 قضايا

البحث العلمي وسؤال النهوض الانساني المتحضر

شيماء التائبفي ظل التصورات التنموية المعتمد في الراهن الإنساني.. حالة المغرب نموذجا.

يعد البحث العلمي ركيزة أساسية للنهوض الانساني و الاجتماعي والثقافي في كل مجتمع، كونه يشكل أحد أبرز مباحث التقدم العلمي والرقي الحضاري، لما يحققه من تحديث وعصرنة  داخل مختلف المجالات الاجتماعية والانسانية والطبيعية، وذلك  بفعل النشاطات والتقنيات التي يستند عليها البحث العلمي باستمرار بغية زيادة المعرفة وترسيخها في عمليات التنمية لمختلف الجوانب، كما لا ننسى أن تقدم البحث العلمي في أي مجتمع كيف ما كان يتوقف على اتاحة الحرية بصورة كافية للعاملين في حقله. فالبحث العلمي كاستراتيجية من استراتيجيات النهوض بالذات الانسانية وجب عليه أن يمنح للإنسان في المقام الاول حصته من الاهتمام وجعله محور رئيسا لكل منطلقاته، عبر تمكينه وتحسين وضعيته. وبهذا نكون قد وضعنا الأصبع على الداء نظرا لأن قضية الانسان هي القضية الجوهرية خصوصا عندما يتعلق الامر بالبحث العلمي في البلدان الثالثية نموذج المغرب. يكون البحث العلمي مطالبا أكثر من نضيره في البلدان المتقدمة للاستجابة لحاجيات المواطنين وإنتظاراتهم، التي عرفت اهمالا كبيرا تسبب في سوء حالة البلاد المتمثلة في الانتشار المهول لظواهر الفقر والبطالة والأمية الخ. مما جعل الانسان  في امس الحاجة  الى انتشاله من هذه الظروف. فماهي اذن علاقة البحث العلمي بالتنمية في المغرب؟ وماهي سيرورة النهوض بالإنسان المغربي؟

ان الحديث عن واقع  البحث العلمي في المغرب يكشف لنا عن عدة مؤشرات سلبية وذلك لافتقاره لمناخ علمي بالمعيار الأكاديمي العالمي، حيث أن البحث العلمي في المغرب يشكو من ضعف حاد في أنشطته بالإضافة الى عدم اهتمام وجهات التنفيذ بما يجري في مجال البحوث العلمية من أجل  ربطها بخطط التنمية، الشيء الذي يوضح غياب التنسيق والتعاون والرؤية الواضحة،. وبالتالي كل ما نعيشه من ركود في مجال التنمية ما هو الا حصيلة ونتيجة للنظرة التجزيئية التي ما يزال ينظر بها للبحث العلمي بانه مجرد نشاط منعزل ومحصور في زاوية الجامعة و المختبر.

وعليه فإن  هذا التهميش والإقصاء والاختزال نجده واضحا من خلال ميزانية البحث العلمي الضعيفة في الغرب وذلك بنسبة 0,8 في المئة من الناتج الداخلي الخام، والتي تظهرها لنا  من خلال مستوى الانفاق الجد متدني، الشيء الذي يترتب عنه لا محالة  نتائج وخيمة، فضعف التمويل هو نتيجة منطقية لما يعانيه البحث العلمي  في المغرب من تراجع وقلة  في الانتاجات البحثية، والتي تعود بالأساس إلى مسألة الايمان والاعتراف بقيمة البحث العلمي وأهميته في التنمية وتحقيق الاستقلال الاقتصادي والأمن الغذائي وتحسين ظروف المعيشة للكائن البشري، فكثيرا ما نلاحظ الطلاق بين البحث العلمي واستراتيجيات التنمية في المغرب وغياب النظرة الشمولية للأدوار، والتي تنم عن غياب الترابط العضوي والوظيفي بين البحث العلمي وباقي مؤسسات المجتمع، مما يجعل البحث العلمي يعرف صعوبة في رسم استراتيجياته  التي تستنبط  بالأساس من احتياجات القطاعات المختلفة ، كما أن التنمية داخل المجتمع المغربي تؤدي ضريبة ذلك من خلال التعثرات التي تواجهها والمشاكل التي يكون ضحيتها الانسان باعتباره  أول المتأثرين بذلك،  لهذا تبقى  الحاجة ملحة اليوم لدمج البحث العلمي والانسان وتوظيفهما بالشكل الأمثل في الدورة الانتاجية والتنموية الراهنة. من أجل النهوض بالوضع الانساني. وارتباطا  بالواقع المغربي  الحالي والظروف الاستثنائية الراهنة  نجد أن ولادة جديدة لثقافة بدأت  تؤمن وتقدر فوائد البحث العلمي ليصبح البحث العلمي من مقترب أخر الفاعل الحقيقي في هذه الظرفية وهنا يمكن القول ان البحث العلمي  استطاع  ان يجد له مكانا متميزا داخل المنظومة الاجتماعية، وبالتالي نجح في قلب موازين القوى لصالحه بعدما عاش في عزلة  طويلة عن قضايا المجتمع،  نجده اليوم ضمن مشهدا مغاير يتيح له  السبل والامكانيات للإبداع و اخراج كل ما بجعبته، بالإضافة الى ما حظي به من هامش الحرية والتصرف،  فمعا " أزمة كوفيد19"  ظهرت مجموعة من نشاطات الابتكارية والابداعية التي  كان وراءها أشخاص ينتمون الى الطبقة المتوسطة الا أنهم برهنوا و بطريقة ذكية على أن البحث العلمي هو نشاط هادفا اذا كانت أهدافه محددة سلفا بمجال معين على سبيل المثال مجال الصحة  أو الاقتصاد أو التنمية إلخ. ومن خلال هذا المثال الحي الملتقط من الواقع الملموس نستخلص أن الازمات أحيانا تكون بمثابة صفعة توقذ المجتمع  من سباته الطويل وترشده الى الطريق الصحيح طريق الذي يكون فيه  العلم بجانب المجتمع ، بجانب  ذلك الانسان المهدورة حقوقه  باعتبار  أن البحث العلمي اول استراتيجية  يمكن من خلالها تعزيز دور الانسان وتمكينه في جميع المجالات،  وبالتالي بات هناك نوع من  التشجيع  الحاد لتطبيق  المقاربة التشاركية التي تتيح  للإنسان فرصة المبادرة والعمل، عوض  المقاربة الدركية التي  ينهجها  الفاعلين السياسيين في تنزيل البرامج التنموية  دون المشاركة  الفعلية للإنسان. وبالتالي تحقيق هذا  التحول على مستوى المقاربات هو الدليل الوحيد على ادراك السياسة المجتمعية لمكامن خللها  وتسمح للإنسان أن تتشكل عنده  رؤية واضحة للنهوض بذاته وبواقعه نظرا للأن ارادة النهوض هي ما سيساعده على تخطي التخلف واللحاق بالتقدم. ويبقى هذا كله رهين بجهود البحث العلمي  كقاعدة عامة  مخصص لصالح الانسان والتقدم الانساني بأكمله. وبالحديث عن المجتمع المغربي لابد أن نشير أن  الانسان المغربي هو في حاجة لإعادة بناءه من جديد والنهوض به واسعاده،  لذا يبقى البحث العلمي هو الثمرة الوحيدة  لممارسة العقل الانساني دوره في الحياة، وتكوين، نظرا  لما يوفره من طاقات وقدرات تعود بالنفع على البشرية جمعاء. لهذا وجب الأخذ به في المخططات التنموية التي تعنى بالإنسان والتي غالبا ما نجدها في المغرب تتسم بالسطحية دون تحليل عميق ورؤية نسقية وبالتالي غياب تحليل النسقي القائم على عنصرين أساسيين متمثلان في أنساق الانسان وأنساق الموارد يضع التنمية في المغرب في مأزق كبير، علاوة على الطابع الاقطاعي للمجمل التدخلات التنموية التي نجدها في كل المخططات بما فيها مخطط التعليم، والتي تكشف عن انعدام وجود خيط ناظم ومتناغم بين هذه المخططات، لذلك يعد التركيز على المقاربة التشاركية مسألة أساسية لإصلاح التوجهات السياسية الخاطئة ذات الطابع الفوقي، كون أن هذه المقاربة ستمنح للإنسان الدافع للفعل وتتمن المعارف المحلية وتطور القدرات الانسانية.  وأخير نخلص الى أن البحث العلمي كنشاط  قريب  من هموم الانسان، غايته القصوى حل مشاكله والوصول الى النهوض الانساني الحقيقي.

 

الباحثة شيماء التائب

تخصص سوسيولوجيا التنمية المحلية

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5130 المصادف: 2020-09-21 04:24:19