قصي الصافياعادة اصطفاف القوى الاجتماعية تحت خيمة المشتركات الدينية أو الطائفية أو العرقية، والتي يجتمع تحت خيمتها المهمشون اقتصاديا وسياسياً مع مستغليهم في فريق واحد، انما تهدف الى تغريب ابناء الطبقات المسحوقة عن واقعهم الاقتصادي والسياسي، بغية حرف أنظارهم عن مصدر معاناتهم الحقيقي، وزجّهم في صراعات لا صالح لهم فيها، ضد اعداء افتراضيين يتم تنميطهم ضمن كتله واحدة.

 لقد كُتب الكثير في دراسة أسباب تفاقم الصراع الهوياتي في الدول العربيه والاسلامية تحديداً، و تناولت معظم تلك الدراسات الظاهرة من منطلقات تأريخية وسياسية وثقافية، فقد أبحر جورج طرابيشي في رحلة طويلة في اعماق التاريخ العربي الاسلامي منقّباً عن تفسير لتفشي النزوع الطائفي في المجتمعات العربيه، خلص في نهايتها الى أن حرب الطوائف ظاهرة قديمة قدم تأريخنا، بينما يرى عزمي بشارة انها ظاهرة جديدة أنتجتها الدولة الحديثة في خضم الصراع على السلطة السياسية والنفوذ الاقتصادي، كما يعزو البعض حمّى التعصب الطائفي الى ضعف مؤسسات الدولة وقمع الحريات وتركات الأنظمة الاستبدادية، علاوة على قصور المؤسسات التعليمية والثقافية في التوعية العامة ومكافحة الجهل.

 على أهمية تلك الدراسات إلا انها اقتصرت على دراسة الظاهرة في المنطقة العربية دون غيرها، رغم أن صراعات مشابهة قد تأججت في معظم بلدان العالم، وإن اختلفت في حدتها وطبيعتها، فهي على سبيل المثال ذات طابع عرقي -قومي في اوربا الغربية والشرقية، عرقي -عنصري في اميركا والبرازيل، ديني-قومي في الهند. وقد هيأت تلك الانقسامات المجتمعية مناخاً مناسباً لصعود اليمين المتطرف وتوسيع قواعده الشعبية، كما أنها وفرت مناخاً مناسباً أيضاً لمزايدة الأحزاب اللبرالية باسم نصرة الأقليات المهمشة للتغطية على لقاءها مع اليمين في التخادم مع رجال المال والاعمال والشركات الكبرى. ( لا نقصد بهذا التقليل من أهمية الدفاع عن الحقوق المدنية للاقلّيات، ولكن العدالة رقم غير قابل للقسمة بتعبير انجيلا  ديفز، وقد كان مارتن لوثر كنغ يدرك ان الدفاع عن حقوق السود في اميركا لا ينفصل عن محاربة الفقر والاستغلال الاقتصادى أو الدفاع عن حق الشعوب في تقرير المصير). 

كان الكاتب أمين معلوف من بين قلة من الكتاب العرب الذين تناولوا الصراع على الهوية كظاهرة عالميه و باسلوب شيّق ومبسط، وانطلق في دراستها وتعيين أسبابها من مفهوم الهوية الفردية، فقد عرّف الهوية الفردية ببساطة (هويتي هي كل ما يجعلني غير متماثل مع غيري)، و لهذا تجنّب استعمال مصطلح الهويات الفرعية، فكلّ من الدين أو الطائفة أو العرق أو القبيلة لا تمثل إلا جزءاً من الهوية الفردية، وبالتالي فهي انتماءات تترك بصماتها على هوية الفرد مثلما يترك هو بصماته فيها بدرجات متباينة ولكنها لا تشكل كامل هويته، إلا أن ايّاً من هذه الانتماءات قد يتحول الى هوية للفرد في ظرف ما، كأن تتعرض جماعة الى ابادة أو انتهاكات صارخة أو تهميش واحتقار، أو في حالة الحرب أو الصراع على النفوذ أو السلطة، عندها قد تذوب باقي الأنتماءات تحت عباءة انتماء واحد كالدين أو الطائفة أو العرق فتصبح هوية الفرد دينيه أو طائفية أو عرقية حصراً، وهكذا تولد ما يسميه معلوف بالهويات القاتلة، إذ يتماهى الفرد مع الجماعة فتمّحي هويته الفردية لانتفاء تميّزها كشرط اساسي للهوية الفردية حسب التعريف الذي اعتمده معلوف أعلاه.

لم ينهك معلوف نفسه في الغوص في تواريخ وثقافات الشعوب أو نصوص الأديان، فهو يدرك أن لجميع الشعوب ثقافات دينيه أو علمانية يمكن استحضار الاساطير والقصص والنصوص منها لتشكيل  إيديولوجيا تجمع حولها الحشود باسم الهوية، فالهندوسية مثلاً عادة ما يرتبط تأريخها و نصوصها الدينية بالساتياغراها و ثقافة السلام والمحبة التي استرشد بها غاندي، ومع ذلك فقد نجح مودي في تحشيد الهندوس تحت راية هوية الكراهية والعنف ضد السيخ والمسيحيين والمسلمين (المفارقة أن مودي قد نشأ في الحزب الذي اغتال غاندي، واليوم يكمل المشوار في اغتيال نهجه السلمي بتعبئة أفراد طائفته ذاتها).

 ولم يدر في خاطر أحد ان تتحول البوذية رمز المحبة والايثار الى هوية التطرف والعنف في ميانمار، فقد كانت صدمة للعالم ما جرى من حملة اغتصابات وقتل وتشريد ما يقارب 700 ألف مسلم خارج بلادهم.

 والبوسني قبل الحرب وقبل تقسيم يوغسلافيا مثلاً، لم يكن ليعرّف نفسه كمسلم بل كيوغسلافي أولا، والصربي لم تكن لتراوده الرغبة بإيذاء أو قتل مواطنيه سابقاً من البوسنه أو كرواتيا قبل اندلاع الحرب.

 وقد شهد العقد الاخير تناميا متزايداً للشوفينية والعنصرية بسبب كثرة الملونين واللاجئين مما استثار مشاعر الخوف والقلق لدى البيض على انحسار تفوقهم العرقي الذي يرونه مشروعاً، بدا ذلك جلياً بعد انتخاب اوباما وانتشار شعار (نريد استرجاع بلدنا الينا). ورغم أن معظم المسلمين في اوربا واميركا لم يكونوا في بلدانهم الاصليه على علاقة إيمانية وطيدة بدينهم، إلا ان أعداداً كبيرة منهم قد توحّدت تحت هوية الإسلام، وذلك كرد فعل لكثرة ما تتعرض ديانتهم الى الاتهام بالتخلف والارهاب أو عدم الاعتراف بها كديانه سماوية، علاوة على انشغالات سياسية تتعلق ببلدانهم الأصلية.

 تشير الأمثلة السابقة عن الصراع الهوياتي في بلدان العالم بوضوح إلى ان تخلّي الفرد عن استقلالية هويته الفردية لصالح ما يسمى الهويه الفرعيه، ونزوعه للعنف ورفض الآخر لا يمكن تفسيره بالرجوع الى التاريخ والثقافة والنصوص الدينية فقط، بل يجب دراسة المناخات السياسية والاقتصادية وما يترتب عليها من ضغوط نفسية على الفرد. الضغوط النفسية التي تنكأ جراح الذات وتدخل المرء في حالة من العزلة المكثفة وفقدان القدرة على التكيف مع المجتمع أو مع العالم المعاصر، فتلتقي الذوات التي تعاني من العزلة والاغتراب لتنتظم فيما يشبه العشيرة في جبهة دفاع عن الهوية، وتجدر الاشارة الى ان تلك الضغوط النفسية قد تنشأ عن انتهاكات حقيقية كما هو في حالة زنوج أميركا، أو القلق من ضياع امتيازات ونفوذ أو تفوق عرقي غير مشروع كما في حالة البيض المتطرفين.

 ولكن لماذا يعبّر الانسان عن انتماءه لجماعة ما بنفي أو كراهية الآخر، لا بالتفاعل السلمي معه؟، لماذا يكسّر الناس رؤوس بعضهم لنصرة فريق كرة قدم أو عشيره أو طائفة أو عرق ؟، ربّما لم يزل الانسان - ورغم التقدم الحضاري - يحمل شيئاً من رواسب النزعة القبلية، فبعد اكتشاف الزراعة وبدء التجمعات البشرية الاولى تشكلت القبائل لتنظيم العلاقات بين الافراد وحمايتهم من هجمات القبائل الأخرى، فكانت القبيلة هي الهوية الجماعية الاولى وكان التعصب للقبيلة آنذاك ضرورياً كما هي رابطة المواطنة في الدولة الحديثه.

اذا كان الاغتراب المكثف هو ما يحفّز الافراد على هجران الهوية الجامعة، والبحث عن تحقيق ذواتهم المهزومة بالتماهي مع ذات الجماعات الفرعية، فلابد من البحث في أسباب تزايد عزلة و اغتراب الفرد على المستوى العالمي في العقود الأخيرة، وهل لنظام العولمة النيولبراليه علاقة بفقدان الفرد لقدرته على التكيّف مع متغيرات العالم الجديد، اتطلع أن يكون ذلك موضوع مقال قادم.

 

قصي الصافي

 

 

عصمت نصاريؤكد الأنثروبولوجيون والاجتماعيون وعلماء الأجناس وفلاسفة الحضارة أن البيئة والثقافة السائدة فى مجتمع ما من أهم المؤثرات التى تشكل بنية هوية الأفراد والعقل الجمعى والروح الكلية عبر العصور. أما ثوابت تلك الهوية ومتغيراتها؛ فالمسئول عنها هم قادة الفكر وزعماء الإصلاح ورواد التنوير، فهم دون غيرهم المعنيون بتحديد مشخصات تلك الهوية تبعًا لتصوراتهم وأفكارهم ومعتقداتهم. وإذا ما فسدت هذه العصبة ـ التى نطلق عليها جماعة النخبة أو الطبقة الوسطى.

وعليه؛ فمن الخطأ الاعتقاد بأن هُويّة الأفراد أو (الذات، الأنا) (Identity) تنفصل عن البنية الثقافية التى نبتت فيها واصطبغت بصبغتها وأضحت موروثًا أصيلًا يميزها عن غيرها، فحديث قدماء الفلاسفة حتى القرن السابع عشر عن استقلال النفس من حيث الطباع والعقل والقيم الأخلاقية عن الثقافة السائدة فى مجتمع ما، أضحى من النظريات المشكوك فى صحتها؛ فقد جاء الفيلسوف الاسكتلندى «هيوم» (١٧١١-١٧٧٦م)؛ ليؤكد أن هوية الأفراد والجماعات ليست فطرية بل هى مكتسبة من الثقافة السائدة فى مجتمع وعصر ما ثم تتوارثها الأجيال بالممارسة والمعايشة أى أن الهويّة تتكون من حصاد الخبرات المتراكمة (نظرية الحزمة).

وإلى مثل ذلك ذهب الفيلسوف الفرنسى «إيميل دوركايم» (١٨٥٨-١٩١٧م) مبينًا أن هوية الأفراد ما هى إلا وليدة المجتمع وليس العكس، وقد نقض بذلك تصور الليبراليين الذين نزعوا إلى أن ثقافة المجتمع لا تخرج عن كونها عقدًا اجتماعيًا أبرمه الأفراد فيما بينهم على تحديد ثوابت ومتغيرات الروح الجمعية أو الرأى العام.

وبين هذا الرأى وذاك يقدم الفيلسوف الأمريكي «جورج هربرت ميد» (١٨٦٣-١٩٣١م)  تصورًا وسطًا، إذ يفرق بين الأنا أو الذات الفاعلة والشخص باعتباره فردًا منفعلًا للثقافة والمجتمع الذى يعيش فيه، وعليه تصبح الهوية مجموع انتماءات الأنا النفسية والشعورية وقناعاتها من جهة، ومدى إيمانها وولائها وانضوائها تحت عباءة العقل الجمعى بما فيه من قيم وعقائد ومعارف من جهة أخرى.

وتمضى الدراسات المعاصرة فى هذا السبيل، فها هو عالم الاجتماع الكندي ارفنج جوفمان (١٩٢٢-١٩٨٢م) يوضح أن وعى الأنا بمشخصاتها هو الضامن لبقاء الهوية دون تغير (إيجابًا أو سلبًا)، فإذا ما جمد الوعى أضحت الثقافة السائدة رجعية ومتخلفة، أما فى حالة تجديده بفعل العقول المبدعة والمنفتحة على الأغيار لاكتساب النافع والصالح لثوابت المشخصات؛ فإن مثل ذلك الفعل يحمى الهوية من خطر التلوث والجموح والجنوح والفساد.

ويرى عالم النفس الألماني «اريك اريكسون» (١٩٠٢-١٩٩٤م) أن أزمة الهوية تولد من ذلك الصراع النفسي بين الإلزام والالتزام أو الانتماء والانضواء أو قناعات الأنا وقيود المجتمع وضوابطه، ومن ثم فإن إحساس الفرد بالاغتراب وسط أهله وعشيرته وجيرانه ومواطنيه وبنى جلدته يدفعه إلى التمرد على هويته ومشخصاتها واعتناق هوية أخرى وثقافة مغايرة.

ويضيف الفيلسوف الجزائري الفرنسى «ألتوسير» (١٩١٨-١٩٩٠م) أن الأيديولوجيات هى التى تدفع الهوية للانتماء أو الاغتراب، وذلك تبعًا للقدر الذى يشعر فى ظلها الفرد بوجوده من عدمه، وذلك لأن الجوامع والكنائس والمؤسسات الثقافية والإعلامية هى التى تفرض تلك الأيديولوجيات؛ لتسبغ بها هوية الأفراد فى جُل المجتمعات.

بينما يعول الفيلسوف الفرنسى ميشيل فوكو (١٩٢٦-١٩٨٤م) على أن علة ظهور الخطابات الجانحة أو المتطرفة لا ترد إلى الإحساس بالاغتراب تجاه الثقافة السائدة فحسب، بل ترد للميول الذاتية والخصال الشخصية أيضًا، ومن ثم يحاول الجانحون الرافضون للعقل الجمعى الثورة على ما فيه من قيم، اعتقادًا منهم بأنهم أصحاب ثورات للتصحيح والتغيير منطلقة من وعيهم بحقائق قد غابت عن ذلك العقل الجمعى أو الثقافة السائدة. ومن ثمّ تصبح خطابات الشواذ جنسيًا والمجترئين عقديًا والجانحين أخلاقيًا والإرهابيين سلوكيًا والمتعصبين فكريًا من أشكال تلوث الهوية، وذلك بغض النظر عن مصدر ذلك التلوث داخليًا كان أو خارجيًا.

وإذا ما انتقلنا من ذلك التنظير الفلسفى إلى مناقشة واقعنا المعيش، سوف نجد الهوية المصرية قد تميزت عن غيرها بطبائع نفسية وخصال أخلاقية ومنازع سلوكية وأحاسيس ذوقية ومشاعر وجدانية وقناعات عقدية وعوائد اجتماعية لم تتعرض للعطب أو الفساد إلا بفعل مؤثرات خارجية (الغزو، القهر، الاضمحلال الثقافي، فساد المؤسسات الحاكمة، غيبة البطل أو الطبقة الوسطى المسئولة عن تربية الرأى العام)، أى أن الشخصية المصرية لم تتمرد من الداخل على طبيعتها أو ثوابتها التليدة (الخيرية، الانتماء إلى الأرض والولاء للجماعة، المسالمة، الشجاعة، الألفة، الاستقرار، البناء، المرونة، التفاؤل والأمل فى غدٍ أفضل، الضحك والسخرية من الواقع، الحياء، الجرأة، العفة، الإخلاص، القدرة على تحويل الإلزام إلى التزام وتحويل الأزمات إلى عزائم تبدل المحن والعثرات إلى انتصارات، تقديم الصبر على الثورة والتمرد، تقديس الحاكم واحترام القادة باعتبارهم عين الحقيقة وصوت القدر، الإيمان بفلسفة الممكن والتحايل على المستحيل).

نعم تلك كانت مشخصات الهوية المصرية والسمات التى مكنتها من الصمود أمام كل العواصف التى حاولت تبديدها أو محوها، ومن ثم سوف يدور حديثنا عن الأسباب الطارئة التى لوثت الثقافة المصرية السائدة وأصابت هوية المصريين بأمراض وأدران لم تعهدها لأنها مناقضة لطبيعتها.

ولعل أشهر الأدبيات التى تعرضت لهذه المسألة فى العصر الحديث كتاب «شخصية مصر» لـ (جمال حمدان)، وكتاب «الأعمدة السبعة للشخصية المصرية» لـ (ميلاد حنا)، وكلاهما أكد أن مشخصات الهوية المصرية لن تموت وأن ثقافتها التليدة لن تُمحى أو تندثر بل تصاب بالضعف وتمرض شأن سائر الثقافات والحضارات ولكنها أقدر من غيرها على النهوض، ثابتة، شامخة البنيان، منتصرة على كل أعدائها، مرفوعة الرأس أقوى من الزمن، متحدية الهرم.

أجل أعتقد أن انسحاق الطبقة الوسطى - بكل ما تحمله من عقلانية، ومبادئ أخلاقية، ورؤى إبداعية، وغيرة على الصالح والعام، ووسطية فى العقيدة، ووعى بطبائع الجمهور، وقدرة على التواصل مع العامة، وقوة لتقويم كل قلاع الجور والاستبداد، وشحذ الهمم للبناء، وتنقية الأجواء الثقافية من ملوثاتها، وردع الجانحين، وإنصاف أحرار الفكر، ورعاية المعوذين، وتحقيق أكبر قسط من العدالة وأعظم قدر من محاربة الفساد - هى العلة الرئيسية لما نحن فيه من انحطاط وضعف واجتراء وفوضى وعنف وإرهاب، ذلك فضلا عن تلك المؤامرات التى تُدبر من قبل الأغيار للإيقاع بمصر وطمس هويتها وتزييف عقيدتها، أجل تلك المؤامرات التى لا ينكرها إلا مكابر أو معاند أو مغيَب.

وعن الأثر السلبى لانسحاق أو غيبة المصلحين أو طبقة النخبة على تردى وانحطاط الثقافات، يحدثنا الفيلسوف والمؤرخ الفرنسى جوستاف لوبون، (١٨٤١-١٩٣١م) مبينا أن الرقى يتم فى الأمم على يد نفر قليل من أهل العقول السامية فى العلم والسياسة والأدب والدين والفن، وهم بلا أدنى شك جماعة الصفوة وهم المسئول الأول عن سلامة بنية عقول الأمم ووجدانها وهم الضامن لبقاء السلم الاجتماعي بين الطبقات والحب والألفة بين الأفراد. وقد أكد فى غير موضع من كتابه «سر تطور الأمم» على أن فساد هذه الطبقة أو غيبتها يؤذن ببوار الثقافة وانهيار المجتمع. وقد أكد أدموند يمولان، (١٨٥٢-١٩٠٧م) على ذلك فى كتابه «سر تقدم الإنجليز السكسونيين» وذلك باعتبار أن طبقة النخبة هى المسئول عن رسم الخطط لبناء الأفراد والجماعات (البرامج التربوية، المدارس، الجامعات، الأحزاب، سن القوانين، الرقابة على الآداب والفنون والصحف).

ويضيف فيلسوف الحضارة الإنجليزي أرنولد توينبي، (١٨٨٩-١٩٧٥م) فى نظريته التحدي والاستجابة، أن جنوح العقيدة والتعصب الملي وغيبة المجتهدين المجددين يؤدى حتمًا إلى صعوبة ظهور الطبقة الوسطى المستنيرة أو قادة الرأى، وذلك لأن تكوينها مرهون بتوفر العديد من العوامل أهمها (احترام العلم، حماية الحريات، الاستقرار الاجتماعي والأخلاقي). ويعنى ذلك فى - رأى توينبي- أن سلامة العقيدة والدين السائد من أهم الآليات التى تمكن المصلحين من الزود عن الثقافة وتنقيتها من الملوثات الخارجية، أما إذا أُصيب الدين بتلك الملوثات فلا سبيل لإصلاح المجتمع إلا بالعود إلى سذاجة هذا الدين ونقاءه وصلاحه الذى مكنه من الذود بالثقافة أو الحضارة إلى طريق التقدم والتمدن. ويعنى ذلك أن وظيفة الطبقة الوسطى المستنيرة أو إن شئت قل صفوة المجتمع هى تحدى ومحاربة كل المعوقات والأسباب التى تحول بين مشروعاتهم الإصلاحية وعلى رأسها تجديد الخطاب الدينى من جهة، والقدرة على التواصل مع العوام والرأي العام التابع والقائد معًا وتجييشه لخدمة المشروع الحضارى حتى يستجيب للنهضة العلمية من جهة أخرى، كما يؤكد توينبى أن الحضارات لا تندثر بسبب الغزو الخارجي، بل لضعف وعطب وفساد يصيب بنيتها من الداخل.

وعليه؛ فتبدد الثقافات وموتها لا يمكن التآمر عليه من الخارج بل يقوم به عصبة المفسدين وجماعات العنف من الداخل، متقنعين بلباس الفضيلة والورع ومرتدين ثوب علماء الدين ورجاله.

والجدير بالإشارة فى هذا السياق أن معظم فقهاء الإسلام والمعنيين من العلماء والفلاسفة بدراسة المجتمع والسياسة الشرعية قد صرحوا بأن فساد المعتقد الدينى لا يحدث إلا فى غيبة أهل الحل والعقد والمجددين من المجتهدين، وأن فساد المجتمع وانحدار الثقافة الإسلامية سوف يصبح فى غيبتهم من الأمور التى لا يستبعد وقوعها، فتسود الفوضى والعنف، ويبدد الأمن والسلام، الأمر الذى دفعهم جميعا إلى إيكال أمر المسلمين إلى أهل الشوكة أى الجيش وهو القادر على قمع المفسدين فى الداخل وصد المتآمرين من الخارج.

وإذا ما تأنينا في تحليل ما سبق سوف نهتدي إلى عبقرية الشيخ "حسن العطار" (1766-1835م) وتلميذه "رفاعة الطهطاوي" (1801-1873م) ثم الأستاذ الإمام "محمد عبده" (1849-1905م) ومدرسته وتلاميذه، أولئك الذين حافظوا على الهوية المصرية وجددوا مشخصاتها وأزالوا التلوث والعطب الذي أصاب متغيراتها بسبب الجمود والجهل والفقر والاستبداد والغزو الخارجي، وبدأوا برد الدين إلى سذاجته الأولى؛ وذلك لإبراز وسطية العقيدة وصلاحية الأصول الشرعية للتجديد والاجتهاد دومًا، ورغبوا عن كل مواطن الجمود والتشدد والتعصب والجموح والعنف في تطبيق قاعدة الإصلاح (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وتسامحوا مع الجاهلين والمندفعين والمتشيعين للغرب بل والملحدين أيضا، وجادلوهم بالتي هي أحسن أي الحجة والبرهان. ذلك فضلا عن وعيهم بطبائع الناس وعوائدهم المولدة من الموروث والتقاليد الاجتماعية العتيقة: فغربلوها برفق ونقوها من الخرافة والشعوذة والتمسوا فيها قوة الحس الديني لدى الجمهور فأبقوا على التصوف العملي وما فيه من حب وعشق لله وتقرب من أهل البيت، وحاسة خلقية تنقي السرائر وتقوم السلوك وتوحد بين الإلزام والالتزام، وخلصوه من كل مظاهر البدع والجهالة والدجل، - ولا نكاد نجد أحداً من شيوخ الأزهر إلا وفي نهاية اسمه لقب يعبر عن الطريقة الصوفية التي ينتمي إليها (الوفائية أو الخلوتية)-، كما رغبوا عن الجامدين والمتعصبين والمتشددين في الدين؛ فقد حال الأزهر بفهمه الصحيح للمقاصد الشرعية وفقه المألات وعقيدته الأشعرية - التي لا ترى أي غضاضة أو كراهة في جمعها بين التوحيد والتصوف - بين الثقافة المصرية وانتشار الدعوة الوهابية، بل قام بنقدها وتبيان ما فيها من تعصب وتنطع في الدين.

وكذا حارب الأزهريون المستنيرون كل الاتجاهات الهدامة والجانحة عن الأصول الشرعية مثل البابية والبهائية والماسونية والمهدية وغلاة الشيعة الباطنية والجمعيات التغريبية والإلحادية، وقد اتخذوا من المنقول والمعقول أسلحتهم للزود عن هوية مصر الوسطية، وانتصروا كذلك لحق اليهود والمسيحيين في المواطنة الكاملة مادام حب مصر هو ديدنهم والعمل من أجل صلاحها هو واجبهم المقدس. أضف إلى ذلك كله؛ إنصافهم للمرأة وتأكيدهم على أن دورها في المجتمع لا ينبغي حصره في إمتاع الرجل وإنجاب الأولاد بل إن تعليمها وتثقيفها وتحطيم أسوار العزلة التي حجبتها عن العمل ما هو إلا حق كفله الشرع لها ولا يحرمها منه عادات وتقاليد بائدة، وبينوا أن عفاف المرأة والتزامها الخلقي لن يتحقق بارتداء البرقع أو النقاب؛ فالتحشم في المظهر لا يغني أبدًا عن سلامة الجوهر والمخبر وأن في العزلة مذلة وأن علاج الاختلاط في معترك الحياة هو الحياء والانضباط.

وقد عكفت هذه الصفوة على تقويم صحافة الرأي وتهذيب صحافة الخبر وترشيد الآداب والفنون واتخاذ منها آليات لتربية الرأي العام وتوعيته وحثه على النهوض والعمل واكتساب الخبرات من الأغيار.

ولا غرو في أن غيبة أمراء المنابر من المصلحين والمجتهدين - ولاسيما بعد وفاة الإمام محمد عبده - قد فتح الباب على مصراعيه للمتعالمين، وأفسح الطريق لظهور بعض الجماعات التي اتخذت من الدعوى وإصلاح المجتمع ستارًا ورداءً، وذلك بعون من اتجاهين متضادين لا تنسيق بينهما في الظاهر، أولهما الشيخ محمد رشيد رضا، الذي جلس على كرسي التجديد والزود عن صحيح الدين خلفًا لأستاذه الإمام محمد عبده - غير أنه مال إلى اعتناق الفكر الوهابي وراح يروّج له على صفحات المنار ليسد عوذه والإنفاق على مجلته -، ومحب الدين الخطيب الذي رفع شعار السير على سنة السلف سبيلا لتقويم الفوضى الأخلاقية - مؤسسًا أولى خلايا الجمعيات السلفية - وكانت هذه الخطوة الأعراض الأولى لتلوث الخطاب الديني المصري؛ وثانيهما دوائر الاستشراق السياسي ونفر من رجالات المخابرات الإنجليزية والأمريكية الذين دأبوا على وضع الخطط لتزييف الهوية المصرية وإضعافها (إضعاف شيوخ الأزهر وإهمال الكتاتيب والمعاهد الدينية من جهة، ومد يد العون والدعم الكامل للجمعيات الأهلية التي تلعب في الشارع السياسي في الظاهر، وتكيد للإسلام في الباطن بترويجها لثقافة الإلحاد والعلمانية والفلسفات الوضعية والنظريات العلمية ونشر العقيدة الكاثوليكية والبروتستانتية لإضعاف الكنيسة الأرثوذكسية - تلك التي لم يفلحوا في تحريضها على المسلمين، وتشجيع الشباب على تقليد الغرب وانتحال عوائده عوضًا عن لغته الفصحى وآدابه وتقاليده التليدة من جهة أخرى). وقد لعبت هذه الإجراءات الدور الرئيس في تشتت ولاءات قادة الرأي وانصراف عدد غير قليل منهم عن الرسالة الحقيقية، أعني الحفاظ على الهوية المصرية ومشخصاتها.

وقد سجلت صحافة الرأي في الربع الأول من القرن العشرين - ولاسيما عقب ظهور الصحف الحزبية - عشرات المساجلات بين المثقفين، حول ثوابت الثقافة المصرية وثوابتها المستمدة من موروثاتها الحضرية وعقائدها الدينية وكيفية تجديدها، وتحديث متغيراتها عن طريق استيعابها للفكر الوافد من الأغيار، وقد تعرضت بطبيعة الحال لقضية الهوية المصرية (ولاية عثمانية إحدى دول الرابطة الإسلامية، أم وحدة اللسان العربي). وقد رفع معظم الليبراليين شعار "مصر للمصريين" باعتباره حجر الأساس للهوية المصرية، وتأثر به شبيبة المثقفين في المدن ونقلوه للشارع والمقاهي في القاهرة والإسكندرية وطنطا ومدن القناة، وعدد غير قليل من طلبة الأزهر الذين نقلوا بدورهم جانبا من المساجلات حول هذه القضية إلى الريف الذي كان يأن من استبداد الباشوات الأتراك والبكوات الخواجات أصحاب الأبعديات.

وفى الفترة بين الحربين العالميتين نشطت صحافة الرأى وتطرَّقت إلى قضية الحجاب والسفور وعمل المرأة وحرية الاعتقاد والعوائد الشرقية والغربية والاستقلال والنظم البرلمانية والدستورية والولاء والانتماء للوطنية والقومية. وعلى الرغم من ذلك الثراء الثقافي فى المدن بين المتعلمين لم تتعرض قضية الهوية للملوثات الثقافية فى أول الأمر؛ وذلك بفضل وعى تلاميذ الإمام محمد عبده سواء فى الأحزاب والدوائر الثقافية العامة أو بين أروقة الأزهر ومعاهده وكتاتيبه.

أمّا الريف والصعيد؛ فقد حافظ على هويته العقدية والجانب الأكبر من العادات والتقاليد والأخلاق الموروثة أى لم يصبها العطب أو التلوث، وذلك بفضل وجود الكتاتيب والكنائس الأرثوذكسية الحاملة للهوية المصرية، وعزلة الجمهور عما يدور من معارك صحفية أو حزبية أو أيديولوجية حول قضايا الثقافة المصرية.

أمّا الخطاب الديني الأشعري والتسامح العقدي مع الأغيار والأخلاق العامة، فقد أصابه بعض العطب بتأثير من عدة عوامل خارجية : أهمها تسلل الفكر الوهابي بين المعممين والمطربشين (طلبة دار العلوم) على حد سواء، فقد حمله الطلاب الوافدون إلى الأزهر من الحجاز، وكذا كتابات محمد رشيد رضا ومحب الدين الخطيب ـ كما ذكرنا ـ ذلك فضلا عن خطابات عبدالعزيز جاويش السياسية وتكوينه العديد من الجماعات السرية المسلحة باسم الجهاد، وافتعال الخلافات بين المسلمين والأقباط واتهام الليبراليين بالكفر والمروق ولاسيما بعد موقفهم من الحرب الإيطالية التركية، والتهكم على طرق الصوفية من قبل العلمانيين وتكفيرهم من قبل الوهابيين والسلفيين المحدثين، وتحول الدعوة (الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر) إلى سياق متحرر من ضوابطه الشرعية بجانب الحديث عن جهاد (الحسبة) والتطوع للنهى عن المنكر باليد. وخفت صوت الأزهريين المعنيين بتوضيح مقاصد الخطاب العقدي والسياسة الشرعية ولاسيما عقب ظهور الدستور العثماني العلماني ١٩٠٨م ثم إلغاء نظام الخلافة ١٩٢٢م ومهاجمة كمال أتاتورك للدولة الدينية، وانتشار الجمعيات الدينية مثل: (أنصار السنة المحمدية) ١٩٢٦م، و(الشبان المسلمين) ١٩٢٧، ثم جماعة الإخوان المسلمين على يد حسن البنا ١٩٢٨م.

ولعل كتابات الشيخ مصطفى صبري ضد غلاة المستشرقين والمتأثرين بهم من المثقفين المصريين ساهمت فى ذيوع اتهام المخالفين بالمروق والزندقة والكفر. وهو أيضًا من ملوثات الهوية فلم يعتد المصريون تكفير بعضهم البعض أو اتهام بعضهم بالخيانة. وقد حرضت مؤلفات مصطفى صبري على السفور والحجاب ومشروعية تعدد الزوجات وقصر عمل المرأة على تربية الأولاد فى المنزل وعدم مخالطتها الرجال فى شتى الميادين، الكثير من شبيبة السلفيين وجمعية الشبان المسلمين على نقض خطاب قاسم أمين ودعوة لطفى السيد لتعليمها فى الجامعة وكذا الحركة النسائية المصرية، وخروج الفتيات فى المظاهرات، وكذا إنشاء الجمعيات والأحزاب النسائية.

وقد حالت كتابات السلفيين والجامدين من شيوخ الأزهر بين المرأة المصرية وحقها فى المشاركة فى العمل السياسي حتى عام ١٩٥٦م.

وحسبنا أن نشير إلى أن هذه التحولات الثقافية قد ساعدت على وجود تيار ديني مغاير فى وجهته الإصلاحية لتلاميذ محمد عبده من الأزهريين، الأمر الذى أثر بالسلب على الثقافة المصرية، فالتشدد فى العقيدة يعد إحدى إرهاصات التطرف ثم التعصب ثم العنف والإرهاب.

أمّا تيار الإخوان المسلمين؛ فكان دوره الأخطر ولاسيما فى قوة تأثيره على العوام فى الريف وبين الطبقات الدنيا فى المدن، وذلك لأنه المسئول الأول عن غرس الشيفونية الدينية فى المجتمع المصري، فقد أعلى حسن البنا من شأن جماعته على دونها بحجة أنها الفرقة الناجية. وقد جمع فى تعاليمه بين العديد من التيارات والمذاهب والمعتقدات (الجمعيات السرية والماسونية وذلك فى الهيكل التنظيمي وسبل الاتصال، ومعتقد ولاية الفقيه المتمثل فى المرشد الذى لا ينبغى رد تعاليمه أو مناقشته، وفهم الخوارج لقاعدة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، واتهام المسلمين بالكفر وقتالهم ولاسيما عند سيد قطب الذى انتحل آراء أبى الأعلى المودودي). وحسبنا أن نتذكر حديث أرنولد توينبى عن فساد الثقافات الذى ربطه بتلوث معتقد النخبة المسئولة عن سلامة الخطاب الديني فى المجتمع. فإذا ما حاولنا إدراك الملوثات التى حاقت بالخطاب الديني على يد الإخوان؛ فإننا يمكننا إيجازها فيما يلي :

 

بقلم": د. عصمت نصار

......................

(1) تحول فقه الأولويات والمآلات إلى وسائل عملية لغايات نفعية مؤقتة تتحول وتتبدل كلما احتاج الأمر تبعا لرغبة المرشد أو إمام الجماعة.

(2) إعادة ترتيب ثوابت الهوية الدينية انطلاقًا من شعارات كاذبة ومظاهر خادعة وأقوال مدسوسة وأكاذيب مؤلفة لا تستند على أصول شرعية مقطوع بصحتها.

(3) استحالة اجتهاد أهل الحل والعقد إلى الهامات إلهية تهبط على المرشد العام ومن ثم فهى واجبة الطاعة، والخروج عنها مروق يستوجب العقاب.

(4) حصر الرسالة الإصلاحية والمشروع النهضوي فى تعاليم تهدف إلى تهذيب السلوك والعادات والخدمات الاجتماعية والصحيّة للفقراء وصبغ التعليم بالمسحة الدينية والمبادئ الإخوانية التى تربى النشء على إرشادات الجماعة وتجعل من المرشد أصل كل تحلية وتخلية.

(5) الحط من الحس الوطني واعتبار مصر ولاية إسلامية، وجزءً من خلافة عامة لم تتأسس بعد يكون على رأسها المرشد الأكبر أستاذ العالم.

(6) نشر سياسة التمكين وذلك للاستيلاء على مقاليد الأمور فى الدولة وذلك لإصلاح ما فسد وتقويم المعوج بأيد الجماعة باعتبارهم المنوطين بذلك العمل.

(وللحديث بقيَّة)

 

 

سامي عبد العالينطوي فعل التملق على خطابٍ ما، لا يُريدك أنْ تقف أمامه بأي تفكير ولا نقد، لكنه يخطف الوعي كحالةٍ من الدهشة الصادمةِ، كنوعٍ من الخضوع لدرجة الخفاء. وخطابه ليس مفرداً، لكنه مجموعة دلالات في مناحٍ شتى. إنه برجماتية التواصل التي تستدعي أفعالاً بديلة بحسب الأحداث والمواقف، تتنوع لتلائم المآرب المنتظرة. وقد أدرجتُ هاهنا معالمَ التملق في حزمة كلمات متقاربة اشتقاقاً لإبراز الفكرة، ذلك ارتباطاً بكون الخطاب أساليب لممارسة التواصل في سياق ثقافي وسياسي وأيضاً بإمكانية أن ينضح الخطاب بما في جوفه وقيعانه من رواسب وعوالق.

1- خطاب ملموس: هناك اشارات وسيمياء وشفرات ووضعية يتغياها المتملِّق. وهي واسعة الانتشار في العبارات العامة التي تملأ الفضاء التواصلي تحت سلطة الأنظمة السياسية الأقل ديمقراطية.

2- خطاب مهموس: يوصل رسالة الاستخضاع مقابل رفع المتملِّق إلى مكانة أعلى. وكأن المتملق يجر بنفسه عربة التودد إلى منتهاها وبكل أساليب ممكنة وغير ممكنة. وهي قابليته للاستعمال مبدياً جميع البوادر لذلك.

3- خطاب مطموس: يهيل التراب على مواقف العقلانية ويشطب إنسانية الإنسان ومفاهيم الدولة والسياسة والحرية. وقد يورط أكثر الأفكار تبصراً فيما تحذر منه كما سنجد ذلك عند ابن خلدون.

4- خطاب مدروس: له آلياته وإيماءاته وصوره الاستعارية والبلاغية، بلاغة الموقف وخطف الصورة واللعب على المتناقضات. ولعل المتملق له قدرة غريزية على التلون والتكيف مع الأوضاع مثل الكائنات الحيوانية التي تأخذ ألوان الوسط الذي يوجد فيه.

5- خطاب مهووس: أي الهوس بالسلطة لدى الطفيليين، الفاقد الذي يسعون لتعويضه ولو كان مقايضة للذات والحقيقة. هو رغبة في أخذ خطوة تسبق الناس العاديين، وكأنهم يقولون ليتنا كنا في هذه المكانة.

6- خطاب مدسوس: فقد يكون دساً للكذب في الوقائع، دس السم في العسل لأجل المآرب. وطبعاً هناك قدرة للمتملق على مزج الكلام والحركات بما يستميل الآخر، يوصل إليه إحساساً بكونه تحت التصرف وقتما شاء.

7- معكوس: أي يعكس نوعاً من القهر المقبول، تطوعاً من المتملق إلى سيده، على طريقة جدل العبد والسيد عند هيجل، ليمثل بذلاً من العبد إلى السيد بطريقة ترسخ العلاقة وتعين العلاقات. وهو كذلك التطلع لممارسة التسلط بطريقة مقلوبة، أي يردد المتملق ما يُمارس عليه من إقصاء في إذلال الآخرين الأقل منه والمتشوفين لمكانته.

إذن.. هل التملُّق ممارسةٌ قابلةٌ للتبرير؟ كيف يُبرَّر في مستواه الثقافي الأبعد؟ لماذا لا يُوجد بمسماه وشعاراته؟ لعل خطاب التبرير- إنْ وجد- لا يقذف أهدافه عياناً. فنظراً للنبرات الاخلاقية وراء المسألة، يأتي التبرير ملتوياً في خضم معطيات ثقافية أخرى. وربما يتعلق الأمر بأكثر المسائل حيويةً كالدين والبنية الاجتماعية والتواصل والعلاقة بالآخر. لكن الوضع المختلف أنَّه يشغل حيزاً من هواجس النصوص ويحدد بعض فضاءات التفكير السياسي اللاهوتي، ويتطفل على مائدة الخطاب ليسرق تأويلاً لكيفية الاعتقاد والايمان والعيش في الواقع.

التراتب والتملُّق

كان وضع " التراتب والتملق" إزاء السلطة مشكلة ثقافية تورَّط فيها ابن خلدون. وهو – من زاويته - نموذج لمثقف يؤكد نصُه(انتاجُه - خطابُه) على معانٍ أخرى خلافاً لما يقول. أي أنَّ نص المقدمة سيجسد تناقضات ومفارقات لا حل لها. ليرسم محيطاً مغايراً لأفكارٍ وحيل تحكم قناعات المؤلف وقضاياه. وقد تبدو الكتابة التاريخية لدي ابن خلدون حيادية، لكنها تستحضر داخل انطوائها الثقافي منطق الطرح ورؤاه. والطرح ينتمي إلى بنية العرض وصلب الموضوعات والآراء قيد الشرح. لدرجة أنَّ عبوراً لنقاط شائكة (مثل: الأحداث- المقولات – الآيات القرآنية- الشخصيات) يبرز خريطة غير متوقعة من الأبعاد والعلاقات الخفية. ولئن كان ذلك منطبقاً على شيء، فإنَّه يجري بالمقام الأول على " نص المقدمة " التي لاقت رواجاً كبيراً.

طبعاً ليس ذلك صراحةً بالنسبة إليها رغم أنَّ الأفكار واردة، لكن الأكثر إدهاشاً أنَّ " نص المقدمة" لابن خلدون يراوغ في تخييله وهوامشه مع احتمالات القراءة. لو اعتبرنا المقدمة ترسم صور الواقع في عبارات كلية، فعملية التأريخ واللغة والبلاغة ومن ثمَّ الصياغة أشياء توقعها في احراج منطقي. لأنّ تحليلاً خلدونياً للتراتب السياسي والاجتماعي تحكمه نزعات محافظة ودونية تحت أقدام السلطة الغالبة. بل هناك أطياف أخرى(معان – إشارات- علامات - رموز) مقصودة في هذا الاتجاه وتؤكد ابقاء الأوضاع السائدة كما هي.

وهو ما يعطي السلطة امتيازاً ثقافياً زائد غلبتها(فالناس على دين ملوكهم). وتصب الزيادة في حمل القهر على الرحب والسعة مع تبرئة الفاعل دون تبعاتٍ. والدين يعني طرائقهم في الحياة والخضوع لممارساتها وتدجينها للوعي. إن " السلطة تأتي في غطاء الدين والدين في إهاب السلطة "... هذا التبادل بمثابة العرق الممتد داخل بنية التاريخ العربي الاسلامي بأدق تفاصيله. لم يكن هناك شيءٌ بعد تفتيته وتذريته وغربلته سوى تلك العلاقة المراوغة إلى أبعد حدٍّ.

الدولة في الذهنية العربية هي التشكيل الفوضوي الخادع والمقامر إمام من يريد – مجرد إرادة - الفهم والتحليل. سيراها إنْ أفلَّح كائناً لا يفتأ التقلب والتحول من لحظةٍ إلى تاليةٍ. ولن يجد شيئاً ذا بال، إنَّما كتلة هلامية وضبابية لها ألوف الرؤوس وملايين الأنياب. كلما قُطعت رأسٌ(فساد / تملق/ ديكتاتورية/ قمع/ تزوير) نبتت رؤوس غيرها بلا نهاية. هذا حال مفاهيم الدولة العربية وحفرياتها داخل كيان عصبي جسمي اسمه السلطة. فالأخيرة لا تميز نفسها في اشكال مؤقتة وفاصلة من الحكم. إنَّها تتوحد بكيان الدولة والمجتمع بحيث إذا اهتزت كانت الدولة ومجتمعها في مهب الريح. ولا تتوانى عن التغلغل في التربة الحية لمعطيات التراث والتشكيل البشري للمجتمع.

وإذا كانت ثمة فكرة وراء مصطلحات ابن خلدون " العصبية والتوحش والغلبة" التي تعكس أيَّ نمط من البشر هم العرب، فالسلطة كتلة عضوية بالمقام الأول. انسجة وخلايا حيوية لها عيون ووجوه كالحة وأرجل وحوافر وأظافر وجسم ضبابي وأنف بحجم العالم وأذن هي كل الثقافة الشائعة وأيد باطشة بثقل الموت ورهبته وناهيك عن عقل أنملة يحرك جميع كيانها الغامض والمترهل... بحيث يأتينا مرة واحدة وبكل قسوة فاصلاً بين الحياة والموت، الضوء والظلام، الخير والشر.

يستحيل التعامل ضمن الثقافة العربية مع السلطة بمفاهيم وصور مغايرة. لأن دجالي السلطة مع تواترها تاريخياً لم يتركوها مجردة ولا جمالية ولا فنية ولا رومانسية ولا مثالية، إنما كل ذلك مضغوطاً في بنية بيولوجية تراقب الواقع عن كثب وتقتحمه بعنف ليلاً ونهاراً. ليس خافياً التعبير الجاري:" الحيطان لها ودان"، أي أنَّ هناك من يراقب ويتنصت... فلا تقل شيئاً يذهب بنا بعيداً. فالسلطة هي خوف خرافي هولي له طبيعة الأذن في الالتصاق حتى بهواجس الإنسان وخواطره. بحيث إذا وردت إحداها بباله، بخياله، فهذا الكائن(الخرافي) قادر على التقاطها. والسلطة بهذا مرادفة للرعب(نُصرت بالرعب مسيرة شهر كما ورد بأحد الأحاديث النبوية) وهذا يفسر أية مخاوف كانت تلقيها وكيف تردد الثقافة العربية أصداءها. فلا معالم بارزة للسلطة في شكل بورتريه شخصي، لكنها دفقة، صدمة، ضربة حضورية قاهرة.. هل ثمة مجتمع عربي حدد ماهية السلطة بالنسبة إليه؟ هل اختار حكامه وكيفية الحكم الذي يخضع له؟!

هنا لم تساءل مقدمة ابن خلدون السلطة وأصول التراتب مكتفيةً بنتائج تشغيلها في الواقع. سلمت بتتابع تجلياتها كضرب من الظواهر المسلم بها. وليس ذلك صحيحاً أو خاطئا لكن الوصف والإخبار جرَّ القارئ إلى شفاهية مرتبطة بالحياة وكأنَّها انتهب في غير رجعة. الحياة التي تحتاج إلى تحديد جذورها لماذا كان العرب يتصرفون بتلك الطريقة على نحو سلطوي؟ ولماذا ظل التحديد لمن هم بالأعلى ولمن هم بالأسفل في سلم النظام الاجتماعي؟ وهل ذلك سيلوِّى عنق الحقائق ويغيبها تحت نير السلطة وأنماطها؟!

التناقض الخفي

إنَّ نص المقدمة كجزء من عنوان " ديوان المبدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر". ينفتح على عوالم متناقضة ومتباينة اقعدت صاحبها في هذا الاطار. ولعل الديوان كمستوى ثقافي شامل لا يخلو من أفكار متنازعة ليس من السهل احتواءها. وإذا كان الديوان مرتبطاً بالشعر في التراث العربي، فالأشعار لغة خالقة لكائناتها المتنوعة والتي لا يسئل عن انطوائها الشاعر أو انبساطها (اتساعها). أما إذا انتقل الاسم إلى مجال الثقافة، فالمسألة تغدو عصية على الاتساق بسهولة. لأن اللغة - كأداة رئيسة للمثقف كما كانت للشاعر – لن تواصل معطاها الجاهز بكم الدلالات التي يحشدها ابن خلدون ككاتب وكمؤرخ هذه المرة. ولاسيما أن المقدمة ليست اخباراً فقط، هناك تيمة سردية تكاد تستغرق تفاصيل الأحداث كرواية تاريخية. وهناك صناعة للصور والمعاني حول الموضوعات. ولا يتم ذلك في فراغ إنما يصاحبها تأليف للخيال الديني ومصير العباد ومآل الدنيا والآخرة.

وهذا الشكل التأليفي الذي وضعه ابن خلدون كان أقرب الأشكال إلى المعتقدات الجارية. ومع غلبة الآراء والخطابات الدينية كانت انماط التفكير والتبريرات لابد من مرورها على هذا الصعيد لتدخل آمنة إلى ذهنية القراء. فالمبتدأ والخبر ليسا مقولتين نحويتين فقط، لكنهما إضافة إلى البئر النحوي لهما يدلان على صورة المنشأ والمآل بما فيهما من مياه لاهوتية. فالمصير، أي النزوع الاسكاتولوجي (الأخروي) يكاد ينتشر في تفاصيل كتابة ابن خلدون. وهو ما يوازي حركة العالم وتقلب الأقدار والأحداث بناء على لاهوت الخلق وتقليب مصائر الناس والملوك والمجتمعات.

ودوماً الذهنية السردية ذات طابع دائري، ما يفهمه القارئ في بدايتها يُستعاد مرة ثانية في نهايتها. ويمكن اتيانه من أية نهاية أو من أية بداية شاء (على طريقة أينما تولوا وجوهكم فثمَّ وجه الله). فلا تدع القارئ متحرراً من قبضة التكرار والتأكيد على المسلمات. وكأنَّ ابن خلدون يدخل تصورات الواقع دورات من التأكيد بواسطة الفرضيات المسبقة والقناعات والأهواء والغرائز التي تحكم طرائق التفكير العام.

غالباً يخلط ابن خلدون بين تصورات اجتماعية ولاهوتية ودنيوية وأخروية كالثواب والعقاب والنعيم والعذاب والعبرة والنظر والخير والشر والقدر والفعل. وجميعها تمتحن في سياق التاريخ الذي يغير طبيعة المجتمعات وقوتها. غير أنها تفعل فعلها في تعطيل انفتاح النص الخلدوني على أفاق إنسانية أرحب. إن ثمة تعاضدا بين ثقافة شائعة ممزوجة بالمعتقدات الدينية وتكريس الأوضاع الآسنة في مجتمعات العرب. فالدين الشعبي المعتمد على التواكل وضياع الانتاج وتقديس الحكام هو التربة الخصبة لنشوء الديكتاتوريات ورموز الفساد والحكم الشمولي.

إنَّ ذهنية الاحتيال قد تغرق المثقف دون وعي. لأنه عندما يطرح القضية هو يغالب التصورات الدارجة الآسنة واضعاً إياها تحت التبرير. حتى غدا الكلام والشرح هما الخطاب المبطن لتأثير المعاني على المتلقي. وابن خلدون لا يدعم ذلك فقط بل يكتب خطابين في الوقت نفسه يلتقيان عند تلك النقطة.

الخطاب الأول: خطاب الوصف التاريخي (ملموس+ مطموس) ... ويدرج فيه مسألة الكسب بالتملق والخضوع من خلال عرض المعطيات المتاحة. والوصف يبرز جوانب المسألة وتجليات السلطة مثل تحريك الكلام الديني في اتجاهها مقرراً ماذا تريد.

الخطاب الثاني: خطاب التبرير (مدروس)... وهو الخاص بتأكيد الوصف. وهو يعتمد الموروثات الدينية والشعرية في تعضيد المعاني والقضايا. ولا يغيب عن القارئ مدى الارتباط الوثيق بين الاثنين كما ذكرنا. فالخطاب التبريري يطفح على سواه ويفيض ملتقياً مع نمط الحُكم الغالب.

هاتان الخطابات يلتويان على بعضهما البعض ، أحدهما يقول إليك الواقع كما هو من خلال التاريخ ، بينما يردد الأخير أنه لا مفر واقعاً في أحابيل ما يحذرنا منه، وينقلب الاثنان إلى نوع من التبرير الخلفي لقضايا بعينها.

دليل ذلك أنَّ ابن خلدون يعيد ترسيب فكرة " التكسب بالجاه" في تربة النظام الاجتماعي اللاهوتي مرة أخرى: " .... إنَّ الجاه متوزع بين الناس ومترتب فيهم طبقة بعد طبقة ينتهي في العلو إلى الملوك الذين ليس فوقهم يد عالية. وفي السَّفَل إلى من لا يملك ضراً ولا نفعاً بين أبناء جنسه وبين ذلك طبقات متعددة حكمة الله في خلقه بما ينتظم معاشهم وتتيسر مصالحهم ويتم بقاؤهم..." (ابن خلدون، المقدمة، ص 489).

الفقرة تأتي لتحديد الجاه بقدرة ميتافيزيقية غامضة. بالرغم من ذكر أنَّ هناك تملقاً وخضوعاً وسلطة. وكأنه يغسل أيدي الأخير في لعب أدوارها المركزية، فالتوزيع لم يكشف أية أنامل ملموسة تحرك تلبك الخيوط. فالناس يتحركون بأثر قوى خفية، هناك من هم بالأعلى وآخرون بالأسفل دون أنَّ نعلم لماذا التمييز أصلاً؟ وكيف وجد هذا التمييز؟ وهل سيستمر التنافر بين الجانبين علماً بأنه يتحدث عن الجاه؟

والعبارة بالنسبة لمن هم بالأسفل:" لا يملكون ضراً ولا نفعاً"، أي هم مهملون، مهمشون ولا وزن لهم. وطالما كانت الحياة هي الضرر والنفع، فالمعنى وراءها هو لعبة السلطة. لأنها هي ما تضر وتنفع على غرار الاقدار الإلهية. وبالتالي فالحاكم يأخذ مرتبة الإله الذي يقدِّر مصائر العباد والمواطنين. والمواطنة مكانة دنيوية مدنية لا يملكها الإنسان القدري بهذا المدلول. لأن ترف الآلهة إلى البشر ليس إلاَّ حجباً للضرر بأحسن الأحوال. ولهذا فالوضع الأفضل أنْ يظل هنالك أناس دوماً في " السَّفَل". وليتركوا سواهم بحالة شريطة ألا يغضبوا ولا يتمردوا على أوضاعهم.

- هذا التقسيم أخلاقي بالدرجة الأولى، نتيجة اعتماده سياسياً واجتماعياً. فهناك نقول في الدرك الأسفل من الحياة. وهي المواقع المقررة من قبل طبقة عُليا تحرص على إقصاء أطرافها الأدنى بمقدار ما تزداد علواً. ويبلور برنامجاً سلوكياً في حياة الناس اليومية. فالأسفلون لهم حيواتهم وأساليبهم على حين يمتنع الأعلون عنهم ولا يتواصلون معهم إلاَّ بمقدار استعمالهم لأغراض الاجتماع.

- هناك شفافية في توزيع الجاه بين الناس من وجهة نظر ابن خلدون. لكنه ينسى أنه بذلك ينزع مفعول الرواسب السلطوية. ويغسل أيدي الحكام من المسألة. وفي الوقت ذاته يزيف الوعي، بسبب أن التوزيع واقعياً تتولاه الدولة وتحرص عليه أيما حرص. بدليل أن التراتب لا يتم في خلاء العالم، بل داخل تنظيم سياسي بعينه.

- وضع الله عند مفترق القسمة بين الوضعاء والكبراء هو وضع ميتافيزيقي تبريري. بحيث يمثل هذا نصاً غائراً يمنع التدخل في الشأن الإلهي وبالتالي في الشأن البشري. كما أن اغفال التمرد على الوضع القائم هو نزعة سلفية ماضوية لا ترى فيما هو حاصل سوى العدل الإلهي. وهو حسم لمسألة الانحياز إلى غلبة السلطة وإطلاق أيدي الملوك للبطش بالرعية ودفع ثمن كل تملق مقدماً واخلاء ساحة المنبطحين حتى الأعناق في الأوحال السياسية.....!!

- يقر ابن خلدون بطبقية المجتمع وهي صناعة لاهوتية سياسية. وهو اقرار تاريخي لا محل له من النقد ابتداء. لأنه بهذا التكوين لن ينتهي في الدنيا بأيدي الناس. فالإله يؤجل ذلك كتصريف لأحوال العباد أفعالاً وأعمالاً حتى يكون للآخرة وضع نهائي يحقق ثنائية الثواب والعقاب، الجنة والنار. وهذا جزء من سيناريو العمل السياسي أيضاً. فالحكام الطغاة يمارسون عقاباً وظلماً بمنطق الآخرة لأنهم يعتقدون كونهم مشاركين في إقامة موازين الدنيا. كان أبو جعفر المنصور يتحدث إلى رعيته: إنما إنا عقاب الله إليكم فتضرعوا إلى الله كي يرفع عقابه وعذابه. فإذا كنت نافذا فهذا عدل الله وإن كنت غير ذلك فتلك حكمته الباقية إلى يوم الدين(القيامة)". كيف سيغير البشر هذا الحال؟ إنه يبرر نفسه بنفسه مهما أتى من أفعال مزرية؟

- ابن خلدون بالمعنى السالف يكتب لا هوتاً للتاريخ العربي. وعن عمد يدس في الخميرة الإنسانية خميرة الهية حتى وإن كانت من مقتضيات الإيمان الديني. وبذلك هناك سردية منجزة سلفاً كما ستكون أخرة منتظرة من بعد. لكن الأخطر أنَّ السردية تقف في جانب الملوك والسلاطين. تقول ليكن كل شخص في مكانه، لأنه مجرد دور فارغ بكل ملابساته لجوهر أصلي هو التخطيط الميتافيزيقي.

- طالما أنَّ هناك خطة كونية، فإنَّ ظلالها الاجتماعية مستحيلة التغيير. بل البشر وأوضاعهم أشباح على حاشية الكتابة الكونية. ولا بد أن نشطب الأخيرة(اللوح المحفوظ) حتى نغير الأولى... هذا هو المضمون النهائي في فقرة ابن خلدون.

- في هذه الحكمة تقع مصالح العباد ويتيسر معاشهم.. هناك قهر، استبداد وتسلط... لكن لا ضير ففي المأساة تكمن المنجاة والمناجاة. أي ينفتح باب الخلاص والتطلع إلى مسبب الأسباب بالدعاء والعبادة. لكن هل يسري هذا التطلع الميتافيزيقي على الحاكم والمحكوم معاً؟ بالطبع كلا، لأن الحاكم (ولو كان مستبداً.. ومتسلطا)، فهو ولي الأمر. إنه مفتاح السعادة أو التعاسة للرعية!! أيضاً واصل أبو جعفر المنصور القول: " إنما أنا ظل الله في أرضه، أنما أنا قفل أدعوا الله أن يفتحني إليكم ...".

- الأغرب أنَّ صريح العبارات الخلدونية تؤكد رغم ذلك أنه: ليس فوق يد الحاكم أية يد عالية. ذلك في نوع من الوثنية السياسية البائسة. وكأنَّ نظام التراتب يحمل سماءه وإلهه فوق أكتافه. وتباعاً يحدد ميتافيزيقاه الخاصة كما هو. وليس ابن خلدون إلا رجل مهار في صياغة الأوثان الرمزية وتغليط العنف لمن يهرب من ذلك. فاللعنة ستلاحق من يشذ عن القاعدة.

حركة خاطفة

بحركة خاطفة يكمل ابن خلدون صورة التراتب وضرورته الممتدة:"... لأنَّ النوع الإنساني لا يتم وجوده وبقاؤه إلاَّ بالتعاون بين أبنائه على مصالحهم. لأنه قد تقرر أن الواحد منهم لا يتم وجوده وإنَّه وإنْ ندر ذلك في صورة مفروضة لا يصح بقاؤه..."(ابن خلدون، المقدمة، ص 389).

وخطف الوعي هنا يتم بتجريد المجتمع المقهور من لباسة في شكل النوع الإنساني. فكما أنَّ غايته تقع هنالك في ميتافيزيقاه غير المحددة، فالأصول البشرية تحمل التراتب وتؤكده على نحو عارٍ. وابن خلدون يلجأ إلى " دارونية مبكرة"، لكنها سياسية وخادمة للسلطان. فليست القضية ما إذا كان المقهور عربياً أم لا، إسلامياً أم لا، فالنوع الإنساني برمته مرهون بهذا الوضع. وتجريد البقاء من أرديته يقتضي القول بأنه تعاون وتعايش ليس أكثر.

لكن أي تعاون إذا كانت السياق يتحدث عن الكسب والخضوع؟ وأي تعاون إذا كان التراتب يقصي من هم بالأسفل ليرتفع من هم بالأعلى داخل مجتمعات مستبدة؟

خطورة تلك الصياغة أنها تعتمد بلاغة الخطاب الديماجوجي لإقناع الدهماء. هؤلاء الذين هم وقود التسلط والقمع بجميع الأحوال. فكأنَّه يقول لكي نقبل السلطة فلابد أن هناك تعاوناً، وليس التعاون احتكارا للمجال العام كما تظنون. إنه جزء من وجود الواحد من أفراد النوع. بل هو شرط لوجوده ابتداء. وحتى لو تصورنا وجوده مفروضاً، فلن يصح إلا بالتعاون والاشتراك في قضاء الأمور. إذن الوجود على هذه الشاكلة يساوي الحياة وانعدامه يساوي الفناء.

لكن خطاب ابن خلدون يحمل نوعاً من التهديد كذلك. وبخاصة إذا فهمنا المسألة بالعكس. فلئن كان هناك شيء يُعتبر شرطاً لوجود الكائن ولاستمرار حياته، وهذا الشيء هو التراتب وأصل الشرور ، فبإمكان من هم بالأعلى فيه أن يهددوا (يؤصلوا- يواصلوا- يرسخوا – يتلاعبوا- يفرزوا....) البقاء المبدئي لمن هم بالأدنى. إذن العلاقة (التعاون) تنقلب باحتمالات أساسية إلى علاقة سلطة (قاهر ومقهور) حتى تؤكد بديهيات العيش المشترك. وبخاصة أننا نتكلم ضمن علاقات غالب ومغلوب. فالوضع لو استعاد ألبسته الاجتماعية سيكون المشهد واضحاً وستظهر الشخوص على المسرح من دم ولحم.

وابن خلدون كصانع الأزياء الثقافية والاجتماعية يجرد الناس منها ويلبسهم إياها كي يروج للسلطة ( مهنة اللبيس في المسرح والسينما) . ويترك العبارات تقود القارئ إلى هذه النتيجة المحتومة. فالمفروض أننا إذا رجعنا إلى جدار النوع الإنساني فلا تفرقة ولا تمايز أما وقد سرنا في طرق سلطوية فلابد من أقنعة دينية وتاريخية لإخفاء هذا البعد ولا مانع من اللجوء إليه للتبرير في نهاية المطاف. وتلك حلقة ضعيفة جداً في سياسات أي خطاب ثقافي أو معرفي.

ولكيلا ينكشف الاحتيال الخلدوني، ينقلنا النص إلى ضرورة التعاون، حتى لا يكون نافلة بلغة الفقهاء"... ثم إنَّ التعاون لا يحصل إلاَّ بالإكراه عليه لجهلهم في الأكثر بمصالح النوع ولما جعل لهم من الاختيار وأن أفعالهم إنما تصدر بالفكر والروية لا بالطبع. وقد يمتنع من المعاونة فيتعين حمله عليها فلابد من حامل يكره أبناء النوع على مصالحهم لتتم الحكمة الإلهية في بقاء هذا النوع. وهذا معنى قوله تعالى " ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ورحمة ربك خير مما يجمعون" (المرجع السابق، ص 489).

لنلاحظ هذا التسلل إلى" لاوعي القارئ" الذي يحرزه ابن خلدون. هو يكسب أرضاً بعد المعركة الخطابية السابقة. فبعدما اعتبر التعاون هو الشرط الوجودي الثاني لوجود النوع الإنساني الأول، يأخذ خطوة استباقية حتى لا يفيق القارئ. حيث يأتي بمعان إيجابية مسنودة إلى وضع سلبي. كأنه ينبغي للناس أن يتحملوا السلطة(القمع- التراتب - التملق) من أجل أن الخير الذي وراءها أكبر. على طريقة أن الشر الجزئي هو كذلك لحكمة عظمى لا يعلمها إلا أولو النهى كما يردد الفقهاء ورجال الدين.

المؤرخ والفقيه

وفي هذا الوضع، يرتدي ابن خلدون زي الفقهاء صراحة ويتعامل مع التاريخ كأنه حالة صبيانية نزقة يروضها ويهذبها من أجل الاستماع لأوامر السلطة والامتثال لها. وليس التاريخ هكذا طفولياً فقط، بل المجتمع ككل مجرد صبيان حول طاولة الحياة المغلوب على أمرها بدءاً من السياسة وانتهاء بمصالح الناس والتعايش بينهم. وتبدو المقايضة صفقة تاريخية: التنازل عن الحرية والقبول بالإكراه من أجل التعاون!! والصفعات تتوالى كم يلطم طفلا على وجهه ويدس بين أصابعه قطعة من الشكولاته ليكفكف دموعه ويرضى بالأمر الواقع!!

ومن يعارض ذلك – برأي ابن خلون- لا يعلم شيئاً، فالنوع الإنساني محاط بالجهل والجاهلية إلى أبعد مدى. وهي نفس عبارة سيد قطب في كتابه معالم في الطريق. فالبشرية جاهلة وضالة، لا تدري أين مصالحها ولا كيف تدير مصيرها نحو الحقائق الإلهية. لكن ابن خلدون يزجي تجارة الفكر بتجارة الجهل جنباً إلى جنب. فالفكر والتروي أصبحا عربونا لقبول الأوضاع السائدة. وذلك جاء كنوع من التملق الأكبر: أن يبتاع الإنسان روحه وإدراكه وعقله لصالح تحصيل تعاون لا يتم إلاَّ بالإكراه. وهنا سيكتشف هذا الإنسان البائس أن السلطة تتخفى في التفاصيل كما يندس الشيطان في المساحة ذاتها.

وابن خلدون يؤكد قضية مهمة في الثقافة العربية أنَّ تبرير الخطاب وسياساته يكون عادة لصالح الأقوى والأعنف. فنحن نقول للمقهور " اسمع لأصحاب الأمر والنهي، وإذا كان لديك عقل لا تتهور بأفعال حمقاء تجر عليك المصائب.. ولتلجأ إلى التفكير في الأسوأ إن فعلت ما يغضبهم". العبارة الدارجة (اللي عقله في راسه يعرف خلاصه) تنقل تلك البصمات المطموسة لعنف السلطة. حتى أنَّ هناك جملة مكملة لمن يفعل ما يؤمر دون مسؤولية:" أنا عبد المأمور".

والمدهش أنَّ العبارة توثق القهر عن عمد دلالي خفي. فاللغة هي أقرب الكائنات الكلية التي لا تضيع البصمات من مسرح الجريمة الثقافية أيا كانت. فإذا كان العقل هو مناط التأمل وإعمال الفكر، فالقضية أنَّ هناك خلاصاً، أي اللجوء إلى الموازنات التي يتم من خلالها اختيار البديل الأقل ضرراً. ولكن من يحدد البدائل ويفرض الاختيار؟ إنها السلطة... إذن ليست المسألة اختياراً وتحرراً، إنما اكراها بطريق أوسع إلى حدٍّ ما. ومن ماذا يكون الخلاص، ولماذا جاءت مفردة الخلاص ما لم يكن ثمة اختيار أعظمه مر؟!

ولكي يسدد ابن خلدون تبعات الفكرة في لا وعي القارئ، يؤكد ضرورة السلطة بحتمية الاكراه على التعاون. وذلك كي تتم الحكمة الإلهية، ذلك دون أن يسأل ما هي الحكمة الإنسانية في هذا كله؟ وهل هناك تلاعب بتلك الحكمة إذا أرجعنا الأزياء الثقافية إلى السلطة؟ أي أنَّ بقاء النوع من عدمه مربوط بالعلة من وجوده. وهذه خطوة ميتافيزيقية ترسخ التراتب وتروج لعمليات الاحتيال السياسي. لأنها تنهض على تزييف عناصر الخلق قبل وبعد الأزياء السياسية. إن ابن خلدون يفصِّل الخطاب الديني على مقاس القهر الاجتماعي ويضيقه حسبما تشاء السلطة وكما تريد.

ليس هذا فقط بل يغلق ابن خلدون الباب وراءه دون أن يسمع لأنين المظلومين خاتماً المشهد بنص قرآني. فحواه كما ورد بالأعلى: أنّ الله هو السبب في رفع الناس فوق بعضهم البعض.. ولا يعنيه– ابن خلدون- أنه قال إن هناك فكراً وتعقلاً واختياراً يميز النوع الإنساني دون سواه. والآية تبرز ما لم يبرزه ابن خلدون وبخاصة أن الأخير يدرك حيل اللغة وهيمنتها في فتح قناعات خادعة مثل: إرادة السلطة من إرادة الله، طاعة ولي الأمر، الرضا بالأوضاع لأنها من أقدار السماء. الصبر مفتاح الفرج، الأجر مهما يكن لا يوفي حق الصابر.

وذلك في خلط وهمي بين السياسة المتغيرة وأحوال الحياة. ومع اغلاق أبواب النصوص يحل الظلام ليغتصب الحاكم سلطة المقدس وليبطش بالرعية دون حدود. والموازاة الضمنية بين قوة السلطان وقوة الله تعطي أملاً في رحمة مشتركة بينهما، لكنها تؤدي بالنهاية إلى نفس النتيجة. وتؤكد أن سلطة الحاكم في الثقافة العربية مطلقة إلى درجة التألُّه. ويغدو التملق لونا من ألوان الدعاء السياسي له من أجل الصفح والغفران.

 

سامي عبد العال

 

 

مجدي ابراهيمأصولُ الثقافة الثوريّة في القرآن (4)

يتضمَّن "الإنذار" الهودي ثورة عظمى كأقوى ما تكون الثورة، إذ يفتح المسافة سانحة لحرية الاعتقاد من جهة، ويقيمها متصلة بآفاق الاستقامة من جهة أخرى، فالحرية على وجه العموم مؤسسة في الإنذار الهودي على الاستقامة، وهذا هو وجه الأهمية كما أنه وجه الخصوصية في ثورة هذا الانذار، فعندما قال هود عليه السلام لقومه: "أعبدوا الله ما لكم من إله غيره"، لم يتوقف "الإنذار" في ثورته هذه عند ذلك الحد، ولكنه أعقبَه بإنذار يؤكده من جنس تلك الثورة المنذرة، غير أنه في مستوى آخر وبمعْلَم آخر يضم البشارة ويضع أمام الأنظار حسن العاقبة.

يا قوم لا أسألكم، فيما أنذر به لكم، لا أسالكم على نعمة الإنذار أجراً؛ لأن أجري لا هو عليكم، بل على الذي فطرني؛ على الله الذي تولاني في أنْ أقدَّم لكم إنذاري هذا، أفلا تعقلون؟! أفلا تكونوا - فضلاً عن كونكم مُفترين - قربين من العقل، فتعتقدون أني أسألكم - حال كوني مُنذراً لكم - أجراً على هذا الإنذار أو على النعمة التي تصادفكم لو أمتثلتم طاعةً لفكرته العقائدية الكبرى؟

 يا قوم! إنْ أردتم أن يُرسل الله السماء عليكم مدراراً، ويزدكم قوة إلى قوتكم؛ فاستغفروا ربكم ثم توبوا إليه، فلئن كانت لكم قوة غشومة هى مدعاة الافتراء لديكم؛ فإنّ القوة التي تضاف إلى قوتكم بعد التوبة والاستغفار إنما هى قوة تتحوّل بها طاقتكم الغشومة إلى قوة أخرى إلهية هي لا تكونن من جنس القوة التي أدت بكم إلى منازل الافتراء، بل ستصير قوة عليا من رافد إلهي عظيم.

وهذا هو موطن الزيادة من القوة المُضافة إلى قوتكم بعد اعتقاد الإيمان، وبعد انشغال الظاهر والباطن بعظمة الاستغفار ثم التوبة الخالصة إلى الله تعالى. وهذا هو موطن الثورة في ذلك الإنذار: أن تتحوّل القوة من جانب سلبي إلى جانب إيجابي يضاده، وأن تتبدل الوجهات والاعتقادات، وأن يصير الكفر إيماناً، والخبيث طيباً، والشر خيراً، وأن يتغير جو الحياة الباطنة تغيراً تاماً كاملاً ليس يدع للنقيضين اجتماعاً .. إمّا حق وإمّا باطل، وإمّا كفر وإمّا إيمان، إمّا شر وإمّا خير، وإمّا صلاح وإمّا ضلال.

هنالك تتنزل الرحمات؛ لترسل السماء مدرارها، وتزيد القوة زيادة مشروطة بالإنابة والرجوع وتحويل القصد والغاية إلى متجه آخر؛ فإرسال السماء مدراراً، وزيادة القوة المضافة أمور مشروطة بالثورة الباطنة وقلب أنماط الحياة وتحقيق التحول اللازم من حال في الحياة إلى حال آخر؛ فالاستغفار في ذاته حركة ثورية لإزالة الواغش الدفين في أعماق الذات، وهو سبب السعادة والمتاع الحسن في هذه الدنيا؛ لأنه سبب مباشر لتحقيق التوازن والانسجام والطمأنينة القلبية، وما من فضل يؤتيه الله لكل ذي فضل إلا والاستغفار شرطه الأول، والاعتذار عن سابق الغفلة دعامته الكبرى. وهذه هى البشارة التي اشتمل علها الإنذار الهودي من حيث كونه نذيراً من الله، وبشيراً. ومن غلبته نفسه - كما في إشارات العارفين - وقع في المعصية التي تغضب الله. وأن الأصل في كل معصية وغفلة وشهوة هو الرضا عن النفس. وأصل كل طاعة ويقظة وعفة؛ عدم الرضا منك عنها، ولأنْ تَصْحَبْ جاهلاً لا يرضى عن نفسه، خيرٌ لك من أن تَصْحَبْ عالماً يرضى عن نفسه، فأي علم لعالم يرضى عن نفسه؛ وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه؟!

ولعلك تلاحظ تكرار قوله: " يا قوم، ويا قوم، يا قوم " ثلاث مرات، وفي كل مرة تنتهي الآية بتعقيب على الحكم بما عساه يدل على الثورة دلالة ظاهرة، مباشرة، ففي المرة الأولى تنتهي الآية بثورة الكلمة بما فيها من وقع قاسي في قوله: "إنْ أنتم إلا مفترون"؛ لأن وجود الافتراء لديهم شائعاً قد صرفهم عن عبادة الله الذي ما لهم من إله غيره؛ ففي هذه الحالة يكون الخطاب، فيما لو أردنا كشف الثورة الداخلية فيه، مُوجّهاً إليهم في لفظة "يا قوم" هذه، تنبيهاً يدل على قوة الإنذار وشدّة تبليغه، ليشمل كل الأبعاد التي جاء ليحققها، ثم تكرار هذه اللفظة مع القوة المنذرة لتوكيد مضمونه، واختلاف صفة الحالة التي عليها القوم في جزء جزء من أجزاء معالم الإنذار الثائر.

في الحالة الأولى؛ يا قوم أنتم مُفترون؛ لأنكم لا تعبدون الله - وما عبدتم الله - الذي ما لكم من إله غيره. وفي الحالة الثانية؛ يا قوم أنت لا تعقلون؛ لأنكم تعتقدون أني أسألكم أجراً عمّا مكنني الله فيه من إنذار إليكم، ولا تعرفون إن أجري إلا على الله الذي فطرني، وهو الذي بعثني إليكم فأمدني بعين الاعتقاد الذي أنذركم؛ إذ أنهاكم عما تفترون به على الله كذباً، فتشركون في دعواكم أن لله شريكاً؛ وهذا هو عين الافتراء كما أنه عين الجهل والغباء، وهو كذلك كل السَّفه الذي يوجبه البعد عن العلم والعقل والقرب من الجهل والعناد. ولتلحظ الثورة في تكرار اللفظة "يا قوم" مع اختلاف الصفة "اللاعقل" في هذه الحالة؛ لتجيء مع الملاحظة تأكيداً على تحول "الإنذار" وتنوّع أهدافه ومراميه؛ ليتخذ وجهاً آخر من معالم التثوير.

ثم تأتي الحالة الثالثة؛ فترى الإنذار يتشكل في مستوى مغاير، بتشكل مراده الثائر في صفة ثالثة مختلفة عن الصفتين السابقتين؛ وهى صفة "التولي المُجرم"؛ في قوله "ولا تتولوا مٌجرمين"، فإنِّ الحرص على الاعراض عن الحق هو إجرام بكل تحقيق. والمُراد من تكييف الثورة هنا تكييفاً يجمع خيوطها المتفرقة الأجزاء في كلية من التصور العقدي عامة، هو مراد التمكين من العبادة المثلى على تحقق معنى العبادة في أسمى مراحلها وأخلص أسرارها : التوبة والاستغفار. هذا تراتب حركي فاعل لم يكن مجرد تكرار وكفى، بل لغرض أسمى وأنبل : حظ المنطقية والقبول فيه أعلى من أية حظوظ  متوهمة تؤدي للتناقض والارتباك.  

قسط النبوة هنا تبليغ، ولكن صفة النبيّ أقدر بعون الله على البلاغ وأصدق تصديّاً لكل ما ينقضه أو يحاول طمس معالم ثورته وهو مدود العون بمدد السماء؛ فاليقين النبوي أدعى إلى إزالة العقبات، وأوفر ثقة وطمأنينة وأرفع مقصداً من أن يتولاه اليأس من التبليغ حتى ولو كان التولي أو كان الإجرام هماً السد المانع من حركة الثورة في إنذار لم يشأ له أن يتكمل ويؤدي الغرض منه. ولا أقلَّ ميراثاً لهذا اليقين النبوي من قدرة الاستبصار وحدة الإدراك، فلو لم يكن يقيناً لما اتخذ من الصمود عوناً وعصمة، ولما صاحبه الاستبصار الكاشف عن شتى المألات.

والتولي والإجرام هما صفة الذين لا يستقبلون الثورة إلا وهم معرضون؛ ففي تلك الحالة الأخيرة من ثورة الإنذار الهودي، ترى تشكل الخطاب بنبوءة العاقبة الحميدة في حالة الثورة بتكرار اللفظ "يا قوم"، وفي حالة اختلاف الصفة عن بقيّة الصفات السابقة في قوله "لا تتولوا مجرمين"، فكأن الإشارة تعطي دلالتها : يا قوم لا تتولوا مجرمين عن استغفار ربكم وعن التوبة إليه، فلئن كان الحرص على الإعراض عن الحق هو تولى وإجرام بكل تأكيد، فإنّ الاستغفار إزالة لكل إجرام، والتوبة الدائمة عقبة أمام التولي وأمام الإعراض.

ويجرى السياق مجراه الثائر المنبّه إلى أن في مثل هذا التولي إجرام غير محمود العواقب، ولا هو ممّا يُرجىَ لقوم أرسل الله لهم نذيراً من عنده، ولكنكم - هكذا يمضي السياق - إنْ استغفرتم ربكم وعاهدتموه على التوبة إليه، وهو شرط النبوءة بمحمدة العاقبة، كانت النتيجة من وراء ذلك أنه سبحانه يرسل السماء عليكم مدراراً غزيراً متتابعاً بلا انقطاع فيه إضرار، وبلا تتابع فيه مضرَّة. ثم إنه لا يكتفي بإرسال السماء عليكم مدراراً بالعناية والحفظ، ولكنه يزدكم قوة من عنده إلى قوتكم إن كنتم تحسبون أنكم أقوياء على الحقيقة، ولو كنتم أقوياء أولي قوة ذاتية، فإن هذه الزيادة المدودة من القوة الإلهية لهي بمثابة الرعاية الحافظة لقوتكم .. أفبعد هذا يمكنكم أن تتولوا مجرمين!

هذا شئ ممّا يتضمنه الإنذار الهودي، فكيف كان استقباله من قومه، رغم ما به من ثورة مشروطة بصلاح العاقبة، كيف كان استقبالهم لهذا الإنذار الثائر؟

 بعض الناس فينا، وبخاصّةِ من ذوى النفوذ، إذا أنت ذكّرته بقوة رب العالمين، قابله باستخفاف شديد، ولم يكتف بذلك بل يدمن السخرية من المقولات الدينية ويأبى منك أن تذكره مجرد تذكرة، هو إعراض وتولي وكفى. حقيقة أنه لأمر شاق على القلوب، عسير على النفوس، وبخاصّة نفوس وجهاء القوم وساداتهم، وقلوب هؤلاء الذين ينظر إليهم الناظر لأجل مكانتهم الاجتماعية بين الناس.

يشق على قلوب هؤلاء المترفين ونفوسهم أن يستقبلوا الثورة التي من شأنها أن تكتسح مكانتهم التي اعتادوا أن يظهروا بها بين عشيرتهم :"وما أرسلنا في قرية من نذيرٍ إلا قال مُتْرَفُوها إنّا بما أرُسلتم به كافرون"(سبأ: 34).

ولماذا المترفون؟ لأنهم الوجهاء والسادة أصحاب السلطان والنفوذ، أصحاب الأمر والنهي، أصحاب الكرامة الصوريّة والسفالة الخلقية، هم القراصنة والأباطرة والطواغيت، هم الآلهة في الأرض، وهم الكبراء الذين لا يطيلهم سهم ولا ينالهم أذى، هم الذين يجرمون ويتولون ولا يريدون أن يُنزَع عنهم السلطان ولا الجاه ولا النفوذ ولا الصولجان، هم الذين يتعرضون لتكذيب الإنذار، ويعرضون عنه، فالثورة عليهم وضدهم أولى وأجدر وأقمن أن تسير سيرها تجاههم متحدية منذرة.

وإنه لشيء طبيعي أن يرفضوا الإنذار الثائر ولا يتمثلون أو يمتثلون منه إلا الصدود والعزوف يجيء منهم تأكيداً للجاجة والرفض ومقاومة الاستسلام بدواعي وأسباب ومبررات تبدو منهم أقوى من قوة الإنذار الثائر نفسه، وأحكم في المناهضة من مجرى التصديق، ولو كان في المناهضة تلف أرواحهم، وطبيعيٌ يتَحَدُّوا ثورته فلا يستجيبوا لها، ولم لم تكن منهم هذه القوة الرافضة مدعاة للتولي المُجرم، ما كان يمكننا أن نطلق عليها صفة "الثورة" من حيث كونها نذيراً أميناً، وما كان يمكننا كذلك وصف القائمين عليها من حيث إنهم يتجسد فيهم، روّادها وقادتها، وحملة مشاعلها، ذلك النور الروحاني الخالد الباقي، بمثل هذا الخلق الذي يندرج في الأصل تحت "أخلاق الثائرين".

"قالوا يا هود : ما جئتنا ببيِّنةٍ، وما نحن بتاركي ألهتنا عن قولك، وما نحن لك بمؤمنين. إنْ نَقولُ إلا أعتراكَ بعض ألهتنا بسوء".

لاحظ قوة رد الفعل وهى ولا شك من نفس القوة التي جاءت بها قوة الإنذار الثائر، حتى إذا ما كانت الثورة فيه فياضة بالقوة جاء رد الفعل يتناسب مع قوتها تناسباً عكسياً، لكن الفرق كبير جداً بين قوة الحق إذ كانت ثورة، وقوة الباطل إذ كانت رفضاً ومكابرة، تظهر في رد الفعل وهو مغلف بالسخرية.

فلم يكن هنالك تمهل منهم ولم يكن هناك انتظار، بل كانت المكيدة وكان التبريء ممّا يشركون تبرءً توكل فيه منذرهم على الله ربّه وربهم الذي كانوا به يشركون. وها هم قد اتّصفوا بالجحود، جحود آيات الله، واتصفوا كذلك بعصيان الرسل واتباع أمر كل جبار عنيد، ولكنهم لم يتركوا، بل كان الإمهال من الحق تعالى إبعاداً فيه لعنة، حين أُتبعوا في هذه الحياة الدنيا لعنة، وفي يوم القيامة ألا بعداً لعادٍ قوم هود.

إنَّ الصورة التي يرسمها القرآن لثورة الإنذار الهودي لهي من أجل وأعظم الصور الباقية التي تحققها ثورات العارفين، والجهاد فيها من أشرف مراقي الجهاد بالنفس الأبية والقدرة الزكية والعون المدود وهو لا شك جهاد الأنبياء، وجهاد مَنْ والاهم واستن بسننهم إلى يوم الدين، فالصورة الثورية باقية في الأنفس وفي الآفاق لم تزل محفوظة لا في ذاكرة الوعي بمفردات القول الإلهي فحسب، ولكن بالإضافة إلى ذلك تضيء جوانب الطريق، وتظل محفوظة على وجه الزمان الذي تقام عليه ثورات الفاعلين، ومن ورائها ثورة القرآن في التغيير والإصلاح.

فالإنذار الهودي يؤكد قوته الثورية في ذاته أولاً، ثم تجيء الصورة المرسومة له بهذا النموذج الفعال في عالم الواقع حافلة بالأسس التي تخرق حجب الزمان والمكان : قوم آمنوا به، فكان أن نجّاهم الله معه بإيمانهم، وقوم نكروه وطلبوا الإعجاز فما تركوا آلهتهم وما آمنوا به وقالوا : لا نقول إلا أن أصابك الخبل والجنون! فلا تنطفئ شعلة الإنذار بهذه الواقعة أو فيما بعدها، بل تستمر وتوقد وتستنير، فنَفَسُ الباطل إزاء الحق قصير.

غير أن هذه الشعلة المتوقدة المستنيرة تمضي معنا؛ لتعبِّر عن ثورة البلاغ القرآني كله ممثلاً في هذا الإنذار الثائر وفي غيره من إنذارات الرسل الأكرمين.

هنالك قوم سبق لهم أن توجهت إليهم إنذارات كثيرة من رسل كثيرين؛ فإن لم تكن لكم عبرة التفهم لهذه الثورة : شأنها الحاكم وأفقها الواسع، من نفوسكم وضمائركم .. ما مفادها وما دلالتها؟ وكيف يترائى لكم واقعها فيكم؟ وماذا عساه يكون استخدامكم لها في واقع حاله أشبه بمثل هذا الواقع المتردي وهو واقع ستعيشونه في مستقبل الأيام وسيحتاج بالفعل إلى روح الثورة لتطهيره وتنقيته من عوامل الجمود والكنود والفساد؟! وهل اعتبرتموها أم لم يكن لديكم اعتبار فيما يتصل بها من معادن الفهم والاستيحاء .. فما يصح اللوم من بعدُ إلا على العقول التي لا تدرك، وإلا على القلوب التي لا تعقل، وإلا على الآذان التي لا تسمع كلمات الحق ولا تعي ذاكرة القرآن وهى مفعمة بثورات التغيير :"أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم؛ إن في ذلك لآيات لأولي النهى" (طه : 128) :" أوَ لمْ يهدى لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم؛ إن في ذلك لآيات؛ أفلا يسمعون؟!" (السجدة: 26).

الثورة الروحيّة .. ذاتيّة في القرآن وخاصّة :

يلخص القرآن، بقص القصص الوارد بين صفحاته المباركة، جهود البشرية في كفاحها المتصل وفي سيرها الحثيث المتوازن من أجل تحرير الروح الإنساني وخلاصه من التعلق الواصب بالطينة الأرضية. ولم يكن ميراث النبوة في أصل عنصره الرفيع سوى هذا الجهاد الدائم المتصل في الحق، ومن أجل التماس ذلك النور الروحاني من مظانه الرئيسية وأشعته الباقية، واستمداد أسبابه ووسائله. ولم يكن خلوص العبرة إلا علامات يدركها أولو النهى، غير أنها تتفوّت على أصحاب الشواغل الدونيّة، الأرضيّة، في حين يدرك حكمتها وحكمها أصحاب العقول والأرواح، ويخفق في إدراكها لا محالة من شغلته الأوهام والأشباح.

على أن ثورة الروح بكل تأكيد علامة ارتقاء العقل وارتقاء الفكر وارتقاء القلب والضمير، ودلالة التمسك الواصب بقوانين الملأ الأعلى، لأنها ثورة من عند الحق بإزاء الباطل، مقصودة. والجهاد في سبيلها هداية إلى الحق من أقرب طريق:" والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبُلُنَا". لكن ثورة الباطل في المقابل مهما طالت واستطالت فهى في نهاية المطاف تنعكس بالسلب على أصحابها، ولم تكن مسائل المصير الإنساني برمتها إلا الصدى المباشر لذلك الانعكاس.

الثورة بهذه المعالم في أجلى مظاهرها خاصَّة قرآنية، ذاتية هى، ولا جرم في وجودها ضمن الخواص الذاتية للقرآن، ومن أهم معالمها الاستقامة المقرونة بالتحدي: تحدي الباطل، وتحدي الشر، وتحدي الآفات والرذائل، وتحدي الضعف والخنوع والتكاسل والتقليد. وما أكرم الصلة الوثقى بين الاستقامة على الأمر الإلهي والحرية الحقيقية ..  ما أكرمها!           

فالاستقامة تعتمد على مضمون ديني، تستند إليه وتأخذ منه وتعطي صاحبها على أساسه، أي تعتمد على الكتاب الكريم وسنة رسول الله، صلوات الله عليه، فيما خاطبه الحق تعالى واسْتقم كما أُمِرْتَ؛ وهذا عندي هو ما يميّز الثورة في القرآن كونها خاصة ذاتية دالة عليه. ويتأسس مبدأ الحرية على تحرير الإنسان عن كل نوازع الشر والحيوانيّة واتصاله بمصادر الإلهيّة فيه، فلن يكون إنساناً، وهو يُعطي الفرصة سانحة للأغيار أن يدفنوه حيّاً بين صراعاتهم ومكاسبهم ودحرهم للقيم الإنسانية العاملة، أو لنزوع حيواني يفعل فيه هو نفسه الأفاعيل، ويُرْديه صريعاً مع الأهواء القاتلة تغالبه ويغالبها؛ فلا ينتصر عليها إلا بمقدار ما لديه في الغالب من حكمة : إخلاص المرء لعقله، وبذله الجهد للتفكير بنفسه، هنالك تتجلى قيم الحرية في أعلى مستوياتها، إنها (أي الحريّة) ازدهار العقل في أنفسنا، وهى أيضاً تربية وإصلاح لغيرنا؛ لأن الحريّة الشخصية لا تنفصل عن حرية الغير؛ فكما تطالب بالحرية لنفسك، فليس من حقك أن تجور على حرية الآخرين، أو تقلل من شأن هذه الحريّة لهم، وبما أن للحرية متنفّساً عاماً وإنسانيّاً، فالعبيد وحدهم هم من يضيّقونها ويذلّون الإنسان بحرمانه منها.

في سبيل الحرية إذن؛ ذلك اللحن الشّجي النّدي؛ بذل الباذلون وسعهم وأكثر؛ لمعرفة سرّ الإنسان، ولا يزال أمام الإنسان شوط واسع المدى كيما يتحرّر ويقف بالمجهود أمام نفسه أولاً ليعيش الفكرة في بعدها العملي التطبيقي واقعاً محققاً بالفعل. وفي طريق الحرية الإنسانية كان الإيمان بالروح هو أول خطوة صحيحة؛ لأنه هو أول من عَلّم الإنسان التبعة "وإنّ كل نفس بما كسبت رهينة". وهذا هو أساس التكليف وأساس الحقوق إذا حَسُن استخدام التكليف مع الإيمان بالروح.

ليس هذا فقط، ولكن الإيمان بالروح يوحي إلى العقل عقيدة المساواة بين جميع الناس أمام الله وأمام شريعة الله. وبفقدان هذا الإيمان الروحي تفقد المجتمعات الإنسانية شريعتين مهمتين أولهما : شريعة التكليف الذي يأتي من طريق التبعة. وثانيتهما : شريعة الحقوق التي تقوم عليها الديمقراطيات الحديثة اليوم. ومع فقدان الإيمان بهاتين الشريعتين يفقَد الروح الإنساني حريته على الإطلاق؛ ويفقَد معه الدلالة على وجوده، فيكون عرضة لسفه الأخلاق ونذالة السلوك وانبات الشرور وضلالة المعتقدات ونزع الإنسانية من المجتمعات.

والأصلُ في هذا هو غياب الاستقامة على الأمر : أصل الإيمان الروحي وأصل الجهاد في سبيله مشروط بشرطه لا يتعداه إلى سواه. وبفقدان أصل الاستقامة يفقَد الخُلق الإنساني وجوبه في الحياة كونه واقعاً فيها مُحَقِقاً لوجودها.

لم تشيّب هود، سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه، من فراغ، ولكن لتعذر الاستقامة على الأمر؛ ولصعوبة تحققها؛ ولكشفه، صلى الله عليه وسلم، حقيقة الأمر على ما هو عليه.

 وقد تظل العلاقة بين الحرية والاستقامة أظهر العلاقات ذات الروابط المشتركة، تعطي الأولى مساحة لتحديد الفعل الإنساني على شرط الاستقامة، وتأخذ الثانية نشاطها في ظل الحرية، فليست الحرية فوضى قادحة في الفعل الإنساني ناكبة الطريق إليه، ولكنها ملكة عقلية تنتظم السلوك المقرر وفق الاستقامة.

وإذا انفصلت الاستقامة عن الحرية وعملت هذه الأخيرة عملها بغير حدود ولا شروط، وبغير قواعد يتأسس الفعل عليها في العقل الإنساني، أصبحت فوضى ولها بالفوضى نسب عريق، وصارت بعينها هى القيد الذي يحد من عمل الإنسان ويعوق حريته إلى منتهاه؛ إذْ يصبح من الواجب عليه كسره وتجاوزه إلى حيث الاستقامة. فالفارق كبير جداً في مجال القيم بين القيود الحاجزة عن العمل، الحاجبة للحرية، وبين القواعد التي تتأسس على فعل الاستقامة كونها التزماً يُقَرَّر في جوف الضمير. الأولى كسرها والارتفاع عليها واجب. والثانية؛ لأنها بنت الاستقامة؛ فالالتزام بها شرط العمل النافع والإرادة الفاعلة في كل حال.

الحرية ليست فوضى ولا هى بالقيد، ولكنها تصبح فوضى في إطار العمل الفاسد مع غياب الاستقامة؛ تصبح عبودية لأنها تحوّل الفعل الإنساني من القاعدة إلى القيد : من حالة الالتزام الذي يصدر عن الاستقامة، وهو هنا القاعدة، إلى حالة القيد الذي يفرضه التحجير كما تفرضه العبودية بكل أطيافها وألوانها، وهو هنا دعوى الحرية بغير قواعد من شروط الاستقامة على الأمر.

في الحالة الأولى : يكون النشاط الإنساني مدعاة للفوضى والتخريب؛ لأنه عبودية لا يصدر عن قاعدة ولا عن استقامة.

وفي الحالة الثانية : تتصدَّر الاستقامة حرية الالتزام وفق مقرراته؛ فيجيء الفعل الإنساني نشاطاً مثمراً نافعاً بكل تأكيد. وقس على هذا المقياس كل صنوف النشاط الإنساني في مجال القيم، وفي مجال الحياة على كافة أنشطتها الفعالة.

(وللحديث بقيّة) 

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم      

 

عبد الجبار العبيديالموسوعيون، هُم العلماء الذين انجزوا للاوربيين في عصر النهضة الأوربية فصل سلطات الدولة عن حقوق الناس.. وحرية العمل والفكر والقول.. وفصل الدين عن سياسة الدولة.. ونقل المبادىء الى تشريعات قانونية ملزمة.. وثبيت كل ما حققوه في مواد دستورية مكتوبة غير قابلة للتغيير.. الا عندما تتضارب مع مصلحة المواطنين..

بجهودهم المخلصة أوجدوا لهم مجتمعا أوربياً مغايراً تماما لما كان عليه قبل القرن التاسع عشر.. حتى نقلوه من مرحلة الظلام والتخلف الى مرحلة الحداثة والعصرنة.. او ما يسمى بعصر الانوارفي التاريخ..وهذا مالم تستطع الدولة العربية والاسلامية تحقيقه على مدى تاريخها الطويل من "1-656 للهجرة ".. هذه المنجزات هي التي مكنت الدولة الأوربية الحديثة من بناء المؤسسات القوية ونظريات الحقوق للأنسان الحديث.

واليوم سنواصل عرض الافكارالجديدة التي طرحها اصحابها المفكرون الموسوعيون وبقية فلاسفة عصر الانوار. .في عصر النهضة الاوربية الحديثة..

ان علماؤهم ومفكريهم هم الذين اخرجوهم الى شمس الحضارة الانسانية، وأبعدوهم عن الطريق المسدود الذي فرض عليهم من قبل مؤسسة الكنيسة، فبدأ تفكيرهم في شئون الكون على اساس من الفكر غير المقيد، والعقل المتعطش الى كل معرفة وعلم جديد على أساس من البحث العلمي والتجربة التي هي أصل كل كشف صحيح.. ورغم قلة العلماء في ذلك الوقت المتقدم، لكن بجهودهم توصلوا الى كل جديد.. فكان كوبر نيكوس وليوناردو دافنشي عالمَ حافلا بكل جديد..وعلى ضوء هذا العلم الجديد برع جان بودان" 1596 م " بنظريات التحسين الاجتماعي ومن بعده فرانسس بيكون "ت 1696 م" في العلم الطبيعي الذي وجه العيون والافكار الى علم جديد.، حتى حققوا التقدم عن طريق ثورة علمية فكرية حقيقية للتغيير..فبالحرية تحققت كل المفاهيم.. فلا يمكن ان تتقدم أمة وفكرها محجوز.

كان هؤلاء العمالقة قد فتحوا بابا جديدة لنهضة علمية فاقت حد التصورحين برز مونتسكيو في كتابه روح القوانين وفولتير الفرنسي "ت1778م" ونظرية المساواة بين المواطنين، وجون لوك "ت1704م" بأرائه بالأنسان وجان جاك روسو "ت1778"وأيمانه بالأنسان وحقوقه في نظرية العقد الاجتماعي.. وغيرهم كثير.. وبهذه الموسوعة العلمية تغيرت المفاهيم المتوارثة في أكثر من ميدان من ميادين المعرفة.. حتى اشتركوا في صنع رؤية جديدة لمستقبل الانسان الأوربي قائمة على العقل والعلم والحرية.. فكان لهذا الفكر الجديد أثره في التغير الحضاري وله قدره واهميته.. والا من كان منا يصنع القمر الصناعي والتلفون النقال والانترنيت ومعجزات القرن العشرين.. لو بقوا يتعكزون على الكنيسة ورجل الدين.. مثلما نحن الآن اصبحنا شعوبا متخلفة لا تصلح الا لنظريات الفقه الجامد.. والبكاء على الاطلال كما كنا مثل السابقين..

بهذه التوجهات تحققت المنجزات الخمس انفة الذكر للاوربيين وتحققت فكرة ثبات التقدم الحضاري عندهم.. وبوقت قصير اخذ الناس يصرفون أبصارهم عن الماضي فهدموا البيت القديم، ويوجهونها نحو المستقبل الواعد القريب فتحققت فكرة التقدم عندهم باصرار المؤمنين بها، ولم تعد مقاومات الماضي تصدهم عن حاضر وليد.. حتى ساد الغرب الأوربي الدنيا كلها بالتكنولوجيا والعلم والفن الحديث.. من هنا أنطلقت النظريات للباحثين يستخرجون منها الاحكام وكل جديد من تجارب الامم وما اهتدت اليه عقولهم في الابتكار والاختراع والتجديد..والاكثر من هذا هو الامان الذي حظيوا به في حفظ حقوقهم وحياتهم وما يرغبون.

اما العلم الذي تحدثوا عنه كتابنا وفقهاونا في العصور الوسطى هو غير العلم الواسع الذي دعا اليه القرآن الكريم، حين دعا الى البحث والنظر والتأمل في الكون ودراسته ماديا ومعنوياً، "قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق، العنكبوت 20".. بينما العلم الذي تحدث عنه معظم الناس في العصور الماضية عندنا لا يخرج عن نطاق علوم الدين من قرآن وتفسير وحديث وفقه ولغة وما الى ذلك، ظناً منهم ان الانصراف لدراسة ما سوى ذلك، انما هو مضيعة للوقت وصرف الأنسان الى عبادة الله.هذه النظرة القصيرة للنظر في العلم العربي اوقفت وعتمت على نظرية القرأن الكريم وما ورد في نهج البلاغة من نظريات العدل والحقوق والمصلحة والحرية.. وما جاء في نص الرسالة العمرية في القضاء.وما كتبته المعتزلة واخوان الصفا وخلان الوفا وغيرهم كثير.

جوقه من الفقهاء المتخلفين جاؤا لنا بالفلسفة التأملية دون الفلسفة الواقعية، حتى أبقوا وجوهنا نحو الحائط كما خططوا لنا منذ عصر الأمويين والعباسيين.. واليوم يعودون في عصر ولاية الفقيه وكل تخريفات مؤسسة الدين..

لا احد ينكر ان جهود العلماء والمفكرين العرب والمسلمين الذين راودهم ما راود العلماء الاوربيين منذ مطلع الحركة الفكرية في العصر الأسلامي في فترة الازدهار والانفتاح الديني كما في ما جاء من نظريات نهج البلاغة في العدل والحرية... ، وفي الوثيقة العمرية في القضاء وحق القاضي في الحكم بما يراه الله في العدل بين الناس .ولا يقبل من العباد الا اذا كان مخصاً امينا للناس والأمة.لكن هذه القيم ظلت يتيمة التطبيق ولم تحظى الا بالنزر القليل، من أهتمام ساستنا بالعلم والعلماء والمتعلمين خلا عصر المعتزلة القصيرالذي لو تحققت أفكارهم في العدل والأمانة وحرية الارادة الانسانية واستخدام المنطق العقلي في الحكم بين الناس، والشرعية المثبتة وليست المخبرة، ولهم مسائل مهمة في القضاء والقدر.. وعزوا سبب الاختلاف بين المسلمين الى تباين الادلة العقلية.. لذا يجب ان يكون الانسان حرا في اختيار الفعل والمعتقد مع التحذير من المعصية.. ولو طبقت نظريات المعتزلة لكنا اليوم مع المتقدمين .

وفي عصر المآمون وبيت الحكمة البغدادي وعصر الترجمة، تنبهوا للعلم والعلماء ما تنبه اليه الاوربيون..لكن منذ عصر المتوكل (ت232 للهجرة) وظهور نظريات التردد بين خصال القوة والضعف بما يكفل عدم أثارة المشاكل السياسية حتى أخفيت وغيبت الحقائق فوضعونا في حالة حصار حقيقية ومتواصلة ضد اية بارقة امل للتقدم والفكاك من شبكة مؤسسة الدين، بينما ظل الغرب يتصدوا لماضيه وحاضره بالدراسة والنقد حين طرح نظرية ان "النقد اساس كل تقدم وخاصة نقد الدين" .فكان البون بيننا وبينهم شاسعاً حين ظلوا يتقدمون ونحن في تاخر مستمر.. والى اليوم بسبب فقهاء الدين وتجسيد نظريات الحلال والحرام الوهمية.. في وقت أطلق القرآن الأحكام والنواهي عن المحرمات في الدين.. بينما كانوا هم وعلماؤهم مرتبطون بخيط اساس في عالم يحكمه العقل والحكمة والشعور بمسئولية الوطن والشعب.بعد ان تساوى الجميع امام القانون الذي ضمن حقوقهم المستقبلية في السياسة والفكر والدين يحترمون العلماء والمفكرين.. لا ليقتلونهم بحجج واهية كما نحن اليوم.. ، فلم يعد الواحد مميزا عن الاخر وتحت اي ظرف، فبدأت مؤسساتهم الدستورية تمثل ممثليها بصدق وامانة، لا بتمييز وانحياز، فلا احتكار في وظيفة.. ولا قرابة اوصداقة في هدف.، وهذا الذي نحن فقدناه فوقعنا في خطأ التقدير.

أعتقد الأوربيون ان العلم لهم وللاخرين والمنفعة لهم وللاخرين حتى نجحوا وحققوا ما ارادوا. اما نحن حسبناها زقأ وقينة لنا دون الاخرين. لذا فالعلم عندهم بعد ان تحول الى مهارة اصبح منفعة مادية ومعنوية لتحقيق مساواة مطلقة بين المواطنين . وبالتالي فأن التقدم المادي أنسحب على التقدم المعنوي رغم ان البون الشاسع بينهما ظل ملازما لحياة المجتمعات الاوربية وغيرها على السواء لملازمة الآنا البغيضة في نفوسهم لفترة طويلة من أرث تاريخي قديم.

ورغم ما صاحب النهضة الاوربية من أخطاءٍ جسام وخاصة في معاملة الشعوب المستولى عليها بعد الحركة الاستعمارية في بداية القرن التاسع عشر، لكن التقدم المادي صاحبه تقدم معنوي في المجتمعات الاوربية نتيجة الثقافة التي ازدهرت والرفاهية التي عمت، فسادت المساواة عند الجميع تلقائياً واصبحت قانوناً حين نُقلت (المبادىء الى تشريعات) فكانت خطوة هامة نحو البناء والتقدم وأطاعة الدساتير طواعية .لكن الملاحظ كان للنبلاء والاغنياء وجهة نظرهم الخاصة في المساواة رغم ان قواعد النبل والشرف ظلت تلازمهم فكانت متناقضة احيانا مع الشعوب المفتوحة حتى ولو كانت نسبية، لذا من يقرأ مؤلفات فولتير في كتابه المعروف "عصر لويس الرابع عشر " ومقالة الاخلاق وموضوع الحكم الصالح ونظرية المصلحة العامة يدرك ان فكراً موسوعيا كان وراء فكر فولتير.. بينما بقي الفكر الديني الاسلامي جامداً متحجرا يؤمن بالفوقية وأحكام أولو الامر التي فسرت خطئا من فقهاء الدين لصالح السلطة لا الناس.. والتي لا تؤمن بمساواة الشعوب من نظرة دينية متخلفة، وبعد ان اصبح النص الديني المنغلق لا يشكل المعيار الوحيد للسلوك السياسي.حتى أنحدرنا الى ما نحن فيه اليوم من تخلف فضيع..

واليوم بعد ان صدقنا خطئاً تحرر العراق من ربق الدكتاتورية الغاشمة وقعنا في مازق النظرية الدينية والطائفية البغيضة والمحاصصية الباطلة القاتلة، التي أدخلتنا في مرحلة أقسى وأمر من الاحتلال نفسه حين حملت كراهية الماضي السحيق.. وعدم الشعور بالمسئولية الوطنية.. فالاجدر بالحكام ان يسلكوا سلوكهم العادل في معاملة شعوبهم وان يدركوا ان الزمن قد تغير لصالح حرية الانسان.. وان المال والمنصب ما هما الا وسيلة لخدمة ورفاهية الشعوب وتقدمها كما عند الأوربيين، لا وسيلة لمظهرية الحاكم وحاشيته ورفاهيته دون الناس المحكومين.

نأمل ان تتحول الصور الاستغلالية والاستعلائية عند البعض من قصيري النظر والثقافة ممن ملكوا المنصب والمال الحرام دون حق او كفاءة مستحقة لهم، الى صور حديثة تتناقض مع الدكتاتورية والظلم الاجتماعي، حتى يبقى الحاكم خادماً للشعب لا الشعب وجلاً من الحاكم الذي لا يعيش بينهم منعز خائفا من الشعب، فأن عهد الطغاة قد ولى الى غير رجعة حتى يصبح المواطن من حقه مسائلة الحاكم ان أخطأ واساء ويبقى ذلك مقررا في نفسه وفكره وسلوكه، والا لماذا جاء التغير لنبدل (س بص)، ساعتها سنُكون مجتمعاً ديمقراطيا بحق وحقيقة، وبصدق وآمانة.. لا ان نخاف مسائلة الحاكم القاتل للعلماء والمفكرين والسارق لاموال الناس والمتأمر مع الاعداء على الوطن..كما هم من جاؤا يحكمون ويسرقون ويخربون الوطن اليوم.. لكن يبدو ان هذا في وطننا اصبح اشبه بالمستحيل.. مالم يتم التغيير.

من واجبنا ان نقول لكم : يا ولاة أمور الناس.. أبعدوا عن فقهاء الدين والمذاهب الذين وضعوا انفسهم في خدمة السلطان، بنظريات ميتة تضر ولا تنفع، تفرق ولا توحد، تهدم ولاتبني.. وليس لها من اصل في التشريع.. وتوخوا تحقيق المصالح والمكاسب لكل الناس.. خوفا على الدولة ومصير المواطنين ومستقبلهم من التشتت والتمزق.. ولا تضعوا لأنفسكم نظريات تبريرية لكل خطأ يمارس اليوم حتى اصبحتم حكاما ظلمة وفق التنظير الجديد.. أنعدامكم افضل من وجودكم في ادارة سلطة الناس.. حالة شاذة ما شهدها العراق الجديد.. الا في عهدكم الباطل الظالم وعهد هولاكوا البائد القديم .

نقول لكم غيروا المسار واحترموا شعبكم.. وهذه مدينتكم بغداد أياكم وان تستبدلوا بها غيرها فلا تنظروا الى خلف الحدود.. وأياكم والأثرة.. وأياكم والدم الحرام، فأنه حوب عند الله عظيم.. فلا تساهموا في قتل العلماء والمفكرين فهم زاد الدنيا.. وكما قال الامام جعفر بن محمد الصادق(ع) ان موت عالم أحب الى أبليس من موت سبعين عابداً.. ولاتسعون في الأرض فسادا.. ان الله لا يحب المفسدين.. أحكموا بالعدل ولا تشططوا.. ولا تنقضوا الحلف واليمين الذي تضمن الوصايا العشر حدية الالتزام في التطبيق.. ولا تبذروا أموال الرعية بالخيانة والتزوير.. فالدنيا غير مأمونة.. فلا تزالون اعزاء ما دامت بيوت مالكم عامرة.. حتى لا تلجئوا لمذلة الاخرين.. فليس فخرا ان تكونوا أغنياء وشعبكم محتاج.. مثلما قال رسول الله (ص) :"على الحاكم ان لاينام ليلته وفي بلده معوزٍ واحد.." فلا تُفرغوا العقيدة من محتواها.. فأنه حوب عند الله عظيم.. وكونوامع العاملين الصادقين.. والا ستكونون في الخسران المبين.. وان ملكتم الدولة والسلطة والمال معاً.. كما أنتم اليوم في مذلة الشعب المقتول والمسروق منكم بلا حق مبين.

نعم..نريد التغيير في وطننا اليوم.. حركة تاريخية ترتفع الى مستوى الأحكام كما ذكرت في كتب السماء والصالحين كي نُسير في ضوئها عناصر الموروث من الحضارة والدين.. لتنتهي الدولة الى النظرة الواقعية للأمور دون تراكم زمني يحول بينها وبين الناس لتنتهي عند العامة صادقة لا لبس فيها ولا تضليل.. ليكون الحاضر والمستقبل عناصر ربط تقدمي نجعل منه أداة صلة تتحرك دائما ًنحو التجديد والأبداع.. وحقوق كل الناس دون تفريق.. أما اذا بقيتم تهرولون وراء الحاقد من خلف الحدود فلن يكون لكم الا الضياع والتدمير.. فحذاري الاعتداء والخيانة والفساد والتزوير.. وكلها مرفوضة من الله بأيات حدية لا تقبل التغيير..

 

د.عبد الجبار العبيدي

 

العودةُ الى الذات

بعد تفشّي الوباء ومحدودية حركتنا ونشاطنا خارج المنزل؛ مَن منا استطاع العودة الى ذاته ومحاورتها وسبر أغوارها؟

والحوار معها يستلزم تقليب الإيجاب والسلب، الذي استبْطنتْه عبر محطات العمر، وتضاريسها الوعرة؛ ويعيد رسم خارطة طريق جديدة؛ فيرتّب الأوْلويات، وينتقي الأسلم والأصلح، ويستأنف رحلته...

"إعرف نفسك " قالها سقراط، وبعده الحكماء: " أميٌّ من لا يعرف ذاته".

إمعان النظر بعمق في الذات أمر يعود بالايجاب عليها، وكل منا أشد بصيرة بنفسه، ويحمل قنديله ويتحكم بمفتاح إنارته.

وليس القصد من حوار الذات الانطواء، والالتفاف حولها؛ فهي صفة نرجسية وأنانية ممقوتة. الحوار الذاتي يستوجب الحضور الكلي، والتفرغ، والخلوة مع النفس للإستماع لصوتها، وسجالها، وتهدئتها، وإنارة عتمتها. والحديث اليها فيه مرونة، وحرية غير محدودة، لأن الأفكار الايجابية والسلبية تزدحم فيها، وتتصارع، وتتوالد منها أفكار، وتتجدد، وتنتظم، وقد تؤدي الى الإبداع في منجز معيّن، أو لا تؤدي. وفي الحوار الداخلي صراخٌ عالٍ، وسجالٌ حاد قد ينتهي الى تنقية الذات، وإعادتها الى الحياة مجددا.

وأودّ القول:

أننا في فترة المكوث الطويل في المنازل اعتدنا الصمت، الذي سبّبه النأي عن المجتمع، والصمت في عالمنا الخاص؛ لانهماك كل منا بعمله وشأنه. و- برأيي- فإن التسابق مع الزمن لا يفسح المجال للمزيد من الكلام؛

ومن قال أن الصمت نقيضه؟

الكلام هو موسيقى الجسد للتعبير عن مآربه مع الآخر. والصمت موسيقى الروح، وآلة التعبير في الحوار مع النفس، وبأنغام شتى؛ فحين تعزف تتلقّاها أُذن العقل بإيقاع يؤول بها الى عمق النظر في فكرة أو قضية ما، وصداها يردُّ بالتحليل والتأويل حتى النغم الأخير، الذي هو بلوغ النتيجة الايجابية أو السلبية وهكذا.

كل منا يحمل موسيقى حواره مع ذاته. يعرض لنا أحد العرفاء صورة جليّة عن الاختلاء بالذات إذ يقول:

"كنتُ أخلُو لأسلمَ؛ فصرتُ أخلُو لأغنَمَ؛ فصرتُ أخلُو لأفهَمَ؛ فصرتُ أخلو لأعلمَ؛ فصرتُ أخلو لأنعمَ ".

و يمكن الاستعانة بعاملين يساعدان على الحوار الذاتي هما:

استخدام الخيال الواسع: إذ يستطيع أي منا أن يكون مبدعا في حواره الذاتي، وقد لا يكون مبدعا، ويتبع ذلك قدرتنا على تدوير الأفكار والمشاعر في العقل، وإزالة ما تقادم منها، وتوليد أفكار جديدة بالاستعانة بالخيال الواسع لكل منا. ومن يعتَد على الحوار الداخلي سيكون قادرا على برمجة عقله على فن إدارة الحوار، واستلهام الأفكار الملائمة وإبعاد غير الملائمة منها.

قدرة المرء في التغلب على الموانع والسدود: الموانع والسدود أعني بها الأفكار والمشاعر السلبية التي تطغى؛ فتحول دون الحوار الإيجابي الذاتي، والتغلب عليها يتبع قوة النفس لبلوغ نتيجة مريحة ومقنعة لها.

ويعلّم الحوار الداخلي فن الحوار الخارجي؛ وأعني به الحوار مع الآخر الذي يستوجب الحذر، وانتقاء العبارات والأفكار، التي تُفضي الى نتيجة إيجابية أو سلبية حسب المستوى العقلي والنفسي للمتلقي الخارجي.

نماذج للحوار الذاتي

ثمة أفكار للحوار الذاتي أطرحها؛ منها:

تعزيز الحالة الروحية بتوثيق العلاقة مع الله بأي السبل، وكيفما تكون "لم يكن أبدا من شروط السير الى الله أن تكون في حالةِ طهر ملائكية، سر إليه بأثقال طينك، فهو يحب قدومك عليه ولو حبوا" -شمس التبريزي.

فتوثيق العلاقة مع الله يؤوب بالنفس الى مرفأ السكينة والطمأنينة (ألا بذكر الله تطمئن القلوب)[1]؛ وهي بدورها تعزز من قدرات النفس في مواجهة الواقع والمواقف الصعبة إن وجدت، والأخذ بالنفس الى خانة الممانعة والتحصين ضد الخطر الخارجي المادي أو المعنوي، الذي يعود عليها بالإحباط والتثبيط؛ وهي صفات سلبية تعود بالضرر والسوء عليها.

البشرية في كل مراحلها كانت وما تزال توّاقةً الى المعنى؛ والتوق متجلٍ في كل فرد فيها بصوره المختلفة؛ فلجوئه الى قوة غيبية في السرّاء والضرّاء هو أجلى صور التوق الى عالم المعنى المتجلّي خارج العالم المادي المرئي.

-على سبيل المثال- المحنة التي تخوضها البشرية الآن في مواجهة الوباء، أنْسَت الشعوب اختلافاتِها على كل صعيد، ووحّدت بصائرَها في كيفية القضاء على الفايروس القاتل، وتوجّهت بالدعاء والصلوات كل من صومعته.

2- التركيز على إيجابيات الذات وتعزيزها بدقة، والوعي العميق بسلبياتها وكيفية تجاوزها؛ دون اعتبار للأنانية التي تسمو بالذات وتضخّمها. وأعني به اكتشاف مواهبها المكنونة، وإطلاقها، وتطويرها بكل السبل؛ لإيجاد شعور الرضا عنها، والتفكير بشكل جاد بإنجاز شيء ما فيه خيرٌ عام بشرط أن لا تتدخّل فيه الأهواء والرغبات الشخصية، كالرياء، وحب الإطراء والمديح. وكما نعلم أن رضا المجتمع لا يمكن تحقيقه، وهو على الدوام في حالة تأرجح، لاختلاف أمزجة أفراده وتوجهاتهم ومآربهم. لكن يمكن القول بشكل اجمالي إن تحقيق الرضا عن النفس يكمن من خلاله تحقيق الرضا المجتمعي العام عبر الاندماج في الحقوق والواجبات الاجتماعية التي نتشارك فيها جميعا. وليس صائبا الهروب من المحيط العام، والانطواء على الذات بحجة عدم التفاعل والانسجام المزاجي بين الطرفين، وهما الفرد والمجتمع. فالاندماج الاجتماعي المُنتقى بدقة لتحقيق هدف ما يعود بالخير، وينتهي الى تحقيق سعادة على صعيد النفس والمجتمع. والاندماج النوعي اليومي يكون بصورتين، الأولى مع المجتمع في محيطه الخارجي الفيزيقي، أو في محيطه الافتراضي الذي أوجدته تكنولوجيا المعلومات، لكن بشرط أن يكون منتقى وهادفا. وأن يكون الفرد قوي الثقة بالنفس، حاضرا بهوية ذاتية مستقلة غير مقلّدة، أو منسوخة عن غيرها، ومتجليّة في عطائها المميز.

3- التفكير العميق بمعنى المحبة للأرض والإنسان، أو للبيئة الطبيعية، والبيئة الاجتماعية؛ والمقصود منها المحبة البكر الخام، وكيفية تسخيرها لأجل الإثنين معا، وإيجاد حالة حيوية دينامية بينهما؛ فالأرض هي الأم الرؤوم للبشر، وعلى الإنسان تقع واجبات حبها والحفاظ عليها ماديا أولا، فرسوخ محبتها في النفس والاهتمام بوجودها؛ يشحذ همّة الإنسان للسعي، والعطاء، والجد، والحرص الشديد على إسعادها، ودرء السوء والفساد عنها بأي شكل؛ ومعنويا ثانيا؛ وذلك بالعودة الى جذور القيم الأصيلة، والأخلاق النقية، ؛ فهي المنجم، والمنجى من الكوارث الأخلاقية التي حلت في عالمنا، وهي الإرث الأخلاقي والقيمي المعتبر لأجيال تترى؛ تقع عليها مسؤولية إعمار الأرض؛ فبه تتنفس وتمكث حية(فأما الزبدُ فيذهبُ جُفاءً وأما ما ينفعُ الناسَ فيمكثُ في الأرض). [2]

ومحبة الإنسان لأخيه الإنسان؛ المحبة النقية من شوائب المصالح، والأهواء، والمشارب، والاتجاهات. فالمحبة الأصيلة تعيدُ بناء الإنسان من جديد... الإنسان الذي جرفته تيارات الاختلاف، والتغيير، والتطور الهائل في عالم التكنولوجيا؛ فأنستهُ المحبة الأصيلة التي هي أُس متين لتوثيق عرى العلاقات الاجتماعية.

الله جل وعلا لا يحدُّه مسجد، أو دير، أو كنيسة، فوجوده ملأ الكون بأكمله وما وراءه(وهو الذي في السماءِ إلهٌ وفي الأرضِ إله)[3]، (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثمَّ وجهُ الله إن اللهَ واسعٌ عليم)[4]. فحينما تتجرّد المحبة من كل القيود تعود كما أرادها الله لخلقه، وحالة المحبة والقبول بين الفرد والآخر من المفترض أن  تكون متبادلة، وفيها اتزان وتوازن في نفس الحال. والاختلاف هو سنة الله في مخلوقاته، فهو خلقنا مختلفين، والاختلاف علة من علل الخلق(ولو شاءَ ربُك لجعلَ الناسَ أمةً واحدةً ولا يزالون مختلفين. الاّ من رحمَ ربُك ولذلك خلقهم...).[5]

4- الحرص الشديد على الوقت واغتنامه، فالوقت اليوم أضحى أثمن مما مضى، بعد تفشي الوباء، وكل يوم جديد هو إضافة جديدة لأعمارنا ينبغي التفكير مليا بكيفية اغتنامه، وعدم التساهل والاستخفاف به؛ ونحن محاسبون عليه، والعمر يمضي بنا كالبرق.

التفكير في تحقيق هدف ما لاستغلال الوقت وعدم هدره بأمور عديمة الجدوى، هو السبيل الوحيد لإنقاذه، والأخذ به من السبات الى النشاط، والعمل، والإفادة التي تستحث خطانا الى اكتشاف خزين قابليات وطاقات، وتكشف قوة اقتدارنا على استقراءها، وإطلاقها، وتفعيلها بما يحقق الرضا عن النفس؛ وهو ما يضفي معنى على حياتنا، بشرط عدم الاعتماد على غيرنا؛ لأن الاعتماد يولّد حالة العجز والاتكالية، ولا تظهر شخصية الفرد في العمل إذا ما اعتمد على غيره في تحقيق ما يصبو اليه، وأسلوب الفرد في العمل هو هويته الشخصية المتفرّدة. وليس من الصحيح تلقين النفس بالعجز، وعدم القدرة على تحقيق هدف ما ولو كان بسيطا، بدلا عن القعود أو الانشغال بما لا طائل منه.

أستنتج مما تقدّم أن حبّ الذات حبّا واعيا ينتهي الى قراءتها قراءة تحليلية عميقة، لتحقيق أهداف كبرى في عالمها، والعالم المحيط. وكم ستكون سعيدة لو تمسكت بالعمل لا بالقول فقط. وقراءتها تحقّق الأوبةَ الى الله، وتعميق حبه في النفس؛ وهو الضوء الأهم الذي ينير دروب حب الأرض والإنسان والحياة، وكيفية إيجاد أسلوب أمثل للحوار مع هذه المفردات الثلاث.

نموذج حي للتأمل الذاتي

ما تقدّم هي ليست نظراتٍ أو آراءَ أروم إملاءَها على أحد؛ إنما هي إجابات لتساؤلات أفرزها حوارٌ مع النفس؛ وددتُ إشراك القارئ الكريم فيه؛ عبر مشوار أمضيتُه بعد خرقي للحجر المنزلي الذي دام أربعة أشهر، وخرجتُ سيرا على الأقدام بكل إحتياط. فحينما أبصرتُ الشوارع والحياة ألفيتُ نفسي كوليد أبصر نور العالم بعد رحلة أمضاها في ظلام رحم الأم...كأني استفقتُ من نوم عميق على رؤيا طال ليلها...ليل التوق لعودة الحياة كما كانت.

كان كل شيء أراه جديدا وجميلا حتى لو لم يكن كذلك...

كان كل تصوري أني أستطيع السير الطويل كما كنتُ سابقا، قبل فترة الحجر، والمشي في المنزل عادة يومية دأبتُ عليها، كوني مديرة منزل، فضلا عن نشاطاتي ومهامي الأخرى. وما إن تجاوزتُ المسافة التي اعتدتُ عليها شعرتُ بتباطؤ وتأني خطواتي، وضعف قدرتي على مواصلة السير. كنتُ في الشارع كطفل للتو يتعلم المشي؛ لكني تعاليتُ على ضعف قواي، وحثثتُ السير رغم ذلك.

وقلتُ باستغراب: ربما عادت قواي البدنية الى سابق طفولتها الأولى، وأستدركتُ، وأعدتُ التفكير طويلا، وكنتُ في نفسي أردد بيتين من الشعر متناقضين في المعنى، متحدين في الموضوع، الذي هو همّة النفس؛ الأول للبوصيري:

والنفسُ كالطفلِ إن تتركْه شبَّ على       حبّ الرضاع وإن تفطمْه ينفطمِ

والثاني لأبو القاسم الشابي:

ومن يتهيّب صعود الجبال                   يعِشْ أبد الدهر بين الحفر

ليس مهمًا تبني أيٍّ من البيتين والعمل بمضمونه، بقدر التبصّر الأعمق في معناه؛ فكما يعود الجسد الى سابق عهده؛ فإن الذات تعود الى باكورة ولادتها، وينبغي الترويض التدريجي لها كي تقوى على الإمساك عن التقدم والسير، أو الإفراط في المضي قدما والتسلّق الوعر مهما صَعُبَ، أم إيجاد حالة توازن وسطى بين الحالتين.

فكانت تساؤلاتي هي:

متى نقوى على التحاور مع الذات ونتعرّف عليها أكثر على النحو الأسلم؟

متى نتحرر من الانشغال بالآخر، ماذا فعل؟، وماذا قال؟، وماذا خطط؟، وماهي دوافعه، ونياته، وشكلياته، وزركشاته، وووو...؟

متى نحقق السلام الداخلي لأنفسنا إذا ركّزنا الإهتمام غير المجدي بالآخر؟

متى نحترم إنسانية الإنسان الذي نتشارك معه الحياة على الكوكب الأرضي؟

متى نحترم الأرض (الوطن / الأم) التي حملتنا في رحمها؛ ونحن جديرون ببّرها وحبها؟ متى نطهّر وجهها المُسْودَّ من أسواء البشر، الملطّخ بدماء التصارع والتقاتل لإثبات أفضلية قوم، أو أحقية فئة دون أخرى بالحياة على سطح الأرض، الذي أضحى ميدان صراع ليكون وقفا لقوة أو جماعة محددة؟

متى نطلق شروط المحبة الإنسانية من الآصار؟

متى نستفيق من حالة الاستفزاز لمشاعر بعضنا البعض؟؛ وكأننا أدمنّا حربا نفسية نشنّها مع أنفسنا ومعهم؟، فضلا عن الحروب التي نخوضها كلٌ بحسبه من أجل البقاء، ومن أجل الدفاع عن حقوق وحريات مسلوبة؛ ولأجل العيش بمحبة، وسلام، وحرية، وعدالة.

قنوات التواصل الاجتماعي كرّست حالة انشغال الناس بعضهم ببعض وبشكل مكثّف؛ فبرعت في نسج شبكة صخب وفوضى معقدة أضعنا فيها أنفسنا، ووضعتنا أمام اختبار صعب للغاية، وهو كيفية العودة الى الذات، وسط ركام هائل من العبثية، واللاجدوى، والتقارب، والتباعد، والتكاره، وضياع الوقت، وجلّ ذلك يدور حول محور اسمه "الآخر"، والتحسس منه، والتجسس عليه، أو إملاء القناعات الشخصية، وغيرها على سمعه، وبصره، وعقله، أو إسماعه ألفاظا غير لائقة أحيانا.

طوبى لمن أمعن النظر في ذاته، وكان قادرا على تنقيتها من فيروسات ومسببات داءٍ نفسي، وما أكثر الأدواء النفسية التي تجاهلناها!؛ وهي الأشد فتكا بنا من الأدواء الجسدية، والمسبب الأول لمعظم أزماتنا الحياتية.

رائعة الطبيعة، فهي من مخلوقات الله، وأروع ما فيها؛ أنها مطيعة وآئبة اليه جل شأنه دون قيد، أوشرط، أو أدنى تفكير؛ فهي تشذّب ذاتها بذاتها. في الخريف تتساقط أوراق الأشجار؛ لتنبت غيرها وتخضر في الربيع. وفوق ذلك منها ساجد، وراكع للخالق المبدع( وأن منها لما يهبطُ من خشيةِ الله)[6]و(كلٌ قد علمَ صلاتَه وتسبيحَه).[7]

الغابات الاسترالية التي إلتهمها الحريق مطلع العام الحالي ستعود رويدا رويدا الى الحياة.

ثقب الأوزون في القطب الشمالي للأرض يتعافى بعد جائحة "كورونا"، سواء كان انغلاقه ناتجا عن توقف التلوث الجوي؛ أم لظروف مناخية، لكن التئامه كان أمل سكان الأرض، وخلاصهم من خطر محدق بهم، ويهدد الحياة على الكوكب.

في نهاية المطاف قطفتُ ثمرةَ جولتي فكانت هي:

إن لنا في الطبيعة قدوةً ومثالا. فبعض أنواع الظواهر الطبيعية الضارة ربما فيها خير للإنسان؛ مثل "انفجار بركان في أعماق البحر، وحينما لا يصيب أحدا لا يكون شرا بل قد يكون خيرا حين ينتج عن تكوين جزيرة، أو جزر في البحر"[8]، وبالنتيجة فإن الجزيرة سوف تعمّرها يد الإنسان، وبعدها تكون مأهولةً بالسكان.

بعد خلوة طويلة الأمد يتخللها تأمّل عميق في دهاليزها، وبعد تنقيتها من ملوثات فضاء المحيط العام؛ ربما ستثوب ذواتنا الى حالة خَلقها الأولى؛ فتشرق مجددا، وتستأنف حياتها كما أوجدها الخالق تبارك وتعالى، مثلما لا بد للسحب من الانزياح بعد إفراغ الغيث، وللشمس من الشروق مجددا..

و العودة الى الله (الذات المقدسة الأولى) لا تتم الاّ عبر العودة الى الذات الإنسية (وفي أنفسكم أفلا تبصرون)..[9]

 

بقلم: إنتزال الجبوري

...............................

[1]  الرعد- 28.

[2]  الرعد- 17.

[3]  الزخرف-84.

[4]  البقرة- 115.

[5]  هود – 118- 119.

[6]  البقرة- 74.

[7]  النور- 41.

[8]  د. منذر جلوب.  مجلة قضايا اسلامية معاصرة: العدد 69-70( 2019م – 1440هـ)، ص55.

[9]  الذاريات – 21.

 

محمد بغداديفرضت الظروف الطارئة التي خلفتها أزمة (كوفيد- 19) معطيات كانت لها تأثيراتها الشديدة بكل المجالات منها : التعليم حيث لجأ الجميع  إلى منظومة التعليم عن بُعد، لذلك فهناك العديد من التساؤلات تطرح نفسها منها: لماذا أصبح التعلم عن بعد هو الملاذ الآمن للعديد من دول العالم خاصة في عصر أزمات كورونا؟ وإلى أي مدى يمكن تقييم التجربة حتى كتابة هذه السطور؟ وهل ستنجح في ظل قلة الوعي لدى بعض فئات المجتمع؟ كيف نقرأ المشهد قبل بدأ العام الدراسي الجديد؟ وما مستقبل هذه التجربة في مصر؟.

فلقد شهد نظام التعليم عن بُعد في مصر في ظل تتابع جائحة كورونا طفرة كبيرة بعد تعليق الدراسة في المدارس والجامعات المختلفة ، حيث عملت وزارة التعليم العالي والجامعات المصرية على دعم هذه الأزمة واستمرارها بعد انتهاء الأزمة. كما دفع انتشار فيروس كورونا بالعديد من الحكومات المختلفة لتطبيق نظام التعليم عن بُعد بشكل دقيق سواء للتعليم الجامعي أو ما قبله، لضمان استمرار العملية التعليمية بصورة مستقرة ومنظمة وعدم تأثر الطلاب بسبب هذه الجائحة.

إن فيروس كورونا جعل الجميع يذهب مسرعاً إلى استخدام التكنولوجيا بمفاهيمها المختلفة وطرقها المتعددة ، بعد أن ألغت جائحة كورونا فكرة التعلم في قاعات الدراسة التقليدية. فلم يعد التعلم عن بعد يقتصر على فئات بعينها، وطبقات محدده، إذ اتاح للطلاب في منظومة التعليم استخدام التطبيقات الإلكترونية والتكنولوجية؛ ليتحول الأمر بنهاية المطاف في قطاع التعليم إلى تكنولوجيا إجبارية. فعند استخدام تطبيقات التكنولوجيا في التعليم والتعلم نجد أن العملية التعليمية تثمر وتزدهر من خلال توفير خيارات المواد التعليمية المسموعة والمرئية والمقروءة ، كأن يُطلب من المتعلمين البحث في جوجل عن معلومات ذات صلة بموضوع الدراسة أو مشاهدة فيديو على يوتيوب عن موضوع أو محاضرة بعينها.

كما يٌعد التعلم التكنولوجي طريقة من طرق التعليم في إيصال المعلومة للمتعلم بطريقة ميسره وبسيطة، ويتم من خلال استخدام آليات التواصل الجديدة والمستقبلية من حاسب آلي وشبكاته ووسائطه المختلفة أي استدام التقنية بجميع أنواعها في إيصال المعلومة للمتعلم بأكبر فائدة وأقل وقت وجهد وبصورة تمكن من إدارة العملية التعليمية وضبطها وقياس وتقييم أداء المتعلمين بطريقة منظمة. وقضية "القبول المجتمعي والوعي" بفكرة التعليم عن بعد قد تعيق تطور وتقدم هذه الطريقة التي استخدمت في العملية التعليمية بشكل تجريبي، حيث يرى مراقبون أن الواجبات المنزلية عبر الإنترنت أسهل مما ينبغي وتفتقر إلى القدر الكافي من الجدية والالتزام لدى الطلاب.

إن التعليم عن بُعد يتطلب مهارات تكنولوجية لاستخدام هذه المنصات والتعامل معها بشكل منظم ودقيق، فالتعليم عن بعد يقبل اختلافات ومهارات المتعلمين، ويوفر لهم المعلومة وفقاً لقدراتهم وإمكانتهم والوقت والمكان المناسب لتلقى الخدمة التعليمية بأساليب التكنولوجيا المعاصرة. فعملية التعليم عن بعد تطور أساليب الاتصال في زمن العولمة ما يمثل رافعة عالمية لبناء جسور التواصل و فرص الحوار والمشاركة.

فعقب انتهاء أزمة كورونا يمكن استخدام التعلم المشترك الذي يشمل الجانب التقليدي والتكنولوجي ، بحيث تنقسم المحاضرة إلى جزء تفاعل من المعلم والمتعلم وجهاً لوجه وجزء آخر من خلال تكليف الدارسين إلكترونياً من خلال المنصات التعليمية بعمل بعض الأبحاث العلمية. فقد جعلت الثورة التكنولوجية العالم أشبه بشاشة تكنولوجية صغيرة في عصر الامتزاج بين تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والثقافة والتكنولوجيا، وأصبح الاتصال عن طريق الانترنت وتبادل المعلومات بين شبكات الحاسوب حقيقة واقعية يمكن ملاحظتها، مما أتاح سرعة الوصول إلى مراكز التعلم والمكتبات والإطلاع بشكل مستمر وفي أي توقيت. وبالنظر لمعوقات التعليم عن بعد نجد التكلفة العالية، بخلاف نظرة المجتمع إلى هذا الاسلوب من التعلم، فضلاً عن نظرة الدارس إلى أن فرص التوظيف لا يمكن الحصول عليها عن طريق هذا النمط من التعليم، مع عدم الاعتراف بالتعليم عن بعد من قبل وزارات التعليم العالي في بعض الدول.

فيرى الكاتب أنه لكي تثمر هذه العملية يجب اتباع الآتي: الاستفادة بالقدر الكافي من التقدم التقني بمصر والتوسع في نماذج المحاكاة التقنية لبعض الأنظمة لتدريب العاملين في المجالات المختلفة، والعمل على ربط الجامعات والكليات المختلفة بشبكة انترنت موحدة لتبادل الخبرات والمعلومات، مع التوجه نحو زيادة الاستثمارات التكنولوجية لتحديث البنية التحتية التقنية وتوصيل الإنترنت ، وذلك في ظل توجه الدولة نحو التعليم عن بعد لمواجهة الأزمات المختلفة الطارئة، والتوسع في استخدام تكنولوجيا المعلومات في التعليم عن بعد في المدارس والجامعات.

 

بقلم/ محمد بغدادي   (باحث دكتوراه)

 

 

المقارنات اداة من ادوات قياس الانجاز وكذلك لتقدير واقع الحال الراهن للأشخاص او الاشياء او المجتمعات.

بعض الامور لايجوز قياسها مقارنة بغيرها لكي نستنتج ان الأمر الاول افضل من الثاني او العكس.

لقياس المستوى الاخلاقي لشخص ما، مثلاً، لا يجوز القول انه افضل من فلان لأن فلان قتل عشرين شخصاً في حين انه قتل شخصين فقط، لأن كليهما قاتل ومجرم.

ولايجوز القول ان فلان اكثر نزاهة من الآخر لأنه سرق مليون في حين أن الآخر سرق مئة مليون، لأن كليهما لص وفاسد.

هذه الامور تحكمها قيم مطلقة وخطوط حمراء لايجوز تجاوزها بأي شكل وبأي مقدار.

في نفس الوقت هناك أمور لاتحكمها خطوط مطلقة بل تستخدم اساليب القياس المقارن، مثل القول ان راتب فلان اعلى من فلان فهو افضل منه مالياً، او انه يمتلك سيارة والآخر لايمتلك سيارة فهو افضل منه من حيث سهولة التنقل.

ومن الناحية الاقتصادية وفي دراسات الرفاه ومستوى المعيشة، تستخدم صيغ متعددة لقياس مستوى الفقر او درجة الرفاه بين الافراد في المجتمع،

بعضها نسبي وبعضها مطلق.

فهنالك مقياس الفقر المدقع (abject)

والذي يترجم عن الانكليزية بكونه الفقر المذل ايضاً، حيث يشعر الانسان بالمذلة والاهانة لشدة فقره..

وقياسه يتم عن طريق قدرة الفرد على الحصول على مايبقيه حياً من السعرات الحرارية.. اي ان المصاب به يتضور من الجوع.

ومعالجة اوضاع هؤلاء تحتل الاولوية المطلقة لأي جهود اغاثة او معونة.

يأتي بعده مقياس الفقر المطلق (absolute) ويتم قياسه عن طريق اختيار سلة من السلع والخدمات الاساسية التي تؤمن للفرد حياة لائقة ويجري احتساب كلفتها نقدياً عن طريق مراجعة اسعار النوعية المتوسطة من تلك المفردات في السوق .

وبتجميع تكاليف الحصول على مايحتاجه الفرد منها جميعا، نحصل على الحد الادنى من الدخل الفردي الذي يضمن الحد الأدنى من الحياة اللائقة . وهذا مايسمى بخط الفقر المطلق absolute poverty line

ويتم الحصول على ماهو اساسي للفرد من سلع وخدمات من خلال بيانات مسوحات نفقات ودخل الأسرة الدورية التي تجريها معظم دول العالم.

حيث يمكن استخراج مرونات المفردات الاستهلاكية المختلفة وبالتالي تقرير ماهو اساسي للفرد وماهو غير اساسي والتي عبّر عنها الفرد من خلال قراراته الانفاقية.

ويُستخدم خط الفقر  المطلق في معظم دول العالم لتحديد الحد الادنى للدخل وحدود الاعفاء الضريبي ومبالغ الضمان الاجتماعي.

وفي معظم الدول المتقدمة ونظرا لعدم وجود فقر مطلق ( باعتبار ان برامج الضمان الاجتماعي تؤمن الحد الادنى اللائق للحياة) ، يُستخدم اسلوب آخر يسمى خط الفقر النسبي

relative poverty line

وهو يَعتبر كل من لايحصل على دخل يساوي مثلاً ، خمسين بالمئة من متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الاجمالي ، يعتبره فقيراً.

والنسبة تعتمد على الوضع المالي والاقتصادي للبلد حيث ان بعضها يعتمد نسبة ٤٠٪؜ وأخرى تعتمد ٥٠٪؜ وهكذا.

مقياس الفقر النسبي يعنى بالعدالة الاجتماعية وتوزيع الدخل اكثر من اهتمامه بالبحث عن افراد جياع.

ولهذا قد تنشر وسائل الاعلام نسب الفقر في بلد متقدم ، ويتخذها البعض وسيلة للشماتة والسخرية من تلك الدول معتقداً انها نفس مقاييس فقر بلداننا النامية.

ختاما لموضوع الفقر وقياساته النسبية والمطلقة، أشير الى مقياس ازداد الاهتمام به خلال السنوات الاخيرة وهو الفقر متعدد الابعاد :

multidimensional poverty

ويتكون من ثلاثة ابعاد رئيسية هي الصحة والتعليم ومستوى المعيشة.

ويتكون البعد الصحي من فقرتين هما وفيات الاطفال وسوء التغذية.

اما البعد التعليمي فيتكون من فقرتين ايضاً وهما: السنوات التي قضاها الفرد في التعليم  (لمن هم خارج عمر الدراسة) والسنوات التي يتوقع ان يقضيها الافراد في التعليم (لمن هم في عمر الدراسة).

اما بُعد مستوى المعيشة فانه يتضمن :

وقود الطبخ المستخدم والصرف الصحي ومياه الشرب والكهرباء والسكن وامتلاك الاصول (الموجودات) ويقصد بالأصول المقتنيا المعمرة (كالأدوات الكهربائية والسيارة مثلاً) .

وبذلك نجد ان مقياس الفقر متعدد الابعاد يرتقي باسلوب قياس الحياة اللائقة ويبتعد عن اتخاذ الدخل لوحده كمعيار يحدد رفاه الانسان ويبعده عن الفقر.

قد يمتلك الانسان دخلاً عالياً لكنه يعيش في بيئة ملوثة ويشرب مياه ملوثة ويموت اولاده لغياب الرعاية الصحية ولايحصلون على تعليم جيد ، لذلك فهو يعتبر فقير بغض النظر عن مقدار دخله النقدي.

في ختام هذه المقالة اود الأشارة الى تطبيقات وفوائد هذه المؤشرات . حيث تستخدم في صياغة البرامج التنموية وتوجيه الموارد نحو مصادر الفقر وتبني السياسات التي تحد من تفشي الفقر.

سياسياً ، يستخدمها السياسيون الجادون لتطوير برامجهم السياسية ويستخدمها البرلمانيون لمحاسبة الحكومة وتستخدمها المعارضة ومنظمات المجتمع المدني لصياغة مطالبات اجتماعية ناضجة ومسؤولة.

 

د. صلاح حزام

 

 

التحرش الجنسي قضية يثور الصخب حولها من حين لآخر بسبب حوادث مختلفة تصيب الناس بمزيج من مشاعر الذهول والامتعاض والغضب... وأحيانًا الشماتة! بيد أنه إذا كان "فعل" التحرش أمر فردي ينصب فيه الاتهام على الفاعل بمفرده، فإن "تبرير" التحرش يشير بقوة وجلاء إلى خلل جيسم في الثقافة والوعي الجمعي الحاضن لمثل هذه الممارسات التي تبدو أنها فردية.

وبينما سيمضي الصخب الحادث حول حادثة بعينها بينما يظل آلاف المتحرشين يرتعون في حرية الغابة الوحشية، فإنه ينبغي لنا محاولة الفهم والتأطير لهذه الظاهرة كيما نحرز تقدما في سبيل حلها، وكيلا نظل نسلط الضوء على حوادث هي فردية مهما كثرت، ما دمنا ننظر لها من زاوية الاستهجان العنيف للفعل والفاعل فحسب دونما محاولة تبيّن الإطار الذي ينشأ فيه الفعل ويُحتضَن فيه الفاعلين.

وأول ما ينبغي وضعه في الحسبان حين نريد تأطير الظاهرة، هو أنه لا ينبغي نعت المتحرش بـ "الحيوان"؛ لأن في هذا النعت مشكلتين رئيستين: أولاهما، أننا معاشر البشر قد استولينا على كل شيء في البيئة وأخضعناه لمآربنا وأسرفنا في سوء معاملته، وهذا الحيوان الجميل البريء (أيا ما كان فصيله أو نوعه أو مملكته)، وبعدما أذاقه الإنسان ألوان الاستغلال والقهر، راح أيضًا يلصق به موبقاته الأخلاقية وقاذوراته السلوكية حتى لَيَصِم كل منحط أخلاقيًا بأنه حيوان! وعلى ذلك فإنه ينبغي لنا الاعتذار لكل الحيوانات عن مقدار هذه الإساءة التي يسديها إليهم البشر، ويعلم الله أني أقول هذا مخلصًا صادقا شاعرًا بوخز الذنب تجاه مخلوقاته التي لم تفسد شيئًا وإنما نحن المفسدون، لا نوعًا من الهزل أو المزايدة. وثانيهما، أن هذا النعت يباعد بيننا وبين الفهم الحقيقي للمشكلة؛ لأنه يفترض معايير وقوالب معينة للإنسانية من حاد عنها صار شيئًا آخر غير إنساني. وهم في زعمهم هذا إنما يفترضون سمات ملائكية ينبغي أن تتوفر لدى كل إنسان، وعلى ذلك فإن نعت المتحرش بالحيوان إنما يريحنا منه ومن محاولة النفاذ إلى ما ورائه بغية الفهم كخطوة أولى في سبيل الحلول الجذرية لظاهرة التحرش... فلقد حبسناه في فصيل غير إنساني إلى الأبد، وهذا كل شيء وغاية المبتغى، وما من حاجة إلى الفهم، فهو باختصار: حيوان!

على أننا نرى ها هنا رأيًا آخر، وهو أن هذا الذي يقوم بفعل التحرش إنما لا يعدو أن يكون إنسانًا، وبه كل معالم وخصال واستعدادات الإنسان! إننا إذا ما نظرنا إليه هذه النظر كنّا نحرز أول خطوة في فهم الإشكال عبر فهم جزئي – حتى – للطبيعة الإنسانية، تلك التي لها العديد من السمات والاستعدادات ما إن تتوفر لها بعض الشروط البيئية حتى تتخارج في أشكال شتى، وإن تتوفر لها شروط أخرى تتخارج في أشكال أخرى تخالف بها عن الأولى... وهكذا، وما ذلك إلا لأنه أخص ما يمتاز به الإنسان من سائر الأحياء أنه طور آلية لجملة استجاباته السلوكية تسمى بـ "الثقافة"، وهي بذلك تجعله أكثر الكائنات إمكانية للتشكل حسب بيئته الطبيعية والاجتماعية بما لا يقارن مع سائر الأحياء، وأكثر الكائنات – لذلك – تنوعًا وثراءً في سلوكياته؛ فنجد من البيئات الثقافية والاجتماعية ما تبذر في نفوس أفرادها مقومات الرقي والتحضر كما نجد منها ما يبذر في نفوس أفرادها ألوانًا من العقد وصنوفًا من مقومات الانحطاط والتردي... وهذا ما لا نجده حتى لدى أقرب الحيوانات شبهًا بالإنسان.

ومن زاوية أخرى، فإن نعت المتحرش الجنسي بالحيوان إنما يقوم على افتراض خاطئ، وهو ذات الافتراض الذي ينطلق منه أولئك المبررين لجريمة التحرش الجنسي بلباس المرأة واتخاذها زينتها خارج بيتها. وهذا الافتراض أن المرأة حين تُسفر فإنها تستفز الغرائز الجنسية لدى الرجل. فراح المبررون يقولون بأنها تستفز هذه الغرائز على نحو (طبيعي) (مفطور) عليه الرجل، وراح المبطلون لهذا التبرير الفج يقولون بأنه أحرى بالحيوان ألا يتحكم بغرائزه، وأما الإنسان فكلا!

وأولئك وهؤلاء تشف عنهم حقيقة على قدر كبير من الأهمية، وهو أننا حين الحديث في سياق التحرش في حدوده المتطرفة التي تبلغ الاغتصاب الكامل، فإن الأمر وإن بدا في فعل جنسي إلا أن اتصاله بالدافع الجنسي ضعيف كل الضعف، وهو أقرب إلى دافع تفريغ العنف والحقد واستشعار النقص تجاه المرأة منه إلى دافع الرغبة الجنسية الحقة؛ لأنه لو كان كذلك فما أيسر أن يفعل ذلك بالمال إذا ما قرع بيوت الدعارة! ونحن نعرف كم يمكن للجنس في عرفنا – وفي عرف أغلب بقاع الدنيا نظرًا لرواسب غائرة عميقًا تسللت عبر الثقافات والأحقاب المتعاقبة – أن يكون أداة للإخضاع والإذلال، بل إن مؤسسة العبودية ذاتها، والتي ما زالت رواسبها تحضر بين حين وآخر، قامت أول ما قامت عبر إخضاع المرأة جنسيًا... وفي هذا من التفصيل ما من شأنه إخراجنا عن السياق والمسار الذي نبتغيه.[1]

وها هنا يقع المتَنَوِّرون تارة أخرى في خطأ جسيم، وهو أنهم يقرون من حيث المبدأ، وضمنيًا، بأن تبرج المرأة من شأنه إثارة الرجل جنسيًا وعلى نحو (طبيعي)، بينما يستخدم المبررون هذه الحيلة لاسترداد ما انتُزِع منهم من وصاية وسيطرة على المرأة جسدًا وروحًا، وردًا لها إلى حظيرة التحجيب والتحجيم والتدجين حيث كانت، وحيث لا إرادة لها ولا روح ولا عقل، بل هي ليست شيئًا سوى كومة من الجنس ما أحراها ألا تتحرك إلا تحت غطاء صفيق يُنسج على نول مجتمع الذكور. بينما هؤلاء المبررون يغفلون أو يتغافلون عن أن العري، مهما بلغ مداه، ليس مبررًا للاغتصاب وإن كان من شأنه إثارة الرغبة الجنسية (ولكن على نحو غير طبيعي أو فطري، وإنما هو على نحو اكتسابي، على نحو اشتراطي كما سنبين)، وأن الاغتصاب أو التحرش في حدوده المتمادية إنما هو جنس مقرون بالعنف، وهو في هذه الناحية عنف وإذلال يجد في الجنس أداته المثلى، ونافذة للتجلي في أقبح صوره. وما احتيال أدعياء الدين ونواب الله على الأرض إلا تمريرًا لأمر لا ينفكون يلوكون الحديث فيه ليل نهار، وهو ضرورة أن تتحجب المرأة وألا تسفر عن "مفاتنها"، بهذا حكم الله، وإن في هذا لحكمة بالغة؛ وذلك كيلا تشيع الفاحشة ويُفتن الناس عن دينهم ويُذهلون عن ذواتهم!

بهذا هم يقولون، وهم يهتبلون الفرص ما كان منها مناسبًا وما هو ليس كذلك كيما يعيدوا علينا ذات الكلام المكرر المنكر، فيقحمونه في غير سياقه وهم يعلمون، وكأن لسان حالهم يقول: "ألم نقل لكم؟ ها أنتم ذا ترون مآلات التعري والسفور"! منتهى الخسة والوضاعة أن يريد المرء تمرير أيديولوجية يتبناها حتى ولو كان في هذا التمرير تبريرًا لواحدة من أبشع ما مارس الإنسان... الاغتصاب. هو يريد أن يذكرنا أنه على حق، وبأي ثمن وبأي طريقة كانت، والدليل على كونه على حق ما نراه وما نسمع عنه من جرائم التحرش والاغتصاب! ولو قد أمعن الواحد منهم شيئًا في دراسة العلوم الإنسانية، ولم يسلم نفسه بالكلية لآراء الأقدمين وفتاويهم، لانكشف عنه غشاء الغباء، ولرأى كم كان سطحيًا إلى أبعد حد، وكم كان يدافع عن شريعة الشيطان بينما يزعم عنه يدافع عن دين الله!

وعلى ذلك فإنه حين مقاربة قضية التحرش والاغتصاب ينبغي لنا تبين شقين على الأقل: شق يتصل بالشبق والرغبة الجنسية، وهو في هذه الحالة ضعيف كما أسلفنا، ولكنّا سنأتي عليه الآن بالتفصيل. وشق يتصل بالعنف، وهذا مما يستطيع أن يفيض في عوامله أولئك المختصين في النفس والاجتماع والبيئة، وإنما نأخذ نحن بحظنا في إجماله هنا، ما دمنا قد أثرناه، فنقول بأن للعنف الذي يتجلى بصور مختلفة في المجتمع (منها التحرش الجنسي) عوامل كثيرة، منها ما يتعلق بسوء التربية وتأزمات في الأحوال الأسرية بوجه عام، كالتسلط في التربية والقهر الذي قد يمارسه الآباء على الأبناء. ومنها أيضًا، وفي إطار الأسرة أو المجتمع الصغير المحيط بالفرد، ما يتعلق ببعض العقد التي تنشأ في النفس وتحرك صاحبها كالدمية من دون شعور بها، ومن أسباب العنف ألوان القبح المنتشرة في كل مكان، وأشكال التلوث البيئي والسمعي والبصري، وألوان الفن العفن الذي ملأ حياتنا صخبًا وصراخًا، ومنها ما يتعلق بسد منافذ الأمل والطموح وتحقيق الذات في الحياة، ومنها ما يتعلق بسوء أو انعدام التعليم والتربية في منظوماتنا التعليمية الرسمية، ومنها ما يتعلق برجال دين أشبه شيء بالوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس.

وفي سياق التحرش الجنسي بالمرأة نجد أنه من عوامل العنف تجاه المرأة – إضافة لما سبق – ثقافة تربي أبناءها على أن العين الجريئة والألفاظ البذيئة والصوت المجلجل والقدرة على "اصطياد" الإناث بأكبر عدد ممكن، كل ذلك من عوامل الفحولة المحبَّذة التي ترفع من أسهم الرجل في عين المجتمع. كذلك، ثمة حالة من العدائية الظاهرة حينًا والمضمرة أحيانًا بين الرجل والمرأة في المجتمعات، تزداد اتساعًا وإمعانًا كلما ازدادت المرأة تحررًا واستقلالًا ونزعًا للوصاية وبترًا للأذرع الإخطبوطية الملتفة حولها للرجل، وحين لا تتوفر للرجل من المرونة العقلية ورفعة الذوق وتهذُّب المدارك والحرية الإنسانية الصميمة فإنه من المستحيل إساغة هذه الحرية للمرأة، حتى ليشعر أن كل امرأة تمر أمامه وقد بدا عليها شيء من الإباء والاستقلال إنما تمثل اغتصابًا لرجولته وفحولته وإرغامًا لأنفه، وبأخص الخصوص عندما يكون المجتمع فقيرًا وبه تزاحم وتهالك على لقمة العيش دخلت النساء في حلبته، وهذا ما يفسر لنا وجود نسب مرتفعة من التحرش الجنسي في أمريكا مثلًا؛ فليس العري هو السبب كما يزعم الزاعمون، وإلا فكيف يستقيم الأمر والجنس لديهم متاح ما دام الطرفان راغبان من دون عقد زواج؟! كلا، هو نوع من الإخضاع والإذلال لهذا الكائن الذي أبى الوصاية والاستعباد باسم القيم والأخلاق... ونحن، والحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه، تتوافر بكثرة في مجتمعاتنا كل هذه العوامل مجتمعة  كليًا أو جزئيًا!

وبعد أن فرغنا من إجمال بعض من أهم عوامل تفشي العنف في المجتمع، دعونا نناقش الفرضية الأساسية في القضية، تلك التي يبرر (أو يفسر) بها أدعياء الدين جريمة التحرش، والتي وقع في فخها المتنورون للأسف الشديد، هذه القضية تقضي بأن إسفار المرأة من شأنه أن يثير في الرجل غرائزه الجنسية، وما ندري لماذا المرأة لا تثير في الرجل سوى الغرائز؟ أليس من الممكن أن تثير فيه الرقة والنبل والشرف والتضحية والسمو؟! أليس من الممكن أن تثير فيه المعاني الجميلة والمواقف النبيلة وتعيد تشكليه من طور وضيع إلى طور رفيع؟! ثم أليس من الممكن أن تثير فيه النبوغ والسعي صوب المجد والكمال حتى ليكاد يمس السماء؟! لا أدري لماذا تحول الجنس لدينا إلى بالوعة سقطنا فيها حتى ما عدنا نرى شيئا في الدنيا بطونها!

على كل حال، دعونا نفرغ الآن إلى تفنيد هذه القضية الأساسية، وهي أن جسد المرأة مثير بالطبيعة لغرائز الرجل، وزعمهم في ذلك أن الرجل ما يكاد يرى امرأة سافرة حتى يأخذ منه الشبق كل مأخذ؛ وإقحام الطبيعة والفطرة على الأمر إنما يراد به تعميم القضية على الإنسانية جمعاء من دون اعتبار للسياقات الثقافية ما داموا يصرون على اعتبار الشريعة صالحة لكل زمان ومكان! ونحن نرد بالقول بأنه وإن كانت هذه النتيجة صادقة يمكن أن نتواضع عليها،وهي النتيجة القائلة بأن الرجل لدينا يستثار جنسنيا لدى وقوع عيناه على جسد المرأة، إلا أنها لا تعني أن هذه الاستثارة التي يحدثها جسد المرأة للرجل من عمل الطبيعة والفطرة، وإنما هي من عمل الثقافة والاكتساب. نعم! فالثقافة، لا الطبيعة، برموزها ولالاتها التي يعززها بقوة وإصرار رجال الدين،هي ما تمثل الشيطان الذي يسقي الإنسان كؤوس الإغواء حتى الثمالة؛ فليس يكفي ليستثار الرجل جنسيًا أن يرى جسد امرأة مهما أسرف في الإسفار، وحتى لو كان عاريًا تمامًا، وإنما تأتي الاستثارة، ما لم تنبع من تفاعلات هرمونية وانفعالات فسيولوجية محضة، من الدلالات الجنسية على منطقة بعينها من جسد المرأة، وهو ما يُعرف بـ "الترميز الجنسي". ومسألة الدلالة والترميز هذه مسألة ثقافية بحتة لا يد للطبيعية فيها، فهي عمليات اكتسابية تتربى عليها الناشئة وتفهمها عن البيئة الثقافية التي تجد نفسها فيها. وإن كثيرًا من علماء الاجتماع والأنثروبولوجيين ليذهبون إلى أن الإنسان معلق في شبكة من الدلالات، هذه الشبكة هي ما نطلق عليها مصطلح "الثقافة".

فإذا ما شرعت ثقافة في حجب رأس المرأة لتميز بهذا الحجاب الحرة من الأمة (تلك التي كانت تعمل في البغاء بالإكراه، وتلك التي ما أُخضعت ابتداءً لتصير أمة إلا بالاغتصاب!)، كما فعلت بابل وأشور، وسار على نهجيهما سائر الحواضر المحيطة من يونان إلى رومان إلى عرب قبل الإسلام إلى الإسلام ذاته، كان ذلك خليقًا أن يكسب رأس المرأة دلالة جنسية ما دام عدم التحجب دالّ على البغاء والغواية الجنسية، وكان ذلك – من ثم – حريا أن يثير في الرجل شهوته ريثما تقع عيناه على امرأة سافرة الرأس أو الوجه. والاستثارة الجنسية ها هنا لا تعدو أن تكون استجابة شرطية للإسفار، تمامًا كما الاستجابة باللعاب عند سماع الجرس لدى كلاب "بافلوف"؛ فالجرس "دليل" على اللحم مع التكرار، ومع كل جرس لاحق يسيل لعاب الكلب كما لو كانت قطعة اللحم في فمه فعلًا![2]

والغريب  أن سواد المسلمين الآن قد أُلقي في روعه – من قبل رجال الدين – أن الحجاب إنما أنشأه الإسلام إنشاءً وابتدعه ابتداعًا لخيرية أصيلة مطلقة فيه، حتى إن البعض لراح يبحث عن الإعجاز العلمي وراء هذا الحجاب زاعمًا أنه يحمي رأس المرأة من الأشعة فوق البنفسجية! وماذا عن الرجل؟ ما من جواب! ومن ثم تكون النتيجة ارتباط الحجاب بالدين ارتباطًا لا يقبل الفصم، ولا يكون الدين من دونه. غير أن الحقيقة التاريخية تثبت أن الحجاب سابق على الإسلام بألفين من السنين، وقد كان منشؤه الأول في بابل وآشور كما أسلفنا، ومنهما زحف إلى سائر الحواضر المحيطة عبر التلاقح الثقافي والتواصل الاقتصادي. ومن قبل هذا الزحف كان من الطبيعي أن المرأة في جزيرة كريت اليونانية، بل والمرأة المصرية القديمة، كانت تسير كاشفة عن نهديها، وما من حادثة تحرش بسبب النهدين. ومن الطبيعي أن يستفز مثل هذا الكلام القارئ الكريم حتى ليتأرجح بين الاستغراب وعدم التصديق من ناحية والغضب من ناحية أخرى، ولكن الحقيقة أنه معلوم لدى علماء الاجتماع والأنثروبولوجيين أن منطقة الصدر مثير لدى بعض الثقافات بينما ثقافات أخرى لا ترى فيها ما نراه نحن من إثارة البتة. ويؤيد هذه النتيجة عالم الاجتماع "أنتوني غدنز" بقوله: "... وهناك توجهات لا ترى في صدر المرأة مصدرًا للإثارة الجنسية، بينما تعتقد مجتمعات أخرى أن للصدر أهمية كبرى في إضفاء الجاذبية الجنسية على المرأة".[3]

وقل مثل هذا في ذراع المرأة وفي ساق المرأة، بل قل ما شئت، وحسبك في ذلك لقاءات الرحالة والأنثروبولوجيين بالشعوب الأخرى، البدائية منها والمتحضرة. فلن أقول لك: انظر إلى الغرب المتحضر الذي تلبس المرأة فيه ما بالكاد يستر _ما نسميه في ثقافتنا_ (مناطق عورتها)، فلا ينالها أحد بأدنى أذى لا بالنظرة ولا باللفظة. بل لن أقول لك: انظر إلى النساء في شواطئنا العربية اللواتي يلبسن ملابس البحر العارية فلا يحفل بهن الرجال من حولهن. لن نقول شيئا من هذا لأن الإجابات الجاهزة تذهب إلى أن الرذيلة أمر مباح لدى هذا الغرب الفاسق. بل نقول: انظر فيما كتبه الرحالة العربي المسلم الشهير "ابن بطوطة" حين زار "ذيبه المهل" أو "جزر المالديف" حاليا، وأقام فيها مدة عام ونصف حتى لقد اشتغل فيها بالقضاء وتزوج فيها بامرأتين؛ مما أتاح له ولنا وصفًا دقيقًا لشعبها عامة ونسائها خاصة؛ فهو يقول عن أهلها:

"أهل صلاح وديانة، وإيمان صحيح صادق، أكلهم حلال ودعاؤهم مجاب". وأيضا: "أهل نظافة وتنزه عن الأقذار، وأكثرهم يغتسل مرتين في اليوم تنظفا لشدة الحر بها وكثرة العرق، ويكثرون من الأدهان العطرية كالصندلية وغيرها، ويتلطخون بالغالية المجلوبة من مقديشو".

وفي ذكر نسائها روى ابن بطوطة ما يلي:

"ونساؤها لا يغطين رؤوسهن، ولا سلطانتهم تغطي رأسها، ويمشطن شعورهن ويجمعنها إلى جهة واحدة، ولا يلبس أكثرهن إلا فوطة واحدة تسترها من السرة إلى أسفل، وسائر أجسادهن مكشوفة، وكذلك يمشين في الأسواق وغيرها. ولقد جهدت لما وليت القضاء بها لأقطع تلك العادة وآمرهن باللباس، فلم أستطع ذلك. فكان لا تدخل إليّ منهن امرأة في خصومة إلا مستترة الجسد، وما عدا ذلك لم تكن لي عليهن قدرة".[4]

وهكذا نرى أن سياقًا ثقافيًا كهذا، شَهِد ابن بطوطة لأهله أولًا أنهم أهل صلاح وديانة، لا يكون سفور المرأة فيه أزمة أو كارثة كونية، حتى وإن يكن هذا السفور على نحو متطرف (بالنسبة للإطار المرجعي الثقافي الذي نرصد منه). فلم يحدثنا ابن بطوطة عن تحرش جنسي هناك ولا كوارث إنسانية منشؤها إسفار المرأة عن نهديها وهي تمشي في الأسواق، ولا عن شيوع الفاحشة فيهم واستباحة الزنا بينهم، وإنما حدثنا بأنهم "أهل صلاح وديانة وتنزه عن الأقذار". ونحن نقدّر أن مرجع ذلك أنه لم يحدث ارتباط بين هذه المناطق من جسد المرأة لديهم وبين الاستثارة الجنسية، أو بعبارة أخرى: لم يتحول جسد المرأة في هكذا سياق ثقافي إلى "تابو" على نحو ما يحدث عندنا. كما أن رأي ابن بطوطة في نساء هكذا سياق ثقافي بنوع خاص يتلخص في قوله فيهم، وبحكم تزجه منهن: "ولم أرَ في الدنيا أحسن معاشرة منهن".[5]

ولقد كان سكان جزيرة "بالي" الأندونيسية كما سكان جزر المالديف فيما يحدثنا "ول ديورانت" في أروع قصة رويت عن الحضارة، ولم يستر النساء أجسادهن إلا مع حلول القرن العشرين ودخول السياحة إليهم، حتى إنهن ليعللن سترهن لمناطق من أجسادهن طالما أسفرن عنها (وهنا نقصد النهدين تحديدًا) بأن السياح الشهوانيين قد دخلوا أرضهم!

وعلى ذلك، ومدّا للخط على استقامته، فإنه ما إن نشرع تحفيز الارتباط بين السفور والجنس حتى يتضخم التابو الجنسي في الوعي الجمعي، وحتى يملأ حياتنا صخبًا وتشويشًا، وحتى يخرج علينا المزايدون يطالبون بمزيد من التحجيب للمرأة لأنه ما يزال هناك من الذكور من يستبد به الشبق ما إن يرى وجه امرأة، فإذا نحن بإزاء إلزام النقاب. ثم لن يلبث الأمر أن يزداد التابو الجنسي ضخامة على ضخامة وصخبًا على صخب؛ فيخرج علينا نواب الله على الأرض يطلبون إلى النساء ألا يعتبن بيوتهن إلا مع محرم... وهكذا، حتى نصير إلى ما عرفته الحضارة الإنسانية بطولها وعرضها من شيوع عادة اتصال الرجال بالرجال والنساء بالنساء. نعم! فلقد حدث هذا في كل أمة أمعنت في الفصل بين الجنسين مخافة التورط في اتصال بينهما.[6]

ونحن إذ نود أن نضع الأمور في نصابها ونطلق للمرأة عنان الحرية الكاملة والإنسانية الكاملة غير المنقوصة أو المسلوبة، فإننا ها هنا أيضًا قد حذّرنا من مغبة الوقوع في فخ التدرج في التحجيب والتدجين الذي لا بد منه ما دمنا مصرين أن نضع في بؤرة اعتباراتنا مسألة الاستثارة الجنسية، والذي سينتهي آخر الأمر إلى شر منكر. وبهذا فنحن نقطع الطريق على من يود أن يأخذ منّا ليرد علينا قائلًا: وليكن ما تذهب إليه، المهم أن الرجل لدينا في نهاية الأمر يُستثار جنسيًا لدى ظهور امرأة سافرة في مجال رؤيته!

وها نحن ذا نرد بأن تحجيب المرأة هو آخر ما يمكن أن يكون حلًا، بل إن في ذلك كارثة نحن بالفعل مواقعوها، وقد تفضي إلى هذا الشر المنكر الذي وقعت فيه سائر الأمم التي انخرطت في هذا التدرج. وإنما يكمن الحل في أن يكفّ أدعياء الدين ونواب الله على الأرض بغير رضاه عن الحديث في مسألة زي المرأة المسلمة؛ لأنهم بهذا يصرون على إكساب جسد المرأة دلالات جنسية هي أول بواعث الغريزة الجنسية. وهم بذلك – أي أدعياء الدين (وأنا مصر على ألا أصفهم بأنهم دعاة) – أول من ينبغي أن نصوب إليه سهام النقد والمساءلة حين الحديث عن قضايا التحرش بالمرأة إذا ما اعتبرنا أن التحرش مجرد شبق يعتري المتحرش.

وكذلك يكمن الحل في تعليم جيد، وفي إعلام جيد، وفي فن راقٍ يرتفع بالذوق ويهذب المدارك ويفتح الآفاق، وفي ملأ فراغ الشباب بالطموح إلى المجد والسعي إلى الخير والحث على حب المعرفة ومثل الحق والخير والجمال، وإتاحة مجالات العمل وتحقيق الذات والبعد بهم عما يهدر طاقاتهم في منكر لا ينفع (ومرة أخرى ليس هذا على طريقة أدعياء الدين).

يمكن أن يكون الحل – جزئيًا – في إعادة الاهتمام بتعليم الفنون بالمدارس، الرسم والموسيقى، والاهتمام بحصص المطالعة والمكتبات؛ من أجل تهذيب الذوق والارتقاء بالمدارك والصبو إلى الجمال والمثل العيا... هنالك، حين يكبر المرء ويرى امرأة سافرة لن يرى فيها ما يثير شبقه، وإنما سيرى ما يثير أجمل المعاني وأنبل القيم، هذا إذا ما كانت امرأة بعينها تمثل بؤرة اهتمام له وليس أي امرأة والسلام؛ لأنه سيصير إنسانًا ممتلئ الوعي والوجدان بحق، وليس فراغًا يبحث عن امتلاء وحشو ولو بأي شيء!

إن الشق الأعظم من مشكلاتنا يمكن أن يحل بالتعليم الجيد المكتمل الجوانب من ناحية، وكف أفواه أدعياء الدين من ناحية أخرى، وملأ فراغ الناس وإشعارهم بقيمتهم وأهميتهم لأوطانهم – بحق وليس زيفًا – من ناحية ثالثة. وبعد ذلك إذا ما رأينا الناس يعيشون في احترام وكرامة وتقدير لبعضهم بعضًا، لا تميز لرجل على امرأة ولا العكس، إذا ما رأينا ذلك فإن أي حديث عن دين يطلب إلى المرأة أن تتزيّا بزي معين إنما هو أقرب إلى العبث وإلى رغبة أدعياء الدين في أن يركبوا أكتاف الناس بأي ثمن؛ لأن الدين في نهاية المطاف لا يريد لنا سوى الخلاص والارتقاء نحو الأفضل، وهو يريد أن يحل المشكلات لا أن يصطنعها على طريقة المثل الشعبي "خربها وقعد على تلها". وحين يحدثنا دعيٌّ من أدعياء الدين عن آيات الحجاب في القرآن فهو إما جاهل أو متجاهل للسياقات التي نزلت فيه هذه الآيات وارتباط هذه السياقات باتصال العرب بالحواضر المحيطة التي حجبت النساء استجابة لذات المشكلات!

إننا حين نتحدث في مسألة الزي فإن آخر ما يمكن الحديث عنه هو الشريعة أو القانون؛ لأنه لا ارتباط بين كلا المجالين: مجال الأزياء ومجال التشريع، حتى وإن كانت آيات الحجاب في القرآن واضحة إلا أن تأويلها على صحيح وجهها من ناحية وفهم طبيعة التشريع من ناحية أخرى ليسا بالوضوح البادي، وفي هذا تفصيل لا نريده هنا. وإذا كان كل شيء يتصل بالإنسان والمجتمع الإنساني لا بد له وأن يتغير، فما أحرى القانون والتشريع من ناحية، والأزياء من ناحية أخرى أن تتغير وتتبدل حسب الأحوال والسياقات الثقافية والأذواق والقيم الجمالية لكل عصر؛ فإذا كنّا لا ننكر على الرجل تغير زيه عن زي الرجل في شبه الجزيرة العربية منذ ألف وأربعمئة عام، فما لنا ننكر على المرأة ما لا ننكره على الرجل من تطور وتغير؟ والزعم باختصاص المرأة بالفتنة قد فرغنا منه تفنيدًا.

إن حجاب الرأس، ومن منظور عصرنا الراهن، ينبغي أن ينظر له لا باعتباره احتشامًا، وإنما هو طمسًا لهوية المرأة وكبريائها واستلابًا لاستقلالها وحريتها، وهو خليق أن يسبغ على رأسها، مناط شرفها الحقيقي، إسقاطًا جنسيًا ما أحراه ألا يكون، وإني لأحاول أن أسيغ كيف لامرئ أن يتصور "هيباتيا" أو "ماري كوري" أو "سميرة موسى" أو "أم كلثوم" أو "فيروز" وهي ترتدي حجابًا! وأما ما يتعلق بنوع أو شكل الزي لسائر جسد المرأة، فإننا لا ندعو إلى العري كما يريد البعض أن يصورنا، وإذ ضربنا أمثلة لأمم أخرى نرى عريها فجًا (بالنسبة لإطارنا المرجعي الثقافي الذي نرصد منه) فليس ذلك سوى لفك الارتباط المتوهم بين اللباس والأخلاق، أو بين العري والشبق. وما من عاقل يختلف على أن لكل ثقافة حدودًا دنيا من المعايير تتواضع عليها كيما تقيم كيانًا أو بناءً اجتماعيًا، ولكن ينبغي أيضًا لهذه الثقافة – إذا ما أرادت الانتعاش وتحريك المياه الآسنة – أن تقر وتعتمد الاختلاف في الأذواق والأزياء والأفكار ما دامت هذه أو تلك لا تؤذي أحدا؛ لأن بهذا الإقرار بالاختلاف يتعذر تعقب كل "مختلف" بالعين أو اللسان أو الضمير، بل إن الاختلاف سيغدو أمرًا طبيعيًا وبدهيًا لا يستدعي أي اهتمام أو انتباه تجحظ معه الأعين أو تُدس الأنوف أو تنطلق الألسنة بما لا يليق بإنسان متحضر مهذب، وأيضًا سيغدو الاختلاف تنوعًا وثراءً لا مخالفة. أما حين نضع معيارًا واحدًا صلدًا ينبغي للناس جميعًا، وبالأخص النساء، أن يسيروا وفقًا له، فإنه من الطبيعي أن تتعقب الأعين والأنوف والعقول كل "مخالف" ما دام ذلك ميسورًا، وما دام المختلف هو مخالف ناشذ عن معايير نموذجية لا موطن لها إلا في خيال الحالم، وحتى إن مجتمعًا بأسره قد يستجيب لها في العلن ويلعنها في السر والضمير، وحتى إن الفرصة لا تواتي أحد أفراده إلا ويفسق عنها ويدهسها بقدمه ليسحقها سحقًا.

 

كريم علي السيد

باحث حر في مجال الفلسفة والعلوم الإنسانية

.....................

[1] - ولكن حسبنا هنا أن نشير إلى العمل الرائد "نشأة النظام الأبوي" للباحثة الأمريكية "غيريدا ليرنر"، ترجمة أسامة إسبر، المنظمة العربية للترجمة، مراجعة الأب بولس وهبة. 

[2] - حين ووجه أحدهم بأن المرأة المحجبة، يتم التحرش بها كما الغير المحجبة، فلماذا تبرر التحرش الجنسي بعدم ارتداء المرأة للحجاب، جاء رده صادمًا لمنتقديه، فلقد علل ذلك بما معناه أن المرأة غير المحجبة هي المتسببة في ذلك أيضًا؛ فهي إنما تدس في نفس الرجل كبتًا لا يسعه إلا تفريغه في أي امرأة اتفقت له، سواء غير محجبة أو محجبة! وهذا الدعيّ قد استخدم حجة صحيحة ولكنها مقلوبة؛ ذلك أن العكس هو الصحيح إذا ما فهمنا الآلية التي تحدث بها الاستثارة الجنسية على نحو ما أشرنا من أنها ليست سوى استجابة شرطية لمثير ليس هو مجرد رأس المرأة العاري أو ذراعها، وإنما هو الدلالة الجنسية على هذه المناطق العارية. فتكون الحجة الصحيحة أن انتشار الحجاب هو الذي يدس الكبت الجنسي في نفس الرجل بما يضفيه على المناطق المحتجبة من جسد المرأة من دلالات جنسية ليتضخم التابو الجنسي حد الانفجار الذي يتجلى في سلوكيات التحرش والاغتصاب، ومن ثم لا تسلم المرأة غير المحجبة كما لا تسلم بالطبع المرأة المحجبة من هذا التحرش.

[3]- انظر أنتوني غدنز، علم الاجتماع، ترجمة وتقديم الدكتور فايز الصُّياغ، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الرابعة، ص211.

[4]- انظر حسين فهيم، قصة الأنثروبولوجيا: فصول في تاريخ علم الإنسان، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، العدد 98، ص57-58.

[5]- حسين فيهم، المرجع السابق، ص58.

[6]- فاقرأ إن شئت قصة الحضارة لـ "ول ديورانت"، حيث نجد أن ذلك حدث في كثير من المجتمعات البدائية، كما حدث في الصين واليونان القديم وكثير من الأمم ولا يزال. انظر ول ديورانت، قصة الحضارة، مجموعة من المترجمين، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكتبة الأسرة، مصر. وبالتحديد: الجزء الأول من المجلد الأول ص 58-59، والجزء الرابع المجلد الثاني ص 267، والجزء السابع المجلد الرابع ص 108-110. وفي مواضع أخرى كثيرة متفرقة من هذه الموسوعة القيمة.

 

عبد الرضا حمد جاسمأسئلة: قد يكون فيها تداخل او عدم دقة او تكرار لكنها أسئلة كما اعتقد تفيد في تحريك الموضوع وتدفع ربما للتوسع فيه فاقبلوها لطفاً:

هل للتخلف مقياس؟ مثل مقياس رختر للزلازل او مقياس الحرارة؟ وهل هناك نقطة صفر في هكذا مقياس ان وجد وهناك ما تحته وما فوقه؟

هل للتخلف احكام؟ وهل تلك الاحكام تشمل او تخص التخلف ام المتخلف ام الاثنين معاً؟ هل التخلف يقاس بغيره ام يقاس به غيره؟

هل التخلف من صنع الانسان وهل يسعى الانسان الى التخلف بل هل يمكن للإنسان ان يتعايش مع التخلف ويستأنس له وبه أوهل يتعود /يدمن عليه؟ أم انه

ابتلاء أي اننا مجبرين النوم في مستنقع التخلف؟ هل تختلف الامم في نظرتها للتخلف واسبابه؟

التخلف والمتخلف موجود في كل زمان ومكان فهل يمكن ان يقال (انا متخلف اذن انا غير موجود)؟ هل التخلف نسبي؟ هل يختلف باختلاف الشعوب؟

هل التخلف فعل اي هناك فاعل ومفعول به ومن هو الفاعل ومن هو المفعول به؟

هل التخلف مؤامرة؟

أكيد التخلف نتيجة؟ لكن نتيجة ماذا؟

 هل التخلف مادي ام روحي ام الإثنين؟ وايهما يسبق الاخر ويتسبب به؟ هل ينتج عن الفقر أم هو من ينتج الفقر؟ والفقر ضد ارادة الله (عند المؤمنين) وهو الرازق وينتج عن الفقر الغش والاحتيال والسرقة والاذلال والنفاق والزنا والرشوة وانتشار المخدرات وكلها من المحرمات والموبقات ومبطلات الايمان. فهل التخلف ضد الايمان (عند المؤمنين المتدينين) أي هل يكون التخلف ضد الدين وهناك من يقول ان الدين او النصوص ضد التخلف؟ هل يمكن اعتبار التخلف ضلاله لأنه ضد الحق والحق هنا هو العلم والتطور والأمان والعيش الرغيد الامن؟ وهل ان التخلف حرام لعلاقته بالضلالة والظلم والضياع؟

هل التخلف ضد الرحمة سواء العالي منها ام الأرضي؟

هل التخلف ضد السكينة والامان؟

هل يعتبر التخلف ضد الحرية ويمكن تقديمه للمحاكم الدولية لأنه يقيد الحريات في الحب والحياة والصحة والتطور؟ إذا كان يمس الحرية فهل التخلف ضد الانسانية وهذا يستدعي اتهامه بتهم تتعلق بها امام المحاكم الدولية ليعرض عليها المتسببين به وله والمساعدين لهم في ترسيخه ونشره او المستفيدين منه سواء كان هذا التخلف مادي ام معنوي؟ هل التخلف يتفق مع القانون المحلي والدولي؟ وهل هناك قانون يسير مع التخلف؟ وهل يمكن ان يسود قانون في مجتمع متخلف؟

هل يمكن اعتبار التخلف خيراً للإنسانية؟ لذلك تشيعه بعض الشرائع والممارسات والفتاوى والاقوال والافعال فرديه او مؤسساتيه؟

هل للتخلف بعد نظري (فلسفه) واخر عملي(سلوك)؟

هل يؤثر التخلف على البيئة وبالتالي الحياة؟

هل التخلف ينتج انسان او مجتمع متحجر لا يضر ولا ينفع ام انسان او مجتمع مُهْمِلْ مؤذي مستهلك عالة على الغير؟

هل الافضل التخلص من المتخلف لمنع اضراره ام اصلاحه لتحييده ؟

* تخلفنا:

تخلفنا... سرهُ فينا ليس نحن انما في من كان قبلنا ويمكن ان يتحرك لمن كان قبلهم لكنهم الأكثر تأثيراً حيث كانت لهم فرص كبيرة وكثيرة وشبه امنه بالقياس لحال اليوم. ما يميزنا ان من نعتبرهم أساتذة او من يعتبرون أنفسهم أساتذة او مستشارين او أكاديميين (مع احترامي وتقديري لهم جميعا) هم من اسباب تخلفنا لان فيهم شيء منه وما على القارئ سوى متابعة ما ينشرون من دراسات وبحوث ومقالات وتعقيبات ليجد الكارثة وهي انهم يضيعون اوقاتهم واوقاتنا فيما لا ينفع. ..واليكم لإشارات التالية ذات الدلالة والتي تفسر قصدي:

1 - شاب يدرس الماجستير في علم النانو(نانو تكنولوجي) بعد سنتين من انتهاء تدريبه في شركه خاصه متخصصه بهذا العلم في فرنسا حين سألته هل لايزال على اتصال مع تلك الشركة... قال لي ان مدير او صاحب الشركة (هو نفسه وهي شركة خاصة) على اتصال دائم به ليزوده بما يستجد ويجيب على استفساراته ويتخاطبون بالاسم وعمر هذا الشاب في العشرينات وعمر مدير الشركة وصاحبها في السبعينات

2- شاب يدرس علوم الكومبيوتر والبرمجة لمدراء المواقع سألني السؤال التالي (هل كان معلمك يلعب معك الكرة قلت له لا كنت اهرب من الشارع الذي يمر به قال نحن يلعب استاذنا المشرف معنا كرة القدم) وعندما استفسرت منه وهو الحديث على الحياة هل له رأي في سر تخلفي انا شخصيا قال انك تملا دماغك بما لا ينفع أما أنا فأن دماغي ليس مزبلة ليحوي على ما لا أريده....حتى تتطور عليك كما تفعل مع جهاز الكومبيوتر بين فترة واخرى ترمي ما لا تحتاجه في مزبلته. وبين فترة واخرى تنظف تلك المزبلة...نفس الشيء عليك ان تعمل مع دماغك.

3 - التقيت في مالمو/ السويد شاب عراقي في العشرينات من عمره فاز بجائزتين مهمتين في التصميم المعماري الاولى سويدية والثانية عالميه قال لي: انه معجب بمعمار روما واستاذهم وهو سويدي تجاوز الثمانين من عمره ومتقاعد لكنه يسافر كل عام مع طلاب القسم الى روما لأنه متخصص في ذلك وله كتابات كثيره بهذا الجانب وعندما سالته كيف يعاملكم قال بكل احترام وبعض الاحيان يقدم لنا او يوفر لنا احتياجاتنا الخاصة ونناديه باسمه وهو كذلك.

اما نحن فما عليك الا ان تلاحظ ما يقدمه البعض ممن يحسبون أنفسهم كبار الكتاب والمثقفين والسياسيين لتلوم نفسك...وتتعجب

هل لا حظ أحد منكم ان أحد من الذين يحملون الالقاب قد تبنى كاتب شاب او شجع شاب على انجاز معين او احتضن مبدع او مخترع او فكرة...بل ربما بالعكس... تشفق عليهم وعلى ما يقدمون ومع الاحترام لهم بدل ان يفكروا ويحللوا ويستخلصوا ويقدموا لنا بحوث او تصورات عما يجري نستفيد منها تراهم واكرر الاسف كما المراسل الصحفي ينقل من هنا وهناك وقال فلان اما ما تلاحظه في تعليقاتهم فيثير الشفقة عليهم وعلينا...هذا ان تواضعوا وكلمونا تراهم ينافسوننا نحن المستجدين في الكتابة وعليها...كل الاكاديميين في العالم غير المتخلف لهم بحوث ودراسات وتحليلات لما يجري وما يتوقعون للمستقبل البعيد والقريب الا اساتذتنا فالأغلب مشغول بقال فلان ونقب فلان عن فلان وبالذات اذا كن فلان اجنبي ...نادر ما تجد مقالة او طرح ليس فيها :"كما قال فلان "

هذا جزء مهم في تخلفنا ومثير للإحباط والالم وحتى التردد والقلق...لآنك ستقول هل هؤلاء من كنا نقرأ لهم او نتلهف لسماع شيء عنهم ...تسألهم عما يجري في المنطقة يجيبك عن الثورة الفرنسية او البلشفية ويستعير بعض ما جرى فيها وبعض نتائجها ويلغي حركة اكثر من مائتي عام في العلوم الصرفة والإنسانية...وعندما تجادله لماذا لم يستعمل وسائل التواصل التي كانت يجيبك انه التطور العلمي والعالم اصبح قريه صغيره ترد عليه كلامه اذن كيف تستعير من ذلك الزمن؟...تسأله عن نتائج ما يحصل اليوم يجيبك ان نتائج الثورة الفرنسية لم تظهر مباشرةً وانما اخذت عشرات السنين

تسألهم عن قتل القبيح القذافي يقول ان هذا حصل مع الملك والخاتون في الثورة الفرنسية ومسح التطور في الاعراف والقوانين والمواثيق

تسال احدهم عن توقعاته يقول في الانتخابات التي جرت في بداية الخمسينات لم يدخل البرلمان السوري واحد من التيار الاسلامي

اخر تسأله عن اسباب عدم تناوله ماده سامه قاتله يقول كيف لي ان افعل ذلك وهناك تحذيرات مكتوبه عليها ماذا سيقول عليّ الاخرين...لكن عندما تسأله عن بعض التوقعات بتقدم السلفيين وركوبهم حركة الشارع يقول لنجربهم.. لماذا تقتنع بما مكتوب عن السم وترفض تجربته ولا تقتنع بالملموس عن السلفين وتقبل تجربتهم او اختبارهم (في الاولى سيكون هو الضحية اما في الثانية فالمجتمع او البلد فهذ الى بأس المصير المهم هو سالم)

ثم الكثير منهم لا يزال متمسك بالقول المندثر الذي ينص على (الاكبر منك بيوم افهم منك بسنه) والقول الاخر(قم للمعلم.. كاد المعلم ان يكون رسولا) واخرين ينادون بالقول (لا تكن للعيش مجروح الفؤاد انما الرزق على رب العباد).

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

المقدمة: بداية العقدين الماضيين وحتى الآن، تحدث الكثير عن العولمة، فبعضهم قام بتفصيلها حسب تخصصه فنظر اليها من زاوية واحدة وانتهى الى تضخيم هذا الجزء على حساب الاجزاء الاخرى التي لم ينظر من خلالها بعين فاحصة ليرى الاشياء من كل زواياها الحقيقية. والبعض الآخر تحدث عن العولمة ونظر اليها بمنظار لا يرى منها سوى الهيكل العام فخرجت أحكامه مسطحة شكلية تعتمد على وصف الظاهرة فقط دون ان ينحدرتفكيره الى جذورها وتشعباتها والمفاهيم الفلسفية وفرضياتها التي تنتمي اليها، او يقف عند حد طفحان هذه المفاهيم على سطح الاحداث، وخاصة بعد انهيار التوازن في القوة على المسرح السياسي الدولي، إخفاء انحرافاتها وتجاوزاتها تحت مظلة حقوق الانسان والديمقراطية والعدالة ونزع اسلحة الدمار الشامل.

وفي الوقت الذي اثارت فيه العولمة هواجس مقلقة وصلت حد اعتبارها تحدياً استراتيجياً في تقييمها والنظرة اليها من قبل الشعوب والدول والمؤسسات والساسة والباحثين، تبعاً لما وصفت به كوجه آخر للهيمنة الامريكية على العالم تحت زعامتها المنفردة، اخذت الاقلية تبحث عن حجج تبلور تصورها وتدعو عبرها الى ان الظرف والوعي التاريخي بفصوله يحتم على الجميع التعامل مع ظاهرة العولمة بواقعية سياسية تبتعد من خلالها عن رواسب القطبية الثنائية وتعتمد على مفاهيم معينة وآليات تعمل على اساس التجربة والحتمية التي تفرضها حقائق التحولات التي تجري في العالم .

ومن اجل دراسة العولمة بأبعادها المختلفة لا بد من معرفة مفهومها الاصطلاحي ومرجعيتها الفكرية والتاريخية واشكالياتها الفلسفية، فضلاً عن مقترباتها الثقافية والاقتصادية والاستراتيجية ايضا، ومن ثم دراسة ظروف ظهورها بوصفها فكرة وظاهرة، والكشف عن وسائلها والياتها.. وهذا يعني، البحث في مخاطرها على العالم بأجمعه، وكذلك البحث في كيفية مواجهة تحدياتها الراهنة والمستقبلية.

المفهوم الاصطلاحي للعولمة : تعني موضوعة العولمة كمصطلح وحدة العالم الحر ووحدة اقتصاد السوق المعبر عنها في ثورة المعلومات والفضاء الخارجي ومفهوم (القرية الكونية الصغيرة) التي عليها ان تستقبل رسالة الليبرالية البراغماتية الامريكية والسوبر امبريالية (1) كواقع لا مفر منه. وقد ينصرف معنى العولمة الى الاممية بمنطلقاتها المختلفة، وقد تعني النزعة الانسانية  ذات المعنى الحضاري التي حاولت الولايات المتحدة ان تبشر بها عبر اجهزتها الاعلامية والسياسية، لنشر نمط الحياة الامريكية التي ترغب امريكا في سيادته على العالم، لتأكد حضورها الكوني في الألفية الثالثة. (*)

فالعولمة من هذه الزاوية الاصطلاحية تعني (العصر الأمريكي)، بيد ان مثل هذا الفهم يدفع الى التعرض لـ(جوهر العولمة) الذي يدعو اليها المجتمع الامريكي الذي لا يتعدى عمره القرون الثلاثة، وهو قصير الجذور وهش التكوين وتعوزه منظومة القيم الحضارية وبالتالي الهوية القومية.

إن مفهوم الأممية ظهر كما هو معروف في النظريات والفلسفات ولدى الحركات ذات المنطق الديني والمنطق المادي إلخ .. فالموسوعة الكوسموبوليتية (*) تفسر الاممية بأنها نظرة رجعية تدعو الى نبذ المشاعر الوطنية والثقافة القومية والتراث القومي بأسم وحدة الجنس البشري. وتعكس هذه الأيديولوجية طموح الاستعمار في تحقيق السيادة على العالم تحت مزاعم إنشاء حكومة عالمية مما يتعارض مع الاستقلال الوطني والسيادة الوطنية. فالمكونات الفكرية للكوسموبوليتية، تكشف انها ضد الدولة البروليتارية- ضد الأممية(الطبقية) وضد الهوية (القومية). وعند التعرض لتحليل المعنى الاصطلاحي هذا وتطبيقه على مصطلحات الأممية، البروليتارية، والكوسموبوليتية يتضح ان كلا المفهومين يقف حاقداً منغلقاً مقيداً بقيود اللآسامية أو يفتقر للحس الطبقي.

في خضم الحرب الباردة استخدم المعسكر الشرقي الاممية البروليتارية، اي عولمة الطبقة العاملة، للرد على هذا المصطلح كفكرة، استخدم المعسكر الغربي  الكوسموبوليتية. فالمعسكر الشيوعي أعلن عولمة الطبقة، فيما مال المعسكر الرأسمالي الى عولمة الفرد لأهداف تخدم خطط الصراع بين المعسكرين والمدرستين الفكريتين اللتين تنطلقان مما جاء به الفكر الماركسي والفكر البراغماتي.

وبعد أفول المقابل (الاتحاد السوفياتي) عن ساحة الصراع، كما قال فوكوياما بـ(انتصار الليبرالية)، فأن مثل هذا المواطن الكوسموبوليتي اصبح واقعا معاشا تجاوزته ظروف التقدم العلمي – المعلوماتي الفضائي، فلم يعد ذلك المواطن العالمي كونياً متسلحاً بجميع اسلحة العلم والدمار، ويحلم بالسيادة على (الكرة الصغيرة- القرية الصغيرة)، التي تتوجب متطلبات الهيمنة التحكم بكل مدخلاتها ومخرجاتها وقناعات سكانها .

ومن ذلك يتضح ان هذا المصطلح قد تطور واتسع وامتد ليشمل المصالح في كل روافدها  وعناصرها المادية من وجهة نظر الفكر الامبريالي الذي تقوده الشركات متعددة الجنسيات والبنك وصندوق النقد الدوليان مدفوعة بمزاعم رفض الاعتراف بالحدود القومية والسياسية والثقافية التي اوجدتها ثورة المعلومات والاتصالات والقدرة على الاختراق والتأييد في صيغة معلومات اعلامية وافكار سياسية واقتصادية ليتشكل العالم بالتالي بعداً واحداً تتحكم به قبضة امبريالية صهيونية واحدة .. فهل ان مثل هذه العولمة يمكن ان تصل الى غاياتها في ضوء طبيعة الاشياء وحقائق الجغرافيا والتاريخ ؟

المقترب الفلسفي للعولمة (الإشكالية): إشكالية العولمة هي في حقيقتها اشكالية ميتافيزيقية ومادية تعين الازمة الانسانية في أزمة الحضارة الغربية مرتين، الأولى: في العصر الوسيط عند الصدمة بالحضارة الهلنستية( الصدام مع الافلاطونية والتوراتية). والثانية: في العصر الحديث عند الصدمة بالحضارة الجرمانية (الصدام مع الافلاطونية – التوراتية – الجرمانية) . لذلك سنضع اشكالية العولمة ونسعى الى تحليلها الى (ظاهرة العولمة وحقيقتها- إثارة الاشكالية مع المقترب الاوربي- الوجه العرضي للعولمة- المشكل الجوهري- التناقض في الموقف الاساسي وتعليل المواقف- طبيعة الظاهرة ومستوياتها- صياغة الاشكالية وتناقضاتها- واخيرا الوعي بالازمة). وقبل الشروع في تناول هذه المسائل بشكل مكثف حيث لا يتسع مثل هذا البحث للعوم في الاجابة تفصيلا على كل الاسئلة خشية  الخروج عن مسار البحث ومنهجيته القائمة على وصف الظاهرة وتحليلها بارجاعها الى عناصرها الاولية ومن ثم الإستنتاج عما تفصح عنها الاجابات التي يتم التوصل اليها، وينبغي التنبيه الى أمرين مهمين، الأول: هو ان هذه المحاولة ليست تاريخية، كما يبدو للوهلة الاولى، إنما القصد منها هو النظر في شرط فعل التاريخ فعلاً حراً وليس وصفاً إنشائياً مسطحاً. فمشكلات الماضي هي جوهر أزمات الحاضر وعوائق المستقبل، ورغم ذلك فأن فعل التاريخ يشترط ان لا يكون المستقبل أمراً حتمياً، وان معاني الاحداث الماضية أمر يتحدد في ضوء الخيارات التي هي درجة الوعي بما لم يحسم منها في محاولات التحقيق المتوالية للفعل المؤسسي من التاريخ . إنه مقوم تحديد السلم الوجودي بصورة عامة وتحديد منزلة الانسان على هذا السُلَمْ خاصة . أما الثاني : فهو ان هذه المحاولة لا تستهدف رد التاريخ الى بعدٍ واحد  كما تريده الاتجاهات الامبريالية والصهيونية بإلغاء الوعي بالخاص وإعمام الوعي بالعام، إنما السعي الى إدراك المحددات الوجودية الأسمى لهذا التاريخ من خلال أرقى درجات الوعي فيه، ومن زاوية لا بعداً مؤسسياً ترتد إليه الابعاد الاخرى، إنه السُلَمْ الوجودي الذي يؤشر منزلة الحضارة والتاريخ.

وينتج عن هذين التنبيهين، ان ما حصل في التاريخ من احداث ومعان لا ينبغي اعتبارها عدماً، إنما باتت هذه الاحداث ومعانيها جزءا لا يتجزأ من الوعي وهي تمثل تراكماً تاريخياً ضرورياً للتجربة والتجارب الانسانية الأخرى .

يتبع رجاء ...

د. جودت صالح

12/07/2020

..........................

الهوامش :

- ا. د. علي حسين الجابري/ مصير الحضارة العربية المعاصرة في المنظور الحيوي لفلسفة التاريخ- مجلة الحكمة سنة 1998.

- تعني الكوسموبوليتية (مواطن عالمي غير محلي وغير قومي)، تعكس كأيديولوجيا طموح الاستعمار في تحقيق السيادة على العالم، تحت دعاوى إنشاء حكومة عالمية . وللإقتراب اكثر من مكونات المصطلح (Cosmoplies) في قاموس المورد/90 أن هذا المصطلح يعني مدينة يتألف سكانها من عناصر اجتمعت من مختلف ارجاء العالم (كوسموليتاني)، تعني مواطن عالمي غير محلي وغير قومي، وهو المواطن المتحرر من الاحقاد القومية والمحلية وغيرها.!! ، ولنشدد على على كلمة الاحقاد القومية والمحلية وندقق في مكونات المجتمع المؤلف من عناصر اجتمعت من مختلف ارجاء العالم .!! بمعنى مدينة وثقافة  (City and Culture) لا لينصرف الى معنى هجين يفتقر الى الاصول الحضارية، بل الى معنى (مواطن العالم هو شخص يعتبر العالم كله وطناً له) . إذن هو بلا هوية قومية او اجتماعية او دينية، فهو مواطن العالم الـ(كوسموبوليتي).!!

 

يسري عبد الغنيالمستشرقون جماعة من علماء الغرب تخصصوا في دراسة لغات الشرق، وعنوا بالبحث في دياناته وتاريخه وتراثه .

وقد بدأ الأوربيون يهتمون بدراسة اللغة العربية وآدابها وعلومها منذ القرن العاشر الميلادي قبل عصر النهضة الأوربية، وكان اهتمامهم في بداية الأمر منصرفاً لنقل العلوم والفلسفة، ثم زادت حركة الاستشراق لأسباب دينية .

وفي القرن التاسع عشر الميلادي قويت حركة الاستشراق بسبب اهتمام الحكومات الغربية بإنشاء مدارس لتعليم لغات الشرق، وفهم مزاجه، وعقليته، ليسهل عليهم حكم المستعمرات بإرسال العارفين بلغاتها، والمطلعين على تاريخها ودياناتها وأحوالها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية .

ومع أفول شمس التبشير الديني والاستعمار العسكري تطورت حركة الاستشراق، فاتجهت إلى تدعيم الاتصال الفكري بين الشرق والغرب، وتخلص بعض علمائها من التوجيه الاستعماري، فأخلصوا في بحوثهم لخدمة العلم والتاريخ

نشاط الاستشراق والمستشرقين:

وقد ظهر نشاط الاستشراق والمستشرقين في صور متعددة، نذكر منها ما يلي: 

1ـ جمع ذخائر المحفوظات الشرقية، وقد بدأت حركة الجمع هذه تحت إشراف الكنيسة ووزارات الاستعمار، ثم تولتها مراكز الاستشراق، وأكثر هذه الذخائر قد عبر إلى الغرب عن طريق تركيا والأندلس وصقلية، ولا نكاد نحصي ملايين الذخائر التي تمتلئ بها خزائن المخطوطات في المكتبات الغربية .

2ـ الجمعيات ومعاهد الاستشراق، ومن أشهرها الجمعية الملكية الآسيوية في لندن العاصمة البريطانية، والتي تأسست سنة 1723 م، والجمعية الآسيوية في باريس العاصمة الفرنسية، والتي تأسست سنة 1820 م، نضيف إلى ذلك معاهد الاستشراق ومراكزه المختلفة في: روما، وصقلية (في إيطاليا)، ومدريد الأسبانية، وليدن الهولندية، وموسكو، وليننجراد، وطشقند (بالاتحاد السوفيتي السابق)، وتعنى بنشر بحوث المستشرقين وطبع ما يحققونه من ذخائر التراث الشرقي.

3ـ وللمستشرقين مؤتمر دولي يلتقي فيه علماؤهم من شتى أنحاء العالم، ليتابعوا الجديد في ميدان الدراسات الشرقية، ويدعى إليه المشتغلون بهذه الدراسات من علماء الشرق، ونذكر هنا أن مؤتمرهم هذا عقد دورته الأولى في باريس سنة 1873 م، ثم تتابعت دوراته حتى بلغت 27 دورة سنة 1967 م (وهو لا يعقد الآن بشكل منتظم)، ونذكر أيضاً أن دورات هذا المؤتمر عقدت كلها في بلاد ومدن أوربية، فيما عدا الدورة الرابعة عشرة التي عقدت في الجزائر العاصمة سنة 1905 م، والدورة الثانية والعشرين التي عقدت في استانبول التركية سنة 1951 م، والدورة السادسة والعشرين التي عقدت في نيودلهي العاصمة الهندية سنة 1964 م، والدورة السابعة والعشرين التي استضافتها الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1967 م وما زالت هناك العديد من المؤتمرات التي تعقد في الكثير من الجامعات إلا أنها لا تكون بشكل منظم كما ذكرنا وهذا لا يمنع من وجود مجلات عديدة ودراسات كثيرة مازالت تنشر ويشارك فيها العديد من الباحثين..

أشهر رجالهم:

ومن أشهر المستشرقين: دي ساسي، وماسينون، وبروفنال، وفياران (من فرنسا) ـ مرجليوث، وجب، ونيكلسون (من بريطانيا) ـ إماري، وجويدي، وناللينو، وديلافيد، وريتشانو (من إيطاليا)ـ بروكلمان، ونولدكه، وليتمان (من ألمانيا) ـ كراتشكوفسيكي، وبيلييايف، وخالدوف، وغفوروف، وشرياتوف، وبلجاكوف، وشوموفسكي (من الاتحاد السوفيتي السابق) ـ جولد زيهر (من المجر) ـ جروهمان (من تشيكوسلوفاكيا السابقة) .. وغيرهم .. وغيرهم ..

دائرة المعارف وتدريسهم في جامعاتنا:

ومن أعمالهم المشهورة تأليف (دائرة المعارف الإسلامية)، وقد بدءوا في نشرها سنة 1908 م، وتعاونوا على إخراجها، وكتب كل واحد في المادة التي تخصص فيها، وأتقن دراستها، وذيلها بأهم المراجع والمصادر التي يمكن للقارئ أو الباحث أن يعود إليها للمزيد من الفائدة أو التوسع .

وقد استعانت بلادنا العربية والإسلامية بالمستشرقين في الجامعات عند إنشائها، ولا يزالون يندبون بين الحين والحين للتدريس أو المحاضرة أو حضور المؤتمرات والمنتديات العلمية والأدبية فيما تخصصوا فيه، فكان لهم الأثر الكبير في توجيه الدراسات الجامعية نحو الاستقرار النسبي، ودقة التناول، وسعة الأفق، كما أننا نذكر أن على أيديهم تتلمذت طائفة كبيرة من أساتذة الجامعات العربية والإسلامية، وغيرهم من المشتغلين بالدراسات العلمية والأدبية المختلفة.

رغم سقطاتهم لا يصح أن نجحد فضلهم:

ومهما يكن من سقطاتهم، وعثراتهم، وتعصب بعضهم، ومحاولة البعض منهم دس السم في العسل، مهما يكن فليس من الإنصاف أن نجحد فضلهم فيما استنقذوا من تراثنا العربي الإسلامي المضيع، وما نشروه من ذخائر تراثنا، أيام كنا في غفلة عن هذا التراث القيم، ولعله هم الذين لفتوا أنظارنا إلى قيمة هذا التراث، فبدأنا مع يقظة الوعي القومي نشعر بحاجتنا الماسة إليه، وواجبنا نحوه، ثم قوية الدعوة إلى الاضطلاع بأمانته والوفاء بحقه، وذلك عن طريق حماية ما بقي لدينا، وتصوير ما في مكتبات العالم من هذا التراث، وتنسيق الجهود لخدمته ونشره وفق منهج علمي سليم

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

سامي عبد العالالخنوع للسلطة أحد آثار الأنظمة المستبدة التي اعتادت دهس إنسانية الشعوب العربية. وهو ما جعل التملُّق جزءاً لا يتجزأ من أدوات العيش والحياة ورؤى العالم. ثم لكونها شعوباً استمرأت الفعل السياسي (تملق + كسب = سعادة)، فالأجيال حين تفتقد طاقات حرةً تدمن العبودية. وكان ذلك نقطة عبور إلى اجترار ثقافي مرتهن باستمرارية الحُكم الشمولي. مما أفرز مستويات كلية و قابلة للتكرار من القهر حتى على صعيد الذوات والجماعات.

وليس قبول الاستبداد والتصفيق الجماعي له ببعيدين عن مجتمعاتنا قبل الربيع العربي وبعده. مرة باسم دولة الوطنية التي تغلي كالقِدْر المسعور لالتهام الحقوق والمبادئ، ومرة باسم دولة الدين داخل لهيب الخلافة التي تحولت إلى سيف قاتل، ومرة باسم سلطة الرؤساء الملهمين القادرين على إعادة دولة العجوز الشمطاء إلى سابق عهدها. بينما هم أقزام لا يستطيعون إلاَّ وضع الاصباغ وتشذيب الحواجب وتقليم الأظافر لتخرج الدولة المنتظرة كائناً مسخاً أو لا تكون.

إن العرب كما كانوا يصنعون آلهتهم في شكل أصنام، فإنَّهم يجيدون صنع جلاديهم وقواديهم بالمثل. والظاهرتان لا تنفصلان عن طلب الخضوع والتملق كطريق للسعادة برأي ابن خلدون. لكن أية سعادة إذا كانت الحياة مجرد "عبودية مختارة " بطريقة دي لا بواسيه في كتابه الذي يحمل نفس الاسم؟ وكيف تكون العبودية مدلولاً يتقاطع خلاله السياسي والديني جنباً إلى جنب؟

يبدو أنَّ ابن خلدون يطرح المسألة دون استشكالها في غير موضعها. أي لم يتطرق لتلك المسألة خارج السياسة وبعيداً عن " اقتصادها المحدود " كنمط من أنماط الثقافة. أين " اقتصادها الكلي " الذي يطال تفاصيلها البعيدة؟! وبالتالي ليس غريباً أن يعتبر " الإمارة أحد أسباب المعاش... وفاقد الجاه بالكلية ولو كان صاحب مال فلا يكون يساره إلاّ بمقدار ماله وعلى نسبة سعيه.."( ابن خلدون، المقدمة، الجزء الأول، تحقيق خليل شحادة، مراجعة سهيل زكار، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2001. ص ص 487- 488). وهو يتحدث بدرجة من التصديق الخافت لمجريات الحياة اليومية، مغيباً ذاته بعيداً لتحضر المَشاهد دون تدخل وتاركاً الأورام الخبيثة تستفحل في غير قصد حتى تُظهِر أكثر مما تؤلم!!

وربما لحرصه على تدوين الملاحظات (ككتاب: عجائب الآثار في التراجم والأخبار لعبدالرحمن الجبرتي)، ترك ابن خلدون مهمة تكملة القوس الكلي لملاحظات القارئ. بعبارة أخرى لجأ صاحب المقدمة إلى حيلة أسلوبية بلاغية بكونه يجدل القارئ (هذا الضمير الضمني والغائب والمختلف والمتتابع والمتناثر) في جسم النص الذي يكتب. يتيح له الفرصة العالقة ضمناً لجمع ما لا يُجمع من أول وهلة ولربط الأحداث ببعضها البعض وتركيب شذرات الصور وتشظياتها وراء المعطيات والأقوال التاريخية.

 لكن الفكرة السابقة (الاقتصاد × الجاه) خطيرة جداً، لأنَّ الكسب يضع المال في جانب قيمته المادية بينما يوازي الجاه (السلطان) قيماً مادية أكبر وقابلة للتداول والزيادة. أي أنَّ هناك رباً اجتماعياً ثقافياً آخر للتعلق بالجاه والسلطة. فلئن كانت المحرمات تحول دون الربا كما هو متواتر عن الفقهاء، فإنَّ كسب الجاه هو الربا المتواصل بلا قدرةٍ على تحديد الارباح. بل وتظل الارباح تجر قيما مرابية في لاوعي الأفراد والعلاقات الاجتماعية. كانت الدلالة على السلطة دالة مترجمة في صورة " اقتصاد ريعي " يمكن اكتسابه بقدرة اخضاع المجتمع لغلبتها. وفي هذا لن تكون المسألة قائمة على مكتسبات الروح بالنسبة للمسلمين. فالروح لديهم هي المادة، الدراهم والدنانير والذهب والفضة.

إنَّ القسمة الجارية في الذهنية الاسلامية، باعتبار الاموال من زخارف الدنيا بينما الجوانب الايمانية والروحانية هي الأعلى، تعد قسمة مشكوكاً فيها. هي ثنائية (روح / مادة) مخاتلة وتُشطّب عند عمليات الكسب دون مقابل ودون عمل. كل عمل لا هوتي ديني قد يتحطم على صخرة الاقتصاد عندما يجد نفسه غير قابل للحياة دون وسائل ناجعة للتأثير وللاستمرار بين الناس. ومن ثم يلجأ إلى التربح بخطاباته تفعيلاً لفائض الجوانب الروحية وترجمتها لأشكال من الأموال والعلاقات المادية. وهذا ما يحدث بالنسبة لاقتصاد الخطابات الدينية التي تسترزق من عوائد تأثيرها في الواقع العربي الاسلامي.

ولقد يتحول الدين إلى اسواق مفتوحة تنادي على زبائنها وتهبط أكثر بمستويات إنتاجها وسلعها وصولاً إلى درجة (السوق عاوز كده). وهذا هو الشكل المتأخر من تلك المقدمات المبكرة التي سبقت التطور والتفكير الحر في وظائف الأقوال الدينية في الحيوات العربية العامة وعلاقتها بالسلطة السائدة.

وبإمكان من يدور في فلكها أنْ يترجم خطابه إلى ذات اللغة الرقمية. لأن أهل الجاه أيسر حالاً من سواهم " مما يشهد لذلك أنا نجد كثيراً من الفقهاء وأهل الدين والعبادة إذا اشتهروا حسن الظن بهم واعتقد الجمهور معاملة الله في إرفادهم فأخلص الناس في اعانتهم على أحوال دنياهم والاعتمال في مصالحهم وأسرعت إليهم الثروة وأصبحوا مياسير من غير مال مقتنى إلاَّ ما يحصل لهم من قيم الأعمال التي وقعت المعونة بها من الناس لهم" (المرجع السابق، 488).

هذا المضمون يدل على التربح من القوة المفترضة في الجانب الاعتقادي. وهو ما يثبت تداخل الجاه (السلطان) مع المقدس مباشرة. ولعلنا نلاحظ بداية القول الديني وترجمته إلى رصيد اقتصادي قابل للاستعمال والادخار والإنفاق ويُسر العيش تحت ظلال السلطة. إنه خطاب ديني مستعمل بقدرات السلطة لأجل كسب الأموال ومعها كسب الجاه أو العكس. لم لا يكون ذلك مسار الانحراف في سلطة النص الديني لصالح الحاكم؟!

القضية أنَّ رجال الدين يتكسبون من قدراتهم في اظهار اتصالهم بالإله. إذن طالما أنَّ الاتصال خاص بهم، فيستطيعون جعله خاصاً بسواهم كنوع من التوظيف سياسياً واجتماعياً. وقد حدث الأمر في التاريخ الاسلامي بحثاً عن الأموال بلغة السلطة. فالحكام كانوا يدجنون الفقهاء والشعراء في "حظائر سياسية" لضمان الهيمنة على الاعتقاد والقول. ولم يسلم الفقه حتى الآن من وضع ممارسات السلطة موضع التسليم والقبول. ومنه قضايا الفتاوى والتدخل في الشؤون السياسية والاجتماعية والعلمية بدوافع الوصاية على حياة الناس.

وخطابات الفقهاء ضرب من الكلام المؤسَّس في ضوء الكسب بعبارة ابن خلدون. ليس شرطاً: ماذا تكون مألات الكسب، لكن الأهم أن خطاباتهم تحصده السلطة في النهاية. وكحقيقة اجتماعية، فالقوة الناعمة للكلام الديني تصبح جزءاً من دائرة اجتماعية تضيف إلى رصيد السلطة. لأن الفقهاء كي يحصلوا على كسبهم، لا يجدون مهرباً من السلطة إن اختلفوا معها. ذلك لسبب خلدوني أنَّ الجاه هو الستارة التي تشمل المساحة التي يتفرع لديها كل كسب وكل قوة اجتماعية. وهنا منشأ التكلم، ومنشأ التمدد الأفقي للحقيقة لدى أكبر قدر من الناس.

دوماً يتحدث ابن خلدون عن الفقهاء بوصفهم متقبلين لكسب يأتيهم بما هو كذلك لدى أغلب أهل المدن والأمصار، لكنه لا حظ هذه الظاهرة أكثر لدى أهل البدو حيث: " يسعى لهم الناس في الفلح والتجر وكل هو قاعد بمنزله لا يبرح من مكانه فينمو ماله ويعظم كسبه ويتأثل الغنى من غير سعي. ويعجب من لا يفطن لهذا السر في حال ثروته وأسباب غناه ويساره والله سبحانه وتعالى يرزق من يشاء بغير حساب" (المرجع السابق، ص 488).

لانعرف ما إذا كانت جملة ابن خلدون الأخيرة عن أنَّ (الله يرزق ما يشاء بغير حساب).. تعجب أم افصاح عن المخبوء في جوف نصه؟ لأن مكر الثقافة يكشف عن سرقة الألفاظ لمضامين الفكرة تجاه تساؤل يفترض نفسه افتراضاً: كيف لفئة من الناس( الفقهاء) يكسبون أموالهم بلا مجهود، بلا بذل، بلا حسابٍ؟ فبدلاً من أن يقدم الفقهاء جهداً بحسب الطاقة الوظيفية في المجتمع، فالناس يسعون إليهم. ليس هذا فقط بل ينالون جاهاً وعليه سيكون مقدار الكسب. كأن شرط الكسب هو الجاه الذي لولاه ما كان كسباً ثم يتحقق الجانب الفارغ من المسألة... بأنْ ينال هؤلاء الفئة ثمناً دون سعي ولا جهد.

وأحد أسباب التملق الوصول إلى تلك النقطة تحديداً: أنْ ينال صاحبه مبتغاه دون سعي. لكونه يأخذ مكانة ليست له اعتماداً على جهد غيره من الناس الذين يفترض أن ينالوا الفرصة بمجهوداتهم. هي خطوة مزدوجة. أولاً: الكسب بلا عمل. وثانياً: تضييع خيار الآخرين في بلوغ الكسب بعمل. وبالتالي سيكون بناء المجتمع الذي يتسق مع النقطة الأخيرة على المحك.

ووجود كلمة "السر" كإشارة خلدونية لتوضيح كيف يكسب الفقهاء دون عمل، يعتبر دساً قرائياً متواصلاً يخرج عن احتمال نص صاحب المقدمة. والخروج يعني بحثاً عن جذور السر في كافة قطاعات المجتمع العربي. فالأسرار تستدعي بعضها البعض. لا يمكن لسر أنْ يجري وحده، السر ليس خاصاً بالفقهاء، لأن الظواهر التي تتجلى عنه منتشرة. هل لأن السر يعبر عن وجود فئة لا تعمل وفوق ذلك تكسب مالاً وافراً؟ هل أن السر عام بدرجة تسمح بوضعه تحت التساؤل بالنسبة لهذا المجال وما ينبغي له؟

بالمقابل لا يعنى ذلك حل السر كما نوه ابن خلدون بجذوره العامة، إنما القضايا التي صاحبته وحولته إلى (شيء من لا شيء) قادرة على كشف طبيعة التملق بالمنطق عينه. فالوظيفة التي أخذها أصحاب الخطابات الدينية هي الوظيفة نفسها التي يقتنصها السياسي بإعْمال الحيل وإعادة تشغيلها. ويتيح سقوط الخطابات العامة في هذا الفخ مراراً. وإذا كانت السياسة نوعاً من الرعاية لرعية لا تتمكن دائما من الحياة ولا يسمح لها بذلك في بلاد الشرق إجمالاً، فلن تكون الرعاية سوى فراغ يختلسه العاملون بالشأن العام للإغارة على الحقوق والأعمال.

يستدرك ابن خلدون مؤقتاً ليعتبر (العمل وقيمه) هما المقياس لحركة الأشخاص واحتياج الناس إليهم. لكنه يعتبر أن بذل الأموال لصالح المشتغلين بالشأن العام كالفقهاء لم تكن دون مقابل كما نظن. المقابل هو الأغراض: " كان ما يتقربون به (أي الناس) من عمل أو مال عوضاً عما يحصلون عليه بسبب الجاه في صالح أو طالح.." (المرجع السابق، ص 488). وكأن الجاه لا يحصل إلا بهذا القربان. والترميز هنا في (صالح أو طالح) ينقل الأغراض من مجرد قضايا إلى هدفٍ. ويجعل القربان مستحضراً لخيط دلالي مرتهن بتقديس القوى الميتافيزيقية قديماً. فالقرابين كانت تقدم هكذا لدفع المخاوف من عقاب الآلهة واتقاء لغضبها وجلب المنافع من وراء وجودها. وهو الشكل البدائي من استمالة القوة المقدسة لجانب البشر. هل الفقهاء ينشطون تلك الوضعية الغابرة؟ هل المتملقون الصغار حالياً يذكروننا بقرابين البشرية البدائية لقوة عليا لا ننال رضاءها إلاَّ بهذه الوسيلة المهترئة؟!

الحقيقة أنَّ تملقاً يمارسه السياسيون للسلطة لا يخلو من البعد القرباني. والقربان رمزي بالنفس الحرة التي تنحدر لتحاذي الأقدام والمكوث بينها لجني المنافع. والقربان السياسي يطلب الانبطاح العام باستمرار. أي ليس الفاعل هو المقصود بمفرده إنما هناك إرادة خفية تطلب خضوعاً من الآخرين بالمثل. كل قربان في شكل تملق بمثابة طقس في غير موضعه. فالسياسة – أو هكذا تفترض- تؤمن عدم اللجوء إلى القربان بالممارسات القانونية المباشرة دون وسائط. لكن السلطة الفاسدة تجعل نفسها مقدساً وتطلب القرابين مباشرة.

 والتملق يدفع الوسائط الذاتية إلى حيز السياسة ثانية. وينفي فاعلية أية قدرات انسانية والمعارف والتحضر والعمل إنما أولويته أن يجعل الحيل الخاطفة وسيلة سائدة. والاحتيال بادي العيان ههنا لأن القربان كان نوعاً من تحايل لكسب رضا القوى الخفية. وعلى ذات المنوال يندرج المتملق في انشاء احتياله بترسانة من الاستعارات وبلاغة التبرير والإقناع.

وربما انسداد الأفق السياسي أمام مواطني الدول العربية دفع الناس للتربح من طرق أخرى، فانتشار الظاهرة يكرس فكرة التوسط (الوساطة). ولعلنا نتخيل في اللحظة الراهنة ماذا ستكون السياسة إن امتلأت بالوسائط بين قواها في الواقع؟

1- لن تجدي المؤسسات لإدارة الحياة وتلبية مطالب ظروفها الحرجة. فالمؤسسات وضعت ابتداء لمنع أية توسط بين الفاعلين السياسيين وبين الدولة. بحيث لا يسعى كيان الدولة كمحظور يقف أمامهم. وفراغ الدولة من الإجراءات القانونية يترك السبق إلى المحتالين كي يمارسوا أدوارهم كما كان دجالو وسحرة الثقافات القبلية الغابرة يفعلون.

2- تخلق أوهام بديلة عوضاً عن أهداف مقبولة ونسبية. والوهم الكبير أن هناك طريقاً سحرياً لإنجاز الأعمال، لأنها قائمة على فائض خفي من العلاقة بين طرفين أحدهما أكبر بينما يخضع له الطرف الثاني. إن السحر والشعوذة هما عنوان هذا المصير لكنة يرتدي حلل العصر وتحولاته.

3- ينخر التوسط كالسوس في جسد الدولة. لأنه صريح الرفض لطرقها الواضحة والتي يجب أن تأخذ وقتها. إنه ضد الوقت المطلوب لإنجاز الأعمال كما ينبغي بشكل قانوني. ويسعي لبث الهشاشة في مفاصل الدولة، لأنها لو كانت قوية ما كان ليستمر في عمله كثيراً.

4- يفتح التوسط الباب لتسريب الوسطاء الذين يدَّعون التأثير على السلطة. وسيكون وضع الدولة مرهوناً بقوى داخلها ولكن تلوي عنق قوانينها لأجل التربح الخاص.

5- التوسط معناه جماعات طفيلية تستنزف قدرات المجتمع والدولة. وهذه الطفيليات لا تتوقف عن النهب باسم المصالح والوساطة. لكنها تنهب كي تعتاش وترهن الدولة إزاء المهام البديلة التي تقوم بها. هناك في مجتمعات عربية توجد طفيليات تزور الشهادات والوثائق الرسمية وتستطيع استخراجها من مصادر في الدولة. وهذا معناه تحويل الدولة إلى مجرد إدارة بعلم القانون لأرتال من الطفيليين الذين يتناسلون في كافة الهيئات والمؤسسات.

6- التوسط يضاد المعتقدات الدينية، ورغم أنه لا مساحة منطقية لعرض تلك النقطة غير أنها تكشف انفصاماً في شخصية المتملق ذي الخلفيات الاسلامية. لأنه يعرف أن الدين نهاه عن التزلف لقضاء الاعمال ورغم ذلك لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلاَّ وتملق بها رؤساءه. كيف ذلك؟! إن الوضع هنا متواصل مع انهيار التماسك الحياتي في شخصية المتملق. والمدهش أن لا يبالي بهذا الانفلاق ويراه أمراً محموداً (أليس سعيدا بنتائجه؟).

7- كل توسط هو نوع من المقايضة البدائية. فلا ينبغي أن نفهم الموضوع كأنه اتمام لعملية مؤقتة لكنها تجارة بأدوات قديمة. والسلع لا تقف عن حد. فالأمور لا تقاس بمقابلها المادي فقط، إنما أهدار لأشياء ضرورية في أفق المجتمعات (كالقيم والقوانين والعدالة)، في مقابل ارباح شخصية وجزئية. ولا يجانبها بالوقت نفسه جر الآخر إلى ضحالة في التفكير والممارسة.

يعتقد ابن خلدون أن المال الذي يحصله رجال الدين من الجاه جزءاً من أقدارهم مع كل النقاط السابقة. وهو يستعمل كلمات اقتصادية ربما ليبعد عن نفسه شبة الاصطدام فورياً بتلك الأفعال والمعتقدات الجارية مثل كلمات: الثروة، الغنى، اليسار، الرزق، الأقدار، الله، الدنيا، الآخرة. وهي دوال يخفت فيها بروز أية معان مشبوهة أو ممجوجة. وربما ينتمي ابن خلدون إلى نطاق ثقافي لا يدرك ما يحدث بالفعل رغم الآفاق التي تفتحها كتابته نقدياً. فالنص الخلدوني يورط " صاحبه المعلن" في أحبال " صاحبه الخفي". لأنَّه في كل فقرةٍ يدرج عبارة وعظية خاصة بالدين على سبيل المثال: (... والله يرزق من يشاء بغير حساب). وهي نوع من مسح البصمات وإزالتها عن جوانب النص ومراوغاته. وخوفاً من فهم الكلام في سياق بعينه، يدفع القارئ إلى سياق آخر لتنقية الكلمات على طريقة الاستغفار والتوبة.

 

سامي عبد العال

 

 

تماضر مرشد آل جعفرمقدمة لقضية عربية أرجو أن تكون مفتاحا لإعادة النظر في إيجاد رؤية تعالج المشكلة العربية الإسلامية بصورة صحيحة بعيدا عن النيل من التدين والذي يعد حرية شخصية لا تهمة.

منذ سنة 1916 والفكر العربي يدور حول مشكلة واحدة معتقداً أنها سبب انهيار الدولة، وتفشل كل الحلول المقدمة وذلك أنه لا يعلق فشل الحكومات والشعوب إلا على (الدين الإسلامي) وذلك من تأثره بثورة أوربا على دين الكنيسة، إلا أن مثقفنا العربي لا ينظر أبداً إلى خصوصية العربي البدوي الأصل العاشق للحرية والذي جعلته أوربا سجينا في (وطن) داخل أسوار ضيقة وسلطت عليه أتباع أوربا وأمريكا وروسيا يفرضون عليه تعاليمها ـ بحسب اتفاقيات سايكس بيكو ووعد بلفور وما لحقها من إهانة لكرامة العربي .

سنتتبع شكل الحكومات العربية منذ ذلك العام، وقبل هذا الوقت وفي معارك التحرير العربي من الإحتلال الأوربي كان كل قادتها المقاومون ـ المقاومة لا الثورة ـ كلهم زعماء مسلمون إسلاميون كعمر المختار وسليمان الحلبي وعبد القادر الجزاري وشيوخ وأمة الأزهر في مصر والقيادات الإسلامية في فلسطين وسوريا والعراق، كل أولائك الذين قاتلوا وقتلوا لم يكن فيهم علماني ولا شيعي بل كلهم تلاميذ الأزهر والمدارس الدينية الصوفية القادرية والتي وصفتها أوربا كلها بأنها إرهابية لشدة ما لاقته من مقاومة شرسة من أبنائها المجاهدين في سبيل تحرير أرض المسلمين العرب.

بعد الانسحاب والاتفاقات التي حصلت بعد الحربين العالميتين تقرر تقسيم الوطن العربي واحتلال فلسطين ومنحها لليهود وتقسيم الأمة الإسلامية إلى قوميات عربية وفارسية وتركيا

كان يجب على تلك الدول أن تضع بديلاً عنها في الأرض العربية فكانت الملوك والإمراء ومن ثم الجمهوريون الذين زعموا أنهم ثاروا ضد الإحتلال ، على أن ثوراتهم لم تسقط فيها قطرة دم واحدة لمحتل بل سقطت دماء الشعب العربي المسلم !

حكمت الحكومات العربية بين ملك وأمير ورئيس من 1948 تزامنًا مع الاحتلال الرسمي لفلسطين وكانت كل تلك الحكومات علمانية ليس فيهم متدين إسلامي سني، وكان الشيعة موجودين في كل مفاصل تلك الحكومات الجمهورية والملكية في العراق وسوريا ولبنان واليمن وسلطنة عُمان والبحرين والكويت .

جرف الزعماء ـ الجمهوريون خاصةـ شعوبهم وبلدانهم إلى معارك عسكرية وسياسية خاسرة أضعفت اقتصاديات الدول العربية وكانوا أعداء بعضهم همهم الوحيد كيف يسقط كل منهم الآخر ليتصدر الزعامة.

ودعمًا منهم لسياستهم  نشروا الأخلاق الأوربية السيئة وفرضوها فرضًا على الأخلاق العربية الإسلامية ولعبت السينما والمسرح  دورًا كبيرًا في تسقيط الأخلاق فكانت الراقصة أمينة والمحجبة فاسقة والسيد جوني والبواب عثمان، والملتحي السني إرهابي ، وهكذا عيشوا فاسقين ـ مثقفين ـ  وتناولوا خمور أوربا وإلا فالسجون مثواكم الأخير.

بدأ المتدينون يتضجرون وبدأت التنظيمات الإسلامية بنشر فكرة الوعي الإسلامي والتربوي وبلا قتال، فكانت مجالسهم ودعوتهم في كل الدول العربية تتخذ من المقاهي والجامعات مكانًا لنشر التربية الإسلامية للتخلص من أخلاق أوربا وأمريكا والدول الشيوعية التي جعلت المرأة مشترك متبادل بين الرجال.

لم ترق تلك التربية للحكومات العلمانية التي كانت حارساً أميناً على الإحتلال الصهيوني طيلة قرن من الزمان فبدأت تبني السجون والمعتقلات وبدأت بتزوير الكتب والوثائق التي تطعن بالإسلاميين السنة بوصفهم عملاء إسرائيل (وعجبي أن إسرائيل لم تسمح لهم بتولي الحكم في أي دولة عربية)، فلجأوا إلى القتال الذي عاد موصوفًا بالإرهاب الإسلامي المقاوم لعلمانية الغرب والتي لا تتناسب والأخلاق العربية.

والمفكر العربي تائه في دراسة حلول مشاكل ـ أوربا ـ وليس مشكلة العرب.

كل هذه الأحداث والظلم والدكتاتوريات لم تنبه المفكر العربي المثقف التنويري والتي كانت سبب خراب ديار العرب، نبهه شيء واحد فقط (الإسلام إرهابي يُهدد أركان الدولة)

وكلما تحدث مع الشباب المائل للتدين قال انظروا أوربا ماتطورت إلا بمحاربة الدين

يا أيها المثقف الواعي عندما حكم العلمانيون أعداء الدين المتمسكين بالفكر الإشتراكي والديمقراطي والشيوعي الروسي والأوربي الرأسمالي ما الذي قدموه لأوطانهم حين كان الإسلاميون عاجزين عن الدفاع عن دمائهم التي دفعوها ثمناً لمقاومة الإحتلال كي يستلم البلد العلماني والعلوي الشيعي؟ أين مواطن التطور والرقي غير عري النساء وإباحة شرب الخمر؟ هل صنعوا لنا مركبة فضائية؟ هل قدموا معلماً حضارياً كمعالم الصين مثلاً؟ كل ما صنعوه هو العسكر المطيع لقائده في ذبح شعبه المخالف لرأيه. ومدارس وجامعات لا تُعلم إلا منهج الحزب الأوحد.

مشكلتك يا أيها المثقف العربي أنك تهت في خدمة أمتك لأنك لاتنظر إلى أسباب الخراب الحقيقي, ألا وهي الدكتاتورية التي جعلت العالم العربي كقطيع أغنام متشابه الرأي يسير خلف الراعي بلا بصيرة.

مشكلتك وأنت تتحدث مع الإسلامي ـ المتطرف من شدة الظلم ـ أنك تحدثه أنك كنت تعيش سعيدًا في الحكم العلماني،  والحقيقة هي غير ذلك تمامًا لأنك ماكنت تستطيع أن تكون كسارتر الذي انتقد ديكول وكنت تخاف حتى من زوجتك المحبة للزعيم القائد فعن أي سعادة تتحدث؟

يا أيها المثقف العربي ذو النظرة الأحادية الجانب سبب عدم تقديم حل مقنع للمشكلة العربية أنك في دولة  هكذا: الدولة تتكون من أربع زوايا، في وسطها يسكن القائد (ملك أمير رئيس) العربي العلماني، قائدنا العربي لا يستطيع أن ينظر إلى كل الزوايا بنفس النظرة لطبعه العنصري، صدفة القدر جعلتك تعيش في الزاوية التي كان يتوجه إليها نظر القائد الذي حباك ومن معك بالرعاية فكانت زاويتك فيها مدارس وجامعات وبيوت وشوارع يسير فيها ويتعلم ـ أحباب القائد أو المطيعون لأمره ـ  بينما الزوايا الثلاث الأخرى كانت تسرح فيها الأغنام، ولم تفهم معنى التعددية العربية، فإن من يعيش في زاوية الريف يؤمن فقط بإله السماء الذي يسقي نبته، ومن يعيش في زاوية البادية يؤمن برئيس القبيلة الذي يعلم كيف يجتاز به الصحراء، وزاوية القومي المتخندق في حدود العرب ليست كزاوية المتدين العابر لحدود الأوطان، وزاوية مؤلف الكتب ليست زاوية التاجر.

لذلك لا تقل للمتدين المتطرف من شدة تهميشه: أن المجتمع كان سعيداً لأنه بعيد عن الدين، ولا تعلق فشل مشروعك وفشل الحكام بالدين العربي الإسلامي، فالدين العربي ليس دين كنيسة أوربا والمجتمع العربي ليس أوربيًا ولا روسياً ولا يستطيع إلا أن يكون عربياً يغارُ على أنثاه أن يراها الجيران .

فافهم مشكلتنا كعرب ليست الدين، وتخلفنا وتفرقنا  ليس سببه الدين، إنما اتخذ المظلومون من الدين رداءًا يستنصرون به وللأسف ما نُصِروا، أعيدوا النظر في مشاريعكم الفكرية واقرأوا سياسة تدخل أوربا وروسيا وأمريكا في القرار العربي منذ مئة عام ، نحن فقدنا حبنا للوطن لأنه مسمى باسم القائد الدكتاتور الذي حكم أجداده أجدادنا وآباؤه آباءنا وأبناؤه حكمونا بقرار ليس عربياً، والإسلام كدين لا يُفسد السياسة ولا يتعارض معها وما كانت الحضارات العربية التي نشرت الفكر والثقافة في ربوع الأرض إلا من عرب مسلمين حكموا دولا وساسوا أمما أوصلت فلسفة ابن رشد والطبيب الكندي إلى أوربا في عهود تخلفها ومازالت فرنسا تقرأ الفقه الإسلامي في القانون، فلا نخلط بين تسلط الشخص الحاكم الظالم وأتباعه وتسخيره لرجال دين لخدمته وبين الإسلام وتعاليمه.

الأولى إعادة النظر في حلول تقدم ثقافة عربية مسلمة بعيدا عن فكر الغرب لنكسب جميع أفراد الأمة العربية.

مشكلتنا سببها العنصرية والدكتاتورية والرأي الأوحد والحزب الأوحد فابحثوا عن مشاريع عربية الحل لا أوربية ولا روسية ولا أمريكية.

 

د. تماضر آل جعفر

11/ تموز/ 2020/

.............................

ملاحظة: أوردت ذكر السنة والشيعة كون الإسلاميون السنة هم من يقاوم الإحتلال بالسلاح فقط ولا يعرف كيف يسايسه وهو في أرضه، بينما استطاع الشيعة أن يتعاملوا مع كل المحتلين كونهم فئة سياسية التأسيس وليست دينية، لذلك سمحت القوى العظمى المسيطرة على الشرق الأوسط بتولي الإسلامي الشيعي الحكم في بلاد فارس وبلاد العرب ولكنها لم ولن تسمح يوماً بتولي إسلامي سني عربي الحكم لعدم الشعور بالأمان من كلا الطرفين.

 

 

وتسمى أيضاً عائلة اللغات الأبخازيَّة ـ الأديغيَّة

تنتشر الشعوب التي تتكلم بلغات هذه العائلة اللغويَّة على الضفاف الشرقيَّة للبحر الأسود. تضم هذه العائلة اللغويَّة مجموعتين لغويتين أساسيتين هما:

مجموعة اللغات الأبخازِيَّة ـ الأباسينِيَّة

(وتشمل على: 1.اللغة الأبخازِيَّة  و 2.اللغة الأباسينِيَّة)

مجموعة اللغات الشركسِيَّة ـ الأبيشِيَّة

كانت هذه المجموعة من اللغات  تتكون من لهجات مختلفة تَطَوَّرت في الفترة بين القرنين الثالث عشر والرابع عشر لتتبلور منها كل من اللغتين التاليتين:

ــ اللغة الشركسِيَّة القبردينيَّة و ــ اللغة الشركسِيَّة الأديغيَّة  بالإضافة إلى

ــ اللغة الأبيشِيَّة، وهي لغة منقرضة.

يتكلم باللغات الحيَّة لهذه المجموعة قرابة المليونين إنسان ينتشرون في دول وجمهوريّات مختلفة كما موضح أدناه.

اللغة الأبخازِيَّة

اللغة الأبخازِيَّة: إحدى لغات عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الغربِيَّة/

التي تسمى أيضاً عائلة اللغات الأبخازيَّة ـ الأديغيَّة/ ومنها اللغة الأبخازِيَّة.

التسميَّة باللغة الأم: تسمى اللغة الأبخازيَّة عند الناطقين بها باسم أبسوا أو  أزيغا (Apsua/ Asega).

تأريخها نشوئها وتطورها: يرجع تأريخ الأبخازييون ولغتهم إلى الألف الرابع ق.م..

كان للأبخازييون علاقات تجاريَّة مع اليونانييون منذ بدايات الألف الأوَّل ق.م، وتمت الإشارة إلى ذلك مراراً في مؤلفات اليونايين. إستعان الأبخازييون منذ القدم باللغة الجورجيَّة لتوثيق معاملاتهم حيث إسْتُخْدِمَت اللغة الجورجيَّة ومعها اللغة اليونانيَّة قبل التأريخ الميلادي للمراسلات الرسميَّة وغير الرسميَّة  في منطقة أبخازيا. مع نهايات القرن التاسع الميلادي إقتصر الإستخدام على اللغة الجورجيَّة. في القرن الثامن للميلاد توحَدَت مختلف القبائل الأبخازيَّة لتشكل القوميَّة الأبخازيَّة التي تمكنت من بناء مملكة أبخازيا. نهاية القرن العاشر توحدت هذه المملكة مع مملكة جورجيا لتشكيل المملكة الأبخازيًّة ـ الجورجيَّة، التي إستمرت حتى القرن الثالث عشر وتم إنهائها بعد إن تعرضت للغزو المنغولي. في القرن السابع عشر خضعت هذه المناطق لسيطرة الإمبراطوريَّة العثمانيَّة. 

منتصف القرن التاسع عشر خضعت مناطق القوقاز لسيطرة القيصريَّة الروسيَّة وتم إستخدام اللغة الروسيَّة وأبجديتها السيريليَّة في المراسلات الرسميَّة وبقي هذا الأمر سائداً حتى نهايات القرن التاسع عشر. بداية القرن العشرين أصبحت اللغة الأبخازيَّة لغة مكتوبة ومستقرة وعاشت أفضل مراحل تطورها وإنتعاشها بعد ثورة أكتوبر 1917 حيث تحولت أبخازيا عام 1921 إلى واحدة من جمهوريَّات الإتحاد السوفياتي سابقاً وإستمر هذا الحال حتى عام 1931 حيث ألحِقت أبخازيا بجمهوريَّة جورجيا وأجبر الأبخازيين على إستخدام اللغة الجورجيَّة في مراسلاتهم الرسميَّة وعلى إستخدام الأبجديَّة الجورجيَّة في كتابة لغتهم وأصبح الأطفال الأبخازييون يتعلمون اللغة الجورجيَّة بدلاً من لغتهم الأم. بعد إنفصال أبخازيا عن جورجيا عام 1991 عادت الحياة مجدداً إلى اللغة الأبخازيَّة وأصبحت اللغة الرسميَّة لهم وًصار الأطفال يتعلمونها في المدارس ويستخدمونها في الجامعة.

مخطوطاتها الأثريَّة: لا توجد آثار لغويَّة تذكر للغة الأبخازِيَّة.

أماكن إنتشارها: اللغة الأبخازِيَّة هي لغة الأبخازييون ومعهم الأباضة في جمهوريَّة أبخازيا (وهي جمهوريَّة مستقلة بعد إعلان إنفصالها عن جورجيا) ويتركزون في مدينة سوخومي عاصمة أبخازيا على السواحل الشرقيَّة للبحر الأسود وكذلك على إمتداد الضفاف الغربيَّة لنهر أنغوري الذي يجري في جمهوريَّة جورجيا. تبلغ  نسبة الأبخازيين في هذه الجمهوريَّة أكثر من 50% من مجموع السكان. هاجرت مجاميع كبيرة من الأبخازيين في زمن القيصر خلال فترة الحرب الروسيَّة على مناطقهم وتوجهوا نهاية القرن التاسع عشر إلى تركيا ودول عربيَّة وإستقرّوا هناك بحكم إعتناقهم للديانة الإسلاميَّة. تنتشر اللغة الأبخازِيَّة أيضاً في مناطق متفرقة من روسيا (11 ألف) وكذلك في جورجيا في منطقة أدشاريا وفي أوكرانيا وسوريا والأردن وفي تركيا يتواجد 15 ألف من الأبخازيين إنصهر معظمهم مع الأتراك ولم يبق منهم إلا 4 آلاف حافظوا على لغتهم.

عدد الناطقين بها: يتكلم باللغة الأبخازِيَّة أكثر من 120.000 إنسان.

لهجاتها: هناك لهجات مختلفة في اللغة الأبخازِيَّة منها:

لهجة آبشوج (Abschuj) ولهجة سامورزاكان (Samurzakan) في الجنوب

ولهجة بزيب (Bzyb) واللهجة البسيبيَّة (Bsybisch) في الشمال.

مكتوبة أم غير مكتوبة: لم تعرف اللغة الأبخازيَّة الكتابة إلا في فترات متأخرة. وإنَّ أوَّل محاولة لكتابتها إعتمدت على إستخدام الأبجديَّة العربيَّة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ولم يُكْتَب لها النجاح.

ــ عام 1862بعد إن خضعت أبخازيا تحت سيطرة القيصريَّة الروسيَّة كُتِبَت هذه اللغة بأبجديَّة خاصة وُضِعَت لها بالإعتماد على الأبجديَّة السيريليَّة، التي تُكتَبْ بها اللغة الروسِيَّة وضعها السيد بيتر أوسلار (Peter von Uslar) أحد ضباط  القيصر الروسي وكانت تتألف من 37 حرفاً، إلا أنها لم تفي بالغرض المطلوب حيث لم تتمكن من إستيعاب المنظومة الصوتِيَّة  الكبيرة للغة الأبخازِيَّة.

ــ عام 1926 تم تطوير هذه الأبجديَّة لتشمل على 55 حرفاً.

ــ عام 1928 تم الإنتقال إلى الأبجديَّة اللاتِينِيَّة سَوِيَّة مع البعض من       اللغات القوقازيَّة ولغات التورك على أعقاب مؤتمر باكو.

ــ عام 1931 أُلحِقت أبخازيا بجورجيا وفي الفترة من

ــ عام 1938 حتى عام 1954، تم الإنتقال إلى أبجدية مخدرولي. 

ــ عام 1954  تم الإنتقال مجدداً إلى الأبجديَّة السيريليَّة.

ــ عام 1993 خضعت أبخازيا تحت الإدارة الجورجِيَّة وتبعاً لذلك تمت العودة إلى إستخدام الأبجديَّة الجورجيَّة (أبجدية مخدرولي).

ــ 2014 وبعد تقارب أبخازيا مع روسيا مجدداً تمت العودة إلى الأبجديَّة السيريليَّة. يصل عدد الحروف الصحيحة في هذه اللغة إلى 69 حرف، وبالمقابل عدد قليل من حروف العِلَّة، لذلك كان يتعيَّن على الأبخازيين إضافة حروف جديدة إلى منظومات الحروف المُعْتَمَدَة للأبجديات المُختَلِفَة التي كُتِبَت بها لغتهم. وقد صَنَّفَت منظمة اليونسكو اللغة الأبخازيَّة ضمن اللغات المهددة بالإنقراض وذلك بفعل هيمنة اللغتين الجورجيَّة والروسيَّة في مناطق تواجدها.

رسمية/ غير رسميَّة: اللغة الأبخازِيَّة هي لغة رسميَّة و معترف بها إلى جانب اللغة الروسيَّة في أبخازيا (جمهورية مستقلة حديثاً).

معاصرة/ منقرضة: اللغة الأبخازِيَّة لغة معاصرة محكِيَّة ومكتوبة.

معزولة/ غير معزولة: اللغة الأبخازِيَّة لغة غير معزولة ولها صلات مع لغات أخرى ضمن عائلتها اللغويَّة.

محليَّة/ واسعة الإنتشار: اللغة الأبخازِيَّة لغة محليَّة محدودة الإنتشار.

الكود الدولي للغة الأبخازِيَّة:

ISO 639-1 ab   ISO 639-2 abk   ISO 639-3 abk

اللغة الأباسينِيَّة

اللغة الأباسينِيَّة: إحدى لغات عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الغربِيَّة/

التي تسمى أيضاً عائلة اللغات الأبخازيَّة  ـ الأديغيَّة/ ومنها اللغة الأباسينِيَّة.

التسميَّة باللغة الأم: تسمى اللغة الأباسينِيَّة عند الناطقين بها باسم آبازا (Abaza) (абаза бызшва) وتسمى أيضاً آشووا (Ashuwa).

تأريخها نشوئها وتطورها: كانت قبائل الأباسينِييون حتى القرن الرابع عشر تقطن في أبخازيا إلا أنهم إنتقلوا بعد ذلك إلى المناطق المجاورة، ومن هنا تأتي الأصول المشتركة للغتين الأباسينِيَّة والأبخازِيَّة.

مخطوطاتها الأثريَّة: لا توجد آثار لغويَّة تذكر للغة الأباسينِيَّة.

أماكن إنتشارها: تنتشر اللغة الأباسينِيَّة في جمهورية قاراتشاي ـ تشيركيسين (جمهوريَّة فدرالية في جمهوريَّة روسيا الإتحادِيَّة) في مجموعة من القرى المنتشرة على ضفاف انهر كوبان وكوما وسلنتشوك، وفي تركيا حيث يتواجد أكثر من 10 ألف من بقايا الأباسينيين اللذين إنتقلوا إلى هناك عام 1864 وقد أخذ هؤلاء يتعلمون ويستخدمون اللغة التركيَّة التي طغت على لغتهم الأم. يحصل هذا أيضاً في جمهوريَّة قاراتشاي ـ تشيركيسين حيث أخذت اللغة القبردينيَّة تنتشر بين صفوف الأباسينِيَّين.

عدد الناطقين بها: يتكلم باللغة الأباسينِيَّة أكثر من 45.000 مواطن في جمهورية قاراتشاي ـ تشيركيسين. وتستخدم اللغة الأباسينِيَّة أيضاً من قبل 10.000 مواطن أباسيني في تركيا.

لهجاتها: هناك لهجات مختلفتة في اللغة الأباسينِيَّة أهمها:

ــ لهجة تابانتي (Tapantisch) وينطق بها الأبشوئيون و

ــ لهجة آشّاروا (Aschcharisch) وينطق بها الأشاريون و

ــ لهجة بزشاغ (Bezshagh) وينطق بها البزيشيون

ــ واللهجة الأبشوشيَّة (Abschuisch) وينطق بها الأبشوئيون أيضاً.

إعتُمِدَت لهجة تابانتي في تدوين اللغة  الأباسينِيَّة.

مكتوبة/ غير مكتوبة: كُتِبَت اللغة الأباسينِيَّة لأوَّل مرَّة بالأبجدية اللاتينيَّة من عام 1932 حتى عام 1938 على أعقاب قرارات مؤتمر باكو، ومنذ عام 1938 ولحد الآن تُكُتَب بالإبجديَّة السيريليَّة بعد إضافة حروف جديدة إليها.

رسمية/ غير رسميَّة: اللغة الأباسينِيَّة لغة معترف بها وهي واحدة من 4 لغات رسمية في جمهورية قاراتشاي ـ تشيركيسين.

معاصرة/ منقرضة: اللغة الأباسينِيَّة لغة معاصرة محكيَّة ومكتوبة.

معزولة/ غير معزولة: اللغة الأباسينِيَّة لغة غير معزولة ولها صلات مع لغات أخرى ضمن عائلتها اللغويَّة.

محليَّة/ واسعة الإنتشار: اللغة الأباسينِيَّة لغة محليَّة محدودة الإنتشار.

الكود الدولي للغة الأباسينِيَّة:

ISO 639- 1: --, ISO 639-2: cau, ISO 639- 3: abq

اللغة الشركسِيَّة القبردينيَّة

اللغة الشركسِيَّة القبردينيَّة: إحدى لغات عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الغربِيَّة/ التي تسمى أيضاً عائلة اللغات الأبخازيَّة  ـ الأديغيَّة/ اللغات الشركسِيَّة ـ الأبيشِيَّة/ ومنها اللغة الشركسِيَّة القبردينيَّة.

التسميَّة باللغة الأم: تسمى اللغة الشركسِيَّة القبردينيَّة عند الناطقين بها قبردايبزا    (Qăbărdeibză) أو كجاخيش (Kjachisch).

تأريخها،  نشوئها وتطورها: تعتبر مناطق القوقاز الشماليَّة بين نهري كوبان وتيريك التي تُشَكِّل اليوم القسم الشمالي من قبردينو ـ بلقاريا (جمهوريَّة فدرالية في جمهوريَّة روسيا الإتحادِيَّة) الموطن الأصلي للقبردينيين. كان للقبردينييون منذ القرن الخامس عشر وحتى عام 1826 إقليم خاص بهم يسمى إقليم قبردا، لكنهم فقدوا إستقلاليتهم بعد تعرضهم للغزو العثماني. بعدها خضعوا لسيطرة القيصريَّة الروسيَّة. تطوَّرَت اللغة الشركسيَّة القبردينيَّة مع نهايات القرن الخامس عشر بعد تمتع القباردانييون بإستقلاليتهم. بعد سيطرة روسيا القيصريَّة عام 1864 على مناطق القوقاز رَحَلَت أكثر من ثلثيّ القبائل الشركسيَّة من مناطق تواجد الشركس الأصليَّة في القوقاز إلى تركيا عاصمة الإمبراطوريَّة العثمانيَّة سابقا لأسباب دينيَّة.

مخطوطاتها الأثريَّة: لا توجد مخطوطات أثريَّة للغة القبردينيَّة.

أماكن إنتشارها: تنتشر اللغة القبردينيَّة في جمهورية قاراتشاي ـ تشيركيسين وهي (جمهورية فيدرالية في جمهوريَّة روسيا الإتحاديَّة) تم إعلان تشكيلها في 1936.12.05 ضمن جمهوريات الإتحاد السوفياتي سابقاً، وتحولت لاحقاً إلى جمهوريَّة فيدراليّة ضمن جمهوريَّة روسيا الإتحاديَّة، بالإضافة إلى تركيا والأردن وسوريا والمانيا.

عدد الناطقين بها: يتكلم باللغة الشركسِيَّة القبردينيَّة أكثر من مليون مواطن منهم

450 ألف في جمهورية قاراتشاي ـ تشيركيسين  ومناطق أخرى في روسيا و 550  ألف في تركيا و 60 ألف في الأردن و 40 ألف في سوريا و 14  ألف في المانيا وفي ومناطق أخرى.

لهجاتها: تعددت لهجات اللغة القبردينيَّة ومن أهمها:

ــ لهجة تيرك (Terek)،

ــ لهجة بكسان (Baksan) وــ لهجة مالكا (Malka)،

ــ لهجة قبردا (Kabarda) وــ لهجة موزدوك (Mosduk) و

ــ لهجة بيزليني (Besleney) و ــ ولهجة كوبان (Kuban).

مكتوبة/ غير مكتوبة: لا تمتلك اللغة القبردينيَّة أبجدية خاصة بها. كُتِبَتْ لأوِّل مَرَّة بالأبجديَّة العربية بعد إن إعتنقت هذه الشعوب الإسلام. وُضِعت أوَّل أبجدية للغة القبردينيَّة بالإعتماد على الأبجدية العربية وتم الإعتماد على لهجة بكسان في وضع هذه الأبجديَّة التي تتألف من 54 حرفاً وتحولت لهجة بكسان إلى لغة الأدب. جرى العمل بهذه الأبجديَّة حتى عام 1929.

ــ من عام 1929 حتى عام 1939 حصلت محاولات للإنتقال إلى الأبجدية اللاتينيَّة إرتباطاً بما جاء بقرارات مؤتمر باكو. توقفت تلك المحاولات بعد إن تم إلحاق هذه المناطق بالإتحاد السوفيتي سابقاً وتم إستخدام الأبجدية السيريليَّة التي تُكتب بها اللغة الروسيَّة وإستَمَرَّ إستخدام الأبجدية السيريليَّة حتى بعد عام 1991، حيث لا زالت هذه المناطق ضمن حدود جمهوريَّة روسيا الإتحاديَّة.

رسمية/ غير رسميَّة: اللغة الشركسِيَّة القبردينيَّة هي اللغة الرسميَّة  في جمهورية قراتشاي ـ تشيركيسين. معظم السُكّان هنا من الشركس الذين ينتشرون في الوديان جنوب نهر كوبان، وكذلك في شبه جمهورية قبردينو ـ بلقاريا، وهي أيضاً (جمهورية فدرالية في روسيا) إلى الشرق من تشيركيسيا ومعظم سُكّانها من القبرطيين الذين ينتشرون على ضفاف نهري كوبان وتيريَك بين جبال ألبروس وكازبك.

معاصرة/ منقرضة: اللغة الشركسِيَّة القبردينيَّة لغة معاصرة محكيَّة ومكتوبة.

معزولة/ غير معزولة: اللغة الشركسِيَّة القبردينيَّة لغة غير معزولة ولها صلات مع لغات أخرى ضمن عائلتها اللغويَّة.

محليَّة/ واسعة الإنتشار: اللغة الشركسِيَّة القبردينيَّة لغة الشركس القبردينيَّين في أديغيا  بالإضافة إلى تركيا وسوريا والأردن.

الكود الدولي للغة الشركسِيَّة  القبردينيَّة:

ISO 639-1:--,  ISO 639-2: kbd, ISO 639-3: kbd

اللغة الشركسِيَّة الأديغيَّة

اللغة الشركسِيَّة الأديغيَّة: اللغة الشركسِيَّة الأديغيَّة إحدى لغات عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الغربِيَّة/ التي تسمى أيضاً عائلة اللغات الأبخازيَّة  ـ الأديغيَّة/ اللغات الشركسِيَّة ـ الأبيشِيَّة/ ومنها اللغة الشركسِيَّة الأديغيَّة.

التسميَّة باللغة الأم: تسمى اللغة الشركسِيَّة الأديغيَّة عند الناطقين بها باللغة الأدغيَّة (адыгабзэ [adəgabză).

تأريخها، نشوئها وتطورها: تتكلم باللغة الشركسيَّة أقليات شركسيَّة تتواجد في كل من تركيا وروسيا والأردن والعراق وسوريا حيث يتجاوز العدد الإجمالي للناطقين باللغة الشركسِيَّة بفرعيها القبردينيَّة والأديغيَّة 1.5 مليون إنسان.

مخطوطاتها الأثريَّة: لآ توجد مخطوطات أثريَّة تذكر للغة الشركسِيَّة الأديغيَّة.

أماكن إنتشارها: تنتشر اللغة الشركسِيَّة الأديغيَّة في أديغيا (جمهورية فدرالية في روسيا الإتحاديَّة) للأديغيين وتقع إلى الغرب من جمهوريَّة تشيركيسيا وفي سوريا والعراق والأردن.

عدد الناطقين بها: يتكلم باللغة الشركسِيَّة الأديغيَّة 500.000 مواطن منهم 125 ألف في أديغيا و 280  ألف في تركيا 45 ألف في الأردن و 25 ألف في سوريا و 20 ألف في العراق وفي أماكن أخرى.

لهجاتها: تعددت لهجات اللغة الشركسِيَّة الأديغيَّة ومن أهمها:

ــ اللهجة التِميرغوجيَّة (Temirgoisch) و ــ اللهجة الهاكوتشيَّة (Hakutschisch) و

ــ اللهجة الأبادشيشيَّة (Abadschechisch) و ــ اللهجة الشمغوشيّة (Tschemguisch) و

ــ اللهجة البدشدوغيَّة (Bdschedugisch) و ــ اللهجة الشبزوغيَّة (Schapsugisch).

مكتوبة/ غير مكتوبة: لا تمتلك اللغة الشركسِيَّة الأديغيَّة أبجدية خاصة بها وقد كُتِبَتْ لأوِّل مَرَّة بالأبجديَّة العربية بعد إن إعتنقت هذه الشعوب الإسلام حيث وُضِعت لها أوَّل أبجدية بالإعتماد على الأبجدية العربية وجرى العمل بها حتى عام 1929. تم إعتماد اللهجة التِميرغوجيَّة في وضع الأبجدية وأصبحت هذه اللهجة لغة الأدب لاحقاً.

من عام 1929 حتى عام 1939 حصلت محاولات للإنتقال إلى الأبجدية اللاتينيَّة كما حصل هذا التوجه مع بقيَّة اللغات القوقازيَّة ولغات التورك على أعقاب مؤتمر باكو في أذربيجان عام 1922. توقفت تلك المحاولات بعد إن تم إلحاق هذه المناطق بالإتحاد السوفيتي سابقاً وتم إستخدام الأبجدية السيريليَّة التي تُكتب بها اللغة الروسيَّة وإستَمَرَّ إستخدام هذه الأبجدية حتى بعد عام 1991.

رسمية/ غير رسميَّة: اللغة الشركسِيَّة الأديغيَّة هي اللغة الرسمِيَّة في منطقة أديغيا (جمهورية فدرالية في روسيا) للأديغيين وتقع إلى الغرب من جمهوريَّة تشيركيسيا.

معاصرة/ منقرضة: اللغة الشركسِيَّة الأديغيَّة لغة معاصرة محكيَّة ومكتوبة.

معزولة/ غير معزولة: اللغة الشركسِيَّة الأديغيَّة لغة غير معزولة ولها صلات مع لغات أخرى ضمن عائلتها اللغويَّة.

محليَّة/ واسعة الإنتشار: اللغة الشركسِيَّة الأديغيَّة لغة تُستَخْدَم من قبل الشركس الأديغيَّين في أديغيا بالإضافة إلى تركيا وسوريا والأردن.

الكود الدولي للغة الشركسِيَّة الأديغيَّة:

ISO 639-1:--,  ISO 639-2: kbd, ISO 639-3: ady

اللغة الأبيشِيَّة

اللغة الأبيشِيَّة: إحدى لغات عائلة اللغات القوقازِيَّة الشماليَّة الغربِيَّة/

التي تسمى أيضاً عائلة اللغات الأبخازيَّة  ـ الأديغيَّة/ ومنها اللغة الأبيشِيَّة.

التسميَّة باللغة الأم: تسمى اللغة الأبيشِيَّة عند الناطقين بها (  t°axə bze) الابشية.

تأريخها،  نشوئها وتطورها: تعتبر السواحل الشماليَّة الشرقيَّة للبحر الأسود الموطن الأصلي للأبيشييون. بلغ تعداد الأبيشييون عند منتصف القرن التاسع عشر 70 ألف مواطن. إتحدت القبائل الأيبيشيَّة مع قبائل الشركس في الحرب التي شنتها روسيا القيصريَّة ضد مناطق القوقاز عام 1817 والتي إنتهت بسيطرة قُوّات القيصريَّة عام 1864 على هذه المناطق.

هاجرت القبائل الأبيشِيَّة إلى تركيا (الدولة العثمانيَّة سابقاً) بعد نهاية الحرب الروسيَّة على القوقاز بعد إن إتخذت هذه القبائل من الإسلام ديناً لها تحت السيطرة العثمانيَّة وإستوطنوا في مناطق غرب الأناضول عند سواحل بحر مرمرة بالقرب من إسطنبول وتعلموا هناك اللغة التركية التي حلَّت محل لغتهم الأم. أما من بقي منهم في روسيا فقد تعلم اللغة الروسيَّة كما تعلم قسم آخر اللغة الأديغيَّة التي تنتشر في أماكن تواجدهم السابقة.

مخطوطاتها الأثريَّة: لا توجد مخطوطات أثريَّة تذكر للغة الأبيشِيَّة حيث أنها كانت من اللغات غير المكتوبة.

أماكن إنتشارها: كانت قبائل الأبيشِييون تنتشر في الأراضي القوقازيَّة بالقرب من مدينة سوتشي في روسيا الإتحاديَّة على السواحل الشرقيَّة للبحر الأسود بين نهري شاكها وشاتشه.

عدد الناطقين بها: كان تعداد الأبيشييون قبل فترة الحرب التي شنتها القيصريَّة الروسيَّة على مناطق القوقاز في بدايات القرن التاسع عشر يقارب ال 50 ألف إنسان. تعتبر اللغة الأبيشِيَّة في الوقت الحاضر في تعداد اللغات المنقرضة حيث توفي آخر الناطقين بها عام  1992 في تركيا.

لهجاتها: لا تعرف لهجات اللغة الأبيشِيَّة.

مكتوبة/ غير مكتوبة: اللغة الأبيشِيَّة لغة غير مكتوبة ولم يتم تدوينها بأيَّة أبجديَّة.

رسمية/ غير رسميَّة: كانت اللغة الأبيشِيَّة لغة محليَّة وغير معترف بها.

معاصرة/ منقرضة: اللغة الأبيشِيَّة هي إحدى اللغات التي إنقرضت في نهايات القرن العشرين دون أن تترك لنا ما يمكن الأستفادة منه لكونها لم تكن من اللغات المكتوبة.

معزولة/ غير معزولة: كانت اللغة الأبيشِيَّة لغة غير معزولة ولها صلات مع لغات أخرى ضمن عائلتها اللغويَّة.

محليَّة/ واسعة الإنتشار: اللغة الأبيشِيَّة واحدة من اللغات المُنقرضة.

الكود الدولي للغة الأبيشِيَّة:

ISO 639-1:--,  ISO 639-2: --, ISO 639-3: uby

 

د. محمد شطب

 

 

 

نجيب طلالاحتفالية كورونا: حقيقة وليس وهْما ولا تخاريف بأن فيروس "كورونا" أيقظنا من غفلتنا وسباتنا العميق لكي نرَتب الأولويات ونعيد الاعتبار عمليا للعلم الرصين وللإبداع الصادق وللفن الجاد؛ ولكي نفهم كيف يمكن أن تتحقق " العيدية " بشكلها العملي والتطبيقي، لكي نحافظ على ما تبقى لنا بعد التدمير النفسي والاجتماعي والاقتصادي .لنستعيد على الأقل المعنى الإنساني الذي فينا؛ وليس الشكلي/ القناعي؛ الذي نمارسه لغوا ورياء. مثل أباطيل وفنكوشية الفقيه (الإحتفالي) التي تدعو لإنسانية الإنسان انطلاقا من فقاقيع صابونية كمنتوج فنكوشي ! بعكس "كورونا" الذي مارس بحق طقوسا احتفالية بمنظوره الخاص، بعيدا عن عوالم ديونيزوس حيث الخمرة والابتهاج والرقص والأناشيد "الديثورامبوسية " و"الساترات" رفقة عابدات " باخوس" مُؤسسا اهتبالية بمفاهيم بديلة وخارج القيم والمعتاد من حياة الناس؛ ولكنها تبدو من فنون السحرl'art magique بحكم هلامية حضوره؛ لكي تنهار منظومة الإنسان الفاعل الحيوي؛ ولقد انهارواستكان: أمرا وطواعية وهلعا للحجر الصحي؛ لتبقى احتفالية كورونا تفتك بالجموع تنتعش حصدا في أرواح العباد، لا صوت هناك يعلو فوق صوت "اهتباليتها" هي (هنا / الآن) ترسل رعْبا لا مثيل له وذعْرا مثيرا بين الأسر وفي مفاصل الدولة / الدول. بحيث استطاعت أن تجعل الشوارع فارغة من الحشود والهرج! والمدن أشباحا كأنها أطلال ! والقاعات خالية من روادها والمؤسسات كهوفا مظلمة ! وحدها أجهزة الدولة في حرب لا هَوادة (مع) اللامرئي ؟ محاولة منها لإضفاء شعلة احتفالية الفيروس. فرغم هاته الحقيقة التي ليست شريطا سينمائيا؛ نجد صاحبنا" الإهتبالي" الذي يحاول وحيدا أن يضيف قطرات حياة في [وهْم احتفاليته] التي عرتها [احتفالية كورونا] عمليا ورغم ذلك يشير تعَنتا: إن كل هذا الرعب لا ينبغي أن يرعبنا، وكل هذا الذي يحدث اليوم لا يعني أبدا أن التاريخ قد انتهى، وأن المسرح قد انتهى.... هي مرحلة استثنائية إذن، في انتظار أن نعود إلى الحياة، وأن تعود إلينا الحياة، كما كانت، أو أجمل وأبهى مما كانت، وإذا نحن تغيرنا، استجابة لهذا الخواء الذي يهددنا.. المعركة إذن هي معركة وجود، أي نكون أو لا نكون، وأن وجودا كما نريد، وكما تشاء الحقيقة، وليس كما يفرض علينا (1) فإذا حاولنا ربط[الرعب لا ينبغي أن يرعبنا] بـ[استجابة لهذا الخواء] فضمنيا طرحه يميل بأن فيروس كورونا (مؤامرة) بيولوجية بشكل عام كما يروج بعض المتطرفين؛ وبشكل خاص فالمؤامرة التي يرمز إليها هي من نوع آخر(أي) يتوهم أن احتفالية كورنا؛ أرسلت للقضاء وتدمير (احتفاليته)بحيث يقول: أن هذا الزمن الذي نعيشه اليوم هو زمن شاذ واستثناني، وهو واقعي نعم، ولكن واقعيته مرعبة وغير حقيقية، وغير إنسانية، وليس من المنطقي أن نبني اليوم تصورا جديدا، وأن نؤسس فنونا أخرى، وذلك بناء فقط، على حالات شاذة واستثنائية وعابرة، وهل يصح صياغة قوانين قارة وحقيقية، انطلاقا فقط من حالات مرضية ظرفية عابرة ؟ وأعتقد أن كل ما نعيشه اليوم، ينبغي وضعه بين قوسين، فهو الواقع الذي ينبغي أن يرتفع، من أجل أن نعود إلى حياتنا الحقيقية، ونعود إلى فنوننا الحية، ونعود إلى علاقاتنا الإنسانية المصادرة (2) هل انتشار "الفيروس" ومحاولة تدمير الحياة البشرية؛ وايقاف العجلة الاقتصادية وغيرها يمكن أن نضعه بين قوسين؟ عجائب ما في القول؛ وبالتالي كان من باب الأولى أن يقول: شيئا جديدا نسمعك ونفهمك به، أما أن تخرج الكلام والأحداث عن سياقها التاريخي وعن شروطها الموضوعية، وأن تقف على (ويل للمصلين) فذلك هو القفز البهلواني، والذي يليق بقاموس (الإهتبالية) علما أن هاته الإشارة تكشف بأن خطاب صاحبها؛ خطاب ليس فيه خوف بل جنون العظمة؛ بأن (اهتباليته) هي المسرح الحقيقي؛ بعْدما ستنتهي [احتفالية كورونا] من رعبها وهوسها وكابوسها وأنشطتها التي أنتجت نمطا بديلا في فنون الآداء والمتمثل في المسرح التفاعلي/ الرقمي/المسرح عن بعد/ المسرح الافتراضي على منصات التواصل الاجتماعي؛ الذي كان حلا بديلا لعَدم القدرة على حضور العروض على المستوى الشخصي. والذي غاب عن الذهن فهذا نظام كان سائر المفعول منذ زمن بعيد وحاضر بيننا قبل ظهور كورونا، وهي طريقة لانتشار الأعمال المسرحية عبر العالم تصويرا وعرضا. والتي تستند إلى الرؤية بواسطة (DVD-ROM أو CD-ROM) وكذا الاتصال بالشبكة العنكبوتية. لأن طبيعة التطور التقاني والتكنولوجي فرض آلياته وبدائله ووسائله التواصلية؛ ففي العديد من المجالات الحيوية أمست تعتمد على التواصل والمعاملات عن (بعْد) فالتدريس عن بعْد ليس وليد " فيروس كورنا" بل كان وسيلة مفعلة بين الطلبة والجامعات والمعاهد الدولية والعالمية؛ منذ عقدين أو أكثر. وهنالك تلميحات مسؤولة تجاه تفعيل (التعليم عن بعد) على الأمد القريب؛ وكذا المطالبة بسن قانون لتفعيل المحاكمات عن بعْد؛ وهكذا. ومن ثم فإن البديل لا ينبع من طبيعة العقل فقط بل من طبيعة الأشياء وتطورها. وبالتالي: فظهور الكمبيوتر والعالم الرقمي يعد من الإنجازات الفاعلة والمتفاعلة مع العرض المسرحي، والتي تدفع بمكوناته إلى الأمام من حيث التوظيف والجمال . وكل هذا التحديث في التقنيات انعكس بشكل مباشر، أو غير مباشر على جميع قطاعات الفن والثقافة (3) وعلى سبيل الذكر فالعروض المسرحية المقدمة عبر التلفزة أو أشرطة C.D ألا يمكن أن تندرج في المسرح عن بُعْد؟ وكذا المسرح الاذاعي ألا يمكن أن يصنف في خانة المسرح عن بُعْد، بوصفه بديلاً تقنياً عن المسرح التقليدي؟ وهل يمكن أن ننسى أن أغلب أعمال شكسبير تم تصويرها بطريقة سينمائية؛ لتحقيق نوع من العلاقة بين العرض المسرحي/ السينمائي والمتلقي؛ كأنه يعيش وجهاً لوجه مع تلك الأعمال الدرامية.

وللتذكير فمسرحية (الناس والحجارة) أدرجت ضمن برامج التلفزة المغربية سنة 1979 التي نقلت العروض المسرحية المشاركة في المهرجان الوطني لمسرح الهواة (التاسع عشر- 1978 بفاس) وللتاريخ فصاحبنا (الإحتفالي) الوحيد الذي طلب حقوق البث (ماديا) من صندوق البرمجة؛ ويمكن لمن بقي حيا سواء انقطع أولا زال يمارس فنه المسرحي من جمعية [البساط المسرحي بوادي زم] يكذب ذلك وخاصة المخرج "محمد الباتولي" وأسوق هذا الكلام الواضح للذين يبحثون عن تاريخ المسرح المغربي، ولمن يهمهم ممارسته وفنه وإشراقاته وكواليسه وفكره . ولا تعنيهم ممارسة الاغتياب والنميمة الثقافية / المسرحية أو الذين ليسوا من رواد لغو المقاهي والحانات. التي حولتها " كورونا" لأشباح؛ وبعض منها يفتح (الآن) احتشاما وانضباطا لشروط السلامة الوقائية.

باب افتراضي:

من البدهي بأن التحولات الكبرى والتطورات التي شهدها العالم على جميع المستويات؛ بما فيها انفجار الثورة المعلوماتية، والخوارزميات الرقمية،التي أحدثت صدمة كبرى لدى شريحة عريضة من هؤلاء المثقفين/ العرب الذين وجدوا أنفسهم "خارج التغطية" جراء تسارع الاحداث والمستجدات وسطوة العولمة وتشعب الوسائط الرقمية؛ وانضافت إليها (الآن)هجمات " فيروس كورنا" الذي أفرز سلوكيات وتوجهات جديدة وتشكيل نمط الحياة اليومية، والعلاقات الإنسانية. استجابة للوضع الحالي لترسيخ مفهوم الرقمنة والتعامل معها كحلول مبتكرة، بغية تفعيل وسائل التواصل الاجتماعي وتحويلها عاملا مركبا في نشر المعرفة وتفاعل الإبداعات حُبّا أو كرها. لكن صاحبنا (الإحتفالي) الذي أصلا يكره المسرح التفاعلي؛ لأنه البديل. وضد الحداثة التي هي المصير. ودليلنا شهادته: لا أومن بالحداثة.. كيف؟ وأنا أومن بالأصيل، وما هو أصيل هو حقيقي، وما هو حقيقي هو عابر للأزمان والأمكنة وللثقافات واللغات والحضارات....(4) ولهذا السبب يؤطر أفراد المجتمع في خانة عجيبة بقول مضحك مفاده: في هذا المسرح نضحك، ومن حقنا ذلك، وقد نحزن ونبكي أيضا، ولكن أهم شروط الضحك هو أن يكن فعلا جماعيا، وأن يكون في الفضاء العام، وكل من يضحك وحده، أمام حاسوبه، أو أمام هاتفه، أو أمام شاشة تلفزيونه، لابد أن يكون مشكوكا في صحته النفسية وفي سلامته العقلية (5) فهاته الفقرة تحتاج لنقاش أطول وأعمق؛ ذات ارتباط بمفهوم (الفردية الشبكية) [Individualisme en réseau] نتيجة الغزو الرقمي والمعلوماتي؛ لكن يمكن أن نختصر الموضع بالمنظور الذي يعرفه ويناقشه صاحبنا في أقواله (الإهتبالية) مثل ما يشير: لا اؤمن بالكوميديا ولا بالتراجيديا اؤمن فقط بالمسرح وبالاحتفال المسرحي, وبهذا اللقاء المفتوح الذي يعيش الصدق، ويموت بالاحتفال لا أكثر(6) فالضحك سليل الكوميديا والحزن والبكاء سليل التراجيديا . إذن فالمسرح اختيارات، ولا علاقة لتفكيرك (الإهتبالي) بسلوكات وقناعة الآخرين؛ يضحكون أو يبكون أمام منتوج تفاعلي/ افتراضي؛ فذلك شأنهم؛ ولكن ليس من شأنكم أن تتهم الناس بالحمق وتشكك في قدراتهم العقلية؛ لأن طبيعة التحول؛ فرضت أن يصبح المرء فاعلا رقميا بدون اختياره حسب فلسفة الوجود كما يفسرها – هايدغر. وهنا لا أدافع عن المسرح الافتراضي؛ لأنه فرض نفسه كمعيار للتطور البشري. فكريا وثقافيا وإبداعيا والذي أطرته بالقول العجيب: إن المسرح أساسا هو حياة وحيوية، وأن نستعيض عن المسرح بصوره الافتراضي، فإننا سنكون كمن يقتل الإنسان الحي ويكتفي بصوره، ويحتفي بالوهمي والشبحي بدل أن يحتفي بالحق وبالحقيقة (7) فهل (احتفاليتكم) هي الحق و الحقيقية ؟ وهي أصلا وهُم الأوهام في النسيج المسرحي العربي. والتي خدعت العباد وتأسست على إثرها (جوقة) ربما بإيعاز ممن كان يمتلك خيوط اللعب في (مركز الأبحاث المسرحية) لترسيخ المسرح (الشعبي) = (الفن للفن) الذي لم تستطع أجندة أندري فوزان /بيير لوكا / الطاهر واعزيز/ ع الصمد الكنفاوي/ تحقيقها؟ تلك (الجوقة) التي جمعت المريدين والتابعين والانتهازيين والوصوليين؛ فأصبحت طرفا ًمن أطراف الصراع وعاشت في خضم تلبيس إبليس ! حتى أن بعضهم وقع وناقش ودافع عن البيانات دون فهم فحواها ومراميها؛ وبعْض من بعض خلق هَرجا ومَرجا في الدعاية والنقد والتحليل والتفكيك، والبعض البعض مارس الإكراهات والضغوطات على بعض الطلبة هنا وهناك لإختيار والبحث فيما جاء في (أوهام الإحتفالية) وذلك في زمن الريع الحقيقي وتسيب الأموال غير المكشوفة .

كل هذا كان بسيولة ومقابل متنوع الأكلات ! لمن كان يعرف طرد شرّ (المخمصة) وهذا هو سٍرُّ الأسرار الذي جعل كل من كان (مع الوالي) الانسحاب والنزول بهدوء من السفينة التي ركبوا فيها بحثا عن مصالحهم وأرجعوا (للجوقة) وظيفتها وطبيعتها التقليدية التي تنص على التزامها الحياد. فكان الصمت المطلق واللامبالاة أقوى من الحياد عن (فنكوشية) تنظيره ومراوغته الكلامية؛ والبحث عن اجترار نفس الكلام كمخرج وخلاص؛ وتلك ليست خصال العارفين؛ والمدافعين عن أطروحتهم؛ لأن الأصل فيها تخاريف وجنون بلا فنون، وكلام بلا معنى، وبلطجة وابتزاز بطرق الإبداع / التنظير؛ وللعلم البين أن التخاريف / الخرف: مرض يصيب الوظائف الادراكية والعاطفية والسلوكية .مما يتقلص التفكير؛ وتتضرر القدرات العقلية؛ لتصاب (الذاكرة) تدريجيا بالتلف؛ مما يصعب عن المصاب بالخرف: تشخيص الأشخاص والأشياء. وهذا ما سقط فيه من حيث لا يدري ؟ وأصبح (فقيه المسرح / الشعْبوي) يتخبَّط في (أوهام السوق): لأن "أوهام السوق" هي أكثر الأوهام إزعاجاً، تلك الأوهام التي انسربت إلى الذهن من خلال تداعيات الألفاظ والأسماء. ذلك أن الناس يظنون أن عقلهم يتحكم في الألفاظ، بينما الحقيقة أيضاً أن الألفاظ تعود وتشن هجوماً مضاداً على الفهم (8) ولولا هاته الحقيقة الساطعة على أوهام كثيرة؛ لما اتهم من ينخرط أو يواكب ما في المسرح "الافتراضي" بعدم سلامته العقلية/ النفسية؛ وأبعد من هذا محاولة مصادرة حريته الشخصية؛ وهذا في حد ذاته إرهاب فكري/ سلوكي؛ من أجل اللقاء الحي والجماعي وممارسة التعييد والتجديد والفرح والحرية والتحرر والانفلات والعربدة، من خلال [الفرجة الشعبية] كل هذا لم يتحقق يوما؛ إلا في مخيلته . إنها مجرد تهيأت وهلوسات؛ وإن لم تكن كذلك لما أشار بكلام سفسطائي؛ ينم عن حضور الكهنوتية: إن المسرح هو الخروج من القوقعة، وهو التحرر من سجن البيت، وهو الانفلات من الغربة ومن المنفى، وأخوف ما أخافه اليوم هو أن ننقلب على النزعة الإنسانية فينا، وأن نتخلى عن غريزتنا الاجتماعية، وأن نعود بالإنسان إلى زمن الكهوف والمغارات والخوف من العالم الخارجي، وأن نتحول إلى كائنات آلية تأكل الطعام وتتفرج على الشاشات (9) لنتساءل مع المتسائلين؛ هل صاحبنا خرج من القوقعة ؟ وتحَررمن سجن البيت؟ ومن الحجر الصحي؟ ليقاوم الضوابط الاحترازية؛ وذلك ليمارس فرجة شعبية في إحدى ساحة الدارالبيضاء؟ حتى لا نتحول إلى كائنات آلية تأكل الطعام وتتفرج على الشاشات . ومادامت يا (مولانا) تؤمن بإقامة العروض المسرحية في أمكنة وفضاءات مفتوحة، كالساحات والأسواق والمواسم والروابط والزوايا. التي يحتشد فيها الناس والجماهير الشعبية الغفيرة. ومادامت يا (فقيه) مسرحنا تؤكد عبرأناك العجيبة بالقول المتفرد: أنا ثابت على الثوابت دائما، أما المتغيرات، فمن الممكن أن أغيرها وأجددها مع الزمن، وثوابتي المبدئية هي إنسانية الإنسان، وهي حيوية الحياة، وهي مدنية المدينة، وهي التعبير الحر للإنسان الحر في المجتمع الحر(10)

إذن؛ كان عليك يا (فقيهنا) أن تنزل للساحة و تعلن حربا ضروسا ضد" احتفالية كورونا" لتفعيل مقولة التعبير الحر للإنسان الحر في المجتمع الحُر !

كان عليك يا (مولانا) أن تنزل للشارع ب[احتفاليتك العجيبة] لكي تساند الممرضين والأطباء ورجال السلطة الذين نسوا أنفسهم وأبناءهم؛ من أجل مقاومة الوباء " الكوروني" الذي سعى بقدراته الخارقة واللامرئية أن يوقف حيوية الحياة؛ ويحوَّل مدنية المدينة إلى أشباح طيلة اليوم . لكي لا يتحقق الالتحام والانصهار في المجتمع . وبالتالي فالفن المسرحي عموما؛ سيفقد مشروعيته.. أم هو مجرد كلام معناه الباطني يناقض المعنى الظاهري. أكيد أن الخطاب بين الفعل والقول مكشوف؛ هذا إذا أضفنا خطابا يدعُو للتفكه: هذا المناضل الاحتفالي ليس من حقه أن يستريح، لأنه يحمل للناس رسالة، وهو بهذا يشبه ذلك الجندي الإغريقي فيديسوس، والذي انطلق من منطقة مارطون إلى مدينة أثينا سنة 480 قبل الميلاد، حاملا رسالة مفادها أن الجيش الإغريقي قد انتصر على الجيش الفارسي، ولم تكن هذه الرسالة تحتمل الانتظار والتأجيل، ولذلك فقد جرى لأكثر من أربعين كلمترا مشيا على القدمين، ولم يتوقف لحظة، ولم يكن بإمكانه أن يتوقف، ولأي سبب من الأسباب، لأنه يحمل رسالة للناس، وكذلك هو المناضل الاحتفالي في صورته الحقيقية (11)

باب الإيضاح:

هنا فلا يمكن أن نمفصل السلوك والمسلكيات عن الفكر؛ وإلا سنكون أمام انفصام في الشخصية؛وبما أن (فقيها) لم يستطع أن يتكيف أو ينخرط مع المسرح الافتراضي/ الرقمي؛ الذي فرض نفسه كمتغير حتمي؛ لمواكبة التطورات التكنولوجية؛ والذي ألزم علينا فهما وإدراكا تقنيا لكيفية تشغيل و توظيف ألية التواصل بالأخر؛ وفي نفس الوقت فالمسرح الرقمي ضمنيا يوقف زحف معالم الفوضى والغموض والمحسوبية والفئوية، وكل القرارات التي تطبخ طبخا في المطابخ السرية. هذا ليس في صالح (الإهتبالية) التي تعششت في رحاب الفئوية والمحسوبية والغموض والفوضى.. مما لم تستطع عمليا أن تنزل للميدان لممارسة "احتفاليتها" قبل تمظهر [احتفالية " كورونا"] حتى يكون (صاحبها؟) مثل ذاك الجندي الإغريقي (فيديسوس) المناضل، الذي أوصل الرسالة إلى من يهمه الأمر؟ ولكي يحقق عمليا بان (احتفاليته) فعلا: أصبحت مرعبة، الاحتفالية مواقف أيضا، مواقف نضالية، ومواقف اجتماعية، الاحتفالية مساهمة أيضا في الحياة الاجتماعية، بمعنى أنها سلوك أخلاقي، وأنها نظام في العيش، نظام يعتمد على أن نعيش بصدق وشفافية، وأن لا نخون ذاتنا، وأن نكون مشابهين للحظتنا التاريخية، وأن نكون صادقين (12) مثل هاته التصريحات التي يعتبرها أفكارا؛إنها في واقع الواقع ألغام بلاغية/ إدهاشية؛تسقط أمام لغو الظهيرة؛نتيجة الوهْم الإحتفالي الذي ملأ الصفحات باجترار نفس اللغة والأفكار؛ ولم تستطع تصريفها على أرض الواقع الفعال؛ وهاهي ["احتفالية كورونا"] زعزعت عقيدته المسرحية وكشفت عن انفصام في الشخصية المقرونة بجنون العظمة؛ كما نعلم جميعا. شخصية تبحث بطرق خاصة وملتوية؛ وبناء على المنظومة التي تتحكم في الإحتفالية وذلك في الخفاء؛ كمحاولة للتوسع ولبقاء تلك الهيمنة التنظيرية للإحتفالية؛ باعتبارها تخدم المشروع الليبرالي المتوحش: ولقد كنت دائما ليبراليا متحررا، ولم يسجل علي يوما أنني كنت اشتراكيا أو ماركسيا، فأنا لا أومن بالطبقية، ولا بالصراع الطبقي(13) طبعا هذا اختيار؛ ولكن مادام (هو) بدون سلطة يحاسب الناس الذين لهم اختيارات أخرى؛ وانتهاجهم وانخراطهم (الآن) في المسرح الافتراضي؛ الذي قدم أعمالا مقبولة؛ وخاصة الخليجيين / المصريين/ الذين نشطوا في المسرح الرقمي. هاته الشهور المقرونة بالحجر الصحي. ولم يقدم أحد إحدى أعماله (هنا مربط العقدة السحرية) وبما أن (الآنا) هي المتحكمة في تركيبته؛ نشير بأن ليبراليته. في حد ذاتها تعد خيانة قومية؛ حضارية؛ في حق المسرح العربي. مسرح يحتاج الآن أن ينخرط في الزمن الذي نعيشه حاليًا، زمن التطور التكنولوجي المتزايد باضطراد لا متناهٍ، حتى يكاد يصبح غير قابل للتحكم به، أوالبحث عن العَودة للخلف

وبالتالي وعلى ذكر ذاك الجندي الإغريقي[فيديبيدس] وليس [فيديسوس] فالرواية التي طرحها لخلق القرينة بينه وبين نضالية الإحتفالي؛ أساسا ملفقة وتزييف للحقائق التاريخية؛ كما رواها – هيرودوت – وهذا أعطانا مشكورا بابا (آخر) سنفتحه فيما بعْد.

ولكن من لباقة الضيافة؛ وبروح تتسم بالهدوء والعقلانية؛ إغلاق باب ما جاء في احتفالية " كورونا " بناء على الحوار الذي تفضل به (فقيهنا) وإن كان يعد صيحة غوغائية، وعبارة عن فرقعات لفظية وعن حرّاقيات صبيانية كمطالبته باليوم الثامن / التضامن (سيأتي ذكرهما) المشار إليهما في حواره الذي لم يؤد إلى أية نتيجة مساهمة ضد " فيروس كورنا اللعين. لأن: عالم اليوم محكوم في مساره بعالم الغد؛ لآن الغد هو المستقبل وهو نقطة البداية؛ وذلك لآن التاريخ يتحرك من المستقبل وليس من الماضي (14)

 

نجيب طلال 

...................

الإحالات:

 1) عزلة المسرح في زمن كورونا (10) ملف إعلام الهيئة العربية للمسرح في– 08/06/2020

 2) نفسها

 3) دراسة عن الواقع الافتراضي والمسرح لعماد هادي الخفاجي في مجلة إعلام الهيئة العربية للمسرح بتاريخ 11/12/2017

 في موقع – الخشبة – منقول عن حوار في صحيفة المدى – بتاريخ 10 مايو 2017 (4 5) عزلة المسرح في زمن كورونا

 6) حوار في(البيان الإماراتية): أجراه رضا الاعرجي - الرباط - بتاريخ: 03 /04/ 1999

 7) عزلة المسرح في زمن كورونا

 8) الأورجانون الجديد: لفرنسيس بيكون: ترجمة عادل مصطفى- ص 42- الناشر مؤسسة هنداوي 2017

(عزلة المسرح في زمن كورونا (10 (9

 10) المسرح فتح لي باب الغيب وباب التاريخ – مجلة الهيئة العربية للمسرح: حاوره مصطفى رمضاني بتاريخ /24/07/2012

 11) المقاوم الوجودي في الاحتفال والاحتفالية بقلم ع الكريم برشيد- ص4 - مجلة طنجة الأدبية ع65 / خريف2017

 12) حوار أجراه معه:مولود القنبي - في مجلة طنجة الأدبية (ملف خاص) بتاريخ2007-06-12

 13) المسرح فتح لي باب الغيب وباب التاريخ- مجلة الهيئة العربية للمسرح: حاوره مصطفى رمضاني بتاريخ /24/07/2012

 الأصولية والعلمانية لمراد وهبة ص9 ط 1/ 1995 دار الثقافة / القاهرة(14

 

 

        

الطيب النقرلم يكن العصر العباسي عصراً غطته أغشية الضلالة، وهام معاصروه في أودية الجهالة، كما ادعت بعض الأقلام التي لم يوهن لها عزم، ولا لانت لها قناة، في بث تلك اللوحات القاتمة عن تلك الحقبة التي تعد من أهم الحقب التي تهالك فيها المسلمون على العلم، وتنافسوا في جمعه وادخاره، ولا يعدم المرء منا حجة للاعتقاد بأنه ادعاء يشوبه الخطأ والاعتساف، ويعوزه تحرير الحجة، وتصحيح الدليل، فشيوع الترف والمجون والتفنن في الملبس والمأكل وتعظيم المسكرات ومعاقرتها والتشبب بالقيان والغلمان، كان قاصراً على الطبقات المترفة، وحكراً على من سحّت عليهم هواطل النعم، ودرّت عليهم روافد الرّهم، هذا التفسخ والانحلال كان يقابله جباه تعفر في التراب، ومساجد تكتظ بالعُباد، فعرى الدين لم ينفصم ارتباطها بالأرض في ذلك العهد، بل كانت دوحته فينانة الأفرع، ريا الأماليد، والشاهد على ذلك قول الجاحظ نفسه، الأديب الذي عايش تلك الفترة، نجده يقول في كتابه غزير المادة «الحيوان» الذي وصف فيه مساجد بغداد بأنها: «عامرة بالعبادة والنساك وأهل التقوى والصلاح، وكانت في كل ركن منها حلقة لواعظ يذكر بالله واليوم الآخر، وما ينتظر الصالحين من النعيم المقيم، والعاصين من العذاب الأليم».

نعم لقد أفرط بعض أهل اليسار والثراء الذين لا يبسطون ألسنتهم بمعروف، ولا أيديهم بمعونة، أهل الغني والرياش ممن اتسمت حياتهم بالبذخ واللهو والمجون والإمعان في اللذائذ والتكالب عليها، والتفنن في اصطيادها، وإفراغ الوسع لها، كلما عنّت لهم الفرص، وسنحت لهم السوانح و «ساعدت الحرية المسرفة العباسيين في أن يرثوا كل ما كان في المجتمع الساساني الفارسي من أدوات لهو ومجون، حتى اكتظت حانات «الكرخ» ودور النخاسة بالجواري والإماء، والقيان والمغنين». إلا أن مثل هذه الشواهد لا تكفي لكي ندمغ العصر العباسي بأسره بقبح الأحدوثة وبأنه عصر تجرد من كل فضيلة، وانغمس في كل فضيحة، حتى طارت له تلك الهيعة المنكرة التي لا يمحوها كرور الأيام، ولا يزيلها تعاقب الحدثان، فقد أدت تلك الحياة البهيمية التي يعيشها من كثرت أموالهم، وحسُنت أحوالهم، وتضاعف يسارهم، حياة التسرّي واللهو والترف «إلي زيادة استياء النفوس العالية مما يحدث، مما أدى بدوره إلى ثورتهم على الفساد الشائع، وإلى الزهد في الفانيات، فظهرت فرق دينية، ومذاهب متباينة، أشهرها جميعاً مدرسة المعتزلة الكلامية»، التي كان يشايعها الجاحظ، ويتعصب لها، ويدعو إليها، وشق طريقه فيها بالعمل الدائب، والدرس المتصل، حتى صار من أقطابها الذين تشرئب لمقدمهم الأعناق، وتشخص لطلعتهم الأبصار، «وكانت المعتزلة طليعة المدارس الكلامية التي قامت لحل ما كان يشغل المسلمين من المشكلات الحيوية، مثل مشكلة حرية الإرادة، ومشكلة مرتكبي الكبائر، وقد عُني رجال هذه المدرسة بدرس الفلسفة، للاستعانة بها في الدفاع عن العقيدة. ثم أخذوا تدريجياً يحاولون التوفيق بين العلوم النقلية والعلوم العقلية، وعندما توغّلوا في الفلسفة وتعمقوا في مسائلها، أحبوها لذاتها، فعظّموا شأنها، حتى صاروا يُخضعون النقل للعقل، ويؤولون معتقداتهم الدينية ليوفقوا بينها وبين الفلسفة»، والجاحظ حينما انتسب لهذه المدرسة التي ساءت ظنون الناس فيها، وأرهفت الألسن عليها لاغراقها في الفلسفة، والتي ملكت أرباب الخلفاء، وأثارت إعجاب الوزراء، حتى غدت مذهب الدولة الرسمي في عهد المأمون والمعتصم والواثق، وقوض أركانها المتوكل في خلافته، «أخذ الجاحظ بمبادئ الاعتزال الخمسة الأساسية منها، وهي العدل والتوحيد والمنزلة بين المنزلتين، والوعد والوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولكنه افترق عن سائر المعتزلة بآراء خاصة انفرد بها، فعد على أساسها صاحب فرقة مميزة عن فرق الاعتزال دعيت الجاحظية»، إنّ الدولة العباسية ضمت في معيتها العديد من الشعوب التي تنحدر من جنسيات شتى وأعراق متباينة لا يجمعها منبت سوى الإسلام، فلقد حوت مسلمين «متعددي الفرق، ونصارى مختلفي النزعات، ويهوداً وصابئة، وزرادشتين، ومانويين، ومزدكيين متبايني المذاهب، هذا الخليط من الشعوب المتناحرة التي انخرطت في كينونة الدولة العباسية تركت آثاراً سالبة على المجتمع العربي الذي كان راسخ القدم في الدين، عالي المنزلة في الأخلاق، ذلك المجتمع الذي عُرِف بمحاسن الخلال واُشتُهِرَ بمكارم الفِعال، تحررت بعض شرائحه من سلطان العقيدة، وانكبت على الشهوات، ولزمت غرس أقوام لا تقع إلا على منكر، ولا تتقلب إلا على معصية، ونحن إذا نظرنا إلى تركيبة المجتمع العباسي نظرة خاطفة، لوجدناه يتكون من ثلاث طبقات أعلاها ينبتون الصخور قصوراً، وأدناها تضطرب في دور يخالها المرء قبوراً لضيقها وافتقارها لغضارة العيش، ولين الجانب، وأعلى هذه الطبقات هي طبقة الخلفاء السادة والملوك القادة، الذين لم تكل لهم ذراع، أو يمزق لهم شراع، في التمتع بملذات الحياة، وعلى شاكلتهم الوزراء والولاة والقواد، أقطاب الدولة وأعيانها، والثانية عمادها الصناع البارعون لصنعتهم، والعلماء المتبحرون في شرعتهم، والشعراء المتمكنون من لغتهم، ورجال الجيش الذين يفنون من مس حرمتهم، والمغنون الذين لا يستثقل الخاصة عشرتهم، والطبقة الثالثة هي الطبقة المسحوقة التي ولدت في مهاد الفقر والعدم، وترعرعت في كنف البؤس والحرمان، طبقة تعاني من نوائب الفاقة، وغوائل الغرث والجوع، تتحيفها المكاره، وتترصدها العيون، طبقة لا تجد ما يسد الرمق ويقيم الأود إلا باستخذاء من يعانون داء القدرة والتملك، وتبديد العمر في لذة الانتقاء وفرحة الاقتناء، طبقة يقع عليها عبء الحرث في الحقول، وخدمة أرباب القصور، بينما «كان الخلفاء والوزراء يعيشون في بذخ، إلى درجة أن يتلف الخليفة المقتدر الخليفة التاسع من خلفاء العصر العباسي الثاني«295 320ه» ويبدد ثمانين مليوناً من الدنانير، كان قد خلفها أبوه المعتضد»، بينما تكتفي تلك الأسر التي ترى فيها وضاعة الشأن وضراعة الجانب، بدرهم يدفع عنهم بناب ويصاول عنهم بمخلب، علل الملق والفاقة ومعاناة الخصاصة ونكد العيش، وقصور وسائل الكسب من أن تفي بمتطلبات الحياة، أجبر العديد من الناس من أن يستدر الأكف بالسؤال، أو يفض الجيوب بالسرقة، ولقد استرعت ظاهرة التسول وكثرة المتسولين في نواحي بغداد «نظر رسول ملك الروم إلى المنصور، فقال لعمارة بن حمزة وكان يرافقه من قبل المنصور في تطوافه ببغداد: إني أرى عندكم قوماً يسألون الناس، وقد كان يجب على صاحبك أن يرحم هؤلاء ويكفيهم مؤنهم وعيالهم، فاعتل له عمارة بوجه، واعتل له المنصور بوجه»، ولم يكن الجاحظ الذي يفزع إلى القلم والقرطاس كما يفزع من اشتد جوعه وطال غرثه إلى الطعام الشهي لائذاً بأذيال الصمت عن صرعى الفاقة، وأنضاء المرض، فكتب عن ضخام الجلاميد الذين لا تأخذهم رأفة، أو تدركهم شفقة لتلك الأفواه الجائعة التي مستها البأساء والضراء، فلقد اختلط الجاحظ «بكل طبقات المجتمع العباسي بجميع فئاته على تباين أنواعها، وأحسّ بها جميعاً، وكتب عنها، حتى جاءت كُتبه مرآة صادقة لعصره، بل إنها تُعَدُّ أغزر مصدر  لدراسة الحياة الاجتماعية في عصره.

 

الطيب النقر

 

 

حاتم حميد محسنتؤكد الجامعات في كل دول العالم على الأدوات التقنية التي تُستخدم في تصميم السياسات العامة. انها تريد التأكد من اننا ندرك مفاهيم معينة مثل الهوية السببية، و تحليل الكلفة- المنفعة، والنظرية الاقتصادية. لكن معظم مدارس السياسة لا تولي نفس المستوى من الاهتمام للتدريب الفلسفي. بعد حركة التنوير الفكرية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، أصبحت الفلسفة مقيّدة بشكل من العلمية، ولذلك هي تعاني الآن من مشكلة الصورة .

تطبيق الفلسفة على السياسة العامة لم يُستكشف كثيرا بسبب التصور المهيمن الذي يرى ان الطريقة العلمية وحدها تمسك بمفاتيح السياسة العامة الحيوية. ومع هذا، يبقى الترابط قائما وبعمق بين الفلسفة والسياسة العامة، وهي الحقيقة التي يتجاهلها صنّاع القرار على حساب مصلحة المجتمع. لنأخذ مثالا عن التدريب المتّبع في الاقتصاد لمساعدة صنّاع القرار في تصميم سياسات مبنية على الدليل. اذا كانت هذه الأدوات تمكّن صناع القرار من قياس فاعلية السياسة، فهي غير كافية لتحليل المضامين الأخلاقية. ان أسئلة العدالة هي هامة جدا ومع ذلك تلقى القليل من الاهتمام الفلسفي في عملية صنع القرار. النتيجة الطبيعية من كل ذلك هي ان صنّاع السياسة عادة يثقون بأحكامهم الخاصة. كارثة كوفيد 19 حول العالم تُلقي الضوء على هذه المسألة، حيث ان برامج الدفع النقدي للمتضررين في باكستان والمكافئات النقدية في المملكة المتحدة للمنقطعين عن العمل والتعويضات المالية في الولايات المتحدة جميعها تجسد افتراضا قويا عن العدالة. النقاشات العالمية الحديثة الجارية حول تطبيق ضرائب الثروة تتعلق بالعدالة بنفس مقدار تعلّقها بالفاعلية الاقتصادية. المخاوف من تمدد دور الحكومة والتآكل المحتمل في خصوصية الفرد يعتمدان على الكيفية التي نعرّف بها حدود الحرية. هذه كلها اسئلة فلسفية صارمة لا يمكن الإجابة عليها بالاعتماد على الموهبة. مشكلة اخرى ذات صلة هي ان هناك ارتباط عميق بين أي حقل فرعي في السياسة العامة من جهة والفلسفة من جهة اخرى. لنأخذ مرة اخرى مثالا عن الاقتصاد. سواء كنا من أنصار نظرية المنفعة او النظرية الرولسية حول العدالة، فهي لها مضامين كبيرة جدا عن الكيفية التي ننمذج بها السلوك الفردي، وبالتالي الكيفية التي نحلل بها مضامين الرفاهية ، في ذلك نحن ضمنيا نطرح افتراضا عن كيفية تعريف الرفاهية.

الاقتصاديون الحاليون الذين يقومون بأعمال ملائمة للسياسة يتحاشون الأسئلة عن الاسس الفلسفية الأصلية لنماذجهم حول السلوك الفردي. ذلك يجب ان لا يعني ان فهم الفلسفة ليس هاما لعملهم. هذا يصح ايضا على الحقول الاخرى الملائمة للسياسة. بدون اعتماد أساس متين في الفلسفة، كيف لنا كصانعي سياسة وباحثين نأمل بتصميم سياسات عادلة وتقييمها بطريقة تعكس الرؤية العالمية التي نتفق عليها؟

بعض الباحثين في الفلسفة أولوا اهتمامهم بها عندما درسوا بعمق في حقل الاقتصاد. يقول هؤلاء انهم تعلموا مهارات صلبة كانت مطلوبة لعمل تحليل للسياسة وطبّقوها لإنتاج بحوث في السياسة . الجلوس في صفوف دراسة الاقتصاد وتطبيق هذه المهارات لإنتاج بحوث ساعدهم في ادراك ان قيمة الدليل و النظرية الاقتصادية هما مفيدان جدا. في نفس الوقت، لم يكن في تدريبهم سوى القليل الذي ساعدهم في تحليل الافتراضات الاساسية والمضامين الاخلاقية للسياسات. هذا الشعور في عدم الكفاية دفعهم لدراسة وفهم اسس الفلسفة.

منذ عصر التنوير، وضع العالم قدرا كبيرا من الأهمية على الدليل، وهو الشيء الذي تغلغل في العلوم الاجتماعية متحفزاً بالتطورات العلمية الكبرى في القرون الاخيرة، ولذلك فان العلوم الاجتماعية سعت لتقليد نظرائها من العلوم الخالصة، وبدأت تأخذ بعقيدة الدليل.

ليس هناك شك ان هذا كان تطورا مدهشا في العلوم الاجتماعية. في الدليل وحده نستطيع الحصول على قياس للموضوعية في العلوم الاجتماعية، لكن نفس الأداة المستخدمة في العلوم الخالصة هي غير كافية للاجابة على اسئلة العدالة والاخلاق. ان جمال العلوم الاجتماعية هو في انها لا تتطلب فقط ادوات تستطيع بواسطتها اجراء التحليل الموضوعي للتأثير السببي للسياسة وانما تحتاج ايضا ادوات تشكّل رؤيتنا العالمية الأوسع حول ما هو صحيح وخاطيء، ما هو عادل اوغير عادل. ان الوقت مناسب الآن للعلوم الاجتماعية للتحوّل نحو الانسانيات كطموح، مثلما تحولت نحو العلوم كطموح لها في القرن الماضي. كذلك الوقت مناسب الآن للسياسة العامة ان تأخذ الإلهام من الفلسفة.

 

حاتم حميد محسن

 

 

عصمت نصارعكف قادة الرأى وزعماء الإصلاح ورواد التنوير فى مصر والشام والعراق واليمن، منذ قرنين من الزمان على دراسة علة تخلف الثقافة العربية الإسلامية عن ركب الحضارة الأوروبية، واجتمعت تصوراتهم المتباينة على أن العزلة الحضارية، وإهمال العلوم الحديثة، والاستغراق فى تقديس الموروث، وغلق باب الاجتهاد، وغيبة الحس النقدي، بالإضافة إلى انعدام الرؤية السياسية وغيبة الوعى وقادة الفكر؛ هى الأسباب الحقيقية التى أدت إلى كل مظاهر الانحطاط الأخلاقى والسياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، فضلًا عن جمود الفكر الديني وانصراف الخطاب الأدبي إلى المحاكاة والتقليد والشروح والحواشي التى لم تنتج جديدا ولم تأت بإبداع حديث إلا فى النذر القليل.

الأمر الذى دفعهم لطرح قضية التجديد على مائدة البحث والتناظر والتساوي، وذلك عن طريق إثارة العديد من الأسئلة فى حلقاتهم العلمية ومجالسهم الثقافية، ثم صالوناتهم الأدبية حول مفهوم التجديد وقضاياه ومشكلاته ومعوقاته وآليات تفعيل إثماره وسبل التطبيق فى المجتمع؛ فأدركوا استحالة النهوض بالأمة إلا بطرح قضية التجديد على نحو فلسفي ينطلق من الرؤية العامة الشاملة لتحليل الواقع، ثم الانتقال إلى الجزئيات بنظرة استقرائية عملية لمعالجة المعوقات وانتخاب الحلول.

وقد عُرف هذا النهج بالتحدي والاستجابة، أى تحدى المستنيرين لمعوقات التغيير بعد استيعاب كامل لمشكلات الواقع وسبل التغلب عليها، ثم العمل على وضع خطة للإصلاح والتوجيه وصياغتها فى خطاب يستوعبه الجمهور أو الرأى العام التابع، ويؤمن به ثم يعمد إلى تفعيله من جهة، ويتجنب فى الوقت نفسه الصدام مع السلطات القائمة إذا ما عجز عن استمالتها إلى خطابه من جهة أخرى.

ويعنى ذلك أن قضية التجديد لم تطرح على نحو جزئي، بل طُرحت فى نسق فلسفي  يجعل منها حجر الزاوية أو الإطار الجامع بينها وقضايا التراث والوعى والحرية والإصلاح. والذى نعنيه من ذلك السرد التاريخي هو التأكيد على أن الأصوات المنادية بتجديد الخطاب الديني وإعادة فتح باب الاجتهاد لمحاربة التعصب والعنف والإرهاب لم تفطن إلى : أن طرح قضية التجديد على أنها مشكلة جزئية بمعزل عن بنيتها النسقية لا يعدو أن يكون طرحًا هشًا لا طائل منه؛ فتجديد الخطاب الديني لا يمكن حصر آلياته فى تقويم المناهج الأزهرية أو محاربة الفرق الضالة ومكافحة التطرف ومعاقبة الإرهابيين أو القضاء على الفتنة الطائفية، بل يجب قبل ذلك كله إعادة بناء الطبقة الوسطى وهى المنوطة دون غيرها - كما ذكرنا - بتثقيف الرأى العام، وتحديد الثوابت والمتغيرات فى شتى الدروب المتصلة اتصالًا مباشرًا بالمجتمع؛ ويعنى ذلك أننا أمام معوقين:

أولهما : غيبة قادة الرأى وأمراء المنابر الذين لديهم القدرة على التأثير فى الرأى العام.

وثانيهما: تفكك الجمهور وانقسامه إلى جماعات وأحزاب وفرق هشّة لا يجمع بينها إلا التمرد وانعدام الثقة فى الآخر وضعف الانتماء والولاء وتفشى بينهم روح اليأس والقلق والارتياب فى كل ما يحيط بهم.

وعليه؛ لا سبيل أمامنا لاستحالة خطاب التجديد إلى مشروع إصلاحي إلا بإعادة بناء منظومة القيم الأخلاقية للمجتمع؛ فقد تبين لنا أن قاعدتي التحدي والاستجابة لا يمكن الحديث عنهما وسط ذلك الانحطاط الخلقي السائد فى المجتمع العربى الإسلامي، فما جدوى الحديث عن الأصول الشرعية والقيم الحضارية التى يؤكدها المنقول والمعقول معًا، وما الفائدة من لغة الوعظ ـ وإن جاءت على ألسنة السلطة الحاكمة ـ فى مجتمع لم يدرك من صور التدين سوى العنف ولم يعِ من الأخلاق إلا التبجح والسفالة ومن المعارف والأخبار إلا الشك والارتياب.

وقد بينت فى غير موضع من كتاباتي، أن قضية التجديد ومراميها الإصلاحية لا يمكن طرحها والتغلب على معوقاتها وإيجاد السبل والآليات لجنى ثمارها بمنأى عن وعى الأنا، فالعلاج يجب أن يبدأ من الذات والقناعات الشخصية التى تسعى إلى إحياء الأمل فى العقول والصدور من جديد.

وللحديث بقية

 

بقلم : د. عصمت نصار

 

 

مجدي ابراهيمما زلنا نستمدُ من القرآن أصول ثقافتنا الثوريّة، ولن تخفى علينا مطلقاً ما دامت لدينا قلوب تعقل عن ربّها، فإنّ العقل عن الله لهو أبلغ الوسائل إلى مقاصده.

مجرَّد منطوق لفظ "الجهاد" يحمل في ذاته ثورة؛ إذ تتوحّد إشاعات اللفظة نفسها دلاليّاً فيما بين الثورة والجهاد، وتكاد تكون كل الآيات القرآنية التي وردت فيها لفظة الجهاد توحي بالثورة كتغيير فعلي وبالتثوير كحركة إيجابية تتقرّر في واقع النفس والمجموع معاً، ويترتب عليها حسب نطاق الفهم تلك الحركة الفعليّة القائمة في إطارها، سواء اتخذ هذا الجهاد الثوري لأغراض المتجه الدنيوي أو تحقق المقصود منه في خدمة الغرض الروحي الكادح لكمال الإنسان.

فلا تكاد تلمس إشاعات اللفظة في القرآن حتى تتفتّح أمامك آفاق حيويّة من سُنن العمل الروحي، ويترائىَ لك منها مقاصد الثورة على كل خمود كاسد وجمود مرذول، ولا عليك إذا توحَّد المعنى شعوريّاً بين مفهوم الجهاد والثورة في إطاره؛ ليتخذ في حركة العمل باتجاه النفس أولاً تغييراً فعليّاً لا مناص منه، لا بمجرّد لفظة عارضة في مشهد عارض، والسلام؛ فلا يتمُّ تغيير الواقع مطلقاً على المستوى الفردي ما لم يحدث تغييراً جذرياً في باطن النفس أولاً وقبل كل شئ، تتحوَّل به من اتجاه في الحياة إلى اتجاه آخر، مضادٌ له بالكلية؛ فما بالك بتغيير المجموع؟!

غير أننا إذْ نسمي الثورة التي نلمحها في الكتاب العزيز "ثقافة"، يتوَجَّب علينا تحديد معنى كلمة "ثقافة" حين نطلقها على الثورة في القرآن؛ إذ ليس المقصود بالثقافة كما سبقت الإشارة إليه فيما تقدَّم : هو ذلك الترف الفكري والعبث بأعز ما يملكه إنسان : العقل والروح والضمير والقلب والوجدان. لا ليست الثقافة بالعبث ولا هى كانت ترفاً فكريّاً وروحيّاً، ولا يمكن أن تكون شواغل الروح والضمير ومناشط العقل والوجدان والتفكير ترفاً فارغاً من المعنى لا يعوّل عليه.

وإنّما الثقافة الثوريّة جهاد وحياة تستمد مددها من الروح. وكفاحها بمقتضى الجهاد تحريرٌ للروح من القوالب الصماء، ومن غواشي الحياة المطموسة بلوثة الآفات المترسبة في أعماق الذات.

وفي كل جهاد ثورة، وفي كل ثورة يشتعل فتيلها من هذا الكتاب الأكرم حياة وأي حياة. حياة تستحيي موات الغافلين، وقوة ممدودة من أعلى يرومها الأقوياء القادرون. لولا أنها قوة القادر لا عجز الضعيف المتخاذل ما كان للجهاد فيها وبها معنى؛ ولبطلت الثورة المحفوظة في جهاد الثائرين. بالطبع، فإنّ معايشة الطبيعة الثورية شيء، والسماع عنها من خارج شئ آخر.

توحي المعايشة بالتجربة وتشي بالمعاناة، فالثائر يعاني ألم الرفض والكنود مع أنه على الحق ومن الحق. والسّماع بالثورة من خارج كالسّماع بالتجربة، وكحكاية ألم المعاناة، لكنه مُجرَّد سماع لا يعطي الحقيقة ولا يسمح بتذوقها على قسطاس السّعة والحضور. وتجارب الأنبياء والمرسلين أقدر على تثوير الحق إزاء الباطل، وأفعل في استحضار الغاية في معاناة الطريق. واستخلاص العبرة من تجاربهم القوية الممتدة، وخبراتهم الدائمة عبر التاريخ شيءٌ مرهون بالبقاء والدوام على أنه لا يصحُّ في النهاية إلا ما صَحَّ في الحق في ذاته، وما سواه باطل يسيغه ظلم الإنسان لنفسه، وللناس.

أي نعم ! مازلنا نتّجه في هذه الوجهة إلى حيث ثورة الإنذار الذي قدَّمه "هود" مرسلاً من عند ربّه إلى قومه :"وإلى عادٍ أخاهم هوداً، قال يا قوم أعبدوا الله ما لكم من إله غيره، إنْ أنتم إلا مُفترون"، لا شك كانت ثورة تشمل تغيير وجه العبادة بل تغيير وجه الحياة برمتها بعد تغيير قاعدة الاعتقاد الأساسية.

ولتلحظ أن قاعدة الاعتقاد هذه، إنما هي القاعدة الكبرى التي يكررها القرآن على ألسنة الرسل والأنبياء جميعاً تكرار تنويع متجدد وتجربة فائقة :"اعبدوا الله ما لكم من إله غيره"؛ فتغيير الاتجاه في العبادة يعني أن تغيير الاعتقاد يشمل ثورة لازمة يتغير فيها اتجاه العبادة من وجهة إلى وجهة مضادة، وأن استخدام لفظ "الافتراء" للتعبير عن وجهة العبادة التي كانوا يتجهون إليها يدل على استغراق الجهالة وتنكب طريق الهداية، فلم تكن ثمة عبادة سوى الباطل الذي يستغرقون فيه، ولم يعبدوا ما هو حقيق بالعبادة أصلاً، دليل ذلك أنهم قوم مفترون.

وحيث يستخدم القرآن لفظ "الافتراء" على لسان الإنذار الهودي، يخلق للخيال أجواءً رحبة ويرسم صورة قريبة المدى إذا هى التصقت بعنصر الخيال؛ ليراها القارئ أو السامع ملئ السمع والبصر، وليسبح فيها كاشفاً عناصر "الثورة" على الجمود والتقليد والاتباع الأعمى المرذول، وهو وحده عنصر يكفي لإشغال فتيل الثورة على كل تقليد مذموم، وإنك لتجد من الأدلة المبهرة في كلمة "مفترين" هذه، ما يُقوي علمك بأن العبادة التي كانوا يعبدونها لم تكن إلا الوصف المباشر على الافتراء، لكأنهم عبدوا أشياءً فجاءت مثالاً مُرَوّعاً للافتراء.

هذا المثال المُرَوِّع هو "الشرك" الذي يتبرأ منه كل من عرف عقباه ومرماه؛ فلا هي كانت تكون عبادة إذا أشرك فيها المشركون؛ ولا هى كانت تكون عبادة إذا هم عبدوا فيها الصورة وستروا الأصل الأصيل، فلم يروه، وهم، من ثمَّ، لم يعبدوه، بيد أنهم عبدوا الصورة، والله يعلم من عبادتهم أنها تجسيدٌ لصورة لا تنزيه فيها؛ فلا يؤمنن لك أحد إلا من كان من قبل مؤمناً، ولو شاء الله لهداهم إلى عبادته هو، ولهداهم إليه فيما يعبدون، أجمعين. أو أنهم لم يعبدوا شيئاً حقيقاً بالعبادة على الإطلاق؛ فإذا بهذا الفراغ المُعدم الخالي عن العبادة دليل افتراء، يجتر فيه المفتري جهالة التقليد بمقدار ما يرتكس في عماية الاتباع وظلمة المحاكاة لعبادة الأجداد والآباء من دون الله :" قالوا : أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا؟ فأتنا بما تعدنا إنْ كنت من الصادقين".

لاحظ موضوع الدهشة هنا تجيء من ثقل الأمانة، من التوحيد من حيث هو أمانة حملها الإنسان، ومن حيث هو إذا أستقر في الوعي الباطن هدم كل ما عداه من صور الاعتقاد الباطلة، أزالها؛ فعبادة الآباء والأجداد على كثرتها وقداستها ليس فيها استقرار من توحيد الألوهية، بل تقليد يُمارس مع حركة باقية في إطاره من حيث كونه أصبح اعتقاداً راسخاً، ليس هو بالتوحيد المفرد بمقدار ما هو صورة وهمية تضخمت في أغوار الشعور وبواطن الوجدان حتى صارت عقيدة راسخة؛ فإذا جاء التوحيد أزال صور العبودية الزائفة، ولم يبق شيئاً من رواسبها الشعورية، وأحَلَّ في الضمائر الحيّة عقيدة الإله الواحد.

ولم يكن موعود الأنبياء بالذي ينفي اللجاجة والعناد ولا هو بالذي يرفع المحسوس المرئي إلى مراتب الأفق العقلية والروحيّة، لذلك لجّوا في عتوهم وتكذيبهم "فأتنا بما تعدنا إنْ كنت من الصادقين"؛ فالتكذيب عناد يطلب أن يكون الشهود الحسي حاضراً في المستوى المقرر سلفاً بحكم مجرى العادة، وبحكم الواقع الذي تجري فيه العبادة.      

تلك كانت صورة رائعة من واقع الذين سبقوا، ومُرَوِّعة يرسمها البيان الإلهي للعبادة حين تنقلب استعباداً : فالعبادة الحقة لا تكون ولا تصحُّ إلا لله، وإنما الاستعباد فهو مجعولٌ للأهواء والشهوات وللعادات والمألوفات، تنغلق فيه نوافذ الحرية بكل مفاهيمها : حرية الفكر، وحرية الاعتقاد، وحرية التنقل الدائم في هاته الرياض العلويّة حتى إذا انغلقت تلك المفاهيم للحرية انغلقت الحيوات الثقافية والأخلاقية والطبيعة والروحية والإنسانية على وجه العموم؛ ممّا يجعل الصورة المرسومة، وإنْ تكررت في جيل، هى بالضبط وصفاً لأخلاق العبيد وأهواء العبيد ومطالب العبيد وأفكار العبيد الذين يرتضون لأنفسهم جهالة التقليد بديلاً عن حرية العقيدة وحرية المعرفة والتفكير.

وكل هذا أو بعضه بابٌ يؤدي إلى الافتراء قصداً من أول وهلة، وفي أشدّ معانيه خصوصية؛ فالمقلد رجل مفتري تركب عقله الجهالة العمياء، فلا يتسامح ولا يتعرّف على أفكار الآخرين بوجه من الوجوه، بل ينغلق على نفسه أشدَّ ما يكون الانغلاق، وينكفئ على ذاته انكفاء العزلة والتحجير. والمقلد مفتري لا تثور طواياه أبداً ثورات التجديد. وافتراؤه في اتباعه وتقليده ومحاكاته للآخرين بغير تحكيم عقل ولا تمكين فؤاد. المقلد تلفُّه العصبية ويطويه الكبر البغيض.

هذه الصورة الي يرسمها القرآن تكررها لنا النسخ الآدمية تكراراً معتاداً، توجد بين الناس من لدن آدم، وستظل إلى أن تقوم الساعة حتى إذا تكررت على ألسنة الأنبياء والرسل أعطت الإشارة المعجزة في طلاقة النّصّ القرآني بالإخبار عن حقيقة الإنسان الأصلية من جهة، ثم من جهة أخرى كشفت عن بديهة يغفلها كثيرون، وهى أن دين الله لا يؤخذ بالتقليد، ولا بدّ فيه من مباشرة ذاتية، ومواجهة مع الله، لا من حيث إنك نسخة آدمية بل حقيقة آدمية فيها سر الروح الإلهي، وفيها التكريم لا يجوز معها التقليد لأحد، ولا محاكاة أحد، ولا سلطان لأحد على أحد، بل تلقى من الله، وعن الله مباشرة بغير حسبان رقابة لأحد سوى سلطان الضمير.  

ولا يزال الافتراء بكل معانيه شركاً لا يقترب قط من معدن الإيمان. ولا يزال معدن الإيمان مقروناً بجوهر التقوى؛ فالتقوى من جوهر الإيمان. والشرك عنصر أساسي من عناصر الغفلة والتعمية، يتكئ عليه الفاسقون. فإذا رأيت الشرك ينبت في تربة فهى تربة الفسوق والفجور والطغيان. وإذا رأيت الإيمان يزدهر وينمو فهو في أرض التقوى وفي منبت القلب الطيّب :" والبلد الطيب يَخْرج نباته بإذن ربِّه والذي خبث لا يخرج إلا نَكِداً. كذلك نصرِّف الآيات لقوم يشكرون". والبلد الطيب هو القلب الطيب يُشبَّه في القرآن بالتربة الطيبة. والقلب الخبيث كالتربة الخبيثة والأرض السبخة لا تنبت إلا نكداً وعسراً وجفوة وإيزاءً، والأرضُ السَّبخة ذات نزِّ ومِلح لا تنْبُت، وإنْ هى نبتت فنكد وجفاء. ومنه المثل السائر :"ومَنْ يَزْرع الحَبَّ في السِّباخ يندم زَمَانَ الحِصَاد".

وفي مستودع القلوب تفور جذوة الإيمان. وفي مستنقع الشهوات والأهواء تطغى سطوة الكفر ويستطيل مع خبث القلوب الطغيان. في ذلك المستنقع الآسن يصبح الافتراء ابناً شرعياً للكفر والاستطالة، ودلالته على الشرك مؤكدة وهو بالطبع ضد آيات التقوى وعلامات الصلاح، ولأجل هذا جاء في سورة الأعراف :" قال يا قوم : اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، أفلا تتقون؟".

أفلا تستبدلون قلبا خبيثاً بقلب طيّب لا خبث فيه؟ أفلا تستبدلون كفراً وشركاً وافتراءً بإيمان وتقوى واتصال بخالق هذا الوجود بكل ما فيه؟ ذلك هو الجهاد اللازم لأخلاق الثوار، ألزم ما يلزم لهم فيه أن يكونوا على هذا الخُلق العالي لا يحيدون عنه، وأن يصيروا على ثورة الإيمان، وأن يقاوموا الافتراء في شتى صنوفه وبكل معانيه، وأن يعلموا أن رد الفعل في كل ثورة أقوى وأعنف من ثورة الإنذار ..

وهذا كله، يحتاج إلى جهاد الثوار؛ وهو أشدُّ أنواع الجهاد.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم