 قضايا

الكاظمي بعد المئة يوم (2).. تقويم أداء

قاسم حسين صالحتناولنا في الحلقة الأولى عرضا مركزا لأداء السيد الكاظمي من توليه السلطة لغاية ايلول.. وها نحن نستكمله لما انجزه في مئة يوم وزيادة، ونختمه باستنتاجات علمية.

كنا استطلعنا آراء العراقيين مرتين في شهرين من حكم الكاظمي انقسم فيها العراقيون بين من عقد الأمل عليه في الأصلاح، وبين من فقد الثقة به، وبين المتردد الذي ينتظر ما سيحدث في قابل الأيام. وبانتهاء المئة يوما، اجرينا الاستطلاع الثالث في (5-6/9/2020)لتقويم اداء الكاظمي شارك فيه (3843) بينهم اكاديميون ومثقفون واعلاميون.. توزعت اجاباتهم على النحو الآتي:

الأول: يثمن اداء الكاظمي.. اليكم نماذج منها:

- افضل رئيس وزراء حكم العراق.

- لديه نية حسنة بتأسيس دولة مستقرة ناجحة. التحديات كبيرة جدا، وعمل الكثير في ذلك، لربما لم يشعر بها المواطن.. لكن سوف تأتي أكلها لاحقا، اضافة الى ان هناك تشويش وتقزيم متعمد من اي عمل او منجز يقوم به.

- رجل يعرف قدر نفسه. فهو يعرف ان عليه بناء دولة من الصفر، واعداؤه كثر وأقوياء ويمتلكون دعما خارجيا قويا، ويعرف ان ادواته للتغيير الثوري ( لو فكر بذلك ) هي ضعيفة، او ربما تؤدي لفوضى لا نهايات موثوقة لها .. لذلك نراه يتحرك ببطء ولكن بثقة.

- لا يزال يحاول ان يكون مصلحا اجتماعيا وليس قائدا.

الثاني: يرى فيه شخصية استعراضية.

- حكومته حكومة فيسبوكيه بدون تخطيط، يعتمد على الاعلام الالكتروني.

- كنا ننتظر منه مسك اي رمز من رموز الفساد الكبيره، ولكنه لم يفعل. يتخذ قرارات ويتراجع عنها. بأختصار هو ليس حازم وليس لديه الشجاعه الكافيه.

- الرجل حقق نتائج جيدة على مستوى الفيس بوك، لكن على أرض الواقع لم يحقق شيئا مهما.. مجرد فقاعات إعلامية.

الثالث: موقف الشك المريب منه:

- لقد ابتلعنا الطعم الذي ألقته الأحزاب الفاسدة. الكاظمي مرشحهم واختيارهم وأداتهم. افتعلوا في الإعلام مشاكل معه ليسوقوه للشارع المنتفض فظن الناس أنه ضدهم وهم ضده فتقبلته الأكثرية، وبعد ثلاثة أشهر لم يقدم شيئا حقيقيا في مشروع بناء دولة المؤسسات، ولم يقدم شيئا في اتجاه محاربة الفاسدين، وأكثر من ذلك أن وزير الداخلية يرى أن حرق الإطارات يعيق بناء الدولة بينما حيتان الفساد تعيث الخراب في العراق ولا رادع.

- هو شخص متلاعب ولو كان ضد الفاسدين لما منحوه الثقه، الذي لا يحقق مصالحهم لا يمنحوه الثقه.

الرابع: دور الناقد المتعاطف

- لديه المنهج لكنه متردد او بطيء في السير بمنهجه بهمّة وجرأة.

- لحد الان ما حقق اي انجاز كسب فيه تعاطف الشعب العراقي والمتظاهرين، واذا استمر هكذا ستسقطه الثورة ويكون مثله كمثل عادل عبد المهدي. اذا كان يسعى للعمل على أصلاح المنظومة السياسية فيجب ان يسعى نحو تكملة انجاز قانون الانتخابات الفردي وتغيير المفوضية غير المستقلة وجعلها حره.

- والله انا من محبي الكاظمي بس لحد الان ماكو اي شي جيد تحقق بالواقع صحيح الفترة قصيرة بس عدنه مثل بالريف (ما يلحك على الجوعان ناعم الثريد )، انا جوعان وتكول خل أنعملك الثريد. بس الحجي والوعود، وهذا تخدير، والناس اذ اتضل هيج راح تسحب تاييدها.

استنتاجات

ثلاث نتائج في الحكم على أداء الكاظمي لا يختلف عليها العراقيون:

* انه افضل رئيس وزراء مقارنة بالذين سبقوه بعد التغيير،

* ان نسبة غير الراضين عن عملية اختياره رئيسا للوزراء وغير الراضين عن ادائه في الشهر الأول لتوليه الحكم، انخفضت في الشهر الثالث لصالحه.

* وانه ما يزال لا يحظى بمقبولية عالية بين العراقيين.

ونرى أن أهم أربع قضايا في الحكم على اداء الكاظمي تتحدد بالآتي:

- استعادة هيبة الدولة بنزع السلاح المنفلت وفرض سلطة القانون،

- محاسبة قتلة المتاظاهرين واطلاق سراح المخطوفين منهم،

- اتخاذ اجراءات حاسمة بحق الفاسدين واستعادة المليارات المنهوبة،

- تأمين اجراء انتخابات مبكرة نزيهة،

- والتواصل مع المواطنين بشكل مباشر وتأمين الممكن من احتياجاتهم.

ففيما يخص هيبة الدولة فان الكاظمي بدأها بنزع سلاح العشائر في البصرة وميسان وفي منطقة الحسينية (بغداد)في معركة أستخدمت فيها قاذفات ( الآر بي جي 7) وقنابر الهاون، والأسلحة المتوسطة.. يفترض ان تمهد الى نزع سلاح فصائل مرتبطة بكتل واحزاب سياسية واخرى مرتبطة بعلاقة مع دول الجوار.

ومع ان المرجعية كانت حددت في خارطة الطريق التي اعلنتها في (13/9/20)شرط ان يكون السلاح بيد الدولة فقط، الا ان الكاظمي لن يستطع تحقيق ذلك لقوة تلك المليشيات سياسيا وعسكريا، ولأرتباط بعضها بجهة خارجية لها نفوذ قوي في العراق، ولأن الباقي من مدة حكمه اشهر والقضية معقدة.

وفيما يخص محاسبة قتلة المتظاهرين، فأن منهج الكاظمي هو ان يكون القرار الفصل فيها للقضاء، وهذه تحتاج لوقت طويل وفيها اشكاليات معقدة قد تطال بضعة اشخاص من رجال القوى الأمنية.

ونرى ان الذي اطلق الرصاص على المتظاهرين هو في حقيقته اليد التي نفذت قرارا اتاه من سلطة اعلى.. ما يعني ان القاتل الحقيقي هم قيادات في احزاب السلطة لن يستطيع الكاظمي محاسبتهم مبررا ذلك بعدم وجود ادلة تكفي لادانتهم قضائيا، سيفسرها الشارع أنه يخفي خلفها خشيته منهم. والأخطر، ان بين القتلة من ينتمي لفصائل مسلحة لها نفوذ عسكري وسياسي يكون من الأفضل له تجنبها خلال الأشهر القليلة الباقية من مدة حكمه.

ويؤاخذ عليه انه لم يتمكن من اطلاق سراح المخطوفين. فبرغم أننا كنا قدمنا مذكرة حملت توقيع 374 شخصية وطنية تدعوه لاطلاق سراح الكاتب والصحفي توفيق التميمي، وانه التقى عاءلته ووعدهم .. لكن توفيق والناشر مازن لطيف وآخرين ما زالوا مغيبين.

والمهمة الثالثة هي (اتخاذ اجراءات حاسمة بحق الفاسدين واستعادة المليارات المنهوبة).. وقد بدأها في العاشر من ايلول باصدا قائمة باسماء ستة وزراء سابقين، ومدراء عامين، ورئيس هيئة التقاعد العامة السابق، ورئيس هيئة دينية، وآخرين.. تسارعت بعد خمسة أيام لتشمل اكثر من 50 مسؤولا كبيرا ومصرفيين ورجال اعمال.. قام جهازمكافحة الارهاب بتنفيذ القرارات الصادرة عن اللجنة التي شكلها لمكافحة الفساد. وبهذا الأجراء يكون الكاظمي قد بدأ بتنفيذ استراتيجته في البدء بمحاسبة الخط الثاني من الفاسدين وما دونهم بما يمهد سياسيا واجتماعيا وسيكولوجيا الوصول الى (الحيتان).

لقد بارك الشارع العراقي هذه الخطوة الشجاعة، لكنها أثارت تساؤلين وأشكالية:

 هل تكتمل هذه الخطوة باصدار قرارات حكم تدين من تم اعتقاله من الفاسدين؟

 وهل سيتم اعتقال (حيتان) الفساد، واسترجاع ما نهبوه من خزينة الدولة؟.

 هل تتولى المحاكم العراقية المختصة محاسبة الفاسدين، ام يقتضي تشكيل محكمة خاصة من قضاة كفوئين ومستقلين.. تتخطى الروتين في القضاء العراقي؟

ونعيد الى الأذهان أن الكتل السياسية المشاركة بحكومة الوحدة الوطنية كانت قد اصدرت في عام 2014 (وثيقة الأتفاق السياسي) تضمنت بندا صريحا ينص على (محاربة الفساد المالي والاداري ومحاسبة المفسدين واجراء الاصلاحات اللازمة في الجهاز الاداري للدولة واعتماد اسس واستراتيجيات جديدة بما في ذلك مراجعة واقعية لمنظومة مكافحة الفساد وتجاوز الثغرات القائمة)، الذي أثبت اعترافا ضمنيا يؤكده تصريح لرئيس الوزراء الأسبق اياد علاوي بأن "هناك كيانات منظمة للفساد تدير البلاد ولا توجد سلطة في العراق قادرة على اتخاذ أي خطة ضد الفساد".. ليأتي الكاظمي في ايلول 2020 بتلك السلطة!.. مع أن هناك من يرى أن الحيتان ستكون في أمان!

وننوه الى ان مكافحة الفساد ليست اجراءا ينهيه بضرب رؤوس الفساد (وخلص) بل يتطلب استراتيجية وطنية بأهداف عملية بما فيها التربية والتوعية باعتبارهما ضروريين لمحاربة الفساد لدى الأجيال الناشئة، وتغيير النظرة المجتمعية المتسامحة معه أو التي تجعل منه شراً لا بد منه، ما يعني أن الفساد لم يفقر الناس فقط بل افسد القيم ايضا وهرّأ الضمير الأخلاقي بتحويله من فعل كان يعدّ خزيا الى"شطارة".. وهذا يتطلب تشكيل هيأة استشارية من كبار علماء النفس والأجتماع والتربية في العراق,

وتبقى المهمة الأكبر التي ستحدد مسار العراق الخاصة بتأمين اجراء انتخابات مبكرة نزيهة. واليقين عند الشارع العراقي ان الكاظمي يريدها ان تكون نزيهة فعلا، فهو لا ينتمي لأي حزب سياسي، ويسعى في حقيقته الى ان ينهي او يضعف سلطة الأحزاب والكتل التي استفردت بالسلطة والثروة.

والمشكلة الحقيقية التي ستواجهه هي الفصائل المسلحة التي ستستخدم كل وسائلها لتزوير الانتخابات.. فضلا عن مشكلة فنية هي ان لدى احزاب السلطة اكثر من مليون ونصف بطاقة انتخاب الكترونية، وما لم يتم الغاء الالكترونية واستبدالها ببطاقة بايومترية فان فوزها سيكون مضمونا.

ختاما:

ميزتان ينفرد بهما الكاظمي عن سابقيه من رؤساء الوزراء:انه يتمتع بنشاط استثنائي، فهو استطاع في يومين ان يكون في اربيل ودهوك ومعبر ابراهيم الخليل والسليمانية ليعود الى بغداد ومنها الى ميسان. وهو الوحيد الذي يلتقى بالناس في اماكن عامة بدون فوج حمايات ولم يحصر نفسه في الخضراء المحصنة. ولهاتين الميزتين دلالاتان:ان الرجل تشغله هموم الناس التي ما شغلت من حكم قبله، وأنه يتمتع بشجاعة اثبتتها اجراءاته (الأيلولية) باعتقال فاسدين ينتمون الى احزاب السلطة وفصائل مسلحة، ويدرك ان الحيتان يدبرون له امرا لأسقاطه سياسيا او اغتياله، لأنهم اصبحوا الآن على يقين بأن الكاظمي لديه طموح ان يكون قائدا وطنيا جماهيريا، وأنه يهدف الى انهاء استفراد احزاب الاسلام السياسي بالسلطة والثروة لتحقيق هدف العراقيين والمرجعية في اقامة دولة مؤسسات مدنية حديثة. ويبقى الرهان في ذلك على تأمين اتخابات مبكرة نزيهة تعتمد البطاقة البايومترية وتستعين بشركات عالمية متخصصة وباشراف مباشر من الأمم المتحدة والأتحاد الأوربي ومنظمات حقوق الانسان العالمية.. فان نجح فانه سيكون البطل المخلّص لوطن يمتلك كل المقومات لأن يعيش أهله برفاهية وكرامة.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

أمين عام تجمع عقول

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5130 المصادف: 2020-09-21 04:26:01