 قضايا

بين الشرق والاستشراق

في الاستشراق يتحدث سعيد عن نقطة واحدة فقط، أنه على الغرب أن يفهمنا بشكل صحيح وأن يتعاطف معنا بشكل إنساني .. لا يتحدث سعيد عنا أبدا، إلا طبعا كبشر نساوي سادة العالم في الغرب، دون أن يحتاج ليقدم أية حجة أو مبرر عن كل فرضياته تلك ولا حتى ليحتاج إلى القول بأن البشر هم سواء فعلا .. لكن، بالفعل، لماذا على الغرب أن يكون موضوعيا معنا بالذات، لماذا على الغرب أن يفهم الإسلام ويدرسه دراسة وفهما موضوعيين ويتيح المنابر فقط لأولئك الذين يعرفونه كما نريد نحن لهم أن يعرفوه لا لمن يتحدث باسم مصالحهم أو الذين قد يكرهوننا أو يحتقروننا، لماذا على البشر أن يكونوا موضوعيين تجاه بعضهم، بل تجاه أغراب عنهم.. هل نحن، أو سعيد نفسه، موضوعيون تجاه الغرب أو تجاه كل البشر على هذه الأرض، تجاه الزنوج أنفسهم أو تجاه زنوجنا نحن: الأكراد والأمازيغ والأقباط، أو تجاه هنودنا الحمر: الأرمن والآشوريون، البنغال والهندوس بالنسبة لإخوتنا في باكستان وأهل تيمور الشرقية بالنسبة لإخوتنا الإندونيسيين، هذا ما لا يحتاج سعيد ولا أيا منا للإجابة عنه أو للالتزام به، إنه ونحن معه لا ننطق ولو بحرف عن أية موضوعية نفرضها على أنفسنا لا تجاه الغرب ولا تجاه أي بشر آخرين.. مثلا عندما يطالب إخوتنا الفلسطينيين يهوديا أو أمريكيا أن يعترض على جرائم دولته أو جماعته (قبيلته، عشيرته، قطيعه) بحقهم هم يفترض أن يعني هذا أنهم هم أيضا سيعترضون على مثل ذلك إذا صدر عن واحد من قبيلتهم، جماعتهم، عشيرتهم بحق شعب أو جماعة أخرى .. عندما تسمع إخوتنا الفلسطينيين يهيء لك أنهم بمجرد أن يسمعوا عن احتلال جماعة من الغرباء لأرض ليست لهم وطردهم لأصحابها الأصليين فإنهم سينضمون فورا للدفاع عن هذه الأرض وعن أصحابها .. حقا، ترى ماذا قالوا يومها عن حلبجة، الأنفال، عفرين، حماة، النجف، كربلاء، تيمور الشرقية، جرائم الباكستانيين بحق البنغال .. عندما يلوم أحرار السنة في سوريا آدونيس مثلا على عدم وقوفه ضد طائفته العلوية وجرائمها ضد أهلهم السنة فهذا يفترض أن يعني أنهم هم أيضا مستعدون للاعتراض عن جرائم إخوتهم في عفرين والساحل وعدرا وعن التهجير القسري في ادلب ورقة داعش .. للأسف نحن لا نكذب على الآخرين بقدر ما نكذب على أنفسنا، نحن في الواقع عراة أمام الآخرين كما أمام أنفسنا بالطبع، إن كلامنا مثير للسخرية أكثر مما هو مثير للشفقة، وعجزنا وعرينا مكشوفين أمام العالم، النخبة الليبرالية وحدها تستمع لنا وتصدق بعض ما نقول وتبتلع الباقي خوفا من تقدم أولئك الذين يزداد كرههم لنا يوما بعد يوم .. لم يناقش سعيد أبدا الفرضيات التي بنى عليها كتابه، التي هي في الواقع مقدمات غربية، غريبة عنا، جزء مما نرفضه ونسعى إلى تجريمه وتحريمه والقضاء عليه إن استطعنا إلى ذلك سبيلا .. إننا نحقد على الغرب ونحسده في نفس الوقت لأننا لا نستطيع أن نصير مثله، إننا ننفث الكراهية في كل دقيقة ضد سادتنا وعبيدنا في نفس الوقت، لا أعرف إلى أية درجة نحلم بإبادتهم جميعا لكن هذه الفانتازيا قد وجدت في إهلاسات محمد وتلامذته منذ زمن ويرددها أكثرنا كل يوم جمعة وآخرون كل دقيقة تقريبا ونجترها بأشكال مختلفة إسلاميين وليبراليين وقوميين وماركسيين، إن قصائدنا في الحقد والكره ليست فقط قمة في البلاغة بل أيضا قمة في الانحطاط، كنا قد حملنا معنا طويلا حلم الأبوكاليبوس وهرمجدون وذبح العجل المقدس وتعذيب كل خصومنا إلى الأبد دون أية رحمة أما اليوم فقد أصبحنا أنبياء هرمجدون الكبرى، الأبوكاليبوس، ليس فقط بسبب كآبة محمد أو عجز ابن تيمية الجنسي، بل لأننا أمام مهمة انتحارية في الواقع لا حل لها إلا بموت جماعي … لكن كي لا أفهم خطأ فإني لا أنتقد أحدا هنا ولا أرغب في تغيير أي شيء في هذا العالم أو أن أعيش في عالم آخر أو في زمان آخر ولا أتألم من كل هذا الهراء عن كراهية الآخر الممتزج بمازوخية الضحايا ولا من مشاهد الرؤوس المقطوعة أو الأشلاء المحترقة ولا هستيريا القطيع أو عربدة القتلة .. إن بارانويا الضحية وجنون كراهية الآخر وتكفير الإنسان وانتهاكه حتى ذبحه وسحله هي كالموسيقا العذبة على أذني، يا لها من فرجة بل يا لها من متعة، يا له من حظ استثنائي أن تشاهد كل ذلك، حتى أفخم استدويوهات هوليود أو ما كان قد يكون لم تكن لتنتج فيلم رعب رائع عن نهاية العالم كهذا .. يشعرني غثاء القطيع وعواء كلاب الرعاة بالنشوة وصرخات القتلة والقتلى الحقيقية أو المتخيلة تبعث في نفسي الفخر وسرورا لا يوصف، بل إنه الشيء الوحيد الذي يبعث على المتعة في هذا العالم بعد أن فقدنا كل أحلامنا أو أوهامنا ووقفنا عراة أمام أنفسنا ونحن في قمة فهمنا لحقيقة تفاهتنا وتفاهة أحلامنا وتفاهة وجودنا في هذا العالم، لا أجمل من هذا المنظر ومن هذا الشعور، أنكم تسيرون مباشرة إلى هناك، حيث ينتظرنا عدم لا نهاية له، المجد للجنون، المجد للهستيريا، المجد للموت وتقطيع الأوصال، المجد للقتلة الذين لا يرحمون طفلا ولا شيخا ولا امرأة، إنها ليست قيامة جديدة للبرابرة، إنها ليست عاصفة جديدة من الدماء والأشلاء والصرخات المرعبة وصهيل خيول الغزاة التي تجتاح العالم، بل إنه على ما يبدو مشهد النهاية، وما يهم إذا كانت النتيجة هي الموت أن يكون القتلة وضحاياهم واعين بما يفعلونه أم لا، فغدا سيحصلون على حورياتهم وعلى لبنهم وعسلهم في قلب العدم، غدا سيمجد العدم وحده كل ما قدسه البشر، وهذه هي القداسة الحقيقية في هذا العالم الساخر حتى الثمالة، قداسة القبور التي طواها النسيان .. لن أنسى ما حييت ذاك اليوم في سورياهم الحرة، عندما تحدث مقاتلون أمامي عن كيف كانوا يعصبون أعين أسرى جنود النظام ويقولون لهم أنهم أمام حاجز لجيشهم الأسدي، فيركض هؤلاء تحت التهديد بإطلاق الرصاص ووسط ضحكات هستيرية طالما حاولت تخيلها، ليسقطوا في واد سحيق .. من يومها أدركت أننا جميعا نركض إلى هناك، أنها طريقتنا الوحيدة في القفز عاليا والطيران في الهواء .. هيا أيها الأبطال، إذا كان علينا أن نموت فلنأخذ معنا العالم ..

 

مازن كم الماز

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4730 المصادف: 2019-08-18 15:35:14