من إصبوصيطو، وكان ما يزال ممسكا بالطنجرة، فتورد وجهه الثخين الطويل . كان جيفار يعلم تمام العلم ما الذي يود إصبوصيطو أن يرد به ؛ ويعلم كذلك بأنهم جميعا، في الوقت نفسه، يعتقدون مثله بأن القضية لا علاقة لها لا بالعبوس والاستياء، ولا بالتمنع عن الكلام . كل ما في الامر أنهم عندما خيروا بين القبول أو الرفض، فكأنما سدٌت أفواههم سدٌاً . وفي بعض الأحيان، حينما تنضاف طبقات من فورات الغضب على ركام من الإحساس بالعجز وقلة الحيلة، يكبر الألم، ويصعب احتمال الغمٌة لحد فقدان القدرة حتى على التعبير عما يجيش في الصدر بصرخة واحدة . رجال ؛ هذا كل ما في الامر ؛ وليس لهم أن يُقبلوا على رب المعمل هاشٌين باشٌين، ينثرون الابتسامات هنا وهناك . غير أن إصبوصيطو لم يقدم على البوح بأي شيء من هذا . فقد انسحبت، في الأخير، من صفحة وجهه كل أمارة للتوتر ؛ وبينما شرع باقي العمال في الالتحاق بأماكن أعمالهم، عمد فمدٌ يده يربت بكل اللطف على منكب بالاصطار . وصعد من جديد الى عنان الفضاء رنين ضربات المطارق ؛ واحتشدت في مختلف أركان المرأب الكبير سحب الضوضاء المعتادة، وروائح النشارة، والاثواب البالية التي بللها العرق . وبكل الرفق والتؤدة، راح إصبوصيطو يدفع أمامه قطعة طرية العود من ضلع برميل قد أوغل فيها المنشار الهادر يقضمها مرغياً ومزبداً . وظلت تنبجس من مكان القضم نشارة بليلة أسدلت مثل رداء من بقايا الخبز المقلي فوق اليدين البدينتين المشعرتين والمشدودتين بإحكام الى الحطبة من كلا الجانبين من الشفرة المزمجرة . ولما بلغ تقطيع ضلع البرميل منتهاه، لم يعد يسمع في المكان سوى ضجيج المحرك وجعجعته .

وابتدأ جيفار يكابد الآلام والاوجاع تنثال نصالها الكاسرة على ظهره المحني على المنجر . كان قد اعتاد المواعيد مع العياء في ساعة متأخرة من النهار . ورأى أنه من البديهي أن تضيع منه حصص الترويض البدنية على امتداد هذه الأسابيع الطويلة من البطالة والتوقف عن كل نشاط . ومع ذلك، فقد نزع به الفكر الى عوامل العمر التي تحيل الاعمال اليدوية الى سلسلة مزعجة من الوجع والعذاب ؛ لاسيما تلك الاعمال التي تنعدم فيها مقومات الدقة والوضوح والضبط . هذه الآلام التي تتكسر منها العظام في ظهره، إنما هي إعلان واضح بمقدم الشيخوخة . فحينما يتسرب الاضطراب الى عضلات البدن، وتضعف فيها روابط الالتحام والتماسك، يضحى كل عمل يدوي مشمولا بشتى نوازع الكدر والغم والانزعاج، ويتحول الى مقدمة تمهد للفناء المؤكد . وليست الأماسي التي تعقب الفواصل القوية من المجهود العضلي وتبعاته من البذل والتعب، سوى تمهيدا حقيقيا لليلة من الرقاد أشبه بالموت أو هو الموت بعينه . لشد ما صدق الولد في رغبته أن يصبح، عندما يكبر، رجل تعليم . والذي لا مراء فيه، أن الذين يلهجون بالخطابات وكل الكلام في موضوع العمل اليدوي، لا يفقهون شيئا في ما يقولون .

وبينما كان جيفار يهم بالنهوض من مكانه لاسترجاع أنفاسه وإبعاد هذه الأفكار البئيسة من سماء ذهنه، انطلقت الصفارة من جديد في فضاء المعمل، بإلحاح واضح، هذه المرة، يستثير الفضول، تتخللها انقطاعات وجيزة في الزمن، لا تلبث بعدها أن تصدح برنين غامر تملِؤه العبارة الحاسمة التي لا تقبل التأجيل . وتوقف جميع العمال عن العمل . ولقد مكث بالاصطار يصيخ السمع الى ذلك الرنين مشدوها، مداهما ؛ غير أنه ما عتم أن بدا عليه التصميم، فقام وقصد الباب بطيء الخطوة، متمهل الحركة . كانت قد انصرمت لحظات معدودة على اختفائه وراء الباب، عندما توقفت الصفارة في نهاية المطاف . استأنف العمال نشاطهم، وابتدأ العمل يأخذ ايقاعه المألوف المتجدد . وبعنف شديد ينفتح الباب لمرة ثانية على بالاصطار يهرع في اتجاه مستودع الملابس . لا يلبث أن يخرج منه وقد انتعل حذاءه الرياضي، وسترته بين يديه ينشغل بارتدائها . وخاطب جيفار وهو يمر بمحاذاته : " – تعرضت البنت الصغيرة لنوبة مباغتة . وإني ذاهب لإحضار جيرمان " . ثم مضى مهرولا في اتجاه البوابة الضخمة . والدكتور جيرمان من سكان الضاحية، ويشتغل في المعمل كطبيب . وأعاد جيفار الخبر على الاسماع بدون زيادة أو تعليق، فتحلق الآخرون من حوله، وطفقوا ينظرون الى بعضهم البعض في حالة من الحيرة والدهشة والارتباك . ولم يعد يسمع في فضاء المعمل غير محرك المنشار الميكانيكي الذي راح يطوي المدارات طليقاً لا توقفه الموانع . وسُمع أحد العمال يقول : " – لعل البنت تكون بخير " . ثم إنهم التحقوا جميعهم كل بمكان عمله، واكتسحت أركان المعمل لفائف الضوضاء والصخب المتجدد . وبدا أن وتيرة أياديهم قد أدركها ما ينم عن بعض التبطيء وعن نوايا عابرة في بعض التمهل، فلبثوا كأنما تسود أذهانهم هواجس ترقب بقرب حدوث أمر ما .

ستنصرم ما يقارب ربع الساعة حينما عاد بالاصطار من جديد، يتخلص من سترته، ثم يعاود الخروج من البوابة الصغيرة دون أن ينبس ببنت شفة . وعلى صفحة الكوات الزجاجية للمعمل استسلمت أضواء النهار للذبول، فذوت فيها كل بارقة . بعد لحظات قليلة، تسربت الى الفواصل التي ينتكس خلالها المنشار في قضم الخشب ما يشبه جرساً مكتوماً أنبأ عن مقدم سيارة اسعاف، بعيدة الصدى في البدء، ولما دنت، جثم حضورها المكين على الكون . سرعان ما خمد فيها الهدير، فاستكانت الى الصمت . مع قدوم بالاصطار مرة أخرى، التأم من حوله كل العمال . كان إصبوصيطو قد قطع التيار عن المحرك فهمد . أخبر بالاصطار بأن الطفلة كانت في غرفتها، وحينما همت بخلع ثيابها، سقطت على الأرض سقطة مفاجئة كأنما احتشت بضربة محش . فقال ماركو : " – يا للأمر الرهيب " . وحرك بالاصطار رأسه في حيرة، وندت عنه التفاتة غامضة التعبير في اتجاه المعمل . وكانت واضحة على محياه أمارات البلبلة والقلق . ومن جديد، خرق عباب السكون رنين سيارة الإسعاف . ولبث العمال ملتئمين على بعضهم البعض في قلب المعمل يشملهم هدوؤه المقيم، تتدفق على مناكبهم من الكوات الزجاجية أمواج من الأضواء الباهتة . و قد تدلت على طول سراويلهم البالية المغطاة بالنشارة أياديهم الغليظة الحرشاء التي عبث بها الشعور بالعجز، فمضت لا تهتدي لأي سبيل .

تجرجرت بقايا ما بعد الظهيرة في غير هدى، وزحفت ظلالها على النفوس بالسأم . وبين جوانح جيفار، ارتدت كل العواطف عن ضفاف الروح إلا ما كان من شعور عميق بالعياء، وانقباض موصول في الفؤاد . لشد ما كان يود التعبير عن بعض المكنونات الجاثمة في الصدر. لكنه لا يعثر على أي شيء ليقوله . ولم يكن الآخرون بأحسن منه حالا فينطقون، أو يعبرون عما في دواخلهم من شوارد الخاطر . وحدها الغمة وسيف العناد هو كل ما يرتسم متوهجا على صفحات وجوههم المصمتة . وبين الحين والحين، لبثت تتشكل في ذهنه كلمة الشؤم، غير أن حروفها لا تكاد تتجمع في الفكر إلا لتعاود الاختفاء مثلما الفقاعات لا تظهر إلا لتتفرقع مرتدة للعدم . واجتاحته الرغبة في العودة الى البيت، والجلوس الى فيرناندة والى الولد، وتجديد الموعد مع الشرفة . وهو بالضبط ما حصل في تلك اللحظة ؛ حيث قام بالاصطار بإعلان نهاية اليوم، وأزوف موعد اقفال المعمل . في الحين، هجعت الآلات وخمد فيها الهدير . وبدون ما يمكن أن يوحي بالاستعجال، شرع العمال يطفئون مواقد النار، ويرتبون أماكن عملهم، وليأخذوا، الواحد بعد الآخر، سبيلهم صوب مستودع الملابس . وكان سعيد آخر الملتحقين لالتزامه بتنظيف المكان، ورش الأرض المغبرة بالماء . عندما وصل جيفار الى مستودع الملابس، كان إصبوصيطو، ببنيته الجسمانية الضخمة والمكسوة بالشعر، منهمكا بالاغتسال تحت المرشة ؛ قد ولاهم بالظهر، ويداه تغطيان بزبد الصابون كل موضع من البدن في حركات رشيقة صاخبة . ولقد كان من المألوف أن يمازحه العمال في حرمات الجسد، وأن يتعرضوا له بشذرات الفكاهة في مواطن الحياء . وبالفعل، فقد دأب هذا الدب الكبير على أن يحرص بكل ما أوتي من الإصرار على إخفاء مكارم أعضائه التليدة . ومع ذلك، لم يكن يبدو على أي واحد منهم، في هذا اليوم، أنه لمح شيئا . غادر إصبوصيطو مقصورة المرشة وهو يرجع القهقرى، ثم لف حول وركيه فوطة شبيهة بالتنورة . وتتابع الآخرون يلجون للاغتسال كل حسب دوره . وبينما كان ماركو يصفق خاصرتيه صفقاً شديداً، تناهى الى الاسماع ضجيج البوابة الكبيرة للمعمل في سيرها البطيء على الدولاب . ودخل لاصال .

كان ما يزال يرتدي الثياب نفسها التي حضر بها أثناء زيارته الأولى، إلا أن شعره فَقَد بعضاً من تسريحته فتشعث واغبرٌ . انتصب فوق عتبة الباب وراح يتأمل الفضاء الفسيح للمعمل بعد أن انسحبت عنه مجموعة العمال ؛ ثم خطا بضع خطوات وتوقف مرة ثانية وألقى نظرة على مستودع الملابس . التفت اليه إصبوصيطو، وكان ما يزال ملفوفا في فوطته، فتمايل بعض الميل على قدميه من الارتباك لتجرده من الثياب . وخطر في ذهن جيفار بأن الأمر يعود لماركو لكي يقول كلمة . إلا أن ماركو واصل اختباءه عن الأنظار في سيول المياه المتدفقة عليه من المرشة . وكان إصبوصيطو قد تمكن من الوصول الى قميصه فلبسه مسرعاً . وقبل أن يتقدم لاصال خطوات معدودة صوب البوابة الصغيرة، خاطب العمال بصوت افتقد الرنين وضاع عنه الصدى : " – عمتم مساءاً " . وبينما خطرت ببال جيفار فكرة المناداة عليه، كان الباب قد انقفل من جديد وراءه .

دلف جيفار الى ثيابه فأعاد ارتداءها من دون أن يغتسل، وبدوره خاطبهم، وبكل ما في جوانح القلب من الود، أن عمتم مساءاً، فردوا تحيته بأحسن منها مودةً وعطفاً . وبخطو رشيق خرج يقصد دراجته الهوائية التي، بعودته مرة أخرى اليها، تعود اليه، وهو يقفز على متنها، أوجاع الجسد المنهك وأنات المفاصل المتمزقة . وها هو الآن يتقدم على الطريق محفوفا بعبير المساء، يخترق زحمة المدينة وحركة سيرها الزاخرة . لبثت الدراجة تطوي المسافات مسرعة ومبادرة . لشد ما كان يهفو للعودة الى البيت العتيق وتأصيل الوفاء الذي يجمعه بالشرفة . سيكون عليه في البدء أن يلج مغسل الثياب للاستحمام قبل الجلوس لمشاهدة البحر، الذي يسير بصحبته الآن، حيث تبدت صفحته على أرصفة الشارع الطويل فاحمة اللون شديدة القتمة أكثر مما كانت عند الصباح . وكانت تسير بصحبته أيضا صورة البنت الصغيرة، والتي لا تكف عن مداهمته واقتحام أفكاره المتزاحمة والمتراكمة .

حينما وصل الى البيت، كان الولد قد عاد من المدرسة، وينهمك في مطالعة مطبوعات مزينة بالرسوم . وسألته فيرناندة في ما إذا كانت كل الأمور قد سارت على أحسن ما يرام . لكنه لم ينطق بأية كلمة، وواصل الاغتسال في موضع غسل الثياب . ولما انتهى، جلس على الدكة وأسند ظهره الى جدار الشرفة الصغير . كانت تتدلى من فوق رأسه أقمشة تنتشر عليها المرتقعات وثياب تخترقها خياطة ورتوق . وشرعت السماء تبين عن شفافية أديمها الأصيل الرائق . وهناك الى البعيد، في ما يلوح من خلف الجدار، تراءى البحر يحتضنه المساء المشمول بالصمت وبالسكون . وجاءت فيرناندة تحمل في يديها قدحين من شراب الأنيسون وقُلٌة صغيرة من الماء البارد ؛ ثم اتخذت لنفسها مكانا بالقرب من زوجها . ومثلما كان يحصل في الأيام الأولى من زواجهما، أمسك بيدها وحكى لها عن كل شيء . ولما انتهى الى آخر الحكاية، تجمدت أوصاله واعتراه الهمود، وطفق يحدق جهة البحر حيث تراقصت أمام عينيه على امتداد الأفق أطياف الشفق العابر . وقال : " – آه . هو من يتحمل المسؤولية عن كل الذي جرى " . وتمنى لو كان في عز الشباب، وفيرناندة كذلك، لما كانا ليترددا لحظة واحدة في الرحيل عن هذه الأرض، والمغادرة صوب كل تلك الأماكن البعيدة والمترامية في ما وراء هذا البحر .

***

 

......................

 - Albert Camus : L ’ Exil et Le Royaume . Editions Gallimard . 1957 .

 

 ضياء نافعقصيدة للشاعرة الاذربيجانية المعاصرة:

 مايا بادالبيلي

ترجمها عن الروسية: أ. د. ضياء نافع


اتقاسم كل شئ مناصفة معك –

القمر والنجوم،

والليل في السكون،

وشعاع الشمس

  في الصباح،

والدفء لنا معا

سيكون..

**

اتقاسم كل شئ مناصفة معك –

يوم الربيع،

 ونسمات الهواء

في الفضاء،

وكل العالم لنا معا

سيكون..

**

 لكن احزانك،

لا اتقاسمها معك،

اذ كل احزانك -

احزاني

ستكون..

***

 

 

صحيفة المثقفالاوراق المتساقطة والثلوج المبكرة

للشاعر الامريكي كينيث ريكسروث

ترجمة: مريم لطفي


في السنوات القادمة سوف يقولون

لقد تساقطوا مثل الاوراق

في خريف 1939

 نوفمبر قد حل على الغابة

الى المروج حيث انتقينا بخور مريم*

السنة تتلاشى مع الصقيع الابيض

على البردي البني في المروج الضبابية

في الصباح حيث مسارات الغزلان سوداء

اشكال الجليد في الظلال

القيقب الاشعث يتدلى فوق الماء

اشعة الشمس الذهبية العميقة تتلالا على التيار المنكمش

السلمون النعسان ينتقل خلال الاعمدة  البنية والذهبية

 اوراق القيقب الاصفر تترك دوامة فوقهم

الاوراق المتلالئة لشجر الحور

الزيتون,اوراق الدر المخملية*

اوراق قرانيا* القرمزية

الاكثر تاثيرا على الاطلاق

 في الظهيرة شفرات رقيقة من الغيوم

تتحرك فوق الجبال

تتبعها السحاب العاصفة

المطر الناعم يتساقط بدون ريح

 الغابة ممتلئة بصمت رنان رطب

عندما يوقف المطر الغيوم

تتشبث بالمنحدرات والشلالات

في المساء تتغير الريح

يتساقط الثلج عند غروب الشمس

نقف في الشفق الثلجي

ونشاهد القمر يرتفع مخترقا الغيمة

بين  اشجار الصنوبرالسوداء توجد شرائط ضيقة من ضوء القمر

تلمع بالثلج العائم

البومة تبكي في غربلة الظلام

القمر له لمعان مثل الانهار الجليدية

............................

Falling leaves and early snow

In the years to come they will say,

“they fell like the leaves

In the autumn of nineteen thirty-nine”

November has come to the forest,

To the meadows where we picked the cyclamen

The year fades with the white frost

On the brown sedge in the hazy meadows,

Where the deer tracks were black in the morning

Ice forms in the shadows,

Disheveled maples hang over the water,

Deep gold sunlight glistens on the shrunken stream

Somnolent trout move through pillars of brown and gold

The yellow maple leaves eddy above them,

The glittering leaves of the cottonwood,

The olive, velvety alder leaves,

Most poignant of all

In the afternoon thin blades of cloud

Move over the mountains;

The storm clouds follow them;

Fine rain falls without wind

The forest is filled with wet resonant silence

Snow falls in the sunset

We stand in the snowy twilight

And watch the moon rise in a breach of cloud

Between the black pines lie narrow bands of moonlight,

Glimmering with floating snow

And owl cries in the sifting darkness

The moon has a sheen like a glacier

***

 

.....................

* بخور مريم: ويسمى باللاتينية (سيكلامن) وهومن النباتات العشبية المعمرة،وله العديد من الاسماء،اوراقه بيضوية ضيقة النهاية وقاعدتها قلبية،ازهارها جميلة والوانها المحسنة الاحمروالبنفسجي والزهري والابيض مرورا بالوردي والارجواني ولها فوائد طبية كثيرة.

 الدر: نوع من الاشجار يالف الماء

* قرانيا: وهي من اجمل الاشجار في القارة الامريكية ازهارها تتجمع بعناقيد ذات رائحة عطرة تشبه الشوكولاتة.

..............................

كينيث ريكسروث: كينيث تشارلز ماريون ريكسروث ولد في انديانا/الولايات المتحدة (22 ديسمبر1905)كان والده بائع ادوية،وكانت طفولته مضطربة بسبب ادمان والده الكحول ومرض والدته المزمن ثم وفاتهما فيما بعد وانتقاله للعيش مع عمته في شيكاغو والتحاقه في معهد الفنون رساما ثم مترجما وكاتبا وناقدا  امريكيا، كان شعره المبكر تجريبيا وتاثر بالسريالية ،وكان مترجما غزيرا للشعر الياباني والصيني  واليوناني والاسباني ،ويعتبر شخصية محورية في نهضة سان فرانسيسكو،ومهدالاساس للحركة،على الرغم من انه لم يعتبر نفسه شاعرا في فريق"بيت" ولم يعجبه،الا ان مجلة التايمز اطلقت عليه لقب "ابو النبض"،وكان قارئا غزير الانتاج للادب الصيني.

عاش في سان فرانسيسكو لفترة طويلة منذ عام1927،وهو احد ابطال حركة الهزيمة"جيل الهزيمة"،كما انه كان مهتما بالثقافة الشرقية وقد زار اليابان عدة مرات،ودرس العديد من اللغات بمفرده،وقام بترجمة الانجليزية وغيرها من ترجمات تانكا وهايكومثل"100 شعر كلاسيكي وكلاسيكي"و"54 " تشمل الاعمال الاخرى والعديد من القصائد مثل"الحيوانات والسلاحف"و"44"القصائد الجديدة"و"74"الطيور في بايو"و"مجتمع اخر" والعديد من الانتقادات وملاحظات السيرة الذاتية،وهي كتاباته الحميمة التي سجلها خلال الحياة ولم تكن بالضرورة مخصصة للنشر بما في ذلك(الرسائل،المذكرات،المجلات،والذكريات)

وياتي تمييزه للشعر الياباني واختلافه،من كونه يحتفي بالتجربة الشعرية والانسانية المحضة،كما ان القصائد اليابانية تميل الى القصر،فالاشكال اليابانية اقصر من الاشكال الشعرية لغالبية الثقافات الاخرى،ولعل اشهر تلك الاشكال واوسعها انتشارا قصيدة "الهايكو" ومن المعروف ان ثيمات هذا الشعر تتغنى بجمال الطبيعة عموما والحب وحياة الرهبان والموت الذي هو نهاية كل شئ.

توفي في 6يونيو 1982 بعد ان ترك خزينا ضخما من الاعمال الادبية.

 

مريم لطفي

 

نزار سرطاويجاكي الين

ترجمة: نزار سرطاوي


 حين تروح الريح العاصفة

تعوي وتئن  ليلَ نهار

وتتمايل الأشجار 

وتتساقط حبات البلوط

 

يبدو ذلك كما لو كان فيلمًا

أرى فيه الماضي يرقص الدبكة

فوق سطح بيتي

الجبلي المبني من الصفيح

 

وما أن تأتي ببالي صورة

تلك الأيام الخوالي 

حتى تعود بي إلى سنيّ المراهقة

وتعيدني إلى مكانٍ وزمانٍ ماضيين

 

لم يكن ليدور في خلدي أبدًا

أن الإجابة على السؤال

حول قدرتي على الطيران

سوف تأتي على أجنحة الشعر

1614 Jackie Allen

Wings

 When the windy breeze

Howls and moans, day and night

And the trees sway

And acorns drop

 

It is as if, in a movie

I see my past tap dancing

Across the tin roof top

Of my mountain home

 

And, just the very thought

Of those long ago days

Returns me to my teens

And back into a place and time

 

Where, never could I have envisioned

That the answer to the question

Of whether or not I could fly

Would come on the wings of poetry

***

 

........................

نشأت الشاعرة الأميركية جاكي ديفس آلين وترعرعت في جبال كامبلاند التي تشكل السلسلة الجنوبية الشرقية من جبال الأبلاش. كان والدها يعمل مزارعاً ووالدتها ربة بيت. ورغم أن لها شقيقة تكبرها سناً فقد كانت ألين أول عضو في الأسرة يتلقى التعليم الجامعي، حيث تحمل شهادة البكالويوس في تدريس العلوم للصفوف الإبتدائية من جامعة رادفورد. وقد عملت في حقل التدريس في المدارس الحكومية والخاصة، وأيضاً في إعطاء الدروس الخصوصية في الفن.

تقيم حالياً في شمال ولاية فرجينيا، كما تقضي مع زوجها الكثير من الوقت في بيتهما الجبلي بالقرب من سلسلة الجبال الزرقاء، التي تعيد إليها ذكريات أيامها الماضية في جبال الأبَلاش.

صدرت لها ثلاثة كتب: "البحث عن اقواس قزح: شعر ونثر وفن" (2015)، "الجانب المظلم من القمر" (2017)، "لا اوهام عب المرآة". ويشتمل الكتاب الأخير على قصائد سردية وبعض الذكريات والحكايات. وقد صدر عن مؤسسة إينر تشايلد للطباعة والنشر.

 

عادل صالح الزبيديترجمة لقصيدة الشاعر

 جواد غلوم:

 "استأذنكم بهنيهة حزن"

 

I Ask Your Leave for a Moment of Grief

A Poem By Jawad Ghalom

Translated By Adil Saleh Al-Zubeidi

 

I Ask Your Leave for a Moment of Grief

 

I call upon my eyes,

I blame my tears:

Stop looking at the mirrors that have known her face

For all those long years.

I say to my hands and shudder:

Stop fumbling in the cupboard;

For the Melissa perfume

Still longs for her as a stranger longs for company;

For her face that flutters as a bird rejoices the sight of her;

Like a wing fleeing from fear to its safe nest,

As she said farewell and fled,

Like our lost dreams,

Our common disappointments,

And that chandelier that melts without a candle in there.

This is her sleepless pillow

Stuffed with ceaseless insomnia.

These are her faded garments

Whose flowery decorations have exasperated me

By incessantly demanding sweet nectar

And grief-soothing odor.

O, my sun that has misguidedly  departed.

Does the sun grow old in death?

Here is its beam arising despite slumber

Reviving in me a deathful life.

***

The bracelet and the diamond are gone

And I'm in Baghdad left alone.

She was to my heart a friend

And the stairs to my glorious throne.

***

Would that we had died together

And lied in a tomb with one stone.

Will grief console my loneliness?

What worth is life when you are gone?

 

للاطلاع على النص الأصلي في المثقف:

http://www.almothaqaf.com/b/nesos2019/947264

 

 

عادل صالح الزبيديبقلم: براين بيلستن

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


قطة تحت الحجـْر

لا بد من القول إن قطتي

قد تكيفت مع الحجر على نحو جيد.

 

تغادر الأريكة لأغراض محدودة جدا،

لممارسة التمارين مرة واحدة في اليوم في الحديقة،

 

ولا تنسى أبدا غسل مخالبها

بما لا يقل عن ساعتين بعد عودتها.

 

لم تعد تقابل الأصدقاء او الأقارب

الذين لا يسكنون في منزلها،

 

لكنها تتسلى بالتواصل معهم

من خلال سكايب او زوم.

 

اذا تجاوزت قطط أخرى حدود منطقتها،

فإنها تحرص دائما على المحافظة على التهاوش الاجتماعي

 

وتستهجن عمل جارتها

التي خزنت الجرذان لأسابيع.

 

إنها تتحمل الحال بصبر وجلد

على الرغم من علمها بأن كل شيء قد تغير،

 

وحين تمر سيارات الإسعاف،

توقظها من نومها فتنظر إليّ كأنها تقول،

 

لا تقلق، إنني هنا،

وليس لدي خطط للذهاب الى أي مكان.

***

 

........................

عرف الشاعر براين بيلستن خلال السنوات القليلة الماضية على مواقع التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك وغيرهما بوصفه صوتا شعريا متميزا حتى أطلق عليه لقب (أمير شعراء تويتر) على الرغم من كونه شخصية يلفها الغموض ولا يعرف عنه الا النزر اليسير. ظهرت له أول مجموعة شعرية مطبوعة بعنوان (استقللتَ الحافلة الأخيرة الى الديار) في عام 2016 ورواية بعنوان (يوميات احدهم) في العام الحالي. يواظب بيلستن على نشر قصائده على مواقع التواصل على نحو شبه يومي.

 

صحيفة المثقف

مشاهد

للشاعر التشيكي: ميروسلاف هولوب

ترجمة: حسين السوداني


- مشاهد -

طفل يصادف مرآة ويحدق فيها.

طفل يظهر أسنانه ويلوح بيده.

طفل يرفع زوايا فمه ويحدودب.

طفل يمط جفنيه ويخرج لسانه.

يلعب دور السعيد

ويلعب دور الحزين

ويلعب دور الشيطان الخارج للتو من علبة جديدة.

يقول الطفل: ليس بعد.

هذا ليس أنا بعد.

كان حفار القبور - كرونوس - يدهن بدنه دائما

بعد الدفن وينام في المقبرة.

ومن النوافذ المهشمة يرمي الأولاد عليه

أكاليل الزهور القديمة.

لإلقاء نظرة الوداع

وأرقد بسلام

نحن نتذكرك.

حفار القبور ولبرهة من الوقت طاردهم بمشقة،

بعدها ذهب ثانية ليحفر.

. وأخيرا نزل إلى القبر ونظر إلى جدرانه

 أظهر أسنانه ومط جفنيه،

وقال: ليس بعد

وبدلا من ذلك، بطبيعة الحال حصل مرة،

أن ذهب على دراجته لشراء قنينة خمر أخرى

سقط وتهشم الجزء السفلي من قحفه.

تمدد على الإسفلت، كانت عيناه الزرقاوين مفتوحتين على سعتهما، ووجهه جاسىء من الرمل لكنه لم يكشر.

والآن .

في تشرين الثاني / أكتوبر

تأتي المرآيا وتتهادى في المدينة

وفتنة لوحات اللوحات

تحيي شهر تشرين الثاني / نوفمبر

المشاة يمررون بضيق بعضهم البعض

 إنتظر، تقول الأم،

فالطفل يسوع لن يجدك.

فرح الطفل حين سمع ذلك.

لأن الطفل يسوع يخز

يلتبس عليه الإسم بإسم القنفذ *

لكنه يراه.

مرة، في المراعي العالية على الرابية الجافة العشب

بعد الفجر الباكر صادفت حصانا أعمى.

إنقاد خلفي بخطوات صامتة متسقة.

على الشجيرة جلس ذكر بومة قرناء كبير

وأدار رأسه.

ذهبنا إلى الوادي.

وقبل وصولنا إلى الشارع،

جلست على حجر وانتظرت، جاهلا إلى أين يريد

الوصول حصان المرعى الأعمى.

بأدب جم إنتظر خلفي طويلا.

بعد ذلك، جمع نفسه وذهب عائدا نحو الأعالي فوق

الحاجبين حتى إختفى في السماء.

إنتصبت الشمس عالية وهبت ريح كالعظم.

نمشي حول بركة سمك جفلة

** يقول الطفل: لا أريد القفيفيزات

ويبحث بيد تشبه الفأرة المدجنة عن يدي.

أتأمل

لقاء اليد

في الضوء الزجاجي لشهر كانون الأول / ديسمبر

لعل هذا ليس أنا بعد.

**

براغ 13. 6. 2020

...............

* إلتبس المعنى هنا على الطفل البريء لأن الأسم المحبب للطفل يسوع في اللغة التشيكية هو Ježíšek

: وإسم القنفذ هو Ježek

** في اللغة التشيكية يستخدم إسلوب التصغير للتحبيب وليس للتحقير مثلما هو موجود في اللغة العربية كواحد من ثلاثة أغراض للتصغير

ويستخدم في اللغة التشيكية على نطاق واسع وبالأخص عند التكلم مع الأطفال لذلك إستخدم الطفل هنا كلمة (قفيفيزات) ولم يقل قفازات لأن يديه صغيرتان والقفازات للكبار وليس للأطفال

...........................

النص التشيكي

VIDĚNÍ

Dítě potká zrcadlo a podívá se.

Dítě cení zuby a mává rukama.

Dítě svěšuje koutky úst a hrbí se.

Dítě si stahuje oční víčka

a vyplazuje jazyk.

 

Hraje veselého

a smutného a

hraje čerta ze škatulky.

Ještě ne, říká si dítě.

Ještě to nejsem já.

 

Hrobník Cronus se vždycky po pohřebu namazal a vyspával v márnici. Rozbitými okny po něm kluci házeli staré věnce Poslední Sbohem a Odpočívej v pokoji a Vzpomínáme. Hrobník je chvilku namáhavě honil a pak šel zase kopat.

Nakonec vlezl do hrobu a díval se do stěny.

Cenil zuby a stahoval si oční víčka. Ještě ne, říká si. Jednou ovšem místo toho jel na kole pro další flašku, spadl a zlomil si spodinu lební.

Ležel na asfaltu, měl široce otevřené modré oči a strnulou tvář z písku ; grimasy nedělal. Už.

 

V říjnu přicházejí zrcadla

a chodí městem. Obrazy

obrazů oživují listopad.

 

Chodci míjejí sami sebe.

Počkej, říká maminka,

Ježíšek tě nenajde.

Dítě je rádo, protože Ježíšek

píchá. Dítě si ho plete

s ježkem. Ale vidí ho.

 

Kdysi na polaně, na suchém travnatém kopci jsem potkal za ranního rozbřesku slepého koně.

Vydal se za mnou tichým, pravidelným krokem.

Na keři seděl obrovský výr a otáčel hlavu. Šli jsme do údolí. Před silnicí jsem si sedl na kámen a čekal, nevěda, kam se vodí slepí koně z polany.

Dlouho stál pokorně za mnou. Pak se sebral a šel zpátky vzhůru po úbočí, až zmizel v nebesích. Slunce stálo vysoko a zvedal se kostnatý vítr.

 

Jdeme kolem leklého rybníka.

Já nechci rukavičky, říká

dítě a hledá ručičkou,

podobnou ochočené sýkorce,

mou ruku.

 

Sleduji

setkání rukou

ve skelném světle prosince.

Asi to ještě nejsem já.

 

 

صالح الرزوقبقلم: أندرو بورتر

ترجمة: صالح الرزوق

1-

دائما ما تتبدل حكاية جيمينا.

أحيانا هي امرأة ابتعدت عني زوجتي بسببها، وأحيانا هي المرأة التي أنا ابتعدت عن زوجتي من أجلها. وفي أوقات أخرى لا هذا ولا ذاك. لم أعد أتكلم عن جيمينا ولا عن زوجتي كارلي بعد الآن. وأنا لم أهجر زوجتي ولا هي فعلت. ولكن بنحو من الأنحاء هذا غير صحيح تماما. حينما دخلت جيمينا في حياتنا، كنا كلانا في الثامنة والثلاثين، ومتزوجين حديثا. وقبل ذلك كنا نلتقي ونعيش معا لما يقارب عشرة سنوات.

كانت جيمينا تعيش في شقة تحت شقتنا، ولكن لم نقابلها إلا بعد مرور ستة شهور على وجودها. كنا نعلم بأمرها طبعا - فهي امرأة منطوية وجذابة في أواخر العشرينات وكانت تتسلل إلى شقتها وتغادر منها في أوقات غريبة، في ساعات متأخرة من الليل أو مبكرة من النهار، غير أننا لم نتبادل معها الكلام.

وأتذكر أنني سمعت صوت جيمينا في أوقات متاخرة ليلا وهي برفقة مجموعة من المعارف، أو أحيانا مع صديقها، وهما يرتطمان بالمفروشات، أو يسقطان مصباح الطاولة، ودائما يقهقهان. كانت تشرب كثيرا، وتغادر ليلا أربع أو خمس مرات في الأسبوع. ولم تكن عندي فكرة إن هي مرتبطة بعمل، ولكن أفترض أنها تعمل.

قالت كارلي لي في إحدى الليالي ونحن نستلقي في السرير ونصغي لصوت جيمينا وهي تتجول في أرجاء شقتها تحتنا ثملة:"إنها تعيش كأنها ابنة واحد وعشرين عاما".

قلت:"ربما هي أصغر مما نعتقد".

قالت:"ربما، ولكنها ليست بعمر واحد وعشرين عاما فقط".

لم تكن كارلي توافق على سلوك جيمينا، وأبدت امتعاضها تقريبا منذ أول لحظة. ولاحقا ضحكت جيمينا من ذلك- لا سيما من طريقة كارلي "الباردة" كلما التقت بها في الممر، ومن نظراتها العدائية أو من تجاهلها لها في مرات أخرى. ومرة قالت جيمينا وهي تضحك:"أعتقد أنها تحسب أنني غانية، أو ربما مجرد مدمنة مخدرات". وطبعا لم تكن جيمينا من هذين النوعين. بل هي طالبة فنون في كلية ساوث ويست للفن، وتحمل درجة بكالوريوس فنية في السيراميك. وكانت تعمل صباحا في مخبز في الحي يقع في ساوث سايد من سان أنطونيو وتنفق كل ما بعد الظهيرة في حصص دراسية أو تمكث لساعات طويلة في الأستوديو.

و في المساء تغادر بالعادة مع أصدقائها، ولكن أحيانا بمفردها. وأخبرتني بكل هذه التفاصيل ونحن نشرب القهوة في الصباح بعد أن رأيتها أمام باب بيتها المغلق فجأة. كان هذا يتكرر معها مؤخرا. ويبدو أن بابها يقفل من الداخل بمجرد أن تغلقه، وعلى ما يبدو أنها تنسى هذه المشكلة مرارا. وبالعادة أسمع خطواتها على السلالم، وهي تطرق على أبواب الجيران، في محاولة لاقتراض هاتف نقال. وفي ذلك اليوم، لم يواتها الحظ في الطابق الأول، وبدأت تصعد السلالم إلى الطابق الثاني. وفتحت لها الباب حينما طرقته، وكانت مترددة ومتوترة.

قالت دون أن تقدم نفسها:"طلبت منهم تبديل ذلك القفل. وكنت أكرر طلبي كل أسبوع".

قلت:"هل تودين الدخول؟".

حدقت بي.

أضفت:"يمكنك استعمال هاتفي الخليوي لتتكلمي مع بيني".

وبيني هو حارس المبنى لكنه لا يسكن معنا. وهو رجل عجوز وشرس ولا يرد على المكالمات.

عقدت جيمينا ذراعيها على صدرها وتابعت التحديق بي. لم يكن بمقدوري أن أقول إنها تقيسني بنظراتها، وتتكهن هل يمكن الوثوق بي أم لا.

قلت لها وأنا أسحب هاتفي من جيبي وأحرر شاشته من القفل وأقدمه لها:"يمكنك أن تكلميه من هنا إن شئت".

نظرت للهاتف، ودون أي كلمة حملته معها إلى نهاية الرواق وطلبت رقما - وافترضت أنه رقم بيني - وكانت تنظر من النافذة الكبيرة المسدودة بالقضبان الموجودة في نهاية الرواق. وقفت عند عتبة الباب وراقبتها وهي تتكلم بالهاتف، وظهرها باتجاهي. كانت ترتدي قميصا أسود خفيفا وطويلا، وصل حتى ركبتيها، وكان شعرها مبلولا، كما لو أنها خرجت من الحمام للتو. وكانت بلا حذاء. وبعد أن انتهت من المكالمة، عادت أدراجها وأعادت الهاتف.

"قال سيكون هنا بغضون عشرين دقيقة".

"هذا يعني أربعين".

ابتسمت وقالت:"صحيح".

قلت:"هل أنت متأكدة أنك لا تودين الدخول؟. كنت أعد القهوة. وبمقدورك استعمال كومبيوتري المتحرك إن كنت تنتظرين رسالة إلكترونية أو ما شابه".

رمتني بنظرات ملؤها الشك مجددا، ونقلت ثقلها من قدم إلى أخرى، ولكن لاحظت أنها قررت في النهاية أنني لست ضارة، أو ربما أنه لا يوجد ما يدعو للحيطة فعلا.

قالت أخيرا:"حسنا". وأخذت نظرة من الرواق لمرة أخيرة وأضافت:"لدقيقة فقط".

 

ساعة انصرفت جيمينا في ذلك اليوم، كنت قد كونت عنها فكرة كافية. علمت أنها مولودة في بيليز، وأنها عاشت في مناطق مختلفة من المكسيك خلال طفولتها، وأنها انتقلت إلى سان أنطونيو في فترة المدرسة الثانوية.

وكذلك علمت أنها لا تعرف أباها، ولها أختان، كلتاهما أكبر منها، وأن والدتها لا تزال تعيش في مونتري. وعاشت مع خالتها، وابن أخت أمها، طوال مرحلة الدراسة الثانوية، ثم انتقلت إلى كاليفورنيا وأنفقت فترة قصيرة، وكان يبدو أنها لا تريد الكلام عن تلك الأوقات. وقالت فيما قالت:"يا لها من أوقات ملعونة"، وحركت يدها، ثم أضافت بعد تفكير:"كنت تقريبا متزوجة". 

بعد ذلك عادت إلى سان أنطونيو، وعملت ما باستطاعتها لتحصل على البكالوريوس في الفن، في محاولة لإنجاز ما تأخرت عنه لسنوات: الحصول على الدرجة. بالنسبة لي، تكلمت قليلا عن حياتي، وأخبرتها أنني بلا عمل حاليا ولكن مشغول بعدة مشاريع، ومنها فيلم وثائقي عن فنانين محليين من جنوب سان أنطونيو. وذكرت عدة أسماء، على افتراض أنها تعرف شيئا عنهم، ولكن لم تكن قد سمعت بهم.

قالت:"في الواقع لا أحب التسكع مع الفنانين، معظمهم يهتمون بأنفسهم فقط".

أومأت بالموافقة.

قالت: "أحب أن أعمل، وأن لا أتكلم عن عملي".

سألتها ما نوع عملك، فقالت النحت.

"هل من مذهب معين؟".

ابتسمت وقالت:"نعم. الاتقان".

 

في وقت لاحق في ذلك اليوم، بعد عودة كارلي إلى البيت، أخبرتها عن حواري مع جيمينا. كانت كارلي تعمل آنذاك كمروجة لمؤسسة فنون محلية وبالعادة تعود إلى البيت متوترة وساخطة.

قالت:"هل أخبرتك عن أجرها؟".

قلت:"لكنها ليست عاهرة. هي طالبة فنون فعلا".

"هذا ما تدعيه كل العاهرات".

منحتها نظرة عميقة، وسألتها:"ما خطبك؟".

"أعتقد أنهم استبدلونني".

"بمن؟".

"متطوعة".

"طالبة جامعة؟".

وافقت بحركة من رأسها وقالت:"نعم. لكنها ليست طالبة جامعة حقا. فهي في الرابعة والعشرين". أخرجت من خزانة فوق المغسلة زجاجة ماسكال وسكبت لنفسها كأسا صغيرة.

قلت: "تختارين المشروبات القوية فورا هذه الليلة، آه".

قالت:"الليلة. نعم. هكذا هو الأمر".

كانت كارلي تعمل في هذه المؤسسة الفنية منذ أكثر من خمس سنوات بقليل. وتعرضت للطرد مرة من قبل، خلال الركود، بحجة اختصار النفقات، ثم أعادوها بعد ثمانية شهور، ولكن منذ حينئذ كانت على الحافة وقلقة من وضعها في الوظيفة. لم يسبق لها أن تعرضت للطرد من قبل في حياتها، ويمكن أن تجزم أن هذا الحادث هزها من أعماقها. لم نتكلم كثيرا حول ذلك، ولكن كلما صادفت يوما سيئا في العمل، شاحنت أحدهم، أو ارتكبت غلطة، أو كلما أحسن أحدهم عمله، تعتقد أنهم سيستبدلونها. في تلك الليلة، حينما استلقينا في الفراش ونحن نستمع لصوت جيمينا واثنين من أصدقائها وهم يعزفون الموسيقا في الأسفل - نوع من أنواع الإيقاع الصاخب، والنحاسيات القوية، والغيتار الثقيل- انحنت كارلي نحوي وحضنتني بقوة. وقالت:"الا تدفعك للشعور بالتقدم بالعمر أحيانا؟".

"من؟ جيمينا؟".

قالت:"نعم".

قلت:" كلا. ليس تماما. ولا أفهم لماذا تهتمين بها جدا. نحن لا نعرفها إلا قليلا".

قالت:"أعلم". وضغطت على ذراعي وأضافت:"ولا اعلم لماذا أفكر بها كثيرا أيضا".

 

حينما التقيت مع كارلي أول الأمر، كانت لا تزال تدرس في قسم تاريخ الفن بجامعة تكساس في سان أنطونيو. عاشت حياة هادئة في ساوث تاون لعدة سنوات وعملت مع مؤسسة غير ربحية كانت تشجع الكتاب والفنانين على الانضمام للمدارس المجانية. وساعدت في تأسيس تلك المؤسسة منذ البداية وانتابها الحزن ساعة مغادرتها، وأعتقد أنها كانت تفكر بالعودة إلى المدرسة. كنا نعيش في ساوث سايد حين ذاك، وكانت كارلي تذهب إلى جامعة تكساس بسان أنطونيو مرتين في الأسبوع وتحضر حصصها، بينما أنا كنت مشغولا بعدة أعمال تستغرق نصف يوم وفي مناطق مجاورة، وهي أعمال يمكن أن أجدها بسهولة وأحصل منها على أجر مناسب يدعمني في نهاية كل شهر حينما أكون محرجا. مع ذلك كانت تنسى ذلك - أنه مرت أوقات كنت أساعدها فيها وليس العكس. وعندما حصلت على ميراثي من جدي بعد عدة سنوات- لم يكن ثروة، ولكنه يكفي لبعض الوقت، إن التزمنا بالتواضع- توقفت عن العمل. كنت حينها أعمل في محطة أخبار تلفزيونية في نورث سايد، بصفة محرر صوت، وبمجرد تدفق النقود من جدي، طلبت الأذن بالإنصراف.  أخبرت كارلي أنني اأضل اغتنام الفرصة لتحقيق مشروعات أخرى، منها الفيلم اتسجيلي الذي عملت عليه. مر على ذلك خمس سنوات تقريبا، ولا تزال كارلي مصرة أن هذا أسوأ ما حصل لي - الحصول على تلك النقود. بل هو أسوأ شيء جرى لنا.

بالنسبة للفيلم التسجيلي الذي كنت أعمل عليه في حينه، لم يكن مشروعا بمقدار ما هو نوع من البحث عن شيء أنشغل به، أو شيء من المفترض أن يشغلني، ويعطي لحياتي معنى. وكان أيضا طريقة معقولة أفسر بها للناس كلما اجتمعت بهم لماذا لا أعمل حاليا. بدأت بالفيلم قبيل سنوات ولكن لم أحقق أي إنجاز يذكر حتى الآن. أجريت مقابلات مع دستة من الفنانين المحليين منذ أن بدأت به، ولكن لم أضع يدي على خيط مشترك. لم أجد موضوعا يمنح المشروع وجهة نظر موحدة. وآخر فنان التقيت به كان فتاة مضطربة تدعى أمايا سوتيل، وتعيش على مبعدة عدة شوارع من الشقة التي أعيش فيها مع كارلي. وكنا نعيش هناك قبل أن ننتقل إلى هنا. وتلك المقابلة هي أغرب حوار عقدته في كل حياتي وهو مدعاة للسخرية. وفي إحدى اللحظات تساءلت إذا كانت أمايا سوتيل قد تعرضت للرجم أو انها تحت تأثير عقار هلوسة مثل الميسكالين. وربما لم تكن تشعر أننا نجلس معا في غرفة واحدة. وبعد ذلك، تخليت عمليا عن المشروع لبعض الوقت، ولم أفكر بإجراء حوار آخر  قبل أن ألتقي مع جيمينا. ولكن أسأل نفسي هل الحوار كان مبررا لفتح باب الكلام مع جيمينا مجددا أو أنني حقا تصورت أنها يمكن أن تساعد على استئناف مشروعي. في الحالتين، حينما أسرعت إليها بعد أيام، التقينا عند الباب. فقد تصادف أنها قادمة لحظة أن غادرت من البيت. وطلبت من وقتها دقيقة. نظرت لي بشك، كما فعلت قبل أسبوع. كانت ترتدي بوط القتال، وغطاء رأس رقيقا أسود اللون وأكمامها مرفوعة ويمكن رؤية التاتو المنقوش حتى أعلى ساعديها. بعد لحظة هزت رأسها واقترحت أن ندخن سيجارة في الخارج. وحينما شرحت لها غايتي وإشراكها بالفيلم، التزمت الهدوء لفترة، وهي تتأمل الباحة الأمامية، كما لو أنها تفكر. ثم قالت:"هل ستصورني؟".

"لا ضرورة إن لم تحبي ذلك".

"لا أريد أن تصورني".

"حسنا. لا بأس. ربما بمقدورنا تسجيل كلامك أو ما شابه. حول عملك الفني".

"لا أريد تصوير عملي أيضا".

قلت:"حسنا. هل هذا يعني نعم؟".

قالت:"يعني ربما". ثم وقفت واستدارت وعادت إلى داخل المبنى.

 

في تلك الأمسية، خرجت مع كارلي لتناول الطعام برفقة أصدقاء. واخترنا مجلسا جديدا في حينا، وحينما كنا نمر أمام الأبنية المصطفة في نهاية شارعنا، أخبرت كارلي عن فكرة الحوار مع جيمينا. تنهدت وقالت:"هل حقا يمكن أن تعتبرها فنانة محلية؟. أليست هي طالبة بعد؟".

قلت:"هي محلية. وتصنع الفن".

"هل رأيت عملها؟. هذا الفن الذي تصنعه؟".

لم أفعل. ولا أعلم لماذا كذبت وقلت إنني رأيته، ولماذا قررت أن أخبر كارلي إنني شاهدت بعض أعمالها في ذلك الصباح وهي تبدو مقبولة. تابعت كارلي طريقها إلى الأمام بصمت، ووجها يخلو من الانطباعات.

قلت:"لا أعلم، ربما هي فكرة سيئة، ما رأيك؟".

و لم ترد كارلي. كانت ليلة حارة، ويمكن أن أقول إنها كانت تود أن تعود إلى الشقة المكيفة. وحينما بلغنا سلالم المبنى، أمسكت يدها، فضغطت على يدي بقوة.

2-

كان هناك أستوديو في سوث سايد من سان أنطونيو وجيمينا تحب أن تعمل فيه صباحا. وهو مساحة اجتماعية، يمتلكها رجل ثري أجر الغرف الصغيرة للفنانين المكافحين بجعالات بسيطة. ولا تذهب جيمينا إليه إلا بدعوة من أصدقائها الذين يسمحون لها بالعمل بالمجان. وكان لديها مساحة في أستوديو داخل مدرسة، ولكنها تفضل مكانها في ساوث سايد. فهو أهدأ، كما تقول، ومنعزل. وأخبرتني برأيها صباحا بعد عدة أسابيع ونحن نجلس على السلالم الأمامية للبناء، ونتشارك على سيجارة.

كنا نتسكع قليلا هناك  في وقت متأخر من ما بعد الظهيرة قبل عودة كارلي من العمل. وبدأت بالكلام مع جيمينا حول فنها، بشكل حوار أولي للفيلم التسجيلي، ولكن حوارنا تطور فورا إلى شيء آخر. في ذلك اليوم كنت أكلمها عن عاداتها بالعمل، وتقدمها به، ولماذا لا تحتفظ بمنحوتاتها في شقتها. صمتت فترة طويلة عندما قلت ذلك، ثم سحبت سيجارة وقالت إنها لا تعلم، ربما لأن أيا من منحوتاتها ليس مكتملا.

"ماذا تقصدين؟".

"ليست كاملة".

"لم تنتهي من أي منحوتة بدأت بها؟".

تنهدت ولم ترد، وتساءلت إن كان السبب الحقيقي شيئا آخر - ربما لم ترغب أن تكشف نفسها، أو على الأقل جزءا منها، في مكان شديد العمومية، مكان يزوره العديد من الأغراب. وفي مناسبتين عرضت علي صورا تحملها في هاتفها - صور بعيدة لمنحوتات من السيراميك صنعتها لحصص التدريس - قالت عنها تجارب، أو وظائف ( بتعبير آخر، عمل غير احترافي). عرضتها لي بسرعة متناهية- بشكل خاطف أمام وجهي للحظة قصيرة قبل أن تتابع - ولم تتوفر لي الفرصة الكافية لفحصها. وكما أذكرأحدها نوع من الغربان، أو ربما طائر أسود، مصنوع من السيراميك؛ واخرى قناع من الفن الشعبي المكسيكي، منحوت من الخشب، وله هيئة القيوط. وما تبقى تجريد، وكما لاحظت، أقرب لقلبها، وكانت تمررها أمامي سريعا، وهي تتمتم: فظيع أو مخجل. وبكل المقاييس، كانت جيمينا تبدو واثقة من نفسها، ومستغرقة بها، ولكن حينما تصل للكلام عن فنها، تنحو فجأة لتكون متكتمة، مستغرقة بذاتها، وخجولة.

في ذلك اليوم، حينما سألتها عن المزيد حول منحوتاتها، مالت للصمت والسكون، وحدقت للبوغانفيليا المزهرة والصبار الموجودين في نهاية الباحة، وبرقت عيناها. وقالت بهدوء بعد لحظة:"أفكر بالعودة إلى كاليفورنيا لبعض الوقت". وحكت ذراعها.

نظرت إليها وقلت:"حسبت أنك قلت إن لديك عنها ذكريات مريرة".

أخذت نفسا من سيجارتها، كأنها لا تتذكر أنها أخبرتني بذلك أو كأنها مستغربة أنني أعرف شيئا عن هذا الموضوع أساسا. وقالت:"ربما سأغيب لأسبوع أو ما شابه. أو ربما لفترة أطول".

"متى؟".

"الشهر القادم".

"ماذا عن حصصك؟".

نفضت رماد سيجارتها وتنهدت. وقالت:"حسنا، لا أعلم. أتصور أنها ستكون بانتظاري لدى عودتي، صحيح؟".

ونهضت وألقت سيجارتها على السلالم، وداست عليها بقدمها. وقالت:"بالمناسبة أخيرا حلوا المشكلةر".

"آه؟".

قالت:"بابي، في النهاية تدبروا موضوع ذلك اللعين".

 

لاحقا في تلك الليلة حينما عادت كارلي إلى البيت كان بمقدوري أن ألاحظ أن شيئا حصل في العمل. وبالمناسبة يمكن أن أؤكد أنها لم تكن تلقي التحية أو تترك حقيبتها في الردهة، ودائما تنصرف إلى غرفتها وتغلق الباب. وهكذا كانت حينذاك، يوم عزلت نفسها، وانتاب جسمي الضعف من التفكير. كنا بصعوبة نعيش من راتب واحد مع مدخراتي. وإذا فقدت كارلي عملها، سنقع بورطة. حينما غادرت الغرفة لاحقا في تلك الليلة، قالت إن الأمور ليست سيئة تماما، وهي لم تطرد من عملها. ولكن المتطوعة حصلت على ترقية.

"أصبحت أعلى منك؟".

قالت:"كلا. أصبحنا سواسية. وهذا سيء".

"لماذا؟".

قالت:"لأنها في الرابعة والعشرين. وأنا أبلغ ضعف عمرها. وستجني نفس المبلغ الذي أجنيه. وربما أكثر لأنها تحمل الماجستير".

وأمكنني أن أشاهد كارلي تحمل زجاجة الميسكالين وأخبرتها أنه ربما عليها أن تتجنب الشراب الليلة، وذكرتها كيف أصبح وضعها  في المرة السابقة وكيف توعكت، وكيف أنها فقدت رشدها طوال اليوم اللاحق. قلت:"لن يحسن الشراب أحوالك".

ولكنها تجاهلتني وفتحت الزجاجة. وقالت:"حينما بكون لديك عمل، عمل يدر النقود، يمكن أن تنصحني هذه النصحية. قبل ذلك...". ولم تكمل عبارتها. إنما سكبت الميسكالين في كوبها وغادرت من الغرفة.

في الأسفل سمعت جيمينا وإحدى صديقاتها تضحكان، والموجات المتتالية من موسيقا روتينية في الخلفية. وفكرت بما يمكن أن يجري لو هبطت إلى الأسفل وقرعت الباب. ماذا ستقول لي، وماذا ستفعل؟.

بعد قليل نهضت وتوجهت إلى طرف باب المطبخ ونظرت عبر غرفة الجلوس لغرفة نومنا، وشاهدت كارلي تجلس على حافة السرير في الظلام، وترتدي حمالة صدرها وسروالا داخليا فقط. ولدى رؤيتها لي، رفعت كأسها إلى شفتيها، وابتسمت ابتسامة طفيفة، ثم استدارت للطرف الآخر.

3-

بالنظر إلى الماضي، لم أكن متأكدة ماذا أعجبني في جيمينا كثيرا. ربما هي فكرة أنني حينما أكون برفقتها يجب أن لا أفكر بأي شيء آخر. كانت تعرض لي سلسلة أفلام كرتون غريبة على نيتفليكس، وكانت مهووسة بمعزوفات فرقة مجهولة من أيسلاندا وكانت تستمع لها في الوقت الراهن وأحيانا تعرض علي الأشياء التي تعمل عليها في دفتر الرسم. كانت علاقتنا صداقة بريئة ولا شيء أكثر من ذلك. ومع أنها جميلة، ومع أنني مغرم بها، لم أكن مهتما بها فيزئائيا، حتى لو جلست على مقربة مني، وساقها العارية تقريبا تلمس ساقي، كلما عرضت أمامي تخطيطاتها أو فقرة من قصيدة في مجلة أدبية عجيبة اقتنتها. كانت شقتها مثل خيال فنان مراهق. لديها بوسترات فرق الروك التي تعود لمنتصف الثمانينات، ولوحات بروباغاندا للشيوعيين، وقناع غاز من أيام الحرب العالمية الثانية مودعا ضمن علبة، وذراع مانيكان معروضة بطريقة استراتيجية على رف للكتب يحمل مجلدات من هـ ج ويلز وطبعات شعبية من قصص بوليسية رخيصة. وفي مطبخها بوستر عملاق لغالاكسي 500، وصورة لها بزي دافيد بوي الذي يعود لأيام ألبومه “عقل علاء الدين”. وصور فوتوغرافية مكسيكية قديمة ولقى فنية وأختام إسبانية وملاحظات موجهة لها مطبوعة على الجدار. و كل شيء في ظلام تام. وعمليا لم يكن هناك إنارة طبيعية في شقة جيمينا، وهو سبب آخر لأتلفت نظري. كانت مثل من يهبط في كهف مستقبلي حيث لا وجود لعالم خارجه.

كنت أذهب يوميا إلى هناك- كل مساء حينما تكون كارلي في العمل - وبوقت قصير تعارفنا، واطلع كل منا على ظروف الآخر، وتشاركنا حكايات الحرب التي تعود لأيام المدرسة، وتحدثنا عن الفنانين والأفلام التي نحبها كلانا. وكانت جيمينا تدفعني لإخبارها بحكايات عن فرقة الروك وجماهيرها في سان أنطونيو في مطلع الثمانينات، وعن الفرق المختلفة التي مرت هنا وبأوقات منتظمة. ويمكنني أن أقول إنها أحبت الاستماع لتلك الحكايات مثلما أحببت الاستماع لحكاياتها عن صباها في بيلسي ولاحقا في غوادالاجارا ومونتيري. وأحبت هذه الحكايات لأنها بعيدة عنها، ولأنها عن عالم وأزمنة لا تعرفها. وحوالي الساعة 5 أو 6 بالعادة أجد سببا لأصعد إلى بيتي. أخبرها أنه لدي غسيل أو تحضير عشاء. ولم أفصح لها أن السبب هو قرب موعد عودة كارلي أو لأنني أعلم أن كارلي لن يريحها انشغالنا معا، في الحقيقة، لم أخبرها شيئا فعليا عن كارلي أو عن حياتنا معا.

 

آنذاك كانت جيمينا مهتمة فعلا بالمخرجة الفنزويلية مارغرت بيناسيراف، وأنفقنا معظم تلك الأيام نتكلم حول أفلامها: ريفيرون وأرايا وكيف أنها توقفت عن العمل بعد ذلك، منذ الخمسينات، فورا بعد عمليها، ولكن من الواضح، كما قالت جيمينا، إنها لا تزال حية.

قالت:"لا بد أنها بلغت الخامسة والثمانين ، وربما التسعين"، حصل ذلك ذات يوم ونحن نجلس في المطبخ نشرب النيذ وننظر في كتاب فيه مشاهد من أرايا. تابعت:"أتساءل بماذا تشغل نفسها".

وذكرت أيضا أن أرايا حصل على تكريم في كان وحصد جائزة النقاد الدولية مناصفة مع فيلم “حبيبتي هيروشيما” لألان ريني، ولكن للأسف لم نسمع بذلك. قالت:"كل الناس سمعوا بألان ريني، لكن كم من الأشخاص يعرفون مارغرت بيناسيراف؟". توجب علي أن أعترف أنني لم أسمع بها من قبل، فتنهدت.  كانت تحدق باهتمام بصورة بالأبيض والأسود لصبيين دون قمصان يتسلقان هضبة بيضاء كبيرة تبدو مثل كومة رمل. قالت وهي تنظر للصورة:"أراهن أنك تعتقدين أن ذلك رمل، ولكنه غير ذلك؟".

"ليس رملا؟".

قالت:"كلا، هو ملح".

أعدت النظر بالصورة، وبلونها الأبيض الهائل الحجم، وظل الصبيين الملقى عليها، والسماء فوقهما عريضة وصافية. وقفت جيمينا بعد دقيقة واقتربت من المنصة لتسكب لنفسها كأس نبيذ آخر. وقالت وهي تعود إلى الطاولة:"بالمناسبة. كنت أكلم زوجتك".

"ماذا تقصدين؟".

"شربنا القهوة معا".

"شربت القهوة مع زوجتي؟".

"نعم".

"لماذا؟".

قالت:"لا أعلم. أحببتها. وساعدتني بكتابة هذه الاستمارة".

نظرت إليها، محتارا. لم تذكر لي كارلي أي شيء عن ذلك.

"في الحقيقة هذا مدعاة للغرابة. كانت صديقاتي تسخرن مني. ولكنها حاولت أن تقدم لي المساعدة".

جلست منتصبا في الكرسي وأسندت كأسي. قلت: "هل أخبرتها عن زيارتي لمشاهدة الأفلام؟".

نظرت لي كأنني غبي وقالت:"لا. لم يخطر في بالي".

ثم نظرت مجددا للصورة ورسمت بأصبعها منحنى على طول قوس الكثيب، وقالت شيئا خافتا لنفسها. في النهاية قالت وعيناها تصبحان فارغتين من المعنى:"أرايا. هي مقاطعة في فنزويلا. قالت عنها مارغرت بيناسيراف تبدو كأنها قطعة من القمر".

4-

اعتدنا على الخروج ليلة في الأسبوع، أنا وكارلي. وبالعادة نذهب إلى الحانات في المنطقة الجنوبية من سان أنطونيو، مكان إقامتنا القديم، أو نسير على طول النهر نحو الشمال نحو ساحة مقاتلي الحروب الأجنبية، وهناك غالبا يعزفون الموسيقا ويقدمون الجعة الرخيصة، أو نتابع نحو حانتنا المفضلة في أقاصي الشمال، وهي تاكو لاند، بحثا عن مشروبات “كأسان بسعر كأس واحد”، أو مارغاريتا بنصف السعر العادي، ودائما المكان مزدحم وهائج ويبدو أنهم لا يهتمون أننا أكبر بالعمر قليلا من معظم الناس الآخرين هناك. وكنا نحب أن نشرب معا، لأن الشراب هو واحد من الأشياء التي نشترك بها أيام ذاك، وهي إحدى الصفات التي تقرب الواحد منا للآخر. كان العديدون يتشاحنون أثناء الشراب، ولكن نحن لم نفعل. كنا نضحك، ودائما نبحث عن طريقة لتطول السهرة. وكل تلك الأماكن المريحة والمشرفة على الانهيار التي كنا نزورها في ليالي الصيف الحارة، والحانات المفتوحة والمتهالكة وأماكن صناديق الثلج التي تتكوم أمامها والمليئة بعلب تيكاتا باردة. أيام ذاك كنا كلانا نتخيل أنفسنا من الفنانين، وكلانا لديه قناعة أنه مقدر علينا أن نكون عظماء، وفي تلك السهرات المسائية كنا نتكلم عن خططنا، وعن مشاريع مستقبلنا، وعن آمالنا.

في هذه الأيام تراجعت السهرات الأسبوعية. فكارلي تفضل البقاء في البيت، أن نشرب في البيت، ولأنني أقلعت عن الإفراط بالشراب - كما اعتدت من قبل- كنت غالبا أسقط بالنوم قبلها أو أجلس عند طاولة المطبخ وأقرأ في مجلة بينما هي تتصفح هاتفها، وترد على البريد الإلكتروني الوارد من العمل، وبقربها شرابها. وبالعادة تفضل الكلام عن المتطوعة وماذا فعلت مؤخرا، ولكن في تلك الليلة كانت تبدو ضائعة في أفكارها، وشاردة، فاغتنمت الفرصة لأسالها عن جيمينا وماذا قالت لي عن اشتراكهما بشرب القهوة. وذكرت لها أنني كنت اليوم عندها.

تأملتني كارلي بشك. وقالت:"كنت عندها؟".

قلت:"نعم. في الردهة".

ضيقت كارلي عينيها، ثم نظرت للأسفل نحو هاتفها الخليوي وطبعت شيئا ردا على رسالة. ثم تنهدت أخيرا وعادت لشرابها وقالت:"لا شيء يستحق الذكر. الإدارة أرادت منا ترتيب برنامج تواصل مع الفنانين المحليين، ولا سيما الشباب لنساعدهم في طلب معونات وما يشبه ذلك". ورشفت من شرابها وشخرت ثم تابعت:"صادفتها في يوم من الأيام، ورافقتني إلى الأعلى".

وافقت بهزة من رأسي وتراجعت بظهري على الكرسي وقلت:"أفهم أنها ليست مدمنة على المخدرات الآن".

شخرت كارلي وقالت:"من يعلم؟. أعتقد أنها شيء ما".

"مادا تقصدين؟".

لم ترد. وعادت لشرابها فقط، وتناولت رشفة صغيرة، ثم حركت مكعبات الجليد بأصبعها. وأخيرا قالت:"أعتقد أنها عانت من شيء في كاليفورنيا، شيء ضار".

"وماذا يدفعك لهذا الظن؟".

قالت:"لا أعلم. هو ظن فقط".

ثم نهضت، ووضعت شرابها على الطاولة، وغادرت الغرفة.

 

حينما تكلمت جيمينا عن كاليفورنيا، استعملت كلمات مثل مسكون، أو ميت بنظري. وقالت هناك أدركت أنها فنانة، ولكنها لم تنجز إلا القليل، تقريبا لا شيء. وكل ما كانت تفعله هو الشراب، تقريبا كل يوم، حتى تنتشي، وكانت تقبل أي دعوة ولو بالمصادفة، ومن ضمنها دعوة من رجل أصبح مثل زوجها، دعوة لتعيش معه في شقته في ويست هوليود. وكانت أوسع شقة رأتها في حياتها، أربع غرف نوم ومنصة خارجية عريضة، كانت تشرف على بوليفارد لا سينيا. وكان هذا كل ما أخبرتني به عنه. وتبدو بقية الحكاية مغلفة بالظلام، نوع من الظلام الذي يصعب اختراقه. وكلما ألححت عليها لتخبرني عن المزيد كانت تقول: خربت حياتي فعلا. ولا أقصد بسبب المخدرات. ولكن أعني حالتي الذهنية. كنت فعلا وحقا منهارة.

وفكرت بذلك في الصباح اللاحق وأنا واقف قرب المغسلة، أستمع لصوت جيمينا تبكي في شقتها في الأسفل. وذلك بعد وقت قليل من مغادرة كارلي إلى عملها. في البداية تصورت ربما هو أحد الجيران الآخرين، أو المرأة المسنة التي تعيش بجوار بيت جيمينا، ثم سمعت صوت موسيقاها، صوت مرتفع وميكانيكي، وفهمت أنه هي. تخليت عن الكوب الذي أغسله ووقفت هناك أصغي للموسيقا، هذا الروك الميكانيكي الصاخب، كان يرعد بشكل غاضب ومرتفع جدا بالنسبة لهذه الساعة من الصباح. وتوقعت أن الجيران الآخرين سيشتكون حالا، وسيدقون على بابها ويطلبون منها أن تهدأ، وأن توقف الموسيقا، ولكن قبل أن يفعلوا وقفت هناك وأصخت السمع، وتصورتها جالسة على أريكتها، ورأسها بين يديها، وساقاها متقاطعتان، وعيناها مطبقتان، وتبكي أو تصيح أو تطرق على شيء ما بجلبة. قي وقت لاحق من ذلك اليوم، وأنا جالس على الشرفة وأدخن، شاهدت جيمينا تسير مبتعدة. ولم أعلم  إلى أين تذهب، ولكنها كانت مسرعة وكان بمقدوري رؤيتها من مبعدة شارعين تقريبا، تعبر الشارع، ثم تسرع بمشيتها. وكانت تضع سماعات هاتفها بإحكام حول رأسها مع غطاء رأس اسود، وكانت تحمل سيجارة بيد وكيسا من الورق بالثانية. وتساءلت ماذا في كيس الورق، وإلى أين تتوجه. لاحقا، حينما كنت أجلس في شقتها وأتناول كوبا من النبيذ وأتكلم معها عن ظروف يومي، لاحظت الكيس الورقي مركونا على كنبتها الصغيرة في غرفة المعيشة، وأعلاه محكم الإغلاق، وأدناه ملوث بالدهون. وفكرت أن أسألها عما فيه لكن لم أفعل. وفيما بعد، حينما اختفت في الحمام، وقفت وأسرعت إلى الكيس وفتحته. كنت موقنا أن هذا لا يجوز، ولكن لم أتمالك نفسي. في داخله وجدت كل أنواع الصور وبطاقات التهنئة، ومعظمها ممزقة ومصفرة بسبب القدم. وهناك عدة رسائل مكتوبة بالإسبانية، وعدد منها مطوي عدة مرات وخشيت أن تتمزق بين يدي. وفي أسفل الكيس خصلة من شعر أسود محفوظة في كيس شطائر من نوع زيبلوك. مع مسبحة وصورة بالأبيض والأسود لجيمينا في طفولتها، أو هكذا افترضت، وكانت واقفة على هضبة متيبسة في موضع غير محدد، وهي تحدق بقدميها. ولم أجد كتابة على قفا الصورة، ولا أي إشارة عن مكان التقاطها. وبعد عودة جيمينا من الحمام، سألتها عما في الكيس، ودون أي اهتمام ردت مع تنهيدة:"آه، لا شيء. فقط بعض الكعك ، هل تريدين كعكة؟".

نفيت بحركة من رأسي، ولاحقا تساءلت في شقتي: كيف كانت ستتصرف لو قلت لها نعم أريد.

 

في تلك الأمسية توجب على كارلي أن تتأخر في العمل، ولذلك اشتريت الغداء من شاحنة تاكو كانت على الجهة المقابلة من شارع شقتنا وتعسكر هناك ثلاثة أيام في الأسبوع، وتناولت الطعام على السلالم أمام الشقة وجمينا تجلس بجانبي، وتدخن. أعجبتني شاحنة الطعام، ولكن رفضت جيمينا أن تشهد لها، وقالت إنها لا تقدم طعاما مكسيكيا حقيقيا. وعوضا عن ذلك فضلت أن تسير لمسافة سبعة شوارع بعكس اتجاه وسط المدينة لتشتري من شاحنة تاكو مع أنها توفر طعاما حقيقيا más auténtico.

وفي تلك الليلة عندما سألتها كيف تعرف الفرق قالت:"من التورتيلا. إذا كانت الشاحنة لا تصنع التورتيلا تعلم أن وجباتها ليست حقيقية. راقب تلك في الجهة المقابلة. يحضرون التورتيلا من أكياس. وربما اشتروها من مخزن. ويحاولون التستر على ذلك ولكن تستطيع أن تلمس الفرق".

حدقت بعرض الشارع ونظرت إلى داخل شاحنة التاكو المضاء، وأمكنني رؤية شابين يعملان هناك وهما منحنيان فوق الشواء. أضافت:"أيضا لا توجد صلصة. هل ذقت صلصتهم؟".

وضحكت بمرح لنفسها وأخذت نفسا من سيجارتها، ثم هزت رأسها.

نظرت إلى ساعتي وحاولت أن أحسب كم بقي معي من وقت قبل عودة كارلي. وكانت جيمينا قد أخبرتني إنهما تجتمعان كثيرا في الآونة الأخيرة، تقريبا كل يوم صباحا وتعملان على البحث عن منحة.

سألتها:"ولماذا لم أشاهدكما معا؟".

قالت:"لأنه أمر سري جدا".

نظرت إليها وقلت:" بجدية أين تلتقيان؟".

"لا يسعني أن أفشي السر".

حملت شطيرة التاكو وتناولت لقمة، ثم أفلتها.

وقلت: "لم تخبرا أحدا أنكما  تعملان معا؟".

"أبدا".

"حسنا".

"هل تعلم أنها امرأة لطيفة، زوجتك".

"أعلم ذلك".

"وأنت تعلم أنها تريد أن تكافحا معا".

"أعلم".

قالت:"يجب أن تتحلى بالحذر".

"ماذا تقصدين؟"

لكنها لم ترد. نظرت للجهة البعيدة من الباحة حيث توجد حديقة مزدهرة صغيرة اعتنت بها سابقا هذا الأسبوع. واحد من الشباب الذين عملوا في الأستوديو معها في ساوث سايد، وهو رسام عجوز يدعى دينيس، جمع هذه النباتات وكان يقدمها لها كل يوم بمعدل نبات أو اثنين، لتحملها إلى بيتها. وبالوقت الحالي أصبح لديها مجموعة نباتات - البلومر، والصبار، والأجافا- وقد زرعتها في الأرض بجوار السور البعيد وهو ما سيلاحظه بيني ويتذمر منه.

وفي تلك الليلة كانت تحدق بنبات أشفيرية قرمزي عملاق، وقد أحضرته معها إلى البيت في اليوم السابق محفوظا في أصيص كبير من السيراميك. وادعت أن هذه الأشفيرية بالذات نوع نادر جدا وطري، على الأقل كما اخبرها صديقها دينيس، وهو مرتفع القيمة. وبعد فترة، غادرت المكان، وأحضرت الأشفيرية مع الأصيص إلأى المبنى. ووضعت هذا النبات الغريب والجميل على السلالم أمامنا وجلست هناك، تتأمله، وعيناها تلمعان، وكتفها يلامس كتفي. وأخيرا أخرجت هاتفها وفتحت الكاميرا.

قالت:" سألتقط صورة وأرسلها لأمي".

قلت:"لماذا؟". تقريبا لم تتطرق لأمها، ولم تذكرها خلال ثلاثة أسابيع من تعارفنا، باستثناء أنها كآبية، وأنفقت معظم حياتها تدخل وتخرج من المصحات، وفي النهاية اختفت من حياة جيمبنا عندما بلغت السادسة عشرة. وقالت:"أمي تحب النباتات". ونظرت إلى الطرف البعيد من الباحة الأمامية، ثم رفعت عينيها إلى السماء، وكانت الغيوم السود تتشكل، وعاصفة رعدية تزحف من الجنوب. أضافت:"هذا سيسعدها".

5-

في ذلك الربيع أيضا بدأت أشعر بتقدم العمر. طبعا رأيته هناك على سطح المرآة، ولكنه موجود في أماكن أخرى أيضا - في السوق، حيث أسير بين الشباب دون أن ينظر أحد منهم لي ويلاحظ ذلك. شعرت من غياب الاتنتباه لذلك، على ما أعتقد، بأكبر قدر من الحزن. فهذه حقيقة تدل أنني غير مرئي، وأنني أتابع حياتي بطريقة شبح. وعموما حين أكون مع جيمينا أشعر أنني دائما مرئي، وربما هذا جزء من الموضوع. كانت شابة، أو على الأقل أصغر مني، وهي تراني، وربما ليس في ضوء رومنسي - ولكن أيضا لم أكن أفكر بهذا الأسلوب فقط- وإنما بطريقة كائن بشري، إنسان يدب على الأرض مثلها، ومليء بالمخاوف والأسف، محاولا أن لا يخطئ. ومع ذلك كنت أتخبط، ولدي علم بذلك. كنت أخطئ بإنفاق فترة طويلة معها مع أنه يجب أن أنفق الوقت وأنا وحدي، وأعيد تركيب أجزاء حياتي، أو العمل على فيلمي أو أي مشروع آخر.

قالت لي كارلي مرة:"لا يهمني كيف تنفق وقتك. المهم أن تكون مشغولا بشيء وإلا ما الهدف؟".

الهدف من ماذا؟. أحيانا كنت أريد أن أسأل، مع أنني أعرف الجواب.

ماذا يمكن أن تقول كارلي لي في إحدى جلساتنا بعد الظهيرة، وهي تضبطني جالسا في شقة جيمينا، وأنا أستمع  لدانزغ وأدخن الحشيش، أو أشاهد واحدا من أعمالها التسجيلية البولونية المبهمة أو فيلما فنيا منسيا ولكنه لديه جائزة من أيام الخمسينات؟. وماذا كانت تفعل كارلي نفسها مع جيمينا في تلك الأوقات؟. كيف أمضيا صباحاتهما معا حينما لم تكونا مشغولتين بالمنحة؟. أحيانا أتساءل هل كارلي منجذبة إلى جيمينا لنفس الأسباب التي تجذبني لها، أو أنها تنظر للمسألة من زاوية مختلفة. ربما هو شيء أوثق، له اعتبارات شخصية أقوى. أقول هذا فقط بسبب طريقة كارلي في التهرب، أو الدفاع، حينما أرافق جيمينا إلى الأعلى، وحينما أذكر اسمها. كنت أعلم أنهما تتقاربان، وأنهما تعقدان أواصر صداقة بينهما، وأن هذه الصداقة ليس لها علاقة أبدا بي أو بصداقتي مع جيمينا، ولكن في نفس الوقت بدا لي من المستغرب أن هذا يمكن أن يحصل، وأن كلانا، كارلي وأنا، يمكنهما تشكيل صداقة خاصة مع نفس الإنسانة، وأنه بوسعنا بمعنى من المعاني أن نعيش كلانا في حياة متوازية ولكن منفصلة.

ووطدت العزم أن أناقش هذه الفكرة مع جيمينا، ولكن بدا أنها مجبرة للكلام عن كارلي أو عن وقتهما معا. "هذا ينجح فقط إن لم نتكلم عنه". قالت لي في أحد الأوقات حينما ألححت عليها. كنا نتمدد على كنبتها في وقت متأخر بعد الظهيرة، ونتبادل سيجارة حشيش، ونشاهد أرايا للمرة الثالثة أو الرابعة. أوقفت جيمينا الفيلم وأفلتت السيجارة.

قلت وأنا أنهض:"ما هذا؟".

"هاه؟".

"للتو قلت هذا. أي هذا تقصدين؟".

نظرت لي وضحكت وقالت:"اللعنة إن كنت أعلم". ثم تناولت جهاز التحكم وعادت إلى الفيلم وقالت:"من فضلك لنشاهد الفيلم فقط.؟".

 

في تلك الأمسية عندما عدت إلى البيت، وجدت كارلي جالسة على الشرفة بجوار مطبخنا، وتدخن سيجارة وتستمع للموسيقا بالسماعات. كانت هذه طريقتها في ضغط أيامها انذاك، الجلوس هناك لساعة قبل العودة إلى الداخل. وإن لم تفعل، كما تقول، لن يمكنها أن تقوم بأي شيء مثمر بقية ليلتها.

وأدركت أن شيئا آخر يجري في العمل، وأن المتطوعة التي لم تعد متطوعة - أصبحت الآن شيئا مثل مدير مشروعات، وتجتمع حاليا بانتظام مع المانحين وتخطط لحملات جمع التبرعات- أصبحت بطريقة من الطرق أعلى مرتبة، ولم تعد كارلي تشكل ظلا يخيم عليها وإنما زادت حظوظها في أن تحل محلها. الإضافة لذلك، لم تتطرق كارلي لهذه المسألة، ولم تكن تذكر المتطوعة إن لم أفتح معها الموضوع بشكل مباشر.

في تلك الليلة، وأنا أراقبها جالسة هناك، وجدت نفسي أفكر بالزوجين العجوزين في الطابق الثالث اللذين اعتادا الجلوس على شرفتهما تقريبا كل ليلة حينما سكنا هنا. أيام ذاك كنا أصغر زوجين في المبنى، وكنا كلانا في مطلع الثلاثينات، ولكن الآن، بعد سبع سنوات، نبدو أشبه بالحرس القديم. ولا أعتقد أنه كان بمقدوري أن أتخيل حينذاك أننا لا نزال نعيش هنا في هذه الشقة نفسها بعد كل هذه السنوات، وأنه لن يكون بمقدورنا شراء بيت حتى اللحظة لنستقر فيه، وأنه لن ننجب الأولاد ولن نجد عملا مستمرا.

بعد قليل التفتت كارلي وابتسمت لي، وقالت سأعود حالا، ثم استدارت مجددا إلى الممر في الأسفل، ورأسها يترنح بإيقاع متكرر مع موسيقا الآي بود،  كما لو أنهما مرتبطان. وحينما جاءت لاحقا، كنت أقف قرب الموقد، أحضر حساء البوزول المشهور، وحسب وصفة علمتها لي كارلي ذاتها. وقفت كارلي هناك دقيقة من الوقت، تراقبني، ثم ألقت حقيبتها على الطاولة وذهبت نحو زاجة الماسكل. وأمكنني أن ألاحظ أنها متوترة من شيء ما- وكان يبدو عليها الشرود أكثر من المعتاد- وبعد قليل، ونتيجة الإلحاح، اعترفت أنها مرت بيوم سيء في العمل. وقالت في سياق حديثها إن جيمينا تكفلت بمشكلة منحتها.

"ماذا تعنين؟".

"فقدت الرغبة بالمتابعة".

"لماذا؟".

هزت كارلي منكبيها، وشعرت أنها امتعضت، أو ربما تتألم. كان من الواضح أنهما تتقاربان مؤخرا، مع أن كارلي لم تخبرني إلا عن القليل من تلك العلاقة المشتركة.

قلت:"توقعت أنكما أصبحتما صديقتين".

اهتزت كارلي وقالت:"وأنا أيضا. وربما صداقة وثيقة". ونظرت للخارج نحو الشرفة. ثم تابعت: "لكن لا يبدو لي أنه عمل عاقل .. التخلي عن هذه المنحة".

"ماذا قالوا حينما اخبرتهم أنها تستنكف؟".

"لا شيء. بعضهم، نعم، اعتقد أن تلك الفتاة انتهى أمرها".

ثم وقفت كارلي وذهبت إلى الثلاجة لتحضر المزيد من الثلج. ولدى جلوسها مجددا عند الطاولة، نظرت لي بإمعان. وقالت:"أعلم أن هذا يبدو غباء، ولكن كنت أعتقد أنني أساعدها، كما تعلم؟. كأنه الشيء الوحيد في حياتي الذي شعرت أنني أحسنه. كأنني أتطوع بخدمة لشخص آخر".

قلت:"هذا صحبح. كانت محظوظة بك".

"ولكنها لم تهتم".

"ما أدراك".

انتفضت كارلي وقالت:"كما تعلم، تقدمت إيفلين بثلاث طلبات لمنحة من أجل الفنانين المحليين".

"ومن هي إيفلين؟".

"المتطوعة".

"لم تذكري اسمها من قبل".

"حقا؟".

قلت:"بالتأكيد. لم أسمعه منك".

قالت وهي ترفع كأسها:"حسنا اسمها إيفلين. وهل تعلم؟. هي ليست متطوعة فاشلة بعد الآن".

أحيانا ينتابني الحزن لدى رؤية كارلي هكذا، وأنا ألاحظ أن مشكلتها ليست هذه المرأة، ولكن الكراهية التي تغمرها بسبب الخوف من فقدان عملها وهو ما يزعجها حقيقة. أحيانا أود أن أقول: هي ليست متحسسة من هذه المتطوعة، ولكن من شيء آخر.

ولكن أعلم إنها لا تريد أن تسمعني.

ولاحقا في تلك الليلة قالت لي ونحن نجلس على الكنبة:"هذا لأنني طردت في مرة سابقة من عملي. الجميع يعلم، ولذلك أشعر كأنها بقعة تلطخني. ومع أنهم وظفوني مجددا، ومع أنهم منحوني علاوة بسيطة في العام الماضي، لا تزال البقعة مؤلمة".

6-

بعد قليل اختفت جيمينا. أو ربما لم تختفي، أو أنها دخلت في نوبة اعتزال طويلة تجنبت خلالها كارلي وأنا.

وربما ما جرى بيننا نحن الثلاثة أصبح ثقيلا عليها، أو لعلها احتاجت لاستراحة منا. وفي إحدى المناسبات اعترفت لي طالما شعرت أنها تشبه مرشدة حياة زوجية وتلتقي بكل واحد فينا على على حدة، أو في بعض الأوقات تبدو لنفسها مثل خليلة، مع ذلك لم تكن ترى أنها تنفع أيا منا بأي شيء.

قالت:"خليلة أفلاطونية، لا بد من اسم لهذه الحالة".

قالت:"ما رأيك بصفة صديقة فقط. لماذا تعقدين الموضوع؟".

قالت:"لأنه فعلا معقد، ألم تلاحظي؟".

كنا نجلس في الخارج على المنحدر حينما قالت ذلك. وهو روتيننا المعتاد. وكان الحي هادئا. وعدد من الصغار يمتطون دراجاتهم، وعدد قليل من المستأجرين في البناء مشغولون بشواء في وسط الباحة الأمامية. وكانت الشمس تغرب من مسافة بعيدة، وأمكنني ملاحظة الأبنية الشاهقة في وسط المدينة.

قالت بعد فترة وهي تشرب:"أعتقد أنني بحاجة لاستراحة منكم يا أصدقاء".

قلت:"لماذا؟".

قالت:"لا أعلم. أريد ذلك وحسب".

ثم نهضت، ووضعت كوبها على السلالم، وعادت إلى الداخل.

 

في تلك الليلة وقفت في ردهة الطابق الثاني وأصخت السمع لجيمينا وكارلي وهما تتكلمان في الأسفل. ولم أميز كلامهما، ولكن أمكنني سماع ارتفاع وانخفاض صوتيهما، وزاد توتر الحوار مع مرور الوقت. وعادت كارلي لاحقا وشرحت لي أن جيمينا ستسافر إلى كاليفورنيا في الأسبوع المقبل، وهذا ما كانتا تتجادلان حوله، ولكن انتابني الإحساس حينها أن الموضوع أكبر من ذلك.

"هل أخبرتك بيوم مغادرتها؟".

كنا نقف في المطبخ وندخن. هزت كارلي رأسها وقالت:"لا. قالت الأسبوع القادم فقط". ثم نظرت للأسفل ناحية هاتفها كأنها تتوقع رسالة خاصة. بعد أن قرأتها بسرعة غادرت المكان.

لم ترغب كارلي في تلك الليلة أن تجهد نفسها. تناولنا عشاء هادئا معا ثم ذهبنا إلى السرير باكرا، ولكن لاحقا في مرحلة ما استيقظت على صوت نباح كلب في الخارج ولاحظت أن كارلي تجلس في الخارج على الشرفة الجانبية وحدها، وكان جسمها مغمورا بفضة ضوء القمر. وكانت سماعاتها على أذنيها وتهتز إلى الأمام والخلف ببطء، وهي تحضن نفسها. وقفت عند النافذة وراقبتها لحظة. لم أشاهد وجهها، ولكن من ظهرها، ومن طريقة انحنائها، وتهدل كتفيها، كانت تبدو تقريبا لدقيقة من الوقت كما لو أنها تبكي.

7-

وخلال الأسبوعين التاليين لم يحصل جديد يذكر، باستثناء زيارة خالة جيمينا لها مرتين قادمة من نورث سايد. وعرفت خالتها من الصور التي كنت قد شاهدتها في شقتها- سيدة عجوز لها حضور واضح وعزيزة الجانب، بشعر أسود طويل وعظام وجنتين بارزتين وكانت جميلة. أول زيارة لها توافقت مع جلوسي على السلالم الأمامية، وأنا أدخن سيجارة، وسمحت لها بالمرور دون تبادل أي كلام.

ولدى عودتها مجددا، في الأسبوع التالي، شعرت بضرورة تحيتها. كنت على السلالم أيضا، أشرب قهوتي.

قلت:"هل تبحثين عن جيمينا؟".

نظرت لي، محتارة، ثم انتبهت كأنها لم تفهم كيف حزرت.

قالت:"هل شاهدتها؟".

قلت:"هي في كاليفورنيا، أو على الأقل هذا ما أخبرتنا به عن مكان رحلتها".

هزت رأسها، ثم اسود وجهها، كأنني أؤكد لها مخاوف عميقة. وقالت أخيرا:"Polilla a una llama”.

“ما هذا؟".

قالت:"تعبير فقط. ويعني بالإسبانية 'العثة في النار'.".

وافقت برأسي.

والحقيقة كلما طال غياب جيمينا في كاليفورنيا، كلما زاد تفكيري بمعنى هذا الغياب، أو ماذا جرى معها هناك. مرة أو اثنتان أشارت لمجموعة من الأصدقاء الفنانين وطبعا منهم الرجل الذي تزوجته تقريبا، ولكنها لم تفصح عن المزيد عنه، ولا حتى اسمه. أحيانا أتخيل منتجا سينمائيا غنيا جذبه جمال جيمينا؛ وأحيانا أتخيل مراهقا لعوبا، عازف باص في فرقة متمردة، أو موزع مخدرات، أو ممثلا عصابيا. ومع ذلك وبكل الاحتمالات، هذا الرجل، كائنا من يكون، لديه حياته.

قالت لي في أكثر من مناسبة: تقريبا تزوجت، كما لو أن الزواج تراجيديا هربت من عواقبها بصعوبة.

وتهيأت للكلام حول الموضوع مع خالتها في يوم زيارتها الخاطفة، ولكن لم أتجاوز رسم ابتسامة وإعطائها رقمي وإخبارها أنها يمكن أن تتصل بأي وقت إن رغبت مني أن أهبط وأدق على باب جيمينا وأتأكد من وجودها. قلت:"هذا أسهل من القدوم بالسيارة كل هذا الطريق".

أومأت وقالت:"حسنا". ثم مدت يدها بتمهل ولمست يدي، وتأملتني بلا انطباعات وقالت بنعومة:"شكرا لك. سأعود لاحقا".

 

وكما تبين غابت جيمينا لأسبوعين، وهي فترة لا تكفي لإعفائها من عملها أو مكانها في مدرسة فنون ساوث سايد. ولدى عودتها، كان شعرها أقصر ولها وشم إضافي على مؤخرة عنقها، كلمة إسبانية صغيرة، olvidados، ومكتوبة بخط أسود. وقابلتها على السلالم وهي عائدة من غرفة الغسيل في القبو، وتحمل سلة جينزات سود رطبة وقمصانا بلا ياقة. قالت وهي تتنهد:"المجففة معطوبة، اللعنة على بيني".

وسألتها إن كانت تحتاج لمساعدة فردت لا. أضفت:"وكيف كانت كاليفورنيا؟". وكانت تتقدم في الصالة باتجاه شقتها.

قالت من فوق كتفها دون أن تنظر إلى الخلف:"لا تسأل".

"سيئة جدا؟".

أومأت بالموافقة، أيضا لم تنظر إلى الخلف، ثم توقفت أمام باب بيتها ووضعت السلة على الأرض. راقبتها دون أن أتكلم وكانت تفتش عن مفاتيحها. قالت:"مع ذلك قد أعود إليها لبعض الوقت".

"ماذا تقصدين؟".

تابعت التفتيش عن المفاتيح.

ألححت: "بغرض زيارة؟".

نفت برأسها وهي تتابع البحث وقالت:"لا". وأخيرا وجدت مفتاحها ووضعته في القفل. ونظرت لي. وكان بمقدوري سماع ضربات قلبي.

سألتها:"وماذا عن محاضراتك؟".

تنهدت وقالت:"توجد مدارس للفنون في كاليفورنيا، أليس كذلك".

نظرت إليها. وأردفت:"أعني ماذا عن العمل الذي بدأت به؟".

"ذلك العمل لم يتقدم".

وقفت بمكاني، بلا حركة، وحاولت قراءة وجهها. وقلت:"هل ذلك بسبب الشاب الذي تزوجت منه تقريبا؟".

نظرت إلى الأسفل ولم تقل شيئا. وقالت أخيرا:"بل له علاقة بعدة أشياء". ودخلت إلى شقتها.

كانت كارلي قد حصلت على فرصة في أحد المعارض الصغيرة في ساوث سايد واشنغلت بها، ووعدت أنا أن أحضر لكلينا عشاء وأن أنظف الشقة قبل عودتها، ولكن في تلك اللحظة كل ما أمكنني التفكير به كان هو رحيل جيمينا، وأنها لن تكون معنا بعد الآن، وتأثير ذلك علينا. وقفت في الردهة، أنظر ليدي، بمحاولة لأضع نفسي بسياق ما. بعد قليل، فتح باب جيمينا مجددا ومدت رأسها ونظرت لي باهتمام. وتلاقت عيوننا لفترة مقتضبة وابتسمت، والتفتت ببطء، وقالت:"هل تحب مشاهدة الأفلام؟".

8-

نقطة إضافية عن أرايا: إنه عمل تسجيلي ولكن لا يبدو عملا تسجيليا. وإنما كأنه خيال. وله مسحة شعرية، جو شعري. وتلعب فيه شخصيات بعض الأدوار، ويؤديها عمال مناجم ملح محليون. وله شكل تجريبي وبنية تجريبية. وبعد أن انتهت بيناكاريف منه، تابعت لتترأس عددا من المؤسسات الثقافية والسينمائية الفنزويلية، ولكنها لم تعمل في فيلم آخر. ولدى سؤال جيمينا  هل عادت بيناكاريف إلى الجزيرة، حيث عملت على رائعتها، قالت: نعم، بعد سنوات طويلة عادت.

"ولكن تقريبا مات كل من كان على قيد الحياة وعمل هناك. ما تبقى مدينة أشباح".

أومأت برأسي.

قالت:"ولكن لا أحب أن أفكر بذلك، وأود أن أتخيلها كما كانت تبدو في الفيلم".

"لماذا؟".

قالت:"لأنه في نهاية الفيلم يوجد أمل، كما ترى؟. ولا تعلم ماذا سيجري لهؤلاء البشر. هناك احتمال بأن يتوصلوا لحياة أفضل".

قلت:"ولكن هذه ليست الحقيقة".

قالت:"أعلم، ولكن في نهاية الفيلم، كما ترى، لم يكن أحد يتصور هذا المصير المؤسف".

9-

وحينما اتصلت بنا خالة جيمينا بعد ثلاثة شهور لتسأل إن كان عندنا فكرة أين يمكن أن تكون جيمينا - إن رأيناها أو سمعنا منها- توجب علي أن أخبرها بالحقيقة، وأننا لم نسمع منها أو نراها منذ اليوم الذي غادرت به. وكل ما أعرفه أنها عادت إلى لوس أنجلوس، ولكن خالتها تعرف ذلك مقدما. قالت:"إنها تكرر فعلتها. وهذه ليست أول مرة". ثم ذكرت شيئا غامضا عن رجل هناك، وأشارت له أولا بلقب pendejo ( غبي) ثم لاحقا بلقب sucio (قذر).

قالت:"ربما أزمع على قتلها".

قلت:"ماذا تقصدين؟".

ولكنها لم توضح.

قلت:"آخر مرة رأيتها كانت من حوالي أسبوع قبل رحيلها. حتى أنها لم تودعنا".

قالت:"عادي، أليس كذلك؟".

لم أعلق.

قلت أخيرا:"هل لهذا السبب عادت إلى هناك؟. من أجله؟".

قالت:"لا. ليس من أجله. بل من أجل ابنتها".

"وهل لديها ابنة؟".

قالت:"آه، hijo (ابني)، أنت لا تعلم شيئا عنها حقا، أليس كذلك؟".

لزمت الصمت.

"وأراهن أنك أغرمت بها، هل أنا محقة؟".

ثم تذكرت حوارا مع جيمينا قبل أيام من رحيلها وسألتها فيه إن حصل شيء فيزيائي بينها وبين كارلي. جالت جيمينيا بعينيها يمينا ويسارا فقط وضحكت. قالت:"كالعادة. لماذا تفكرون دائما أيها الشباب بالجنس؟". ثم ابتعدت، وهي تهز رأسها.

خيم الصمت على خالتها في الطرف الثاني من الخط، وهي تنتظر ردي. وأخيرا قالت:"لقد أحببتها، أليس كذلك؟".

قلت:"لا". ونظرت من النافذة إلى أشجار النخيل البعيدة. وتابعت:"لم تكن بيننا علاقة".

 

في الأيام والأسابيع اللاحقة، كنت أنا وكارلي نتحرك في شقتنا كالأشباح، ونحاول أن نجد طريقة لنكون معا، طريقة لنتابع حياتنا من النقطة التي وصلنا إليها في الشهور الأخيرة ومهما كانت. ولاحقا سميناها استراحة عشوائية. اخترعنا لها الأسماء، مثل فترة بائسة جدا أو حينما كانت جيمينا تعيش تحتنا، أو تلك الأيام العجيبة التي رافقنا فيها الشخص إياه. ولكن افتقدناها لبعض الوقت، افتقدناها بالطريقة التي يحن بها الإنسان لأحد أبويه في الأسابيع الأولى للدوام في الجامعة. افتقدنا الطمأنينة التي ترافق معرفتنا أنها موجودة، معرفة أنه هناك شخص آخر بجوارنا. ولبعض الوقت بعد ذلك، دخلت كارلي في فترة خمود. وأمضت وقتا طويلا في الخارج على الشرفة الجانبية بمفردها، تستمع للموسيقا، وتدخن. وأحيانا كانت تتكلم عن احتمال إنجاب ولد، وهو شيء لم تتطرق له منذ مدة. كانت تقول إنها بلغت  التاسعة والثلاثين، وسيكون الأمر صعبا بالتأكيد وهو مخاطرة، غير أنه ممكن. وبعد مدة أيضا، صمتت عن هذا الموضوع، نتيجة إحباطات من عملها، وزيادة الشك بالمستقبل.

وبالنسبة لي، حصلت على عمل، دون تفرغ بصفة منتج صوت في معهد أفلام في المدينة. ولم تكن الأجور مجزية، ولكنه أبعدني عن البيت  لأربعة أو خمسة ايام بين الصباح والظهيرة من كل أسبوع. وتخليت عن الأفلام التسجيلية.

وأتذكر أنه في أمسية بعد شهور من اتصال خالة جيمينا لتستفسر عن اختفائها، وكنت جالسا على الشرفة مع كارلي ونستمع لبعض أحاديث جيمينا المسجلة حول الفن. ولم تكن قد عاودت الظهور - والحقيقة، لن تظهر - وكان من المستغرب أن نسمع صوتها مسجلا. وكان التسجيل مشوشا ويتخلله أزيز ولكنه صوتها بكل تأكيد، وكانت تقول: أعتقد أنه لا فاندة من أن تأمل باتصال الآخرين مع عملك الفني،  وفي أي وقت أنشغل به في عمل فني أفكر ببيئتي القريبة... والفنانون الذين أحترمهم لا يعزلون أنفسهم عن الناس ولا يفكرون بذلك. هل تفهمون ما أقول؟.

وأضافت بهدوء: هل تفهمون ماذا أقول؟.

بعد ذلك أغلقت المسجلة، ووضعت كارلي رأسها على كتفي.

نظرنا إلى الأبنية البعيدة وللأنوار الخافتة التي تلمع في وسط سان أنطونيو. كانت ليلة باردة، واحدة من أبرد الليالي في الذاكرة الحالية، كان الهواء متجلدا ويمكن أن تشاهد أنفاسك. وفي الأسفل في الباحة، سمعت أصوات كلام الناس، هناك حفلة وشخص يعزف على الغيتار. سحبت كارلي لجانبي، وعقدت ذراعي حولها، وقبضت على يدها بيدي. قلت بعد دقيقة وأنا أشبك أصابعي بين أصابعها وأنظر للأبنية:"هل تعلمين، أحيانا أفكر أين وصلنا يا كار".

"ماذا تعني؟".

"لا أعلم".

قالت:"لم نصل لأي مكان. وأحيانا أتساءل إن كانت هذه هي مشكلتنا".

نظرت إليها وقلت:"ولكن أنت تفهمين معنى كلامي. أحيانا أجد نفسي أبذل ما بوسعي للتفكير بما كنت عليه، واضح؟. ومن المؤلم جدا أن أنسى ذاتي وأتركها وشأنها".

هزت رأسها وقالت:"ولكن لست مختلفا عما سلف، كلانا لم نتغير كثيرا".

قلت:"ولكن أنا بالتأكيد لم أصنع نفسي. لا أرى أنني أتحسن ذهنيا".

قالت:"صحيح. ولكن ليست هذه المشكلة. لا شيء من كل هذا الهم يصنع فرقا".

ضغطت على يدي وحملت كأسها وأخذت رشفة طويلة، وعادت لتتأملني مجددا وقالت:"هل تعتقد فعلا أنك غير ذلك الإنسان الذي اعتدت عليه؟".

قلت:"لا أعلم. ربما أنا أكثر تحملا. وبالتأكيد أتوقع أن تكون أفعالي أقل".

"هل تعتقد أنك تتساهل مع نفسك؟".

قلت:"لا. توقعاتي أقل مما أرغب".

ابتسمت ووضعت رأسها على كتفي. في تلك الدقيقة لم يكن صعبا أن أرى كم نحن نهتم بجيمينا، وكيف يمكن لأي شخص مثلنا أن تستوعب جيمينا اهتمامه.

بالنسبة لجمينا، لم أكن متاكدا ماذا جنت من ذلك. من أوقاتنا معا. تلك الأيام الطويلة والخاملة في شقتها. ربما كانت تستضيفني لتشغل نفسها، أن يكون معها شخص آخر في غرفة معيشتها. طالت علاقتي مع كارلي وأحيانا أنسى كم من المريح أن تنفرد بنفسك، وأن يكون معك شخص آخر في مساحتك، أن يكون إنسان آخر معك، إنسان عاقل لتبادله الحديث.

أندرو بورتير Andrew Porter كاتب قصة أمريكي. له مجموعة بعنوان (نظرية الضوء والمادة). ورواية بعنوان (بين الأيام). حصل على جائزة فلانيري أوكونور والبوش كارت. يعيش في سان أنطونيو. وهو مدير برنامج الكتابة الإبداعية في جامعة ترينيتي.

 ***

 

...........................

الترجمة من مجلة “ناراتيف” الأمريكية

 

 

محمد صالح الغريسيشعر: آنّا لاآخماتوفا

تعريب: محمد الصالح الغريسي

لأستمرّ أكثر، لديّ من كنوز الماضي ما يكفي،

بل أكثر ممّا أحتاج  أو أريد.

أنت تعرف جيّدا،  مثلما أعرف...أنّ  الذّاكرة الخبيثة

لن تدع نصفها يذهب:

كنيسة متواضعة، بقبّتها الذّهبيّة

المنحنية برفق، سرب من الغربان المزعجة؛

صافرة  قطار؛ شجرة "بتولا" هزيلة في حقل،

كما لو أنّها خرجت للتوّ من السجن؛

أشجار السّنديان الهائلة، المجتمعة سرّا في منتصف اللّيل؛

زورق تجذيف صغير، ينزلق قادما من أحلام أحدهم،

في تعثّر بطيء.

الشّتاء هنا، قد تأخّر بالفعل،

يرشّ هذه الحقول رشّا خفيفا،

يملؤها ضبابا كثيفا

يسدّ وجه الأفق في كلّ مكان من العالم.

كان اعتقادي راسخا، أنّه بعد رحيلنا،

لن يوجد شيء،  ببساطة ، لا شيء على الإطلاق.

فمن ذا الّذي إذن،  يتجوّل من جديد قرب الشّرفة،

و ينادينا بأسمائنا؟

وجه من هذا الملتصق بزجاج الباب المكسوّ بالجليد؟

أيّ يد هذه الّتي ترتجف مثل غصن شجرة؟

الردّ، أنّه في ذلك الرّكن المتشابك، بقعة من أشعّة الشّمس

ترقص في المرآة.

 

آنّا آخماتوفا

...............

 

March Elegy

Poem by Anna Akhmatova

 

I have enough treasures from the past

to last me longer than I need, or want.

You know as well as I . . . malevolent memory

won't let go of half of them:

a modest church, with its gold cupola

slightly askew; a harsh chorus

of crows; the whistle of a train;

a birch tree haggard in a field

as if it had just been sprung from jail;

a secret midnight conclave

of monumental Bible-oaks;

and a tiny rowboat that comes drifting out

of somebody's dreams, slowly foundering.

Winter has already loitered here,

lightly powdering these fields,

casting an impenetrable haze

that fills the world as far as the horizon.

I used to think that after we are gone

there's nothing, simply nothing at all.

Then who's that wandering by the porch

again and calling us by name?

Whose face is pressed against the frosted pane?

What hand out there is waving like a branch?

By way of reply, in that cobwebbed corner

a sunstruck tatter dances in the mirror.

 

Anna Akhmatova

 

صحيفة المثقفللشاعر الايرلندي فرانك دولاغان

ترجمة: مريم لطفي


الاطفال صامتون..

لقد تعلم الاطفال ان يصمتوا

 انهم ينظرون من خلالك

عيونهم اكبر من وجوههم

يحملون اجسادهم الصغيرة مثل الحقائب

التي يمكنهم حملها او وضعها ارضا

يعتقدون ان امهاتهم هي محركات رائعة

يمكن ان تستمر وتستمر

ميل بعد ميل،كما لو ان كل يوم

هو مجرد طريق اخر،كما لوكان الجنون

 بالامكان تجاوزه

  خطى اباءهم كالرمال المتطايرة

الياقات تخفق ضد التاريخ

احمرار ايديهم المجعدة

كسحبهم  الامل الصغير

لدخان السجائر في رئتيهم

قد لايتكلم الاطفال مرة اخرى

لقد تجاوزوا الكلمات

النامية الى مابعد الامل .انهم يعرفون

 ان جميع القادة يجلسون على نفس الطاولات

المظلمة

وينظرون  لبعضهم البعض

................

The children are silent

The children have learned to be silent

They look through you

Their eyes older than their faces

They carry their small bodies like suitcases

That they can pick up or put down

They think their mothers are great engines

That can go on and on,

Mile after mile, as if each day

Is just another road, as if insanity can be out - walked

Their fathers follow like blown sand,

Collars flapped up against history,

Their cupped hands reddening

As they pull the small hope

Of cigarette smoke into their lungs,

The children may never speak again.

They have gone beyond words,

Grow beyond hope. They know that

All the leaders just sit at the same dark tables

And look at each other.

 

...........................

فرانك دولاغان: كاتب وشاعر ايرلندي ولد في المملكة المتحدة،يقيم الان في دبي،كان احد مؤسسي مهرجان الشعر في المملكة المتحدة، حاصل  على درجة الماجستير في الكتابة من جامعة"جنوب ويلز"لديه مجموعتين من شعر الهايكو اضافة الى اربع اصدارات شعرية"على ظهر الرياح"و"ضوء يكفي لازاحة الظلام"وطرق العودة"و"رفع المزلاج".

دولاغان عضو في جمعية شعر الهايكو البريطانية،نشر اشعاره التي ينسجها على منوال قصيدة الهايكو اليابانية.

في دبي ادارورشة عمل في الشعر وكتابة القصة القصيرة في المدارس والجامعات،تم تكليفه بالعمل كمترجم لشعر الومضة من قبل الشيخ محمد رئيس الوزراء ونائب رئيس دولة الامارات وحاكم دبي.

يعمل فرانك ايضا على الروايات والقصص القصيرة والشاشة الصغيرة والمسرحيات الاذاعية ،ظهر في افضل الافلام القصيرة في مسابقة الافلام القصيرة في دبي عام2012 عن فيلمه القصير"ميلودي" وفاز بجائزة الجمهور لافضل فيلم قصير في مهرجان مومباي الدولي للفيلم النسائي،فرانك هو قاضي الشعر في مهرجان" طيران الامارات للاداب".

 

مريم لطفي

 

 

محمد صالح الغريسيشعر : مايا أنجلو

تعريب : محمد الصالح الغريسي


و أنا أرقص رقصة الدّجاجة الجبانة،

و أنا آكل الضّلوع والأطراف

و أنا  أحب أقدم  الأصوات كلّها

و أنا أشرب نبيذ "الجين"في جرعات.

 

و أنا أُسْقِطَ ذلك الوشاح من على رأسي

و أنا أشدّد على افريقيّتي

و أنا ألبس السّواد

ألست أشعّ وألمع؟

 

و أنا  أستمع إلى "ستيفي ووندر"

و أنا  أطبخ الفول والرزّ

و أنا أذهب إلى الأوبرا

و أنا أقدّم بحثا حول "ليوتاين برايس"

و أنا أنزّل "جيسي جاكسون"

و أنا أراقص "آلفين آيلاي"

و أنا أحاور  الآنسة "باربارا جوردون"

و أنا أخدش في  الآنسة"بيرلي بايلي".

 

الآن، هل هم سيّئون؟

أليسوا سودا؟

أليسوا سودا؟

هل هم سيّئون؟

هل هم سيّئون؟

أليسوا سودا؟

أليسوا طيّبين؟

 

الأسود كساعات اللّيل

عندما ينقلب حبّك ويتلوّى

بالقرب منك.

الأسود كالأرض الّتي ولدت  أمما،

فحين يرحل كلّ الآخرين ، سيكون هو الباقي.

 

سيّئا كعاصفة تقفز غاضبة من السّماوات

تجلب مطرا مرحَّبًا به،

سيّئا، كحرارة الشمس بوهجها البرتقاليّ في منتصف النّهار،

ترفع إليها  ما جلبته  العاصفة من  المياه .

 

"آرثر آشي" على أرض ملعب "التنس"

محمد علي كلاي على حلبة الملاكمة

"آندري واتس" و"آندرو يونغ"

رجال سود يفعلون فعلهم.

 

يرتدون الملابس الأرجوانيّة و القرنفليّة والخضراء

غريبة كشراب "الرّوم" و"الكوكا"

نحن نعيش حياتنا بألق وأناقة

ألسنا جماهير ملوّنة؟

 

الآن، هل نحن سيّئون؟

ألسنا سودا؟

ألسنا سودا؟

هل نحن سيّئون؟

هل نحن سيّئون؟

ألسنا سودا؟

ألسنا طيّبين؟

 

مايا أنجلو

.....................

 

Ain't That Bad?

Poem by Maya Angelou

 

 

Dancin' the funky chicken

Eatin' ribs and tips

Diggin' all the latest sounds

And drinkin' gin in sips.

 

Puttin' down that do-rag

Tighten' up my 'fro

Wrappin' up in Blackness

Don't I shine and glow?

 

Hearin' Stevie Wonder

Cookin' beans and rice

Goin' to the opera

Checkin' out Leontyne Price.

 

Get down, Jesse Jackson

Dance on, Alvin Ailey

Talk, Miss Barbara Jordan

Groove, Miss Pearlie Bailey.

 

Now ain't they bad?

An ain't they Black?

An ain't they Black?

An' ain't they Bad?

An ain't they bad?

An' ain't they Black?

An' ain't they fine?

 

Black like the hour of the night

When your love turns and wriggles close to your side

Black as the earth which has given birth

To nations, and when all else is gone will abide.

 

Bad as the storm that leaps raging from the heavens

Bringing the welcome rain

Bad as the sun burning orange hot at midday

Lifting the waters again.

 

Arthur Ashe on the tennis court

Mohammed Ali in the ring

Andre Watts and Andrew Young

Black men doing their thing.

 

Dressing in purples and pinks and greens

Exotic as rum and Cokes

Living our lives with flash and style

Ain't we colorful folks?

 

Now ain't we bad?

An' ain't we Black?

An' ain't we Black?

An' ain't we bad?

An' ain't we bad?

An' ain't we Black?

An' ain't we fine?

 

Maya Angelou

 

عادل صالح الزبيديبقلم: هاورد نميروف:

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


 ألف باء الجولة اليومية

ألفٌ يقشر تفاحة، بينما يركع باء للرب،

تاءٌ تهاتف ثاءً، الذي يضع يدا

على ركبة جيم، حاء يسعل،

خاء يحفر قبرا لدال،

ذال لا افهم هذا

لكن راء يسقط قرص رماية واحدا

بينما يهوي زاي بهراوة على رأس سين،

و يتناول شين الخردل، و يقود صاد سيارته باتجاه المدينة،

ويأوي ضاد إلى الفراش مع طاء ، ويسقط ظاء ميتا،

يكذب عين على غين، ولكن يصادف أن يسمعه

فاء، الذي يخبر قافا ألا يقيل كافا

لاضطراره إلى إخبار لام

بأن نونا تخون في هذا الوقت واوا مع ياء،

الذي يصادف انه في هذه اللحظة يتذكر ألفا

وهو يقشر تفاحة في مكان ما بعيدا من هنا.

***

 

....................

هاورد نميروف (1920-1991) شاعر أميركي من مواليد مدينة نيويورك. شغل منصب شاعر الولايات المتحدة وأصبح المستشار الشعري لمكتبة الكونغرس الأميركي لدورتين خلال ستينيات وثمانينيات القرن المنصرم. حازت أشعاره على العديد من الجوائز البارزة لعل أشهرها جائزة الكتاب الوطني وجائزة البوليتزر. من عناوين مجموعاته الشعرية (الصورة والقانون) 1947؛ (حديقة الملح)) 1955؛ (مرايا ونوافذ) 1958؛ (السنونوهات الزرق) 1967 و(داخل البصلة) 1984. القصيدة التي نترجمها هنا تعد من ابرز قصائده وأكثرها تمثيلا لأسلوبه.

 

عامر كامل السامرائي

للشاعر الأمريكي: لانغستون هيوز

ترجمها عن الإنكليزية: عامر كامل السامرَّائي


 

عندما أُصْبحُ مُلحناً مُلَّوناً

سأكتب لنفسي أغنية عن الفجر في ألاباما

وسأضع فيها أجمل الألحان

فتتصاعد من الأرض مثل ضباب المستنقعات

وتنزل كالندى الطري من السماء

سأضع فيها بعض الأشجار الشاهقة

وعطر إبر الصنوبر

وعبير الأديم الأحمر بعد المطر

وأعناقاً حمراء طويلة

ووجوهاً بِلوْنِ الخشخاش

وأذرعاً سمراء متينة

وعيونَ حقل الأقحوان

من السود والبيض،

أسود وأبيض

السود من البشر

وسأضع أيادٍ بيضاء

وأيادي سوداء وأيادي سمراء وأيادي صفراء

وفيها أيادي من طين الأرض الأحمر

لتلمس الكلّ بأصابع رقيقة

لكي نلمس بعضنا بطراوة كالندى

في نهاية تلك الأغنية

عندما أصبح ملحنًا ملونًا

واكتب عن الفجر

في ألاباما.

***

الزنجي يتحدث عن الأنهار

لقد عرفت أنهاراً:

لقد عرفت أنهاراً عريقةً كالعالم

وأقدم من جريان الدم

في عروق البشر.

 

غارت روحي عميقاً مثل الأنهار.

 

لقد اغتسلت بماء الفرات عندما كان الفجر يانعاً.

وبنيت كوخي عند نهر الكونغو الذي هَدْهَدَني لأنام.

تطلعتُ إلى النيل وبنيت الأهرامات فوقه.

سمعتُ غناء "الميسيسبي" عندما أبحر لينكولن إلى "نيو أورليانز"*،

ورأيتُ كتفه الطيني يتحول إلى ذهبي عند الأصيل.

 

لقد عرفت أنهاراً:

أنهاراً عريقةً داكنة.

 

غارت روحي عميقاً مثل الأنهار.

***

 

..............................

* "إبحار لينكولن إلى نيو أورليانز"

في عام 1828، أبحر أبراهام لينكولن وهو لا يزال في مقتبل العمر بزورق شبه مسطح، منحدراً مع نهر المسيسيبي إلى نيو أورليانز. وكان السبب الذي دفعه لخوض تلك المغامرة الكبيرة هو فضوله الكبير لزيارة أكبر سوق للعبيد في البلاد. وكادت تلك الزيارة أن تكلفه حياته فقد تعرض لهجوم أثناء الليل قرب مزرعة في بلدة لويزيانا. "كان لينكولن مناصراً لحرية السود" (المُترجم)

نبذة عن الشاعر:

لانغستون هيوز Langston Hughes)) كاتب صحفي ومسرحي وروائي وشاعر وناشط اجتماعي أمريكي، وأحد رموز "نهضة هارلم" الكيان الثقافي والفكري والسياسي والاجتماعي والفني الذي جمع السود ووحّدهم في محاربة التميير العنصري والعرقي في أمريكا، والمطالبة بالمساواة الثقافية والحقوقية مع البيض.

ينحدر لانغستون هيوز من اعراق مختلفة فهو من اصول أفريقية واسكوتلاندية وكذلك له جذر من الهنود الأمريكان.

ولد لانغستون هيوز في ولاية ميسوري، وهو الابن الثاني في العائلة، قام والده بهجرهم هرباً من العنصرية التي كانت سائدة في الولايات المتحدة آنذاك، وبعد انفصال والديه ربته جدته من جهة امه، وبعد موتها انتقل للعيش في لينكولين بإيلينوي. منذ مطلع الثلاثينات بدأ يقترب من الجماعات اليسارية ولا سيما الحزب الشيوعي، وعلى الرغم من أنه لم ينضم رسمياً إلى صفوفه غير أنه عبَّرَ بأشكال كتابية مختلفة عن إعجابه الشديد بالثورة السوفياتية والنموذج الشيوعي الذي رأى أنه الوحيد القادر على جلب العدالة للأقليات في أمريكا. أصبح هيوز بمثابة الأسطورة التي تتجاوز الكتابة والشعر إلى مستوى الرمز حتى أطلق عليه البعض لقب "شاعر الشعب الأمريكي".

قام بنشر أول اعماله "الزنجي يتحدث عن الأنهار" وهي عنوان هذه القصيدة التي أصبحت فيما بعد من أهم الأعمال الشعرية التي جلبت له الشهرة.

اعماله من الشعر والأدب القصصي عبَّرت وصوَّرت حياة الطبقة الكادحة من السود في الولايات المتحدة الأمريكية. تتميز معظم اعماله بالتفاخر بهويته الأمريكية من اصول أفريقية وثقافتها المتنوعة.

أشهر أعماله الشعرية:

- قصائد بلوز غريبة (عام 1926)

- ثياب جيدة لليهود (عام 1927)

- أيها الموت العزيز (عام 1931

- حافظ الأحلام (عام 1932)

- شكسبير في هارلم (عام 1942)

 

صحيفة المثقفللشاعر الايرلندي فرانك دولاغان

ترجمة: مريم لطفي


كل شئ

الان ذهب كل شئ

القمر بموسيقاه الباردة

البياض البطئ للثلج

الدوران الصغير للورقة في الظلام

البوابة تغلق على نفسها

ضجيج الشاحنة الاخيرة في المسافة

المسافة..

انت..

هناك كتب على الطاولة

كل الصفحات ممزقة

الكلمات تحترق خلال الاغلفة

وتشتعل على الارض

الان ذهب كل شئ..

.............................

 

Every thing

Now everything has gone,

The moon with its cold music,

The slow whit of the snow,

The small turning of the leaf in the dark,

The gate closing in on itself,

The buzz of the last van in the distance,

The distance,

You

There are books on the table,

all the pages torn.

The words have burned through the covers

And smolder on the floor

Now everything has gone

 

.......................

فرانك دولاغان: كاتب وشاعر ايرلندي ولد في المملكة المتحدة،يقيم الان في دبي،كان احد مؤسسي مهرجان الشعر في المملكة المتحدة، حاصل  على درجة الماجستير في الكتابة من جامعة"جنوب ويلز"لديه مجموعتين من شعر الهايكو اضافة الى اربع اصدارات شعرية"على ظهر الرياح"و"ضوء يكفي لازاحة الظلام"وطرق العودة"و"رفع المزلاج".

دولاغان عضو في جمعية شعر الهايكو البريطانية،نشر اشعاره التي ينسجها على منوال قصيدة الهايكو اليابانية.

في دبي ادارورشة عمل في الشعر وكتابة القصة القصيرة في المدارس والجامعات،تم تكليفه بالعمل كمترجم لشعر الومضة من قبل الشيخ محمد رئيس الوزراء ونائب رئيس دولة الامارات وحاكم دبي.

يعمل فرانك ايضا على الروايات والقصص القصيرة والشاشة الصغيرة والمسرحيات الاذاعية ،ظهر في افضل الافلام القصيرة في مسابقة الافلام القصيرة في دبي عام2012 عن فيلمه القصير "ميلودي" وفاز بجائزة الجمهور لافضل فيلم قصير في مهرجان مومباي الدولي للفيلم النسائي،فرانك هو قاضي الشعر في مهرجان" طيران الامارات للاداب".

 

مريم لطفي

 

 

عامر كامل السامرائيللشاعرة المجريَّة: زيتا إتزو

ترجمها عن المجريَّة:

عامر كامل السامرَّائي

الثلج أكثر ما أتذكر من كل ما حدث.

انحنينا على حافة الشرفة، ونظرنا إلى البياض اللامتناهي،

عندما كسر الجنود علينا الباب.

كان لديَّ من الوقت ما يكفي لسحب أختي إلى القبو.

حينما كنا مختبئين هناك،

كان نَفَسي يؤذيني

كما لو أني أُطعنُ بحراب البنادق،

وكنت خائفة،

مِنْ أنْ ينفذ مكان الطعنة إلى أضلعي

ثُمَ انتهى كلَّ شيء.

 

وجدونا، أختي تبدأ بالصراخ،

أغمض عيني حتى لا أرى ما يفعلونه بها،

يقولون إننا نسمع كلام الله عندما نكون بأشد الحاجة إليه.

ولكن رُبَما لا يمكنكَ التحدثَ إلينا

لأنكَ لا تحملنا بين يديكَ، بل في فمكَ يا ربي،

مِثلما يفعل السمك البلطي بذُريَّته.

سَحبوني إلى الحديقة، وفرجوا ساقيَّ.

ألقموا فمي بالثلج، فقد كان يزعجهم

ذلك الصراخ العالي، الغريب، الممطوط

الذي لم أكن أعرف حتى أنا أنه يَخرجُ منّي،

ظننتُ أن إحدى القوارض التي تلتمس الحماية عالقة مرة أخرى

بين العازل والسقف، وهي تضرب رأسها بالألواح الخشبية

مرة تلو الأخرى حتى يُدمى، كي لا تبقى هناك.

ولكنْ عندما كانوا يحشون فمي بالثلج، أدركت

أن ذلك الصوت كان يَخرجُ مني.

يذوب الثلج في فمي ببطء شديد،

ويسيل في حلقي فاتراً.

مذاقه يشبه ما كان يتساقط

كنا أنا وشقيقتي نمد ألستنا.

ولكن منذ أن بدأت الحرب،

لم يعد للأشياء مذاقها الأول

لا لحساء أمي،

ولا لتفاحة والدتها المشوية،

ولا لكعكة جدتي،

لكن مذاق ذلك الثلج لم يتغيَّر.

قالت أمي إن الله لا يحملنا في فمه،

وإنما بين يدي رحمته.

***

 

......................

ولدت الشاعرة زيتا إتزو (Izsó Zita)في عام 1986.

  هي شاعرة ومترجمة وكاتبة مسرحية وأحد محرري سلسلة الأدب العالمي FISZ-Kalligram Horizons  وصفحة غلاس هيل لأدب الأطفال.

تترجم الشعر عن الإنجليزية والألمانية والفرنسية والإسبانية. وقد تَرجَمتْ إلى اللغة المجرية أعمال للشاعر الأرجنتيني أليخاندرا بيزارنيك وللشاعر المكسيكي روزاريو كاستيلانوس.

كتبت بالاشتراك مع شقيقتها أول دراما مسرحية، التي فازت في مسابقة التمثيل للإذاعة المجرية. كما تم تمثيل مسرحيتها "الإدمان" في عام 2010 من قبل فرقة المسرح في مدينة ديبرتسن الواقعة شمال المجر.

"ساكن البحر" أول ديوان صدر لها عام 2012. وفي نفس العام فازت بجائزة  Attila Gérecz وحصلت في عام 2013 على منحة الروائي المجري Zsigmond Móricz الأدبية، وفي عام 2015 حصلت على منحة الشاعر المجري  Babit Mihály للترجمة الأدبية. كما حصلت في عام  2016 و 2018 على منحة NKA الإبداعية.

تم إصدار ديوانها الثاني "من لون إلى لون" في خريف عام 2014 تحت رعاية إحدى المؤسسات الأدبية. تُرجِمتْ قصائدها حتى الآن إلى الإنجليزية والألمانية والبولندية والتشيكية والصربية والرومانية والبلغارية والسلوفاكية والتركية والآن إلى العربية.

 

 

نزار سرطاويبقلم: شارون أولدز

ترجمة نزار سرطاوي


حين طلّقتكَ أمّنا شعرنا بالفرح. لكم كابدَت

وكابدت بصمت كل تلك السنين، ثمّ

على حين غرّة ركلتك خارجًا، ولكم

أسعد ذلك أطفالَها. ثم طُردتَ، وابتسمنا

في أعماقنا، كما ابتسم الناس حين

أقلعت مروحية نيكسون من الساحة

الجنوبية للبيت الأبيض للمرة الأخيرة. لقد دغدغتْنا

مشاعرُ البهجة ونحن نتخيلك وقد خسرتَ وظيفتَك،

سُحبتْ منك سكرتيراتك،

وجباتُ غدائك ومعها كاساتُ البوربون الثلاثُ المزدوجة،

كلُّ ما لديك من أقلام الرصاص ورزمات الورق. هل سيستردون

أيضًا بدْلاتِك، تلك الجثثَ 

القاتمةَ المعلقةَ في خزانة ملابسك، وأنوفَ

أحذيتك السوداءِ بثقوبها الواسعة؟

لقد علمَتْنا أن نصبر، أن نكرهَك ونصبر

إلى أن انتصبنا واقفين معها من أجل

القضاء عليك يا أبي، أنا الآن

أمرُّ بالمتشردين في المداخل، وبزّاقات 

أجسادِهم البيضاءُ تلمع من خلال الشقوق

في ملابسهم من الطينِ المضغوطِ، وزعانفُ

أيديهم الملطّخةُ، والنارُ القابعة

تحت الماء في عيونهم، كأنما هي سفنٌ قد غرقت

وفوانيسُها لم تزل مضاءة، وأتساءل من الذي راح يسحبها 

ويسحبها منهم في صمت إلى أن

تخلّوا عنها بأجمعها ولم يتبقّ لهم

اي شيْ سوى هذه.

.........................

The Victims

Sharon Olds

 

When Mother divorced you, we were glad. She took it and

took it, in silence, all those years and then

kicked you out, suddenly, and her

kids loved it. Then you were fired, and we

grinned inside, the way people grinned when

Nixon's helicopter lifted off the South

Lawn for the last time. We were tickled

to think of your office taken away,

your secretaries taken away,

your lunches with three double bourbons,

your pencils, your reams of paper. Would they take your

suits back, too, those dark

carcasses hung in your closet, and the black

noses of your shoes with the large pores?

She had taught us to take it, to hate you and take it

until we pricked at your

annihilation, Father. Now I

pass bums in doorways, the white

slugs of their bodies gleaming through slits in their

suits of compressed silt, the stained

flippers of their hands, the underwater

fire of their eyes, ships gone down with the

lanterns lit, and I wonder who took it and

took it from then in silence until they had

given it all away and had nothing

left but this

 

…………………

شارون أولدز: شاعرة أميركية معاصرة ولدت في مدينة سان فرانسيسكو بولاية كليفورنيا في عام 1942. إلا أن عائلاتها انتقلت إلى مدينة بيركلي في الولاية نفسها. كان والدها مدمنًا على الحول، وكثيرًا ما كان يعامل أطفاله بقسوه، لكن أمها لم تكن تجرؤ على مواجهته.  بعد أن أنهت دراستها الثانوية، التحقت أولدز بجامعة ستانفورد، حيث حصلت على شهادة البكالويوس.

في عام 1968 تزوجت من الطبيب النفساني ديفد دوغلاس أولدز، وأنجبت منه طفلين. وفي الجانب الأكاديمي تابعت دراستها في جامعة كولومبيا، حيث حصلت على درجة الدكتوراة في عام 1972. بدأت كتابة  الشعر بعد حصولها على الدكتوراه. أما حياتها الزوجية فقد استمرت حتى عام 1997، حيث انفصلت عن زوجها بالطلاق، بعد زواج دام نحو 29 عامًا.

فازت أولدز بالعديد من الجوائر منها أول جائزة يمنحها مركز الشعر لمدينة سان فرانسيسكو لعام 1980، وجائزة دائرة نُقّاد الكتاب الوطني عام 1984، وجائزة ت.س. إليوت للشعر لعام 2012، وذلك عن مجموعتها الشعرية "وثبة الظبي" . وهي أول امرأة تفوز بهذه الجائزة المرموقة، التي تُمنح كل عام لديوان شعري شريطة أن تصدر طبعته الأولى في بريطانيا أو إيرلندا. ويشتمل ديوان "وثبة الظبي" على سلسة من القصائد تصف مشاعر الحزن العميق الذي يرافق الطلاق، ورحلة العودة البطيئة المؤلمة بعده إلى الحياة الطبيعية. وفي عام 2013 فازت بجائزة بوليتزر. كما فازت في عام 2016 بجائزة والاس ستيفنز.

صدرت مجموعتها الشعرية الأولى يقول الشيطان في عام 1980، وقد نالت هذه المجموعة جائزة مركز الشعر في فرانسيسكو. أما مجموعتها الثانية الأموات والأحياء (1983) فقد حازت على جائزة دائرة نُقّاد الكتاب الوطني وجائزة لامونت للشعر. وقد صدر لها بعد هاتين المجوعتين حوالي 13 مجموعة، من بينها "الخلية الذهبية" (1987)، "الأب" (1992)، "الدم" (1999)، "شيء سري" (2008)، قصائد (2016). وقد نشرت قصائدها في عدد من المجلات الأدبية الأنثولوجيات الشعرية.

يذكر أن أولدز رفضت في عام 2005 دعوة تلقتها من السيدة الأولى للبيت الأبيض لورا بوش لحضور مهرجان الكتاب الوطني في العاصمة واشنطن. وقد ردت على الدعوة برسالة مفتوحة نشرتها مجلة ذي نيشن في عددها الصادر في 10 تشرين الأول / أكتوبر عام 2005. وقد جاء في نهاية الرسالة:

"إن الكثير من الأميركيين الذين كانوا يشعرون بالفخر ببلادهم قد أصبحوا الآن يحسون والألم والخزي بسبب النظام القائم – نظام الدماء والجراح والنار. لقد تصورتُ المفارش النظيفة لطاولاتك والسكاكين اللامعة ولهب الشموع، ولم أستطيع أن استسيغ ذلك."

تعمل أولدز في تدريس الكتابة الإبداعية في جامعة نيويورك.

 

 

جمعة عبد اللهالشاعر اليوناني

(أيليتيس اوديسيوس / Ελυτης Οδυσσεα)

ترجمة: جمعة عبد الله


 

السعادة تكمن في البساطة

أستطيع أن اكون سعيداً بأبسط الاشياء

واصغر الاشياء

اليومية وعلى مدار اليوم

يكفيني  من الاسابيع أيام الآحاد

يكفيني ان احفظ سنوات أعياد الميلاد حتى نهايتها

في الشتاءات القاسية، تسقط الثلوج  على المنازل

أعرف أين أجد المتاجر الحجرية المخفية في مخابئها

 يكفيني أن يحبني اربعة أشخاص

للغاية

ويكفيني أن احب اربعة أشخاص

للغاية

أصرف خفقات أنفاسي عليهم

لا يهمني التذكر

ولا اخشى أذا لم يتذكروني

أستطيع أن ابكي

 وبعض  الاحيان أغني

توجد موسيقى تهز  مشاعري

 والروائح العطرة  تبهرني

***

جمعة عبدالله

................................

النص اليوناني:

       

«Στην απλότητα βρίσκεται η ευτυχία»

Mπορώ να γίνω ευτυχισμένος με τα πιο απλά πράγματα

και με τα πιο μικρά..

Και με τα καθημερινότερα των καθημερινών.

Μου φτάνει που οι εβδομάδες έχουν Κυριακές.

Μου φτάνει που τα χρόνια φυλάνε Χριστούγεννα για το τέλος τους.

Που οι χειμώνες έχουν πέτρινα, χιονισμένα σπίτια.

Που ξέρω ν’ ανακαλύπτω τα κρυμμένα πετροράδικα στις κρυψώνες τους.

Μου φτάνει που μ’ αγαπάνε τέσσερις άνθρωποι.

Πολύ…

Μου φτάνει που αγαπάω τέσσερις ανθρώπους.

Πολύ…

Που ξοδεύω τις ανάσες μου μόνο γι’ αυτούς.

Που δεν φοβάμαι να θυμάμαι.

Που δε με νοιάζει να με θυμούνται.

Που μπορώ και κλαίω ακόμα.

Και που τραγουδάω… μερικές φορές…

Που υπάρχουν μουσικές που με συναρπάζουν.

Και ευωδιές που με γοητεύουν…

.........................

الشاعر: أيليتيس اوديسيوس (Ελυτης Οδυσσεα / 1996 - 1911 -) من كبار شعراء اليونان في العصر الحديث. حصل على جائزة نوبل للاداب عام 1979. وله الكثير من الدواوين الشعرية

 

 

صالح الرزوقبقلم: بروس غورينسي

ترجمة: صالح الرزوق


في المقبرة الوطنية في غيتيسبيرغ

كل شجرة لها اسم

عائلة وجنس

مكتوب على لوحة نحاسية في الأسفل

ليعلم الزائر

نوع السنديانة،

هل هي حمراء، أم بيضاء أم سوداء،

أم هل هذه صخرة أم شجرة قيقب رمادي

كانت فيما مضى مثل غيرها

كتلة من الجذور

حينما دفناها في الأرض

منذ عقود بعد الحرب.

يا لها من أسماء منوعة مثل  الزنبق الأميركي،

الصفصاف الباكي، القسطل،

الليكيدينبار، الجنكة - 

تبدو للسمع مثل ألقاب، هذه الأشجار

من كل منطقة ووولاية

بأوراق عريضة أو رفيعة،

لماعة، وقاتمة، أو بلا أوراق على الإطلاق

وتشبه  الشوكران الشرقي،

لكن كلها، كلها بأسماء،

ومهما كان الحجم أو الشكل

هي بين أحجار كثيرة

بكماء ومجهولة وتركع في ظلها.

***

 

.......................

بروس غورينسي Bruce Guernsey أستاذ متقاعد  في جامعة إلينويز الشرقية.  له عدة مجموعات من الشعر أهمها: الكتيبة الضائعة، رئيسيات نيو إنغلاند، بيت الجندي، الثروة الضائعة، ذوبان كانون الثاني....

 

صحيفة المثقف

 للشاعر التشيكي الكبير

ميروسلاف هولوب

 ترجمة: حسين السوداني


عواء من الأقاصي

في مقاطعة الألزاس *

في السادس من تموز / يوليو 1885

صرع كلب هائج

.  يوسف مايستر- البالغ من العمر تسعة أعوام -

وعضه أربع عشرة عضة

كان - مايستر - أول مريض ينقذه - باستور - بلقاحه ، المشتمل على ثلاث عشرة حقنة متتالية لإضعاف الفايروس

 

مات - باستور - بعد عشرة أعوام

بالجلطة الدماغية

وانتحر البواب - مايستر- بعد

 خمس وخمسين سنة ، حين إحتل الألمان

 معهد - باستور - مع

 . الكلاب المسكينة

 

 إلا هذا الفايروس

بقى فوق كل الأشياء

***

براغ في 26.5.2020

...........................

* الألزاس واللورين: إقليم أوجدته الإمبراطورية الإلمانية عام 1871 ويقع شمال شرق فرنسا. يتميز هذا الإقليم بتنوعه الثقافي والعرقي الكبير، إذ تقطنه مجموعات فرنسية وألمانية ونمساوية ومجموعات من الغجر

......................

النص التشيكي

 

VYTÍ  Z  DÁLKY

V Alsasku

šestého července 1885

porazil vzteklý pes

devítiletého Josepha Meistera

a čtrnáctkrát ho kousl .

 

Meister byl první pacient,

jehož Pasteur zachránil

svou vakcínou, ve třinácti

vzestupných dávkách

oslabeného viru.

 

Pasteur pak umřel

za deset let na iktus.

Vrátný Meister

za padesát pět let

spáchal sebevraždu,

když mu  Němci obsadili

Pasteurův ústav,

i s chudáky psy.

 

Jen ten virus

zůstal nad věcí.