الحقيقة بنية متينة، تحملها عقول لها قابليات عالية في مستوى وعيها وإدراكها، وفي ذات الوقت استفادت من تراكم التجربة البشرية عبر التاريخ، خاصة فيما يتعلق بموضوع الوظيفة والدور، والقرار، والزمان والمكان، فهي تعي وظيفتها، وتعي زمانها ومكانها، وتدرك الفارق الجوهري بين الأنا والذات والآخر.

فقد تكون الحقيقة تحتاج وجود هذه العقول لتستمر كواقع متحقق في الخارج، وقد تتطلب الحقيقة أن تضحي هذه العقول بوجودها في سبيل استمرارها.

فاستمرار الحقيقة ليس دوما متعلقا بخيار الحياة، بل قد يتعلق بخيار الموت، الذي تكون مقدمته النضال في الحياة والتضحية بها، متى ما تعلق استمرار وجود الحقيقة بذلك.

لذلك الوعي يتعلق بإدراك متى وكيف وأين، وبالخيار المناسب، وبفهم الفارق الجوهري بين الأنا؛ التي إذا تضخمت وباتت أصلا، ستضحي بالحقيقة في سبيل وجودها وبقاءها، بحجة أداء الدور وتحقيق الوعي، وبين الذات التي هي عبارة عن الأنا الفردية والأنا الجماعية، بحيث إذا تطلبت الحقيقة التضحية بالأنا الفردية لأجل الأنا الاجتماعية، التي من خلالها تعبر الحقيقة للأجيال القادمة، فإن الواعي والعاقل الحقيقي سيضحي بالأنا الفردية لحساب عبور الحقيقة من خلال دمه ووجوده.

الذات هي امتداد للفرد في جسد الجماعة، وهي تحقيق للجماعة في ذات الفرد، أما الأنا فهي الفردانية المنفصلة عن امتدادها في جسد الجماعة، والتي تنفصل في مصالحها الخاصة عن المصالح العامة التي تحقق منفعة الإنسان، فهناك فارق كبير بين كونية الإنسان، وفرديته.

خيار الوعي عادة ما تكون فيه تنازلات وتضحيات كبرى، أحيانا يقدمها الفرد لصالح الجماعة باتساع محيطها وجغرافيتها، وأحيانا تقدمها الجماعة، فالوعي هو إدراك عميق لحجم هذه التضحيات، وقابلية وفيرة لفهمها وتقبلها، هو خيار يحميك من نفسك، فالوعي يرسم معالم الأولويات، وأدواتها الرصينة في تنزيلها إلى أرض الواقع، وتمتلك به ريشة دقيقة في رسم هذه الأولويات في زمانها ومكانها المناسبين.

الوعي يصنع منك متبصرا بالواقع ومعطياته ومتنبأ بعواقب كل خياراته وقراراته، هذا التنبؤ الناتج عن وعي المحيط يجعل من صاحب الوعي، الحصن المنيع في حماية الناس من القرارات الخطيرة الفاسدة، لإدراكه لحجم تداعياتها وعواقبها عليهم وعلى مصالحهم الإنسانية، وعلى مصير كراماتهم من خلال مخرجات تحقيق العدالة، فلا يصنع الوعي من الشخص الواعي إلها ومرجعية لتقييم الحقيقة، ومرجعية للقيم يُقَيّم فعل محيطه وفقها، بل يفتح له آفاقا على كل فعل وقول حوله، فإن كان فعل حق وقول صدق، فقد يكسبه ذلك وعيا جديدا ويراكم فهمه للحقيقة، وإن كان فعل باطل وقول زور كذب، فإنه يدفعه لمراجعة ما لديه من سلوك ومعارف، لير هل ارتكب ذات الفعل، أو تفوه بذات القول، فهو بوابته لنقد ذاته ومراجعتها. وفي كلا الحالتين هو في ساحة علم وتعلم، وفي مسير متواصل نحو الكمال والتكامل، لأنه ليس كاملا، بل يسعى دوما للكمال.

المُصْلِح وقطب الرحى

قوة المصلحين الفكرية والفلسفية، وقدراتهم الإبداعية، تصبح بعد رحيلهم أو في وجودهم إما عبئ على من أتباعهم ومن يخلفهم، أو نوافذ تفتح أبواب معرفة.

وينقسم أتباع مدرسة هذا النوع من المصلحين بعد ذلك، إلى أقسام عدة أهمها:

١- الإفراط في تبني الأفكار، وبالتالي التشدد، من خلال أخذ أفكارها كنص مقدس كما هي، دون محاولة فهم سياقاتها التاريخية، أو وعي مدركاتها ودلالاتها، والعمل على إكمال مسيرتها ونقدها وتقييمها وتطويرها، مما يؤدي إلى نفور جموع الناس منها، بالتالي رفضها ونبذها.

٢- التفريط بهذه الأفكار ومكتسباتها، وحرفها عن دلالاتها، وتطبيقها بشكل ساذج أو سطحي، مما يؤدي إلى ضعفها وتلاشيها.

٣- الاعتدال في فهمها وتبنيها، ومحاولة تطويرها ونقدها وعدم الجمود عليها، ومراكمتها فكريا ومعرفيا، لتصبح جزء من مسار وسياق الاصلاح، بل جزء من بناء فضاء النباهة الاجتماعية داخليا.

وهذه الأفكار الاصلاحية في حينها، تشكل فضاء البناء الداخلي للأتباع معرفيا، وتعتمد هذه التشكيلات على قابلية فهم كل جزء في هذا البناء.

وكلما ابتعدت البنى الداخلية عن مركز الأفكار، كلما تعرضت بنيتها وفضاءها المعرفي الداخلي للتبدلات والتحولات، حتى تصل في بعض الأحيان إلى تغيير شامل لبنية الأفكار لتتوالد مدرسة فكرية جديدة، لكن نشأت من رحم تلك الأفكار الأم.

والمصلح المفكر إما يُخْضِع السياسيين لإرادته المعرفية، من خلال ما يكتسبه من سمعة معرفية رصينة تمثل قطب الرحى في عصره، ومغناطيس المفكرين والنخب، فتصبح سمعته الفكرية مستقلة عن الخدمات المقدمة له، فيزداد رصيده في المصداقية خاصة في محيطه الاجتماعي والمدرسي، أو أنه يوظف رصيده المعرفي في مدارات السياسيين ليدور في فلكهم، ليصطاد بصنارة أفكاره ما يحقق له مصالحه الذاتية، فتخضع بذلك أفكاره للخدمات المقدمة له، فتفقد استقلاليتها ومن ثم مصداقيتها الاجتماعية والمدرسية.

المصلح والاستحواذ الحركي:

الاستحواذ الحركي في مواجهة الفساد، هو فساد بذاته، يمكن للمصلح أن يميز حراكه في مواجهة الفساد عن الآخرين لاختلاف الأهداف والآليات، لكن لا يمكنه أن يستحوذ على الحراك، بحجة الاصلاح، ويستحوذ على الحق بأنه الأحق به، كما لا يمكن لمصلح حقيقي يثور على الوضع الفاسد، أن يبرر هتك كرامات وانتقاص حقوق خصومه المتورطين في الفساد، فالبينة على من ادعى، ولهم الحق في محاكمات عادلة حتى في لحظات الثورة، فمن الفساد أيضا الظلم، بل هو أشد أنواع الفساد، ولا يمكن للعدالة أن تتحقق بفساد الأدوات والطرق.

ولا يمكن لمصلح حقيقي ثائر يطلب تغيير الوضع الفاسد، بأن يرتكب جرائم قتل عشوائية بمن كانوا في النظام الفاسد، بحجة تثبيت دعائم الثورة، ولا يمكن التوسل بالفوضى واستخدام سذاجة الناس وعفويتهم، أو استغلال جوعهم وفقرهم في مواجهة الفساد القائم، واستعمالهم كوقود للمواجهة والمعركة ضد الفساد والاستبداد، وتعريضهم للقتل أو السجن دون أن يدركوا تبعات مشاركتهم وخياراتهم لذلك، ودون أن تبذل جهدا في شرح الواقع لهم وتبعات الحراك، وحجم التضحيات المطلوبة، حتى يكون لهم حرية وإرادة الاختيار.

لذلك الثورات النظيفة لم تبق غالبا وتنتصر بالمفهوم المادي للانتصار، وإن حققت نصرا استراتيجيا من خلال تثبيت منظومة القيم والمعايير لتصبح مرجعية معيارية من جهة، ومنهجا يشكل نموذجا من جهة أخرى.

على سبيل المثال الثورة الفرنسية مرت بمراحل عديدة، لكنها تسلقت على جثث أبرياء، وتعرضت كثير من معالم باريس للسرقة والتلف، بل بعض الثوار القياديين تورطوا أيضا بالفساد، بل ينقل التاريخ اعدام قيادات الثورة لبعضهم البعض تحت شعار الفضيلة والارهاب، فكان ينقل عن ماكسيل أحد منظري الثورة القانونيين أن الفضيلة بدون ارهاب ضعف، والارهاب بدون فضيلة ديكتاتورية، هذا فضلا عن حجم الضحايا الكبير من عموم الناس الفقراء والجوعى الذين سقطوا في معارك الثورة دون وعي منهم للتبعات. لكنها نجحت في النهاية من التخلص من الحكم الملكي، الذي اعتبر طاغوتيا، بل تعتبر الثورة الفرنسية الثورة التي غيرت وجه أوروبا.

لكن وفق معايير نجاح الثورات وقيامة دول حقيقية، هل فعلا فرنسا تخلصت من الديكتاتورية؟ وهل فعلا تحققت العدالة؟

إن حركات التغيير والاصلاح لا يمكن أن تنجح وفق معايير النجاح الحقيقية، إلا إذا تأسست على قاعدة ومنظومة ثابته من المعايير والمبادئ القيمية والأخلاقية، وجعلت مقاصدها العليا: حرية، عدالة، كرامة.

فالحرية لا يمكنها أن تحقق العدالة إلا إذا انضبطت هي بميزان العدالة، وتحرر الناس من كل أنواع العبوديات وأهمها عبودية الذات والشهوات، والعدالة لا تتحقق إلا إذا حققت الكرامة للجميع.

أما المساواة فهي فرع من فروع العدالة المنضبطة بها، لأن ليس كل مساواة تحقق العدالة، بل تكون في أحيانا كثيرة، هي الظلم بعينه.

كيف يمكن الموازنة بين القوة والفضيلة؟

القوة في التفسير المادي هي عقيدة عسكرية توظف إمكاناتها العلمية والعقلية والمالية، في سبيل تقويض أي مواجهة ممكنة لمبادئها وقيمها العليا، التي صنعتها وفق مقاييسها الخاصة، وتصبح الفضيلة خاضعة لمعيارية القوة، بالتالي مواجهة أي تمرد محق في سبيل المطالبة بالعدالة، مواجهة عسكرية تفرط فيها الجهات المختصة باستخدام فائض قوتها، هذه المواجهة تصبح فضيلة، ولا يمكن بشكل من الأشكال وصمها بالإرهاب.

بل تلبس هذه المواجهة العسكرية الضالة ثوب الفضيلة، فتصبح وكأنها الخلاص الإنساني الذي يروج له كل خدام هذه الفكرة وأصحابها النافذين، من المفكرين الداعمين للفكر الرسمي لهذه الدول ومؤسساتها.

وهنا ليس بالضرورة كل مواجهة وكل ثورة تكون محقة وناجحة، لكن الفكرة هي مواجهة أقل تعبير ورأي خارج الإطار الرسمي الذي ترسمه هذه القوى وأصحاب النفوذ، بطريقة عسكرية موغلة بالعنف باسم الفضيلة.

فما يسمى مثلا "بعقيدة الأمن الوطني"، لا تعني بالضرورة الدفاع ضد عدو خارجي، وإنما طريقة لجعل المؤسسة العسكرية بفائض قوتها في مواجهة العدو الداخلي.

والسؤال: من هو العدو الداخلي؟ وما هي المعايير التي تشكل مرجعية في تشخيص هذا العدو وتصنيفه؟ وما هي القوانين التي تحقق العدالة في مواجهة هذا العدو دون ظلمه؟

العدو وفق " مبدأ عقيدة الأمن الوطني"، غالبا هم النشطاء والمثقفين المبدئيين والنقابيين والنساء والرجال والناشطين في حقوق الإنسان، غير الداعمين لمبادئ السلطة وعقيدة المؤسسة العسكرية وفهمها للقوة، بالتالي يصبح استخدام القوة حتى المفرطة منها، في سبيل تحقيق الأمن الوطني " فضيلة"، ويتم بذلك تدجين الرأي العام والمؤسسات الاعلامية، لشرعنة استخدام القوة وفائضها بحجة "الأمن الوطني".

ولكن ما هو معنى مفهوم القوة خارج التفسير المادي الأحادي؟

القوة في بعدها المفاهيمي الآخر: هي عقيدة لامتلاك مكنة علمية وفكرية وثقافية وفلسفية صانعة لوعي الإنسان، تمكنه من تحرير ذاته من كل أشكال العبوديات، بحيث يصبح مالكا لإرادة القرار الحر، ومدركا لحجم التأثيرات الخارجية المحيطة، التي تعمل على توجيه إرادته ووعيه، ويمتلك أدوات في تفكيكها ومنع توجيهها لوعيه، فهنا هو صانع الحدث والتاريخ، وليس أداته ووقوده. وفي ذات الوقت يمتلك قوة عسكرية ليست للاعتداء واستغلال فائض القوة في الظلم والاستبداد، بل هي قوة دفاعية تحمي وجوده ومنجزاته الحضارية، قوة رادعة لأي اعتداء عليه أو هتك حرمته.

إذا هي قوة تحررية للعقل، والجسد، تمنع ذوبانه في منظومة الاستبداد، وتحويله لوقود في عقيدة الأمن الوطني المتحيزة للعسكر، وقود يحرق شريكه في الوطن، ليشكل حاجز صد لكل فكرة مغايرة، أو تحررية، أو محاولات مواجهة لتزييف الوعي.

في هذه العقيدة التحررية لمفهوم القوة، تحضر الفضيلة بكل ثقلها المعنوي، لتمنع كل محاولات تدجين الوعي، وتحويل مسار مفهوم القوة من بعده المادي والمعنوي، وحصره في البعد العسكري الذي يُفْرِط في استخدام فائض قوته، لمنع أي فائض في صناعة وعي الإنسان، أي فائض علمي ومعرفي، بل أي فائض حقوقي وإنساني.

الفضيلة هنا ليست في مقام تبرير القوة كما في "عقيدة الأمن الوطني"، بل هي في مقام قيادتها وصناعة معالمها، لتتشكل وفق معيار القيمة الإنسانية، التي تحقق كرامة الإنسان لا تسحقها.

وتصبح " عقيدة الأمن الوطني" خاضعة في معيارها لتحقيق الفضيلة، وأهم مصداق لها تحقيق كرامة الإنسان، فتمنع بذلك استخدام القوة ضد وعيه وتدجينه وفق رغبات السلطة، بل تصبح في خدمته لتحقيق الاستقرار الاجتماعي، ومنع أي محاولات اعتداء عليه، وعلى حقه في التفكير الحر، وحقه في الابداع وصناعة الحضارة.

فتصبح النخبة الحرة، حتى لو لم تكن خياراتها الفكرية كخيارات السلطة، تصبح في طليعة المجتمع، وتكون شريكته في صناعة وعي تحرري، يجعله شريكا أساسيا في القرار، ورقيبا ومحاسبا ومدققا في الحسابات والخيارات السياسية، بل حائط صد أمام كل محاولات تفتيت المجتمع، أو التمييز بين أفراده تحت أي مسمى، حتى لا تنجح السلطة وفق مفهومها الخاص للقوة، في الهيمنة على المجتمع والنخب الحرة والمصلحين لتحييد مفهومها للقوة.

فقوة السلطة استبدادية عسكرية تطويعيه، تستخدم الفضيلة أداة لتبريرها بشكل عصبوي متحيز، بينما قوة النخبة والمجتمع الحر، قوة تحررية تقودها الفضيلة نحو معيار الكرامة والحق الإنساني، دون أي شكل من أشكال التمييز.

ولا تستخدم هنا القوة العسكرية إلا في مواجهة أي محاولة لانتهاك كرامة وحقوق أي إنسان، فهي قوة تحمي الإنسان لا تهتك حرمته.

فهي قوة في خدمة الإنسان، لا خدمة السلطان وسلطته، هي قوة تقودها الفضيلة، لا فضيلة تقودها القوة، لتبرر هتك الكرامات بحجة المخاطر الأمنية التي تخضع لمعيار تشخيص السلطة المتحيز غالبا.

 

إيمان شمس الدين

 

 

عبد الخالق الفلاحإن الحضارة الغربية تعتقد انها تمتلك زمام القوة والسلطة المادية على مستوى العالم أجمع وقد قضى الغربيون علي الثقافات المحلية والأسس الاجتماعية في كل مكان حلوا فيه إلي درجة استطاعوا معها تغيير تاريخ الشعوب ولغاتهم وخطوطهم لهجوميتهم،والحضارة الغربية هي مصطلح يستخدم على نطاق واسع من أجل الإشارة إلى تراث من المعايير الاجتماعية، والقيم الأخلاقية، والعادات، والتقاليد، ونظم المعتقدات، والنظم السياسية، والتحف والتكنولوجيات المحددة التي جاءت في الأصل من منها، وقد أصبح المصطلح ينطبق على الدول التي يتميز تاريخها بكثرة الهجرة.. وتعريف الاكثر انتشاراً وتداولاً  للثقافة بشكل عام  وهو طريقة فرد أو جماعة أو شعب للتعامل مع الحياة. لكي يسهل اختراق الفضاء الثقافي في الوقت الحاضر للدول. عبر قنوات الشبكات الفضائية والانترنت والوسائط الأخرى لنقل المعلومات المختلف ألانواع بالصور والأفكار والقيم والتوجهات الأيديولوجية المنبثقة عن المرجعيات والخلفيات والأجواء الثقافية والقيمية الغربية التي تتسم بسمات منها الغلو في النزعة المادية الاستهلاكية ورغم ذلك، لا يزال العصب الرئيسي للتواصل العالمي موجودًا في الولايات المتحدة ولا تزال تربطه علاقات مع حكومة الولايات المتحدة الفيدرالية.

"ان الثقافة الغربية اخذت من الإغريق القدماء، واليونانيون أول من بنى ما أصبح اليوم الحضارة الغربية، فقد طوروا الديمقراطية، وأحرزوا تقدماً في العلوم والفلسفة والهندسة المعمارية، وعند النظر في بنية عاصمة الولايات المتحدة، واشنطن، من الممكن رؤية الأعمدة والأقواس والقباب التي تستند على الهندسة المعمارية اليونانية والرومانية، فقد أسس الإغريق والرومان الثقافة الغربية ونقلوها إلى أوروبا، ومن هناك نُقلت إلى نصف الكرة الغربي".

لقد كانت ثقافة الاسلام وحضارته علامة مضيئة في تاريخ الحضارات رغم فقدانها البوصلة اللازمة في الوقت الحالي اثناء التطبيق ولكن لن تنطفئ شعلتها الوهاجة لتنير طريق البشرية نحو الاصلاح والصلاح بمدهم بالعلوم الطبيعية، وعلم النفس، والهندسة، وعلم الفلك، والحساب والموسيقى....الخ من العلوم والثقافات وقال تعالى: في كتابه الكريم " قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ" (المائدة: 15 ـ 16)، وقد افردت لها المجلدات الكبيرة والكثيرة، ولعل الآلاف من المصطلحات والمفردات العربية والاسلامية والقرآنية استقرت في بحوث وثقافات العرب دون اي ريب او شك، وللثقافة الاسلامية التي كانت اللغة العربية واعتلاء حضارتها بصورة منيرة لا كما نشاهدها الان من افول.ولم يكن هذا سرا بل حقيقة واضحة كما ينقل عن العديد من العلماء الغربيون انفسهم حيث يقول المستشرق الفرنسي لويس سيديو ان (ظاهرة مدرسة بغداد في بدء امرها هي الروح العلمية التي كانت سائدة لاعمالها فكانت مبادئ اساتذتها تقوم علي الانتقال من المعلوم الي المجهول وعلي ملاحظة الحوادث ملاحظة وثيقة لمجاوزة المعلومات الي العلل وعلي عدم التسليم بما لا يستند الي التجربة.وكان العرب في القرن التاسع الميلادي اصحابا لهذا المنهج الخصيب فاضحي بعد زمن طويل اداة بيد علماء الزمن الحديث للوصول الي اجمل اكتشافاتهم) والعالم اليوم ينتظر الإنبعاث الجديد على يد أولئك الذين يحافظون على مكوِّنات حضارتهم خلال فترة السُّبات العميق في العالم. أما تلك الفئات والطبقات والاحزاب والمنظمات التي إنساقت مع الشرق والغرب، واستُعبدت عبودية ثقافية من قبل الأجانب، فإنها لا تزيدنا إلاّ تيها وابتعادا عن ذاتيتنا وعن أصالتنا وحضارتنا.

اليوم الذي  يحصل أن الشعوب النامية تتلقى وتقبل جوانب كثيرة من الثقافة الغربية على حساب ثقافات تلك البلدان والعالم الإسلامي هو الخاسر الاكبر من عمليات فرض التجانس والهيمنة،. والضغط الكبير الذي تمارسه ثقافات غربية على ثقافات البلدان النامية يزيد من حجم وأهمية الدور الذي يتعين على الواعين من شعوب تلك البلدان أن يؤدوه لمقاومة هذا الضغط  لانه الثقافة الشرقية على سبيل المثال تختلف عن الثقافة الغربية ببعض الجوانب حيث إن الثقافات الشرقية تميل إلى أن تكون أكثر جماعية وذات ترابط أعلى وخلاف أقل بصورة عامة، ومن ناحية أخرى تميل الثقافات الغربية كي تكون أكثر فردية ولها ترابط أقل وخلافات كبيرة.

والتي بدأت مرحلة الهبوط والانحدار لها تظهر، بسبب إفلاسها في عالم القيم السامية والأخلاق الفاضلة والمبادئ الإنسانية العادلة والقياس هو الواقع الحالي الذي يعيشوه العالم في ظل وباء الكورونا القاتل حيث كشفت حقيقة هذه الثقافة لتركيزها على الامور المادية والقوة الاقتصادية ، وفقدانها الهدف والمنهج القويم الذي ترتكز عليه الحضارات التي تعني مجموعة من تلاقح ثقافات وانتاجات شعوب مختلفة وما احرزه الانسان من تقدم في مختلف العلوم والآداب والثقافات والنشاطات التي مارسها الانسان علي مدي التاريخ والتي تقدمت بشكل اكبر كلما تقدمت الوسائل الحاملة لها، فمن الوسائل البدائية الي التقنيات المتطورة الي ما توصل اليه العقل البشري المعاصر .

ليس هناك من شك من ان سبب انحراف الحضارة الغربية الحالية عن الطريق الصحيح .. لعنصريتها وعدوانيتها التي وصلت إلى حد من البشاعة لم تصل إليه في تاريخ الإنسانية الطويل في ظل محاربة الديانات الالهية كما تجري في فرنسا بسبب فقدانها البوصلة والحسابات الغيرالعقلانية لتعريف الحرية والوباء الحالي فرصة منحها الله للبشر ليعودو إلى خالقهم، ويبتعدوا عن كل السلوكيات الشاذة والأخلاقيات التي تتنافى مع ما خلقنا الله من أجله .. وبعكس ذلك سنصل إلى الانهيار في فترة ليست بعيدة في عمر التاريخ وذلك إذا لم يتدارك الأمر دعاة الإصلاح من المختصين وعلماء الاجتماع والساسة والمسؤولين ورجال الدين ويقوموا بواجبهم في إصلاح وإنقاذ هذه الحضارة الآيلة للسقوط .. حيث يجب على هؤلاء القيام بعملية إصلاح جذرية تشمل كل مجالات الحياة الاقتصادية والأخلاقية والاجتماعية والروحية وحتى المادية منها .

وقد ذهب التربويون بالاشارة الى  العديد من المظاهر والسلوكيات الدخيلة والشاذّة عن مجتمعاتنا وثقافتنا وتقاليدنا العربية الوافدة الينا عبر هذه وسائل الاتصال المنفجرة ودخلت كل البيوت دون استئذان من القيم المجتمعية للنحراف في الاستفادة منها وهبطت بمستوى الذوق العام لدى شبابنا وأطفالنا على حدّ سواء، ولدعوة الشباب إلى التمسك بالأصالة والعادات والتقاليد السليمة والالتزام بالقيم الأساسية، خوفاً من التفكك الأسري صاحب المصلحة الأول في الحفاظ على مستوى أبنائه ولانهم  الفئة العمرية المهمة التي  تمتاز بالتجديد والإثارة من أجل السيطرة على هذه المظاهروعدم تفشيها بشكل أكبر، لغياب الأسر الجامعية، وعدم الانتماء والولاء، وعزوف الشباب عن المشاركات المجتمعية والسياسية، مما انعكس على لباسهم ومظهرهم العام، وحتى كلامهم ومصطلحاتهم التي يستخدمونها في مفرداتهم اليومية. ويتساءل الكثيرون عن سبب وجود هذه الظاهرة وتناميها.

إن الحضارة الغربية بحاجة ماسة إلى عملية اصلاح جذري تصلحها من الجذور من الأسس لأنها حضارة بنيت على أسس اركان فاسدة ستؤدي بها إلى الهبوط والانهيار ولو بعد حين .. لذلك تلح علينا الكثير من الأسئلة ونحن نلاحظ بداية النزول وسرعة الانهيار للحضارة المادية الغربية.

 

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

 

 

محمود محمد عليالمغايرة النسقية ويقصد بها المرحلة التي أفضى فيها التراكم المعرفي الذي حققه تطور العلم أو الفكر في المرحلتين الوصفية، والتجريبية، وقد أدى هذا التراكم الكمي إلى تغير كيفي على ثلاثة مستويات محددة: مستوى الوسائل العقلية المنهجية من جانب، ومستوى مفاهيم العلم أو الفكر ومبادئه من جانب آخر. أما المستوى الثالث فهو مستوى نظرية العلم أو الفكر، التي تحدد البنية أو الشكل الذي سيجيء عليه العلم أو الفكر في هذه المرحلة. وفي المرحلة الاستنباطية يتم صياغة الحد الأدنى من قواعد العلم ومبادئه، التي تمكن المختصين من الانتقال من مبدأ، أو أكثر داخل العلم أو الفكر، إلى مبدأ جديد، كما هو الحال في المنطق، والريـــاضيات، أو تمــكنهم مــن التنبؤ بما سيحدث مستقبلًا بحسب مبدأ عام مستقر – كما هو الحال في العلوم الطبيعية، أو تؤهلهم أخيرًا لاستنباط أحكام معينة من قواعد عامة لحل مشكلات اجتماعية جزئية معينة، وهذا هو مثلًا شأن علم القانون.

والمرحلة الاستنباطية تمثل المرحلة التي تسعي إلي قطع الصلة بالمرحلة التجريبية التي قام بها الفارابي، وابن سينا، وإخوان الصفا، وابن رشد؛ والتي ثبت فشلها، بعد أن تبين أنها غير مقنعة ولا ترضي كل الأطراف، ومن ثم فهي نوع من القطيعة المعرفية، أو المغايرة النسقية.

والمغايرة النسقية هي ” التغير الذي ينتج عنه أمراً جديداً كل الجدة، ولكنها عبارة عن مسار معقد متشابك الأطراف تنتج عنه مرحلة جديدة متميزة في تاريخ العلم “؛ ومعالم المغايرة النسقية يمكن تتبعها على ثلاثة مستويات كما ذكرنا: مستوي لغة العلم من جانب، ومنهجه من جانب آخر، ومستوي نظرية العلم من جانب ثالث.

ويمكن تطبيق هذا المبدأ المعرفي على “السياسة الشرعية” التي لجأ إليها كل طوائف الفقهاء والعلماء عوضًا عن السياسية المدنية، والسياسة النفسية، التي لجأ إليها الفلاسفة في المرحلة التجريبية، فإذا كانت السياسة المدنية هي” تدبير شؤون الجماعة على وجه يتنظم بها أمرها، أي على وضع من الأوضاع، بقطع النظر عن موافقة هذه الأوضاع للشرائع السماوية أو عدم موافقتها ، بقطع النظر عن كونها سببًا في نجاة الجماعة في الآخرة أو عدم نجاتهم”؛ وإذا كان هدف السياسة النفسية هو” تهذيب نفوس الناس واستصلاح بواطنهم بتطبيق قواعد الأخلاق. والتزام الناس بتهذيب أنفسهم وأخلاقهم بدون سائس، وما يعرف “بالمجتمع الفاضل”، والمكان الذي يقيمون فيه” بالمدينة الفاضلة”، فهذا أمر بعيد الوقوع، والكلام فيه على سبيل الفرض والتقدير كما قال ابن الأزرق.

ولما ثبت أن السياسة المدنية ، والسياسة النفسية التي لجأ إليها الفلاسفة في المرحلة التجريبية فاشلة في تحقيق أغراضها، ولا تواكب مستجدات الواقع الإسلامي خلال القرن السادس، والسابع، والثامن الهجري، لذلك لجأ العلماء والمفكرون خلال تلك المرحلة إلي السياسة الشرعية ، والآداب السلطانية، ونصائح الملوك، المتأثرة بالفقه، والشريعة الإسلامية، وحالوا أن يضعوا لها لغة ومنهجًا ونظرية مختلفة، عما كان متداولًا في المرحلة التجريبية، فقد تلاشت في تلك المرحلة فكرة الحاكم الفيلسوف وفكرة المدينة الفاضلة، التي يجب أن نسعي إلي تطبيقها على الأرض، إلي الرجوع للواقع نفسه، ومعالجة مستجدات واقعه السياسي تبعًا للعقيدة والشريعة الإسلامية، لذلك وجدنا في تلك المرحلة الكثير من الفقهاء يكتبون كتبًا مفردة تعالج نظم الدولة الإسلامية، على أساس فقهي، ومنها الأحكام السلطانية للقاضي الشافعي “أبي الحسن على الماوردي”، وكتابًا آخر بنفس الاسم للقاضي الحنبلي “أبي يعلى محمد بن الفراء” ( ت: 458هـ) . وأعقب ذلك في زمن لاحق كتاب الإمام تقي الدين أحمد بن تيمية ( ت: 728هـ) ” السياسة الشرعية ” ، الذي تظاهره كتابات متعددة أخرى تتصل مباحثها بالدولة والحكم ومنها ” الحسبة ” و” الجهاد ” وغيرهما . فمثلًا نجد كتاب ” تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام ” ، كذلك كتب الإمام ابن قيم الجوزية ( ت: 751هـ) كتابه الضخم المتميز ” أحكام أهل الذمة ” وعرض للسياسة الشرعية في كتابه الممتع الكبير “إعلام الموقعين” ، وفي كتابه الصغير ” الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ” الذي اتجه أساسًا لبحث ” الحكم” بمعناه الأخص وهو القضاء وعني به إيضاح البينات والقرائن في الدعاوي والأقضية.

كذلك عني بعض المؤرخين بتتبع تطور نظم الدولة الإسلامية على أرض الواقع التاريخي، مثل ” الجهشياري (ت: 330هـ) في كتابه ” الوزراء والكتاب “، والصابي (ت: 448هـ) في كتابه “تاريخ الوزراء”، والكندي (ت: 350هـ) في ” كتاب الولاة وكتاب القضاة”، وابن طباطا المعروف بابن الطقطقي (ت: 709هـ) في “الفخري”، هذا إلى جانب متفرق في كتب التاريخ والتراجم. وقد جاءت مقدمة ابن خلدون المعروفة والتي كتبها ابن خلدون (ت: 808هـ)، تجمع بين جانبي التأصيل الفقهي والتطور التاريخي في عرض نظم الدولة الإسلامية .

وفي هذه المرحلة سار الفقهاء والمتكلمون على نهج تشريعي، لما ينبغي، وما يجب وما يجوز، وما لا يجوز في نظام الخلافة وتدبير أمر الدولة. واستوفت أبحاثهم نظم الملك، والوزارة، والإدارة، والقضاء، والحسبة، والأموال، وتنظيم الجيوش، والعلاقات مع داري الحرب والمهادنة. كما بذلوا جهودًا جبارة من أجل تبرير تصرفات الملوك وإضفاء الشرعية عليها، وإرشادهم إلى ما يحفظ عروشهم ويحببهم إلى الرعية .

علاوة على أنه في هذه المرحلة التي بدأت فيها تتشكل القاعدة، والقاعدة هي حكم كلي ينطبق على جميع جزئياته أو أكثرها، لتعرف أحكامها منها، وفي تلك المرحلة بدأت تظهر القاعدة الفقهية لكثير من القضايا السياسية ، ومن أمثلتها:” الأمور بمقاصدها”، “العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني”،” الأصل في الكلام الحقيقة”، “إذا تعذرت الحقيقة يُصار إلى المجاز”، “لا يُنسب إلى ساكت قول”، “لا اجتهاد في مورد النص”، ” اليقين لا يزول بالشك”،” الأصل براءة الذمة”، “المشقة تجلب التيسير”،” الضرورات تبيح المحظورات”،” الضرورات تُقدر بقدرها”،” لا ضرر ولا ضرار، درء المفاسد أولى من جلب المصالح”،” البينة حجة متعدية والإقرار حجة قاصرة”، “الغرم بالغنم”،” الحدود تُدرأ بالشبهات”، “إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام”، “الأصل في الأشياء الإباحة”، “ما لا يتم به الواجب فهو واجب”، “الإسلام يجُب ما قبله، للأكثر حكم الكل”، … إلى غير ذلك من القواعد الفقهية التي كان تأصيلها نتيجة استقراءات الفقهاء والمجتهدين .

والقاعدة الفقهية كما نلاحظ هنا هي ” المبادئ العامة للفقه الإسلامي التي تتضمن أحكاما شرعية عامة تنطبق على الوقائع والحوادث التي تدخل تحت موضوعها، أما النظريات الفقهية فهي المفاهيم الكبرى التي يُؤلف كل منها على حدة نظامًا حقوقيًا موضوعيًا ينبثق من الفقه الإسلامي ومُتحكمًا في كل ما يتصل بموضوعه . والفرق بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي: أن القاعدة تجمع فروعًا من أبواب شتي، والضابط يجمعها من باب واحد . من أمثلة الضوابط في السياسة الشرعية “تصرف الولاة منوط بالمصلحة “، “العقوبة لا تكون إلا على ذنب ثابت أما المنع والاحتراز فيكون مع التهمة” ،” ضبط المصالح العامة واجب ولا ينضبط إلا بعظمة الأئمة في نفس الرعية “،” يجوز في الجهاد ما لا يجوز في غيره، يراعي في كل ولاية الصلح لها” ،” الجهاد مشروع في الجملة ويمنع منه في مواضع “، “لا يجوز الافتيات على الأئمة وأصحاب الولايات فيما يخصهم ،الأصل في الدماء العصمة” .

وبعد أن تشكلت القاعدة الفقهية لكثير من القضايا السياسية، أضحت السياسة الشرعية علما له لغته ومنهجه الخاص به، حيث يعرف بأنه هو “علم يبحث فيه عن الأحكام والنظم التي تدبر شؤون الدولة الإسلامية التي لم يرد فيها نص أو التي من شأنها التغير والتبدل، بما يحقق مصلحة الأمة، ويتفق مع أحكام الشريعة وأصولها العامة ؛ أو ” العلم الذي يُبحث فيه عن الأحكام والنظم التي تدار بها شؤون الأمة بما يحقق مصلحتها ويكون متفقًا مع أحكام الشريعة وقواعدها العامة. وهذا يقتضي وجود سائس وهو الحاكم ، سواء كان خليفة، أو ملكًا، أو أميرًا، أو وإليا، ويقتضي وجود مسوس ، وهم أفراد الرعية المحكومون، وشيء تساس به الأمة، وهو النظم والأحكام التي تدبر بها شؤون هؤلاء المحكومين في إطار ولايات متمايزة، يختص كل ولاية بمرفق من مرافق الدولة، مثل الوزارة، والإمارة على الأقاليم والبلدان، وإمارة الجيش وولاية المظالم، وولاية الحسبة، وولاية القضاء، وغيرها من الولايات التي أوصلها الماوردي في كتابه “الأحكام السلطانية” إلى ثماني عشرة ولاية”.

وبناء على ذلك تكون مباحث السياسة الشرعية وموضوعاته على النحو التالي:

1- الوقائع المتعلقة بعلاقة الحاكمين بالمحكومين بتحديد سلطة الحاكم، وبيان حقوقه وواجباته، وحقوق الأفراد وواجباتهم ، وبيان السلطات المختلفة في الدولة، من قضائية، وتنفيذية، وغيرها، وهذه المباحث أُطلق عليها اسم: نظام الحكم في الإسلام، ويطلق عليها بعض المعاصرين: السياسة الدستورية الشرعية، ويقابلها في القوانين الوضعية القانون الدستوري .

2- الوقائع المتعلقة بعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول في حالتي السلم والحرب، وقد أطلق على هذه المباحث: النظام الدولي في الإسلام، ويسميها بعض العلماء المعاصرين باسم: السياسة الخارجية في الإسلام، ويسميها بعض آخر باسم: السياسة الدولية في الإسلام، ويقابل هذه المباحث في القوانين الوضعية القانون الدولي العام.

3- الوقائع المتعلقة بالضرائب، وجباية الأموال وموارد الدولة ومصارفها، ونظام بيت المال، وقد أطلق على هذه المباحث اسم: النظام المالي في الإسلام، ويسميها البعض باسم: السياسة المالية في الإسلام، ويقابل هذه المباحث في القوانين الوضعية: القانون المالي، أو علم المالية.

4- الوقائع المتعلقة بتداول المال، وكيفية تنظيم استثماره، وتدخل الدولة في ذلك، والآراء والنظم الجديدة، كالاشتراكية، والشيوعية، والرأسمالية، وقد أطلق على هذه المباحث اسم: النظام الاقتصادي في الإسلام، ويسميها البعض باسم: السياسة الاقتصادية في الإسلام، ويقابل هذه المباحث في القوانين الوضعية: علم الاقتصاد.

5- الوقائع المتعلقة بالنظم القضائية وطرق القضاء والإثبات، وقد أطلق على هذه المباحث اسم: السياسة القضائية في الإسلام، ويسميها البعض باسم: علم القضاء، ويقابل هذه المباحث في القوانين الوضعية: قانون المرافعات، وقانون الإثبات، وبعض مباحث القانون الدستوري .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

ضياء محسن الاسديأن كثيرا من الآيات القرآنية الكريمة والتي وردت فيه فُسرت بعقول وأفكار ومنافع وأهواء المفسرين القدماء وما عادت تصلح الآن في عصرنا الحاضر وهذا لا يعني المساس بالقرآن الكريم بل بعض تفسير آياته الخاطئة التي خُدع بها المسلم آنذاك ومن هذه الكلمات التي نحن بذكرها شكلت مشكلة من مشاكل العصر الحديث وأثرت على السلم المجتمعي العالمي والمحلي والمختلف عليها منذ عصور قديمة وما زلنا نعاني منها وهي كلمة (الحور) و(العين) التي وردة في القرآن الكريم ومنها في سورة الواقعة في الآيات 22. 23. 72 وغيرها من السور الكرام مثلا (وحور عين، كأمثال اللؤلؤ المكنون) و( حور مقصورات في الخيام)

فقد جاءت التفاسير لهذه الكلمة الحور كثيرة ومنها

- رجع إليه أو دار حوله (حار إلى شيء)

- كل شيء متغير من حال إلى حال حيث جاءت (حار . يحور . حورا)

- النقصان بعد الزيادة

- شدة بياض العين مع شدة سواد العين وهذا لا يكون إلى في عين الظباء والبقر .

أما تفسير كلمة (عين)

- هو الماء القريب من عريش العنب

- أو الشيء بعينه أو ذاته أو شكله .

 فأن تفسير هذه الكلمات بحسب مواقعها في الكتاب الكريم (القرآن) تفضي إلى معنى واحد ومتقارب مع تفسيرات كثيرة لها تُجمع على أنها جائزة المؤمن يوم القيامة وهو غذاء من لحم طير وغيره متحور ومتغير من طعم ولون ورائحة وشكل ومذاق حسب رغبة وما يُريده المؤمن بدون تكلفة بدنية وجاهز في مستودعات للخزن محفوظة ومحروسة كاللؤلؤ المكنون في صدفات المحار مع جملة من النعم الربانية من الأثاث والطيبات النادرة في الدنيا من الفواكه وغيرها من الملذات لكن تفسير الحور العين مع هذه الملذات غير مقنعة ومبررة في الزمان والمكان على أنهن فتيات صغيرات في العمر فائقات الجمال للمؤمنين من الرجال حصرا لكن المؤمنات ما لهن من هذه الحوريات علما أن كلمة الحور العين مطلقة للمؤمن وهي جامعة للرجال والنساء وهذا مخالف لسياق الآية والنسق القرآني لها والحكمة الآلهية تقتضي أن يكون الله تعالى هو العدل فعليه جل وعلى أن يساوي في العطاء والجائزة وملخص القول أن الله تعالى أراد لهذه البشرية ولجميع الملل والنحل أن تسموا وترتقي بأنفسهم وأجسامهم نحو الطهارة والزكاة من الذنوب والمعاصي والتعامل مع بعضهم البعض في نظام معرفي عقلاني يخدم التعايش السلمي وبأسلوب وغاية أرادها الله تعالى في دنياهم وآخرتهم من خلال تطبيق النظرية الالهية أسمها الإسلام بالتسليم والانقياد المطلق للغيب بالعبادة توصلهم إلى الغاية المرجوة منها بعيدا عن التعقيد والتكلف والاعتماد على الغير من البشر . لكن تفسير هذه الكلمتين (الحور) و(العين) على أنهن فتيات صغيرات في السن أعدهن الله للشهداء من المسلمين الذين يُقتلون في سبيل الله وبهذه الأعداد العائلة منهن وبأسلوب مبالغ به من قبل المفسرين الذين خدعوا المسلمين بهذه الفرية التي أعدها لهم كبار العلماء من المتقدمين والمتأخرين بتفسيرها الخاطئ بحجة الجهاد لنصرة الإسلام وبيضته ضد أعدائه حيث ينعمون بحياة الترف والرفاهية والتمتع بالحياة هم وذرياتهم بعيدين عن الجهاد والموت بعدما زجوا بالمسلمين في أتون الحروب التي سُميت بالفتوحات الإسلامية في صدر الإسلام الأول وبعده تبين زيف إدعائهم حيث كانت إلا استعمار وعبودية  وتشريد وقتل ودمار كل من خالف الدين المحمدي في مشارق الأرض ومغاربها علما لم يبقى الإسلام وعقيدته إلا القليل منه في تلك الأراضي التي فُتحت عنوة ولا حور عين يوم القيامة ولا الدرجات الرفيعة في الآخرة .بعدما أنكشف زيف إدعاء بعض رجال الدين والفقهاء للعقيدة الإسلامية بدافع قتال الكفار والمخالفين للرأي والعقيدة والمذهب والطائفة باسم السنة النبوية الشريفة وزُهقت أرواح الشباب المندفع القاصري النظر والعقل والتفكير فكانوا وقودا لهذه الحروب والفتن بدون مشايخهم ومفتيهم الذين تنعموا بالمناصب والمكاسب والخيرات الدنيوية فقد أضاعوا دينهم ودنياهم وأخرتهم بجهلهم وإتباعهم الأعمى لعلمائهم الذين سلبوا منهم العقل والدين والروح باسم الجهاد أما الآن بعد غربلة الفكر الإسلامي وعقيدته السمحاء  وتفسيرات آيات القرآن بأسلوب علمي عربي مبين والوقوف على معانيه ومعرفة الغرض منه بحيث تكون مطابقة للعقل والمنطق وإرادة الله تعالى الذي أنزل هذا الكتاب رحمة للعالمين وليس لقوم بذاته وحفاظا على النسق القرآني وأغراضه وكل هذه الآراء ما هي إلا السبيل الوحيد لتبيض صفحة الإسلام المحمدي العالمي والسنة النبوية الشريفة وطرح ما تعلق بها من شوائب ومعتقدات منحرفة خاطئة أُريد بها الإساءة للإسلام وكراهيته من قبل شعوب الأرض الأخرى.

 

ضياء محسن الأسدي

 

 

 

حين يطالب الاب بحضانة ابنه، بعد انفصال الابوين لايقوم بذلك بعد ان كان قد رباه على يديه بكل تفاصيل التربية، وكان هو الراعي الاول  له،  فمن المعروف ان هناك علاقة تنشأ بين الطفل وبين من رعاه يوميا واعطاه الطعام والشراب والتدفئة والتنويم والتنظيف، واعطاه الاهتمام الكامل بكل جزئيات حاجاته وعلى مدار الساعة، وهذه العلاقة تنشأ عادة بين الحيوان الاليف وبين من رباه من البشرايضا  كمن يملك كلبا او قطة او طيورا، فنلاحظ هذه العلاقة الحميمة التي تنشأ بين الاثنين، هي علاقة تشبه علاقة الامومة بالكائن الحي، وربما قد مرّ بعض الرجال بهذه التجربة لمن ربى حيوانا اليفا في كنفة وعرف طبيعة العلاقة التي تنشأ بين الاثنين . ان انتزاع هذا الكائن من مربيه غاية في القسوة  للطفل او الحيوان  وللمربي، ففي هذه الحالة لايهم ملكية الحيوان لمن ؟، بل القضية تتعلق بهذه العلاقة العاطفية القوية التي جمعتهما، فليس من المناسب انتزاع الطفل- الحيوان  من مربيه بحجة ملكية هذا الطفل تعود لكائن اخر قرر اعادة ملكيته له اواعادة حق احتضانه له. ويتحجج  بهذا الحق او بعقد الملكية الذي بيده .

هذا مايحدث مع الطفل الصغير حين يطالب الاب بحقه الشرعي باحتضان ابنه وينتزعه من امه بحجة هذه الملكية الشرعية (الطفل وماله لابيه)، ان الطفل بعمر السنتين او السبعة او في الثانية عشرة من عمره  هو بحاجة لمن قام برعايته الرعاية الاولية الكاملة ولمن اهتم بشؤونه التفصيلية منذ الولادة، ولايجب التفرقة بينهما بحجة مالكية او عائدية هذا الابن لطرف اخر ساهم نسبيا باقل رعاية من حاضنه ومربيه وان كان الاب . ان هذا الانتزاع في غاية القسوة للطرفين للطفل وللمربي (الام عادة) هذا اذا اخذنا بنظر الاعتبار ان الام هي والدة هذا الطفل ولها الدور الاول والاكبر في انجابه واخراجه للحياة، وان كل تفاصيل هذا الكائن عائد لوالدته ولجهدها في ابقائه حيا في بطنها واثناء ولادته وبعدها . ان النسب والملكية والعائدية تتلاشى هنا امام ضخامة العلاقة بين الطرفين والتي هي الاساس الوجودي الاول  للكائن اما الامور الاخرى فهي اعتبارية شكلية خاضعة لتنظيم اجتماعي كان يرى ان الاب، لكونه ذكرا لابد ان يستحوذ على كل منتجات الانثى، حتى حليب الام صار هو صاحبه، لكون الطفل ابنه حصرا وماكان الحليب ليدر في ثدي الام لولا هذا الطفل الذي اهداه الاب لها، اما كل العمليات الفسيولوجية التي يقوم بها جسد الام فغير محسوبة ولاينظر اليها كعامل مؤثر لاحقيتها في الاحتفاظ بابنها في كنفها . ان الاحكام التي انبثقت في عصورمعينة كانت ترى في الاب هو العامل الوحيد للوجود، وانه -لكونه الممول للاسرة مع ذكوريته كافية لان يستحوذ على كل شيء في الوجود وان كل الكائنات الاخرى مسخرة له بما فيها المرأة التي لولاها لما كان موجودا، فنظرة تابعية الانثى للذكر مازالت قائمة في نظر الرجل لليوم، وهو المتحكم برؤيته عنها في القوانين والاعراف والاحكام الدينية، لايستطيع الرجل ان يتخيل الانثى كائنا مستقلا عنه وهي فرد كامل الاهلية ولاتحتاج لوصايته ونظرته الظالمة عنها، ربمايشعر الذكر ان اساس  وجوده قائم ليستحوذ على اكبر عدد ممكن من الاناث، وان على الاناث ان يرتبن حياتهن لما يريده  منهن  ، فلا يحق لهن التحكم باجسادهن وكيانهن وفكرهن،  بل الامر تعدى لتكون المرأة  وجسدها شرف الرجل . اعطاه هذا  التصور الحق  بالتدخل بحياة نساء عائلته، لكونه يحافظ على شرفه هو، اما شرفهن ووجودهن وسعادتهن فلا ينبغي الحديث عنه فهو من  المعيبات . وهنا يُطرح سؤال: حين لايكون الكائن حرا ولايحق له فعل اي شيء يخصه، ولا حتى الاحتفاظ بابنه، هل سيكون مكلفا؟

كل ذلك لان هذا الكائن  ينتمي الى جنس ملعون في الاديان والثقافات السائدة  وفي القوانين . هذا الكائن ينبغي ان لا يكون مكلفا، وغير خاضع لاحكام لايستطيع ان يرفضها، ان اغلب النساء وضعن في قوالب الزواج والامومة والحجاب والعفة بشكلها الاجتماعي دون رغبتهن وارادتهن، وسقن في دروب الحياة سوقا بلا ارادة فعلية منهن  والبعض أُنتزع منهن ابناؤهن بلا ادنى رحمة لمجرد ان الاب قرر استعادة ملكيته، لكونه يملك حقا اونسبا او عينا، ان فطام الامومة لايكون بالانتزاع لمجرد بلوغ الابن سنإ معينة بل لابد ان تصحبه تدبيرات كثيرة لاتحرمه في النهاية من حضانة امه بشكل كامل اذا ماثبت بدليل ما ان صلاح حياته يكون مع ابيه.

ان كمية الرعب التي استشعرها وانا اتخيل ان الطفل بعمر سنوات ينتزع من امه، لان الولد (الذكر) لابد ان يكون مع ابيه بسن مبكرة جدا، الذي لايقوم في غالب الاحيان  الا برميه على امرأة اخرى ليست امه وليس بينها وبين الطفل علاقة الحضانة والتربية لتقوم بتربيته، ان عاطفة الامومة او الابوة لاتنشأ اعتباطا، بل من خلال تربية الطفل والاعتناء به منذ ايامه الاولى، كيف يريدون من زوجة الاب ان تعتني باطفال لاتعرفهم، ولم ترتبط بهم باية عاطفة؟ . هذه جريمة اخرى بحق المرأة ان تجبر على رعاية اطفال لاترتبط بهم بعلاقة عاطفية، التربية ليست الاطعام والاكساء، بل ارتباط قوي يشعر به الطرفان . فالام حين تغضب من ابنها وتعاقبه يدرك عميقا ان امه تحبه وهو لايرضى بزعلها وغضبها، ولذلك ياخذ غضبها بمأخذ حسن، اما غضب زوجة الاب او العمة او الجدة فلن يفهمه على هذا الامر فيشعر انه مكروه ومغضوب عليه من محيطه، ومن هنا تنشأ الاضطرابات النفسية عنده  . من قال ان مصلحة الطفل بالمطلق في وجوده بحضانة الاب، لتعطى احكام مطلقة بذلك؟، الامر يستدعي دراسة كل حالة على انفراد، ومعرفة مصلحة الطفل النفسية والاجتماعية والصحية وترتيب الامور لصالحه، وهذا يستدعي ان تتنوع الحلول والاحكام، فليس الطفل ملكا لابيه او امه بقدر ان ينشأ سليما نفسيا،  فلا ينتزع من حاضنته لسبب يعود لحق احد اخر بحضانته، لست هنا بصدد الدعوة الى  حرمان الاب من رؤية اولاده بل لابد من تنظيم ذلك لصالح الطفل اولا والاب والام ثانيا، ان قرار الطلاق كان بيد الاب وهو كان مدركا ان خياره هذا قد يحرمه من احتضان اولاده بالكامل، ومع ذلك قدم رغبته بالطلاق على البقاء معهم ولذلك لاينبغي معاقبة الابن والام عبر ممارسة قاسية لاتحمد عقباها .

 

بتول فاروق

٢٣/ ١١ / ٢٠٢٠

 

 

جعفر نجم نصرالعراقيون والحيرة الثقافية للأجيال

قبل المضي قُدماً في بيان مسوغات سؤالنا الجوهري (من نحن)، وجدالاته التي نفترض وجودها كما سنبين لاحقاً، ينبغي التوقف قليلاً عند المدخل الاصطلاحي الجوهري لما نريده بـ(الهوية الثقافية) الذي هو على تواشج تام مع السؤال اعلاه. إذ يرى احد الباحثين ان الهوية لا تخرج عن نطاق الوهم ولا يمكن ان تحصر في دلالات مفاهيمية او نظرية معينة، لكونها وليدة صراع سياسات مختلفة.

وهذا ما ذهب اليه الباحث الفرنسي جان فرانسوا بايار في كتابه (أوهام الهوية)، فهو يعتقد ان الهوية في اقصى احوالها أي ما يسمى بـ(الهوية الاصلية) لا تخرج من الاطار السياسي، فهناك علاقة معقدة بين التصورات الثقافية والممارسات السياسية والاساليب الشعبية في التحرك السياسي والخيال السياسي. ويُضيف بعد ان يصف النزاعات التي عرفها العالم في حروب يوغسلافيا والقوقاز والجزائر ومنطقة البحيرات الكبرى في أفريقيا، وقد انعقدت تلك النزاعات حول مفهوم الهوية، وهي تستمد قوتها المهلكة من افتراض يزعم ان الهوية الثقافية تقابلها بالضرورة هوية سياسية لا تخلو هي أيضاً في الواقع من طابعها الوهمي. والحق ان كلاً من هاتين الهويتين تكون في احسن الاحوال بناءً ثقافياً او سياسياً او ايديولوجياً، أي بناءً تاريخياً أصلاً، فلا توجد هوية طبيعية تفرضها الاوضاع، ولا توجد حسب رأيه هويات أصلية او سكان أصليون فطريون إذ ليس (هناك سوى استراتيجيات للهوية يتبعها بشكل رشيد محركون يمكن التعرف عليهم) يعدد منهم بايار محترفي السياسية الشيوعيين الصرب الذين تحولوا إلى قوميين متعصبين وغلاة الهوتو في رواندا (1).

من الواضح ان بايار يعتقد بعدم وجود هوية ثابتة ومحددة المعالم والخصائص وهو في الوقت ذاته يرى ان الهوية وليدة الرغبات السياسية من جهة والصراعات السياسية من جهة أخرى، لكن ما مدى مصداقية اطروحات بايار تلك؟ ما دام إنه لا توجد هوية ثابتة خاصة بأمة او جماعة او مجتمع او حضارة معينة، فلماذا هذا التمايز والمغايرة بين الامم والشعوب والحضارات؟ ولماذا بعض الشعوب تدافع فكرياً وفي كثير من الاحيان عسكرياً عن خصوصيتها الثقافية؟ أي تحصن (هويتها) اتجاه الآخرين (جماعات، أمم، حضارات).

في هذا المجال نجد إن علي حرب يجعل من البديهي القول ان لكل حضارة عالمية خصائصها وفرادتها، وإن لكل جماعة إنسانية كبرى هويتها الثقافية التي تتماسك وتتميز عن غيرها من الجماعات الأخرى إذ يذهب مؤكداً على الخصوصية والفرادة لتلك الهوية قائلاً: ولا شك ان هذه الهوية تصدر عن رؤية أساسية وشاملة تكونها كل جماعة لنفسها عن العالم والطبيعة والإنسان وتتضمن سلماً من القيم ينظم الوجود الفردي والمجتمعي لهذهِ الجماعة(2 ).

فلهذا نجد ان الهوية الثقافية مثلاً مبنية على خصائص تجريبية خاصة بجماعة دون سواها، وبالتالي يتولد من رحم تلك الهوية أيديولوجية معينة تصنع بها تلك الجماعة هويتها السياسية، وذلك لأن تلك الهوية المصنوعة تستند على قيم ومعايير هوية الجماعة الثقافية التي تحدد (جذور السلطة ومن ثم أشكالها وإيديولوجيتها)، وبالتأكيد ان هذا الامر برمته مبني على صيرورة تاريخية تعدل بها الهوية الثقافية ويضاف لها عناصر جديدة، وبالتالي ينعكس ذلك على الهوية السياسية.

فالهوية هي بالأصل المغايرة والخصوصية وكما يقول حرب: صحيح ان الهوية في أول أمرها لا تبنى الا على ضرب من النفي للآخر كما يقول هيغل: غير ان الهوية لا تتحقق في النهاية الا عبر المغايرة كما يؤكد هيغل نفسه، فالهوية إطار للتعرف وأصل للانتساب من دون ان يعني ذلك الانغلاق التام، المفضي إلى نفي الاخر في الداخل والخارج (3).

إذن الهوية الثقافية كيان يتّصير، يتطور، وليست معطى جاهزاً ونهائياً، هي تصيّر وتتطور، أما في اتجاه الانكماش، وأما في اتجاه الانتشار، وهي تغتني بتجارب أهلها ومعاناتهم، انتصاراتهم، وتطلعاتهم، وأيضاً باحتكاكها سلباً او ايجاباً مع الهويات الثقافية الأخرى التي تدخل معها  في تغاير من نوع ما(4).

ولكن الأمر المهم الذي ينبغي الاشارة اليه هنا هو: ان الهوية الثقافية بمثابة الام لسائر الهوية الاخرى (الدينية، السياسية، القومية، ...الخ)، لكونها المعين او المصدر الذي تُنهل منهُ سائر تلك الهويات وتحدد خصائصها وعناصرها الاساسية الممايزة لها.

أمام هذا التأطير الاصطلاحي الاساسي ننظر إلى المشهدية الثقافية العامة في العراق، تلك المشهدية التي هيمنت عليها الصدامات والصراعات السياسية الداخلية والخارجية (الاقليمية) وحتى العالمية منها، وغاب عنها سؤال جوهري (من نحن؟)، كسؤال ثقافي، ما هي مرجعيتنا الثقافية التي ينتمي لها العراقيون المتنافرون  والمتقاربون في الحياة العامة.

إذ لم يخطر على بالهم تصنيف أنفسهم ثقافياً وهم  يقدمون هويتهم الدينية (الطائفية) التي تسيدت المشهد منذُ عام 2003، فضلاً عن تقديم هويتهم الاثنية (العرقية)، التي خطت لنفسها مجال جغرافي، سياسي واضح المعالم؟ ولعل السؤال الوحيد الذي  برز في كل هذهِ الاجواء والى يومنا هذا ليس سؤال (من نحن؟) بل سؤال (من هم؟) والسؤال موجه للساسة وللطوائف وللأقليات وللاخر الاقليمي أو العالمي؟ والسؤال دائماً يأتي من زاوية سياسية حصرية إلى حدٍ كبير.

ان سؤال من نحن في هذه اللحظة الراهنة موجه إلى ابناء الجيل المعاصر (الشباب)، فإذا كانت الهوية الدينية واضحة المعالم والهوية السياسية مخلوطة بألوان متعددة نعرف توجهاتها عبر خارطة مصالحها، ولكن سؤال من نحن بالمستوى الثقافي قياساً بالتوجهات الثقافية العالمية في ظل تصارع منظومتي (الحداثة وقيمها) و(ما بعد الحداثة وفقدانها البوصلة الاخلاقية المركزية) وفقدان المركزية المعيارية للحقائق والاخلاق، نتساءل عن موضعنا وثقافتنا وقيمنا الخاصة بنا وقيم هذا الجيل من كل ذلك.

إذ بين الحداثة وما بعدها تمتد أذرعة التقنيات (وسائل الاتصال الحديثة) وتهيمن (الاسواق العالمية) اللذان لا يضخان نزعة استهلاكية او رموز ثقافية صورية فحسب، بل يقدمان أنموذجاً قيمياً، أخلاقياً، ثقافياً يفرض نفسه، في ظل تسيّد ثقافة الصورة التي انهت عصر ثقافة الكلمة التي ينتمي لها حراس القيم التقليدية امام جيل ثقافة الصورة الذي لا يملك الا الصور الاخلاقية المتسارعة التي تبثها او تولدها الفضاءات التواصلية الالكترونية العالمية.

إن ثقافة الصورة تلك تسهم في صناعة هوية ثقافية منقطعة الصلة تماماً عن إرث الثقافة العراقية الام وقيمها، في ظل التركيز على (الجسد) اهتماماته الحسية فحسب، ونشر ثقافة (التملك والربح السريع) والاغواء المبطن بالسخرية من كل شيء عبر هدم كل النماذج القيمية والروحية؛ إن ثقافة الصورة انتجت في العالم كله والعراق جزءٌ من ذلك، انتجت جيل الكتروني متشابه/ مستنسخ في الاذواق والميول والاهتمامات والاستهلاك والقيم ونمط التفكير السطحي.

وفي العودة إلى سؤال من نحن؟ ربما كان العنوان الديني الاسلامي هو الصوت الصادح بالإجابة، وان الاسلام عموماً هو الموجه لتلك الهوية الثقافية وصناعة القيم الروحية، وهو المعني بالدرجة الاولى في مواجهة المد الحضاري الجديد، وللعل هذا الامر هو ما أؤمن به وما ادعوا له، ولكن هل يوجد لدينا نموذج ثقافي/اسلامي يمكن له مواجهة هذهِ التحديات الجسام.

في البحث بنحوٍ اكثر عمقاً عن النموذج الثقافي/ المتكامل الذي صيغ في العراق نجد انموذجين اسلاميين هما: نموذج (الاسلام السياسي) الذي فشل فشلاً ذريعاً لأن رجالاته سقطوا على المتاع والمغانم السريعة وذهبت كل الاحبار التي سالت في بناء نموذج ثقافي/ متكامل ادراج الرياح، بل وذهبت معهُ مع الاسف الدماء النفيسة للكثر من المصلحين والاصلاحيين وصناع الهوية الثقافية.

فأين النموذج الذي قدمه الاسلام السياسي ولماذا تخلى عنه اتباعه، او لنقل باعوه بثمن بخس مقاعد ووزارات محدودات بعد عام 2003، وتم (أمركة) النموذج كلياً عبر (اللعبة السياسية)، وإذ نذكر هذا النموذج فأننا نتحدث عنه من باب الارث الثقافي/الاسلامي الابرز وليس تأسفاً او تباكياً عليه او على سواه.

النموذج الآخر الموغل بالقدم والذي قدم وظائف دينية معتد بها ومهمة لقطاعات جماهيرية عريضة وهو (انموذج الحوزة الدينية) نتساءل هل يمتلك الادوات والمناهج والرؤى لصناعة (هوية ثقافية) في ظل هذا الطوفان القيمي الهادر، ام انه يحتاج إلى الاصلاح والتحديث كيما يلائم هذهِ المتغيرات العالمية التي عصفت وتعصف بنا، ولماذا فشلت مشاريع اصلاح هذا النموذج على الرغم من جهود (السيد محمد باقر الصدر والسيد محمد حسين فضل الله وغيرهما)، فلماذا ما زال منطقه يركز على الطقوسيات والممارسات التقليدية اكثر من صناعة وعي ثقافي/ حضاري يستوعب جملة هذه المتغيرات الحاصلة، لماذا يعيش في دورة زمانية/ ساكنة تتأبى على الكسر عبر رؤية دينية/ أبوانية تنتمي لمرحلة القرون الاولى لتأسيس المذهب فقهياً وتنظيمياً، لماذا خطابها لا يصل الا الى ابناء الجيل الملتزم دينياً؟ أما سائر افراد هذا الجيل فهم يرفضون خطابها الذي لا يعبر عن مشكلاتهم الفعلية او تطلعاتهم الحياتية .

بعبارة مكثفة لماذا انموذج الحوزة لايمتلك المعالجات الحاسمة للمتغيرات الثقافية المتسارعة، ويظل راكنا الى خطاباته ومناهجه الكلاسيكية التي تخطاها الزمن منذ عشرات السنيين؟.

واذا كانت هي النموذج الاوحد فلماذا لاتوجد هوية ثقافية غير الملامح الطائفية والطقوسية التي تعزز (الهوية الدينية) فحسب وغيرمهتمة ب(الهوية الثقافية)؟ فما هو موقفها من المد الحضاري الغربي الذي صنع جيل عالمي متشابه في كل مكان عبر ثقافة الصورة او تقنيات التواصل التي اصبحت وثنه العاكف عليه الى جانب وثن (الاستهلاك والتسليع والتسطيح)،فما هي الرؤية الثقافية للحوزة ازاء ذلك ،وماذا جوابها عن سؤال (من نحن ؟) بعيدا عن الاجابات التقليدية بوصفنا (مسلمين) او نحو ذلك ،وماهو دورها في ظل (المجال القيمي) الذي اصبح مستباحا في ظل جيل معاصر لاينتمي لاية منظمومة قيمية.

اما على مستوى المفكرين الاسلامين او الباحثين الاسلاميين ان وجدوا في العراق ،فنرى انعدام وجود نموذج حضاري /ثقافي منهجي لديهم سوى اللغة الادبية / الدينية التي تهيمن على خطاباتهم بلا منهج علمي رصين يسير خطاباتهم ومشاريعهم فضلا عن كون بعضهم مجرد حديقة خلفية لمدارس فكرية معينة ،وبالوجه العام لايمكن له ان يقدم بديل عن المد الثقافي الغربي الجارف.

أما بالنسبة للأكاديمية العراقية فهي تعيش حالة من الموت السريري/ المعرفي، فالنسبة الكبيرة من الاكاديميين لا هم لهم سوى  المعاش والالقاب العلمية وكتابة الابحاث الرقيعة لأجل عالم الجودة والرصانة الجامعية/ الهزيلة، أما ان يوجد حراك ثقافي او تيارات ثقافية تعبر عن موقف لمواجهة هذهِ التحديات او صناعة انموذج ثقافي، فلا يوجد أي تنفس معرفي/ ثقافي حقيق سوى اجواء المحاضرات البائسة والرطانة الاصلاحية الفارغة والبحث او اللهاث خلف المناصب الادارية لا ا كثر ولا اقل، فضلا عن ان الكثير منهم يكتفي بالنقد السياسي ازاء السلطة فحسب  وهو جهد العاجز ان صح التعبير ،فالاكاديمية العراقية أشبه بالمقبرة الآن.

ولقد فشل مثقفو العراق وبأعداد هائلة في تحديد الاجابة عن سؤال (من نحن؟) بل كانوا هم جزءً من اشاعة الفوضى الثقافية، إذ تميز سلوك نسبة كبيرة منهم بالانتهازية والسلوك الثقافي/ المفضي لاستعارات ايديولوجية ونماذج ثقافية واستصحاب قيمها/ السلوكية المنافية لمنظومتنا الثقافية، ولعل في مقدمتهم (الشيوعيين) وفي آخرهم (الليبراليين/ او التيار المدني)، فمرة تحت عنوان الانفتاح الثقافي على الآخر، ومرةً تحت عنوان مواجهة المفكرين المسلمين والاسلمة والاسلاموية (الحركية) اسهموا في صياغة النحن بنحو فج عبر الحصول على امتيازات ثقافية (صناعة النخبة وعضويتها) وبوصفهم عقلانيين العراق وحداثويه، ومرة أخرى حصلوا على امتيازات ثقافية عبر دغدغة مشاعر المؤسسات الغربية/ الثقافية لأجل منافع شخصية.

وكل هؤلاء الببغاوات من المثقفين العراقيين لا يمتلكون أي نموذج ثقافي/ بديل من عندياتهم او من توليدهم المعرفي/ الذاتي، الذي يتلاءم والمنظومة القيمية الدينية التي ارى فيها شرطاً وجودياً وأساسياً بل وأنثروبولوجيا لا يمكن القفز عليه او به نحو دوائر ثقافية، غربية تحد من دوره او تعلمنه بنحوٍ اقصائي عبر فرض نموذج أخلاقي جديد استطيع تسميته بـ(الاسلام الأمريكي) أو (الاسلام الناعم) الذي يقطع مع الوحي والارث الديني والمنظومة القيمية في سبيل تحقيق (الرفاه الاقتصادي) الموعود و(الانفتاح التقني اللامحدود) من غير (عُقد دينية)!!؟.

وأمام هذا كله أرى ان الساحة العراقية تخلو من نموذج ثقافي/ قيمي يعيد تشكيل هذا الجيل الجديد ليس عبر الوصاية او بقوالب ايديولوجية/ موجهّة او مهيمنة، بل عبر ايجاد خطاب ثقافي/ انساني/ معرفي يعيد لهذا الجيل روابطه مع جذوره القيمية التي منبعها او مصدرها الرئيس هو (القيم الروحية).

ان الهوية الثقافية هي بوتقة الصهر الرئيسة التي تجمع سائر الهويات وتعيد تشكيلها مرة أخرى عبر منظومة قيمية توازن بين الجوانب المادية (للأقتصاد) والجوانب المعنوية لـ(القيم الروحية والاخلاقية) أي توازن بين الجسد واهتماماته والجانب الروحي/ المعنوي/ الانساني/ الوجودي.

والا سيكون الطوفان القادم هو هذا الجيل المعاصر الذي لا يمتلك أية بوصلة اخلاقية، والذي يقع الان فريسة ثقافة الصورة التي اعادت تشكيله بنحوٍ كبير، وفي الحقيقة ان هنالك صراع محتدم بين (جيل الكلمة) ابناء الستينات والسبعينات وبين (جيل الصورة) ابناء تسعينيات القرن الماضي وابناء الالفينات، ولكنهُ صراع خفي/ مستتر، وهو يفتقر إلى النموذج الروحي الاخلاقي الذي يجب ان يتسيّد المشهدية الثقافية الراهنة.

 

د. جعفر نجم نصر

أستاذ أنثروبولوجيا الدين /الجامعة المستنصرية

......................

المصادر

(1) ينظر: جان فرانسوا بايار، أوهام الهوية، ت: حليم طوسون، دار العالم الثالث، القاهرة، 1998، ص7-8.

(2) علي حرب، التأويل والحقيقة: قراءات تأويلية في الثقافة العربية، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1985، ص189.

(3) المصدر نفسه، ص94.

(4) محمد عابد الجابري، العولمة والهوية الثقافية: عشر اطروحات، دراسة ضمن اعمال ندوة (العرب والعولمة)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط3، 2000، ص298.

 

 

عامر صالح

شهدت فرنسا العديد من العمليات الأرهابية الشنيعة في اساليبها وطرق تنفيذها التي تزرع الرعب في الآمنين من السكان وتستهدف امنهم الشخصي والمجتمعي، وقد تصدرت فرنسا قائمة الدول الأوربية التي يجري استهدافها من قبل المتطرفين الأرهابين في السنوات الأخيرة من هجوم على صحيفة "شارلي إيبدو" الساخرة منذ عام 2015 إلى الحوادث الأخيرة في مدينتي باريس ونيس، ولا يوجد أشد هولا وهلعا وخوفا من قطع الرأس والطعن والتمثيل في الضحية.

كانت اعمال القتل مروعة وأجرامية بكل المقاييس الانسانية ولا تستدعي إدانته أي لحظة تردد أو تفكير، فأنسانية السلوك لا تتجزأ إنتقائيا حسب المكان ونوع الضحية وجنسيتها، فالقتل مدان عندما يطال المدنيين والعزل ويعبث بأستقرار الناس ولحظات راحتهم، والقتل فعل جبان عندما يستهدف من لا ناقة ولا جمل لهم من الآمنين الابرياء. إنه عمل خسيس يستهدف إثارة الرعب وعدم الاستقرار ولا يستهدف الضحية بعينها فقط، بل يستهدف عمليات الاستقرار الاجتماعي والامني في المجتمع الذي يقع عليه فعل الارهاب. ومن العيب والخزي ان تسود لغة التشفي والفرح الكامن لما حصل للفرنسيين من مأساة ومحاولة ايجاد أشتراطية لإدانة الجريمة عبر إفتعال قرينة مشوهة وغير دقيقة للمقارنة ووضعها شروطا مسبقة للإدانة.

كيف نطلب من العالم المتمدن أن يقف الى جانب قضايانا العادلة وان يسهم في ايجاد حل لمشكلاتنا المستعصية وان يدعمنا في دحر داعش ونحن نخجل في إدانة فعل قتل جماعي يرتكب بحق الابرياء والعزل من الناس ونضع شروط مسبقة للإدانة. ان الموقف من إنسانية الانسان وتحريم هدر دمه لا تحتمل الاجتهاد ولا الفتاوى، وان السكوت وعدم الادانة والتحايل في التصريحات هو مساهمة في جرائم القتل وإيجاد غطاء شرعي لها مما يسهم في التشجيع عليها واعادة إنتاجها على نطاق واسع.

لقد تركت لنا البشرية ومسيرة الحضارة تراكما ايجابيا لإحكام السلوك الانساني وتقنينه والحكم عليه، وبالتالي وضعت معايير وتصنيفات لتلك الجرائم المرتكبة بحق الانسانية، ومنها بشكل خاص جرائم الإبادة الجماعية، والتي كانت ولاتزال محط اهتمام الكثير من المنظمات الانسانية والدولية، حيث توصف جرائم الإبادة الجماعية بأنها أشد الجرائم الدولية جسامة وبأنها "جريمة الجرائم"، فهي وكما تشير بعض المصادر سياسة للقتل المنظم المرتكبة تنفذ بحق مجموعات من الأشخاص على أساس قومي أو عرقي أو ديني أو سياسي، وقد صنفت كـجريمة دولية في اتفاقية وافقت الأمم المتحدة عليها بالإجماع سنة 1948 ووضعت موضع التنفيذ عام 1951 بعد أن صادقت عليها العديد من الدول. وحتى الآن صادقت عليها أكثر من 133دولة على هذه الاتفاقية بينها الاتحاد السوفييتي " روسيا حاليا " والولايات المتحدة وغيرها من الدول الأخرى.

وفي هذه الاتفاقية، بموجب المادة الثانية، تعني الإبادة الجماعية أيا من الأفعال التالية، المرتكبة علي قصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو اثنية أو عنصرية أو دينية، بصفتها هذه: قتل أعضاء من الجماعة، إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة، إخضاع الجماعة، عمدا، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كليا أو جزئيا فرض تدابير تستهدف تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة، نقل أطفال من الجماعة، عنوة، إلي جماعة أخرى.

كذلك نصت المادة 18 من مشروع مدونة الجرائم ضد أمن وسلامة البشرية لعام 1996 على تعريف الجرائم ضد الإنسانية وتحديد صورها بأنها "كل فعل من الأفعال التالية عند ارتكابه بشكل منتظم أو على نطاق واسع أو بتحريض أو توجيه من إحدى الحكومات أو من أي منظمة أو جماعة، وتشمل القتل العمد - الإبادة - التعذيب - الاسترقاق - الاضطهاد لأسباب سياسية أو عنصرية أو دينية - التمييز النظامي لأسباب عنصرية أو إثنية أو دينية والذي يشمل انتهاك الحقوق والحريات الأساسية للإنسان ويؤدي إلى ضرر جسيم بجزء من السكان - الإبعاد التعسفي أو القتل القسري للسكان - الاحتجاز التعسفي - الإخفاء القسري للأشخاص - الاغتصاب والدعارة القسرية والأشكال الأخرى من الاعتداء الجنسي - الأعمال اللاإنسانية الأخرى التي تلحق ضررًا جسيمًا بالسلامة الجسدية أو العقلية أو بالصحة العامة أو بالكرامة الإنسانية مثل التشويه والإصابات الجسدية الجسيمة".

وقد جاءت تلك المدونة على ذات نهج مدونة 1991، إلا أنها أضافت لها صور الجرائم التي تتمثل في التحريض أو توجيه من إحدى الحكومات أو أي من المنظمات أو الجماعات، مع استبعاد الحالات التي ترتكب فيها تلك الجرائم بواسطة فرد بتصرف ذاتي منه دون دعم أو تشجيع أو توجيه من حكومته أو جماعته. هذا في ما يعني ضد استباحة كرامة الأنسان وتحريم قتله مهما بلغت الدوافع والمبررات النفسية والفكرية والعقلية لمرتكبي الجرائم، حكومات كانوا أم أفراد.

اما بخصوص حرية المعتقد والتعبير وممارسة الطقوس المختلفة فقد ورد في الإعلان العالمي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 الذي اتخذته الجمعية العامة للأمم المتحدة وفرنسا جزء منها،حيث يعد الإعلان وثيقة تاريخية مهمة للإنسانية كافة كونها تؤسس لحقوق الإنسان وقد تولى صياغتها ممثلو الدول وهم يحملون خلفيات القانونية والثقافية متباينة مستقاة من جميع أنحاء العالم، واعتمدت الجمعية العامة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في (10 كانون الأول/ 1948) بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بالقرار رقم (217)، حيث تؤكد المادة الثانية على أن "لكلِّ إنسان حقُّ التمتُّع بجميع الحقوق والحرِّيات المذكورة في هذا الإعلان، دونما تمييز من أيِّ نوع، ولا سيما التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدِّين، أو الرأي" وتضيف المادة الثامنة عشر بأن "لكلِّ شخص حقٌّ في حرِّية الفكر والوجدان والدِّين، ويشمل هذا الحقُّ حرِّيته في تغيير دينه أو معتقده، وحرِّيته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبُّد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة" والأهم ان المادة السادسة والعشرين ترسي مبدأ غاية بالأهمية يسمى حيادية المؤسسات التعليمية حيث تنص على أن "يجب أن يستهدف التعليمُ التنميةَ الكاملةَ لشخصية الإنسان وتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، كما يجب أن يعزِّز التفاهمَ والتسامحَ والصداقةَ بين جميع الأمم وجميع الفئات العنصرية أو الدينية، وأن يؤيِّد الأنشطةَ التي تضطلع بها الأممُ المتحدةُ لحفظ السلام".

وكذا الأمر في الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان والتي وقعت في روما عام 1950وورد النص فيها بالمادة العاشرة على أنه "لكل إنسان الحق في حرية التفكير والضمير والعقيدة، هذا الحق يشمل حرية تغيير الدين أو العقيدة، وحرية إعلان الدين أو العقيدة بإقامة الشعائر والتعليم والممارسة والرعاية، سواء على انفراد أو بالاجتماع مع آخرين، بصفة علنية أو في نطاق خاص".

وكذلك العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية 1966، الميثاق الأمريكي لحقوق الإنسان 1969، وثيقة اليونسكو للمبادئ الأساسية الخاصة بإسهام وسائل الإعلام في دعم السلام والتفاهم الدولي، الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان 1979، مبادئ جوهانسبورغ حول الأمن القومي وحرية التعبير، الميثاق العربي لحقوق الإنسان 2004، وأكدتها وكفلتها الدساتير العالمية وبنصوص صريحة وواضحة لا غموض او لبس فيها، ومنها الدستور الفرنسي "دستور الجمهورية الخامسة لعام 1958 المعدل".

إن العزلة التي يعيشها البعض من الجالية المسلمة جزء من ظروف الأزمة الاقتصادية التي تمر بها فرنسا وحتى دول اوربية اخرى وليست مرتبطًا بالمسلمين فقط. وهو بدلاً من الاندماج في المجتمع الفرنسي او الأوربي عموما يعمل على العزلة عن الثقافة الفرنسية والاوربية. ولا يرتبط ذلك بالإسلاموفوبيا. وتأكيدا على احترامها للجالية المسلمة قامت فرنسا بتأسيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية من أجل الحوار والتفاهم مع تنظيم قانوني يحمي الجالية، ويقدم لها الإطار القانوني اللازم.

مما لا شك فيه، أن فرنسا تعاني من أزمة هوية بسبب مشاكل الاندماج لدى جزء كبير من ذوي الأصول المهاجرة. وهناك مَنْ يفهم أن العلمانية تعني الإلحاد، وهو تصور خاطئ بلا شك لما تنادي به فرنسا المستنيرة التي تفصل بين الدين والدولة، أو أنها تمنع ارتداء اللباس الذي يرمز إلى الدين، وتفرض قيودا بالغة على حضور الدين في تفاصيل الحياة العامة. ويصل الحد بالمتطرفين أنهم ينظرون إلى فرنسا كبلد استعماري مسيحي منذ انخراطها في الحرب ضد المتطرفين والإرهابيين. تلك هي مفارقات سلوكية بين دولة انت قادم للأقامة بين ثنايها ولكنك لا تقبل العيش في كنفها الثقافي والاجتماعي ولا ترغب في الاندماج الطبيعي بين المكونات السيكو اجتماعية، بل تختار العيش على هامش وفتات المجتمع، وبالتأكيد له انعكاساته في خلق مزاج للعزلة العدوانية والموجهة صوب المجتمع الأكبر.

بالتأكيد هذا بقدر ما هو ادانة للقتل والذبح بحق المدرس الفرنسي، ولكن بنفس الوقت هو دعوى للحكومة الفرنسية والسلطات التعليمية والاجتماعية لفهم المزاج السائد في اوساط 8 ملايين مسلم في فرنسا، بالرغم من عدم تجانسهم الفكري والايديولوجي ومديات الممارسة الدينية، بل ان من اوساط " المسلمين " ملحدين وقد ورثوا الدين عن ابائهم واجدادهم دون طقوس تذكر، ومن بينهم مفكرين في ارساء أسس الديمقراطية والمجتمعات المدنية القائمة على الفصل بين الدين والدولة والسياسة.

من الناحية السيكولوجية الخالصة فأن جرائم القتل والارهاب وزرع الرعب تعبر عن سلوكا عصابيا مرضيا معمدا بدوافع التركيز الشديد للانتقام من الاخر المغاير في صبغته الدينية والقومية والمذهبية والطائفية والجنسية والثقافية وغيرها من الفروق المختلفة، ومبررة ارتكاب هذه الجرائم بخطاب فكري وديني وثقافي مغاير وذو مسحة اقصائية للاخر. ومن الناحية النفسية فقد نجد في ابرز ملامح ديناميات السلوك التي تكمن ورائه بما يأتي:

ـ سيطرة الغريزة التدميرية والفناء مقابل غريزة الحياة والبقاء، وتتخذ غريزة التدمير مسارين، أحدهما ضد الذات، وقد يكون متزامنا بفناء الاخر كما هي العمليات الانتحارية أو ليست بالضرورة، فيكتفي المرء بفناء نفسه. وتنشأ الغلبة لغريزة الموت على الحياة من خلال تشبع الفرد بثقافة الاقصاء وتحريم الاختلاف وعدم تقبل الاخر ، الى جانب اعتناق الافكار والمعتقدات الدينية وغير الدينية بطريقة عقائدية متحجرة، فتلغي بدورها قيمة التنوع والاختلاف، مما يسهل نشوء منظومة سلوكية تدميرية تضعف عوامل البقاء الصالح المتوازن وانهائه، وبالتالي انهاء الحياة كاملة على خلفية الاعتقاد ان كل ما موجود هو خاطئ باستثناء ما يعتقده هو فقط.

ـ ضعف وتداعي "الانا العليا " من أخلاق ومعايير ونماذج مثالية للسلوك، وغياب لدور الانا التوفيقية، وسيطرة سائدة " للهو " الذي تلعب فيه الغرائز البدائية وذات الطبيعية الحيوانية دورا كبيرا في تشكيل ملامح شخصيته. فهو يتصرف هنا بفعل توقف عملية النمو النفسي لديه موئلها رموزه الدينية والسياسية والحياتية، وتسود ملامح شخصية قوامها عقدة النقص وتنشأ على خلفية ذلك وتشتد مشاعر الاثم والاحساس بالضعف وعدم المقدرة الاستقلالية والخضوع التام لرموز دينية وسياسية وقومية يسلم أمره لها، يقابله تحميل الاخر المغاير له كل عوامل ضعفه واسقاطها عليه، وتصل الى حد الانتقام والابادة للاخر المختلف واستأصاله وتدميره.

ـ تضخم الانا العليا والشعور المتزايد بضغوطات الضمير وعدم المقدرة على ايجاد حالة من التوازن في الديناميات النفسية عبر حلول الانا، والاغراق في ممارسة معاقبة النفس وتكريس مشاعر الاحساس بالذنب في اجواء من هيمنة الاكتئاب والاشمئزاز من النفس والسعي المتزايد لانتقاد النفس وتخليصها من الهلاك وصولا الى الهلاك الذاتي المتمثل في محاولات الانتحار أو ممارسة التفجير الذاتي في وسط من يراهم مغايرون له في الدين والمعتقد.

ـ تقاطع هذاءات " بارانويدا " العظمة والاضطهاد في السلوك التدميري في السياسة. وإن كان هذا المصطلح يعني مرضا عقليا خطيرا بشقيه " داء العظمة وداء الاحساس بالاضطهاد " فأنه في السياسة له دلالته الخطيرة، حيث النظم الدكتاتورية والقمعية البوليسية المؤدلجة منها والمتأسلمة والشوفينية والعنصرية والمبتلاة بداء العظمة تستخدم كافة وسائل العنف من خلال اجهزتها العسكرية والامنية المخابراتية القمعية المختلفة لإلحاق الاذى بشعوبها أو شعوب أخرى للتعبير عن الاحساس المفرط بالعظمة وسلوك الهيمنة المطلقة. وعلى مستوى الأفراد فأنه اشد وقعا لأرتكاب أكثر الجرائم بشاعة.

يقابله في الطرف الاخر الاحساس بالمظلومية والاضطهاد المفرط والمنفلت من أي مسحة إنسانية أو فهم لظروف وقوانين الصراع الموضوعية، هو الاخر يحمل في طياته دوافع الخراب والعنف والتدمير الشامل، ويشكل هذا السلوك ردود فعل عنيفة يخرج عن دائرة التغير الايجابي الممكن للاوضاع السائدة، وغالبا ما يكون هذا السلوك مؤطرا بخطاب المذهبية والطائفية والشوفينة العرقية ويكون بيئة صالحة للارهاب المجتمعي والدولي، في ظل غياب خطاب عقلاني انساني سائد مفعم بعوامل البقاء الانساني والذي يحافظ على قيمة الوجود الانساني الحر. وهكذا تتبادل الادوار بين الجلاد والضحية.

أمهل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قادة الدين الإسلامي في فرنسا 15 يوما لوضع ميثاق يؤكد على القيم الجمهورية للدولة، ويحدد "أن الإسلام دين فقط وليس حركة سياسية". وعرض المسؤولون عن الدين الإسلامي على ماكرون، الذي استقبلهم في وقت سابق بقصر الإليزيه، الخطوط العريضة لتشكيل مجلس وطني للأئمة يكون مسؤولا عن إصدار الاعتمادات لرجال الدين المسلمين في فرنسا وسحبها منهم عند الاقتضاء، والذي طلب الرئيس الفرنسي تشكيله. وقالت الرئاسة الفرنسية إن ماكرون طلب أيضا من قادة المسلمين "أن يضعوا في غضون 15 يوما ميثاقا للقيم الجمهورية يتضمن تأكيدا على الاعتراف بقيم الجمهورية، ويحدد أن الإسلام في فرنسا هو دين وليس حركة سياسية، كما أوضحت أن الرئيس الفرنسي طلب أيضا أن ينص الميثاق "على إنهاء التدخل أو الانتماء لدول أجنبية".

الميثاق أعلاه لا يجدي نفعا وقد تتفاجئ فرنسا بعمليات ارهابية اوسع واكثر صدمة، وأن الاتفاق مع تلك المنظمات لا يعني اتفاق مع خطوط الظل الارهابية والتي تقوم بعمليات القتل خارج اطار كل الاتفاقات والاعراف، وعلى ماكرون ان يعيد قراءة المزاج الأسلاموي خارج اطار كل الاتفاقات.

في ختام ملاحظاتي اسأل هل خرجت تظاهرات مليونية او متواضعة في العالم العربي لأدانة افعال داعش في القتل والذبح والجلد والاستباحة، ولماذا لا تستنفر العقول الاسلاموية اعمال السبي واسواق النخاسة، ولماذا لا تستفز الضمير الاسلامي كل قبح داعش، وحتى المراجع الاسلامية انقسمت على نفسها في ادانة تنظيم الدولة الاسلامية الكافر.

 

د.عامر صالح 

 

 

 

حاتم السرويلم يكن وجود اليهود في فلسطين قديمًا أكثر من جملة اعتراضية، هذا ما وعيناه منذ الطفولة الباكرة، والتاريخ يشهد بذلك منذ أن وفد الكنعانيون من جزيرة العرب إلى فلسطين، وبنوا فيها  "أور سالم" والتي تعني منشأة سالم، وهو الاسم الذي يظهر في الرسائل الفرعونية المكتشفة في " تل العمارنة " بمحافظة المنيا المصرية، وسالم أو شالم هو اسم الإله الكنعاني حامي المدينة وهو أيضًا إله الغسق، وقيل: بل المعنى  مدينة السلام، وقد ظهرت هذه التسمية مرتين في الوثائق المصرية القديمة: حوالي سنة 2000 ق.م و1330 ق.،  ثم إنه ما لبثت تلك المدينة، وفقًا للتوراة نفسها  وتحديدًا في سفر الملوك الثاني، أن اتخذت اسم "يبوس" نسبة إلى اليبوسيين، وهم فرع من الكنعانيين، وتذكر بعض المصادر التاريخية أن الملك اليبوسي "ملكي صادق" هو أول من بنى يبوس أو القدس، وكان محبًا للسلام، حتى أُطلق عليه "ملك السلام" ومن هنا جاء اسم المدينة.

وكما دخل اليهود فلسطين خرجوا منها، واستمر تاريخها وكأنها لم تعرفهم ذات يوم. وفي خروج اليهود من فلسطين مفارقات لا يجدر بنا أن نمر عليها مرور الكرام، حيث كل الوقائع تشير إلى بطلان الحق المزعوم لشذاذ الآفاق، فقد خرجوا من القدس لأن بقائهم فيها كان ضد الطبيعة، بل وضد إرادة الله جل شأنه، ولأن إرادة الله لا يقف أمامها عائق، ولا تعجزها قدرات البشر، لذا كان خروج هؤلاء الناس آية وعبرة، و خروج المنتسبين إليهم في عصرنا حقيقة يؤيدها العقل ويؤكدها الواقع، فهل من الممكن أن تستمر إسرائيل في هذا المحيط العربي الهادر؟.

 ومهما تسارعت عجلة التطبيع، ومهما نعمت إسرائيل بحماية الكيانات الكبرى، فهي إلى زوال، وزوالها حقيقة علمية حتمية، ويؤمن بها مفكرون وخبراء في الغرب والولايات المتحدة وإسرائيل نفسها، وبحسب كلامهم فإنه على أقصى تقدير لن تزيد حياة إسرائيل منذ بدايتها عام 1948 أكثر من قرن ونصف، وربما كانت أقل من ذلك، وإنما جاء القرن ونصف على وجه التحديد بافتراض أن الأمور سوف تكون على ما يرام! أما إذا عكر صفوها حادث فإن النهاية سوف تأتي سريعًا، فانظروا إلى هذا الكيان المسخ، كيف أنه ولد ليموت، وما القرن في عمر الزمان؟.

 لقد كان وجود العبرانيين قديمًا في أرضنا لحظة عابرة، وبقاء الصهاينة الآن هل يكون أكثر من تلك اللحظة؟ ربما كان من المناسب أن نرى تاريخ سقوط الهيكل والخروج اليهودي الكبير عام 70م  لنعرف أن قوة اليهود أكذوبة روج لها الثعالب حتى يصدقها الحمير. وهكذا بدأت الحكاية:

في عام 36م تقدم أبناء الطائفة السامرية الساكنون في أرض شكيم أو " نابلس " بشكوى إلى الوالي "مثيلوس" حاكم سوريا من قبل الرومان، يتهمون فيها "بيلاطس البنطي" والي فلسطين بالعنف والقسوة في معاملتهم، وبيلاطس هذا هو الذي صُلِبَ المسيح في عهده حسب رواية الإنجيل، ولما جاءت الشكوى إلى حاكم سوريا عين "مارسيلوس" بدلاً من بيلاطس الذي تم استدعاؤه إلى روما.

ثم إن الإمبراطور تيبريوس قيصر مات سنة 37م، واعتلى العرش الإمبراطور "كاليجولا" الذي أنهى خدمة "مارسيلوس" وعين بدلاً منه "مارولُّوس"، وكان اليهود يتمتعون بما يشبه الحكم الذاتي منذ عهد "المكابيين" أو الأسرة الحشمونية  الذين جاء بعدهم "الهرادسة " والهرادسة جمع "هيرودُس" حيث كان الحاكم اليهودي يتخذ هذا اللقب، على أن حكام اليهود في تلك الفترة لم يكونوا خالصين في (إسرائيليتهم) حيث كان أبوهم هيرودس أنتيباتر أدومي الجنس من ناحية أبية، والأدوميون هم أحفاد العيص بن إسحاق بن إبراهيم، وهو الشقيق التوأم للنبي إسرائيل أو يعقوب، وهنا نرى عن كثب إلى أي درجة وصلت العنصرية عند اليهود، فهم ينقمون على ملكهم أنه من نسل عمهم الذي نزل أبوهم في عقبه فسمي لذلك يعقوب! وكلمة أدوم تعني الأحمر وسمي العيص أدومًا لأنه كان أبيضًا مشربًا بحمرة فكأنه مشتعل البشرة! ثم إن هيرودس المذكور كانت أمه عربية، مما زاد الطين بلة، وأصبح الملك محل غضب من المغضوب عليهم! ولذلك بنى لهم الهيكل في القدس علَّهم يرضون عنه، وكان نبوخذ نصر قد دمر هيكلهم الأول ولما عاد بعضهم من السبي البابلي أعاد بناءه أحد أحبارهم فسمي لذلك بـ "هيكل زروبابل" وكان بناءً متواضعًا لا يضاهي ما بناه الملك سليمان، فأعاد هيرودس بناءه ليقدم رشوة تاريخية كبرى لكهنة اليهود حتى يرضوا عنه، وهذا الهيكل الذي تعب الملك في جمع مواد بناءه على مدار ستة أعوام، وفي تشييده حتى يرضى عنه اليهود، كان علامة النكبة التي حاقت بهم، إذ لم يبق فيه موضع حجر، وتم هدمه من الأساس، ولا يُعرف حتى الآن موقعه، وإمعانًا في مذلتهم بنى الإمبراطور هادريان في موقعه معبدًا للإله الروماني "جوبيتر" ثم تهدم المعبد مع مرور الزمان، وأصبح مستحيلًا أن يعرف اليهود أو غيرهم مكان الهيكل الذي بناه لهم ملكهم بالأحجار والأخشاب والنحاس والحديد بل وأدخل في بناءه الذهب والفضة!.

نعود فنقول أن الإمبراطور كاليجولا لما ولى "مارولُّوس" على فلسطين، تولى في نفس الفترة على اليهود "هيرودس أجريباس الأول" والذي كان له ولد يسمى أجريباس أيضًا، ويحدثنا المؤرخ اليهودي يوسفيوس بن جوريون (يعرف أيضًا باسم يوسفيوس فلافيوس) عن أجريباس الأول فيقول أنه كان محمود السيرة حسن السلوك، وكانت مدة حكمه 23 سنة، وفي عهد ابنه أجريباس الثاني قامت ثورة يهودية كبرى عجلت بزوال دولة بني إسرائيل الصغيرة التي كانت خاضعة لحكم الرومان، بل وبزوال جنسهم الذي قتل أغلب أفراده وذابت بقيتهم في البلاد التي هاجروا إليها، تلك هي الحقيقة التي لا يدركها بعض العرب أو فلنقل أكثرهم مع الأسف، وهي أن اليهود الموجودين حاليًا ليسوا من نسل إبراهيم وإسحاق، ولا يجمعهم باليهودية إلا ما يجمع المسلمين بالإسلام، بمعنى أوضح أن اليهودية الآن ديانة وليست قومية، فإذا كان اليهودي ملحدًا فقد زال أي ارتباط بينه وبين فلسطين، وتصبح إسرائيل "العلمانية" بذلك أكبر أكذوبة عرفها تاريخ البشرية، دجل عظيم لم تنتجه أساطير الشرق هذه المرة، ولكن مع الأسف أنتجته الحضارة الغربية الحديثة!.

وتلك هي قصة دمار الهيكل وشتات اليهود بالتفصيل: يخبرنا يوسفيوس في تاريخه أن "كلاوديوس قيصر" الإمبراطور مات في زمان أجريباس الثاني وحكم بعده على روما الطاغية نيرون، وكثرت الفتن والحروب في أنحاء اليهودية بل وفي الشام كله، وتحرك الخوارج وزادت الشرور وكثر الفسق والظلم والغش والقتل، وانقطعت السبل، وخاف الناس شر الطريق، وعلت كلمة الأشرار، وخفي الحق، ولم يستقم لأجريباس حال. وبعبارة يوسفيوس اليهودي: ولم يزل الشر يزيد والخير ينقص والبلاء يعظم.

وبدأ تمرد اليهود في فلسطين على الرومان بالتزامن مع تمرد اليهود في الإسكندرية، فيما قد يظهر لنا وجود اتفاق بينهم، وفي عين اللحظة الحرجة كانت هناك اضطرابات أخرى قد عمت الإمبراطورية الرومانية بعد مقتل كاليجولا سنة 41 م، وأصل الفتنة أن اليهود كانوا قد تقدموا إلى كاليجولا المذكور بطلبات من ضمنها منحهم الحق في حرية العبادة وفقًا للشريعة الموسوية لأن الإمبراطور أمرهم أن يعبدوه! وطلبوا أيضًا أن يمنح يهود الإسكندرية حق المواطنة فيكونوا هم والروم والإغريق على السواء لا فرق بين الجميع، ولما كانت فكرة الألوهية قد سيطرت على مجامع التفكير عند كاليجولا وهو نفسه صدق أنه إله وانتابته حالة (بارانويا) لا يرجى لها شفاء، لهذا جاء رد الإمبراطور في منتهى القسوة.

وجاء اغتيال كاليجولا نتيجة طبيعية لاضطرابه وقسوته، وتولى بعده نيرون فكان أسوأ منه وأكثر اضطرابًا كما هو معروف، وحدثت في عهده فتنة كبيرة بين اليهود والرومان بسبب الكاهن حنانيا وابنه "أليعازر" وذلك لأن فيلكس الوالي الروماني تعدى على اليهود وبطش بهم، ولهذا قتل اليهود كثيرًا من جنوده، فهرب إلى الإسكندرية، وقابل أجريباس وهو عائد من روما حيث كان قد ذهب إليها لمقابلة نيرون، ولما علم أجريباس بخبر الفتنة سار بجيشٍ كبير من الرومان إلى أورشليم، وحاول في البداية أن يهدئ من غضب اليهود لأنه يعلم قوة روما، وأن العبرانيين مهما فعلوا لن يستطيعوا هزيمة أقوى دولة في العالم وقتئذٍ، وخطب أجريباس في اليهود، فكان من كلامه الذي نقله يوسفيوس اليهودي:

" قد فهمت ما ذكرتم من أذية الروم لكم، ولكن لا حيلة لنا فيهم ولا قدرة لنا عليهم، ولا طاقة لنا بهم، ولابد لنا من مداراتهم لأن الله سلطهم على الدنيا، وأذل لهم الأمم، وأخضع لهم الممالك، حتى أطاعهم جميع من في الشمال إلى حيث جبل الثلج المقيم الذي لا يمكن للناس أن يتجاوزوه (يعني أن أوروبا كانت في أيديهم حتى وصلت حدودهم إلى القطب الشمالي) وأطاعهم من في جهة المشرق، ومن في جهة المغرب إلى البحر المحيط. وما نحن أكثر رجالاً من هذه الأمم ولا أعظم بأسًا من جميع هؤلاء الذين غلبتهم الروم."

ولما فرغ أجريباس من كلامه أطاعه أكثر اليهود، وبقي "إليعازر بن حنانيا" ورفاقه ينفخون في نار الفتنة ويشعلون الصراع قدر جهدهم، وكان الإمبراطور نيرون قد أهدى إلى الهيكل بعض الهدايا حتى يستميل اليهود، فأخرجها إليعازر وقال إنها نجاسة! وللأسف تمكن إليعازر من الانتصار على جيش أجريباس واستولى على أورشليم وأحرق قصر الملك وأيضًا قصر أبيه أجريباس الكبير.

وفي الوقت نفسه وقعت فتنة بين اليهود والسُرْيَان (وكان السريان آنذاك في حلب والغور ودمشق، ولا يزالون موجودين وهم إحدى أكبر الطوائف المسيحية في العالم ولهم لغة خاصة يقيمون بها شعائرهم الدينية) وبحسب رواية المؤرخ يوسفيوس - وهي رواية تحتاج إلى تحقيق لأن صاحبها يهودي- فإن السريان كانوا قد احتالوا على اليهود وقتلوهم في قيصرية ودمشق، ولما علم يهود أورشليم بذلك جمعوا جيشًا واتجهوا به إلى دمشق وقضوا على من كان فيها من السريان ثم عادوا بغنائم كثيرة، ويبدو هنا الاتجاه الدموي لدى اليهود، وكل التاريخ اليهود مكتوب باللون الأحمر مع الأسف.

وفي سنة 66 م صادر حاكم فلسطين الروماني 17 (تالنت) من خزانة الهيكل مقابل ضرائب متأخرة لم يدفعها اليهود، وكان الرومان قد سئموا من تمرد اليهود عليهم بين كل فترة والأخرى، وثوراتهم بسبب أو من غير أسباب، وجاء الرد اليهودي على المصادرة في رفضهم الذبح في الهيكل من أجل سلامة الإمبراطور، وسرعان ما تحول هذا الموقف إلى ثورة كبرى ترأسها الكهنة والأحبار، وسار خلفهم بقية الشعب مثل أغنام القطيع.

ولهذا أرسل نيرون قائده "فسبسيانوس" للقضاء على التمرد اليهودي، وفي أثناء حملة القائد المذكور مات نيرون، ونادى الجيش بالقائد فسبسيانوس ليكون إمبراطورًا، وكان أول من نادى بذلك الجنود والضباط في الفرقة الرومانية بمصر وأيضًا واليها "تبريوس يوليوس" ذو النشأة السكندرية، ولهذا فقد سار الإمبراطور الجديد إلى الإسكندرية وتم استقباله بحفاوة، ثم أوكل مهمة القضاء على التمرد اليهودي إلى ابنه "تيتوس" ليتفرغ هو لترسيخ حكمه مستعينًا برومان الإسكندرية.

وجعل تيتوس والي مصر "تيبريوس يوليوس" رئيسًا لأركان جيشه المتجه إلى أورشليم، كما رافق هذا الجيش المؤرخ اليهودي " الكاهن يوسفيوس بن جوريون" وكان من قادة التمرد فلما رأى قوة الرومان وقع في قلبه رعبٌ عظيم وسلم نفسه لهم وأصبح من أعوانهم! وقدر الله له أن يصبح شاهدًا على نهاية اليهود، وأن يصبح مؤرخًا لينقل إلينا بالتفصيل كل وقائع اللحن الجنائزي وكيف دخلت الأمة اليهودية إلى حظيرة العدم فلم ينج منهم إلا قليل، وكيف جاءت الخاتمة لهذا الشعب الأرعن الذي حارب الله وقتل أنبياءه فكانت نهايته عبرة وقل من يعتبر.

وكان يوسفيوس قائدًا لليهود في طبرية والجليل وهو من البداية مشكوك في ولائه، ولكن لأن الجناح الراديكالي المتعصب في الجيش لم تكن لديه أية خبرة عسكرية أو سياسية، لذا رأيناه يوكل أهم المناصب العسكرية إلى يوسفيوس الذي استسلم للرومان دون مقاومة، ويعترف بذلك فيقول: لما رأى يوسفيوس عسكر الروم خاف منهم لعظمهم، ومضى إلى حصن في جبل الجليل يقال له يوذات، فسار "فسبسيانوس" إلى الحصن بجنوده، وبعث إلى يوسفيوس بن جوريون يدعوه إلى الصلح ويعده بالجميل إن أطاعه ويخوفه من الحرب وعواقبها.

واستسلم يوسفيوس بن جوريون للأمر الواقع، وأدرك أن اليهود يحاربون طواحين الهواء، ورفض القتال، فانهزم اليهود شر هزيمة، وهكذا أسهم "بن جوريون القديم" في إخراج اليهود من فلسطين، كما أسهم "بن جوريون الحديث" في دخول من قيل عنهم أنهم من نسل اليهود إلى فلسطين، مع فارق جوهري لابد من ذكره، وهو أننا نسلم ليوسفيوس بن جوريون بنسبه العبراني، أما دافيد بن جوريون فهو رجل أوروبي لا تجمعه باليهودية أية صلة، لأنه بولندي وعلماني، أما يوسفيوس فكان عبراني وكاهن، تلك هي المسألة.

وأصبح اليهود في خوفٍ عظيم، وجعلوا يقتلون أنفسهم حتى لا يقعوا أسرى أذلاء للرومان، ولما وصل تيتوس إلى أسوار أورشليم، حاول أن يجري مع اليهود صلحًا، وكان معروفًا بحكمته وطيبة قلبه، لكن اليهود أصروا بعنادٍ غبي على مواصلة القتال، ورغم انتصار اليهود في بعض المعارك لكن أوضاعهم إبان الحصار كانت تشير إلى هزيمة لا مفر منها، فقد ألقى الله بين قادتهم الفرقة وانقسموا على أنفسهم، ثم جاءت الإمدادات إلى الجيش الروماني المرابط وهو ما زاد من قوته، بحيث أدى هذا إلى انتصار عسكري مهم على اليهود المحاصرين، وظل تيتوس يميل إلى الصلح لدرجة أنه أوقف القتال خمسة أيام بعد الانتصار مع أن جيشه بالطبع كان في وضع أفضل من الوجهة العسكرية، وأخبرنا يوسفيوس أن تيتوس بالغ في ملاطفة اليهود واجتهد في سياستهم ودعاهم إلى السلام، وذلك لأنه كان يشفق عليهم أن يهلكوا، وعلى مدينتهم أن تخرب، فراسلهم بالحسنى والكلمة الطيبة فما استجابوا، وذاقوا وبال أمرهم.

وفي الأصل كان تيتوس رغم قوته ونبوغه العسكري يكره الحرب والقتل والخراب، ولما اعتلى كرسي الحكم وأصبح الإمبراطور عام 79 م ظهرت رقة طبعه لتلفت أنظار شعبه ورعيته بشكلٍ لم يألفوه ممن سبقوه من الملوك، لذلك خلع عليه الرومان لقب "بهجة الإنسانية".

وحتى يكون تيتوس قد أدى كل ما عليه تجاه اليهود، طلب من يوسفيوس أن ينصح قومه بالرجوع إلى طاعة روما في مقابل الأمن والأمان كعهدٍ خالص من تيتوس ابن الإمبراطور شخصيًا، ولهذا خاطبهم يوسفيوس قائلًا:

" يا معشر إسرائيل اسمعوا ما أخاطبكم به، فإني أحدثكم بما ينفعكم ويصلح امركم إن قبلتموه. اعلموا أن محاربة الأعداء ومقاومتهم كانت تحسن بكم يوم كانت بلادكم عامرة وجنودكم متوافرة وأحوالكم مستقيمة. أما بعد أن بلغتم هذه الحال من خراب البلدان وقتل الرجال، وذهاب النعم واختلاف الأحوال، فكيف تطمعون في مقاومة هذه الأمة العظيمة القوية التي قهرت الممالك واستولت على الأمم..فيجب أن تعلموا أن الله هو الذي سلط عليكم هذه الأمة لقبيح صنعكم ورداءة أفعالكم وكثرة خطاياكم، ارتكبتم المحارم واجترحتم المآثم واستمرأتم الجرائم، وسفكتم الدماء، وأغضبتم إله الأرض والسماء، عاملتم الناس بالغش، وأهلكتم النفوس، ونجستم هيكل الله القدوس، وقتلتم كهنته والصالحين من أمته ظلمًا وعدوانا ".

ولم تجدِ نفعًا كل محاولات تيتوس وبن جوريون، بل كان المتمردون يقتلون كل يهودي يريد أن يستسلم للرومان، لذلك شدد القائد حصاره عليهم، وضيق عليهم الخناق، فأصبحوا يموتون من الجوع والظمأ، وفي الوقت نفسه بدأ الرومان في تدمير أسوار المدينة.

ويذكر بعض المؤرخين أن الحصار امتد إلى ستة عشر شهرًا، واضطر اليهود إلى أكل الحيوانات النافقة والحشرات، فماتوا أيضًا، يعني من لم يمت من الجوع مات مسموما، تعددت الأسباب والهلاك واحدُ، وكان من سلم له اليسير من القمح يخاف أن يطحنه أو يخبزه حتى لا يعلم غيره من صوت الطاحونة أو من الدخان أن لديه طعامًا فيؤخذ منه ويُقْتَل، لهذا كانوا يأكلون القمح وهو حب، وكان الأب يخطف الطعام من ولده، والولد يخطفه من والده، وهكذا حل القحط وانتشر الجوع ومات أكثر الناس، واشتغل الأحياء بأنفسهم فلم يدفنوا موتاهم، وبعضهم كانوا يرمون الموتى على الروابي أو في الآبار ثم يلقون أنفسهم أيضًا ليموتوا ويستريحوا مما هم فيه، وبعضهم كانوا يحفرون قبورهم بأيديهم ويضطجعوا فيها منتظرين الموت، وعمت رائحة الموت وشاع البلاء فشاعت معه البلادة، ولم يعد اليهود يشعرون بالكارثة، وقل البكاء وذهبت الشكوى، ولم يعد أحدٌ يرثي أحدا.

وأصبح هَمَّ عساكر اليهود أن يدخلوا البيوت فينهبوا ما فيها من الحب والدقيق، وكانوا إذا سمعوا صوت رحى أو شموا رائحة الطهي أسرعوا وأخذوا ما تصل إليه أيديهم دون رحمة، ومع كل هذا لم يتوقف أصحاب الفجور عن جرائمهم، فنرى بعضهم يهجمون على الهيكل، ويقتلون الكهنة وهم يقدمون ذبائحهم، لتختلط دماؤهم بدماء الحيوانات، وأحرق الجنود نكاية في بعضهم البعض مخازن الغلال التي كانت تكفي لإطعام الناس في الحصار لسنوات!.

بل يذكر لنا يوسفيوس أن امرأة ثرية كانت تعيش بالقرب من نهر الأردن وكان لها طفل وحيد فلما كثرت الفتن هاجرت به إلى القدس وكانت لها أموال وعبيد، فلما قويت المجاعة ونهب الجنود كل ما في المدينة بما في ذلك منزل المرأة، جاعت وجاع ولدها، فلما استبد بها الجوع ولم تحتمل بكاء ولدها أكثر من ذلك، ذبحت الغلام حتى تأكل هي ويستريح هو، وهكذا صارت كمسلوبة العقل، وذبحت ابنها وقد أدارت عينها عنه حتى لا تراه، ثم شوت لحمه بالنار وجعلت تأكل منه.

وهنا انقض الجيش الروماني على المدينة ودخلها وأعمل في جنودها السيف وحطم أسوارها تمامًا، وفر المتمردون إلى قصر الملك سليمان عليه السلام ودهنوه بالقار والكريت، ثم تركوا فيه رجلًا منهم وقالوا له إذا استولى الرومان على القصر وصعدوا إلى أعلاه فاحرقه واخرج فورًا من بابٍ سري.

وهرب المسيحيون من أورشليم ليلًا طاعةً لأمر (المسيح يسوع) حيث كان قد تنبأ بدمار القدس وخراب الهيكل وقال لهم إذا حاصر الرومان المدينة فاخرجوا منها ليلا تجاه النهر يعني الأردن، أما تيتوس فقد سوى أورشليم بالأرض حتى لكأنها لم تكن موجودة، ولم يبق من الهيكل حجرٌ واحد، وهذا ما يفند مزاعم اليهود حول أحقيتهم بحائط البراق الذي يسمونه حائط المبكى.

وقام تيتوس بحل كل التنظيمات اليهودية سياسيةً كانت أو دينية، وفرض على اليهود ضريبة رأس كل عام ومقدارها ديناران يتم دفعهما لحساب معبد الإله "جوبيتر" إمعانًا في إذلال اليهود، ثم أخذ معه كنوز الهيكل إلى روما حتى يعرضها على شعبه أثناء الاحتفال بالنصر، وحرم على اليهود أن يقتربوا من القدس وأطلال الهيكل، ودام هذا الحظر مدة 60 سنة، وكان بعض اليهود يتسللون إلى مكان الهيكل ليبكوا عليه!.

وبدأ اليهود في هجرات كبيرة باتجاه البلدان المجاورة لا سيما المدن السورية ومصر، كما عمل الرومان على طردهم اتقاءً لشرهم حيث كانوا كثيري التمرد والثورات، وبذلك بدأ الشتات أو "الدياسبورا" وفشل اليهود في العودة إلى القدس حتى جاء العصر الحديث، وبعد حوالي 60 سنة جدد الامبراطور هادريان بناء المدينة وجعلها سكنية للرومان، ورغب اليهود في العودة إليها، فمنعهم الإمبراطور وهددهم بالموت، لأنه كان يخشى من توحدهم مرة أخرى.

وفي سنة 135 م حاول بقايا اليهود أن يعيدوا الكرة في التمرد على الرومان، ومع أنهم مُنِعُوا من العودة إلى القدس، لكنهم تسللوا وكان من السهل أن يخفوا دينهم، ولم يكن لهم شكل أو ملامح تميزهم عن غيرهم من الأمم الشرقية، وهذا ينفي تمامًا فكرة أن اليهود لهم أنفٌ طويل وهالات سوداء تحت الأعين ووجوه مسحوبة، فقد كانت سحنتهم شرق أوسطية، بحيث لا يمكن تمييزهم عن العرب أو الكنعانيين، وهذه الملامح النمطية التي استقرت في وعي البعض لتكون فكرتهم عن اليهود إنما هي ملامح يهود الجيتو في الأحياء الأوروبية، إنها ملامح تفشو بين الأشكيناز وهم من نسل متهودين وليسوا يهودًا أصلاء، وأما الحزن والغضب والهيئة البغيضة فهذا ليس من أصل خلقتهم ولكن لأن حياتهم كلها خوف وحقد وحسبهم تلك الكراهية التي لاحقهم بها الناس أينما حلوا.

ثم جاءت الخاتمة التي لم يعد لليهود بعدها ذكر في أرض فلسطين حيث أمر هادريان بفرض الصبغة الهلينية على يهود فلسطين، وكلمة هلينية تعني يونانية وكانت الثقافة اليونانية محل احترام كبير عند الرومان، وطبعًا كان لليهود شريعة وتعاليم تختلف عن بعض مفردات الثقافة الهلينية، كما أن الإمبراطور أمر بإبطال الختان، وشيد مدينة جديدة على أنقاض أورشليم سماها "إيليا كابيتولينا" وبنى في مكان الهيكل معبدًا للرب الروماني "جوبيتر" وأدى كل هذا لاندلاع التمرد بين فقراء اليهود أما الأغنياء فإنهم لم يكترثوا!.

 وجاءت الثورة هذه المرة بقيادة "بركوخبا" الذي كان مرشده الروحي عمه "إيليعازر" والذي قاد إحدى الثورات بدوره في السابق، ودعم الرابي "عقيبة بن يوسف" ثورة باركوخبا وقال إنه المسيح المخلص الذي أشارت إليه الكتب والنبوات، وكلمة "بركوخبا" مكونة من مقطعين، وهما (بر) يعني ابن، و(كوخبا) أي النجم، فهو (ابن النجم) ولهذا الاسم دلالات مسيحانية لا تخفى على الأريب، لكن المسيح المرتقب لم يصل إلى شيء، فقد أخذ الإمبراطور الأمر بجدية منذ البداية وقاد جيشًا كبيرًا سار نحو القدس وقتل بركوخبا، ثم قمع التمرد بعنف ودموية وقسوة، وبلغ القتلى حسبما ذكره بعض المؤرخين 580 ألف نسمة، ودمرت مدن عديدة وأمر هادريان بقتل كل يهودي يتم العثور عليه في فلسطين، وهدم كل بناء يحمل شارةً يهودية، ثم غير أسماء المدن والقرى من العبرية إلى اللاتينية، وكان قد سمى القدس "إيليا" لأن اسمه "إيليوس".

بقي أن نذكر حقيقة في غاية الأهمية وهي أن هذه الأحداث الفاجعة بالنسبة لبني إسرائيل لم تنهِ وجودهم في فلسطين فحسب، ولكنها كانت إسهامًا في تحويلهم إلى ذكرى، فلم يبقَ منهم إلا أقليات قزمية مبعثرة في أكثر من دولة، وأي شخص يدعي الآن أنه من نسل يعقوب النبي فكلامه لا يحمل من الصدق إلا بمقدار ما يحمله من الكذب، وهذا يعني بوضوح أنه لا يوجد الآن من يستطيع الجزم بأنه من بني إسرائيل، أما دولة إسرائيل فهي دولة معدومة الصلة بالأديان والتاريخ، وهي في الأصل مشروع إمبريالي غربي، ودولة وظيفية مهمتها حراسة مصالح الذين استحدثوها من العدم، وتدمير أي محاولة جادة للوحدة العربية، وهي دولة فاشلة رغم نجاحها وضعيفة رغم قوتها، وتحمل في داخلها عوامل انهيارها، ويكفي أن ترى مواطنيها وهم على كل لون ومن كل جنس لتدرك أنك أمام نكتة سخيفة اخترعها خيال أوروبي سكران.

 

حاتم السروي

...........................

* تم الاعتماد في هذه المقالة على كتابين هما:

1- تاريخ اليهود للكاتب إسماعيل حامد.. الطبعة الأولى/ مكتبة النافذة/ 2011م.

2- موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية.. للدكتور عبد الوهاب المسيري. . طبعة مختصرة عن دار الشروق/2006.

3- كتاب التجانس اليهودي والشخصية اليهودية للدكتور عبد الوهاب المسيري. طبعة دار الهلال/ 2004، وهو من أكثر الكتب التي تأثر بها كاتب هذا المقال.

 

قاسم المحبشي١٩/ 11/ 2020م

 تعد الفلسفة بما هي طريقة متميزة في ممارسة التفكير وإنتاج المعرفة واحدة من أهم مصادر وأدوات الفهم والتنوير إذ يشهد تاريخ الافكار بان حضور الخطاب الفلسفي الأصيل حيثما وجد عبر التاريخ كان الشرط الرئيس لنمو وتفتح وازدهار المعرفة العلمية والأفكار الخلاقة التي ابدعت اخصب وانضج المفاهيم الاساسية في تاريخ المعرفة البشرية لشرقي واليوناني القديمين مرورا باللحظة العربية الإسلامية الخصيبة لحظة الترجمة والتفلسف في المشرق والمغرب العربي وانتهاء بالعصور الحديثة والمعاصرة، إذ لم تكن الحداثة الغربية في معناها الاوسع إلا مشروعا فلسفيا عقلانيا قرر اعادة تأسيس وبنا المجتمع من جميع جوانبه على أسس عقلانية. وقد شكلت الفلسفة الفضاء الرحب لانطلاق وتقدم حركة التنوير الاوربية منذ القرن السابع عشر الميلاد وفي سياقها ازهر المنورورون الكبار امثال بيكون وديكارت وهيوم ولوك وفولتير وروسو وديدرو وغيرهم وكان الالماني امانوئيل كانط ثمرة تيار التنوير الأنضج في مقاله ما التنوير؟ وربما يكتسب هذا المقال أهميته الخاصة من كونه يحاول تسليط الضوء على جدلية العلاقة بين الفلسفة والتنوير، إذ نعتقد ان الفلسفة هي السياق الممكن لتخصيب العقل ونمو التنوير، فلا تنوير بلا فلسفة ولا حرية بدون تنوير، الذي يعني حسب كانط  (ان يتجرأ كل إنسان على استخدام عقله الخاص).

ربما يعتقد معظم الناس أن الانشغال بالفكر أي بالعقل ونشاطه الفكري المجرد هو ترفا  يمارسه الفلاسفة ولا طائل منه أن لم يكن مذموما لا سيما في المجتمعات العربية الإسلامية. لكن تعالوا ننظر في طبيعة هذا الاعتقاد الناجم من الاكتفاء بالجهل. والسؤال هو  بما أن الفلسفة هي نشاط العقل فما الذي يحدث للعقل عندما ينطلق في حركة سهمية في رحلته لفهم العالم واكتشاف حقائقه؟ هل، بقدر ما ينتهي به الأمر إلى اكتشاف "حقيقة" الأشياء، يجهل، بالمقابل، ذاته أي يخسرها في شكل ذوبان في تمظهرات الأشياء المادية، أو أنه يعود إلينا بغنيمة الاكتشاف مضاعفا بوعي ذاتي بضرورة التعمق في معرفة ذاته أكثر؟ بعبارة أخرى، هل يغترب العقل في دروب رحلته "السندبادية لتعقل " الآخر" أم يعود، كما كان، عند انطلاقته صافي السماء شاحذ الأداة؟ ولأن هذه العودة الغانمة، المغتنية والمغنية هي التي لا تحدث في الغالب" فإن الحاجة إلى نقد اوثان العقل واوهامه هي حاجة حيوية ودائمة ذلك ينجم من طبيعة العقل ذاته فهو ليس مهجعا مهجورا لتخزين المعرفة والمفاهيم كما هو حال مخازن الاشياء والنقود والمجوهرات والبضائع. ومن الاخطاء الشائعة الاعتقاد بأن العقل هو عضو من اعضاء الجسم إذ يتم المطابقة عند البعض بين العقل والمخ أو الدماغ بمعنى واحد وهذا غير صحيح إذا كلنا يعلم علم اليقين بان ليس هناك شيئا ملموسا محسوسا اسمه العقل، يمكن رؤيته بالحواس المجردة؛ العقل مفهوم مجرد وليس عضوا ماديا يطلق على ممارسة أو نشاط يباشره  الانسان في أثناء ممارسته لحياته اليومية.

إذ ذلك يظل مفهوم العقل أهم وأخطر المفاهيم التي مارست تأثير ساحق على حياة المجتمع الانساني ويتحدد نظام كل ثقافة أو حضارة من المعنى التي تمنحه للعقل والموقف التي تتخذه منه. وهذا أمر يطول شرحه. يهمنا هنا توضيح وظيفة الفلسفة الحيوية التي لا غنى للإنسان عنها في كل زمان ومكان. إذ يرى دوديكيز أن الأوثان تلازم العقل كظله. وهذا هو معنى صرخة سقراط الحكيم أعرف نفسك! ومعنى كهف أفلاطون وفرانسيس بيكون والغزالي وديكارت وكل الفلاسفة الكبار. العقل يتجسد ويتحجر وينسج حول ذاته وحول العالم شبكة عنكبوتية من الأوهام والأوثان إذا ما ترك على عواهنه.

ولأن العقل يبحث عن حقائق الأشياء انطلاقا من إقرار مسبق بالجهل كقاعدة عامة فإنه لا يتبنى ولا يزكي الأجوبة المعطاة، الجاهزة وهو ما يعني أن طريق العقل، على الأقل ضمن صيرورته الغربية، كانت طريقا لا دينية ذلك لأن اللاهوت يقفل ملف الحقيقة هذا بتنبيه لـ "حقائق منـزلة ومقدسة وفي عالم المقدسيات لا توجد تأملات وتساؤلات بل هناك اجابات جاهز وحمد وشكر. بينما عالم عالم الإنسان يزدهر الفكر والتساؤل والحوار وتتخصب المعرفة الإنسانية بقدرات منهجية جديدة قادرة على النفاد إلى بواطن الاشياء والظواهر. واذا كان باطن الأشياء مثل ظواهرها لما كان للإنسان بالعقل والتفكير حاجة. أن الوظيفة الاساسية للفلسفة هي نقد أوثان العقل الذي تحولت عبر الاستخدام الطويل إلى خرافات وأساطير بمفارقة المعتقد

صورت بديهات ومسلمات لا يأتيها الباطل لا من خلفها ولا من بين أيديها؛ وكل حقيقة هي حقيقة اللغة نسي الناس أنها كذلك من طول الاستعمال كما يقول نيتشه.

أن الفلسفة بوصفها حكمة العقل ودهشة الانفعال هي المعنية دائما بتحطيم الأوثان؛ اوثان العقل ذات وذلك بنقدها وبيان تارخانيتها

وهذا هو معناها بوصفها الفكر الذي يفكر أو العقل الذي يعقل ذاته. قدرة الفكر على المزاوجة بين ملاحظة سلوكاته الذاتية" وسلوكات" الموضوعات الخارجية" السلوكات الذاتية للعقل هي عاداته وأعرافه أي، بكلمة، آليات اشتغاله. لكن لمعرفة هذه السلوكات لا بد من الإحاطة علما بصيرورة تطورها، وهو ما دفع إلى نشوء الجينيالوجيا (علم نسابة الفكر البشري) وحدها الفلسفة هي من ستنطق الكلمات والمفاهيم والمصطلحات والافكار من أي جاءت وكيف ولدت وازهرت في سياقاتها الاجتماعية والتاريخية ولا يمكن فهم العقل بدون فهم اللغة إذ لا تفكير الا بالكلمات والصور الذهنية حتى في الأحلام. ولكل مفهوم مكان وزمان ولادة وسياق نمو وازدهار وعلاقة قوة وسلطة وحقل دلالة وفضاء تلقي وحساسية ثقافة وابتسمية خطاب.

اللغة هي العقل، العقل ما يختزن من لغة مفهومية. حجم المفاهيم تحدد حجم العقل ونوعه. لا يمكن تخيل مفهوم لا أساس واقعياً له. يمكن ان نطلق الأسماء على تخيلاتنا. ولكن ليس كل اسم مفهوم. الغول اسم للمتخيل الذي ركبه العقل هوتصور وليس مفهوماً. لأن المفهوم تجريد، والتجريد فاعلية العقل في تحديد ماهية أشياء مشتركة وتعميمها بكلمة، والتجريد تجريد وقائع مادية أو معنوية. ولذلك كل قول لا يقوم على أساس المفاهيم والعلاقات بينها قول لا قيمة معرفية له. بحسب البرقاوي

وعندما يتنكر الناس للعقل فإن مختلقات خيالهم تتضخم وينغمسون في مهاوي الأوهام والأخطاء.

لاريب أن أحد المصادر الكبرى لقدرات الانسان العقلية والطبيعية ذاتها هي المذاهب الدينية والقانونية في حضارة من الحضارات وأهم هذه المصادر الصورة الميتافيزيقية الأوسع التي تجرى ضمنها أنماط الخطاب وتشكيل في فضائها أهم المفاهيم التي تشكل تصورات الانسان عن نفسه تشكيلاً عميقاً، فأما أنها تدعم قواه العقلية أوتضيق عليها وقد ضيق مهندسو الفكر العربي الاسلامي الاطر العقلية للانسان ومن ثم رفضوا قدرة الانسان على معرفة أسرار الطبيعة وفك مغاليقها، واثارة الشكوك حول قدرات الانسان العقلية ووضعوا العراقيل حول امكانية التفكير العقلاني بآيات الله الذي أمر  الناس بالتفكير والتغيير في قول تعالى: «أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وماخلق الله من شيء»الاعراف الاية 185 وقوله: تعالى:«ويتفكرون في خلق السموات والأرض«آل عمران الآية «191» وقوله تعالى «فاعتبروا ياأولي الابصار» " وقوله تعالى "إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد:11"  لكن مالم نعرفه أن هذا العلم الذي ازدهر في ديار غيرنا لم يكن له أن يزدهر أويفي ديار غيرنا لم يكن له أن يزدهر أويصل إلى ماوصل إليه ألا يفسح المجال للتفكير الفلسفي الحر واعلاء شأن العقل ومنح الثقة للانسان الذي أمره الله بتعمير الأرض وسبر اغوارها. إن غياب مفاهيم الطبيعة والقانون الطبيعي، والانسان والضمير والعقل وحرية التفكير من آفق الثقافة الإسلامية أفضى بالمحصلة الأخيرة إلى العجز الكلي عن انجاز الطفرة العلمية الحديثة التي انحصرت في أوروبا الغربية واخفقت في حضارتنا العربية الإسلامية. كان العرب في كل حقول العلم.. في طليعة التقدم العلمي.. إذ أن ما حققه العرب يثير الإعجاب إلى حد يدعو للتساؤل عن السبب الذي منعهم من اتخاذ الخطوة الأخيرة باتجاه الثورة العلمية الحديثة؟ ويضيف " كان العرب قد وصلوا إلى حافة أعظم ثورة فكرية حدثت في التاريخ، ولكنهم رفضوا الانتقال من العالم المغلق إلى الكون اللانهائي) حسب تعبير(Koyre  كويري). وبما أنهم عجزوا عن اتخاذ هذه الخطوة الخطيرة في بداية العصر الحديث، فإن البلاد الإسلامية لا تزال تتمسك بالتقاويم القمرية" وفي سياق تناوله للبُنى الثقافية والمؤسسية التي حالت دون مقدرة العلم العربي على اتخاذ تلك الوثبة الحاسمة من الباراديم التقليدي المغلق إلى الباراديم الحديث الجديد توصل هب إلى نتائج بالغة الخطورة والأهمية اليكم بعضها:

1- لم يكن لعلماء الطبيعة العرب دور معترف به اجتماعياً وثقافياً وسياسياً يوازي دور الفقهاء من حيث السلطة والنفوذ، بل كانت بنية الفكر والعواطف في الإسلام في القرون الوسطى بشكل عام ذات طبيعة جعلت طلب العلوم الوضعية والعقلية وعلوم الأولين أمراً يثير الشكوك ويجلب لأصحابها كثيراً من المتاعب والتهم الخطيرة على حياتهم.

2- كانت سلطة الفقهاء وسطوتهم شاملة بحيث لم يتركوا شيئاً للعلماء والفلاسفة ليقولوه، بل إن الفلاسفة وعلماء الإنسانيات لم يكن لهم وظيفة ودور معترف بهما في المجتمع، ومن ثم لم تكن لهم حماية، إذا ما أردوا التعبير عن آرائهم بشأن القضايا الفكرية بحرية، كمسألة خلق العالم، والعلية الطبيعية، والحرية الإنسانية، وما إذا كان بإمكان الإنسان الوصول  إلى المبادئ الأخلاقية عن طريق الرؤية العقلية بعبارة.

3- غياب فكرة العقل والعقلانية؛ إذ إن مصادر الشرع هي القرآن الكريم، والسنة، والإجماع، والقياس، وهذا ما أفضى إلى التخلص من العقل بوصفه مصدراً من مصادر التشريع، وقد أدى التضييق على العقل إلى إنكار النظرة العقلانية إلى الطبيعية؛ أي دراستها بوصفها موضوعًا قابلاً للفهم والسيطرة، كما أن مفهوم العقل الذي شاع عند المسلمين ليس العقل الفعال عند أرسطو، ولا (النور الداخلي) عند فلاسفة النهضة، بل يطلقون كلمة العقل على الأفكار التي يؤمن بها عامة الناس. ويرى فضل الرحمن أن "اللاهوت احتكر في نهاية المطاف حقل الميتافيزيقيا كله وأنكر على الفكر الخالص حق النظر نظرة عقلانية في طبيعة الكون وطبيعة الإنسان، لكن العلم الحديث لم يكن له أن يظهر ويزدهر دون توافر أطر ميتافيزيقية عامة ومعترف بها تقوم على فرضيات عن انتظام العالم الطبيعي وخضوعه لقوانين معينة وعلى الإيمان بقدرة الإنسان على فهم البنية الكامنة في الطبيعة وفهم القوانين التي تتحكم في الكون والحياة والإنسان واستيعابها والتنبؤ بنتائجها والسيطرة عليها، وربما هذا هو ماقصده ماكس بيرونتز بقوله: "أنه لا يزال هناك ما يقال بشأن اكتشاف السبب في أن هناك آخرين عميت بصيرتهم عن التقاط ما حاولت الطبيعة أن تقوله لهم، على الرغم من أنهم في الظاهر كانوا قادرين على ذلك"ويخلص (هف) إلى القول: "لقد ضيق مهندسو الشريعة واللاهوت في الحضارة العربية الإسلامية القدرات العقلية عند ألإنسان ورفضوا فكرة الفاعلية العقلية التي يتميز بها جميع بني البشر لصالح الرأي القائل إن على الإنسان أن يسير على نهج السلف وأن يتبع التقليد، وإن الأسلاف لم يتركوا شيئاً للآخلاف. أما الأوربيون القروسطيون فقد وضعوا تصوراً للإنسان والطبيعة كان فيه من العقل والعقلانية ما جعل النظرات الفلسفية واللاهوتية مجالات مدهشة من مجالات البحث التي كانت نتائجها لا هي بالمتوقعة ولا بالتقليدية.

فمتى تطلق بومة منيرفا جناحيها للريح في فضاءات العالم العربي الإسلامي؟! والتطّير من البومة من مخلفات العهد الطوطمي.

 

ا. د. قاسم المحبشي

 

 

السلوك الاجتماعي ليس مجموعة من الأحاسيس المُضطربة، أوْ كَومة من العواطف الساذجة، أوْ منظومة من رُدود الأفعال العبثية، وإنما هو منهج نظري وعملي في آنٍ معًا، يشتمل على تاريخ الأفكار الإنسانية، والوعي الوجودي بهذا التاريخ . وكما أن الوعي لا ينفصل عن التاريخ، كذلك الفكر لا ينفصل عن التطبيق . وهاتان القاعدتان تسيران جَنبًا إلى جَنب في فلسفة الشعور الإنساني، التي تستمد شرعيتها من قُوَّة المنطق والاحتكام إلى العقل . وهذا يدفع باتِّجاه توليد تيار فكري نقدي، يقوم على فحصِ المُسلَّمات المُكرَّسة اجتماعيًّا بفِعل الأهواء والمصالح والعادات والتقاليد، واختبارِ حقيقة الوعي الإنساني في عَالَم القَسوة المُتغيِّر. وقَسوةُ العَالَم هي الامتحانُ الحقيقي للإنسان، وُجودًا وفِكْرًا وشُعورًا . وبما أن كُل امتحان يحتاج إلى إجابة، ولا يُمكن التَّهَرُّب مِنها، فإنَّ الإنسان مُطَالَب بالإجابة عن السؤال المصيري الذي يمسُّ شرعيةَ وُجوده، ومشروعيةَ سُلطته الاعتبارية على الأنساق الاجتماعية : هل يُحافظ الإنسان على إنسانيته في العَالَم القاسي والبيئة الخشنة أَمْ يتحوَّل إلى وحش كاسر للحِفاظ على وُجوده وسُلطته ؟ .

والتحدِّي المصيري أمام السلوك الاجتماعي ينطلق مِن حقيقة مُفادها أن الإنسانية على المِحَك، والإنسانيةُ هي القلب النابض للسلوك الاجتماعي، وهذا يعني أن الإنسان صارَ في مركز الخطر، ولم يَعُد الخطر مُجرَّد احتمال، وإنَّما صارَ واقعًا ملموسًا ومُعاشًا، ولم يعد الإنسانُ واقفًا على الشاطئ يُراقب دَوَّامات البحر، وإنَّما صار في أعماق الدَّوَّامات، وعليه أن يُنقِذ نَفْسَه بنَفْسه، ويُقَاتل الطاقةَ السلبية بالطاقة الإيجابية، لأنَّ بَر الأمان بعيد، ولن يأتي أحد لإنقاذ أحد، لأن كُل إنسان مشغول بنَفْسه، ولا يُفكِّر إلا بالنجاة الشخصية . وهذا أمرٌ مُتوقَّع في بيئة عالمية مُعادية لإنسانية الإنسان، كرَّست الخلاصَ الفردي كَحَل وحيد للنجاة، لذلك صار كُل فرد يُحاول القفزَ مِن السفينة قبل غرقها، ولا يُفكِّر بإنقاذ السفينة. والنجاةُ الجماعية لَيست مُستحيلة، فلا داعي للخوف، ولا وقت للبكاء والاستسلام، والوقتُ الذي يَقضيه الإنسانُ في البكاء على الماضي، يَكفي لبناء الحاضر وإنقاذ المستقبل . والوقتُ الذي يَستهلكه الخَوفُ مِن المَوت، يَكفي لصناعة الحياة .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

عبد الخالق الفلاحالانسانية: لها أثار عميقة في النفوس، ورقيّها، ورفعتها. اخلاقياً واجتماعياً، لتحقق أهدافاً وأنشطة وسلوكاً حسناً يتجه نحو الأفضل باستمرار، ويغرف من نبعها الفياض كل خير. وغاية القيم والمبادئ الإنسانية هي إسعاد الفرد والجماعة، والعمل على نجاتها من الأهواء، والشرور، والانحدار،وهي خصوصية وصفة يتميز بها الانسان عن باقي الكائنات، ومجموعة من وجهات النظر الفلسفية والأخلاقية التي تركز بشكلٍ أساسي على قيمة الإنسان فرداً كان أم جماعة وترتبط بالاستدلال والتفكي، وكلمة انسان تعني الكائن البشري الذي هو ليس بحيوان . أي أن كلمة إنسان هي نقيض الحيوان من حيث المواصفات التي تميّز الإنسان عن الحيوان . ولكن كلمة الإنسان لا تدلّ على أيّ إنسان محدّد، الإنتماء إلى الإنسان يكون إلى الجوهر الإنساني الذي هو نفسه في كل إنسان والذي هو  في نفس المعطيات والاستعدادات النوعية والوراثية في كل إنسان، والذي بسببه يصبح الناس توائم روحية متماثلة في الجوهر الإنساني، مهما تنوّعت احتمالات الإنسان في اختلاف الظروف والأحوال، وإن الجوهر الإنساني  في كل إنسان هو النواة الرئيسية التي تحتوي على الإستعدادات النوعية الوراثية المكوّنة للشخصية الإنسانية وما تكتسبه من قدرات ومؤهلات وإمكانيات للتعامل الإنساني مع الآخرين . 

وتعني الإنسانية بشكل عام العطف على جميع الناس والتعامل معهم بالإحسان وكل إنسان لديه أدنى اطلاع على الخلق الدينيىة وأحكامها وتعاليمها يُدرك تمام الإدراك أن تحقيق الإنسانية والإخاء بين البشر هو هدف أساسي من أهداف الديانات السماوية بالدعوة الى الاهتمام  بالعلاقات الإنسانية اهتماما كبيرا، لتوكيد الوحدة والترابط المجتمع، وتقويم العلاقات بين أفراده، فتندثر الطبقية والعصبية، ويجتمع الجميع تحت راية واحدة هي راية التوحيد، فيكون الود والتراحم بين جميع فئات المجتمع المسلم والإنساني، وتهدف بشكل أساسي إلى التقليل من نسبة الفقر والحاجة بأن يُعطي الغني جُزءً من ماله إلى الفقراء بالزكاة، والمساواة من أعظم مظاهر الإنسانية ومبادئها.

وتعرف القيم الإنسانية على أنها الأخلاقيات والمبادئ السامية التي نشأ عليها الفرد والتي تضع له القواعد الرئيسية لتعاملاته مع الآخرين. وتتعدد هذه المبادئ ما بين العدل والحرية والكرامة والمساواة والعطف والرحمة. ولهذه القيم أثر عظيم على الأفراد فهي تدعو لنشر المحبة والود بين أبناء المجتمع الواحد، وتحض على نبذ الشر والحقد والظلم والكراهية. وتدفع الفرد إلى المشاركة في الأعمال الخيرية والتطوعية، والوقوف بجانب الآخرين في السراء والضراء. وتدعو الفرد إلى الالتزام بحسن الخلق في تعاملاته مع البشر جميعهم دون تفرقة بينهم على أساس الأصل أو الدين أو اللون أو العرق أو الجنس.. وتعمل القيم الانسانية على  التقريب بين الأمم والشعوب عن طريق ترسيخ الاحترام المتبادل، والتفاهم وقبول الآخر، ونبذ الصراعات القائمة على أساس التمييز بسبب اللون أو الجنس أو العرق أو المعتقد الديني، حيث تعمل القيم الإنسانية على الحد من هذه الاختلافات والحث على رؤية أوجه التشابه والتقارب لتعميق الاتصال بين الشعوب والأمم، كما ان للقيم الإنسانية أهمية كبيرة في بناء شخصية الفرد القوية والناضجة والمتماسكة، وفي حمايته من الوقوع في الزلل والخطأ، حيث تشكل هذه القيم درعا واقية له. وتجعل الفرد كذلك يشعر بالسلام الداخلي والطمأنينة والاستقرار والتوازن في الحياة الاجتماعية، كما تساعده على كسب ثقة الناس واحترامهم ومحبتهم، والقدرة على التأقلم مع الظروف برضا وقناعة، وتشكيل نمط عام للمجتمع وقانون يراقب تحركاته،وتعكس تصرفات الإنسان مع الآخرين صورته الداخلية، ويميل المتواضعون بشكل عام إلى تقديم مصالح الآخرين على مصالحهم،وهي من الصفات  النبيلة  التي يجب أن يتحلى بها كل إنسان يبحث عن الرفعة والسمو في المجتمع، فإنجازات الإنسان هي من تتحدث عنه، وكلما تواضع للآخرين ازداد مكانة بينهم. وليس من السهل أن يكون الإنسان متواضعاً، إذ غالباً ما يحاول الكثيرون التحدث عن أفعالهم وإنجازاتهم ويبالغون فيها، في حين يتطلب التواضع العمل بصمت والتعامل مع الآخرين بعطف، مهما بلغت منزلتهم المهنية والاقتصادية والاجتماعية. التواضع صفة من افضل وأجلّ الصفات التي يتصف بها الإنسان، وهي تدل على طهارة النفس وصفاء القلب ونقاء السريرة، وتدفع إلى المودة والمحبة والمساواة بين أفراد المجتمع، وتنشر وتعزز الثقة والترابط الإنساني بينهم، وتمحو الحسد والبغض والكراهية من قلوب الناس. 

يمكن نشر القيم الإنسانية ابتدءاً بالشعر وهو الوسيلة التي تسخر الإمكانات المؤدية إلى وجود أفضل وعالم أجمل وإلى رسم ملامحها طوال تاريخ، فإن كانت العلاقة تتسم بالصراع في غالب الأحيان، فإن الغاية الكبرى المنشودة من لدن الشعراء هي تحقيق خصائص الإنسانية والقصيدة الشعرية تنقل العالم الى خط رسالة باقية في التنقية ...مما قاله المبدع الفرنسي جان كوكتو «الشعر ضرورة»، ومما قاله الشاعر المكسيكي أوكتافيوباث ذات يوم «إن شعباً من دون شعر هو شعب من دون روح، وإن أمة من دون نقد هي أمة عمياء»، فلولا الشعر لانطمس الحس الإنساني تحت ركام المتغيرات المادية اللامتناهية، ولخمدت مصابيح الوجدان، وخَبَا وَمِيضُ التواصل البشري. فبدون النزعة الإنسانية في الشعر يبقى الإنسان غير قادر على الإبداع والعطاء في زمن تتسارع التغيرات في القيم الإنسانية زمن العولمة بسبب الاستعمال الغير صحيح لوسائل الاتصال الاجتماعي وخاصة الانترنيت وتدفع بتصرفات أكثر فأكثر إلى تحطيم تلك القيم ولقد فرضت مع الاسف العزلة الاجتماعية على الانسانية، بدل ان يكون دورها  دورها حاسما في التعبئة العامة و التنسيق و التعاون، مما جعلت أزمة القيم الانسانية حقيقية تكشفها كل التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والحضارية،فهل يتواضع رعاة النظام العالمي الجديد ويستمعون لصوت العقل والضمير ويعودون إلى الإنسان من حيثُ كونُه إنسانا قبل أن يُشوَّه ويصبح مادة إنتاجية أو قوة شهوانية إذ يُراد له أن يُشْقِيَ الإنسانَ ويُقَيِّدَ مقدراته ويتركه نهبا للوساوس والاستهلاك أمام التطور التقني الهائل الذي أصابه بالاستلاب الكامل وأكسب أسهمه وزن الريشة أمام الآلة وتغول الحاكم المجهول والمعلوم.

 

عبد الخالق الفلاح باحث واعلامي

 

 

هاجر القحطانيارتايت الحديث في هذه الأمسية من منظورعملي وأخاطبكم بإحساس جندي عائد من معركة خبِر بنفسه فداحة الأمر مدركاً إلحاح الحاجة الى التدخل العاجل.  يستند ما أقوله الى خبرة عملية تمتد لأكثر من عقد من الاحتكاك المباشر متعدد الأبعاد بقطاع التعليم الرسمي وغير الرسمي في العراق، شمل ذلك لقاءات وحوارات مع المعنيين بالشأن التربوي والأكاديمي وصناع القرار والمنظمات المحلية والدولية ذات الصلة بالقطاع، وقيادة العشرات من ورش التدريب والمؤتمرات الشبابية واعداد المناهج التدريبية.

مشهد محبط

ثمة حقيقة فاقعة لا تخفى لابد من اعتمادها مدخلا أول لحديثنا وهي أن العراق بلد شبابي بامتياز، حيث اكثر من نصف سكانه هم تحت 21 عاما أي في عمر الفتوة والشباب المبكر، ما يضعه وسط دول افريقية شديدة الفقر. لا يعكس ذلك مؤشرات تنمية متدنية فحسب بل يضاعف المسؤولية على المجتمع والدولة في توفير بيئة راعية لهذا الزخم الهائل المتزايد من الفتية والفتيات. ومع الاضطراب السياسي والفشل الاقتصادي والبطالة وحالة التعليم السيئة في البلد فان هذه الحقيقة تعني ان في العراق ما يكفي من الوقود الخام الجاهز للانفجار عنفاً ومخدرات وتطرفاً وجريمة.

وليس سرا أن نظام التعليم – بجناحيه الأساسي والعالي- يواصل في العراق تراجعه رغم ما يصرف عليه من أموال وجهود (كثير منها مخلص) من المعنيين سواء كانوا تربويين او اكاديميين او صناع قرار: الأمية في أعلى مستوياتها مقارنة بالدول المحيطة والعالم ومقارنة حتى بوضعها في العراق خلال السبعينات والثمانينات من القرن العشرين، الجامعات العراقية خارج التصنيف العالمي او في ذيله، التسرب من المدارس ظاهرة بارزة، والتعليم التجاري منتشر كالفطريات دون ضوابط فاعلة.

وبينما يضطرد التقدم في فلسفة التعليم وطرقه واستراتيجياته في المنطقة والعالم تتعثر مسيرته في العراق وتتسع الفجوة باستمرار بين ما يتوفر لأجيال البلد الصاعدة وبين ما يحصل عليه نظراؤهم في الدول الأخرى، ناهيك عن معاناة الملايين من المتعلمين والمعلمين من مدارس بلا بنى تحتية وتكدّس في الصفوف وترهل في الموارد البشرية غير المؤهلة بما يكفي.

غير أن الأمر لم يكن دوما هكذا، فقد استمر منحنى التعليم العام في العراق بالتصاعد بدءا من تأسيسه في عام 1921، وصولا الى الذروة بعد الطفرة النفطية في السبعينات حتى الثمانينات، عندما قارب انفاق الدولة على التعليم 20% من ميزانينتها ، ما جعل العراق رائداَ في دعم التعليم في العالم العربي ووضعه في مصاف دول اوروبية متقدمة . لكن المنحنى سرعان ما بدأ بالنزول بعد تكبد البلاد تكاليف انسانية واقتصادية باهظة بسبب الحرب العراقية -الايرانية ثم حرب الكويت، وجاء الحصار الاقتصادي في التسعينات ليوجه ضربة قاسية للتعليم قبل أن ينهار بالكامل مع الاحتلال الأمريكي في 2003.***

المفارقة أن العراق يزخر بالخبرات الوطنية الأكاديمية والتقنية المتقدمة داخله وخارجه، لكن جهود الاصلاح تبدو متناثرة لا يجمعها رابط، ولا تشكل تراكماً ملموساً كمن يحفر في بئر لا قاع له، وهو ما انعكس على العديد من المعنيين الذين التقيتهم وعملت معهم خلال السنوات العشر الأخيرة شعوراً باليأس والعجز وقلة الحيلة والاحباط.

لهذا كله تصبح أزمة التربية والتعليم قضية سيادية ملحة تخص الأمن الوطني ومستقبل البلد ومصير أجياله، ما يعني أننا يجب أن نتوقف فوراً عن اعتماد واتباع عقلية التدرج والتراكم البطيء في احداث الاصلاحات اللازمة، واستبدالها بعقلية التدخل العاجل لوقف التدهور واجراء اصلاحات جذرية مستدامة، حتى إن عنى ذلك العودة خطوتين الى الوراء للتقدم أربع خطوات الى الأمام.

تعيننا في ذلك الاكتشافات الجديدة في علوم مثل النيرولوجي والسايكولوجي، التي تلعب دورا محوريا في تطوير استراتيجيات التعلم والتعليم، والقفزات الهائلة في الذكاء الاصطناعي وتعلّم الآلة، أعادت هذه الاكتشافات والقفزات تعريف المدرسة والتعليم الصفي بشكل جوهري ما اضطر مؤسسات تعليمية عالمية عريقة الى النزول من أبراجها العاجية والتواضع أمام عصر انتشار المعلومة وسهولة الوصول اليها عبر إحداث تحولات جذرية في سياساتها وبناها الادارية وتوجهاتها المعرفية لكنها يمكن أن توفر فرصا حقيقية لقطاع التعليم في العراق لاختصار الوقت وجسر الهوة مع العالم. خاصة ان  أجيالا من ناشئته مرت وتمر بظروف استثنائية أثّرت بشكل عميق على التكوين النفسي وبنية الدماغ لديهم.

مقاربة التدخل

هنالك الآلاف من الدراسات والأبحاث الرصينة لباحثين عراقيين جادين وما لا يحصى من الدراسات والوثائق الدولية التي تعالج أزمات التعليم البنيوية والفنية والمعرفية، لذلك فان ما ينقصنا بالدرجة الأولى ليس المزيد من هذه الدراسات بل رؤية جامعة تعكس فلسفة واضحة ذات صلة باحتياجات وتحديات البلد الفعلية وثقافته وهويته الحضارية، وتأطيراَ معرفياً كلياً يحوّل مخرجات التربية والتعليم جوهرياً باتجاه تخريج مواطنين صالحين منتجين يجيدون صنع الحلول المجتمعية والاقتصادية والسياسية لا الثرثرة حول المشاكل. وما ينقصنا هو استراتيجيات تدخل فاعلة ناجعة ومستدامة تستثمر في قطاع التعليم بصفته منظومة عابرة للحكم والسياسة ومتجذرة في المجتمع وثقافته ونسيجه ومؤسساته الحيوية. والمقصود بقطاع التعليم  هنا هو النقابات المعنية والخبراء والمنظمات والمؤسسات المدنية والأهلية المعنية بالتربية والتعليم و مديريات وأقسام وموظفو القطاع العام في الوزارات المعنية من غير التعيينات السياسية.

أدناه أربعة مداخل أساسية لضمان نجاح أي تدخل جاد تقوده الدولة في إصلاح منظومة التربية والتعليم في العراق، شرط أن تبادر المؤسسات المعنية في المجتمع الى الضغط على الدولة لتحقيقها لأن مسؤولية التربية والتعليم مشتركة وتضامنية بين الدولة والمجتمع.

1- لا يجوز أن تبقى منظومة التربية والتعليم رهنا بتقلبات الساسة ومزاج الوزراء، وبما ان الوضع السياسي والاقتصادي مازال مضطربا وغير مستقر في العراق وقد يمر وقت قبل حدوث أي استقرار نسبي، لذلك لابد من سن تشريعات ووضع سياسات تحمي التربية والتعليم من ارتدادات الاضطراب السياسي ومن الاتفاقات السياسية التي تعكس ضعف او انهيار العقد المجتمعي مثل "المحاصصة السياسية"، كما تفعل أي دولة راشدة ومجتمع ناضج في ظروف الحرب والاضطراب.

2-  حصر وترسيخ غايات عملية التربية والتعليم في غايتين أساسيتين لهما الأولوية، بهما تقيس وحولهما تضع الاستراتيجيات وتنظم العمليات والموارد: وهما التأهيل لسوق العمل والتربية على قيم المواطنة الصالحة. وهذا يعني أولاً أن على قطاع التعليم أن يواصل  ملاحقة التطورات والتحولات في سوق العمل المحلية والدولية واستهداف الراهن منها والاستثمار في الاستراتيجي. وذلك يشمل المهارات المؤهلة لأداء الأعمال والوظائف في سوق العمل الراهن، المهارات والقدرات المؤهلة لريادة الأعمال وانشاء مشاريع مبتكرة، القدرات العلمية والتقنية والفنية، وبلا شك مهارات العمل المتوقعة للقرن 21  (وثائق منظمة العمل الدولية)، ويعني ثانيا أن يقوم قطاع التربية والتعليم برصد الصيرورة الثقافية والأخلاقية والحضارية للمجتمع والدولة العراقية وتقديم التربية المدنية والأخلاقية والثقافية اللازمة لمواكبة هذه الصيرورة وتنشئة أجيال قادرة على بناء السلم المجتمعي والنهضة.

3- التركيز على التدريب المهني والتحول التدريجي من نظام تعليمي يعتمد الشهادات الجامعية معيارا أول للتأهيل الى سوق العمل الى نظام يعتمد الشهادات المهنية دقيقة التخصص بمقاييس عالمية. انسجاماً مع التحول  من اقتصاد ريعي يعتمد على واردات النفط فقط الى اقتصاد منتج تزدهر فيه ريادة الاعمال وينافس فيه العامل العراقي في السوق الاقليمية والعالمية خاصة مع انتشار الأعمال والوظائف على الانترنت التي لا تتطلب السفر او الانتقال من المكان، الملفت أن التعليم المهني تضاعف ثلاث مرات من حيث الحجم وتطور من حيث الجودة في ثمانينات القرن الماضي، وقد يكون هذا الاهتمام قد حصل، للأسف، لتشغيل وإدامة ماكنة الحرب العملاقة التي بناها النظام آنذاك.

4- الاستثمار في الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة، ليس فحسب كمهارة لا غنى عنها لوظائف المستقبل القريب، بل أيضا لتوفير حلول ذكية لمشاكل وتحديات التعليم الاجرائية مثل الوصول السريع الى جميع فئات المجتمع، ضبط الجودة، مواءمة المدخلات والمخرجات، رعاية الفروق الفردية والشرائحية، تطوير الإشراف ومحو الأمية، ناهيك عن مشاكل وتحديات القطاعات الأخرى.

المقترحات أعلاه هي خلاصة عشرات من الحوارات المعمقة مع معنيين بشأن التعليم والتربية في العراق أجريتها خلال الأشهر الماضية، وهي بطبيعة الحال رهن لإرادة سياسية محكمة وواعية ومجتمع مدني يعي أولوياته.

 

هاجر القحطاني

......................

* نسخة مكتوبة من كلمة تفاعلية قُدمت في ندوة على زووم عقدتها مؤسسة الحوار الانساني في لندن بتاريخ 11/11/2020.

**هاجر القحطاني كاتبة عراقية وناشطة في مجال إصلاح التعليم، المدير التنفيذي للمنبر الدولي للحوار الاسلامي في لندن

رئيسة تحرير دورية " التنويري" الصادرة عن الرابطة العربية للتربويين التنويريين وعضو مجلس أمنائها.

https://en.unesco.org/countries/iraq ***

 

 

قانونُ العِلِّيَّةِ قانونٌ يَحْكُمُ الوجودَ وَالظَّواهرَ المادِيَّةَ، ويَحْكُمُ كَذلكَ عالمَ الفكرِ، وَيُعّدُّ الفَيْلَسُوفُ اليونانِيُّ ارسطو أولَ من اشارَ اليه حينما بحثَ حركةَ الموجودات، وانتهى الى انَّ لِكُلِّ حَرَكَةٍ محركٌ، وتنتهي هذه الحركةُ عندَ المُحَرِكِ الأَوَلِ . ويرى ارسطو أَنَّ العِلِّيَّةَ قانُونٌ قَبْلِيٌّ سابِقٌ على التجربةِ . وقَسَّمَ أرسطو العللَ الى اربعةِ أَقسامٍ هي: 1- العلة الفاعلية 2- العلة الماديَّة 3- العلة الصورية 4- العلة الغائيَّة، ولتوضيح هذه المسأَلَةِ استخدمُ مثالَ الكُرسِيِّ الَّذي ضربهُ السيد محمد باقر الصدر رحمهُ الله في كتاب (فلسفتنا) . العلةُ الفاعلية للكرسي هي النجار، والعلة المادية هي المادة التي صُنِعَ منها الكرسيُّ، والعلة الصُوريَّة هي صورةُ الكرسيِّ والهيأةُ التي عليها الكُرسِيُّ، والعلة الغائيَّةُ هي الغايةُ التي من اجلها صُنِعَ الكرسي وهي أن يُجلَسَ عليه . والفيلسوف، (كانط) يرى: ان العليّةَ من المبادئ الفطريّةِ السابقة على التجربة. وقد انكر ديفيد هيوم العليّة وكونها مبدأً قبلِيّاً، بل اعتَقَدَ أَنَّها مَبْدأٌ يُستكشَفُ من خلالِ التجربةِ .

السؤالُ الذي يَطرَحُهُ الملاحدةُ في تَحَدٍ لمن يؤمنُ بالله هو: اذا كنتم تقولون: (بأنَّ لكلِّ موجودٍ موجد، فَمَنْ أوجَدَ اللهَ؟ وَكَأَنَّ عِلَّةَ الاحتياجِ الى عِلَّةٍ هو الوجود . وهذا السؤالُ ليسَ صحيحاً، وفيهُ مغالَطَةٌ وخطأ وذلكَ ؛ لانَّ علةَ الاحتياجِ الى العِلَّةِ ليسَ هو الوجود . فماهي علةُ الاحتياجِ الى العلةِ اذن ؟ عِلَّةُ الاحتياجِ الى العِلَّةِ حصرها الفلاسفةُ والمتكلمونَ في: 1- الحدوث: وهو كونُ الشيءِ مسبوقاً بالعَدَم، وهذا هو رأيُ المتكلمين خصوصاً المتقدمين منهم، امّا المتأخرونَ من المتكلمين كالفخر الرازي فقد مالوا الى رأيِ الفلاسفةِ وقالوا انَّ علةَ الاحتياجِ الى العِلَّةِ هو الامكان. 2- الامكان: وهو عدمُ اقتضاءِ الذاتِ الوجودِ والعدم . وهذا هو رأيُ الفلاسفةِ في عِلَّةِ الاحتياجِ الى عِلَّةٍ  . واختلفوأ في الامكان، هل هو (امكانٌ ماهوي)، وهذا الرأيُ ذهبَ اليه الفلاسفةُ القائلونَ بأصالةِ الماهية، والامكانُ الماهوي هو (استواءُ الماهيةِ من جهةِ ذاتِها الى الوجود والعدم بحيثُ يحتاج تَرَجُّحُ الوجودِ على العدمِ الى سببٍ خارجي)، او (امكان وجودي)، الذي قال به الفيلسوفُ الاسلاميُّ صدرُ الدين الشيرازي والقائلونَ بأصالَةِ الوجود . ويعنون بالامكانِ الوجودي: (الارتباطُ بينَ العلةِ والمعلولِ وجوداً وعدماً)، او حسب تعبير المُلا صدرا: (افتقارُ الوجودِ من جهةِ ذاتهِ بحيثُ يكونُ عينَ التَعَلُّقِ والربطِ بالعِلَّةِ والحاجةِ اليها، بحيثُ لااستقلالَ لهُ  في أصلِ وجودهِ وبقائهِ ).

بعد هذه المقدمة نخلُصُ الى خَطلِ ماقاله الملاحدةُ من احتياج كل موجودٍ الى موجد، وانما الصحيح هو: انّ لِكلَّ ممكن الوجودِ موجدٌ . لانَّ الموجوداتِ الممكنةَ وجودُها عينُ التعلُّقِ والربطِ، امّا الوجودُ الواجبُ سبحانه وتعالى فوجودهُ ضروري ذاتي، وليسَ وجودُهُ وجوداً ربطياً تعلُّقِيّاً حتى يحتاج الى موجد . اذن ممكن الوجود هو الذي يحتاجُ الى مُوجدٍ حدوثاً وبقاءً.

 

زعيم الخيرالله

 

 

يسري عبد الغنيالإنسان العاقل المضحي عليه أن لا تسكره خمرة الشعور بالابداع أو التفوق أو المعرفة، وإنما عليه أن يتذكر، أكثر من غيره، أؤلئك العمالقة من البشر ومن الذين خلد أعمالهم تواضعهم، وحفظت قلوب الناس قبل عقولهم أقوالهم وكتاباتهم وتسنن الكثيرون بأفعالهم وتصرفاتهم.

وحديثي اليوم عن ظاهرتي النرجسية والعبثية في نفوس وسلوك بعض المثقفين وتأثيرهما على ثمرة عطائهم، ناهيك عن تأثير هاتين الصفتين في نفوس وسلوك ممن توهم أنه مثقف ينبغي عليه أن يتميز عن الآخرين، يجيء في اطار محاولات تثمير العمل الثقافي ورفع الشأن الإنساني له.

لقد تميز الإنسان بعقل يفكر به ويحكم من خلاله على أفعاله وأقواله وأفعال الآخرين وأقوالهم. فما كان منها نافعاً مكث في الأرض، وما كان منها زبداً ذهب جفاء.

فالابداع الفكري والفني للإنسان لا ينبغي أن يكون غاية في حد ذاته، بل عطاءً إنسانياً يساهم في إغناء الحياة بمادة ووسائل تطورها. كما يجب أن لا يبقى حبيس هواجس ذاتية ضالة أو مضللة. فعشق الذات الذي يغذيه وهم “الأنا” هو من أخطر الأمراض التي تصيب المثقفين والفنانين وتؤدي إلى ضياع الطاقات وإلى وخسارة كبيرة.

لو أن كل مثقف أو فنان طرح على نفسه الأسئلة التالية:

بماذا أبدعت في عملي؟ لماذا أبدعت في عملي؟ لمن أبدعت في عملي؟ ما هي القيمة الإنسانية لما أبدعته في عملي؟

ألا تساعد الاجابات عن هذه الأسئلة المثقف أوالفنان في الوقوف على إنسانية عطائه وبالتالي تلقي الضوء على سجاياه النفسية في نرجسيته أو حبه واحترامه للآخرين من خلال هذا العمل الثقافي أو الفني؟

أما الظاهرة السلبية الثانية في أوساط بعض المثقفين أو الفنانين فهي ظاهرة العبثية في أعمالهم ودورهم الإنساني. وليس المقصود بهذه الملاحظة حجر عقول وابداعات المثقفين أو الفنانين في أقفاص جاهزة أو قوالب جامدة، حيث يفقد عندها الابداع روحه وتتوقف الحيوية في عقول وقلوب المبدعين.

أريد بالعبثية هنا تلك النشاطات الثقافية والفنية التي لا تنتمي إلى هدف ذي معنى، ولا إلى غاية نافعة، وكذلك تلك النقاشات السفسطائية العقيمة أو تلك المرتدية أثواب الحزن والتشاؤم والمتباكية على أوهام وأماني غير واقعية أو عملية. أليس ذلك ضرباً من اللهو والضياع.

لقد تنوعت مداخل المعلومات عند الإنسان. فالعين تمسح ما ينعكس عل شبكيتها من صور الأشياء وتنقلها إلى غرفة عمليات الفهم والتحليل والاستنتاج. وهكذا الأذن والأنف واللسان بتذوقه والأصابع بلمسها، لابل والقلب بإحساسه باعتبارها مجسات ومداخل للمعلومات. إن ذات المعلومات والصور والأصوات والروائح تفسرها العقول والنفوس المختلفة، ولأسباب كثيرة، تفسيرات متنوعة تصل حد التناقض أحياناً. فقدرات الإنسان الذهنية وطبيعة معارفه وسلامة طرائقه المنطقية في التفكير والتحليل والاستنتاج، ودرجة صفاء سجاياه النفسية والروحية ومقدار محبته للناس وحدود نكرانه لذاته كلها عوامل تحدد طبيعة ومعنى المدخلات من المعلومات وصهاريج معالجتها ومعادن وأثواب مخارجها …

أذكر تعليقاً طريفاً لأحد أساتذتي ، وهو يتصفح كتاباً أنيقاً لأحد “الشعراء”، حيث قال أنه لو جرى توزيع هذا الكتاب وهو فارغ الصفحات لاستفاد منه الناس كثيراًً.

وهكذا إذن يفترض أن يكون لكل عمل غاية وهدف، ولكل نشاط ثقافي أو فني رسالة يؤديها لكي ينتفع الآخرون بها، ولكي لا يضيع الوقت ولا الجهد المبذول في عمل عبثي لا طائل منه.

إننا بحاجة إلى مثقفين وفنانين يعشقون حرية الابداع، ويعملون لها من أجل الآخرين الذين سيغمرونهم بالمحبة والتقدير والعرفان دونما نسيان نصيبهم من الدنيا، وبحاجة إلى اؤلئك المثقفين والفنانين الذين يعوون حاجات الناس وتطلعاتهم…. أتمنى أنني أصبت!

 

د. يسري عبد الغني

 

 

عبد الخالق الفلاحان الارتهان للقانون والعدالة، هو رفض  لاستحواذ المسؤولين على السلطة والقرار لوحدهم ولا ينفصل عن فكرة الحقوق وازالة الحواجز، بل بالمشاركة الجماهيرية في اصدارها وخاصة الحيوية منها واختيار المشاريع التي تهم البلد وتشجع الامكانيات الداخلية المتفكرة والمدبرة والميسرة ليكون الشأن عمومي في المسؤولية الفاعلة ومن ذوي الاختصاص ويكرس اسس المواطنة الحقة على مستوى الحقوق والواجبات، وتتسم علاقة العدالة كمؤسسة، بالسياسة كممارسة، بالصراع ونزوع نحو الهيمنة. وهو تأثير ناتج، بالأساس، عن ارتباك وغموض عند المختصين، لترامي “جبروت السلطة العمومية “على “قداسة العدالة وأولوية القانون”، من جهة ثانية. وتتحول هذه العلاقة، خاصة في الأنظمة التحكمية واللاديموقراطية، الى علاقة الحاق وتبعية، تشتغل من خلالها المؤسسة القضائية بتوجيهات وإملاءات السلطة السياسية، كما ترتبط فکرة الحقوق والحریات تاریخیا بالدولة القانونیة التی تلتزم سلطاتها المختلفة باتباع قواعد قانونیة عامة ومجردة وبالتالی، لا یمکن تصور حمایة للحقوق والحریات إلا فی ظل دولة القانون وثمة علاقة عميقة تربط بين مفهوم المواطنة ومفهوم العدالة السياسية في السلطة والمجتمع. إذ إن المواطنة تأخذ أبعادها الحقيقية في الفضاء الاجتماعي، حينما تتحقق العدالة السياسية وتزول عوامل التمييز والإقصاء والتهميش، وتتحقق العدالة بتعميق مفهوم المواطنة في نفوس وعقول أبناء المجتمع. أما إذا غابت العدالة السياسية، وساد الاستبداد السياسي، وبرزت مظاهر الإقصاء والتهميش، فإن مقولة المواطنة هنا تكون في جوهرها تمويهاً لهذا الواقع وخداعاً لأبناء الوطن والمجتمع ويجب ان يكون مبدأ العدالة هو الهدف الأسمى الذي تسعى العقولة السياسية إلى تحقيقه، كما يمثل الهدف الثابت والقيمة العليا للنظام السياسي وعكس ذاك لم يعد للحكومة والدولة مصداقية في وجودها وقال سبحانه وتعالى في كتابه : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل/ 90)، ومن الوصايا السياسية المهمة التي تناولت العدل كركن مهم في إدارة الشؤون العامة للبلد ما روي من وصيّة علي (ع) لعمر بن الخطاب رضوان الله تعالى عليه إذ قال له علي (ع): ثلاث إن حفظتهن وعملت بهنَّ كفتك ما سواهن وإن تركتهن لم ينفعك شيء سواهن، إقامة الحدود على القريب والبعيد، والحكم بكتاب الله في الرضا والسخط، والقسم بالعدل بين الأحمر والأسود، فهذه الأسس التي بيّنها امير المؤمنين علي (ع) تُعدّ في كافّة الأزمنة دعامة السلطة السياسية، وبها يتقوّم كيان الدولة. فالعدل وسيادة القانون ضمانة قوية ووثيقة أمان للحاكم والمحكوم في استمرار الحياة السياسية وتكاملها.

 ينبغي من الدول المختلفة أن تصمم وتعدّ خطط عمل وطنية تعزز التنوع والمساواة والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص ومشاركة الجميع. وينبغي أن تهدف هذه الخطط إلى تهيئة الظروف للجميع من أجل المشاركة الفعالة في صنع القرار وإعمال الحقوق المدنية والثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية في جميع مجالات الحياة على أساس عدم التمييز، وذلك باتباع وسائل شتى من بينها الإجراءات والاستراتيجيات التصحيحية أو الإيجابية.

العدالة في أبسط مفاهيمها تعني العدل في إصدار الأحكام وعدم المحاباة والتحيّز لشيء معيّن. وكلمة عدالة اصطلاح ساد في الفقه السياسي في مختلف مراحله، وهي بمعنى وظيفي ومعنى نظامي: أوّلاً: فالعدالة النظامية تلك المجموعة من القواعد والنصوص التي تحكم النظام القضائي بحيث يكون أداة لتمكين مرفق العدالة. ثانياً: العدالة الوظيفية: بمعنى أنّ العدالة تصير إحدى الأهداف أو المهام التي تسعى الجماعة السياسية إلى تحقيقها، وبحيث تمثل هدفاً ثابتاً للنظام السياسي. فالعدالة: كوظيفة، أو بمعنى أدقّ كهدف وقيمة، يجب أن يسعى إلى تحقيق نظام سياسي، تمثّل الجوانب المختلفة للعدالة كمبدأ سياسي فيه كحقيقة حضارية، لأنّها تعبر عن حضارة معيّنة، وقد تعبّر عن ذاتية فردية، كما أنّها بحكم طبيعتها تفترض الحياد، وهي في أبسط معانيها تعني إعطاء كل ذي حقّ حقّه.

لا شك إن وجود مبادئ أساسیة یقوم علیها اي نظام سیاسی معاصر لأی دولة لتشکل ضمانة حقیقیة لحمایة الحقوق والحریات وفی مقدمة هذه المبادیء مبدا سیادة القانون واستقلال القضاء. ولکن النصوص الدستورية في كثير من الاحيان لا تفي بالغرض المطلوب علی هذه المبادئ فی حمایة الحقوق والحریات ولذا لا بد من مرتكزات تقوم علیها هذه المبادئ وهو ما یتم تنظیمه من قبل المشرعين الذين همهم العدالة باعتماد تدابير فعالة ومناسبة لضمان المساواة أمام القانون، خاصة فيما يتعلق بالتمتع بحق المساواة وجمیع الأدیان متفقة علی أن نهایة هذه المسیرة التاریخیة العظیمة سوف تكون لها نهایة مفعمة بالأمل في حال تحقق هذه العدالة  وخلق زمن استقرار وتکریس المفهوم بشكل کامل. جاء فی الدعاء بعد زیارة آل یاسین الشریفة: «یملأ الله به الأرض قسطاً وعدلاً - أو عدلاً وقسطاً، والتعبیر مختلف فی مواضع عدة - کما ملئت ظلماً وجوراً،والعدالة یجب أن تتحول إلی خطاب نخبوی ویجب أن تتابع هذه المسألة ولا تترك بدون حلول  فالأرضیة واسعة والحاجة شدیدة، في جميع جوانب هذه الحاجة وتكون ملموسة وحصیلة قیّمة والحاجة إلیها شدیدة ماسّة. ومن اللازم بعد ذلك الاستفادة من الخبراء فی العالم ومن البلدان الأخری خبرةً لیمدّوا ید العون للوصول به إلی غایته.

ويجب ان يكون مبدأ العدالة هو الهدف الأسمى الذي تسعى االعقولة السياسية إلى تحقيقه، كما يمثل الهدف الثابت والقيمة العليا للنظام السياسي، فهذه الأسس التي بيّنها علي (ع) تُعدّ في كافّة الأزمنة دعامة السلطة السياسية، وبها يتقوّم كيان الدولة. فالعدل وسيادة القانون ضمانة قوية ووثيقة أمان للحاكم والمحكوم في استمرار الحياة السياسية وتكاملها،

العدالة مبدأ اساسي من مبادئ التعايش داخل الامم وفيما بينها والذي يتحقق في ظل دولة تحترم دستورها وقوانينها وتوفير الحياة الكريمة لكافة المواطنيين وتعمل على تحقيق المساواة وتوفير الحاجات الضرورية وازالة الحواجز بسبب الدين والمذهب والجنس والعرق والانتماء الثقافي للنهوض بالعدالة وما يضمن الالتزام والوفاء بها ويدعو جون رولس بـ"نظرية العقد". وتكمن الجوانب الإيجابية لمصطلح العقد في أن مبادئ العدالة يمكن تحقيقها، مثل تلك المبادئ التي يختارها أشخاص راشدون، عاقلون، وعلى هذه الطريقة يمكن شرحها وتبريرها بتصور العدالة .

 إن المجتمع التي يلبي مبادئ العدالة باعتبارها نزاهة، يقترب من المثل الأعلى للمجتمع، القائم على مخطط طوعي، بالدرجة الممكنة، لأنه قائم على المبادئ التي يجب أن يأخذ بها أشخاص أحرار ومتساوون في ظروف ومواقف عادلة، وبهذا المعنى فإن أفراد المجتمع يتمتعون بإدارة ذاتية، ويأخذون بواجباتهم التي يدركونها بصورة طوعية.

 

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

 

 

عيبان محمد السامعيجاءت جائحة كورونا (COVID-19) التي اكتسحت بسرعة فائقة دول العالم وحصدت مئات الآلاف من البشر؛ لتطرح مرةً أخرى وعلى نحو أكثر وضوحاً وشمولاً أزمة عالمنا المعاصر، إذ لم يكن يتوقع أحد أن تعود مشاهد الأوبئة الفتاكة إلى الظهور مرة أخرى بعد أن ظنّ الجميع أنّ تلك المشاهد قد ولّت وإلى غيرِ رجعة بفضل التقدم العلمي الهائل الذي وصلت إليه البشرية.

نُسارع إلى القول بأنّ ظهور جائحة كورونا وانتشارها على ذلك النحو المخيف ليس ناجماً عن عقاب إلهي كما يحلو للاهوتيين أنْ يفسروا الظاهرة؛ بل تعود إلى أسباب أخرى كامنة في بنيّة النظام الرأسمالي المعولم وميكانزمات عمله وعقابيل التجريف الجهنمي للطبيعة واختلال التوازن الايكولوجي (Ecological imbalance) في أرجاء المعمورة.

فقد باتت ظواهر مثل: التلوث البيئي (Environmental pollution) وثقب طبقة الأوزون (Ozone whole)، وهي الطبقة التي تحمي الأرض من النسبة الكبرى من الاشعة فوق البنفسجية، بالإضافة إلى الاحتباس الحراري Global Warming) ) الناجم عن انبعاث غازات: كلوروفلوروكربون (CFC) وأول أكسيد الكربون (CO) وثاني أكسيد الكربون (CO2) وأكاسيد النيتروجين (Nox) والميثان (CH4) وغيرها؛ باتت مخاطر عالمية الطابع وفقاً لعالم الاجتماع الألماني أولريش بيك (1944 - 2015)، الذي يرى أننا نعيش في مجتمع المخاطر العالمي (World Risk Society) فلم تعد المخاطر و الاخطار شأناَ قومياً بل تخطّت الحدود القومية لتتدفق في مختلف الاتجاهات، إنها المخاطر الطيَّارة؛ حيث تطير هذه المخاطر من مكان إلى آخر دون القدرة على إخضاعها أو التحكم فيها، ومن شأنها أن تضع مستقبل الجنس البشري ومصير الكوكب أمام خطر الفناء.[1]

تُؤدي جملة هذه المخاطر إلى نتائج كارثية كتغيُّر المناخ، وارتفاع درجة حرارة الأرض، واكتساح التصحُّر والجفاف المناطق الزراعية، والتهام الحرائق الغابات المَطيرة، وذوبان الجليد في القطب الشمالي، واجتياح الفيضانات العديد من المدن الساحلية في العالم، وارتفاع ملوحة مياه البحر مما يؤدي إلى إبادة الأحياء البحرية، ناهيك عن انقراض أنواع كثيرة من الحيوانات والطيور والنباتات. كل ذلك يُفضي إلى حدوث المجاعات، وتغيُّر نمط العلاقة بين الإنسان والحيوان، وانتشار الأمراض والأوبئة مثل: أمراض الجهاز التنفسي والربو والملاريا وحمّى الضنك والتيفوئيد والكوليرا، وانتشار فيروسات معدية مثل: فيروس السارس (SARS) ”المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة“2002، وأنفلونزا الطيور (HPAI) 2003، وانفلونزا الخنازير (H1N1 ) 2009، وانفلونزا الإبل (MERS) ”متلازمة الشرق الأوسط التنفسية“ 2015، وأخيراً وليس آخراً وباء كورونا (COVID-19) 2020.

(2)

إنّ النظام الرأسمالي في نسخته العولمية يُدمّر الأرض، يدفعه في ذلك مَانيا / هوس الربح، فالربح (Profit) في عقيدة الشركات الرأسمالية الاحتكارية الكبرى مُقدَّم على الشعوب وعلى مصير الكوكب كما يقول الفيلسوف الأمريكي نعوم تشومسكي (1928 -     )، فهو أحد الأقانيم النيوليبرالية إلى جوار أَقْنُوم المِلكية الخاصة (Property) وأقنوم حرية السوق المنفلتة (Free market) وأقنوم الخصخصة (privatization).

في ظل هذه الصيغة لا يكون هدف النمو الاقتصادي (Economic growth) من أجل إشباع حاجات البشر من السلع والخدمات ناهيك ــ طبعاً ــ عن تحقيق التقدم الاجتماعي، بل من أجل مراكمة المزيد من الأرباح لصالح الأوليغارشية الاحتكارية التي تُمسك بمقاليد النظام العالمي.

لذلك يُمسي النمو إله مجتمعاتنا الخفي وفقاً للفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي (1913 - 2012). "وهذا الإله الخفي هو إله قاسٍ، إنّه يتطلب ضحايا بشرية. واليوم، يُثقل علينا لون من القلق والضيق لم يثقل قط على البشر طوال تاريخهم هو قلق بقاء الكرة الأرضية وبقاء الذين يسكنونها."

يضيف جارودي : "وما تسمى سياسة النمو هي سياسة غايتها تشغيل الآلة، حتى ولو كانت آلة بلا فائدة، أو ضارة، أو مميتة."[2]

تدور عجلة النمو ــ إذن ــ بسرعات قياسية وبدون كوابح، فلا تتوقف البتّة، ليس من أجل صالح البشرية بل من أجل مراكمة الربح في أيدي الأقلية المُستغِلة.

في كتابٍ له بعنوان: "عالم منفلت: كيف تشكّل العولمة حياتنا"، يصف عالم الاجتماع الانجليزي أنتوني جيدنز (1938 -     ) عالمنا المعاصر بأنّه عالم جامح ومنطلق بسرعة هائلة فيما نحن نلهث خلفه، وأنّ الحركة فيه تموج بكل الاتجاهات ومن دون أن تخضع لسيطرة البشر بشكل كامل.

ينبّه الفيلسوف الاستثنائي كارل ماركس (1883- 1818) إلى أنّه يجب ألا نفهم الإنتاج الرأسمالي وكأنّ هدفه الأساسي إنتاج السلع للاستهلاك، ولا إنتاج أدوات التمتّع للرأسماليين، بل هدف الرأسمالية الوحيد هو استخراج فائض القيمة، وبالتالي الاستمرار في النمو وتوسيع حدود عالمها.

اكتشاف ماركس لقانون القيمة الزائدة (Surplus value) كان بمثابة كسر الشيفرة المعقدة في فهم الرأسمالية وبنيتها الاستغلالية، فالقيمة الزائدة تعني "القيمة التي يخلقها عمل العمال الأجراء ويستأثر بها الرأسمالي بلا مقابل."[3]

لذلك تصبح القيمة الزائدة مصدر ربح الرأسماليين وفي نفس الوقت مصدر استغلال العمال واستلابهم. فالعمال يصنعون السلع بجهدهم الخالص، ومع ذلك لا تعود منافعها أو ملكيتها لهم بل لمالك وسائل الانتاج. وعليه يصبح جهدهم ذاته سلعة تُؤخذ منهم وتُباع مثله مثل الأشياء التي ينتجونها.

إنّ الرأسمال ــ والكلام لماركس ــ هو بمثابة غُول لا يعيش ولا ينتعش إلا حين يمتص الدَّم والعَرق من العامل المأجور، لذلك : "العامل يزداد فقراً كلما زادت الثروة التي ينتجها، وكلما زاد انتاجه قوةً ودرجة، والعامل يصبح سلعة أكثر رخصاً كلما زاد عدد السلع التي يخلقها، فمع القيمة المتزايدة لعالم الأشياء ينطلق في تناسب عكسي انخفاض قيمة عالم البشر. والعامل لا ينتج سلعاً فحسب، وإنما هو ينتج ذاته وينتج العامل كسلعة، وهو يفعل ذلك بنفس النسبة التي ينتج بها السلع عموماً."[4]

إنّها حالة التشيؤ (Reification) كما يوضح الفيلسوف المجري جورج لوكاتش (1885-1971) أي تحوُّل الإنسان العامل إلى شيء من الأشياء، وتُقاس قيمة العامل بما ينتجه من سلع، عندها يشعر العامل بالاغتراب (Alienation) وفقدان الذات.

(3)

إذا كانت الحداثة تعني نزع القداسة عن العالم واستبعاد التصورات اللاهوتية والميتافيزيقية لصالح اعتماد النظرة العلمية للوجود، فإنّ النيوليبرالية العولمية قد أعادت منطق القداسة إلى الصدارة، وأصبح جني المال عملاً مقدساً وأنّ "للسوق سحراً" كما زعم الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان (1911- 2004) ومعه حكاّم "وول ستريت" وأشياعهم حول الكوكب.

في ظل النيوليبرالية العولمية هذه لم يعد المال وسيلةً للتبادل، كما كان طيلة تاريخ البشرية، بل أمسى قيمةً غائية مطلقة. وتبعاً لذلك حدث تغيُّر جوهري في نمط الاقتصاد العالمي.

ففي مُستهل سبعينات القرن انحسر دور الاقتصاد الحقيقي/ الانتاجي (The real economy) القائم على التصنيع لصالح تعزز دور اقتصاد الفقاعات/ الريعي (The Bubble Economy) القائم على المُضاربات المحمومة والأنشطة العقارية والإقراض غير المنضبط. والفرق شاسع بين النمطين، فالاقتصاد الانتاجي تشارك فيه شريحة واسعة من العمال والمنتجين رغم أنه لا يخلو من الطابع الاستغلالي، بينما اقتصاد الفقاعات تقتصر المشاركة فيه على الطُغم المالية فقط.

أفضى هذا التحول إلى أزمات عميقة في بُنيّة النظام الرأسمالي، لعل أبرزها الأزمة المالية العالمية عام 2008 التي سبّبت إفلاس أعتى المؤسسات المالية والبنكية وانهيار البورصات في العالم.

والواقع أنّ الأزمات مُلازمة للرأسمالية منذ نُشوئها بسبب بُنيّتها التناقضية الأساسية الكامنة في المِلكية الخاصة وطبيعة الانتاج الاجتماعي، وما ينتج عنها من فوارق هائلة بين البشر. لقد أخذت الثروة تتمركز بشكل متصاعد بأيدي أقلية محدودة للغاية، بينما الغالبية الكاسحة من البشر تعاني من الفقر والبطالة وسوء الخدمات والمجاعات والحروب.

تفيد التقارير الدولية بأنّ ثروة 1% من أغنى أثرياء العالم تفوق ثروات بقية العالم مجتمعة، ما يعني أن 1% يمتلكون أكثر مما يمتلكه99%  من سكان العالم!

لقد تمكنت أقلية اجتماعية متميزة من تجميع مقادير هائلة من الثروة على حساب الأغلبية من السكان ــ ويتغذى هذا النظام المالي الدولي الجديد على الفقر الإنساني وتدمير البيئة الطبيعية، ويولّد الفصل الاجتماعي، ويشجّع العنصرية والشِقاق العرقي، ويقوّض حقوق المرأة، وكثيراً ما يدفع البلدان إلى مواجهات مدمرة بين القوميات.[5]

قلنا إنّ الأزمات سمة بنيوية ملازمة للنظام الرأسمالي، والمتتبع للتاريخ سيلحظ الطبيعة الدورية لهذه الأزمات ابتداءً من أزمة 1873 وأزمة 1929 "أزمة الكساد الكبير" وأزمة 1971 "انهيار نظام بريتون وودز" وأزمة 1979  وأزمة 1984  وأزمة 1989 وأزمة  1997وأزمة 2001 وأزمة 2008 وأزمة 2020 وغيرها.

هذه الأزمات ليست مجرد أزمات مُفردة أو اهتزازات عارضة في التاريخ بل هي أزمة بنيوية متصلة، وبالتالي  لا ينبغي الوقوف عند كل أزمة على نحو منفرد، بل وفق منظور كلي وفقاً لعالم الاقتصاد د.سمير أمين (1931- 2018).

في كل مرة تهرب الرأسمالية الاحتكارية من أزماتها إلى تصدير هذه الأزمات وتفجير الحروب حول العالم بهدف نهب ثروات الشعوب لتعويض خسائرها.

يستخدم النظام الرأسمالي المعولم الأزمات والمنازعات والحروب في العالم استخداماً سياسياً لتحقيق وظيفتين اثنتين مترابطتين تعود عليه أرباحاً صافية:[6]

أولاهما: وظيفة مالية ربحية مُجزية، مكمنها في استفادة المجمّعات الصناعية الحربية الكبرى في العالم من مثل هذه المنازعات والحروب لبيع منتوجاتها من السلاح لفريق من المتقاتلين، وأحياناً للفريقين معاً، قصد تنشيط الدورة الإنتاجية والاقتصادية فيها، وتنمية قطاع صناعة الأسلحة بوصفه واحداً من أفعل القطاعات تطويراً للصناعات، وتعظيم الفوائد، ومراكمة الثروة، وحل مشكلات الركود الاقتصادي التي تلّم بالنظام الرأسمالي.

وثانيهما: وظيفة سياسية واستراتيجية مكمنها في استثمار الدول الكبرى المنازعات والحروب في العالم، وخاصة في بلدان الجنوب وبينها، لمد نفوذها إلى المناطق التي تجري فيها عن طريق تقديم الدعم والمساعدات، لهذا الفريق أو ذاك، وإرسال الخبراء العسكريين للتدريب على السلاح المورد، واستحصال تسهيلات عسكرية (قواعد جوية وبحرية)، وإبرام معاهدات أمنية واتفاقات اقتصادية تكرس التبعية للبلدان الرأسمالية.

(4)

تتكئ النيوليبرالية على ميكانيزمات أخرى لتكريس تبعية البلدان النامية لها؛ من خلال المؤسسات الدولية الثلاث: البنك الدولي (WB)، وصندوق النقد الدولي (IMF)، ومنظمة التجارة العالمية (WTO)، فالمؤسستان الأوليتان تختصان بإعادة هندسة اقتصادات الدول عبر ما يسمى برامج التكيف الهيكلي والتثبيت الاقتصادي، بينما تتولى المؤسسة الثالثة بتحرير التجارة والخدمات بحيث تنتقل السلع والرساميل دون حواجز جمركية أو شروط تقف عقبة أمام هيمنة الشركات المتعدية الجنسية (MNC)، في الوقت الذي تضع فيه الدول الغنية مصدات عديدة أمام تنقُّل قوة العمل وتمنع الهجرة الوافدة إليها.

تؤدي برامج التكيف الهيكلي والتثبيت الاقتصادي إلى نوع من "الإبادة الاقتصادية" للشعوب، تتجلى في فرض السوق الحرة، والخصخصة عبر بيع القطاع العام، وإلغاء الدعم عن السلع الغذائية والوقود، وتعويم سعر العملات الوطنية مما يؤدي في أغلب الأحيان إلى انهيارها أمام الدولار الأمريكي، وإلغاء تدخل الدولة في الاقتصاد، وبالتالي حرمان الغالبية الكادحة من المقومات الأساسية للعيش: الغذاء، والماء، والكهرباء، والتعليم، والصحة، والإسكان، والطرق،...إلخ، فضلاً عن ما تسببه هذه البرامج من تدهور الأجور، وتصاعد مؤشرات الفقر والبطالة والتضخم، وظهور المجاعة، وتشديد الأقلية المسيطرة قبضتها على الثروة والسلطة.

في تقديمه لكتاب "صناعة الجوع"، كتب د.فؤاد زكريا (1927- 2010): "في عالمنا هذا أصبحت أقوى مظاهر الاستقطاب بين من يملكون ومن لا يملكون، بين الشعوب التي عاشت على حساب الغير، وتلك التي راحت ضحية استغلال الغير، هي وجود أقلية متخمة يصاب الكثير من أفرادها بالعلل المترتبة على الإفراط في الغذاء، وأكثرية جائعة يتعرض أطفالها، فضلاً عن كبارها، لأبشع أمراض سوء التغذية ونقص النمو، وفي أحيان كثيرة، للمجاعة التي تفضي إلى الموت.

لقد أصبح الغذاء في عالمنا سلاحاً سياسياً مستخدماً ببراعة، وبلا ضمير، في تذويب مقاومة الشعوب الفقيرة وإخضاعها لسياسة الدول التي تمسك بمفاتيح مخازن الغلال في العالم"[7]

تشير التقارير الدولية إلى وجود1200  مليون إنسان حول العالم يعانون من الجوع وأمراض سوء التغذية، وأن 75  مليون إنسان ينضمون إليهم بسبب التضخم وارتفاع أسعار المواد الغذائية، يحدث هذا في ظل وجود الميكنة الحديثة في الزراعة والآلات المتقدمة والتكنولوجيا الواسعة النطاق!

وهناك الكثير من المُفارقات المفزعة التي تكشف عن التناقض بين التطور في الصناعة والميدان العلمي والارتكاس في الجانب الأخلاقي والإنساني، يقول ماركس:

"في زمننا يبدو كأنّ كل شيء منطوٍ على نقيضه. فنحن نرى أن الآلات التي تملك قوة عجيبة لتقصير مدة العمل البشري، ولجعله أوفر ثماراً، إنما تجلب للناس الجوع والإعياء. ومصادر الثروة الجديدة، غير المعروفة حتى الآن، تتحول، بفضل سحر ما غريب وغير مفهوم، إلى مصادر للفقر. وتبدو انتصارات التقنيات كما لو أن الانحطاط الأخلاقي كان ثمنها. (...) لكأن جميع اكتشافاتنا وكل تقدمنا قد أدت إلى هذا الواقع الذي يشير إلى أن القوى المادية تكتسب حياة فكرية، بينما تفقد الحياة البشرية جانبها الفكري، وتنحط إلى مجرد قوة مادية."

ويُنّبه ماركس إلى أن هذا التناقض لا ينبغي أن يدفعنا إلى اتخاذ موقف عدمي أو مُعادي تجاه التقدم والتخلص من التقنيات المعاصرة، فليست المشكلة في التقنيات والآلات بحد ذاتها، بل بمن يمتلكها ويوظّفها لمصالحه الخاصة، تبعاً لذلك يقول ماركس: "أما نحن، فإننا من جانبنا لا نفقد الرؤية لطبيعة هذه الروح التي تتبدى دائماً في جميع هذه التناقضات. فنحن نعرف أن قوى المجتمع الجديدة لا تحتاج، لكي تفعل فعلها كما يلزم، إلا إلى شيء واحد، ينبغي أن يتملّكه أناس جدد، وهؤلاء الناس الجدد هم العمال."[8]

(5)

إنّ أصحاب الموقف المتشائم يرون الحياة بأنها ليست خيراً كلها، وما بها من الخير إنما يتحول ــ بالتغير ــ من حالٍ إلى حالٍ أسوأ. ويرتبط هذا الموقف عادة بالصراع الاجتماعي القائم، وبالتصورات الذاتية المنبثقة عن مراحل الانتقال أو عن الكوارث والحروب الكبيرة. فالأشخاص الذين يحسّون أن التطور قد تجاوزهم فكراً وعملاً، ويعجزون عن "التكيّف" مع الأوضاع الجديدة، يشعرون "بالاغتراب" الاجتماعي. وينطبق مثل هذا على الأشخاص الذين يعجزون عن تفهّم قوانين التطور الاجتماعي.

لقد تجلى هذا الموقف التشاؤمي بأشكال وصور مختلفة تجسدت أحياناً في نظريات فلسفية مثل:

- نظرية العود الأبدي أو الدور السرمدي عند شوبنهاور ونيتشه.

- المذهب الوجودي الطافح بالغربة والخوف والتمرد وغياب المعنى.

- المذهب السلفي التقليدي الذي يرى أن الكمال موجود في الخلف وليس في الأمام.[9]

ويتبدى هذا الموقف التشاؤمي ـ أكثر ما يتبدى ـ في الانتاج السينمائي الهوليوودي والدراما الغربية التي تُقدّم نظرة سوادوية كالحة عن مستقبل البشرية، فتقدمه في حالة فناء كلي ناجم عن غزو فضائي أو ظهور كائنات غريبة أو حوادث كونية كبرى.

لا تخلو هذه النزعة الكلبيّة من هدف سياسي يسعى إلى ترسيخ فكرة في الأذهان، مُؤدَّاها: لا بديل عن النظام القائم سوى الطوفان العظيم أو الانهيار الكبير!

يذهب الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (1926 - 1984)إلى أن النظام السائد يقوم دائماً بإعادة إنتاج "الخوف" من أجل استمرار السيطرة على المجتمع. وطبقاً لذلك يمكن القول: إنّ "الخوف من المستقبل" تعبير أيديولوجي زائف تستخدمه النيوليبرالية كوسيلة لتأبيد سيطرتها.

إنّ الرأسمالية العولمية ليست نظاماً أبدياً أو نهاية التاريخ كما يزعم المُنظّر الأمريكي يوشيهيرو فرانسيس فوكوياما (1952 -     )[10]، بل مرحلة عابرة في التاريخ الإنساني، وهي حالياً تشهد أزمات بنيوية جذرية عاصفة من شأنها أن تُفضي إلى تحولات كبرى.

يُشبّه الفيلسوف البريطاني كريس هارمان (1948- 2009) رأسمالية القرن الـ21 بالزومبي (Zombie) أي الجثة المتحركة، فيما يرى هنري كيسنجر (1923-    ) وزير الخارجية الأمريكي الأسبق  بأن جائحة كورونا ستغيّر طابع النظام العالمي للأبد!

ثمّة عالم متثور الآن، وثمّة حراك احتجاجي تتسع قاعدته الجماهيرية في جهات الأرض الأربع، وتتعدد أشكاله الملموسية وتتطور، مثل: النقابات العمالية، وأنصار البيئة والسلام، وحركة مناهضي العولمة، وحركة العدالة العالمية، وحركة تغيير العولمة، والحركات الفلاحية الأوروبية، وحركة احتلوا وول ستريت الأمريكية، واحتجاجات أصحاب السترات الصفراء، وجماعات اليسار والعدالة الاجتماعية ودعاة حماية الهويات الوطنية، وانتفاضات الشعوب في العالم العربي وفي غير مكان من العالم...إلخ.

وثمّة - أيضاً - كيانات وتجمّعات اقتصادية وسياسية إقليمية ودولية بزرت إلى السطح، أبرزها: مجموعة البريكس (BRICS) وبنك التنمية الجديد التابعة لها، ومنظمة شانغهاي[11].

ناهيك عن العودة الفاعلة لروسيا إلى المسرح الدولي، والنمو المتصاعد للصين، ولبعض دول شرق آسيا وبعض دول أمريكا اللاتينية، كل هذه المتغيرات من شأنها أن تكسر حلقة الهيمنة الغربية وإحداث توازن في النظام الدولي.

في آخر مقالة له قبل وفاته بأيام معدودة، كتب د. سمير أمين ما يشبه الوصية:[12]

"هذا زمن «خريف الرأسماليّة»، دون أن يكون معزّزاً بظهور «ربيع الشعوب» وبأفق اشتراكيّ. لا يجب أن نقع في وهم إمكان إجراء إصلاحات تقدميّة رئيسة في صلب الرأسماليّة، إذ لا يوجد بديل عدا ذلك الذي يُمكّن من تجديد اليسار الجذريّ الأمميّ القادر على تحقيق- وليس فقط تصوّر- إنجازات اشتراكيّة. يجب الخروج من الرأسماليّة المتأزمة هيكليّاً وليس السعي إلى الخروج من هذه الأزمة الرأسماليّة." داعياً إلى تأسيس "أممية العمال والشعوب" كإطار عالمي يضم كل المناهضين للرأسمالية العولمية المتطلعين إلى عالم إنساني تسوده الديمقراطية والمساواة والعدالة والتقدم.

 

عيبان السامعي

كاتب وباحث سوسيولوجي يمني

.....................

هوامش وإحالات:

[1] راجع: أولريش بيك، مجتمع المخاطر العالمي.. بحثاً عن الأمان المفقود، ت: علا عادل وآخرون، المركز القومي للترجمة، القاهرة، ط1/2013.

[2]روجيه غارودي، مشروع الأمل، دار الآداب، بيروت، ط1/1977، ص5.

[3] ما هي الرأسمالية؟، ألكسندر بوزويف، ت: إلياس شاهين، مبادئ المعارف الاجتماعية السياسية (8)، دار التقدم، موسكو، 1987، ص49.

[4] مخطوطات 1844، كارل ماركس، ت: محمد مستجير مصطفى، دار الثقافة الجديدة، ص 68-69.

[5] ميشيل تشوسودوفيسكي، عولمة الفقر، ت: محمد مستجير مصطفى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2012، ص28.

[6] بتصرف عن: عبدالإله بلقزيز، وظائف الحرب في الرأسماليات المعاصرة، مقال، صحيفة الخليج، تاريخ نشر المقال: 4 أغسطس 2014.

[7] د. فؤاد زكريا، مقدمة كتاب: صناعة الجوع، سلسلة عالم المعرفة (64)، أبريل 1983، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ص7،8.

[8] بتصرف عن: كارل ماركس، مقتطف من خطاب ألقاه في 14 نيسان أبريل 1856 في يوبيل جريدة الشعب، النص أورده كريم مروة في كتابه نحو نهضة جديدة لليسار في العالم العربي، دار الساقي، بيروت، ط1/2010، ص27.

[9] بتصرف عن: د.محمد أحمد الزعبي، التغير الاجتماعي بين علم الاجتماع البرجوازي وعلم الاجتماع الاشتراكي، دار الطليعة، بيروت، ط 3/1983، ص43.

[10] تجدر الإشارة هنا إلى أن فوكويا قد تراجع مؤخراً عن مقولته هذه، وبدأ يهاجم سياسات النظام السائد مؤكداً على أنها أنتجت كارثة جسيمة!

[11] مجموعة البريكس تحالف اقتصادي دولي يتكون من الدول التالية: روسيا والصين والهند وجنوب أفريقيا والبرازيل. أما منظمة شانغهاي فتتكون من دول: روسيا، والصين، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان، وأوزبكستان.

[12] د. سمير أمين، مقال بعنوان: حان الوقت لإعادة بناء أممية العمال والشعوب، موقع الحوار المتمدن، رابط المقال: https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=617519

 

 

عبد الحسين شعبان"إنني أترك بعد موتي أمّاً وزوجة وطفلة... واحدة منهن بغير ابن، والثانية بلا زوج، والثالثة دون أب.. ثلاث يتيمات، ثلاث أرامل باسم القانون، إني أرضى أن أعاقب عقاباً عادلاً، لكن هؤلاء البريئات ماذا جنين؟..."

فيكتور هوغو

من مرافعته في مناهضة عقوبة الإعدام

توطئة

أدركُ صعوبة الخوض في مثل هذا الموضوع الإشكالي، بسبب الاصطفافات المسبقة والقيود والاعتبارات الدينية والعقائدية، كما أعرف أن دعاة المطالبين بإلغاء عقوبة الإعدام قليلون في مجتمعاتنا العربية والمسلمة، ولكن هذه القلّة كبيرة جداً في قيمها، لاسيّما تمييزها بين العدالة والانتقام، فهل القبول بالقتل يكون "عقوبة عادلة"؟ الأمر الذي يتناقض مع مبدأ " حق الحياة" المحور الأساسي لمنظومة حقوق الإنسان الكونية، وهل قتل القاتل يحقق العدالة؟ وهل "جريمة" القتل القانوني مقابل جريمة القتل اللّا قانوني يوصل إلى العدالة، وحسب وليد وصليبي المفكر اللّاعنفي ومؤسس جامعة اللّاعنف "جريمتان لا تصنعان عدالة"، وعلى غرار ذلك سبق لي أن قلت "رذيلتان لا تنجبان فضيلة"، و"حربان لا تولدان سلاماً" و" عنفان لا يحققان أمناً" و"انتهاكان لا يوفّران كرامة"، وعلينا البحث عن أسباب الجرائم والمسؤولين عن وقوعها اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً وقانونياً، ومن خلال الثقافة السائدة بأبعادها الفكرية والدينية والطائفية، فضلاً عن منظومة التربية والتعليم والقيم المتوارثة.

إن إنزال عقوبة الإعدام لن يعيد الحياة للمقتول ولا يمكن ردّ القتل بالقتل، ولعلّ مثل هذا الأمر سيترك تأثيراً اجتماعياً خطيراً بأبعاده الثأرية والانتقامية، فضلاً عن إشاعة أجواء من الحقد والكراهية، ليس بين المتخاصمين وعوائلهم فحسب، بل في إطاره الاجتماعي الأوسع وامتداداته وترابطاته المختلفة.

وإذا كان حكم الإعدام خطيراً وليس من السهولة النطق به بشكل عام، فما بالك إذا وقع خطأ في الحكم، فمن سيتمكّن من تصحيحه بعد أن يتم تنفيذه، خصوصاً وإن القضاء، أي قضاء حتى وإن كان نزيهاً ومحايداً ومستقلاً معرّض للخطأ؟ وهكذا يمكن للأبرياء أن يكونوا ضحية هذه الأخطاء.

ولهذا السبب فإن قرار إنهاء حياة إنسان سيكون قراراً بمنتهى الخطورة، حتى وإن تذرّع البعض به لأسباب دينية أو عقائدية، الأمر الذي يحتاج إلى حوار مجتمعي قانوني وحقوقي وثقافي وفكري وتربوي، حول مدى الفائدة من استمرار حكم الإعدام، وجدوى اللجوء إليه.

وإذا كان "الله" قد منح حق الحياة، فكيف لإنسان أن يسلبها؟ وحسب بعض المعطيات فإن إلغاء العقوبة أدى إلى تخفيف الجرائم، مثلما حصل في فرنسا وكندا وإيطاليا، فما الفرق بين أن تقتل باسم القانون وباسم المجتمع أو بين أن يقتل القاتل تحت تأثير عوامل مختلفة، ولعلّ هذا واحد من أسباب انحيازنا لإلغاء عقوبة الإعدام باعتبارها مطلباً حقوقياً واجتماعياً ببعد إنساني .

في تعريف الإعدام

"الإعدام" كتعريف قانوني هو إنهاء حياة إنسان بموجب حكم قضائي، ولكن ألا يتضمن مثل هذا الحكم القضائي جانباً من الانتقام وليس العدالة؟ في حين يفترض فيه أن يكون حكماً للعدل وليس للثأر. وسوف تكون عملية القتل لا منعاً للجريمة ولا ردعاً بقدر ما ستؤدي إلى القتل. وقد كانت الأنظمة القضائية في العهود السابقة والعصور القديمة تبالغ في أحكام الإعدام إلّا أنها بدأت تخفّف منها حتى لجأت الدول مؤخّرا إلى إلغائها لافتقادها للجانب الإنساني. ولا يختلف الأمر لدولة متقدمة مثل الولايات المتحدة الأمريكية ودولة عالمثالثية مثل الباكستان، فكلاهما يطبّقان عقوبة الإعدام (الأولى في 35 ولاية) والثانية وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية.

وكانت الجمعية العامة لـ الأمم المتحدة قد أصدرت قراراً برقم 2857 في العام 1977 خاطبت فيه العالم بضرورة تقليل عدد الجرائم التي تفترض اتخاذ عقوبة الإعدام، وأصدرت بعد ثلاثة عقود من الزمان (2007) قراراً يقضي بتعليق عقوبة الإعدام مع متابعة العمل لإلغائها. ويعتبر الاتحاد الأوروبي منظمة خالية من عقوبة الإعدام Death Penalty Free بموجب ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد، الذي نصّ على "رفض قبول أي عضو (دولة جديدة) في عضوية الاتحاد، إذا كان الإعدام ضمن نظامه القضائي".

الإعدام قتل عن سابق إصرار وتصميم، ولذلك توجّهت 142 دولة من دول العالم البالغ عددها 193 لإلغاء العقوبة أو وقف تنفيذها، ومن الدول العربية التي تندرج ضمن القائمة الأخيرة هو لبنان، حيث اعتمد نظام الموراتوريوم (الأمر بتأجيل الوفاء- تأجيل أو تعليق أي نشاط أو قانون)، حيث أوقف عملياً تنفيذ العقوبة، على الرغم من بقائها في 20 مادة من قانون العقوبات و19 مادة من قانون العقوبات العسكري و9 مواد من قانون أصول المحاكمات الجزائية، كما ذهب إلى ذلك نقيب المحامين السابق جورج جريج في الندوة التي نظمتها " الهيئة الوطنية للحقوق المدنية" في " بيت المحامي" (بيروت) من أجل دعم إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان، في 27 يناير (كانون الثاني) 2014.

وكان قد ورد في تقرير دولي أن نحو 174 دولة لم تقدم على عقوبة الإعدام في العام 2012، لكن ما هو مثير للقلق أن دولاً كبرى مثل الصين والولايات المتحدة والهند وإندونيسيا ما زالت تطبق عقوبة الإعدام، كما أن العديد من البلدان العربية ما تزال تنفذ عقوبة الإعدام على نحو واسع.

فهل الموت: أي الإعدام الذي يساوي القتل سيكون عاملاً رادعاً للجريمة بالقصاص من الجاني وردعاً للغير؟ وهل هو العلاج الفعّال أم ثمة علاجات أكثر نجاعة وإنسانية؟ وكان وليد صليبي قد قدّم منذ 24/1/2004 مشروع قانون إلى مجلس النواب لإلغاء عقوبة الإعدام، استند فيه إلى "الشرعة الدولية لحقوق الإنسان" و"الدستور اللبناني"، إضافة إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2857 لعام 1977 ورد فيه الهدف من هذا القرار هو " إلغاء عقوبة الإعدام إلغاء كاملاً في جميع البلدان...".

وبالطبع فإن مقاصد هذا الهدف هي منع الجريمة والحيلولة دون استمرارها وليس إلغاء المجرم، وأسباب الجريمة تتمثّل في الفقر والجهل والأمية، فضلاً عن جوانب أخرى من الحياة الاجتماعية والحرمان والغبن وغيرها مثل: الحروب والنزاعات وأيديولوجيات الكراهية، وخصوصاً الطائفية والدينية والعنصرية.

وبهذا المعنى لا تقع على الفرد المرتكب وحده مسؤولية الجريمة،لأن فيها جوانب مجتمعية بحكم الثقافة والتربية السائدتين، الأمر الذي يعتبر عاملاً مخففاً لا بدّ من أخذه بنظر الاعتبار في تقرير الحكم بحق المرتكب وهو موجود في كل الجرائم، وقد يذهب ذلك إلى تحديد مسؤولية المجتمع في تعويض أهالي الضحايا وإعادة تأهيل المرتكب وبالتالي وضع الخطط اللازمة لإصلاح الأوضاع الاجتماعية التي تؤدي إلى تفقيس بيض الجرائم بحكم انتشار فايروسات الفقر والأمية والجهل، ناهيك عن الأسباب الأخرى كالحروب والنزاعات والإرهاب.

ومما ورد في اقتراح صليبي " أنه لا يجوز أن نشرّع الثأر في القانون، بل نعمل على إزالته من النفوس ومن تقاليد المجتمع" أي أن الدولة لا تثأر، بل تعمل على الحدّ من الثأر، الأمر الذي اقتضى استبدال العقوبة إلى عقوبة أدنى مثل حكم المؤبد.

سجلٌ عربي مثير

لكي نرى خطورة حكم الإعدام فعلينا متابعة سجل البلدان العربية، ففي عام 2016 أصدرت المحاكم في البلدان العربية 700 حكم إعدام. وتعتبر جيبوتي الدولة الوحيدة التي ألغت عقوبة الإعدام منذ العام 1995، ولم تنفّذ هذه الدولة منذ استقلالها عن فرنسا في العام 1977، ولا مرّة واحدة عقوبة الإعدام، وهو ما ذكره رئيس جيبوتي اسماعيل عمر جيلي في حواره مع كاتب السطور العام 2004، في حين أن هناك دولاً جمّدت التنفيذ وبعضها عاد إليه.

وذهبت دول المغرب العربي باستثناء ليبيا (المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا) إلى التجميد الفعلي لعقوبة الإعدام، على الرغم من استمرار صدور أحكام بالإعدام، وكان لنشاطات المجتمع المدني وهيئات ومنظمات حقوق الإنسان الدور الكبير في ذلك.

وعلى الرغم من وجود أحكام قضائية في المحاكم المغربية فإن وزير العدل السابق محمد أوجار كان قد تعهّد بتقليص عدد الجنايات التي تصل عقوبتها إلى الإعدام من 31 جريمة إلى 11 في إطار المسطرة الجنائية المنشودة. وأوقفت المغرب العقوبة منذ العام (1993).

أما تونس فقد سبقت المغرب بعامين (1991)، وفي الجزائر كان آخر تنفيذ حكم الإعدام هو العام (1993) (إعدام أربعة من الجبهة الإسلامية للانقاذ لاتهامهم بتفجير مطار العاصمة الجزائر في العام 1992) وكان آخر تنفيذ لحكم الإعدام في موريتانيا هو العام (1987)، لكنه لم يلغ من القوانين النافذة.

وتعتبر ليبيا من الدول المغاربية والعربية الأكثر تنفيذاً لأحكام الإعدام، سواء في عهد الزعيم الليبي معمر القذافي، أو بعد انفلات العنف والنزاع الأهلي منذ العام 2011 ولحد الآن.

وكانت الأردن قد جمّدت عقوبة الإعدام لنحو عقد من الزمان 2006-2014 لكنها أعادت العقوبة في أواخر ديسمبر /كانون الأول 2014 بحق مدانين في جرائم قتل (عددهم 11)، وفي فبراير (شباط) 2015 نفذت حكم الإعدام بحق ساجدة الريشاوي وزياد الكربولي وهما من تنظيم القاعدة (المتهمان بتفجير فنادق في عمان )، وذلك بعد إعدام داعش الطيار الأردني معاذ الكساسبة. وفي العام 2016 نفذ الأردن 16 حكماً بالإعدام حسب منظمة العفو الدولية. جدير بالذكر أن الملك حسين بن طلال الذي حكم الأردن من العام 1952 ولغاية 1999 لم ينفذ حكم إعدام واحد، وكانت البحرين قد جمّدت عقوبة الإعدام لنحو عقد كامل، لكنها عادت لتنفيذها العام 2006 .

ويعتبر العراق من أكثر البلدان العربية تنفيذاً لحكم الإعدام، ففي العام 1941 تم تنفيذ حكم الإعدام بالعقداء الأربعة الذين قاموا بانقلاب عسكري، وفي العام 1949 تم تنفيذ حكم الإعدام بخمسة من كبار الشيوعيين بينهم " فهد - يوسف سلمان يوسف" الأمين العام للحزب، وبعد ثورة 14 يوليو (تموز) 1958 بدأ مسلسل الإعدام بحق أعمدة العهد الملكي، ثم حلفاء الأمس من القوميين والبعثيين، وتضخّم ملف الإعدام بعد انقلاب 8 فبراير (شباط) 1963 واستمرّ دون توقّف إلّا في فترة محدودة، ولكن أكثر الفترات اتساعاً وعسفاً كانت بعد انقلاب 17-30 يوليو(تموز) 1968، حيث حكمت "محكمة الثورة" وحدها نحو 1700 حكماً بالإعدام نفّذ الكثير منها، ناهيك عن الأحكام خارج القضاء، وقد تم إلغاء المحكمة في مطلع التسعينات.

وفي فترة ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق العام 2003 ومع انتشار العنف والإرهاب في العراق، عادت ماكنة الإعدام إلى العمل بوتيرة سريعة، سواءً بمحاكمة أركان النظام السابق، أم بعد الفوضى والانفلات الأمني وتصدّر الميليشيات، وزاد الأمر في فترة احتلال داعش للموصل وما بعدها (10 يونيو/حزيران 2014 إلى نهاية 2017) وهكذا ازداد صدور وتنفيذ أحكام الإعدام، فضلاً عن أن بعض أحكام الإعدام تم تنفيذها خارج القضاء في ظروف المواجهات والاحتقان الطائفي.

أما في سوريا فقد كان لظروف الحرب الأهلية التي تستمر منذ العام 2011 دوراً في توسيع عقوبات الإعدام، سواء باسم القانون أو خارج القضاء، وهناك تقارير عديدة توثق بعض الحالات حسب منظمة العفو الدولية، ناهيك عمّا قامت به الجماعات الإرهابية مثل داعش و"جبهة النصرة" ( جبهة تحرير الشام) وغيرها.

وشهدت مصر منذ الإطاحة بحكم الأخوان والرئيس محمد مرسي في العام 2013 أكبر نسبة قرارات بتنفيذ حكم الإعدام قياساً بالفترات التي سبقتها. وتعتبر المملكة العربية السعودية في مقدمة بلدان المنطقة في تنفيذ أحكام الإعدام، ويتم تنفيذ عقوبة الإعدام كذلك في دول الخليج الأخرى وإن بدرجة محدودة، إضافة إلى اليمن، وخصوصاً بعد الحرب الأهلية منذ العام 2015.

وكانت أنظمة مثل السودان وباكستان وإيران لا تتورع من إنزال القصاص بخصومها أو أعدائها، باسم الشريعة الإسلامية وتحت عناوين مختلفة، حيث استمرت عقوبة الإعدام، وفي بعض الأحيان لا تراعى في تطبيق هذه العقوبة القاسية إزاء الأحداث الذين تقل أعمارهم عن 18 عاماً وتتم معاملتهم كبالغين، وفي ذلك مخالفة لقواعد القانون الدولي الاتفاقي (التعاهدي) والعرفي، بل إن ذلك من القواعد الآمرة Jus Cogens في أوقات السلم والحرب على حد سواء، وهو ما تحظره اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، إضافة إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 والذي دخل حيّز التنفيذ في العام 1976 والدول الأطراف فيه تزيد عن 160 دولة.

أما "إسرائيل" فقد قنّنت عقوبة الإعدام بموجب تشريعات صادرة في العام 1954 باستثناء الجرائم الخطيرة التي ارتكبت خلال الحرب العالمية الثانية، وكان آخر إعدام رسمي هو لأدولف إيخمان في العام 1962، الذي كان مسؤولاً في جهاز الـ SS المتهم بارتكاب مجازر ضد اليهود فيما سمّي بـ"المحرقة"، وقد تم اختطافه من الأرجنتين في 11 مايو (أيار) العام 1960من جانب "جهاز الموساد الإسرائيلي" في عملية استخبارية طويلة استمرت لنحو 15 عاماً، حتى تم اكتشافه بعد هربه من ألمانيا في نهاية الحرب. وأثارت عملية الاختطاف جدلاً قانونياً وسياسياً لمخالفتها لقواعد القانون الدولي، إذ لا بدّ للوصول إلى العدالة سلوك طريق شرعي وقانوني وعادل أيضاً، فثمة علاقة عضوية بين الوسيلة والغاية.

وقد صادق البرلمان "الإسرائيلي" (الكنيسيت ) في مطلع العام 2018 على مشروع قانون يجيز تنفيذ عقوبة الإعدام بحق ما سمّي بـ" الإرهابيين" وصوت عليه 52 نائباً، مقابل 49 عارضوه من أصل 120 نائباً. وكان حزب "إسرائيل بيتنا" الذي يتزعمه وزير الدفاع الأسبق أفيغدور ليبرمان اليميني المتطرّف هو من تقدّم بمشروع القانون، وأحيل إلى لجنة حكومية لدراسته قبل أن يعاد للتصويت عليه بعد 3 قراءات ليصبح جزءًا من " القوانين الأساسية".

جدير بالذكر إن "إسرائيل" هي بلا دستور حتى الآن، لأن ذلك يتطلّب منها إقرار مبادئ المساواة وهي غائبة، لاسيّما وهي تمارس التمييز عن تخطيط وإصرار بحق عرب فلسطين، كما يفترض بها تحديد الحدود، وهي ما تزال تتوسع على حساب البلدان العربية في إطار مشروعها الاستيطاني الإجلائي الإحلالي "من النيل إلى الفرات"، وقد حظي مشروع قانون تنفيذ عقوبة الإعدام بدعم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

وبغض النظر عن النصوص القانونية فإن "إسرائيل" تمارس أشكالاً مختلفة ومتنوّعة من الاغتيال والقتل العمد إزاء السكان الفلسطينيين الأبرياء العزل بسبب انتقامي وثأري، انطلاقاً من آيديولوجية وممارسة عنصرية، وأحياناً تقوم بذلك بزعم " الحرب الوقائية" أو "الاستباقية"، سواء ضد شخصيات تعتبرها "خطرة"، أم بهدف إحداث الرعب في الوسط الفلسطيني والعربي، إذ غالباً ما يمتد إجرامها إلى دول عربية أخرى في لبنان وسوريا والعراق والأردن وتونس، إضافة إلى فلسطين، بل وإن ساحة حركتها الإرهابية هو العالم كلّه.

اختلاف ومحاولة للفهم

لا زال الصراع قائماً بين دعاة وقف وإلغاء عقوبة الإعدام وبين دعاة التمسك بها، وهو صراع بين تيار محافظ يتشبث باسم الدين وتيار حقوقي في الغالب، وإن كان داخل التيار المدني من يبرّر تنفيذ عقوبة الإعدام باعتبارها إجراءً ثورياً رادعاً، وغالباً ما سلكت الأنظمة التي أطلقنا عليها التحررية أو الاشتراكية طريق تنفيذ عقوبة الإعدام على نحو أكثر اتساعاً وبخفّة غير معقولة، راح ضحيتها المئات، بل الآلاف من المعارضين حتى وإن كانوا بالأمس من أركان النظام وأعمدته الأساسية.

وما تزال العقبات السياسية الثقافية والاجتماعية والدينية تحول دون إلغاء عقوبة الإعدام، الأمر الذي يحتاج إلى جهد مدني لنشر ثقافة اللّاعنف والذي بالنتيجة يؤدي إلى مناهضة الإعدام، ولا بدّ من البدء من المدارس والجامعات وبالتعاون مع قطاعات المجتمع المدني والإعلام لتوسيع خيارات الناس وتلبية حاجاتهم، خصوصاً بالسير في طريق التنمية المستدامة بجميع جوانبها. والأمر يحتاج إلى مراجعة دقيقة للأنظمة والقوانين النافذة لوضعها بانسجام مع اللوائح الدولية لحقوق الإنسان التي وقعت عليها البلدان العربية أو تشريع قوانين جديدة تتلاءم مع التطور الدولي في هذا المجال، خصوصاً وإن دساتير بعضها أعطى للمعاهدات والاتفاقيات الدولية وقواعد القانون الدولي السمة العلوية.

وعلينا في الختام الاعتراف أن ثمة التباس غالباً ما يحصل فيثير تعارضاً شديداً وسوء فهم واتهام أحياناً حول المراد من مغزى وفلسفة المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام، وكأنه دفاع عن القاتل، لكن مثل هذا الفهم سطحي، فالذين يرتكبون جرماً ينبغي إنزال العقاب بهم لأنهم يستحقونه، وهذا أمر مفروغ منه، لكن لا بدّ من أن يكون هذا العقاب إنسانياً، ولا ينبغي للدولة أن تشارك في عملية القتل، بقدر ما تبحث في الأسباب والوسائل التي دفعت بالمجرم لارتكاب جريمته، أي لا ينبغي معالجة الجريمة بجريمة أخرى، والقتل حتى وإن كان قانونياً لا يلغي الجريمة، بل يلغي القاتل فقط، والمطلوب إلغاء الجريمة.

الإعدام عنف، وهو وسيلة عنفية للعقوبة، وهذا العنف قتلٌ، فهل القتل الثاني هو التعويض عن القتل الأول أم أن الهدف هو العدل والحق وتعويض الضحايا أو عوائلهم وردع الجريمة؟ تلك هي الفلسفة وراء المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام.

ولعل مثل هذه المسألة جديرة بأن تجعلنا نعيد التفكير بإنسانيتنا ولأجلها، إذْ لا يمكن للموت أن يكون قصاصاً للموت: أي الموت ضد الموت، ومسألة مثل تلك تحتاج إلى تفكير عميق فالوسيلة جزء من الغاية، وحسب المهاتما غاندي، إنها مثل البذرة إلى الشجرة، ولا وسيلة للقتل بحجة عدالة الغاية، وإذا كانت الغاية بعيدة، فالوسيلة ملموسة وآنية، تلك التي لا ينبغي أن تتعارض مع الغاية.

قد تطول مسألة اتخاذ قرار بإلغاء عقوبة الإعدام، لكن الحاجة إلى إعادة النظر بالنظام التربوي والتعليمي لنشر ثقافة اللّاعنف كفيل برفع وتعزيز الوعي بالقانون وبالثقافة الحقوقية، انطلاقاً من القيم الإنسانية، والضمير بهذا المعنى هو "القانون الأسمى" حسب ديفيد ثورو، ولهذا لا بدّ أن يكون الضمير يقظاً، وهذا يمكن أن يولد قناعة فردية وأخرى مجتمعية، حتى لعوائل الضحايا الذين يمكن أن ينخرطوا ضد عقوبة الإعدام، علماً بأن الإيمان بالدين ينبغي أن يكون أخلاقياً ولعمل الخير لا لتبرير القتل، فالأديان هي للسلام وليست للعنف أو لمباركة القتل .

وأختم بنصوص من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948:

المادة 3- " لكل فرد الحق في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه"

المادة 5- " لا يجوز إخضاعُ أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطَّة بالكرامة."

وإذا كان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قد ورد ذكره في معظم الدساتير العربية، فينبغي والحالة هذه أن يكون ملزماً لها. وكان البروتوكول الاختياري الثاني الذي صدر في العام 1989 والذي دخل حيّز التنفيذ في العام 1991، قد نصّ على إلغاء عقوبة الإعدام، علماً بأن هذا البروتوكول هو ملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر في العام 1966 والداخل حيّز التنفيذ في العام 1976، ذلك لأن عقوبة الإعدام لا تعيد الضحية.

أما عن جوهر الدين فحسب الإسلام هو العفو والتسامح وما "الدين سوى الحب" وفقاً للإمام جعفر الصادق، وفي المسيحية: المحبة وعدم القتل. وكما يقول ابن عربي:  " أدين بدين الحب أنّى توجهت / ركائبه فالحب ديني وإيماني".

ولذلك، فإن مبدأ "العين بالعين" يجعل البشرية بأسرها "عمياء" حسب غاندي، وكما جاء في كلام كونفوشيوس " نردّ الخير إزاء الخير ونردّ العدالة إزاء الشر، لا الشر إزاء الشر" .

 

عبد الحسين شعبان

باحث ومفكر عربي

....................

* أكاديمي ومفكر عربي (من العراق) – نائب رئيس جامعة اللاّعنف وحقوق الإنسان (أونور)، بيروت. له أكثر من 70 مؤلفاً في قضايا الفكر والقانون والسياسة الدولية والأديان والثقافة والأدب والمجتمع المدني، وحائز على جائزة أبرز مناضل لحقوق الإنسان في العالم العربي، القاهرة، 2003.

 

 

كاظم لفتة جبرإذا أردنا تعريف انْفسنا وماهية هويتنا التي تجمعنا تذهب أذهَاننا إلى ما هو جزئي يفرق بيننا، إذ ظهرت هويات عرضية تعبر عن جوهرنا، فبعد القبيلة و الطائفة والحزبية، طفت فوق مياهنا معاني جديدة ظنها البعض ثمراً للتغير ما في الآنفس، فالهوية كما يعرفها الفيلسوف الفرنسي فولتير أحد الممهدين للثورة الفرنسية هي ما تجعل الإنسان هو نفسه، إذ هي الأنا التي تكون نواة الجماعة، و تمحور نُظم جمعها، وسر قوتها، فالهوية بهذا المعنى هي وحدة الشخص أو الجماعة، اي ما يجعله هو هو، ويجعله مطابقاً لذاته، وهو ما يمنحه استمرارية في الزمن، فهي تخص الشخص والجماعة على سواء .

ويثير مفهوم الهوية عدة اشكالات تتعلق بمعايير تحديدها، ومرجعياتها، وموقعها بين الوحدة والثبات، والتعدد والتحول . وبما ان الانسان يتكون من خصائص جوهرية كالنفس، وعرضية كالجسد، لذلك يميز الفيلسوف الأمريكي البرجماتي وليم جيمس بين ثلاث ابعاد للهويه الجسد، والفكر، والوضع الاجتماعي، فهل كل ما يفعله الانسان بحكم ظروف عمله، أو بيئته المحيطة يتسق بالفعل مع هويته الشخصية؟، و بحسب الفيلسوف الفرنسي جون لوك الذي يرى ان الخصائص الاساسية لا تستمد من الجسد وما يقوم به من أعمال، بل ما يشكل هوية الانسان هو وعيه . لذلك يرتبط وعي الانسان بالوضع الاجتماعي، اذ ان هوية الانسان تتشكل بسبب ارتباطها بالذكريات التي يقوم عليها الوعي بتسجيله في لحظات مختلفة، يبني الفرد هويته في البيئة المحيطة به على اساس غير مصرح به خاضع للذاكرة، وعلى اساسه تبدأ العلاقات في التشكل، ، فنجد جميع الافراد تتكون هوياتهم وفقاً لعدة عوامل مكتسبة، وتفاعله مع مجتمعه المحيط هذا بحسب نظرية عالم الاجتماع اميل دوركايم، اذ ان الذاكرة تمثل وعاء الفرد، والمجتمع، وكل ما مر على الافراد من حروب، وحوادث هي التي شكلت وعيهم، فذاكرتنا كونتها أحداث الماضي وقساوته، والم التغير ومرارته، وتوجسنا ضياع المستقبل لعدم إنشاء هويتنا، فالهوية تكون مغلقة وسجينه، كما لو اننا ندور في دائرة غير متناهية، تنظر لذاكرة الماضي كمستقبل، أو كسجين ينتظر املاً مع تبديل مدير السجن، هويتنا تتحكم بها ثلاث جدران القبيلة، والطائفة، والحزبية، والوطن كشباك يجعلنا ننظر إلى خارج، فهويتنا ذاكرة سجين اعتاد ملاقاة تلك الجدران يومياً، لذلك لا فائدة من التغير في الخارج ونحن سجناء في ذاكرتنا، اذا اردنا هوية تجمعنا لنخرج من حطام الذاكرة لبناء هوية خاضعة لصيرورة تفاعلية متجددة بحسب فهم الفيلسوف ماكس فيبر للهوية المجتمعية .

 

كاظم لفته جبر

 

 

علي المرهجلا يُمكن لأحد نكران تأثير العاطفة والوجدان في البشرية، ولكن قد يكون حضور هذين العاملين أحد أسباب ضعف تأثير العقل وحضوره، فكلما غلبت العاطفة فلّ تأثير العقل، وصار الإنسان تابعاً لأهوائه وعواطفه.

هناك من يجد في المشاعر والوجدان والعاطفة سبيلاً لخلاص الإنسانية من كراهيتها وحقدها وصراعها وتنافسها غير البريء، وهي دعوة محمودة في حال مقبوليتها العامة أو (الحس الجمعي) ولكنها تبقى دعوة حالم يأمل بإصلاح الكون لوحده، ولا لوم عليه ولا تثريب، ولكنها تبقى على مستوى الحُلم، وأتفق معه في (أن المثال هو المُتمنى) كما يقول أستاذنا (مدني صالح) ولا انتقد نزوع الآخرين لنشر المحبة، ولكن أية محبة، فهناك عندنا أشكال للمحبة، ومنها المحبة التي هي بمثابة (عشق) للمحبوب الإنسان أو للمحبوب (الله)، وأن تُحب فرداً بعينه، ومشغول أنت (فردياً) بمحبته، فذلك حق ليس بمستطاع أحد الاعتراض عليك، ولكن قد تكون في المحبة لفرد بعينه تعتقد أنه مخلص للجماعة والمجتمع، وليس من حق أحد المساس به، لأنه عندك وفي معتقدك مُقدس، وعندك الاستعداد للتضحية بنفسك وقتل الآخرين المخالفين لك في معتقدك، أو في كرههم لمن تُحب، ولا يجدون ما تجد فيه أنت من قدرة وكفاءة، فهنا يكون مشكل الدعوة للمحبة، لأن هكذا دعوة تحمل في (المسكوت عنه) نزعة اقصائية للآخر (المختلف).

نحتاج أن نصف المحبة التي ندعو لها، فأن تُحب آخرين من جنسك أو من قوميتك أو أثنيتك أو عقيدتك، فهذه ليست المحبة التي يدعو لها فلاسفة الحب وكبار الصوفية، أصحاب فكرة الحب الإلهي.

إذا كان أصل الدعوة للمحبة هي أن تُحب لأخيك ما تُحب لنفسك، ونفسر معنى الأخ هنا على أنه كما قال الإمام علي (ع): الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نضير لك في الخلق"، سنحتاج في هذه الحال لمجتمع فيه من الرخاء المادي والاقتصادي والمساواة الاقتصادية والتقدم الحضاري ما يجعل النفوس الإنسانية أكثر استقراراً وقبولاً للآخر المُختلف، والدليل على هذا أن الإمام علي (ع) لم يفلح بدعوته هذه، وبقي المجتمع أشد صراعاً واحتداماً في زمنه.

ليس المهم أن تدعو الناس للمحبة فذلك أمر يسير، ولكن كيف لك أن تجد أو تكشف السبل الواقعية لتحقيقها في مجتمع مثل مجتمعنا، يعيش أغلب ساسته وقادته على قاعدة (فرّق، تسد)، وهم يعتاشون على تخريب النفوس والعمران.

أعتقد نحن بحاجة اليوم لوعي عقلاني، أكثر من حاجتنا للعاطفة واالمحبة، وهنا أمايز بين الإثنين وأفضل أحدها على الآخر، ولا أنفي تأثير العاطفة والمحبة في بناء حياة سليمة، ولكن المجتمع العقلاني اليوم هو المجتمع الذي يعرف فيه الإنسان أو الفرد ما له وما عليه من حقوق وواجبات، ولا يتفضل فرد فيه على آخر، ولا قومية على أخرى، ولا دين على آخر، لأن أساس المواطنة فيه بما يقتضيه الوعي القلاني هو مقدار ما يستجيب له الفرد لتنفيذ ما عليه كمواطن، وفقاً لمتطلبات القانون التي يتساوى أمامه الجميع.

لا يعنيني أن تُحبني أو تكرهني، على الرغم من أنني أتمنى أن تُحبني وأحبك، ولكن الذي يعنيك ويعنيني هو أننا متساوون في الحقوق والواجبات، ولو استكملت هذه بالمحبة، فخير على خير، ولكن الأصل لييس تبادل العوطف أو المشاعر، فقد تخذلنا في وسط طرق التحدي التي نسير بها معاً، ولكن وجود دولة تُنفذ القانون وتحترم حقوق المواطنة، سيدفع جميع الأفراد إلى الامتثال لها، ومن ثم بعد تعلم طاعة القانون، سيضعف الصراع (الشرّاني) عند أبناء المجتمع، لأن كل منهم يحصل على حقه ويعمل بما يجب عليه أن يعمل به.

إذن الدعوة للمحبة هي دعوة لاحقة، توجد في المجتمعات المستقرةـ أو أن تكون دعوة متزامنة مع ممارسات حقيقية لفض النزاعات في المجتمع المتصارع أثنياً.

هل نسكت ولا ندعو للمحبة؟ الجواب، كلا، ولكنها تبقى مجرد دعوة شبيهة بحلم الفلاسفة بخلق أو ايجاد (مدينة فاضلة) أو (جمهورية مُثلى)، دعى لها (الفلاسفة المثاليون) واليوتوبيون، وهي من قبيل وجود الأمل أفضل من عدمه.

ما يُميز الوعي العقلاني، أنه دعوة ممكنة التحقق في الدولة بمجرد تطبيقها لقواعد احترام القانون، وهي تتوافر كلما تمكنت الدولة من بناء أجهزتها الإدارية والأمنية، وهذه ليست من المستحيلات، ولكن الدعوة للمحبة تبقى دعوة فردية كقصيدة شاعر أو صوفي يجد في الوجد والوجدان خلاصاً ذاتياً له، وهو أمر ممكن التحقق عند الفرد كما يقول أصحاب التجارب الدينية والصوفية، ولكن لا قدرة لتحقيقه اجتماعياً.

قد نُحقق هذاالحُلم في المحبة على مستوى علاقة الفرد بمحبوبه، أو على مستوى الأسرة الواحدة، وإن يكن من الأمور الصعبة التحقق ولكنه ليس مستحيلاً، ولا يتحق هذا الأمر في المجتمعات "القرابية" إلا على مستوى ما أسماه ابن (خلدون) "العصبية" والعصبية هذه ليست محبة، بل هي إنحياز على قاعدة (أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب).

هل يقتضي الوعي العقلاني تغييب المحبة؟ الجواب كلا، لأن الفارق في الترجيح، فالوعي العقلاني يُرجح اللجوء للقواعد والقوانين التي تحمي حقوق الجميع، لكن في المحبة قد يفنى المحبوب بمحبوبه، فتغيب الأنا في (الآخر)، وقد يفني المُحب المجتمع كله من أجل محبوبه، فهو متطرف في المحبة، ولا أجمل من التطرف في المحبة والشوق والتوق عنده، على قاعدة (ومن الحب ما قتل)، ولا أتحدث لكم عن قصص الحُب العذري أو قصص الصوفية في (الحُب الإلهي) و(الفناء) و(الحلول). او ققص الذين فجروا أنفسهم ليكونا في الجنة!!.

العاطفة والمحبة والوجدان هي لغة الشعراء والعرفاء، وهي ليست لغة فلاسفة العلم ولا لغة العلماء الفلاسفة، ولا لغة السياسيين الفلاسفة ولا لغة فلاسفة السياسة، ولا لغة القانونيين ولا فلاسفة القانون، ولا الاقتصاديين الفلاسفة ولا فلاسفة الاقتصاد، ومن يُحرك المجتمع ويبني كل حركة التاريخ الحي اليوم هم هؤلاء، ولك أن تنظر لكل منظومات الاقتصاد العولمي، والثورة المعلوماتية، وحركة التنوير الأوربي من قبل.

 

ا. د. علي المرهج – أستاذ فلسفة

 

 

جاسم الصفارإثر حادثة قطع رأس المدرس الفرنسي الذي عرض الرسوم الكاريكاتورية للنبي محمد، كجزء من محاضرة أمام طلابه، أدانت معظم النخب ألأوربية السياسية اليسارية واليمينية الحادث، واصفة إياه على أنه عمل بربري يستهدف حرية الرأي والقيم الحضارية ألأوربية. بالطبع ليس هنالك انسان عاقل على الأرض، في زمننا الحالي، لا يدين قطع رأس انسان، تحت أي ذريعة كانت. أما بالنسبة لحرية الرأي التي استهدفها ذلك العمل البربري البشع، فان لي رأي اخر، أزعم أنه يشاركني به الكثيرون، سواء في بلادنا أو في البلدان ألأوربية.

 مهما كان الأمر، فإن سياسة تشجيع التجديف، وتدنيس المقدسات، وانتهاك المعايير الأخلاقية والدينية بذريعة الدفاع عن الحريات العامة والشخصية، لا علاقة لها بالتحضر، فحرية الرأي والتصرف والمعتقد عند البعض، حتى وان خالفت المعايير ألأخلاقية العامة، يجب أن لا تسيء لمقدسات الاخرين أو تجرح مشاعرهم. فحرية التعبير العدوانية المتطرفة في تجاوزها على معتقدات الاخرين، لابد لها من أن تشجع ردَات فعل لا تقل تطرفا، في أي مجتمع كان. وهذا لا يعني، بالتأكيد، مصادرة حق كائن من كان في أن يبشر برأيه أو معتقده الخاص، دون تجاوز أو تجريح.

أما بالنسبة لما يثار عن التحدي الهمجي لقيم الحضارة ألأوربية، فهنا لابد من بعض التفصيل بالعودة الى الجذور التاريخية للصراع الحضاري وآثاره المدمرة في المجتمعات الغربية المعاصرة. معلوم إن صراع الحضارات، على العكس من تلاقحها، هو دائمًا صراع عقول غير قادرة أو غير راغبة في فهم الأشخاص الذين نشأوا في مختلف الأعراف والتقاليد التاريخية والثقافية والدينية والأخلاقية. ودائما في مثل هذا الصراع يكون العامل المادي حاضرا أو حتى مهيمنا. أما الدوافع العقائدية فهي مطلوبة فقط لتبرير التطلعات المادية.

في العصور الوسطى، كانت الاختلافات الحضارية (الدينية) هي السبب الرئيسي وراء الحروب الصليبية التي حرضت عليها واججت نارها، النخب الاوربية في ذلك الوقت. كان من بين الصليبيين، بالطبع، مؤمنون، بدرجات مختلفة من التعصب، لكنهم أيضًا ساهموا بنشاط في تلك الحملات سعيا وراء الربح. ومع أن الحروب الصليبية تسترت بالعقيدة الدينية في حروبها العدوانية، الا انها، بتقديري، لم تكن المصدر التاريخي الاهم لعدم تسامح المسلمين تجاه "الكفار"، كما في الكثير من الكتابات الغربية اليوم.  كما أنها لم تكن وراء انبعاث التطرف الإسلامي الحديث.

الا أن حروب القرون الوسطى تلك، أرست فيما بعد، أسس الحضارة الأوروبية القائمة على التوسع الجغرافي واحتقار الثقافات غير الاوربية في البلدان المستعمرة. وترافقت أهم التحولات التاريخية في أوروبا منذ العصور الوسطى بشكل أو بآخر مع حروب أو صراعات حضارية. على سبيل المثال، الحروب بين البروتستانت والكاثوليك، ومحاكم التفتيش والفتوحات الاستعمارية في آسيا، وإفريقيا، وغزو القارة الأمريكية، وأخيراً الحربين العالميتين.

تعتبر الصراعات الحضارية الحادة سمة مميزة للعالم الحديث. إنها نذير التغيرات العاصفة القادمة وترمز من نواح كثيرة إلى التدهور التدريجي للحضارة الغربية. هذه الظاهرة هي نتيجة الانحطاط الفكري للنخب السياسية الغربية، الغير قادرة على توليد أفكار جديدة ضرورية لتنمية المجتمع. إنهم يبحثون عن حلول بسيطة عندما يواجهون عمليات اقتصادية واجتماعية وسياسية معقدة في بلدانهم وعلى المستوى الدولي. وأزعم أن وراء ذلك، كان غالبا، تشبث الأوروبيون "بالمزايا" الفكرية والثقافية والاقتصادية للحضارة الأوروبية على بقية العالم.

فعندما احتاجت أوربا لسد النقص في اليد العاملة اللازمة لتطوير الصناعة والزراعة والقطاع الخدمي الاجتماعي، فتحت المجال لتدفق هجرة جماعية من دول العالم الثالث. علما بأن اللجوء لسد النقص في اليد العاملة الاوربية بفتح أبواب الهجرة من تلك الدول التي يعتبرها الاوربيون متخلفة جاء، إلى حد كبير، متناغما مع العقيدة ألأوربية التي تفترض التفوق الفكري على بقية العالم. فالعمالة الأجنبية كانت مطلوبة، حصرا، في مجالات لا يرغب الاوربيون في اشغالها.

لا شك في أن العامل الاقتصادي، كما أشرت أعلاه، هو الذي بلور سياسة الهجرة في الدول الاوربية. فالمهاجرين يحصلون على أجور اقل عن عمل يتطلب جهد لا يتحمس الاوربيون لبذله، سواء في مجال الخدمات الصناعية او الزراعية او الاجتماعية. على أن ما كان سلسا على الورق عند رسم سياسة الهجرة، لم يكن كذلك في الواقع. لأن الفارق الحضاري الذي كرسه الاوربيون، منذ أفول مرحلة الاستعمار وحتى وقتنا هذا، حال دون اندماج المهاجرين في المجتمعات الاوربية، وتحول الى معول تفكيك لتلك المجتمعات التي يتخندق فيها الاحتقار من جهة والكراهية من جهة أخرى.

أضف إلى ذلك تزايد شعبية وتأثير الأحزاب السياسية النازية الجديدة، الامر الذي يجعل صورة الدولة الحضارية للدول الأوروبية أكثر انكشافا. فصعود التيارات الفاشية والنازية وشعبية أفكارها وسط السكان الأصليين يفضح مقومات الحضارة الأوروبية، ويعكس التأليه القديم لشعور الأوروبيين بالتفوق على الشعوب الأخرى.

وتبعا لذلك، تكرس واقع اجتماعي وحضاري مأزوم في أوربا منح أعدائها و"أصدقائها" كذلك، فرصة استغلاله لتمرير مشاريعهم الجيوسياسية. وفي هذا الصدد يشار الى أنه كانت هناك تقارير في وسائل الإعلام مؤخرًا تفيد بأن صحيفة شارلي إيبدو الاستفزازية، التي نشرت رسومًا كاريكاتورية مسيئة للنبي محمد، يتم الإشراف عليها عبر المحيط. وهذا يدل على استغلال الازمة الحضارية والاجتماعية والاقتصادية القائمة في أوربا من قبل اجهزة الاستخبارات الأمريكية لزعزعة استقرار الاتحاد الأوروبي من أجل اضعافه كمنافس سياسي واقتصادي للولايات المتحدة ألأمريكية.

وتجدر الإشارة كذلك الى الدور التخريبي الذي تلعبه تركيا في أوربا، بخلق أسباب العزلة بين الجالية المسلمة والسكان الأصليين. خاصة بوجود أسباب موضوعية للتضارب في المصالح بين الاتحاد الأوروبي وتركيا في شرق البحر المتوسط: محاولات أردوغان للسيطرة على إمدادات الهيدروكربونات إلى أوروبا واستغلاله لموضوع الهجرة من أجل ابتزاز الاتحاد الأوربي، إضافة الى الطموح التركي لمراجعة شروط معاهدة لوزان، المبرمة في عام 1923، والتي بموجبها تم التنازل عن الجزر الواقعة في بحر إيجه لليونان. ولتتمكن تركيا من تحقيق مآربها في صراع المصالح مع الاتحاد الأوربي، فإنها لن تتردد عن استخدام سلاح جربته في صراعات دولية أخرى، وهو التطرف الديني الإسلامي.

إضافة الى تركيا، نجحت دول عربية واسلامية في تسويف مخططات ومساعي الدول الاوربية لدمج المهاجرين في مجتمعاتها، معتمدة على ثغرات تلك المخططات المبنية على ايمان راسخ بالتفوق الحضاري ألأوربي الذي يعميها عن تبني أي أفكار بناءة تجعل من الاندماج في المجتمعات ألغربية نتيجة للتلاقح بين الحضارات المختلفة للمهاجرين والسكان ألأصليين. 

في جميع الأحوال، فان أوربا تعاني اليوم من حالة تفكك وانقسام اجتماعي وحضاري، الدين فيها هو العامل الأبرز. وتجدر الإشارة الى ان الراديكالية الدينية لم يخترعها المسلمون. فتوجد حركات راديكالية في أي دين تقريبًا. ولكن اللاجئون الذين تدفقوا على أوروبا اليوم هم في الغالب من المسلمين. ومن هنا تأتي الصراعات الدورية مع الإسلاميين الراديكاليين.

ختاما، أتمنى ألا يتبلور استنتاج عند القارئ بأني ألقي اللوم كاملا على الدول الغربية، فالديانات جميعها، ومن بينها الإسلام، تحتاج اليوم الى اصلاح بنيوي وعقائدي يخلصها مما علق بها، عبر عصور التوحش، من تعاليم وأفكار لا علاقة لها بأصول التدين الحقيقي الساعي لزرع بذور الطمأنينة في الروح البشرية ونشر مبادئ المحبة والعدالة والمساواة على الأرض.

 

د. جاسم الصفار

17/11/2020