 قضايا

رأسماليَّة الوهم

سامي عبد العاليرتبط الوهمُ عادةً برأس المالِ في ثقافةٍ لا تشغلها إلاَّ الرغبات السائدة (استهلاك- فساد- مشروعات مزيفة- طقوس أيديولوجية- أنظمة مستبدة- لاهوت اقتصادي- حريات كاذبة). ولهذا إذا حدَدَ المالُ مجالاً معيناً، فإنَّ أوهامنا تعطيه سطوتَّه الأوسع. أخطر شيء يصاحب الاقتصاد: هذا التخييل الغرائزي للمصالح إذ لا يكفُ عن المزيد. وفي عملية اجتماعية ليست بعيدةً عن الأسواق، يجري الغنى كرغبة نهمةٍ بشكلٍ فاحشٍ. ليصبح المجتمعُ صراعاً شرساً حول امتلاك تلك الرمزية لمكانته تحولاتها. فأينما يتنقّل رأس المال يستقطب تقديراً اجتماعياً فائضَ الخواء لدرجة ضياع المعايير الإنسانية. أقرب ما يفعل أنْ يرسِّب قواه الخفيةَ في أنماط الممتلكات والمظاهر والسلوك العام. ويصبح صاحبة ذا سلطة من هواءٍ لا يُسمع صفيره إلاَّ القابضون على بعض الجوانب القيمية الآخذة في التلاشي.

وضع كهذا أشبه بصراعات الآلهة في الأساطير اليونانية القديمة فوق جبل الأوليمب. وليس لنا (نحن المجتمعات العربية والشرقية) من مهرب إلا أن نكون عبيداً بأشكال براقة متأخرة. رأس المال أحد جبال الأوليمب الباقية منذ بداية الأنظمة الاقتصادية حتى اللحظة. وهو في مداه الأبعد وسيط medium يبلور الحركة الاجتماعية ويذيبها. وليست تجليات الانحراف في السياسة والثقافة والفكر الديني بمنأى عن الوسيط السابق. وظهر ذلك جلياً لدى قطاعات المجتمع العربي ولدى الجماعات والطوائف الدينية. حيث دخلت مضمار السياسة وعينها على التلاعب بعجلة الاقتصاد لصالح المآرب والوصول إلى مواقع السلطة.

علينا أن ننتقد طبيعة هذه الأوهام المتولدة عن وجود الرأسمال مع الإرهاب وسياسات الدول الفاشلة. وعلينا معرفة كيف تنشأ الأوهام داخل الاقتصاد وخارجه؟ ولماذا تتسعُ إلى درجة يصعب السيطرة عليها؟

اقتصاد الرغبات

تاريخياً أطلقت الحقبة الحديثة رغبة الثراء الاستعماري العابر للقارات من الخاص إلى العام (شركات ودولاً). لقد جرى نهب الثروات بلوغاً إلى الأصول الطبيعية للشعوب. وصاحبت ذلك عمليات تدمير موازية لأبنية المجتمعات المستعمَّرة حتى قاربت على الاختفاء. ولم تشفَ المجتمعات المستعمَرة من ذلك النهب الاقتصادي إلى الآن. وإذا كشف ذلك عن شيء، فقد أظهر التحول السياسي للرغبات على نطاق الجماعات البشرية. لقد أعاد الإنسانية إلى دائرة القبيلة جمعياً، وأرجع الأفراد إلى كائنات غرائزية نهمة مرة أخرى. حينما كان الصراع بارزاً للأقوى ومحسوماً له ولو بحد السيف. إن فرضية دارون القائلة بالبقاء للأقوى تصح إزاء هذا الاستيلاء الاقتصادي على مقدرات الأمم والشعوب.

النموذج الاستعماري لم يخبو، لكنه أخذ تنويعات ما بعد حداثية ومن جنسها العامل على خريطة السياسة العالمية. طرح نفسه مرةً باسم التنمية المستدامة، ومرةً بأحزمة المساعدات العاجلة، وغيرهما بأساليب اقتراض تشترط برمجة الاقتصاد المحلي وفق أهداف تناقضُ قضاياه. واستطاعت قوى الرأسمالية عالمياً نصب فخاخ الاستدانة بالهيمنة على حركة التجارة والشركات القافزة للحدود والمنظمات الاقتصادية الدولية. هكذا ظل الرأسمالُ ذا طبيعة جيوسياسية تقتحم الهويات وتنتهك موروثات المجتمع. كان ما يهمه في المقام الأول هو بلوغ مآربه بمساعدة قراصنة الأموال بصرف النظر عن مساعدة الفقراء.

إنْ كان ذلك على مستوى الدول، فإنَّ ثمة حيلاً بديلة على صعيد الأفراد. أكبر ما نجحت فيه الرأسمالية ليس تأسيس الأسواق ولو كانت مبهرة إلى حدِ القداسة. لكنها جعلت نمط الاستهلاك رغبة شبه كونية لا ترتوي بل تطلب المزيد وتلهب جميع الغرائز. كانت الأسواق تتويجاً لحركة الليبيدو الفرويدي. هذا البعد الشهوي الذي ينضحُ برغبات سحيقةٍ لدى الإنسان. وهي حركة تخترقُ جميع مظاهر السلوك فردياً وجمعياً، فليس ارتياد الأسواق أقل شأناً من ارتياد الأندية الرياضية أو ركوب حلبة المصارعة السياسية واستعمال كافة الألاعيب لسحق المنافسين. وليس ذلك أيضاً بأقل من اقتصاد الإرهاب والجماعات الدينية عندما يتاجر بالبشر والأدمغة. بالمثل ينضم إليه انتشار الإيديولوجيات وترهل الوعي حول انشطة الغوغاء والتغييب الشعبي في العبادات والطقوس والأغاني.

لدينا ثلاثي عتيد تتأرجح عليه الأوهام: الاقتصاد (رأس المال)- الأيديولوجيا (الأفكار– الخطابة- السياسة)- الدين( الخطاب- الطقوس- الطوائف- الجماعات والتنظيمات). ليس من رأسمالٍ تتوزع أسواقُه على غرائز الجموع دون عنايته بهذه العناصر. عنايةٌ ما بعدها عناية لأنَّها تمدَّهُ بشريان الحياة الضروري لازدهاره. فالاقتصاد هو جسد الرغبة الواضح تطلعاً نحو الثراء والتملك والظهور، ويأتي بأشكال عدة مثل الاعلام والأعمال وشيوع الرفاهيات الاجتماعية. ثم تغلفه الأيديولوجيا فيغدو صدَّفةً براقةً يخاطب مصالحَ الجموع ويناور على رغباتها الوقتية، طالباً من مؤيدها الدعم والانفاق لبروزها في كافة الجوانب. فيأتي الدينُ توثيقاً لها بختمٍّ سماويٍّ لا ينازعه فيه منازعٌ.  وتصبح الاقتصاد من ثم تحت تصرف فقهاء الأيديولوجيا أو مريدي الصراعات على نطاق أوسع.

وهذه أزمة المجتمعات العربية والاسلامية. أنَّها لا تستطيع نقد الأوهام ككيانات رأسمالية مادية، لأنَّها تشكلت في طباقٍ ثقافيةٍ بنفس التكوين السالف. من أدنى الأفعال الاقتصادية وصولاً إلى مشروعات كبرى محاطةً بهالة السلطة أو الاستبداد أو الأدلجة الدينية. المهم أنَّ الثلاثي يلاصق الاقتصاد كممارسة عمليةٍ. وقد يحيله إلى وظائف ثانويةٍ بديلاً عما يؤديه من تطور المجتمعات وتشكيل حياة مفتوحة. إنَّ نقداً لا يأخذ بغربلة الاقتصاد من جانبٍ كهذا لن يؤدي وظائفه وسيختفي تأثيره الحي لحساب قوى أخرى. وسينخرط الاقتصاديون في خدمة أمٍّ بديلةٍ غير التي أنجبتهم. أمٌّ لن تعاملهم إلاَّ خدماً تحت مظلة القهر والتسلط. وستمص قواهم بعد القاهم كعلّب فارغةٍ على قارعة التاريخ.

أرصدة الوهم

الوهم هو ارتباط رأس المال بخاصية نفسية ثقافية توفرها الأيديولوجيات سياسياً ودينياً. خاصية تجعله مستحوذاً على آفاقٍ للتداول لا يوجد فيها حقيقةٌ. ويرتبط بما ورثه من أفعال في جميع الأبنية الاجتماعية التي ساندته وضخمت وجوده وأعطت أصحابه الغلبة والسطوة. فالنقود لها شيء من الباقي يساوي- ويتجاوز- قيمتها الفعلية. هذا الجانب يتغاير من مجتمع لأخر تبعاً لثقافته السائدة، وطبقاً لعمليات التواصل داخل مجالاته العامة بمصطلح يورجين هابرماس (كما حلل ذلك بصدد نشأة البرجوازية الأوروبية). بالتالي لا تجري النقود كما هي بالفعل، بل ثمة خميرة أخرى قابلة للسريان باسمها. أي العوائد الاجتماعية والسياسية التي ينالها الاثرياء... ماذا عن هذا الباقي rest the؟ كيف يمارس دوره الرمزي خارج حدود الاقتصاد؟

لو تصورنا مشروعاً اقتصادياً عملاقاً كما يروّج له وسط ثقافة القطيع، فإنَّه ينقلب من مشروع اقتصاديٍّ إلى مشروع مقدس. وقد رأينا ذلك في دول الربيع العربي قبل وبعد الثورات كمشروع النهضة لدى الاخوان المسلمين وأغلب مشروعات الدول الوطنية التي تتخذ من ضحالة الوعي وقوداً للترويج لها. ومن كافة الأطياف كانت البرامج الاقتصادية ضروب من العلامات الإلهية تمنُ بها السلطة على الشعوب. ما يحدث هو التالي: أنَّ هناك جانباً غير مرئي في كل اقتصاد يجر أرباحاً رائجة ثقافياً. فالنقود ليست فقط وسيطاً مادياً بين عناصر التبادل التجاري، لكنها غارقة في ميتافيزيقا الوهم لدينا ككائنات انسانية لا تعيش حياتها بشكل حقيقي وتتمتع بحرية أصيلة. الباقي هنا رواسب لآثارٍ تدَّخرها النقود مع أي توقع مرغوب. وعليها يلّحُ التوقُع بفاعلية الاعتقاد الأيديولوجي أو الديني خلال المواقف المتباينة إلى درجة الترقب.

وربما تأتي الأرصدة الافتراضية للعملات بفضل جنى المكاسب الرمزية داخل المجتمع. وهذه هي البذرة الأولى للنقود، لأنَّها اقتصاد مضاعف منه فيه (نقدي- رمزي). فإلى جانب قيمتها التبادلية (البيع والشراء) تُضاف إليها القيم الثقافية الأخرى. ولعلَّ ذلك يرجعُ إلى عنصر الهبة والقداسة القديمتين في "اقتصاديات المقدس". حيث ورثته المجتمعات المعاصرة عبر استعمالات السياسة للموارد المادية والرمزية بشكل لا يخلو من الأوهام والخطاب اللاعقلاني. لقد كانت القرابين والنذور والأضاحي شكلاً بدائياً لتلك العملية. القُربان ليس مجرد مادة للتقرب من المقدس ولكنه نوع من التمارين الشعائرية لعبادته رغبةً ورهبةً. وتلك التمارين تأخذ الديانات بنشر وجودها على أكبر مساحة اجتماعية ممكنةٍ.

القرابين كانت حَقنّاً للاقتصاد برصيد رعوي يُستثمر في شعائر وهباتٍ بلا مقابلٍ. لكن المقابل كان تضخماً لكهنة الآلهة وسدنة المعابد. استفحلوا على حساب السماء من جهة وفوق أكتاف المقهورين من جهة أخرى. ونشأت أسواق الآلهة لتروج الأوهام  بدءاً من غفران الخطايا واتمام المآرب وحماية القبيلة وليس انتهاءً بجلب الحظوظ ودفع المكروه. هذه العملية أساسها تجاري صرف مغلفة بهذا الغلاف العام. لأن البيع والشراء كانا يتمّان بأساليب تتوسط الأطراف ويدخل فيها التفاوض والحوار بدلاً من الخنوع والعبودية.

هنا تنتقل النقود من اقتصاديات المال إلى اقتصاديات الثقافة. فتكُف الأولى عن السريان المادي، لأنَّها فعلياً لها قيمة كبرت أم صغرت تنتهي عند حدود العملية الاقتصادية. غير أنَّ قيمتها الثقافية لا تتوقف تاريخياً. ستتضاعف في مواقع تاليةٍ، ستكون محل استثمار في الطقوس والظواهر والتبادل الرمزي. وأقرب الوسائط التي تحتضن هذا التضاعف كانت الطوائف والجماعات الإسلامية على سبيل المثال.

ليس من جماعة إسلاميةٍ لا تمثل وسيطاً اقتصادياً للمرابحة السياسية والعولمية (هناك استثمارات للإخوان في أكثر من دولة أوروبية وغير أوروبية). من هنا كان بإمكان القوى الكبرى تحويلها إلى بنك استعماري راهن. الإخوان كانوا صكاً سياسياً يجذب استثمار المصالح والمآرب الصراعية بين الشرق والغرب. وفي وقت اعتقاد الجماعة بخدمة السماء كان اقتصادها يتخذ دوراته الرأسمالية في بنوك ألمانيا وأمريكا وفرنسا. وهذا نوع من غسيل الأموال عولمياً للحكم باسم الله محلياً. وجاءت مشروعاتُّهم الاقتصادية هي عبادة بديلة، صارت طقساً عولمياً لا يترك أيَّة مساحةٍ لإله التوحيد. ولم يسلم الدين من بورصة التداول فطرح كخطاب وظيفي functional discourse تجاه المعارضين.

ولهذا كان الاقتصاد الاسلامي مبنياً على رأسمال الوهم بتطبيق الشريعة. بينما الأمر برمته رأسمال ليس لهم فيه إلاَّ الاسم فقط. لأنَّ التضخم الأيديولوجي (أفكار الجماعة) هو الأساس سواء من قبل الأعضاء أم من جانب الجماعات الفرعية التي تواليهم. وجرت المرابحةُ بمنطق المراهنة على كيان ميتافيزيقي بضمان غير موجود أصلاً. وفي هذا ظهرت شركات توظيف الأموال التي سرقتها الجماعات تحت حماية الرأسمالية الغربية. بل وفرّت لرموزها مساكن فخمة في مدن  شاهقة تحت السحاب الأوروبي والأمريكي الشهير.

هذا مثالٌ لمرابحة أيديولوجية على رأسمال الجماعة وهو ابتزاز لنهب الأموال وتحويلها للخارج تحت عنوان الانفاق في سبيل الله. وكيف يعملون ضد الدول والمجتمعات الوطنية بعنوان اقتصادي مجهول الهوية. لقد هضمته الرأسمالية العالمية في بطنها المظلم، جعلته جزءاً من مشروعاتها المهيمنة. ولنا أنْ نندهش: كيف يلتقي المشروع الاسلامي والرأسمالية العالمية في وضع إباحي مخل بآداب الدين وبسمات المزاج الشرقي. إنَّ غياباً للوعي بالحقائق لدى الجماعات الدينية يجعل الوهم يتضخم بحجم العالم. ولم تعد تلك الجماعات – بعد فشل مشروعاتها بقادرة على الانسحاب من دائرة القوى الرأسمالية الكبرى، لأن دورها مازال محفوظاً لاختراق المجتمعات واستعمال الدين لجني المكاسب السياسية.

الرأسمالية لها قدرة مرنة على التلاعب بأي شيء حتى الديانات. وباستطاعتها بناء المساجد والكنائس والمعابد باسم الشيطان الذي يأتي بسيولة نقدية كلما رغبنا. بل ستقف في أول صفوف الصلاة بعد رفع تمتمات وتراتيل الشعائر. ونحن نحسبها تصلي واضعة جبينها فوق أرض الله، لكنها تتحين الفرصة للانقضاض. إن من يترك اقتصاده نهباً لأوهام من هذا القبيل سينتهي إلى كوارث ثقافية واجتماعية طويلة الأمد. ولهذا كان اقتصاد الجماعات الاسلامية الصورة الما بعد حداثية للقرابين الوثنية القديمة. وقد استغلت الرأسماليةُ هؤلاء السدّنة الجدُّد لتصنع لهم الآلهة بكل دأبٍ ودقةٍ ولو في شكل وعود بحكم الدول وصناعة الأحداث الكبرى.

استهلاك الغرائز

مع مظاهر العولمة، تحول الموضوعُ الاقتصادي من المواد التبادلية إلى الباعث عليها. لقد فهمت الرأسمالية الدوافع المتوحشة التي تشد القطعان البشرية إلى الاستهلاك. كان التركيز على شقين... أولاً: الإبهار الغرائزي الذي يغلف السلع والمنتجات. ثانياً: الدفع بما ينشط الحوافر واللهاث خلف الرغبات السائلة.

لقد غدا الشقان صناعةً رأسماليةً ثقيلة. فلم تكُن لتنتظر إقبال قطعان المستهلكين عليها بل ابتكرت وسائل لاصطياد القطيع تلو القطيع في كل أرجاء العالم. وهذا في الحقيقة كان وجهاً براقاً تقف وراءه أيديولوجيا السوق، لكنه كان وجها غرائزياً سحيقاً هذه المرة. لأنَّ الغرائز ما هي إلاَّ مصالح تخفي حيوانية التبادل. وهذا بدوره يأخذُ مظاهره المدهشة بحيث تتصفى غلظتّه الشكلية مستبقياً مضمونه الرمزي على السطح.

ثمة اتصالٌ خفيٌّ بين الغرائز لخدمة الأيديولوجيا. فغريزة الموت تتعاضد مع غريزة حفظ الذات. الاثنتان تتوجهان لإشباع الجوع الرمزي تجاه المثال المنشود. وهذا الأخير لا يشبعُ مهما يكن موضوعه. لقد اشتغلت عليه الرأسمالية طويلاً وغذته بالرموز الثقافية من أديان ومذاهب ونحل وجماعات ولهجات مختلفة. وجعلته شرِّهاً إلى حدِّ الإطلاق الميتافيزيقي. لأنَّ موضوعه الأصلي مفقود بين السهوب المقدسة والمعابد والأضرحة والنحل والتنظيمات الدينية. وهو نفسه الذي يوجه بوصلة القيم لدى المجتمعات التوحيدية مع اختلاف العناوين.

والفرد بإمكانه أنْ ينفق الغالي والنفيس لخدمة الجماعة الدينية التي ينتمي إليها. فكيف لا يشتري أيقونة تحمل رموزها؟ والأيقونة نتاج رأسمالي ليس لجماعته فيها إلاَّ الشعار. هو في هذه الحالة ينفق جميع ما يملك لقاء سلعة، هي جهادية لكنها بصناعة مختلفة تمام الاختلاف.

كانت الأسواقُ تحت مظلة الجماعات الاسلامية أسواقاً لاهوتية برغبة الموت والاستهلاك معاً. فإذا كان أعضاؤها يجاهدون في الحروب تاركين أجسادهم الفانية، فلماذا لا يموتون في أسواق الشراء أيضاً؟! والأسواق بأنواعها تؤدي نفس الوظيفة. فالإنفاق بالروح هو ذاته إنفاق الأموال. وكم حرصت الجماعات الاسلامية على إقامة أسواق لسلع أجنبية تحت شعارات أيديولوجية فقط. فبدت كما لو كانت عرضاً تجارياً لمقدس يومي.

إنَّ مقولة "الزيت والسكر" المرتبطة بنشاط الإخوان بمصر كمقابل لأصوات الناخبين لم تكن فارغةَ المحتوى. هي شكل آخر من السوق الجهادي المغلف بالغرائز حتى النخاع. وبدلاً من استعمال السيف لجأ هؤلاء إلى مادتين لا ينقصهما إلاَّ الدقيق لصناعة الكحك (أقراص المعجنات). والأخيرة تستعمل لدى المصريون في النذور وجلب الرحمات إلى الموتى والتصدُّق على الفقراء. وبجوار الأضرحة تصبح رغبة في التعلق بالمقدسات والتبرك بالأولياء. كان مبني الجماعة المشهور ضريحاً جديداً لمقدساتها التاريخية مع حسن البنا وأتباعه. بهذا المعنى كانوا يعلقون صور المرشدين السابقين!!

هذه السياسة هي سياسة الغرائز حين تتلاقي في مناطق مجهولةٍ تاريخياً لكنها حداثية جداً داخل الأسواق المعاصرة. فما كان من المصانع والشركات إلاًّ تصنيع كحك اخوانيً في أغلفة قشيبة. وكان للإخوان إعطاؤه البعد الرمزي بجنى الأصوات الانتخابية بواسطته. إذن صراع الرغبات يحدد تحولات الأسواق السياسية والدينية. لكن من الذي يتحكم في هذه الآلية وتلك البضائع؟ أليس ثمة أخطبوط أعظم من كل ذلك؟

أحد مظاهر العولمة انتشار الوجبات السريعة (التاك أواي) ذات المذاق الحار والألوان البراقة والروائح النفاذة. وربما لا يخلو منها شارع من شوارع المدن العربية. وبحوارها تقف  مآذن المساجد وتدق أجراس الكنائس وتنتصب زوايا الصوفية والمرابطين ومقرات الجمعيات الدينية والشرعية. إنها رأسمالية الحياة اليومية التي تعتمد على طقوس الاستهلاك بروائح الدين النفاذة. فعن طريق توظيف الدين سياسياً يكون استهلاك المقدس في وجبات تملأ البطون الخاوية نتيجة الإفقار المتعمد. وعن طريق جاذبية الوجبات السريعة ننجرف إلى ثقافة استهلاكية لا تنتهي.

لقد أضحت المجتمعات العربية مجتمعات دودِيَّة، تقتاتُ على شيئين متلازمين: المقدسات (من الأفكار حتى التنظيمات) والسلع الرائجة عولمياً (من الكلينكس إلى المنتجعات السياحية). ومن هنا استطاعت الثقافات الشائعة تخليط بهارات الدين وبهارات (التاك أواي). وبنفاذ الأطعمة الحراقة نفسها كان الإرهابُ الدموي نافذاً إلى كافة مناحي المجتمعات الاسلامية. وفي دلالة لهذه المحصلة انخرطت الجماعات في استثمار أموالهم الطائلة عبر أسواق الأغذية والملابس والإلكترونيات وناج العالم الافتراضي. فهم بتوجس تنظيمي يعرفون ألعاب الرأسمالية العالمية ويتكالبون عليها ليلاً ونهاراً.

لكنهم أسسوا بديلاً موازياً: رأسمالية النذور والوقف والتبرع للمقدسات وضرائب الانتساب للجماعات. أي رأسمالية طفيلية لم تستطع ابتكار أساليب انتاجية ولا إبداعية حقيقية تفيد المجتمعات وتطورها. لكنها اعتمدت على حرارة الرغبات واستهلاك العقول. وذلك مقابل أفكار تراثية أخذت ألواناً سلعية على الأرصفة وبين البنايات الحديثة، حتى غدا الجسد (سواء للرجال جلباباً ولحية وبنطالاً قصيراً وبالنسبة للمرأة نقاباً ولوناً أسود) هو فائض القيمة الحقيقي. وهذا يفسر النزوع الشكلي الذي أولاه أعضاء الجماعات جلَّ عنايتهم دون الجوهر.

فعلاً كل مظاهر الحياة العربية تشي بالاستهلاك حتى الرمق الأخير. وغلبة هذا النمط يدمر أفكار الأجيال المتوالية حول العمل والانتاج والتنمية الاجتماعية والعلاقات الاقتصادية إجمالاً. نحن بإنشاء رأسمالية مزيفة ندس خميرة  الوهم في جميع الدقيق (الحياة). ونشيّد ملكوتاً شبه مقدس لآلهة اقتصادية جددٍّ جرياً مع العولمة. بينما الانتاج الفعلي لم يتحقق، لأن شرط الوهم هو الاستهلاك الذي لم نبرحه، بل نحن أكبر زبائنه المخلصين!!

 

سامي عبد العال

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5080 المصادف: 2020-08-02 01:41:19